← Книги сунны

Книги сунны · id 541

القسم الثاني من المعجم الأوسط للطبراني

الطبراني

Полный текст (1 397 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ مَنْزِلِي، فَجَعَلْتُ سَيْفِي وَجِرَابِي وَنَعْلِي (١) عِنْدَ رَأْسِي، وَاسْتَقْبَلْتُ بِوَجْهِيَ الأُفُقَ. فَلَمَّا نِمْتُ سَاعَةً انْتَبَهْتُ، فَإِذَا رَأَيْتُ عَلَيَّ لَيْلا نِمْتُ، حَتَّى انْشَقَّ عَمُودُ الصُّبْحِ الأَوَّلُ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْطَلِقَ، فَإِذَا إِنْسَانٌ يَسْعَى يَدْعُو: يَا بِلالُ! أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ. فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَإِذَا أَرْبَعُ رَكَائِبَ مُنَاخَاتٌ، عَلَيْهِنَّ أَحْمَالُهُنَّ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَأْذَنْتُ. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبْشِرْ، فَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِقَضَائِكَ». فَحَمِدْتُ اللَّهَ. فَقَالَ: «أَلَمْ تَمُرَّ عَلَى الرَّكَائِبِ الْمُنَاخَاتِ الأَرْبَعِ؟» قُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ: «إِنَّ لَكَ رِقَابَهُنَّ وَمَا عَلَيْهِنَّ، فَإِنَّ عَلَيْهِنَّ كِسْوَةً، وَطَعَامًا (٢) أَهْدَاهُ إِلَيَّ عَظِيمُ فَدَكَ (٣)، فَاقْبِضْهُنَّ، ثُمَّ اقْضِ دَيْنَكَ». فَفَعَلْتُ، فَحَطَطْتُ عَنْهُنَّ أَحْمَالَهُنَّ، ثُمَّ عَلَفْتُهُنَّ، ثُمَّ قُمْتُ إِلَى تَأْذِينِ صَلاةِ الصُّبْحِ. حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، خَرَجْتُ إِلَى الْبَقِيعِ، فَجَعَلْتُ إِصْبَعِي فِي أُذُنِي، فَنَادَيْتُ: مَنْ كَانَ يَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِدَيْنٍ فَلْيَحْضُرْ. فَمَا زِلْتُ أَبِيعُ وَأَقْضِيَ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دِينٌ فِي الأَرْضِ، حَتَّى فَضَلَ فِي يَدَيَّ أُوقِيَّتَيْنِ (٤)، أَوْ أُوقِيَّةٌ وَنِصْفٌ. ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ ذَهَبَ عَامَّةُ (٥) النَّهَارِ، وَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ.

стр. 492

فَقَالَ لِي: «مَا فَعَلَ مَا قِبَلَكَ؟» فَقُلْتُ: قَدْ قَضَى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ عَلَى رَسُولِهِ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ. فَقَالَ: «أَفَضُلُ شَيْءٌ؟» … فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: «انْظُرْ أَنْ تُرِيحَنِي مِنْهَا، فَإِنِّي لَسْتُ داخِلاً (١) عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِي حَتَّى تُرِيحَنِي مِنْهُ». فَلَمْ يَأْتِنَا أَحَدٌ حَتَّى أَمْسَيْنَا. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَتَمَةَ دَعَانِي، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ مَا قِبَلَكَ؟» قُلْتُ: هُوَ مَعِي لَمْ يَأْتِنَا أَحَدٌ، فَبَاتَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى أَصْبَحَ، وَصَلَّى الْيَوْمَ الثَّانِي حَتَّى كَانَ فِي آخِرِ النَّهَارِ جَاءَهُ رَاكِبَانِ، فَانْطَلَقْتُ بِهِمَا فَأَطْعَمْتُهُمَا، وكَسَوْتُهُمَا. حَتَّى إِذَا صَلَّى العَتَمَةَ دَعَانِي، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلَكَ؟» فَقُلْتُ: قَدْ أَرَاحَكَ اللَّهُ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَبَّرَ، وَحَمِدَ اللَّهَ شَفَقًا مِنْ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ وَعِنْدَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ اتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَاءَ أَزْوَاجَهُ، فَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ امْرَأَةٍ، حَتَّى أَتَى مَبِيتَهُ، فَهَذَا الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ، ﷺ . * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن بلالٍ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: مُعَاوِيَةُ بن سلام. أولًا: - تخريج الحديث: • أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١١٩)، وفي "مسند الشاميين" (٢٨٦٩)، وفي "الأحاديث الطوال" (٤٩) - ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٤٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤/ ٣١٥) -، قال: حدثنا أحمد بن خُليد، به، وعند أبي نُعيم مُختصرٌ جدًّا. • وأخرجه حمَّاد بن إسحاق الأزدي في "تركة النبي ﷺ والسُّبل التي وجَّهَهَا فيها" (ص/ ٧٣)، من طريق يحيى بن أَكْثَم. وأبو داود في "سننه" (٣٠٥٥) ك/الخَرَاج، ب/الإمام يقبل هدايا المشركين - ومن طريقه البيهقي في "السنن الكُبرى" (١٨٧٩١)، وفي "دلائل النبوة" (١/ ٣٤٨) -. والبزَّار في "مسنده" (١٣٨٢)، قال: حدَّثنا الفُضَيل بن عبد الله، ومحمد بن عبد الله التميمي، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١١٤٣٥)، وفي "دلائل النبوة" (١/ ٣٤٨)، من طريق أبي حاتم الرازي. خمستهم (يحيى، وأبو داود، والفُضَيل، والتَّميمي، وأبو حاتم)، عن الرَّبيع بن نافع، بسنده، وبلفظه، إلا أحرُفًا يسيرة، واختصر أبو داود بعض مواضعٍ في المتن، وعند البيهقي من طريق أبي داود مُختصرٌ جدًّا. وقال البزّار: لا نعلمه يُروى عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه، بهذا الإسناد. • وأخرجه أبو داود في "سننه" (٣٠٥٦) ك/الخَرَاج، ب/الإمام يقبل هدايا المشركين، من طريق مَرْوان بن

стр. 493

محمد الطَّاطِريّ؛ وابن حبَّان في "صحيحه" (٦٣٥١)، من طريق مَعْمَر بن يَعْمَر الَّليثي. كلاهما (مَرْوان، ومَعْمَر)، عن مُعاوية بن سَلَّام - من أصحّ الأوْجه عنه (١) -، به، إلا أَحرُفًا يسيرة. ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو تَوْبة الرَّبيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٣) مُعاوية بن سَلَّام: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٤) زيد بن سَلَّام: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٥) أبو سَلَّام مَمْطُور الأسود الحَبَشِيّ: "ثِقَةٌ، يُرْسل"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٦) عبد الله بن لُحَيّ الحِمْيَريُّ، أبو عامر الهَوْزَنيُّ، الشَّاميُّ، الحِمْصيُّ، والد أبي اليمان. روى عن: بلال مؤذن النبي ﷺ ، ومعاوية بن أبي سفيان، والمِقْدام بن مَعدي كرب ﵃، وآخرين. روى عنه: أبو سَلَّام الأَسْود، وابنه أبو اليمان عامر بن عبد الله، وأزهر بن عبد الله، وآخرون. حاله: قال العِجليّ، وابن عمَّار، وابن خَلَفون، وابن عبد البر، والذهبي، وابن حجر: "ثِقَةٌ". وزاد العجلي: من كبار التابعين. وزاد ابن حجر: مُخضرمٌ. وقال الذهبي: من قدماء التابعين، أدرك الإسلام من أوله. (٢) ٧) بلال بن رباح، القُرشيُّ، التيْميُّ، أبو عبد الله، ويُقال أبو عبد الرحمن، مؤذن النبي ﷺ . روى عن: النبي ﷺ . روى عنه: أبو بكر الصِدِّيق، وعُمر بن الخطَّاب، وعبد الله الهَوْزَنيُّ ﵃، وآخرون. شَهِدَ بدرًا، والمشاهد مع رسول الله ﷺ ، من السَّابقين إلى الإسلام، ومِمَّن عُذِّب في الله ، فَصَبَرَ. (٣) ثالثًا: - الحكم على الحديث: من خلال ما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "صحيحٌ لذاته"، والحديث أخرجه ابن حبَّان في "صحيحه"، وصححه الحافظ ابن حجر في "الفتح". (٤) رابعًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُروى هذا الحديث عن بلال إلا بهذا الإسناد، تفرَّدَ به مُعاوية بن سلَّام. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يتضح أنَّ هذا الحديث لا يُروى عن بلال إلا بهذا الإسناد، وأنَّ التفرُّد فيه مُتَوَقِّفٌ عند معاوية بن سلَّام، ثم اشتُهر عنه، فرواه عنه مَرْوان بن مُحمَّد، ومَعْمَر بن يَعْمَر، والرَّبيع بن نافع.

стр. 494

- وقد وافقه على ذلك البزَّار ﵁، لكنَّ عبارته جاءت أوْسع من عبارة المصنف ﵁، فقال: لا نعلمه يُروى عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه، بهذا الإسناد. فأطلق التفرُّد المُطلَق على الصحابي، وأنَّه لا يُرْوَ إلا من حديث بلال، وأنَّه لا يُرو عن بلال إلا بهذا الإسناد؛ ومن خلال ما سبق عَرْضُه في التخريج يتضح أنه بالفعل لم يُروَ هذا الحديث إلا عن بلال بن رباح ﵁، لكن لا يُسَلَّم له في إطلاق التفرُّد في الإسناد، إذ أنَّ التفرُّد فيه متوقف عند معاوية بن سَلَّام، والبزار أخرجه من طريق الرَّبيع بن نافع، ولم ينفرد به الرَّبيع، بل تابَعَه الطَّاطري، ومَعْمَر بن يَعْمَر؛ لذا فعبارة المصنف ﵁ "تفرَّد به معاوية" أضبط، وأحْكم، والله أعلم. خامسًا: - التعليق على الحديث: - أخرج الإمام أبو داود، والترمذي، من حديث عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، قَالَ: أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةً، فَقَالَ: "أَسْلَمْتَ؟ " فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ". (١) قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، ومعنى قوله: "إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ": أي هداياهم. وقد رُوي عن النبي ﷺ أنَّه كان يقبل من المشركين هداياهم، وذُكر في الحديث الكراهية، واحتُمل أن يكون هذا بعد ما كان يقبل منهم، ثم نهى عن هداياهم. - بينما قال الطبري: كلا الخَبَرَيْنِ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ في أَحَدِهِمَا إِبْطَالُ مَعْنَى ما في الآخَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَبُولَ النَّبِيِّ ﷺ ما قَبِلَ مِنْ هَدِيَّةٍ مَنْ قَبِلَ هَدِيَّتَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّمَا كَانَ نَظَرًا مِنْهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ، وَعَوْدًا مِنْهُ بِنَفْعِهِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، لَا احْتِجَابا مِنْهُ لِذَلِكَ دُونَهُمْ، وَلَا إِيثَارًا مِنْهُ نَفْسَهُ بِهِ عَلَيْهِمْ. وَلِلْإِمَامِ فِعْلُ ذَلِكَ، وَقَبُولُ هَدِيَّةِ كُلِّ مُهْدٍ إِلَيْهِ مِنْ مُلُوكِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَغَيْرِهِمْ، إِذَا كَانَ قَبُولُهُ مَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ نَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَنَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ. وَأَمَّا رَدُّهُ ﷺ مَا رَدَّ مِنْ هَدِيَّةِ مَنْ رَدَّ هَدِيَّتَهُ مِنْهُمْ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ أَهْدَاهَا لَهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَرَ قَبُولَهُ ذَلِكَ مِنْهُ، تَعْرِيفًا مِنْهُ لِأَئِمَّةِ أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ قَبُولُ هَدِيَّةِ مُهْدٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ. فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الَّذِي قُلْنَا، إِذْ كَانَ قَوْلُهُ ﷺ : "إِنَّا لا نَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ"، وَقَوْلُهُ: "هَدَايَا الإِمَامِ غُلُولٌ"، قَوْلًا عَامًّا مَخْرَجُهُ، لا دليل فيه على خُصُوصِهِ، فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي أَنَّ اللَّهَ ذِكْرُهُ قَدْ أَبَاحَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمْوَالَ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَهُمْ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ (٢)، فَهُوَ بِطِيبِ أَنْفُسِهِم، لَا شَكَّ أَنَّهُ أَحَلُّ وَأَطْيَبُ. (٣) * * *

стр. 495

(٦٧/ ٤٦٧) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زيد بْنِ سَلَّامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ (١)، أَنَّ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا (٢) عِنْدَ رسول الله ﷺ فَجَاءَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يَسْقُطُ مِنْهَا. فَقُلْتُ لَهُ: أَوَلا تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي». فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟» قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنِي. فَنَكَتَ (٣) بِعُودٍ كَانَ مَعَهُ، فَقَالَ: «سَلْ». فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجَسْرِ (٤)». قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً (٥)؟

