Полный текст (95 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فوزن ((هامتن)) ((فاعلن)) ، وأصله ((متفاعلن)) . قلت أما قوله ((تناكلوا)) فليس فيه أكثر من أن وزنه ((مفاعلن)) ، وقد كان أصله ((متفاعلن)) إذ البيت من بحر الكامل على ما ينطق به بعض أجزاءه، فيجوز أن يكون المحذوف منه هو الحرف الثاني من السبب الثقيل لا أوله. ومثله يسمى عندهم بالوقص، فلا يرد مثل هذا على الخليل. وأما بقية الأبيات فمن الشذوذ بحيث لايلتفت مثل الإمام إليها ولا يبنى قاعدةً عليها. وأجاب الصفاقسي عن استناده إلى بيت الشداخ بأن ((مستفعلن)) لما خبن صار ((مفاعلن)) فجاء أوله على هيئة الوتد المجموع، ومن هذه الحيثية جاز الخرم فيه نظراً إلى ما آل إليه قلت: وهذا الجواب لا يرتضيه الخليل، فإن الخرم عنده هو حذف الحرف الأول من الوتد المجموع لا منه ومما هو على هيئته، وإنما قال بذلك بعض المتأخرين من العروضييون. قال الصفاقسي: وما استشهد به على حذف السبب الثقيل بجملته فيه نظرٌ لجواز أن يكون ذلك الجزء دخله الوقص فصار وزنه ((مفاعلن)) فدخله الخرم لصيرورته على هيئة الوتد المجموع لأن السبب حذف بجملته. قلت: هو مردود بما تقدم. ثم قال: سلمناه إلا أنا لا نسلم أنه يلزم من حذفه بجملته جواز الخرم فيه لأن لم نقل إن الخرم امتنع فيه لأجل كونه حذفاً، بل المانع منه ما يؤدي إليه من الابتداء بالساكن، لأن المتحرك الثاني منه في نية الساكن لجواز دخول الإضمار عليه. قلت: وهذا مأخوذ من كلام أبي علي الفارسي فإنه استل في الإيضاح على أنهم لا يبتدئون بالساكن بكونهم لم يخرموا ((متفاعلن)) كما خرموا ((فعولن)) قال: لأن ((متفاعلن)) يسكن ثانيه، فلو خرم لأدى إلى الابتداء بالساكن. وأقول فيه نظر لأن الخرم بتقدير دخوله فيه إنما يدخله حال تكون الثاني متحركاً لفظاً، فالمحذور منتفِ بلا شك. فإن قلت: حكم الخليل وغيره من العروضيين بأن الخرم هو حذف الحرف الأول من الوتد المجموع، فهل ثمّ دليل على ذلك أو هو مجرد استصلاح يرجع إليه مع جواز أن يكون المحذوف هو الحرف الثاني؟ قلت: استل الصفاقسي للجماعة بوجهين أحدهما أن البيت الشعري مشبه بالبيت المسكون، والكسر في وتد البيت المسكون إنما يأتي على أوله، فكذلك ماهو مشبه به وثانيهما أن النقص ضد الزيادة، ولما كانت الزيادة المعبر عنها بالخزم تكون قبل أول حرفِ كان ضدها وهو النقص كذلك، لأنهم يحملون الشيء على الضد والنقيض كما يحملونه على النظير. لا يقال: لو صح هذا الدليل الثاني لكان الخرم جائزاً في الأوتاد وغيرها كما أن الخزم كذلك لأنا نقول لا نسلم لزوم ذلك لأن المانع في غير الأوتاد قائمٌ وهو ما يؤدي إليه من الابتداء بالساكن، ولهذا لم يكن في الوتد المفروق. انتهى كلامه.
стр. 37
وأقول: آثار الضعف باديةٌ على كلا الوجهين، فلا ينبغي الالتفات إليهما. أما أولاً فلا نسلم أن الكسر في وتد البيت المسكون إنما يأتي على أوله، ولو سُلم فلا ينتهض هذا الشبه إلى أن يقوم دليلاً على هذا الحكم، ولو سُلم فيلزم أن لا يحصل تغييرٌ لوتد إلا في أوله سواء وقع الوتد في صدر البيت أو غير الصدر، وهو باطل. وأما ثانياً فقوله إن الخزم زيادةٌ قبل الأول فيكون ضدها وهو النقص كذلك ليس بمستقيم، وذلك لأنه يلزم أن يكون النقص قبل الأول، ولا يتصور، فلم يبق إلا أن يجعل النقص واقعاً في الأول نفسه، أي يجعل الناقص هو عين الحرف الأول، وهذا ليس بطريق الحمل على الضد وهو الزيادة، لأن محلها ليس الأول نفسه، إنما هي قبل الأول لا فيه، فتأمل. وعلى الجملة فكل هذه أمور واهية لا يستند إليها ولا يعول في إقامة حكم عليها. ويكفي الرجوع إلى الاصطلاح ولا مشاح فيه. قال ابن بري: اختلفوا في مسوغ الخرم مع أنه يخرج به اشعر عن الوزن. قلت: لو خرج عن الوزن لم يكن شعراً. ثم قال: فذهب الأخفش ومن تابعه إلى أن ذلك من أجل أن بين كل بيتين سكتةِ، فكأن المحذوف يعادل السكتة. قال ابن بري: ولا خفاء بضعف هذا الوجه. قلت: كأنه يشير إلى اعتراض أبي الحكم عليه بأن عوض الحرف إنما يكون حرفاً أو ما ناب منابه، والسكتة ليست كذلك فلا نكون عوضاً. واعترضه أيضاً أبو الحكم بأن الخرم أكثر ما يقع أوائل القصائد حيث لا يت قبله يةقف عليه ورده الصفاقسي بأن الأخفش لم يقيد السكتة في التقدم حتى يلزم ذلك، بل يقول: ما في آخر البيت من اسكتة عوضٌ مما حذف أوله. ثم قال الصفاقسي: نعم لقائلِ أن يقول عليه إنها علةٌ غير مطردة، إذ لايسوغ إلا الخرم الواقع في أول البيت، أما الذي في المصراع الثاني فلا، لأن الكلمة قد تقع في نصف البيت فيكون بعضها تماماً نصف الثاني وبعضها أول الثاني، وليس ثمة سكتة، فلا يجوز الخرم حينئذ أول النصف الثاني، وهو باطل. وجوابه أن سكتة آخر البيت عوضٌ عن كل خرم وقع فيه كان أول البيت أو أول المصراع. قلت: كأن وقوع الخرم أول النصف الثاني عنده محكومٌ بجوازه اتفاقاً حتى ينبني عليه مثل هذا، وقد علمت ما فيه من الاختلاف واضطراب النقل فيه عن الخليل فتذكره.
ثم قال ابن بري: وذهب غيره- يعني غير الأخفش- إلى أن الخرم إنما وقع في أول البيت ليقابل به الترنّم المزيد في آخر البيت. قال ابن بري: وهذا أيضاً ضعيف لأنا وجدناه حيث لا مدّ ولا ترنم في آخر البيت في نحو قوله:
أدّوْا ما استعاوه ... كذاك العيش عاريةْ
قلت: هذا نص ابن بري كما تراه، أخذه الصفاقسي برمته ونسبه إلى نفسه فقال ((وعندي فيه نظر، لجواز في البيوت التي قوافيها مقيدة كقوله: أدوا ما استعاروه)) وأنشد البيت. ولا يقال لعله من توارد الخاطر لأنا نقول هو كثير المطالعة لكلام ابن بري والنقل منه في كتابه كما يعرفه الفطن الناظر في كلاميهما فلا ينهض هذا عذراً، والله أعلم.
ثم قال ابن بري: وذهب الزجّاج إلى أن مسوغ دخول الخرم في أول البيت هو أن أول البيت مفتتح الوزن فينطق به الشاعر كيف اتفق ولا يشعر بمراده من الوزن إلا بعد ذلك. وقال ابن رشيق: إنما جاز الخرم في أشغعار العرب، لأن أحدهم يتكلم الكلام على أنه غير شعر لأن أحدهم يتكلم الكلام على أنه غير شعر لأن أحدهم يتكلم الكلام على أنه غير شعر ثم يرى فيه رأياً فيصرفه الى الشعر في أي وجه شاء. قال: فمن هنا احتمل لهم وقبح على غيرهم، ألا ترى أن بعض كتّاب عبد الله ابن طاهر عاب ذلك على أبي تمام وهو أولى الناس بمذاهب العرب حيث قال: ((هنّ عوادى يوسفِ وصواحبه)) انتهى كلام ابن بري.
стр. 38
قال الصفاقسي: وكلا التعليلين، يعني تعليل الزجاج وتعليل ابن رشيق، يحتاج إلى زيادة، وهي أنه في أول بيت من القصيدة حمل عليه أوائل الأبياات والمصاريع بجامع الأولية ليجرى الباب كله مجرىً واحداً. قلت: توهم أيضاً أن الخرم أول المصاريع الأواخر جائزٌ اتفاقا، أو عند الأكثرين، فاحتاج إلى هذه الزيادة، وفيه ما عرفته أولاً. ثم قال: وأسلم التعاليل فيه ما ذكرته من الحمل على الزيادة. قلت: قد علمت ضعفه وعرفت ما فيه من النظر. إذا تقرر ذلك فلنأخذ في شرح كلام الناظم، فنقول: قد سإذا تقرر ذلك فلنأخذ في شرح كلام الناظم، فنقول: قد سببق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم عبارة عن حذف الحرف الأول من الوتد عبارة عن حذف الحرف الأول من الوتد المجموع الواقع في أول البيت، فهذه أمور خمسة يحتاج إلى استخراجها من كلام الناظم. الأول كون الخرم حذف سيءِ في الجملة. وهذا يؤخذ من قوله فيما تقدم:
وحذفٌ وقطفٌ قصر القطع حذه ... وصلمٌ ووقفٌ كشفٌ الخرم ما انفرى
стр. 39
أي ما انقطع. فأخبر أن هذه الألقاب كلها ألقاب نقص، ومن جملتها الخرم، فيكون مسماه نقص شيء من الجزء. الثاني كون المحذوف حرفاً واحداً. الثالث كونه أول حرف. الرابع كونه من وتد مجموع. الخامس كون الوتد المجموع واقعاً في أول البيت.. فأما كونه من وتد مجموع فيؤخذ من قوله هنا: ((وسلْ ودّاً آخرم للضرورة صدرها)) وذلك لأنه رمز بالسين للبحر الخامس عشر، وهو المتقارب، وباللام للبحر الثاني عشر وهو المضارع، وبالواو للبحر السادس وهو الهزج، وبالدال للبحر الرابع وهو الوافر، وبالألف للبحر الأول وهو الطويل، وكلّ واحد من هذه البحور الخمسة صدره وتد مجموع، فلزم أن يكون الخرم حذف شيء من الوتد المجموع. ويؤخذ من هنا أيضاً كونه في أول البيت ضرورة أن المراد بالصدر أول البيت. كما أن هذا القيد يؤخذ أيضاً من قوله ((فابتدا)) على ما ستراه. وأما بقية القيود فتؤخذ من قوله فيما سبق: ((ما عدا الخرم فابتدا)) . وذلك أنا كنا أسلفنا أن الخرم يكون ابتداء بكل وجه فيكون ابتداء الجزء وابتداء البيت. فإن قلت: أما أخذ كونه ابتداء الجزء وكون ذلك الجزء ابتداء البيت فواضح. وأما اتخذ كونه حرفاً واحداً من ذلك فما وجهه؟ قلت: إذا تقرر أن كلامه يدل على أن الخرم محله الوتد المجموع المصدر به الجزء الواقع أول البيت لزم أن يكون المحذوف منه حرفاً واحداً، إذ لا جائزٌ أن يكون المحذوف هو الوتد بكماله، ولا بد أن يكون المحذوف حرفيه المتحركين جميعاً ولا حركة الحرف الأول منه لما يلزم عليه من الابتداء بالساكن، ولا الحرف الثاني وإلا لوقع الحذف غير ابتداء، والفرض أنه ابتداءٌ، قال الشريف: ((ولم ينص الناظم على تفسير الخرم، إلا ما أفاده قوله قبل ((الخرم ما انفرى)) . وقد ذكرت قبل معنى الانفراء، وما أراد به هناك، لكن لمّا ذكره مع علل النقص علم أنه حذف. ومن قوله ((اخرم للضرورة صدرها)) علم أنه في أوائل الأبيات. ومن قوله قبل ((مواقعها أعجاز الأجزاء)) وقوله ((وما عدا الخرم فابتدا)) علم أنه في أول الجزء. ويعلم أنه حرفٌ واحد لأنه أقل ما يمكن حذفه، لأن الحركة وحدها لا تحذف أولاً لأن الحرف المتحمل لها يبقى ساكناً ولا يبتدأ بالساكن فيحمل على أنه حرف واحدٌ، إذ لو كان المحذوف للخرم أكثر من حرف واحد لنصّ عليه، مع أن حذف حرفين يتعذر لأن الخرم لا يكون إلا في الوتد المجموع وثالث الوتد ساكن فلو حذف منه حرفان لأدى إلى الابتداء بالساكن. وإنما يحتاج إلى ذكر هذا كله لما تقدم من أن الناظم يومي إلى الأشياء إيماء. انتهى كلامه. وأشار الناظم بقوله ((للضرورة)) إلى أن هذا النوع من التغييرات ليس من المستحسنات، وإنما يستعمل عندهم للضرورة، ولذلك كره بعضهم استعماله للمولدين، وحظره عليهم آخرون. قوله ((ووضع فعولن ثلمه ثرمه بدا)) : اعلم أن الخليل ﵀ وضع اسم الخرم على حذف أول حرف من أول جزء من البيت، أي جزء كان من أجزاء الخرم الثلاثة وهي فعولن ومفاعيلن ومفاعلتن، ثم لما كانت هذه الأجزاء الثلاثة تختلف بحسب ما يطرأ عليها من الزّحاف، وبحسب سلامتها من ذلك، وضع لكل صورة من ذلك اسماً يخصها. فالخرم اسم يعم جميع الصور. و ((فعولن)) له صورتان سلامةِ وصورة قبضِ، فله بحسب ذلك اسمان، فإن دخله الخرم وهو سالم سمي ذلك الخرم ثلماً، بإسكان اللام وبفتحها. وذلك بأن تحذف فاؤه فيبقى ((عولن)) فينقل إلى ((فعلن)) . مأخوذ من ثلم الإناء والحوض وغيره. فشبه الجزء الذي سقط أوله بالإناء الذي تثلم طرفه. فإن دخله الخرم وهو مقبوض سمي ذلك ثرماً، وذلك بأن تحذف نونه بالقبض وفاؤه بالخرم فيبقى ((عول)) فينقل إلى ((فعل)) بإسكان العين. وهو مأخوذ من ثرم الإناء والسّنْ، وهو أكثر من الثلم، فلذلك سمي به الخرم مع القبض. إذا تقرر ذلك فالناظم ﵀ لما ذكر أن فعولن يدخله الثلم والثرم بعد ذكره الأبحر التي يدخلها الخرم، ومنها ما هو مصدرٌ بفعولن وهو الطويل والمتقارب علم أن هذين اللقبين لفعولن ثابتان له في حالة الخرم، وقد علم أن الذي ينبغي تقديم ما فيه تغييرٌ واحد على ما فيه تغييران إيثلراً للخفة بحسب الإمكان. فإذن فعولن يتصور فيه كما سلف نوعان من التغيير أحدهما بسيط، وهو حذف الفاء فقط، فينبغي أن يكون هذا مسمى اللقب الأول وهو الثلم، وثانيهما مركبٌ من حذف الفاء وحذف النون فينبغي أن يكون هذا
стр. 40
مسمى اللقب وهو الثرم، فيجعل أول اللقبين لأول التغييرين وثانيهما لثاني التغييرين لمكان الترتيب الوضعي، وعلى ذلك فقس. فإن قلت: المضاف من قوله ((ووضع فعولن)) مبتدأ، وقوله ((ثلمه ثرمه بدا)) جملةٌ أو جملتان في محل رفع على أنها خبر هذا المبتدأ ولا رابط يعود على المبتدأ، ولا يصلح أن يكون الضمير المضاف إليه ((ثلم وثرم)) رابطاً لأنه عائد على فعولن لا على ((وضع)) ، قلت: يحتمل أن يكون المصدر من قوله ((ووضع فعولن)) أريد به اسم المفعول مثل ((الدرهم ضرب الأمير)) ، وإضافته إلى فعولن للبيان، مثل ((شجر أراكِ)) ، أي الموضوع الذي هو فعولن، فإذن يعود كل من الضميرين إليه فلا إشكال والله تعالى أعلم بالصواب. قال:
ووضع مفاعيلن لخرم وشتره ... وللخرب واعرف بالمراتب ما خفا
стр. 41
أقول: قد سبق أن الأجزاء التي يدخلها الخرم ثلاثة، وهي فعولن ومفاعيلن ومفاعلتن، فتكلم الناظم عليها على الترتيب، فتكلم أولاً على فعولن لأنه خماسي وهو أخف من السباعي فقدمه، ثم تكلم على مفاعلين لأن كلا سببيه خفيفان فقدمه على مفاعلتن لأن سببيه ثقيل. والمصدر من قوله ((ووضع مفاعيلن)) يحتمل أن يبقى على المعنى المصدري، ويحتمل أن يؤول باسم المفعول كما قدمناه. وقد عرفت مما سبق أن مفاعيلن له ثلاث صور: صورة سلامة، وصورة قبض، وصورة كفًّ، فله بحسب ذلك ثلاثة أسماء، خصت صورة السلامة باسم الخرم. فعلى هذا الخرم يطلق بالعموم على حذف أول حرف من الجزء الذي يدخله هذا التغيير، أيّ جزء كان، وبالخصوص على حذف أول مفاعيلن حال سلامته من القبض والكف. قال ابن بري: وكان الأولى أن يوضع له اسم يخصه كما وضع لسائر صور الخرم، لكنه أطلق هنا اسم الجنس على النوع لصدقة عليه. وبعضهم يفتح الراء هنا فيسميه خرما فرقاً بينه وبين الاسم العام، ولا يعرف هذا عن الخليل. فإن دخل الخرم في مفاعيلن مع قبضه سمي ذلك شترا، وذلك بأن تحذف الياء بالقبض والميم بالخرم فيصير فاعلن. وهو مأخوذ من شتر العين وهو شقّ جفنها وانقلابه، يقال رجل أشتر بين الشتر، وهو من العيوب القبيحة، فكأن الجزء لما حذف أوله وخامسه واستقبح النطق به شبه بالجفن الأشتر. وإن دخله الخرم مع الكف سمي ذلك بأن تحذف النون بالكف والميم بالخرم فيبقى فاعيل فينقل إلى مفعول. أخذ من الخراب وهو الاختلال والفساد، لما لحق الجزء من ذلك بحذف أوله وآخره. وقوله ((اعرف بالمراتب ما خفا)) ، يشير بذلك إلى أن الناظر في كلامه ينبغي أن يعرف مراتب التغيير ويجعل الألقاب لها على حسب الترتيب، الأول فالأول، وذلك لأنك قد علمت أن مفاعيلن لا يدخله من التغييرات غير ثلاثة أشياء: الأول منها حذف أوله، فيجعل اللقب الأول وهو الخرم لهذا التغيير الأول إعطاء للمرتبة ما يقابلها. الثاني: حذف أوله مع حذف خامسه، فيجعل اللقب الثاني وهو الشتر لهذا التغيير الثاني لما مر. الثالث: حذف أوله مع حذف سابعه، فيجعل اللقب الثالث وهو الخرب لهذا التغيير الثالث عملاً بما اقتضاه الترتيب. فإن قلت: ومن أين لنا أن التغيير الثاني هو الخرم مع القبض، وهل لا عكس فيجعل الثالث هو الثاني؟ لأن القبض محله الخامس والكف محله السابع ولا يخفى سبق الخامس على السابع. قال الشريف: ويعلم أن حذف الياء لا يسمى شتراً وحذف النون لا يسمى خرباً إلا بقيد انضمام ذلك إلى حذف الميم بتغيير الاسم، لأن حذف الياء وحدها قد تقدم أنه يسمى قبضاً، وحذف النون وجدها قد تقدم أنه يسمى كفا، فلولا ما انضم إلى حذف كل واحدٍ منهما من الخرم لما تغير الاسم. ويعلم ذلك أيضاً من ذكره في فصل الخرم، لأن حذف ثواني الأسباب قد فرغ منه قبل هذا، فلولا انضمامه إلى الخرم لما ذكر في فصله. انتهى. فإن قلت: الوجه أن يقول الناظم ((خفي)) فما وجه فتح الفاء؟ قلت وجهه الشريف بأنه جرى على لغة طيءّ، وذلك أنهم يبدلون مثل هذه الكسرة فتحةً والياء ألفا. ويحتمل وجهاً غير هذا، وذلك أن ابن القطاع وغيره حكوا أنه يقال: خفيت الشيء بفتح الفاء، بمعنى كتمته، فيمكن أن يكون هذا منه، ويكون الفعل متعدياً، وضمير المفعول محذوفاً، والفاعل ضميراً مستكناً عائداً على النظم، أي اعرف بالمراتب ما خفاه النظم أي ستره وكتمه. ويحتمل أن يكون الفعل لازماً من قولهم: خفا البرق، إذا اعترض من جانب السحاب، فأشار بذلك إلى أن ما اشتمل عليه الكلام السابق من الإيماء الذي لا يلوح إلا كخطفة بارق على جهة التمثيل.
قال:
مفاعلتن للعضب والقصم والجمم ... وخرمٌ ونقصٌ فيه عقصٌ وقد مضى
стр. 42
أقول: الكلام في هذا جار على النهج السابق، فمفاعلتن يدخله تغييرات أربعة: الأول منها بسيط، وهو خرمه بحذف الميم فيجعل اللقب الأول اسماً لهذا التغيير الأول، فيكون العضب بالضاد المعجمة عبارةً عن حذف الميم من مفاعلتن إذا وقع أول البيت. وهو لغةً ذهاب أحد قرني التيس، فسمي هذا التغيير بذلك تشبيهاً له بذهاب أحد القرنين. الثاني منها مركب من الخرم والعصب، بالصاد المهملة، وهو إسكان الخامس المتحرك، وإنما كان هذا ثانياً في رتبة الوضع لأن الإسكان مقدمٌ على حذف الحرف كما قدمناه، فيجعل ثاني الألقاب لثاني التغييرات، فيكون القصم عبارة عن اجتماع العضب والعصبْ عملاً بما سبق. سمي بذلك من قولهم: رجلٌ أقصم إذا ذهبت إحدى ثنيتيه أو رباعيتيه، فشبه الجزء المشتمل على ذلك بالذي انكسرت سنه. الثالث منها مركب من الخرم والعقل، وهو حذف الخامس المتحرك بأن تحذف ميمه ولامه فيجعل ثالث الألقاب اسماً لثالث التغييرات كما سلف. والجمم لغةً ذهاب كلا القرنين، فشبه الجزء لما ذهب أوله وخامسه بالذي ذهب قرناه. الرابع منها مركب من الخرم والنفص، وهو اجتماع الكف والعصب فتحذف الميم وتسكن اللام وتحذف النون، فيجعل اللقب الرابع اسماً لهذا التغيير الرابع الذي هو ميل أحد القرنين وانعطافه، فشبه الجزء بذلك لما ذهب أوله وآخره وحركة خامسه، وعلى الجملة فاعتبر ترتيب الذكر وترتيب الوضع وقابلْ بينهما يظهر لك المراد من كلام الناظم. وإسكانه لميم الجمم التي حقها أن تكون هنا متحركةً بالكسرة ضرورةٌ قبيحة. وقوله ((وقد مضى)) أي النقص، ففيه ضمير مستتر يعود على النقص المذكور في هذا البيت، يشير بذلك إلى تفسير النقص قد مضى عند ذكر الزحاف المزدوج، وأنه عبارة عن اجتماع الكف والعصب فلا حاجة إلى تفسيره ثانياً، والله أعلم.
