← Книги сунны

Книги сунны · id 541

القسم الثاني من المعجم الأوسط للطبراني

الطبراني

Полный текст (1 397 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ويبقى الحديث على ضَعفه، وهذا هو ما قرَّره الأئمة الأجلاء: فقال العُقيلي: وأمَّا حديثُ عَامِرِ بن رَبِيعَة فليس يُرْوَى مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ مَتْنُهُ. (١) وقال البيهقي: ولم نَعْلَمْ لهذا الحديث إِسْنَادًا صَحِيحًا قَوِيًّا. (٢) وهذا الكلام نقله النووي، ولم يُنْكره. (٣) والحديث مع ضعف رواته، فهو مخالفٌ لما صَحَّ وثبت في سبب نزول قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٤)، فأخرج الإمام مُسْلمٌ في "صحيحه" (٧٠٠/ ٣،٤)، ك/الصلاة، ب/جواز صلاة النَّافِلَةِ على الدَّابَّةِ في السَّفَر حيث تَوَجَّهَتْ، مِنْ طُرُقٍ عن عَبْدِ المَلِكِ بن أبي سُلَيْمَانَ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، عن ابن عُمَرَ، قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ: … ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وفي بعض الروايات: ثُمَّ تَلا ابْنُ عُمَرَ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. وسُئل أبو حاتم عن حديث الباب - حديث عامر بن ربيعة -، وعن حديث ابن عُمر هذا، فقال: إنَّ حَدِيث ابن عُمَرَ أصَحُّ من حَدِيث أَبِي الربيع السَّمَّان. (٥) وهذا هو ما أشار إليه البيهقيُّ - بعد أن ضَعف الحديث برواية الباب، وبشواهده -، فقال: وصَحَّ عن عَبْدِ المَلِكِ بن أبي سُلَيْمَانَ العَرْزَمِيِّ، عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عن عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ بن الخَطَّابِ أنَّ الآيَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ في التَّطَوُّعِ خاصَّةً حيث تَوَجَّهَ بِكَ بَعِيرُكَ. (٦) • هذا والحديث حسَّنَه الشيخ/أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "سنن الترمذي"، فقال - بعد أن خَرَّج الحديث -: وبذلك يظهر أنَّ الحديث معروفٌ مِنْ غير حديث أشعث، ولعَلَّ الترمذي لم يَطَّلِع على رواية عَمرو بن قيس، وأشعث السَّمَّان إنَّما تُكُلِّم فيه مِنْ قبل حفظه، وهو صدوقٌ، والحديث حسن الإسناد؛ لأنَّ عاصم بن عُبيد الله ضَعَّفوه مِنْ قبل حفظه، وقد روى عنه مالك، وشعبة مع تشدُّدهما في الرجال، ثُمَّ خَرَّج الحديث عن جابر بن عبد الله، وضَعَّفه، وقال: فَعُلم مِنْه أنَّ للواقعة أصلاً مَعْروفاً. قلتُ: وهذا الكلام لا يخلو مِنْ نظر - كما لا يخفى، وهو واضحٌ مِنْ خلال ما سبق بيانه -: فالمُتابع لأشعث بن سعيد هو: عُمر بن قيس المكيّ المعروف بِسَنْدل، وهو "متروك الحديث"، وليس هو عَمرو بن قيس الملائيّ "الثقة"، كما ظن الشيخ/شاكر ﵀، وأشعث السَّمَّان ليس بصدوقٍ، بل هو "متروك الحديث" - كما سبق بيانه في دراسة الإسناد -.

стр. 457

لذا تراجع الشيخ/شاكر ﵀ عن تحسينه، وذهب إلى تضعيفه، فقال في تعليقه على "تفسير الطبري": وقد ذهبت في شرحي للترمذي إلى تحسين إسناده، ولكني أستدرك الآن، وأرى أنَّه حديثٌ ضَعيفٌ. وقال: والأشعث بن سعيد "ضَعيفٌ جدًا". (١) والحديث حسَّنه أيضًا الشيخ/الألباني ﵀ بمتابعاته، وبمجموع شواهده: فظن أنَّ المُتابع لأشعث بن سعيد هو عَمرو بن قيس "الثقة"، والصواب - كما سبق - أنَّه: عُمر بن قيس المكيّ "المتروك". وقال: وبالجملة فالحديث بهذا الشاهد مع طرقه الثلاث عن عطاء يرقى إلى درجة الحسن إن شاء الله. قلتُ: وسبق أنْ ذكرت طُرق الحديث وشواهده، وبَيَّنتُ أنَّ الحديث ليس له طريق صحيحٌ يصلح للاعتبار، إلا رواية عبد الملك بن أبي سُليمان عن عطاء عن جابر بن عبد الله، لكنَّها مُخالفةٌ لما أخرجه مُسْلمٌ في "صحيحه" مِنْ طُرُقٍ عن عبد الملك بن أبي سُليمان - كما سبق تفصيله -. وعليه فيبقى الحديث على ضَعفه، وهو ما ذهب إليه أبو حاتم، والعقيلي، وأبو داود الطيالسي، والدَّارقطني، والبيهقي - كما سبق بيانه -، وضَعَّفه كذلك ابن حزم (٢)، والنووي (٣). رابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن عاصم بن عُبَيْدِ اللَّهِ إلا أبو الرَّبِيعِ السَّمَّانُ. وافقه على ذلك الترمذي، فقال - كما سبق في التخريج -: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لا نعرفهُ إلا مِنْ حديث أَشْعَثَ السَّمَّانِ عن عَاصِمِ بن عُبَيْدِ اللَّهِ. وقال العقيلي - بعد أن أخرج الحديث في ترجمة أشعث -: وله غيرُ حديثٍ مِنْ هذا النَّحْوِ لا يُتَابَعُ على شيءٍ مِنْهَا. قلتُ: بل تابعه عُمر بن قيس المكي المعروف بِسَنْدل، وهو "متروك الحديث"، أخرج روايته أبو داود الطيالسي، إن كان ذلك محفوظاً عنه - كما سبق بيانه في التخريج، والحكم على الحديث -. خامسًا: - التعليق على الحديث: قال الإمام الترمذي: وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا، قالوا: إذا صلَّى في الغَيْمِ لغير القبلة ثُمَّ اسْتَبَانَ له بعد ما صَلَّى أنَّه صَلَّى لغير القِبْلَةِ فإنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ، وبه يقول الثَّوْرِيُّ، وابنُ المُبَارَكِ، وأحمد، وإسحاقُ. (٤) * * *

стр. 458

[٦١/ ٤٦١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْمِصِّيصِيُّ (١)، قَالَ: نا أَبُو حَفْصٍ الأَبَّارُ (٢)، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَوْدِيُّ (٣)، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ. عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ صُنِعَتْ لَهُ النُّورَةُ (٤)، وَدَخَلَ الْحَمَّامَ (٥)، سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، فَلَمَّا دَخَلَهُ وَوَجَدَ حَرَّهُ، وغَمَّهُ، قَالَ: أَوِّهْ (٦) مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، أَوِّهْ، أَوِّهْ، قَبْلَ أَنْ لا يَنْفَعَ أَوِّهْ». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن أبي مُوسَى إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: إبراهيمُ بن مَهْدِيٍّ. أولًا: - تخريج الحديث: • أخرجه المصنف ﵁ في "الأوائل" (١٢)، عن أحمد بن خُليد، به. (٧) وعزاه الهيثمي إلى الطبراني في "الأوسط" و"الكبير"، ولم أقف عليه - على حد بحثي - في "الكبير". (٨)

стр. 459

• وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" (١/ ٦٠) - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٢/ ٢٧٧) -، قال: حدثنا علي بن أحمد بن علي المِصِّيصي، ثنا أحمد بن خُليد، به. وقال أبو نعيم: تَفَرَّد به الأبَّار، عن إسماعيل. • وأخرجه مَسْلمة بن قاسم في "زوائده على مصنف ابن أبي شيبة" (٣٦٠٣٢)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٣٦٢)، وابن أبي عاصم في "الأوائل" (١٣٤)، والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ٦٨، ١/ ٨٤)، وابن السنيّ في "عمل اليوم والليلة" (٣١٧)، وابن عدي في "الكامل" (١/ ٤٦٣) - ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٥٦٦) -، والبيهقي في "الشعب" (٧٧٧٨) - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٢/ ٢٧٧) -، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٢/ ٢٧٨)، وابن العديم في "تاريخ حلب" (٣/ ١٠٣٩). كلهم من طرقٍ عن إبراهيم بن مهدي، بسنده، البعض بنحوه، والبعض مختصرًا. • وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢١٤)، من طريق أبي هارون العَطَّار؛ ومشرق بن عبد الله الفقيه في "حديثه" (٢٣) - مخطوط نُشِر ضمن جوامع الكَلِم، وعزاه إليه الألباني في "الضعيفة" (٢٧٠٤) -، من طريق محمد بن الحسين بن صالح السّبيعي، كلاهما (العطّار، والسّبيعيّ)، عن أبي حفص الأبّار، به. ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) إبراهيم بن مَهْدي، المِصّيصي، بَغْدَاديُّ الأصل، سَكَن المِصِّيصة، ويُقال له: الطرسوسي. روى عن: عُمر بن عبد الرحمن أبي حفص الأبَّار، وحمَّاد بن زيد، وسفيان بن عُيَينة، وآخرين. روى عنه: أحمد بن خُليد، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرَّازي، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم، وابن قانع، وابن يونس: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وارتضاه الإمام أحمد، فكان يُحَدِّث عنه. وروى عنه أبو داود - وهو لا يُحدّث إلا عن ثقة -. وقال الحافظ في "التقريب": مقبول. - وقال ابن مَعين: كان رجلًا مسلمًا، فقيل له: أهو ثقة؟ فقال: ما أراه يكذب. وقال مَرَّةً - كما أسنده عنه العقيلي -: جاء بمناكير. وقال العقيلي: حَدَّث بمناكير - وذكر حديث الباب في ترجمته (١) -. وقال الأزدي: له عن علي بن مُسْهر أحاديث لا يُتابع عليها. فالحاصل: أنه "ثِقَةٌ، له مناكير". (٢)

стр. 460

٣) عُمر بن عبد الرحمن بن قيْس، الكوفي، أبو حفص الأبَّار، نزيل بغداد. روى عن: إسماعيل بن عبد الرحمن الأودي، وسُليمان الأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وآخرين. روى عنه: إبراهيم بن مهدي، وعثمان بن أبي شيبة، ويحيى بن معين، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، وابن معين، وابن شاهين، وابن أبي شيبة، والدّارقطني، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال أحمد، والنسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال في "المشاهير": من متقني الكوفيِّين. وقال أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن حجر: صدوقٌ. والحاصل: أنه "ثِقَةٌ"؛ فوَثَّقه جمعٌ، ولم يُعْلم فيه جرحٌ. (١) ٤) إسماعيل بن عبد الرحمن، الكوفي، الأَوْديّ، ويُقال له: المَكيُّ. روى عن: أبي بُرْدة عامر بن عبد الله بن قيْس، والحسن البصري. روى عنه: عُمر بن عبد الرحمن أبو حفص الأبَّار. حاله: قال البخاري: فيه نظر، وذكر حديث الباب في ترجمته، وقال: لا يُتابَع عليه. وقال العقيلي: لا يُتابع عليه، ولا يُعْرف إلا به. وقال ابن عدي: يُعرف بحديث الحمّامات، وقد ذكرنا له بإسناده حديثًا آخر، ولا أعرف له غيرهما. وقال الأزدي: مُنْكَر الحديث. وقال الذهبي: تُكُلّم فيه، حديثه في الحمَّامات لا يَثْبَت. وقال ابن معين: شَيْخٌ، والذي يسبق إلى قلبي أنّ إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي الذي يروي عنه أبو حفص الأبّار هو الأوْدي. وذكره ابن حبّان في "الثقات". (٢) فالحاصل: أنه "فيه نظر". له حديثان، انفرد بأحدهما، فهذا يدل على شدة ضعفه - والله أعلم -. ٥) أبو بُرْدة عامر بن عبد الله بن قيْس: روى عن: أبيه، "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٤). ٦) أبو مُوسى عبد الله بن قيْس الأشْعري: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٤). ثالثًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "ضعيفٌ جدًا"؛ لأجل إسماعيل بن عبد الرحمن الأودي "فيه نظر"، له حديثان، أحدهما رواية الباب، وقد انفرد به، فلم يُتابع عليه. قال البخاري - بعد أن أخرج الحديث في ترجمته -: فيه نظر، ولا يُتابع عليه. ونقله عنه: العقيلي، وابن عدي، والبيهقي، والذهبي. وقال العُقيلي: لا يُتابع عليه، ولا يُعْرف إلا به. وقال ابن عدي - بعد أن أخرج الحديث في ترجمة إسماعيل -: يُعرف بحديث الحمّامات، وقد ذكرنا له بإسناده حديثًا آخر، ولا أعرف له غيرهما. وقال ابن الجوزي في "العلل": هذا حديثٌ لا يصح عن رسول الله ﷺ ، وإسماعيل له أحاديثه منكرة، وقال الخطيب: وإبراهيم بن مهدي: ضعيفٌ. وقال الذهبي: حديثه في الحمَّامات لا يثبُت. وقال الهيثمي: فيه