стр. 496

قَالَ: «فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ». فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُم (١) حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «زِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ (٢)». قَالَ: فَمَا غَدَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا (٣)؟ قَالَ: «يُنْحَرُ لَهُمْ ثَور (٤) الْجَنَّةِ الَّذِي يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا». قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «مِنْ عَيْنٍ تُسَمَّى سَلْسَبِيلا (٥)». قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ لا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، إِلا نَبِيٌّ، أَوْ رَجُلٌ، أَوْ رَجُلانِ. قَالَ: «يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟» قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنِي. قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ. فَقَالَ: «مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ، أَذْكَرَا (٦) بِإِذْنِ اللَّهِ،

стр. 497

وَإِذَا عَلا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ، آنَثَا (١) بِإِذْنِ اللَّهِ». فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ، وَإِنَّكَ نَبِيٌّ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَذَهَبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ سَأَلَنِي عَمَّا سَأَلَنِي عَنْهُ، وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى أَتَانِي اللَّهُ بِهِ». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ بهذا التَّمَامِ عن ثَوْبَانَ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: معاوية بن سَلامٍ. أولًا: - تخريج الحديث: • أخرجه المصنف ﵁ في "الكبير" (١٤١٤)، وفي "الشاميين" (٢٨٦٨)، - ومن طريقه أبو نعيم في "المُستخرَج على صحيح مسلم" (٧١٠/ ١)، وفي "الحلية" (١/ ٣٥١)، وفي "معرفة الصحابة" (١٤١٣)، وفي "صفة الجنَّة" (٣٣٧) -، قال: حدثنا أحمد بن خُليْد، به. • وأخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" (٣١٥/ ١) ك/الحيْض، ب/بيان صفة مني الرَّجل والمرأة، وأنَّ الولد مخلوقٌ من مائهما - ومن طريقه البغوي في "الأنوار في شمائل النبي المُختار" (٥٩) -، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (١١٨)، والبزار في "مسنده" (٤١٦٨ و ٤١٧٦)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٣٢)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٨٤٣)، وأبو عَروبة الحَرَّاني في "الأوائل" (١٠٢)، والطحاوي في "شرح المُشكل" (٢٦٥٩)، وابن مندة في "التوحيد" (٨٦/ ١)، والحاكم في "المستدرك" (٦٠٣٩)، وأبو نعيم في "المُستخرَج" (٧١٠)، والبيهقي في "الكبرى" (٧٩٨)، وفي "الدلائل" (٦/ ٢٦٣)، وفي "البعث" (٣١٥)، وأبو القاسم الأصبهاني في "دلائل النبوة" (٧٤/ ١)، وبرقم (٢٩٠/ ١)، وفي "الحجة في بيان المحجة" (٢١٨/ ١). كلهم من طرقٍ عدة، عن أبي توبة الرَّبيع بن نافع، بسنده، والجميع بمثله، وبطوله، إلا ابن أبي الدنيا، وأبا عروبة، والبيهقي في "البعث"، فمُختصرًا، وبدون ذكر السؤال الأخير عن الولد. وذكره الطحاوي مختصرًا، بذكر السؤال عن الولد فقط، وذكره ابن مندة في "التوحيد"، وأبو القاسم الأصبهاني، بذكر أول الحديث وآخره، وبدون ذكر السؤال عن طعام وشراب أهل الجنَّة. - وقال البزار عقب الموضع الأول: وهذا الحديث قد روى نحو كلامه، فأمَّا بهذه الألفاظ وهذا الطول فلا نعلم أحدًا رواه إلا ثوبان، ولا نعلم له طريقًا عن ثوبان إلا هذا الطريق، وطريقه حسن. وقال عقب الموضع الثاني: وهذا الحديث بهذا اللفظ لا نحفظه إلا عن ثوبان، بهذا الإسناد، وقد رُوى نحو كلامه عن النبي ﷺ من غير وجه، ولكنَّ اللفظ الذي رواه ثوبان لم يُتابعه عليه فيما اتصل لنا مِن أهل الحديث أحدٌ. - وقال الحاكم في "المستدرك": صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. - قُلتُ - والله أعلم -: لكنَّ الحديث ليس على شرط كتابه؛ فقد أخرجه الإمام مسلم - كما سبق -.

стр. 498

• وأخرجه مسلمٌ في "صحيحه" (٣١٥/ ٢) ك/الحيض، ب/بيان صفة مَنيِّ الرجل والمرأة، وأنَّ الولد مخلوق مِن مائهما، وابن مندة في "التوحيد" (٨٦/ ٢)، وأبو القاسم الأصبهاني في "دلائل النبوة" (٧٤/ ٢)، وبرقم (٢٩٠/ ٢)، وفي "الحجة في بيان المحجة" (٢١٨/ ٢)، مِن طريق يحيى بن حَسَّان. وأخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٩٠٢٥) ك/عِشرة النساء، ب/كيف تُؤْنِثُ المرأة، وكيف يُذْكِرُ الرَّجُل، وابن مندة في "التوحيد" (٨٦/ ٣)، وأبو القاسم الأصبهاني في "دلائل النبوة" (٧٤/ ٣)، وبرقم (٢٩٠/ ٣)، وفي "الحجة في بيان المحجة" (٢١٨/ ٣)، مِن طريق مَرْوان بن محمد الطَّاطِري. وأخرجه ابن حبَّان في "صحيحه" (٧٤٢٢)، من طريق مَعْمَر بن يَعْمَر. ثلاثتُهم (يحيى، ومَرْوان، ومَعْمَر)، عن مُعاوية بن سلَّام، بسنده، كلهم بمثله وطوله، إلا عند ابن مندة، وأبو القاسم الأصبهاني فمختصرًا، بذكر أوله وآخره، وبدون السؤال عن طعام وشراب أهل الجنَّة. • وأخرجه مَعْمر بن راشد في "الجامع" - كما في "المصنف" برقم (٢٠٨٨٤) -، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجلٍ، عن ثوبان مَوْلى رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث بنحوه، لكنه في مسألة الولد قال: " فَإِذَا عَلا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَمِنْ قِبَلِ ذَلِكَ الشَّبَهُ، وَإِذَا عَلا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ أَنْثَى بِإِذْنِ اللَّهِ، وَمِنْ قِبَلِ ذَلِكَ الشَّبَهُ". والذي في رواية معاوية بن سلَّام أنَّ علو أحد المائيين يأتي بالذكورة أو الأنوثة، على حسب ما علا من الماء فقط، وبدون ذكر الشبه لأحد الأبوين، وسيأتي مزيد إيضاح ذلك عند التعليق على الحديث. • والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥١)، من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: سَأَلَ حَبْرٌ من اليهود رسول الله ﷺ ، فقال: أين الناس يوم تُبَدَّل الأرض غير الأرض؟ قال: "هم في الظُّلمة دون الجسر". ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُليد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو توْبة الرَّبيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٣) معاوية بن سلَّام: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٤) زيد بن سلَّام: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٥) أبو سلَّام مَمْطُور الحَبَشيُّ: "ثِقَةٌ، يُرْسِلُ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٦) عَمرو بن مَرْثَد، أبو أسماء الرَّحَبيُّ، الشَّاميُّ، ويُقال: اسمه عمرو بن أسماء، والأول هو المشهور. روى عن: ثَوْبان مولى رسول الله ﷺ ، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي هريرة ﵃، وآخرين. روى عنه: أبو سلَّام الأسود، ومكحول الشَّامي، وربيعة بن يزيد، وآخرون. حاله: قال العجلي، وابن عبد البر، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان، وابن خَلَفون في "الثقات". وقال الذهبي: من كبار علماء الشام، وهو من كبار التابعين. فالحاصل: أنه "ثِقَةٌ، مِنْ كِبَار التَّابِعِيْن". (١)

стр. 499

٧) ثَوْبان بن بُجْدُد، ويُقال ابن جَحْدَر، أبو عبد الله الهاشميُّ، مولى رسول الله ﷺ . روى عن: النبي ﷺ . روى عنه: عَمرو بن مَرْثد، وشدَّاد بن أَوْس، وشُرَحْبيل الخَوْلانيُّ، وآخرون. أصابه سباء، فاشتراه رسول الله ﷺ وأعتقه، ولم يزل معه في السفر والحَضَر إلى أنْ تُوُفيَ النَّبيُّ ﷺ . (١) ثالثًا: - الحكم على الحديث: من خلال ما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "صحيح لذاته"، وأخرجه مسلم في "صحيحه"، وهذا كافٍ لإثبات صحته. وقال البزَّار: لا نعلم له طريقًا عن ثوبان إلا هذا الطريق، وطريقه حَسَنٌ. وأخرجه ابن حبَّان، وابن خُزيمة في "صحيحيهما"، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرطهما، ووافقه الذهبي. رابعًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُروى هذا الحديث بهذا التَّمام عن ثوبان إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّد به: معاوية بن سلَّام. قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يتضح أنَّ الحديث عن ثوْبان بهذا التَّمام، قد رُويَ بإسناد آخر غير هذا الإسناد، وأنَّه لمْ ينفرد به معاوية بن سلَّام، فلقد أخرجه مَعْمَر بن راشد في "الجامع" - كما في "المصنَّف" (برقم/ ٢٠٨٨٤)، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجلٍ، عن ثوبان، بنحو رواية الباب، لكنَّه زاد في جواب النبي ﷺ عن سؤال اليهودي عن الولد، بأنَّ علو أحد المائين - ماء الرجل، وماء الأنثى - يؤثر في مجيء الولد شبيهًا لأحد أبويْه - كما سبق بيانه في التخريج -. وقد رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥١)، من طريق مَعْمَر، فقال: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي أسماء، عن ثوبان، فرواه مختصرًا جدَّا. • لكن قد يُعْتَذَر للمصنف ﵁ بأحد أمريْن: أ أنَّه يقصد بقوله هذا أنَّ معاوية بن سلَّام، قد تفرَّد بهذا اللفظ، بتمامه، ولفظه، وقد سبق أنْ بَيَّنَّا أنَّ يحيى بن أبي كثير قد زاد فيه، وبالتالي فلا يُعترَض عليه. ب أنَّ يحيى بن أبي كثير "كثير التدليس، والإرسال"، وقد رَوى هذا الحديث في الطريقيْن بالعنعنة، فلعلّه روى هذا الحديث عن مُعاوية بن سلَّام بسنده، لكنّه أرْسَلَه، بالتالي فيعود الحديث إلى طريق رواية الباب، ولعلَّ المصنّف ﵁ قد وقف على هذا الطريق، لذا أطلق فيه التفرّد. • وممن ذهب إلى هذا القول أيضًا الإمام البزار ﵁، وقد سبق نقل كلامه في التخريج، ولكنّه زاد على المصنف بإطلاق التفرّد المُطلق لهذا الحديث، بهذا التَّمام، فقال: فأما بهذه الألفاظ، وهذا الطُّول، فلا نعلم أحدًا رواه إلا ثوبان. وقال: ولا نعلم له طريقًا عن ثوبان إلا هذا الطريق. قلتُ: وقد سبق الجواب عن هذا وبيانه. وقال أيضًا: وقد رُويَ نحو كلامه عن النبي ﷺ من غير وجه،