ما اجرى من العلل مجرى الزحاف
قال:
وشعثْ كن اخرم اقطعه أضمرن ... بخبن وأولى سر حذفت ولا سوى
стр. 43
أقول: التشعيث عبارة عن تغيير يلحق فاعلاتن المجموع الوتد، فيصيّره على وزن مفعولن، وقد اختلف العروضيون في كيفيته على أربعة مذاهب: أحدها أنّ لامه حذفت فصار فاعلتن، وهذا مذهب الخليل. قال الشريف: ولذلك سماه تشعيثاً، لأن التشعيث في اللغة التفريق، ومنه قولهم لمّ الله شعثك، أي جمع متفرق أمرك، فلما حذفت هذه اللام من ((علا)) وهي وسط الوتد افترق نظمه فسماه تشعيثاً لذلك. ورجح هذا الرأي بأن الحذف من الأواخر وما قرب منها أكثر. الثاني أن عينه حذفت فصار ((فالاتن)) واختاره كثير من الحذّاق. ولجح بأنه حذفٌ من أوائل الأوتاد فجاز كالخرم. الثالث: أن وتده قطع قطع فحذفت ألفه وسكنت لاممه فصار ((فاعلتن)) ورجح بأن القطع في الأوتاد أكثر. الرابع مذهب الزّجاج وقطرب، أنه خبن بحذف ألفه، ثم أضمر بإسكان عينه فصار ((فعلاتن)) ، ورجح أبو الحكم هذا المذهب بأنه لم يخرج عن القياس إلا بحذف الحركة خاصة، وهي أسهل من حذف الحرف، وأيضاً لما لم يخبن ((مفعولن)) دلّ على أن فاءه عين وتده سكنت. وردّه الصفاقسي بأنا يمنع أولاً أن حذف الحركة أسهل من حذف الحرف، ونسنده بأن حذفها يؤدي إلى الابتداء بالساكن لأن الأوتاد عندهم في نية الابتداء بها، ولا كذلك حذف الحرف، ألا تراهم منعوا تسكين أوائل الأسباب وخرم السبب الثقيل لهذه العلة، فالأوتاد أولى، بل نعارضه بأن تسكين أول الوتد لا نظير له بخلاف حذفه فإن نظيره الخرم. وأيضاً فإنا نمنع أن عدم خبنهم ((مفعولن)) يدل على أن فاءه هي عين وتده وسكنت، لجواز أن يكون التزامهم ترك الخبن لمقابلة ما ارتكبوه من حذف عين فاعلاتن وهي ليست أول جزء ولا أول بيت فكان التزامهم لسلامتها كالجائز لهذا. قال الشريف بعد حكايته المذاهب الأربعة المتقدمة: هي التي أشار إليها الناظم، فقوله ((شعّثْ)) إشارةٌ إلى قول الخليل وهو الأول. وقوله ((اخرم وتده)) إشارة إلى القول الثاني. وقوله ((اقطعه)) إشارة إلى القول الثالث. وقوله ((أضمرن بخبن)) إشارة إلى القول الرابع. وكل هذه الأقوال خارجة عن القياس، فإنّ حذف وسط الوتد لا نظير له، وكذلك الخرم لا يكون إلا في أول الجزء وأول البيت، وعلى هذا القول يكون في وسطه، والقطع لا يكون إلا في آخر الجزء، ويلزم في الضرب أو العروض، والإضمار لا يكون في الأوتاد، وعلى هذا القول يكون المسكن فيه أول الوتد، ولم ينص الناظم على كيفيته على مذهب الخليل، لكن يشعر لفظ ((شعث)) بأن اللام من الوتد وهي ((علا)) هي المحذوفة لما ذكرته من أن التشعيث التفريق، ولا يكون التفريق إلا بحذف الوسط. قلت: هذا تكلف ظاهر، وذلك أن التشعيث عند العروضيين كافةً هو تصيير ((فاعلاتن)) إلى زنة ((مفعولن)) بالتغيير، وكون التشعيث هو التفريق لا يقتضى أن يكون فيه إشارةٌ إلى قول الخليل بخصوصه. ألا ترى أن التفريق بين أجزاء الجزء حاصلٌ على مذهب الخليل بحذف اللام، كما أنه حاصلٌ على مذهب من يحذف العين من ((فاعلاتن)) ، أو يحذف ألف ((علا)) ويسكن لامها، أو يحذف ألف ((فا)) ويسكن عين ((علا)) . وقوله إن التفريق لا يحصل إلا بحذف الوسط عليه منعٌ ظاهر. ويدخل التشعيث في بحرين رمز لهما الناظم بقوله ((كن)) ، فالكاف إشارة إلى البحر الحادي عشر وهو الخفيف. والنون إشارة إلى البحر الرابع عشر وهو المجتث. وقد ذهب ابن السقاط وجماعةٌ من العروضيين إلى أن التشعيث من قبيل الزحاف، ولهذا لم يلزم ضروب القصيدة كلها. وظاهرُ كلام الخليل أنه من قبيل العلل لذكره إياه مع أسمائها، ووجهه أنه مختص بالوتد، وذلك شأن العلة. والحذّاق على أنه علةٌ جاريةٌ مجرى الزحاف، وهو رأي الناظم. وقوله ((وأولى سر حذفت)) يعني أن مما أجرى من العلل مجرى الزحاف الحذف في العروض الأولى من المتقارب، وهو البحر الخامس عشر المرموز له بالسين من ((سر)) فتوجد محذوفةً في بيت من القصيدة وسالمةً من الحذف في بيت آخر من تلك القصيدة، كما قال امرؤ القيس:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
فأتى بالعروض عاريةً من الحذف، ثم قال:
يعلّ بها برد أنيابها ... إذا غرّد الطائر المستحرْ
стр. 44
فأتى بالعروض محذوفةً، ولا شك أن الحذف من أنواع العلل كما سبق، إلاّ أنهم أجرؤه في هذا الموضع الخاص مجرى الزحاف، فجعلوه من قبيل الجائز لا اللازم. وقوله ((ولا سوى)) يعني أنه لا يجري من العلل مجرى الزحاف إلا هذان الأمران خاصةً، وهما التشعيث والحذف فيما ذكرناه، فإن اتفق مجيء غيرهما من العلل على هذا الوجه فهو شاذ لا يعوّل عليه، كما حكى عن البرّد من إجازة القصر في العروض الأولى من المتقارب، كقوله:
ورمنا قصاصاً وكان الّتقاصٌّ فرضاً وحتماً على المسلمينا
وفيه مع شذوذ القصر التقاء الساكنين في غير القافية وهو شيء لا نظير له. واعلم أن الاعتراض يتوجه على الناظم على مساق هذه النسخة التي شرحنا عليها بأن الخرم من أنواع العلل باعترافه، وهوغبر لازم باتفاق العروضيين، فإذن هو جارٍ مجرى الزِّحاف، فكيف يصح قوله ((ولا سوى)) مع ثبوت مثل هذا عنده. وقد وجدت نسخةٌ ترجم فيها بقوله ((ما أجرى من العلل مجرى الزحاف)) وأنشد بعد هذه الترجمة ((وسل ودا اخرم للضرورة صدرها)) إلى آخر الأبيات الثلاثة التي منتهاها قوله ((وقد مضى)) وبعدها يليها قوله هنا ((وشعث كن)) الخ، فينبغي أن تكون هذه النسخة هي المعتمدة لإثبات هذه الأبيات في المحل اللائق بها وزوال الإشكال الوارد على تلك النسخة. وسكّن الناظم التاء من ((وتد)) تخفيفاً على حد قولهم في كتف كتف. ويوجد في بعض النسخ ((ودّ)) بالإدغام، وهو أيضاً جائز لأن التاء تسكن ثم تبدل دالا وتدغم. والله الموفق للصواب.
قال: فصدراً وحشواً قل عروضاً وضربها تغيرت الأجزاء فاختلف الكنى فقيل ابتداءٌ واعتمادٌ وفضلها وغايتها المختص منها بما جرى أقول: نصب الناظم ((صدراً)) وما بعده على الظرف، والعامل هو الفعل من قوله ((تغيرت الأجزاء)) ، يعني أن الأجزاء تتغير في صدر البيت أو في حشوه أو في العروض أو في الضرب فيختلف كناها، أي أسماؤها، في اصطلاح العروضيين. قلت: ولو قال فاختلف السّما، أي الاسم، لكان خيراً، لأنّ فيما مخالفةً لاصطلاح أهل العربية، إذ الكنية عندهم علم صدّر بأب أو أمٍ، والخطب يسير. والضمير من قوله ((ضربها)) عائد على العروض. ثم قال: ((فقيل ابتداء واعتماد)) إلى آخره. فقوله ((المختص)) مبتدأ مؤخر خبره مقدم، وهو قوله ((ابتداء)) إلى آخره، والضمير من قوله ((فصلها وغايتها)) عائد على الأجزاء المتقدم ذكرها في البت السابق. وفي كلامه لفّ ونشر مرتب، فالابتداء راجع إلى الصدر، والاعتماد راجع إلى الحشو، والفصل راجع إلى العروض، والغاية إلى الضرب. ومعنى هذا الكلام أن الجزء الواقع في صدر البيت إذا كان مخالفاً لحشوه باختصاصه بعارض عرض له لا يجوز ارتكابه في الحشو، كالخرم في صدر البيت من الأبحر التي يدخلها الخرم، فإنه يسمى ابتداء. قال الزجّاج: وزعم الأخفش أنّ الخليل جعل ((فاعلاتن)) في المديد الواقع في صدر البيت ابتداءٍ، واستشكله الأخفش بأنها مساوية للحشو في جواز مزاحفتها بالخبن والكفّ. وأجيب بأن ألفها في الصدر تحذف أبداً لغير معاقبة، وأما في الحشو فلا تحذف إلا لمعاقبة فثبتت المخالفة، فلذلك سماه الخليل ابتداء. قلت: وقضية هذا أن يكون الابتداء عند الخليل اسماً لأول جزء في البيت إذا اختصّ بتغيير يلحقه من علةٍ أو زحاف، سواءٌ وجد التغيير فيه بالفعل أو لم يوجد مع إمكان وجوده، وهذا مخالف لقولهم إن ((الموفور)) اسم للجزء الذي يجوز أن يخرم ولم يخرم. فتأمل. وأمّا الاعنماد فهو عند الجمهور لا يطلق إلا على قبض فعولن في الطويل إذا كان قبل الضرب المحذوف يليه، وعلى سلامة نونه قبل الضرب الأبتر في المتقارب. قلت: وكذا على سلامة نونه قبل عروض المتقارب الثانية المحذوفة إذا دخلها على ما ستعرفه. وأما الفصل فهو العروض المخافة لحشة البيت ببنائها على مالا يكون فيه من صحة أو اعتلال، فمفاعلن في عروض الطويل فصل للزوم القبض لها، وهو في الحشو غير لازم، وكذا مستفعلن في عروض المنسرح فصلٌ لأن خبلها لا يجوز مع جوازه في الحشو. وأما الغاية فهي في الضروب كالفصل في الأعاريض. وأكثر الضروب غايةٌ، لأن غالبها مبني على ما لايصح دخوله في الحشو كما يتبين لك عند الخوض في البحور. قال:
وإن تنج فالموفور يتلوه سالمٌ صحيحٌ معرى لا تدعْ ذلك الهدى
стр. 45
أقول: الضمير المستكن في ((تنج)) عائد على الأجزاء، يعني أن الأجزاء المذكورة إذا نجت مما يكن عروضه لها من علة أو زحاف سميت بهذه الأسماء. فالموفور اسم للجزء الذي كان يجوز أن يخرم ولكنه لم يخرم. والسالم اسم للحشو الذي عرى من دخول الزحاف الجائز فيه. وال٦صحيح اسم لجزء العروض أو الضرب إذا سلم مما يقع في الحشو كالقصر زالقطع وغيرهما. والمعرى اسم للضرب إذا سلم من زيادة يجوز دخولها فيه، وهي الترفيل والتذييل والتسبيغ. قال الشريف: وهذه الألقاب الأربعة التي ذكر الناظم في هذا البيت قد وكل ييانها إلى الترتيب فردّ الموفور إلى الصدر لأنه محل الخرم، والسالم إلى الحشو لأنه محل الزحاف، والصحيح والمعرى إلى الأعاريض والضروب، إلا أن الصحيح شاملٌ للضروب والأعاريض معاً بالسلامة من النقص والزيادة، والمعرى خاصٌّ بالضرب. ولم يبين الناظم هذا المقدار ولا أومأ إليه. على أن لفظ المعرّي قد يشعر على بُعد بالسلامة من الزيادة بخلاف السلامة من النقص. قوله لا تدع ذلك الهدى ظاهره أن المراد به أن الناظم لما لم يتسع له نطاق العبارة عن المعنى الذي أراد حسبما نبهت عليه أخذ يحُحيل على الشيخ الذي يضطر إلى بيانه لبعض المواضع في هذه القصيدة، كما تقدم التنبيه عليه في غير موضع، وقال ((لا تدع ذلك الهدى)) ، أي لا تدع سؤال من يهديك إلى سلوك السبيل التي أردت من بيان الاصطلاح والوقوف على جليته، وبذلك يتم لك الغرض، والله أعلم. قلت: حاصله على طوله أن عبارة الناظم مختلة لعدم انطباقها على المطلوب، وأنه أحال على الشيخ المرشد، وذلك لا يغني من الحق شيئاً، ولا يقوم عذراً للناظم فيما ارتكبه. قال: وقد تمّ إجمالاً فخذه مفصلاً له والألقاب وبالرمز يهتدى أقول: يعني أن الكلام في هذا الفن قد تمّ بطريق الإجمال، فذكرت الدوائر، وما في كل دائرة من البحور، وأسماء الأبيات والأجزاء، وألقاب الزحاف والعلل، ومحالٌّ دخولها من البحور، ولكن لم يتعرض على التفصيل إلى كل بحر وما يكون له من الأعاريض والضروب، وما يدخله من الزحاف، والاستشهاد على ذلك بالأبيات العربية، فأخذ يتكلم على ذلك كله تفصيلاً. وقوله ((وبالرمز يهتدى)) يعني أنه وإن تكلم بعد ذلك على طريق التفصيل فإنما ذكر البحور وأعاريضها وضروبها وشواهد الزحاف برموز يرمز بها. أما مرتبةُ البحر من العدد وبيان كمية أعاريضه وضروبه فرمز لذلك بحروف من الجمل جرى فيها على المصطلح من الألف إلى الياء، وخالف الاصطلاح في خمسة أحرف رمز بها للبحور، وهي الكاف واللام والميم والنون والسين، فجعل الكاف للحادي عشر، واللام للثاني عشر، والميم للثالث عشر، والنون للرابع عشر، والسين للخامس عشر. وفي الحقيقة إنما وافق المصطلح هنا فيما رمز به للأعاريض والضروب، وأما الحروف التي رمز بها للبحور فهي مخالفةٌ للاصطلاح المفروض. أما الحروف الخمسة فمخالفتها واضحة، وأما سائر الحروف من الألف إلى الياء فمخالفتها للاصطلاح من جهة كونه جعل الألف للأول، والباء للثاني، والجيم للثالث، إلى الياء فجعلها للعاشر. وهذه الحروف لا تدل على ذلك فإن الألف للواحد لا يفيد كونه الأول، والباء للاثنين لا للثاني، والجيم للثلاثة لا للثالث، وهكذا إلى الياء فإنها للعشرة لا للعاشر. وقد سبق التنبيه عليه. وأما الشواهد فرمز لها بكلمات اقتطعها منها كيف اتفق له من أول البيت أو آخره أو غير ذلك كما تقف عليه إن شاء الله تعالى. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ
стр. 46
منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. قال:
فالأول بحرٌ فضر به ... وغايتها سينٌ فدالٌ تلت فطا
стр. 47
أقول: يعني أن الحرف الأول من الحروف التي يرمز بها يجعله للبحر دالاً على مرتبته الخاصة من البحور الخمسة عشر، ثم الحرف الثاني يجعله رمزاً لعروض ذلك البحر دالاً على كميتها، ثم الحرف الثالث يجعله رمزاً لضروب ذلك البحر، وغايةُ هذه الحروف المرموز بها للبحور هي السين. وذلك لأن البحور كما عرقت خمسة عشر، والسين عند الناظم رمزٌ للخامس عشر، فهي منتهى ما يرمز به للبحور. وغاية الأحرف المرموز بها للأعاريض هي الدال لأنها للأربعة. وأكثر ما يكون للبحر من الضروب تسعةٌ، فلذلك كان منتهى ما يرمز به للضروب من الأحرف هو الطاء لأنها للتسعة. وقد استبان لك أن في كلام الناظم لفاً ونشراً على الترتيب، فالسين راجعة إلى البحر، والدال راجعة إلى الأعاريض، والطاء راجعة إلى الضروب. ثم قد يتفق للناظم أن يأتي بأحرف الرمز متتاليةً من غير فاصل يفصل بينها، وقد يفصل بحروف أجنبية، أو يأتي بعد الأحرف المتتابعة المجموعة المرموز بها بما هو أجنبي عن الرمز فيكون ذلك ملغىً لا يقع به إلباس، كما ستراه قريباً. قال: فخذ منه ما فيه الزحاف وسالماً وما حشوه ملغىً دناه ارع لا القصا أقول: يحتمل أن يكون معنى هذا الكلام فخذ مما رمزت به في البحور من الكلمات المشار بها إلى أبيات الشواهد ما هو شاهدٌ على ما فيه الزحاف، وما هو شاهدٌ على السالم من الزحاف، وأنك إذا وجدت لفظاً دخيلاً بين الكلمات المرموز بها للشواهد وهو بينها حشو ليس مستشهداً به على شيءٍ فارْع القريب من ذلك لا البعيد، أي لا تراع في ذلك إلا اليسير دون الكثير، فإنه لا يأتي في ذلك من الكلمات التي هي ملغاة في الحشو إلا بالنزر القليل. ألا ترى أن البيت الآتي لبحر الطويل ليس في حشوه من الكلمات النلغاة غير قوله أولاً ((أم)) ، وثانياً ((أم قد عفا)) ، وهذه كلماتٌ يسيرة غير مشارٍ بها إلى شيء من الشواهد وما بقي من البيت كله رمز. وفهم الشريف ﵀ هذا الموضع على وجه آخر. وأنا أورد كلامه برمته لينظر فيه. قال: وقوله ((وما حشوه ملغىً دُناه ارع لا القصا)) الدني جمع الدنيا أي القربى، والقصى جمع القصوى أي البعدى، ويريد بذلك ما يتخلل حروف الرمز من الحروف الملغاة، كقوله في بحر البسيط: ((جرت جوْلة، فالجيم للبحر، والجيم الثانية أفادت أن عدد الأعاريض ثلاثة، والواو من ((جولة)) أفادت أن الضروب ستة بحساب ما يذكره بعد، والراء والتاء من ((جرت)) ماغاتان ليستا في حروف الرمز، فمراد الناظم بالحشو الملغى ما كان مثل هذا. وقوله: ((دناه ارع لا القصا)) معناه أن الرمز هنا لا يرعى منه ولا يعتد به إلا الأدنى من العدد، وهو الذي لا يتجاوز الغاية التي ذكر قبل أن الأعاريض والضروب تنتهي إليها، وذلك أربع في الأعاريض وتسعة في الضروب، وأما العدد البعيد الذي يجاوز ذلك فلا يراعى ولا يعتد به، فحروفه الدالة عليه ملغاة، وكذلك في البحور لا يراعى العدد الذي يجاوز خمسة عشر وهو غايتها، فلذلك أُلغيت الراء والتاء من ((جرت)) لأن كل واحد عليه ملغاة، وكذلك في البحور لا يراعى العدد الذي يجاوز خمسة عشر وهو غايتها، فلذلك أُلغيت الراء والتاء من ((جرت)) لأن كل واحدة منهما لا تدل إلا على العدد البعيد الذي يجاوز غاية عدد الأعاريض والضروب، وهذه هي ثمرة ذكره لتلك الغايات قبل حيث قال: ((وغايتها سينٌ فدالٌ تلت فطا)) فتأمله. قلت يلزم من اعتبار تلك الحروف والوقوف عند ما يقتضيه إلغاء ما ليس منها، فليس في قوله إذنْ: ((وما حشوه ملغىً)) إلى آخره كبير فائدةٍ إذا فهم على الوجه الذي ذكره الشريف. وأما إذا جعل راجعاً إلى كلمات الشواهد كان ذلك مُفْهماً لأمر لم يتقدم هو ولا ما يلزم منه فهمه فانظر. ثم قال الشريف: ووجدت هذا البيت في نسخة ثانية وقعت بيدي بعد شروعي في هذا التقييد والفراغ من الكلام على هذا البيت مقيداً على لفظ آخر، ونصه:
مُحرّفُه المرعىّ نيف زحافه ... وما حشوه ملغىً دناه ارع لا القصا
стр. 48
فلنتكلم على شرحه الآن على هذا اللفظ، فنقول: قوله ((محرفة الرعى)) يريد به أن الذي وضع الحروف عليه رمزاً عند ذكر البحور في أول كل بحر هي الأعاريض والضروب، وهي التي يجب أن تُرعى في رجوع الشواهد إليها، فإذا رددت إليها الأبيات المنبه عليها جعلت ما نيف على عددها من الشواهد شاهداً على الزحاف. وأراد بمحرفه ما جعل الحرف عليه رمزاً دالاً على عدده، فلفظه مشتق من الحرف. وبيان ما ذكرته أن الطويل له عروض واحدة وثلاثة أضرب. نبّه على ذلك بالهمزة الثانية والجيم من قوله ((أأجرى)) ثم أتى بقوله ((غروراً)) إشارة إلى شاهد الضرب الأول، وبقوله ((ستبدى)) إلى شاهد الضرب الثاني، وبقوله ((صدوركم)) إلى شاهد الضرب الثالث، فقد فرغ من شواهد الضروب، وهي التي وضع الحروف عليها رمزاً، ثم جاء بقوله ((أسودٌ وأحداجٌ)) و ((المور)) مقتطعات من أبيات، ولما كانت قد زادت على عدد الضروب علمنا بعد أنها شواهد على الزحاف لكومها نيفت على عدد الضروب. وقوله ((وما حشوه ملغى)) إلخ قد شرحته قبل.
