← Адаб

Адаб · id 5418

المساكين

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (65 стр.). Показаны 36–65 · переход к 41.

стр. 36

ورأى فيما يرى النائم كأن الأرض ترقصه على أعشابها لتمسح عن أعضائه التعب، ثم أبصر السماء في مثل تحاسين الطاووس من ألوانها وأصباغها كأنما أشرف على الأرض فجر يوم من أيام الجنة، ثم نظر فإذا ضوء رطب يتندى وقد ترقرق فأصاب شفتيه الذابلتين، ولمح على إثره وجه حسناء كأنها فلقة قمر، فكان ذلك الضوء قبلتها وابتسامتها، وكان على قلبه "برداً وسلاماً" فنصب لها يديه يتناولها فإذا هي أمامه ضاحكة، وإذا هي ملء صدره وذراعيه، فارتجف جسمه رجفة شديدة كأن فيها شوق سبعين سنة من الهجر، وما لبثت عقد أجفانه أن انحلت فنظر فإذا يد فتاة قروية ناعمة تهزه برفق!.. فانتهض الكونت كأنما نشط من عقال ولما تصح عيناه من سكرة الحلم فكان يخيل إليه أنه يرى جمال السماء والأرض معاً في طلعة هذه الفتاة وعلى غرتها، ثم كشف لها عن رأس كفروة الأرنب البيضاء، وانحنى متأدباً وقال بلطف: أشكرك يا سيدتي! أما هي فابتسمت له وقام في نفسها أنها هي ردت عليه روحه، ولأنها لو لم تنبهه انتبه آخر الدهر، كأنما حسبته ميتا وظهر هذا الفكر في ابتسامتها فأكسبها شيئا من قوة روحها، وجعل لشفتيها الحمراوين جمالا كجمال الشفق إذا افتر عن نور الفجر. وتأملها الرجل بمبلغ ما في نفسه من لذة الحكم وما في صدره من ضجعة تلك الحورية التي تلوث عليه وتقلبت فيه "وبعث عليها وهمه وصبغها [ألوان نفسه واستضاءت به، فكأنها من أمام الفانوس السحري! ... " وما خلق الله لذم أهنأ للنفس من لذة الأحلام، فكأنما ترى فيها النفس شيئا من تحقيق المستحيل، وإن في أعقاب هذه اللذة بعد اليقظة ما يشعر المرء بالأماني كيف جاءت وكيف ذهبت، فكأنما كان في حياة أخرى، وكأن نفسه تتمسك بهذه الحياة ولا تريد أن تسلمها، فتكون ذكرى الحلم نفسه على الحقيقة، لأنها نتاج ما بين لذة لم تكن شيئا ولذة صارت شيئا. وثبتت صورة الفتاة في عينه على ما اشتهى، وكانت زهراء اللون، حوراء العينين، ساجية الطرف، أسيلة الخد، باسمة الثغر، حسنة التكوين كأنها ريحانة ترف رفيفاً، وتكاد من فرط رقتها تتكلم ابتساما حتى لا يحسب من رآها أن الشمس طلعت يوما على أبعد من ثغرها واللؤلؤة، ولا أحسن من خدها والورد، وكأن الطبيعة يعتريها أحيانا من سوء الحرص وسوء الخوف وسوء الحيلة بعض ما يعتري الشحيح الذي يخبئ من الأداة والمتاع. فكانت "لويز" على ما وصفنا من الجمال والظرف ولم تكن مع ذلك إلا قروية! أما صاحبها فما أشبهه بعنق النسر: شيخ مضعوف، كالعرق المنزوف والعظم الملفوف، ممسوح العضدين، ناسل الفخذين، كأنما يتوكأ منها على عصوين.... غير أنه له عينا يتوقد فصها ويستنفض الناس طرفها فلا يملك من تقع عليه أن يضطرب، وكذلك اضطربت الفتاة، وما كاد الرجل يلمح اضطرابها حتى طبع الله على بصيرته فحسب ذلك معنى من الغزل، وانطلق وراء خياله يمر به على آمال الشباب الفانية، وكان لحظ الفتاة ينساب في عروقه دما يغلي، فحسب أن جسمه قد ثاب إليه، وأنه بعث خلقا جديدا لهذا الحب الجديد. ... ويبالغ في التظرف ويجلس قريبا منها يستنبئها وهي تطرف له من أخبارها، فعلم من روايتها أنها شريفة النسب خالصة العرق، وقد نبا بها المنزل وانحط الدهر على أهلها فهي ذاهبة إلى المدينة تتلمس حياة التقوى في دير العابدات ... وعلمت هي من رؤيته أن هذا الموت الماثل أمامها حياة، وأنه لا مذهب لها من ورائه إذا هي أفلتته إلا مذهب القدر المجهول، ورأته كأنما يتسرب لفظها ولا يسمعه، وأبصرت هواها في حماليق عينيه، فجعلت حينا تبسم له وتلحظه وحينا تلحظه وتبسم له، وما تلفظ من أنة في بث حزنها إلا أحس المسكين أنها نقرة على أوتار قلبه، ولعل الإنسان لا يمكنه أن يحب إلا إذا هيأت له الطبيعة مجلس الحس على ما يشتهي وعلى ما هو مذهب الحب نفسه! وقد مذعت له الفتاة من خبرها، وكتمت عنه أنه طريدة منبوذة استزلها فتى من عشيرتها على أن يتحللها وكان مها مقعد فؤادها زمنا، ثم طوح بها عاره وغدره ولؤمه جميعا، فخرجت هائمة على وجهها ولفظها قومها كما تطرح الثمرة إذا دب فيه الفساد من عبث الطير!

стр. 37

قال "الشيخ علي": وانقلب الاثنان كلاهما صيد وصائد: أما هي فأصابت رجلاً مجنوناً بها يحبها حب الجد والأب والزوج والعشيق، فإن ثاب إليه عقله من جهة بقي مجنوناً من ثلاث جهات، وحسبت أن الموت مصبحه أو ممسيه فهو همها عشية أو ضحاها. ولقد كانت من الضائقة والعوز وشدة الاختلال بحيث لو عهد إليها أن تغسل الزنجي حتى يبيض لقاء درهمين لطمعت فيهما ... ! وأما هو فقد ظفر في زعمه بالمرأة الطبيعية التي نبتت مع الأزهار، وطلعت في سماء الحياة مطلع ضوء النهار، وحسب أن هذه الفتاة التي تناهز العشرين إنما هي زيادة عشرين سنة في عمره ينتهبها من القدر انتهاباً ويقضي بها بين الحب طفولة وشبابا. ولست أدري كيف عذب العقل عنه، ولا كيف خذله رأيه، ولا كيف وهى ركن فلسفته وكان من قبل وثيقا وكيف أحب منذ الساعة وقد كان يتصاون عن النساء ويحسب أن بغضهن عقد لا يحله إلا من يحل عقدة نفسه ... ! ولكن الحب يا بني لا يكون عجيبا بلا شيء يعجب منه، وكثيرا ما يمتلئ الرجل بغضا ليحب ب ذلك بمقدار ما أبغض، فمثله كمثل من يبحث عن البرهان بطريقة من طرق المغالطة التي لا تؤدي إليه، فمتى أصابه كانت قوة البرهان بطريقة استخراجه العجيبة أشد منها في البرهان نفسه. وهي الأرواح ما زال بعضها يتسلط على بعض، وما أن يزال في كل روح معنى هو الوسيلة إلى هذا التسلط ومنه مصاغه ومأتاه، فلو قلت إن في مسلاخ ذلك الرجل معنى الحمار لما كان في الفتاة إلا معنى العصا، وكذلك انطلقت وهي تسوقه في طرق مصائبه، وعند العصا تفرغ حيلة الحمار ولو كان الحمار أبياً. في الحب من هذه الهيفاء التي تستميل ولا تميل، وقد استبدي بالجمال فلا يرى في غيرها شيء جميل، طالعة كالضحى فكل نجمة من ضوئها كاسفة، لاهية كالنسيم وفي كل قلب من حبها عاصفة، وقد عبدها العشاق باطلا كما يعبد المجوس الشمس، وتمنوا في دلالها المحال كما يتمنى المرء من أمس، وكتب عليها هواها المحتوم: "جند ما هنالك مهزوم"! وكم تمنوا لو أن لين أعطافها، يتعدى إلى انعطافها، ولو أن بعض ابتسامها، يشرق على ظلمات اليأس من غرامها، وهي تقتل منهم برضاها وغضبها على السواء، كأن حبها الموت: متى قضي جاء به الداء وجاء به الدواء! في الحفلات ومن هذه الطالعة في غلائلها، المعروفة في الحسن بدلائلها، المشرقة كالبدر في ظلمة الحلك، الضاحية كالشمس في قبة الفلك، تعترف بالهوى في ألحاظها، وتنكره في ألفاظها وتقبل بعينيها سائلة عما بين جنبيك، وتلتفت بجيدها مائلة عن جواب عينيك، وقد حسرت عن زنديها، ووضعت رمزا للحب تلك الوردة على نهديها، فلاحت للمحبين كأنها روح القبلات من خديها؟ في الرقص ومن هذه الزهراء كالزهرة المشبوبة، الحسناء كالدمية المنصوبة، المشرفة في زينتها كغرة الدينار، اللائحة في ميناء الدموع كما يلوح المنار، وقد شف قلبها عن الجوى كما يشف الزجاج، وتدافعت من طرب الهوى كما تتدافع الأمواج، وحتى ترقص على حركات القلوب في الضلوع وتسترسل في سهولة كأنها جسم خلق من الدموع، والأبصار قائمة على قوامها، والنفوس حائمة منها على حمائمها، ن وما هي في عين المحب إلا خطرات الطيف، أو رقة نسمات الصيف، ولا رقصها إلا معركة في الحب قام فيها اللحظ مقام السيف؟ في الموسيقى ومن هذه الباسمة كالأزهار، الساجعة كالأطيار، التاركة عشاقها كالشمس بين طرفي الليل والنهار، القائمة كالكأس في اليد، الناعمة كالحمرة في الخد. وهي تحيي بالصوت لأنه يخرج من صدرها وتسكر باللفظ لأنه يمر من ثغرها ويكاد يخلق من سحر القلب المفتون، ومن حركات أناملها العقل المجنون، إذا صدحت فحمامة! وإذا رقصت فغمامة، وإذا أرسلت من يدها صيحة الأوتار أقامت للطرب القيامة؟ تلك هي درة الصدفة المطروحة على ساحل الموت، وهي حمامة ذلك القفص البالي المصنوع من العظام، وهي خطيبة الكونت فيكتور..! وتلك هي لويز القروية الساذجة، كانت نبتة في الطين، فأصبحت زهرة في وعاء ثمين، ولأن تكون نبتة مهملة وتنمو، خير من أن تكون زهرة مرعية وتجف.

стр. 38

ولقد رأى الكونت أخزاه الله أن أحسن ما يكون الاستمتاع بالجمال حين يكون الجمال فنا وفتنة، فأنا الفتنة ففي عيني لويز وجمال تكوينها، وأما الفن فلا سبيل إليه من هناك ولا من فلسفته، وليس إلا أن يبسط يده كل البسط حتى تنبت له تلك الزهرة من أغصان الذهب والجوهر، فأنفق واتسع في الإنفاق، وجعل آمال شيخوخته كلها مقترحات في زينة الفتاة، فبرعت البراعة كلها في الرقص والموسيقى وأحسنت من الفن النسائي في أساليب الظرف والجمال والزخرف على جسمها، ما ترك هذا الهرم المتصابي المفتون يفاخر الناس كافة بأنها خارجة من قريحته. وأعجب ما في الأمر أنه على كثر ما أنفق وطائل ما بذل، لم يكن يرى أنه أنفق على لويز ما لا بد منه على لويز، وهو منذ أصبحت في كنفه، استبدل من الحرص على المال بالحرص على الحياة، وعرف أنه لا بد في الحب من وسيلة، وأن قلب المرأة ليس في يد أحد ولا في يد المرأة نفسها، بل هو يختار فيما يختار، ويختار على ما يحتكم، وأنه ليس أشد عنفاً من هذا القلب، فهو إن لم يحي قتل: يحب المرأة عاشق غير محبوب منها، ويريد مراغمتها على حبه فيقتله قلبها لوعة وضنى بما يطوع لها من صده أو بغضه، وتحب المرأة ثم يمنعها قومها ويرغمونها على غير من تحب، فلا يقتلها إلا قلبها! وإن فكتور ليعرف أنه فارغ الخلقة ... من وسائل الحب كلها، ويعرف أنه في أحمض أنواع الهوى لا يعدل أكثر مما تعدل قشرة الليمونة المعتصرة، فكيف به في الثمر الحلو، وكيف به في حب لويز! لم يبق إذن إلا أن يخرج الوسيلة من يده، والمال أضعف الوسائل في الحب الصحيح وإن كان أقواها في الحب المكذوب، على أنه لا يجعله قويا من ضعف إلا أن يظل يمد بعضه بعضا، فإذا انفضت اليد أو أمسكت فلأن يقبض المحب على الريح أيسر من أن يضع يده على ظبية شاردة ... ومن أجل ذلك توسع الكونت البذل حتى كأنه كيس مخروق. ولم يعرف لها طلبا إلا بلغ فيه رضاها وحسب أن في رضاها محبتها. فكان يأتي بالحاجة التي كانت تطلبها والحاجة التي لم تطلبها، ويجعل كل شيء شيئين، "وأبى أن تعبد لها أن يكون عبدا بشهود وأدلة". وبقيت لويز تتربص به الأجل، فكانت له كحرف التسويف، ولا تزال تدفعه عن نفسها، وتروضه على الصبر، وتمنيه أنها تستتم فنون الجمال من أجله، وأن هذا القمر متى تم فسيدخل معه في المحاق.. لا محالة. وتظن باطلا أنه لم يبق منه إلا كما بقي منه من ذنب الوزغة تضرب به يمينا وشمالا ثم تموت، بيد أن الموت لم يستنقذها منه، وإن كان يرأف بها أحيانا وتدخله الرقة عليها فينيب عنه الروماتزم ليريحها بضعة أيام! ... وكان الرجل يخشى غضبها ويطمع في رضاها فكان يستعين ببعضه على بعضه، ويعلم أنها ترى الصبر أحسن ما فيه فيترك أقبح ما فيه ويصبر، فلما استوت فتنتها ولم يبق من باطلها ما تتعلل به أو تتملق به علة، ورآها قد أخذت زخرفتها وازينت واهتزت وريت، صار منها كحرف الجر لا يريد إلا أن يكون الجار والمجرور (متعلقين) ... وفرغ صبره واستقين أن له آخرة وأن صاحبته لا تزال في أول دلالها، وكانت تحسب أن الدهر نائما عنها فإذا عينه قد انتبهت في أجفان هذا الشيخ فنظر إليها نظرة لا صواب فيها.... وباغتها الرجل فخيرها بين أمرين خيرهما شر: إما طريق إلى صدره وإما طريق من غدره، ومع الأولى الوصية بالمال، ومع الأخرى أن تذهب في الحال! وكذلك غلبها على أمرها وانتصر في معركة كان لا بد من أن يخر فيها أحدهما صريعا، وقد استحال أن يكون المغلوب غيرها، وإن عثرة تستنهض منها بعد حين خير من عثرة لا تستقيلها، ورأت الظبية أن لا مناص، فوقعت في يد القناص ... يا ليل

стр. 39

الليل منسدل كأنه حجاب مضروب بين الحياة والأحياء، مجتمع الظلمة كأنما هي ذنوب الناس في نهارهم جعلت الملائكة ترسلها إلى السماء، وتغشى الأرض معنى من خشية الله فنفرت له دموع المساكين، وأقبلت عليه أنفاس المحزونين، وبرزت له في آثار الظلم دعوات المظلومين، وقد ارتفع إلى الله صوت يتقطع زفرات، ويتلهب حسرات، ويسل من الدمع قطرات، وكان صوت لويز وهي تزفر الزفرة تكاد تنشق لها، وترسل الأنة تكاد تدفن فيها، وما بها فتسكته عنها، ولا بها الحزن فتمسحه بدمعها، ولا بها الهم ولا بها الغضب، ولا أمر مما يتواصفه أهل البلاء ويبثونه في شكوى أحزانهم وإنما ذلك شيء إن يكن من الحياة فليس بالحياة، وإن يكن من الموت فليس بالموت، ولعله منازعة الحياة والموت على قلبها! ما بك يا لويز وقد بت زوج الكونت الذهبي، وهو عما قليل آخذ ما أمامه، وتارك ما وراءه، وما بك أيتها المسكينة وقد كنت فقيرة بائسة لا تملكين قوت يوم فقبضت على أعناق سبعين سنة تجمع المال وتكنزه، وما بك عمرك الله وقد خرجت من الكوخ إلى القصر، وصعدت من العريش إلى العرش، وإن كانت حواء قد طردت من الجنة فقد طردت أنت إلى الجنة وفي الجنة قوم يقادون إليها بالسلاسل ... ! قالت المرأة وهي تناجي ربها: ماذا قضيت علي؟ لقد وضعت الدنيا في راحتي وكأن مملكة آمالي مرسومة في كفي، ولكن أي فرق بيني وبين تمثال من الذهب الخالص في منزل هذا الرجل! لقد رددتني من فقري وذلي إلى رجل رددته أسفل السافلين فما يريني الدنيا التي أعرف أنها الدنيا ولكنه يريني الآخرة! ... يا ويلتا! إن لم يخجل الرجل من شيء أفلا يخجل من أنه لا يخجل؟ أبى هذا الموت لشقائي إلا أن يتخذني زوجته، وكنت خليقة أن أجعله أسعد رجل في الدنيا لو اتخذني ابنته! اللهم إنك رزقتني العافية في كل جوارحي ولم تصبني إلا في القلب! يا ويلتا ما أنا إلا لعبة في يد هذا الطفل، لا يلذه شيء أكثر من تحطيمها في طرق لذته، وقد خلقت يا رب من يحطم القلوب الصحيحة، ولم تخلق من يستطيع أن يجبر القلوب المكسورة، وأنه ليس فيما برأت وذرأت مخلوق أشد تعبا من يفتش في قلبه عما ليس في قلبه، وهل من الممكنات أو في أشباه الممكنات أن أجد في ناحية من قلبي حب هذا الزوج؟ لقد عرف الناس أن قلب المرأة كثير العبث، وهذا الذي يسمونه دلالا ويسبونه في الحب إنما هو شيء من عبثه، وأن هذا القلب إنما خلق ليحب، ولذلك أعطي قوة يخلق بها الحب من العدم، غير لأنهم جعلوا فيما يجهلون من أسرار المرأة أن ذلك القلب إنما جاءه العبث بالرجال من أنه لا يطيق أن يعبث به أحد من الرجال، ومتى وجد من هؤلاء من يريده بنادرته ويجعله من هزله معرض السخرية وموضع العبث، لم يكن في الدنيا أحد أبغض إلى المرأة منه، وإن كانت الدنيا كلها في طلعته، وإن كان مخلوقا من رونق الشمس. أليس النساء يحببن حتى الكلاب ويرفهنها ويغالين بها وينزلنها منزلة الولد في الحب والانعطاف والتوجع والتحزن؟ فسبحانك اللهم! إن هذا القلب الذي يسع حب الكلب يضيق عن حب كثير من الرجال إذ يحبون المرأة حبا ليس فيه شيئا من روحها حب الزانية أو الاستمتاع أو الخدمة فكأنهم بذلك يبغضونها بغضا فيه كل روح. يا ويلتا! أعجزت أن أجد في هذه العاجلة نفسا أرى فيها نفسي؟ وهل حرمت علي كلمة الحب فلا يفيض بها صدري ولا ينطق بها لساني؟ وهل خلقت للؤلؤة لأكون في عقد من الحصى، ورسمني الله بهذا الجمال ليعذبني بهذا القبح؟ وما عسى أن ترد علي هذه النعمة ما دمت لا أجد لها سبيلا إلى قلبي، وما دام هذا القلب لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يعامل بالمال ... ؟ ضل ضلالكم أيها الناس إذ تحسبون النعمة حق النعمة في الغنى وحده، وتمضون الأمر على ما تخيلتم من ذلك، ولا تدرون أن الله ينتقم بالغنى أشد مما ينتقم بالفقر، فلو أني بليت بالمصيبة وأنا امرأة خاملة لا احتملتها وقلت خمول عرفته فما يبلغ به ولا يزيد ني بنفسي ولا بنفسه معرفة، ومن رحمة الله بالفقراء الخاملين أن في كل بلاء يعتريهم ما يعينهم على حمل بلاء أشد منه، ولكن الضربة اليوم لا تصدع الصدقة بل تستحق اللؤلؤة، فاللهم لا قوة إلا بك!