стр. 461

إسماعيل بن عبد الرحمن وهو ضعيف. وقال الألباني: ضعيفٌ جدًا. (١) قلتُ: وتَتَابُع العلماء على ذكر هذا الحديث في ترجمته، يدل على أنَّه من مناكيره. رابعًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُرْوَى عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: إبراهيم. قلتُ: مما سبق في التخريج يَتَبَيَّنُ أنّ هذا الحديث لا يُروى عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد - كما قال الطبراني - فيُسلّم له بذلك، لكن لم ينفرد به إبراهيم بن مَهدي: - فقد أخرجه الثعلبي في "تفسيره"، من طريق أبي هارون العطَّار - ولم أقف له على ترجمة -، ومشرق بن عبد الله الفقيه في "حديثه"، من طريق محمد بن الحسين السَّبِيْعِيّ، كلاهما عن أبي حفص الأبّار. - ولم أقف على أحدٍ تابع أبا حفص الأبَّار على روايته لهذا الحديث، وعليْه فيقف التفرّد عنده، وبه قال أبو نعيم: تفرّد به الأبّار عن إسماعيل. (٢) - وأطلق غير واحدٍ من أهل العلم تفرد إسماعيل بن عبد الرحمن الأودي بهذا الحديث وأنه لم يُتابع عليه: فقال البخاري، والعقيلي - بعد ذكرهما لحديث الباب في ترجمته -: لا يُتابَع فيه. وقال البيهقي: تفرّد به إسماعيل الأوْدي. - وعلى هذا فصحيح عبارة الطبراني أن يُقال: لا يُروى هذا الحديث عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد، تفرّد به: أبو حفص الأبّار، والحمل فيه على إسماعيل بن عبد الرحمن. * * *

стр. 462

[٦٢/ ٤٦٢]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عُبَيْدُ بْنُ جَنَّادٍ، قَالَ: نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: وُقِّتَ لِلنُّفَسَاءِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن أَشْعَثَ إلا أبو خَالِدٍ. هذا الحديث مداره على أَشْعث بن سوَّار، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: أَشْعث بن سوّار، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد الله ﵁ مِنْ قوله. الوجه الثاني: أَشْعث بن سوَّار، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص ﵁ مِنْ قوله. وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا: الوجه الأول: أَشْعث بن سوّار، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد الله ﵁ (مرفوعًا). أ تخريج الوجه الأول: - أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٦٢) - وهي رواية الباب، ولم أقف عليه إلا عنده -. - وأورده الزيْلعي في "نصب الراية" (١/ ٢٠٦/ برقم ٨٥٤) بإسناد الطبراني، ومتنه. ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عُبيْد بن جَنّاد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٦). ٣) سُلَيْمَان بن حَيّان، أبو خالد الأَحْمَر، الأَزْديّ، الكُوفيُّ، الجَعْفَريُّ. روى عن: أشعث بن سوَّار، وشُعبة بن الحجّاج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وآخرين. روى عنه: عُبيد بن جنّاد، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن سَلَّام البِيكَنْديّ، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، وابن معين، وعلي بن المديني، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال العِجْلي: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، صاحب سنة. وقال ابن معين أيضًا: ليس به بأسٌ، ثِقَةٌ ثِقَة. وقال وكيع بن الجرّاح: ثِقَةٌ، ولمّا سُئل عنه، قال: أبو خالد ممَّن يُسئل عنه؟! وقال ابن معين، والنسائي: ليس به بأسٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "المشاهير": من مُتْقنِي أهل الكوفة، وكان ثبْتًا. وقال أبو حاتم، وابن خِراش: صدوق. - وقال ابن معين أيضًا: صدوقٌ ليس بحجة. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، ما أعلم له غير ما ذكرتُ ممّا فيه كلامٌ، ويحتاج إلى بيان، وإنّما أُتيَ من سوء حفظه فَيَغْلط، ويُخطئ، وهو في الأصل كما قال ابن معين. وفي "التقريب": صدوقٌ يُخطئ. وفي "تهذيب التهذيب"، عن أبي بكر البزّار، قال: ليس هو مِمَّن يلزم زيادته حجة لاتفاق أهل العلم أنَّه لم يكن حافظًا، وأنّه روى عن الأعمش وغيره أحاديث لم يُتابَع عليها. - قلتُ: أمَّا ابن معين؛ فوثَّقه مرَّة، وضَعّفه أخرى، ولم يُعلم المتأخر منهما، فيُقدَّم ما وافق الجمهور، ويُحمل تضعيفه بسبب حديث "إذا قرأ فانصتوا" - قاله د/بشّار في تعليقه على "التهذيب"، وفي "التحرير" -.

стр. 463

وأما ابن عدي: فذَكر له جملةً من الأحاديث، منها ثلاثة أحاديث بَيَّن ابن عدي: أنَّها مِمَّا انفرد بها أبو خالد، وثلاثة أحاديث مِمَّا أخطأ فيها على غير الصواب، لكنَّه ذَكر منها حديثًا وقال: فلا أدري البَلاءُ من أبي خالد، أو من تلميذه يحيى؟ فإذا انضمّ إلى ذلك ما قاله ابن سعد: كثير الحديث، وما قاله الذهبي: مُكثر يَهِم كغيْره. عَلِمنا أنّ ما أخطأ فيه لا يُعد بشيء إلى جنب ما رَوَى، ومَنْ مِنَ الثقات لا يخطئ؟ مع الأخذ في الاعتبار أنّ ابن عدي قال في آخر ترجمته: ما أعلمُ له غير ما ذكرتُ ممَّا فيه كلام، ويحتاج فيه إلى بيان. لذا ذَكَره الذهبي في "الميزان"، ورَمَزَ له بـ"صح"، وهي تدل على أنَّ العمل فيه على تَوْثيقه، ثم قال: مُكثر، يَهِمُ كغيْره. وقال في غير "الميزان": أبو خالد محتجّ به في الكتب، ولكن ما هو في الثبت مثل يحيى القطّان. وأخرج له الجماعة، واحتجّ به مسلم في "صحيحه"، وأخرج له البخاري متابعة. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ - لكنَّ حديثه ليس في أعلى مراتب الصحة - وله بعض الأَوْهَام". (١) ٤) أَشْعث بن سَوَّار، الكِنْديّ، الكوفي، الأَخْرق - أي النجّار -، كان على قضاء الأَهْواز. روى عن: أبي الزّبيْر محمد بن مسلم المكي، وأبي إسحاق السَّبِيعي، والحسَن البصْري، وآخرين. روى عنه: سُليْمان بن حيَّان، وشُعبة بن الحجّاج، وهُشَيْم بن بَشِير، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، وابن معين، وأحمد، والعِجْليُّ، والنسائيُّ، وأبو داود، والدّارقطنيُّ، وابن حجر: ضعيفٌ. وزاد العِجْليُّ: يُكتب حديثه. وقال أبو زرعة: ليّنٌ. وقال ابن حبَّان: فاحش الخطأ، كثير الوهم. وقال الدارقطني: يُعتبر به. وقال ابن عدي: يخالفونه في بعض حديثه، وفي الجملة يُكتب حديثه، ولم أجد لأشعث فيما يرْوِيه متنًا مُنكرًا، إنَّما يَخلط في الإسناد، ويُخالف. وقال الذهبي في "المغني": هو من الضعفاء الذين روى لهم مسلم متابعة. وقال في "السير": أحد العلماء على لينٍ فيه. - بينما قال ابن معين مَرَّة: ثِقَةٌ. وقال الذهبي في "الكاشف": صَدُوقٌ. قلتُ: وقولهما مخالف لقول جمهور أهل العلم، بالإضافة إلى أن الجرح فيه مَفسَّر، بل واختلف قولهما فيه، فمرَّةً ضعّفاه، ومرَّةً عدَّلاه، فيُقدَّم التضعيف فيه. فالحاصل: أنه "ضعيفٌ يُعتبر به". (٢) ٥) أبو الزُبير محمد بن مسلم بن تَدْرُس: "ثِقَةٌ، يُدلِّس عن جابر خاصةً، فلا يُقبل من حديثه عن جابر إلا ما صرَّح فيه بسماعه منه، أو كان من رواية الليث بن سعد عنه"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٤٧). ٦) جابر بن عبد الله ﵁: "صحابيٌّ جَليلٌ"، من المكثرين، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٠).

стр. 464

ثانيًا: - الوجه الثاني: أَشْعث بن سوَّار، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص ﵁ (موقوفًا). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه الطبراني في "الكبير" (٨٣٨٤)، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حِبَّان بن علي، عن أَشْعث، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، قال: وُقِّتَ للنفساء أربعون يومًا. ب متابعات للوجه الثاني: وهذا الوجه لم ينفرد بروايته أَشْعث، عن الحسن، بل له متابعات عن الحسن، من أمثلها: ١) ما أخرجه عبد الرزّاق في "المصنف" (١٢٠١)، والدارمي في "سننه" (٩٩٠)، وابن الجارود في "المنتقى" (١١٨)، كلهم من طريق سفيان الثوري، عن يونس بن عُبيد بن دينار، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص: أنّه كان لا يَقْرَب النفساء أرْبعين يومًا. وقال الحسن: النّفساء خمسة وأربعون إلى خمسين، فما زاد فهي مُسْتحاضة. قلتُ: وهذا سنده صحيحٌ إلى الحسن. وقال د/عبد الله الجُديع: وهذا أصحّ طريقٍ عن الحسن. (١) ٢) وما أخرجه الدارمي في "سننه" (٩٩١)، عن جعفر بن عون، والطبراني في "الكبير" (٨٣٨٣) من طريق عنبسة بن سعيد الرازي، كلاهما عن إسماعيل بن مسلم المكي، عن الحسن، به. قال الهيثمي: وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف. (٢) وقال ابن حجر: ضعيف الحديث. (٣) ت دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد الطبراني في "الكبير"): ١) عبد الله بن أحمد بن حنبل: "ثِقَةٌ". (٤) ٢) أبو الربيع الزهراني، سليمان بن داود العَتَكي: "ثِقَةٌ، لم يَتَكَلَّم فيه أحد بحجة". (٥) ٣) حِبَّان بن علي العَنَزي الكوفي: "ضعيفٌ يُعتبر به". (٦) ٤) أَشْعث بن سوّار: "ضعيف يُعتبر به"، تَقَدَّم في الوجه الأول لهذا الحديث. ٥) الحسن بن يسار البصري: "ثِقَةٌ، فَقِيْهٌ، فَاضِلٌ، وَرِعٌ، كثير الإرسال، وعنعنته محمولة على الاتصال والسماع في روايته عمن صحّ له سماعه منه في الجملة، إلا في روايته عن سُمرة بن جُندب، فإنه يدلّس عنه"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣١).

стр. 465

وأما عن سماع الحسن مِنْ عُثْمَان بن أبي العاص، فالعلماء فيه على قولين: الأول: نفاه المزي بصيغة التمريض في "تهذيب الكمال" (١)، ونفاه الحافظ ابن حجر بصيغة الجزم في "تهذيب التهذيب" (٢)، وكذلك قال في "التلخيص": الحسن، عن عثمان منقطع. (٣) وقال الحاكم: الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص. (٤) ونقله كذلك الزيِلعي، عن المنذري. (٥) الثاني: بينما أثبته علي بن المديني، فقال في "العلل": سَمِع الحسن من عثمان بن عفان - وهو غلام - يخطب، ومن عثمان بن أبي العاص. (٦) قلتُ: وعندما تَتَبَّعتُ مَرْويات الحسن عنه، وجدتُ ما يدل على لقائه به، وسماعه منه في الجملة، فيقول: دخلتُ على عثمان بن أبي العاص، ورأيتُ عثمان، وقَدِمَ علينا عثمان، وأَشْرف علينا عثمان، ودُعيَ عثمان، .... وغير ذلك مما يدلّ على سماعه منه. وفي "العلل" للإمام أحمد: عن الحسن، قال: ما رأيتُ أفضل من عثمان بن أبي العاص. (٧) وفيه أيضًا: كنَّا ندخل على عثمان بن أبي العاص، وكان له بيْتٌ. (٨) فهذا كله يدلّ على سماعه منه، وقد ثبت عدم تدليس الحسن - إلا عن سَمْرَة بن جُنْدَب، كما سبق -، فلا يُتوقف في عنعنته عنه، والمُثبِت مُقدَّمٌ على النَّافي، ومَن عَلِم حُجة على مَن لمْ يعلم - والله أعلم -. ٦) عثمان بن أبي العاص: "صحابي شهير، استعمله النبي ﷺ على الطائف". (٩) ثالثًا: - النظر في الخلاف على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنّ الحديث مداره على أَشْعث بن سوَّار، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: أَشْعث بن سوّار، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵁ (مرفوعًا). الوجه الثاني: أَشْعث بن سوّار، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص (موقوفًا). والذي يَظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: وجود مُتابعات للأشعث بن سَوَّار على الوجه الثاني، فقد تابعه غير واحد، منهم: يونس بن عُبيْد،