الطويل
أقول سمي طويلاً لأنه تام الأجزاء سالمٌ منالجزء. قاله الخليل، ومعناه أنه طال بسبب تمام الأجزاء. وقال الزّجاج لأنه أكثر الشعر عدد حروفٍ لمجيئه على أصله في الدائرة إلا نقصان حرف واحد. وربما صرّع فجاء على أصله ثمانيةً وأربعين حرفاً. وقيل: لوقوع الأوتاد أول أجزائه، وهي أطول من الأسباب. ونقضه الصفاقسي بالوافر والهزج والمضارع. وجوابه أن الاطراد في وجه التسمية ليس بلازم. وهذا البحر مبني في الدائرة على هذه الصورة: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن، فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن كما تقدم. قال:
أأجرى غروراً أم ستبدى صدوركم ... أسودٌ وأحداجٌ أمٍ المور قد عفا
أقول: الألف الأولى من قوله ((أأجرى)) إشارة إلى أنه الأول من البحور، والألف الثانية إشارة إلى أن له عروضاً واحدة، والجيم إشارة إلى أن له ثلاثة أضرب. فالعروض مقبوضة وزنها مفاعلن، ولها ثلاثة أضرب كما قلناه. الضرب الأول صحيح وبيته:
أبا منذر كانت غروراً صحيفتى ... ولم أعطكمْ في الطوع مالي ولا عرضي
فقوله ((صحيفتي)) هو العروض، ووزنه مفاعلن: وقوله ((ولا عرضي)) هو الضرب، ووزنه مفاعيلن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((غرورا)) الضرب الثاني مقبوضٌ مثلها وبيته.
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
فقوله ((تجاهلن)) هو العروض، وقوله ((تزوودي)) هو الضرب. ووزن كل منهما ((مفاعلن)) وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ستبدى)) ، الضرب الثالث محذوف ووزنه فعولن. أُسقط السبب الخفيف من مفاعيلن فصار مفاعي فنقل إلى فعولن،. وبيته:
أقيموا بني النّعمان عناّ صدوركم ... وإلا تقيموا صاغرين الرّووسا
فقوله ((صدوركم)) هو العروض وقوله ((الرؤوسا)) هو الضرب. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((صدوركم)) . وهنا انتهت شواهد ما رمز له أولاً، ثم أخذ في ما ناف على ذلك وهي شواهد الزحاف. فإن قلت: حكمت بقبض العروض في هذا البحر وقد جاءت غير مقبوضة كما في قول امرئ القيس:
ألا عمْ صباحاً أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
فقوله ((لللبالي)) هو العروض، ووزنه مفاعيلن، فهي سالمة لا قبض فيها. وكما في قول الآخر:
لمن طللٌ أبصرته فشجاني ... كخطّ زبورٍ في عسيب يماني
стр. 49
فقوله ((شجاني)) هو العروض، ووزنه فعولن فقد جاءت محذوفة لا مقبوضة، قلت: المراد أن عروض هذا البحر مقبوضة حيث لا تصريع، وأما إذا كان مع التصريع فتجيء سالمةً مع الضرب الأول ومحذوفةً مع الضرب الثالث كما في هذين البيتين. قال الصفاقسي: التصريع تبعية العروض للضرب قافيةً ووزناً وإعلالاً. وسمي البيت الذي له قافيتان مصرعاً تشبيها له بلمصراعي باب البيت المسكون. وحكى أبو الحكم أن بعضهم قال: اشتقاقه من الّصرعين وهما نصفا النهار، فمن غدوةٍ إلى انصاف النهار صرعٌ، ومنه إلى سقوط الشمس صرع والأول أقرب. وحكى الزّجاج إجماع العروضيين على أنه إنما وقع ليدلّ على ابتداء قصيدةٍ أو قصة: قال الأخفش: شبهوه في إعلامهم به أخذهم في بناء الشعر قبل تمام البيت يجعلهم الشك في أول الكلام في نحو قولهم: ((رأيت إما زيداً وإما عْمراً)) لئلا يظن المخاطب أن أحدهما أولى. ويجوز استعماله في مواضع من القصيدة الواحدة لإرادة الخروج من قصة إلى أخرى، ومن وصف شيءٍ إلى وصف غيره، ليؤذن بالانتقال من حال إلى آخرى، وهو مستحسن متى قل، فإنْ كثر كان مستهجناً. ويكون إما بزيادة في العروض حتى تصير كالضرب مثل ما صنع امرؤ القيس، وإما بنقص منها حتى تعود كالضرب كما في البيت الثاني، فإن قلت فما تصنع في مثل قول الحارث بن حلزة:
آذنتنا ببينها أسماء ... ربّ ثاوٍ يملّ منه الثّواء
فصرع ولم يتبع العروض الضرب، بل جعلها مفعولن وهو فاعلاتن؟ قلت: اعتذر منه أبو الحكم بأن الشاعر همّ بتشعيث الضرب إلحاقاً لها به اعتماداً على أنه شعثه فنسى. قال الصفاقسي: فكأنه يشير إلى أن هذا من الإشارة إلى التصريع كما قاله الشيخ أبو بكر القللوسي. قلت: وهذا الاعتذار إنما احتيج إليه لتفسيرهم التصريع بما تقدم وهو تبعية العروض للضرب في القافية والوزن والإعلال. ولو قيل: التصريع هو جعل العروض كالضرب وزناً ورويا مع إخراجها عن حكمها إلى حكمه لم يحتج إلى شيءٍ من هذا، وذلك لأن العروض اواقعة في بيت الحارث قد جعلت كالضرب رويا وهو واضح، وقد أُخرجت عن حكمها وهو السلامة من التشعيث إلى حكم الضرب بأن جعلت مثله في عروض التشعيث لها، ولا يضرّ كون الضرب لم يشعث فإن تشعيثه جائز لا لازم، فجعلت العروض بمثابته حكماً فدخلها التشعيث بالفعل ولم يدخل الضرب فعلاً مع جواز دخوله فيه، فإلحاق العروض بالضرب في الحكم متحقق وإن تخالفا لفظاً، فتأمله. وعلى هذا فالفرق بين التصريع والتقفية ثابت، فإنها اتفاق العروض والضرب في الوزن والروي مع إبقائها على ما تستحقه في نفسها من الحكم الثابت، كقول امرىء القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
فإن قلت قد جاءت العروض مع عدم التصريع تامةٍ كقوله:
ونحن جلينا الخيل يوم نهاوندٍ ... وقد أحجمتْ منّا الخيول الصوارم
ومحذوفةً كقوله:
تراها على طول البلاء جديداً ... وعهد المغاني بالحلوم قديمُ
قلت: هو عندهم من الشذوذ ولا يقاس عليه، وهو عيب يسمى عندهم بالتجميع. ((تنبيهات)) الأول: قبض فعولن قبل الضرب الثالث المحذوف أولى من سلامته ويسمى اعتماداً كما سبق، وبيته:
وما كلُّ ذي لبّ بمؤتيك نصحه ... وما كلذ مؤتٍ نصحه بلبيبِ
стр. 50
فقوله ((حهوبِ)) وزنه فعولُ، وإنما كان الاعتماد في هذا المحل أولى لأن الطويل مبني على اختلاف الأجزاء لتركبه من خماسي وسباعي، فلما صار آخر البيت محذوف الضرب هكذا ((فعولن فعولن)) أرادوا أن يوفوه حقّه من الاختلاف الذي بني عليه في الأصل فقبضوا فعولن الأولى. ((التنبيه الثاني)) يلزم في هذا الضرب المحذوف أن يستعمل مردوفاً على الأشهر. والرّدفُ حرفٌ لينٍ يكون قبل الروى يليه. وله بحسب محاله ثلاث حالات: الأولى حالة اتفاق ولها صورتان: الأولى أن يكون البيت تام البناء ونقص من ضربه حرفٌ متحرك أو زنته، ومعنى بزنته حذف الساكن مع حركة ما قبله، كالقطع والقصر. ألا ترى أن قولنا ((مستفعلْ)) بحذف النون وإسكان اللام على وزن قولك ((مستفعن)) بحذف اللام، فالتزم الردف هنا ليقوم المدُّ الذي فيه مقام المحذوف فيقع التعادل بين مقطعي العروض والضرب. الصورة الثانية أن يلتفي في الضرب ساكنان، والتزم الردف هنا ليسهل الانتقال من أحد الساكنين إلى الآخر بالمد الذي هناك. هذا كله كلام ابن بريّ. قلت: وفي جعله الصورة الأولى من حالة الاتفاق نظر، فقد أجاز سيبويه في كتاب القوافي له استعمال مثل ذلك بغير ردف. قال: لقيام الوزن بالحرف الصحيح مقامه بأحرف المد واللين، وأنشد:
ولقد رحلت العيس ثم زجرتها ... قدما عليك وقلت خير معدِّ
الحالة الثانية حالة الاختلاف، وهي أن يكون البيت غير تام البناء ونقص من ضربه حرفٌ متحرك أو زنته، فهل يلزم الردف فيه أم مختار؟ قولان، والصحيح منهما هو الثاني. الحالة الثالثة حالة استحباب، وذلك حيث يوجد العروض والضرب على حد واحد من التماثل والاتفاق ولا يوجد للساكنين في حد واحدٍ منهما تلاقٍ، كقوله:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ وعرفان ... ورسمٍ عفت آياته منذ أزمان
стр. 51
فيستحسن الردف في هذا النوع استكثاراً من المد في الأواخر لأنها محل مدّ وترنم. قاله ابن بري. فإن قلت: حكم العروضيين بلزوم الردف في الضرب الثالث من الطويل مع أنه لا يدخل تحت ضابط اللزوم، فإنه لم يلتق فيه ساكنان وهو ظاهر، وليس المحذوف منه متحركاً أو زنة متحرك، بل المحذوف منه حرفان متحرك وساكن، فما وجه التزام الردف فيه؟ قلت: هو مُشكل على هذه القاعدة، وقد اختلفت الطرق في الاعتذار عنه، فقيل إن الردف عوض من لام مفاعيلن خاصةً لان النون شأنها أن تحذف للزّحاف حشواً، وما يحذف للزحاف لا تعوض العربُ منه شيئاً، وأكثر العروضيين على هذا الجواب. وزعموا أن سيبويه إليه أشار في الكتاب في أبواب الإدغام بقوله: كل شعر حذف من بنائه حرفٌ متحرك أو زنة حرف متحرك فلا بد فيه من حرف اللين للردف، نحو: وما كلُّ مؤت نصحه بلبيب قالوا فتمثل بمحذوف الطويل فدل على أن النون غير معتبرة. وقدح الصفاقسي في هذا الجواب بأن نون مفاعيلن وإنْ كانت مما شأنه أن يُحذف للزحاف فذاك في الحشو لا في الضرب، لاستلزام حذفها منه الوقوف على المتحرك، وكلامنا في الضرب لأن الردف فيه لا في الحشو. وقيل دخله القبض أولاً ثم حُذفت نونه وأسكنت لامه فعوض منهما لأنهما زنة متحرك. قاله سيبويه في كتاب القوافي له. على هذا تأول بعضهم ما وقع له في باب الإدغام لنصوصية هذا واحتمال ذلك، وبه قال الجرمي والفارسي والشلوبين، وردّه الصفاقسي بأن القول بدخول القبض فيه أولاً يقضى بعدم التزام الردف فيه لأن زنة المتحرك المحذوف منه حينئذ ليس من أتم البناء. قلت: تمام البناء ليس راجعاً عندهم إلى الجزء على ما يظهر من كلامهم، وإنما يرجع إلى البحر نفسه، أي أن البحر إذا كان تام البناء فجاء في الاستعمال كما في الدائرة، إنْ مثمنا فمثمنٌ وإن مسدسا فمسدسٌ، وحذف من ضربه زتة حرف متحرك التزام فيه الردف فلا يرد حينئذ اعتراض الصفاقسسي عليهم، فتأمله. واعترض عليهم أيضاً بأنه لو كان الأمر على ما قالوه لسمي الضرب مقصوراً لا محذوفاً، وأجيب بأنه لمّا دخله القبض أولاً ثم القصر صارت صورته صورة المحذوف فسمي محذوفاً رعايةً للصورة، وفيه نظر. وقيل: لما التزام ففي عروض الطويل القبض صار استعمالها أبداً على ستة أحرف، فلم ينقص الضرب عنها إلا زنة حرفٍ متحرك، وفيه من النظر ما تقدم. ونسبة العروض إلى الضرب لا تستقيم لأن التعويض في الضرب إنما يقع بالنسبة إلى ما يحذف منه في نفسه لا بالنسبة إلى العروض. قال الصفاقسي: وسبيلُ الجواب عندي عن أصل الإشكال أن يقال: لم لا يجوز أن يكون العربي المستعمل لهذا الضرب، أعني الثالث من الطويل، إنما حذف منه الردف، ثم رأى بعد ذلك ساكنين قد التقيا فحذف أحدهما وسماه العروضي محذوفاً مراعاةً لصورته. وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلام سيبويه المتقدم في باب الإدغام. فإن قلت: الردف مسهّلٌ لالتقاء الساكنين كما في الضروب المقصورة فلا وجه لحذف أحدهما، قلت: إنما ذلك إذا أُتي بالردف لأجلهما كما في الضروب المقصورة، وهنا إنما أُتي به للعوض، وبعده التقى ساكنان، فلهذا لم يكن مسهّلاً لالتقائهما، ويجب الحمل على هذا جمعاً بين الكلامين. فإم قلت: هذا التقدير جارٍ في الضروب المحذوفة كلها فيلزمك التزام الردف فيها، قلت: لا نسلم لزوم ذلك لأن العلل في هذا الفن تابعة للأحكام، والله أعلم. انتهى كلامه بنصه، ولا يخفى ما فيه من التكلف، مع أن في تسليمه جريان التقدير المذكور في جميع الضروب المحذوفة نظراً لا يخفى عليك إن تأملت. ((التنبيه الثالث)) ما قدمناه من أن للطويل عروضاً واحدةً وثلاثة أضرب هو المشهور، واستدرك بعضهم له عروضاً ثانية محذوفةً لها ضربان، ضربٌ مثلها وبيته:
لقد ساءني سعدٌ وصاحب سعدٍ ... وما طولبا في قتلها بغرامهْ
وضربٌ مقبوضٌ وبيته:
جزى الله عبساً عبي آل بغيضٍ ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعلْ
واستدرك بعضهم لعروض الطويل المقبوضة ضرباً مقصوراً، وأنشدوا عليه قول امرىء القيس:
ثيابي بني عوفٍ طهارى نقيةٌ ... وأوجههم بيض المسافر غران
стр. 52
وهذا من أبيات مختلفة القوافي بحسب الإعراب، أنشدوها ساكنة النون والخليل يحركها وإن لزم عنه الإقواء، ويرى أنه أولى من إثبات ضرب آخر لكثرة الإقواء في كلامهم، وأيضاً يلزم عليه سكون لام مفاعيلن وهو غير موجود في أوزان الشعر لا الأصول ولا المزاحفة. هكذا قيل. قلت: هو كلام كما تراه غير محرر، وذلك لان أبيات امرىء القيس هذه متى ثبتت روايتها بتسكين الروي ولم يروَ تحريكه من طريق من الطرق المعتبرة تعين إثبات الضرب المقصور، ولم يلتفت مع ذلك إلى قول من قال مفاعيلن لا يسوغ أن تسكن لامه، وإن ثبتت فيه روايةٌ بتحريك الروي فالقول ما قاله الخليل، ولا يضر حينئذ رواية بتسكين الروي من طريق آخر، لأنه يُحمل حينئذ على أنه إنشاد، وليس هو التقييد الذي تختلف به الضروب، والله أعلم. ((التنبيه الرابع)) قال الزّجاج: سُئل الخليل ﵀: لم الزم في الطويل أن يكون مثمناً ولم يأت مسدساً كما جاء في البسيط وكلها من دائرة واحدة؟ فقال: إن الطويل عروضه مفاعيلن وضربه كذلك، فلو سُدّس لسقط من نصفيه أربعة عشر حرفاً، و المديد والبسيط إذا سُدّسا إنما يسقط من بيت كل منهما عشرة أحرف، لأن عروض كل واحد منهما جزء خماسي وهو فاعلن، وضربه كذلك، ولو سُدّس الطويل فحذف منه مفاعيلن بقي قبله فعولن، وليس في الشعر ما يقع النقصان من أجزائه فيكون ما ألغى أكثر حروفاً مما بقي، وإنما يكون ما ألغي أقل مما بقي أو مساوياً له، والمديد إذا سُدس فحذف منه فاعلن بقي قبله فاعلاتن، وكذلك البسيط إذا حذف منه فاعلن بقي مستفعلن. وهنا انقضى الكلام على ما يتعلق بالعروض والضرب. فلنشرع في الكلام على ما يدخل غيرهما من التغييرات، فنقول: لا يخفى أن هذا البحر كما مر مركب من فعولن ومفاعيلن، ففعولن حيثما وقع يجوز قبضه فيصير فعولُ، وإذا وقع أول البيت جاز فيه الثلم والثرم، وقد عرفت معناهما. ومفاعيلن يقبض ويكف على سبيل المعاقبة، فإن قُبض لم يكف، وإن كف لم يقبض. ولا حاجة لنا إلى استثناء مفاعيلن الواقع في الضرب الأول من هذا الحكم وإن كان لا يجوز قبضه ولا كفه، وما ذاك إلا لأن الكلام مفروض فيما عدا العروض والضرب كما تقدم. فبيت القبض:
أتطلب من أسود بيشة دونه ... أبو مطرٍ وعامرٌ وأبو سعدِ
أجزاؤه كلها الخماسية والسباعية مقبوضة إلا الضرب. وأشار إلى هذا الشاهدج بقوله ((أسودُ)) . وبيتُ الكف والثلم معاً:
شاقتك أحداجُ سُليمى بعاقلٍ ... فعيناك للبين تجودان بالدمع
جزؤه الأول وهو ((شاقت)) وزنه فعلن، فهو أثلم، والسباعية الواقعة في الحشو مكفوفة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أحداج)) . وبيت الثرم:
هاجك ربعٌ دارسُ الرسم باللوى ... لأسماء عفى آيه المورُ والقطرُ
جزؤه الأول أثرم وهو ((هاج)) ووزنه فعلُ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((المور)) . وقد جرت عادة العروضيين بأن يأتوا للأعاريض والضروب بشواهد تختص بها ولا يكون في بقية تلك الشواهد أجزاء مزاحفة. ويتحرون في شواهد الزحاف أن يكون الزحاف الذي يمثلونه داخلاً في كل جزء يصح دخوله فيه من ذلك البيت، أو في أكثره حرصاً على البيان. وقد رأيت ذلك في هذا البحر. ثم اعلم أن القبض في فعولن حسن لاعتماده على وتدين قبليّ وبعديّ. وقال الأخفش: لأن النون فيه زائدةٌ كالتنوين في ((ضروبٌ)) ((وعجولٌ)) . واعترض بأن النون تعد في أجزاء التفعيل أصلية إذْ بها يتم الوزن، بخلاف التنوين. وأما القبض في مفاعيلن فصالح لاعتماده على وتد واحد قبليّ، وكفُّه عند الخليل قبيح. وزعم الأخفش أنه من قبضه لاعتماده على وتد بعديّ. ولله درّ الأندلسيين حيث يقول:
كففت عن الوصال طويل شوقي ... إليك وأنت للروح الخليلُ
وكفك للطويل فدتك نفسي ... قبيحٌ ليس يرضاه الخليلُ
المديد
стр. 53
أقول: حكى الأخفش عن الخليل أنه سمي مديداً لتمدد سباعييه حول خماسيية، وأوردِ عليه كلُّ بحر تركب من خماسي وسباعي. وقال الزجاج: سمي مديداً لامتداد سببين في طرفي كل جزء من أجزائه السباعية، وأورد عليه الرّمل وغيره مما فيه جزء سباعي كذلك. وقال غيره سمي مديداً لامتداد الوتد المجموع في وسط أجزائه السباعية. ويرد عليه ما ورد على الذي قبله، ويجاب بما أسلفناه من أن الاطراد في وجه التسمية غير لازم. وإذا صح النقل في هذه الأسماء الموضوعة لبحور الشعر عن الخليل فلا ينبغي أن يُخالف واضُعها. وهذا البحر مبني في الدائرة من ثمانية أجزاء على هذه الهيئة: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن كما تقدم. قال:
بحود كليبٍ لا يغرُّ اعلموا أنما ... يعيش بهندىٍ متى مايعِ اهتدا
فمن مخصبن كلّ جونٍ ربابه ... فياليت شعري هل لنا منه مُرْ توى
أقول: الباء إشارة إلى أن هذا البحر هو الثاني من بحور الشعر. والجيم إشارة إلى أن له ثلاث أعاريض. والواو إشارة إلى أن له ستة أضرب. وهو مجزوء في الاستعمال، ولا يقع تاماً. قال بعضهم: لءلا يقع فاعلن في آخره، وهو لا يقع أصلياً آخر شيءٍ من الشعر إلا أن يكون منقولاً من جزء نقص منه، فيوهم وقوعه وقوعه في المديد النقل عملاً بالاستقراء، فيكون حينئذ أصله في الدائرة أزيد من ثمانية وأربعين حرفاً وهو محذور يُتقى. ونقضه الصفاقسي بالبسيط. قلت: هذا منه عجيب، فإن الزّجاج قد استشعر هذا النقص وأجاب عنه، وذلك لأن ابن بري حكى عنه أنه قال بأثر كلامه المتقدم: ولذلك ردّ في آخر البسيط إلى فعلن بحذف الألف ليعلم منه أنه نقص منه شيء، لأن فعلن أيضاً لا يقع في الأواخر أصلياً. ثم قال ابن بري: فإن قيل: فهلاّ جعل آخر المديد فعلن كآخر البسيط وارتفع الإيهام المحذور؟ فالجواب أن فاعلن في البسيط إذا حذفت ألفه لم يكن قبلها ساكن بسبب يعاقبها، وفاعلن في المديد قبله ساكنٌ بسبب يعاقب ألفه، فلو حُذف منه الألف لزم أن لا يحذف الساكن قبله أبداً، وحينئذ يعود المعاقب غير معاقب. انتهى. وهو كلام حسن فتأمله. قال الصفاقسي وقد شذ استعماله تاماً، أنشد ابن زيدان:
إنه لو ذاق للحب طعماً ما هجر ... كلُّ عزٍّ في الهوى أنت منه في غررْ
ثم قال: ويمكن أن يقال في هذا إنه من الرباعي فيكونان بيتين. واعترض بأنه لم يلتزم في أوساط بقية الأبيات روياً لأن بعد البيت:
ليس من يشكو إلى أهله طول الكرى ... مثل من يشكو إلى أهله طول السهر
سحّ لما نفد الصبر منه أدمُعاً ... كجمانٍ خانه سلك عقدٍ فانتثر
لا تلمه إن شكا ما يلاقي أو بكى=وامتحن باطنه بالذي منه ظهر وأما قول السليك:
طاف يبغي نجوةً ... من هلاكٍ فهلك
ليت شعري ضلّه ... أيُّ شيءٍ قتلك
أمريض لم تعد ... أم عدوٌّ ختلك
إلى آخره، فحمله بعضهم على أنه من شاذ تامه، وأن القصيدة مصرعة، وبعضهم على أنه مما ورد من استعماله مرّبعاً. وذهب الزجاج إلى أن هذه القصيدة من الرمل، وعروضها وضربها محذوفان، فجعل للرمل ثلاث أعاريض. وقال بعضهم: هو قياس مذهب الخليل والحملُ عليه أوْلى من الحمل على تام المديد، لأنه يلزم عليه شذوذان: مجيء المديد تاما، والتزام التصريع في القصيدة. وهذا يلزم عليه مجيء عروض الرمل محذوفة خاصة. إذا تقرر ذلك فاعلم أن العروض الأولى من أعاريض هذا البحر صحيحة ولها ضرب واحد مثلها وبيته.