стр. 500

ولكنّ اللفظ الذي رواه ثوْبان لم يُتابعه عليْه فيما اتصل لنا من أهل الحديث أحد. قلتُ: ولم أقف - على حد بحثي - على أحدٍ من الصحابة روى هذا الحديث عن النبي ﷺ بهذا التَّمام، لكن روى عن الصحابة ﵃ ببعض أجزائه، ففي "صحيح مسلم"، عن عائشة ﵂، بذكر السؤال عن مكان الناس، يوم تُبَدَّل الأرض والسماوات، فقط. (١) وعند مسلم أيضًا من حديث أمِّ سُلَيْم ﵂، بذكر صفة مني الرجل، والمرأة، وأنَّ الولد مخلوقٌ من مائهما (٢)، وفي الباب أيضًا من حديث ابن عباس (٣)، وغيره. • ونلاحظ أنّ عبارة المصنف ﵁ أدقّ وأحكم؛ بقوله: تفرَّد به معاوية بن سَلَّام، وهذا بخلاف البزار، حيث قال: ولا نعلم له طريقًا عن ثوْبان إلا هذا الطريق - وقد أخرج الحديث من طريق أبي توبة الرَّبيع بن نافع -، وكما سبق فلم ينفرد به الرَّبيع بن نافع، بل تابعه ثلاثةٌ من الرواة، وهم: يحيى بن حسَّان، ومرْوان بن محمد، ومَعْمَر بن يَعْمَر - وبيَّنْتُ مَنْ أخرج روايتهم في التخريج -. خامسًا: - التعليق على الحديث: • قال ابن القيّم ﵀: إِنَّ سبْق أحد المائين سَبَب لشَبَه السَّابِق مَاؤُهُ، وعلوّ أَحدهمَا سَبَب لمجانسة الوَلَد للعالي مَاؤُهُ، فها هُنَا أَمْرَانِ: سبقٌ، وعُلوٌ، وقد يتفقان وقد يفترقان، فَإِنْ سبق ماءُ الرجل ماءَ المَرْأَة وعلاه كان الولد ذكرا والشَّبَه للرجل، وَإِنْ سَبَق ماءُ المَرْأَة وعلا ماءَ الرجل كانت أُنْثَى والشبه للْأُم، وَإِن سبق أَحدهمَا وَعلا الآخر كان الشّبَه للسابق مَاؤُهُ، والإذكار والإيناث لمن علا مَاؤُهُ. • وقد أجاب ﵀ عن التعارض الظاهري بين حديث الباب، وبين حديث سؤال الملك: أذَكَرًا أم أُنثى؟ فقال: فَإِنَّ الله قدَّر مَا قدَّره من أَمر النُّطْفَة من حِين وَضعهَا فِي الرَّحِم إِلَى آخر أحوالها بِأَسْبَاب قدرهَا، حَتَّى الشقاوة والسعادة والرزق وَالْأَجَل والمصيبة، كل ذَلِك بِأَسْبَاب قدرهَا، وَلَا يُنكر أَن يكون للإذكار والإيناث أَسبَاب كَمَا للشبه أَسبَاب، لكَون السَّبَب غير مُوجب لمسببه، بل إِذا شَاءَ الله جعل فِيهِ اقتضاءه، وَإِذا شَاءَ سلبه اقتضاءه، وَإِذا شَاءَ رتّب عَلَيْهِ ضد ما هُوَ سَبَب لَهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يفعل هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة فالموجب مَشِيئَة الله وَحده، فالسبب مُتَصَرَّفٌ فيه، لا مُتَصَرِّف، مَحْكُوم عَلَيْهِ، لا حَاكمٌ، مُدَبَّرٌ، ولا مُدَبِّر فلا تَضَادَّ بَين قيام سَبَب الإذكار والإيناث وسؤال الملك ربه تَعَالَى أيُّ الأمريْنِ يحدثه في الجَنِين، وَلِهَذَا أخبر سُبْحَانَهُ أَن الإذكار والإيناث وجمعهما هبة محضة مِنْهُ سُبْحَانَهُ رَاجع إِلَى مشيئته وَعلمه وَقدرته. (٤) • وأمَّا عن تحديد جنس الجنين، فهذا قرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العلم الإسلامي بشأن هذا الموضوع: إن المجمع يؤكد على أن الأصلَ في المسلم التسليمُ بقضاءِ الله وقدره، والرضى بما يرزقه الله؛ من

стр. 501

ولد، ذكراً كان أو أنثى، ويحمد الله تعالى على ذلك، فالخيرة فيما يختاره الباري جل وعلا، ولقد جاء في القرآن الكريم ذمُ فعلِ أهلِ الجاهلية من عدم التسليم والرضى بالمولود إذا كان أنثى، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (١)، ولا بأس أن يرغب المرء في الولد ذكراً كان أو أنثى، بدليل أن القرآنَ الكريم أشار إلى دعاء بعض الأنبياء بأن يرزقهم الولدَ الذكرَ، وعلى ضوء ذلك قرر المجمع ما يلي: أولاً: يجوز اختيارُ جنس الجنين بالطرق الطبيعية؛ كالنظام الغذائي، والغسول الكيميائي، وتوقيت الجماع بتحري وقت الإباضة؛ لكونها أسباباً مباحة لا محذور فيها . ثانياً: لا يجوز أيُ تدخل طبي لاختيار جنس الجنين، إلا في حال الضرورة العلاجية في الأمراض الوراثية، التي تصيب الذكورَ دون الإناث، أو بالعكس، فيجوز حينئذٍ التدخل، بالضوابط الشرعية المقررة، على أن يكون ذلك بقرار من لجنة طبية مختصة، لا يقل عدد أعضائها عن ثلاثة من الأطباء العدول، تقدم تقريراً طبياً بالإجماع يؤكد أن حالة المريضة تستدعي أن يكون هناك تدخل طبي حتى لا يصاب الجنين بالمرض الوراثي ومن ثم يُعرض هذا التقريرُ على جهةِ الإفتاء المختصة لإصدار ما تراه في ذلك . ثالثاً: ضرورة إيجاد جهات للرقابة المباشرة والدقيقة على المستشفياتِ والمراكزِ الطبية؛ التي تمارس مثلَ هذه العملياتِ في الدول الإسلامية، لتمنعَ أيَ مخالفة لمضمون هذا القرار. وعلى الجهات المختصة في الدول الإسلامية إصدارُ الأنظمةِ والتعليمات في ذلك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. انتهى هذا هو ما قرره المجمع الفقهي، وهو عدم الجواز إلا في حال الضرورة العلاجية في الأمراض الوراثية. ومن العلماء المعاصرين من يجيز التدخل الطبي لاختيار أحد الجنسين إذا كان ذلك بالضوابط التالية: الأول: أن لا يكون ذلك سياسة عامة للدولة ولكن يكون أمرا فرديا حتى لا يؤدي ذلك إلى الخلل في التوازن بين الإناث والذكور. الثاني: أن يكون ذلك للحاجة كأن يكون الشخص قد أنجب مجموعة من أحد الجنسين دون الجنس الآخر أو بسبب مرض وراثي أما من غير حاجة فلا يجوز فمن فعل ذلك ابتداء من أول زواجه أو مع إنجابه لكلا الجنسين فلا يجوز. الثالث: اتخاذ الضمانات اللازمة لمنع أي احتمال لاختلاط المياه المفضي إلى اختلاط الأنساب. الرابع: التأكيد على حفظ العورات وصيانتها من الهتك، وذلك من خلال قصر الكشف على موضع الحاجة قدرًا وزمانًا، وأن يكون من الموافق في الجنس درء للفتنة ومنعًا لأسبابها. الخامس: المراقبة الدائمة من الجهات ذات العلاقة لنسب المواليد وملاحظة الاختلال في النسب واتخاذ الإجراءات المناسبة من القوانين والتنظيمات لمنعه وتوقيه.

стр. 502

السادس: أن يكون تحديد جنس الجنين بتراضي الوالدين: الأب والأم. لأن لكل واحد منهما حقًا في الولد فإن اختلفا، فالأصل بقاء الأمر على حاله دون تدخل في التحديد درئًا لمفسدة الشقاق. السابع: اعتقاد أن هذه الوسائل ما هي إلا أسباب وذرائع لإدراك المطلوب لا تستقل بالفعل ولا تخرج عن تقدير الله وإذنه، فلله الأمر من قبل ومن بعد: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩)﴾ (١). أما من يرى التحريم فدليله ما في هذه العملية من مفاسد جمة لا تقابل المصلحة المترتبة عليها ولا ضرورة في حرمان الوالدين من جنس من الجنسين تستدعي منهم ارتكاب كل هذه المخاطر، من كشف العورة المغلظة واحتمال اختلاط الأنساب وكثرة النفقات وتعرض الجنين للأمراض والخطر وامتهان الإنسان والاختلال في التوازن الطبيعي بين الجنسين وأننا لو أبحنا ذلك بضوابط فإن هذه الضوابط في الواقع لن تطبق لقلة الثقة من الأطباء وعدم قدرة جل الناس على تمييز الثقة من غيره منهم، وأنه يغلب على الظن أن الناحية المادية هي التي ستكون الغالبة، في مثل هذه المسألة على الناحية الدينية والخلقية لا سيما في هذا الزمان فلم لا يرضى الإنسان بما قسم الله له ويترك الأمر لله ويجتهد في الدعاء ويأخذ بالأسباب الأخرى التي لا تشتمل على هذه المحاذير. وقد يجعل الله في الأنثى من البركة والخير ما لا يوجد في ذكور كثيرين وقد كان لنبينا ﷺ البنات دون البنين فإنهم ماتوا في الصغر، وكذلك لوط ﵇ فِمَن رُزِقَ بالإناث دون الذكور فليتذكر ذلك، وأن الله تعالى قال في شأن الزوجات ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ (٢). (٣) • وهذا الحديث يُعتبر من الإعجاز النبوي، إذ تحدَّث به النبي ﷺ منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان، وظلّ علماء الإسلام يفسّرون هذا الحديث ويتكلّمون به، ولم يصل إلى معرفته أحد من علماء الطب إلا في العصر الحديث. (٤) * * *

стр. 503

[٦٨/ ٤٦٨]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو [تَوْبَةَ] (١)، قَالَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اقْرَأُوا الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا (٢) لأَصْحَابِهِ، اقْرَأُوا الزَّهْرَاوَيْنِ (٣): سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ؛ فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ (٤)، أَوْ (٥) غَيَايَتَانِ (٦)، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ (٧) مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ (٨)، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا (٩)، اقْرَأُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ (١٠)؛ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، ولا

стр. 504

يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ (١)». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن زَيْدٍ إلا مُعَاوِيَةُ بْنُ سلَّام (٢). أولًا: - تخريج الحديث: • أخرجه المصنف ﵁ في "الكبير" (٧٥٤٤)، وفي "الشاميين" (٢٨٦٢) - ومن طريقه أبو نعيم في "المُستخرَج" (١٨٢٥/ ١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٩/ ٤٢٦) -، قال: حدثنا أحمد بن خُليد، به، لكنه في "الكبير"، قال: "يدافع لأصحابه"، بدلًا من "شفيعًا لأصحابه". • ومسلمٌ في "صحيحه" (٨٠٤/ ١) ك/صلاة المسافرين، ب/فضل قراءة القرآن، وأبو عوانة في "المسند" (٣٩٣٣) - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٥٥/ ٧١) -، وأبو نعيم في "المُستخرَج" (١٨٢٥/ ٢)، والبيهقي في "الكبرى" (٤٠٥٦)، وفي "الصغرى" (٩٩٨)، وفي "الشعب" (٢٣٧٢)، وفي "الأسماء والصفات" (٩٧٥). كلهم من طرقٍ، عن أبي توبة، به، وزاد مسلم، وأبو عوانة: قال معاوية: بَلَغَني أنَّ البَطَلَة السَّحَرَة. • وأخرجه مسلم في "صحيحه" (٨٠٤/ ٢) ك/صلاة المسافرين، ب/فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، من طريق يحيى بن حسَّان. والقاسم بن سلَّام في "فضائل القرآن" (ص/٢٢٩، ٢٣٤)، وإبراهيم الحربي في "غريب الحديث" (١/ ٢٢٢)، والفريابي في "فضائل القرآن" (٢٦)، ثلاثتهم، من طريق محمد بن شُعيب بن شابور. كلاهما (يحيى بن حسَّان، ومحمد بن شُعيب)، عن معاوية بن سلَّام، به، ورواية يحيى بن حسَّان بمثله، ورواية محمد بن شُعيب مُختصرًا، إلا عند القاسم في الموضع الثاني فبنحوه. • وأحمد في "مسنده" (٢٢١٤٧ و ٢٢١٩٣)، وابن حبَّان في "صحيحه" (١١٦)، والرَّامهرمزي في "المحدّث الفاصل" (٦٧٩)، والطبراني في "الكبير" (٧٥٤٢ و ٧٥٤٣)، والحاكم في "المستدرك" (٣١٣٥)، والبيهقي في "الشعب" (١٩٨٠)، والشجري في "أماليه" (١/ ١١٠ و ١/ ١١٢). كلهم من طرقٍ، عن يحيى بن أبي كثير - من أصحّ الأوجه عنه (٣) -، عن زيد بن سلَّام، به، وعند الحاكم مُختصرًا.