стр. 466

وإسماعيل بن مسلم المكي، والإسناد إلى الحسن من طريق يُونس بن عُبيد صحيحٌ، فَدَلَّ ذلك على أنّ أَشْعث قد وَهِم وأخطأ في رواية الحديث بالوجه الأول، وأنه قد حَفِظ الحديث وضبطه بالوجه الثاني. رابعًا: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني في "الأوسط": مِمَّا سبق يتضح أنّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعِيْفٌ"؛ لأجل أَشْعث بن سوّار "ضعيفٌ"، وقد انفرد به، ولم يتابعه أحد على هذا الوجه، بالإضافة إلى اضطرابه في هذا الحديث فرواه مرّة عن أبي الزبير، عن جابر، ومرَّة عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص. قلتُ: والأَشْعث لم يضبط، ولم يحفظ أحاديث أبي الزبير جيدًا، فقد قال زُهير: رأيتُ أَشْعث بن سوّار عند أبي الزبير قائمًا دونه الناس، وأبو الزبير يُحدّث، فيقول أشعث: كيف قال؟ وأيّ شيءٍ قال؟. (١) وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه أَشْعث بن سوّار، وثّقه ابن معين، واختُلف في الاحتجاج به. (٢) قلتُ: وسبق بيان أقوال أهل العلم فيه، وتَبَيَّن أنَّ الجمهور على تضعيفه. ب الحكم على الحديث مِنْ الوجه الراجح (بإسناد الطبراني في "المعجم الكبير"): ومِمَّا سبق يتضح أنّ الحديث من طريق أَشْعث بن سوّار، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، "إسناده ضعيفٌ"؛ لأجل أَشْعث بن سوّار، وحِبَّان بن عليّ العَنَزيّ، وكلاهما "ضعيفٌ، يُعتبر به". مُتابعات للحديث: وأشعث بن سَوَّار تابعه غير واحد - كما سبق في التخريج -، منهم: يونس بن عُبيد - وإسناده صحيح -، وعليه فالأثر عن عثمان بن أبي العاص يرتقي بمتابعاته من "الضعيف"، إلى "الصحيح لغيره". - قلتُ: والحديث أَعَلَّه غير واحدٍ (٣) بعدم سماع الحسن من عثمان بن أبي العاص، وقد سبق أن ثبت سماعه منه، أثبته علي بن المديني صراحةً، وأحمد والبخاري إشارةً، فلا وجه لإعلال الحديث به، فالأثر "صحيحٌ" بمتابعاته، ومجموع طُرُقه. - فالحديث صحَّ عن عثمان بن أبي العاص، من قوله، وقد رُوي عنه مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، لكنه لم يصح، فإسناده واهٍ، وقد خُولف راويه، فلا يُعتبر به. (٤)

стр. 467

شواهد للحديث مرفوعة إلى النَّبي ﷺ : وللحديث عِدَّة شواهد مرفوعة إلى النبي ﷺ ، يُعتبر بها، من أمثلها: • حديث أم سلمة ﵂: - أخرجه أحمد، من طريق عَلِيِّ بن عَبْدِ الأَعْلَى، عن أبي سَهْلٍ، عن مُسَّةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: "كَانَتِ النُّفَسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَقْعُدُ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَكُنَّا نَطْلِي عَلَى وُجُوهِنَا الْوَرْسَ (١) مِنَ الْكَلَفِ (٢) " (٣). - وأخرجه أبو داود في "سننه"، مِنْ طريق يُونُسَ بن نَافِعٍ، عن كَثِيرِ بن زِيَادٍ، قال: حدَّثَتْنِي الأَزْدِيَّةُ، قالت: حَجَجْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ سَمُرَةَ بن جُنْدُب يَأْمُرُ النِّسَاءَ يَقْضِينَ صَلاةَ المَحِيضِ، فَقَالَتْ: لا يَقْضِينَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ تَقْعُدُ في النِّفَاسِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لا يَأْمُرُهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلاةِ النِّفَاسِ. (٤) قلتُ: وسنده ضعيفٌ؛ لأجل مُسَّة الأزدية، ومدار الحديث عليها، وهي "مجهولة الحال". (٥) وأما الرواية الثانية، ففيها: " كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ تَقْعُدُ في النِّفَاسِ "، فَلَعَلَّه وَهْم مِنْ يونس بن نافع، فقد نصّوا على أنه يُخطئ (٦)، وإلا فقد قال ابن القطّان: المراد بنسائه هنا بناته، وقريباته، وسُرِّيته مارية، فإن أزواجه ما منهن من كانت نفساء أيام كونها معه إلا خديجة، وقد ماتت قبل الهجرة. (٧) وقال الزيلعي في "نصب الراية": قال ابن تيمية في "المنتقى": معنى الحديث، أي: كانت النفساء تُؤمر أن تقعد أربعين يومًا. قال: إذ لا يمكن أن تتفق عادة نساء عصرٍ في نفاسٍ، ولا حيض. (٨)

стр. 468

أقوال أهل العلم على حديث أم سلمة: - قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي سهل عن مُسَّ الأزدية، عن أم سلمة، وقال محمد بن إسماعيل: علي بن عبد الأعلى ثِقَةٌ، وأبو سهل ثِقَةٌ. وصَحَّحَ إسناده الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال الخطابي: حديث مُسَّة أَثنى عليه محمد بن إسماعيل. وقال عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام": أحاديث هذا الباب كلها معلولة، وأحسنها حديث مُسَّة الأزدية. وأعَلَّه كذلك ابن القطّان في "الوهم والإيهام" بـ "مُسة". وقال البيهقي: وقد روى فيها أحاديث مرفوعة كلها - سوى ما ذكرناه - ضعيفة. وقال صاحب "عون المعبود": مُسَّة أَثنى على حديثها البخاري، والحديث صحح الحاكم إسناده، وأقل أحواله أن يكون حسنًا. وقال صاحب "تحفة الأحْوَذي": الظاهر أنّ هذا الحديث حسنٌ صالح الاحتجاج، وفي الباب أحاديث أخرى ضعيفة تؤيِّده. وصحَّح إسناده النووي في "المجموع"، وقال: قول جماعة من مصنفي الفقهاء أنَّ هذا الحديث ضعيف، مردود عليْهم، وله شاهد، والحديث جيد، وإنما ذَكرتُ هذا لئلا يُغترّ به. وقال الشيخ الألباني في "إرواء الغليل" - بعد نقله كلام النووي -: والراجح عندي أنه حديثٌ حَسَن. وحسَّنه أيضًا في "صحيح أبي داود" بشواهده. وحسّنه أيضًا بشواهده الدكتور/عبد الله الجُديع في رسالته "كشف الالتباس عن أحكام النفاس". (١) قلتُ: ومجموع هذه الأقوال يدلّ على أنّ مَنْ ضعّفه، إنما ضعّفه لأجل "مُسَّة الأزدية"، ومَنْ حسَّنه، أو صحَّحه، إنما بشواهده، فلا تعارض بينهما، وعلى كل حال فحديث أمّ سَلَمة "إسناده ضعيف"، لكنه يُعتبر به. وعليه فيبقى حديث أمّ سلمة على ضَعْفه، حتى يَثْبُت ما يُقوِّيه. - ولعلّ الأثر السابق عن عثمان بن أبي العاص، بالإضافة إلى أنّ العمل على هذا الحديث عند جمهور أهل العلم - كما سيأتي في التعليق على الحديث - يُقَوِّي حديث أمّ سلمة إلى "الحسن لغيره"، والله أعلم. (٢) خامسًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن أَشْعث إلا أبو خالد.

стр. 469

قلتُ: من خلال ما سبق يتبيّن - بعد البحث - أنّ الحديث بهذا الطريق - من حديث جابر -، لمْ يَرْوه عن أَشْعث، إلا أبو خالد، وعلى هذا فيُسلّم للمصنف ﵁ في ذلك. وقد رواه عن أَشْعث، حِبَّانُ بن علي العَنَزيُّ - كما عند المصنف في "الكبير" - لكنَّه رواه بوجهٍ آخر غير الوجه الذي رواه به أبو خالد، فرواه عن أَشْعث، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص - موقوفًا -. وهذا يدلّ على أنّ كلام الطبراني مُقَيَّدٌ بالوجه المذكور، وليس مطلقًا - والله أعلم -. سادسًا: - التعليق على الحديث: - قال الترمذي: وقد أَجْمَعَ أهلُ العلم مِنْ أصحاب النَّبِيِّ ﷺ ، والتَّابِعِينَ، ومَنْ بعدهم على أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلاة أربعين يَوْمًا، إلا أَنْ ترى الطُّهْرَ قبل ذلك، فإِنَّها تغتسلُ وتُصَلِّي، فإذا رأت الدَّمَ بعد الأربعين فإِنَّ أكثرَ أهل العلم قالوا: لا تَدَعُ الصلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفُقَهَاءِ، وبه يقول سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وابنُ المُبَارَكِ، والشَّافِعِيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ. ويُرْوَى عن الحَسَنِ البَصْرِيِّ، أنَّه قال: تَدَعُ الصلاةَ خَمْسِينَ يَوْمًا إذا لم تَرَ الطُّهْرَ. ويُرْوَى عن عطاءِ بن أبي رَبَاحٍ، والشَّعْبِيِّ سِتِّينَ يَوْمًا. (١) ونُوزع الترمذي في نَقْله للإجماع (٢)، وفيما نَقَله عن الشافعي، بل وتعجّب منه النووي، وذَكَر أنّ المعروف في المذهب ستين يومًا. (٣) - وقال البغوي: أمّا أكثره، فأربعون يومًا عند أكثر أهل العلم، قَالُوا: تَدَعُ الصَّلاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتسِلَ وَتُصَلِّيَ، فَإِنْ زَادَ على الأربعين، فلا تَدَعُ الصَّلاةَ، رُوِيَ هذا عن عُمَرَ، وابن عَبَّاسٍ، وأنسٍ، وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ، وحكاه أبو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عن الشَّافِعِيِّ. (٤) - وذهب ابن قُدامة إلى أنّ أكثر مدة للنفاس أربعون يومًا، ونَقَل هذا عن جماعة من الصحابة، وذكر حديث أمّ سلمة، ثم قال: وهذا قول مَن سَمَّيْنا من الصحابة، ولمْ نَعرف لهم مخالفًا في عصرهم، فكان إجماعًا، وقد حكاه الترمذي إجماعًا، ونحوه حكى أبو عُبيْد … ثُمَّ قال: فَإِنْ زَادَ دَمُ النُّفَسَاءِ على أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَصَادَفَ عَادَةَ الحَيْضِ، فهو حَيْضٌ، وإن لم يُصَادِفْ عَادَةً، فهو اسْتِحَاضَةٌ. قال أحمدُ: إذا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فإن كان في أيَّام حَيْضِهَا الذي تَقْعُدُهُ أَمْسَكَتْ عَنْ الصلاة، ولَمْ يَأْتِهَا زَوْجُهَا، وإِنْ لم يَكُنْ لَهَا أَيَّامٌ كانت بِمَنْزِلَةِ المُسْتَحَاضَةِ، يَأْتِيهَا زَوْجُهَا، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي إنْ أَدْرَكَهَا رَمَضَانُ، وَلَا تَقْضِي. (٥) * * *

стр. 470

[٦٣/ ٤٦٣]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا مُحمد (١) بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، قَالَ: نا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أَبِيهِ. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مُدَارَاةُ (٢) النَّاسِ صَدَقَةٌ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن يُوسُفَ بن محمدٍ إلا محمد (٣) بن عِيسَى.

стр. 471

هذا الحديث مداره على محمد بن المنكدر، واختُلف عليه من وجهين: الوجه الأول: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ». الوجه الثاني: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ». وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا: - الوجه الأول: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ». أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٨/ ٤٨٥)، وأبو طاهر السِّلَفي في "الجزء الخامس من المشيخة البغدادية" (٢٥)، من طريق عبد الرحمن بن عُبيد الله الحلبي، عن يوسف بن محمد بن المُنْكدر، عن أبيه، به. والحديث ذَكَره ابن عدي في ترجمة يوسف بن محمد بن المُنْكدر، ونقل عن ابن حمَّاد، أنّه قال: يوسف بن محمد متروك الحديث، أَظُنُّه ذكره عن النسائي، وقد تَفَرَّد به عُمر بن الحسن بن نصر، عن عبد الرحمن الحلبي، وليوسف بن محمد غير هذه الأحاديث التي ذَكّرتها، وأرجو أنه لا بأس به. ا. هـ. • وأخرجه أبو زرعة الدِّمشقي في "الفوائد المعللة" (١٠٥) - بترقيم الشاملة -، وابن أبي الدنيا في "مُداراة الناس" (٣) - ومن طريقه أبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (٢٣٩٦)، وابن الجوزي في "العلل" (١٢١٥/ ١)، وابن السمعاني في "أدب الإملاء والاستملاء" (١/ ١٤٥) -، وأبو عَروبة الحسين بن محمد في "حديثه" (٢٢) - بترقيم الشاملة -، - ومن طريقه ابن السّني في "عمل اليوم والليلة" (٣٢٦)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٩٢) -، وابن أبي حاتم في "العلل" (مسألة/ ٢٣٥٩)، وابن الأعرابي في "مُعجمه" (٩١٦)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٤٧١)، وفي "روْضة العقلاء" (ص/٧٣)، والطبراني في "مكارم الأخلاق" (١٤١)، وابن عدي في "الكامل" (٨/ ٤٨٧)، وأبو الشيخ الأصبهاني في "الأمثال" (١٣٠)، وفي "طبقات المحدِّثين بأصبهان" (٧٥٢)، وأبو نعيْم في "الحلية" (٨/ ٢٤٦)، والخليلي في "الإرشاد" (٥٠)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٩١)، والبيهقي في "الشعب" (٨٤٤٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٤/ ٣١٠، ٥٨/ ٢٠١). كلهم من طرقٍ، عن المُسيِّب بن واضِح، عن يوسف بن أَسْبَاط، عن سفيان الثوري، عن ابن المُنْكدر، به. قلتُ: والحديث بهذا الوجه عن سفيان الثوري باطل لا أصل له. - قال أبو زرعة الدِّمشقي: ليس هذا المحفوظ، وهو مُعْضَلٌ غَلِيْظٌ. ثم قال: نا محمد بن خازم الرَّملي - ثقة حافظ -، ثنا يوسف بن أسباط، عن رجلٍ، عن محمد بن المُنْكدر يرفعه، القلب إلى هذا أسْكن. - وقال أبو حاتم الرّازي: هذا حديثٌ باطل لا أصل له، ويوسف بن أَسْباط دفن كُتُبَه. - وقال ابن عدي: هذا الحديث يُعْرف بالمسيّب بن واضح، عن يوسف، عن سفيان، بهذا الإسناد، وقد سَرَقه منه جماعةٌ من الضعفاء، رَوَوْه عن يوسف، ولا يَرْويه غير يوسف عن الثوري، ويوسف هذا: هو عندي

