← Аруд

Аруд · id 5421

العيون الغامزة على خبايا الرامزة

بدر الدين الدماميني

Полный текст (95 стр.). Показаны 71–95 · переход к 76.

стр. 71

أقول: قال الخليل: سُمي بذلك لأنه اقتضب من الشعر، أي اقتطع منه. وقيل: لأنه اقتضب من النسرح على الخصوص، وذلك لأن المنسرح كما سبق مبنيّ في الدائرة من مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن ومثلها، والمقتضب مبنيّ في الدائرة من مقعولات مستفعلن مستفعلن ومثلها، وليس بينهما إلا تقدم مفعولات في المقتضب وتوسطه في المنسرح، فكأن المقتضب مقتطع منه إذا حذف من أوله مستفعلن. قال ابن بري: ويحتمل أن يكون هذا تفسيراً لقول الخليل. قال: وما أقبلتْ إلا أتانا بوصلها ... مبشرنا يا حبذا ما به أتى أقول: الواو من قوله ((وما)) ملعاة ولا يقع بها التباس، لأن اعتبار الترتيب في الأحرف المرموز بها للبحور قاضٍ بإلغاء الواو في هذا المحلّ ضرورة أنّ اللام التي فرغ منها ليس بعدها الواو، وإنما بعدها الميم، فحينئذ تكون الواو لغواً والميم هي المرموز بها فتكون إشارة إلى أن هذا البحر هو البحر الثالث عشر. والألف من ((وما)) إشارة إلى أن له عروضاً واحدةً، والألف من ((أقبلت)) إشارة إلى أن له ضرباً واحداً وكلاهما مجزوء مطوي، وبيته: أقبلتْ فلاحَ لها ... عارضانِ كالبرَد فقوله ((لاح لها)) هو العروض، وقوله ((كالبرد)) هو الضرب، وزن كلّ منهما مفتعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أقبلت)) . وهذا من عجيب صنع الناظم في هذه المقصورة، فإن بعض هذه الكلمة وهو الألف رَمَزَ بها للضرب كما سلف وكلها رمز بها للشاهد. وفي هذ البحر المراقبة بين فاء مفعولات وواوها فلا يحذفان معاً ولا يثبتان معاً. وسببُ ذلك أما في مفعولات الأولى فلأن ساكني سببها ليس لهما ما يعتمدان عليه إلا الوتد المفروق فلم يقوَ لاعتمادها عليه جميعاً، وأما في مفعولات التي في الحشو فكأنهم قصدوا تشبيهاً بالأولى فأجروها في المراقبة مجراها. وقد حكى بعضهم سلامة مفعولات الأولى والأخيرة فلم يراع المراقبة في شيءٍ منهما، وأنشدوا منه: لا أعوك من بعدٍ ... بل أدعوك من كثبِ ويدخل هذا البحر من الزحاف الخبن والطيّ في مفعولات، وأما العروضُ والضرب فقد تقدم أن طَّيهما واجب. وبيت الزِّحاف في مفعولاتُ: أتانا مبشرنا ... بالبيان والنذُّرِ فقوله ((أتانام)) وزنه فعولات، فهذا مفعولات خبن بحذف فائه فصار معولات فنقل إلى فعولات، وقوله ((بلبيان)) وزنه فاعلات، وأصله مفعولات طوى بحذف واوه فصار مفعُلات فنقل إلى فاعلاتُ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أتانا مبشرنا)) وقد تقدم أن الأخفش أنكر هذا البحر كالمضارع، وقد تقدم الكلام معه في ذلك. المجتثُّ أقول: قال الخليل: سُمي بذلك لأنه اجتث أي قطع من طويل دائرته. وقال الزجاج: هو من القطع، وهو ضدّ المقتضب لأن المقتضب اقتضب له الجزء الثالث بأسره والمجتثُّ اجتث منه أصل الجزء الثالث فنقص منه. وقال ابن واصل إنما سُمي مجتثاً أخذاً من الاجتثاث الذي هو الاقتطاع، فلما كان منّقطعاً في دائرة المشتبه من بحر الخفيف كان مجتثاً منه، والمخالفة بينه وبين الخفيف من حيث التقديم والتأخير. وهذا البحر، أعني المجتث، مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: مستفع لن فاعلاتن فاعلاتن، مستفع لن فاعلاتن فاعلاتن قال: نقاً أمْ هلالٌ من علقتَ ضمارهمْ ... أولئكَ كلٌّ منهم السيِّدُ الرضا أقول: النون من قوله ((نقا)) إشارة إلى أن هذا البحر هو الرابع عشر، والقاف ملغاة والألف منها إشارة إلى أن له عروضاً واحدة، والألف من قوله ((أم)) إشارة إلى أن له ضرباً واحداً، وبيته: البطنُ منها خميصٌ ... والوجهُ مثلُ الهلالِ وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((هلال)) . ويجري في هذا البحر ما جرى في الخفيف من خبن وكفّ وشكل، وتجري فيه المعاقبة والصدرُ والعجزُ والطّرفان. والمعاقبة هنا بين نون مستفع لن وألف فاعلاتن. وحذفُ ألف فاعلاتن لاعتمادها على وتدٍ مجموع بعديّ وتقع بين نون فاعلاتن وسين مستفع لن. ويمكن أن يكون حذفُ النون أولى لأن الوتد الذي اعتمدتْ عليه السين وغن كان بعدياً فإنه مفروق. وقد استبان لك بما ذكرناه تصورُ الطرفين إما في العروض أو في الجزء الذي بعدها. فبيت الخبن: ولو علقتَ بسلمى ... علمتَ أن ستموتُ أجزاؤه كلها مخبونة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((علقت)) . وبيت الكف:

стр. 72

ما كان عطاؤهنَّ ... إلا عدةً ضمارا أجزاؤه كلها مكفوفة إلا الضرب. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ضمارهم)) . وبيت الشكل: أولئك خيرُ قومٍ ... إذا ذُكر الخيارُ الجزء الأول والثالث كلّ منهما مشكولٌ، لكن الطرفان في الثالث، والعجز في الأول. فإن قلت لِمَ كان كذلك؟ قلتُ لأن الجزء الأول حذف سينه بالخبن ليس لمعاقبة سببٍ قبله إذ لا سبب قبله، وهو ظاهر، وحذف نونه لمعاقبة ثبات الألف من فاعلاتن الواقعة عروضاً، فالحذف الذي هو لأجل المعاقبة إنما وقع في عجز الجزء فسُمي عجزاً كما تقدم. وأما مستفع لن الذي هو أول النصف الثاني فإن سينه حُذفت لثبات نون فاعلاتن قبله، ونونه حُذفت لثبات ألف فاعلاتن بعده، فالمعاقبة فيه ظاهرة، وتحققَ الطرفان لوقوع الحذف في طرفي الجزء. وقد أشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله ((أولئك)) . وقد سبق في باب ما أُجري من العلل مجرى الزحاف التنبيه على أن التشعيث يدخل في ضرب المجتث، ويجوز اجتماعه مع جزء آخر غير مشعث لأنه أُجري مجرى الزحاف. وبيته: لِمْ لا يعي ما أقولُ ... ذا السيدُ المأمولُ فقوله ((مأمولو)) هو الضرب، وزنه مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((السيد)) . وأنشد التَّبريزي من هذا النوع: على الديار القفار ... والنؤى والأحجارِ تظل عيناك تجري ... بواكفٍ مدرار فليس بالليل تهدا ... شوقاً ولا بالنهارِ ولا يجوز خبن هذا الجزء المشعث كما تقدم في الخفيف. وهنا تمت الدائرة الرابعة وهي المشتبه على المذهب المختار. المتقارب أقول: قال الخليل: سُمي بذلك لتقارب أجزائه لأنها خماسية. وقال الزجّاج: لتقارب أسبابه من أوتاده، وقيل لتقارب أوتاده، وكلاهما ظاهر، فإنّ بين كل سببين وتداً وبين كل وتدين سبباً، فالأسباب تقارب بعضها من بعض، وكذلك الأوتاد. وهو مبنيّ في الدائرة من ثمانية أجزاء على هذه الصورة: فعولن فعولن فعولن فعولن، فعولن فعولن فعولن فعولن وما ألطف قول الشيخ جمال الدين بن نباتة المصري يداعب شخصاً يسمى عثمان: إذا جاء عثمان مستخبراً ... عن المتقارب وزناً فقولوا ثقيلٌ ثقيل ثقيل ثقيل ... ثقيل ثقيل ثقيل ثقيلُ قال: سبوْ الابنِ مُرٍّ نسوةً ورووا لميةٍ ... دِمنةً لا تبتئسْ فكذا قضى أفاد فجاد ابنا خداشٍ برفدهِ ... وقلت سداداً فيه منك لنا حلاٍ أقول. السين من ((سبوا)) إشارة إلى أن هذا البحر هو البحر الخامس عشر، وهو خاتمة البحور عند الخليل وإياه اتبع الناظم، والباءُ إشارة إلى أن له عروضين، والواو إشارة إلى أن له ستة أضرب. فالعروض الأولى تامة لها أربعة أضرب أو لها مثلها وبيته: فأما تميمٌ تميم بنُ مُرٍّ ... فألفاهمُ القومُ روبى نياما فقوله ((نُمُررن)) هو العروض، وقوله ((نياماً)) هو الضرب، وزن كلّ منهما فعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لابن مر)) . الضرب الثاني مقصور وبيته: ويأوى إلى نسوةٍ بائساتٍ ... وشععثٍ مراضيع مثل الَّعالْ فقوله ((ئساتن)) هو العروض، وقوله ((سعالْ)) هو الضرب، وزنه فعولْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((نسوة)) . الضرب الثالث محذذوف وبيته: وأروى من الشعر شعراً عويصاً ... يُنَسّى الرواة الذي قد رووا فقوله ((عويصن)) هو العروض، وقوله ((رووا)) هو الضرب، وزنه فعلْ. كان أصله فعولن فذهب سببه الخفيف فيبقى فنقل إلى فعل وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ورووا)) . الضرب الرابع أبتر وبيته: خليليَّ عُوجا على رسمِ دارٍ ... خلتْ من سُليمى ومن ميَّهْ فقوله ((مدارن)) هو العروض، وقوله ((يهْ)) هو الضرب وزنه فل أو فَعْ، كان أصله فعولن فحذف سببه ثم قُطع وتده فذهبت واوه وسكنت عينه فبقي فع، فبعضهم يقرّه على هذه الصيغة وبعضهم يعبر عنه بفلْ وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لمية)) . العروض الثانية مجزوءة محذوفة لها ضربان الأول مثلها وبيته: أمنْ دمنةٍ أقفرتْ ... لسلمي بذات الغضى فقوله ((فرتْ)) هو العروض وقوله ((غضا)) هو الضرب، وزن كلّ منهما فعلْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((دمنة)) . الضرب الثاني أبتر، وبيته: تعفَّف ولا تبتئسْ ... فما يُقضَ يأتيكا

стр. 73

فقوله ((تئس)) هو العروض، وقوله ((كا)) هو الصضرب، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لا تبتئس)) . وهذا الضرب الأبتر لهذه العروض الثانية مختلفٌ فيه، فحكاه بعضهم عن خلف الأحور، وحكاه بعضهم عن الخليل. ومنهم من لم ينقله عنه، قال بعضهم: والصحيح نقله عنه، لأن الأخفش والزجاج أثبتاه في كتبهما ولم يتعرضا لنفيه عن الخليل، ولو لم يكن قاله لنبّها عليه كما جرت عادتهما. قلت: وفي نسبة النقل إلى الخليل بهذه القرينة نظر. والناظم تبع من أثبت هذا الضرب. ويدخل هذا البحر من الزحاف القبض إلا في الجزأين اللذين قبل الضربين الأبترين، وهما الضرب الرابع والضرب السادس، فإنه لا يدخلهما عند الخليل، وخالفه الأخفش والزجّاج، واعتلوا للخليل بأن الضربين الأبترين لم يبقيا إلا على هيئة سببٍ خفيفٍ فلا يقبض حينئذ ساكن الجزء الذي قبله لفقدان ما يعتمد عليه. قال الصفاقسي: وهذا الاعتلال لا يستقيم على أصل الخليل لأن الاعتماد عنده على الوتد القبليّ جائز، فلمَ لايجوز أن يحذف لاعتماده على الوتد الذي قبله معه في الجزء. وأما الأخفش فالمشهور عنه دخول القبض فيه، هكذا حكى الزجاج عنه واستحسنه، وحكاه أيضاً النديم، وحكى عنه بعضُ العروضيين التفرقةَ بين الضرب الرابع فيجيزه في تاجزء الذي قبله، وبين الضرب السادس فيمنعه في الجزء السابق له، واعترض بعدم الفارق لأن الوتد البعديّ معتلّ فيهما فإن صلحَ علةً لمنع قبض ما قبله كان المنع فيهما وإلا فالجواز فيهما. وأجاب عنه أبو الحكم بمنع استقلال ما ذكر بالعلّية، بل هو جزء علة والعلة هي المجموع الوكب من ذلك ومن اعتلال بيته بكونه مجزوءاً، وهذا المجموع ليس موجوداً في الضرب الرابع فلم يمتنع قبضُ الجزء الذي قبله. ثم اعترض أبو الحكم على الأخفش بأن الجاري على مذهبه منعَ القبض فيهما لأن الاعتماد عنده لا يكون إلا عاى الوتد البعديّ، وقد اعتلّ بصيرورته على هيئة السبب فلا يقبض حينئذ ماقبله. قال الصفاقسي ولقائل أن يمنع أن اختلال الوتد عنده مانعٌ من الاعتماد، ولِمَ لا يجوز أن يكون المعتبر عنده في الاعتماد كونَ البعديَ وتداً غما في الحال أو في الأصل، ويحملُ مذهبه على هذا جمعاً بين كلاميه. وحكى أبو الحكم عن الخليل أيضاً أنه لا يجيز القبض في الجزء الذي قبل الضرب الخامس، قال: لأنه قد دخله الحذف مع ما فيه من الاعتلال بكونه مجزوءاً. قال الصفاقسي: ويلزم على هذه العلة منع القبض في الجزء الذي قبل عروضه لوجود هذه العلة فيه، ولم أر أحداً حكاه عن الخليل، وقد التزمه بعض المتأخرين. وحكى أيضاً عن بعض العروضيين منع قبض الجزأين اللذين قبل الضرب الثاني والثالث وهما المقصور والمحذوف، واعتراضه بأن الموجب لذلك فيما تقدم مفقودٌ هنا، فلا ينبغي أن يلحق به. وهل القبض في هذا البحر أحسن من التمام لكثرته فيه أو التمام أحسن من القبض لأن الأول تكثر السواكن فيه ولهذا جمعوا فيه بين ساكنين كما تقدمتْ حكايته عن بعضهم؟ فيه خلاف. فبيت القبض: أفاد فجاد وساد فزاد ... وقاد فذاد وعاد فأفضلْ أجزاؤه كلها إلا الضرب مقبوضة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أفاد فجاد)) . ويدخل الجزء الأول من البيت في هذا البحر الثَّلم والثّرم. فبيت الثّلم: لولا خاشٌ أخذت جمالا ... تِبكرٍ ولم أعطه ما عليها فقوله ((لولا)) أثلم وزنه فعلن بإسكان العين وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((خداش)) : وبيت الثرم: فلتُ سداداً لمن جاءني ... فأحسنت قولاً وأحسنت رأياً قوله ((قلت)) أثرم وزنه فعل. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((وقلت سداد)) . فإن قلت: قد تقدمَ في باب ما أجرى من العلل مجرى الزِّحاف أن العروض الأولى يدخلها الحذف وهو علة لكنه يعامل فيها معاملة الزحاف فلا يكون لازماً بل يدخل في بيتٍ ولا يدخل في آخر وذلك في القصيدة الواحدة، فهلاً أشار بكلمة إلى شاهدٍ لذلك فهذا محله؟ قلتُ: بيتُ الثرم الذي أنشدناه آنفاً وهو قوله: قلتُ سداداً لمن جاءني٠٠٠إلخ