стр. 505

• وأخرجه ابن الضريس في "فضائل القرآن" (٩٢)، من طريق عطاء بن عجلان، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي أُمامة، مُطولًا. وفيه عطاء بن عجلان، قال فيه الحافظ ابن حجر: متروك. (١) ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو تَوْبة الرَّبيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٣) معاوية بن سلَّام: "ثِقَةٌ"، تَقَّدَم في الحديث رقم (٢). ٤) زيد بن سلَّام: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٥) أبو سلَّام مَمْطُور الحَبَشيُّ: "ثِقَةٌ، يُرسل"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). وقد تقدم الكلام على سماعه من أبي أُمامة في الحديث رقم (٣)، وصرَّح في رواية الباب بالسماع منه. ٦) أبو أمامة صُدَي بن عَجْلان البَاهِلِيُّ: "صَحَابِيٌّ جَليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣). ثالثًا: - الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "صَحيحٌ لذاته". والحديث أخرجه مسلم في "صحيحه"، وهذا كافٍ لإثبات صحته. شواهد للحديث: أخرج الإمام مسلم في "صحيحه" (٨٠٥) ك/صلاة المسافرين، ب/فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، من حديث النَّوَّاسَ بن سَمْعَانَ الكِلَابِيّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: " يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَآلُ عِمْرَانَ، وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ، قَالَ: كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا. رابعًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن زَيْدٍ إلا مُعَاوِيَةُ بْنُ سلَّام. قلتُ: ومما سبق في التخريج يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث لم ينفرد به معاوية بن سلَّام، عن زيد، بل تابعه يحيى بن كثير - كما سبق بيانه -، فلا يُسَلَّم للمصنف ﵁ فيما ذَكره، والله أعلم. * * *

стр. 506

[٦٩/ ٤٦٩]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ، قَالَ: نا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا عَمِلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً، حَلَّ بِهَا الْبَلاءُ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هِيَ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ الْفَيْءُ (١) دُوَلاً (٢)، وَالأَمَانَةُ مَغْنَمًا (٣)، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا (٤)، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، وَعَقَّ أُمَّهُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَبَرَّ الرَّجُلُ صَدِيقَهُ، وَجَفَا أَبَاهُ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ (٥) مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذلَهُمْ، وَاتُّخِذَتِ الْقِيَانُ، وَالْمَعَازِفُ، وَشَرِبُوا الْخُمُورَ، وَلَبِسُوا الْحَرِيرَ (٦)، فَانْتَظِرُوا مَسْخ (٧)، وَخَسْف (٨)». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن يَحْيَى إلا فَرَجُ بن فَضَالَةَ.

стр. 507

هذا الحديث مداره على يحيى بن سعيد الأنصاري، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: يحيى بن سعيد، عن محمد بن علي، عن علي بن أبي طالب ﵁. الوجه الثاني: يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيّب، عن عائشة رضى الله عنها. وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا: - الوجه الأول: يحيى بن سعيد، عن محمد بن علي، عن علي بن أبي طالب ﵁. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الترمذي في "سننه" (١) (٢٢١٠) ك/الفتن، ب/ما جاء في علامة حُلُول المَسْخ والخسف - ومن طريقه ابن الجوزي في "التبصرة" (١/ ١٧٧)، وفي "العلل المتناهية" (١٤٢١) -، وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (٥)، وابن حبَّان في "المجروحين" (٢/ ٢٠٧)، وابن بشران في "الأمالي" (١٢٤٨)، وأبو عمرو الداني في "السنن الواردة في الفتن" (٣٢٠)، وابن حزم في "المحلي" (٩/ ٥٦)، وفي "رسالته في الغناء" (٢) - مطبوعة ضمن "رسائل ابن حزم" (١/ ٤٣٠) -، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٤/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، والشجري في "أماليه" (٢/ ٢٥٤ و ٢/ ٢٦٨)، وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١٢٣٩)، وابن عساكر في "تبين كذب المفتري" (ص/٣٢)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١٤٢١/ ١ - ٣). كلهم من طرقٍ، عن الفرج بن فضالة - من أصحّ الأوجه عنه (٢) -، عن يحيى بن سعيد، بسنده، وبلفظ

стр. 508

رواية الطبراني في "الأوسط" - رواية الباب -، لكن بتقديمٍ وتأخيرٍ، ووقع في بعض الروايات - كما عند الترمذي، وابن بشران - "إِذَا كَانَ المَغْنَمُ دُوَلاً" بدل "إِذَا كَانَ الفَيءُ"، وكل مَنْ أخرجَ الحديث زاد الخصلة الخامسة عشر - التي لم يذكرها الطبراني -، وهي: "ولَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّة أَوَّلَهَا"، وفي رواية الترمذي: "فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْراء، أو خَسْفًا ومسْخًا"، وعند أبي القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب": "رِيْحًا صَفْرَاء، أو خَسْفًا، أو مَسْخًا"، وعند الباقون بالواو "رِيحًا حَمْرَاء، وخَسْفًا، ومَسْخًا". قال الملا علي القاري: (فَأَوْ) هُنَا لِلتَّنْوِينِ، وَالْوَاوُ هُنَاكَ لِلْجَمْعِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الجَمْعُ. (١) ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن خُليد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو توبة الرَّبيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٣) فَرَجُ بن فَضَالة: "ضعيفٌ يُعتبر به، إلا في حديثه عن يحيى بن سعيد، فروايته عنه منكرة، يَنْفرد عنه بأحاديث لا يتابعه عليها أحدٌ من أصحاب يحيى، وأمَّا روايته عن الشاميين فقال أحمد: لا بأس بها، فيُحسَّن حديثه عنهم إلا عند المخالفة"، تقدَّم في الحديث رقم (١٧). ٤) يحيى بن سعيد الأنصاري: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، حَافِظٌ، فَقِيهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٧).

стр. 509

٥) محمد بن علي بن أبي طالب، أبو القاسم، الهاشميّ، المَدَنيُّ، المعروف بابن الحَنَفِيَّة، والحنفية أمّه. روى عن: أبيه علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفَّان، وعبد الله بن عبَّاس ﵃، وآخرين. روى عنه: يحيى بن سعيد، وأبنائه: إبراهيم، والحَسَن، وعبد الله، وغيرهم. حاله: قال العجلي: كان رجلّا صالحًا تابعيًّا، ثِقَةً. وقال ابن حبَّان: كان من أفاضل أهل بيته. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ عَالِمٌ. وقال إبراهيم بن عبد الله بن الجُنيد: لا نعلم أحدًا أَسْنَد عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ ، أكْثر ولا أصحّ ممَّا أسند ابن الحنفية. فالحاصل: أنه "ثِقَةٌ، عَالِمٌ"، وأخرج له الجماعة. (١) ٦) عليُّ بن أبي طالب ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ثانيًا: - الوجه الثاني: يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيّب، عن عائشة. أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه أبو بكر أحمد بن علي الهَمَذاني في "حديثه عن شيوخه" (١٩) - بترقيم المكتبة الشاملة، والكتاب مخطوط نُشِر ضمن برنامجها - من طريق عبد الرحمن بن سعد بن سعيد، عن عمه يحيى بن سعيد الأنصاري، به. وأخرجه الدارقطني - معلّقًا - في "العلل" (١٤/ ٣٢٩/ مسألة ٣٦٧٣). ب دراسة إسناد الوجه الثاني: ١) عبد الرحمن بن سعد بن سعيد: لم أقف له - بعد البحث - على ترجمة. ٢) يحيى بن سعيد الأنصاري: "ثقةٌ، ثبتٌ، حافظٌ، فقيهٌ"، تقدّم في الحديث رقم (١٧). ٣) سعيد بن المُسيّب: أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، اتفقوا على أنّ مُرْسلاته أصحّ المراسيل. (٢) ٤) عائشة بنت أبي بكر الصِدِّيق: "أم المؤمنين، وزوجة النَّبي ﷺ "، تَقَدَّمت في الحديث رقم (٥). ثالثًا: - النظر في الخلاف في هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مداره على يحيى بن سعيد الأنصاري، واختُلف عليه من وجهين: الوجه الأول: يحيى بن سعيد، عن محمد بن علي، عن علي بن أبي طالب. الوجه الثاني: يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، عن عائشة. والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ كِلا الوجهيْن غير محفوظيْن عن يحيى بن سعيد؛ للقرائن الآتية: ١) الوجه الأول انفرد به فرج بن فضالة، عن يحيى، ولم يُتابعه عليه أحدٌ من أصحابِ يحيى، وقد صرَّح غير واحدٍ من أهل العلم أنَّه ينفرد عن يحيى بمناكير لا يُتابعه عليْها أحد - كما سبق في ترجمته -. ومثلُهُ كذلك الوجه الثاني الذي انفرد به عبد الرَّحمن بن سعد بن سعيد، وهو "مجهول الحال". (٣) ٢) أنَّ ما ذَكَرْتُهُ هو ما صَرَّح به الإمام الدَّارقطني في "العلل"، فقد سُئِل عن هذا الحديث، فبيَّن الخلاف

стр. 510

فيه على يحيى بن سعيد بالوجهيْن، ثم قال: وكلاهما غيرُ محفوظ. (١) رابعًا: - الحكم على الحديث: من خلال ما سبق يتضح أنّ الحديث "مُنْكَرٌ"؛ لأجل فرج بن فضالة، روايته عن يحيى بن سعيد الأنصاري مُنكرة، وقد انفرد به عنه، ولم يتابعه عليه فيه أحد من أصحاب يحيى؛ لذا تتابع العلماء على ذكر هذا الحديث في مناكيره، وحَكَم عليه البعض بالبطلان، وأقوالهم كالآتي: - قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلاَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ غَيْرَ الفَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ، وَالفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الحَدِيثِ وَضَعَّفَهُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ وَكِيعٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ. (٢) - وقال ابن حزم: وفرج بن فضالة متروك؛ تركه يحيى، وعبد الرحمن. (٣) قلتُ: وهذا تشدد من ابن حزم، وما ذكرتُهُ في ترجمة ابن فضالة كافٍ لإثبات ذلك. - وقال البرقاني في "سؤالاته للدارقطني": وسألتُه عن الفرج بن فضالة، فقال: ضعيف. قلت: فحديثه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن علي، عن علي، عن النبي ﷺ : "إذا عملت أمتى خمس عشرة خصلة"؟ قال: هذا باطل. قلت: من جهة الفرج؟ قال: نعم. قلت: يُخَرَّج هذا الحديث؟ قال: لا. (٤) ونقل كلامه الخطيب في "تاريخه"، والمزي في زياداته في "تحفة الأشراف"، والذهبي في "الميزان". (٥) - وقال البخاري في "التاريخ الكبير": فَرَج بن فَضالَة، عن يَحيى بن سَعِيد، مُنكَرُ الحديثِ. (٦) - وأسند ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": عن عمرو بن علي، قال: كان عبد الرحمن ابن مهدي لا يحدِّث عن فرج بن فضالة، ويقول: حدَّث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث مقلوبة مُنكرة. وقال أبو حاتم: حديثه عن يحيى بن سعيد فيه إنكار، وهو في غيره أحسن حالًا. (٧) - ونقل الخطيب عن الإمام أحمد، أنَّه قال: حديثه عَنْ يحيى بْن سعيد مُضْطَرِبٌ. (٨) وأسند الخطيب البغدادي، عن مسلم بن الحجَّاج، قال: فرج بن فضالة، عَنْ يحيى بن سعيد مُنكر الحديث. وأسند أيضًا، عن زكريَّا بْن يحيى الساجي، قَالَ: الفرجُ بن فضالة ضعيف الحديث، روى عَنْ يحيى أحاديث مناكير. وأسند إلى

стр. 511

الدَّارَقُطْنِيَّ، قَالَ: فرجُ بْن فضالة ضعيف الحديث، يَروي عَنْ يحيى بن سعيد أحاديث لا يُتابع عليها. (١) - وقال العلائي: إن كانت رواية محمد بن عمرو بن علي - التي عند الترمذي -: محفوظةٌ فهي مرسلة؛ لأن محمد بن عمرو لم يدرك جدَّه، وإن كانت الثانية فمحمد بن علي هو ابن الحنفية، وذلك مُرْسلٌ أيضًا؛ لأنَّ يحيى بن سعيد الأنصاري لم يُدركه، والحديث ضعيف أيضًا من جهة فرج بن فضالة. (٢) - والحديث عَدَّهُ ابن رجب في "شرح العلل" من مناكير الفرج، عن يحيى بن سعيد. (٣) - وضعّفه العراقي، والمُنذري (٤)، والألباني، وقال في "ضعيف الترغيب والترهيب": ضعيفٌ جدًّا (٥). شواهد للحديث: وللحديث شواهد لمجموعه لكنها ضعيفة - هذا باعتبار ما وَقَفْتُ عليْه، وما وصلتُ إليه بالبحث (٦) -، لكن للحديث شواهد لبعضه، منها: ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (٥٥٩٠) ك/الأشربة، ب/ما جاء فيمن يستحلّ الخمر ويسميه بغير اسمه، بسنده من حديث أَبِي عَامِرٍ، أَوْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ، سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ الْفَقِيرُ لِحَاجَتِهِ فَيَقُولُونَ ارْجِعُوا إلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعِلْمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». (٧) خامسًا: - النظر في كلام المصنف ﷺ على الحديث: قال المصنف ﵁: لم يَروِ هذا الحديث عن يحيى، إلا فَرَجُ بن فَضَالة. قلتُ: مِمَّا سبق يتضح صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁. ووافقه عليه الإمام الترمذي ﵀، فقال: هذا حديثٌ غريب لا نعرفه من حديث علي بن أبي طالب إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أحدًا رواه عن يحيى غير الفرج بن فضالة. وأسند الخطيب البغدادي في "تاريخه" إلى الدَّارقطني، أنَّه قال: ويَروي فرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد أحاديث لا يُتابَع عليْها. (٨) * * *

стр. 512

[٧٠/ ٤٧٠]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ (١)، قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ، قَالَ: نا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ (٢)، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ (٣)، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كُنْتَ فِي حُثَالَةٍ (٤) مِنَ النَّاسِ؟ - وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ -». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «صَبْرًا صَبْرًا، خَالِقُوا النَّاسَ بأَخْلاقِهِمْ، وخَالِفُوهُمْ في أَعْمَالِهِم». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عَنْ أبي ذَرٍّ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: أَبُو تَوْبَةَ. هذا الحديث مداره على أبي توْبة الرَّبيع بن نافع، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: أبو توبة، عن يَزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن أبي ذر ﵁. الوجه الثاني: أبو توبة، عن يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن ثوْبان ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا: - الوجه الأول: أبو توبة، عن يَزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن أبي ذر جُنْدَب بن عبد الله ﵁. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٥٤٦٤) - ومن طريقه البيهقي في "الزهد الكبير" (١٩٢) -، مِنْ طريقيْن، عن عثمان بن سعيد الدَّارميّ عن أبي توبة الرَّبيع بن نافع، به (٥).