يا لبكرٍ أنشروا لي كليبا ... يا لبكر أين أين الفرارَ
فقوله ((لي كليب)) هو العروض، وقوله ((نلفرارو)) هو الضرب، ووزن كل منهما فاعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((كليب)) . والعروض الثانية محذوفة لها ثلاثة أضرب، الأول مقصور وبيته:
لا يغرنَّ امرأ عيشه ... كلّ عيشٍ صائرٌ للزوال
فقوله ((عيشهو)) هو العروض ووزنه فاعلن، وقوله ((للزوال)) هو الضرب ووزنه فاعلانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لا يغر)) . الضرب الثاني محذوف مثلها وبيته:
اعلموا أني لكمْ حافظٌ ... شاهداً ما كنت أو غائبا
فقوله ((حافظن)) هو العروض وقوله ((غائبن)) هو الضرب. ووزن كل منهما فاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((اعلموا)) . الضرب الثالث أبتر وبيته:
стр. 54
إنما الذّلفاء يا قوتةٌ ... أخرجت من كيس دهقان
فقوله ((قوتتن)) هو العروض، ووزنه فاعلن، وقوله ((قاني)) هو الضرب هو الضرب ووزنه فعلن بإسكان العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((إنما)) . ووصل همزة القطع ضرورةً. العروض الثالثة مخبونة محذوفة لها ضربان الأول مثلها، وبيته:
للفتى عقلٌ يعيش به ... حيث تهدى ساقه قدمه
فقوله ((شُبهى)) هو العروض، وقوله ((قدمه)) هو الضرب. ووزن كل منهما فعلن بتحريك العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((يعيش)) . الضرب الثاني أبتر وبيته.
ربّ نارٍ أرمقها ... تقضم الهندىَّ والغارا
فقوله ((مقها)) هو العروض وقوله ((غارا)) هو الضرب، ووزنه فعلن بإسكان العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((بهندى)) . ويدخل هذا البحر من الزحاف الخبن وهو حسن، والكف وهو صالح، والشكل وهو قبيح. فبيت الخبن:
ومتى مايع منك كلاماً ... يتكلم فيجيبك بعقلِ
أجزاؤه كلها مخبونة: وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((متى مايع)) . وبيت الكف:
لن يزال قومنا مخصبين ... صالحين ما اتقوا واستقاموا
أجزاؤه السباعية كلها مكفوفة إلا الضرب، فإنه لم يكف حذراً من الوقوف على المتحرك. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مخصبين)) . وبيت الشكل:
لمن الديار غيرهنَّ ... كلُّ جونِ المزن داني الرَّباب
فقوله ((لمندد)) وقوله ((يرهنن)) وزن كل منهما فعلات، فكلاهما مشكول. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((كل جون ربابه)) . وقد سبق لنا أن المعاقبة ثابتة في هذا البحر بين كل سببين اجتمعا، وأن فيه صدراً وعجزاً وطرفين. وبيت الطرفين:
ليت شعري هل لنا ذات يومٍ ... بجنوب فارعٍ من تلاق
قوله ((بجنوب)) وزنه فعلاتُ فيه ((الطّرفان)) لأن ألفه حذفت لثبات نون الجزء الذي قبله، ونونه هو حُذفت لثبات ألف الجزء الذي بعده. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ليت شعري هل لنا)) . واعلم انه يجوز في العروض الأولى من الزحاف ما يجوز في الحشو، وهو الخبن والكف والشكل، وأما الضرب الأول فلم يوافق الحشو إلا في الخبن لأنه لو كف لزم الوقوف على الماحرك، ويلزم من ذلك امتناع الشكل. واما العروض الثانية فلم يدخلها الخبن حذر التباسها بالثلثة. واما ضربها المقصور فمنع الخليل دخول الخبن فيه وأجازه الأخفش، وعلة المنع قلة مجيء هذا الضرب في كلامهم حتى زعم الزجاج أنه لم يجيء منه إلا قصيدة واحد للطّرمّاح أولها:
شت شمل الحي بعد التئام ... وشجاك اليوم ربع المقام
والزحاف إنما سببه الكثرة إذ هي الداعية إلى التخفيف، مع كراهتهم أن يجمعوا عليه ثلاث تغييرات، وهي الخبن مع الاسكان والحذف وهما مسمى القصر. وزعم أبو الحكم أن مذهب الأخفش أقيس. قال: لأن ألفه واقعة بين وتدين، وكلُّ ما كان كذلك فزحافه جائز اتفاقا. ثم اعترض علة المنع بأن القلة لا تأثير لها في السلامة في غير هذا البحر فكذلك في هذا. واجتماع ثلاثة تغييرات في الجزء له نظائر منها فاعلاتن في الرمل، فإنه يجوز فيها مع القصر الخبن، وفعولن الضرب الثاني من العروض الثالثة من الخفيف، فإن أصله مستفع لن فدخله القصر والخبن. وأجاب الصفاقسي بأنا نسلم أن كل سبب وقع بين وتدين يجوز زحافه مطلقاً، وإنما ذلك مع عدم المانع، وما ذكرناه أولاً من التعليل مانع، واعتراضه عليه ساقط، لأنه إنما نقص علة كل واحد من القلة وكثرة التغيير حيث لم يكن منضما إلى الآخر، وذلك إنما يكون نقصاً لو جعلنا منهما علةً مستقلةً ونحن إنما جعلناه جزء علة، والعلة هي المجموع المركب منهما، وهو لم ينقضه وإنما نقص الجزء، ونقصه ليس قادحاً في التعليل على الصحيح عند الأصوليين.
البسيط
أقول: قال الخليل سمي بسيطاً لانه انبسط عن مدى الطويل والمديد فجا وسطه فعلن وآخره فعلن. حكاه الأخفش عنه. وقيل: سمي بسيطاً لانبساط الأسباب في أوائل أجزائه السباعية، قاله الزجاج. وقيل: لانبساط الحركات في عروضه وضربه. وهو مبني في الدائرة من ثمانية أجزاء على هذه الصورة: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن، مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن كما سلف. قال:
جرتْ جولةٌ يا حارِ شعواء خيّلتْ ... وقوفي فسيروا عنه قد هيّج الجوى
فحقب ارتحالٍ ذا لقيهمْ فذقتم ... أصاح مقامي ذاك والشيب قد علا
стр. 55
أقول: الجيم الأولى إشارة إلى أنه البحر الثالث، والجيم الثانية إشارة إلى أن له ثلاث أعاريض، والواو إشارة إلى أن له ستة أضرب. العروض الأولى مخبونة ولها ضربان: الأول مثلها، وإنما لم يستعملا تامين لئلا يتوهم أنه قد نقص منهما، لما مر من أن فاعلن لم يأت أصلياً في عروض ولا ضرب، فلو جاءا تامين لتوهم أن أصله حينئذ أكثر من ثمانية وأربعين حرفا ولا نظير لذلك. وقيل لاعتماد ألف فاعلن على وتد بعدي، ولا ينهض هذا علة، فإن الاعتماد في ذلك مجوزٌ لا موجبٌ، وبيته:
يا حار لا أُرمين منكم بداهيةٍ ... لم يلقها سوقةٌ قبلي ولا ملكُ
فقوله ((هيتن)) هو العروض، وقوله ((ملكو)) هو الضرب، وكل منهما وزنه فعلن بتحريك العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((يا حار)) . الضرب الثاني مقطوع وبيته:
قد أشهدُ الغارة الشعواء تحملني ... جرداء معروقة الّلحيين سر حوب
فقوله ((مِلني)) هو العروض، وقوله ((حوبو)) هو الضرب، ووزنه فعلن بإسكان العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((شعواء)) . العروض الثانية مجزوءة صحيحة، ولها ثلاثة أضرب، الأول مذال، وبيته:
إنا ذممنا على ما خيّلتْ ... سعد بن زيدٍ وعمراً من تميم
فقوله ((ما خيات)) هو العروض، ووزنه مستفعلن، وقوله من تميم هو الضرب ووزنه مستفعلان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((خيلت)) . الضرب الثاني مثل العروض صحيح وبيته:
ماذا وقوفي على ربعٍ خلا ... مخلولقٍ دارسٍ مستعجمِ
فقوله ((ربع خلا)) هو العروض وقوله مستعجمي هو الضرب، ووزن كل منهما مستفعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((وقوفي)) . الضرب الثالث مقطوع وبيته:
سيروا معاً إنما ميعادكمْ ... يوم الثلاثاء بطن الوادي
فقوله ((ميعادكم)) هو العروض وقوله ((نُلو ادى)) هو الضرب، ووزنه مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فسيروا)) . العروض الثاثلة مجزوءة مقطوعة لها ضرب واحد مثلها وبيته:
ماهيّج الشوق من أطلالٍ ... أضحت قفاراً كوحي الواحي
فقوله ((أطلالن)) هو العروض وقوله ((يلواحي)) هو الضرب، ووزن كل منهما مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((هيج)) . وقد علمت أنّا أسلفنا أن قول أهل هذا الفن عروضٌ مجزوءة وضرب مجزوء فيه تسامحٌ من حيث أن الجزء صفة للبيت، لأنه عبارة عن إيقاط الجزء الأخير من صدره والجزء الأخير من عجزه وليس صفةً للجزء، لكن جرينا على سنن القوم. من حيث أن الجزء صفة للبيت، لأنه عبارة عن إيقاط الجزء الأخير من صدره والجزء الأخير من عجزه وليس صفةً للجزء، لكن جرينا على سنن القوم. من حيث أن الجزء صفة للبيت، لأنه عبارة عن إيقاط الجزء الأخير من صدره والجزء الأخير من عجزه وليس صفةً للجزء، لكن جرينا على سنن القوم. ويدخل هذا البحر من الزحاف الخبن في الخماسي والسباعي وهو حسن فيهما. قلت: هكذا قالوا، ويظهر لي أن الخبن في السباعي إنما هو حسن في أول الصدر وأول العجز، فليعتبره ذو الطبع السليم. ويدخله أيضاً من الزحاف الطي في السباعي وهو صالح فيه، والخبل وهو قبيح فيه. فبيت الخبن:
لقد مضتْ حقبٌ صروفها عجبٌ ... فأحثت عبراً وأبدلتْ دولا
أجزاؤه كلها مخبونة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((حقب)) لكنه سكن القاف للضرورة، وهي ضرورة قبيحة. وبيت الطي:
ارتحلوا غدوةً وانطلقوا سحراً ... في زمرٍ منهم يتبعها زمرُ
أجزاؤه السباعية كلها مطوية. وإلى هذا الشاهد أشار بالارتحال المشار به إلى ((ارتحلوا)) . وبيت الخبل:
وزعموا أنهم لقيهمْ رجلٌ ... فأخذوا ماله وضربوا عنقه
أجزؤه السباعية كلها مخبولة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لقيهم)) وسكن الياء للضرورة. واعلم أن هذا الزحاف جميعه يدخل في الضرب المذيل، والخبن يدخل في الضرب والمقطوع وفي العروض المقطوعة وضربها. فبيت الخبن في الضرب المذيل:
قد جاءكم أنكم يوماً إذا ... ما ذقتم الموت سوف تبعثونْ
فقوله ((فتبعثون)) هو الضرب، ووزنه مفاعلانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فذقتم)) . وبيت الطي فيه:
يا صاح قد أخفلت أسماء ما ... كانت تمنيك من حُسن وصالْ
فقوله ((حسن وصال)) هو الضرب وزنه مفتعلانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أصاح)) . وبيت الخبل فيه:
стр. 56
هذا مقامي قربياً من أخي ... كلُّ امرىء قائمٌ مع أخيه
فقوله ((مع أخيه)) هو الضرب، ووزنه ((فعلتان)) . وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مقامي)) . وبيت الخبن في العروض والضرب المقطوعين:
أصبحت والشيبُ قد علاني ... يدعو حثيثاً إلى الخضابِ
فقوله ((علاني)) هو العروض وقوله ((خضابي)) هو الضرب، وزن كل منهما فعولن، وهذا هو المسمي عندهم بالمخلع. والمولدون التزموا الخبن في هذه العروض وضربها لحسن ذوقه، وهو من التزام ما لا يلزم. وأشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله ((والشيب قد علاني)) . وأما بيت الخبن في ضرب العروض الثانية المقطوع فلم يشر النلظم إليه بشيءٍ، وانظر هل أشار بقوله ذاك إلى بيته فإن ظفرت ببيت فيه هذه اللفظة فذاك، وبيته الذي انشده العروضييون:
قلت استجيبي فلما لم تُجب ... سالت دموعي على ردائي
قال الشريف: وإنما نبّه الناظم على ما يدخل الأعاريض والضروب هنا وفيما بعد حسب ما تقف عليه من الأبحر ليظهر لك الفرق بين ما يدخل في الأعاريض والضروب وهو غير لازم كما يدخل الحشو، وبين ما لا يدخلها فيكون لازماً سبيله العلل، فما يكون من ذلك لازماً يأتي بشاهده أولاً حيث يأتي بشواهد العلل، وما يكون غير لازمٍ جاء بشاهده آخراً بعد شواهد الزحاف، ألا تراه كيف أتى بشاهد الخبن في العروض الأولى مع العلل أولاً للزومه، وأتى بشاهد الخبن في المخلع آخراً لعدم اللزوم فتأمله. ((تنبيه)) استدرك بعضهم للبسيط عروضيين إحداهما مجزوءة حذّاء مخبونة لها ضربان: ضرب مثلها كقوله:
عجبت ما أقرب الأجلْ ... منّا وما أبعدَ الأمل
وضرب مقطوع مخبون كقوله:
إنّ شواءً ونشوةً ... وخبب البازل الأمون
العروض الثانية مشطورة لها ضرب مثلها كقوله:
إن أخي خالدا ... ليس أخاً واحدا
وأجاز أيضاً استعمال العروض الأولى من البسيط غير مخبونة كقوله:
ولا تكونوا كمن لا يرتجى أوْبُهُ
وكذا أجاز استعمال ضربها الأول غير مخبون كقوله:
وبلدةٍ مجهلٍ تمسي الرياح بها ... لواعباً وهي ناءٍ عرضُها خاويهْ
وهكذا كله شاذ لا يلتفت إليه. وقد جاء في مخلّع البسيط مفعولن مكان فاعلن، وهو أيضاً شاذ كقوله:
فسر بودٍّ أو سِر بكرهٍ ... ما سارت الذُّلل الِّسراعُ
ورأيت بعض المتأخرين يستعمله. وزعم أبو الحكم أنه شذَّ في هذه العروض القبض، وأنشد:
يداه بالجود ضرَّتان ... عليه كلتاهما تغارُ
قال: ولا تمكَّن حركة النون فيبقى القبض لأن التمكين مختص بالضروب، ولا يجوز في الأعاريض إلا بشرط التصريع. قال الصفاقسي: وهذا خطأ، أما أولاً، فلأن ساكن المخلع فيه بقية وتد ولا قبض فيه فلا بد من تمكين الحركة. قلت: لعله نظر إليه باعتبار ما صار إليه، ولا شك أن آخره بحسب الصورة هيئة سبب خفيف فأطلق القبض لذلك. ثم قال: وقوله ثانياً ذلك مختص بالضروب ولا يجوز في العروض إلا بشرط التصريح وهمٌ، بل ورد منه مالا يحصر وأنشد قوله:
سلى إن جهلت الناس عنّا وعنهم ... فليس سواءً عالمٌ وجهولُ
وقوله:
ورجِّ الفتى للخير ما إن رأيته ... على السّنّ خيراً لا يزال يزيد
وأبياتاً كثيرة من هذا النمط. ولا دليل له فيها لأن التمكين فيها فصيح بخلافه في نحو ((ضرتان)) وسيأتي الكلام عليه معه في ذلك. وهنا كملت الدائرة الأولى.
الوافر
أقول: سمي وافراً لوفور أجزائه وتداً فوتداً. قاله الخليل. وقيل: لوفور حركاته باجتماع الأوتاد والفواصل في أجزائه، والكامل وإنْ كان بهذه الصفة إلا أن الوافر حذف من حروفه فلم يكمل لاستعماله مقطوفاً، فهو موفور الحركات ناقص الحروف. قاله الزجاج. وهو مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن. قال:
دنتْ بجدًى فيه لنا غنمٌ به ... ربيعةُ تعصيني ولم تستطع أذى
سطورُ حفيرٍ إن بها نزل الشّتا ... تفاحش لولا خير من ركب المطا
أقول: الدال من ((دنت)) إشارة إلى أنه البحر الرابع، والباء من ((بجدى)) إشارة إلى أن له عروضين، والجيم إشارة إلى أن له ثلاثة أضرب. العروض الاولى مقطوفة لها ضرب واحد مثلها وبيته:
لنا غنمٌ نسوّقها غزارٌ ... كأن قرون جلتها عصى
стр. 57
فقوله ((غزارن)) هو العروض، وقوله ((عصييو)) هو الضرب، وزن كل منهما فعولن. كان أصله مفاعلتن فقطف بحذف سببه الخفيف وهو ((تن)) وإسكان المتحرك قبله وهو اللام، فبقي مفاعلْ فنقل إلى فعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لنا غنم)) وزعم أبو الحكم أنه شذ في هذه العروض القبض وانشد شاهداً عليه:
علوتَ على الرجال بخلتينِ ... ورثتهما كما ورث الولاء
قال: ولا يجوز تمكين الحركة حتى ينشأ عنها حرف اللين كما مر في البسيط. واعترضه الصفاقسي ببطلان دعوي الشذوذ لكثرة مجيء ذلك فيها. قال:
أبي الإسلام لا أبَ لي سواه ... إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ
وقال:
عسى الكربُ الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرجٌ قريبُ
وقال:
تخيرهُ ولم يعدلْ سواهُ ... فنعم المرء من رجلٍ تهامى
وقال:
ذعرت به القطا ونضيت عنهُ ... مقام الذنب كالرجل اللعين
وقال:
إذا أمسى يلمسُ منكبيه ... تفقد لحمه حذر الهزال
وقال:
أوليت العراق ورافديه ... فزاريّا أحذَّ يدِ القميصِ
وقال:
إذا لم تستطع أمراً فدعهُ ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وقال:
تظلُّ الشمس كاسفةً عليه ... كآبةَ أنها فقدت عقيلا
وقال:
يرجّى المرء ما إن لا يراه ... وتعوض دون أدناه الخطوبُ
قال: ومن كثير. قلت: لكنه لا ينهض مع كثرته رداً على أبي الحكم، وذلك لان جميع ما استشهد به يجوز فيه لتمكين نظماً ونثراً دون شذوذ ولا اختصاص له بعروض ولا ضرب، بل ولا بالنظم أصلاً ورأساً. وأما تمكين مثل ((خلتين)) في فصيح الكلام فممتنع نظماً ونثراً. نعم يجوز تمكينه في الضرب لإطلاق الروي، وفي العروض بشرط التصريع، وإن مكّن على غير هذا الوجه فللضرورة على شذوذ فيه. فأين هذا الذي ردّ به الصفاقسي مما أراده أبو الحكم. ثم قال: فالذي ينبغي أن يقال: تمكين حركة العروض جائز من غير شذوذ. قلت: بل هو شاذ قطعا كما عرفتَ، ولا دليل في شيءٍ مما أنشده. نعمٌ القول بقبضها شيءٌ لم يقل به أحد من العروضيين، والبيت لا ينفك عن شذوذ يلحقه بتقدير التمكين وعدمه. أما على التمكين فلما قدمناه، وأما على تقدير عدمه فلأن هذه العروض لا يدخلها مثل هذا التغيير فيما هو مقرر عند القوم. العروض الثانية مجزوءة صحيحة، ولها ضربان الأول مثلها وبيته:
لقد عَلِمتْ ربيعة أنّ ... حبلك واهنٌ خلقُ
فقوله ((ربيعة أن)) هو العروض وقوله ((هنن خلقو)) هو الضرب، وزن كال منهما مفاعلتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ربيعة)) .