стр. 472

من أهل الصدق، إلا أنّه لمَّا عَدِمَ كُتُبه كان يحمل على حفظه، فيغلط، ويُشتبه عليه، ولا يتعمّد الكذب، ثم نقل قول البخاري: يوسف دفن كتبه، فكان لا يجيء حديثه بعد كما ينبغي. وقال صدقة: دَفَنَ يوسف كتبه، فكان بَعْدُ تنقلب عليه فلا يجيء به كما ينبغي، فاضطرب في حديثه. ا. هـ. - وقال أبو نعيم: تفرَّد به يوسف بن أسباط، عن الثوري. - وقال الخليلي: غريبٌ؛ تفرّد به يوسف بن أسباط، عن الثوري، وإذا رُويَ عن ابن المُنْكدر حديثٌ منْكر؛ فيكون الحَمْلُ على مَنْ يَرْوي عنه من الضعفاء، وقيل: إنّ هذا الحديث اشتبه عليْه، وإنّما هو: سفيان، عن أبي مالك الأشجعي، عن رُبعي، عن حذيفة، أنّ النبي ﷺ ، قال: "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ". (١) - وقال الدارقطني: ورواه الثوري، وهو غريبٌ من حديثه عنه، تفرّد به يوسف بن أسباط عنه. - وقال ابن الجوْزي: هذا حديثٌ لا يصحّ عن رسول الله ﷺ ، وإنّما يُعْرف بالمسيّب بن واضح. (٢) قلتُ: فاتَفَقَتْ كلمتهم على إنكاره من حديث الثوري، وأنَّه قد تفرّد به عنه يوسف بن أسباط، فأَتَى عن الثوري بما لمْ يأتِ به أحدٌ من أصحابه، وأنّ الحديث معروفٌ بالمُسَيِّب بن واضح، وقد سرقه جماعةُ من الضعفاء، فرووْهُ عن يوسف - وسيأتي في الفقرة القادمة إن شاء الله . • وابن عدي في "الكامل" (٣/ ١٨٧)، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (٢/ ٩)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/ ٦٠٠)، وابن الجوزي في "العلل" (١٢١٥/ ٢). كلهم من طريق الحُسين (٣) بن عبد الرحمن بن عبَّاد الفَزاري - المعروف بالاحتياطي -، عن يوسف بن أسباط، عن سفيان الثوري، عن محمد بن المُنْكدر، به. وقال ابن عديّ: الحديث حديث المسيّب بن واضح، سرقه منه الاحتياطي هذا، وغيره، والحسين هذا يسرق الحديث عن الثقات، وله من الحديث غير ما ذَكَرتُ، وحديثه لا يشبه حديث أهل الصدق. • وأَوْرده الذهبي في "تاريخ الإسلام" (٦/ ١٠٢) - في ترجمة عبد الله بن خُبَيق الأنطاكي -، وقال: روى عبد الله بن خُبَيق، عن يوسف بن أسباط، عن الثوري، عن ابن المُنْكدر، عن جابر، مرفوعًا: "مُداراة الناس صدقة"، وقال: قال الطبراني: لم يَرْوه عن الثوري إلا يوسف، تفرّد به: ابن خُبَيق.

стр. 473

قلتُ: ولم يتفرّد به ابن خُبَيق، بل الحديث مشهورٌ من رواية المُسيّب بن واضح - كما سبق -، وقد قال ابن عدي: وسرقه منه جماعةٌ من الضعفاء، فَرَوَوْه عن يوسف بن أسباط، وعبد الله بن خُبَيْق هذا لم أقف فيه على جرحٍ أو تعديل فهو "مجهول الحال"، فَلَعَلَّه سرقه مِنْ المسيب بن واضح. قلتُ: وعليه فالحديث باطل، لم يصح، ولم يثبت من حديث الثوري، والله أعلم. • وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٤٦١)، من طريق أبي الأَخْيَل خالد بن عمرو الحمصي، ثنا سفيان ابن عيينة، عن محمد بن المُنْكدر، به. وقال ابن عدي: وخالد بن عمرو هذا، روى أحاديث مُنكرة عن ثقات الناس، ونقل عن جعفر الفريابي، قال: لم أكتب عنه؛ لأنه كان يكذب … ثم قال: وكنّا في شغل عن حديث الثوري، عن ابن المُنْكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ : "مداراة الناس صدقة"، يرويه عنه يوسف بن أسباط، حتى جاءنا أبو الأَخيَل فحدَّث به عن ابن عيينة! قلتُ - والله أعلم -: وهذا الكلام مِنْ ابن عدي يدل على استنكاره الشديد جدًا لهذا الحديث عن ابن عيينة، فيقول: "كنّا في شغل عن حديث الثوري"؛ أي: كنّا في إعراضٍ واستنكارٍ عن هذا الحديث من رواية الثوري - فلمْ يأتِ به أحدٌ من أصحابه عنه -، ثم يقول متعجّبًا أشد التعجب؛ "حتى جاءنا أبو الأَخْيل فحدَّث به عن ابن عيينة! " فمَن أبو الأَخْيل هذا حتى ينفرد عن مثل الجبل الأشم ابن عيينة؟! - وكلام ابن عدي هذا نقله ابن الجوزي في "العلل"، وزاد: قال ابراهيم الحربي: هذا حديثٌ كذب. - وقال الدارقطني: غريبٌ من حديث ابن عيينة، تفرّد به خالد بن عمرو، عنه. - قلتُ - والله أعلم -: وعليه فالحديث لم يصح، ولم يثبت أيضًا من حديث ابن عيينة. • وأخرجه محمد بن خلف بن حيَّان في "أخبار القضاة" (٣/ ٥١٩)، من طريق حمَّاد بن الوليد الأزدي الكوفي، عن عبد الله بن شُبْرُمة الكوفيّ، عن محمد بن المُنْكدر، به. قلتُ: وهذه متابعة لا تصلح للاحتجاج، ففي سندها حمَّاد بن الوليد وهو "متروك، ساقط، متهم" (١)، بالإضافة إلى اضطرابه في هذا الحديث فرواه بالوجهين، فدلَّ على عدم ضبطه، وخطئه، ووهمه فيه. (٢) ب متابعات للوجه الأول: وقد توبع محمد بن المُنْكدر على رواية هذا الحديث بالوجه الأول: • فأخرج البيهقي في "الشعب" (٨٤٧٥) من طريق مالك بن دينار، ومعروف بن علي، عن الحسن البصري، عن مُحارب بن دِثار، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : لمَّا نَزَلَتْ سُورَة بَراءة، قَالَ: "بُعِثْتُ بِمُدَارَاة النَّاس".

стр. 474

وقال البيهقي: غريبٌ بهذا الإسناد، و قد رَوَيْناه من وجهٍ آخر عن جابر، و في كِلا الإسناديْن ضَعفٌ. (١) ت دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) محمد بن عيسى الطَبَّاع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيْهٌ حَافِظٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨). ٣) يوسف بن محمد بن المُنْكَدِر، القُرَشيُّ، التَّيْميُّ، أخو عُمر، والمُنْكدر ابنيْ محمد بن المُنْكدر. روى عن: أبيه محمد بن المُنْكدر. روى عنه: محمد بن عيسى الطبَّاع، وعبد الله بن جعفر الرَّقيُّ، وعُبيْد بن جَنَّاد الحَلَبيُّ، وآخرون. حاله: قال أبو زرعة: صالحٌ، وهو أقل روايةً من أخيه المنكدر. - وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يُكتب حديثه. وقال ابن عدي: لا أعرفُ له غير ما ذكرتُهُ من الأحاديث، وأرجو أنّه لا بأس به. وقال الدارقطني، وأبو داود، والذهبي، وابن حجر: ضعيف. - وقال النسائي، وأبو الفتح الأزدي، وأبو بِشر الدُّولابي: متروك. وقال النسائي أيضًا: ليس بثقة. وقال ابن حبَّان: يَروي عن أبيه ما ليس من حديثه من المناكير التي لا يشك عوام أصحاب الحديث أنّها مقلوبة، وكان شيخًا صالحًا ممّن غَلَب عليه الصلاح حتى غفل عن الحفظ والاتقان، فكان يأتي بالشيء على التوهّم، فبَطُل الاحتجاج به على الأحوال كلها، وذكر بعض مناكيره. (٢) قلتُ: وقوْل أبي زرعة: محمولٌ على الصلاح في العبادة، يدلّ عليْه كلام ابن حبَّان. وأمَّا قول النسائي، وغيره بأنه "متروك"، فيُجاب عنه بقول أبي حاتم: يُكتب حديثه. وبقول ابن عدي: أرجو أنَّه لا بأس به. فالحاصل: أنه "ضعيفٌ" وهو قوْل الجمهور فلا يُحتج به إذا انفرد، بل يُعدُّ من مناكيره. ٤) محمد بن المُنْكدر: "ثِقَةٌ، فَاضِلٌ"، تَقَدّم في الحديث رقم (٣٠). ٥) جابر بن عبد الله ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ، مُكْثِرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٠). ثانيًا: - الوجه الثاني: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " كُلُّ معروفٍ صدقة ". أ تخريج الوجه الثاني: الحديث رواه عن محمد بن المُنْكدر، بهذا الوجه جماعة، وهم كالآتي: • فأخرجه البخاري في "صحيحه" (٦٠٢١) ك/الأدب، ب/كل معروفٍ صدقة، وفي "الأدب المفرد" (٢٢٤)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٣٣٧٩)، والطبراني في "الصغير" (٦٧٣)، وابن أبي الدنيا في "اصطناع

стр. 475

المعروف" (١٠)، وفي "قضاء الحوائج" (١٠)، والبغوي في "شرح السنة" (١٦٤٢). كلهم من طرق، عن أبي غسَّان محمد بن مُطرّف، عن محمد بن المُنكدر، عن جابر، بلفظه. • وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (١٨١٩)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٥٤٣٢)، وعَبْدُ بن حُميد في "المسند" - كما في المنتخب" (١٠٨٣) -، وابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" (٩)، و"اصطناع المعروف" (٩)، وأبو بكر الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٨٣)، والدارقطني في "السنن" (٢٨٩٥)، والحاكم في "المستدرك" (٢٣١١)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٨٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢١١٣٢)، وفي "الشعب" (٣٤٩٦)، وفي "الآداب" (١٤٧)، والبغوي في "شرح السنة" (١٦٤٦). كلهم من طرقٍ، عن عبد الحميد بن الحسن الهلالي، عن محمد بن المُنْكدر، عن جابرٍ، البعض بلفظه، والبعض مُطوَّلًا. وقال الحاكم: إسناده صحيح، ولم يخرّجاه. وتعقَّبه الذهبي فقال: فيه عبد الحميد، ضعَّفوه. (١) • وأخرجه أحمد في "مسنده" (١٤٧٠٩ و ١٤٨٧٧)، وعبْدُ بن حُميْد في "مسنده" - كما في المنتخب (١٠٩٠) -، والبخاري في "الأدب المفرد" (٣٠٤)، وابن أبي الدنيا في "اصطناع المعروف" (٢٥)، والترمذي في "سننه" (١٩٧٠) ك/البر والصلة، ب/ما جاء في طلاقة الوجه، وحُسْن البِشر، وأبو عبد الله المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٨٨١)، والطبراني في "الأوسط" (٩٠٤٤)، وفي "مكارم الأخلاق" (١٩)، وأبو نُعيم في "تاريخ أصبهان" (١/ ١٥٢)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٩٠)، والبغوي في "شرح السنة" (١٦٤٢/ ٢). كلهم من طرقٍ، عن المُنْكدر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵁، قال رسول الله ﷺ : " كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِه " هذا لفظ أحمد، والباقون به إلا في أحرُفٍ يسيرة، ما عدا أبا نعيم، والقضاعي فبلفظ: " كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ" فقط. وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي ذر، وهو حديثٌ حسنٌ صحيح. وقال البغوي: هذا حديثٌ حسنٌ. قلتُ: والمنكدر بن محمد بن المُنْكدر "ليّنُ الحديث". (٢) • وأخرجه أبو القاسم تمَّام بن محمد في "فوائده" - كما في "الروْض البسَّام" (١٢٧٩) -، مِنْ طريق موسى بن داود الضَّبِيّ، نا سعد بن الصَّلْت (٣) - مولى جرير بن عبد الله البَجَليّ -، عن محمد بن المُنْكَدر، عن جابر، قال رسول الله ﷺ : " كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَمَا وَقَى بِهِ الْمَرْءُ عِرْضَهُ صدقةٌ ". • وابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" (٨)، وأبو يَعلى في "مسنده" (٢٠٤٠)، والطبراني في "الأوْسط"