стр. 513

- وقال الحاكم: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخيْن، ولم يخرِّجاه. وتعقَّبه الذهبي في "التلخيص"، فقال: يزيد بن ربيعة (١) لم يُخرِّجوا له، قال النسائي، وغيره: متروكٌ. ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن خُليد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو توبة الرَّبيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٣) يزيد بن ربيعة، أبو كامل الرَّحَبِيُّ، الدمشقي، الصنعانيُّ - صنعاء دمشق -. روى عن: أبي الأشعث الصنعاني، وأبي أسماء الرَّحْبيّ، وربيعة بن يزيد، وآخرين. روى عنه: أبو توبة الرَّبيع بن نافع، والوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، وآخرون. حاله: قال البخاري: حديثه مناكير. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، مُنكر الحديث، واهي الحديث، وفي روايته عن أبي الأشعث، عن ثَوْبان تخليط كثير. وقال ابن حبَّان: كان شيْخًا صدُوقًا، إلا أنه اختلط في آخر عمره، فكان يَرْوي أشياء مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم. وقال أبو مُسْهِر: كان قديمًا غير متهم فيما يُنكَر عليه أنَّه أدرك أبا الأشعث، لكني أخشى عليه سوء الحفظ والوهم. وقال ابن عدي: وأبو مُسهر أَعْلَمُ به، لأنه مِنْ بَلَدِهِ، ولا أعرف له شيئًا مُنكرًا قد جاوز الحدّ فأذكره، وأرجو أنه لا بأس به في الشاميين. - وقال دُحيم: ليس بشيء، وأُنْكِرُ أحاديثه عن أبي الأشعث. وقال السَّعدي: أحاديثه أباطيل، أخاف أن تكون موْضُوعة. وقال العقيلي، والنسائي، والدَّارقطني: متروك الحديث (٢). - فالحاصل: أنَّه "متروك الحديث"، وأنَّ روايته عن أبي الأشعث مناكير، وفيها تخليط كثير. ٤) شَرَاحيل بن آدة - بالمد وتخفيف الدال -، أبو الأشعث، الصَّنْعانيُّ، وقيل اسمه: شَراحيل بن شُرَحبيل بن كُلَيْب بن آدة، ويُقال: شَرَاحيل بن كُليب بن آدة، قال المزي: والأول أشهر. روى عن: أبي عثمان النَّهْديّ، وشدَّاد بن أوْس، وعُبادة بن الصَّامت، وآخرين. روى عنه: يزيد بن ربيعة الرَّحَبي، وعبد الله بن زيد الجَرْميّ، ومسلم بن يسار المكي، وآخرون. حاله: قال العجلي، وابن عبد البر، والذهبي، وابن حجر: "ثِقَةٌ". وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال في "مشاهير علماء الأمصار": كان مُتْقِنًا. وأخرج له البخاري في "الأدب المُفرد"، ومسلم، والأربعة. (٣)

стр. 514

٥) عبد الرَّحمن بن ملٍّ - بلامٍ ثقيلة، والميم مثلثة بالضم والفتح والكسر (١) - بن عمرو بن عدي بن وَهْب بن ربيعة بن سعد، أبو عثمان النَّهدي، الكوفي. روى عن: أبي ذر الغفاري، وعمر بن الخطّاب، وعلي بن أبي طالب ﵃، وآخرين. روى عنه: أبو الأشعث الصَّنْعانيّ، وأيُّوب السَّخْتِياني، وثابت البُنانيّ، وغيرهم. حاله: أدرك الجاهليّة، وأسلمَ على عهد النبي ﷺ ، وصَدَّقَ به، ولم يَلْقَه. وقال ابن سعد، وابن المديني، والعِجْلي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي: "ثِقَةٌ". وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: كان ثِقَةً إمامًا ثَبْتًا. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، عَابِدٌ. روى له الجماعة. وقال علي بن المديني: لم يسمع من أبي ذر (٢). ٦) أبو ذر جُنْدُب بن عبد الله بن جُنادة الغِفاري: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٤٢). ثانيًا: - الوجه الثاني: أبو توبة، عن يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن ثَوْبان موْلى رسول الله ﷺ . أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه البزار في "مسنده" (٤١٦٥)، عن شيخه إبراهيم بن سعيد الجوهري، والعُقيلي في "الضعفاء الكبير" (٤/ ٣٧٦) - في ترجمة يزيد بن ربيعة -، عن شيخه محمد بن أحمد بن الوليد. كلاهما (الجوهري، ومحمد بن أحمد بن الوليد)، عن أبي توْبة الرَّبيع بن نافع، به. وذكره الذهبي معلّقًا عن ابي توبة، بسنده، في "الميزان" (٤/ ٤٢٢). - وقال البزار - كما في "كشف الأستار عن زوائد البزار" (٣٣٢٤) - وقد ذكر مع هذا الحديث متونًا أخرى بهذا الإسناد أيضًا: قد رُوي بعضه من وجوه، وبعضه لا نعلمه يُروى إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. - وقال العقيلي: هذا يُروى بغير هذا الإسناد، وخلاف هذا اللفظ من طريقٍ صالحٍ. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد البزار): ١) إبراهيم بن سعيد الجوهري: "ثِقَةٌ، حَافِظٌ، تُكُلِّم فيه بلا حجة". (٣) ٢) أبو توبة، وما بعده إلى التابعي: تقدّم دراستهم في الوجه الأول. ٣) ثَوْبَان مولى رسول الله ﷺ : "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦٧). ثالثًا: - النظر في الخلاف في هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنّ هذا الحديث مداره على أبي توبة الرَّبيع بن نافع، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: أبو توبة، عن يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن أبي ذر ﵁.

стр. 515

الوجه الثاني: أبو توبة، عن يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن ثوبان ﵁. وقد رواه عن أبي توبة بالوجه الأول اثنان من الثقات، وهما: أحمد بن خُليد - كما في رواية الطبراني -، وتابعه عثمان بن سعيد الدارمي - كما في رواية الحاكم -. ورواه عن أبي توبة بالوجه الثاني اثنان أيضًا من الثقات، وهما: إبراهيم بن سعيد الجوهري - كما في رواية البزار -، وتابعه محمد بن أحمد بن الوليد - كما في رواية العقيلي -. والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ كلا الوجهين غير محفوظين، والحمل فيهما على يزيد بن ربيعة الرَّحَبي: قال فيه النسائي، وغيره "متروك الحديث"، بل وصرّح البخاري، ودُحيم، وأبو حاتم؛ بأنّ روايته عن أبي الأشعث الصَّنْعاني مُنكرة، وفيها تخليط كثير. والظاهر أنه لم يضبط هذا الحديث؛ لاضطرابه فيه: فرواه مرَّةً من حديث أبي ذر، ومرَّةً من حديث ثوْبان. وكوْن أبي توبة قد انفرد برواية هذا الحديث عنه، لا يضره، لكوْنه "ثِقَةٌ حُجَّةٌ" - كما سبق -، وقد رواه بعض الثقات عنه بالوجه الأول، وبعض الثقات عنه بالوجه الثاني، مع تساوي الطرفين، مما يدل على أنَّه حفِظه عن شيخه يزيد بن ربيعة، على الوجهين، وعليه فمدار ضَعْفِه على يزيد بن ربيعة - والله أعلم -. رابعًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني - بالوجه الأول -، وبإسناد البزار - بالوجه الثاني - "ضعيفٌ جِدًا"؛ لكون مداره على يزيد بن ربيعة "متروك الحديث"، وروايته عن أبي الأشعث مُنكرة، وفيها تخليط كثير. وإسناد الطبراني فيه علّة أُخرى، وهي: الانقطاع بين النّهدي، وأبي ذر، فقد قال علي بن المديني: لم يسمع أبو عثمان النّهدي من أبي ذر - كما سبق في دراسة الإسناد -. والحديث ذكره الهيثمي من حديث أبي ذر، وقال: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه يزيد بن ربيعة، وهو متروكٌ، ثم ذكره من حديث ثَوْبَان، وقال: رواه البزار، وفيه يزيد، وهو متروكٌ. (١) وقال الألباني: ضعيفُ جدًّا. (٢) شواهد للحديث: أشار الإمام العقيلي ﵀ عقب إخراجه لهذا الحديث إلى وجود شواهد له، فقال: "هذا الحديث يُروى بغير هذا الإسناد، وخلاف هذا اللفظ من طريقٍ صالحٍ". - ومِمَّا ثَبَتَ من الأحاديث الصحيحة التي تشهد لهذا الحديث بالمعنى، ما أخرجه أحمد في "مسنده" بسندٍ صحيحٍ، من حديث عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: "إِذَا مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا" وَشَبَّكَ يُونُسُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، يَصِفُ ذَاكَ، قَالَ: قُلْتُ

стр. 516

: مَا أَصْنَعُ عِنْدَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "اتَّقِ اللَّهَ ، وَخُذْ مَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِخَاصَّتِكَ، وَإِيَّاكَ وَعَوَامَّهُمْ". (١) وأصل هذا الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢)، مختصرًا (٣)، ومعلقًا بصيغة الجزم (٤). - وفي الباب عن أبي هريرة ﵁، أخرجه ابن حبَّان في "صحيحه" بسندٍ صحيحٍ، من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ"، قَالَ: وَذَاكَ مَا هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "ذَاكَ إِذَا مَرِجَتْ أَمَانَاتُهُمْ وعهودهم، وصاروا هَكَذَا" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، قَالَ: فَكَيْفَ بِي يا رسول الله؟ قال: "تعلم مَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَتَعْمَلُ بِخَاصَّةِ نفسك، وتدع عوام الناس". (٥) وقد بوَّب البخاري في "صحيحه" تحت ك/الفتن، بابًا بعنوان/إذا بقي في حثالةٍ من الناس. (٦) وقال الحافظ ابن حجر: هذه الترجمة لفظُ حديثٍ أخرجه الطبري، وصحَّحَه ابن حبَّان من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، وذكر الحديث، ثم قال: قال ابن بطال: أشار البخاري إلى هذا الحديث، ولم يخرّجه؛ لأن العلاء ليس من شرطه فأدخل معناه في حديث حذيفة - يقصد الحديث الذي أخرجه البخاري في الباب -. (٧) خامسًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد، تفرَّدَ به: أبو توْبة. قلتُ: مِمَّا سبق يَتَّضِحُ لنا صحة ما قاله الإمام الطبراني ﵁. * * *

стр. 517

[٧١/ ٤٧١]- وَبِهِ (١): عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَصْبَحَ وَهَمُّهُ الدُّنْيَا، فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ، وَمَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِالْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ أَعْطَى الذُّلَّ مِنْ نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ، فَلَيْسَ مِنَّا». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ إلا بهذا الإسناد (٢)، تَفَرَّدَ به: يَزِيدُ بن رَبِيعَةَ. أولًا: - تخريج الحديث: • هذا الحديث لم أقف عليه بهذا الإسناد إلا عند الطبراني - برواية الباب -. وذكره الهيثمي في "مجمع البحرين" (٤٩٣٠) بهذا الإسناد، والمتن، وذكره كذلك في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٤٨)، وعزاه إلى الطبراني، وكذلك المنذري في "الترغيب" (٢٥٠٣) من حديث أبي ذرّ، وقال: رواه الطبراني. وذكره السيوطي في "اللآلئ" (٢/ ٣١٧): بإسناده، ومتنه، دون جزئه الثالث "وَمَنْ أَعْطَى الذُّلَّ … "، وعزاه إلى الطبراني في "الأوسط". ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُليد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو توبة الرَّبيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٣) يزيد بن ربيعة، أبو كامل الرَّحَبِيُّ: "متروك الحديث"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٠). ٤) شَرَاحيل بن آدة، أبو الأشعث، الصَّنْعانيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٠). ٥) عبد الرَّحمن بن ملٍّ، أبو عثمان النَّهدي: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، عَابِدٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٠). ٦) أبو ذر جُنْدُب بن عبد الله بن جُنادة الغِفاري: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٤٢). ثالثًا: - الحكم على الحديث: مما سبق يتبيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضعيفٌ جدًّا"؛ لأجل يزيد بن ربيعة "متروك الحديث"، وروايته عن أبي الأشعث مُنْكرةٌ، وفيها تخليطٌ كثيرٌ، ولم يُتَابع عليه. والإسناد فيه انقطاعٌ بين أبي عثمان النَّهْدي، وأبي ذر، قال علي بن المديني: لم يسمع أبو عثمان النَّهدي من أبي ذر - كما سبق في ترجمته -. - وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه: يزيد بن ربيعة، وهو متروكٌ. (٣) وذكره المنذري بصيغة التمريض، فقال: وروى عن أبي ذر، فذكره. وهذا يدل عنده على ضعف الحديث، وعدم تطرق احتمال التحسين إليه، لإهماله بيان ما في سنده - كما نصّ على منهجه هذا في مقدمة كتابه -. وقال الألباني: ضعيفٌ جدًّا. (٤)