стр. 40

وما أشبهني إذ قتل هواي هذا الكونت، بزنجي من زنوج أميركا اغتال سيدا من البيض، فلم يجدوا له عذابا إلا أن يشدوا قتيله في وثاقه، وتركوه يبلى تحت عينيه ويسيل جوفه تحت أنفه ويتناثر لحمه على صدره! ... وهكذا يقتله القتيل وحده بالرعب والجنون قتلة لا وصف لها في لغة الحياة. ولقد كنت بائسة يطير بها الفضاء ويقع فلا تزال دهرها تحت جناح مخفوض من رحمة الله أو فوق جناح منشور من الأمل في رحمته، فلما وجدت الغنى واستشرفت السعادة، شغلني تالله بهم نفسي، فشغلتني نفسي عن النعمة فلا تزيدني ني النعمة إلا هما! وقد كتب الله علي أن يقتلني بغض هذا الرجل فوهبني الغنى من يده وحسب الناس أن ذلك لكيما استمتع به، وعلم الله أن ذلك لكيما أتصل بقاتلي! فاللهم قد أحيط بي وليس ورائي منفسح، فمن حيث التفت لا أ ﴿ى غير ما قضيت علي أن أرى، وهذا امتحان أينما أنوجه في الحياة لا تقابلني الحياة إلا بمسألة من مسائله المعضلة! إن كلمات القضاء لا تقرأ لأنه لا ينزل بالناس إلا معانيها، على أن الكلمة الأزلية التي يكون معناها هذا الزواج وهذا الزوج لا بد أن تكون جملة كاملة من غضب الله في السماء، لا يقابلها إلا سيرة كاملة من ازدراء الناس في الأرض. قال "الشيخ علي": ونفرت دموع هذه المرأة تخفف من يأسها، وأنه ليأس أكبر مما تحتمل نفسها من الصبر لو أنه من وجه ذلك الزوج وحده ... فكيف به ومع ذلك شبابها الهالك، وآمالها الضائعة، وغصة من شماتة الناس وازدرائهم، وبلاء من نعمة سابغة ستنقلب فضيحة وسخرية؟ واهاً لك أيتها المسكينة! إن مصيبة الأغنياء لتكشف نفسها فهم يحملونها ويحملون آراء الناس فيها، وإن المصيبة لتكون واحدة ولكنها ترتد إليهم من قلوب الشامتين من أعدائهم والمتربصين من حسادهم والمتوجعين من سائر الناس وكأنها مصائب كثيرة لا تعد. والمرء لا يأخذ من الله بشرط ولا يعطيه الله على شرط، فإن كان في الغنى تلك النعمة ففي الغنى هذا الهم، وما رأيت أيسر اضطرابا من الماء الراكد قذف بحجر، إلا الغني الغافل قذف بمصيبة! ويحكم أيها الأغنياء! متى رأيتم ثمرة لا تسقط أبدا من غصنها الأخضر وثمرة تسقط من الغصن ثم ترد إليه فتعلق به وتنضج عليه، فاعلموا يومئذ أن غناكم هذا نعيم لا رزيئة فيه ولا مصيبة، لأن هذا الكون حينئذ يكون فوضى لا نظام له ولا قرار. وانصدع الفجر، وأقبلت الحياة تتنفس من مباسم الأزهار، وتتغنى بألسن الأطيار، والفتاة موجسة أن ترى طلعة شيخها، وكأن هذه الطلعة صبح غير الصبح، وودت لو وقف الزمن، فإن لم يكن فوقوف الأرض، فإن لم يكن فوقوف قلب هذا الشيخ، وخيل إليها لأنها ستقرف بإثم منكر إذا هو بادرها قبلة الصباح على مثل شفق الشمس من خديها، وأنها لا ترمى بمسبة أوجع ولا أمض من قوله: حبيبتي! ... وانسلخ الليل، وطارت الأحلام، وأفصحت الحقيقة، واستيقظ الكونت ... على المائدة زهرات ناضرة كأنما اختبأت فيها ابتسامة الفجر، عاطرة كأنها رسالة اللقاء بعد الهجر، بديعة التنميق تحسبها قصيدة من شعر الألوان، متفتحة للحب وكأنها لكتاب الحب عنوان، متلائمة مصفقة، متلاثمة كالشفة على الشفة، قائمة في جلالها وحسنها كأنها في خلقة الجمال آية، وكل زهرة في لونها كأنها لدولة من دول الحسن راية، وقد جلست إليها غادة فتانة كأنها في رقتها روح النسيم وفي نضرة شبابها روح الحديقة، ولاحت الأزهار كأنما هي خيالات جمالات جمالها، وظهرت الغادة كأنها هي الحقيقة. تلك هي لويز في صبيحة عرسها على المائدة وقد أثبتت في كل زهر لحظا من لحاظها، ولا يشك من رآها في تلك الحال وهي ترتقب ظهور زوجها أنها تنفس على هذه الأزهار شابها ونضرتها وحسن ملاءمتها، وتحسدها على أن ليس لها أعواد من الحطب يفسد نظامها وتنكر بهجتها وتغص من حسنها كما ابتليت هي بزوج من عود ...

стр. 41

وإنها لكذلك، إذا خفق أقدام وضوضاء وموكب وشيء من الموسيقى، فما لفتت جيدها حتى أبصرت الكونت داخلا يتوكأ على خادمين وله نغم مختلف ... وآهات وأنات، ومع النغم سعال كقرع الطبل. وكان الروماتزم قد دب في مفاصله تلك الليلة وبات يفتل في عروقه وأعصابه، ووعكته الحمى واجتمعت إليه علل الشيخوخة كلها تهنئه بالزفاف، غير أنه لم ينسى مع هذا البلاء كله أن عروسه ترتقبه على المائدة، فحفزه الشوق وعاوده الصبا فطار إليها بجناحين من خادميه ... ولما بلغ ظلها أفلت الخادمين ثم ارتمى عليها يقبلها رياء ومصانعة، ثم تمسك بها يستند إليها، ثم انحط إلى يمينها، وما كادت تناوله قدح اللبن يرتضعه ... حتى غمره الألم وهاج داؤه، ففتح فاه وصدحت الموسيقى بنغم مختلف من آهات وأنات، ومع هذا النغم سعال كقرع الطبل. ورأت لويز ذلك المنظر فرقصت أحشاؤها..! فلم تملك المسكينة أن اقتلعت جسمها من الكرسي وانكفأت هاربة على حجرتها، وانطرحت في غمرة أخرى من الألم، وبقيت هناك ملقاة يدار بها، وكانت لم تغتمض في ليلها، فاصطلح على جسمها هم الليل والنهار. فصل خامس في السنة وزالت هذه الغشية عن الكونت بعد أيام، كانت العروس فيها من روح الأمل كالمختلعة إذا أخذت كتاب طلاقها، أو الأمة إذا وعدت بعتاقها، وكان دعاؤها لله كلمات لا تعدوهن، تقول: اللهم رحماك! فأنت المصيب وأنا المصابة، تلك قوتك وهذا ضعفي! وكانت إذا حمدت الله تواردت مع زوجها فيما يحمد الله به من حيث لا يشعر أحدهما أوكلاهما، كأن للحب الشديد والبغض الشديد لغة واحدة، فكان هو يقول: الحمد لله إذ لا تراني! وتقول هي: الحمد لله إذ لا يراني!.. وباغتها الرجل منصبا عليها، فلو أن ميتا طالعها من قبره ما كان أروع لها عنه، قلب يسكن من أضلاعه الخربة في شقوق وظهر كالقوس يحمل من روحه سهما ليس له إلا المروق، وعروق ناشرة كأنها في جلده المتغصن خيوط في خروق! ودخل عليها كما يدخل الشتاء بكلوحه وبرده، على الروض النضر والبقية الضعيفة من ورده، ونظرت إليه فلم يقع من نفسها إلا موقع الهموم على الهموم، ولم يكن في عينها إلا كما يكون الحلم في رأس المحموم! وجلس إليها الشيخ يتطفل ويقترح، وكانت لويز تعرف أن السنة أربعة فصول، أما سنتها هذه فكانت فصولها بعد اقتراح هذا البغيض خمسة: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء، وشهر عسل الكونت! فقد لج الرجل في عناده وأبى إلا أن يكون له ولها شهر العسل، ومما زاده لجاجاً وعتوا أنه كان يخشى أن ينسلخ الشهر، فقد ذهب نصفه في تجرع الدواء لم يبق "للعسل" إلا ريثما يمحق القمر أياما معدودات.... ثم انصرف من لدنها على أن ترصد للسفر أهبته وأن ينطلقا على جناح غراب. واستقبلت العروس ليلتها وجعلت تقلب وجهها في السماء وترنو إلى النجوم بعينين قد ثبت في إنسانيهما خيال ذلك الرجل كما يثبت خيال القاتل في عين المقتول، فلم تر في النجوم إلا هرم الدهر وتحجر الأيام وقد استيقنت أن نجمها طامس لا محالة وكأنما خرج عن الفلك، وضل في ذلك الحلك! وما هي خطرة الفكر حتى لاح في مرآة نفسها خيال ذلك الشاب اختلبها أياما بالهوى، وكان لها منه الداء وكان له منها الدواء، وأغواها في عرف الناس ولكنه هو ما ضل وما غوى. وكان هذا الفتى فرويا فحلا، ظريف الهيئة، مستوي القامة! عريض الصدر، تام الخلقة وثيق التركيب قد ارتوت مفاصله واستحكم نسجه، وله مع ذلك خلابة، وفي لسانه دعابة، فما أطلى حديثه وأنداه. وما أحلى خبره إذا كان من الغزل مبتداه.

стр. 42

وقد أحب الفتاة أكثر مما أحبته، ولكنها كانت غريرة لا تتبين منزلة ما بين الحب والاستسلام، وبين ما يعده الرجل وعدا بالفعل وما يراه وعدا بالكلام، ولم تعرف أن هذا الحب سلاح ذو حدين، فالمرأة تقتل به من ناحية الرجل، فإن غفلت مرة عن نفسها قتلت هي به أيضا من ناحيتها، وأن حب الرجل حب مجنون بطبيعته، فإذا لم يكن حب المرأة عاقلا انقلب كلاهما حيوانا طامس القلب لا يبالي ما جنى على نفسه، وأن الرجل يقاد من رغبته ما دامت أملا في قلبه، فهو يعد المرأة ما شاءت وشاء لها الهوى، حتى إذا انقطع هذا الزمام انقطع ما بين لفظ الوعد ومعناه، فأخذ منها ما أخذ وترك في يدها ما أعطى، وما عسى أن يكون قد أعطاها إلا آمالاً ومواعيد وغروراً من زخرف القول؟ وكذلك أمر الرجل والمرأة: تحسب الفتاة إذا هي أحبت فاستأثرت لصاحبها أنها تبذل في مرضاته أعز ما تملك، وتنوله خير ما استؤمنت عليه، وتعطيه ما لا تستعيض منه آخر الدهر، وأن ذلك أحرى أن يؤدم بينهما، وأن يكون ميثاقاً للحب غير منقوض، ويحسب الرجل أنها لم تنله إلا شيئاً هيناً قريب المنالة، هو عندها وعند كل امرأة، فإن كان سري الخلق نبيل النفس رثى لها مما صارت إليه، وندم كما يندم على الإثم، ولا يكون همه إلا أن يلتمس المخرج من أمرها، فإن طارحته حديث الزواج رأى أن من فرطت له حرية أن تفرط فيه، وهتها بهذه الكلمة وسلم وقد مات الذي بينهما، وإن كان لئيم الطبع خسيس النفس شد على رقها واتخذ من ضعفها قوة ومن خوفها أمناً حتى إذ ملها تنكر لها ثم أنكرها، فإن استقضته ما وعد من زواجها رأى أن الزواج قد سبق أوانه ... فلم تعد تصلح له ولا يصلح لها، وكلا الرجلين سافل دنيء زمر المروءة وإن قال الناس فيهما سري ولئيم. فالسحابة تنهل بمائها، ثم تجمع مرة أخرى في سمائها، والزهرة تقطف لحسنها ثم تنبت مرة أخرى في غصنها، ولكن العذراء حين تفرط في خدرها، وتضع نفسها دون قدرها، لا تبرح شقية حتى تنزل في قبرها. وهكذا لا يزال الرجل في عتوه وظلمه كالساحل، ولا تزال المرأة في ضعفها ولينها كالموجة، فلو أن ألف موجة عاتية يصدمن الساحل لاستباحهن وما سلبنه مقدار شبر من الرمل! وما اعترض رجل وامرأة في خلق العفة، إلا كانت هي الساقطة وحدها في الاعتبار، لأن العفة إنما عرفت بالمرأة من أصل الخلقة، وإنما يتصاون الرجل تشبها وتقليداً، فإن هو زل مرة وقارف الإثم فقد أخطأ في التقليد ولم يفقد شيئاً من طبيعته، ولكن المرأة متى فعلت ذلك فقدت من نفسها وغيرت تكوينها وأخطأت في الأصل الذي بنيت عليه طبيعتها وقامت به شرائع الله وهي فيه نظام الأمم فلا جرم كان عقابها على الخطأ عقاباً نفسياً يجمع من شدة الطبيعة إلى عنت الشرائع إلى قسوة الاجتماع، ولهذا كان شر عيوب المرأة ما عاب فضيلتها الخصيصة بها. قال "الشيخ علي": وانطلقت نفس "لويز" لمسرى خيال حبيبها، وكانت تبغضه دون البغض إذ هو مسعدها ومشقيها، فصارت بعد زواجها تحبه فوق الحب، إذ لا ترى لها مسعداً غير ذكراه، ولا تعرف على ظهر الأرض من أشقاها غير الكونت. ولما ذكرته انهملت دموعها فجعلت تبكي حتى انحلت سحائب همها، ثم أشرقت كما تصحو السماء في أعقاب المطر فلو رآها أشعر الناس في ذلك الجمال المشرق الحزين الذي تورد حتى التهب، لوقف عندها وقفة العابد في المحراب يشعر بالقوة الأزلية ولا يحسن أن يصفها. وأي شاعر تحيط نفسه بهذا الشقاء الذي رفعه جمالها الساحر من بين آلام الأرض وألحقه بذلك الألم المنفصل من السماء الذي لم تشهده الأرض إلا مرة واحدة يوم جلست حواء تبكي أول بكائها بعد خرجها من الجنة ... ؟ ويالله ما أروع الجمال حين يتألم ويحزن ويحضر الجميلة همها! إن مثل من يحاول أن يصف دموع هذه الجميلة وحسراتها وصفا ناطقا يتنفس به القلب، كمثل من يريد أن يخلق من سحر البيان زلزلة ترجف بها الأرض حين يبالغ في وصف الزلزلة، وما اللغة إلا أداة، فكيف ويحك تستعمل هذه الأداة في صفة قوة تعجز عندها كل وسيلة حتى الشعور الذي أبدع اللغة؟

стр. 43

لقد أجمعت المقاييس بين أقطار الأرض، وطوت ما بين الأرض والسماء، وداخلت ما بين أنجم السماء بعضها من بعض، ولكن أية أداة تعين لنا درجة الإحساس بين نفس عاشقة مدنفة تشهد آلام نفس معشوقة، وبين عيني شاعر غزل وثاب الخيال تنظران في عيني امرأة جميلة باكية، وبين ألم جامد جاف يضطرب في نفس الرجل، وألم سائل متدفق تضطرب فيه نفس المرأة ... ؟ إن هذه الأنفس إنما تشعر بمقدار ما فيها من الإحساس لا بمقدار ما في الحقيقة من مادة الشعور، وكأي من رجل أبله متغفل يدور مع الآلام والأوجاع دوران الغبار في العاصفة، فإذا رأيته توجعت له وداخلتك الرقة عيه وثارت نفسك من أجله ثورة السخط على هذا الاجتماع الإنساني وتمر بالرجل ثم تنساه، ولكن هنا طفلة صغيرة قريبة العهد بالغيب قد عينيها كما تتحير الألفاظ بين شفتيها، وقد ساورها الخوف، وتوثبت نفسها فزعاً لهول ما هي فيه، وجعلت عيناها تتوسلان إلى الناس بالبكاء، ولسانها يتلجلج بالألفاظ مرتعدة كأنما ينتفض عليهن قلبها الصغير. وهي في ذلك لا تبرح تتمثل أبويها فتضطرب اضطراب الفرخ إذا سقط من وكره ولم ينتهض، وترى أن المصيبة قد انحصرت فيها وحدها من دون الناس، فتبكي بكاء تنشق له، ثم تعود إلى التوسل بعينيها الدامعتين وبألفاظها المتلجلجة فانظر وأنت أبو مثلها ما عسى أن تنزل بك من الحسرة ويتغشاك من الهم إذا رنت إليك هذه الطفلة من وراء دموعها تسألك أن تدلها على بيت أبويها الماثل في رأسها الصغير، وهي تحاول بذلة ومسكنة أن تنقله إلى نفسك وتبنيه فيها بألفاظها وإشارتها الضعيفة لتهدي أنت إليه؟ فالمصيبة ليست مصيبة بمادتها ولكن بما يقابل هذه المادة من نفوسنا، ومن ثم فهي لا تؤثر فينا بنفسها ولكن بالكيفية التي نقابلها بها. قال "الشيخ علي": ثم سكنت "لويز" هنيهة لذكرى أيامها الأولى وهي تعلم أن لا رجعى لها، فقد استيقنت أن هذا الغنى ضرب بينها وبين الفقر حجاباً ولكنه رفع بينها وبين الشقاء حجاباً آخر كان ذلك الفقر وحده هو الذي يمنعها منه، وكأن القدر لما اختط لها التعسة رسم هذه الخطة بقلم من ذهب ... واستشرقت نفسها لخاطر غريب ألم بها فأضحكها على ما بها من الهم، فقد أحضرت خيالها ذلك الحبيب الأول في شبابه الغض، وقوته الثائرة، وفورته العنيفة، ونشاطه المهزوز، وإرادته على حب امرأة في أرذل العمر- وهو عمر "الكونت"- يلوح وجهها في العين كما تلوح القفار، ويمتد أنفها بين الوجنتين كأنه حجر في أحجار، ويضحك ثغرها الأدرد فلا تشك أنه في تلك الصحراء"غار" وقد ثابرت عليها الأوجاع والأمراض، حتى أصبح جسمها بين يدي الموت كالخيط بين شقي المقراض!.. ... ثم جعلت ذلك الحبيب يتزوج منها لمالها وغناها وقد أصاب ع عندها ملء أطماعه ذهباً وفضة، ثم وصلت بين شعلة فؤاده الملتهب هوى وشباباً وبين هذا الجسم الفاني الذي يشبه حطام اليبيس، ثم أرادته على أن يعتقد أنها "السكرة" التي وضعت في كأس حياته لتحليها، ثم نظرت لترى ما يكون من أمره وأمرها في الحب حين لا يكون الحب إلا مراغمة وإكراهاً، فإذا الحلم قد انهال، وإذا الوهم قد استحال، وإذا الشاب لا يحب تلك المرأة ولا في الخيال، فجهدت أن تذكر في تاريخ الناس من يكون قد امتحن بمثل هذه المصيبة وصبر لها كما يصبر من ذات نفسه على آفة أو عاهة أو مثله، فأبى عليها الواقع أن يخرج لها مثالاً واحداً ... ... فكدت ذهنها في تصور هذا الحال وتقليبها على وجوه مختلفة، فلم تستقم لها صورة صحيحة، وشبت عندها أن حب شاب قوي في الثلاثين لعجوز هالكة سبعين هلكة.. أمر يكاد يكون في استحالة الجمع، كطرح السبعين من الثلاثين في حساب العدد!.

