← Адаб

Адаб · id 5418

المساكين

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (65 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المساكين الشيخ علي هو رجل تراه من الدنيا ولكن باطنه يلتحق بما وراء الطبيعة، وكان ينبغي أن لا يقوم مثله على مسرح الخلق إلا ممثلا، وأن لا يمثل إلا الوجه المطلق من الحياة، بعد أن استقصى الفلاسفة إلى تمثيله كل ذريعة فلو يستو لهم أن يمروا فيه، وقصر بهم التكلف، وقطعتهم دونه الفلسفة التي حملتهم عليه، فخلق الرجل نشيطا، مهزوزا، راميا، بصدره ونحره، معترضا في زمام القدر كأنه صورة الفكر الذي يمثله وكأنه أسلوب قائم بنفسه في بلاغة الطبيعة. وأحسبه في نظره إلى الخلق يتوهم أنه رحالة خرج من بعض الأفلاك التي تعرف (بالعقول العشرة) فهبط من أشعته على الدنيا، فهذا العالم شيء جديد في نفسه وهو شيء جديد في العالم...... ينظر إليك كما تنظر إليه، فأنت تتبين في سحنته الواضحة أوصاف الجنون الهادئ، وتعجب من منظر تلك العاصفة النائمة في عينيه، وهو يستجلي منك معنى الغرابة في قدرة الله إذ أنشأك مثالا غير مفهوم، ويطيل عجبه منك أنك على ما فيك تتعجب منه....فكل رجل في رأيه إنما هو صورة من الرجل الصحيح الذي لم تزور فيه حرفة العيش ومطالب الحياة شيئاً على الله. ولكل امرئ سؤال يتردد بين نفسه والسماء، فرجل يقول: اللهم هذه القوة فأين الرزق؟ وآخر يقول: وهذا الرزق فأين السعادة؟ والشيخ علي كأنه يقول: اللهم إنه لم يبق من الإنسانية إلا حشاشة تسوق بنفسها وكل رجل من هؤلاء صورة مقلدة فأين الأصل؟ لما ولد هذا الرجل، ولعل الطبيعة يومئذ كانت في صميم الخريف ثائرة مجرودة غبراء ... قامت أمه عن نجم منطفئ لا تعرفه الأرض وقد زهدت فيه السماء، فكان رضيعاً ثم فطيماً ثم جحش ... ثم ترعرع ثم صار يافعاً وعاد فتياً وانقلب كهلاً وهو اليوم يحطم الخمسين وكأنه لم يكن في كل ذلك شيئاً، ومتى سويت عليه الأرض لم يترك ورائه حتى تنطلق، وكأنه حي على رغم الحياة!. وترى أي عقل يعيش به؟ بل أي عقل وأي جنون ليس من أثرهما الخير والشر؟ إن أكبر من تنجبه الفلسفة ويخرجه الأدب ليطوي عمره طيا وراء هذه الغابة البعيدة، وما حياة الفلاسفة إلا اختيار للموت، فهم يميتون في أنفسهم كل سبب إلى الشهوة، وكل داعية إلى اللذة، يحيون بالقسم الأعلى وتبقى مادة الأرض فيهم كأنها أرض بور عارية المخاسر لا تخصب ولا تنبت، وهذا (الشيخ علي) كله أرض بور ... فهو عصر برأسه من تاريخ الأخلاق، وعلى أي الوجوه اعتبرته رأيته كشيوخ الفلاسفة وحكماء الدنيا. يعيش في الناس بعقل غير العقل. ولو تنفس به العمر فبلغ المائة وجاوز العصرين ما زاد كل عمله على أن يشبه نفسه، فهو حليم لنفسه غضوب لنفسه، وكذلك هو في الخفة والوقار، والضحك والعبوس والزهو والانقباض، وفي كل ضدين منهما لذة وألم، كأنه جزيرة قائمة في بحر لا يحيط بها إلا الماء، فلا صلة بينهما في المادة وإن كانت هي فيه، فالناس كما هم، وهو كما هو: يرونه من جفوة الزمان أضعف من أن يصاب بأذى، ويرى نفسه من دهره أقوى من أن يصاب بأذى، ويتحاشونه رأفة ورحمة، ويتحاماهم أنفة واستغناء، ثم إن مسه الأذى من رقيع أو سقيط أحسن إلى الفضيلة بنسيان من أساء إليه، فيألم كأن ألمه مرض طبيعي ويعتريه، ولا فرق عنده في هذه الحالة بين أن يمغص بطنه بالداء أو يمغص ظهره بالعصا ... ! وهو والدنيا خصمان في ميدان الحياة غير أن أمرهما مختلف جدا، فلم تقهره الدنيا لأنه لم يطمح إليها ولم يقع فيها، وقهرها هو لأنها لم تظفر به! وإني لأرى في اللغة كلمات لم تقع على معانيها ولم تجتمع اللفظة منها بمدلولها، فكلمة السعادة تبحث عن معناها في الناس وأهوائهم وشهواتهم، ومعنى السعادة يبحث الناس عنه في هذه الكلمة وحدودها وحقائقها، وربما كان هذا المعنى بجملته ملقى تحت الشمس في زاوية من زوايا القرى، أو متفيئاً ظل شجرة من شجر الجميز، أو نائما تحت سقف معروش من حطب القطن، أو جالسا يضحك في ندوة الحي، أو قائما يتأمل مجرى النهر، أو مضطجعا يقلب وجهه في السماء، أو هو الذي يسمى " الشيخ علي"!

стр. 2

.. وماذا في السعادة أهنأ من أنتوقى شر هذه السعادة فلا تتطلع نفسك إليها ولا ينالك إلا ما تحب أن ينالك، فأنت بعد وادع قار آمن في سربك، معافى بدنك، خارج من سلطان ما بينك وبين الناس، من خلق مستبد، أو رغبة ظالمة، أو صلة عاتبة، ولا حكم عليك إلا لمالك الملك.....ولم يفتق الله لك من فنون اللذات ما ينغصه عليك، ولا ضرب منك مثلا، ولا نص لك عقابا، ولا جعلك مرآة عدو يصلح فيها نفسه ولا نصبك لمجاراة أو مباراة، وقد جنبك فضوح هذه الدنيا. والدنيا من السوء بحيث يفضح فيها بعض الخير ما لا يفضح بعض الشر. ثم ماذا أنت طالب من السعادة إذا هانت الحياة فلم تضعف عن احتمالها، ولم ترمك بداء في مرض العيش إلا قمت له، ولم تحملك على أمر إلا تحملت عليه، وقويت على نفسك فلم تكذب أملا، ولم تخدعك في باطل، ولم تجاذبك في مورد لا تصدر عنه إلا آثما أو نادما، وكنت من نعمة الله مخفاً لا تحمل إلا رأسك، ولا تجوع إلا ببطنك، وقد كفيت أن تضرسك نزعات هذا الرأس، وأمنت أن يقتلك دار هذا البطن، ولم يضربك الله بشيء من هذه النعم المنافقة التي يأتي بها المال حين يأتيك بالجاه وأصحاب الجاه ومن يريدك لمالك وجاهك، وأعوذ بالله من النفاق ومن نفاق النعمة خاصة، فبينا هي لك إذ هي من طعامك قيء.... وهل في النعمة خير من الكفاف حاضرا، ومن الصحة فارهة، ومن قرة العين وضحك السن واستطلاق الوجه، وأن يكون القلب من حجاب نور السماء، لا تهتك عنه رذائل النفس، ولا يعلق به غبار الأرض، ولا يتغشاه ظلام الحياة، ولا يزال هذا القلب في نضرته وصفائه كأنه سعادة مخبوءة في غيب الله يخلق بعد أن خبئت له؟ وكذلك أعرف "الشيخ علي"، فهو رجل سدت في وجهه منافذ الجهات كلها إلا جهة السماء، فكأنه في الأرض بطل خيالي يرينا من نفسه إحدى خرافات الحياة، ولكنه مع ذلك يكاد يخرج للدنيا تلك الحقيقة الإلهية التي لا تغذوها مادة الأرض ولا مادة الجسم، فهي تزدري كل ما على الأرض من متاع وزينة وزخرف، وكل ما ردت عليه الغبطة من بسطة في الجسم، أو سعة في المال، أو فضل في المنزلة، وكل ما أنت من إقباله على طمع ومن فوت على خوف: تلك الحقيقة الطاهرة التي تكون أعظم ما أنت واجدها في سير الأنبياء والصديقين والشهداء، من نبوغ يخرق العادة، أو جنون تخرقه العادة، وما الجنون إلا نبوغ فوق الطاقة، وما النبوغ إلا جنون رقيق! وكذلك أعرف "الشيخ علي" فهو أجهل الناس في الدنيا، وأجهل الناس بالدنيا، كأنه من هذه الجهة ممتلخ العقل، وأنت إذا سطعت له بالجوهرة الكريمة النادرة فلا يعدو أن يراها حصاة جميلة تتألق، وإن هولت عليه بألوان الخز والديباج حسبك مائقاً ولم تر قط نضارة البرسيم وألوان الربيع، وكأني بك لو وصفت له الذهب وما أضرمت ناره في الأرض وهي برد وسلام، وما أيقظ جماله من الفتنة التي استحال عليها أن تنام، ثم أريته شعلة من هذه النار في غرة الدينار، لتضاحك منك إذ تريد أن توهمه - بما أعظمت من ذلك الشأن - أنك سلبت ملك قطعة من الشمس التي غربت أمس، ولرأيت من زرايته عليك ما يعلمك أنه ما أكبر هذا الدينار في عينيك إلا صغر في نفسك، ولا ملأ يديك بالحرص عليه إلا فراغ ما بينك وبين الله، ولا كدك في طلبه إلا أنك مسخر، ولا أذلك المال إلا خضوعك للآمال، وما أنت إلا في قيد من الهم حب إليك، قفلة هذه القطعة من الذهب! وإذا أحضرته ألوان الطعام وجلوت عليه أبهة الخوان وقلت فيه: هلم فاترع وأصب حتى تنتأ رمانتك رأيت من نفوره واحتجازه كأنه يقول لك: ويحك، وهل للبطن كبرياء وهو ستار على أقذار، وهل يسمع كل هذا وما هو بالعريض الطويل، ولا سلامة له إلا بالقليل لأنه قليل، وهل تحتمل ما في العنقود حبة واحدة، ويحتمل الغني أن يكون في صندوقه الإلهي حاجة زائدة، ويبلغ الحمق من هذا الإنسان أن يميت قلبه لأنه وجد النعش من المائدة؟

стр. 3

وكذلك أعرف "الشيخ علي" فهو لا يرى في الأشياء غير ما خصتها به الطبيعة، ولا يرسل عليها إلا أشعة صافية من عينيه الضاحكتين لم تخالطها ألوان النفس ولا زفرت عليها أنفاس القلب، وما ثم غير الانقباض والنفور أو الاستئناس والانبساط، فإما رآها قبيحة وإما رآها جميلة، ومتى قسمت الأشياء عنده إلى قبيح وجميل فليس وراء هذين ثالث في التقسيم، وليس إلا جميل جميل وقبيح قبيح، فأما المأمول والمرغوب والمتنافس فيه، والمتبرم به والمسخوط عليه، وما جاء بالشقوة وما جاءت به السعادة، وما كان من ورائه حبذا وليت، وما أعانت عليه لعل وعسى، ثم كان وأخواتها، وإن وبناتها، ثم أنا وأنت وهو، ثم انعطف على هذا من جده ولا لعبه لأن صفحة نفسه ليست كألواح الأطفال: يثبتون فيها ما لا بد من محوه، ويمحون ما يعودون إلى إثباته، ليتعرفوا ما أصابوا مما أخطأوا، وليتعلموا كيف ينبغي أن يتعلموا. وهل تجد - أعزك الله - في هذا الناس من يحسن أن يوقرك، إلا وهو يحسن أن يحقرك، ومن يعرف كيف يشكرك، إلا وهو يعرف كيف يكفرك، ومن يقول لك حفظك الله، إلا وهو قادر أن يقول أخزاك الله ... فالناس عبيد أهوائهم، وأينما يكن محلك من هذه الأهواء فهناك محل اللفظة التي أنت خليق بها، وهناك يتلقاك ما أنت أهله، أو ما يريدون أن تكون أهله، وليس في الناس شيء يزيد كمالاً من غير أن يزيدك نقصاً، حتى إيمانك، فإن كفر عند قوم، وحتى عقلك، فإنه سفه لطائفة، وحتى فضلك فإنه حسد من جماعة، وحتى أدبك، فإنه غليظ لفئة. أما شيخنا فقد مسح الله نفسه ومسح ما به من الناس، فليس في صدره ولا صدر أحد حسيكة عليه، وهو أبداً في صمت، فلا يتصل بفهمه ولا يداخل فكره إلا الجمال والقبح، والطبيعة نفسها تخرج الجميل تفسيراً للقبيح، وتظهر القبيح تعليقاً على الجميل، وكذلك الشيخ في إدراكه. وأجمل ما يرى من وجوه الحياة وجه السماء الصافية، ووجه النهر الجاري، ووجه الأرض المخضرة، ووجه الرجل الطيب، ووجه المرأة الجميلة، كل أولئك عنده سواء، فليس وجه خيراً من وجه، لأنه لا يحسن أن يؤول لغة الطبيعة فلا ريبة فيه، ولا يتزيد في معانيها فلا كذب في حواسه، ولا تخاطبه الطبيعة فيما توحي إليه إلا بأسهل ألفاظها وأطهرها وبمقدار ما خلق له، إذ لا ترى فيه غير تلك الحيوانية الضعيفة التي هي ضرورية لحي منقطع مثله، وما كانت لوثه عقله إلا فصلاً بينه وبين الإنسان في حيوانيته، وإن شر ما تكون هذه الحيوانية حين تكون عقلية محضة، وراءها عقل العالم واخترع المخترع وفن المتفنن. وقد يكون "الشيخ علي" رجلاً تعساً في رأي الناس، لأنه حيوان ضعيف وإنسان أضعف، ولكنها تعاسة بالغة، فهي من تلك الآلام الحادة التي بالغت الطبيعة في تكوينها لتخرج منها ذلك النوع الشديد الحاد الذي يسمونه اللذة، وربما كانت التعاسة السامية خيراً من سعادة سافلة! إن المجنون لم يزل عن منهج الحياة بجنونه، ولكنه يتبع سنة هذه الحياة على طريقة خاصة غير ما ألفه الناس أو تواضعوا عليه، ليرى في كل شيء أثر جنونه، فهو حي مع الأحياء بيد أنه يشبه أن يكون تفسيراً للحياة الغامضة التي تلوذ بكل جانب مهجور على وجه الأرض، وبكل رأس تحتسبه جانباً مهجوراً، لأن الناس لا يفهمونها ولا يتسعون لفهمها.

стр. 4

وهذا "الشيخ علي" رجل غامض متلفف بحقيقته العجيبة، كدهاة السياسة في شباكهم التي يأخذون بها الأمم والشعوب فلا تبرح ترتبك فيها ارتباك الصيد في الحبالة، وأولئك الفلاسفة الذين يعيشون في السحب العالية من فضائلهم فيمطرون الكون مرة ويرجمونه مرة ... إلى غيرهم من روابي الخلق زمن كل رجل عظيم أظله أحد الجناحين المنبسطين على الأرض والسماء: جناح الوحي أو جناح التاريخ. ولكن "الشيخ علي" على غموضه من كل جهاته واضح ن جهة واحدة هي جهة الجنون في اصطلاحنا، وتلك هي جهة الفضيلة الخالصة فيه، وإذا قطعت ما بينه وبين الرذيلة وجعلت له في الناس رذيلة مجنونة مثله، فكانت سبته أنه رجل مطلق لا ينزل على حكم، ولا يتحمل على أمر، ولا ينازع إلى عادة الوثابة التي لا يمسكها قيد ولا بنفسه من هموم الناس وأصبح كالروح الوثابة التي لا يمسكها قيد ولا يخضعها زمام، والتي هي فيه كما هي في موجة البحر وعاصفة الريح، فكل مخلوق يحجل في الحياة لمكان القيود منه، وهذا يجمع الوثبة العالية ثم يثب مقبلاً ومدبراً ويتخطى مد بصره في الحياة كأنه براق الأنبياء. وليت شعري هل يأمل الناس أن يشهدوا الحقيقة مغلوبة على أمرها، وما كانت الحقيقة أحد الخصمين قط إلا كانت الهزيمة على الآخر ولو أن هذا الآخر عصر من تاريخ الأرض؟. ثم ما هي الحقيقة إلا أن تكون عقلاً مطلقاً لا زيغ فيه، أو حقاً لا كذب فيه، أو يقيناً مطلقاً لا شك فيه؟. وهذا "الشيخ علي" أما عقله فعند الله، وأما حقه فقد أوجبه الله، وأما يقينه فلا يعلمه إلا الله، فكيف يرى مغلوباً لاصطلاح أو عادة وأكثره راسخ في السماء؟ إنه ليجوع ويظمأ ويعرى، ولكن كما يجوع الطير وتظمأ الأرض ويعرى الشجر: ليس من حالة إلا وسبيلها من رحمة الله، فإن تخلت عنه السماء مرة وقطعت مقاوده من الغيب وخذلته الوسيلة- فما تغمز منه الحاجة إلا حجراً صلد يقع على أي جانب ترميه ثم لا يقع إلا حجراً، لأن آلام هذا الرجل من الألم القفر الذي لا ينبت فيه شيء من الخوف، ولا يهتدي إليه وهم من الحياة، ولا مجرى فيه الدمع، ولا ظل للحسرة، وهو ألم إن أفضى إلى الموت أفضى برجل لا يعرف الموت ما هو، وإن أبقى على الحياة أبقى عليها في رجل عرفت الحياة من هو ... رجل حط الله أوزاره وكتب عليه أن يكون فقيراً من المال وحب المال وذل المال، فخرج وليس له في أفئدة الناس إلا الرأفة والحنان، وجاء وليس له من الناس حاسد أو عدو، وخلق ذا حدين من نفسه الماضية لا يكتنفه ذل أو هم إلا قطعهما وانطلق كالفرس العتيق في ميعة حضره وماذا يبغض الناس منه وماذا يعادون وهو في ذلك البحر زورق قد سقط مجذافه فليس له ما يضرب وما يسخر به، وإنما تدافعه رحمة الله حيث اندفع، والبحر لا يعادي الزورق الذي يجري فوقه ولكن يعادي المجذاف الذي يديره ههنا وههنا. رجل كأنه قطعة من الأبد، لا أمس له يتعقبه ولا غد له يترقبه، بل الحياة عنده يقظة طويلة والموت نوم أطول. "والشيخ علي" متى أحس بالجوع ولج الباب الذي يصيبه مفتوحاً فلا يقع على الناس إلا متطرئاً، وهو مع ذلك لا يحط في الطعام ولكن يخط فيه خطاً وما هو إلا أن يستقر شيء في جوفه مما يقيم صلبه حتى ينفر نفور الطائر لا يرى إلا أنه قد استوفى حق طبيعته من خادم طبيعي.. فلا جزاء ولا شكورا ولهذا لا يبرح أبداً على الحد الذي يصلحه لنفسه فلا يتجاوزه، وأعجب ما يرعني من فضيلته أن هذا الحد عينه هو الذي لا يفسد ما بينه وبين الناس. وهو إذ تكلم فإنما يترمرم من طول السكوت، فإما أن يغمغم حروفاً وأصواتاً، وإما أن يلوث بعد كلما غير مفهومة كأنه يسرها في أذن الدهر الذي لا يفهمه، ولكن هذا الرجل كلمة في الشتاء وكلمة في الصيف: فأما في الأولى فأن يسأل دثاراً يستدفع به أذى البرد، ولا معنى لكلمة "هات" عنده غير هذا الضرورة وأما الثانية فأن يهب الدثار لغيره، ولا معنى لكلمة "خذ" عنده غير هذا الاستغناء، على أنك واجد أكثر ما في هذا العالم من شر وفساد إنما يرتطم في هذين الحرفين: "هات، وخذ".

стр. 5

هذا هو " الشيخ علي".. رايته فرأيت في برودة ثورة على العالم الإنساني، وعرفته فأصبت في ضميره قطعة مجهولة من هذه المسكونة، واستجليت نفسه فإذا هو أفق فوق الأرض، وطالعته فكأني رأيت في جملته النقطة الأرضية التي يبدأ من ورائها ارتفاع السماء، وبلوته فإذا هو حصاة تحت ضرس الدنيا والناس هنالك يمضغون، فلم أملك أن غمست قلمي من نظراته في مجرى من أشعة الوحي، ووضعت الاعتبار من هذا الرجل وحقيقته ما عرفت من الناس وحقائقهم، فخرجت لي من المقابلة هذه الصفحات، ولذا كان القول في "المساكين " ما قال "الشيخ علي". على أني إن كنت لم أحسن وصف الرجل أو كنت لم أبلغ في وصفه فذلك لأن هذه الحقيقة في هذا القلم كالثمر الحلو في العود المر، والرجل مما أنضجه القدر وحده ليس لنا من حقيقته الغامضة إلا الصفات التي تثبت أنها غامضة. وهل في الحياة أشد غموضاً من رجل يرى، أو كأنه يرى، أن كل نعمة لم ينلها فهي مصيبة لم تنله، وكل ما يعرفه من هذه الدنيا أنه يعرف كيف يتركها مطمئناً وعلى شفتيه من الابتسام تحية السماء لاستقباله، ومتى هو فارقها انكشف موته عن حياته، وصرحت هذه الحياة من ضميره وخلصت من هذا الضمير كلمة هي معنى الرجل الذي انطوى عليه، وكانت هذه الكلمة هي "الحمد لله". في وحي الروح التراب المتكلم أمام التراب الصامت ترى أيهما هو الصدق في حقيقته: ما نفرح به أو ما نحزن له؟.. أما إن في الحياة ملحاً وإن في الحياة حلواً وكلاهما نقيض، فليس منهما شيء إلا هو رد للآخر أو اعتراض فيه أو خلاف عليه، وتجدهما اثنين وهما واحد في اثنين. فأنت تؤتى الحلو تسيغه وتستعذبه فإذا هو بك في الملح تمجه وتغص به، ثم لا تضع من أمر على أحسنه في صورة إلا رأيته على أقبحه في صورة أخرى. والإنسان من الهم في عمر دهر لا يموت، ومن السرور في عمر لحظة تشب وتهرم وتموت في ساعات، والحس كأنه من هذه الدنيا فرخ في بيضة ملئت له وختمت عليه فلن يزيد عليها سوى خالقها، وخالقها لن يزيد فيها! ومن الصحة والمرض، مما سر وساء: وما شد وهد، ومن العقل العجيب الذي يحكم من الإنسان تركيباً عصبياً مجنوناً ثائراً قد استبانت فيه الحيوانية، من كل ذلك وما إليه مزيج هو بقدرة الله أشبه، ولكنه فوق ضعفنا وحيلتنا، فلن نرى منه في الكون إلا شكل الحيرة ومعناها والعذاب بها، والفرح بالغفلة عنها والسرور بإنكارها أو المكابرة فيها، والحيرة لا نفي ولا إثبات، ومتى يطلب الإنسان الحقيقة، وهو جزء منها، لا يقف إلا على جزء منها، فالمشكلة متحركة إلى كل جهة حتى لا تذهب عنها لتنساها إلا وأنت ذاهب بها لكيلا تنساها. أما إن في الحياة ملحا وإن في الحياة حلوا ... فإن لم يمكن، فالممكن من الحقيقة للإنسان أن يستحيل فيموت! ترى أيهما هو الكذب في نفسه: الموت أم الحياة؟ إنه الجنين فالوليد ثم الميت لا محالة بعد أن يسرع الأجل أو يتراخى، لا يتقار جنين في ذاته الدموية من الأحشاء، ولا يثبت وليد في ذاته في المهد، ولا يترك شاب في ذاته العظيمة للحياة، ولا يقف شيخ في ذاته الجليدة دون القبر! ومن عقدة الثمر إلى لبتها إلى شحمتها إلى قشرتها، على ناموس القضاء والقدر، في باب الحتم المقضي من كتاب السماء، وعلى ناموس النشوء والارتقاء في باب الهذيان العلمي من كتاب الأرض ... وكما تكون تحت الوسائد كنوز أحلام الليل، تكون في هذه الحياة أحلام الكنوز الخالدة التي يملأ الأرض كلها ضوء لؤلؤة واحدة منها. تطلع الشمس على الناس كأنها فص خاتم السماء تشير به أن تعالوا إلى الكنز في ضوء هذه الياقوتة الصغيرة. الحواس زائغة متراجعة مقلوبة، وهذا هو نظامها ونسقها واستوائها، فليس من أحد في هذا الكون الموجود إلا وهو ناظر إلى كون غير موجود. السماء سموات، والأرض أرضون، والأكوان عداد العقول، وكل أمل في رأس مخلوق يزيد عنده الدنيا أو ينقصها ويغير من الخليقة ويبدل، وكل إنسان في كل يوم هو إنسان يومه ذلك، فكأن كل حي من كل حي غلطة، وآمالنا كأرقام الساعة: هي اثنا عشر رقما محدودة، لكنها في كل دقيقة هي اثنا عشر رقما فلن تنتهي. والحياة خداع وغرور، وزيغ وخطأ، وعمل وعبث، ولهو ولعب، ومهزلة وسخرية، والناس كالأرقام تخط على هذا التراب ثم يقال للعاصفة: اجمعي واطرحي ثم حلي المسألة ...