стр. 518

شواهد للحديث: - وللحديث شواهد من حديث حذيفة بن اليمان، وابن مسعود، وأنس بن مالك ﵃، لكنّ الحديث لا يثبت بشيءٍ منها، لأنها تدور ما بين الموضوع، وشديد الضَّعف، وكلاهما لا يصح الاعتبار به. (١) - وأمَّا جملة "مَنْ لم يَهْتَم بالمُسْلِمِيْن فَلَيْسَ مِنْهُم"، فلها شاهدٌ من حديث حذيفة بن اليمان، أنَّ رَسُولُ ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُصْبِحْ وَيُمْسِ نَاصِحًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ ولإِمَامِهِ ولِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ". والحديث أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧٤٧٣)، وفي "الصغير" (٩٠٧) - ومن طريقه الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" (٢/ ٢٥٢) -، من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الرَّبيع بن أنس، عن أبي العالية، عن حذيفة ﵁، فذكره. وقال الطبراني: لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن حُذَيْفَةَ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: عبدُ اللَّهِ بن أبي جَعْفَرٍ. وقال الهيثمي: فيه عبد الله بن أبي جعفر الرازي، ضعَّفه محمد بن حُميد، ووثَّقَهُ أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن حبَّان. (٢) قلتُ: وقال الحافظ في "التقريب": صدوقٌ يُخْطئ. (٣) وقال الألباني: ضعيفٌ. (٤) فهذا من أَمثل الشواهد لهذه الجملة. - قلتُ: ويُغني عن هذا الحديث جميع الشواهد من الآيات القرآنية، وما صحّ من الأحاديث النبوية، التي تحذّر المسلمين من الرُّكون إلى الدّنيا، والاغترار بها، قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ (٥) وعن ابن مسعود، أنّ النبي ﷺ ، قال: "مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا". أخرجه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح. (٦) وكتاب الرقاق من "الصحيحين" خير شاهدٍ على هذا. وكذلك الشواهد الكثيرة من الكتاب والسنة، التي تدعو المؤمنين إلى التحابّ والتراحم ومراعاة الأخوَّة

стр. 519

الإيمانية فيما بينهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١)، وقال ﷺ : "تَرَى المُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى" (٢)، وغير ذلك من الأدلَّة. رابعًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُروى هذا الحديث إلا بهذا الإسناد، تفرَّدَ به: يزيد بن ربيعة. قلتُ: هكذا قال المصنف كما في الأصل من "الأوسط"، والذي في "مجمع البحرين" أنَّ الطبراني قال: لا يُروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد. (٣) فلا أدري! هل ما في الأصل تصحيف من الناسخ أم لا؟! وعلى كل حال: فقوْله: "لا يُروى إلا بهذا الإسناد" غير مُسلَّم له فيه، إذ أنَّ للحديث شواهد أخرى عن غير أبي ذر، وقد سبق الإشارة إليها. وأمَّا قوله: " لا يُروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد" - كما في "مجمع البحرين" - فإنَّه يُسَلَّم له في ذلك، كما هو ظاهر في التخريج. وكذلك تفرَّد به يزيد بن ربيعة، فلم يتابعه أحدٌ عليه - والله أعلم -. * * *

стр. 520

[٧٢/ ٤٧٢]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا مُوسَى بْنُ أَيُّوبَ [النَّصِيبيُّ] (١)، قَالَ: نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الأَزْهَرِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ : ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ (٢)، قَالَ: «جَوْدَةُ الْخَطِّ». * لَمْ يَرْوِ هذا الحديث عن ابن عَوْنٍ إلا عَمْرُو بن الأزهر. أولًا: - تخريج الحديث: • أخرجه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (٥٣٢)، من طريق المصنف، بسنده، ومتنه. • والحاكم في "المستدرك" (٣٦٩٥)، من طريق أبي هَمَّام بن أبي بَدْر، عن يحيى بن سعيد القطَّان، به. وقال الحاكم: هذه زيادة عن ابن عبَّاس في قوله ، غريبةٌ في هذا الحديث (يعني قوله "جوْدة الخَطِّ"). ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) مُوسى بن أيوب بن عيسى، النَّصيبيُّ، أبو عمران الأنطاكي. روى عن: يحيى بن سعيد القطَّان، وأبيه أيوب بن عيسى، وبقية بن الوليد، وآخرين. روى عنه: أحمد بن خُليد، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، وآخرون. حاله: قال العجلي، والذهبي، وابن حجر في "الفتح": ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال أبو حاتم، وابن حجر في "التقريب": صدوقٌ. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (٣) ٣) يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ (٤) القطَّان، التميميُّ، أبو سعيد البصريُّ، الأحول. روى عن: عمرو بن الأزهر، والسفيانين، وشُعبة بن الحجاج، وآخرين. روى عنه: موسى بن أيوب، والسفيانان، وشُعبة، وخلقٌ سِواهم.

стр. 521

حاله: قال العِجْلي: ثِقَةٌ، نقي الحديث، وكان لا يُحدِّث إلا عن ثقة. (١) وقال الإمام أحمد: إليه المنتهى في التثبت في البصرة. وقال أيضًا: يحيى القطان أثبت من هؤلاء - يعني: وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، وآخرون -. وقال أيضًا: ما رأينا مثل يحيى بن سعيد في هذا الشأن - يعني: في الحديث -، وهو كان صاحب هذا الشأن، وما رأينا مثله. وقال أبو حاتم: حافظ ثقة. وقال أبو زرعة: من الثقات الحُفَّاظ. وقال ابن المديني: ما رأيتُ أعلم بالرجال من يحيى بن سعيد القطَّان، ولم أر أحدًا أثبت منه. والأقوال فيه كثيرة في كتب الرجال، وأختم بكلام الحافظ ابن حجر في "التقريب": ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قدوةٌ. (٢) ٤) عمرو بن الأزهر، أبو سعيد، الحَدَّاد: "كذَّاب يضع الحديث"، تَقَدَّمت ترجمته في الحديث رقم (٦٤). ٥) عبد الله بن عون بن أَرْطَبان المُزَنيُّ، أبو عون البصريُّ. روى عن: عامر الشّعبي، ونافع مولى ابن عمر، ومحمد بن سيرين، وآخرين. روى عنه: عمرو بن الأزهر، وشُعبة بن الحجّاج، ويحيى بن سعيد القطَّان، وآخرون. حاله: قال ابن المبارك: ما رأيتُ أحدًا أفضل من ابن عون. وقال شعبة: لأن أسمع من ابن عون حديثًا، يقول فيه: أظنه قد سمعت؛ أحبّ إلي من أن أسمع من غيره من ثقة. وقال ابن سعد، وأبو حاتم، والعجلي: ثقةٌ. وزاد العجلي: رجلٌ صالح. وقال النسائي: ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وقال عثمان بن أبي شيبة: ثِقَةٌ صحيح الكتاب. وقال ابن حجر: ثِقًةٌ ثَبْتٌ، فَاضِلٌ. وفضائله ومناقبه كثيرة جدًا، روى له الجماعة. (٣) ٦) عامر بن شَراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل، الشَّعبي، أبو عَمْرُو الكُوفي. روى عن: عبد الله بن عبَّاس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك ﵃، وآخرين. روى عنه: عبد الله بن عون، وسُلَيمان الأعمش، ومنصور بن المُعتمر، وآخرون. حاله: أَسْند ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، والخطيب في "تاريخه"، إلى الشعبي، قال: ما كَتَبْتُ سَوْداء في بَيْضاء قط، ولا حَدَّثني رجلٌ بحديث فأحببتُ أن يعيده عليّ، ولا حدَّثني رجلٌ بحديثٍ إلا حفظته. - وأسند البخاري في "التاريخ الكبير"، والخطيب في "تاريخه"، عن ابن عُيينة، قال: كَانَ فِي الناس ثلاثة بعد أصحاب النَّبيِّ ﷺ : ابْن عَبّاس ﵁ فِي زمانه، والشَّعبيّ فِي زمانه، والثَّوري فِي زمانه. - وقال ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة: ثقة. وقال يحيى بن معين، قال: إذا حدَّث الشَّعبي عن رجلٍ فسمَّاه؛ فهو ثقةٌ يُحتجُّ بحديثه. وقال ابن حجر: ثقةٌ، فقيهٌ، مشهورٌ، فاضلٌ. وروى له الجماعة.

стр. 522

- وأسند الخطيب في "تاريخه"، عن مكحول، وأبي مجلز، قالا: ما رأيتُ أحدًا أفقه من الشَّعبي. - وقال العجلي: مُرْسَلُ الشعبي صحيح، لا يكاد يُرسل إلا صحيحًا. وقال أبو داود: مُرْسَل الشَّعبي أحبُّ إليَّ من مُرسل النَّخعي. (١) ٧) عبد الله بن عبَّاس ﵁: صحابيٌّ جليل، من المُكثرين، تقدَّم في الحديث رقم (٥١). ثالثًا: - الحكم على الحديث: - مما سبق يتضح أنَّ الحديث بهذا الإسناد "موضوع"؛ لأجل عمرو بن الأزهر، قال يحيى بن معين، والدَّارقطني، والذهبي: كذَّاب. وقال أحمد بن حنبل: كان يضع الحديث. وقال ابن حبَّان: كان يضع الحديث على الثقات، ويأتي بالموضوعات عن الأثبات - كما سبق في الترجمة -. - وذكره الذهبي في "الميزان" (٢) في ترجمة عمرو بن الأزهر. وقال ابن حجر: ويُرْوى عن ابن عبَّاس: جودة الخط، وليس بثابت. (٣) وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤)، وسكت عنه، وليس بحسن، ففيه ما نرى. طرق أُخرى للحديث، بلفظ آخر: • اخرج الإمام أحمد في "مسنده" (١٩٩٢)، عن يحيى بن سعيد القطَّان، والقطيعي في "جزء الألف دينار" (٢٧١)، عن محمد بن يونس، عن أبي عاصم الضَّحَّاك بن مَخْلد، والنَّحَّاس، بسنده من طريق محمد بن بندار - كما في "تفسير القرطبي" (١٦/ ١٧٩) - ثلاثتهم (القطَّان، والضحَّاك، ومحمد بن بندار)، عن سفيان الثوري، قال: حدثنا صَفْوان بن سُلَيم، عن أبي سَلَمة بن عبد الرَّحمن، عن ابن عبَّاس - قال سفيان: لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ : "أو أثارةٍ من عِلمٍ"، قال: "الخط". وعزاه السيوطي في "الدُّر المنثور": إلى ابن المُنذر، وابن أبي حاتم، وابن مَرْدويه. (٥) وذكره الهيثمي في "المجمع"، وقال: رجال أحمد رجال الصحيح. (٦) وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": إسناده صحيح. (٧) - وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢٦٩)، وفي "الكبير" (١٠٧٢٥)، بسندٍ فيه ضَعف، من طريق سعيد بن أبي أيُّوب، عن صفوان بن سُليم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عبَّاس، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ

стр. 523

سُئِلَ عَنِ الْخَطِّ؟ فَقَالَ: «هُوَ أَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ». • بينما أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٩٣)، عن بشر بن آدم، قال: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ - الضحَّاك بن مخلد -، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - موقوفًا -، قال: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾، قَالَ: «خَطٌّ كَانَ يَخُطُّهُ الْعَرَبُ فِي الأَرْضِ». قال ابن العربي: ولم يصح. (١) قلت: في سنده "بشر بن آدم بن يزيد البصري"؛ قال عنه الحافظ في "التقريب": صدوقٌ فيه لِينٌ. (٢) - وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (٣٦٩٤)، من طريق محمد بن المنكدر العبدي، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - موقوفًا -، فِي قَوْلِهِ : ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾، قَالَ: «هُوَ الْخَطُّ». وقال الحاكم: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخيْن، ولم يُخرّجاه، وقد أُسند عن الثوري من وجهٍ غير معتمد. ووافقه الذهبي في "التلخيص". قلتُ: وهو كما قال، إلا في قوله "وقد أُسند عن الثوري من وجهٍ غير معتمد"؛ فيُتَعَقَّب عليه برواية أحمد السَّالفة الذِّكر، وقد رواها أحمد، عن يحيى بن سعيد القطَّان، عن سُفيان الثَّوري؛ فهل بعد هذا من وجهٍ معتمد؟ وإن يكن فأين هو؟!. وعزاه السيوطي في "الدُّر" إلى الفريابي، وعبد بن حُميد، وابن مردويه، والخطيب. قلتُ: ولعلَّ الوجه المرفوع عن سُفيان هو الراجح، فقد رواه عنه، به، ثلاثةٌ من الرواة الثقات. رابعًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لَمْ يَرْوِ هذا الحديث عن ابن عَوْنٍ إلا عَمْرُو بن الأزهر. قلتُ: مما سبق في التخريج يتضح سلامة ما قاله المصنف ﵁ وصحته، وأنَّه بالفعل لم يروه عن ابن عون إلا عمرو بن الأزهر، ولم يُتابع عليه. والحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" - كما سبق -، من هذا الوجه، واستغرب فيه لفظة "جودة"، وهذا فيه إشارةٌ ضمنيَّةٌ إلى تفرُّد راويه بها. والحديث قد رُوِيَ من وجهٍ آخر صحيح، عن ابن عبَّاس - كما سبق - بدون هذه الزيادة. خامسًا: - التعليق على الحديث: - قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣)، ﴿قُلْ﴾ أَيْ: لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْعَابِدِينَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾؛ أَيْ: أَرْشِدُونِي إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي اسْتَقَلُّوا بِخَلْقِهِ مِنَ الْأَرْضِ، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ أَيْ: وَلَا شِرْكَ لَهُمْ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي

стр. 524

الْأَرْضِ، وَمَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنِ المُلْك والتصرّف كله إلا الله ، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَتُشْرِكُونَ بِهِ؟ مَنْ أَرْشَدَكُمْ إِلَى هَذَا؟ مَنْ دَعَاكُمْ إِلَيْهِ؟ أَهْوَ أَمَرَكُمْ بِهِ؟ أَمْ هُوَ شَيْءٌ اقْتَرَحْتُمُوهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ أَيْ: هَاتُوا كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاء يَأْمُرُكُمْ بِعِبَادَةِ هَذِهِ الْأَصْنَامِ، ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أَيْ: دَلِيلٍ بَيِّن عَلَى هَذَا الْمَسْلَكِ الَّذِي سَلَكْتُمُوهُ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَيْ: لَا دَلِيلَ لَكُمْ نَقْلِيًّا وَلَا عَقْلِيًّا عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَرَأَ آخَرُونَ: "أَوْ أثَرَة مِنْ عِلْمٍ"؛ أَيْ: أَوْ عِلْمٍ صَحِيحٍ يَأْثُرُونَهُ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أَوْ أحد يأثُر علما. وَقَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَوْ بَيِّنَةٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَعْلَمُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَوْ أثَرَة مِنْ عِلْمٍ" قَالَ: "الْخَطُّ". وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: أَوْ بَقِيَّةٍ مِنْ عِلْمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ﴾ شَيْءٌ يَسْتَخْرِجُهُ فَيُثِيرُهُ. وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ أَيْضًا: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ يَعْنِي الْخَطَّ. وقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ خَاصَّةٍ مِنْ عِلْمٍ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ، وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى مَا قُلْنَاهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ ﵀ وَأَكْرَمَهُ، وَأَحْسَنَ مَثْوَاهُ. (١) - وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": قَالَ الطَّبَرِيُّ: قَرَأَ الْجُمْهُورُ "أَوْ أَثَارَةٌ" بِالْأَلِفِ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ "أَوْ أَثَرَةٌ" بِمَعْنَى أَوْ خَاصَّةٌ مِنْ عِلْمٍ أُوتِيتُمُوهُ وَأُوثِرْتُمْ بِهِ عَلَى غَيْرِكُمْ. قُلْتُ: وَبِهَذَا فَسَّرَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَة. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: "أَوْ أَثَرَةٌ مِنْ عِلْمٍ" قَالَ: أَثَرَةٌ شَيْءٌ يَسْتَخْرِجُهُ فَيُثِيرُهُ. - قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: "أوْ" خَاصَّةٌ مِنْ عِلْمٍ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أبي سَلمَة، عَن ابن عَبَّاسٍ، قَالَ: خَطٌّ كَانَتْ تَخُطُّهُ الْعَرَبُ فِي الْأَرْضِ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَيُرْوَى عَنِ ابن عَبَّاسٍ: جَوْدَةُ الْخَطِّ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، وَحَمَلَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الْخَطَّ هُنَا عَلَى الْمَكْتُوبِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي تَجْوِيدِ الْخَطِّ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ عَلَى مَا كَانُوا يَعْتَمِدُونَهُ فَالْأَمْرُ فِيهِ لَيْسَ هُوَ لإباحته. (٢) وقال أيضًا: وَمُحَصَّلُ مَا ذَكَرُوهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ؛ أَحَدُهَا: الْبَقِيَّةُ وَأَصْلُهُ أَثَرْتُ الشَّيْءَ أُثِيرُهُ إِثَارَةً كَأَنَّهَا بَقِيَّةٌ تُسْتَخْرَجُ فَتُثَارُ، الثَّانِي: مِنَ الْأَثَرِ وَهُوَ الرِّوَايَةُ، الثَّالِثُ: مِنَ الْأَثَرِ وَهُوَ الْعَلَامَةُ. (٣) * * *

стр. 525

[٧٣/ ٤٧٣]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: نا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ: أَيْنَ حَالُنَا مِنْ حَالِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا؟ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّه! وَاللَّهِ لَوْ نُشِرُوا مِنَ (١) الْقُبُورِ مَا عَرَفُوكُمْ إِلا أَنْ يَجِدُوكُمْ قِيَامًا تُصَلُّونَ». * لَمْ يَرْوِ هذا الحديث عن عَبْدِ اللَّهِ بن بُسْرٍ إلا يَزِيدُ بن خُمَيْرٍ، تَفَرَّدَ به: صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو. أولًا: - تخريج الحديث: • أخرجه المصنف ﵁ في "مسند الشاميين" (٩٩٦) - ومن طريقه الخطيب البغدادي في "المتفق والمفترق" (١٧٩٩) -، قال: حدثنا أحمد بن خُليد، به. • وأخرجه ابن أبي خيثمة في "التاريخ الكبير" (١٢٢٩) - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٢٧/ ١٥٧ - ١٥٨) -، وابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٨٠)، وابن بطة في "الإبانة الكُبرى" (٧١٧). كلهم من طرقٍ، عن صفوان بن عمرو، به. ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُليد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو اليمان الحَكَم بن نافع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٢). ٣) صَفْوان بن عمرو بن هَرم السَّكْسَكيُّ: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ"، تَقَدَّمت ترجمته في الحديث رقم (٤٠). ٤) يزيد بن خُمير بن يزيد الرَّحَبي، الهَمْداني، أبو عُمر الشاميُّ، الحِمْصي. روى عن: عبد الله بن بُسر، وأبي أُمامة صُدَي بن عجلان، وأبي هريرة، وآخرين. روى عنه: صفوان بن عمرو، وشُعبة بن الحجَّاج، والضَّحَّاك بن حمزة، وآخرون. حاله: قال شُعبة، ويحيى بن معين، والنِّسائي، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال أحمد: ما أحسن حديثه، وأصحَّه، ورفع أمره. وقال النّسائي: ليس به بأسٌ. وقال الذهبي: وثَّقوه. - وقال أحمد: كان كيسًا، وحديثه حسن. وقال أيضًا: صالح الحديث. وقال أبو حاتم، وابن حجر: صدوقٌ. قلتُ: ومن وثقه؛ فيهم شُعبة، وقد روى عنه، فهو أدرى بحاله. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (٢)

стр. 526

٥) عبد الله بن بُسر (١) بن أبي بسر المازني، أبو بسر، وقيل: أبو صفوان، له ولأبويه صُحبة. روى عن: النبي ﷺ ، وأخته الصَّمَاء. وروى عنه: يزيد بن خُمير، وخالد بن مَعْدان، وحريز بن عثمان، وآخرون. قال الذهبي في "السير": له أحاديث قليلة، وصُحبة يسيرة، ولأخويه وأبيهم صُحبة. (٢) ثالثًا: - الحكم على الحديث: مما سبق يتضح أنَّ الأثر بهذا الإسناد "صحيحٌ". رابعًا: - النظر في كلام المصنف ﵁: قال المصنف ﵁: لَمْ يَرْوِه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ إِلَّا يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ، تَفَرَّدَ بِهِ: صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو. قلتُ: مما سبق في التخريج يتضح صحة ما قاله المصنف ﵁. خامسًا: - التعليق على الحديث: - ذكر الإمام ابن بطة في "الإبانة الكبرى" جملةً من الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ ، وفيها إعلامه ﷺ لأمته ركوب طريق الأمم قبلهم، وتحذيره إياهم ذلك، ثم قال: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَاقِلًا أَمْعَنَ النَّظَرَ الْيَوْمَ فِي الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ لَعَلِمَ أَنَّ أُمُورَ النَّاسِ تَمْضِي كُلُّهَا عَلَى سُنَنِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَطَرِيقَتِهِمْ، وَعَلَى سُنَّةِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَعَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَا طَبَقَةٌ مِنَ النَّاسِ وَمَا صِنْفٌ مِنْهُمْ إِلَّا وَهُمْ فِي سَائِرِ أُمُورِهِمْ مُخَالِفُونَ لِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَسُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ مُضَاهُونَ فِيمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ وَالْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَهُمْ، فَإِنْ صَرَفَ بَصَرَهُ إِلَى السَّلْطَنَةِ وَأَهْلِهَا وَحَاشِيَتِهَا، وَمَنْ لَاذَ بِهَا مِنْ حُكَّامِهِمْ وَعُمَّالِهِمْ؛ وَجَدَ الْأَمْرَ كُلَّهُ فِيهِمْ بِالضِّدِّ مِمَّا أُمِرُوا بِهِ، وَنُصِّبُوا لَهُ فِي أَفْعَالِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ وَزِيِّهِمْ، وَلِبَاسِهِمْ، وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ النَّاسِ بَعْدَهُمْ مِنَ التُّجَّارِ وَالسُّوقَةِ، وَأَبْنَاءِ الدُّنْيَا وَطَالِبِيهَا مِنَ الزُّرَّاعِ وَالصُّنَّاعِ وَالْأُجَرَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَالْعُلَمَاءِ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ. وَمَتَى فَكَّرْتَ فِي ذَلِكَ وَجَدْتَ الْأَمْرَ كَمَا أَخْبَرْتُكَ فِي الْمَصَائِبِ وَالْأَفْرَاحِ، وَفِي الزِّيِّ وَاللِّبَاسِ وَالْآنِيَةِ وَالْأَبْنِيَةِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْخُدَّامِ وَالْمَرَاكِبِ وَالْوَلَائِمِ وَالْأَعْرَاسِ وَالْمَجَالِسِ وَالْفُرُشِ وَالْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ، وَكُلِّ ذَلِكَ فَيَجْرِي خِلَافَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالضِّدِّ مِمَّا أُمِرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَنُدِبَ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ وَاشْتَرَى وَمَلَكَ وَاقْتَنَى وَاسْتَأْجَرَ وَزَرَعَ وَزَارَعَ، فَمَنْ طَلَبَ السَّلَامَةَ لِدِينِهِ فِي وَقْتِنَا هَذَا مَعَ النَّاسِ عُدِمَهَا، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَلْتَمِسَ مَعِيشَةً عَلَى حُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَقْدَهَا، وَكَثُرَ خُصَمَاؤُهُ وَأَعْدَاؤُهُ وَمُخَالِفُوهُ وَمُبْغِضُوهُ فِيهَا، فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ فَمَا أَشَدَّ تَعَذُّرَ السَّلَامَةِ فِي الدِّينِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَطُرُقَاتِ الْحَقِّ خَالِيَةٌ مِقْفِرَةٌ مُوحِشَةٌ قَدْ عُدِمَ سَالِكُوهَا وَانْدَفَنَتْ مَحَاجُّهَا، وَتَهَدَّمَتْ صَوَايَاهَا وَأَعْلَامُهَا، وَفُقِدَ أَدْلَاؤُهَا وَهُدَاتُهَا، قَدْ وَقَفَتْ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ عَلَى فِجَاجِهَا وَسُبُلِهَا تُتَخَطَّفُ النَّاسُ عَنْهَا، فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، فَلَيْسَ يَعْرِفُ هَذَا الْأَمْرَ وَيُهِمُّهُ إِلَّا رَجُلٌ عَاقِلٌ مُمَيِّزٌ، قَدْ أَدَّبَهُ الْعِلْمُ وَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ بِالْإِيمَانِ. ثم ذكر جملة من الآثار الواردة عن الصحابة، ومن بعدهم تدل على ما ذكره في تغير الناس، وبُعْدهم عن