стр. 74

يتضمن دخول الحذف في العروض، وذلك لأن قوله ((أنى)) جزء محذوف وزنه فعل، وهو العروض الأولى من هذا البحر، فلعل الناظم اكتفى به عن الإتيان بشاهدٍ لمحض الحذف على حدته، فتأمل. وهذا آخر الكلام على بحر المتقارب وهو المستعمل من الدائرة الخامسة وهي دائرة المُتَِفق. والكلام على المتدارك سبق من قبل، والله أعلم. قال: فالأضربُ والأعاريض لدنةٌ ... والأبحر يهمى والدوائر هي الهُدا أقول هذا كالفذلكة للحساب، كأنه يقول قذ ذكرناه ضروب الشعر المستعملة مرموزاً لها بالحروف السابقة مفرقةً في البحور فجملتها ثلاثةٌ وستون ضرباً، فالسن والجيم من قوله ((سَجْح)) رمز لذلك، وكذلك عددنا الأعاريض مثبوتةً في محالها من البحور فجملتاه أربعٌ وثلاثون عروضاً، فاللام والدال من قوله ((لدنة)) إشارة لذلك، وسردنا البحور واحداً واحداً ودللنا على رتبة كل واحد منها فجملتها خمسةَ عشرَ مجراً فالياء والهاء من قوله ((يهمى)) رمز لذلكز وذكرناه أولاً أن الدوائر هي المرموز لها بالحروف الخمسة المجموعة في قولنا ((خف لشق)) فهي خمس دوائر لها بالهاء من قوله ((هي)) ، واستعمل الناظم جمع القلة للكثرة في قوله ((فالا ضرب)) وقوله ((والأبحر)) ، وجمع الكثرة للقلة في قوله ((والدوائر)) . قال: وقُلْ واجبُ التغيير أضرب بحرهِ ... وجائزهُ جنسُ الزِّحاف كما انبنى أقول: يعني أن التغيير الذي يلحق الشعر على قسمين: جائز وواجب، فالواجب منه لا يكون إلا في أضرب بحره وهو التغيير المعبرّ عنه عندهم بالعلة، والأعاريض مشاركةٌ للضروب في أنها أيضاً محلّ لدخول التغيير الواجب، فكان على الناظم أن يسوقها مساقاً واحداً لاتحاد حكمها في ذلك. واعتذر الشريف عنه بأن قال وإنما ذكرَ الضروب ولم يذكر الأعاريض ولا فرق في وجوب التغيير بين الأعاريض والضروب لأن الععروض الواحدة يكون لها أضرب متعددة فتتحد العروض مع تعدد الضرب فيظهر التغيير في الأضرب دون العروض. قلت: وهذا اعتذارٌ لا يجدي النلظم شيئاً، فإن اتحاد العروض في بعض الأحوال وتعدد الأضرب في أكثر الحالات لا يقتضي ظهور التغيير في الأضرب دون العروض، فإن التغيير الواجب متى لحق العروض ظهر فيها وإن كانت واحدةً كما يظهر في الأضرب وإن تعددت. فإن قلت: كلٌّ من العروض والضرب لا يلزم التزام التغيير الواقع فيه، بل تارةً يلزم فكيف يُقال إن الأعاريض والضروب واجبة التغيير؟ قلت: لم قل الناظم هذا، ولعلك فهمته من كلامه بأن أعربتَ ((أضرب بحره)) مبتدأ مؤخراً وجعلت ((واجب التغيير)) خبراً له مقدما عليه، والمعنى أنّ أضرب بحر الشعر شيء واجب التغيير، فاعلم أن الأمر ليس كما فهمته، وإنما ((واجب التغيير)) مبتدأ ((وأضرب بحره)) هو الخبر، وهو ظرف، والمعنى أن التغيير الواجب يكون في أضرب البحر، ولا يفهم من هذا أن الأضرب تكون واجبةَ التغيير دائماً، فتأمل. وإضافة ((واجب)) إلى ((التغيير)) على هذا من إضافة الخاص إلى العام لأن التغيير أعمّ من أن يكون واجباً أو جائزاً، فإضافة أحدهما إليه كالإضافة في ((خاتمُ حديد)) ، والواجب حينئذ في المعنى صفةٌ للتغيير، غير أنّ في جعلِ ((أضرب بحره)) ظرفاً منصوباً على إسقاط الخافض ما فيه. وقوله ((وجائزه جنس الزحاف)) يعني أن التغيير الجائز هو المسمى بالزحاف، وقد يدخل الأعاريض والضروب كما يدخل الحشو. وقوله ((كما انبنى)) أي كما انبنى في الشواهد التي أوردناها في البحور حسب ما يظهر بأدنى تأمل. قال: وخذْ لَقَبَ المذكور مما شرحته وصغ زِنةً تحذو بها حذو من مضى أقول: يعني أنك في الأبيات التي أشار إليها بالكلمات المقطّعات فيما تقدم المسوقة للاستشهاد على الأعاريض والضروب والزحافات، وتعتبر ما فيها من التغيير العارض لها فخذ لقبه مما شرحه في الكلام على العلل والكلام على الزحاف، فهو مما يرشدك إلى ذلك ويدل عليه. ونضرب مثالاً لذلك فنقول: قد أشار فيما مر إلى أن للطويل عروضاً واحدة وثلاثة أضرب، وأشار إلى شواهدها بالكلمات المنتزعة من الأبيات التي أنشدها العروضيون، ((فغزوا)) من قوله: أبا منذرٍ كانت غُروراً صحيفتي ولم أعطكمْ في الطّوع مالي ولا عرضي