стр. 476

(٦٨٩٦)، والبيهقي في "الكبرى" (٢١١٣٣)، وفي "الشعب" (٣٤٩٥ و ١٠٧١٣)، وفي "الآداب" (١٤٨). كلهم من طرقٍ، عن مِسْوَر بن الصَّلْت (١) - مِنْ أصحّ الأوْجه عنه (٢) -، عن محمد بن المُنْكدر، به، مُطوَّلًا. ب دراسة إسناد الوجه الثاني: الحديث بهذا الوجه أخرجه البخاري في "صحيحه"، وهذا كافٍ لإثبات صحة إسناد هذا الوجه. ثالثًا: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مداره على محمد بن المُنْكدر، وقد اختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله، قال رسول الله ﷺ : "مُدَارَاةُ النَّاس صَدَقَةٌ". الوجه الثاني: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله، قال رسول الله ﷺ : "كَلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ". والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) ضعف إسناد الوجه الأول، ففيه يوسف بن محمد بن المنكدر "ضعيفٌ"، وقال فيه ابن حبّان: يروي عن أبيه ما ليس من حديثه من المناكير التي لا يشك عوام أصحاب الحديث أنها مقلوبة. وهذا بخلاف الوجه الثاني، فقد رواه أبو غسَّان محمد بن مُطرّف، وهو "ثِقَةٌ". (٣) ٢) وأمَّا المتابعات للوجه الأول فكلها واهية، لا تصلح للاعتبار - كما سبق بيانه ونقله عن أهل العلم -. وهذا بخلاف الوجه الثاني، فأبو غسَّان قد تابعه سَعْد بن الصَّلت، وعبد الحميد الهلالي، وغيرهما. ٣) إخراج البخاري للوجه الثاني في "صحيحه"؛ ولعلَّ صنيع البخاري ﵀ في "صحيحه" يشير إلى عدم ثبوت الحديث بالوجه الأول "مداراة الناس صدقة" - بهذا اللفظ - حيث بَوَّبَ في "صحيحه" في ك/ الأدب بابًا بعنوان "المداراة مع الناس"، ولم يخرِّج فيه حديث جابر الذي معنا بالوجه الأول، وإنَّما خرَّج حديث عائشة "بِئس أخو العشيرة" - وسيأتي إن شاء الله ، ولم يصنع هنا كما يفعل على عادته أن يُترجم للباب بجزءٍ من الحديث ويذكره معلّقًا، فيقول مثلًا: ب/قول النبي ﷺ كذا، بل قال: ب/المداراة مع الناس، ثم قال: ويُذكر عن أبي الدرداء: «إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ، وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ». ولو صحَّ حديث جابر بلفظ الوجه الأول، ولو من وجهٍ ضعيف لكان ذِكرُهُ أوْلى - كما هي عادته - وعدم فعله يدلُّ على ترجيح الوجه الثاني، وهذا من بديع وحسن صنيع الإمام البخاري ﵀.

стр. 477

رابعًا: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني (بالوجه الأول): من خلال ما سبق يتبين أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ بلفظ "مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ"، "مُنْكرٌ"؛ لأجل يوسف بن محمد بن المنكدر "ضعيف" يَروي عن أبيه ما ليس من حديثه من المناكير التي لا يشك عوام أصحاب الحديث أنها مقلوبة - كما قال ابن حبَّان -، ولم يتابعه أحدٌ على هذا الحديث من وجهٍ يَثبُت، بل كل المتابعات له واهية لا تصلح للاعتبار، مع مخالفته لِمَا رواه الثقات عن محمد بن المُنْكدر. - وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه يوسف بن محمد بن المنكدر، وهو متروكٌ، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. (١) وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": رواه الطبراني في "الأوسط"، وفي سنده يوسف بن محمد بن المنكدر ضعَّفوه، وأخرجه ابن أبي عاصم في "آداب الحكماء" بسندٍ أحسن منه. (٢) قال الألباني في "الضعيفة": كأنه - أي الحافظ ابن حجر - يعني - أي بقوْله: أخرجه ابن أبي عاصم بسندٍ أحسن منه - السند الذي هو من رواية المُسيِّب بن واضح، لأنه أشهر أسانيده، وقد عَرِفْتَ أنَّ أبا حاتم أبطله، وإن كان يعني غيره، فلا فائدة منه أيضًا، لِمَا تقدَّم عن ابن عدي، أنَّه سرقه من المُسيِّب جماعة من الضعفاء، والمسيِّب ضعَّفوه، قال أبو حاتم: صدوقٌ يخطئ كثيرًا، وضعَّفه الدارقطني. (٣) قلتُ: ويؤيد كلام الشيخ الألباني، أنَّ أبا نُعيم قد أخرج هذا الحديث في "الحلية" (٤)، بسنده من طريق أبي بكر بن أبي عاصم، عن المسيِّب بن واضح. - والحديث ذكره السيوطي، وعزاه إلى الطبراني، وابن حبان، والبيهقي، ورمز له بالصحة. (٥) وتعقبه المناوي في "فيض القدير"، فقال: هذا الحديث له طرق عديدة، لكنّ حديث جابر أعدَلَها - كما قال العلائي -، لذا اقتصر عليه المصنف - السيوطي - ومع ذلك ففيه يوسف بن أسباط - ونقل تضعيف أهل العلم له -، ويوسف بن محمد بن المُنْكدر - ونقل أقوال أهل العلم فيه -. (٦) - وضعَّفه الألباني في "ضعيف الجامع"، وقال في "السلسلة الضعيفة": "ضعيفٌ جدًا". (٧) - وضعَّفه الحويني في "النافلة"، وقال: وجملة القول: أنَّ الحديث ضعيف لمْ يُروَ من وجهٍ مُعتمد. (٨)

стр. 478

شواهد للحديث: - والحديث بلفظ "مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ" لم أقف له على شواهد صحيحة بهذا اللفظ، وما وقفتُ عليه أسانيدها إما أنْ يكون فيها متروك، أو متهم، أو وضَّاع (١)، وأمْثل ما وَقفتُ عليه هو حديث المقدام بن مَعْدي كرب: أخرجه تمّام بن محمد في "فوائده" - كما في "الروض البسام" (١١٠٣) -، وابن قانع في "معجم الصحابة" (٣/ ١٠٦)، من طريق بقية بن الوليد، عن بَحير بن سَعد، عن خالد بن مَعْدان، عن المقدام بن مَعْدي كرب، قال: قال رسول الله ﷺ : "مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ". قلتُ: وفيه بقية بن الوليد يدلّس تدليس التسوية، ولم يصرّح بالتحديث. وقال ابن الجوزي: وروى عن المقدام بن معدي كرب، عن أبيه، قال إبراهيم الحربي: وهو حديثٌ كذب. (٢) - والحديث يشهد له بالمعنى ما أخرجه البخاري، ومسلم من حديث عائشة ﵂، أنَّه استأذن على النبي ﷺ رجل، فقال: «ائْذَنُوا لَهُ، بِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ، أَوِ بئس أَخُو العَشِيرَةِ». فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الكَلَامَ، فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ في القول؟ قَالَ: «أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ منزلة عند الله مَنْ تَرَكَهُ، أَوْ وَدَّعَهُ النَّاسُ، اتِّقَاءَ فُحْشِهِ». (٣) قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": والنكتة في إيراده هنا - أي في باب مداراة الناس - التلميح إلى ما وقع في بعض الطرق بلفظ المداراة، وهو عند الحارث بن أبي أسامة، من حديث صَفْوان بن عَسَّال (٤)، نحو حديث عائشة، وفيه: "فقال: إنه منافق أُداريه عن نِفاقه، وأخشى أن يُفسد على غيره". (٥) ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح (بالوجه الثاني): مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بالوجه الثاني "صَحيحٌ"، لأخرج البخاري له، وهذا كافٍ لثبوت صحته. وفي الباب عن حذيْفة بن اليمان ﵁، أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" عن أبي مالك الأشجعي، عن رِبْعِيّ بن حِراش، عن حُذيْفة، عن النبي ﷺ ، قال: "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ". (٦)

стр. 479

خامسًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لمْ يروِ هذا الحديث عن يوسف بن محمد، إلا محمد بن عيسى. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يتضح أنَّ هذا الحديث لمْ ينفرد بروايته محمد بن عيسى، عن يوسف بن محمد، بل تابعه عبد الرحمن بن عُبيد الله الحلبي؛ وأخرج رواية عبد الرحمن هذه ابن عدي في "الكامل"، وأبو طاهر السِّلفي في "المشيخة البغدادية" كما سبق بيانه في التخريج. - وعبد الرحمن بن عُبيد الله هذا "ثِقَةٌ" (١)، والإسناد إليه صحيح. سادسًا: - التعليق على الحديث: - قال ابن حبَّان ﵁: الواجب على العاقل أن يداري الناس مداراة الرجل السابح في الماء الجاري، ومن ذهب إلى عشرة الناس من حيث هو؛ كدَّر على نفسه عيشه، ولم تصف له مودته، لأن وداد الناس لا يستجلب إلا بمساعدتهم على مَا هم عَلَيْهِ؛ إلا أن يكون مأثما، فإذا كانت حالة معصية فلا سمع ولا طاعة، والبَشَر قد رُكِّب فيهم أهواء مختلفة، وطبائع متباينة، فكما يشق عليك ترك مَا جُبلت عَلَيْهِ؛ فكذلك يشق على غيرك مجانبة مثله، فليس إلى صفو ودادهم سبيل إلا بمعاشرتهم من حيث هم، والإغضاء عَن مخالفتهم. - وقال ابن حبَّان ﵁ أيضًا: من التمس رضا جميع الناس التمس مالا يُدرك، ولكن يقصد العاقل رضا من لا يجد من معاشرته بُدًا، وإن دفعه الوقت إلى استحسان أشياء من العادات كان يستقبحها، واستقباح أشياء كان يستحسنها مَا لم يكن مأثما؛ فإن ذلك من المداراة، وما أكثر من دارى فلم يسلم فكيف توجد السلامة لمن لا يداري. (٢) - وقال سَهْل بن عبد الله التستريُّ: مَنْ خَالَطَ النَّاس دَارَاهُمْ ولم يُمَارِهِمْ، فإنَّ مُدَارَاتُهِمْ صَدَقَةً، ومُدَارَاةُ الوَالِدِ فَرِيضَةٌ، ومُدَارَاةُ ذوي الأَرْحَامِ سُنَّةٌ، ومُدَارَاةُ السُّلْطَانِ طَاعَةٌ، ومُدَارَاةُ أهلِ البِدَعِ مُدَاهَنَةٌ، وَمُدَارَاةُ الْأَحْمَقِ شَرَفٌ، وَالشَّرَفُ التَّغَافُلُ، وَالسَّلَامَةُ لِلْجَمِيعِ التَّقَرُّبُ لِلَّهِ . (٣) * * *

стр. 480

[٦٤/ ٤٦٤]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَذَنِيُّ، قَالَ نا عَمْرُو بْنُ الأَزْهَرِ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ عَلَى مَتَاعِ بَيْتٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن حُمَيْدٍ إلا عَمْرُو بن الأَزْهَرِ. أولًا: - تخريج الحديث: • أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٣٤)، مِنْ طريق إسماعيل بن عَمرو البَجَلي. • وأبو نُعيم في "تاريخ أصبهان" (٢/ ٣٣٤)، مِنْ طريق عامر بن حفص. كلاهما (إسماعيل، وعامر)، قالا: حدثنا عَمرو بن الأزهر، ثنا حُميْد الطويل، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخُدْري ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ تزوَّج أمّ سَلَمة وأَصْدَقَها عَشْرة دراهم. ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) إسحاق بن عبد الله الأَذَني: "مجهول الحال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٤٩). ٣) عَمرو بن الأَزْهَر، أبو سعيد العَتْكِيّ، البَصْري، الواسطي، قاضي جُرْجان. روى عن: حُمَيْد الطويل، وهشام بن عُروة، وابن جُريج، وغيرهم. روى عنه: إسحاق بن عبد الله الأَذَني، ومحمد بن الصَّبَّاح، وعلي بن حُجْر، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والجُوزَجانيُّ: ليس بثقة. وقال ابن معين: ضعيفٌ، ليس بشيءٍ، لا يُكتب حديثه. - وقال أحمد: كان يضع الحديث. وقال البخاري: يُرمى بالكذب، رماه أبو سعيد الحَدَّاد بالكذب. وقال أبو حاتم الرازيُّ، وأبو بِشر الدولابيُّ، والنَّسائيُّ: متروكٌ. وقال ابن حبَّان: كان ممّن يضع الحديث على الثِّقات، ويأتي بالموْضوعات عن الأثبات، لا يَحلّ كتابة حديثه، ولا ذكره في الكتب إلا على سبيل القدْح. وقال ابن عدي يسرق الحديث. (١) وقال الدارقطني، والذهبي: كَذَّابٌ. فالحاصل: أنه "كذَّاب، يضع الحديث". (٢) ٤) حُمَيْد بن أبي حُمَيْد الطويل: "ثقة"، تقدَّم في الحديث رقم (٥٢). ٥) أبو نَضْرة المُنْذِر بن مالك بن قُطَعَة العَبْديُّ، البَصْرِيُّ. روى عن: أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عُمر، وعبد الله بن عبَّاس ﵃، وآخرين.