стр. 44

وعجبت أن يستأثر الرجل وحده بهذه الأنفة ويلتمس لنفسه في هذا الباب ما ينكر على المرأة أن تستنكره، كأن هذه المرأة عجماء لا تبالي من صاحبها إلا العلف، ولو انتهى بها إلى التلف، وكأن كل امرأة إنما هي اسم، على جسم، فليس على الرجل إلا أن يختار اسماً ثم يثبته في وثيقة الزواج بعد أن يساوم عليه، أو كأن المرأة بلغت من الجفاء وضعف التمييز بحيث لا تأبى أن تتخذ أعواد فرشها، من أعواد نعشها، وأن تقيم لها قبراً في البيت، وتنظر كل صباح في وجه ميت، وإلا كم من فتاة كالقمر أخفاها نهار المشيب، وكم من عروس للحب زفت إلى غير حبيب، وكم من وجه صبيح، يقبله ثغر قبيح، وكم من كعاب، سال عليها اللعاب ... وكم من حسن هو رمز الحياة قرن به الموت رمزه، وكم من قد أهيف كالألف لا يرى إلا شيخاً أعجف كالهمزة ... وهنا انتبهت "لويز" إلى زوجها المتهدم الذي هو همزة القطع، وإلى تصابيه المضحك وحماقته العمياء وحبه الأخرق، فانتفضت من الغيظ وكاد بعضها يحطم بعضاً، وجعلت خواطرها تنبض في رأسها كلمع البرق وأخذت تلتمس الوسيلة لرد هذا البلاء عنها أو مدافعته، بيد أنها كلنا ابتدأت فكراً انتهى بها إلى قولها: ما عسى أن أصنع؟! هي لا تفكر إلا فيما ينبغي أن تصنعه، ولكن الفكر يفضي بها إلى هذا السؤال بعينه، فكأنها من الهم والحيرة منعزلة عن نفسها، وقد نفر منها فكرها وقلبها وحظها ولم يبق معها غلا روحها المعذبة، وهي كذلك بينها وبين زوجها وبين القدر!. ولبثت زمناً لا تجد من رأيها إلا قطعاً وأشلاءً، حتى لمحت من نافذة القصر مركبة تدرج في الطريق، ورأت سوط الحوذي يتلقى الأمر منه إلى الجوادين فلا ينزل عليهما إلا انطلقا ملء العنان، كأنما يحاولان الهرب منه ولا يعلمان أنهما يهربان به؛ فرثت المسكينة للبهيمتين، ثم كأنما حشرت لها كل مركبة على الأرض في صعيد واحد، فلم تذكر أنها رأت قط سائقاً ليس في يده سوط ما دام بين يديه حيوان ... ! وظلت واجمة عند هذا الخاطر هنية، لأنها ما برحت تتلقى من ضربات القدر وهي تعدو في الحياة عدواً فيه من السرعة بمقدار ما في هذه اللذعات من الألم! ... ثم قالت: ترى أي حيوان في مسلاخ هذا الهرم؟ وما كذبت أن قلبت الخاطر على وجهه الآخر، فتناولت السوط واستولت على مركبة الأقدار ولم يبق أمام عينيها إلا سبيل الحياة وظهر الكونت!.. وكذلك فاءت من غضبها إلى رضا أقبح من الغضب، ورأت أن هذا الشيخ المأفون الذي يتطاوع للصبا وقد جاوز السبعين وهلك في الدهر، ثم لا يستحي أن يجعلها مثلة على أعين الناس، وأن يكون لها مخزية ولا كالمخزيات جدير به أن يجد منها كفاء ما وجدت منه، وجدير بها أن تبدله من شهر العسل شهراً هو أحق به وأهله، وهو على ذلك أقرب الأشياء من العسل لأنه ... "شهر النحل" ... ! قال "الشيخ علي": هكذا يفسد الرجل المرأة وهو يدري أو لا يدري، فهو يبتغيها متاعاً ويريدها ملهاة، ثم لا يقدر فيها غير الطاعة لما ابتغى وأراد، كأن الطينة الإلهية التي جبل منها الرجل شديداً متماسكاً، بقيت منها بعده هنة ضعيفة فتركت حتى ركت وانسحقت ثم خلقت منها المرأة ذليلة طائعة ... وإن أقدر خلق الله ليكون معه الدرهم فاضلاً عن حاجته فلا يجد ما يمنعه أن يبتاع به الزهرة الناضرة، ولكن العجيب من أمره أنه إذا احتازها لا يلويها بين أصابعه ولا يدنيها من أنفه إلا بعيداً بعيداً وقليلاً قليلاً، بل إنه ليستحي لقذره من طهرها، ولنتنه من عطرها، فلا يحملها حتى يتجمل لها، ولا يظهر بها حتى يكون في الجمال أهلها، وما أدري كيف أدبته الطبيعة هذا الأدب مع شبه الجمال، ولا تؤدب مثل ذلك الهرم الأحمق مع الجمال نفسه؟. ويعمد الرجل متى أصاب مالاً إلى الطيبات من صنوف الطعام وملذات الشراب فيتضلع ويتملأ، وليس في ذلك من حرج، إذ هو ماله ينمو في باطنه، فإن ربح أو خسر فإنما "المضاربة" في معدته..، ثم يعمد أقبح خلق الله وجهاً وأظلمهم سنة وأشأمهم طلعة، بذلك المال نفسه إلى أجمل النساء فيرخي عليها أستار بيته، ويساهمها قبحه وجمالها، وإنما هي في رأيه بعض الطيبات وصنف شهي من طعام القلب، فترى في أي جهة ينمو هذا المال الذي بذله وتندى به، فإني لا أرى له نمواً في قلبه ولا في قلب تلك الحسناء؟.

стр. 45

أما هو فما إن يزال يعرف منها البغض، وأما هي فما إن تزال ترى فيه القبح، وأحسب لو أنفقت ما في خزائن الأرض كلها على التأليف بين الحسن المبغض وبين القبح المحب ما ألفت ذات بينهما ولا زدت كل واحد إلا من طبعه. وكيف يرى هذا الدميم أن مرآة بيته التي اشتراها وبذل فيها واختارها على عينه لا تظهره أبداً إلا دميماً، وهو كلما بالغ في رونقها وصقلها بالغت هي في إظهار قبحه ودمامته، ثم يريد أن لا تراه امرأته الحسناء الفاتنة إلا جميلاً فاتناً ولا تكلمه إلا في الحب، ولا تقبله إلا قبلة الهوى، كأنه هو الذي خلق لها عينين ولساناً وشفتين ... ؟ ولعمر الله لو أن في أضلاع هذه المرأة قلب رجل من صيارفة اليهود قد جثم على منكب الطريق وسرح الذمة والدين والظن واليقين وجنود إبليس أجمعين في طلب الدرهم يأكله سحتاً، وينحته من أيدي الفقراء نحتاً، لما رأته على ذلك المال وذلك إلا كالخرقة فيها دينار، فهي هي لم تخرجها قيمة الذهب الغالية، عن كونها في اليد والعين خرقة بالية! أيريد الرجل لسعادته امرأة لا نفس لها ولا قلب؟ لعله يحول ذلك، ولكن كيف تسعده إذن؟ إني رأيت في معاشرة الحزين للحزين شيئاً من الفرح يتنفس به الحزن على الحزن، فليت شعري أي مهنأ أكثر لذة وأحسن إمتاعاً من معاشرة اثنين كلاهما يهنأ الآخر؟ أيها الهرم الأحمق الذي يستبد بالجميلة الفاتنة! إنك تعبث بذنب السفينة فإذا انحرفت هنا وهنا زعمت أنها تضل الطريق لسوء تركيبها..، ألا فاعلم (ويحك) أنك لا تصلح أن تكون ربان هذه السفينة، وإذا كنت تستطيع أن ترفع شراعاً أو تحرك مجذافاً فما أنت وهذه الباخرة؟ ماذا تصنع (ويلك) في آلات هذا القلب الذي صنعته يد الله ليخوض لجج الحب في بحر الشباب إلى ساحل السعادة؛ وليس بينه وبين الهلاك إلا أن يرتطم في ذلك البحر بصخرة الموت التي لا تكون أكثر ما تكون إلا من رأس رجل هرم!. عسيت تقول إنك غني ملء الأمل الواسع، وإن هذه الحسناء ستفضي من طريق مالك إلى طريق حبك، لأن المال- زعمت- أوسع طرق الحياة وأطولها، وفيه منفذ إلى كل طريق شئت أو شاء الهوى.. فلعمري إن هذا المال كما تزعم، ولكن لا يذهبن عنك أنك لا تعرف إلا فاتحة الطريق إلى هذه الحسناء، وأن خطط الآمال ليست من شوارع التنظيم، أو الطرق السلطانية التي يفضي كل إلى جهة بعينها أو جهات لا يخطئها من انطلق بسبيلها، فقد تبدأ تلك الحسناء من طريق هذا الغنى الذي تفتحه لها، ثم لا تلبث أن تنعطف إلى مذهب من مذاهب قلبها، ثم تأخذ من هناك في ناحية من نواحي مصائبك، لأن سبيل حبها وسعادتها من تلك الناحية، ثم تفضي من كل ذلك إلى طريق من الحياة إذا هي أبصرتك فيها رأتك وليس من وراءك للبغض مذهب. ورأت وجهك ثمة كأنه صفيحة مما تكتب عليه أسماء الطرق، وقد كتب عليها شارع المقبرة.... أنت أيها الأحمق استنقذت هذه الحسناء من الفقر، ثم جعلت تباعد ما بينك وبينها، فأخذن خادمة وجعلتها سيدة، وبصرتها بما كانت تجهل من فنون الجمال وأساليب الهوى، ثم جعلت غاية كل ذلك إمتاع جسمك الفاني ولذة قلبك الخرب، فنسيت نفسك بادئ الرأي ولم تذكر إلا الفتاة فاتخذتك صديقا، ثم نسيت الفتاة آخرا ولم تذكر إلا نفسك فاتخذتك عدوا ... ، فلولا تركتها على جهلها وغرارتها ما دام العلم بالحب لا يكشف منك للحب إلا عن خرافة ... ؟ ويا عجبا من غرام الشيوخ بالفتيات! فإن أكثر من أنت واجد من المحبين وأهل العشق متى أصابه الكبر وذكر حوادث حبه، رأى فيها ما يسميه جهلا وما يسميه حماقة وما يسميه غفلة وما يسميه خطيئة، كأن الهرم يجعل الأشياء نفسها هرمة، إذ ينزع عنها أوهام الشباب وغروره فلا تظهر من ثم إلا حقائق مخلصة فما عسى لأن يرى الشيوخ فيما يسمونه غراماً؟ بل ما عسى أن يرى الحب في هؤلاء الشيوخ "المتطفلين" إلا ما يسمى حماقة وجهلاً وغفلة وخطيئة؟. يحب الفتى الناشئ حباً طاهراً يستوجف قلبه فيقول أكثر الناس: أحب قبل زمن الحب! ويعشق الرجل الهرم عشقاً فاسداً يستوقد ضلوعه فلا يرضى أن يقول مرة واحدة ولا أن يقول عنه أحد إنه أحب بعد زمن الحب، مع أن الفتى رجل يبنى، والهرم رجل يهدم؟

стр. 46

ولو لم يضرب الله على بصره لعلم مما تشرع الطبيعة أن أحق الناس بالخيبة رجلان: رجل وجد قبل زمنه فلا يحسن أن ينفع أو ينتفع، ورجل أتى بعد ومنه فلا يحسن أن ينتفع أو ينفع! متى كان الرجل حقوقاً وكانت المرأة واجبات لا غير، فقد خلا الرجل من العقل وخلت المرأة من القلب وخلا الاثنان من هذا المعنى الروحي الذي يسمى الحب، فإن لم يستطع ذلك العاشق الهرم أن يسترد لنفسه الصبا الذاهب حتى تحبه تلك الحسناء طائعة، فليسترجع لتاريخ الأرض وحشيته الأولى حتى تلوذ به تلك المرأة كارهة! ويل للإنسان من هوى نفسه فلولا هذه الحماقة فيه لما وجد على الأرض خطأ، لأن كل إنسان حين يخطئ فإنما يريد حقيقة من الحقائق غير أنه يجعل مركزها في رأسه ولا يعتبرها إلا من هناك، مع أن مركزها في العالم. شهر النحل قال "الشيخ علي": كل خطب عظم مدة هان بعدها، إلا خطب المرأة فإنه متى عظم لا يزال يعظم، وما رأيت في أصناف البلاء كالمرأة السلطة إذا هي استكلبت فكأنما جعل الدهر الجائر أيامها خطاً من خطوط مداره، واتخذ من دار زوجها متحفاً ثم أودعه تلك المجموعة من آثاره ... ويا رحمة لهذا الزوج! فهو كلما خرج من بيته خرج خزيان يتنقب، وكلما انقلب إليه انقلب خائفاً يترقب، ولا تزال تعرف في عينه نظرة مغلوبة وأخرى مسلوبة، وفي قلبه مصيبة مستقرة وثانية مجلوبة، وترى على وجهه سمة استخذاء كأنها مسحة استهزاء، ولروحه ظلاً على فمه كأنه ظل النخوة الهاربة من دمه ولا يزال مع امرأته المكابرة كأنها ذنب وكأنه ندامة، وقد جمعت عليه الدنيا والآخرة فكأنه من خوفها في موت ومن لسانها في "قيامة".. وما في الله خلق أعظم من المرأة، فهي طبيعة وحدها، غير أنها الطبيعة الدقيقة الحس، وليس يدرك الرجل حقيقة نفسه قبل أن يخلطها بنفسه، فإذا رأيتها خاملة مغمورة، أو ساقطة مجزورة، أو ميتة في الأحياء مقبورة فلا ترين أنها مغلوبة للرجل ولكنها مغلوبة لإحساسها، وقد وفر الله عليها من القوة ما شاء ولكنه غمز منها موضعاً دقيقاً فخرجت بحيث تراها أقوى الأشياء وترى هي نفسها كأن لا قوة فيها، وهذا سر من نظام الطبيعة، فإن أشجع الناس الذي لا يخاف شيئاً يخاف أشياءً كثيرة من نفسه، فلولا أثر يد الله في إضعافها ما قامت للرجل معها قائمة. وهذا الموضع الذي أسلمها ضعيفة مستخذية إنما هو جهلها بتصريف إحساسها، فليست القوة إلا شيئاً طبيعياً في هذا الوجود كائنة ما كانت، وإنما الشأن كله في العلم بطريقة استعمالها، وما من رجل يداري المرأة نوعاً من المداراة فترضى عنه وجهاً من الرضا، إلا رآها في يده أضعف ما خلق الله، هينة لينة سمحة مطمئنة، إن كانت دون الملائكة فهي فوق الناس، إذ هو إنما يستولي على إحساسها فيأمن أن تصرفه في غير مرضاته ومحبته، ومن ثم تصبح كأنها صورة من إرادته وكأن في نفسها نفسه. فإن جهل الرجل كيف يداريها، وانقطعت الأسباب المختلفة بينه وبين رضاها، ولم يكن أهلاً منها لما هي أهله منه استوقد إحساسها وبصرها كيف تناله ومن أسن تأتيه، فابتلي منها بفتنة ما تهدأ وقدتها، فما السابح في البحر إذا أراد أن يقيد الموجة العاتية بالحبال، ولا المصروع إذا حاول أن يدع بيده ما أفزعه من جن الخيال، ولا الطفل يبتغي أن يمسك القمر في الماء، ولا المجنون يتطاول فيقتلع النجم من السماء- بأقدر ممن تبغضه المرأة إذا زعم القدرة على إرغامها، وتصريف زمامها، ومن تمضغه المرأة إذا زعم القدرة على إسكانها، وتصريف بركانها، ومن تحقره المرأة إذا زعم القدرة على ردها، وإرجاعها دون حدها، ومن تصول عليه المرأة إذا ادعى القدرة على إسقاطها، والقوة على التقاطها!. فليس يعجز الرجل في سلاطة المرأة إذا هي سلطت عليه ما يكون من حدة جنانها، وشدة عنانها، وشرة لسانها، فكل هذه وأمثال هذه إنما هي ضروب مما تحاول من إظهار عظمتها الطبيعية المغلوبة، ومن أجل ذلك قلما كانت المرأة السليطة إلا غالبة، إذ هي نفس منفجرة. ولقد يعجز الإنسان أحيانا كثيرة أن يكون نفسه، غذ لا تنقاد له الطريقة التي يغلب بها على الحوادث أو يجاريها أو ينبه لها الحذر، ومن ثم ينكر نفسه كأنها غير التي يعرف من قبل، ولكن المرأة متى ثارت لا تعجز أبدا أن تكون نفسها، وما نفسها إلا أعظم ما في الخليقة من الخير والشر!.