الضرب الثاني معصوب بالصاد المهملة، وبيته:
أعاتبها وآمرها ... فتغضبني وتعصيني
فقوله ((وآمرها)) هو العروض، وقوله ((وتعصيني)) هو الضرب، كان مفاعلتن فعصب بإسكان اللام ثم نُقل إلى مفاعيلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((تعصيني)) . ويدخل هذا البحر من الزِّحاف العصب وهو حسن، والعقل وهو صالح، والنقص وهو قبيح. فبيت العصب:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيعُ
الأجزاء السباعية كلها معصوبة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ولم تستطع)) . ويحكى أن شخصاً سأل الخليل أن يقرأ عليه علم العروض، فأقام مدة يختلف إليها للقراءة ولم يحّصل شيئاً، فأعيى الخليل أمره، ولم ير أن يواجهه بالمنع حياءً منه، ففال له يوماً وقد حضر للقراءة: قطّع قول الشاعر:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيعُ
ففطن الرجل إلى ما أراده الخليل ﵀ فانصرف ولم يعد. وأنا أعجبُ لمن يفطن لمثل هذا كيف يصعب عليه فن العروض مع سهولته، والله مقدر الأمور. وبيت العقل:
منازلٌ لِفَرتْنا قفارٌ ... كأنما رسومها سطورُ
وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سطور)) . وبيت النقص:
لسلامة دارٌ بحفيرٍ ... كباقي الخلق السُّحْق قفارُ
وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((حفير)) . ويدخله في الجزء الأول من البيت العضبُ بالضاد المعجمة، والقصم، والعقصُ، والجمم، وكلها قبيح. فبيت العضب:
إنْ نَزَلَ الشتاءُ بدار قومٍ ... تجنبَ جارَ بيتهم الشتاء
فقوله ((إنْ نزلشْ)) عضب بحذف ميمه فصار فاعلتن، فنقل إلى مفتعلن وأشار إلى هذاالشاهد بقوله! ((إن نزل الشتاء)) . وبيت القصم:
стр. 58
ما قالوا لنا سدداً ولكنْ ... تفاحش أمرهم وأتوا بهجرِ
فقوله ((ما قالوا)) جزء اقصم عصب بحذف الميم، وعصب بإسكان اللام فصار فاعلتن، فنقل إلى مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((تفاحش)) وبيت العقص:
لولا ملكٌ رؤفٌ رحيمٌ ... تداركني برحمته هلكتُ
جزؤه الأول وهو قوله ((لولام)) وزنه مفعول، كان مفاعلتن فعضب بحذف الميم ونقص بإسكان اللام وحذف النون فصار ((فاعلتُ)) فنقل إلى مفعول. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لولا)) . وبيت الجمم:
أنت خير من ركب المطايا ... وخيرهم أباً وأخاً وأمّا
الجزء وهو قوله ((أنت خىْ)) أجم، كان مفاعلتن فعضب بحذف الميم، وعُقل بحذف اللام، فصار ((فاعتن)) فنقل إلى فاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((خير من ركب المطا)) قلت: كان مقتضى اعتبار الترتيب في الوضع تقديم الجمم على العقص ضرورة أن التغيير فيه أقلّ، والأمر في ذلك سهل. ((تنبيهات)) الأول: أنكر الأخفش والمعري وطائفةٌ من العروضيين العقل في الوافر من أجل أن مفاعلتن انتقل بالعصب إلى مفاعيلن ومفاعيلن في سائر الشعر يتعاقب فيه الياء والنون فيكون إما مفاعيل وإما مفاعلن. لكنهم سوّغوا في مفاعيلن في الوافر أن يأتي على مفاعيل ولم يسوغوا فيه أن تأتي على مفاعلن لأنه فرع منقول عن أصل، فلم يسوّغوا فيه ما سوغوا فيما هو أصلٌ، وآثروا إبقاء الياء لأنها في محل اللام الساكنة بالعصب فكرهوا تغييرها. ثانياً: وهذا احتجاج ضعيف لا يلتفت إليه مع نقل الخليل عن العرب جواز ذلك. قال ابن بري: والصحيح إنكار العقل في المجزوء منه لئلا يلتبس بمجزوء الرجز، وهذا الالتباس محذور. قلت: فإذا وجد بيتٌ مربع على زنة مفاعلن، ولم يكن في القصيدة جزء وجد بيتٌ مربع على زنة مفاعلن، ولم يكن في القصيدة جزء على زنة مفاعلتن حكم بأن القصيدة من الرجز حملاً على ما هو الأخف، فإن مستفعلن في الرجز يصير مفاعلن بالخبن، وهو حذف ساكن، ومفاعلتن يصير مفاعلن في الوافر بالعقل وهو حذف متحرك، ولا شك أن حذف الساكن أخف من حذف المتحرك. ثم قال ابن بري: بخلاف معصوب المجزوء بالهزج. قلت: كأن عصب المجزوء عنده محذور، وأنه إذا وجد في القصيدة كلها ساغ حملها على كل واحدٍ من البحرين، ويؤيده ما قدمه قبل ذلك حيث قال: واعلم أنه متى دخل العصب في جميع أجزاء المجزوء فإنه يشبه الهزج، كقوله:
صفحنا عن بني ذهلٍ ... وقلنا القومُ إخوانُ
لكنْ يقع الفرق بينهما بأن ننظر فإن كان في القصيدة جزء واحد على مفاعلتن فهي من الوافر، وإن لم يكن فيها ولا جزء واحد احتملت أن تكون من الوافر ومن الهزج. قلت: المرجح لحملها على الهزج قائم، لأن مفاعيلن فيه أصلي لا تغيير فيه ومفاعيلن في الوافر إنما يتصور بتغيير يرتكب فيه وهو العصب، وإذا كان كذلك فيحمل على ما هو بالمثابة التي ذكرتها على الهزج لا على الوافر، فتأمل التنبيه الثاني: إلتزم في الوافر أن يستعمل مقطوفاً لأنه شعر كثرت حركاته فاستثقلت فحذف من آخر عروضه وآخر ضربه تسهيلاً وتخفيفاً، وآثروا من الحذف ما بقي به الشعر عذب المساق لذيذ المذاق، وهو القطف. فإن قيل: فهلاّ! استثقلوا في الكامل ما استقلوا في الوافر لأن حركاتهما سواء إلا أنا وجدناهم آثروا الوافر بالحذف والتخفيف دون الكامل؟ فالجواب أن الكامل وقعت فيه الفاصلة مقدمة في جزئه وهو متفاعلن على الوتد، وهي أكثر حركاتٍ من الوتد، والوافر تاخرت فيه الفاصلة فكان جانب الحذف وهو آخر الجزء في الوافر أكثر حركاتٍ منه في الكامل. التنبيه الثالث: حكى الأخفش للوافر عروضاً ثالثة مجزوءة مقطوفة لها ضرب مثلها، وبيته:
عبيلةُ أنتِ همّي ... وأنتِ الدهر ذكرى
ومثله:
فإن يهلك عبيدٌ ... فقد باد القرونُ
ومثله:
أشاقك طيفُ مامه ... بمكة أم حمامه
قال ابن بري: وهذه الأبيات لا دليل فيها لاحتمال أن تكون من مشكول المجتث كقوله:
أولئك خير قومٍ ... إذا ذكر الخيار
قلت: هذا غلط ظاهر، فإنه إن تمّ له الاحتمال الذي أبداه فإنما يتم له في البيت الأخير فقط. وما قيله لا يتأتى فيه ذلك. ألا ترى أن قوله ((وأنتِ الدهرَ ذكرى)) لا يمكن أن يكون من المجتث بوجهٍ، وكذا البيت الثاني لا يتصور كونه من بحر المجتث أصلاً، والله الموفق للصواب.
стр. 59
الكامل
أقول: قال الخليل: سمي بذلك لاجتماع ثلاثين حركةً فيه لم تجتمع في غيره. وقال الزجاج: لكمال أجزائه بعدد حروفها. يعني أنها استعملت كما في الدائرةز فإن قلت: الرجز والخفيف كذلك، قلت: يعلم جوابه مما مر. وهو مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: متفاعلن متفاعلن متفاعلن، متفاعلن متفاعلن متفاعلن. قال:
هجرتَ طلاً تصحو خبالاً برامتى ... أجشّ لأنتَ اللّذْ سبقتهمُ إلى
بمختلف الأمر افتقرتَ وأكثروا ... وعبسٌ يذبُّ الصمّ عن تامر ولا
نقلهمُ عن حدَّةٍ فابتأست والش ... قاءُ مخافٍ لم تجدْ فادغاً كفى
أقول: الهاء من ((هجرت)) إشلرة إلى أن هذا البحر هو خامس البحور. والجيم إشارة إلى أن له ثلاث أعاريض. والطاء من قوله ((طلا)) إشارة أن له تسعة أضرب. العروض الأولى صحيحة ولها ثلاث أضرب، الأول مثلها وبيته:
وإذا صحوتُ فما أقصِّر عن ندىً ... وكما علمت شمائلي وتكرّمي
فقوله ((صرعنْ ندنْ)) هو العروض وقوله ((وتكررمي)) هو الضرب، وزن كلّ منهما متفاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((تصحو)) الضرب الثاني مقطوع وبيته:
وإذا دعونكَ عمهنّ فإنه ... نسبٌ يزيدكُ عندهن خبالا
فقوله ((نفئننهو)) هو العروض، وقوله ((نخبالا)) هو الضرب، وزنه فعلاتن. كان متفاعلن فقطع فصار متفاعلْ، فنقل إلى فعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((خبالا)) . الضرب الثالث أحذُّ مضمر، وبيته:
لمن الديار برامتينِ فعاقلٍ ... درست وغيّر آيها القطرُ
فقوله ((نفعا قلن)) هو العروض، وقوله ((قطرو)) هو الضرب، وزنه فَعْلُنْ. حُذف الوتد من متفاعلن وأسكنت تاؤه فصار ((متفا)) فنقل إلى فعلن بإسكان العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((برامتي)) .
العروض الثانية حذّاء لها ضربان الأول مثلها، وبيته:
لمن الديار عفى معالمها ... هطلٌ أجشُّ وبارحٌ تربُ
لمن الديار عفى معالمها ... هطلٌ أجشُّ وبارحٌ تربُ
فقوله ((لمها)) هو العروض وقوله ((تربو)) هو الضرب، وزن كل منهما فعلن بتحريك العين، كان متفاعلن فبقى ((متفا)) فنقل إلى فعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أجش)) .
الضرب الثاني أحذّ مضمر، وبيته:
ولأنتَ أشجعُ من أسامةَ إذْ ... دعيت نزال ولجَّ في الذعر
فقوله ((متئذ)) هو العروض، وقوله ((ذعرى)) هو الضرب. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لأنت)) .
العروض الثالثة مجزوءة صحيحة، ولها أربعة أضرب. الأول مجزوء مرفل وبيته:
ولقد سبقتهم إلى ... فلم نزعت وأنت آخر
فقوله ((تهمو إلى)) هو العروض، وزنه متفاعلن، وقوله ((تو أنت آخر)) هو الضرب، وزنه متفاعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سبقتهم إلى)) . وفيه حذف المجرور وبقاء حرف الجر.
الضرب الثاني مذيل، وبيته:
جدثٌ يكون مقامه ... أبداً بمختلف الرياح
فقوله ((نمقامهو)) هو العروض، وزنه متفاعلن، وقوله ((تلفر رياح)) هو الضرب، وزنه متفاعلان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((بمختلف)) الضرب الثالث مجزوء معرى وبيته:
وإذا افتقرت فلا تكن ... متخشعاً وتجمل
فقوله ((تفلاتكن)) هو العروض، وقوله ((تجمملى)) هو الضرب، وزن كل متفاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((افتقرت)) .
الضرب الرابع مقطوع وبيته:
وإذا هم ذكروا الإسا ... ءة أكثروا الحسنات
فقوله ((ذكر لإسا)) هو العروض، وقوله ((حسناتي)) هو الضرب، وزنه فعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أكثروا)) .
وقد كتب الجليل على هذا الضرب وعلى الضرب الثاني من العروض الأولى: ممنوعٌ إلا من سلامة الثاني أو إضماره. يعني أنهما لا يجوز فيهما غير الإضمار أو السلامة منه. أما السلامة فلأنها الأصل، وأما الإضمار فلأنه في هذا البحر حسن، وما سوى ذلك لا يحتمل مع ما دخله من القطع. ويدخل هذا البحر من الزحاف الإضمار وهو حسن، والوقص هو صالح، والخزل وهو قبيح، فبيت الإضمار:
إني أمرؤ من خير عبسٍ منصبى ... شطرى وأحمى سائري بالمنصل
أجزاؤه كلها مضمرة، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((وعبس)) .
فإن قلت: يلتبس هذا البحر عند إضماره ببحر الرجز، قلت بينه ما قبله وما بعده، كما في هذه القصيدة فإن أولها:
стр. 60
طال الثواءُ على رسوم المنزلِ ... بين اللكيك وبين ذات الحرمل
فوجود متفاعلن في هذا البيت يشهد بأنها من الكامل لا من الرجز فإن قلت: فإن فقد المبين؟ قلت المبين؟ قلت يحمل على الرجز لأصالة مستفلعن فيه وفرعيته في الكامل بهذا التغيير الخاص.
فإن قلت: فمع الوقص والخزل في جميع الأجزاء؟ قلتُ: كذلك يحمل على الرجز لأن مفاعلن فيه ناشئ عن الخبن وهو حذف ساكن، وفي الكامل عن الوقص وهو حذف متحرك، ومفتعلن في الرجز ناشئ عن تغيير واحد وهو الطي. وفي الكامل عن تغييرين وهما الإضمار والطي، فتعين الحمل على الرجز إيثاراً لارتكاب أخف الأمرين. وبيت الوقص:
يذبٌ عن حريمه بسيفه ... ورمحه ونبله ويحتمى
وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((يذب)) وبيت الخزل:
منزلةٌ صمّ صداها وعفت ... أرسمها إنْ سئلت لم تجبِ
وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((الصم)) .
واعلم أنه يجوز في الضرب المرفل والمذيل ما يجوز في الحشو من الزحاف.
١ذ١وبيت الإضمار في المرفل:
وغررني وزعمتَ أنّ ... كَ لابنٌ في الصيف تامر.
فقوله ((فصصيفتامر)) . فإن قلت: ما مراد الناظم بقوله ((ولا)) ؟ قلت: كان مراده ((ولابن)) ففيه أيضاً إشارة إلى هذا الشاهد، لإلا أنه حذف بعض الكلمة اكتفاء. وقد أكثر منه المتأخرون كقول القاضي الفاضل:
لعبت جفونك بالقلوب وحبّها ... والخد ميدانٌ وصدغك صولجان
وقول ابن نباتة المصري وما أحلاه وفيه تورية:
بروحي أمرّ الناس نأياً وجفوةً وأحلاهم تقغراً وأملحهم شكلا
يقولون في الأحلام يوجد شخصه فقلت ومن ذا بعده يجد الأحلام وكقول عصرينا القاضي فخر الدين بن مكانس:
لم أنسَ بدراً زارني ليلةً ... مستوفزاً ممتطياً للخطر
فلم يقم إلا بمقدار أن ... قلتُ له أهلاً وسهلاً ومرحبا
وقلت في هذا النوع:
أقولُ لصاحبي والروض زاهٍ ... وقد فرش الربيع بساطَ زهر
تعالَ نباكر الروض المفدى ... وقم نسعى إلى وردٍ ونسرين
وقلتُ فيه أيضاً:
شقائق النعمان ألهو بها ... إن غاب من أهوى وعز اللقا
فالخد في القرب نعيمي وإن ... غاب فإني أكتفى بالشقائق
وقلت فيه أيضاً:
الدمعُ قاضٍ بافتضاحي في هوى ... رشأ يغار الغصنُ منه إذا مشى
وغدا بوجدي شاهدا ووشى بما ... أخفى فيالله من قاضٍ وشاهد
وبيت الوقص في الضرب المرفل:
ولقد شهدتُ وفاتهم ... ونقلتهمْ إلى المقابرْ
فقوله ((إللمقابر)) هو الضرب، وزنه مفاعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((نقلتهم)) . وبيت الخزل فيه:
صفحوا عن ابنكَ إنّ في ابْ ... نكَ حدةً حين يكلمْ
فقوله ((حين يكللم)) هو الضرب، وزنه مفتعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((حدة)) . وبيت الإضمار في الضرب المذيل:
وإذا اغتبطتُ أو ابتأسْ ... تُ حمدتُ ربّ العالمين
فقوله ((بلعالمين)) هو الضرب، وزنه مستفعلان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ابتأست)) .
وبيت الوقص فيه:
كتب الشقاءُ عليهما ... فهما له ميسران
فقوله ((ميسران)) هو الضرب وزنه مفاعلان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((والشقاء)) . وبيت الخزل فيه:
وأجبْ أخاك إذا دعاكَ ... معالناً غير مخافْ
فقوله ((غير مخاف)) هو الضرب، وزنه مفتعلان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مخاف)) . وبيت الإضمار الجائز في الضرب المقطوع من البيت الوافي:
وإذا فتقرتَ إلى الذخائر لم تجدْ ... ذخراً يكون كصالخ الأعمالِ
فقوله ((أعمالي)) هو الضرب، وزنه مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوبله ((لم تجد)) وبيت الإضمار الجائز في الضرب المجزوء المقطوع
وأبو الحسين وربِّ مكةَ فارغٌ مشغولُ
فقوله ((مشغولو)) هو الضرب، وزنه مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فارغا)) وقوله ((كفى)) . قال الشريف: معناه حسبك. أي هذا المقدار من الشواهد كافيك.
تنبيه حكى بعضهم أن الكامل يستعمل مشطوراً ويأتي تارةً مرفلاً، كقوله:
ابك اليزيد بن الوليد فتى العشيرة
وتارةً مذيلاً كقوله:
يا خلُّ ما لاقيتَ في هذا النهارِ
وتارةً معزى من ذلك كقوله:
حكمتْ بجورٍ في القضاء ولاتنا
стр. 61
وهذا كله شاذ لا يعرفه الخليل. وأقبح من ذلك ما حكى من استعماله مخما كقوله:
قومٌ يمصون الثمادَ وآخرون نحورهم في الماءِ
الهرج
أقول: قال الخليل: سمى هرجاً تشبيهاً له بهرج الصوت. قلت: كأنه يريد بهزج الصوت تردده. قال بعضهم: وإنما كان ذلك لأن أوائل أجزائه أوتاد يتعقب كلاً منها سببان خفيفان. وهذا ما يعين على مد الصوت. يقال ذباب هزج أي مصوت، ومنه هزج الرعدأي صوته. وقيل سمي هزجاً لصيبه. لأن الهزج من الأغاني وفيه ترنم. يقال منه: هزج وتهزج.
وهو مبنى في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: مفاعلين مفاعلين مفاعلين، مفاعلين مفاعلين مفاعلين قال: وأبدأ بسهب الضيم بأساً يذودهم كذاك ولو ماتوا فموسى امرؤٌ دنا أقول: الواو إشارة إلى أن هذا البحر هو السادس من البحور. والألف إشارة إلى أن له عروضاً واحدة. والباء إشارة إلى أن له ضربين. ولم يستعمل هذا البحر إلا مجزوءاً. وشذ مجيئه تاماً. أنشد منه بعضهم:
عفا يا صاح من سلمى مراعيها ... فظلت مقلتي تجري مآقيها
ومنه قوله:
ترفق أيها الحادي بعشاق ... نشاوى قد تعاطوا كأس أشواق
وقول بعض المولدين:
لقد شاقتك في الأحداج أظعان ... كما شاقتك يوم البين غربان
وقول الآخر:
أما في الست والسنين من داعٍ ... إلى العقبى، بلى لو كان لي عقلُ
وهذا كله شاذ، والمسموع التزام الجزء فيه كما تقدم. فالعروض صحيحةٌ وضربهها الأول مثلها، وبيته:
عفا من آل ليلى السه ... ب فالأملاح فالغمرُ
فقوله ((لليلسسه)) هو العروض وقوله ((حفلغمرو)) هو الضرب، وزن كل منهما مفاعلين، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سهب)) .
والضرب الثاني محذوف وبيته:
وما ظهرى لباغي ... الضيم بالظهر الذلول
فقوله ((لباغضضى)) هو العروض وقوله ((ذلولي)) هو الضرب. وأشار إلى هذا الشاهد قوله ((الضيم)) .
ويدخل هذا البحر القبض وهو قبيح، والكف وهو حسن. ويدخل الجزء الأول الخرم والشتر والخرب. فبيت القبض:
فقلتُ لا تخف شيأً ... فما عليك من باس
جزؤه الأول والثالث مقبوضان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((بأسا)) وبيت الكف:
فهذان يذودان ... وذا من كثبٍ يرمى
أجزاؤه كلها ما عدا الضرب مكفوفة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((يذودهم)) .
وبيت الخرم:
أدوا ما استعاروهُ ... كذاك العيشُ عاريهْ
فقوله ((أذدومس)) مخروم وزنه مفعولن، كان مفاعلين فحذفت ميمه بالخرم فصار فاعيلن فنقل إلى مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((كذاك)) .
وبيت الشتر:
في الذين قد ماتوا وفيما خلفوا عبره
فقوله ((فللذي)) وزنه فاعلن حذفت ميمه بالخرم وياؤه بالقبض. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ماتوا)) . وبين الخرب:
لو كان أبو موسى أميراً ما رضيناه
فقوله ((لو كان)) وزنه مفعول، حذفت ميمه بالخرم ونونه بالكف فصار فاعيل فنقل إلى مفعول. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((موسى)) . وأكثر العروضيين ينشده ((لو كان أبو بشر)) ، والشريف أنشده ((أبو موسى)) ، وعليه عوّل الناظم. فينبغي تحرير الرواية فيه. قال ابن بري: أجمع علماء هذا الشأن على امتناع القبض في ضرب الهزج. وقال الزجاج: زعم الخليل ﵀ أن ياء مفاعيلن في عروض الهزج لا تحذف وكذاك في الجزء الذي قبل الضرب، فعلى هذا لا يقبض في الهزج إلا الجزءُ الأول خاصة. قلت: قد صرّح ابن بري بأن الخليل ﵀ أنشد شاهداً على قبض مفاعيلن في الهزج البيت المتقدم، وهو قوله:
فقلت لا تخفْ شيأَ ... فما عليك من باسِ
стр. 62
فإن صح ذلك كان قدحاً في حكاية المنع عنه في قبض ما عدا الجزء الأول، أو يكون له في ذلك قولان. وحكى أبو الحكم عن الزجاج أنه أجاز قبض أجزائه كلها، وأجاز أيضاً قبض ضربه على كراهية. قال: لما فيه من اللبس بين مجزوء الوافر و الرجز . ثم قال: وإذا جاء لم يستنكر، لأن ما قبل البيت وما بعده يفرق بينه وبينهما. قال الصفاقسي: ولقائلٍ أن يمنع أن العلة في امتناعه اللبس حتى يكون مجيئه غير مستنكر لما ينتموه. ولم لا يجوز أن يكون علة امتناعه ما يؤدي إليه من أن تكون حركاته المتوالية أكثر من حركات عروضه المتوالية، ألا ترى أنهم التزموا قبض عروض الطويل لهذا. قللت: هذا ليس بمستقيم، أما أولاً فلأنه مصادمةٌ للمنقول بمجرد الاحتمال، وذلك لأن المحكىَّ عن الزجاج أنه كره قبض عروض الهزج خيفة التباسه بالرجز وبالوافر المجزوء والمعصوب، نقله ابن بري عنه، وهذا ليس محلّ معز وأما ثانياً فلأن العلة التي أبداه غير معتبرة عندهم في باب الزحاف إجماعاً. ألا ترى أن مستفعلن في ضرب الرجز يجوز أن يطوي وان يخبل وإنْ سلمت عروضه من الزحاف أصلاً، والخفيف يجوز خبن ضربه وإن لم تزاحف العروض، وإنما اعتبر ذلك من اعتبره فيما ليس من قبيل الزحاف الحائز وليس الكلام فيه. ثم قال الصفاقسي: وحكى أبو الحكم عن الخليل أنه اعتلّ في منعه قبض العروض والجزء الذي بعدها بما يؤدي إليه ذلك من التباس هذا البحر بمربع الرجز المخبون. قال: وياتبس أيضاً بمربع الوافر المعقول. قال الصفاقسي: وانظر هذا مع تعليل الزجاج كراهية قبض الضرب يقتضيان جواز عقل عروض الوافر، وإلا كانت سلامتها فاصلةً فلا لبس.
قال: ورده الأخفش بأن التزام سلامة الضرب تفصل، وعندي فيه نظر. لأنه ضربه وإن كان سالماً فلا يفصل بينه وبين مجزوء الوافر المعصوب إذا عقلت أجزاء بيته، لأن وزنه حينئذ مفاعلين كضرب هذا البحر.
قال الصفاقسي: والحق من جوابه أنه إن لم يكن قبل البيت ولا بعده ما يبينه فالمرجح لحمله على الهزج قائم، فإن مفاعلن فيه أصلية وفي الرجز فرع عن متفعلن وفي الوافر مفاعتن، والحمل على الأصلي أولى.
قلت: هذا بالباطل أشبه منه بالحق. وذلك لأن شاعراً لو قال:
وشادنٍ سبى الورى بحسنه ولطفه
ولم يكن قبل هذا ولا بعده لم يرتب في أن كل جزء منه يحتمل أن يكون أصله مفاعلين حذفت ياؤه بالقبض، أو مستفعلن حذفت سينه بالخبن، أو مفاعلن حذفت لامه بالعقل. وكون مفاعيلن إذا قبض صار على صيغة مفاعلن ولا ينقل منها إلى صيغة، ومستفلعن إذا خبن صار متفعلن فينقل إلى صيغة مفاعلن، ومفاعلتن إذا عقل صار مفاعتن فينقل إلى مفاعلن، لا يقتضى ترجيحاً المحمل على الهزج، فإن الاعتبار بالاحتمال في الموزون، وهو ثابت قطعاً غير أن المرجح لحمله على الهزج دون ثابت من جهة أخرى غير هذه الجهة، وهي أن الحمل على الهزج إنما يلزم عليه حذف ساكن، وحمله على الوافر يلزم عليه حذف متحرك، أو ساكن وحركة على الاختلاف في تفسير العقل، والأول أخف فتعين المصير إليه، فلا وجه أصلاً لحمله على الهزج دون الرجز أو على الرجز دون الهزج لفقدان المرجح. فتأمل.