стр. 6

وأين كل ما صبته الشمس والكواكب من نيرانها، وما أخرجته فصول الأرض من وشيها وألوانها، وما هتفت به الطير من أغاريدها وألحانها، وما تلاطمت به الدنيا من أمواج إنسانها؟ وأين ما صح وفسد، وما صدق أو كذب، وما ضر أو نفع، وما علا أو نزل؟ في كل لحظة تمتلئ الدنيا لتفرغ، ثم تفرغ لتمتلئ وماضيها ومستقبلها مطرقتان يمر بينهما كل موجود لتحطيمه. وكأن الحياة ليست أكثر من تجربة الحياة زمنا يقصر أو يطول، وما العجيب أن لا تفلح التجربة في أحد، ولكن العجيب أن لا تنقطع وهي لا تفلح. والعالم كالبحر من السراب يموج به أديم الأرض بما رحبت ثم لا تملأ أمواجه ملعقة، والحقيقة في كل شيء لا تزال تفر من تحليل إلى تركيب ومن تركيب إلى تحليل، لأن شعور أهل الزمن بالزمن لا يحتمل المعنى الخالد. ولعل سبب الموت أنك لا أجد إنساناً يعيش في حقيقته الإنسانية، فلا هذه الحقيقة يسرت له كاملة ولا هو خلق لها كاملا، وفي الإنسان كالطبيعة أرض وسماء، فترابه لا يغشاه مما فوقه غير الظل وقد خلق مقسوما فشقة منه في أرضه وشقة في سمائه، فإذا حضره الموت ضرب الضرب بين هاتين فأخذت السماءُ السماءَ وجذبت الأرضُ الأرض. هناك البرق الإلهي ملء الكون يلتمع ويخطف، ولكنه من الإنسان كشعلة تتوهج في غرفة أرضها وسقفها وحيطانها من المرايا وليس في هذه الغرفة إلا تتوهج في أرضها وسقفها وحيطانها من المرايا وليس في هذه الغرفة إلا هذا الضوء ورجل أعمى. فلا سخرية ولا ضلالة ولا عبث ولا خداع إلا في أسلوبنا الإنساني المبني على حواسنا الزائغة، كما تنود السفينة خفت على موج البحر وما عبث البحر بها ولكن يعبث بها وزنها. يريد الله أن نخلق لأنفسنا معنى من السمع والبصر ليس في أذن ولا عين، وأن نزيد في مجموعة أعصابنا الواهنة عصبا عقليا يراه ويسمعه ويدركه ويؤمن به، فالإيمان قوة جبارة لا تجمع إلا من رد كل أطراف النفس المنتشرة إلى عقدتها الروحية، وحبسها أكثر حواسها في حس واحد عنيف مؤلم، ووضع المناعم المضنون بها في ذلك المعنى المفتوح المتهدم الذي لا يمسك شيئا وهو االزهد، وحصر الآلام الطاحنة في ذلك المعنى المطبق المتحجر الذي لا يفلت شيئا وهو البصر، ورد الأخلاق كلها إلى ذلك العنصر الذي يضيف معنى الحديد إلى معنى اللحم والدم وهو الإرادة، وبعد ذلك كله وضع كل شيء إنساني قي ضوء من أضواء الكلمة المتألهة المسماة بالفضيلة. يا إلهي! ما أقواك وما أضعفنا! كأنك تقذفنا من السماء فنجهد من بعد أن نرتفع إليها بأنفسنا على أجنحة الأعمال التي تطير بجاذبية مما تحب! لما خلقت الإنسان عبدا على قدرك صار إلها على قدره، فيجب في الحق أن تعذبه السماء إذا وغل عليها طفيليا بلا عمل ولا ثمن! النخلة السحوق نواة مخزونة في بلحة، والعالم العظيم تركيب مخبوء في إنسان، فالإنسان لنكده الطبيعي محيط بنواميس قاهرة تحركه، وتحيط به نواميس أخرى قاهرة تتحرك معه، فمن ثم لا يبرح يصطدم، ولن يكون متجها أبدا إلا إلى التحطيم، فإذا هو تورع وتحرج واستعلى أمات من شهواته فأبطل مثل ذلك فيما حوله، فكان خروجه من بعض الدنيا هو حقيقة وجوده في بعض الدنيا، ومثل هذا حقيق أن يقول: إني أحكم العالم من داخلي. تباركت ربنا وتعاليت، إن الشك فيك لهو اليقين على طريقة، والإيمان بك هو اليقين على طريقة أخرى..المقعد لا يمشي، والأعرج لا يعدو، والضعيف لا يسبق العداء، فإذا أنكر المقعد على من يراه يمشي، والأعرج على من يبصره يعدو، والضعيف على من يعرفه قد يمشي، والأعرج على من يبصره يعدو، والضعيف على من يعرفه قد سبق، فما ذلك من إنكار العين ولا من مكابرة النفس، وإنما ذاك رأي منظور فيه إلى حظ رجل مهملة أو قدم مكسورة أو عظم واهن، ومن ثم لن يكون في الناس ملحد إلا وفي طباعه أو أخلاقه أو حوادث دنياه جهة مريضة ينكسر عندها الرأي ويبتلي بها الحس، فهي توجهه وتصرفه منظورا فيه إلى شعور بعينه. وقد ينتحر الرجل من إعراض امرأة فمنذا يقول إن النفس الإنسانية في وزن قبلة!

стр. 7

فأما الملحد بغير علة فهذا لا يوجده أب ولا تضعه أم إذ يجب أن يكون طباعه له وحده وميراثه منه وحده حتى يصدق زعمه أنه ألحد للبرهان وحده، فما يجحد الجاحد إلا ليجعل نفسه في الرفاهية من الأمر والنهي، ويخرج بها من حكم الضرورة، وما بين المؤمن وربه، حتى كأن فيه شيئا يلذعه بالجمر فما يستريح من لذعة إلا قدر ما يجم ليحتمل للذعة بعدها. يا إلهي إنما يحبك المؤمنون ويكابدون في رضاك على مقدار منك لا منهم فأنت تقذف قلب المؤمن بضرورات كشعل البراكين وتضرب روحه من مصائبه بسلسلة جبال مفتولة وتتركه في الأرض يشعر كأنما خر عليه سقف العالم! شبه خلفها، وظلمات تنتهي بعد حين إلى مد النهار الأكبر ومن الضرورات والمصائب والآلام يتخلق الجو الحساس الذي يبسط فيه الإنسان جناحي روحه ويسمو بها على التراب والمادة. الجو الجو: هذه تغريدة البلبل في قفصه. الغذاء الغذاء: هذه قوقأة الدجاجة في قفصها. أيقيس الإنسان نفسه على قياس من الطبيعة في قوتها المتراكبة، ومظهرها المسخر لكل ما يتفق، وتركيبها المبني على سهولة الاحتمال، ونظامها الميسر لعدم المبالاة؟ ألا ما أحمق الزهرة التي علمت أن الدوحة التي لا تقتلعها إلا العاصفة العاتية فقالت: الآن أهزأ بالنسيم! ثم لمسها النسيم فرمى بها ورقة ورقة! كأن الشكل الإنساني نقص إنساني، وكأن الإنساني لم يجئ إلى الدنيا بأكمله وكأنه خلق منه إلا قدر لغرض ما، كأنه تركيب في يد الصانع الأعظم ألقى منه جزءا في مرجل الفلك الأرضي ليغلي قليلا ... ثم يتطاير ويجتمع فيتلقاه من بعد. كأن هذا الإنسان تحت هذه الضغطة في هذه الفورة في هذا الفلك، مادة يطعم جوا لتتحول ولتتحول ليس غير. ألا ما أحمقه وهو في المرجل على الوقدة الحامية إذا أبى أن يغلى! ... وما أسخفه وهو في المصفاة تحت الضغطة الثقيلة إذا أبى أن يعصر! ... وما أجهله وهو في الحياة الفانية إذا نسي أنه سيموت! لا تغتري أيتها الحبة الصغيرة المختبئة في كدسة من القمح تتحدر في ثقب الرحى، ولا تحسبي أنك من لهو ولعب تنبعثين هناك وهنا بين الحب، إنك في رفق ولكنه رفق الحجرين الآكلين اللذين لا يدعان شيئا ولا يفلتان شيئا وإنما يرفقان بك قليلاً قليلاً وليجيدا طحنك كثيراً كثيراً! فتحنا القبر وضرحنا للميت العزيز. لم أقل أنه مات، بل قلت إن موته قد مات! كأن الحي على هذه الأرض هو القبر الإنساني لا الجسم الإنساني، فإنك لتجد قبورا من ألف سنة ولن تجد إنسانا في بعض عمرها، أما ترى هموم الدنيا وأحزانها كيف لا يخلو منها أحد، وكيف تخرج من النعيم كما تخرج من البؤس؟ ما أحسبها إلا صوراً من ظلمة القبر يجيء القبر فيها حيناً بعد حين إلى ميته الذي لم يمت! من يهرب من شيء تركه وراءه، إلا القبر، فما يهرب أحد منه إلا وجده أمامه، هو أبدا ينتظر غير متململ، وأنت أبدا متقدم إليه غير متراجع، وليس في السماء عنوان لما يتغير إلا اسم الله، وليس في الأرض عنوان لما يتغير إلا اسم القبر. وأينما يذهب الإنسان تلقته أسئلة كثيرة: ما اسمك؟ ما صناعتك؟ كم عمرك؟ كيف حالك؟ ماذا تملك؟ ما مذهبك؟ ما دينك؟ ما رأيك؟ ... ثم يبطل هذا كله عند القبر كما تبطل اللغات البشرية كلها في الفم الأخرس، وهناك يتحرك اللسان الأزلي بسؤال وحد للإنسان: ما أعمالك؟ أيها المتقاتلون على الدنيا والإنسان إلى حين! إن تنازع البقاء مذهب فلسفي بري لا إنساني ... فإنها الثيران هي التي تجد من القوة أن تنطح في المجزرة وتنسى لم هي في المجزرة! فتحنا القبر وأنزلنا الميت العزيز الذي شفي من مرض الحياة، ووقفت هناك، بل وف التراب المتكلم يعقل عن التراب الصامت ويعرف منه أن العمر على ما يمتد محدود بلحظة، وأن القوة على ما تبلغ محدودة بخمود، وأن الغايات على ما تتسع محدودة بانقطاع، وحتى القارات الخمس محدودة بقبر!.. يا عجباً! القبور مأهولة بملء الدنيا وليس فيها أحد! أية ذرة من التراب هي التي كانت نعمة ورغداً، وأيتها كانت بؤساً وشقاءً، وأيتها التي كانت حباً ورحمة، وأيتها كانت بغضاً وموجدة؟

стр. 8

سألت القبر: أين المال والمتاع؟ وأين الجمال والسحر؟ وأين الصحة والقوة؟ وأين المرض والضعف؟ وأين القدرة والجبروت؟ وأين الخنوع والذلة؟.. قال: كل هذه صور فكرية لا تجيء إلى هنا، لأنها لا تؤخذ من هنا! فلو أنهم أخذوا هدوء القبر لدنياهم، وسلامة لنزاعهم، وسكونه لتعبهم، لسخروا من نواميس الكون! إن هؤلاء الأحياء يحملون في ذواتهم معانيهم الميتة وكان يجب أن تدفن وتطهر أنفسهم منها، فمعنى ما في الإنسانية من شر هو معنى ما في الناس من تعفن الطباع والأخلاق. يكذب أحدهم على أخيه فيعطيه جيفة حقيقية ميتة، ويكيد بعضهم لبعض فيتطاعمون من جيف الحوادث المسمومة، ويمكر الخائن فإذا جيفة عمل صالح قد مات، فكل مضغة تبتلعها من حق أخيك الحي هي كمضغة تفتلذها من لحمة وهو ميت: لا تعطيك إلا جيفة، ثم أنت من بعد لست بها إنساناً ولكنك وحش ... بل وحش دنيء ليست له فضيلة الوحشية التي من قوة تأبى أن تمس لحوم الموتى! واهاً لك أيها القبر! لا تزال تقول لكل إنسان تعال، ولا تبرح كل الطرق تفضي إليك فلا يقطع بأحد دونك ولا يرجع من طريق راجع، وعندك وحدك المساواة، فما أنزلوا قط فيك ملكاً عظامه من ذهب، ولا بطلاً عضلاته من حديد، ولا أميراً جلده من ديباج، ولا وزيراً وجهه من حجر، ولا غنياً جوفه خزانة، ولا فقيراً علقت في أحشائه مخلاة! ألا ويحك أيها القبر! لم لا تأتي إلا في الآخر؟ ولم لا تضع حدود معانيك بين الأحياء بعضهم من بعض حتى يقوم بين الضعف والقوة حد المساواة، وبين النفوس والشهوات حد التقوى، وبين الحرام والحلال حد الله! يا شقاء أهل الأرض! أما أنهم لو وضعوا فيها موضعاً من العناية لما كان الإبهام في السريرة، ولا كانت الغفلة في النفس، ولا كان النسيان في الطبع، ولولا هذه الثلاث في هذه الثلاثة لما كان المجهول البشري كله في شيء واحد وهو القبر. إن أحزاننا وهمومنا ودموعنا هي كل المحاولة الإنسانية العاجزة التي نحاول بها أن نكون في ساعة من الساعات مع أمواتنا الأعزاء! هم يأخذوننا إليهم اختلاجاً وانتزاعاً في هذه الأحزان والهموم والدموع، فكأنها أمكنة تخلق من الأثير الروحي وتتجسم من معانيها كي تصلح أن يلتقي فيها روح الحي وهو حي بروح الميت وهو ميت، كما يتلاقى روحا الحبيبين في قبلتهما أول مرة إذ يخلق قلباهما لهذا اللقاء جواً أثيرياً من الزفرات واللوعات بين الشفاه المتلامسة. أو لعل الموت كما يجرد الحي من روحه ينتزع من أهله شهوات أرواحهم فيميته مدة من الزمن في القلب وفي العين وفي الفكر، وبذلك يرد جميع المحزونين إلى المساواة، فأهل كل ميت وإن علا كاهل كل ميت وإن نزل، وتموت بالموت الفروق الإنسانية في المال والجاه والقوة والجمال، حتى لا يبقى إلا الدمعة واللوعة والحسرة والزفرة، وهذه أملاك الإنسانية المسكينة! يا هم من يحس ويعرف ويرى كيف يموت العزيز عليه وكيف يتحول من يحبه إلى ذكرى! إن ما يعمل في القبر يعمل قريب منه في القلب!. وما يعرف الحي أن الذاكرة فيه هي حاسة اللانهاية إلا حين يموت له الميت العزيز، فلا يكون في الدنيا وهو في ذاكرته بمعانيه وصورته لا يبرحها. وليس ينزل الحي من أمواته في القبر إلا من يقول له إنني منظرك إلى ميعادا! أما لو عقلها الأحياء لعرفوا أن الموت وحده هو ناموس ارتقاء الروح ما بقيت في الدنيا، ولكن ضجيج الشهوات- على أنه لا يعلو رنة كأس ولا يغطي همسة دينار ولا يخفي ضحكة امرأة- يطمس على الكلمة الأزلية التي فيها كل قوة الصدق وكل صراحة الحقيقة، فإذا هي خافتة لا تكاد تثبت، غامضة لا تكاد تبين! أذلك سحر الحياة فينا، أم سوء استعدادنا لها، أم شراهة الجسم من لذة الحياة لابتلاع كل ما في الكون منها، أم حماقة الكأس التي تريد أن تغترف البحر لتكون له شاطئين من الزجاج، أم بلاهة الإنسان الذي يريد أن يطوي فيه معنى الخالق ليكون إله نفسه.. ويحه من غريق أحمق يرى الشاطئ على بعد منه فيتمكث في اللجة مرتقباً أن يسبح الشاطئ إليه ... ويثبت الشاطئ ويدع الأحمق تذوب ملحة روحه في الماء! اسبح ويحك وانج، فإن روح الأرض في ذراعيك، وكل ضربة منهما ثمن ذرة من هذا الشاطئ.

стр. 9

كذلك ساحل الخلد: يريد من الإنسان الذي هو إنسان أن يبلغ إليه مجاهداً لا مستريحاً، عاملاً لا وداعاً يلهث تعباً لا ضحكاً، ويشرق بأنفاسه لا بكأسه، وينضح من عرق جهاده لا من عطر لذاته. إن روح النعيم الأرضي في ذراعي الغريق الذي يجاهد لينجو، وروح النعيم الأزلي الحي يجاهد ليفوز!. الفقر والفقير قال "الشيخ علي": يا بني، إن في تاريخ الحياة سؤالاً لم تزل تلقيه أطماع الناس في كل عصر من عصورها وما إن تصيب له جواباً مقنعاً، لأن الطمع ليست له طبيعة محدودة، فهو يرمي بسؤال غير محدود ويريد بطبيعته جواباً غير محدود. هذا السؤال واحد من ثلاثة هي حقائق الإنسانية الضالة عن الإنسان نفسه في غيب الله. يقول الإنسان: ما هي الروح التي تعطي الحياة؟ وتقول آماله: ما هو الموت الذي يستلب هذه الحياة؟ وتقول أطماعه: وما هو الفقر الذي يجمع على الروح بين الموت والحياة؟ كذلك يتساءل: ما هو الفقر؟ على أنه غير الفقر ذلك السؤال الذي تجد في كل نفس إنسانية معنى من جوابه، ولا غير الفقر ذلك القبر المعنوي الذي لم يخلق الله نفساً من النفوس إلا ولها ميت من الأمل في ترابه، بلى، وإذا كان في لغات الأفواه لفظ خالد فإنما هو الفقر، وإذا كان في هواجس القلوب معنى خالد فإنما هو خوف الفقر، وإذا كان للدموع الإنسانية مصب واحد تلتقي إليه من جهات الأرض فإنما هو بين شاطئين إن جاز أن يكون أحدهما الحب فإن من المحق أن أحدهما الفقر! إن هذه الأرض لتصبح في كل يوم، ولا يمكن أن يقال بحق إن فيها عملاً إنسانياً عاماً غير طلب المال، فأحر بها أن تمسي في كل يوم، يمكن أن يقال إن فيها معنى إنسانياً عاماً غير راجع إلى الفقر. ويقولون إنها تدور حول قرص الشمس، وهو قول فلكي أو سماوي يصح إطلاقه على الأرض كهيئتها يوم خلقها الله، أو على الأقل كما خلقها، أما الحقيقة الأرضية فإنها تدور حول قرصين: قرص اللهب، وقرص الذهب، ويا لله الفقير! إنه دائماً في الجهة المظلمة. الفقر متى ألقيته سؤالً عاد إليك بجواب نفسه، لأنه فصل من كل عمل، كالشتاء فصل من كل سنة، وليس في الناس جميعاً من يصدق إذا ادعى أنه لا يعرف الفقر، غير اثنين لا خير فيهما: غني جن من فرط الغنى، وفقير جن من فرط الفقر، فالأول لا يعرف هذا الفقر في جنونه لأنه جن بغيره، والثاني لا يعرفه لأنه جن به. ولكن من هو الفقير؟ من هو الكائن الضعيف الذي أحاط به الجهل حتى إنه ليجهل نفسه، وأينما يول وجهه أشاح عنه الناس بوجوههم فلووا رؤوسهم، وصعروا خدودهم وأمالوا أعناقهم، حتى كأن كل رأس في التواء عنقه من الأنفة والاستكبار يمثل علامة استفهام الحياة في وجه هذا المسكين أو يقيم علامة إنكار ... ؟! من هو هذا الحي الذي تنكرت له الدنيا حتى أصبح فيها كأنه نوع شاذ من الخلق يقوى على كل شيء حتى الطبيعة، ولكنه يضعف عن شيء واحد وهو الغني، فقضت عليه شرائع الاجتماع أن ينفق من حياته أضعاف ما يكسب لحياته، وإذا لم يجد ما يطعمه الجوع فأطعمه من جسمه فذلك عليه يسير، وإذ سال في الشمس وجمد في البرد فهو عند الأغنياء ذو طبيعتين لأنه ليس مثلهم ولأنه فقير ... ؟ ومن عسى أن يكون هذا القوي الذي يختصمه الاجتماع كله ويخشى أن يرتفع فيكون "قاضياً" عليه، ويأخذه اليوم بالجناية وهو الذي أوحاها بالأمس إليه؟ ومن هذا الذي يرى المجتمع أنه إذا قدر للشريعة أن تلحد في قبر فلن تدفن إلا في هاوية من مطامعه، وإذا حكم الله على عصر من عصور الجبابرة بالشنق فلا تكون المشنقة بجذعيها وحبالها إلا من ذراعيه وأصابعه ... ؟ من هو الذي يجف ريق الأرض لو جف عرقه من ترك العمل، ويخيب أمله مع ذلك في كل غني وهو نفسه للأغنياء أكبر أسباب الأمل، يدلون عليه بالغنى ولولا أن في فضتهم عنصراً من دمعه القيم لما وجدوا لها قيمة، ولو لم يكن في ذهبهم روح من دمه الكريم لما عد أفضل المعادن الكريمة؟ قال "الشيخ علي": ذلك يا بني هو المدرج في أكفان النسيان، الذي ليس له في الناس إلا "منكر ونكير"، ذلك هو البائس في بني الإنسان الذي يكثر عليه القليل ويقل منه الكثير، ذلك هو المتناقض في نفسه حتى لا يصغر أن يقال في صغير ولا يكبر أن يقال فيه كبير، ذلك هو الذي يشبه أن يكون عمله حركة فلكية في الأرض للآلة الغني- ذلك كله هو الفقير!

стр. 10

وبالله! ما تحمل الأرض إنساناً واحداً لا يخشى عادية الفقر ولا يتعوذ بالله منه، ولا يرى يومه في هذه الأرض كأنه الآخرة قبل الآخرة، يقوم الفقير حسابها وعذابها، ويستعيذ برحيمها، من جحيمها، ويفر من أمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، وفصيلته التي تؤويه، ويضع في ميزانها المنصوب آماله، فلا يزن إلا أعماله، ويستصرخ كل من يمر به فلا يسمع إلا قائلاً يقول: نفسي نفسي ... فينظر فإذ هو في الناس ضائع حتى لا يعرف له محل، ومنفردا حتى لا يجد بينهم لشخصه ظلا، وإذا هو بالسماء وقد التهبت بأقدارها حتى كأنها في عينه جمرة من البرق الخاطف، وإذا الأرض قد ثارت بأهلها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، فإن أقبل على الناس فروا من أماكنهم كأنه زلزال تمشي، وإن استصرخهم نفروا كأن في صوته فزع الرعد القاصف. يا لله! ما تحمل الأرض إلا من يعرف هذا كله من الفقر بل أشد منه، ثم يبقى الفقير ويا لهف أرضي وسمائي عليه! كأنه مسألة في حساب الناس لا هم لهم فيها إلا كثرة الطرح والضرب ثم الغلط في النتيجة ... وتنحاز طبائع الناس كلها في جهة والفقر وحده في جهة حتى لا يرى هذا المسكين في العالم على سعته غير اثنين: هو واستبداد الغني. ترى أين تكون شرائع الآداب إذن؟ هل هي في ضمائرنا، أم هي في كتبها، أم هي في تاريخها الميت القديم، أم صار الحق كله إنسانيا بحتا: لي عليك ولك علي وليس لله علينا شيء، وفصلنا أنفسنا من السماء وقطعنا الروابط التي كانت تربطنا بها ونبذناها فرثت ثم رثت فإذا هي على أجسام الفقراء تلك الأسمال البالية؟ إن هذه الحقوق متى أصبحت إنسانية محضة ليس فيها لله شيئا، فكل درهم يوضع في يد الإنسان يجعل فيه عقلا يحكم على عقله، وكل رغيف يستقر في معدته يخلق فيها ضميرا يستبد بضميره، فينفصل الإنسان من الله ويبتعد عنه بمقدار ما يقرب من الغنى، وحسبه يومئذ في اعتبار بعيد جدا عن الله ورحمته أن يقال إن بينه وبين ربه مسافة ألف دينار ذلك بأن عدل الله يقضي أن يكون للفقير قسمه من الثروة، وإنما الجزء المهم من هذه الثروة هو الإحساس في ضمائر الأغنياء. والأدلة على هذه القضية قضية الحقوق الإنسانية كثيرة تفوت الحرص لأن كل صاحب ربا قد جمع مال السحت من استئكال الناس إنما هو في نفسه دليل عليها، ولعمري إنه وليس أحد أخيب رجاء ولا أحق بأن يخيب، ممن يسأل المتهالك على الربا الذي يستنبت دراهمه بين الأحزاب والدموع إحسانا لوجه الله، فإن هذا الذي لا يعرف الله فيما يأخذ كيف يعرف الله فيما يعطي؟ قال "الشيخ علي": ولماذا نرى يا بني جفاة الأغنياء يخشون من الفقر على أنفسهم وأهليهم فقط ولا يخشون منه على الفقير؟ أظنهم يقولون إن في الأرض شيئين بمعنى واحد: قبور الأموات في بطنها، وأكواخ الفقراء على ظهرها، وليس من فرق بينهما في النسيان لأنه يشملهما جميعا، وإنما الفرق بينهما في حاليهما المتناقضتين، هذا قبر ميت وهذا قبر حي ... نعم صدقوا أبروا وقالوا حقا، أليسوا جفاة القلوب غلاظ الأكباد؟ وإلا فما الفرق بين موت منسي كموت الغريب، وحياة منسية كحياة الفقير، إلا على الفرق الذي لا يبالي به هؤلاء الأغنياء حين يكون لأحدهم ظاهر حي وضمير ميت؟ وأحسب أولئك الطغاة يقولون، إننا نرى الفقير لا يملك من الأرض شيئا محدودا بل هو يملك أرض الله كلها بحدودها الأربعة.. ففقر فلان التاجر الغني مثلا ليس هو في الحقيقة أن لا يصيب القوت ولا يجد المأوى كغيره من الفقراء، وإنما هو المتاجرة في الآمال، بعد الأموال، وقبض الريح، واستقبال الأبواب والجدران، بعد استقبال الأصحاب والجيران، وهام من هذا الباب الذي يفتح من جهة الغنى على سائر الجهات الثلاث للحياة البائسة: وهي الفقر، والمذلة، والألم، وإنما هو رجل ككل رجال المال متى خرج المال من يد أحدهم خرج اسمه من أفواه الناس وحرج حبه من أفواه الناس وخرج حبه من قلوبهم، ويكون من أهل السعادة لو خرج هو أيضا من الدنيا ...