стр. 75

وقد علمت من كلامه فيما سبق أن العروض هي الجزء الأخير من النصف الأول وأن الضرب هو الجزء الأخير من النصف الثاني. وأشار إلى أن أول بحر مركبٌ من فعولن مفاعيلن أربع مرات، وأخبر بصريح لفظه أنه يتكلم هنا على بحر الطويل، فإذا عَمَدنا إلى تقطيع هذا البيت على أوزان هذه الأجزاء قلنا: أبا من ذرنكانت غرورن صحيفتي، فوجدنا الجزء الأخير من هذا النصف الأول هو قوله ((صحيفتي)) فنسميه عروضاً عملاً بقوله فيما سبق ((وقل آخر الصدر العروض)) ، ووجدنا هذه العروض على ستة أحرف: متحركين فساكن فمتحركين فساكن، فليس على زنة مفاعيلن وإنما هو على زنة مفاعلن. وقد علمت أن ياء مفاعيلن ثاني سبب وهي خامسة الجزء، وقد أسلف في باب الزِّحاف أن حذف الخامس الساكن إذا كان ثاني سبب يُسمى قبضاً فنسمي هذا الجزء الرابع عروضاً مقبوضة لما قررناه. ثم نقطع النصف الثاني فنقول: ولم أُعْ طِكُمْ فططو عمالى ولا عرضي، فنجد قوله ((ولا عرضي)) هو الجزء الأخير من هذا النصف الثاني فنسميه ضرباً عملاً بقوله ((ومثله من العجز الضرب)) ، ونجد هذا الجزء لم يدخله تغيير، بل أتى على ما هو عليه في الدائرة فنسميه صحيحاً عملاً بقوله ((وإن تنج فالموفور يتلوه سالم صحيح)) ، وعلى هذا فقِسْ جميع ما ذكره من شواهد البحور. وقوله ((وصنع زنة تحذو بها حذو من مضى)) لا شك أن العروضيين ينقلون صيغ الأفاعيل في كثير من الأوقات عند دخول التغيير عليها إلى لفظٍ آخر تحسيناً للعبارة، كما إذا فُقد منه بالتغيير فءُ أو عين أو لام فينقل إلى لفظ فيه هذه الأحرف كمتعلن مخبول مستفعلن يُنقل إلى فَعِلتُن، وكفالاتن أو فاعاتن المشعّث يُرَدُّ إلى مقعولن، وكمتفا أحذَّ متفاعلن يرد إلى فعلن. وكذا إذا سُكنت اللام بالتغيير في الجزء كفاعل مقطوع فاعلن ينقل إلى فعلن، وكذا إذا سكنت التاء يردّ إلى غيره كفاعلات مقصور فاعلاتن يرد إلى فاعلان. وكذا إذا صار الجزء بالتغيير على هيئة المنصوب الموقوف عليه كفاعلا محذوف فاعلاتن فيردّ إلى فاعلن. فمراد الناظم أنه إذا عَرَضَ لك بالتغيير إخراج الجزء عن الأوزان المألوفة عن السلف فصُنع له زنةً تقفو بها أثر من مضى من أئمة هذا الشأن. وإنما أَمَرَ بذلك إيثاراً لموافقة الجماعة وكراهةً للخروج عن سننهم، والله تعالى أعلم. وينبغي أن نعقد هنا فصلاً للأووزان المستعملة عندهم، وبها يتيسر لك اقتفاء طريقهم والاقتداء بفريقهم فنقول: اعلم أن الأجزاء المسماة بالتفاعيل السالمة من التغيير عشرة، وتغير بالِّحاف تارة وبالعلة أخرى، وقد يجتمعان. ثم غالبُ أمرِ العلة أن تكون محضة، وقد تكون جاريةً مجرى الزحاف، وإذا لحق التغيير جزءاً منها فقد لا يشتبه بغيره أصلاً وقد يشتبه، وإذا اشتبه فقد يكون الاشتباه مخصوصاً بجزء سالم من تلك الأجزاء العشرة، وقد يشتبه بجزء آخر مغير، وقد يجتمع فيه الأمران فيشتبه بسالم ومغير معاً. ويتضح ذلك بالكلام أولاً على ما يدخل كلَّ منها من التغييرات، وثانياً بتفصيل الكلام على وجوه الاشتباه ومراتبه، فنقول: الجزء الأول من الأجزاء العشرة السالمة من التغيير: ((فعولن)) ، ويدخله من الزحاف نوع واحد وهو القبض بالطويل والمتقارب فيصير فعولُ بتحريك اللام، ولا ينفك عن هذه الصيغة. ويدخله من العلة المحضة ثلاثة أشياء في المتقارب خاصةً، أحدها القصر فيصير فعولْ بإسكان اللام، وهكذا يتلفظ به، وثانيها الحذف فيصير فعو فينقل إلى فعلْ، وثالثها البتر فيصير فَعْ، وبعضهم يبقيه على هذه الصيغة وبعضهم يعبر عنه بفَلْ. ويدخله من العلة الجارية مجرى الزّحاف ثلاثة أشياء: أحدها الحذف بالعروض الأولى من المتقارب فيعبر عنه بفعل كما سبق، وثانيها الثَّلم بالطويل والمتقارب فيصير عولن فيعبر عنه بفعلن بإسكان العين، وثالثها الثَّرم فيهما أيضاً فيصير عولُ فيعبر عنه بفعل، فهذه ستة أجزاء فرعية نشأت عن فعولن. الجزء الثاني ((مفاعيلن)) ، ويدخله من الزحاف القبض في الطويل والهزج والمضارع، فيصير مفاعلن فلا تنقل هذه الصيغة إلى شيء آخر، والكفّ فيهن جميعاً فيصير مفاعيلُ فيبقى على هذه الصيغة أيضاً. ويدخله من العلة المحضة أمر واحدٌ وهو الحذف بالطويل والهزج فيصير مفاعي فينقل إلى قعولن. ويدخله من العلة الجارية مجرى الز حا ف ث لاثة أشياء أحدها الخرم بالهزج فيصير فاعيلن فينقل إلى مفعولن،