стр. 481

روى عنه: حُمَيد الطويل، وسعيد بن أبي عَروبة، وعاصم بن سليمان الأحول، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، والعجلي، وأحمد، وأبو زرعة، ويحيى بن معين، والنسائي، وابن حزم، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وزاد الذهبي في "الكاشف": يُخطئ. وقال في "مَنْ تُكُلِّم فيه وهو موثق": صَدُوقٌ. - وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: كان مِمَّن يُخطئ. وقال أحمد: ما علمتُ إلا خيرًا. - وقال ابن عدي: له حديثٌ صالحٌ، عن أبي سعيد، وجابر، وإذا حدَّث عنه ثقة فهو مستقيم الحديث، ولم أر له شيئًا مِنْ الأحاديث المُنْكرة؛ لأنِّي لم أجد له إذا روى عنه ثقةٌ حديثًا مُنكرًا؛ فلذلك لم أذكر له شيئًا. - وسُئل يحيى بن معين، وأبو حاتم عن أبي نَضْرة، وعطيَّة العَوفي؟ فكلاهما قال: أبو نَضْرة أحبُّ إلي. - وفي "الميزان": أوردهما العُقيليُّ، وابن عديُّ في "الضعفاء"، ولم يذكرا له شيئًا يدلُّ على لِينٍ فيه. - وقال العلائي: أَرْسَلَ عن عليّ، وغيره مِنْ كِبَار الصحابة، وسمع ابن عبَّاس، وأبا سعيد ﵃. (١) فالحاصل: أنه "ثِقَةٌ، أرْسَلَ عن كِبَار الصحابة"، وأما قوْل الذهبي: يُخطئ، فَلَعَلَّه أخذه من ابن حبَّان، وخالفه ابن عدي، فقال: لم أجد له إذا روى عنه ثقةٌ حديثًا مُنكرًا. وأطْلَقَ الجمهور تَوْثيقه، فلا يُعتدّ به. ٦) سَعْدُ بن مالك بن سِنَان بن عُبَيْد بن ثَعْلَبة، أبو سعيد الخَدْريُّ، الأَنْصَاريُّ: روى عن: النبي ﷺ ، وأبي بكر الصدِّيق، وعُمر بن الخطَّاب ﵃، وغيرهم. روى عنه: أبو نَضْرة العَبْدي، وجابر بن عبد الله، وعطاء بن أبي رباح، وآخرون. قال ابن عبد البر: أول مشاهده الخندق، وغزا مع رسول الله ﷺ اثنتي عشرة غزوة، حَفِظَ عن رسول الله ﷺ سُننًا كثيرة، وعلمًا جمًّا، وكان من نجباء الصحابة وعلمائهم وفضلائهم، روى له الجماعة. (٢) ثالثًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيُّ "ضَعيفٌ جدًا"؛ لأجل عَمرو بن الأزهر الواسطي "كذَّاب، وكان يضع الحديث"، وذكر ابن عدي، والدارقطني: أنه يسرق الحديث؛ وقد انفرد به عن حُمَيد الطويل، من حديث أبي سعيد الخُدْري ﵁. وقد تتابع العلماء - كما سبق - على ذكر هذا الحديث في ترجمته، وأنّه من مناكيره. - قال ابن عديُّ: ولعَمرو بن الأزهر غير ما ذكرتُ من الحديث، وكلها غير محفوظة. - وقال الهيثميُّ: رواه الطبراني في "الأوسط"؛ وفيه عمرو بن الأزهر، وهو متروكٌ. (٣) - وقال الألبانيُّ: مُنْكَرٌ، وذكر حديث الحَكَم بن عطية، عن ثابت، عن أنس: كان الذي تزوَّج عليه رسول الله ﷺ أم سلمة شيئًا قيمته عشرة دراهم. وأعلّه بالحَكَم بن عطية - وسيأتي إن شاء الله بيانه بعد

стр. 482

قليل -، ثم قال: وقد رواه بعض الكذّابين بإسنادٍ آخر، فكأنه سرقه منه، وهو عمرو بن الأزهر. (١) لكن هل لهذا الحديث شاهد آخر يصح به المتن؟ قلتُ: وفي الباب عن أنس بن مالك ﵁، أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٢١٣٤)، قال: حَدَّثَنَا الحَكَمُ بن عَطِيَّةَ، عن ثَابِتٍ، عن أنسٍ ﵁، قال: كَانَ الَّذِي تَزَوَّجَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ، عَلَى شَيْءٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. (٢) ومداره على الحَكَم بن عطية، وقد تتابع أهل العلم على إعلال هذا الحديث به، وعَدُّوهِ من مناكيره: - قال أبو حاتم: سألتُ أبا الوليد الطّيالسي عن هذا الحديث؟ فقال: ما تصنعون بهذا؟ هذا خطأ. قلتُ (أبو حاتم): وما الصحيح يا أبا الوليد؟ قال: ما حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ . (٣) قال أبو حاتم: فقلتُ له: قد حدّث به أبو الوليد الطيالسي، عن الحَكَم، فمن يبالي به؟ ولم يُحدّثنا به. قال ابن أبي حاتم: فقلتُ لأبي: وما الصحيح عندك؟ قال: حديث عُمر بن أبي سلمة. (٤) - وقال الإمام أحمد بن حنبل - لمَّا سُئل عن الحكم بن عطيّة -: لا بأس به إلا أنَّ أبا داود الطيالسي روى عنه أحاديث منكرة. (٥) وقال عنه: لا أعلم إلا خيْرًا، فقال له رجل: حدَّثَني فلانٌ عنه، عن ثابت، عن أنس - وذكر حديث الباب في زواج أم سلمة - فأقبل أبو عبد الله يتعجّب، وقال: هؤلاء الشيوخ لم يكونوا يكتبون، إنما كانوا يحفظون، ونُسِبوا إلى الوهم، أحدهم يسمع الشيء فيتوهَّم فيه. (٦) وقال أيضًا: الحَكَم بن عطية عندي صالح، حتى وجدتُ له غرائب عن ثابت، عن أنس أنّ النبي ﷺ تزوَّج أم سلمة على شيء قيمته عشرة دراهم؛ وهؤلاء الشيوخ يخطئون على ثابت، وإنما يريد الحديث الذي رواه حمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة. فقيل له: نعم، وسليمان أيضًا يَرْوِيه. فقال: نعم، ولكنّ حمَّاد بن سلمة أحسن له حديثًا. (٧)

стр. 483

- وأورده كذلك ابن عدي في "الكامل"، ونقل بسنده عن أبي سلمة التَبُوذكي، قال: سمعتُ حمَّاد بن سلمة، يقول: إذا جاءكم من أصحاب ثابت مَنْ لا تعرفوه، فقولوا: كفانا الله شرّكم. (١) - والحديث أخرجه البزار في "مسنده"، وقال: لا نعلم رواه عن ثابت، عن أنس إلا الحكم بن عطية، وَرَأَيْتُه في موْضع آخر: تزوّجها على متاعٍ ورَحى قيمته أربعون درهمًا. (٢) - وقال الهيثمي: فيه الحَكَم بن عطية، وهو ضعيف. (٣) - وقال البوصيري: في إسناده مقال، ونقل أقوال أهل العلم في الحَكَم بن عطية. (٤) - وقال الألباني في "الضعيفة": مُنْكَرٌ. (٥) قلتُ - والله أعلم -: وبهذا يتضح أنَّ هذا الشاهد لا يُعتبر ولا يُفرح به، فهو من مناكير راوِيه، بل ومن خطئه، ووهمه، وأنه اشتبه عليه، وأنَّ الراجح عن ثابت هو ما رواه عنه حمَّاد بن سلمة، عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أمِّ سَلَمة، عن النبي ﷺ ، هكذا قال أبو الوليد الطيالسي، وأحمد، وأبو حاتم، وغيرهم من أهل العلم، فمَنْ بعد هؤلاء؟! - والله أعلم -، وهو المُستعان. رابعًا: النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لم يروِ هذا الحديث عن حُمَيد إلا عمرو بن الأزهر. قلتُ: وممَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّنُ صحة كلام المُصَنِّف ﵁. * * *

стр. 484

[٦٥/ ٤٦٥]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: نا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةُ مَنْ خَلْفَهُ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن عَاصِمٍ إلا سُوَيْدٌ، تَفَرَّدَ به: الرَّبِيعُ. أولًا: - تخريج الحديث: • لمْ أقف عليه بهذا الإسناد مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، من قوله، إلا برواية الباب - على حد بحثي -، والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع البحرين" (٧٤٦) بإسناد الطبراني، ومتنه، وقوله عقب الحديث. • وعزاه المُناوي في "فيض القدير" (٤/ ٩٧)، إلى الدَّيْلَميِّ. وقال ابن رجب في "فتح الباري" (٤/ ١٣) - بعد الكلام على أنَّ سُترة الإمام سُترة لمن خلفه -، قال: وقد رُوِىَ فيه حديثٌ مرفوعٌ، خرَّجه الطبراني مِنْ رواية سُوَيد بن عبد العزيز، عن عاصم الأحول، عن أنس، أنَّ النبي ﷺ ، قال: "سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَة لِمَنْ خَلْفَهُ"، قال: ولكن لا يصح، وسُويد هذا ضعيفٌ جدًا، وسيأتي بقية كلامه. ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو توْبة الرَّبيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٣) سُويد بن عبد العزيز بن نُمَير السُّلَميّ، أبو محمد الدِّمَشْقيُّ، أصله من واسط. روى عن: عاصم الأحول، وحُمَيد الطويل، وشُعبة بن الحجَّاج، وآخرين. روى عنه: الرَّبيع بن نافع، وهشام بن عمَّار، وعُبيد بن هشام الحلبي، وآخرون. حاله: قال دُحَيمٌ: ثِقَةٌ، وكان له أحاديث يغلط فيها. وقال الذهبي: وثَّقه دُحيمٌ وحدَه. - وقال ابن معين، والنَّسائيُّ، ومعاوية بن صالح، ويعقوب بن سفيان، والخلَّال: ضعيفٌ. وقال ابن سعد: كان يَروي أحاديث مُنْكرة. وقيل لأحمد: روايته عن حصين أربع مائة، فقال: فيها أرى يخلط، فقيل له: لا، كلها صحاح، فقال أحمد: أليس فيها "سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ" عن الشَّعْبي، عن مسروق؟! وتبسَّم، كأنَّه يُنكره. وقال البخاري: عنده مناكير أَنْكرها أحمد. وقال ابن رجب في "فتح الباري": سُويدٌ هذا ضعيفٌ جدًا، وقد أنكر الإمام أحمد عليْه حديث السترة، وقال: إنما هو قوْل الشَّعبي … ، ثمَّ قال: فكيف لو سمِع - أي أحمد - أنه روى ذلك بإسنادٍ له عن النبي ﷺ ؟! وقال البخاري: في حديثه نظرٌ، لا يُحْتمل. وقال أبو حاتم: في حديثه نظر، هو ليِّن الحديث، ليس بالقوي. وقال الترمذي: كثير الغلط في الحديث. وقال ابن عدي: ولسويد أحاديث صالحة، وعامة حديثه مِمَّا لا يُتَابِعُه الثقات عليه، وهو ضعيفٌ كما وصفوه. وقال الدارقطني: يُعتبر به. وقال ابن حبَّان: كان كثير الخطأ فاحش الوهم حتى يجئ في أخباره من المقلوبات أشياء تتخايل إلى من

стр. 485

سمعها أنها عُمِلَت تَعَمُّدًا، والذى عندي في سويد تَنَكُّب ما خالف الثقات من حديثه، والاعتبار بما روى مما لم يخالف الأثبات، والاحتجاج بما وافق الثقات، وهو ممن أستخير الله فيه لأنه يقرب من الثقات. وقال البزَّار: ليس بالحافظ، ولا يُحتجّ به إذا انفرد. وقال البيهقي: ضعيفٌ لا يُقبل منه ما تفرَّد به. - وقال أحمد، والذهبي: متروك الحديث. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال ابن معين، والنَّسائيُّ: ليس بثقة. وقيل لدُحَيم: سُوَيد ممَّن إذا دُفع إليه من غير حديثه قرأه على ما في الكتاب؟ قال: نعم. وقال ابن حجر في "التقريب": ضعيفٌ. وفي "إتحاف المهرة": ضعيفٌ جدًّا. وفيه أيضًا: تعقَّب الحاكم في حديثٍ قال فيه: على شرط مسلم، فقال ابن حجر: لا والله، فسُويد قد تركاه جميعًا. وقال الذهبي في "الميزان": هَرَّت ابن حبَّان سُويد، ثم آخر شيء قال: وهو ممَّن أستخير الله فيه. فقال الذهبي مُعَقِّبًا: لا، ولا كرامة، بل هو واهٍ جدًا. (١) - والحاصل: أنَّه "ضعيفٌ، يُعتبر به إذا تُوبع، وإلا فمُنْكرُ الحديث جدًّا عند المخالفة"، فقد ضعَّفه الجمهور: يحيى، وأبو حاتم، والنسائي، والبزَّار، والبيهقي، ويعقوب بن سفيان، والخلَّال، وابن حجر، وغيرهم، وقال الدَّارقطني: يُعتبر به. والتضعيف جدًّا له من البعض يُحْمل على ما انفردَ به، بدليل أنَّ الإمام أحمد لمَّا أنْكرَ على مَنْ صححَ له أحاديثه، قال له: أليس فيها حديث كذا؟، ولا شكَّ أنَّ خطأ الراوي في حديثٍ لا يكون سببًا في تركه. لذا قال ابن عدي قوْله السَّابق، وكذلك ابن حبَّان بعدما ضعَّفهُ جدًّا؛ قال: وهو ممَّنْ أستخير الله فيه - لأنه يَقْرُب من الثِّقات -، والله أعلم. ٤) عاصم بن سُليْمان الأحْول، أبوعبد الرَّحمن البَصْريُّ. روى عن: أنس بن مالك، وعامر الشَّعبي، ومحمد بن سيرين، وآخرين. روى عنه: شعبة بن الحجَّاج، والسُّفيانان، وعبد الله بن المُبارك، وآخرون. حاله: قال أحمد، وابن معين، والعِجْليُّ، وأبو زرعة، وابن المديني، وابن سعد، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وقال أحمد أيضًا: كان من الحفَّاظ للحديث، ثِقَةٌ. وقال الثوري: حفَّاظ البصرة ثلاثة: سُليمان التيْميّ، وعاصم الأحول، وداود بن أبي هند، وعاصم أحْفظهم. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال ابن عديّ: لعاصم حديثٌ صالحٌ، ولمْ أرَ في حديثه حديثًا مُنْكرًا، ولا شيئًا فيه اضطراب إلا ما ذكرته، وهو عندي لا بأس به. وقال البخاري: ربّما شكّ في حديث أبي سعيد، لا يُتابَع عليْه. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (٢) ٥) أنس بن مالك: "صحابيٌّ جليلٌ، من المُكثرين"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٣).