стр. 11

قتل الإنسان ما أكفره! لو أن غنيا فقد جبلا من الذهب وأصاب رغيفا يتبلغ به لكان ذلك أيسر في مذهب الإنسانية من أن يذهب البائس المعدم فيتكفف الأبواب ويستكف الناس ثم لا يتخلص منهم رغيفا يمسك به الرمق على نفسه ويقيم منه بابا حاجزا يمنع الجوع أن يدخل إليه الموت وأن يخرج منه الروح، ولكن مصيبة الإنسانية في أهلها أن الله لم يخلق إلا صنفا واحدا من الناس، على أن كل إنسان يظن أنه ذلك الصنف الواحد ... فالغني إذا تصور الفقر وهو لا يزال في غناه، لا يتوهم إلا اختلال نظام الأقدار، واضطراب حركتي الليل والنهار، بعد أن يهوي كوكب سعده الذي يسك من كل ذرة في أشعته دينار ... وهو لا يرى بهذا الفقر إلا نقمة هابطة من السماء ولعنة صاعدة من الأرض قد التقتا عند رأسه الشامخ في جو كبريائه فاصطدمتا به فإذا هو مكب لليدين وللفم عند أقدام الناس وإذا هو فقير! هذا هو الفقر في أوهامهم، ولكن لا تنسى أنه فقرهم فقط ... فقر المال المترابط في مكانه أو الذاهب في حلوق الأرض وبين أضلاعها، أما سائر الناس فهم عند هؤلاء أهل باطل ودعوى، يزنون بكل ريبة، ويقرفون بكل تهمة، إذ ينتحلون الفقر ويدعونه ليعادوا نعمة الغني بالحسد، فالجوع فقر، والمرض فقر، والتعب فقر، والضجر فقر، واشتهاء ما ليس لهم فقرا، وقلة الأصحاب فقر، وحتى ولو أن أحدهم سخطته زوجه لنسب ذلك إلى الفقر، وبالجملة فكونهم ليسوا كالأغنياء هو الفقر. فإذا كان الفقر كل شيء عند هؤلاء الحمقى فما هو الشيء الذي يسمى الفقر؟ من أجل ذلك يا بني ترى الأغنياء يخشون من الفقر على أنفسهم وهم أنفسهم لا يخشون منه على الفقير، لأن هذا الفقير برأيهم قد أصبح شخصا أخر لا صلة لهم به ولا عهد، فهو يكذب على الحوادث والحوادث تكذب عليه، وجزاء سيئة سيئة مثلها، فإذا انخدعوا له بمقدار ما يتعجبون من سخافته، وإذا أعطوه كان العطاء سخيفا بمقدار ما ينخدعون، ولا ينظرون لأثر الله عليه ولكن لأثره على نفسه، إذ الحقوق عندهم حقوق إنسانية، فهيهات يختلج في نفس أحدهم أن لو شاء الله لوضعه في ثياب هذا الفقير ولوضع الفقير في ثيابه. أترد مثل هذا الغني الجلف المتسكع إلى الدين؟ إنه هو في نفسه دين وشريعة أيضا ... أتبصره بالإنسانية؟ فمن هو إذا ويلك إن لم يكن من صميم هذه الإنسانية وعين أهلها بل إنسان هذه العين! أما الحق فاذكر بربك أمواله تعلم أن"الحق في يده" ... هكذا يعطى المال أهله حتى فضائل غيرهم، ويسلب الفقر أهله حتى محاسن أنفسهم، وهكذا لا تجد المال أبدا إلا نعمة ناقصة، ولن تتم هذه النعمة إلا إذا رزق الإنسان مع الغنى أخلاقا تكفيه شر الغنى، ومن أجل هذا كان من الأمور الطبيعية أن تجد العقل في إنفاق المال أشد ارتباكا منه في جمع المال. قال "الشيخ علي": ولابد من صلة معنوية بين جميع الناس على ما يكون بين الإنسان والإنسان من التباين والاختلاف في كل شيء، حتى بين الأخوين تلدهما الأم الواحدة، وهما مهما اتفقا في الحياة ومظاهرها فإنهما لا بد مفترقان افتراق الثديين اللذين ارتضعا منهما الحياة، فما عسى أن تكون هذه الصلة العامة بين الناس؟ تقول الشرائع أن الصلة التي تجمع بين الناس بعضهم ببعض هي العدل! وتقول العلوم إنها العقل، وتقول الآداب أنها شيء من العدل والعقل يكون الإنسانية في الضمير، وتقول الحياة أنها سبب الإنسانية وهو الرحمة، ثم يرعد صوت إلهي يقصف من جهة السماء التي هي مصدر العقل والعدل والإنسانية والرحمة فيصيح بكل ما في هذه الأشياء من القوة ويقول: كلا! بل هو سبب الرحمة ومظهر الإنسانية، وكمال العقل، وفضيلة العدل، وهو الفقر!

стр. 12

من الذي ولد وفي يده قطعة من الذهب؟ ومن الذي مات وفي يده "تحويل" على الآخرة؟ لقد وسعت الخرافات كل شيء إلا هذا، فما لنا نتخذ في البدء والنهاية ثم نختلف في الوسط؟ ذلك لأن بدءنا من طريق الله ونهايتنا في طريق الله، ولكن الوسط مدرجة بيوتنا ومصانعنا وحوانيتنا، وبكلمة واحدة هو طريق بعضنا إلى بعض....وحينما التقى الإنسان بالإنسان فإما أن تلتقي المنفعة بالمنفعة وإلا المنفعة بالمضرة، فلا بد من انتفاع أحدهما أو كليهما، ومن ثم يقول البخلاء: ما الذي ننتفع به من رحمة الفقير؟ وماله يريد أن يتحيفنا كأنه روح الجدب، وأن يتعر قنا كأنه روح المرض؟ وماله يريدنا على أن نسيء من أجله المس في أموالنا كأنه روح الإفلاس؟ أو لا يكفيه أننا لا نرزؤه شيئا، وأننا نفضل عليه فتعتد الدرهم الذي نمسكه عنه كأنه درهم أخذناه منه، وبذلك لا يضرنا ولا ننفعه بشيء، ومن الجهة الأخرى لهذا القياس يكون قد نفعنا ونفعناه بلا شيء....؟ قاتل الله البخل وقبحه، فما هو إلا حرص على المنفعة يشبه عبادة الوثنيين لكل ما توهموا فيه المنفعة، وإن كان للحواس نوع من الكفر بالله فكفر اليد في إمساكها، وإن الله لرحيم إذ لم يعاقب البخلاء بما يعاقبون به الناس، فليس بين كل بخيل وبين الهلاك إلا أن ينقل الله "الإمساك" من يده إلى جوفه!..على أن البخل إذا لم يكن بقية من الوثنية القديمة بعينها فهو على كل حال نقص من الإيمان، لأن الله وعد المحسنين والمتصدقين ثواب ما أنفقوا مكفأة على فضيلة الإحسان، ثم أن يخلف عليهم ما أنفقوه أضعافا مضاعفة، إذ المحسن لا يجود بدراهمه على الله ولكنه يقرضه إياها قرضا حسنا متى وضعها في يد الإنسانية الفقيرة، فمن أمسك عن الإحسان بخلا فإنما يشك في وعد الله، وإلا ففي قدرة الله، وإلا ففي الله نفسه، فأكبر البخل عند أكبر الكفر وأصغره عند أصغره، ويوم يخرج الإيمان من قلوب الأغنياء تخرج أرواح الفقراء من أجسامهم فيموتون بالجوع والعري وبالمرض وغيرها من أسباب الموت، وكلها مظاهر متعددة لسبب واحد هو في الحقيقة كفر الأغنياء كفرا في الضمير لا كفراً في اللسان. ومن هنا يا بني لا تجد الفقير في أي من العصور إلا جهة من الخلل في نظام الاجتماع الإنساني، كما أن البخل جهة من الخلل في نظام النفس الإنسانية، والفراغ الذي يجده الفقير في بيته إنما هو موضع النعمة الضرورية التي بخل بها الغني، وهو في الحقيقة موضع التفكك أو الكسر في الآلة التي تديرها شريعة الاجتماع. الإنسان إنما خلق اجتماعياً، وهو بشخصه لا قيمة له ولا منفعة إلا حيث يكون شخصه جزءاً من مجموع، لأن اليد الواحدة في الجسم ولو كانت يد ملك وكان فيها زمام العالم، فإنها لا يفارقها عيب أختها المقطوعة. وكل خلل في النظام الاجتماعي فإنما مرده إلى طغيان بعض الأفراد وجنوحهم إلى أن تكون شخصية الواحدة منهم من الكبر والعظمة بحيث توازن المجموع كله أو أكثر المجموع، إن هذه الموازنة الفردية متى اتفقت كانت إخلالا بالموازنة الاجتماعية، لأنها تجعل كل حركة من هذا الفرد زلزلة في المجموع، كالثقل في إحدى كفتي الميزان، إن خفت سقطت الكفة الأخرى وإن ثقل شالت، وهو السقوط إلى فوق! ... والموازنة الاجتماعية لا تتهيأ إلا إذا تطبعت قوى المجموع فاندفقت في تيار واحد إلى جهة معينة، ولكن الموازنة الفردية لا تستقيم إلا إذا جاءت من عكس هذه الجهة، فتصد قوة المجموع وتبقى دائما ذات قوة على صدها من الغلبة، فإن ضعف خصمه يعطيه منها أكثر مما تعطيه قوة نفيه، ولا يكون ضعف المجموع إلا من حصر الشخص العظيم قوة عقله ونفسه وضميره في هذا السبيل الفردي، لتكون منه الشخصية الهائلة التي تشبه ما كان في تاريخ الوثنية من شخصيات الآلهة وأنصاف الآلهة. وقد أضطر الناس لذلك من عهد اجتماعهم في نظام أو شريعة إلى ابتداع الوسائل للتوفيق بين قوة الفرد وقوة المجتمع، حتى لا يستشري الداء في الموازنة الاجتماعية فيفسدها ويوقع الخلل في نظامها، ولكيلا تكون خيرات المجموع كلها في معدة واحدة، وحتى لا يبقى الناس أرقاما يعدهم الغني المستبد كما يعد دراهمه لأنهم ثروته الحية!

стр. 13

غير أن هذه الوسائل على اختلافها لم تكن ولم تزل إلى عهدنا عهد الاشتراكية العلمية إلا ثورات هي مهما كانت فإنها أشبه شيء بجموح الحيوان إذ يحمي أنفه فيجمح ثم يسترسل في جماحه ثم يشتد حتى يعتز صاحبه على رأسه ويملك نفسه منه، ثم ماذا؟ ثم يسكن مكرها بعد أن جمح راضيا، فإن لم يسكنه الألم من صاحبه أسكنه التعب من نفيه، لا يكون بالتخلص من إنسان بعينه. ومن هذا يا بني ترى أن الإنسان لا يعيش فردا ولكنه حين يموت يموت فرداً، فإذا رأيت فقيراً منبوذاً من الاجتماع منفرداً عنه، لا يساهمه في علمه وعيشه، بل كأنه يعيش في بقعة مجهولة من الحياة، فاعلم أن إهمال ذلك الفقير إنما هو نوع من القتل الاجتماعي. ههنا قاتل ومقتول: لم يأخذ القاتل بحق من الحقوق ولا ثأر لنفسه ولا قتل بيده، أما المقتول فإنه لم يقتل في إثم اجترحه ولا هو جنى على نفسه الضعف الذي أرهقه وبلغ منه حتى جعل إهمال القوي إياه كأنه حكم عليه بالقتل، فترى على من تكون هذه التبعة، وهي بالتحقيق ليست على القوي لقوته ولا على الضعيف لضعفه؟ هناك اثنان: رجل في الماء وآخر على الشاطئ، فأما الذي في الماء فليس بينه وبين الموت غرقا إلا نفس واحد مبتل ينسل بالماء من حلقه إلى رئتيه وهو يرى بعينه الموت دائبا في حفر قبره المائي، فليس الموج الذي يتكفأ به ويتناثر من حوليه إلا ما تثيره يد جبار الموت من غبار ذلك القبر وتحثوه في وجهه بنزق وغضب، بعيد عن الأحياء حتى بعد عن أن يكون له قبر بينهم ولا صلة بينه وبين الحياة الأرضية إلا نظرات ذلك الرجل القوي الذي يتراءى في عين الغريق كأنه صخرة راسية على الشاطئ لها قوة وليس لها إرادة، ولكن هذا الذي يشعر بصلابة الأرض تحت قدميه ويحس القوة من يده وعضلاته، يشعر أيضا من بمعنى من الصلابة في قلبه وقد جاء إلى الشاطئ ليتنفس من تلك النسمات التي يتنهد بها صدر السماء فتكون أرواحا للأمواج تبعث فيها حركة الحياة. ما له ولهذا المنظر؟ سواد يطفو على الماء كأنه هنة من المتاع الخلق أو حذاء قديم أو ريش تحسر عن طائره، أو رأس رجل يغرق، وما دفعه بيده إلى الماء فيكون حقا عليه أن يستنقذه، ولا كان الغوص من صناعته فيعتمل في إخراجه ليخرج معه أجر عمله، وهو قوي ولكنه قوي لنفسه لا للضعفاء، وقد جاء ليروح عن نفسه، وإنقاذ الغريق عمل آخر، وربما أنشبه في حلق الموت ... أخذ فيما جاء له وما زال يموج في جلده ويتنفس ملء صدره من الهواء ومن زفرات الإنسانية التي تنشق لها غيظا، ومن لعنات ذلك الغريق الذي بدأت حياته تذوب كما ينماث في الماء حتى آن له أن ينصرف وترك الرجل يغرق وهو يقول: لا بأس أن ينقص عدد أهل الأرض واحدا فهم كثير!.... ترى على من تكون هذه التبعة أيضا؟ إذا أردتم أن تعرفوا ذلك فإنكم تستطيعون أن تحققوه بدون أن تكونوا شرطة أو قضاة أو أهل قانون أو رجال فلسفة، ولكن بأن تكونوا من ذوي الإنسانية فقط، فإن الإنسانية لا ترى في الأرض إلا الضمائر، وما هذه الأجسام إلا أدوات صناعية ركبت هذا التركيب لتصلح لحياة الضمير، فالرجل قد مضى بريء اليد، بريء القوة، بريء العقل، إذ هو لم يقتل، ولم يجن على القتيل، ولم يحتل لقتله، ولكن الإنسانية حين تنادي الضمائر بأوصافها فتقول: أيها الطيب، وأيها الكريم، وأيها الشقي السافل، تصيح بضمير هذا الرجل قائلة: أيها القاتل! ... إذا لم يقر الأغنياء لأنفسهم بالضمائر ولم يلحقوا بها التبعات التي تناسبها فهل هم في ذلك إلا كالمجانين لا تقر لهم الشرائع بالعقول وتخيلهم من تبعة ما يجنون على العقلاء لأنهم مجانين؟....وكيف ترى ذلك الغني الفظ الذي يهر في وجوه الفقراء ويزمجر عليهم كأنه ينبحهم بلغة من لغة الكلاب ... ولا يفتأ يقذفهم بالألفاظ الجاسية المؤلمة كما يقذف المجنون بالحجارة ... وإذا أعطاهم فإنما يعطيهم بقضية فارغة ... وهو لا يوقر أبدا إلا من فوقه، كأنه لا يرى في الدنيا كلها أسفل من نفسه ... ولا يبالي إلا بمن يطمع فيه كأنه جالس في (مكتب أحد المخدمين) ..وقد تساوي في الدناءة والكلف بالدنيا وقذارة الطباع ظاهره وباطنه كأن ضميره لبسه مقلوبا ... وصار أمر رضاه وغضبه وإحساسه وحيائه موقوفا على ما يكون من أمر المعاملات، كأن أخلاقه ليست في نفسه ولكنها في أيدي الناس، فليس مثل الغني الدنيء رجلا عاقلا؟

стр. 14

بلى، وإنه لأعقل من كل من يمدحه ويزكيه ولو كان هذا المثنى عليه أكبر علماء الاقتصاد، ولكنه على ذلك مجنون الضمير بحيث لا يعقل إلا بحواسه! ولو أنصفت القوانين لما لبست مثل هذه الحرية الإنسانية على رذيلتها، ولجعلت من نصوفها القاطعة ما يكفح مثل هذا الغني ويتلقاه بلجامه، لأنه في الحقيقة ليس رجلا ولكنه دابة اجتماعية! قال "الشيخ علي": ومن بديع حكمة الله أنه وضع للإنسانية أصلاً من أصول نظامها في ضمير الإنسان فترك له أن يقترف ما شاء من الإثم والمنكر ولكنه جعله من الإحساس بطبيعة الخير والشر بحيث يكون له من الذنب نفسه العقاب على الذنب، حتى إن شر المجرمين ليستعين على مقارفة جرمه بإقناع الضمير بدياً وأخذه بالحجة من هواه، فيخطر في نفسه ما ينزو بها، كالشجاعة والنخوة، أو ما يتوهج بروح الغضب في دمه، كالانتقام ونحوه، وما يطمئن له الضمير في معنى الجناية، كمدافعة الضرر وما إليه! وبالجملة فإن أول ظلمه عدلاً أو شبيهاً بالعدل، حتى لا يلتوي عليه أمر نفسه إذا خذله ضميره، فإن اضطراب هذا الضمير يتصل اتصال الكهرباء بأيدي المجرمين فإذا هو فيها شلل، وبأرجلهم فإذا هو زلل، وبنظامهم العصبي فإذا هو خلل، وبعقولهم فإذا هو المس والخبل، وإذا لم يفلح الجاني في إقناع ضميره أو التلبيس عليه تخلص منه ففصل بينه وبين العقل بالسكر وما هو حكمه حتى لا يشهد من أمره شيئاً. أفلا تجد في تخدير أكثر المجرمين لضمائرهم ساعة الجناية دليلاً على أن الضمير الذي يشهد الذنب إنما يتلقى العقاب عليه؟ ولماذا تدفع الجريمة على الجريمة غالباً؟ أليس ذلك لأنها إنما تقتضي عقابها الطبيعي؟ ثم ماذا يكون بعد أن يضرب الشقي تلك الحاسة الروحية التي نسميها الضمير ويرميها بالشلل- إنه ينحط درجة واحدة، ولكنها درجة الضمير التي لو جازها الحيوان لصار إنساناً، ولو نزل عنها الإنسان لعاد حيواناً، فلا يبقى فيه من ثم إلا الفطرة الحيوانية التي تجعل عقل الحيوان مرة في القوة ومرة في الضعف، فإن أحس القوة على خصمه كان العقل في الظلم بكل ضروبه وأشكاله، وأبى هذا العقل الحيواني أن يترخص في شيء هو من حقه بالقوة، وإن أحس من نفسه العجز والضعف ورأى أن لا قبل له بخصمه فكفى باتقاء الظلم عقلاً ... يا بني! إن أفقر الفقراء ليس هو الذي لا يجد غذاء بطنه، ولكنه الذي لا يستطيع أن يجد غذاء شعوره، فلا تحسبن أن مع جنون الضمير وجفوته ومرضه سعادة وراحة، لأن لذة المال لا تتجاوز الحواس الظاهرة فهو يبتاع لها كل شيء مما تشتهي ولكنه لا يستطيع أن ينيل القلب شيئاً إلا إذا جاءه بالخير والفضيلة. والغني الذي يمنع الفقراء ماله قد يزيد فيه ولو حكماً بمقدار ما يمنع.. بضعة دراهم، أو بضعة دنانير، ولكنه يزيد ضميره جفاءً بالقسوة والغلظة ونسيان الفضيلة، ولا يزال على ذلك حتى يمر به يوم يفقد فيه ضميره كل شعور بالخير فيفقد معه كل شعور بلذة النفس التي أقرب المعاني إلى مغنى السعادة ... ... ويومئذ لو اشترى كل لذات الدنيا بماله ما زادته إلا ألماً من الضجر وضجراً من الألم، لأنه فقد قوة من ضميره تقابل القوة التي يفقدها المريض من معدته. فلينظر الفقير الجائع وقد أخذه كلب الجوع وسطع في عينه وهجه ودارت به معدته ذات اليمين وذات الشمال- إلى رجل غني ممعود في كفه معنى الحياة وفي جوفه معنى الموت، وقد ابتاع مما تشتهيه معدة خياله التي لا تشبع لأنها لا تنال شيئاً، وأسرف بالمال في حتى استجمع الكثير الطيب، ثم انقلب إلى داره بعين من ذلك الذئب تكاد أشعتها تنضج الغذاء من حر نظراتها إليه. ... سلوا صاحبنا الفقير يقل لكم أي لذة يا قوم تكون في غير هذا الطعام يقتل به داء البطن وتنفتق عليه الخواصر شبعاً وسمنة. وهل هذه إلا روح مائدة من موائد الجنة، فيها ما تشتهي الأنفس وتقر الأعين؟ ثم سلوا الممعود المسكين يقل لكم وهو صادق صدقاً يتمنى بما ملكت يداه من الدنيا لو أنه كذب، يقل لكم: تالله ما أجد في هذا كله ولا في بضعه من لذة ولا سعادة، ولو أبحته جوفي لكان الموت بعينه!

стр. 15

إذن فلا بد في كل شيء إنساني من حقيقة باطنة في نفس الإنسان تعطيه بصحتها أو مرضها قوة اللذة أو الألم، وبهذا يقضي العدل الإلهي كل ذي حق بالنصفة والسوية، لا فرق بين الغني في غناه وبين الفقير في فقره، فلكل منهما لذة وألم، ولعلنا لو سألنا أغنى الناس عما هي لذة الغني لرأيناه في حقيقة التعاسة النفسية كأفقر الناس إذا أجابنا عما هو ألم الفقر. وقد فطر أكثر الخلق- لطبيعة الخوف المتمكنة منهم- على أن يتسعوا في فه الآفات وحدها، حتى صار الوهم الخيالي أكبر الآفات الحقيقية، فالفقير الذي لا يفهم حقيقة الفقر يتألم بإدراك ووهم وفلسفة، إذ يقيس حاضره على ماضيه وعلى ماضي غيره من الفقراء، ويقيس مستقبله على حاضر الأغنياء ومن في حكمهم فقط، وبهذا ألمه عملاً عقلياً في شيء موهوم، فما دام يتمنى أكثر مما يستحق فهو يتألم بأكثر مما يستحق، ولو تأمل الناس لرأوا أن نصف الفقر فقر كاذب، فآه لو كان مع ضعف الفقر قوة الإرادة! إذن لوجد الحكماء في الأرض شيئاً حقيقياً يسمونه الغنى. أيها الناس، إن الفصل بين الغنى والفقر من الأمور التي تتعلق بالضمير وحده، ورب غني يزيد أهله بالحرص والدناءة فقراً فانظروا فيها، فأفكار إلهية لا تطلب إلا الفضيلة التي يمكن أن تكون بلا ثمن، ولا يمكن أن يكون شيء ثمنا لها. انظروا إلى بعض الأغنياء الذين تموت في قلوبهم كل موعظة إنسانية أو إلهية فلا تثمر شيئاً حتى إذا ماتوا نبتت كلها من تراب قبورهم فأثمرت لنفوس المساكين والفقراء عزاء وسلوة وموعظة من زوال الدنيا، انظروا بعين الحقيقة التي تعطي هذه الطبيعة النظر فتعطيها محاسن الطبيعة الفكر. انظروا في باطن الإنسان بالفضيلة التي هي من نور الله، وبالحقيقة التي هب من نور الطبيعة، فإنكم لا ترون حقيقة الغنى تبتعد عن حقيقة الفقر إلا بمقدار شبر واحد، وهو ملء هذه المعدة! مسكينة! مسكينة ! قال "الشيخ علي": واسمع الآن يا بني ما أقص عليك، فإني محدثك بخبر ليتني ما علمته، بل ليتني إذ علمته ما وعيته، وليتني إذ وعيته ما أثبته ولا نفذت فيه كما نفذ في. ولكن الحياة كما تقضي علينا أن نسهد أموات الأحياء ونحملهم إلى أبواب الآخرة من تلك الحفر، تقضي علينا أن نشهد أحياء الأموات من أهل الرذائل ونحمل من أخبار ضمائرهم الميتة إلى أبواب السماء في أنفسنا!. فواهاً لك أيتها الحياة الدنيا! تقتلين بالشر وتجرحين بأخباره ولا تؤتين عسل الحكمة إلا بعد لسع كثير.. وقد علمنا أن كل شيء يسير فإنما هو يذهب في طريق يتهدى أو يتعسف. وكأن الأسف على أهل الشر لم يجد له طريقا في هذه الحياة إلا من ضمائر لا أهل الخير، وبهذا يضرب الشر أهله وغير أهله. كانت لنا يا بني في هذه القرية النضرة فتاة بائسة ضاق بها العريض من هذا البر فخرجت إلى بعض المدن تستطعم الحياة، فحدثتني أنه استضافت حتى كأنما كانت تنفذ إلى رزقها من شق في صخرة فسدت عليها، فلا وراء ولا أمام وأعجزها حتى المعاش الملفق. وخرجت يوماً على الناس وكأنها لقذارتها قطعة ممن الحياة البالية مدرجة في بعض الأطمار، أو روح من الهواء تمشي ساكنة في أردية من الغبار، وما تحصي العين تلك البقع المنتشرة في ثيابها، كأنها أرقام للفقر يعد بها ليالي عذابها، وهي علم الله بقع، أشأم منها أنها في رقع، وقد اغبر شعرها الفاحم وتلبد، فكأنها بعض ما وقع على رأسها من حظها الأسود، ولاح من تحته كالدينار الزائف في صفرته ورده، وكالقمر الممحوق في استطالته تحت الظلام ومده..وهي فتاة عليلة قد أخذ السقام من حجمها كما أطفأت الأقدار من نجمها، وخفي من لمرض في صدرها، أكثر مما خفي بين الناس من قدرها. وما تعرف من أسماء الأموات والأحياء غير أسماء أهلها، ولا تملك من الأرض أكثر من غبار نعلها، وقد خرجت تتحامل فكلما خافتت في مشيها قليلاً خافت العثار، فاستندت إلى جدار، فإذا رأيت صورة البؤس ولكن في غير إطار. وإنها تمشي وكأن ليس فيها دم ينتهي إلى قدميها فهي تجرهما جرا وتقتلعهما بين الخطوة والخطوة، وما تدري من الألم أهما على الأرض أم في الأرض تسوخان؟ وقد تزايلت أعضاؤها فما تحس أن فيه حياة متماسكة، وهي ما فتئت تحسب أن جسمها قد خلق نعشا لقلبها فلا هذا القلب يحيا كما تحيا القلوب ولا ذلك الجسم ينمو كما تنمو الأجسام!.