стр. 47

قال "الشيخ علي": كذلك صارت لويز مع زوجها وانحازت إلها طبيعته الغالبة فكانت قوية به وبنفسها وكان ضعيفا بها وبنفسه. ألا وإن أخلاق المرء إنما هي أعصاب أعماله، فانظر ويحك ما عسى أن يكون في البغض أشد من أعمال امرأة أبغضت بعقلها وبقلبها، ولحاضرها ومستقبلها، وصارت حياتها كلها من الشر والسوء كأنها لعنة يصبها الله على رأس هذا الهرم؟. وكذلك اندمج في إرادتها كما اندمج الثعلب في فروته الجميلة الناعمة: ترميه بالنظرة حين يتكلم فتقف الكلمة بين حلقه والوريد، ويجيئها وقد أجمع النية أن يأمرها فلا تأخذه عينها حتى يسألها ما تأمره، ويجهد أن تعلم أنه زوجها ثم ينقلب وهو يتمنى لو تعلم أنها زوجته، ويوسع قلبه عزما أن يفعل ويفعل، ثم يراها فيخشى أن تكون اطلعت على أن في قلبه شيئا من العزم!. وهو لا يعلم بزعمه كيف أنكرته وكيف تغيرت عليه وكيف تنكرت له، ولكنه يريد أن يسأل كل شيء عن ذلك إلا وجهه ذلك الوجه الذي جعله الحب أقبح ما عرف من دائه، وأشد ما خاف من أعدائه، وما أفضى إليها مرة وهو يحمله إلا عرف أنه من ذنبه في حبها، وأنه من عذرها في بغضه، فيطرق إطراقة يتكلفها ويحسبها تشفع له عندها، لأن فيه ذل الشيبة، وألم الخيبة، وشدة الهيبة، ولكن وجهه يظهره وقتئذ مظهرا ليس في معنى السماجة أسمج منه، إذ يكون كاللص الذي لا ينكر على ملأ الناس أنه سارق، وهو مع ذلك يحرص على أن لا يؤخذ منه ما تجشم في سرقته، وقد عرفت المرأة أنها لا تغمز منه إلا مكاسر عظمه الواهن، ولا تطأ منه إلا كل مفصل مرضوض، ولكنها عرفت كذلك أنه ظالم لنفسه، إذ حملها ما ليس في طاقته، وظالم لها! إذ أرادها على ما ليس في طاقتها، فهو ظالم أشبه بمظلوم، وما مثله في حبها إلا كمثل الفراشة، لا ترجع دون المصباح إلا أن تخالط ناره، فما تحتال من حيلة غلا أحست منها حتفها وتلفتها، غير أنها لا تزال تنزع من ذلك ما ينبغي أن تنزع عنه، وكلما تهافتت انحص جناحها من ناحية، ومع هذا كله لا تسكن مادامت فيها حركة تنبعث. وما من شيء إلا وقد جعل الله فيه النفع والضرر، فمن التمسه على حالة منهما لم تؤده إلى الأخرى، وما تغني الإنسان معرفة الأشياء على حقائقها إلا إذا عرف مع ذلك فروق ما بينها، وتبين الحدود الفاصلة بين الشيء والشيء الأخر، وبين الحالة والحالة الأخرى في الشيء الواحد، فقد يكون الإفراط من الدواء داء مع الداء، وقد يجتمع من طعامين بلاء لا يكون من جوع يومين!. والمرأة هي في حاجة الرجل غليها، ولكن كل امرأة تكاد تكون جنسا بعينه في حاجتها إلى الرجل، فمن ههنا أحبت وأبغضت. ولو أن هذه المرأة مما تنبت الأرض وتسقي السماء لقد كانت تصلح مع كل رجل كما تصلح لكل رجل، ولكن لها قلبا، وحسا مع هذا القلب، ونفسا مع هذا الحس، ورقة مع هذه النفس، فهي إن لم تحب الرجل من هذه الجهات الأربع لا تكون قد أحبته ذلك الحب الروحي العجيب الذي يوصف بأنه حب المرأة. قال "الشيخ علي": وقد رأت لويز أن زوجها خرب من كل جهاته، وأكبر ما فيه أنه كالأرض الفضاء: إذا ضرب عليها سور وجعل في هذا السور باب، ووضع على هذا الباب قفل، فما غناه العريض، وما له الكثير، ولا اسمه في أهل الغنى غلا كتلك الحدود المضروبة على ما وراءها من الفراغ والفضاء. وكانت ترتاع لذله وترق لخضوعه، وتود لو استطاعت أن تراه غير من هو فتعرفه غير ما عرفته وتجزيه غير ما جزته، ولكنه لم يكن يجيئها أبدا إلا بادي المقتل، ولا يريد مع ضعفه أن يعدل عن محزنها، وأماتت من نفسه نزعة غلا انبعثت فيها نزعة أخرى، كأنه رأى في غضبها جمالا لم يره في رضاها، وأحس من ثورة شبابها وفورة غيظها ما يعالج منه خمود الهرم وبرد الموت في عظامه، فاعتاد منها ما تجزيه، واعتادت منه ما يخزيه، ومرا على ذلك دهرا مات فيه الوفاء، ومرض الحياء، فإذا تاريخ هذه المرأة لعنات، وإذا عرض هذا الرجل كله طعنات، وأصبحت ملكة عليه وأصبح معها كما قال ذلك الحكيم: "من أراد مصاحبة الملوك فليدخل كالأعمى وليخرج كالأخرس! ". وبعد

стр. 48

.. فإن آلام النزع وإن لم تكن هي الموت ولكنها أشد منه، حتى إن الموت ليكون راحة منها، وقد مد الله في نزع الكونت مداً طويلاً، فكان يقظان العين نائم الروح، وكأنه مقبور في جلده، وكانت زوجته لا تألوه موتاً. فليس يراه أحد إلا يطن أنه لما به، ولكنه لا يموت، لأن أيامه كانت بعض ما كتب في الأزل من تاريخ هذه البائسة، وقد حمله الله على الأمل، والأمل معطية دائبة لا تكل ولا تنقطع ولو ذهبت تقطع مسافة ما بين الضدين لتجمع أحدهما بالأخر، فما يزال يحسب أن لزوجته فيئة بعد شرة الصبا، وأن تقادمه في الهرم وتقدمها إليه سيصلحان ما أفسد الدهر منهما جميعا، وليس في الناس أحمق ممن يدفع نفسه إلى ما يطن، في حين تدفعه نفسه إلى ما يستقين!. أما هي فرأت أن لا سبيل إلى انهزامها أو تراجعها بعد ما أنزلت أخلاقها في المعركة، كأنها ماتت قبل أن تموت فليس يضرها أن تقع في هذه المعركة هالكة، وليس ينفعها أن تخرج منها حية، وكل شيء تستدرك منه الحيلة، إلا ما أفاتت المرأة من شرفها النسائي، فإنه إن فرط منه فارط لم يستدرك، فبسطت عنانها في يد الأقدار وانطلقت على أثرها صاغرة! وقطع الفلك في دورته عشر سنوات حتى تفرى الليل عن صبح لم يشهده الكونت، فترك لامرأته ما جمع، وترك فيها ذلك الموت الحي، وتركها في تلك الحياة شجرة مر داء غير أن اللذات لم تبق عليها بعده، فقد لا تقتل الآلام إذا أسرفت على النفس ولكن اللذات لابد قاتلة، وكأن الطبيعة فرضت على الإنسان أن لا يلذ بالعيش إلا حيث تكون لذته اختلاسا، فإنما ركب على أن يشده ما يؤلمه، ويبني منه ما يحسب أن يهدمه، فإن هو حمل نفسه على لذتها، وأطلق لها ما بين هواه ورأيه، فقد أراد لبنيته الضعيفة وضعا ليس في هندسة الحياة، فلا تترك فيه اللذات إلا أمراضا، ولا تحمل منه الأرض إلا أنقاضاً ... ، ولو لم تكن هذه اللذة المسرفة سببا إلى الموت، لما ركب في غريزة الإنسان كره الموت من حب الاستمتاع بها، والحياة في عمليتها الجراحية المؤلمة لا تحز إلا بأسلحة الآلام الحادة واللذات الحادة! وبيع ذلك القصر وما ضمه، وكان فيما يحتويه بعض رفرف من الكتب يباهي الأغنياء بتنسيقها ليظهر من ألوان جلودها رسم ليس في الحائط ... ، فاشتراها أديب تأدى إليه خبر الكونت وامرأته، فإنه ليقرأ منها ذات يوم في كتاب يصف البأساء والضراء من هموم الحياة، إذا ندرت ورقة كانت بين صحفه فالتقطها فإذا فيها تعتلجان بين هذين السطرين: الفقر خلو من المال، ولكن أقبح الفقر الخلو من العافية!. "فكتور". والغنى أن تملك من الدنيا، ولكن أحسن الغنى أن تهنأ في الدنيا ... ! "لوجيز". الحظ قال "الشيخ علي": وإن في نفسي أشياء من كلمة بين الكلام قد ضل بها الناس ضلالاً بعيداً، لا أعرف كيف استحدثت ولا من أين انصبت على الدنيا، وقد خرج الناس من أن يهتدوا فيها إلى حقيقة مخلصة، إذ لم توضع في لغاتهم موضع شرح وإبانة، ولكن موضع غموض وإبهام ... ويا عجبا للإنسان! كيف اهتدى إلى التعبير عن المعاني الإلهية التي يكون المعنى الواحد منها تاريخا طويلا لقدر من الأقدار المستكنة في غيب الله من لدن يقضى إلى يوم يقع، وكيف تلقى في نفس هذا الإنسان معاني الغيب فيردها ألفاظا يحمل منها السماء بأفلاكها على بضعة أحرف!. على أن أعجب ما فيه يعبر عما تناله قوته بألفاظ صريحة خالصة لا لبس فيها ولا اختلاط، فإذا انتهى إلى ما يضعف عنه أو يعجز دونه أشار إليه بحروف مبهمة لا يكون لها في نفسه من الدلالة الغامضة أكثر مما يدل المجهول على أنه مجهول، فالإنسان متى أحس القوة رأيته كأنما يحاول أن يسمع السماء بطنين ألفاظه المكشوفة عن معانيها أنه موجود على الأرض، ويحاول أن يظهر للأرض بصراحة هذه الألفاظ أن له إرادة تعمل مع الأقدار في تسخير الطبيعة، ولكنه عند العجز والضعف، وعندما يتخيل صفات من القوة الأزلية ولا يحسها - تراه يرسل الكلمة الخفية التي تشير إلى كبريائه بشيء من الصراحة اللغوية المحدودة، وإلى ضعفه وعجزه بإبهامها المطلق فما أن تزال في هذا الوجود الغوي من المعنى على وجه التعيين والنص، حتى يقع بها قدر من الأقدار فيكون هو معناها.

стр. 49

وضعف الإنسان لا حد له فلا حد لما يستعمل من الكلام المبهم الذي يحمل ما شئت أن يحمل، ولولا ذلك لما صح أن تكون الفصاحة هي نفسها وسيلة من وسائل التعمية في محاورة الخصوم. قال "الشيخ علي": أما الكلمة التي أشرت إليها، فهي لشمول معناها الطبيعي وإبهامه كأنها لغة للنفس الإنسانية أين وجدت، ولكن ليس للإنسان أن يفسرها، بل هو يتعلل بها ويتعلق بها ويتعلق عليها ويعلم أنها كذا خلقت، لأنه قدر معناها قدرة على قياس لا يبرح يطوي هو من طرفه ليعرف ماذا يبلغ وما هي مسافته، ويعد القدر من طرفه الآخر ليفسد عليه ما عرف. فهي كلمة يستوي عندها خطأ الإنسان وصوابه، ولهذا يراها واقعة في موضعها وفي غير موضعها، ولا معنى لها عند هذا الإنسان إلا أنها اتجاه حركة القدر، وهي الحظ. الحظ يا بني كلمة غامضة غموض النفس الإنسانية، يتعزى بها أهل الأرض جميعا ويظهرون فيها إيمانهم الفطري الذي لا بد منه للقلب، فما دام هذا التركيب على غموضه المعجز بحيث لا يمكن أن يعرف بجملته، وما دام هذا الإعجاز وضع حيرة للعقل، فلا بد في اللغات من ألفاظ تصور كل ذلك وتصفه على تلك الوجوه العجيبة، بحيث تكون اللفظة إقرار من الإنسان وإن جحد، وصورة لإيمانه وإن كفر. وهذه الكلمات من أوضاع الإلهام فلا تخلو منها لغة من اللغات، وهي بعد في تفاوتها وظهورها كدرجات الإيمان من أدناها إلى أعلاها، فمن لم يؤمن بالله وجد في لغته لفظا للقدر وهو الإيمان بعمل الله فإن كفر بالقدر اعترضته نفسه بكلمة الأمل وهو الإيمان برحمة الله، فإن جحد هذه اعترضته طبيعته الإنسانية بكلمة الحظ وهو الإيمان بقدرة الله، ولا أحسب أن في الأرض رجلا يكفر بهذه الأربعة جميعا! ومن ههنا كان الكفر نفسه لا يخلو من الإيمان، وكان الكافر كأنه إنما يؤمن من أضعف موضع في الكون، وما أشبه الإيمان بجبل راسخ يحمل الناس كافة، غير أن المؤمن يصعد مرتقيا من جهة والكافر ينزل منحدرا من الجهة الأخرى!. والعجيب أن كلمة الحظ نفسها يضعف معناها ويقوى بعكس ما يكون في الإنسان من قوة الإيمان وضعفه. فالرجل المؤمن القوي في إيمانه بالله قلما يفهم من هذه الكلمة إلا أضعف ما تريد النفس منها، فهي تبعثه على تذكر قضاء الله والاستكانة لقدره والتعزي عما فات بما لا يزال في الغيب، ولكنك واجد ضعفاء الإيمان لا يفهمون منها إلا القوة المسخرة لحوادث الدنيا، ولا يريدون بها تسخير هذه القوة في منافعهم، ومن ثم تهيج الكلمة في أنفسهم من معاني التسليم والاستكانة، وهذا عجيب من طباع الناس لولا السبب الذي كشفته لك! وما أراك تحسن معرفة هذا السبب ما لم تعرف حقيقة ما أريد بكلمة الإيمان، فلست أريد بها ذلك المعنى الذي يتعاون على تمثيله البناء والنجار والحداد وغيرهم من أهل الصناعات، حين يشيدون المساجد والبيع والصوامع ونحوها من أمكنة العبادة، فإن هي غلا مظاهر الدين الاجتماعية لا غير، ولا يمكن أن يحصر الضمير الإنساني بين حائطين. وإنما الإيمان هو ذلك المعنى الذي يلقي على روحك السكينة لأنها متصلة بالله، وفي ضميرك المحبة لأنها متصلة بالناس، وهو ذلك المعنى الذي يعلمك ما أنت ممن حولك، وما حياتك ممن وراءها، وهو ذلك الاعتقاد الكبير الذي تصغر عنده الحياة بما فيها من الخير والشر، وتهون بما فيها من النفع والضرر لأنه قائم على الفكر الذي هو بقية ما نفخ الله من روحه في الإنسان الأول فلا يضعف أبدا ما دام في الكون قوة، ولا يفتقر أبدا ما دامت الطبيعة غنية بجمالها، ولا يسقط أبدا ما دامت السماء قائمة، ولا يموت أبدا ما دامت الحياة باقية، ومتى خضعت له استحال عليك أن تذل لصغائر الحياة، لأنه هو لا يذل ومن مظاهر تلك العظمة التي تكون في الأبطال فيستهينون بالحياة إذ هم أهل الموت، وفي العظماء فيتنزهون عن الدنايا غذ هم أهل الأخلاق، وفي الحكماء فيزهدون في حطام الدنيا إذ هم أهل النفوس. ومن ثم كان الإيمان الصحيح حرية صحيحة، لأنه يعصم من ضروب الذل كلها، وكان منفعة خالصة، لأنه الحد القائم بين النفس وشهواتها، وكان نافعا، لأنه العقل السماوي الذي يهم الإنسان حكمة كل مصيبة، أو يلهمه الثقة بالحكمة التي يجهلها، ولو أن للفضيلة عبادة لكان لها من أخلاق كل رجل صحيح الإيمان مسجد تعبد الله فيه!

стр. 50

ولا يصح إيمان المرء حتى يتبين لنفسه طريقا إلى ربه، فيرى كأن قطعة من السماء في باطنة تضيء له الحياة، ومتى عرف هذه الطريق وامتد بها ضميره إلى حيث يتصل بجلال الله، فمن هذه الطريق نفسها يرد مصائبه على الغيب كما جاءت من الغيب، لأن للقدر طريقين: فواحدة يندفع منها، وهذه لا تعرف إلا بعد أن تقع الواقعة فتدل عليها بنفسها، والأخرى هي التي يتصرف إليها القدر في حركة الدهر، وهذه لا يوفق إلى معرفتها غير السعداء ومن كتب الله لهم أن يكونوا مظهر حكمته أو مظهر حمده. فقوم يجدونها في إيمانهم الوثيق، وآخرون يصيبونها في حكمتهم البالغة والمؤمن إنما هو صورة قلبية من الرجل الحكيم، والحكيم إنما هو صورة عقلية من الرجل المؤمن، فإذا نزلت بأحد هما المصيبة وبلغت منه ما لا يبلغ الصبر، فتح لها طريق السماء في باطنه فيبصرها كأنها مدبرة، والمصيبة متى وجدت كالحياة متى ولدت: لا محل للعقل أبا في أولها، فيتبين حكمة الله منها ويرى حينئذ كيف تنقح يد الله في تاريخه. وما أرى المصائب في نظام الكون إلا حركات ظاهرة تسير بها نعم مجهولة لا تزال ومن وراء الغيب، وكثيرا ما يكون من هذه المصائب ما ينبه الله به الناس من غفلاتهم حتى لا يقعوا في أشد منها إذا تركوا لما هم فيه، فليست النازلة هي المصيبة ولكن المصيبة من جهلنا وضعفنا، ألم تر إلى كل نعمة مع الجهل والضعف كيف تحمق وتضعف حتى لا تكون مع صاحبها إلا قريبا مما تكون المصيبة مع صاحبها؟ قال "الشيخ علي": والحقيقة يا بني أن من لم يكن كفؤا لما يناله هلك بما يناله، فالحظ توفيق، والتوفيق أن لا يكون لك إلا ما تصلح له فأنت بذلك مطمئن، ومن ثمرة الاطمئنان فرضي فاستمتع، فهذا هو ذو الحظ وإن كان عنده لم يصب إلا قليلا ولم يطمئن إلا من ولم يرض إلا من عجز ولم يستمتع إلا بأهون المتاع. إن كل امرئ يريد لنفسه لا لسواه، وإن أول التوفيق أن تريد ما يصلحك وأول الخذلان أن تريد ما لا يصلح لك، وما الطمع إلا فقر حاضر ولو كان طمع الغنى. وإن هذه النفوس لتبلى من طول ما يلبسها قدر ويجعلها قدر، فلقد رأيت غير الموفق حين يجور في إرادته، ويضل في مسعاته، ويلتمس من الغيب ما يقدر لنفسه دون ما قدرت له نفسه- لا يبرح يكد ويسعى، وكلما لبس حالة من دنياه فاضت عليه فخلعها أو ضاقت عنه فخلعته، ولا يزال ذلك من دأبه ودأب القدر معه حتى يهن ويضعف ويصير إلى البلى في نشاطه وحزمه وفي طماحه ورغبته، وقد أنفق من حياته ما لا يرد في ابتغاء ما يدرك، وهذا كله هلاك بطيء يأتي على العمر، والعمر بمقدار الزمن الذي تعيش فيه، ولكنه مقدار ما توفق من عيشك. وهل سمعت برجل كان يحفر قبره منذ عقل معنى الموت وقد نذر أن لا يحول عنه، ثم لم يزل يوسع الأرض من عمله ويفسح في جوانب هذا القبر وعمر طويلاً وغبر على ذلك دهره، حتى أصبح قبره يأكل القبور أكلاً ثم أدركه الموت فانطرح فيه رمة بالية فإذا هو لا يملأ من جوفه عمل يوم واحد مما كان يعمل، وبقيت الحفرة كأنها فم مفتوح تصيح منه الأبدية: أين الميت العظيم الذي أعد كل هذا لجيفته ... وما بال هذا الساعد وما بال هذا المنكب، وفيم كان ذلك العمل، وما هذا النبوغ الميت الذي ضاعت فيه الحياة ولم يعظم به الموت؟ ... إنك إن لا تكن سمعت بهذا الرجل فلقد رأيت كثيراً من مثله يعملون للحياة عمل ذلك الأحمق بعينه للموت، فهو لم يمت بمقدار ما أعد لنفسه، وهم لا يعيشون بمقدار ما جمعوا لأنفسهم، ومنهم من أضاعه في غير حاجته، والعمر لا يستخلف، وكلا الفريقين طرف من قياس واحد في الخذلان وإن كان أحدهما يبتدئ من عكس الجهة التي يبتدئ منها الآخر. لا يوجد على الأرض من يملك شيئاً في الأرض غير محدود، ولكن ما من أحد يكن طعماً محدوداً في نفسه، ومن هنا كثر ما يسميه العامة "سوء الحظ" وإنما هو سوء التوفيق.