стр. 76

وثانيها الشَّتر بالهزج والمضارع فيصير فاعلن ويبقى على هذه الصيغة. وثالثها الخرب فيهما فيصير فاعيل فينقل إلى مفعولُ. فهذه ستة أجزاء تفرعت عن مفاعيلن. الجزء الثالث ((مفاعلتن)) وليس إلا في الوافر ويدخله من الزحاف العَصْب المهملة، فيصير مفاعلتن بإسكان اللام فينقل إلى مفاعيلن، والعقلُ فيصير مفاعتن فيعبر عنه بمفاعلن، والنقصُ فيصير مفاعلتُ بإسكان اللام فيعبر عنه بمفاعيل. ويدخله من العلة المحضة أمر واحد وهو القطف فيصير مفاعلْ فينقل إلى فعولن.

стр. 77

ويدخله من العلة الجارية مجرى الزحاف أربعة أشياء: أحدها العضب، بالضاد المعجمة، فيصير فاعلتن، فيعبر عنه بمفتعلن، وثانيها القصم فيصير فاعلتن، بإسكان اللام، فينقل إلى فعول فاعلتن، فيعبر عنه بمفتعلن، وثانيها القصم فيصير فاعلتن، بإسكان اللام، فينقل إلى فعولن، وثالثها الجمم فيصير فاعتن، فينقل إلى فاعلن، ورابعها العقص فيصير فاعلت فينقل إلى مفعول. فهذه ثمانية أجزاء متفرعة من هذا الأصل. الجزء الخامس فاعلن ويدخله من الزحاف الخبن بالمديد والبسيط فيصير فعلن، وبهذا يعبر عنه ويدخله من العلة المحضة القطع بالبسيط خاصةً فيصير فاعل فينقل إلى فعلن بإسكان العين، فهذان جزآن تفرعا من هذا الأصل. الجزء السادس مستفعلن ذو الوتد المجموع، ويدخله من الزحاف بالبسيط والرجز والسريع والمنسرح الخبن فيصير مُتفعلن فيعبر عنه بمفاعلن، والطي بها أيضاً وبالمقتضب فيصير مستعلن فيعبر عنه بمفعتلن، والخبل بما عدا المقتضب فيصير مُتعلن فينقل إلى فَعلتن. ويدخله من العلة المحضة شيئان أحدهما التذييل بالبسيط فيصير مستفعلنن، بنونين ساكنين، فينقل إلى مستفعلان، ويخبن هذا المذيلُ فيصير متفعلان فينقل إلى مفاعلان، ويطوى فيصير مستعلان فينقل إلى مفتعلان، ويخبل فيصير متعلان فينقل إلى قعلتان. وثانيهما القطع بالبسيط والرجز فيصير مسْتَعِل فينقل إلى مفعولن، ثم قد يخبن هذا المقطوع فيصير معولن فيعبر عنه بفعولن. فهذه تسعةُ أجزاء تفرعت من هذا الأصل. الجزء السابع فاعلاتن ذو الوتد المجموع، ويدخله من الزحاف بالمديد والرمل والخفيف والمجتث الخبن فيصير فَعلاتن فيبقى على هذه الضيغة، والكفُّ فاعلات فالجزء السابع فاعلاتن ذو الوتد المجموع، ويدخله من الزحاف بالمديد والرمل والخفيف والمجتث الخبن فيصير فَعلاتن فيبقى على هذه الضيغة، والكفُّ فاعلات فيبقى على ذلك، والشكل فيصير فَعِلاتُ فلا يحول إلى صيغة أخرى. ويدخله من العلة المحضة أربعة أشياء: أحدها التسبيغ بالرّمل فيصير فاعلاتن بنون مشدَّدة موقوفٍ عليها فيعبر عنه عند الأكثرين بفاعليّان، وبعضهم يعبر عنه بفاعلانان، ثم قد يخبن هذا المسبّغُ فيعبر عنه بفعليّان. وثانيها القصر بالمديد والرمل فيصير فاعلاتْ بإسكان التاء فيعبر عنه بفاعلان بالنون الساكنة، ويخبن هذا المقصور بالرمل فيصير فَعِلان، وبذلك يعبر عنه. وثالثها الحذف فيهما وفي الخفيف فيصير فاعلا فينقل إلى فاعلن، ويخبن هذا المحذوف فيصير فَعلن، وكذلك ينطق بها. ورابعها البتر بالمديد فيصير فاعلْ فينقل إلى فَعْلن. ويدخله من العلة الجارية مجرى الزحاف التشعيث بالخفيف والمجتث فينقل إلى مفعولن عند كل قائل. فهذه أحدَ عشر فرعاً لهذا الأصل. الجزء الثامن متفاعلن ولا يقع إلا في الكامل، ويدخله من الزحاف الإضمار فيصير مُتفاعلن فيعبر عنه بمستفعلن، والوقص فيصير مُفاعلن بضم الميم فينقل إلى مفاعلن بفتحها، والخزل فيصير متُفْعِلن فينقل إلى مفْتَعِلن. ويدخله من العلة المحضة أربعة أشياء: أحدها الترفيل فيصير مُتَفاعلنتن فيعبرعنه بمفاعلاتن، ويضمر هذا المرّفل فيعبر عنه بمستفعلاتن، ويرقص فيعبر عنه بمفاعلاتن، ويخزل فيعبر عنه بمفتعلاتن. وثانيها التذييل فيصير مُتَفاعلنّ بتشديد النون فيعبر عنه بمُتفاعلان، ويضمر فيعبر عنه بمستفعلان، ويوقص فيعبر عنه بمفاعلان، ويخزل فيعبر عنه بمفتعلان. وثالثها القطع فيصير متفاعل فينقل إلى فعلاتن، ويضمر هذا المقطوع فيصير فعلاتن، بإسكان العين فينقل إلى مفعولٌ. ورابعها حذذ فيصير متفا فينقل إلى فعلن مكسور العين، ويضمر هذا الأحذّ فيصير متفا فينقل إلى فعلن بسكون العين فهذه خمسة عشر فرعاً تفرعت من هذا الأصل. الجزء التاسع مفعولات، ويدخله من الزحاف الخبن بالمنسرح والمقتضب فيصير معولات فينقل إلى فعولات، والطي فيهما فيصير مفعلات فينقل إلى فاعلات، والخبل في المنسرح فيصير معلات فينقل إلى فعلات فيدخله من العلة المحضة ثلاثة أشياء: أحدها الوقف بالسريع والمنسرح فيصير مفعولات بإسكان التاء فيعبر عنه بمفعولان وبالنون الساكنة، فيخبن فيها فيصير معولان فيعبر عنه بفعولان ويطوى في السريع فيصير مفعلات فينقل إلى فاعلان وثانيهما الكشف بالسريع والمنسرح فيصير مفعولن فيعبر عنه بمفعولن ويخبن فيصير معولن فيعبر عنه بفعولن ويطوى بالسريع فيصير مفعلا فينقل