стр. 16

في رأسها عقل زاد الله ورحمته في جهة منه ونقص عنف الناس وقسوتهم من جهة أخرى، فبينا هي على ذلك تحمد الله، 'ذا هي مع ذلك تلعن الناس، وهي في مرة تنظر على الحياة فترى كل شيء في الحياة إلا نفسها، ومرة تنظر إلى الموت فلا ترى في الموت شيئا إلا نفسها، ولم يمسك روحها بين الاثنين إلا خيطان: أحدهما من السماء وهو الأمل في رحمة الله والآخر من الأرض وهو إشفاقها على جثتها التي كانت تكدح منذ الصغر لقوتها، تلك الجدة الفانية التي كبرت وبلغت من الكبر حتى حسبتها الفتاة قد كبرت سن الموت. أما الآن فقد تبين لها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وانصدعت حفرة جدته المسكينة ولم يبق لها إلا رحمة الله. قال "الشيخ علي": وكان خروج هذه البائسة أصيل يوم من أيام الصيف ذهبت فيه طاوية على الجوع كما تغدو الطيور من وكناتها وملء بطونه هواء، غير أن الطيور تهزأ بالناس جميعا، وهي على ضعفه أقوى من الشرائع والقوانين، إذ تنبعث وكأن كل طائر منه إرادة متجسمة تقذف بها السماء فما تبالي على أي أرض تقع ومن أي حب تلتقط، ولا تعرف إلا أنن هذا الإنسان يعمل على السخرة ليخرج لها من الأرض رزقها رغدا...... ... أما الفتاة فكل الناس يهزأ بها، وهي ترى كل إنسان على ملكه كأنه قانون وضع لعقابها إذا حدثتها النفس حديثا، فقد بلغت من الضعف والمرض والفاقة إلى حال لا تجعل يديها تصلحان لعمل غير الأخذ، فإن اختلست قيل سارقة فعوقبت، وإن سألت قيل لها متشردة فكذاك! ويا ليت في قلب هذا الإنسان من معاني الصفح بعض ما في لسانه من ألفاظ القصاص، ولكنه حيوان متكلم فتنصرف فطرته الحيوانية أكثر ما تنصرف إلى لسانه، كما تتمثل هذه الفطرة من سائر الحيوانات في حواسها التي تبطش بها، وكلا النوعين سواء في الافتراس والكلب والتوحش، فما اللسان إلا حاسة البطش العاقلة ... وقلما يؤذي الإنسان قبل أن يؤذي بهذا اللسان. ولم تر المسكينة أروح لنفسها المكدودة من الانتحار، وكأنما يخال لها أن في الموت عيشا، فخرجت تمشي بين الناس إلى قبرها كأنها فيهم جنازة وهم يشيعونها، ولئن كانت لم تسر بالحياة فلقد سرها أن ترى تشييع جنازتها وهي حية تموت، ولا أقول وهي حية ترزق، فإن العلة النازلة بها قد أخذت عليها مذاهب الرزق حتى لم تترك لها في الناس "وجهها"، وقبضت عنها الأيدي إلا تلك اليد الواحدة التي تأخذ دائما ولا تعطي أبدا....وهي يد الموت! وإنها لتنفتل وتلتوي على أحشائها من رجفة الجوع، وما تأخذ عينيها من الناس إلا من يحمل بطنه حملا من شبع وري، فكان نظرها إلى الناس أمض عليها من الفكر في نفسها، وكأنها تقتل من جهتين. وكذلك أخذت سمتها إلى طريق النهر، وأمضت نيتها على الموت غرقا، لتموت نظيف، وتكون لنفسها غاسلة، وترسل روحها المتألمة إلى السماء في دموع السماء! ومشت تتساقط كأن الجوع والمرض يهدمان منها في كل عثرة ركنا، أو كأنه كتب على كل بائس أن يموت في طريقه إلى الموت، وهي تنتهض من كل عثرة إلى أشد منها كما تتخطى العنكبوت في نسجها من خيط واهن يكاد ينقطع إلى خيط أوهن منه، وقد اجتمعت روحها في عينيها فهي تسيل على نظراتها الشاردة، وكلما امتد بها المسير قصرت مسافة النظر حتى توهمت أن الموت بادئ من عينيها، وأنها كذل إذ لمحها طفل قروي قد انقلب من المدينة إلى الضاحية التي غادر فيها أمه العمياء، وكان يعتمل طوال يومه في بعض المصانع أو هو يحمل طعامها الذي لم ينله إلا ببيع نفسه يوما كاملا، على أن المسكين لا يحس من الذل أنه اشترى نفسه بمقدار ما يحس من العزة أنه ابتاع إداماً ورغيفين وقطعة من الحلوى. قال الشيخ علي: وبصر هذا الطفل بالفتاة، وأدرك أن روحها تخطو في أنفاسها، وأن الجوع لا غيره وهو من أبنائه، طالما شد عليه حتى انطوى، ولان لغمزاته حتى التوى، وما يعرف أنه ابن أبيه وأمه، وأكثر مما يعرف أنه ابن فقره وهمه، فابتدر إلى المسكينة، وكانت حركة الحياة فيها أسرع من حركة أضراسها في طعامه، ثم ذهب لا يعرف ما صنع..لأنه طفل؟ أو لأنه فقير؟ لا أدري! غير أني أعرف أنه لا يسلم من لؤم النفس في صنعة المعروف وتطويل المن به وتعريض الحديث فيه إلا للأطفال وإلا للفقراء، أولئك لأنهم لا يستكثرون الخير، وهؤلاء لأن الخير منهم غير كثير.

стр. 17

وانطلق الطفل وهو يلوي رأسه ويفكر في أي خديه تقع عليه اللطمة الأولى من أمه، لأنها لا محال متوعرة به، ستحسبه أقترف إثما فطرد من عمله، وانقطعت به طريق أمله وإلى أن يأتي الله بالصبا الذي ينير برهانه، ويثبت لها إحسانه، يكون هذا الليل، قد صب عليه الويل، وهكذا جعل يشهد الله على ما سيلقاه في سبيل الخير، بدلا من أن يشهد الناس على ما لقي غيره منه في هذا السبيل من إحسانه وإيثاره، لأنه طفل؟ أو لأنه فقير؟ لا أدري! ولما أمسكت عليها النفس وراجعت الحياة بدا لها فيما اعتزمته من الانتحار، فترددت وجعلت تساورها الظنون، وخلق لها من معدتها عقل جديد يبصرها فرق ما بين الجوع والشبع، وكذلك تعرض لبعض الناس حالت من الحرص يعقلون فيها ببطونهم، حتى إن أحدهم لو تحسس رأسه وهو يفكر لحسبه بطنا صغيرا من العظم ... فأنشأت الفتاة تستقيم على طريقها وهي تؤامر نفسها على الحياة والموت، وقد بدأت تهضم في معدتها الطعام والعزيمة جميعا، ومات الذي كان بينها وبين الموت! وبينا هي تسير نظرت في عرض الطريق سيدة لو لبس معنى الغنى لفظا ما لبس غير اسمها، ولو كان للكبرياء رسم ما رأيته غير رسمها، وقد أورثها الغنى ذلك الغرور بنفسها، حتى توهمت أنها في الأرض أخت شمسها، وبلغت في النعمة من الحق والبطر، بحيث جعلت نفسها كالسماء متى تعبس وجهها استهلت لعناتها كالمطر، وهي من أولئك اللواتي يخرج الغنى معهن في الطريق لا حارساً ولا منعماً ولكن للكيد والفتنة، فتنة المساكين وكيد الحاسدين، فخرجت في زينتها وكأنها حانوت جوهري ... وهي نصف من النساء ولكنها تتصابى، فكأن في وسامتها وابتسامتها شباب عشر فتيات جميلات!..وقد ذهبت في أوضاع جسمها مذاهب هندسية بين المستدير والمستقيم والمنحني ... حتى ظهرت كأن نصفها من الله ونصفها من الخياطة ... وإذا رأيت جملتها رأيت روضة الجمال بألوانها وأزهارها، ولكن مصورة، فإذا انتهيت إلى وجهها رأيت للحسن هناك شهادة على الله ولكن ... مزورة....، وعلى الجملة فقد جعلها حسنها المالي في رأي نفسها كالشرائع: لا جدال فيها إلا من زنديق ... ورأتها الفتاة كما تنظر المرأة إلى المرأة بعين جامدة ليس فيها لغة ولا فلسفة ولا شعر، فقالت: يا لها من سعادة أن تكون هذه العجوز لا تتقدم في عمرها إلى الأمام ولكنها ترجع إلى الوراء، وأن تظهر بين الناس حسناء وإن كانت من القبح بحيث ذهب نصف نهارها في التحسن، وأن لا تجد من هموم الدنيا أكثر من هم الألفاظ إن قال الناس غير حسناء أو قالوا غيرها أحسن منها! ويا له من شقاء أن تكون هي كما هي وأكون أنا كما أنا! ثم رمت بعينها إلى السماء وانحرفت تواجه تلك السيدة، فما تبينها هذه وألمت بما في نفسها حتى انقبضت كأنما أثارت الأرض في وجهها دابة جامحة، وجعلت تتحاماها وتلوذ ههنا وههنا وتحتث قدميها كأنها لقاء خطر شديد، غير أن الفتاة ملئت عليها الطريق بحركاتها فكانت وجهها كيف أمت وانحرفت يمنة ويسرة وكأنما تطاردها مطاردة!. فلما عيت السيدة بأمرها وغاظ الفقر نعمتها وهاج فضول الفتاة حنقها وكبرياءها، وقفت لها وقفة القضاء عابسة الوجه شامخة الأنف يكاد يستنفض الناس طرفها وتكاد تميز من الغيظ، وتدل هيئة وجهها على أن وراء شفتيها المرتجفتين كلمات أحد من أنياب الوحش! فلم تبال الفتاة وبقيت رئتاها واسعتين للهواء وبقيت رئتاها واسعتين للهواء ذ ليس بعد الفقر خوف، ولفت إليها باسطة اليد وهي تكاد تزلقها ببصرها، حتى إذا وقفت بإزائها خفضت رأسها وقالت: - سيدتي! أدام الله نعمته عليك وهناك هذه النعمة بدوامه! - هي دائمة، وما أنت والنعمة؟ - سيدتي! وقال الله ما أنا فيه من بأساة الحياة ولا كتب عليك أن تعرفي ما هي! - فلماذا أنت وأمثالك في الحياة إذا أيتها الحمقاء؟ وهل يكتب تاريخ البؤس إلا في صفحة من مثل هذا الوجه؟ - سيدتي! ألا مهلا مهلا وانظري إلي ينظر الله إليك! - قد نظر الله إليك من قبلي! - سيدتي! هبيني خادما أحسنت إليها! - فلتكوني خادمة طردتها إن بلغت أن تكوني خادما مثلنا! - يا ويلنا! ألا رحمة في قلبك فتجودي علي بما لا بأس عليك منه؟ - ولماذا أفضلك على سائر الفقراء؟ ينبغي لأن أجود عليهم جميعا إذا أنا جدت عليك، ولو فعلت لطلبت بعد ذلك من يجود علي!

стр. 18

- سيدتي! ألا فاجعليني من نصيبك في الإحسان وغيري من الفقراء له غيرك من الأغنياء، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره! - إذا فكوني أنت من نصيب غيري ودعي غيرك لي! - سيدتي! ليس فقري عن خطأ مني وليس غناك عن صواب منك، وما الرزق يا سيدتي من فضل الحيلة! - وهل أنا أريد أن أعاقبك فتنتفي من الأخطاء؟ - رحماك وأتقي الله في الإنسانية، فلعل في قصرك الباذخ كلبة جعلتها أحسن حالا مني! - حينما تصيرين مثلها فتعالي إلينا ويومئذ تعرفين كيف تطرد الكلاب!. قال "الشيخ علي": فكبر ذلك على الفتاة وانتبهت في نفسها فضيلة الفقر وحكمته، فرأت أنها تنظر من ضمير تلك السيدة في مرآة مقلوبة من مرائي الإنسانية، مهما جهدت أن تستقيم لها لم تزدها إلا مسخاً، هنالك غلبتها عيناها وانطلقت وراء دموعها ولم تجد لها عزماً. أما السيدة الكريمة- كما يقال - فابتلعت ما بقي في فمها من تلك الفلسفة، وافتر ثغرها قليلاً عن ابتسامة السخرية، وسرها أن يكون في لسانها كل هذا المنطق ... ثم أنغضت رأسها بكبرياء وقالت: "مسكينة! مسكينة! " ومرت بعد ذلك لا تلوي وما يخطر لها إلا أنها نفضت نعلها ... وسمع الله قولها إذ تجادل الفتاة وقد ربت في ثيابها من الغيظ وتنفشت كالإسفنج، فأطلق عليها دموع البائسة، وإن هذه لتأنس راحة في البكاء لم تعهدها من قبل، فانزوت إلى جانب من طريق وجعلت تبكي، ثم تبكي، ثم تبكي، حتى لو جمعت دموعها لغمرت منها، وقد جمعها الله وأرصدها من أقداره لتلك الإسفنجة وقضى ربك ألا تعصر بعد اليوم إلا دموعاً. كانت للسيدة فتاة كطلعة البدر في الرابعة عشرة، لا تصفها إلا مرآتها، وهي الدنيا مجموعة في قصرها، وكأنها في النعمة مستقبل نفسها وماضي أمها، وكانت هذه السيدة عقيماً ولكن شذت معها الطبيعة لأمر أراده الله فولدت لها الفتاة وكأنما انشق لها القمر، ولم تذكرها في نفسها إذ كانت تحول تلك المسكينة بل ذكرت خادمتها وأنفت لهذه الذكرى. ومن شؤم الغنى على أهله أن لا يذكرهم في الشر إلا بأنفسهم، ولا ينسيهم في الخير إلا أنفسهم، فلا يعلمون أن الفقر أنواع كثيرة، وأن الغنى نفسه نوع من الفقر إلى الله، وبذلك ينظرون إلى المساكين تلك النظرة التي لا تخلو من بعض معاني القضاء والقدر. كأن الألوهية درجات جعلهم الغنى في واحدة منها، فما ظنكم أيها الأغنياء برب العالمين؟ وانكفأت السيدة إلى قصرها فإذا فتلتها تنتفض من وعكة الحمى، وهي في سريرها كقلب أمها في اضطرابه والتهابه، وما تعلم من أين اتصلت بها الحمى ولكن الله يعلم، ولئن كان البعوض مما يعد في أسباب هذا المرض فلقد كان كلامها للفتاة ينفر منها كما ينفر البعوض من مستنقع ... فخرجت المرأة عن رشدها وضاقت عليها الأرض بما رحبت، ولقد تكون المصيبة جنونا وإن لم يكن من أسمائها الجنون! على أنها لم تر ملجأ من الله إلا إليه فابتدرت تدعوه! وضرب الذهول بينها وبين اللغة ومسحت من وعيها فلا تردد غير هذه الكلمات. يا رب! يا رب! ابنتي ماذا جنت؟ "مسكينة! مسكينة! "، "مسكينة! مسكينة! ". وجاء الطبيب كأنما أطلق في قنبلة مدفع ضخم ... فأسرعت إليه وهي تقول: ابنتي ابنتي أيها الطبيب "مسكينة! مسكينة! " ثم مرت أيام وبنتها مريضة وهي مريضة ببنتها، فكانت كلما نظرت إليها ملتهبة ذاوية تتخايل الموت فيها لم يجر الله على لسانها غير هذه الكلمات: آه يا ابنتي! "مسكينة! مسكينة!. قال "الشيخ علي": وضرب الدهر من ضرباته وخرجت الفتاة البائسة ذات يوم وكانت قد أصابت عملاً فتردم جانب من حالها، وبينا هي تمشي مطمئنة رفع لها شبح أسود في عرض الطريق، فجعلت تدانيه حتى حاذته، فإذا هي بسيدة الأمس وقد حال لومها، واستحال كونها، وعادت من الهم كأنها ظل منصب في سواد، وظهرت من الحزن كأنها تمثال منصوب للحداد، وهي تلوح من الذلة والانكسار كأنما مات بعضها، وكأنما كانت حياتها من الأزهار فذهب ربيعها وروضها، وبقي جذرها وأرضها! فما تبينتها الفتاة ورأت ما نزل بها حتى نفرت دموعها حزناً، ثم رفعت عينيها إلى السماء وقالت: يا رباه! "مسكينة! مسكينة! " ... كذا يضع الإنسان الكلمة لمعاني الله فيكذبه بمعانيها، ويا رب كلمة ملفوظة وفيها الله كلمة غير ملفوظة!.

стр. 19

"اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير". لؤم المال ووهم التعاسة قال "الشيخ علي": وأنت يا بني ما إن تزال تصف الدنيا بلون لا أرى كيف أسميه، فلا هو من وجوه أهل الحسد فأقول أصفر، ولا من قلوب أهل البغض فأقول أسود، ولا من صدور أهل الدم فأقول أحمر، ولا من شيء أعرفه لأنه ليس شيئاً يسمى، وعلم الله أن يهوى في جهنم سبعين خريفاً وعيناه تدوران في رأسه، لا يبصر من حيث ابتدأ إلى حيث ينتهي شراً من وجه دنياك! إنك يا بني تصور الأرض لا أرضاً ولا ماءً بل قلوباً ودموعاً، وتعرفها لا دولاً ولا أمماً بل آلاماً وحوادث، فكأن هذه الأرض العظيمة تحتاج إلى وقدتين من قلبك ومن الشمس، وإلى نعجتين من خيالك ومن الفضاء قدرين من حزنك ومن الأبد، ومن ثم فلا عجب يا بني إن كان مركز الثقل فيها على وهمين: على محورها وعلى ظهرك ... هيهات لقد أسرفت على نفسك الضعيفة وجعلت هذه الحصاة الهينة تحت مطرقة الزمن فما تزال رخواً منبعثاً مسترسلاً في اندفاق ولين، كأنك رجل من العجين، وكم تقول لي: (فلان) وجاهه عريض. ودهره المريض ... ... وانظر إلى (فلان) كيف جعله الكبر يذكر منا وينسى، وكيف أصبح من الغنى وأمسى.. ... (وفلان) كيف تمر من فرج أصابعه سفن الآمال في تيار المال، كأن يده قنطرة على نهر الأقدار، أو جسر تعبره حظوظ السماء إلى أهل هذه الدار ... ... (فلان) قبحه الله! كيف صار شيطانه في إنسانه، وطول عمره في لسانه، وكثرة ماله في قلة إحسانه ... ... (وفلان) أخزاه الله فما بر ولا نفع، بل تفرق بالحرص ما جمع وطمع في كل شيء حتى في الطمع ... ... (فلان) الذي جمع وعدد وخلقه الله واحداً وهو في الرذائل يتعدد وقد انتفخ كأنه شدق إسرافيل، وامتد كأنه يد عزرائيل، واستكبر كأنه فرعون على النيل ... ... (وفلان) وما أدراك ما فلان؟ جبل شامخ والناس في سفحه رمال، ومجد باذخ ولا مجد لمن ليس له مال، وهو في أهل الغنى الألف والباء، وإن قيل في غيره (ابن نعمة) فهو في أهل النعمة أبو الآباء، على رأس عظيم كأنه ركن الكعبة الذي يتوجه عباد الغنى إليه، وقائمة بائنة كأنها لجاه صاحبها قطعة من المحور الذي تدور هذه الأرض عليه، وهناك أنف أما في السماء فله منزلة، وأما في الأرض فعطسته زلزلة ينفض الناس من رهبته نفضاً، ويرش الوجوه من هيبته أرضاً، وكأنه في تلك الكبرياء ميزان معلق يرفع من ناحية ويخفض من ناحية، بل كأنه في ذلك الوجه القفر جحر للنحس تختبئ فيه الداهية! قال "الشيخ علي": وما أنت يا بني وهذه (الفلانات) وأمثالها؟ إن هؤلاء الناس بعض أعمال الله في أرضه، فهو يخلقهم وينشئهم ويديرهم بتعلق طائفة من الأقدار بنتائج أعماله طرداً وعكساً فما أشبههم بدابة الطاحون: تلزم دائرتها ولا تفتأ تدور إلى غير انحراف، فثم هي لعلها حين تسمع ذلك الهزيز وتلك الجعجعة تحسبها من نشيد الاحتفال بها ... فهم قوم مسخرون فرشهم الله أمراً من أمره، ويسرهم لما خلقوا له، فضربهم بالحرص والطمع ضربة جبار لو نالت السموات والأرض والجبال لأشفقن منها، وجاءهم الحرص بهذا المال، أما الطمع فجاءهم بماذا؟ جاءهم يا بني؟ لو قلت بصدإ القلب وهرم النفس ودناءة الطبع، ولو قلت بكل ما في الحشرات من القذر، وبكل ما في السباع من الضراوة، وبكل ما في الدبابات من السموم لكنت عسى أن أقارب الوصف، ولكن المعنى الذي يتلجلج في نفسي أكبر من ذلك كله. غير أني أقول لك يا هذا: إن ثلاثة من المتجاورات يفسر بعضها بعضاً: الحرص مع الطمع، ثم المال ورذائله، ثم ما في المعدة وما في الأمعاء ... أتحسب أن هذا العالم يحفل برجل من الأغنياء قد أجحف به الدهر وطحنته النوائب بأرجائها، وجاءه بعد الدنيا المؤنثة يومه المذكر، وتركته الأقدار أسود الحظ لا بيضاء ولا صفراء؟ فلم لا يعدون الغنى شيئاً دون المال ويحسبونه كل شيء مع المال؟ لعل الحقيقة أيضاً ذات وجهين في الناس ... !

стр. 20

هو المال، المال وحده لا غير، فنحن نحتاج إلى الغني صاحب المال كم نحتاج إلى بائع الملح ... وما أشبهنا في إطرائه وفي الزلفي إليه بأطفال القرية إذ يتزلفون إلى بائع الحلواء التي تلف بالعصا، وإذ هو واقف بينهم بعصاه وحلوائه كأنه الهبل الأعلى، هو- من تعلم- دسم الثوب ترب اليد، قذر التفصيل والجملة، يصلح أن يكتب على وجهه "متحف الميكروبات المصري"، ولو رآه طبيب لجعل عصا الحلواء على رأسه تفاريق، ولكن أين لا أين الطبيب في هذا الاجتماع؟ كل أطباء الاجتماع ألسنة وأقلام ومحابر، أما اليد التي تزيل المنكر أو تغيره فلا أراها تمتد إلا من جانب الأفق ولا تعمل إلا بعون من الله وملائكته، وقد انقضى عصر الأنبياء. قال "الشيخ علي": فإن لم يكن الغنى إنسانه من الناس يواسيهم ويسعدهم ويتخذ من المال سبيلاً إلى أفئدتهم بالإحسان والمساعفة، ويأخذ لنفسه بقدر ما لها ويعطي من نفسه بقدر ما عليها، وإن لم يكن وجهه مرآة الفقراء يبصرون فيها ابتسام الدهر على وجوههم العابسة، ولم يكن ذهبه عند دموع البائسين وعند أنفاس المحزونين، ولم يكن اسمه في دعوات المحتاجين وفي ألسنة الشاكرين- فقد أصبح عندي كأنه لا شخص له، بل هو شخص له لعنة من لعنات الله والملائكة والناس نفخت فيها الروح، وهي اللعنة أي منقلب تنقلب. ما أشبه المال أن يكون آلة من آلات القتل، فإنه يميت أكثر أصحابه موتاً شراُ من الموت- إلا من عصم الله- موتاً يجعل أسماءهم كأنها قائمة على ألواح من العظام النخرة، ويرسلها كل يوم إلى السماء في لعنات لا عداد لها، ثم يثبتها في التاريخ آخراً لا بأعيانها ولكن بعددها، أو كما تثبت الحكومة في كل سنة عدد البهائم التي نفقت بالطاعون ... فهذا الشخص الميت وهو بعد في الأحياء لا يبلغ في قدر نفسه على الحقيقة أكثر من مقدار حجمه من ... من.... من جيفة حمار! ... يا بني! ربما كان الرجل نبات نعمة الله لأنه سيكون حصاد نقمته، فهذه، منزلة من البؤس والخذلان يستعاذ بالله منها، وكم رأينا من أناس تخصب أبدانهم حتى ليضيق بهم الجلد كدنة وسمناً، ويكاد أحدهم ينشق مرحاً ونشاطاً، ثم لا يكون هذا الخصب الذي استمتعوا به شطراً الآخر (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلهم الأمل فسوف يعلمون) وإن خطأ كبيراً أن تقضي لفلان من (فلاناتك) بمتاع الدنيا، فإنك لا تدري أشر أريد به أم الخير، وكيف تحكم ويلك على غناه بفقرك، وعلى آماله بيأسك، وعلى شخصه بظلك، وعلى نهاره بليلك، وعلى عمره كله وهو بعد حي لم يوف عمره ولا تدري ما عسى أن يكونه فيما بقي؟ ألا دعه حتى يستنفد أيامه المكتوبة ويستوفي أنفاسه المقدرة، فلعل مصيبته قادمة في الغيب وكأن غناه مقدماتها، وعلى قوة المقدمة تقاس قوة النتيجة، فإذا مات الغني ولم يعرف في جملة عمره هماً ولا غماً يعدل بؤس الفقر مهما اشتد الفقر، فكفى حينئذ بالموت في جملة من تلك الجملة! وإنما الحياة مدة ستنقضي، فسواء انقطع الخيط من أوله أو من وسطه أو من آخره، فقد انقطع! تقول: إن لهم متاع الحياة! ولو أنصفت لقلت: إن لهم بؤسها الممتع! فإنهم يجمعون المال من طرق لا نؤتيه إلا نكداً ثم يرسلونه في طرق أخرى ليجمعوه، وهلم كما تدور دابة الطاحونة، وهب أنهم لا يألمون كما تألم فإن يد الله غمزتهم من مكان قريب غمزة مؤلمة، وما أحسب الضجر من اللذات قد خلق إلا للأغنياء وحدهم، وناهيك من بلاء يغمر النفس بالنعم صنوفاً وألواناً حتى يتنكر لها معنى النعمة فتراها وقد ثابر عليها الضجر متكرمة ولكن لا تريد الكراهية، ومتسخطة ولا ترغب في السخط، ومتألمة ولا تعرف مم ألمها، ولا تبرح دائبة تلتمس نعمة لم يخلقها الله، لتحدث منها لذة لم يعرفها الناس. ولولا هذا البلاء، وأنه ما وصفت لك، لما أصبت على الأرض غنياً كهؤلاء الوارثين: تضرب به كل لذة وجه أختها فتسلمه الواحدة إلى الأخرى ويجذبنه بكل حروف الجر، من وإلى وفي وعلى، بين الخمر والقمار أو القبر! ولو أن (ضجر اللذات) يصنع بكل الأغنياء هذا الصنع لفسد الكون، بيد أن الله أراد عمرانه فجعل في طباع أكثر الأغنياء لؤماً خاصاً، لؤماً ذهبياً يكسر من سورة هذا الضجر، كما يفثأ الماء البارد من الماء الحار حين يمتزجان.