стр. 51

أما حسن الحظ فما أحسب الناس يعرفون ما هو، ولا أراه إلا رغبة مجنونة لا يقرها إلا العقل السليم ولا يستقيم بها نظام الدنيا، وإنما عرف الناس في كل وجه من وجوه الحياة كيف تكون الخيبة، وكيف يمرض الأمل، وكيف يهلك الطمع، وسموا ذلك "سوء الحظ" فحسبوا أن لهذه الأحوال ضداً، وجعل كل واحد يتمنى لنفسه هذا الضد ويصفه ويسميه "حسن الحظ" لأنه زعم لا سوء فيه، كالذي يسمع بالموت فيحسب أنه يعرف ما هو الموت؟ والحقيقة أنه لا يعرف منه شيئاً وإنما عرف الحياة الهالكة! يأبى كل أحمق إلا أن يختط ﷺ خطة يبني له عليها مستقبله، فكأنما يريد أن تمشي يد الله في التقدير على أجزاء الصورة التي في خياله ... ! ولو جمع الله أبنية الأماني من أوهام الناس ومثلها وكشف عنها الغطاء فأبصرناها لرأينا ثم (مدينة المستقبل) التي لا يملك أفخم قصورها إلا الصعاليك ... أما أنا فلا أرى كلمة (الحظ) فيما نأمله وفيما نتعلل به إلا لحنا من الألحان الطبيعية التي خلقت في أفواهنا لنتغنى بها تحت الأحمال الثقيلة من مصائب الدنيا وأطماع النفس، كي تجم الطباع وتنشط للسير بأحمالها، فما الإنسان إلا دابة للحمل، وعليه أن يحمل من معاني المادة التي يعيش فيها أو يعيش بها، والزمن نفسه بحكمته وعلومه وحوادثه إنما يعلمنا كيف نحتمل الأسواء والهموم أكثر مما يعلمن كيف نتقيها. قال "الشيخ علي: ولكن يا بني ما هذا الذي يرتفع بالخامل، ويتقدم بالعاجز، ويجعل النكرة معرفة والنكرة معرفة، ويضرب وجه الحق عن مستحاقه، ويفلج الضعيف وما يسمو به أمل، ويحرم المجد وما يشك في الظفر، ويخالف في سبيل الأقدار بين نصيب ونصيب، ويقطع في محاولة الأمور بين الأسباب والغايات ويبعد المنفعة مما به تمامه فإذا هي مضرة ومفسدة ... ؟ لعلك تقول، إن كل هذا يجتمع في كلمتين هما السعد والنحس، وهما تنطويان في لفظة واحدة هي الحظ، ألا فاعلم أن هذا من وضع القدر، وهي مذاهب لغوية تمر بين أنفسنا وبين أفهامنا، وقد جئتني بجمل تنطوي في كلمتين، وكلمتين تجتمعان في لفظة، وأنا آتيك بجمل في كلمات في صوت واحد، فما هي صرخة الألم مثلاً؟ أليست قطعة طويلة ن كلام النفس يجمعها الحس الثائر المتألم وينتفض فيها فلا تكون إلا صوتاً واحداً! وانظر أين هذا الصوت مما يشرحه لك الطبيب من أسباب ذلك الألم وعوارضه في كلام طويل وعبارة سابغة لا يتألم منها حرف، مع أن أحدهما إنما يفسر الآخر كما ترى! وأنا فلا بد أن أعلمك من أين خرجت هذه الأسماء، لقد خرجت من تاريخ النوع الإنساني كله، فإن هذا الحيوان العاقل كان يشعر بمعاني الأشياء قبل أن يضع ألفاظها، وكان السخط والغيظ والحسد والمنافسة ونحوها من غرائزه الطبيعية: إذ هي المعاني التي بثها الخالق في نفسه لتنشئ في الأرض تاريخ هذه النفس، فكان إذ تعادى رجلان أو فئتان فبغى بعضهما على بعض، أحس الغالب منهما أن قوى الطبيعة معه، وأيقن المغلوب أن قوى الطبيعة عليه، لأن الإنسان لم يكن عرف نفسه بعد، وكان هو وحده يمثل في هذه الطبيعة المخيفة الرائعة فكرة الخوف العاقلة! فهذه الثقة في القوى الطبيعية المجهولة من الإنسان، وهذا الشك فيها والخوف منها، هما الأصل في تاريخ لفظتي: السعد والنحس. ولقد كانت الأمم القديمة كلها تتوسل إلى الغيب المجهول بوسائل غريبة من الطلاسم والتمائم والتعاويذ ونحوها من الأعمال والعادات المأثورة في تاريخ كل أمة، لأن ذلك المعنى بعينه قد ارتقى مع العقل واشتد مع الإنسان فخرج من مخافة الطبيعة إلى الرغبة في إخافتها، حتى تنزل على حكم الإنسان في اجتلاب الخير ودفع الشر، والزمن لا يأتي على الغرائز فيمحوها، ولكنه يحول منها شيئا ويهذب منها شيئا، ومن هنا كانت كلمة الحظ فاشية في المتمدنين لأنها أخر صورة مهذبة من تلك الغريزة الأولى! أما إن في حوادث القدر أشياء لا نفهم وجه الحكمة فيها، وهي الحظوظ والأقسام، فذلك صحيح في نفسه بمقدار ما هو خطأ في أنفسنا، والشذوذ فيما يقع من حوادث الدنيا وفيما نشهد من تصاريف القدر أمر معلوم، ولكن لماذا لا يكون قاعدة لأشياء نجهلها ما دمنا نجهل الغيب كله ولا نعرف منه شيئاً؟

стр. 52

ما رأينا قط في تركيب هذا الكون المعجز شيئا خارجا عن موضعه، ولا شيئا زائدا في موضعه، فلم نظن مثل ذلك في الجهة التي بنا من حكمة الله، جهة السعد والنحس؟ يا بني، إنما قربت النعمة من فلان لأن القدر يسوقها إليه، وإنما بعدت النعمة عن فلان لأن القدر يسوقها إلى غيره، وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه، فربما سعى الفرد بكل سبب فلم يفلح، ثم يقع له سبب لم يمتهد له وسيلة قط فإذا هو عند بغيته، وإذا هو قد ملأ يديه مما كان قد يئس منه، فلا يكون عجبه كيف خاب في الأولى بأشد من عجبه كيف نجح في الثانية! وهذا هو مظهر إرادة الله، فإن صادف من بعض النفوس الضعيفة حسدا أو غيظا أو سخطا أو منافسة أو نحو ذلك مما يكون مظهرا لضعف الإيمان في النفس، تحول المعنى إلى لفظ يحمل كل هذه العواطف الوحشية، فليس الكلمة التي تسلب الإنسان قوة نفسه وتكاد في إبهامها تسلب الأقدار قوة الحكمة أيضا وهي كلمة الحظ، ألا ترى أن أحدا من الناس لا يتعلل بهذه الكلمة ولا يحتج بها ولا يسكن إليها إلا من غيظ أو سخط أو حسد أو عجز أو ما هو بسبيل من هذه المعاني؟ قال "الشيخ علي": فلم يبق من معنى الحظ إلا أن يقال: ولم وفق فلان، ولم خذل الآخر وما هو بدونه، وربما كان أحق منه، وربما كانت المنفعة به أكثر والنعمة عليه أظهر؟ ولم كان ذلك سعيدا، وبأي شيء صار سعيدا؟ وهذا شقيا، وبأي شيء عاد شقيا؟ إلى نسق طويل من هذه المسائل التي لا تجيب عليها السماء ولا تكف عنها الأرض أبداً ... ولكن، يا هذا لم تخفي أنت وحشيتك المهذبة وتكتم الغيظ والسخط والحسد، ثم تحتال على أن تخرج هذه المعاني الخشنة في ألفاظ لينة، وأن تعترض على القدر في أسلوب من التسليم والرضا، وتطرح بينك وبين الله لفظة إن لم يكن معناها مخاصمة القضاء فمحاسبته، وإلا فمعتبة عليه! وهل تعلم أنت ما هي شعوب الحوادث وفنونها، وما الذي سيفعله المجدود حين تقبل عليه الدنيا، والمحروم حين تدبر عليه النعمة، وماذا يكون مما يترتب على الحرمان أو ينشأ عن الحظ، وهل تدري لما أساء بعض الأغنياء حمل الغنى دون البعض، ولم أحسن بعض الفقراء حمل الفاقة دون البعض، ولم ابتليت طائفة بالتمني وابتليت غيرها بالضجر مما تتمناه الأولى، وحبب إلى تلك ما بغض إلى هذه، ولم انتزعت النعمة بعد أن استمكن حبلها، وأقبلت الأخرى بعد أن استيأس أهلها؟ ... أليس من كل هذا يتهيأ البقاء للحياة الإنسانية في نظام لا يخف على نوع الإنسان فيهمله ويفسد به، ولا يجور عليه فيستأصله فيذهب به؟ وهل الناس إلا خطوط في لوح الغيب يستقيم منها ويعوج ما يعوج لأن كل ذلك مما لا بد منه في جملة الوضع وأحكامه، فإذا أردت أن تسأل لماذا استقام هذا ولم أعوج ذاك، ثم ما قصر وطال، ثم ما دق وجل، ثم ما علا وسفل، ثم ما انفرد واختلط فسل: لم خلقت الدنيا ولم خلق الناس، وسل الخالق ولا تسل "الشيخ علي". كل ذلك يا بني حكمة وكل ذلك انتخاب، وقد ظفر العلماء في حركات النظام بما سموه الانتخاب الطبيعي، وعرفوا أن ذلك سر من أسرار التقدم والارتقاء، فاعلم أن ما نحن فيه من معنى الحظ إنما هو انتخاب إلهي، وذلك سر من أسرار الحياة والبقاء، وما من حركة لي ولك ولكل إنسان إلا هي تمس قطعة من تاريخ الحياة وطائفة من الأحياء، فليس من حي هو لنفسه وحدها، وليس من حقيقة هي لنفس واحدة، وإن عرف الإنسان بعض الحقيقة من نفسه فأكثر الحقيقة لا يعرفه إلا من سواه، ومن أجل ذلك يقضي نظام الحياة بما نسميه الحظ وإن كنا لا نفهمه كما يقضي به نظام الحياة، وإنما قوة الحركة وضعفها على حسب ما يراد بها في الدفع والجذب، فكن واثقا بالله مؤمنا بالقدر خيره وشره، فالثقة وحدها حظ عظيم والله تعالى يصيب الناس بنياتهم، غذ هي حقائقهم الصريحة، وإذ هو وحده المطلع عليها، فهو يوفق السعداء للنية الحسنة ثم يسعدهم بهذه النية على الوجه الذي يعلم أنه من سعادتهم، فإن لم يكن لهم الحظ الذي يريدونه فلهم الحظ الذي يلائمهم، وربما كان زمام العافية بيد البلاء وكانت النعمة في عاقبة المصيبة، وكان الإنسان عابسا من طلعة القدر والقدر يضحك له!. وإذا لم يكن للأقدار نواميس أرضية تجري عليها وتقع بحسبها فإن أقرب ما يصح أن يعد من نواميسها فينا أرى هو نيات الناس.

стр. 53

وما النية غلا خلاصة الفكر والضمير ونتاج ما بينهما، فلا تنطو على ما يسوؤك أن تنمك به ألسنة الغيب وإنما الحوادث من هذه الألسنة ولا تعقد هوى ضميرك على ما تحسبه أملا من حيث لا يكون إلا حسدا للناس ولا يعقب غلا نكدا لنفسك، وما تظنه عزما منك وهو طمع في الله ومخادعة القدر. وحسبك من المتاجرة مع السماء بضاعة صالحة من الإيمان الذي لا غش فيه، ومن المتاجرة مع الأرض بضاعة طيبة من النية التي لا دنس فيها، فإن ربحك من هذه البضاعة التي لا تكسد في أسواق السماء والأرض، أن يلقي اله عليك محبة منه وتأييدا وسكينة، وإن رأى الناس أنك خسرت شيء من الغنى أو الجاه أو متاع الدنيا، فإنما تعلم أنت يقينا أنك لم تخسر غلا الهم والشقاء والتعب بالدنيا وأهلها. ويومئذ يكون لك من حسن الإيمان، وحسن النية، وحسن الأخلاق، ما نعرف منه كيف يكون حسن الحظ. الحرب رقعة من الأرض كأن فيها شيئاً من الطينة التي خلق منها الإنسان، فهي تمطر من دمائه، وكأنما عرفته في سماء الله فلا يكاد ينزل بها الجيشان حتى تعد أرواح أكثرهم إلى سمائه، ينجذب إليها الجندي لأن فيها ترابه بل لأن فيه من ترابها، وينطرح عليها لأن اقتراب منيته في اقترابها، ولا تزال تصرعه وكأنها من شوقها تضمه، وتلقيه على صدرها ميتاً أو جريحاً كأنها تعلمه بذلك أن الأرض أمه، وهي مزرعة الموت، نباتها الرؤوس فمنها قائم وحصيد، وثمراتها النفوس فمنها داني القطاف ومنها بعيد وقد رواها بالدم الحي فنبت فيها العظم وأثمر فيها الحديد!. بل هي ساحة الحرب ترفع عليها القوة راية وتنزل راية ويحشر إلى مسرحها الناس ليمثل لهم الموت كل يوم رواية وقد اضطربت فيها الآجال فكأنها أمواج في بحر القدر زاخرة، وتناثر فيها الرجال، فكأنهم عظام في بعض المقابر ناخرة، وظهرت تلك الساحة وقد كشرت عن أنياب من السيوف وأسنان من الأسنة كأنه لأهل الدنيا قم الآخرة! أما الجنود فإذا رأيته يلتحمون قلت: زلازل الأرض قد خلقت على ظهرها، وإذا شهدتهم يقتحموا خلت نفوس الكرام قد حملت على دهرها وقد أيقنوا أنها إن لم يكونوا للموت كانوا للأسر، ومن لم يبن منهم على الفتح بني على الكسر، وما منهم إلا من يحمل رأساً كأنه لا يملكها، على عمق لا يدري كيف يمسكه، في بدن لا يعرف أيأخذه الموت أم يتركه، فهو لا يبالي أظلته الشمس أم أظلم عليه الرمس، ونهض للتاريخ مع الغد أم ذهب في التاريخ مع الأمس. وإذا كان من صفة الميت أنه اسم في الحياة بغير جسم، فمن صفة هذا الحي أنه جسم يعيش بغير اسم، وما الجندي إلا عدد في حساب الحرب، فسيان قطعه الطرح أم أخذه الضرب وإنما هو حيث يتهيأ له انتظار الأقدار، فليس إلا الصبر ولو في بطن القبر، وحيث يطبخ له النصر على النار فثم المكان، ولو في جوف البركان، وآية عقله أن يكون كالآلة المتقنة تعمل بلا عقل فلا يخشى الحي، ولا يسأل لماذا ولا كيف، ومن ذكاءه أن يكون من صحة الذهن بحيث لا يفرق في الموت بين الجمر والتمر، وأن يكون من خفة الروح بحيث تحمله اللفظة الخفيفة على جناح الأمر. وما الحرب إلا أن يتنازع الناس على الحياة فيقيموا الموت قاضياً ويطلبوا من الشريعة المدونة في صفائح السيوف حكما على الحياة ماضية، فكلا الفريقين يقدم الحجج، من المهج، ويتكلم بألسنة الروح من أفواه الجروح، ويأتي من بلاغة الموت في خصامه من كل ضرب ويجري الحياة مجرى الاستعارة في بيان الحرب. وقد تواقف الرجال في يوم أطول من يوم العرض، وتقاذفوا بالآجال حتى أوشكت السماء لكثرة ما ينظر منها أن تقع على الأرض فالخيل منقضة كأنها صواعق أرسلها الموت في أعنة، أم نوازع من السحاب بروقها الصوارم والأسنة، مسرعة كأنها تسابق تلك المنايا التي جرت بها الأقدار، جائلة كأنما تحيرت كيف تفر من ساحة الموت بما حملت من الأعمار، وعلى ظهورها كل فارس كأنه بين الرماح أسد في غاب وكأن الموت من سيفه سم خلق في ناب، وكأن العنان في يده سوط لكنه سوط عذاب، لم يعد في الفرسان حتى لم يعد من الإنسان فإذا صاح بقرنه عرفت الوحوش ذلك الصوت، وإذا هاجته الحرب لم يفته من ضروب النقمة فوت، وإذا نظر في مقتل عدوه حسبت عينيه نقطتين على تاء الموت.