стр. 78

إلى فاعلن ويخبل فيصير معلا فينقل إلى فعلن بتحريك العين. وثالثها الصلم بالسريع فيصير مفعو فيعبر عنه بفعل بإسكان العين، فهذه أحدى عشر جزءاً تفرعت من هذا الأصل الجزء العاشر مستفع لن ذو الوتد المفروق، ويدخله من الزحاف بالخفيف والمشتث والخبن فيصير متفع لن فيعبر بمفاع لن، والكف فيصير مستفع لُ فيعبر عنه بذلك ولا تغير الصيغة، والشكل فيصير متفع لُ فيعبر عنه بمفاع لُ. ويدخله من العلل المحضة علة واحدة وهي القصر مقروناً بالخبن فيصير متفع لُ فينقل إلى فعولن، ولا يكون ذلك إلا في الخفيف إذا كان مجزوءاً، فهذه أربعة أجزاء فروع نشأت عن هذا الأصل. وهنا انتهى التفريع وقد استبان لك أن جميع الفروع ثلاثة وسبعون جزءاً ناشئة عن العشرة الأصول السالمة من التغيير فتكون جملة الأجزاء التي يوزن بها عند العروضيين في البحور الخمسة عشر ثلاثة وثمانين جزءاً ما بين أصلي وفرعي. ثم هذه الفروع كما أسلفناه على قسمين: القسم الأول ما لا يشتبه بغيره أصلاً وهي تسعة عشر جزءاً: فعولُ وفعولْ وفعلْ وفعلَ وفلَ وفعلتانْ وفعلانْ وفاعليانْ وفعليانْ ومتفاعلاتنْ ومستفعلاتنْ ومفاعلاتنْ ومفتعلاتنْ ومتفاعلانْ ومفعولانْ وفعولانْ ومستفعِ لُ ومفاعِ لُ. القسم الثاني ما يشتبه بغيره، ثم هو على ثلاثة أضرب: ما يشتبه بسالم فقط، وما يشتبه بمغير فقط، وما يشتبه بمغير وسالم. فالضرب الأول جزآن ليس إلا، وهما مفاعلتن المعصوب يشتبه بمفاعلين ومتفاعلن المضمر يشتبه بمستفعلن. وأما ما لا يكون مختصاً بالاشتباه بالسالم فإنه على خمس مراتب: المرتبة الأولى أن يكون الجزء المغير له مثل واحد، ولها سبعة أجزاء الأول: مفعولن أخرب مفاعلين وأعقص مفاعلتن، الثاني مستفعلان مذيل مستفعلن ومضمر متفاعلن المذال، الثالث مفاعلان مخبون مستفعلن المذيل، وموقوص متفاعلن المذيل، الرابع مفتعلان مطوى مستفعلن المذيل، وموقوص متفاعلن المذيل، الرابع مفتعلان مطوى مستفعلن المذيل، ومخزول متفاعلن المذيل، الخامس فعلاتن مخبون فاعلاتن ومقطوع متفاعلن، السادس فعلات مشكول فاعلاتن زمخبول مفعولات، السابع فاعلان مقصور فاعلاتن ومطوى مفعولات الموقوف. المرتبة الثانية أن يكون الجزء المغير له مثلان، وفي هذه المرتبة ثلاثة أجزاء: الأول مفاعيل مكفوف مفاعيلن ومنقوص مفاعلتن ومخبون مفعولات، الثاني مفتعلن مطوى مستفعلن ومعصوب مفاعلتن ومخزول متفاعلتن، الثالث فاعلات مكفوف فاعلاتن ذي الوتد المجموع ومكفوف فاع لاتن ذي الوتد المفروق ومطوى مفعولات. المرتبة الثالثة أن يكون الجزء المغير له ثلاثة أمثال، ولهذه المرتبة جزآن: الأول فاعلن أشتر مفاعيلن وأجم مفاعلتن ومحذوف فاعلاتن ومطوى مفعولات المكشوف، الثاني فعلن بتحريك العين مخبون فاعلن ومخبول مفعولات المكشوف، الثاني فعلن بتحريك العين مخبون فاعلن ومخبول مفعولات المكشوف ومخبون فاعلاتن المحذوف وأحد متفاعلن. المرتبة الرابعة أن يكون الجزء المغير له أربعة أمثال، ولهذه المرتبة ثلاثة أجزاء: الأول فعلن بإسكان العين، أثلم فعولن ومقطوع فاعلن وأبتر فاعلاتن وأصلم مفعولات ومضمر متفاعلن الأحذ. الثاني مفاعلن مقبوض مفاعلين ومخبون مستفعلن ذي الوتد المجموع وذي الوتد المفروق ومعقول مفاعلتن وموقوص متفاعلن. الثالث فعولن محذوف مفاعلين ومخبون مستفعلن المقطوع ومقطوف مفاعلتن ومخبون مفعولات المكشوف وممخبون مستفع لن المقصور. المرتبة الخامسة أن يكون الجزء المغير له خمسة أمثال، ولهذه المرتبة جزء واحد وهو مفعولن، فإنه يكون أخرم مفاعلين ومقطوع مستفعلن ومشعث فاعلاتن وأقصم مفاعلتن ومضمر متفاعلن المقطوع ومكشوف مفعولات.