стр. 21

فالقوم إما كريم يضجر فيسرف، وإما لئيم يضجر فيمسك، وكلاهما يحد لذته ويضجر من لذته، فهم كما هم ونحن كما نحن وكلنا سواء كما ترى، وكأن أم المصيبة حين ولدت وضعت بنتين: المصيبة التي تؤلم، والنعمة التي لا تلذ! ... وليس أشقى ممن منع السعادة وأعطي الرغبة فيها إلا الذي أعطي السعادة ومنع اللذة منها!. فلا تقل يا بني إن العصا لظهور الفقراء وحدهم، فإن هناك السوط أيضاً، وهو رتبة عالية فوق رتبة العصا، ولذلك خص بشرفها ... الأغنياء! وانظر، ويلك، هل ترى الفرق بعيداً بين الضجر من شيء لأنه موجود، وبين الضجر من ذلك الشيء لأنه غير موجود، بين عدم الشعور باللذة، وبين الشعور بعدم اللذة، بين ألم الغني الذي لا تجده أبداً إلا على شك في أنه سعيد، وبين ألم الفقير الذي لا تجده أبداً يشك في أنه تعس؟ قال "الشيخ علي": وتسألني عن التعاسة، وما هي؟ وكيف هي؟ وتريدني على أن أبتغي لك مما بين ظاهرها وحقيقتها، ألا فاعلم يا بني أن هذه الكلمة حقيقة بأن تنسي نفسها، وما أدعى أحد معرفتها إلا أنه لا يجد أحداً يعرفها، وكل شيء مجهول فما أسهله أن يكون من عم كل جاه، وما أصعبه أن يكون من جهل كل عالم، وإني لأرى الناس يأتون في وصفها بهذه السهولة ... لقد ألف هذا الإنسان من عهد القبائل في الاجتماع الأول أن يطوي العالم كله في قبيلته، ويجمع القبيلة كلها في نفسه، فيزعم أن "كل الناس" يعرفون كذا"، "وكل الخلق" يقولون كذا، وأن "الدنيا كلها" "وكل العالم" ... وعلم الله ما في الدنيا، ولا في العالم من يعرف أن يقول غيره أو هو مع غيره من ذوي جماعته إلا اثنين أو ثلاثة أو جماعة منهم، ثم بقي ذلك ميراثاً في أخبار الجهلاء وأوصافهم وفي كلام أهل المجازفة إلى اليوم!. ولكن إن شئت أن تعرف التعاسة- ولا أقول ما هي (حرسك الله) ولمن ما عملها- وإن شئت أن تسمع لها وصفاً آتياً من جانب السماء، فالتمس في دار الهموم من لم يبق له هم يحمله إذ يكون قد احتمل كل هم، فإن مثل هذا المخلوق- الذي لا تعرف أهو حي في ثيابه ميت فيما وراءها أم هو ميت في ثيابه حي فيما بعدها- متى استفرغ دمع أجفانه ومات البكاء في عينيه، خلق الله لسانه ألفاظاً كالدمع ولغة كالبكاء ومعاني هي في جملتها أوصاف التعاسة على الحقيقة! وأين تحسب واجداً هذا المخلوق الملهم المسخر الذي كأنما ينضغط بين الأرض والسماء لشدة ما يجد من حطمة هذه الدنيا- حتى تكتب من تاريخه فصلاً في ذلك المعنى، وحتى يخرج من لغة الأقدار ما يصحح لفظاً واحداً من لغة الناس؟ ألا إن الأرض لا تشهد كل يوم نبياً مثل أيوب يمتحن الله صبره امتحان الألوهية للنبوة، وإذا لم تكن تلك المصيبة رعاك الله كأنه في باب النقمة تاريخ غير إنساني، فإن بينها وبين معنى التعاسة الذي يضج الناس منه كالفرق بين رؤية السيف مسلولا على العنق وبين رؤيته على العنق. ولقد أعرف رجلا من أهل الفقر النظيف أعطى ابنته قطعة فيها عشرة غروش، وأرسلها يبتغي بها رزقا من الطعام، فأضاعتها كأنما أضاعت عقلها، فضاقت عليها الدنيا، وخيل إليها أن ليس على الأرض ما يسع طفلة ... فلم تجد لها غواثاً إلا الموت يحول بينها وبين أبيها، فجرعت من "الفنيك" جرعة كانت فيها نفسها، وابتعدت عن أبيها ولكن بُعدَ ما بين الدنيا والآخرة! فهذا مثال مما يجلب الضعفاء على أنفسهم من التعاسة: تموت الفتاة: وتسير الجنازة، ويفتح القبر لعشرة غروش ... ويحدث في العالم هذا الفراغ، وتخرج الدنيا إحدى عجائب التعاسة ويشهد الناس ذلك المنظر القاتل، وكل هذا لعشرة غروش ... ويقع للفتاة أمران أهونهما الموت، وأصعبهما الذي لا يحتمل ضياع عشرة غروش..! وما عشرة غروش يا بني؟ إنها قوت حمار في يوم أو يومين، ونشوة سكير في ساعة أو ساعتين، ولذة فاسق في لحظة أو لحظتين، ولعنة الله على غني في نفس من حياته أو نفسين! ولكن يعلم الله كيف كانت في نفس تلك المسكينة من غلظة أبيها وقسوته وما خشيت من بادرته وما حسبت من إنضغاته عليها، وكيف استحالت هذه القطعة تاريخا طويلا من الوساوس والأوهام حين أضاعتها، فالناس ناس لولا الوهم، وكان الوهم وهما لولا الناس!

стр. 22

ولعمري ما الذي يجعل الفرد جبانا في لقاء الحوادث حتى يخاف الحياة فيعوذ بالموت، ويضرب ما أقبل من الدنيا بالذي هو مدبر، أو يخشى الموت فيتعذب بالحياة ما أدبر منها وما أقبل؟ أما إن ذلك ليس من فقر ولا غنى، ولكنه حرص على الحياة يخالط بعض الأنفس ويستمكن منها حالة بعد حالة، فإذا هو انقلب في آخرة الأمر خوفا من الموت، ثم لا يزال يحور وينمي وهو ذلك يخلع القلب من الإيمان الذي يربط عليه واليقين الذي يثبت به، حتى يبلغ بعد حين أن يكون خوفا من الموت، ورجع الخوف من الموت مع ذلك البلاء خوفا من الحياة، فهذه أصلحك الله حالة من الجنون تستلب العقل، وسواء من أصيب بها ومن خولط في عقله، وليس معها هؤلاء الضعفاء كما يشهدون على أنفسهم إلا موت الجبن الذي يسمى انتحارا، أو حياة الجبن التي تسمى ذلا. ولخير للمرء أن يكون حمارا من صنعة الله وتعرفه الحمير، من أن يكون حماراً من صنعة نفسه وتنكره الناس.... إن لنا على هذه الأرض حياة واحدة علم أهل العلم إنها حقيقة مسرعة بين أوهام، فهي ما تبرح تجاهد كل شيء ولا تثبت أطول من مدة جهادها إلى أمد غايته أرذل العمر، وعرف أهل الجهل أنها تتقدم إلى الموت وأن الموت يتقدم إليها فهما لا بد ملتقيان. لا العلم ولا الجهل يرتاب أو يشك في الموت. ولا الفقر ولا الغنى، ولا الصحة ولا المرض ولا شيء عن خصائص الأحياء، لأنه ليس على الأرض حي قديم ... ولكن العالم والجاهل، والفقير والغني، والصحيح والمريض، كل هؤلاء يخافون الموت ويحرصون على الحياة إلا قليلا منهم، فليتهم علموا أن النفس روحية وأنها تألم لهذا الخوف ولا تقار عليه، إذ هي لا تعرف الموت لأنها خالدة، ولكنها تعرف الألم لأنها في غير دار الخلود، ومعنى ذلك أن الإنسان يخاف الموت، فيصل الخوف بالنفس، فتردها إلى حوادث الحياة فتخفيه هذه الحوادث فيذله هذا الخوف، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت. ونحن إنما ننصب الحبالة ثم نرتبك فيها ونضطرب فيها فكأننا لا نصيد إلا من أنفسنا، إذ لسنا نجهل أن للنفس حظا ليس للجسد، وأن الفارس لا يربط في الإصطبل وإن كان جواده فيه، غير أننا مع ذلك نحاول أن نغدو النفس من اللذة الجسمية، وأن نعلف الفرس والفارس من طعام واحد ... فهذا التناقض الذي نسيء به إلى أنفسنا هو الذي يجعل النفس خائفة من الحياة إذ لا تجد فيها غير ألم التعبد للأهواء والشهوات، ولا يصيب من الحياة إلا ما تستذم به الحياة إليها، فلا يكون من ذلك إلا أن تسيء إلينا هذه النفوس بتناقض آخر، فربما كان الرجل في النعمة السابغة قد أينعت خضراؤها ثم هو لا يشعر منها إلا ما يشعر من المصيبة الماحقة، ومتى فزعت النفس من الحياة كما عرفت فلا هناءة على ذلك الفزع، ولا تكون الحياة من ثم إلا موتا مستمرا أو خوفا من الموت لا ينقطع. قال "الشيخ علي": يا بني إن الحرص جبن، والجبن ذل، والذل استعباد، وما يدخل من هذه الأبواب إلا الشر، فكن حرا من الأهواء كما خلقت وكما خلقت الحرية التي لا قيد لها من رذائل الدنيا، فإنك لن تراع ولن تعرف مما يسميه الناس تعاسة أكثر مما تعرف مما يسمونه سعادة، ولن تجد في مصائب الحياة ما يموت دونه الصبر الجميل، فإن عمر هذا الصبر أطول أبدا من عمر الصابرين! لذلك لا يغضب الفيلسوف ولا يخاف الشجاع، ولا يبخل الكريم، ويذل الأنوف، ولا ينافق الرجل الحر، ولا يكذب الرجل الشريف، وإنما هذه مظاهر محدودة من حرية النفس، فكيف بالنفس إذا كانت حرة من كل أقطارها؟ وقديماً علم الناس أن من لا يبالي بشهوات جسمه هو الذي يستريح وداعا ويتعب التعب في البحث عنه، وما علمت ولا علم الحكماء والأطباء غذاء تسمن عليه المصائب والأحزان إلا الحرص على الشهوات!

стр. 23

وليت شعري ما هي هذه الشهوات؟ أما إنها في الحقيقة نزعات طبيعية لا بد منها بمقدار، لأن الطبيعة الإنسانية تعالج نفسها بما يعينها على البقاء وما يجعلها صالحة له على الوجه الأفضل، فهي تغري الإنسان مرة وتؤلمه مرة، وكل ذلك ليجلب لها أو يدفع عنها. فما تسميه لذة من لذات الجسم إنما هو علاج طبيعي من ألم طبيعي لا أكثر ولا أقل ... كالأكل مثلا: فما كانت الطبيعة لتغري به هذا الإغراء حتى فات عند أكثر الناس حد اللذة لولا أن الجوع انحلال في الجسم، فإن هو أسرف عليه أو استمر به أوقع الفساد فيه وركبه بالعف علة بعد علة. غير أن الإنسان بما فيه من شبه البهيمة ينجذب إلى طبع البهيمة غالبا، ونسي أن للبهائم وازعا طبيعيا وهو فضيلتها الخاصة بها، فأقبل يرتع ما شاء، وجد به الحرص بمقدار ما يطمع فيه، وغلبه الطمع على بصيرته، فلا يكون في إنسانيته إلا بهيمة تتخيل وتتفنن ما لا يتفنن إنسان ولا بهيمة، وما تجد من مستهتر بالشهوات إلا وجدته من أجل ذلك راضيا مغتبطا يتمنى لو أنه في هذه الشهوات بهيمة البهائم كافة!.... أف لهذه الدنيا! يحبها من يخاف عليها، ومتى خاف عليها خاف منها، فهو يشقى بها ويشقى لها، ومثل هذا لا يكاد يطالع وجه حادثة من حوادث الدهر إلا خيل إليه أن التعاسة قد تركت الناس جميعا وأقبلت عليه وحده، ولولا الخوف يزلزل قلبه لأدرك الفرق بين النسمة والعاصفة، وعلم أن اللفظة لا يلزم منها أن تخلق معناها، وأن ليس كل ما نسميه تعاسة يكون في حقيقته من التعاسة. وترى الواحد من هؤلاء لا يزال يلوك لسانه في كلمات من التأميل والسخط والألم والنفرة وغبرها من مما هو من لغة الحرص على الحياة، فهو على الأرض وكأنه يعيش في سحابة تجري بها الريح، ولعمري كيف تهنأ الحياة مثل هذا إلا إذا كانت أديم الأرض من ورق الزهر، وكانت مزابل هذه الدنيا رياضا غناء، وعدت الطيور الجميلة من كلاب هذه المزابل ... ؟ كذلك لا يسعد أكثر الناس بالحياة ولكنهم يشقون بالحياة والموت، ومن ثم ظلموا التعاسة فجعلوها أصغر مما هي، كما ظلموا السعادة فتوهموها أكبر مما تكون. قال "الشيخ علي": واعلم يا بني أن القدر وإن كان من السماء ولكن تاريخه ثابت في الأرض، وما كانت المصائب جديدة في الحياة وهذه المحابر التي كتب منها تاريخ الإنسان لا تزال كما كانت من قبل تشرق بالدماء والدموع، ولا يزال الدهر يمد منها ولا يزال يكتب منن هذا المداد، فمم يخاف هذا الإنسان الجديد وليس فيما ينزل به إلا ما نزل بمن قبله، وما هو بخالد ولا بمتروك لما يحاوله، ولقد علم يقينا أن الله لم يخلق فيما خلق مقراضاً يقلم أظفار الموت؟ يريد من قدر الله زلالا صافيا كأنه ماء مرشح يصب من حياته في كأس من البلور ... ! ويبتغي أن يكون في الأرض تاريخا جديدا سلسا منقحا ليس فيه شيء من تلك الألفاظ الجافية في نبوها وخشونتها، ألفاظ التخريب والتدمير والتقتيل والجوع والمرض والأحزان والهموم ونحوها. فأما أن يكون من ذلك التاريخ القديم الذي تمليه قدرة الله على الطبيعة، ثم لا يكون إلا كالطبيعة نفسها في النظم والنسق ولا يجيء الإنسان الجديد فيه إلا طباقا أو ناسخا أو منسوخا، فهذا موضع النفرة ومكان الأذاة ومنه مثار الهم وإليه مسرب الدموع، وذلك والله معنى إن لم تنشأ منه تعاسة الإنسان فهو على كل من تعاسته. الإنسان كله يا بني منطو في رأسه، وما هذا الجسم إلا أداة، منه ما يحمل الرأس، ومنها ما يحمل عنه، فالجسم دابة من الدواب لا أكثر ولا أقل، والرؤوس لا يمكن أن توزن بميزان حتى يعلم فرق ما بين رأس ورأس آخر، فالإنسان مختبئ محجب، وكأنه لا يزال منه جزء عند الله فما ينفك يجد من نفسه ما يبعثه على النزوع إلى الغيب والفكر في المستقبل لأن هذا المستقبل تمام له، ولا يبرح يشعر بالحياة شعور المتألم أو المتعب أو المكدود أو المغيظ أو المفزع أو أي ما يكون من أشباهها، لأن هذا الحاضر غير تام به ولا كامل معه، وليس ذلك بعجيب، ولا من العجيب أن يألم الإنسان لحياته، ألا يرى أنه في جسم لا راحة للروح إلا بعد تحطيمه؟

стр. 24

ومن ههنا تفاوت الناس، فمنهم من تراه كأنه يحاول أن يكشف عن جزئه الذي في الغيب ويصل بينه وبين حاضره، فيتوهم في الحياة ما ليس فيها ويسخرها لأوهامه باطلا، ومنهم من يقبل على شأنه ويأخذ الحاضر بما فيه ويعرف أنه حي ولكن على شروط لا بد منها للحياة. فأما الجاهل الأحمق المخدوع فكأنما يرى في مرآة خياله الغيب كله، أو ما يظنه الغيب كله، فلا يعدو أن يسترسل في ظنونه وأوهامه استرسالا أشبه بالأبد الذي لا حد له، ومن ثم لا يرضيه شيء ما دام في هذه الحياة شيء لا يرضيه، ولا يقنعه شيء ما دام في الدنيا شيء لا يناله، وكل مصيبة يخشاها أو يتوقعها فكأنما هي نازلة به أو قد نزلت، وعنده أن كل ما يمكن أن يكون ينبغي أن يكون، وما هو جائز فليس ما يمنع أن يكون واجبا، وما قيل أنه غير جائز فهو غير مستحيل، وما الذي يمنع أن تخسف به الأرض أو تقع عليه السماء، أو ينحدر إليه رجم من الشهب، أو ينتهك حجاب قلبه، أو يسل البلاء خيط عظامه أو يخالط خوفه كل داء دوي، ثم ما شئت من أو بعد أو.. إلى أبعد حد مما انتهى إليه أهل الفقر في الفقر وأهل الأمراض في الأمراض وأهل الأحزان في الأحزان وأهل المصائب في المصائب، فيذهب العمر باطلا بالذي عليه والذي له، ويجني هذا الإنسان على نفسه من أثر الخوف والطمع ما لا يستقبله أبد الدهر، فلا يهنأ بموجود، ولا يطمئن إلى مرجو، ولا تكون آماله إلا مخاوف مستبهمة لا مأتى لها من الحقيقة، فيجد روح التعاسة في أشياء كثيرة ولا يكاد يصيب العزاء في شيء قليل! وهنا يا بني الحفرة التي يقبر فيها بعض الأحياء ليعيشوا عيشة وهمية، أو ليموتوا موتا وهميا، تلك الحفرة التي يقضي الأحمق شطرا من عمره واثبا في الأوهام بيت شاطئ الدنيا والآخرة حتى إذا انتهى إليها تردى فيها وكان الرأي لو ادخر لها بعض تلك الوثبات.... وأما الحكيم الذي يعرف الحياة كما يمكن أن تكون، ويعرف أن كل حي من الناس فإنما هو حي على شروط لواهب الحياة، ثم للحياة نفسها، ثم لأهل الحياة فهو أدرى بالمصائب من ذلك الأحمق، ولكنه لا يثيرها ولا يبحث عنها ولا يمتلق لها العلل من نفسه ولا يعترضها في غيره، وما نزل منها فإنه يفتح لها من قلبه سبيلا تمر فيه بين العزيمة والجرأة، وإلا فبين الثبات والصبر، وإلا فبين التوكل والإيمان، وما أهون مصيبة تفتح لانصرافها ثلاث طرق واسعة! وهذا الحكيم يجد في محنته لذة تشبه لذة الدرس لمن همه الحكمة واختبار الأشياء ومعاناة خواصها وأسرارها، كأنه في مصائبه في معمل للتجربة والاختراع، فإنما هو يتلقى عن الله ما لا يصيبه إلا هو، وما لا يصرفه عنه إلا هو، وإنما يستعمل رأسه للفهم لا للوهم، وهو يعرف أن علم الله أزلي يسع الأزل كله، وأن الأقدار من علم الله فهي مقسومة على الدهر كله، وأنه هو في جانب الدهر لا يبلغ أن يناله ما تنال الشرارة من ماء البحر إذا انطفأت في البحر. هذا الحكيم يعرف أن الحياة ليست هي الانتهاء إلى الموت على أي وجه، ولا هي بالهرب من الموت في كل وجه، فهو لا يبالي الموت ولا يخافه، ولا يعبأ بالحياة ولا يرجوها، ولكنه يمشي على صراط من فضائله، وعلى نور من ربه فما دامت فضيلته لا تنكره، وما دام قلبه مطمئنا، بالإيمان، فكل ما بين الأرض والسماء، بين الآخرة والأولى، وهو مادة العزيمة في نفسه، ومادة القوة في روحه، ومادة الابتسام على شفتيه! فإن نزل به هم وأدركه خور الطبيعة وضعف الإنسانية فلم يستطع أن يخلص منه، صرفه إلى جهة غير جهته، واستخرج منه معنى غير معناه، وقابل بين راحة الرضا به وتعب السخط عليه، ونظر في مبلغ شره وما عسى أن يكون حاله لو نزل به ما هو شرمنه، وجمع بين الدعاء لله أن يصرف عن ما وقع، وبين الحمد لله على وقايته مما كان يمكن أن يقع، ثم لا يزال يعالج الهم مستأنياً ربيطاً جأشه تثوب إليه القدرة على نفسه فتسكن إليه النفس من نفرتها وحتى يرى هذا الهم كأنه مما لابد منه في رياضة أخلاقه، وتنزيه شمائله، وكأن صدع الجانب الذي بينه وبين الناس أو بينه وبين نفسه إنما لتقوية الجانب الذي بينه وبين الله.

стр. 25

وأشقى الناس من يتوقع الشقاء وهو لا يعلم من حاضره ما الله صانع به، ولا من مستقبله ما الله قاض فيه، وكأنه يتظنى بالله فيرى أنه تعالى قد وكله إلى نفسه وأيأسه من رحمته وصرف عنه تيار الغيب المتدفع بالحوادث والأقدار بين شاطئ الليل والنهار، فلا يدفع إليه جديدا ولا يصرف عنه قديما وكأن الزمن كله يتحرك وهو ثابت قار قد حصره الهم من هذا الفلك في زاوية، ووضعه الدهر من بين الأحزان موضع القافية، والمصيبة في مثل هذا أكبر من كل شيء لأنها لا شيء ... ولا ينفع المرء أنه من الناس إذا لم يكن من نفسه، وهذا لا نفس له أن كأنه لا نفس له، إذ لا ثقة به ولا قوة فيه، ولو كان وجهه جلدة مما بين عيني الأسد لما ظهر إلا جبانا، ولو اختلط الحاضر بالمستقبل على شيء لما اجتمع منهما ما يجتمع من غضون جبهته في تعاسته التي يظن أنه خص بها، فهو يتوهم الخوف، ثم يخاف مما يتوهم، ثم يخاف أن يكون الأمر أكبر مما توهم، ثم يخيفه أن تخذله الأقدار فلا يقوى على ذلك، ثم يكون أشد خوفه من أن يستمر ذلك ... فمن خوف إلى خوف، وهو تتابع يصور الرعدة التي تعتريه لجبنه كما يصور ضحك القهقهة من هذا الجبن. وذلك يا بني ضرب من ضروب استحالة النفس، كأنه ليست في صاحبها أو ليست له، فهو يمر على الحقائق فزعا كما يمر الطائر على الأخيلة التي تنصب له على الثمر، ويجزع منه كما يجزع الطفل من أرواح المردة والشياطين التي تسكن ألفاظ التهويل ونحوها يفزع به، ثم هو من المصيبة الواحدة في مصيبتين: إما الأولى فشدة الخوف التي تفقده لذة ما يكون فيه من النعم، والنعم لا حصر لها فلا يشتهيها، ولا يجد لها مساغاً بعد أن لبسه مرض الهم، وأما الثانية فقوة اليأس التي تضعف قدرتها على الحيلة للخلاص مما نزل به، فكأنما شد عزمه وثاقا، ثم لا يكون من اجتماع المصائب الثلاث معا ألا يورثنه الذل وسقوط الهمة وتخلخل الفؤاد واضطراب النفس، حتى كأنه من هذه الوساوس بين جدران وثيقة محكمة لا نافذة منها على فضاء الغيب، والغيب ملء الأبد، فيصبح جلدا بلا جلادة، وعظما أوهنت منه البلادة، ورجلا لو أطاعته كل قوة في الدنيا لما أطاعته الإرادة، وصنما من أصنام الحياة يعرفه العاقل للتحطيم ويحسبه الجاهل للعبادة ... وهم الحياة والسعادة قال" الشيخ علي": ولقد عرفنا الحياة ما هي، لأننا أمثلة عليها، ولكن البحث في معنى هذه الحياة لم ينته بعد، لأن هذا المعنى لا يزال كما كان فوق السموات، ولو استطاع الكاتبون من أهل العلم أن يخطوا في كتبهم بمداد من أضواء النجوم التي يسكبها الخلود كل ليلة على الأرض ملء محبرة الليل، لكان عسى أن تستنير مباحثهم في ظلمات الحياة، وأنى لهم ذلك وليس وراء النفس الإنسانية إلا الذي هو وراء السماء، ولا وراء السماء إلا الذي هو وراء النفس؟ ألا فاعلم يا بني أنه ما دام هؤلاء العلماء يتعاقبون على تفسير المعاني الإلهية ولم ينتهوا بعد، فمعنى ذلك عندنا نحن الجهلاء أنهم لم يبدأوا بعد ... وما مر الحياة؟ أما إنها ليست طريقا مسافته كذا، ولا قياسا ذرعه كذا، ولا وزنا مبلغه كذا، كذا، ولا شيئا من هذه المعاني التي تضرب الأقلام والألسنة في مفاصلها، بل هي فيما وراء ذلك من عال إلى بعيد إلى غامض إلى مبهم، حتى تنتهي إلى منبع النور الذي تلتطم على ساحله موجة الأبد. وإن أبيت إلا هو دون ذلك وضوحا وانكشافا في التأويل فقل إنها في كلمة واحدة: فتح السماء بفكرة واحدة. ولتدعني يا بني من لغة هذه الكتب، فإنها متى انتهت إلى السماء رايتها أكثر ما تراها ألفاظا لا معنى، إذ ليس هناك من جلال الله إلا ما يشبه أن يكون معنى لا ألفاظ له. ودعني أحدثك عن الحياة بما أفهمه، أنا الرجل الطبيعي من فلق الصبح ومن روعة الشمس، ومن إقبال الليل وإدباره، وبما أعرفه من هذه اللغة التي تنزل بها السماء ما يتصل بنا من معانيها، لغة القضاء حين يسأل ولغة القدر حين يجيب، وبما استوحيه من معاني هذه الإشارات التي تتحرك بها جوارح الطبيعة، وهي مزيج من لغة البقاء الأرضي الذي يريد أن ينتهي ولغة الخلود السماوي الذي يريد أن لا يفنى، فالحياة يا شاعري العزيز لا تخرج من الدواة ولا تقطر من القلم، بل أنا أحسب هذا المداد الكثير الذي أراقه عليها الناس هو الذي جعلها كما يقول الناس سوداء ...