(تنبيه) حكى الأخفش أن للهزج ضرباً ثلثاً مقصوراً وبيته:
وما ليثًُ عرينٍ ذو ... أظافير وأسنان
أبو شبلين وثابٌ ... شديد البطش غرثان
هكذا روى بإسكان النون. قالوا: والخليل يأبى ذلك. وينشده على الإطلاق والإقواء على نحو ما سبق في الطويل. وقد مر ما فيه.
وحكى أبو بكر القللوسي أن له عروضاً محذوفة لها ضرب مثلها. وأنشد:
سقاها الله غيثاً ... من الوسمى ريا
وهو في غابة الشذوذ قال:
الرجز
أقول: قال الخليل: سمي رجزاً لاضطرابه، والعرب تسمى الناقة التي ترتعش فخذاها وجزاء. قال أبو حاتم: الرجز داء يصيب الإبل في أعجازها. فإذا نهضت ارتعش فخذاها، وأنشد:
هممت بخير ثم قصرت دونه ... كما ناءت الرجزاء شد عقالها
وقال ابن دريد: سمي رجزاً لتقارب أجزائه وقلة حروفه. وقيل: لأن أكثر ما تستعمل منه العرب المشطور الذي على ثلاثة أجزاء، فشبه بالراجز من الإبل وهو الذي إذا شدت إحدى يديه بقي على ثلاثة قوائم.
وهو مبنى في الدائرة على ستة أجزاء هكذا: مستفعلن مستفعلن مستفعلن، مستفعلن مستفعلن مستفعلن قال:
стр. 63
زكت دهرها دار بها القلب جاهدٌ ... وقد هاج قلبي منزلٌ ثم قد شجا
فياليتني من خالد ومنافهم ... أرى ثقلاً لا خير فيمن لنا أسا
أقول: الزاي من ((زكت)) إشارة إلى أن هذا البحر هو البحر السابع. والدال من ((دهرها)) إشارة إلى أن له أربع أعاريض، والهاء التي تليها إشارة إلى أن له خمسة أضرب.
العروض الأولى صحيحة لها ضربان الأول مثلها وبيته:
دارٌ لسلمى إذا سليمى جارةٌ ... قفرٌ ترى آياتها مثل الزبر
فقوله ((ماجارتن)) هو العروض، وقوله ((مثلززبر)) هو الضرب، وزنٌ كل منهما مستفعلن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((دار)) .
الضرب الثاني مقطوع وبيته:
القلبُ منها مستريحٌ سالمٌ ... والقلبُ مني جاهدٌ مجهودُ
فقوله ((حن سالمن)) هو العروض. وقوله ((مجهودو)) هو الضرب، وزنه مفعولن، كان مستفعلن فقطع بحذف النون وإسكان اللام فصار مستفعل فنقل إلى مفعولن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((القلب جاهد)) .
العروض الثانية مجزوءة صحيحة لها ضرب واحد مثلها وبيته:
قد هاج قلبي منزلٌ ... من أم عمرو مقفرُ
فقوله ((بينمزلن)) هو العروض وقوله ((رنمقفرو)) هو الضرب، وزن كل منهما مستفعلن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((قد هاج قلبي منزل)) .
العروض الثالثة مشطورة وضربها مثلها وبيته:
ما هاج أحزاناً وشجواً قد شجا
فقوله ((ونقد شجا)) وزنه مستفعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((قد شجا)) .
العروض الرابعة منهوكة وضربها مثلها وبيته:
يا ليتني فيها جذع
فقوله ((فيها جذع)) وزنه مستفعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فياليتني)) .
ويدخل هذا البحر الزحاف الخبن وهو صالح، والطي وهو حسن، والخبل وهو قبيح.
فبيت الخبن:
وطالما وطالما وطالما ... كفى بكف خالدٍ مخوفها
أجزاؤه كلها مخبونة إلا الجزء الرابع. هكذا قال ابن برى، وزعم أن الرواية فيه ((كفى)) بفتح الكاف وتشديد الفاء، قال: ولا معنى له، والصواب ((كفى)) بضم الكاف وتخفيف الفاء من الكفاية، وسكنت الياء فيه ضرورة، وإنما كان هذا صوابا لثلاثة أوجه: الأول أن له معنى صحيحاً حسناً، وعلى الرواية الأولى لا معنى له، والثاني أن فيه ضرباً من البديع وهو التجنيس، الثالث أن يكون هذا الجزء مخبوناً كسائر الأجزاء وهو اللائق بما جرت العادة به من تحري دخول الزحاف في جميع الأجزاء. انتهى كلامه. وأشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله ((خالد)) .
وبيت الطي:
ما ولدتْ والدةٌ من ولدٍ ... أكرمَ من عبد منافٍِ حسبا
أجزاؤه كلها مطوية، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ومنافهم)) .
وبيت الخبل:
وثقلٍ منعَ خيرَ طلبٍ ... وعجلٍ منعَ خيرَ تؤدهْ
أجزاؤه كلها مخبولة، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ثقلا)) ، ويدخل الضرب الثاني الخبن، وبيته:
لا خير فيمن كف عنا شره ... إنْ كان لا يرجى ليوم خير
فقوله ((مخيري)) هو الضرب، وزنه فعولن، دخل مفعولن الخبن بحذف الفاء فصار معولن فنقل إلى فعولن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لا خير فيمن)) .
(تنبيهان) الأول: للعروضيين في البيت المشطور سبعة مذاهب: الأول أنه عروض وضرب مماثل لها إذ لا توجد عروض بلا ضرب، ولا عكس، لكن لما تعذر انفصالهما جعل البيت كله عروضاً نظراً إلى أنه نصف الدائرة، وضرباً نظراً إلى الالتزام بتقفيته. قلت: والظاهر أن هذا هو رأي الناظم، فتأمل. واستشكل هذا القول بأن كون الشطر ضرباً يقتضى التزام تقفيته وكونه عروضاً لا يقتضى ذلك، فتكون تقفيته ملتزمة وغير ملتزمة وهو تناقض، ولا يدفعه اختلاف الجهتين لتلازمهما.
قلت: وأيضاً فالنظر إلى كونه نصف الدائرة لا يقتضى جعله بكماله عروضاً، على المختار في تفسير العروض، ولا النظر إلى التزام تقفيته يقتضى جعل النصف كله ضرباً، فتأمل.
القول الثاني: أن الثلاثة الأجزاء كلها ضرب لا عروض له، وهو رأى ابن القطاع، ورجحه بالتزام تقفيته، وفيه ما مر مع مخالفته للنظير.
الثالث: أنه عروض لا ضرب لها، ورجح بأن الضرب مأخوذ من الشبه، وحينئذ تعذر جعله ضرباً لانتفاء ما يشبهه فوجب جعله عروضاً، وفيه ما تقدم مع مخالفته النظير.
стр. 64
الرابع: أن العروض والضرب منهو كان والجزء الثالث زيد في الضرب كما يزاد فيه الترفيل والتذييل، واعترض بأن الزيادة على الآخر لم توجد بأكثر من سبب خفيف. الخامس أن العروض مجزوءة، أي ذهب منها جزءٌٌ واحدٌ فبقيت جزأين، والضرب منهوكٌ، أي ذهب منه جزآن وبقي جزء واحد. وتحريره أن هذه الأجزاء الثلاثة الموجودة منها جزآن بقية النصف الأول والجزء الثالث بقية النصف الثاني، فيكون صدر البيت دخله الجزء وعجز البيت دخله النَّهكُ، وعليه فتكون العروض هي الجزء الثاني والضرب هو الجزء الثالث، وفيه مخالفة النظير. السادس عكسُ هذا، أي نهك الصدر، فالعروض هي الجزء الأول وجزئ العجز فالضرب هو الجزء الثالث، وفيه مامر. السابعُ: أن المشطور نصف بيتٍ لا بيتٌ كامل، فحينئذ لا مشطور في التحقيق عند أصحاب هذا القول وإليه ميل ابن الحاجب، واعترض بمجيء بعض قصائده غير مزدوحة، ولو كانت مصرعةً لزم ازدواجها، وهو واضحٌ إن ثبتت الرواية في شيءٍ من قصائد هذا النوع أنه جاء غير مزدوج. وأما المنهوك ففيه أقوالٌ أحدها كالأول في المشطور، أي يجعل الجزآن كلاهما عروضاً وضرباً ممتزجين. وقيل الجزء الأول عروضٌ والثاني ضرب. وقيل كلاهما ضربٌ بلا عروض. وقيل العكس. وقيل مصرعٌ من العروض الثانية وضربها. ولا يخفى ما في الأقوال من المؤخذات. والأخفش يجعل المشطور والمنهوك من قبيل السجع، ولا يجعلها شعراً البتة، ويحتج بأن النبي ﷺ تكلم بهما وهولا يقول الشعر. وأجيب بأن من شروط الشعر القصد إلى وزنه على ما مر، وهو ﵇ لم يقصد الوزن، وبأنه قد جاء في بعض كلامه ﷺ ما هو على تام الرجز، فيلزم أن لا يكون شعراً. وقد تقدم القول فيه أول الكتاب. وردّ الزجّاج قول الأخفش بأن الكلمة الواقعة على وزن قطعة من الأبيات المنهوكة والمشطورة لا يكون شعراً حتى يكثر ويتكرر، وأما إذا يتكرر فليست شعراً. قلتُ: يريد بهذا ما جهل فيه قصد قائله إلى الوزن لا يحمل على الشعر إلا إذا كثر وتكرر، فإن القرينة حينئذ تكون دالةً على قصد قائله للوزن فيكون شعراً، وأما إذا لم يتكرر فلا قرينة تدلّ على القصد، فلمْ يجعل شعراً لذلك. أما إذا فرض أن قائلاً قصد الوزن عل نمط المشطور والمنهوك من أول الأمر ولم ينظم منه غير بيت واحد لأطلقنا عليه الشعر لتحقق القصد فيه إلى الوزن، فتأمله. التنبيه االثاني: استدرك بعضهم للرجز عروضاً أخرى مقطوعةً ذات ضرب مماثل لها، وأنشد على ذلك:
لأطرقنَّ حضهمْ صباحاً ... وأبركنَّ مبركَ النعامهْ
وكذلك حكوا جواز القطع في المشطور وجعلوا منه:
يا صاحبي رحلى أقلا عذلى
والخليل رخمه اله يجعل هذا من السريع كما سيأتي، إلا أنهم اتفقوا على جواز استعمال القطع مع التمام في ضرب الأرجوزة المشطورة إجرلء للعلة مجرى الزحاف، كقول امرأةٍ من جديس:
لا أحدٌ أذلُّ من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس
يرضى بهذا يا لقومي حرُّ ... أهدى وقد أعطى وسيق المهر
لخوضهُ بحر الردى بنفسه ... خيرٌ من أن يفعل ذا بعرسهِ
وعليه قول لآخر:
والنفس من أنفس شيءٍ خلقا ... فكنْ عليها ما حييت مشفقا
ولا تسلط جاهلاً عليها ... فقد يسوق حتفها إليها
قال ابن بري: وهذا أكثر ما يستعمله المحثون في الأراجيز المشطورة المزدوجة. قال: ولقائلٍ أن يقول إن كل شطرين من ذلك شعرٌ على حدته، إلا أنه لا يسمى قصيدةُ حتى ينتهي إلى سبعة أشطار فما زاد. قلت: الذي يظهر لي في هذا أن يجعل كلّ شطرين من ذلك شعراً على حدته، ولا يجعل ذلك كله قصيدةً واحدة وإنْ تجاوزت الأبيات سبعةً، لأنهم لا يلتزمون إجراءها على روي واحد ولا على حركة واحدة، بل يجمعون فيها بين الحروف المختلفة المخارج بالقرب والبعد والحركات الثلاث، لا يتحاشون ذلك ولا اختلاف أوزان الضرب، وإنما يلتزمون ذلك في كلّ شطرين، فهو جعلنا الكلّ قصيدة واحدة للزم وجود الإكفاء والإجازة والإقواء والإصراف في القصيد الواحدة، وتكررُ ذلك فيها، وتلك عيوبٌ يجب اجتنابها، وهم لا يعدون مثل ذلك في هذه الأراجيز عيباً، ولا تجد نكيراً لذلك من العلماء، فدلّ على ما قلناه. ثم قال ابن بري: وحكي بعض العروضيين جواز استعمال الحذذ والتسبيغ في مشطور الرجز، أنشد البكري:
стр. 65
أنا ابن حربٍ ومعي مخراق
أضربهم بصارمٍ رقراق
إذ كرهَ الموت أبو إسحق
وجاشت النفسُ على التَّراق
قال ابن بري: وقياسُ مذهب الخليل حمل هذا على الإقواء وهو قبيح هنا. قلت: كأنه يريد أن القوافي لو أطلقت لكنت الأولى محركةً بالضم. والثانية والرابعة متحركتين بالكسر، والثالثة متحركة بالفتح ضرورة أن ((إسحق)) غير منصرف وهو مجرور فيجر بالفتحة، فيلزم اجتماع الفتح مع الضم والكسر وهو قبيح. فإن أراد هذا، وهو الظاهر، قلنا: غير المنصرف يجوز أن يجر بالكسرة للضرورة، فلم لا يجر هنا، على تقدير الإطلاق، بالكسرة للضرورة إذ هو محل ضرورة، وينتفي القبحُ على هذا التقدير. ثم قال ابن بري: وللعرب تصرفٌ واتساع في الرجز لكثرته في كلامهم في مواطن الحرب ومقامات الفخر والملاحاة. قال الزجاج: الرجز وزن يسهل في السمع ويقوم في النفس، ولذلك جاز أن يقع فيه النهك والجزء والشطر. قال: ولو جاء منه شعر على جزء واحد مقفى لا حتمل ذلك لحسن بنائه، كقول عبد الصّمد بنِ المعدل:
قالت خبلْ ماذا الخجلْ هذا الرجلْ حين احتفلْ أهدى بصلْ
فجاء بالقصيدة كلها على مستفعلن كما ترى، وهذا النوع لم يسمع منه شيء للعرب، وأقلُّ ما سمع لهم ما كان على جزأين، كقول دريد بن الصّمة يوم هوزان:
ياليتني فيها جذعْ ... أخبُّ فيها وأضعْ
انتهى كلام ابن يرى.
الرَّملُ
أقول: قال الخليل: سمي بذلك تشبيهاً له برمل الحصير أي نسجه. وقال الزجاج: بالرمل وهو سرعة السير. وقيل: لأن الرَّمل الذي هو نوع من الغناء يخرج على هذا الوزن، قال الصفاقسي: وهو أبعدها. وهو مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن، فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن قال:
حبونك سحقاً مالك الخنس فاربعا ففي مقفراتٌ فعلتْ دوا
فصلت قضاها صلبراً وهي أقصدت له واضحاتٌ دونها عذبَ القنا
أقول: الحاء من ((حبونك)) إشارة إلى أن هذا هو البحر الثامن، والباءُ إشارة إلى أن له عروضيين، والواو إشارة إلى أن ستة أضرب. فالعروض الأولى محذوفة، وشذ استعمالها تامة كقول الشاعر:
يا خليلي ّ اعذراني إنني من ... حبّ سلمى في اكتآبٍ وانتحابٍ
وعليه بني أبو الفتح البستى قوله:
ربّ ليلٍ أغمد الأنوار إلا ... نور ثغرٍ أو ندامي أو مدامِ
قد نعمنا بدياجيه إلى أن ... سلّ سيف الصبح من غمد الظلامِ
ولهذه العروض المحذوفة ثلاثة أضرب. الأول صحيح وبيته:
مثل سحق البرد عفَّى بعدك ... القطر مغناه وتأويبُ الَّشمالِ
فقوله ((بعد كل)) هو العروض، وزنه فاعلن، وقوله ((بششمالي)) هو الضرب، وزنه فاعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سحقا)) . الضرب الثاني مقصور وبيته:
أبلغ النعمان عنّى مألكاً ... أنه قد طال حبسي وانتظارْ
فقوله ((مألكا)) هو العروض، وقوله ((وانتظار)) هو الضرب، وزنه فاعلانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مألك)) . الضرب الثالث محذوف مثلها وبيته:
قالت الخنساء لما جئتها ... شاب رأسي بعد هذا واشتهب
فقوله ((جئتها)) هو العروض، وقوله ((وشتهب)) هو الضرب، وزن كل منهما فاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((الخنس&)) ورخّم في غير النداء للضرورة. العروض الثانية مجزوءة صحيحة، لها ثلاثة أضرب مجزوءة: الأول مسبغ وبيته:
يا خليليَّ اربعا واستخبرا ربعاً بعسفانْ
فقوله ((يرْبعاً وس)) هو العروض، وزنه فاعلاتن، وقوله ((عنبعسفان)) هو الضرب، وزنه فاعلاتان، وبعضهم يعبر عنه بفاعليانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فاربعا)) . زعم الزّجاج أن هذا الضرب موقوف على السماع قال: والذي جاء منه قوله:
لان حتَّى الو مشى الذرُّ عليه كاد يدميه
الضرب الثاني مثلها وهو المعرّي وبيته:
مقفراتٌ دارساتٌ ... مثلُ آيات الزبور
فقوله ((دارساتن)) هو العروض، وقوله ((تززبورى)) هو الضرب، وزن كلّ منهما فاعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مقفرات)) . الضرب الثالث محذوف وبيته:
ما لما قرت به العينان من هذا ثمن
стр. 66
فقوله ((ريبهلعى)) هو العروض، وقوله ((ذا ثمن)) هو الضرب، وزنه فاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ما لما)) . وزعم الزجاج أنه لم يرو مثل هذا البيت شعراً للعرب. قال ابن بري: يعني قصيدةً كاملةً. ثم زعم- أعني الزجاج- أن لهذا البحر عروضاً ثالثة مجزوءة محذوفة لها ضرب مثلها، وأنشد:
طاف يبغى نجوةً من هلاكٍ فهلكْ
وفيه كلام قد مضى في المديد. ويدخل هذا البحر من الزحاف ما دخل المديد، وهو الخبن ويستحسن، والكفُّ وهو صالح والشكل وهو قبيح. فبيت الخبن:
وإذا رايةُ مجدٍ رفعتْ ... نهض الصَّلتُ إليها فحواها
أجزؤاه كلها مخبونة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فصلت)) . وبيت الكف:
ليس كلُّ من أراد حاجة ... ثم جدّ في طلابها قضاها
أجزاؤه إلا الضرب مكفوفة. وأشار إلى هذا بقوله ((قضاها)) وبيت الشكل:
إنّ سعداً بطلٌ ممارسٌ ... صابرٌ محتسبٌ لما أصابهْ
جزآه الثاني والخامس مشكولان، وفيهما الطرفان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((صابراً)) ، ويدخل الخبن أيضاً في الضرب المقصور، وبيته:
أقصدت كسرى وأمسى قيصرٌ ... معلقاً من دونه بابُ حديدْ
فقوله ((بحديدْ)) هو الضرب، وزنه فعلانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أقصدت)) . ويدخل أيضاً الخبن في الضرب المسبغ. وبيته:
واضحاتٌ فارسيّا ... تٌ وأدْمٌ عربياتْ
فقوله ((عربيات) هو الضرب، وزنه فعلاتانْ، أو فعليانْ على الرأيين السابقين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((واضحات)) . وهنا انقضت الدائرة الثالثة وهي دائرة المجتلب على الصحيح كما مر.
السريع
أقول: قال الخليل: سمي سريعاً لأنه يسرع على اللسان. وقيل: لأنه لما كان في كل ثلاثة أجزاء منه لفظ سبعة أسباب، لأن أول الوتد المفروق لفظه لفظ السبب، وكانت الأسباب أسرع من الأوتاد، سمي سريعاً لذلك. قال ابن بري: وهذا معنى قول الخليل. وهو مبنيّ في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: مستفعلن مستفعلن مفعولاتُ، مستفعلن مستفعلن مفعولاتُ قال:
طغى دون شامٍ محولٌ لا لقيل ما به النشر في حافات رحلى قد نما
أردْ من طريفٍ في الطريق وفاءه ولا بدّ إن أخطأت من طلب الرضا
أقول الطاء من ((طغى)) إشارة إلى أن هذا هو التاسع من البحور، والدال من ((دون)) إشارة إلى أن له أربع أعاريض، والواو إشارة إلى أن له ستة أضرب. قال الشريف: ((وينبغي أن يكون ضبط ((طغى)) بضم الطاء وكسر الغين، لأن الياء ملغاة، ولا يصح إلغاء الألف يوقع في الالتباس، إذ قد يتوهم القارئ أنها عبارة عن العروض وأن عروض هذا البحر واحدة، وأما الياء فلا تقع مع إلغائها التباس لأنه قد أخبر قبل أن غاية ما يبلغ به عدد الأعاريض أربع، وذلك قوله قبل هذا: ((وغايتها سين فدال)) ، إذ الدال هنالك عبارة عن أقصى ما يبلغ إليه عدد الأعاريض)) انتهى. قلت ((طغى)) فعل لازم، فإن جعل مبنياً للمفعول لم يكن النائب عن الفاعل في بيت الناظم إلا الظرف، وهو قوله ((دون شام)) ، وفيه نظر، لأن هذا الظرف نادر التصرف، والظرف النائب عن الفاعل لا بد أن يكون متصرفاً على المختار. فإن قلت: بناؤه للفاعل يستدعى كونه بالألف فيقع الإلباس المحذور كما قال الشارح فكيف السبيل إلى دفعه؟ قلت: هذا الفعل فيه لغتان إحداهما طغى طغوا، بفتح الطاء والغين وبعدها ألف منقلبة عن واو، فالإلباس على هذا التقدير متوقع، الثانية ((طغى)) طغياناً بفتح الطاء وكسر الغين وياء بعدها، فإنما يكتب على هذا الوجه بالياء، ولك على اللغة الطائية أن تفتح الغين فتنقلب الياء ألفاً على حد قولهم في ((بقى)) ، بقى، ((ورضى)) رضى. فإما أن يضبط ما في كلام الناظم على اللغة الثانية ويكون إسكان الياء ضرورةً، وإما أن يضبط بفتح الطاء والغين ويكتب بالياء بناءً على أنه من ذوات الياء وبناؤه على فعل بفتح العين على اللغة الطائية، ويزول الإلباس على هذا باعتبار الخط، فتأمله. العروض الأولى مطوية مكشوفة لها ثلاثة أضرب: الأولى مطوى موقوف، وبيته:
أزمانَ سلمى لا يرى مثلها ... الراؤن في شامٍ ولا في عراقْ
стр. 67
فقوله ((مثلهر)) هو العروض، ووزنه فاعلن، كان أصله مفعولاتُ فكشف بحذف التاء، وطوى بحذف الواو فصار مفعلا، فنقل إلى فاعلن. وقوله ((في عراقْ)) هو الضرب، ووزنه فاعلان، وقفَ بإسكان التاء وطوى بحذف الواو فصار مفعلاتْ، فنقل إلى فاعلانْ. وأشار على هذا الشاهد بقوله ((شام)) . الضرب الثاني مثل العروض مكشوفٌ مطوى، وبيته:
هاج الهوى رسمٌ بذات الغضا ... مخلولقٌ مستعجمٌ مُحولُ
فقوله ((تلغضا)) هو العروض، وقوله ((محولو)) هو الضرب، وزن كلّ منهما فاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((محول)) ز الضرب الثالث أصلم، وبيته:
قالتولم تقصد لقيل الخنا ... مهىً فقد أبلغت أسماعي
فقوله ((للخنا)) هو العروض، وقوله ((ماعى)) هو الضرب وزنه ((فعلن)) ، كان في الأصل مفعولات فدخله الصّلم بحذف ((لات)) منه فبقي مفعو فُنقل إلى فعلن بإسكان العين. واشار إ'لى هذا الشاهد بقوله ((لقيل)) . العروض الثانية مخبولة مكشوفة لها ضرب واحد مثلها، وبيته:
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطرافُ الأكفّ عنمْ
فقوله ((هُدنا)) هو العروض، وقوله ((فعنم)) هو الضرب، وزن كل منهما فعلن بتحريك العين، وذلك لأن أصله مفعولات كشف بحذف تائه وخبل بحذف فائه وواوه فصار معلا فنقل إلى فعلن بتحريك العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((النشر)) . العروض الثالثة مشطورة موقوفة ضربها مثلها وبيته.