стр. 54

وقد ثار الغبار كأنه طريق يمد من الأرض إلى السماء، أو كأنما أراد أن يمثل السحاب وقد رأى المطر تمثله الدماء، أو كأنه أرض ثامنة بدأت تتخلق مبعثرة في الفضاء، أو كأنه لما رأى الحرب تتوقد هب مستجيراً بالهواء من الرمضاء، أو هو قد فر من الأرض لما خشي أن تنفلق الأرض من حوافر الخيل، أو كأنه ألف أن يأتي الناس أعمال اللصوص في نور الشمس فضرب عليهم قبة من الليل، أو حسب عقول الجند في أيديهم وأرجلهم فطار ينظر أين تلك الهام، أو هو لما رأى المطر أحمر خشي على الأرض فثار على السماء ينظر ماذا دهى الغمام. وقد رمت الأرض تلك المدافع بزلزالها، وألقت على الجنود صوراً من شر أفعالها، فتركتهم كالغابة الملتفة إذ استطار بها الحريق، وانحط فريق من أشجارها على فريق، وكأنما انقض عليهم من قنابلها جدار من جحيم، وكأن كل مدفع في صيحة الحرب إنما هو عنق شيطان رجيم. تحمل في بطونه أجنة من النار ترتعد الحصون لهول ميلادها، وتتحنى القلاع مخافة منها على أولادها، ولها صوت بعيد كأنما تنادي به السماء لترسل المنايا الطارقة، أو لتستقبل الأرواح المفارقة، أو كأنه نشيد فخم تفتخر به الأرض على الرعد والصاعقة. وهي القارعة وما أدراك ما القارعة، أما يومها فيوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش، وهو إن لم يكن يوم النفخ في الصور فإنه يوم تحصيل ما في الصدور، وإن لم يكن يوم يبعثر من في القبور فإنه يوم يبعثر الناس في القبور. وهو المدفع حسبه قوة أنه من الحديد، وحسب ما يحويه قول الله "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد في بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز" وحسبه رعباً أنه شكل (عصري) من عذاب الخسف القديم أعده الله لهذا الإنسان الجديد ... ، فكم من حصن منيع اعتز به أهله، فتركم فيها تراباً وعظاماً، وكم من قلعة شامخة اعتز الجند بقواها، "فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها". وأما الرصاص فهم من سماء الموت حب غمامه، وله صفير كأنه ترنم الشيطان ببعض أنغامه، ولو أن عاصفة كنست أرض الجحيم لما شوت الوجوه بأشد من ناره، ولا حملت من هنالك إلا ما تحسب هذا الرصاص من حصاه وغباره، يثور كما تثور الأعاصير، ويندفع كما تندفع المقادير، ويقع على الأجسام بالأجل أو يطير، ويتناثر كأن في السماء نجم تفتت فسقط، أو كأن قطعة ذابت من الشمس فألقت على وجوه الناس هذا النقط، أو هو فوج من ذباب النار، وهبط إلى هذه الدار، فلا هم له إلا الجلود وإنضاجها بلذعة، والعيون وإخراجها بنزعة، والعروق واستخلاصها، والدماء وامتصاصها، والأرواح بعد ذلك واقتناصها. وكأنه زفرات غير أنه لا تخرج من الصدر بل تنزل فيه، ولولا أنها تشويه ولا تشفيه. وهو أوقع في الرؤوس من الأوهام وأنفذ في الأغراض من مكايد الأفهام، وأحر على الأكباد من كل ما يضرم غضب الجبار المغيظ، وما هو إلا العذاب الرفيع إن كان المدفع هو العذاب الغليظ ... وهناك من الروع ما لا يحصيه الوصف ولا يحصله، وإن عرفت آلة التصور كيف تجمله فليس يعرف القلم كيف يفصله، ولعمري لو كان البحر الأسود في المحبرة، لما بلغ في وصف هذه المقبرة، غير أنها في الحرب التي ابتدعها العلم لهلاك الإنسان، والقوة التي رزقها العقل فكانت بلاء على الأبدان. قوة المعجزات التي أركبت هذه الديانة الإنسانية على متن الغمام، وطوت لها السماء بين جناحي النور والظلام، فإذا سمت الطيارة خفض لها السحاب جناح الذل، وأقبلت الملائكة تسأل ربها ما هذا الجزء من العالم بل ما هذا الكل، وما هذه الجرادة التي رأسها في ظهرها، وسرها في جهرها. بل ما هذه الحياة الأرضية التي عرجت في السماء فخرجت من حدود دهرها، وما هذا العقل الإنساني الذي لا يوزع جاشه والذي يرفعه إلى السماء ارتعاشه وهو مع ذلك يندفع على أهله بالويل اندفاع السيل، ويطلع نصفه كالنور على الأرض ليطلع نصفه الآخر كالليل؟

стр. 55

وهي الحرب العامة كأنها ثورة الدهر وقد ضجر من هذا العلم وطغيانه، ومل من سماجة إنسانه، واشتاق إلى عصر حيوانه، فزفر زفرة أيقظت الموت وكان نائما، وتركت هذا الإنسان من الفزع لجبنه أو قاعدا أو قائما، واستنزلت من القضاء ما كان في علم الله غيبا، واشتعل من هولها رأس الأرض ببياض السيوف شيبا، وجعلت من البيوت قبورا لأهلها، وسارت في معايش الناس بين صعبها وسهلها، وأظهرت لعقول العلماء أن أكثر علمها من فنون جهلها، فالأرض في بلاء منتشر لا يعرف له حجم، والشعوب في ظلام من اليأس ملتهب النجم، والدول في عصر كليل الشياطين كله رجم ... قال "الشيخ علي": تلك هي الحرب القائمة اليوم ولكن كما ترى خيال النار في الماء، أما الحقيقة فكل حرف منها جيش، وكل كلمة أمة ووراء ذلك معنى رائع هو استجماع الحياة الأرضية لمقابلة الموت. ولو أن لهذا الكون مرضا يعتريه كما تعتري الناس أمراضهم لقلت إن شق الأرض قد ضرب بالفلج فأصبح شقها الآخر لا يكاد يجر ظله حول الشمس، لأن الحركة مقسومة بينه وبين ذلك النصف الميت، فقد اشتبكت العلائق بين دول الأرض جميعا، إذ لا تعرف دولة بين الناس ترعى شعبا من البهائم، ولما بدأ الإنسان يعرف نفسه في عصر العلم والمدنية عرف أخاه، لأن أكثر حقيقة الإنسان فيه، ومن ثم اتصل به اتصال اليد بأختها في المعاونة على ما يسرت له كلتاهما، وجمع العلم بين هذه الأمم لأنه لا ينتسب لواحدة منها وليس له في الأرض لا خال ولا عم، ولا يعرف شيئا يقول للعلم يا بني ويقول له العلم يا أبي إلا التاريخ الإنساني. ولها سفر بين أمم الأرض كل ما يخرج من رأس الإنسان وما ينتج من يده، واتصل ذلك واستفاض حتى كأنما دارت الأرض دورة جديدة من داخلها، فما إن يقع الاضطراب في ناحية منها إلا دخلها من الأثر في سائر نواحيها، من هزة ترجف، إلى زلزلة تهدم، إلى الخسف الذي يجعل عاليها سافلها. وإن باسط لك شيئاً من الرأي في كلمات قليلة، ولكنها كالمعركة الأخيرة التي يحق لها النصر، فتكون هي تاريخ الحياة ولا يكون ما سبقها إلا تاريخ للموت. ألا فلتعلم أنه لو كان لحوادث منذ نشأ الدهر تاريخ صحيح يصف لنا ما كان سببا في كل حادثة وما صارت كل حادثة سببا فيه، لا ثبت يقينا أن ليس في الأرض شيئا من خير أو شر غير ما يلزم لبناء هذا التاريخ الأرضي على الوجه الذي يتفق مع بناء الإنسان، والتاريخ يطرد حيناً ثم يعطف ههنا وههنا في مجراه من الغيب، فلا يتحول إلا انشقت له ناحية من العالم. فإن خربت دولة أو سقطت أمة فما هي بصاحبة الدهر كله، وقد كان لها قسمها منه ثم عاد الدهر يطلب قسمه منها. ولن يجدد البناء القديم حتى يكون الهدم أول العمل في تجديده. فالحرب شر لا بد منه، لأنها من عوامل التحليل والتركيب في تاريخ الإنسانية، وهي بذلك سبب من أسباب استمراره. فكل شر لا بد منه فهو خير لا غنى عنه. وهل يبتغي للإنسان أن تضرب العصور والدول كمال تضرب الدنانير والدراهم من معدن معروف على وجه معروف ولغاية معروفة؟ وإذا لم يكن لنا مستقبل التاريخ وكنا في عمر محدود فما نحن والرأي في بناء هذا المستقبل، وكيف نقدم لله لآلات البناء ثم نحكم الشرط أن لا يكون في هذه الآلات ما يحتقر أو يكسر أو يرض. إنما يجعل للحرب ذلك الوصف يطير لها في كل أرض صوتا بالذم والسوء، أنها لا تأتي إلا بغتة، ولا تطبق إلا في غفلات العيش، وأنه تثور في بياض الأمن الأحمر من لون الموت، وتطلع من خصب النعمة سوداء من لون القحط، وتنبثق بالشر من حيث يكون الشر مأمنا وتصب المحنة على من لا يطيقها، ثم لا تصيب الذين ظلموا خاصة بل تلف من جانبي الحياة لفا، وهي في كل ذلك البلية المكشوفة التي تشتهرها الأحاديث، وتضرب فيها الألسنة، وتسيل عليها الأوهام بما في طباع الناس من طبقات الأخلاق ضعفا وشدة، وخوفا وطمعا، وبخلا وكرما، وحذرا واندفاعا، بحيث تصبح وكأنما ترتمي على رأس كل إنسان بالموت، أو بالخوف من الموت، أو بالخبر عن الموت أو ما يشبه الموت، أو بما يكون الموت خيرا منه!. وإلا فكم يترضرض الناس كل يوم، وكم يجدون من صنوف الدمار في الأعمار ومن ضروب الأرزاء في الأرزاق، ما لو جمع بعضه إلى بعض في نسق واحد لطم على هذه الحروب كلها، ولأظهر لك أن في السلم ما هو شر من الحرب وإن لم يصرخ به صوت الموت.

стр. 56

وما البغي والظلم والكيد والفتنة والاستبداد ونحوها مما يشمل أكثر وسائل الحياة الإنسانية إلا ضروب من القتل الخفي، وربما عد الموت في بعضها راحة من الموت، ولكن ذهب بإثمها في اصطلاح الناس أنها خطط موضوعة للمغالبة على الحياة، وأنها لا تنالهم إلا فردا فردا، وكأن باطل الأمم غبر باطل الأفراد، لأن الاجتماع قضى منذ أول العهد به أن تكون الأمة مظهر السرع وأن يكون الفرد مظهر العقاب، ولكن ليت شعري لما يكون الفرد كذلك من الأمة ولا تكون الأمة كذلك من أمة غيرها؟ فالحرب هي عقاب الجماعات، وهي كذلك ضرورة اجتماعية، ولن يخلو منها تاريخ الإنسان إلا إذا رجع الناس أمة واحدة في تركيب مستحيل لا يتهيأ أبد الدهر ما يقسم هذه الأمة على نفسها، ولعمري إن ذلك التركيب الاجتماعي الذي يخلو من الحروب ليزهد الناس في جنة الله ولا يدع للأديان محلا على الأرض، ويحسبون أنه صلاح في الطبيعة وهو يفسد الطبيعة كلها، فما هو إلا خيال شعري في تاريخ الحقيقة الإنسانية، وما رأى الحرب إلا البرهان الذي تقيمه الطبيعة أحيانا على فساد ذلك الخيال كلما أوشك الضعف الإنساني أن يتوهمه حقيقة ... وإذا كان الله لم يخلق إنساناً من النور فلا تظلم نفسه، ولا من الثلج فلا يحمي دمه، ولا من الصخر فلا يهن كاهله، ولا من الحل فلا يحيف على غيره، ولا من الرضا فلا يطمع في سواه، ولا من الكتمان فلا تخرج أضغانه ولا من السكون فلا يتحرك في نزاع، فكيف لعمري يخلق بعض الكتاب والفلاسفة هذا الإنسان الجديد من عناصر السلم وحدها؟ ألا إن الإنسان لا يولد ساكنا ولا نظيفا، وإنما يخرج من بطن أمه في ثورة دموية تنفجر من حوله ههنا وههنا، وما أرى الحرب أكثر ما تكون إلا ولادة للتاريخ على هذا الأسلوب، فكأن من التاريخ ما يولد على أسلوب الحيوان في ثورة من الدم، ومنه ما يوجد على أسلوب النبات في تحول ساكن غير منظور. قال "الشيخ علي": والحركات المجهولة في نظام الأرض كثيرة، بعضها يجري على الطبيعة وبعضها يجري على الإنسان، فكما يدك الجبل وتخسف الأرض ويغطي الماء وتثور العواصف وتتفجر البراكين، يجري على الإنسان من مثل هذا القحط والوباء والحروب وغيرها، لأن الإنسان في الحقيقة هو الطبيعة الرفيعة، وما القوة المركبة فيه التي تخرج من مجموع غرائزه إلا تهيئة حربية في نفسه. فلولا أن هذا الإنسان مهيأ للحروب بأدواتها الطبيعية، وأن هذه الأدوات هي كذلك من أسباب بقائه اللازمة له، لما قامت في الأرض حرب قط، ولو أبعدنا في مطارح الفكر ونظرنا من وراء النفوس الإنسانية إلى ميادين القتال، لرأينا أن الحرب التي تقوم بين الأحياء إنما هي حرب قائمة بيد مذاهب الحياة. وكما يجتمع العلماء وأهل السياسة لتنقيح الأنظمة والقوانين، تجتمع الدول المحاربة لتنقيح الطباع والعادات، وما أعجب أن يكون القتل تنقيحا في قانون الحياة. فلا تنظر من الحروب إلى هؤلاء المساكين والمتوجعين والمحزونين، فذلك كله إلى نهاية ولا يبقى منه على الأرض شيء قل أو كثر، ولا أحمق ممن ينظر ساعة الهدم على آثار الهدم ولا يعلم أن ذلك سبب لما بعده، وأنه إذا لم يهلك يوم في سبيل الغد هلك المستقبل كله. ولكن متى تكون الحرب حقاً ومتى تكون باطلاً؟ هذا ما لا سبيل إلى وجه الرأي فيه، وربما كان الجواب عليه سؤالا آخر، وهو: متى تعرض في حياة الناس تلك المسائل التي لا يصلحون هم أنفسهم لحلها؟ ومتى تكون الحركة العنيفة التي يتحول بها التاريخ الإنساني كلما وجب أن يتحرف ليتبع مجراه من الغيب؟ أليس ذلك هو السبب في أن العقل أحيانا يكون أول ما ينهزم في الحرب كما تراه اليوم، فيصبح الفلاسفة والعلماء والمتفننون لا هم لهم إلا إدارة حركة الموت هجوما ودفاعا، وترى الصلوات والأدعية والتسابيح تصاعد إلى الله وفيها ريح الدم والنار والغازات، وكأنها قنابل صنعت من قنابل صنعت من العواطف؟ وقد يقول بعضهم إن في الحرب إسرافا اجتماعيا بما تأخذه من الموتى وما تترك من المرضى، ولكن كم من الإسراف الطبيعي والأخلاقي في بقاء الناس موفورين بعلومهم وفنونهم وشهواتهم ونعمهم ومصائبهم ونحوها، مما يؤدي إلى انطواء هذا لمجتمع الإنساني في الأدمغة والقلوب بما تبعث عليه تكاليف الحياة الاجتماعية السامية التي تحاول أن تجعل الإنسان حيوانا على شكل مخترع.

стр. 57

فلا ترين يا بني هذه الوحشية التي تعتري الناس في حروبهم إلا سببا في رجوعهم بعد ذلك إلى الإنسانية الخالصة التي أفسدوها بحضارتهم وضربوا عليها الحدود من مصطلحات التمدن ومن أصول المعاملة، فأصبح الإنسان منهم يقضي العمر وهو يتعلم كيف يصير إنساناً ... ! وأنا يا بني في خاصة نفسي أكره الحرب، لأني أراها تصور بكل ألون الهلاك والخراب فكرة العدم المبهمة على قطعة من أديم الأرض، وامقتا لأنها تلوث الحياة بدماء الرجال ثم لا تغسلها إلا بدموع النساء والأطفال، وأبغضها لأنها تدفن تاريخها الصحيح المستقبل ولا ترك للحاضر إلا تاريخها المشوه في أعضاء الجرحى، ولكن البغض يا بني لا ينفي الحكمة مما تبغضه، وما سرور نصف الناس إلا بما يكره النصف الآخر! وأكبر شخص اجتماعي وهو الأمة، كأصغر شخص اجتماعي وهو الطفل: كلاهما يبكي ويتألم حين يضرب لتأديبه. (قال الشيخ علي: وهذا آخر قول الشيخ علي ... ) . على الكوكب الهاوي. حسناء أفقرتها الحرب، وكيف تلقاها الحقيقة ؟ طريدة بؤس مل من بؤسه الصبر ... وطالت على الغبراء أيامها الغبر تنكرت الدنيا لها ورمت بها ... على الكوكب الهاوي حواه فضا قفر وكانت كما شاءت وشاء جمالها ... كما اشتهت العليا كما وصف الشعر تلألأ في صدر المكارم درة ... يحيط بها من عقد أنسابها در وما برحت ترقى السنين وتعتلي ... وكل المعالي في طفولتها حجر فكانت كزهر نضر الفجر حسنه ... ولما علتا كالنجم أطفأها الفجر! رمى الدهر أهليها بحرب ولم يرد ... بها الشر لكن الحروب هي الشر ومن يحطم الكأس الروية وحدها ... فقد ذهب اثنان: الزجاجة والخمر تقاسمت الحسن الإلهي وانثنى ... يقاسمها، فالأمر بينهما أمر فللشمس منها طلعة الحسن مشرقا ... وفيها من الشمس التوقد والجمر وللزهر منها نفحة الحسن عاطرا ... وفيها ذبول مثلما ذبل الزهر وللظبي منها ملتقاها وجيدها ... وفيها من الظبي التلفت والذعر وما قيمة الحسناء يقبح حظها ... وتذوي بروض الحب أيامها الخضر من الحسن معنى يهلك السن عنده ... كم أهلك الأزهار أن يؤخذ العطر فما السن فخر للحسان وإنما ... لخالقه فيما يريد به سر ضعيفة أنفاس المنى بعدما غدت ... رقاب أمانيها يغللها الفقر وبين خطى أيامها كل عثرة ... يزلزل أقدام الحياة بها العسر وزجت بها الأحزان في بحر دمعها ... وليس لبحر الدمع في أرضنا بر يقاذفها موج الليالي وما لها ... سوى زورق واه يقال له العمر وما التمست رأس الرجا عند صخرة ... فكان سوى رأس الردى ذلك الصخر إذ استنبأوها أرسبت من دموعها ... لآلئ حزن كل لؤلؤة فكر وإن سألوها لجلجلت فكأنما ... عرا اللفظ لما مر ن فمها سكر مشردة حيرى تنازع نفسها ... فرقان ذل لم تعوده، والكبر وما قتل الذل امرأ من عبيده ... وكم من فتى يرمي بهامته الفخر ولو أنصف الإنسان في قدر نفسه ... رأى قدرها أن لا يهون لها قدر فلا تتساءل كيف تقعد وداعاً ... ولكن تساءل كيف يسعى بك الذكر وكن رجلاً كالضرس يرسو مكانه ... ليطحن، لا بعينه حلو ولا مر ولا تتوقع أي جنبيك واقع ... إذا انطبقت يوماً حوادثها النكر ولكن تلق الدهر غير مفزع ... بصدرك ولتعر الخطوب كما تعرو فعز الحسام الهند واني صدره ... وذل العصا أن العصا كلها ظهر ولن يهن الحر انتضى عزماته ... وصال بها من صبره الخلق الحر وإن تغلب الأبطال في كل حومة ... فما عرفت حرب بها غلب الصبر! وليلة هم ما يطير غرابها ... ولا انحط من وكر الصباح له نسر تطل عليها الشهب أعين نقمة ... تطاير فيما بينها النظر الشزر ويزفر فيها الليل زفرة مارد ... تطير لها من برقه الشمل الحمر ويخفق في أحنائها كل عاصف ... خفوق فؤاد بات يسلمه الصدر ويغضب من آثامها الموت غضبة ... يرج لها في كل ناحية قبر دخانية هوجاء لو مد نقعها ... لقام على وادي الجحيم بها جسر