стр. 26

ولا يكفي أن بعلم الرجل كيف يسوق المقدمات وكيف يحسن القياس وكيف يخرج معنى من معنى حتى تكون النتيجة على ما توهم والحقيقة على ما يقيس والصواب كما يستخرج. وفي علم الحياة خاصة وهو العلم الذي لا مادة له إلا من الحوادث، أن بناء من المنطق لا يتخذه بيتا إلا ساكن من الخيالات ... ولست أعرف الناس قد غالوا بشيء قط مغالاتهم في قيمة هذه الحياة، فقد والله استجمعوا لها كل ما في الرغبة من الحرص، وكل ما في الخوف من الحذر، وكل ما في الأمل من الترقب، وكل ما في الحب من الخيال، واستجمعوا فوق ذلك تلك المعاني التي لا قرار لها في الأرض ولا في السماء: معاني النظرات الوهمية التي يرسلها المخلوق من أرضه إلى عرش الله، كأنه لا يجرؤ على أن يشك في نهاية الحياة إذ هي تنتهي على أعين الناس، ولا أن يجزم بهذه النهاية إذ هو لا يريد الموت وكأن الحياة لا تكفيه. وما دام للحياة غد يرتقب، وهو الذي يسمونه المستقبل، فكل وهم يسهل على الحياة أن تهلكه أو تمرضه أو تضعف منه، إلا تلك المغالاة الممقوتة، فإنها أبدا في خصب وعافية ما بقي لها غذاء من ذلك المستقبل المحبوب. قال " الشيخ علي": وأنت إذا سألت رجلا هن مسألة فسدد الجواب وأحكم الصواب، قلت: هذا جواب يحسن السكوت عليه، ولكنك إذا سألتني أنا: ما هي الحياة كما يفهم الناس؟ قلت لك: هذا سؤال يحسن السكوت عليه.. لأن اللغة هي التي أسمتها الحياة واستخرجت لهذا الاسم العذب معانيه من أوهام الأحياء، وكم فيما وراء السماء من معان تملأ الأبد ولعلها لا تملأ سطا أو سطرين في معاجم اللغة! ولكن دع هذا وسلني: ما هو الزمن الذي يقضيه الإنسان من يوم يولد فلا يقدر أن يرفض هذه الدنيا إلى يوم يموت فلا تستطيع هذه الدنيا إلا أن ترفضه؟ وما هو هذا المهد الذي يكبر شيئا فشيئا حتى ينتهي إلى الفراغ فيغيب فيه؟ وما هي هذه الحوادث التي تزلزل الناس في طريق القدر حتى يخروا على وجوههم فتتحول أجسامهم في الأرض إلى تراب في طريق المنفعة، ويتحول تاريخهم ترابا على طريق الموعظة؟ ... ... سلني كذلك يا بني أجبك: هذا الفناء المحتوم وهذا الشقاء المقضي، وهذا الأمل الباطل، وهذا النسب الضائع، وهذا العمل الذي لا يراد لنفسه ولكن لما بعده، كل ذلك هو الحياة، أفلا ترنا نخادع أنفسنا إذا سألنا عن الحقيقة التي يسوؤنا أن نعرفها فنحرف السؤال إلى جهة بعيدة لكيلا نرى الجواب الصحيح مقبلا علينا ولكن مدبراً عنا؟ فما عسى أن تكون هذه الآمال، وهذه المنافسات، وهذا النزاع، وهذا الصراع، وهذه الأفراح، وهذه الأتراح، وكل ما إلى ذلك مما هو مدلول الحياة، إلا باطلا نستمتع به قليلا ثم يظهر أنه متاع الغرور؟ ما عسى أن تكون الحياة بكل ما فيها إلا مدة محدودة على ظهر الأرض تجعلها أوهام الإنسان ومطامعه وحماقته وجهله وكبريائه كأنها الأبد كله، فيكيد ويكيد، ويعمل ويدخر، ويهنأ ويحزن، ويطمع ويحرص، على نسبة من ذلك لا من نفسه، أي نسبة أبدية لا إنسانية. ألا إنما مثل هذا الإنسان المغرور مثل رجل جمع الله عليه المصيبتين في باصرته وبصيرته، فضل في مكان، فهو يقبل ويدبر في دائرة من فضاء الأرض لا يهتدي إلى الوجه ولا يذهب على السمت، فيتوهم أن الطريق لا ينتهي وأنه وقع في صحراء لم تدرسها عكازته ... وليست من علم رجليه في جغرافية هذه المسكونة ... وكما لا تكون الطرق عند هذا الأعمى إلا عن علم رجليه، فأكثر طرق الحياة عند هؤلاء المغفلين الذين يطمس الله على بصائرهم هي من علم بطونهم، وما أدراك ما علم بطونهم ... ! وما رأت الحكماء أحدا قط جهل حقيقة معنى الحياة إلا وجدوا هذه الحقيقة في بطنه.... ولذلك قالوا: من كانت همته ما يدخل جوفه كانت قيمته ما يخرج منه ... وإنما البطن جوع فشبع وشبع فجوع، وعلى هذا القياس لا تكون حياة هؤلاء إلا جوعا في الشهوات والآمال، فلا يطفئه إلا ما يسعره، ولا يجلب الراحة فيه إلا ما لا بد أن يرجع التعب به، جوع في الشهوات والآمال بالعقل لا بالبطن، لأن علم الحياة عندهم علم بالبطن لا بالعقل، وكلاهما مثلة بهذا الإنسان، ويالله كيف يريد الإنسان أن يحيا كما يحب ثم يحب ما لا يتفق مع سنن الحياة؟

стр. 27

من أجل ذلك شقي أكثر الناس بالعقل، غذ يقبلون به الأمور، ويحتالون منه الحيل، ويكرهونه أن يعمل على السخرة في لذة الجسم، يحضرونه من هم الشهوات الحيوانية ما لا قبل لهذا الروح الإلهي أن يستلب فيه، وإذ يخضعونه بدلا من أن يخضعوا له، ويسيرون به بدلا من أن يسير بهم، فكان من ذلك طغيان الحواس وطمسها على الروح، وتعفيتها على آثارها الإنسانية، ولا جرم كان من وراء ذلك طغيان هذه الفوضى المترامية في الاجتماع وانبثاقها بالشر من كل ناحية، وتداخلت حدود المطامع بعضها في بعض فصار الناس كالأمواج: لا تقوم القائمة إلا من سقوط الساقطة. وكان الناس يتعلمون كيف يسبحون في بحر الدموع ليأمنوا الغرق فيه وليستنقذوا الغرقى منه، فجدت بهم الحوادث حتى تعلموا القتال عليه وصار من لم يستطع أن ينقد نفسه يجتهد في أن يغرق غيره. الإنسان حيوان لولا العقل، فلما أخضع لشهواته العقل صار إنسانا لا حد له في الحيوانية، فهو من هذه الجهة لا إنسان ولا حيوان وإن كان الشيطان مطرودا من رحمة الله فخير ما يقال في هذا الإنسان إنه شيطان فيه موضع للرحمة! ... وقد خلق الله هذه الحواس ولا ضابط لها إلا العقل يحكم تحديدها ويتولى تسديدها، ويستعين في أمرها بكل على كل، ومن ثم يستقيم من هذا الإنسان شيء معقول، ويصبح قد ضربت عليه الحدود لا يتعداها، ورسمت له دائرة في الإنسانية لا يجاوزها، فيقر كل امرئ في حيزه وقد صار عنده من الناس وعند الناس منه وثائق من العقل وبينات من الحق إذا هو حاكم إليهم ضلالة منهم أو حاكموا إليه ضلالة منه وهناك يرى كل عمل طيب ثواب نفسه، لأنه هو من فضائله كأنه شريعة لنفسه، ومتى كان العمل الطيب مما يجزئ في ثوابه عند الرجل من الناس أنه عمل طيب، فقد أصبح ولا غرو من سعادته، إذ لو لم يجد به سعادة لما لقي منه ثوابا، وبذلك، بذلك وحده من دون كل الوسائل الأخرى تصبح السعادة عمل من الأعمال يمكن أن يمارسه الإنسان فيسعد ما شاء الله أن يسعد، ثم تكون الحياة على ذلك واجبات يقضيها، فإن تحققت أو لم تتحقق فإما دخلت على نفسه بسرورها وإما خرج منها بعذره وقد أبلى عذرا. ومتى صارت حياة رجل من الناس إلى أن تكون واجبات يتنجزها ويستقضيها من نفسه، فما لشهوات البدن موضع إلا كموضع النار من يدي المصطلي: لا يراد منه إلا حرا، ولا يراد من حرها إلا قدر معلوم، ولا يبتغي هذا القدر إلا مدة بعينها، ولا تكون هذه المدة إلا بمقدار ما يصلح أو يدفع الأذى، لأسرف في كل ذلك ولا هوان ولا مضيعة. قال "الشيخ علي": ولكن كل شر العالم يا بني في لفظ واحد: هو طغيان الحواس، وبمعنى واحد: هو إذلال العقل، ولغرض واحد: هو هذا الموت الأدبي الذي يسميه المغفلون سعادة الحياة. منذ طغت الحواس أصبحت الحدود بين مطالب الإنسان من فضائله إلى رذائله ولا أثر لها، لأن الشاطئ لا يعرف تحت السيل إذا طم عليه، فما أنت ولا أنا ولا أحد يدري ما هو حد الكفاية في رغبات هذا الإنسان وأهوائه، بل صارت هذه الكفاية وما ينطوي تحتها من ألفاظ القصد والقناعة والرضا وما إليها ألفاظا خيالية يساير ظلها ظل الإنسان، فلا حد لها ما دام هو لا يثبت لنفسه حداً، ولا تتأخر ما دام هو يتقدم، وأصبح أكثر الناس في رغباتهم الخيالية وما يعملون لها مدى الحياة كرجل ائتلى أن يخط دائرة مركزها ليس في محيطها، فكلما رسم دائرة رأى مركزها في داخلها، فيجتاز به وراء المحيط ثم يدير يده فإذا واحدة أخرى تقاطع الأولى ولم يصنع شيئاً صحيحاً مما يحاوله، ولا هو يرى من عمله شيئا صحيحاً، وما بقي من الأرض فضاء لم يخط عليه بعد، فهناك ... هناك يرى هذا الأحمق الدائرة المتوهمة التي يخرج مركزها عن محيطها. من هذا ونحوه أصبحت السعادة وهما من الأوهام، إن لم تعد في إشباع العواطف وتغذية الشعور، وليست في موضعها الذي هو بين الضمير والعقل ولكنها في إشباع جسد لا يشبع ما دام حيا، وفي تغذية حاسة لا يزيدها الغذاء إلا شراهة وضراوة، فلن تكتفي إلا إذا بطلت، وفي موضع مجهول بين هذه الحواس لا حد له إلا كالحد بين ما يجد المعدم وما يتمنى، فالسعادة على ذلك هي دائما في الاستعداد للسعادة ... وكفى بهذا عبثاً.

стр. 28

ولعمري ماذا تكون الحياة، بل كيف تكون؟ أليس يعلم الإنسان أنه سائر إلى الموت، ويعلم كذلك أنه طالب ما لا يموت؟ فلا جرم كان شعوره بهذا التناقض مؤلما، وكان هذا الألم هو منشأة الهموم التي لا تدعه لنفسه ولا تدع نفسه له، وكانت حقيقة هذه الهموم التي يجمعها كلها هي شعور الإنسان شعورا فطريا جرى منه مجرى العادة بالمنازعاة بين ما يطلب هو في الحياة وبين الحقيقة التي تطلبه هو من الحياة، أي الموت، ومن ثم يضطرب كيانه العقلي. فيؤثر كل شيء في نفس هذا الإنسان تأثيرا أكبر من حقيقته، لأن حقيقة هذا الإنسان لم تعد في نفسه، بل في مطامعه، فهو يا بني كالوعاء المثقوب: تصب فيه البحر ولا يزال فارغاً! والحياة عنده هي طلب الحياة، وكفى بهذا عبثاً! ولا تحسبن أنه لا يبالي بما مضى من عمره، بل هو يستشعر فوق ذلك الخوف من أن يكون الذي مضى هو أكثر العمر وأطيبه، ولذلك لا يبرح شقيا بما يحاول، إذ يحاول أن يجمع طيبات الحياة ويستحوذ عليها في القليل من عمره، ليستمتع بها فيما وراء ذلك، كأن الحياة التي قوامها من الغذاء لا تفارق الإنسان ما دام الغذاء في بيته، وكأن الله يبيع المستقبل لمن اجتمع له من الدنيا ما يتوهم أنه يقوم ثمنا للمستقبل..... لا يبرح هذا الإنسان شقيا، وهو أبدا من الهم والغيظ والتوقد واشتعال الأمل والاضطراب في أسباب الحياة كالسكة المحماة: يحسب ذلك من نفسه قوة وفضلا وسعة في الحيلة، ولا يدري أن هذه النار المشبوبة في صدره تقطع منه أكثر مما تقطع به، وأنها كما تعطيه قوة المضي في هنات الحياة وهيناتها، تعطي الأقدار الصلبة مثل هذه القوة عليه، فلا تكاد تصدمه من أي قطاره حتى يتثلم ويتفلل. وهل تحسب مثل هذا يكون عداده في أهل السعادة، وهو من الحرص على الحياة يكاد يشم تراب قبره في كل حادثة تلم به، ولا يزال يصلب على كل باب من أبواب الأيام حتى يفتحها الصباح وحين يغلقها الليل، ويرمي بالنبل المسموم من فضوح الدنيا وشهوات النفس الدنيئة، ويقتل ضميره كل يوم قتلة الكذب والغدر والإثم، لأن ذلك من وسائل الحياة التي تبسط عليه الدنيا؟ وما ظنك بسعادة أولها حب النفس وآخرها بغض الناس، ومن مقدمتها منازعة الفرد للمجموع، ومن نتائجها منازعة المجموع للفرد، ومن مبدئها درس الشر علما، ومن غايتها مزاولة الخبث عملا، ولها اسم السعادة وفيها معنى الشقاء، ومن شروطها على صاحبها أنها لا تمتعه إلا بما يمله، ولا تتبرج فيه إلا فيما لا يناله، ولا تظهر للناس أبدا إلا ليروا فيه رذيلة من الرذائل، ثم لا تكون مع ذلك كالفقر في موضعها: هذا توازن بين نعم السماء التي تنزل على الضمير وبين هموم الأرض، وتلك توازن بين هموم السماء التي تنزل على الضمير وبين نعم الأرض، وآخر أمرها أن لا يعرفها صاحبها إلا على الضد مما يعرفها الناس: فهم يسمعون لها الأصوات العالية من الأمر والنهي والجاه وما إليها، وهو يعلم أن هذه الأصوات لم تخرج منها إلا لأنها كبيرة فارغة..... قال "الشيخ علي": وبذلك يا بني خسر الناس لذة الحياة، فلا أدري أهم بشر أم آلهة، لأني أرى كل حي كأنما يريد أن يردم صدعا في الكون، وأن يصلح من هذه الدنيا ونظامه ما لم يصلح له، ولماذا؟ ... لأن الدينار الواحد نواة ذهبية، ولكن هذه النواة لا تخرج لكل إنسان نخلة من الذهب.... ولماذا أيضا؟ ... ولأن هذه النخلة حين تؤتي أكلها لا يكون إلا مراً! ولكن أليس في الأرض غبر المال ما يمكن أن يستلذ وأن يسمى نعمة؟ وأين هي تلك السوق التي تعرض فبها النعم الهنيئة ويقف إلى جانبيها ملائكة الله يبيعون بالدرهم والدينار، ويبيعون المريض من تلك الأغنياء عافية، والضعيف قوة، والحزين مسرة، والخائف أمنا، والفزع اطمئنانا، والهرم شباباً، والمهزول جسماً روياً، والميت رجعة أخرى ... ؟

стр. 29

ألا فليعلم الإنسان أن هذا العالم لا يصلح على ما هو عليه وما لابد منه لنظام الحياة، فسيأتي إن خير أو شرا، فكلنا يسمي الصعاب التي تعرض له في طريق الحياة عقبات: لأننا لا نبصر ما وراءها ولا نعرف في أي وضع تقر من نظام الحاضر أو نظام المستقبل، وهي لو تعلمون وسائل لما بعدها، فما تراد لنفسها أكثر مما تراد لغيرها، وهي بأن تكون مقيدة بهذا أحرى من أن تكون مقيدة بذاك، ورب صخرة حالت في طريقك لتلفتك إلى هاوية من ورائها، أو تتقي بها عدوا يدلف إليك من ورائك! والأعرج الذي يتأبط سناده ويتخذ منه رجلا تبدأ من الكتف، لا يكاد يعرج بضع سنين حتى يستفيض صدره ويكتنز عضله ويتفتل ويصبح لحيماً بادناً كأنما جمع في زنده حجم يده إلى حجم رجله التي رمي فيها، وكان مرهفا دقيقا متهدم الصدر بارز الأضلاع خاوي العروق ممسوحا في جملته، ثم أنت لا تراه إلا ساخطا متبرما يكاد يتحطم غيظا ويلعن سناده وما حمل ... واليوم الذي حمل فيه، والسبب الذي حمله به، ويرى كأن العرج هو الذي قطعه عن شأو المعالي وكان سباقا ... ويظن عند نفسه أن هذا العرج قد جعله في مشيته الممثل المضحك على مسرح الحياة! ولا كل هذا يا رجل، فهل نسيت ويحك أن السعال كان ينفضك نفضة الموت، وأن البرد كان قد اتخذ من أضلاعك سقفا يأوي إليه، وأن الأمراض لم تبرح ترميك آونة بعد أخرى كأنها تلين عظامك القاسية للضجعة الأخيرة، ولأنك كنت لا محالة هالكا تنفث رئتيك من شفتيك، وتبصق روحك تحت رجليك، وأنه لولا الداء الذي يسمى العرج، لهلكت بالداء الذي يسمى السل؟ هذه واحدة يا بني، وما من واحدة إلا وهي أختها، وحكمة الله لا تختلف، بل هي هي في كل شيء وإن كنا لا نعلم، وما خلق شيء عبثا، فتعالى الله الملك الحق، ولقد أعرف أن ما لم يقض لي فهو مقضي لغيري، وأنه لا بد أن أذهب في هذه الحياة بقسط من مصائبها، لأنه جزء من نظامها يتوقف على وجودي عليه، وهل أنا بدن يملأ الأرض ورأس طبق السماء، فيكون الفلك عمامتي، والقضاء غمامتي، وكل خير لهامتي؟. إن أنا يا بني من هذا الناس في أقدار الحياة المكتوبة إلا كالجندي في العسكر نصبته الحرب آلة حية تحركها ألفاظ وإشارات من حيث تأتي! فهو يندفع إلى الموت ويشوي من لحمه على النار متى أرادت خطة الحرب أن تنبعث وتتحرك، وإنما هو بجسمه وروحه وعقله نقطة صغيرة في خط صغير من خطط كثيرة مثله رسمت بها فكرة أمير الجيش على صفحة الميدان، فليس للجندي أن يسأل عند الحركة: لماذا ... ؟ إذ هولا يجد من يقول له: لأن..! ولكن متى أزفت الآزفة وحقت النهاية بالنصر والهزيمة، رأى العمل الذي وراءه كأنما انقلب أحرفا وكلمات يستوضح منها فكرة القائد كما رسمها! قال "الشيخ علي": ومن الأسئلة في هذه الحياة ما يولد حين يموت جوابه كما رأيت، فهو حمق من السائل ومضيعة، لأنه لا جواب عليه، وربما اعتده الأحمق معضلة من المعضلات وكد ذهنه فيه وقصر همه عليه وجعل يلقى به الناس ويفتح له الأحاديث، وذلك سخف لا يوجد به الجواب الصحيح ولكن يضيع فيه السائل، إذ يستفيد من وسعه وعمله وحيلته، ثم لا يرد عليه من كل ذلك إلا بالخيبة، وهذا، أعزك الله، سر من أسرار ضيق الناس بالحياة وتبرهم بأقدارها، لأن أكثر أعمالهم وآمالهم من جنس ذلك السؤال، فما أقل من ينتهز من يومه قبل أن يذهب يومه، وما أكثر من يريد غدا قبل غد ... ولكأني بهذا الإنسان يود لو أسرع الفلك في دورته وجعل يرتمي به المرامي البعيدة لينهب ما في الغيب نهبا ولينال الممكن كله وشيئا من المستحيل أيضا ... فيحيا بعد ذلك حياة طيبة عذراء لا تلد لياليها من مواليد الغيب قليلا ولا كثيراً ...

стр. 30

دونك آمال الناس فانظر هل تجد في هؤلاء الحمقى من يصب آماله إلا في قالب يسع ضعفيه على الأقل، وهو يحسب أنه بتوسيعه لها يخفي جانب الاستحالة فيها ولا يدري أنه يخفي جانب الممكن المعقول أيضا ... ، يصبها في قالب التمني، وما موضع التمني في عالم الحس وفي هذه الحياة الأرضية التي لا تزال تضرب جيلا بجيل، وتدفن قبيلا بأيدي قبيل، ويهملها الإنسان في الكثير وهي لا تهمله في القليل؟ وهل التمني أن تكون حوادث الحياة ما أريد أنا وما تريد أنت وما يريد فلان، إلا كما يتمنى كل إنسان من هؤلاء أن تكون غير نفسه، وكما يتمنى الطفل حين يجيب معلمه خطأ ويعلم أنه أخطأ أن يكون الجواب حقيقة كما أخطأ..؟ وقد يقال إنه ليس في العلماء أحمق ممن يكد ذهنه في ابتكار جواب غريب لمسألة لا تقع لإنسان ولا يحتاج أحد إلى جوابها، فكذلك لم أرى في الجهلاء أحمق ممن يسأل الحياة سؤالا لا جواب عليه أو لا يفهم الجواب عليه، كل ذلك حمق، وكل ذلك سخف، وكل ذلك عبث باطل، ولكن يا أسفا على الناس! كل ذلك من مذاهب الحياة، وكل ذلك من الواقع! فالناس من بين طامع جريء إن نفعته الجرأة ذهب بمنفعتها الطمع، وقانع ساكن إن أفادته القناعة ذهب بفائدتها السكون، ومتحيل على الغيب يستجمع له والواقع قد نفذ فيه، ومتبرم بحاضره يبني على السماء والأرض تهدم منه، وقليل من الناس المؤمن الوثيق الذي يشعر بقوة الله في كل ضيق، فإن لم ينصره الله على الحياة لا يخذلها فيها، وتراه لا يشك فيما يعرف ولا يريد أن يعرف ما يشك فيه، وهو يعلم أنه ليس شيء من المصائب والنعم يمكن أن ينزل في غير موضعه المهيأ له، إذ ليس في هندسة الله مكان مختل، وأن النعمة الصحيحة ليست في لذات الإنسان الحي ولكن في حياة هذا الإنسان، إذ الحياة صحيحة هي التي توجد اللذة، وأن القوة التي تسمو بالحياة حتى تسخر لها الطبيعة تسخيرا إنما هي قوة العقل، فإن وهن العقل صارت الحياة طبيعة حيوانية لا لذة فيها ما خص به الإنسان دون الحيوان من روح الله، بل تكون اللذة كل اللذة هي فقدان الألم أو إطفاءه إن تسعر. وتالله لو أفرغت طيبات الدنيا في جوف هذا الحيوان الإنساني الذي وصفت لك ممن يسمونهم الأغنياء والمستمتعين وأهل الحظ والهناءة، ما زادت في لذته على ما يكون من إفراغ حقل من البرسيم في جوف حمار..! قال "الشيخ علي": وكما يفقد أكثر الناس السعادة في كثرة الاستعداد لها والإغراق في وسائلها، يجدها بعضهم في إهمالها حين لا يبحث عنها باحثا عن حقيقة الحياة. ويا عجباً للناس! كأنهم ملكوا الأعمار، وضمنوا لأنفسهم دولتي الليل والنهار، فقلما يفكر أحدهم إلا في زاد الدهر البعيد والحياة المتطاولة والأمد الواسع، وهو لا يرتاب في أ، هـ لا يعيش غير عمر واحد محدود، ولكنه لا يدري أنه يحمل على نفسه من تلك الأطماع شقاء بضعة أعمار طويلة عالية السن ويسوقها بين يديه ظالعة عرجاء تطلب السعادة في طريق لا آخرة له، فهي تسير لأن بين يديها غرضا ما ينفك ماثلا على بعد منها، ثم تنبعث لأن الطريق لا تنتهي، ثم تقف عاجزة لأن الحياة قد كلت، ثم تقع وما بها حركة لأنه انتهت إلى الحفرة المجهولة التي تنشق تحت قدمي كل إنسان في الساعة التي هو رهن بها ولو كان طريقه في النعم واللذات على وادي الجنة بين الشمس والقمر! كل شيء ما شئت أن تتوهم، ولكن الحياة هي الحياة: هي الحقيقة التي تريد أن تعرف، والمدة التي تعمل أن تنقضي، والمعنى الذي تطير حوله الأقدار وتقع لتلتف الناس إليه، هي الحياة التي لا تتسع لأكثر من قضاء الواجبات، ولا تحمل جسدها إلا ريثما تبليه، واسمه الحياة ومعناها النجاح، وهي الحياة لا المال، والحياة لا الشهوات، والحياة لا المطامع، وإنما قيمة الحياة فيما نذهب لا فيما يذهب بها، فكل لذة لا تجد لروحك أثرا فيها لذة ميتة، وحقيق بك عندها أن تحسب أن شيئاً من عقلك أو من فضيلتك قد مات فيها.