ينصحنَ في حافاته بالأبوالْ
فقوله ((بالأبوال)) وزنه مفعولانْ، وهو الضرب. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((حافات)) . العروض الرابعة مشطورة مكشوفة ضربها مثلها وبيته:
يا صاحبيْ رحلى أقلاّ عذلى
فقوله ((لا عدْلى)) وزنه مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((رحلى)) . ويدخل هذا البحر من الزّحاف الخبن والطي والخبل. فالخبن فيه صالح، والطي حسن، والخبل قبيح. وذهب أبو الحسن بن سبع ﵀ إلى أن الخبن فيه حسن، والطي صالح، على العكس من رأي الخليل، وإليه ذهب صاحب العقد. والذوق السليم يشهد للخليل، فبيت الخبن:
أردْ من الامور ما ينبغي ... وما تطيقهُ وما يستقيم
كل مستفعلن فيه مخبون. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أرد)) . وبيت الطي:
قال لها وهو بها عالمٌ ... ويحك أمثال طريفٍ قليلْ
كل مستفعلن فيه مطوي. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((طريف)) . وبيت الخبل:
وبلدٍ قطعهُ عامرٌ ... وجملٍ نحره في الطريقْ
كل مستفعلن فيه مخبول. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((في الطريق)) . ويدخل الخبن أيضاً في المشطور الموقوف، وبيته:
لابدّ منهُ فانحدْرن وارقين
فقوله ((نورقين)) وزنه فعولان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ولابد)) ويدخل أيضاً الخبن في المشطور المكشوف وبيته:
يا ربِّ إنْ أخطأت أو نسيتُ
فقوله ((نسيتُ)) وزنه فعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((إنْ أخطات)) . ((تنبيهات)) الأول: أثبتَ بعضهم للعروض الثانية ضرباً أصلم كقوله:
يا أيها الزارى على عُمرٍ ... قد قلت فيه غير ما تعلمْ
وعلى ذلك مشى ابن السقاط وابن الحاجب وكثير من العروضيين. قال ابن بري: ويجوز اجتماع هذا الضرب الأصلم مع الضرب الآخر في قصيدة واحدة كقول المُرقّش:
االنشر مسكٌ والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنمْ
مع قوله:
ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء الموتِ ما يعلمُ
قال: وإنما جاز ذلك في السريع لأنه صير فيه مفعولات بالخبل والكشف إلى فعلن بكسر العين، فكأنه في الأصل فعلن فسكّن تخفيفاً كما فعل ذلك في فعلن الناشئ عن متفاعلن بالحذذ والإضمار، وإلى هذا نحا الزجّاج. قال ابن بري: وفيه نظر، لأنه قاس فعلن في السريع، في جواز تسكينه على فعلن في الكامل والأمر فيهما مختلف، فإن العين في الكامل ثاني سبب فيجوز إسكانها بالإضمار، وهي في فعلن في السريع أول سبب، وأوائل الأسباب لا تغير
стр. 68
واعترضه الصفاقسي بأن عين فعلن المتحركة في هذا البحر إنما هي أول سبب نظراً إلى الجزء الأصلي، وأما بعد دخول الخبل والكشف فيه فقد صارت ثاني سبب فلم قلم إن زحافها نظراً إلى ما صارت إليه ممتنعٌ لا بد له من دليل؟ ألا أن الجمهور لا يجوزون خرم بيتٍ أوله سبب فإذا زوحف السبب بحذف ثانيه فصار أول الجزء على هيئة الوتد المجموع أجازوه فيه نظراً إلى ما صار إليه؟ فكذلك نقول في هذا. قلت: لا نسلّم أن ثاني فعلن بعد خبل الجزء وكشفه صار ثاني سبب ثقيل، ويكاد القول بذلك يكون خرقاً لإجماعهم، وأما نسبة القول بجواز الخرم فيما صارفي المآل على هيئة وتد مجموع إلى الجمهور فباطلةٌ، بل الجمهور على خلافها. التنبيه الثاني: إنما لم يستعمل مفعولات في السريع على أصله لضعفه بالوتد المفروق الذي أوله يشبه لفظ السبب، فاستعمل في العروض مطوياً مكشوفاً ليقع وسط البيت ما فيه لفظ الوتد وهو فاعلن ثم غير الضرب لأن بقاءه على أصله يؤدي إلى الوقوف على المتحرك. التنبيه الثالث: إنما لم يدخل الجزء في هذا البحر لئلا يلتبس بمجزوء الرّجز. وما ورد من مستفعلن مربّعاً حُمل على أنه من الرجز، لأن هذا الجزء المحذوف حينئذ من الرجز موافق للباقي فيكون دليلاً عليه ولا كذلك في السريع، قاله الزجّاج.
المنسرحُ
أقول: قال الخليل: سمي بذلك لانسراحه وسهولته. وقيل: لانسراحه هما يلزم أضرابه، وذلك لأن مستفعلن إذا وقع في الضرب فلا مانع يمنعه من أن يأتي على أصله إلا في المنسرح فإنه امتنع فيه أن يأتي إلا مطويا. واعترضه ابن بري بأن قصره على استعماله مطويا ضدّ الانسراح. قال الصفاقسي: وفيه نظر. وهو مبني في الدائرة على ستة أجزاء على هذه الصورة: مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن، مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن قال:
يلجّج يفشى صبر سعدٍ بذي سمي على سمتِ سولاف به الإنس قد يرى
أقول: الياء من ((يلجج)) إشارة إلى أن هذا البحر هو العاشر من البحور، والجيم الأولى إشارة إلى أن له ثلاث أعاريض، والجيم الثانية إشارة إلى أن له ثلاثة أضرب. العروض الأولى صحيحة لها ضرب واحد مطوي، وبيته:
إن ابن زيدٍ لازال مستعملاً ... للخير يفشى في مصرهِ العُرفُا
فقوله ((مستعملا)) هو العروض، وزنه مستفعلن، وقوله ((هْلُعرفا)) هو الضرب وزنه مفتعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((يفشى)) . قال الصفاقسي: والتزام طيّ هذا الضرب مع تمام عروضه بنقص ما أصلوه من أن الضرب لا تكون حركاته المتوالية أكثر من حركات عروضه المتوالية. وقد مر هذا في الطويل فتنبه له. العروض الثانية منهوكة موقوفة وضربها مثلها، وبيته:
صبراً بني عبد الدارْ
فقوله ((عبد دارْ)) وزنه ((مفعولان)) وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((صبر)) . العروض الثالثة منهوكة مكشوفة وضربها مثلها، وبيته:
ويل أمّ سعدٍ سعداً
فقوله ((دنسعدن)) وزنه مفعولن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سعد)) . والأخفش يعدّ هذا والذي قبله من الكلام الذي ليس بشعر جرياً على أصل مذهبه. قال ابن بري: والصحيح أنه شعر لأنه مقفى جارٍ على نسبة واحدة في الوزن فإنه قال:
ويل ام سعدٍ سعدا صرامةً وحدَّا وسؤدداً ومجدا وفارساً معدَّا سدَّ به مسدّا
ويدخل هذا البحر من الزحاف الخبن والطيّ والخبل. والطيّ فيه حسن، والخبن صالحٍ، إلا في مفعولات فإنه فيه قبيح، والخبل قبيح، والطي ممتنع في العروض الثانية والثالثة لقرب محله من الوتد المعتل، والخبل أيضاً ممتنع في العروض الأولى لما يؤدي إليه من اجتماع خمس متحركات، فإن الجزء الذي قبلها مفعولات وآخره متحرك فلو خبلت العروضُ لاجتمع فيها بالخبل أربعُ متحركات وقبلها حركة آخر مفعولات فتلتقي الخمسُ، وهو لا يتصور في شعر عربي أصلاً. فبيت الخبن:
منازلٌ عفا هنَّ بذي الأرا ... ك كلُّ وابلٍ مسبلٍ هطل
أجزاؤه كلها إلا الضرب مخبونة. وأشار إلى الشاهد بقوله ((بذي)) . وبيت الطي:
إنّ سُميراً أرى عشيرتهُ ... قد حدبوا دونه وقد أنفوا
стр. 69
أجزاؤه كلها مطوية. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سمى)) . فإن قلت: جرت عادته في الرمز للشواهد بأن يقتطع كلمةً فصاعدا من بيت الشاهد يشير بها إليه، وهنا اقتطع بعض كلمة فخالف عادته، قلت: إنما اقتطع في الحقيقة كلمةً ولكنه رخّم في غير النداء للضرورة، وقد مرّ له مثله في بحر الرمل. وبيت الخبل:
وبلدٍ متشابهٍ سمتهُ ... قطعهُ رجلٌ على جملهْ
أجزاؤه ما عدا العروض والضرب مخبولة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سمت)) . وبيت الخبن في العروض الثانية:
لمّا التقوا بسولافْ
فقوله: بسولافْ وزنه فعولانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سولاف)) وبيت الخبن في العروض الثالثة:
هل بالديار إنسُ
فقوله ((رإنسو)) وزنه فعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله الإنس. ((تنبيه)) حكوا للعروض الأولى ضرباً ثانياً مقطوعاً أنشد منه التبريزي وزعم أنه من الشعر القديم: ذاك وقد أذعرُ الوحوش بصلت الخدّ رحبٍ لبانهُ مجفرْ وأنشد منه الزجاج وقال إنه ليس بقديم:
ما هيّج الشوق من مطوَّقة قامت على بانةٍ تغنينا
قال ابن بري: وهذا الضرب مما استحسنه المحدثون وأكثروا منه لحسن اتساقه وعذوبة مساقه، حتى استعملوه غير مردوف، كقول ابن الرومي من قطعة:
لو كنت يومَ الوداع شاهدنا ... وهنّ يطفينَ لوعةَ لوجد
لم ترَ إلا دموع باكيةٍ ... تسفح من مقلةٍ على خدِّ
كأن تلك الدموع قطر ندىً ... يقطر من نرجسٍ على وردِ
الخفيف
أقول: قال الخليل سمي خفيفاً لأنه أخف السباعيات. وقيل لأن حركةَ الوتد المفروق فيه اتصلت بحركات الأسباب فخفتْ لتوالي لفظ ثلاثة أسباب، وهذا في الحقيقة ليس مغايراً لقول الخليل، بل هو كالتفسير له، والله اعلم. وهذا البحر مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن، فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن قال:
كفيت جهاراً بالسِّخال الرَّدى فإن ... قدرنا تجد في أمرنا خطب ذي حمى
فلم يتغير يا عُميرُ وصالها ... جحا جحةٌ في حبلها علقوا معا
أقول الكاف من ((كفيت)) إشارة إلى أن هذا هو البحر الحادي عشر، والجيم من قوله ((جهارا)) إشارة إلى أن له ثلاث أعاريض، والهاء إ'شارة إلى أن له خمسة أضرب. فالعروض الأولى صحيحة لها ضربان الأول مثلها، وبيته:
حلّ أهلي ما بين دُرنا فبادو ... لي وحلَّت علويةً بالسخالِ
قوله ((نافبادو)) هو العروض، وقوله ((بسخالي)) هو الضرب، وزن كلّ منهما فاعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((بالسخال)) . والضرب الثاني محذوف، وبيته:
ليت شعري هلْ آتينهمْ ... أم يحولن من دون ذاك الَّدى
فقوله ((آتينهم)) هو العروض، وقوله ((كرردى)) هو الضرب، وزنه فاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((الردى)) . العروض الثانية محذوفة ولها ضرب واحد مثلها وبيته:
إن قدرنا يوماً على عامرٍ ... ننتصفْ منه أو ندعه لكمْ
فقوله ((عامرنْ)) هو العروض، وقوله ((هو لكم)) هو الضرب، وزن كل منهما ((فاعلن)) . وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فإن قدرنا)) . العروض الثالثة مجزوءة صحيحة لها ضربان الأول مثلها وبيته:
ليت شعري ماذا ترى ... أمُّ عمرو في أمرنا
فقوله ((ماذا ترى)) هو العروض وقوله ((في أمرنا)) هو الضرب، وزن كل منهما مستفعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله في أمرنا. الضرب الثاني مقصور مخبون وبيته:
كلّ خطبٍ إن لم تكو ... نوا غضبتم يسير
فقوله ((إن لم تكو)) هو العروض وقوله ((يسيرو)) هو الضرب، وزنه فعولن، وذلك لأن أصله مستفع لن فحذفت سينه بالخبن، وأُسقطت نونه وأُسكنت لامه بالقصر، فصار متفعلْ فنقل إلى فعولن. ومستفع لن هذه مفروقة الوتد كما تقدم، فمن هنا استبان لك دخول القصر فيها. وقد وقع لبعضهم التعبير هنا بالقطع وهو سهَوْ. وأشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله خطب. ويدخل هذا البحر من الزحاف الخبن وهو حسن، والكف وهو صالح، والشكل وهو قبيح، وفيه المعاقبة بين نون فاعلاتن وسين مستفع لن، وبين نون مستفع لن والف فاعلاتن بعده، فيتصور فيه الصدر والعجز والطّرفان، فالخبن في مستفع لن صدر، والكف فيه أو في فاعلاتن عجز، والشكل في مستفع لن أو فاعلاتن إذا وقع وسطاً طرفان. فبيت الخبن:
стр. 70
وفؤادي كعهده لسليمى ... بهوىً لم يزل ولم يتغيرْ
وأجزاؤه كلها مخبونة. وأشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله ((فلم يتغير)) . وبيت الكف:
يا عُمير ما تظهر من هواك ... أو تُجِنُّ يستكثر حين يبدو
أجزاؤه كلها إلا الضرب مكفوفة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((يا عمير)) . وبيت الشكل:
صرمتكَ أسماء بعدَ وصالها ... فأصبحت مكتبئاً حزينا
أجزاؤه الأول والثالث والخامس مشكولة. وأشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله ((وصالها)) . ويدخل الضرب الأول التشعيث. وقد مرَّ تفسيره والكلام عليه فيما أجرى من العلل مجرى الزحاف، وبيته:
إنّ قومي جحا جحةٌ كرامٌ ... متقادمٌ عهدهم أخيارُ
فقوله ((أخيارو)) هو الضرب، وزنه مفعولن، وفيه مع ذلك أيضاً الشكل بالجزء الثاني والجزء الرابع، وفي كل منهما الطرفان. وأشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله ((جحا جحة)) . ويدخل الخبن في الضرب المحذوف، وبييته:
والمنايا من بين سارٍ وغادٍ ... كلُّ حيٍّ
كلُّ في حبلها علقُ
فقوله (علقو)) وزنه فعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((في حبلها)) . ((تنبيه)) استدرك بعض العروضيين لهذا البحر عروضاً مجزوءة مقصورة مخبونة لها ضرب مثلها وجعل منها قول أبي العتاهية:
عُتْبُ ما للخيال ... خبريني ومالي
ويحكى أن أبا العتاهية لما قال أبياته التي هذا أولها قيل له خرجت عن العروض. فقال: أنا سبقت العروض.
المضارعُ
أقول: قال الخليل: سمي بذلك لمضارعته المقتضب في أن أحد جزأيه مفروق الوتد. وقيل: لأنه ضارع الهزج في أنه مجزوء وأن وتده المجموع تقدم على سببيه. وقال الزجاج: لمضارعته المجتثَّ في حال قبضه. وهذا البحر مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن، مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن قال:
لماذا دعاني مثل زيدٍ إلى ثنا ... فإن تدن منه شبراً أذكر إليه ذا
أقول: اللام من قوله ((لما)) إشارة إلى أن هذا البحر هو الثاني عشر من البحور، والميم ملغاة والألف منه إشارة إلى أن له عروضاً واحدة، والألف من قوله ((ذا)) إشارة إلى أن له ضرباً واحداً. فالعروض مجزوءة صحيحة وضربها مثلها، وبيته:
دعاني إلى سعادٍ ... دواعي هوى سعادِ
فقوله ((لا سعادن)) هو العروض، وقوله ((واسعادي)) هو الضرب، وزن كل منهما فاع لاتن وهي مفروقة الوتد لما علمته. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((دعاني)) . وبين ياء مفاعيلن ونونها في هذا البحر مراقبةٌ كما تقدم، فلا يثبتان معاً ولا يحذفان معاً، والواجب حذف أحدهما لا على التعيين. والبيت النتقدم شاهد على الكف وهو حذف النون من مفاعيلن. وبيت القبض:
وقد رأيت الرجالَ ... فما رأى مثل زيد
وفيه أيضاً شاهدٌ على كف العروض. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مثل زيد)) . ويدخل الجزء الأول من هذا البحر الشَّتْرُ والخرب. فبيت الشتر:
سوف أُهدى لسلمى ... ثناءً على ثناء
فقوله ((سوف أه)) وزنه فاعلن. دخله الشتر وهو اجتماع الخرم والقبض وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ثنا)) . وبيت الخرب:
إنْ تدن منه شبراً ... يُقربك منه باعا
فقوله ((إن تدن)) وزنه مقعول، اجتمع الخرم والكف، وهو المسمى بالخرب، فيصير مفاعيلن على فاعيل فينقل إلى مقعول. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فإن تدن منه شبرا)) . ((تنبيه)) زعم بعض العروضيين أنه يجوز في هذا البحر تركُ المراقبة، وأنشد على ذلك:
بنو سعدٍ خير قومٍ ... لجاراتٍ أو معان
ولا حجة فيه لأن قائله مولّد. هكذا قالوا. وحكى الجواهري اجتماع القبض والكف فيه، وأنشد:
أشاقك طيفُ ما مهْ ... بمكة أم حمامهْ
جزوء الأول والثالث مقبوضان مكفوفان، ولا جحةَ فيه لجواز أن يكون من مشكول المجتث، أو من العروض المجزوءة المقطوفة التي حكاها الأخفش للوافر. وأنكر الأخفش أن يكون المضارع والمقتضب من شعر العرب وزعم أنه لم يسمع منهم شيء من ذلك. قلت وهو محجوج بنقل الخليل. قال الزجاج: هما قليلان حتى إنه لا يوجد منهما قصيدة لعربي، وإنما يروى من كل واحد منهما البيت والبيتان، ولا يُنسب بيت منهما إلى شاعر من العرب ولا يوجد في أشعار القبائل.
المُقتضب
стр. 71
أقول: قال الخليل: سُمي بذلك لأنه اقتضب من الشعر، أي اقتطع منه. وقيل: لأنه اقتضب من النسرح على الخصوص، وذلك لأن المنسرح كما سبق مبنيّ في الدائرة من مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن ومثلها، والمقتضب مبنيّ في الدائرة من مقعولات مستفعلن مستفعلن ومثلها، وليس بينهما إلا تقدم مفعولات في المقتضب وتوسطه في المنسرح، فكأن المقتضب مقتطع منه إذا حذف من أوله مستفعلن. قال ابن بري: ويحتمل أن يكون هذا تفسيراً لقول الخليل. قال:
وما أقبلتْ إلا أتانا بوصلها ... مبشرنا يا حبذا ما به أتى
أقول: الواو من قوله ((وما)) ملعاة ولا يقع بها التباس، لأن اعتبار الترتيب في الأحرف المرموز بها للبحور قاضٍ بإلغاء الواو في هذا المحلّ ضرورة أنّ اللام التي فرغ منها ليس بعدها الواو، وإنما بعدها الميم، فحينئذ تكون الواو لغواً والميم هي المرموز بها فتكون إشارة إلى أن هذا البحر هو البحر الثالث عشر. والألف من ((وما)) إشارة إلى أن له عروضاً واحدةً، والألف من ((أقبلت)) إشارة إلى أن له ضرباً واحداً وكلاهما مجزوء مطوي، وبيته:
أقبلتْ فلاحَ لها ... عارضانِ كالبرَد
فقوله ((لاح لها)) هو العروض، وقوله ((كالبرد)) هو الضرب، وزن كلّ منهما مفتعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أقبلت)) . وهذا من عجيب صنع الناظم في هذه المقصورة، فإن بعض هذه الكلمة وهو الألف رَمَزَ بها للضرب كما سلف وكلها رمز بها للشاهد. وفي هذ البحر المراقبة بين فاء مفعولات وواوها فلا يحذفان معاً ولا يثبتان معاً. وسببُ ذلك أما في مفعولات الأولى فلأن ساكني سببها ليس لهما ما يعتمدان عليه إلا الوتد المفروق فلم يقوَ لاعتمادها عليه جميعاً، وأما في مفعولات التي في الحشو فكأنهم قصدوا تشبيهاً بالأولى فأجروها في المراقبة مجراها. وقد حكى بعضهم سلامة مفعولات الأولى والأخيرة فلم يراع المراقبة في شيءٍ منهما، وأنشدوا منه:
لا أعوك من بعدٍ ... بل أدعوك من كثبِ
ويدخل هذا البحر من الزحاف الخبن والطيّ في مفعولات، وأما العروضُ والضرب فقد تقدم أن طَّيهما واجب. وبيت الزِّحاف في مفعولاتُ:
أتانا مبشرنا ... بالبيان والنذُّرِ
فقوله ((أتانام)) وزنه فعولات، فهذا مفعولات خبن بحذف فائه فصار معولات فنقل إلى فعولات، وقوله ((بلبيان)) وزنه فاعلات، وأصله مفعولات طوى بحذف واوه فصار مفعُلات فنقل إلى فاعلاتُ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أتانا مبشرنا)) وقد تقدم أن الأخفش أنكر هذا البحر كالمضارع، وقد تقدم الكلام معه في ذلك.