стр. 527

شرع ربهم في أمور حياتهم، منها الأثر الوارد عن عبد الله بن بُسر في هذا الباب، وما رُويَ عن أنس بن مالك ﵁، قال: مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ أَعْرِفُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلا قَدْ أَصْبَحْتُ لَهُ مُنْكِرًا، إلا أَنِّي أَرَى شَهَادَتَكُمْ هَذِهِ ثَابِتَةً، قَالَ: فَقِيلَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ فَالصَّلاةُ، قَالَ: قَدْ فُعِلَ فِيهَا مَا رَأَيْتُمْ. (١) وغيرها من الآثار، ثم قال: هَذَا يَا إِخْوَانِي - رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ - قَوْلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَنْ تَرَكْتُ أَكْثَرُ مِمَّنْ ذَكَرْتُ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ حَالُ الْمُؤْمِنِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَأَيُّ عَيْشٍ لَهُ مَعَ أَهْلِهِ، وَهُوَ لَوْ عَادَ عَلِيلًا لَعَايَنَ عِنْدَهُ، وَفِي مَنْزِلِهِ، وَمَا أَعَدَّهُ هُوَ وَأَهْلُهُ لِلْعِلَّةِ وَالْمَرَضِ مِنْ صُنُوفِ الْبِدَعِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَنِ، وَالْمُضَاهَاةِ لِلْفُرْسِ وَالرُّومِ وَأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ مَعَهُ عِيَادَةُ الْمَرْضَى، وَكَذَلِكَ إِنْ شَهِدَ جِنَازَةً، وَكَذَلِكَ إِنْ شَهِدَ لَهُ وَلِيمَةً، وَكَذَلِكَ إِنْ خَرَجَ يُرِيدُ الْحَجَّ عَايَنَ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ مَا يُنْكِرُهُ وَيَكْرُبُهُ وَيَسُؤُهُ فِي نَفْسِهِ وَفِي الْمُسْلِمِينَ وَيَغُمُّهُ، فَإِذَا كَانَتْ مَطَالِبُ الْحَقِّ قَدْ صَارَتْ بِوَاطِلَ، وَمَحَاسِنُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ صَارَتْ مَفَاضِحَ، فَمَاذَا عَسَى أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُهُمْ فِي الْأُمُورِ الَّتِي نَطْوِي عَنْ ذِكْرِهَا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَا أَعْظَمَ مَصَائِبَ الْمُسْلِمِينَ فِي الدِّينِ، وَأَقَلَّ فِي ذَلِكَ الْمُفَكِّرِينَ، أَنْشَدَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْبَصْرَةِ فِي جَامِعِهَا: الطُّرُقُ شَتَّى وَطُرُقُ الْحَقِّ مُفْرَدَةٌ … وَالسَّالِكُونَ طَرِيقَ الْحَقِّ آحَادُ لَا يُطْلَبُونَ وَلَا تُبْغَى مَآثِرُهُمْ … فَهُمْ عَلَى مَهَلٍ يَمْشُونَ قُصَّادُ وَالنَّاسُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ … فَكُلُّهُمْ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ حُوَّادُ غَمَرَ النَّاسَ يَا إِخْوَانِي الْبَلَاءُ، وَانْغَلَقَتْ طُرُقُ السَّلَامَةِ وَالنَّجَاءِ، وَمَاتَ الْعُلَمَاءُ وَالنُّصَحَاءُ وَفُقِدَ الْأُمَنَاءُ، وَصَارَ النَّاسُ دَاءً لَيْسَ يُبْرِيهِ الدَّوَاءُ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِلرَّشَادِ وَالْعِصْمَةَ وَالسَّدَادَ. (٢) * * *

стр. 528

[٧٤/ ٤٧٤]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فِيلٍ الأَنْطَاكِيُّ (١)، قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: نا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى (٢)، فَهِيَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ (٣) مِنْ بَعْدِهِ، يَرِثُهَا مَنْ يَرِثُهُ مِنْ عَقِبٍ، أَوْ أُرْقِبَ رُقْبَى (٤) فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعُمْرَى». * هكذا رَوَاهُ حَفْصُ بن مَيْسَرَةَ، عن ابن الزُّبَيْرِ. هذا الحديث مَدَاره على عروة بن الزبير، واختلف عنه: الوجه الأول: هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَبْدِ اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ ﵁ (موصولًا). الوجه الثاني: هشام بن عروة، عن أبيه (مرسلاً). الوجه الثالث: الزُّهري، عن عروة، عن جابر بن عبد الله ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: هِشَام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَبْدِ اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ (موصولًا). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الترمذي في "العلل الكبير" (٣٦٣)، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن نَيْزَك، وبرقم (٣٦٥)، قال: حدَّثنا أحمد بن مَنِيعٍ، والبزار في "مسنده" (٢١٨٤)، قال: حدَّثنا إبراهيم بن سَعِيدٍ، ثلاثتهم عن الرَّبِيع بن نَافِعٍ، قال: حدَّثنا حفص بن مَيْسَرَةَ، عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عبد الله بن الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعُمْرَى لِمَنْ أَعْمَرَهَا يَرِثُهَا مَنْ يَرِثُهُ». وهذا لفظ الترمذي، ولفظه عند البزار: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لأَهْلِهَا». وقال الترمذي في الموضع الأول: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: رَوَى بَعْضُهُمْ، عن الزُّهْرِيِّ، هذا الحديث عن عُرْوَةَ، وأبي سَلَمَةَ، عن جَابِرٍ ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ . وقال في الموضع الثاني: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عن هذا الحديث، فقال: هو عندي حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَّتَهُ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ حَسَنًا. وقال البزار: لا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ

стр. 529

عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن ابن الزُّبَيْرِ غَيْرُ حَفْصِ بن مَيْسَرَةَ، وَغَيْرُ حَفْصٍ يَرْوِيهِ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا. • والنَّسائي في "الكبرى" (٦٥٣٩) ك/العمرى، وفي "الصغرى" (٣٧٤٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٤/ ٢١٢/برقم ١٤٨٣٩)، مِنْ طريق عَمْرو بن أبي سَلَمَة، عن حفص بن ميسرة، عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَبْدِ اللهِ بن الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ رَجُلا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَهِيَ لَهُ، يَرِثُهَا مِنْ عَقِبِهِ مَنْ وَرِثَهُ». واللفظ للنَّسائي، وعند الطبراني: «العُمْرَى جَائِزَةٌ لِمَنْ أُعْمِرَهَا، وَالرُّقْبَى لِمَنْ أُرْقِبَهَا؛ سَبِيلُهَا سَبِيلُ المِيرَاثِ». ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن إبراهيم بن فيل - باسم الحيوان المعروف -، أبو الحسن الأَسديُّ الأَنْطَاكيُّ. روى عن: أبي توبة الربيع بن نافع، وأحمد بن أبي شعيب الحرانيّ، ودُحَيْم، وغيرهم. روى عنه: أبو القاسم الطبراني، والنسائي، وأبو عوانة الإسفرائيني، وغيرهم. حاله: قال النسائي: لا بأس به، وذكر من عفته وثقته. وقال محمد بن صالح: صالحٌ. وذكره ابن حبان في " الثقات ". وقال ابن عساكر: ثِقَةٌ، حَدَّث بأنطاكية سنة أربعة وثمانين ومائتين. وقال الذهبي: صاحب حديث. وقال ابن حجر: صدوقٌ. توفي بأنطاكية سنة أربعة وثمانين ومائتين. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (١) ٢) أبو توبة الرَّبيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٣) حَفْصُ بن مَيْسَرة العُقَيْلِيُّ، أبو عُمَر الصَنْعَانِيُّ، سكن عسقلان. روى عن: هشام بن عُروة، وصُدَيْق بن موسى، وزيد بن أسلم، وآخرين. روى عنه: الربيع بن نافع، والهيثم بن خارجة، ومَخْلد بن مالك، وآخرون. حاله: قال ابن معين، وأحمد، ويعقوب بن سُفيان: ثِقَةٌ. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالحُ الحديث. وقال أيضاً: يُكتب حديثه، ومحله الصدق، وفي حديثه بعض الأوهام. وقال ابن حبَّان: رُبَّما وَهِم. وقال الذهبي في "المغني": ثِقَةٌ حُجَّةٌ. وقال ابن حجر في "اللسان": ثَبْتٌ، وفي "التقريب": ثِقَةٌ، رُبَّما وَهِمَ. (٢) ٤) هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، أَبُو الْمُنْذِرِ الْقُرَشِيُّ الأَسَدِيُّ الزُّبَيْرِيُّ الْمَدَنِيُّ. روى عن: أبيه عُرْوة، وعبد الله بن الزُّبير، والزُّهْري، وآخرين. روى عنه: حفص بن مَيْسرة، والسُّفْيَانان، ومالك بن أنس، وشُعبة، وابن عُيَينَة، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والعِجْلي: ثِقَةٌ. وقال ابن سعد: ثِقَةٌ حجةٌ. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ إمامٌ في الحديث. وقال ابن حبَّان: كان حَافِظًا مُتْقِنًا فَاضلًا. وقال الدَّارقطني: ثِقَةٌ، والزُّهْرِيّ أحفظ منه. وقال الذهبي: حُجَّةٌ

стр. 530

إمامٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ فَقِيْهٌ، رُبَّمَا دَلَّس. وجعله في المرتبة الأولى مِنْ المدلسين. وروى له الجماعة. وَوُصِفَ بالاختلاط، لكن أجاب عن ذلك الذهبي والعلائي، وغيرهما كما هو مبسوطٌ في ترجمته؛ كما وُصِفَ بالتدليس أيضاً، وأجاب عنه كذلك الحافظ العلائي في "جامع التحصيل"، والمعلمي اليماني في "التنكيل"، حتى قال: والتحقيق أنَّه لم يُدلس قط، وسرد الأدلة على ذلك، مِمَّا يطول ذكره هنا، وكلامه جيد متين - فليُراجعه مَنْ شاء مشكوراً مأجوراً بإذن الله . فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، فقيهٌ، إمامٌ حُجَّةٌ، لم يصح وصفه بالاختلاط، والتدليس"، والله أعلم. (١) ٥) عُروة بن الزُّبير بن العَوَّام بن خُوَيْلد بن أَسد القُرَشِيُّ، أبو عبد الله المَدَنِيُّ. روى عن: أبيه الزُّبير (٢)، وأخيه عبد الله بن الزُّبير، وخالته أم المؤمنين عائشة، وآخرين. روى عنه: ابنه هِشام بن عُرْوة، ويَزيد بن رُمان، والزُّهري، وآخرون. حاله: قال العِجْلي: ثِقَة، وكان رجلاً صَالحاً، لم يدخل في شَيْءٍ من الفِتَن. وقال ابن عُيَيْنَة: أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: وذكر مِنْهم عروة. وقال أبو الزناد: فقهاء المدينة أربعة: وذكر مِنْهم عُرْوة. وعن الزُّهْرِيّ، قال: كان عروة بحراً لا تُكَدِّره الدِّلاء. وقال الذهبي: كان ثَبْتًا حافظًا فقيهًا عالمًا بالسِّيرَةِ، وهو أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ المغازي. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ فَقِيهٌ مشهورٌ. وروى له الجماعة. (٣) ٦) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ الْقُرَشِي، أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو خُبَيْبٍ المدني، وأمه أسماء بنت أَبِي بَكْر. روى عن: النَّبيّ ﷺ ، وأبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعليّ، وأبيه الزُّبير ﵃، وآخرين. روى عنه: أخوه عروة، وعبد اللَّه بْن أَبي ملكية، وعمرو بن دينار، وآخرون. أَوَّلُ مَوْلُودٍ في الإسلام بالمدينة. له صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ. وأحد العبادلة، وأحد الشجعان من الصحابة. ولي الخلافة تسع سنين إلى أن قُتل في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين. ورَوَى لَهُ الْجَمَاعَة. (٤) ثانيًا: - الوجه الثاني: هشام بن عروة، عن أبيه (مرسلاً). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه عبد الرَّزَّاق في "المُصَنَّف" (١٦٨٨٨)، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرني هِشَامُ بن عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، أَنَّهُ حُدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَهِيَ لَهُ يَرِثُهَا مِنْ عَقِبِهِ مَنْ وَرِثَهُ».
следующие страницы →