стр. 31

ولقد نقلوا في أساطير الأولين عن "ميداس" أنه بلغ من فرط الغنى أن لا يلمس بيده شيئا إلا استحال ذهبا، فأرادت آلهة الخرافات أن لا ينخدع الناس فيه ولا يسحر أعينهم أو يسترهبهم، وأن يعلموا أنه إنسان، وأن فرط الغنى مثلة به، فمسخ "أبولون " أذنيه فكانتا ... أذني حمار ... ولعل فرط الغنى يا بني لا يكون في الأعم الأغلب إلا مع هذه الآذان....وما أملحها نادرة وأبعها إشارة وأحكمها ملحة! فإن كل ما في الحمار لا بد منه لتكوينه حمارا سويا، إلا أذنيه الطويلتين، فلو حملها إنسان كميداس رزق غنى الحيوانية فهما برهان على أنه ليس بإنسان صحيح ولم يستطع أن يكون شيئا حتى ولا حمارا من الحمير! وأي شيء هذا الغني الذي يأكل ويتمتع ولا يرتعي من لذات الحياة إلا الخضراء الناضرة، وقد سلط على هلكه ماله أو سلط ماله على هلكته فإن ذهبت تعتبر 'نسانا لم ترى فيه من الإنسان إلا النصف الأسفل.... أهو حيوان؟ فأين عمله الطبيعي إذن، فإني لا أرى هذه الحيوانات كلها إلا عاملة لنظام الطبيعة كما تعمل الطبيعة لها. أم هو إنسان؟ فأين عمله الاجتماعي الذي يسني منزلته إذا أصبح الناس على منازلهم، وأين الحد الإنساني الذي يصله بمجد الماضي أو يدل عليه في عمل الحاضر أو يلحقه بأمل المستقبل؟ إن الطبيعة يا بني لا تغفل خطأ ولا تنسى مذنبا ولا تصفح عن إساءة، ولكنها تضرب بيد ألطف مسا من الهواء وأخف موقعا من الضوء، على حين أن صفعتها زلزلة لا يقوم لها بناء حي، فلو أن مثل هذا الغني قد أعطي معدة حمار أو أعصاب بغل أو قوة فيل أو نحو ذلك، لتم تمامه بالمال فوجد في هذا المال مسد حاجته كيف مست، غير أنه أعطي شره الحمار دون معدته، وأعطي في هذا الباب من البغل والفيل وغير البغل والفيل دون ما يحمل ذلك وما يبعث عليه، فكأنما مسخ من باطنه مسخا على حين أن طبيعته الإنسانية لا تخلو على هذه الأبواب من هذه الشهوات ولا تصلح بها ولا تطعم فيها من الحياة. وقد حدثوا عن امرأة من ذوات النعمة الفاشية في أميركا اتخذت كلبا فوقع منها بموضع محبة شديدة، فاستصفته وتحفت به وذهبت كل مذاهبها في ترفيهه وفتحت عليه من دنياها العريضة، فنصت له السرير، وفرشت له الحرير، وأبدلته سماع الموسيقى من سماع الهرير، ومنتعه العظم يعالجه ويقرضه، وحرمته على الجوع يقعده وينهضه، وما زالت به ترأمه وتحنو عليه. فإذا هو يذوي ثم يضعف ثم يمرض ثم يهلك، وكانت المرأة كأنما تقتله بالنعمة شر قتلة، وتصب عليه العذاب صبا من ألوان ذلك النعيم، فكيف بصاحبنا الغني حين تبالغ الطبيعة في ترفيهه على من يشاء له الهوى من سنة الحمار والبغل والفيل وجماعتها كما بالغت صاحبة الكلب في ترفيه كلبها على سنة الإنسان؟ قال " الشيخ علي": الحياة يا بني مدة، والمدة ضائعة لولا العمل، والعمل على مقدار المنفعة، والمنفعة بآثارها، وهذه الآثار هي تاريخ الحياة، فالأحمق الشره الذي يعيش مقبورا في بطنه، والغني اللئيم الذي يعيش مقبورا في خزانته، والفاسق العاهر الذي يعيش في مقبورا في رذائله ومخازيه، والدنيء السفلة الذي يعيش مقبورا في جرائمه وآثامه، كل أولئك لا تاريخ لحياتهم ولا حياة لتاريخهم، فهم أناس خلقوا بخصائصهم لتمثيل ألوان العذاب وأصناف العقاب، يقع ذلك عليهم من الله ثم يقع منهم على الناس، وإنما يعان المخذول منهم على احتمال أمره بما هو فيه من الغرور وما يطوع له، وما كان الغرور وصاحبه في عاقبة الحياة ورجع الأمر كرجلين من الحمقى ضمهما طريق فاصطحبا، ثم أفضى بهما السير إلى جبل قطع عليهما، فقال أحدهما لصاحبه: إني أراك شديد الأسر قوي البضعة، وما أرى إلا أن تحمل هذا الجبل وتلقيه بعيدا من هنا، فلا مذهب لنا إلا من ورائه.....قال له صاحبه: أما إني كما وصفت، وإن بي لقدرة على حمله، فما عليك أنت إلا أن تضعه على ظهري! ... فلا الحامل أطاق فحمل ولا المعين استطاع فأعان، وإنما هما كحماري العبادي الذي قيل له: أي حماريك شر؟ فقال: هذا ثم هذا ...

стр. 32

وهكذا يعين الغرور على طلب الدنيا ويزين للمغرور فلا تراه أبدا إلا على زينة من أمره حتى تذهب الحياة في باطل كالحق أو حق كالباطل، فإذا حسم الموت عنه مادة غروره وجاءه باليقين الذي لا مرية فيه! قال: ويحي! لو رجعت لعلي أعمل صالحا فيما تركت! وآه لو عرفت حقيقة الحياة قبل الموت، أو عرفت حقيقة الموت وأنا بعد في الحياة! أيها المغرور! ما أراك إلا دائبا في طلب الحياة حتى تفقدها من شدة الطلب فلا تكاد تستوضح ما هي، فإياك وإياها، لا تأخذ معنى الحياة من نفسك إن لنفسك أغراضا حية تريد أن تكون هي الحياة، ولا من الناس، إن فيهم أغراضا حية تريد أن تكون هي الحياة، ولا من الناس، إن فيهم أغراض نفسك، ولا من مدة عمرك، فإنها لا تبلغ طرفة واحدة من عين التاريخ. ولكن أعد نظراً على ما ورائك وخذ معنى الحياة من ستة لآلاف سنة عرفت من تاريخ الحياة نفسها، ثم من عمر الأرض كله، ثم من تاريخ الموت المجهول أوله وآخره، خذ معنى الحياة من هذه الأفواه الصامتة التي لا تكذب لأنها تحفظ الحقيقة الإنسانية، من هذه القبور التي تملأ الرحب، من هذه الهاوية التي ينصب فيها فراغ الحياة دائما لأن تحتها مجرى التيار المتدفع من النهاية الأرضية المعروفة إلى الأبد الذي لا تعرف له نهاية، خذها من هذه الكلمة التي وضعتها السماء للأرض، هذه الكلمة الأزلية التي تحقق الإخاء والمساواة في الناس جميعا بلا تأويل ولا شذوذ، الكلمة التي يكون القبر زاوية في معناها، كلمة الله في قوله: (كل من عليها فان فإن يبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) . أيها المغرور. خذ الحياة حقيقة لا وهما، وعملا لا علما، واسمع للحياة إن كنت تعرف لغتها، أو اسمع للموت الذي يعرف كل إنسان لغته، فإن كل ذلك يعلمك أن الرجل الحر لا يعرف على أي حالة يعيش إلا إذا قرر لنفسه على أي حالة يموت: وأن الحياة ليست في الوجه الذي توجد عليه من الغنى إلى الفقر، ولكن في الوجه الذي تنتهي عليه من العمل الصالح إلى العمل السيئ، وليست في ترفيه الحواس الغليظة، ولكن في النفس والضمير: الضمير النقي، لثواب الدنيا وجمال الحياة ولذة الخير، والنفس الطاهرة، لثواب الآخرة ونضرة الخلود ورحمة والله. قال "الشيخ علي": فلا تسأل يا بني ما هي الحياة؟ ولكن سل هؤلاء الأحياء: أيكم الحي؟ ... سحق اللؤلؤة ... قال "الشيخ علي": وإني محدثك الآن حديثا يشفي نفسك من الخبر، ويفتح عليك أبوابا من العبرة والموعظة ويحضرك طرفا من الدنيا بأقداره وعلله ومذاهب حكمة الله فيه كأنما أنت شاهد أمره، فلتعلمن أن في المال مشغلة عما سوى المال، وأن الحرص عليه حق الحرص لا يدخل أمرا من أمور الحياة فيعترض بين ورده وصدره إلا من ساء أحدهما أو كلا هما وفسد الأمر فعسى أن يتصل بما هو أجل منه خطرا وأنسى منزلة، فلا يكون ذلك الحرص إلا مضيعة، ولا تكون الرغبة فيما يستخلف إلا سببا في ذهاب ما لا يستخلف. ولتعلمن أن المال شيء غير الحياة، وأن الحياة شيء غير المال، وأن ما يخدع الإنسان فيتلون له من سراب هذه السعادة إنما يكون أكثر ما هو كائن من بريق المال يحسبه شيئا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وعسى ألا يكون فيما أقبل من نعيم الدنيا إلا ما يدبر صاحبها، وأن لا تصيب فيما روي عنك من حظها إلا ما يقبل بخط نفسك عل نفسك. ثم لتعلمن أنه إن كانت للقدرة فترة عن رجل من الناس فقيراً أو غنياً أو بين ذلك، فما هي غفلة ولا معجزة، ولعل الرجل إنما يمد له في الغي مدا طويلا حتى إذا جاء يومها انفجر عليه بما لا يطيق له سدا ولا يستطيع له ردا وأنه رب كلمة تعارف الناس معناها وأجروها على مذهبها في كلامهم فإذا هي نزلت بعض منازلها من الحياة كان لها معنى آخر لا تفسره إلا الحياة نفسها، ثم لا تفسره إلا على ضد مأخذهم ومقصدهم، فيقول الناس "فلان الأمير" ومعنى ذلك فيما نراه من حوادث الحياة وأقدارها فلان النذل، ويقولون "هذا الغني" ومذهب الحياة أنه الشقي بغناه، وفلان أعزه الله وإنما هي أخزاه الله بعزه، ويحسدون فلانا إذ يرون أن الله قد مكن له وآتاه من بسطة المال والجاه وهو يستعد للحياة بأفضل عدتها ثم تقع الواقعة ويتغشى فلانا هذا ما شاء الله من الحوادث والأقدار فإذا هو كأنما كان يستعد للموت بأقبح عدته!.

стр. 33

ولتعلمن كذلك أن الغاية من هذه الحياة كمال الحي في جسمه ونفسه، فإن تم بالفقر فذلك غناه، وإن نقص بالغنى فذلك فقره، ولا شأن لاصطلاح الناس فيما هو خاص بين المرء وذات نفسه، وهذا معنى بسطته لك آنفا ولكني متلقيك بمثاله من رجل وامرأة، ولا عليك أن لا تسمع حديثا عن الباشا و"هانمه" أو أبي زيد وأم الخير، ولا على أن أجيئك بالمثالين على باخرة أجعل ذلك من صرف الكلام وتزيينه وما بلادنا من هذه المخازي بمنتزح، ولكني أردت إمتاعك من لذة الحديث على مدار إمتاعك من حكمة الحادثة، والكلام عن رذائل الحياة في بلادنا هذه كلام غي يتجافى عن الرقة في أكثر مناحيه، وإذا وجهته إلى أكثر قومك فإنما أنت تشتمهم به أ, هم يتلقونه من هذه الجهة، ولا مناص أن تقع بك ظنة السباب وإن كنت واعظا، ويقال عاق وإن كنت براً، وغاش وإن كنت من الناصحين. الرجل البخيل أما فلان هذا فهرم بخيل لو مسخ حجر لتحطمت من غيظها الأحجار، ولو كان على بخله حديدا لما لأن الحديد في النار، ولو صوره الله طينا أجوف لما طن في يد أحد على نقر، ولو خلقه مرة أخرى من تراب لما جمع هذا التراب إلا من ثياب أهل الفقر. وهو نبي أمة البخل، أما معجزته فهي قدرته على أن يستنبط غير المألوف من المألوف، ويستغل الصفر فيخرج منه ألفا إلى ألوف وإنه على ذلك لآية، فما رآه المؤمنون إلا قالوا: اللهم غفراً، ولا رآه الجاحدون إلا زادوا عتواً وكفراً. وكم تمنى وهو يتهالك حرصا أن يكون كإبليس في أنه لا يموت غلا متى هرم الدهر، ولا يذهب من الأرض إلا حين لا يبقى في تاريخ الأرض ولا شهر، وإذا خوفته الموت والحساب قال: ويلك دع عنك، وإذا علم أنه سيعطى كتاب أعماله في الآخرة قال: يا ليت صحفه من "ورق البنك"! على أن درهمه في أيدي الناس هم واسمه في أفواههم سم، وكم لأمواله من قتيل فمن استلف، فقد ذهب به التلف، ومن اقترض، لقد انقرض! وكم من بائس قشعت غمامته، ثم غالت هامته، وقضت دينه، ثم أبكت عينه، فو الذي نفسي بيده إن دراهم هذا الخبيث لتعد من اللصوص، وإنها للئيمة على العموم أما هو فلئيم على الخصوص، يرسل الدرهم في يد المحتاج فيذهب فيه ديناره، ويقدح فكره الملتهب فلا تقع إلا في بيوت الفقراء ناره، ولو كان مخلوقاً يوم عرض الله الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، لحمل وحده الأمانة، وإذا كان مبلغ القول في وصف كل غني كريم أنه "صراف" في خزانة الله فجهد القول في هذا اللئيم أنه لص الخزانة! وهو على غناه كأنه في الناس بؤس المفلس في القمار. وكأنه لحقارته ذيل الحمار، إن طلع عليهم فطالع زحل، وإن غاب عنهم فوباء رحل، ومتى ذكروه، فكأنهم نكروه، وإذا قضي عليهم أن يسمونه فكأنما شتموه. وإذا وصفوه قالوا وجع الأظافر، وذنب بلا استغفار، اللهم قنا عذاب النار! أما وجهه فلو أنزل الله مرآة من السماء فنظر فيها لصدئت من قبح خياله، كصدأ ذلك المخزون من ماله، وأما روعته فلو خرج على الحسان لابتلاهن بما يفجأ الظباء من رؤية الفهد، وامتلكهن بما يعتري المرضع إذا كشفت عن طفلها فأبصرت الثعبان في المهد، وأما جهامته فلو نظر إليه البدر لغرب، ولو طلع عليه الفجر لهرب، أما روحه الخفيفة.. فلو بعثت خلقاً آخر لما كانت إلا بقة صيف، في رقبة ضيف، أو بعوضة تلسع العاشق المهجور فتوقظه وقد ظفر بالطيف،، وحياته كالبلاء المحتوم، وغناه كالكنز المختوم، وأما هو فكالقبر الكتوم. وأحسب لو رسمه أمهر المصورين بأبدع خططه وألوانه، وأنطقه من عينه وعنوانه، وجعله آية فنه وافتنانه، وترك من يراه لا يحسب إلا أن المصور قد سرقه، أو أن الله تعالى مسخه على ورقة، لبقي مع ذلك في رسمه مغمز لا تصلحه إلا يد الشيطان الرجيم! ولا تلونه إلا شعلة من نار الجحيم ... ومن للمصور بشرارتين من الصاعقة ينزلهما في الرسم لتظهر بهما عيناه، ومن له برقبتي البخل والرذيلة يطبق عليهما يسراه ويمناه، ومن له بلونين من غضب الله ونقمته يظهر وهما في الصورة معنى فقره وغناه؟ ولست أطيل في القول، فما أنا ببالغ من القول بعض صفاته وهيهات أن يصفه على الحقيقة إلا من يعلم لغة الملائكة فينقل إلى لغة الناس كتاب سيئاته ...

стр. 34

قال "الشيخ علي": ذلكم هو "الكونت فيكتور" رجل أملق أموال الناس وزاده في ماله، وجمع بين سوء حمل الغنى وسوء حمل الجاه، وعرف النعمة ونسي المنعم بها، فكأنما فتح الله عليه من هذه الدنيا ومكن له في أبوابها وأفشى جاهه ونعمته على ما ابتلاه به في خاصة نفسه من المحق، ليجعله واحداً من أولئك الذين يخرج للناس من تواريخهم قصصاً في الأخلاق محكمة السبك في نسق التأليف الإلهي المعجز الذي يأتي بالحادثة في موضعها حية وميتة، وينزل الكلمة في مستقرها من الموعظة ولو أن فيها ذهاب نفس وإدبار نعمة، ويدير المثل والفلك بأسلوب واحد. وقد أسند هذا الرجل في حدود السبعين وكادت تحطمه السن، ولا يزال متأبداً، ولم يستر سقف بيته امرأة، ولا ضحكت الشمس فيه على وجنة طفل يبتسم. وقد نشأ على أن حب المال لا يستقيم إلا ببغض النساء، لأنه أكثر ما يجمع لهن وأكثر ما ينفق عليهن، ولا يرى المرأة إلا أنها "ثورة مالية"، و"سوق في البيت" و"أزمة يحتال الرجل للخلاص منها بالوقوع فيها" ... ويقول إنها منذ أكلت من الشجرة الملعونة في السماء جعلت الرجل شجرتها الملعونة في الأرض، فهو ما عاش سنبت وينمو وهي ما عاشت تحصد وتأكل.... وقال مرة: إن الرجل لا يزال عقلاً حتى يتزوج، فإذا هو فعل فهو صار من زوجه وأولاده سلسلة بطون ... فقيل له: ولم لا يكون يومئذ من زوجته وأولاده سلسلة عقول؟ قال: إلى أن يصبح أطفاله القدماء رجالاً يكون هو قد صار طفلهم القديم! ... وجاءه يوماً سمسار يساومه في أرض له وجعل يراوغه ويترقى إلى خديعته بما أوتي السماسرة من خبث ودهاء، ويقبل به مرة ويدبر به مرة، والكونت في كل ذلك يعبث وينمي له، ثم صرفه على طمع كاليأس، فلما ذهب مدبراً قال: ويحي! لو أن هذا السمسار كان امرأة جميلة إذن لأدارني في يده كما يرقص الدينار على الظفر، فالحمد لله إذ خلق النساء على نظام رحيم فجعل في هذا الشر المحتوم موضعاً للهرب ... ولما بلغ الخمسين- بعافية من الله- قال: أحسبني لو كنت متزوجاً يزماً فإن امرأتي في هذه الساعة تلتقم ثدي أمها ... فسأنتظر حتى تصلح لي! فأجابه بعضهم: وحتى تصلح لها أيضاً! ... وتواصفوا عنده الجمال مرة وأفاضوا في حديث النساء والنعمة بهن- وقد تعالم الناس ذلك البغض منه- فلما أضجروه قال: حسبكم يا قوم، ما أراكم إلا تخلقون إفكاً إن هذه المرأة في حقيقتها غير تلك المرأة في وهم الرجل، فهي هي حتى يبعث عليها وهمه ويصبغها بألوان نفسه وتستضيء به فكأنها منه أمام الفانوس السحري! ... إن المرأة خصم عنيد لا يقتل بالغضب ولكن يقتل بالضحك، وشر ما فيها أنها إن لم يكن منها قتل فليس معها حياة. تقولون إن الرجل محتاج إلى المرأة! فقد كان ذلك أيام كانت المرأة كأنها في عملها للرجل رجل آخر ... فتلك حاجة اليد لليد، وحاجة الظهير إلى الظهير، ولهي مناقلة طبيعية في الجنسين بين قوة تحتاج إلى ضعف يخفف من سورتها، وبين ضعف يحتاج إلى قوة تشد منه، فلو كان العالم كله رجالاً، إذن لطالت أنيابهم كثيراً ولما وجد على الأرض من يخترع مقصاً للأظافر. أنا لست أنكر أن المرأة شيء طبيعي، وما هي بهولة من الهول ولا مسخ من المسوخ، ولا أنا آسف على خروج آدم من الجنة بذنبها، فإني رجل اقتصادي، ولقد كان من هذا الذنب رأس مال كبير، فإياكم وإياي، لا تظنوا أني أكابر أو أماري، ولا تحسبوني جلفاً يكره الجمال ويريد أن يكون للمرأة بديلاً من رأسها النحيف المكلل رأس جاموسة.. وبدلاً من يدها الرخصة الناعمة ظلف بقرة ... حسبكم يا قوم- حسبكم الله- لا أطيق هذا العبث معي، ولكني أسمعكم تقولون المرأة وتقولون المرأة ولا أرى المرأة نفسها كما تحدثون وتصفون، بل أرى مخلوقة غريبة الأطوار في هذه المدينة، وأرى خرقاء إن لم يكن معها الإفلاس فلا أقل من أن يكون معها الندم أو الغيظ أو السخط، وربما كانت بلاء ماحقاً يزف إلى الرجل يوم زواجه باحتفال ... يخيل إليها من الفكر في المال أن الرجل هو مال أيضاً، وتريد أن تتزوج، ولماذا؟ لأن المحراث لا يلتمع نصله إلا بعد أن يجدوا له الثور ...

стр. 35

امرأة متأنقة لا تريد أن تطلع الشمس كل يوم على زي جميل ليكون لزوجها كل يوم هم جميل، ثم هي أحسن ما تكون حين تخرج من بيتها كأن بيتها منخل لا يمسك منها إلا الحثالة! ... إننا يا قوم لقاء المرأة لا تلقاء معجزة من معجزات الأنبياء، فنحن نستطيع أن نقول هذا خطأ فيها وهذا صواب منها، ولكنها على أي أحوالها لا تريد أن نكون معها أبداً إلا على حالة واحدة، تريد أن تشبه نفسها، لأنها لا ترى أكمل من نفسها، أما الرجل فهو إذا رأى فيها نقصاً فذلك عندها لأن عينه عين رجل تكاد أهدابها تكون من شعر اللحى والشوارب ... فمن ههنا لا يرى الخبيث تلك الحسنات النسائية التي تترقرق من المرأة في كل شيء صافية جميلة كنور القمر. ترى هذه المرأة أن كل حسن في أعمالها لا يكون إلا أحسن شيء لأنها حسناء، ولكنها لا تقر أبداً أن كل قبيح في أعمالها ينبغي أن يكون أقبح شيء ولماذا؟ لأنها حسناء أيضاً! ... هذه المرأة الجميلة قد ظنت عند نفسها أنها شيء مقدس، ولذلك لا تريد أن تعمل عملاً، كبقرة البراهمة، فيا ليت الرجل كان شيئاً مقدساً أيضاً كعجل المصريين القدماء!.. ولكن البقرة المقدسة في المرأة لا تعرف العجل المقدس في الرجل! ... يا هؤلاء، إنما الرجل مخلوق قوي، ولكن معظم قوته منصرف إلى حواسه، فمن ثم كان في يد المرأة ضعيفاً، لأنها على ضعفها ينصرف ما فيها من القوة إلى عواطفها، فلا يلتقي الخصمان إلا كانت الهزيمة على الرجل، وقد كان لولا سفاه رأيه في منظر عن هذا ومستمع، فما رأيت قط رجلاً يهوى امرأة إلا اعتد سلطانه في أنه يشعر بسلطانها عليه، وكان رضاه في أنها راضية عنه، فهكذا هكذا. جعل الرجل حاجته الكبرى في المرأة، وبالغ في توهم هذه الحاجة، وافتن في تصويرها ألواناً وضروباً، فجعلت المرأة حاجته إليها سبب كل حاجة لها، وبالغت في الطلب، واحتكمت فيم تطلب، وانصاع الرجل في يدها كالبهيمة السائمة، وجعله التمدن الفاسد في رأيها كآلة الساعة: علامة ضبطها وإتقانها "أن لا تقدم ولا تؤخر"! ... وأن تعجب فاعجب أن هذا الرجل نفسه إذا هو كبحها مرة عن حاجة تطلبها، أرضاها بحاجة أخرى لم تطلبها، فكأن هذا المسكين إذ تعبد لها يأبى إلا أن يكون عبداً بشهود وأدلة.. وتحسب المرأة اليوم أنها غير المرأة من قبل، وغير ما كانت حالها، كأنها رقى في التاريخ، فقد غيرت نفسها بالفنون والعلوم والأزياء، وبهذا التحكم الباطل وبهذه الدعوة الفارغة، وأنا أول المؤمنين أنها غيرت نفسها ولكن غيرتهما الطبيعة؟ أيها السادة، إن كلمة "هات" وكلمة "خذ" لولا كلمتان لخربت الدنيا وتقاصرت الأمور والأحوال، وكل عمل وكل عامل يتركب منهما. فالدنيا كلمتان: "هات، وخذ"، والحياة كلمتان: "هات وخذ" والمرأة التي تصفونها كلمتان أيضاً ولكنهما: "هات، وهات".. قال "الشيخ علي": ومر هذا الكونت في فلسفته يمضغها مضغ الماء وربما أصاب شيئاً، ولكن ماذا تنفع كلمة الحق يراد بها الباطل؟ وهذا الرجل يتكلم كأنه ابن شجرة لا ابن امرأة ... ! على أن من تعلق شيئاً من أمور الحياة وكل إليه، وهو بعد لم يعرف غير المال يجمعه ويدخره، وقد خلقه الله رجلاً مالياً ويسره لم خلق له، وكثيراً ما رأى وجهه في المرآة فكان يعجبه من منخريه أنهما في تفرطحهما "كحافري حصان الجنيه الإنجليزي"! ... ولما استوفى عمر السبعين وأصبح في يبسه وموته كأنه جذر قرن من الزمن، خرج في عيد مولده إلى سواد المدينة منحدراً إلى قرية يملكها، وانطلق يجتلي مناظر الطبيعة، فكان لا يرى في السائمة والطير والنبات والأزهار إلا شباباً وطفولة، وكان وحده منظر الهرم المستميت في هذه الطبيعة كلها، وأعجبته شجرة قائمة على مسيل الماء، وأعجبه أن يتفيأ ظلها وقد تجفى بروحه المتعبة بردها ونسيمها، فانطرح يتثاءب هنيهة وأحب أن يسافر إلى شبابه البعيد على مطية النور، فكيس رأسه على ذراعه فإذا هو نائم كأنما جرع السم فخمده من فوره ...