стр. 486

ثالثًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيُّ "ضعيفٌ"؛ لأجل سُوَيد بن عبد العزيز "ضعيفٌ"، وقد انفردَ به، وقد أنْكرَ أهل العلم عليه هذا الحديث خاصة. - قيل للإمام أحمد: رواية سُويْد عن حُصَين أربع مائة. فقال أحمد: فيها أرى يخلط. فقيل له: لا كلها صحاح. فقال: أليس فيها "سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ"، عن الشَّعبي، عن مسروق؟ وتبسَّم، كأنه يُنْكره. (١) - قال ابن رجب: وهذا إنما هو قول الشَّعبي، فكيف لو سمع - أي أحمد - أنَّه - أي سُويد بن عبد العزيز - قد روى ذلك بإسنادٍ له عن النبي ﷺ ؟ وقال: والحديث لا يصحّ، وسُويد هذا "ضعيفٌ جدًّا". (٢) - وقال الهيثميُّ: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه سُويْد، وهو ضعيف. (٣) - وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" - وقد ترجم البخاري ﵀ الباب بقوله: سترة الإمام سترة من خلفه" -: ولفظُ ترجمة الباب وَرَدَ في حديثٍ مرفوعٍ، رواه الطبراني في "الأوسط"، من طريق سُويد بن عبد العزيز، عن عاصم، عن أنس مرفوعًا، وقال: تفرَّدَ به سُويْدٌ، عن عاصمٍ، وسُويدٌ ضعيفٌ عندهم. (٤) - وعزاه السيوطي إلى الطبراني في "الأوسط"، من حديث أنس، ورَمَزَ له بالضَّعف. (٥) - وقال المُناوي: قال الزين العراقي في "شرح الترمذي": فيه سُويد، وهو ضعيفٌ. (٦) - وعزاه الصنعانيُّ إلى الطبراني في "الأوسط"، من حديث أنس، وقال: فيه ضَعف. (٧) - وقال الشوكاني: أخرجه الطبراني في "الأوسط"، وفي إسناده سُويد، وقد تفرَّد به، وهو "ضعيف". (٨) - وقال المُباركَفوري: رواه الطبراني في "الأوسط"، وتفرَّد به سُويدٌ، عن عاصمٍ، وسُويدٌ ضعيفٌ عندهم. (٩) - وضعَّفه الألباني في "الضعيفة"، و"ضعيف الجامع". (١٠)

стр. 487

شواهدٌ للحديث: - أخرج الإمام عبد الرزاق في "المصنف" (٢٣١٧) - ومن طريقه ابن المُنذر في "الأوسط" (٢٤٨١) -، عن عبد الله بن عُمر العُمري، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةُ مَنْ وَرَاءَهُ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وبه آخُذُ، وهو الأمر الذي عليه النَّاسُ. قلتُ: وهذا موقوف على ابن عُمر، وليس مرفوعًا، وفيه عبد الله بن عُمر العُمَري "ضعيفٌ". (١) - وأخرج البخاري في صحيحه" ب/سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةُ مَنْ خَلْفه، ومسلم في "صحيحه"، من حديث عبد الله بن عبَّاس ﵁، قال: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ. (٢) قال ابن رجب: ففي هذه الروايات: أنَّ ابن عبَّاس مَرَّ على حماره بين يدي بعض الصَّفِّ والنبي ﷺ يصلي بالناس، فلم يُنكر ذلك عليه أحد، لا النبي ﷺ ولا أحد ممن صَلَّى خلفه، وبهذا استدلَّ البخاري وغيره من العلماء على أنَّ سُترة الإمام سترة لمن خلفه؛ لأنَّ سترة الإمام إذا كَانَتْ محفوظة كفى ذَلِكَ المأمومين، ولم يضرهم مرور من مَرَّ بَيْن أيديهم؛ ولذلك لا يُشرع للمأمومين اتخاذ سترة لهم وهم خلف الإمام. (٣) وقال الحافظ ابن حجر: وهذا الحديث ليس فيه أنه ﷺ صلَّى إلى سُترة، وكأنَّ البخاري حَمَل الأمر في ذلك على المألوف المعروف من عادته ﷺ أنَّه كان لا يُصلِّي في الفضاء إلا والعنزة أمامه، ثم أيَّد ذلك - أي البخاري - بحديثيْ ابن عُمر (٤)، وأبي جُحَيْفة (٥)، وفي حديث ابن عمر ما يدل على المداومة، وهو قوله بعد ذكر الحربة "كان يفعل ذلك في السفر". (٦) قال ابن رجب: وحديث ابن عُمر، وأبي جُحَيْفة يدلَّان على أنَّ النبي ﷺ كان يصلِّي في أسفاره إلى عنزة تستره ممَّن يمرُّ بين يديه، وهذا مِمَّا يُضَعِّف حمل الأثر لصلاته ﷺ بمِنى أو عرفة إلى غير سترة على تعذر

стр. 488

السترة عليه؛ فإن حديث أبي جُحَيفة يدل على أن العنزة كانت معه في حجة الوداع، وأنه صلَّى إليها بمكة. (١) - وقال الترمذي في "سننه" (٣٣٥) - بعد أنْ أخرجَ حديث طلحة بن عُبيد الله، أنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قال: "إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخَّرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِي مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِك" -: حَدِيثُ طَلْحَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قال: والعملُ على هذا عند أهل العلم. وقالوا: سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ. - وبهذا يتضح أنَّ حديث الباب لم يصح بهذا اللفظ " سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةٌ مَنْ خَلْفَهُ "، مرفوعًا من قول النبي ﷺ ، وثُبوته من قول ابن عمر سنده إليه فيه ضعف، بينما صحَّ من فعل النبي ﷺ باتخاذ سُترةٍ له في الصلاة، ولكوْنه لم يأمر الصحابة ممَّن خلفه باتخاذ سُترةٍ لهم، ومرور ابن عبَّاس ﵁ وهو على حمارِه بين يدي بعض الصَّف، مع عدم الإنكار عليه، فكل هذا فيه دليلٌ على أنَّ سُترة الإمام سترة لمن خلفه، وهذا هو ما عليه العمل عند أهل العلم كما قال عبد الرزَّاق، والترمذي - والله أعلم -. رابعًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّفُ ﵁: لمْ يروِ هذا الحديث عن عاصم إلا سُوَيد، تفرَّد به الرَّبيع. - قلتُ: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ صحة كلام المُصَنِّف ﵁. - وقوْل الطبراني هذا نقله عنه غير واحدٍ من أهل العلم - كابن حجر، والشوكاني، والمُناوي - ولم يتعقَّبه أحدٌ من أهل العلم في ذلك - على حد بحثي -، وعليه فيُسَلَّم للطبراني ﵁ في ذلك. خامسًا: - التعليق على الحديث: - قال ابن خزيمة في "صحيحه": دلَّ حديث عبد الله بن عبَّاس على أَنَّ الْحِمَارَ إِنَّمَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، لَا بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ بِمُرُورِ الْحِمَارِ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ مَنْ كَانَ خَلْفَهُ فَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ سُتْرَةُ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ سُتْرَةً لِمَنْ خَلْفَهُ، إِذِ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ كَانَ يَسْتَتِرُ بِالْحَرْبَةِ إِذَا صَلَّى بِالمُصَلَّى، وَلَوْ كَانَتْ سُتْرَتُهُ لَا تَكُونُ سُتْرَةً لِمَنْ خَلْفَهُ لَاحْتَاجَ كُلُّ مَأْمُومٍ أَنْ يَسْتَتِرَ بِحَرْبَةٍ، كَاسْتِتَارِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا، فَحَمْلُ الْعَنَزَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَسْتَتِرُ بِهَا دُونَ أَنْ يَأْمُرَ المَأْمُومِينَ بِالاِسْتِتَارِ خَلْفَهُ كَالدَّالِ عَلَى أَنَّ سُتْرَةَ الإِمَامِ تَكُونُ سُتْرَةً لِمَنْ خَلْفَهُ. (٢) - وقال ابن رجب: يستدل بحديث ابن عباس على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، كما استدل به البخاري، وسواء كان النبي ﷺ حينئذ يصلي إلى سترة أو إلى غير سترة؛ لأن قبلته كانت محفوظة عن المرور فيها، وكان هو ﷺ سترة لمن وراءه؛ فلذلك لم يضرهم مرور الحمار بين أيديهم، وهذا قول جمهور العلماء: إن سترة الإمام سترة لمن خلفه. قال ابن المنذر: رُوي ذلك عن ابن عمر، وبه قال النخعي ومالك والأوزاعي وأحمد. ورُوي - أيضا - عن أبي قلابة وعن الشعبي. وذكره عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن فقهاء

стр. 489

المدينة السبعة في مشيخة سواهم من نظرائهم أهل ثقة وفضل، وهو قول الثوري. (١) - قال ابن دقيق العيد: واستدل ابن عبَّاس بترك الإنكار على الجواز، ولم يستدل بترك إعادتهم للصلاة؛ لأن ترك الإنكار أكثر فائدة. قال الحافظ ابن حجر: وتوجيهه أنّ ترك الإعادة يدل على صحتها فقط، لا على جواز المرور، وترك الإنكار يدل على جواز المرور وصحة الصلاة معا، ويُستفاد منه أنَّ ترك الإنكار حجة على الجواز بشرطه، وهو انتفاء الموانع من الإنكار وثبوت العلم بالاطلاع على الفعل، ولا يقال لا يلزم مما ذكر اطلاع النبي ﷺ على ذلك لاحتمال أن يكون الصف حائلا دون رؤية النبي ﷺ له، لأننا نقول قد تقدم أنه ﷺ كان يرى في الصلاة من ورائه كما يرى من أمامه، وتقدَّم أنَّ في رواية المصنف في الحج أنه مر بين يدي بعض الصف الأول فلم يكن هناك حائل دون الرؤية، ولو لم يرد شيء من ذلك لكان توفر دواعيهم على سؤاله ﷺ عما يحدث لهم كافيًا في الدلالة على اطلاعه على ذلك، والله أعلم. (٢) * * *

стр. 490

[٦٦/ ٤٦٦]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الهَوْزَنِيُّ (١)، أَنَّهُ لَقِيَ بِلالاً مُؤَذِّنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَسَوَّكُ بِحَلَبَ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا بِلالُ، حَدِّثْنِي كَيْفَ كَانَ نَفَقَةُ (٢) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ لَهُ شَيْءٌ، كُنْتُ أَنَا الَّذِي أَلِي ذَلِكَ مِنْهُ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى تُوُفِّيَ ﷺ . وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الإِنْسَانُ الْمُسْلِمُ فَرَآهُ عَارِيًا، يَأْمُرُنِي بِهِ، فَأَنْطَلِقُ، وأَسْتُقْرَضُ، فَأَشْتَرِي الْبُرْدَةَ، فَأَكْسُوهُ، وَأُطْعِمُهُ. حَتَّى اعْتَرَضَنِي رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لِي: يَا بِلالُ، إِنَّ عِنْدِي سَعَةٌ، فَلا تَسْتَقْرِضْ مِنْ أَحَدٍ إِلا مِنِّي، فَفَعَلْتُ. فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ تَوَضَّأْتُ، ثُمَّ قُمْتُ لأُؤَذِّنَ لِلصَّلاةِ، فَإِذَا الْمُشْرِكُ قَدْ أَقْبَلَ فِي عِصَابَةٍ مِنَ التُّجَّارِ. فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: يَا حَبَشِيُّ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ. فَتَجَهَّمَنِي، وَقَالَ قَوْلاً غَلِيظًا، فَقَالَ: أَتَدْرِي كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّهْرِ؟ قُلْتُ: قَرِيبٌ. قَالَ: إِنَّمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَرْبَعٌ، فَآخُذُكَ بِالَّذِي لِي عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَمْ أُعْطِكَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ مِنْ كَرَامَتِكَ، ولا كَرَامَةِ صَاحِبِكَ عَلَيَّ، وَلَكِنِّي إِنَّمَا أَعْطَيْتُكَ لآخُذَكَ عَبْدًا، فَأَرُدَّكَ تَرْعَى لِي الْغَنَمَ، كَمَا كُنْتَ تَرْعَى قَبْلَ ذَلِكَ. فَأَخَذَ فِي نَفْسِي مَا يَأْخُذُ فِي أَنْفَسِ النَّاسِ. فَانْطَلَقْتُ، ثُمَّ أَذَّنْتُ بِالصَّلاةِ، حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ، رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِهِ. فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْمُشْرِكَ الَّذِي كُنْتُ ادَّنتُ مِنْهُ قَالَ لِي: كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ عِنْدِكَ مَا تَقْضِي، وَلَيْسَ عِنْدِي، وَهُوَ فَاضِحِي، فَأْذِنَ لِي أَنْ آتِيَ إِلَى بَعْضِ هَؤُلاءِ الأَحْيَاءِ الَّذِينَ قَدْ أَسْلَمُوا حَتَّى يَرْزُقَ اللَّهُ رَسُولَهُ مَا يَقْضِي عَنْهُ. (٣)