стр. 58

وأهون ما في أرضها وسمائها ... على الناس، هاتيك الحزينة والبدر ثوت تحتها تلك الفتاة عليلة ... تئز كما أزت على نارها القدر وفي غرفة مما بنى الله لا الورى ... فليس على من حل ساحتها أجر جوانبها شرق الظلام وغربه ... وفي سقفها ضاءت كواكبه الزهر ممدة كالسطر في صفحة المنى ... وأطمارها تبدو كما شطب السطر فإن يك أهل الأرض أرقام حساب ... فتلك وراء العالمين هي الصفر رمت عينها يمنة ويسرى فلم تجد ... على الأرض خلقا ليس في جنبه غدر رأت كل مخزاة من الشر تلتوي ... ويهرب ذعرا من جنايتها العذر رأت أثرا تدنى به الأرض والسما ... وليس سوى الإنسان في جرحه ظفر رأت ذلك الإنسان يطغى بعلمه ... ويجهل أن العلم عن جهله زجر أليس يرى الإنسان في القرد شبهه ... فهل ذاك إلا من تكبره سخر كما عاقب الله الأسود لكبرها ... فجاء لنا في صورة الأسد الهر رأت هذه الحرب الضروس كأنها ... مراحل يطويها من الزمن الحشر وما حمد الشيطان للناس مثلها ... ولا كان للشيطان في مثلها شكر وما الحرب إلا رجفة الأرض رجفة ... يموت بها عصر ليحيا بها عصر وما الحرب إلا مطرة دموية ... إذا دنست روح الورى فهي الطهر وما الحرب إلا غضبة الله لا مست ... مخازي الدهر فانفجر الدهر؟ فيا رب، جلت هذه الحرب محنة ... على الناس، لا الإيمان منها ولا الكفر ففي كل نفس غصة ما تسيغها ... وفي كل قلب كسرة ما لها جبر وبين شفاه الناس للناس لعنة ... إذا لم يثرها الحق ثار بها الخسر وما لوت الأسياف في الأرض عروة ... من البغض إلا والرؤوس لها زر فلا تخدعوا الإنسان عن نزعاته ... فما الناس إلا ما أساؤوا وما سروا وكم قيل إنسانية ومحبة ... وعلم وتمدين وأشباهها الكثر فيا قدرا يجري دما ويلتظي ... سعيرا، أذاك الحب أنت أم أنت الهجر ويا هذه لا تجحدي، إنما الورى ... كما خلقوا والمكر بعد هو المكر وأين من الناس الكمال ولم نزل ... نرى السود سودا ليس يغسلهم بحر ولا بد من ضدين في كل حالة ... وبينهما إما النجاة أو الأسر بذلك يجري الغيب إن طار أو هوى ... فإن جناحيه المنافع والضر فلا تطمعي إن تغفل الأرض أهلها ... ولا مد فوق البحر إلا له جزر ولا تطمعي أن يرفع المال أنفسا ... يحركها من ذل مطمعها الجر ولا تأملي الأيام خضرا على المدى ... ففي كل حين يسقط الورق النضر ولا تسألي الزلزال ترقيص طفلة ... وأصغر ما في كفه الجبل الوعر ألا إنما الدنيا سلاليم يرتقي ... بها الناس تغريم أواخرها الغر نذروا علاها للكمال، وعندهم ... من العلم أسباب يقر لها السحر فما برحوا يرقون كل بعيدة ... ولم يعلموا أين الكمال ولم يدروا فلما علوا واستحمقوا وتتابعوا ... وغرهم بالله ذلك فاغتروا ... تهاووا على أعناقهم وتحطمت ... بهم درجات كان من فوقها النصر كذلك سلاليم الحياة، فكلنا ... طموح لأعلاها وفي الوسط الكسر الجمال والحب وكأنما أنظر الآن في قلب رجل لا في وجهه، إذ تهلل على الحساب وجه "الشيخ علي" شيخ المساكين. أراه كما كنت أعرفه، ضاحكا غير الضحك الذي يلبس وجوه الناس، فلا يضحك لشيء إنساني، بل ما هو إلا أن تراه قد تهلل فرفع وجهه إلى السماء وأرسل من فمه مثل نور التسبيح في إشراق جميل، حتى لقد كان يخيل حين أبصره على تلك الهيئة أنه لا يضحك ولكن قلبه يرتعش بعضلات وجهه.

стр. 59

لو أراد الله بالناس خيراً لوضع في أبصارهم أشعة تنبث في أطواء القلوب فتعرف ألوان العواطف وتميزها لوناً من لون، ولكنه جعل الوجه غطاءً على معاني القلب ثم سلط الفكر على معاني الوجه ومعارفه يصور فيها ما شاء مما له أصل في الحس وما لا أصل حتى ليختبأ الإنسان عن الإنسان وهو مكشوف لعينيه وإذا كان الله سبحانه قد أوجد الخير والشر صريحين فقد أوجد الإنسان ثالثاً لهما وهو تلبيس أحدهما بالأخر وأراد الخالق ذلك ويسره للإنسان فجعل فيه آلة واحدة للصدق وهي القلب وآلتين للكذب وجهه ولسانه. كان "الشيخ علي" يشبه إنسانية قائمة بغير إنسانها على حين ترى أكثر الناس كأنه إنسان قائم بغير إنسانيته وكانت الدنيا كأنما نسيت أنه فيها فتركت له روحه صافية منطلقة تتطعم الحياة فير مستقرة في شيء كما يتطعم النسيم رائحته من ورق الزهر فهو يتسحب عليه ولا يستقر فيه ولو أنه ورق الزهر. وما زالت روح هذا الرجل مني منذ عرفته كأنها نضاحة عطر تمج رشاشها على حياتي روحاً وعبيراً وندى، وكأن الرجل طفل عزيز من أطفال قلبي يملأ ما حوله ابتسامة وطفولة ورقة، ولو أن أحداً خلق من عيني الطفل الضاحكتين لكان هو "الشيخ علي" ﵀، على أنه كان رجلاً من سوسه القوة، معصوباً متكدساً، يملأ جلده كأنه جذل من أجذال الشجر. وانقبضت نفسي انقباضة شديدة إذ تغير الرجل في حياته، ونظر إلي نظرة ينقدح منها شرر الغيظ، فلو أبصرت عيناك طائراً ضعيفاً أراغه نسر فاستطرده في نواحي الجو وهكذا وهكذا، ثم أهو له بمخالبه ثم سدد إليه نظرة غرزت هذه المخالب وانفجرت بآلام لحمه ودمه فاعلم أن تلك هي نظرة "الشيخ علي" إلي. ولقد تبعثرت لها شياطين نفسي فانطلقت، يحول كل شيطان منه مهرباً، وكانت توسوس في صدري أن استمد من روح "الشيخ" قوله في الحب الذي مهما اعتبرته لم تجده إلي كإحياء الخيالات بقتل حقائقها، ثم ما لبث أن استضحك وأطلق لي نفسي وجاشت عيناه بنظراتهما الحكيمة، فقلت: ويحك يا نفس! إن عين "الشيخ علي" ترى من الجمال غير ما نرى، ثم تعلم علمها مما نظرت فيه، ثم تقدره على حساب ما تعلم منه، فما يدريك لعل هذا الرجل الروحاني لا يرى إلا ما وراء تلك البشرة الجميلة التي تكسو وجوه النساء الجميلات، كما نبصر نحن من وجوه الموتى وقد تآكل جلدها وتناثر لحمها وبرزت عظماً كسائر العظم من كل حيوان، فلا موضع قبلة ولا سحر نظرة ولا إشراق بسمة، وما هو إلا تركيب من العظم صنع هذه الصنعة تيسيراً لما خلق الله، ولعله يا نفس لو حشر الله لعينيك أجمل الجميلات في صعيد واحد وحشر معهن إناث البهائم صنفا، ثم نزع من تلك الوجوه كلها ذلك طراز من الجلد وما وراءه من اللحم مزعة حتى لا يبقى إلا الوضع في بناء العظام وهندستها، فما يدريك لعل لأجمل الجمال عندنا هنا لا يكون حينئذ إلا أقبح القبح هناك! أفمن جلدة على وجه امرأة يجيء الشعر والجنون معاً ويجتمعان في هذا الخيال الذي يسمى الحب ويستنزلان معاني التقديس من أعلى السموات إلى عين تلحظ لحظة، وشفة تبسم بسمة؟. إنه القلم الإلهي المبدع الحكيم هو الذي صور ولون وأفتن ما شاء، فإن رزقت امرأة جلدة جميلة مشرقة كأنما تجري فيها الشمس: وألبست أخرى جلدة قبيحة سفعاء تجول فيها رهبة الظلمة، فكلتاهما صورة من صنع الله، وكلتاهما جاءت لمعنى، وكلتاهما بعد غشاء زائل على وضع ثابت لا يختلف في هذه ولا في تلك، وضع الحقيقة الجسمية التي تحمل الحياة بأدواتها الكثيرة. والحياة لا تعرف البشرة إلا غطاء على ما وراءها اسود أو ابيض، وكان من لون المرمر أو من هيئة الطين. ولو أن كل وجه في نساء الدنيا خلق دميماً نافراً على أبشع ما نتصوره من القبح لكان كل الدنيا جميلات إذ يألف الطبع الإنساني تلك الصورة الواحدة ويتقرر بها الذوق في الجمال وتستمر بها العادة فلا يستبين وجه من وجه آخر في صفة ولا يخالف مذهب مذهباً في حالة. ولكن هذا الإنسان كتب عليه الشقاء، فخلق وخلق معه ما يطغيه وما يستفزه وما يخرجه عن طوقه، كما خلق له ما يزهده وما تطمئن به وما يحصره في إنسانيته، فالجميلات والقبيحات كلهن سواء في أنهن نساء هذه الإنسانية لا تقصر في ذلك واحدة عن واحدة وإنما يتفاوتن في أسباب الشقاء الإنساني الذي يبتلي الرجل بالمرأة ويمتحن المرأة بالرجل.

стр. 60

ولو سما عقل الرجل إلى الغاية العليا من كماله لرأى المرأة الجميلة الفاتنة في نصف جمال بالمرأة القبيحة، ولبانت الواحدة عنده من الأخرى بأن الدميمة مهيأة في نفسها لمعالي الأخلاق والجميلة مهيأة لسفسافها، ولرأي مع هذه من بعض طباعها ونزعاتها شرا مما تقدم بها من جمال وجهها، ومع تلك من أكثر طباعها وصفاتها خيرا مما قصر بها من حسن صورتها. بيد أن من شقوة الطبع الإنساني أنه سخط القبح فأحاله فساد وعبد الجمال فأحاله فساد من نوع آخر، غذ كان في نفرته وحبه لا يعتبر المنافع والحقائق ولكن الأهواء والشهوات، والمنفعة والحقيقة كلتاهما لا تكون إلا في قيودها، أما الأهواء والشهوات فهي دائما لا تقع إلا متخطية حدود العقل غما على النقص وإما إلى الزيادة ولا تغرى بشيء إلا أوقعت به السوء إذ لا يستوي في القصد ما خرج عن الحقيقة وما هو مقيد بالحقيقة. كان هذا وحي الشيخ علي في نفسي غير أني رددته عليه وأزلني شيطان الحب مرة أخرى فقلت: أفترى الشوهاء على ما بها مما ركع الدهر وسجد، ثم تلك المرأة التي سمج تركيبها فتحامتها العيون، ثم الأخرى التي قمعت في بيتها تختبئ فيه من القبح فصارت سرا في صدر الحيطان، ثم تلك التي تلوح في النساء كالسطر المضروب عليه أفسده الخطأ، ثم المهزلة التي أدبر جسمها وتقبضت أعضاؤها وأصبحت جلدة تمشي وتتكلم. أفترى هؤلاء أو إحداهن كتلك الغانية المتشكلة في ألوان الثياب كأنما تلبس بدنها الجميل بدنا معنويا يدل على معانيه، أو الأخرى التي تظهر في جمالها الفتان عاطلة من كل حلية ومع ذلك ترف على حسنها روح الياقوت والماس واللؤلؤ مما عليها من البريق والشعاع أو المطوية الممشوقة المسترسلة كأنه في قوامه ووجهها غصن الجمال وزهرته، أو الحسناء اللعوب المزاحة كأنما اجتمعت طباعها من نور القمر أطل في ليلة من ليالي الربيع يداعب أوراق الورد النائمة! أو ... أو تلك "يا شيخ علي" ... ؟ قال الشيخ علي: فيا ويلك! إني والله بك من رجل لخبير، أفمن أجل واحدة؟ أما إنه لعل الذي جعلها حقا عندك هو الذي يجعلها باطلا عند سواك، ولعله ما حسنها في عينيك إلا أن طبعا من الجد فيك استملح طبعا من الهزل فيها، كما ترى معنى مكدودا في إنسان يستروح على نقضيه في إنسان آخر. ولعل من أمتع اللذات وأبهجها لقلب المهموم أن يتصور في همه من يعرفه طروبا فرحا، وإن كان كلا الرجلين لا يسكن لعشرة الآخر لو تعاشرا واختلطا. وهذه القلوب لا تؤتي من مأتى هو أدق وأخفى من توهم ما فيه اللذة، فإن النفس ترجع عند ذلك بكل حقائقها إلى نوع واحد من الوهم ينصرف بها إلى تمثل هذه اللذة التي استشرفت لها وطمعت فيها، فإذا طعمها في الدم يهيج لها سعار الجوع العصبي. وما هي السرقة مثلا إلا أن يضع اللص عينه على المال أو المتاع ويتذوق طعم اليسر والفائدة فتجن أعصابه جنون الحاجة، فلا يرعوي إلى شيء من الرأي يزجره أو يمنعه أو يكفه، ويكون في الحقيقة سارقا قبل أن يسرق، وكذلك يكون الفاسق متى نظر إلى المرأة واشتهاها ونبه معانيها في معانيه، وقل في مثل هذا في كل من طار قلبه أو طار صوابه. اله عن وهمك يا بني وضع الأمر على قاعدته. وسدد نظرك على حقيقته ودعني من حبل الباطل الذي تجر فيه شيطان هواك أو يجرك هو فيه. وما نتكلم عن اثنين من الخلقة أنت وهي، ولو أن الأمر قد انحصر فيكما وفنيت بالحب فيك لكنت أنت ذلك الكون وهذا، حرسك الله، موضع النقص في النفوس العاشقة إذ تنقطع إحدى نفسين من العالم إلى نفسها الأخرى. وهو نقص أشبه بجنون المجانين بل هو متمم له، فإنما ذهاب العقل في المجنون المختبل هو نصف الجنون الإنساني أما النصف الآخر فهو تجرد العقل في العاشق المتدله. نصف الجنون في العاشق الذي يتجرد من الناس إلا من أحب، ونصفه في المعتوه الذي يتجرد من الزمن إلى الحاضر. إنه ليس للمجنون عند نفسه ماض ولا مستقبل إلا يأمل هذا ولا يذكر ذاك، وكل سعادة نفسه في هذا النسيان الذي طمس عليها وتركها كأنما تعيش في غير عمرها، بل في كل أعمار الإنسانية بل بغير عمر، وكذلك ليس العاشق مع الحبيب شخصا أخر ممن مضى وممن يأتي ما دام الحب قائما، فالحبيب هو الحبيب، وكل الناس بعده أدوات: وشخص واحد هو: الألف واللام والحاء والباء، والناس جميعا نقطة صغيرة ملقاة تحت الباء فقط.

стр. 61

وقال الشيخ علي: ثم يبرأ المجنون ويثوب غليه عقله فيعرف أنه كان مجنونا، ويبغض المحب أو يسلو ويبرأ من وهمه في تلك المرأة، فلا يرى إلا أنه كان بها مجنونا، أفلا يكفي هذا ويحك في الدلالة على أن الحب والجنون من أم واحدة وإن اختلف أبواها، وأن رأي العاشق في كل النساء كرأي المجنون في كل الناس، ولا يجوز أن نأخذ بواحد منه إلا إذا أخذنا بالآخر وأقررناه في باب الصواب والعقل، إذ كلاهما حاصل من حالة متى هي تغيرت فانقلبت اعترف صاحبها عليها بالجنون وإن كانت إحدى الحالتين في طبيعتها ووصفها غير الأخرى! ويلمه وصفا من العاشق لو كان من صاحبه رأي وويله رأيا من المجنون لو كان مع صاحبه عقل!. قال "الشيخ علي": سئل الحلاج وهو مصلوب يعاني غصة الموت: ما التصوف؟ فقال لسائله: أهونه ما ترى.... فهذا رجل يموت في سبيل حقيقة تقتله بغموضها السماوي العجيب، وعلى أنها قد دقت المسامير في أطرافه وجمعت لموته آلام الحياة كلها، وأنبتت في كبده من وخزات الجوع شجرة من الشوك، وأطلقت في عروقه من لذعات العطش لهيبا من النار، وتركته على عوده ممدودا تتساقط نفسه كما ينشر الثوب الذي بلي وانسحق وهو يتمزق من كل نواحيه على هذا البلاء كله، لم تتغير الحقيقة في رأي الرجل ولا فسد موضعها في نفسه، ولا رأى ما يكرهه الناس من الألم مكروها في ذاته فيميل عنه، ولا ما يحبونه من اللذة محبوبا فيميل إليه، ولا تسحب قلبه حركة واحدة السخط على الحكمة الإلهية فانتقصها برأي أو أغتمز فيها بكلمة، بل نظر نظرة الحكيم من وراء الحد الإنساني المنتهي فيه، إلى ما يبدأ عنده الحد الإلهي الذي لا ينتهي، ورجع آخره إلى أوله فكأنما يقول بلسان حكمته فيما نزل به: اللهم إنك بدأتني طفلا غرا جعله فقدان العقل لا يملك مع أحد إلا صياحه فخذني إليك طفلا عاقلا جعله العقل لا يملك مع أحد ولا صياحه. واذكر الطفل يا بني فرب معضلة من أمور هذه الدنيا يحار الناس في آخرها وهي محلولة من أولها، وما هؤلاء الأطفال إلا الأساتذة الذين يعلموننا ويتعلمون منا، غير أننا لا نأخذ عنهم فلا نصلح ويأخذون عنا فيفسدون. لرأيت ولد الشوهاء تعرف عيناه في كل ما طلعت عليه الشمس أجمل من وجه أمه، أو يرى طائلا في وجه سواه، أو يحن إلى غير طلعتها أو يسكن إلى غير صدرها، حتى كأن الله لم يخلق وجه حبيب لقبلات محبه إلا وجهها هي لقبلاته؟ إنه في ذلك ينظر من ناحيتين: الأولى ناحية صفاته هو، فإن القلب إذا لم يكن بهيميا منعكسا أشرق صفاؤه فيما حوله فلا يرى إلا خيرا، ولبست المرئي صفة الرائي فلا ينظر جمالا، واتصل الشعور الطيب الرقيق الجميل بين نظر النفس وبين ذات النفس كما يصل الشعاع الذي يلقى على حائط من المصباح بين هذا الحائط وهذا المصباح فيغشيه النور وإن كان الحائط نفسه من الطين. فإذا كان القلب بهيميا زائغا عن الإنسانية إلى حيوانته، استفاضت ظلمته وشهوته على ما حوله فلن يشهد من صفات الجمال شيئا بل يرى في كل شيء من صفات نفسه هو، حتى ليكون الوجود كله في عين بعض الناس كما يكون الطعام كله في فم بعض المرضى. ومثل هذا يعشق أجما النساء فلا يرى فيه جمالا البتة وإن هو خدع نفسه في ذلك واختدع الناس، وإنما يرى فيها الشهوات، شهوات جميلة ليس غير. أما القلب البهيمي غير المنعكس وهو ذاك الذي تحمله البهائم، فلا يحتفل فيه عقل ولا يحتشد فيه خيال، وما هو إلا أن ينصب الحيوان به على محض المنفعة، لأنه عامل في الطبيعة يعد من عمالها لا من شعرائها. فليس عنده جمال يقع في ظاهر الروح وآخر يقع في باطنها وثالث متوهم لا يقع ولا يمتنع أن يقع، وليس يعرف من معنى القبح إلا أن تكون الأنثى قد طاش بها المرض فما تستقل إعياء وضعفا. وبذلك سلمت إناث البهائم من شر كثير يملأ لغة الحياة النسائية بمعانيه وتجمعه كلمتان: الجمال والقبح.