стр. 36

ورأى فيما يرى النائم كأن الأرض ترقصه على أعشابها لتمسح عن أعضائه التعب، ثم أبصر السماء في مثل تحاسين الطاووس من ألوانها وأصباغها كأنما أشرف على الأرض فجر يوم من أيام الجنة، ثم نظر فإذا ضوء رطب يتندى وقد ترقرق فأصاب شفتيه الذابلتين، ولمح على إثره وجه حسناء كأنها فلقة قمر، فكان ذلك الضوء قبلتها وابتسامتها، وكان على قلبه "برداً وسلاماً" فنصب لها يديه يتناولها فإذا هي أمامه ضاحكة، وإذا هي ملء صدره وذراعيه، فارتجف جسمه رجفة شديدة كأن فيها شوق سبعين سنة من الهجر، وما لبثت عقد أجفانه أن انحلت فنظر فإذا يد فتاة قروية ناعمة تهزه برفق!.. فانتهض الكونت كأنما نشط من عقال ولما تصح عيناه من سكرة الحلم فكان يخيل إليه أنه يرى جمال السماء والأرض معاً في طلعة هذه الفتاة وعلى غرتها، ثم كشف لها عن رأس كفروة الأرنب البيضاء، وانحنى متأدباً وقال بلطف: أشكرك يا سيدتي! أما هي فابتسمت له وقام في نفسها أنها هي ردت عليه روحه، ولأنها لو لم تنبهه انتبه آخر الدهر، كأنما حسبته ميتا وظهر هذا الفكر في ابتسامتها فأكسبها شيئا من قوة روحها، وجعل لشفتيها الحمراوين جمالا كجمال الشفق إذا افتر عن نور الفجر. وتأملها الرجل بمبلغ ما في نفسه من لذة الحكم وما في صدره من ضجعة تلك الحورية التي تلوث عليه وتقلبت فيه "وبعث عليها وهمه وصبغها [ألوان نفسه واستضاءت به، فكأنها من أمام الفانوس السحري! ... " وما خلق الله لذم أهنأ للنفس من لذة الأحلام، فكأنما ترى فيها النفس شيئا من تحقيق المستحيل، وإن في أعقاب هذه اللذة بعد اليقظة ما يشعر المرء بالأماني كيف جاءت وكيف ذهبت، فكأنما كان في حياة أخرى، وكأن نفسه تتمسك بهذه الحياة ولا تريد أن تسلمها، فتكون ذكرى الحلم نفسه على الحقيقة، لأنها نتاج ما بين لذة لم تكن شيئا ولذة صارت شيئا. وثبتت صورة الفتاة في عينه على ما اشتهى، وكانت زهراء اللون، حوراء العينين، ساجية الطرف، أسيلة الخد، باسمة الثغر، حسنة التكوين كأنها ريحانة ترف رفيفاً، وتكاد من فرط رقتها تتكلم ابتساما حتى لا يحسب من رآها أن الشمس طلعت يوما على أبعد من ثغرها واللؤلؤة، ولا أحسن من خدها والورد، وكأن الطبيعة يعتريها أحيانا من سوء الحرص وسوء الخوف وسوء الحيلة بعض ما يعتري الشحيح الذي يخبئ من الأداة والمتاع. فكانت "لويز" على ما وصفنا من الجمال والظرف ولم تكن مع ذلك إلا قروية! أما صاحبها فما أشبهه بعنق النسر: شيخ مضعوف، كالعرق المنزوف والعظم الملفوف، ممسوح العضدين، ناسل الفخذين، كأنما يتوكأ منها على عصوين.... غير أنه له عينا يتوقد فصها ويستنفض الناس طرفها فلا يملك من تقع عليه أن يضطرب، وكذلك اضطربت الفتاة، وما كاد الرجل يلمح اضطرابها حتى طبع الله على بصيرته فحسب ذلك معنى من الغزل، وانطلق وراء خياله يمر به على آمال الشباب الفانية، وكان لحظ الفتاة ينساب في عروقه دما يغلي، فحسب أن جسمه قد ثاب إليه، وأنه بعث خلقا جديدا لهذا الحب الجديد. ... ويبالغ في التظرف ويجلس قريبا منها يستنبئها وهي تطرف له من أخبارها، فعلم من روايتها أنها شريفة النسب خالصة العرق، وقد نبا بها المنزل وانحط الدهر على أهلها فهي ذاهبة إلى المدينة تتلمس حياة التقوى في دير العابدات ... وعلمت هي من رؤيته أن هذا الموت الماثل أمامها حياة، وأنه لا مذهب لها من ورائه إذا هي أفلتته إلا مذهب القدر المجهول، ورأته كأنما يتسرب لفظها ولا يسمعه، وأبصرت هواها في حماليق عينيه، فجعلت حينا تبسم له وتلحظه وحينا تلحظه وتبسم له، وما تلفظ من أنة في بث حزنها إلا أحس المسكين أنها نقرة على أوتار قلبه، ولعل الإنسان لا يمكنه أن يحب إلا إذا هيأت له الطبيعة مجلس الحس على ما يشتهي وعلى ما هو مذهب الحب نفسه! وقد مذعت له الفتاة من خبرها، وكتمت عنه أنه طريدة منبوذة استزلها فتى من عشيرتها على أن يتحللها وكان مها مقعد فؤادها زمنا، ثم طوح بها عاره وغدره ولؤمه جميعا، فخرجت هائمة على وجهها ولفظها قومها كما تطرح الثمرة إذا دب فيه الفساد من عبث الطير!

стр. 37

قال "الشيخ علي": وانقلب الاثنان كلاهما صيد وصائد: أما هي فأصابت رجلاً مجنوناً بها يحبها حب الجد والأب والزوج والعشيق، فإن ثاب إليه عقله من جهة بقي مجنوناً من ثلاث جهات، وحسبت أن الموت مصبحه أو ممسيه فهو همها عشية أو ضحاها. ولقد كانت من الضائقة والعوز وشدة الاختلال بحيث لو عهد إليها أن تغسل الزنجي حتى يبيض لقاء درهمين لطمعت فيهما ... ! وأما هو فقد ظفر في زعمه بالمرأة الطبيعية التي نبتت مع الأزهار، وطلعت في سماء الحياة مطلع ضوء النهار، وحسب أن هذه الفتاة التي تناهز العشرين إنما هي زيادة عشرين سنة في عمره ينتهبها من القدر انتهاباً ويقضي بها بين الحب طفولة وشبابا. ولست أدري كيف عذب العقل عنه، ولا كيف خذله رأيه، ولا كيف وهى ركن فلسفته وكان من قبل وثيقا وكيف أحب منذ الساعة وقد كان يتصاون عن النساء ويحسب أن بغضهن عقد لا يحله إلا من يحل عقدة نفسه ... ! ولكن الحب يا بني لا يكون عجيبا بلا شيء يعجب منه، وكثيرا ما يمتلئ الرجل بغضا ليحب ب ذلك بمقدار ما أبغض، فمثله كمثل من يبحث عن البرهان بطريقة من طرق المغالطة التي لا تؤدي إليه، فمتى أصابه كانت قوة البرهان بطريقة استخراجه العجيبة أشد منها في البرهان نفسه. وهي الأرواح ما زال بعضها يتسلط على بعض، وما أن يزال في كل روح معنى هو الوسيلة إلى هذا التسلط ومنه مصاغه ومأتاه، فلو قلت إن في مسلاخ ذلك الرجل معنى الحمار لما كان في الفتاة إلا معنى العصا، وكذلك انطلقت وهي تسوقه في طرق مصائبه، وعند العصا تفرغ حيلة الحمار ولو كان الحمار أبياً. في الحب من هذه الهيفاء التي تستميل ولا تميل، وقد استبدي بالجمال فلا يرى في غيرها شيء جميل، طالعة كالضحى فكل نجمة من ضوئها كاسفة، لاهية كالنسيم وفي كل قلب من حبها عاصفة، وقد عبدها العشاق باطلا كما يعبد المجوس الشمس، وتمنوا في دلالها المحال كما يتمنى المرء من أمس، وكتب عليها هواها المحتوم: "جند ما هنالك مهزوم"! وكم تمنوا لو أن لين أعطافها، يتعدى إلى انعطافها، ولو أن بعض ابتسامها، يشرق على ظلمات اليأس من غرامها، وهي تقتل منهم برضاها وغضبها على السواء، كأن حبها الموت: متى قضي جاء به الداء وجاء به الدواء! في الحفلات ومن هذه الطالعة في غلائلها، المعروفة في الحسن بدلائلها، المشرقة كالبدر في ظلمة الحلك، الضاحية كالشمس في قبة الفلك، تعترف بالهوى في ألحاظها، وتنكره في ألفاظها وتقبل بعينيها سائلة عما بين جنبيك، وتلتفت بجيدها مائلة عن جواب عينيك، وقد حسرت عن زنديها، ووضعت رمزا للحب تلك الوردة على نهديها، فلاحت للمحبين كأنها روح القبلات من خديها؟ في الرقص ومن هذه الزهراء كالزهرة المشبوبة، الحسناء كالدمية المنصوبة، المشرفة في زينتها كغرة الدينار، اللائحة في ميناء الدموع كما يلوح المنار، وقد شف قلبها عن الجوى كما يشف الزجاج، وتدافعت من طرب الهوى كما تتدافع الأمواج، وحتى ترقص على حركات القلوب في الضلوع وتسترسل في سهولة كأنها جسم خلق من الدموع، والأبصار قائمة على قوامها، والنفوس حائمة منها على حمائمها، ن وما هي في عين المحب إلا خطرات الطيف، أو رقة نسمات الصيف، ولا رقصها إلا معركة في الحب قام فيها اللحظ مقام السيف؟ في الموسيقى ومن هذه الباسمة كالأزهار، الساجعة كالأطيار، التاركة عشاقها كالشمس بين طرفي الليل والنهار، القائمة كالكأس في اليد، الناعمة كالحمرة في الخد. وهي تحيي بالصوت لأنه يخرج من صدرها وتسكر باللفظ لأنه يمر من ثغرها ويكاد يخلق من سحر القلب المفتون، ومن حركات أناملها العقل المجنون، إذا صدحت فحمامة! وإذا رقصت فغمامة، وإذا أرسلت من يدها صيحة الأوتار أقامت للطرب القيامة؟ تلك هي درة الصدفة المطروحة على ساحل الموت، وهي حمامة ذلك القفص البالي المصنوع من العظام، وهي خطيبة الكونت فيكتور..! وتلك هي لويز القروية الساذجة، كانت نبتة في الطين، فأصبحت زهرة في وعاء ثمين، ولأن تكون نبتة مهملة وتنمو، خير من أن تكون زهرة مرعية وتجف.

стр. 38

ولقد رأى الكونت أخزاه الله أن أحسن ما يكون الاستمتاع بالجمال حين يكون الجمال فنا وفتنة، فأنا الفتنة ففي عيني لويز وجمال تكوينها، وأما الفن فلا سبيل إليه من هناك ولا من فلسفته، وليس إلا أن يبسط يده كل البسط حتى تنبت له تلك الزهرة من أغصان الذهب والجوهر، فأنفق واتسع في الإنفاق، وجعل آمال شيخوخته كلها مقترحات في زينة الفتاة، فبرعت البراعة كلها في الرقص والموسيقى وأحسنت من الفن النسائي في أساليب الظرف والجمال والزخرف على جسمها، ما ترك هذا الهرم المتصابي المفتون يفاخر الناس كافة بأنها خارجة من قريحته. وأعجب ما في الأمر أنه على كثر ما أنفق وطائل ما بذل، لم يكن يرى أنه أنفق على لويز ما لا بد منه على لويز، وهو منذ أصبحت في كنفه، استبدل من الحرص على المال بالحرص على الحياة، وعرف أنه لا بد في الحب من وسيلة، وأن قلب المرأة ليس في يد أحد ولا في يد المرأة نفسها، بل هو يختار فيما يختار، ويختار على ما يحتكم، وأنه ليس أشد عنفاً من هذا القلب، فهو إن لم يحي قتل: يحب المرأة عاشق غير محبوب منها، ويريد مراغمتها على حبه فيقتله قلبها لوعة وضنى بما يطوع لها من صده أو بغضه، وتحب المرأة ثم يمنعها قومها ويرغمونها على غير من تحب، فلا يقتلها إلا قلبها! وإن فكتور ليعرف أنه فارغ الخلقة ... من وسائل الحب كلها، ويعرف أنه في أحمض أنواع الهوى لا يعدل أكثر مما تعدل قشرة الليمونة المعتصرة، فكيف به في الثمر الحلو، وكيف به في حب لويز! لم يبق إذن إلا أن يخرج الوسيلة من يده، والمال أضعف الوسائل في الحب الصحيح وإن كان أقواها في الحب المكذوب، على أنه لا يجعله قويا من ضعف إلا أن يظل يمد بعضه بعضا، فإذا انفضت اليد أو أمسكت فلأن يقبض المحب على الريح أيسر من أن يضع يده على ظبية شاردة ... ومن أجل ذلك توسع الكونت البذل حتى كأنه كيس مخروق. ولم يعرف لها طلبا إلا بلغ فيه رضاها وحسب أن في رضاها محبتها. فكان يأتي بالحاجة التي كانت تطلبها والحاجة التي لم تطلبها، ويجعل كل شيء شيئين، "وأبى أن تعبد لها أن يكون عبدا بشهود وأدلة". وبقيت لويز تتربص به الأجل، فكانت له كحرف التسويف، ولا تزال تدفعه عن نفسها، وتروضه على الصبر، وتمنيه أنها تستتم فنون الجمال من أجله، وأن هذا القمر متى تم فسيدخل معه في المحاق.. لا محالة. وتظن باطلا أنه لم يبق منه إلا كما بقي منه من ذنب الوزغة تضرب به يمينا وشمالا ثم تموت، بيد أن الموت لم يستنقذها منه، وإن كان يرأف بها أحيانا وتدخله الرقة عليها فينيب عنه الروماتزم ليريحها بضعة أيام! ... وكان الرجل يخشى غضبها ويطمع في رضاها فكان يستعين ببعضه على بعضه، ويعلم أنها ترى الصبر أحسن ما فيه فيترك أقبح ما فيه ويصبر، فلما استوت فتنتها ولم يبق من باطلها ما تتعلل به أو تتملق به علة، ورآها قد أخذت زخرفتها وازينت واهتزت وريت، صار منها كحرف الجر لا يريد إلا أن يكون الجار والمجرور (متعلقين) ... وفرغ صبره واستقين أن له آخرة وأن صاحبته لا تزال في أول دلالها، وكانت تحسب أن الدهر نائما عنها فإذا عينه قد انتبهت في أجفان هذا الشيخ فنظر إليها نظرة لا صواب فيها.... وباغتها الرجل فخيرها بين أمرين خيرهما شر: إما طريق إلى صدره وإما طريق من غدره، ومع الأولى الوصية بالمال، ومع الأخرى أن تذهب في الحال! وكذلك غلبها على أمرها وانتصر في معركة كان لا بد من أن يخر فيها أحدهما صريعا، وقد استحال أن يكون المغلوب غيرها، وإن عثرة تستنهض منها بعد حين خير من عثرة لا تستقيلها، ورأت الظبية أن لا مناص، فوقعت في يد القناص ... يا ليل

стр. 39

الليل منسدل كأنه حجاب مضروب بين الحياة والأحياء، مجتمع الظلمة كأنما هي ذنوب الناس في نهارهم جعلت الملائكة ترسلها إلى السماء، وتغشى الأرض معنى من خشية الله فنفرت له دموع المساكين، وأقبلت عليه أنفاس المحزونين، وبرزت له في آثار الظلم دعوات المظلومين، وقد ارتفع إلى الله صوت يتقطع زفرات، ويتلهب حسرات، ويسل من الدمع قطرات، وكان صوت لويز وهي تزفر الزفرة تكاد تنشق لها، وترسل الأنة تكاد تدفن فيها، وما بها فتسكته عنها، ولا بها الحزن فتمسحه بدمعها، ولا بها الهم ولا بها الغضب، ولا أمر مما يتواصفه أهل البلاء ويبثونه في شكوى أحزانهم وإنما ذلك شيء إن يكن من الحياة فليس بالحياة، وإن يكن من الموت فليس بالموت، ولعله منازعة الحياة والموت على قلبها! ما بك يا لويز وقد بت زوج الكونت الذهبي، وهو عما قليل آخذ ما أمامه، وتارك ما وراءه، وما بك أيتها المسكينة وقد كنت فقيرة بائسة لا تملكين قوت يوم فقبضت على أعناق سبعين سنة تجمع المال وتكنزه، وما بك عمرك الله وقد خرجت من الكوخ إلى القصر، وصعدت من العريش إلى العرش، وإن كانت حواء قد طردت من الجنة فقد طردت أنت إلى الجنة وفي الجنة قوم يقادون إليها بالسلاسل ... ! قالت المرأة وهي تناجي ربها: ماذا قضيت علي؟ لقد وضعت الدنيا في راحتي وكأن مملكة آمالي مرسومة في كفي، ولكن أي فرق بيني وبين تمثال من الذهب الخالص في منزل هذا الرجل! لقد رددتني من فقري وذلي إلى رجل رددته أسفل السافلين فما يريني الدنيا التي أعرف أنها الدنيا ولكنه يريني الآخرة! ... يا ويلتا! إن لم يخجل الرجل من شيء أفلا يخجل من أنه لا يخجل؟ أبى هذا الموت لشقائي إلا أن يتخذني زوجته، وكنت خليقة أن أجعله أسعد رجل في الدنيا لو اتخذني ابنته! اللهم إنك رزقتني العافية في كل جوارحي ولم تصبني إلا في القلب! يا ويلتا ما أنا إلا لعبة في يد هذا الطفل، لا يلذه شيء أكثر من تحطيمها في طرق لذته، وقد خلقت يا رب من يحطم القلوب الصحيحة، ولم تخلق من يستطيع أن يجبر القلوب المكسورة، وأنه ليس فيما برأت وذرأت مخلوق أشد تعبا من يفتش في قلبه عما ليس في قلبه، وهل من الممكنات أو في أشباه الممكنات أن أجد في ناحية من قلبي حب هذا الزوج؟ لقد عرف الناس أن قلب المرأة كثير العبث، وهذا الذي يسمونه دلالا ويسبونه في الحب إنما هو شيء من عبثه، وأن هذا القلب إنما خلق ليحب، ولذلك أعطي قوة يخلق بها الحب من العدم، غير لأنهم جعلوا فيما يجهلون من أسرار المرأة أن ذلك القلب إنما جاءه العبث بالرجال من أنه لا يطيق أن يعبث به أحد من الرجال، ومتى وجد من هؤلاء من يريده بنادرته ويجعله من هزله معرض السخرية وموضع العبث، لم يكن في الدنيا أحد أبغض إلى المرأة منه، وإن كانت الدنيا كلها في طلعته، وإن كان مخلوقا من رونق الشمس. أليس النساء يحببن حتى الكلاب ويرفهنها ويغالين بها وينزلنها منزلة الولد في الحب والانعطاف والتوجع والتحزن؟ فسبحانك اللهم! إن هذا القلب الذي يسع حب الكلب يضيق عن حب كثير من الرجال إذ يحبون المرأة حبا ليس فيه شيئا من روحها حب الزانية أو الاستمتاع أو الخدمة فكأنهم بذلك يبغضونها بغضا فيه كل روح. يا ويلتا! أعجزت أن أجد في هذه العاجلة نفسا أرى فيها نفسي؟ وهل حرمت علي كلمة الحب فلا يفيض بها صدري ولا ينطق بها لساني؟ وهل خلقت للؤلؤة لأكون في عقد من الحصى، ورسمني الله بهذا الجمال ليعذبني بهذا القبح؟ وما عسى أن ترد علي هذه النعمة ما دمت لا أجد لها سبيلا إلى قلبي، وما دام هذا القلب لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يعامل بالمال ... ؟ ضل ضلالكم أيها الناس إذ تحسبون النعمة حق النعمة في الغنى وحده، وتمضون الأمر على ما تخيلتم من ذلك، ولا تدرون أن الله ينتقم بالغنى أشد مما ينتقم بالفقر، فلو أني بليت بالمصيبة وأنا امرأة خاملة لا احتملتها وقلت خمول عرفته فما يبلغ به ولا يزيد ني بنفسي ولا بنفسه معرفة، ومن رحمة الله بالفقراء الخاملين أن في كل بلاء يعتريهم ما يعينهم على حمل بلاء أشد منه، ولكن الضربة اليوم لا تصدع الصدقة بل تستحق اللؤلؤة، فاللهم لا قوة إلا بك!

стр. 40

وما أشبهني إذ قتل هواي هذا الكونت، بزنجي من زنوج أميركا اغتال سيدا من البيض، فلم يجدوا له عذابا إلا أن يشدوا قتيله في وثاقه، وتركوه يبلى تحت عينيه ويسيل جوفه تحت أنفه ويتناثر لحمه على صدره! ... وهكذا يقتله القتيل وحده بالرعب والجنون قتلة لا وصف لها في لغة الحياة. ولقد كنت بائسة يطير بها الفضاء ويقع فلا تزال دهرها تحت جناح مخفوض من رحمة الله أو فوق جناح منشور من الأمل في رحمته، فلما وجدت الغنى واستشرفت السعادة، شغلني تالله بهم نفسي، فشغلتني نفسي عن النعمة فلا تزيدني ني النعمة إلا هما! وقد كتب الله علي أن يقتلني بغض هذا الرجل فوهبني الغنى من يده وحسب الناس أن ذلك لكيما استمتع به، وعلم الله أن ذلك لكيما أتصل بقاتلي! فاللهم قد أحيط بي وليس ورائي منفسح، فمن حيث التفت لا أ ﴿ى غير ما قضيت علي أن أرى، وهذا امتحان أينما أنوجه في الحياة لا تقابلني الحياة إلا بمسألة من مسائله المعضلة! إن كلمات القضاء لا تقرأ لأنه لا ينزل بالناس إلا معانيها، على أن الكلمة الأزلية التي يكون معناها هذا الزواج وهذا الزوج لا بد أن تكون جملة كاملة من غضب الله في السماء، لا يقابلها إلا سيرة كاملة من ازدراء الناس في الأرض. قال "الشيخ علي": ونفرت دموع هذه المرأة تخفف من يأسها، وأنه ليأس أكبر مما تحتمل نفسها من الصبر لو أنه من وجه ذلك الزوج وحده ... فكيف به ومع ذلك شبابها الهالك، وآمالها الضائعة، وغصة من شماتة الناس وازدرائهم، وبلاء من نعمة سابغة ستنقلب فضيحة وسخرية؟ واهاً لك أيتها المسكينة! إن مصيبة الأغنياء لتكشف نفسها فهم يحملونها ويحملون آراء الناس فيها، وإن المصيبة لتكون واحدة ولكنها ترتد إليهم من قلوب الشامتين من أعدائهم والمتربصين من حسادهم والمتوجعين من سائر الناس وكأنها مصائب كثيرة لا تعد. والمرء لا يأخذ من الله بشرط ولا يعطيه الله على شرط، فإن كان في الغنى تلك النعمة ففي الغنى هذا الهم، وما رأيت أيسر اضطرابا من الماء الراكد قذف بحجر، إلا الغني الغافل قذف بمصيبة! ويحكم أيها الأغنياء! متى رأيتم ثمرة لا تسقط أبدا من غصنها الأخضر وثمرة تسقط من الغصن ثم ترد إليه فتعلق به وتنضج عليه، فاعلموا يومئذ أن غناكم هذا نعيم لا رزيئة فيه ولا مصيبة، لأن هذا الكون حينئذ يكون فوضى لا نظام له ولا قرار. وانصدع الفجر، وأقبلت الحياة تتنفس من مباسم الأزهار، وتتغنى بألسن الأطيار، والفتاة موجسة أن ترى طلعة شيخها، وكأن هذه الطلعة صبح غير الصبح، وودت لو وقف الزمن، فإن لم يكن فوقوف الأرض، فإن لم يكن فوقوف قلب هذا الشيخ، وخيل إليها لأنها ستقرف بإثم منكر إذا هو بادرها قبلة الصباح على مثل شفق الشمس من خديها، وأنها لا ترمى بمسبة أوجع ولا أمض من قوله: حبيبتي! ... وانسلخ الليل، وطارت الأحلام، وأفصحت الحقيقة، واستيقظ الكونت ... على المائدة زهرات ناضرة كأنما اختبأت فيها ابتسامة الفجر، عاطرة كأنها رسالة اللقاء بعد الهجر، بديعة التنميق تحسبها قصيدة من شعر الألوان، متفتحة للحب وكأنها لكتاب الحب عنوان، متلائمة مصفقة، متلاثمة كالشفة على الشفة، قائمة في جلالها وحسنها كأنها في خلقة الجمال آية، وكل زهرة في لونها كأنها لدولة من دول الحسن راية، وقد جلست إليها غادة فتانة كأنها في رقتها روح النسيم وفي نضرة شبابها روح الحديقة، ولاحت الأزهار كأنما هي خيالات جمالات جمالها، وظهرت الغادة كأنها هي الحقيقة. تلك هي لويز في صبيحة عرسها على المائدة وقد أثبتت في كل زهر لحظا من لحاظها، ولا يشك من رآها في تلك الحال وهي ترتقب ظهور زوجها أنها تنفس على هذه الأزهار شابها ونضرتها وحسن ملاءمتها، وتحسدها على أن ليس لها أعواد من الحطب يفسد نظامها وتنكر بهجتها وتغص من حسنها كما ابتليت هي بزوج من عود ...
следующие страницы →