стр. 491

فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ مَنْزِلِي، فَجَعَلْتُ سَيْفِي وَجِرَابِي وَنَعْلِي (١) عِنْدَ رَأْسِي، وَاسْتَقْبَلْتُ بِوَجْهِيَ الأُفُقَ. فَلَمَّا نِمْتُ سَاعَةً انْتَبَهْتُ، فَإِذَا رَأَيْتُ عَلَيَّ لَيْلا نِمْتُ، حَتَّى انْشَقَّ عَمُودُ الصُّبْحِ الأَوَّلُ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْطَلِقَ، فَإِذَا إِنْسَانٌ يَسْعَى يَدْعُو: يَا بِلالُ! أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ. فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَإِذَا أَرْبَعُ رَكَائِبَ مُنَاخَاتٌ، عَلَيْهِنَّ أَحْمَالُهُنَّ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَأْذَنْتُ. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبْشِرْ، فَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِقَضَائِكَ». فَحَمِدْتُ اللَّهَ. فَقَالَ: «أَلَمْ تَمُرَّ عَلَى الرَّكَائِبِ الْمُنَاخَاتِ الأَرْبَعِ؟» قُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ: «إِنَّ لَكَ رِقَابَهُنَّ وَمَا عَلَيْهِنَّ، فَإِنَّ عَلَيْهِنَّ كِسْوَةً، وَطَعَامًا (٢) أَهْدَاهُ إِلَيَّ عَظِيمُ فَدَكَ (٣)، فَاقْبِضْهُنَّ، ثُمَّ اقْضِ دَيْنَكَ». فَفَعَلْتُ، فَحَطَطْتُ عَنْهُنَّ أَحْمَالَهُنَّ، ثُمَّ عَلَفْتُهُنَّ، ثُمَّ قُمْتُ إِلَى تَأْذِينِ صَلاةِ الصُّبْحِ. حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، خَرَجْتُ إِلَى الْبَقِيعِ، فَجَعَلْتُ إِصْبَعِي فِي أُذُنِي، فَنَادَيْتُ: مَنْ كَانَ يَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِدَيْنٍ فَلْيَحْضُرْ. فَمَا زِلْتُ أَبِيعُ وَأَقْضِيَ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دِينٌ فِي الأَرْضِ، حَتَّى فَضَلَ فِي يَدَيَّ أُوقِيَّتَيْنِ (٤)، أَوْ أُوقِيَّةٌ وَنِصْفٌ. ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ ذَهَبَ عَامَّةُ (٥) النَّهَارِ، وَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ.

стр. 492

فَقَالَ لِي: «مَا فَعَلَ مَا قِبَلَكَ؟» فَقُلْتُ: قَدْ قَضَى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ عَلَى رَسُولِهِ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ. فَقَالَ: «أَفَضُلُ شَيْءٌ؟» … فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: «انْظُرْ أَنْ تُرِيحَنِي مِنْهَا، فَإِنِّي لَسْتُ داخِلاً (١) عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِي حَتَّى تُرِيحَنِي مِنْهُ». فَلَمْ يَأْتِنَا أَحَدٌ حَتَّى أَمْسَيْنَا. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَتَمَةَ دَعَانِي، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ مَا قِبَلَكَ؟» قُلْتُ: هُوَ مَعِي لَمْ يَأْتِنَا أَحَدٌ، فَبَاتَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى أَصْبَحَ، وَصَلَّى الْيَوْمَ الثَّانِي حَتَّى كَانَ فِي آخِرِ النَّهَارِ جَاءَهُ رَاكِبَانِ، فَانْطَلَقْتُ بِهِمَا فَأَطْعَمْتُهُمَا، وكَسَوْتُهُمَا. حَتَّى إِذَا صَلَّى العَتَمَةَ دَعَانِي، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلَكَ؟» فَقُلْتُ: قَدْ أَرَاحَكَ اللَّهُ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَبَّرَ، وَحَمِدَ اللَّهَ شَفَقًا مِنْ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ وَعِنْدَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ اتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَاءَ أَزْوَاجَهُ، فَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ امْرَأَةٍ، حَتَّى أَتَى مَبِيتَهُ، فَهَذَا الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ، ﷺ . * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن بلالٍ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: مُعَاوِيَةُ بن سلام. أولًا: - تخريج الحديث: • أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١١٩)، وفي "مسند الشاميين" (٢٨٦٩)، وفي "الأحاديث الطوال" (٤٩) - ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٤٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤/ ٣١٥) -، قال: حدثنا أحمد بن خُليد، به، وعند أبي نُعيم مُختصرٌ جدًّا. • وأخرجه حمَّاد بن إسحاق الأزدي في "تركة النبي ﷺ والسُّبل التي وجَّهَهَا فيها" (ص/ ٧٣)، من طريق يحيى بن أَكْثَم. وأبو داود في "سننه" (٣٠٥٥) ك/الخَرَاج، ب/الإمام يقبل هدايا المشركين - ومن طريقه البيهقي في "السنن الكُبرى" (١٨٧٩١)، وفي "دلائل النبوة" (١/ ٣٤٨) -. والبزَّار في "مسنده" (١٣٨٢)، قال: حدَّثنا الفُضَيل بن عبد الله، ومحمد بن عبد الله التميمي، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١١٤٣٥)، وفي "دلائل النبوة" (١/ ٣٤٨)، من طريق أبي حاتم الرازي. خمستهم (يحيى، وأبو داود، والفُضَيل، والتَّميمي، وأبو حاتم)، عن الرَّبيع بن نافع، بسنده، وبلفظه، إلا أحرُفًا يسيرة، واختصر أبو داود بعض مواضعٍ في المتن، وعند البيهقي من طريق أبي داود مُختصرٌ جدًّا. وقال البزّار: لا نعلمه يُروى عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه، بهذا الإسناد. • وأخرجه أبو داود في "سننه" (٣٠٥٦) ك/الخَرَاج، ب/الإمام يقبل هدايا المشركين، من طريق مَرْوان بن

стр. 493

محمد الطَّاطِريّ؛ وابن حبَّان في "صحيحه" (٦٣٥١)، من طريق مَعْمَر بن يَعْمَر الَّليثي. كلاهما (مَرْوان، ومَعْمَر)، عن مُعاوية بن سَلَّام - من أصحّ الأوْجه عنه (١) -، به، إلا أَحرُفًا يسيرة. ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو تَوْبة الرَّبيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٣) مُعاوية بن سَلَّام: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٤) زيد بن سَلَّام: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٥) أبو سَلَّام مَمْطُور الأسود الحَبَشِيّ: "ثِقَةٌ، يُرْسل"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٦) عبد الله بن لُحَيّ الحِمْيَريُّ، أبو عامر الهَوْزَنيُّ، الشَّاميُّ، الحِمْصيُّ، والد أبي اليمان. روى عن: بلال مؤذن النبي ﷺ ، ومعاوية بن أبي سفيان، والمِقْدام بن مَعدي كرب ﵃، وآخرين. روى عنه: أبو سَلَّام الأَسْود، وابنه أبو اليمان عامر بن عبد الله، وأزهر بن عبد الله، وآخرون. حاله: قال العِجليّ، وابن عمَّار، وابن خَلَفون، وابن عبد البر، والذهبي، وابن حجر: "ثِقَةٌ". وزاد العجلي: من كبار التابعين. وزاد ابن حجر: مُخضرمٌ. وقال الذهبي: من قدماء التابعين، أدرك الإسلام من أوله. (٢) ٧) بلال بن رباح، القُرشيُّ، التيْميُّ، أبو عبد الله، ويُقال أبو عبد الرحمن، مؤذن النبي ﷺ . روى عن: النبي ﷺ . روى عنه: أبو بكر الصِدِّيق، وعُمر بن الخطَّاب، وعبد الله الهَوْزَنيُّ ﵃، وآخرون. شَهِدَ بدرًا، والمشاهد مع رسول الله ﷺ ، من السَّابقين إلى الإسلام، ومِمَّن عُذِّب في الله ، فَصَبَرَ. (٣) ثالثًا: - الحكم على الحديث: من خلال ما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "صحيحٌ لذاته"، والحديث أخرجه ابن حبَّان في "صحيحه"، وصححه الحافظ ابن حجر في "الفتح". (٤) رابعًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُروى هذا الحديث عن بلال إلا بهذا الإسناد، تفرَّدَ به مُعاوية بن سلَّام. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يتضح أنَّ هذا الحديث لا يُروى عن بلال إلا بهذا الإسناد، وأنَّ التفرُّد فيه مُتَوَقِّفٌ عند معاوية بن سلَّام، ثم اشتُهر عنه، فرواه عنه مَرْوان بن مُحمَّد، ومَعْمَر بن يَعْمَر، والرَّبيع بن نافع.

стр. 494

- وقد وافقه على ذلك البزَّار ﵁، لكنَّ عبارته جاءت أوْسع من عبارة المصنف ﵁، فقال: لا نعلمه يُروى عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه، بهذا الإسناد. فأطلق التفرُّد المُطلَق على الصحابي، وأنَّه لا يُرْوَ إلا من حديث بلال، وأنَّه لا يُرو عن بلال إلا بهذا الإسناد؛ ومن خلال ما سبق عَرْضُه في التخريج يتضح أنه بالفعل لم يُروَ هذا الحديث إلا عن بلال بن رباح ﵁، لكن لا يُسَلَّم له في إطلاق التفرُّد في الإسناد، إذ أنَّ التفرُّد فيه متوقف عند معاوية بن سَلَّام، والبزار أخرجه من طريق الرَّبيع بن نافع، ولم ينفرد به الرَّبيع، بل تابَعَه الطَّاطري، ومَعْمَر بن يَعْمَر؛ لذا فعبارة المصنف ﵁ "تفرَّد به معاوية" أضبط، وأحْكم، والله أعلم. خامسًا: - التعليق على الحديث: - أخرج الإمام أبو داود، والترمذي، من حديث عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، قَالَ: أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةً، فَقَالَ: "أَسْلَمْتَ؟ " فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ". (١) قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، ومعنى قوله: "إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ": أي هداياهم. وقد رُوي عن النبي ﷺ أنَّه كان يقبل من المشركين هداياهم، وذُكر في الحديث الكراهية، واحتُمل أن يكون هذا بعد ما كان يقبل منهم، ثم نهى عن هداياهم. - بينما قال الطبري: كلا الخَبَرَيْنِ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ في أَحَدِهِمَا إِبْطَالُ مَعْنَى ما في الآخَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَبُولَ النَّبِيِّ ﷺ ما قَبِلَ مِنْ هَدِيَّةٍ مَنْ قَبِلَ هَدِيَّتَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّمَا كَانَ نَظَرًا مِنْهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ، وَعَوْدًا مِنْهُ بِنَفْعِهِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، لَا احْتِجَابا مِنْهُ لِذَلِكَ دُونَهُمْ، وَلَا إِيثَارًا مِنْهُ نَفْسَهُ بِهِ عَلَيْهِمْ. وَلِلْإِمَامِ فِعْلُ ذَلِكَ، وَقَبُولُ هَدِيَّةِ كُلِّ مُهْدٍ إِلَيْهِ مِنْ مُلُوكِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَغَيْرِهِمْ، إِذَا كَانَ قَبُولُهُ مَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ نَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَنَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ. وَأَمَّا رَدُّهُ ﷺ مَا رَدَّ مِنْ هَدِيَّةِ مَنْ رَدَّ هَدِيَّتَهُ مِنْهُمْ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ أَهْدَاهَا لَهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَرَ قَبُولَهُ ذَلِكَ مِنْهُ، تَعْرِيفًا مِنْهُ لِأَئِمَّةِ أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ قَبُولُ هَدِيَّةِ مُهْدٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ. فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الَّذِي قُلْنَا، إِذْ كَانَ قَوْلُهُ ﷺ : "إِنَّا لا نَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ"، وَقَوْلُهُ: "هَدَايَا الإِمَامِ غُلُولٌ"، قَوْلًا عَامًّا مَخْرَجُهُ، لا دليل فيه على خُصُوصِهِ، فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي أَنَّ اللَّهَ ذِكْرُهُ قَدْ أَبَاحَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمْوَالَ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَهُمْ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ (٢)، فَهُوَ بِطِيبِ أَنْفُسِهِم، لَا شَكَّ أَنَّهُ أَحَلُّ وَأَطْيَبُ. (٣) * * *

стр. 495

(٦٧/ ٤٦٧) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زيد بْنِ سَلَّامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ (١)، أَنَّ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا (٢) عِنْدَ رسول الله ﷺ فَجَاءَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يَسْقُطُ مِنْهَا. فَقُلْتُ لَهُ: أَوَلا تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي». فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟» قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنِي. فَنَكَتَ (٣) بِعُودٍ كَانَ مَعَهُ، فَقَالَ: «سَلْ». فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجَسْرِ (٤)». قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً (٥)؟
следующие страницы →