стр. 62

والناحية الأخرى التي ينظر منها الطفل لأمه الدميمة الشوهاء ناحية الصفات الإلهية، فإن الحب الصحيح الذي يمكن أن يسمى حبا لا يكون فيما ترى من لون وشكل وتركيب وتناسق وغيرها مما يظهر البشرية على أتمها وأحسنها في الشخص المحبوب كما يظن الناس خطأ، بل هو في عكس ذلك أي فيما يخفي البشرية بمحاسنها وعيوبها جميعاً ويظهر في أمكنتها خصائص الروح المحبوبة وحدها فمن ثم يبدو لك شخص المحبوب على أي أشكاله وهيئاته كأنه تمثال سماوي وضع لروحك خاصة فهو مجبول من مادة واحدة هي مادة الفتنة، ولو كان في أعين الناس كافة تمثال الأرض السفلى يصور كل ما تشتت فيها من القبح. فإذا لم تظهر لك خصائص روح المرأة ظهوراً يستفيض على وجهها وجسمها ويجعل كل شيء فيها ذا معنى منه وكل معنى منه ذا معنى فيك، فما أنت من حبها في شيء ولو ذهبت من جمالها بعقول الناس ولا هي عندك من الجمال في شيء ولو كانت في النساء كليلة البدر في الليالي، ومن أجل ذلك لا يخلو الحب من بعض معاني الوحي، ولا تخلو الحبيبة من بعض المادة الملائكية في النفس التي تعشقها، ولا ملك الوحي إلا قوة المزج السماوي في نفوس الأنبياء، وهل روح الحبيبة إلا على قدر من مثل هذه القوة في نفس محبها؟ ولعل هذا يفسر لك سراً من أسرار الاحتراق في بعض الأرواح العاشقة التي تيمها الحب فإن تلك القوة المزجية متى أفرطت على نفس رقيقة حساسة أذابتها واشتعلت فيها فأكلتها أكل النار للهشيم وتركتها تحترق أسرع ما تحترق لتنطفئ سرع ما تنطفئ قال "الشيخ علي": تلك هي الحقيقة يا بني فلن يأتي لكائن من كان أن يقسم النساء إلى جميلات وقبيحات إلا إذا طوى في ذلك معنى القسمة إلى شهوات جميلة وشهوات قبيحة، ومتى انتهينا إلى هذا فقد خرجنا إلى المخاطبة بلغة لا هي من لغة البهائم ولا هي من لغة الإنسانية. أفرأيت قط ألفاظ الجمال والقبح تشيع في أمة من الأمم وتعلو بالأعين عن النساء وتنزل وتمتد بها وتتقبض إلا أن تكون أمة ضعيفة القوة قد اختلت أجسامها، أو ضعيفة الدين قد اختلت أرواحها. انكشف القمر ذات ليلة لرجل اسمه "من عباد الله المقربين" فإذا البدر أسود كالحبر وإذا هو مكتوب في وسطه بالنور "أنا وحدي"، فالقمر نفسه لم يمنعه كل ضياء الشمس عليه أن يسود في عين الرجل الذي ينظر لروحه فما الذي يمنع من ينظر لروحه وخصائصها أن تصير المرأة القبيحة في عينه كالقمر الأزهر؟ في البدر ظهرت كلمة الألوهية "أنا وحدي". وفي وجه الحسناء تقرأ كلمة الألوهية "أنا وحدي". فهل يمكن أن تقع الدميمة من الحسناء أقبح ويقع ظلام القمر من نوره فلا تكون في وجهها هي أيضاً كلمة الألوهية "أنا وحدي"؟ لم يبق في البدر مع الحكمة العليا شيء يسمى الجمال!. ولا المرأة الحسناء يكون فيها شيء أجمل من القمر، فهي مثله ليس فيها مع تلك الحطمة شيء اسمه الجمال. أفيمكن أن يكون من الحكمة نفسها في وجه القبيحة شيء اسمه القبح؟. القمر طالع مشرق كما كان. والجميلة الحسناء لا تزال فاتنة. والدميمة ظاهرة كما هي. لم ينقص الكون من ثلاثتها شيئاً. ولكن أين عين الرجل الكامل؟. الدين ولادة ثانية "قال صاحب المساكين": عرفت فيمن عرفت من أصناف الناس أربعة تجري أمورهم في نفسي على غير مجاريها في أنفسهم، وأرى من طبيعتهم موضع الغفلة والحمق فيما يرونه أو يحسبونه موضع السداد والحكمة: "فالأول" رجل ملحد أديب معني بجمع الكتب يتعلق بكل نفيس منها، وهو يزعم أنه تأمل الأديان فلم يجد طائلاً في شيء وأن له في كل دين ظنة على ريبة، ونقداً على مسألة، وثانية على أوله وأنه تبدل الدين بالخلق فما خسر شيئاً وربح الحقيقة، ثم يحذو بعد على هذا الحذو كما يفعل الملحدون في صفة أنفسهم وهي دائماً لا يأخذون من الكلام إلا بملء اليدين إذ من العجيب أن لا تقع لهم الكلمة الصحيحة المفردة. هذا الذي خرج من الأديان ومن نهيها وأمرها إلى الأخلاق وعهدتها وأدبها "قال لي ذات يوم وقد خضنا في أمر الكتب: إني لأمقت السرقة والغصب والخديعة ولا أبيع منها شيئاً ولا أمرها لأحد! غير أني إذا وجدت كتاباً نفيساً وعجزت عنه أو ضاقت به ذات يدي لأمكنتني فرصة من الغفلات لم أتورع أن أسرقه ... ولو غصبت ولو خدعت.

стр. 63

قال هذا فلم أفهم من كلمته شيئاً إلا أن لقب " اللص" يكون من الشرف أحيانا بحيث يسمو كثيراً على الرجل الملحد ... "والثاني" رجل نتفلسف انقلبت عقيدته إلى زيغ فله رأيان في أمور الحياة: واحد ينزع فيه طبيعته فيستمتع ما وجد متاعاً في حرام أو حلال وفي معروف أو منكر. والآخر يرجع به إلى ضميره الإنساني وما هو الأشبه بعلمه وعقله وفلسفته فيألم ويتململ إذ يرى أنه لا يزن من لذاته لا بمقادير الخير ولا بمقادير الشر وأنه يبيح لنفسه ويحرم على غيره، فإنما الرأي والحق والعدل أن لا ينطلق في كل إنسان تاريخه الوحشي كما يفعل هو ليقوم النظام على أصوله وتتحقق الإنسانية في أهلها، ولو فعل الناس ذلك فوسعتهم الفلسفة لما وسعتهم الطبيعة بل هي تسرع حينئذ فتطلق لكل حيوان مع أكيلته التي يغتذي بها آكله الذي يتغذى به. لم أفهم من فلسفة الرجل أنه فيلسوف، بل عرفت من علمه أن الرجل من الناس قد يكون سافلاً حتى من الجهة العالية فيه، وقد يكون فاسداً حتى من بعض جهاته الصالحة ... "والثالث" رجل يزعم عند نفسه أنه مصلح ويتولى أمور الناس فيداورها ويلتمس لكل شيء مأتى يتسبب منه إلى إصلاح فيهم حتى إذا وثق الناس به واستكانوا إليه وصاروا في حال الغرة وفي قياد الأمن، صدعهم في أديانهم وأخلاقهم وركبهم بمزاعمه وخرافاته وبث وأوهامه في مذاهب أقدارهم وتصاريف أمورهم وظن الدين كلمة توضع في موضعها كلمة غيرها وحسب اليوم من أيامه في عمل الدهر كاليوم من أيام الله في خلق السموات فهو يطرد الأزمنة ويمحو العادات ويغير الطباع ويسن لفروع الشجرة سنة جذورها فلا يذهب الفرع طالعاً بل يغور نازلاً، ثم يريد أن يقيم على طريق التاريخ مجازة أو قنطرة ليمشي بالناس فوق التاريخ فيقطع بهم ألف سنة في ألف يوم، وكأنه زاد في الطبيعة ناموس نهيه وأمره ... أنا لا أقول قي مثل هذا إنه مصلح، بل أقول يا عجباً لسخرية الأقدار من القوة، إلا النسر في الجو ليبحث أين تكون الجيفة ... "الرابع" ذلك الذي جعلته الكتب عالماً وقسمت له ما شاء ولكن الله تعالى لم يقسم له شيئاً من كرم الضريبة وشرف العرق ولا ألقى معاني الذهب في سلسلة آبائه فهو رثة لا يجيء في معاني الناس بطباعه وأخلاقه إلا كالثوب الخلق من فتوق ورقع، ويغطي عليه العلم كما تغطي القشرة النضرة على الثمرة المزة، فإذا كتب للناس ارتطم في طباعه ونزع مأخذه وتجاذب داخل نفسه وخارجها فيذهب ينكر ويعترض ويسفه ما عليه الناس من دين وخلق وينزو بهم في نوازيه ودواهيه، ويرد كل ما في الطبيعة من الجمال وكل ما في النفس من الحق إلى تأويل مادي بحت، كأن الزهرة الخارجة من الطين هي طين مثله. ويسقط عنده كل ما عمل الشعاع والماء في الذرة الأزلية التي انبثقت منها النبتة فخرجت توحي عن السماء وحي النور واللون. أنا لا أفهم أن مثل هذا عالم ولكنه في الناس كبعض النبات في النبات يرزق من النمو قوة يفسد بها ما حوله، فإذا هي ظهرت فيه لم تنبه على قيمته بأكثر مما تنبه إلى وجوب اقتلاعه واستئصاله ... لا ثقة لي بمختلق لا دين له، فإن الخلق يصله بحظ نفسه أكثر مما يصله بواجبات الناس، ولا فيلسوف ملحد، لأن الفلسفة تمزجه بالمادة أكثر مما تمزجه بالإنسانية، ولا بمصلح ينسلخ من الدين، لأن إصلاحه صور من غروره، ولا بعالم جاحد، لأن علمه كهندسة الشوكة كلها من أجل آخرها ... أولئك لا يدرون أنهم من هذا العالم في حدود أغراضهم الصغيرة الفانية إذا كان كل منهم يتناول الكون من حيث يحب هو لا من حيث يحب عليه، ثم يفسر الأشياء في جزء منها لا في مجموعها، ويعتبر الزمن عمراً كعمر الفرد وهو تاريخ لا يموت، وينظر إلى الغاية من الوجود كأنها داخلة في الحد مع أنها لو حدت لبطلت أن تكون غاية. كل منهم صحيح في ذاته لكنه فاسد بموضعه من أغراضه أو من أغراضنا، وما أشبههم بالأشجار في المقابر لا تجد لها في المقبرة ما تجد لها في الحديقة، كأنها لما قامت في موضع الموت قامت حية ولكن ماتت روح الحديقة فيها.

стр. 64

لا تسمو حياة الفرد إلا إذا كان جزءاً من كل، ولا يجتمع الكل إلا إذا كان تاماً هو كل به، السبيل أن يدفع الفرد أبداً إلى خارج حدوده الذاتية الصغيرة. وفكرة الكل هذه لا يصورها ولا يستوفي معانيها إلا الدين الصحيح إذ هو خروج بالفرد من شهواته التي تفصله من غيره إلى واجباته التي تصله بغيره، وانتزاع له من ذاتيته إلى إنسانيته ودفع بالإنسانية نفسها إلى الكل الذي هو أسمى. فكأن الإيمان في حقيقته إن هو إلا دربة لهذا الإنسان على الدخول في اللانهاية فهو من أجل ذلك يقضي على الفرد أن يتسع ويمتد في إنسانيته لا في شخصيته فيتخلق بالأخلاق التي تعم دون أن تخص، وفي صورة صغيرة من جعل المحدود في ذاته أعظم من ذاته ودفع ما ينتهي في سبيل ما لا ينتهي. فإذا عمل الفرد على أن يقفل حدوده ويستغلق بها ويمتنع من ورائها صار كالقلعة المحصنة لا تصلح إلا حرباً لما حولها ودفاعا عما فيها فلن يضع هو أمره إلا على هذا المعنى، ومن ثم فلن يكون له ممن يصادمونه إلا حكم واحد وهو تخريبه وهدمه واقتحامه، فإذا كانت الحياة غير باقية على فرد من الناس فمن الحمق أن تكون هذه هي صورة الإنسانية فيها، وإذا كان ذلك حمقاً فالحق ولا جرم بعض المعاني التي يقوم الإلحاد عليها. ليس في الأرض إنسان لا أجداد له ثم ليس على الأرض إنسان في نفسه بل إنسانية فقط، إنسانية متصلة مفرغة إفراغاً ليس للفرد بينهما موضع لذاته بل موضعه لاتصاله بسائرها كمنزلة الخلية الواحدة بين الملايين من الخلايا المتلازة في جسم واحد قائم من جمعيها صالح للوجود بصلاحها وفسادها معاً. أما إنها لعجيبة أن تلقي بسؤالين متناقضين لا يلتئمان ثم لا تجد ولن تجد عليهما إلا جواباً واحداً لا يختلف، سل الحكمة، لم صلح هذا؟ فالجواب ليكون شيئا ضروريا في الوجود. وسلها لما فسد ذالك؟ فالجواب كذلك ليكون شيئا ضروريا في الوجود. هي الحلقة المفرغة، لما غاب طرفاها صار كل موضع فيها طرفا وعلت كلها ونزلت كلها. فليس إلا النوع لا الفرد، والكل لا الجزء، والإنسانية لا الإنسان وإنما يقع كل شيء في الحياة، بل في الوجود كله، تدريجيا لتحقيق هذه الوحدة كيلا ينفصم أحد منهما، فهي أبدا ذاهبة بالجسم والعقل والمعرفة والعمر من جزء إلى جزء من الأصغر إلى الصغير، إلى الكبير إلى الأكبر، إلى الأوسع إلى الأسمى، لأن تلك هي علامتها في حكتها وتسحبها، وهي طريقة برهانها بالنهاية على أنها لا نهاية. بيد أن خطأ الغريزة في الإنسان يظهر في اعتبار الفرد نفسه كلا تاما وشيئا متميزا فلا يريد لنفسه إلا أمرا تاما ووجودا يتميز فيه، وبذلك يقتحم سواه ويستبيح وجوده، فبقع النزاع والعدوان. وكأنه يضيق بمقدار ما لا يستطيع أن يتسع، لا، دفعه لكل ما حوله مردود عليه بدفع مثله مما حوله، فتتبدل صورة الإنسانية في شكل دخله الغلط على كل جهاته، وههنا موضع الدين الصحيح فما هو إلا الناموس القائم من كل إنسان على الواقع في ذاته والواقع في غيره ليصل بين الواقعين المختلفين بنظام مختلف متحد يكون له في النفس ما يكون لنظام المد والجزر. وبهذا كان واجبا حتما أن تكون العقوبة جزءا من نعيم الدين، وأن يكون القيد شقا من حرية العقيدة، وإلا بطلت في الإيمان قوتا الجذب والدفع معا ببطلان إحداهما، لأن مدا بلا جزر هو أفحش الغرق من ناحية وجزرا بلا مد هو أفحش الغرق من الناحية الأخرى. تعجبني كلمة في الإنجيل لا أعرف أحدا أحسن تأويلها وبلغ حقيقتها. قال "يجب أن تولدوا ثانية" ووضعها في هذا المقال هو تفسيرها، فإن الفرد يولد من الفرد ولكنه لا يصلح على ذلك، بل يجب أن يولد في صفاته وأخلاقه من المجموع الإنساني لتقع الملاءمة. ثم إنه من أبويه يخرج من الحيوانية بغرائزها ولن يفلح بها إنسانا فيجب أن يولد مرة أخرى من جنسه الاجتماعي بغرائز مكتسبة، ثم إنه يولد مهيأ للإقرار بنفسه وحدها فيجب أن يولد الثانية مهيأة لإنكارها وحدها. على هذه الأرض. إما للإقرار بالنفس وإيثارها والاعتداد بها، ومع كل ذلك الحيوانية والشيطان، وإما إنكارها والإيثار عليها والمهاونة بها، ومع كل هذه الإنسانية والله.

стр. 65

لن تطاق الحياة إلا إذا تبدلت فاتخذت لها أسلوبا غير أسلوبها الآتي من تركيب المادة. وإنما صراع الأرض كلها حول إقامة هذا الأسلوب الجديد أو هدمه أو ترميمه: أسلوب كل الأخلاق والطباع الشديدة التي لا تطيقها الحيوانية فتسميها إنسانية، وتكبرها الإنسانية فتسميها الإيمان. بالأسلوب الأول تكونون بالحياة في موضعها، وبالثاني تسمون بالحياة عن موضعها "فيجب أن تولدوا ثانية". كل ما براد أن يسد في الإنسانية مسد الدين ويغني عنه فإنما هو في رأيي كطعام أهل الجحيم، لا يطعمون فيها كما يطعمون في "نزل" لشبع وسمن بل طعاما كما جاء في القرآن الكريم (لا يسمن ولا يغني من جوع) أي لإحداث الجوع وكلبه واستمراره. والطبيعة نفسها تهيئ الإنسان للدين بأسلوب غريب هو هذا الحب الذي يخلق فطرة على أنواع مختلفة متعددة لا يخلو منه أحد فلا معدل عنه ولا محيص. وإنما هو في مظاهره أيها كان دربة للنفس الإنسانية تصعد به درجات من الفضائل، كالإخلاص، والإيثار، والاتصال الفكري، والانبعاث الروحي، والشوق الخيالي ونحوها مما هو في الحقيقة إيجاد للحياة النفسية في أعمالنا، وفيض بالقوة الروحية على مظاهر المادة لإحداث الملامسة بين الأرواح والأشياء، والترابط بين الجاذب والمنجذب، وكل ذلك تهيئة للدين وعمله في النفس ليكون قائما على أساسه في الطبيعة. فالحب دين على أسلوب خاص ضيق، ولذلك يشتد فيه التعصب كما يقع في الدين من المؤمن به على وتيرة واحدة، إذ لا يرضى القلب لا هذا ولا هذا غير رأي واحد كيفما قلبنا الحياة رأينا في كل جهة منها وجها من وجوه الإيمان وباعثا من بواعثه وحكمة من فلسفته، فالمصلحون الذين يحاولون تجديد الأمم بصور ملونة من الغرائز تطمس على الدين، هم الذين يرجعون بهذه الأمم في غالبة الأمر إلى الحيوانية، لأنه ليس في طبيعة النفس إلا شيئان: هوى هي دائما أعظم منه، وإيمان هو دائما أعظم منها. تم بحمد الله تعالى