المجتثُّ
أقول: قال الخليل: سُمي بذلك لأنه اجتث أي قطع من طويل دائرته. وقال الزجاج: هو من القطع، وهو ضدّ المقتضب لأن المقتضب اقتضب له الجزء الثالث بأسره والمجتثُّ اجتث منه أصل الجزء الثالث فنقص منه. وقال ابن واصل إنما سُمي مجتثاً أخذاً من الاجتثاث الذي هو الاقتطاع، فلما كان منّقطعاً في دائرة المشتبه من بحر الخفيف كان مجتثاً منه، والمخالفة بينه وبين الخفيف من حيث التقديم والتأخير. وهذا البحر، أعني المجتث، مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: مستفع لن فاعلاتن فاعلاتن، مستفع لن فاعلاتن فاعلاتن قال:
نقاً أمْ هلالٌ من علقتَ ضمارهمْ ... أولئكَ كلٌّ منهم السيِّدُ الرضا
أقول: النون من قوله ((نقا)) إشارة إلى أن هذا البحر هو الرابع عشر، والقاف ملغاة والألف منها إشارة إلى أن له عروضاً واحدة، والألف من قوله ((أم)) إشارة إلى أن له ضرباً واحداً، وبيته:
البطنُ منها خميصٌ ... والوجهُ مثلُ الهلالِ
وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((هلال)) . ويجري في هذا البحر ما جرى في الخفيف من خبن وكفّ وشكل، وتجري فيه المعاقبة والصدرُ والعجزُ والطّرفان. والمعاقبة هنا بين نون مستفع لن وألف فاعلاتن. وحذفُ ألف فاعلاتن لاعتمادها على وتدٍ مجموع بعديّ وتقع بين نون فاعلاتن وسين مستفع لن. ويمكن أن يكون حذفُ النون أولى لأن الوتد الذي اعتمدتْ عليه السين وغن كان بعدياً فإنه مفروق. وقد استبان لك بما ذكرناه تصورُ الطرفين إما في العروض أو في الجزء الذي بعدها. فبيت الخبن:
ولو علقتَ بسلمى ... علمتَ أن ستموتُ
أجزاؤه كلها مخبونة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((علقت)) . وبيت الكف:
стр. 72
ما كان عطاؤهنَّ ... إلا عدةً ضمارا
أجزاؤه كلها مكفوفة إلا الضرب. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ضمارهم)) . وبيت الشكل:
أولئك خيرُ قومٍ ... إذا ذُكر الخيارُ
الجزء الأول والثالث كلّ منهما مشكولٌ، لكن الطرفان في الثالث، والعجز في الأول. فإن قلت لِمَ كان كذلك؟ قلتُ لأن الجزء الأول حذف سينه بالخبن ليس لمعاقبة سببٍ قبله إذ لا سبب قبله، وهو ظاهر، وحذف نونه لمعاقبة ثبات الألف من فاعلاتن الواقعة عروضاً، فالحذف الذي هو لأجل المعاقبة إنما وقع في عجز الجزء فسُمي عجزاً كما تقدم. وأما مستفع لن الذي هو أول النصف الثاني فإن سينه حُذفت لثبات نون فاعلاتن قبله، ونونه حُذفت لثبات ألف فاعلاتن بعده، فالمعاقبة فيه ظاهرة، وتحققَ الطرفان لوقوع الحذف في طرفي الجزء. وقد أشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله ((أولئك)) . وقد سبق في باب ما أُجري من العلل مجرى الزحاف التنبيه على أن التشعيث يدخل في ضرب المجتث، ويجوز اجتماعه مع جزء آخر غير مشعث لأنه أُجري مجرى الزحاف. وبيته:
لِمْ لا يعي ما أقولُ ... ذا السيدُ المأمولُ
فقوله ((مأمولو)) هو الضرب، وزنه مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((السيد)) . وأنشد التَّبريزي من هذا النوع:
على الديار القفار ... والنؤى والأحجارِ
تظل عيناك تجري ... بواكفٍ مدرار
فليس بالليل تهدا ... شوقاً ولا بالنهارِ
ولا يجوز خبن هذا الجزء المشعث كما تقدم في الخفيف. وهنا تمت الدائرة الرابعة وهي المشتبه على المذهب المختار.
المتقارب
أقول: قال الخليل: سُمي بذلك لتقارب أجزائه لأنها خماسية. وقال الزجّاج: لتقارب أسبابه من أوتاده، وقيل لتقارب أوتاده، وكلاهما ظاهر، فإنّ بين كل سببين وتداً وبين كل وتدين سبباً، فالأسباب تقارب بعضها من بعض، وكذلك الأوتاد. وهو مبنيّ في الدائرة من ثمانية أجزاء على هذه الصورة: فعولن فعولن فعولن فعولن، فعولن فعولن فعولن فعولن وما ألطف قول الشيخ جمال الدين بن نباتة المصري يداعب شخصاً يسمى عثمان:
إذا جاء عثمان مستخبراً ... عن المتقارب وزناً فقولوا
ثقيلٌ ثقيل ثقيل ثقيل ... ثقيل ثقيل ثقيل ثقيلُ
قال:
سبوْ الابنِ مُرٍّ نسوةً ورووا لميةٍ ... دِمنةً لا تبتئسْ فكذا قضى
أفاد فجاد ابنا خداشٍ برفدهِ ... وقلت سداداً فيه منك لنا حلاٍ
أقول. السين من ((سبوا)) إشارة إلى أن هذا البحر هو البحر الخامس عشر، وهو خاتمة البحور عند الخليل وإياه اتبع الناظم، والباءُ إشارة إلى أن له عروضين، والواو إشارة إلى أن له ستة أضرب. فالعروض الأولى تامة لها أربعة أضرب أو لها مثلها وبيته:
فأما تميمٌ تميم بنُ مُرٍّ ... فألفاهمُ القومُ روبى نياما
فقوله ((نُمُررن)) هو العروض، وقوله ((نياماً)) هو الضرب، وزن كلّ منهما فعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لابن مر)) . الضرب الثاني مقصور وبيته:
ويأوى إلى نسوةٍ بائساتٍ ... وشععثٍ مراضيع مثل الَّعالْ
فقوله ((ئساتن)) هو العروض، وقوله ((سعالْ)) هو الضرب، وزنه فعولْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((نسوة)) . الضرب الثالث محذذوف وبيته:
وأروى من الشعر شعراً عويصاً ... يُنَسّى الرواة الذي قد رووا
فقوله ((عويصن)) هو العروض، وقوله ((رووا)) هو الضرب، وزنه فعلْ. كان أصله فعولن فذهب سببه الخفيف فيبقى فنقل إلى فعل وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ورووا)) . الضرب الرابع أبتر وبيته:
خليليَّ عُوجا على رسمِ دارٍ ... خلتْ من سُليمى ومن ميَّهْ
فقوله ((مدارن)) هو العروض، وقوله ((يهْ)) هو الضرب وزنه فل أو فَعْ، كان أصله فعولن فحذف سببه ثم قُطع وتده فذهبت واوه وسكنت عينه فبقي فع، فبعضهم يقرّه على هذه الصيغة وبعضهم يعبر عنه بفلْ وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لمية)) . العروض الثانية مجزوءة محذوفة لها ضربان الأول مثلها وبيته:
أمنْ دمنةٍ أقفرتْ ... لسلمي بذات الغضى
فقوله ((فرتْ)) هو العروض وقوله ((غضا)) هو الضرب، وزن كلّ منهما فعلْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((دمنة)) . الضرب الثاني أبتر، وبيته:
تعفَّف ولا تبتئسْ ... فما يُقضَ يأتيكا
стр. 73
فقوله ((تئس)) هو العروض، وقوله ((كا)) هو الصضرب، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لا تبتئس)) . وهذا الضرب الأبتر لهذه العروض الثانية مختلفٌ فيه، فحكاه بعضهم عن خلف الأحور، وحكاه بعضهم عن الخليل. ومنهم من لم ينقله عنه، قال بعضهم: والصحيح نقله عنه، لأن الأخفش والزجاج أثبتاه في كتبهما ولم يتعرضا لنفيه عن الخليل، ولو لم يكن قاله لنبّها عليه كما جرت عادتهما. قلت: وفي نسبة النقل إلى الخليل بهذه القرينة نظر. والناظم تبع من أثبت هذا الضرب. ويدخل هذا البحر من الزحاف القبض إلا في الجزأين اللذين قبل الضربين الأبترين، وهما الضرب الرابع والضرب السادس، فإنه لا يدخلهما عند الخليل، وخالفه الأخفش والزجّاج، واعتلوا للخليل بأن الضربين الأبترين لم يبقيا إلا على هيئة سببٍ خفيفٍ فلا يقبض حينئذ ساكن الجزء الذي قبله لفقدان ما يعتمد عليه. قال الصفاقسي: وهذا الاعتلال لا يستقيم على أصل الخليل لأن الاعتماد عنده على الوتد القبليّ جائز، فلمَ لايجوز أن يحذف لاعتماده على الوتد الذي قبله معه في الجزء. وأما الأخفش فالمشهور عنه دخول القبض فيه، هكذا حكى الزجاج عنه واستحسنه، وحكاه أيضاً النديم، وحكى عنه بعضُ العروضيين التفرقةَ بين الضرب الرابع فيجيزه في تاجزء الذي قبله، وبين الضرب السادس فيمنعه في الجزء السابق له، واعترض بعدم الفارق لأن الوتد البعديّ معتلّ فيهما فإن صلحَ علةً لمنع قبض ما قبله كان المنع فيهما وإلا فالجواز فيهما. وأجاب عنه أبو الحكم بمنع استقلال ما ذكر بالعلّية، بل هو جزء علة والعلة هي المجموع الوكب من ذلك ومن اعتلال بيته بكونه مجزوءاً، وهذا المجموع ليس موجوداً في الضرب الرابع فلم يمتنع قبضُ الجزء الذي قبله. ثم اعترض أبو الحكم على الأخفش بأن الجاري على مذهبه منعَ القبض فيهما لأن الاعتماد عنده لا يكون إلا عاى الوتد البعديّ، وقد اعتلّ بصيرورته على هيئة السبب فلا يقبض حينئذ ماقبله. قال الصفاقسي ولقائل أن يمنع أن اختلال الوتد عنده مانعٌ من الاعتماد، ولِمَ لا يجوز أن يكون المعتبر عنده في الاعتماد كونَ البعديَ وتداً غما في الحال أو في الأصل، ويحملُ مذهبه على هذا جمعاً بين كلاميه. وحكى أبو الحكم عن الخليل أيضاً أنه لا يجيز القبض في الجزء الذي قبل الضرب الخامس، قال: لأنه قد دخله الحذف مع ما فيه من الاعتلال بكونه مجزوءاً. قال الصفاقسي: ويلزم على هذه العلة منع القبض في الجزء الذي قبل عروضه لوجود هذه العلة فيه، ولم أر أحداً حكاه عن الخليل، وقد التزمه بعض المتأخرين. وحكى أيضاً عن بعض العروضيين منع قبض الجزأين اللذين قبل الضرب الثاني والثالث وهما المقصور والمحذوف، واعتراضه بأن الموجب لذلك فيما تقدم مفقودٌ هنا، فلا ينبغي أن يلحق به. وهل القبض في هذا البحر أحسن من التمام لكثرته فيه أو التمام أحسن من القبض لأن الأول تكثر السواكن فيه ولهذا جمعوا فيه بين ساكنين كما تقدمتْ حكايته عن بعضهم؟ فيه خلاف. فبيت القبض:
أفاد فجاد وساد فزاد ... وقاد فذاد وعاد فأفضلْ
أجزاؤه كلها إلا الضرب مقبوضة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أفاد فجاد)) . ويدخل الجزء الأول من البيت في هذا البحر الثَّلم والثّرم. فبيت الثّلم:
لولا خاشٌ أخذت جمالا ... تِبكرٍ ولم أعطه ما عليها
فقوله ((لولا)) أثلم وزنه فعلن بإسكان العين وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((خداش)) : وبيت الثرم:
فلتُ سداداً لمن جاءني ... فأحسنت قولاً وأحسنت رأياً
قوله ((قلت)) أثرم وزنه فعل. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((وقلت سداد)) . فإن قلت: قد تقدمَ في باب ما أجرى من العلل مجرى الزِّحاف أن العروض الأولى يدخلها الحذف وهو علة لكنه يعامل فيها معاملة الزحاف فلا يكون لازماً بل يدخل في بيتٍ ولا يدخل في آخر وذلك في القصيدة الواحدة، فهلاً أشار بكلمة إلى شاهدٍ لذلك فهذا محله؟ قلتُ: بيتُ الثرم الذي أنشدناه آنفاً وهو قوله:
قلتُ سداداً لمن جاءني٠٠٠إلخ
стр. 74
يتضمن دخول الحذف في العروض، وذلك لأن قوله ((أنى)) جزء محذوف وزنه فعل، وهو العروض الأولى من هذا البحر، فلعل الناظم اكتفى به عن الإتيان بشاهدٍ لمحض الحذف على حدته، فتأمل. وهذا آخر الكلام على بحر المتقارب وهو المستعمل من الدائرة الخامسة وهي دائرة المُتَِفق. والكلام على المتدارك سبق من قبل، والله أعلم. قال:
فالأضربُ والأعاريض لدنةٌ ... والأبحر يهمى والدوائر هي الهُدا
أقول هذا كالفذلكة للحساب، كأنه يقول قذ ذكرناه ضروب الشعر المستعملة مرموزاً لها بالحروف السابقة مفرقةً في البحور فجملتها ثلاثةٌ وستون ضرباً، فالسن والجيم من قوله ((سَجْح)) رمز لذلك، وكذلك عددنا الأعاريض مثبوتةً في محالها من البحور فجملتاه أربعٌ وثلاثون عروضاً، فاللام والدال من قوله ((لدنة)) إشارة لذلك، وسردنا البحور واحداً واحداً ودللنا على رتبة كل واحد منها فجملتها خمسةَ عشرَ مجراً فالياء والهاء من قوله ((يهمى)) رمز لذلكز وذكرناه أولاً أن الدوائر هي المرموز لها بالحروف الخمسة المجموعة في قولنا ((خف لشق)) فهي خمس دوائر لها بالهاء من قوله ((هي)) ، واستعمل الناظم جمع القلة للكثرة في قوله ((فالا ضرب)) وقوله ((والأبحر)) ، وجمع الكثرة للقلة في قوله ((والدوائر)) . قال:
وقُلْ واجبُ التغيير أضرب بحرهِ ... وجائزهُ جنسُ الزِّحاف كما انبنى
أقول: يعني أن التغيير الذي يلحق الشعر على قسمين: جائز وواجب، فالواجب منه لا يكون إلا في أضرب بحره وهو التغيير المعبرّ عنه عندهم بالعلة، والأعاريض مشاركةٌ للضروب في أنها أيضاً محلّ لدخول التغيير الواجب، فكان على الناظم أن يسوقها مساقاً واحداً لاتحاد حكمها في ذلك. واعتذر الشريف عنه بأن قال وإنما ذكرَ الضروب ولم يذكر الأعاريض ولا فرق في وجوب التغيير بين الأعاريض والضروب لأن الععروض الواحدة يكون لها أضرب متعددة فتتحد العروض مع تعدد الضرب فيظهر التغيير في الأضرب دون العروض. قلت: وهذا اعتذارٌ لا يجدي النلظم شيئاً، فإن اتحاد العروض في بعض الأحوال وتعدد الأضرب في أكثر الحالات لا يقتضي ظهور التغيير في الأضرب دون العروض، فإن التغيير الواجب متى لحق العروض ظهر فيها وإن كانت واحدةً كما يظهر في الأضرب وإن تعددت. فإن قلت: كلٌّ من العروض والضرب لا يلزم التزام التغيير الواقع فيه، بل تارةً يلزم فكيف يُقال إن الأعاريض والضروب واجبة التغيير؟ قلت: لم قل الناظم هذا، ولعلك فهمته من كلامه بأن أعربتَ ((أضرب بحره)) مبتدأ مؤخراً وجعلت ((واجب التغيير)) خبراً له مقدما عليه، والمعنى أنّ أضرب بحر الشعر شيء واجب التغيير، فاعلم أن الأمر ليس كما فهمته، وإنما ((واجب التغيير)) مبتدأ ((وأضرب بحره)) هو الخبر، وهو ظرف، والمعنى أن التغيير الواجب يكون في أضرب البحر، ولا يفهم من هذا أن الأضرب تكون واجبةَ التغيير دائماً، فتأمل. وإضافة ((واجب)) إلى ((التغيير)) على هذا من إضافة الخاص إلى العام لأن التغيير أعمّ من أن يكون واجباً أو جائزاً، فإضافة أحدهما إليه كالإضافة في ((خاتمُ حديد)) ، والواجب حينئذ في المعنى صفةٌ للتغيير، غير أنّ في جعلِ ((أضرب بحره)) ظرفاً منصوباً على إسقاط الخافض ما فيه. وقوله ((وجائزه جنس الزحاف)) يعني أن التغيير الجائز هو المسمى بالزحاف، وقد يدخل الأعاريض والضروب كما يدخل الحشو. وقوله ((كما انبنى)) أي كما انبنى في الشواهد التي أوردناها في البحور حسب ما يظهر بأدنى تأمل. قال:
وخذْ لَقَبَ المذكور مما شرحته وصغ زِنةً تحذو بها حذو من مضى
أقول: يعني أنك في الأبيات التي أشار إليها بالكلمات المقطّعات فيما تقدم المسوقة للاستشهاد على الأعاريض والضروب والزحافات، وتعتبر ما فيها من التغيير العارض لها فخذ لقبه مما شرحه في الكلام على العلل والكلام على الزحاف، فهو مما يرشدك إلى ذلك ويدل عليه. ونضرب مثالاً لذلك فنقول: قد أشار فيما مر إلى أن للطويل عروضاً واحدة وثلاثة أضرب، وأشار إلى شواهدها بالكلمات المنتزعة من الأبيات التي أنشدها العروضيون، ((فغزوا)) من قوله: أبا منذرٍ كانت غُروراً صحيفتي ولم أعطكمْ في الطّوع مالي ولا عرضي
стр. 75
وقد علمت من كلامه فيما سبق أن العروض هي الجزء الأخير من النصف الأول وأن الضرب هو الجزء الأخير من النصف الثاني. وأشار إلى أن أول بحر مركبٌ من فعولن مفاعيلن أربع مرات، وأخبر بصريح لفظه أنه يتكلم هنا على بحر الطويل، فإذا عَمَدنا إلى تقطيع هذا البيت على أوزان هذه الأجزاء قلنا: أبا من ذرنكانت غرورن صحيفتي، فوجدنا الجزء الأخير من هذا النصف الأول هو قوله ((صحيفتي)) فنسميه عروضاً عملاً بقوله فيما سبق ((وقل آخر الصدر العروض)) ، ووجدنا هذه العروض على ستة أحرف: متحركين فساكن فمتحركين فساكن، فليس على زنة مفاعيلن وإنما هو على زنة مفاعلن. وقد علمت أن ياء مفاعيلن ثاني سبب وهي خامسة الجزء، وقد أسلف في باب الزِّحاف أن حذف الخامس الساكن إذا كان ثاني سبب يُسمى قبضاً فنسمي هذا الجزء الرابع عروضاً مقبوضة لما قررناه. ثم نقطع النصف الثاني فنقول: ولم أُعْ طِكُمْ فططو عمالى ولا عرضي، فنجد قوله ((ولا عرضي)) هو الجزء الأخير من هذا النصف الثاني فنسميه ضرباً عملاً بقوله ((ومثله من العجز الضرب)) ، ونجد هذا الجزء لم يدخله تغيير، بل أتى على ما هو عليه في الدائرة فنسميه صحيحاً عملاً بقوله ((وإن تنج فالموفور يتلوه سالم صحيح)) ، وعلى هذا فقِسْ جميع ما ذكره من شواهد البحور. وقوله ((وصنع زنة تحذو بها حذو من مضى)) لا شك أن العروضيين ينقلون صيغ الأفاعيل في كثير من الأوقات عند دخول التغيير عليها إلى لفظٍ آخر تحسيناً للعبارة، كما إذا فُقد منه بالتغيير فءُ أو عين أو لام فينقل إلى لفظ فيه هذه الأحرف كمتعلن مخبول مستفعلن يُنقل إلى فَعِلتُن، وكفالاتن أو فاعاتن المشعّث يُرَدُّ إلى مقعولن، وكمتفا أحذَّ متفاعلن يرد إلى فعلن. وكذا إذا سُكنت اللام بالتغيير في الجزء كفاعل مقطوع فاعلن ينقل إلى فعلن، وكذا إذا سكنت التاء يردّ إلى غيره كفاعلات مقصور فاعلاتن يرد إلى فاعلان. وكذا إذا صار الجزء بالتغيير على هيئة المنصوب الموقوف عليه كفاعلا محذوف فاعلاتن فيردّ إلى فاعلن. فمراد الناظم أنه إذا عَرَضَ لك بالتغيير إخراج الجزء عن الأوزان المألوفة عن السلف فصُنع له زنةً تقفو بها أثر من مضى من أئمة هذا الشأن. وإنما أَمَرَ بذلك إيثاراً لموافقة الجماعة وكراهةً للخروج عن سننهم، والله تعالى أعلم. وينبغي أن نعقد هنا فصلاً للأووزان المستعملة عندهم، وبها يتيسر لك اقتفاء طريقهم والاقتداء بفريقهم فنقول: اعلم أن الأجزاء المسماة بالتفاعيل السالمة من التغيير عشرة، وتغير بالِّحاف تارة وبالعلة أخرى، وقد يجتمعان. ثم غالبُ أمرِ العلة أن تكون محضة، وقد تكون جاريةً مجرى الزحاف، وإذا لحق التغيير جزءاً منها فقد لا يشتبه بغيره أصلاً وقد يشتبه، وإذا اشتبه فقد يكون الاشتباه مخصوصاً بجزء سالم من تلك الأجزاء العشرة، وقد يشتبه بجزء آخر مغير، وقد يجتمع فيه الأمران فيشتبه بسالم ومغير معاً. ويتضح ذلك بالكلام أولاً على ما يدخل كلَّ منها من التغييرات، وثانياً بتفصيل الكلام على وجوه الاشتباه ومراتبه، فنقول: الجزء الأول من الأجزاء العشرة السالمة من التغيير: ((فعولن)) ، ويدخله من الزحاف نوع واحد وهو القبض بالطويل والمتقارب فيصير فعولُ بتحريك اللام، ولا ينفك عن هذه الصيغة. ويدخله من العلة المحضة ثلاثة أشياء في المتقارب خاصةً، أحدها القصر فيصير فعولْ بإسكان اللام، وهكذا يتلفظ به، وثانيها الحذف فيصير فعو فينقل إلى فعلْ، وثالثها البتر فيصير فَعْ، وبعضهم يبقيه على هذه الصيغة وبعضهم يعبر عنه بفَلْ. ويدخله من العلة الجارية مجرى الزّحاف ثلاثة أشياء: أحدها الحذف بالعروض الأولى من المتقارب فيعبر عنه بفعل كما سبق، وثانيها الثَّلم بالطويل والمتقارب فيصير عولن فيعبر عنه بفعلن بإسكان العين، وثالثها الثَّرم فيهما أيضاً فيصير عولُ فيعبر عنه بفعل، فهذه ستة أجزاء فرعية نشأت عن فعولن. الجزء الثاني ((مفاعيلن)) ، ويدخله من الزحاف القبض في الطويل والهزج والمضارع، فيصير مفاعلن فلا تنقل هذه الصيغة إلى شيء آخر، والكفّ فيهن جميعاً فيصير مفاعيلُ فيبقى على هذه الصيغة أيضاً. ويدخله من العلة المحضة أمر واحدٌ وهو الحذف بالطويل والهزج فيصير مفاعي فينقل إلى قعولن. ويدخله من العلة الجارية مجرى الز حا ف ث لاثة أشياء أحدها الخرم بالهزج فيصير فاعيلن فينقل إلى مفعولن،
следующие страницы →