стр. 79

وهنا انتهى تعداد المراتب. ولا يخفى عليك أن الأجزاء الثلاثة والثمانين التي قدمنا أنها جملة التفاعيل الموزون بها إنما يأتي تعديدها كذلك باعتبار ما طرأ من التغييرات التي أسلفناها مع قطع النظر عن الاشتباه وعدمه، فإن رمت ضبطها بغير تكرار فاعلم أنها ثلاثة وأربعون جزأً ليس إلا، وهو الأصول العشرة والتسعة عشر فرعاً التي لا تشتبه بغيرها، وأجزاء المرتبة الأولى وهي سبعة، وأجزاء المرتبة الثانية مفاعلين ومتفعلن وفاعلات، والجزء الثاني من المرتبة الثالثة وهي فعلن المتحركة بالعين، وجزآن من المرتبة الرابعة وهما فعلن الساكن العين ومفاعلن، وجزء المرتبة الخامسة وهو مفعولن. فإذا أراد عروضيّ أن يزن شيئاً من الشعر العربي لم يخرج عن هذه الثلاثة زالأربعين جزءاً، ولا يمكنه إلا الإيتان ببعضها عند التفعيل فتأمل ذلك والله تعالى أعلم بالصواب. ولنختم الكلام في فن العروض بفصل ذكره ابن برىّ التازي في شرحه لعروض ابن السقاط فنورده برمته لاشتماله على فوائد لا بأس بالإحاطة بها علماً. قال: وقد تجافى بعض المتعسفين عن هذا العلم ووضعوا منه واعتقدوا أن لا جدوى له واحتجوا بأن صانع الشعر إن كان مطبوعاً على الوزن فلا حاجة له بالعروض كما لم يحتج إليه من سبق الخليل من العرب وإن كان غير مطبوع فلا يتأتى له نظم العروض إلا بتكلف ومشقة، كما قال أبو فراس الحمداني: تناهض الناسُ للمعالى ... لمّا رأوا نحوها نهوضي تكلفوا المكرمات كدّاً ... تكلفَ النظم بالعروض ولأن بعض كبراء الشعراء لم يقف عندما حدَّه الخليل وحصره من الأعاريض بل تجاوزها. ولمّا قال العتاهية أبياته التي أولها: عُتْبُ ما للخيال ... خبريني ومالي قيل له إنك خرجت عن العروض فقال أنا سبقت العروض. ولأنه يُخرج بديع الألفاظ ورائق السبك إلى الاستبراد والركاكة، وذلك حالة التقطيع والتفعيل، وربما أوقع المرء في مهوى الزلل ومقام الخجل بما يتحول إليه ضوغ البنية من منكر الكلام وشنيع الفحش، كما جرى في مداعبة أبي نواس وعنان جارية الناطفي حين قالت إن كنت تحسن النظر في العروض فقطع هذا البيت: حوَّلوا عنا كنيستكم ... يا بني حمّالة الحطبِ فقطعه فضحكت منه، وفعل بها مثل ذلك في تقطيع قوله: أكلتُ الخردل الشّاميّ ... في صفحةِ خبّازِ وقد صرح الجاحظ وهو من علماء اللسان بذمّ علم العروض فقال: هو علم مولّد وأدب مستبرد ومذهبٌ مرذول يستنكد العقول بمستفعلن وفعول من غير فائدةٍ ولا محصول. والجواب أن الحق الذي به كل منصف أن لهذا العلم شرفاً على ما سواه من علوم الشعر لصحة أساسه واطراد قياسه ونُبل صنعته ووضوح أدلّته. وجدواه حصر أصول الأوزان ومعرفة ما يعتريها من الزيادة والنقصان وتبيين ما يجوزمنها على حسن أو قبح وما يمتنع، وتفقدُ محالٌ المعاقبة والمراقبة والخرم والخزم وغير ذلك مما لا يتزن على اللسان ولا تتفطن إليه الفِطرُ والأذهان، فالجاهل بهذا العلم قد يظن البيت من الشعر صحيح الوزن سليما من العيب وليس كذلك، وقد يعتقد الزّحاف السائغ كسراً وليس به كقوله: قلتُ استجيبي فلما لم تُجبْ ... سالت دموعي على ردائي وقول الآخر: عيناك دمعها سِجالُ ... كأن شأنيهما أوشالُ وقول الآخر: النشرُ مسكٌ والوجوهُ دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنمْ وقول الآخر: شمنازلٌ عفا هُنّ بذي الأرا_ك كلُّ وابلٍ مُبلٍ هطلِ وقول الآخر: صرمتكَ أسماءُ بعد وصالها ... فأصبحت مكتئباً حزينا فهذه أبيات كلها صحيحة الوزن سائغة مستعملة عند العرب مع أن الطبع ينبو عنها، ولا يدرك جوازها إلا من نظر في هذا العلم. وهل علم العروض للشعر إلا بمثابة علم الإعراب للكلام؟ فكما أن صنعة النحو وضعت ليعافى بها اللسان من فضيحة اللحن فكذلك علم العروض وضع ليعافى به الشعر من خلل الوزن، فلولاه لاختلطت الأوزان واختلفت الألحان وانحرفت الطباع عن الصواب انحراف الألسنة عن الإعراب. وقد وقع الخلل في شعر العرب كثيراً، وأنشد الأصمعي وأبو عبيدة وابن دريد وابن قًتيبة وغيرهم من كبار الأئمة بيتَ عبيد بن الأبرص هكذا مكسوراً: هي الخمر تكنى الطَّلا ... كما الذئب يُكنى أبا جعدهْ ووقع في شعر علقمة قوله في فكه أخاه شأساً:

стр. 80

دافعت عنه بشعري إذْ كان في الفداء جحدْ فكان فيه ما أتاك وفي تسعين أسري مقرنين صفد دافع قومي في الكتيبة إذ طار لأطراف الظباة وقد فأصبحوا عند ابن حَفنةَ في الأغلال منهم والحديد عُقَدْ إذ مُخنبٌ في المُخنبينَ وفي النَّهكة غَيٌّ باديٌ ورشد فهذه القطعة مما أُدخلت في جملة شعره وهي مختلة الوزن حتى قال بعضهم إنها ليست بشعر. وأنشد ابن إسحق في كتاب السيرة لأمية بن أبي الصلت يبكي زمعةَ ابن الأسود وقتلى بني أسد: عيني بكِّي بالمُسبِلات أبا الحارث لا تذخرى على زمعه ابكي عقيل بن الأسودِ أَسَدَ البأسِ ليوم الهياج والدّفَعَهْ تلك بنو أَسَدٍ إخوةُ الجوزاء لا خانةٌ ولا خدعهْ وهم الأسرة الوسيطة من كَعبٍ وهم ذروةُ السّنام والقمعهْ وهم أنبتوا من معاشرٍ شَعَرَ الرأس وهم ألحقوهم المنعهْ أمسى بنو عمهم إذ حضرَ البأسُ أكبادهم عليهم وجعهْ وهُمْ هُمُ المطعون إذْ قحط القطرُ وحالت فلا ترى قَزَعَهْ ولا حجة في ذمّ الجاحظ لهذا العلم، فقد مدحه أيضاً وإنما أراد بذلك إظهار الاقتدار على جمع المدح والذم في شيءٍ واحد فقال في مدحه: هو علمُ الشعر ومعياره، وقطبه الذي عليه مداره، به يُعرف الصحيح من السقيم والعليلُ من السليم، وعليه تبتني قواعد الشعر، وبه يَسلَمُ من الأود والكسر. وإنما يضع من هذا العلم من نبا طبعه البليد عن قبوله ونأى به فهمه البعيد عن وصوله. كما حكى الأصمعي أن اعرابياً مبتدئاً كان يجلس إلى بعض الأدباء وكلما أخذوا في الشعر أقبل بسمعه عليهم، حتى أخذوا في العروض وتقطيع الأبيات ولّى عنهم وهو ينشد: قد كان إنشادهم للشعر يعجبني ... حتى تعاطوا كلام الزَّنج والرومِ ولّيت منقلبا والله يعصمني ... من التّقحم في تلك الجراثيمِ ولما وضع الخليل ﵀ كتاب العروض، وأعمل فكره في تقطيع الأبيات وفكّ الدوائر دخل عليه أخوه وهو مُكبّ على دائرةٍ خَطّها وجعلها نُصبَ عينيه وهو يعالجُ فكّها بأجزاء التفعيل نادى قومه فقال هلموا فقد جُن الخليل فلمّا فرغ مما كان من ذلك صرف إلى أخيه وأنشد: لو كنتُ تعلم ما أقول عَذَرءتَني ... أو كنت أجهل ما تقولُ عذَلتكا لكن جهلت مقالتي فعذلتنى ... وعلمت أنك جاهلٌ فعذَرتُكما وحكى صاحب العقد أن الخليل إنما أَنشد هذين البيتين حين سأله ابن كيسان عن شيءٍ ففكر فيه الخليل يجيبه فلما استفتح الكلام قال ابن كيسان: لا أدري ما تقول، فأنشده إياهما. ورأيت في كتاب ((الزينة)) أن بعض أهل العلم ذكر أن الخليل أخذ رسم العروض من أصحاب محمد بن على ومن أصحاب علي بن الحسين. انتهى هذا الفصل الخاتم بفَصِّه وانقضى سَوقُ الحديث على نصه. فلنعد إلى كلام الناظم رحمه الله تعالى. القوافي وعيوبها أقول: جرت عادةُ أكثر العروضيين بأن يذكروا علم القوافي بعد علم العروض لأنه كالرديف له، وبينهما شدةُ اتصال واشتباك، لكن قال بعضهم إن علم القوافي علم جليل لا يصلح أن يجعل علاوةً على العروض حتى قال ابن جنى: علمُ القوافي وغنْ كان متصلاً بالعروض وكالجزء منه لكنه أدق وألطف من علم العروض. والناظر فيه محتاجٌ إلى مهارة في علم التصريف والاشتقاق والغة والإعراب. قلت: وعلى تقدير تسليم ذلك كلّه فالنظر فيه متأخرٌ عن النظر في العروض ضرورة أن القافية إنما يُنظر فيها من حيث هي منتهى بيت الشعر، فلما لم يتحقق كونُ اللفظ الذي هي آخره شعراً لم يتأتَّ النظر فيها، فلا جرمَ جعلوا الكلام عليها متأخراً عن الكلام فيه، فتأمل. قال: وقافيةُ البيت الأخيرة بلْ من المحرك قبل الساكنين إلى انتها

стр. 81

أقول: اعلم أنهم اختلفوا في مسمى القافية اختلافاً كثيراً، والناظم اقتصر على قولين منها فلنقتصر على الكلام عليهما تَبَعاً له. وينبغي أن تحقق أولاً محلَّ النزاع فنقول: قال الصفاقسي: ليس نزاعمه في مُسمى القافية لغةً، ولا فيما يُصطلح على أنه قافية، وإنما النزاع في القافية المُضافِ إليها العلم في قولهم ((علم القافية)) ما المراد بها. فذهب الأخفش إلى أنها الكلمة الأخيرة من البيت، وهذا هو الذي أراده الناظم بقوله أولاً ((وقافية البيت الأخيرة)) أي الكلمة الأخيرة، فحذف الموصوف لحصول العلم به. وذهب الخليل وأبو عَمرو الجرمى إلى أنها عبارة عن الساكنين اللذين في آخر البيت مع ما بينهما من الحروف المتحركة ومع المتحرك الذي قبل الساكن الأول، وهذا هو الذي أراده الناظم بقوله ((بل من المحرك قبل الساكنين إلى انتها)) وبعض العروضيين يعبر عما قبل الساكن الأول بالمتحرك كما فعل الناظم، وبعضهم يعبر بالحركة فيقول: من الحركة التي قبل الساكن الأول. ووجّه أبو الفتح ابن جنىّ قول من عبَّر بالحركة بأن القصد أن لا يسمى قافيةً إلا ما تلزم إعادته من كل وجهٍ، والحركة التي قبل الساكن الأول بهذه المثابة، بخلاف حرفها فإن له أن يأتي بمثله أو بحرف آخر متحرك. واعترضه الصفاقسي بأن هذه الحركة التي قبل الساكن الأول كحرفها، فإنها إذا كانت في البيت الأول ضمة جاز أن تكون في البيت الثاني فتحة أو كسرة وبالعكس، كما أن حرفها يكون ميماً في بعض البيوت وفاءً في الآخر أو غير ذلك، ألا ترى إلى قول امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ ... بسقط اللّوى بين الدَّخول فحوملِ تَرَى بَعَرَ الآرام في عَرَصَاتها ... وقيعانها كأنّها حَبُّ فُلفُلِ فالأول حاءٌ مفتوحة موضعها في الثاني فاء مضمومة، فحينئذ ما ذكره من أن الحركة تلزم إعادتها من كل وجهٍ وَهْم، بلْ هي كحرفها. واعترضه أيضاً أبو العباس بن الحجاج (بعدم) لزومِ ذلك في الدخيل لأنه لا يلزم إعادته من كل وجه، وكذا غيرهُ من حروف القافية إلا الرويّ والتأسيس، وهو لم يتعرض لذكر شيءٍ منها. وأضرب الناظم عن القول الاول وهو قول الأخفش لأنه غير مُرتضىً عنده، ولا شك أنه مقدوح فيه، وقد اعترضه ابنُ جنى بأن الاتفاق قائم على أن في القوافي قافيةً يُقال لها المتكاوس، وهو ما توالت فيه أربعةُ أحرف متحركة بين ساكنين نحو فَعِلَتُن المخبول، وذلك نحو قول العجّاج: قد جَبَرَ الدينَ الإله فَجَبّرْ ألا ترى أن قوله ((هُفَجَبَرْ)) وزه ((فَعِلَتُن)) ، وقد سُلم أنه قافية مع تركبه من كلمتين وبعض أخرى. ورُجّح مذهب الأخفش بأن العرب يقولون البيت حتى إذا لم يبق منه إلا الكلمة الأخيرة قالوا: بقيت القافية، وإذا قال الشاعر اجمعوا إليّ قوافي الطاء مثلاً فإنما يجمع له كلماتٌ أواخرها طاء والأصل في الإطلاق تحقيقه. وردّه الصفاقسي بأن تسمية الكلمات قوافي إنما هو بالمعنى اللغوي، وليس محلَّ النزاع على ما عرفت أولاً، ولئن سُلّم فلِمَ لا يجوز أن يكون ذلك لأن القافية لا تخرج عن تلك الكلمات، إما لأنها هي القافية إذا اجتمع فيها ما ذكرناه، أو بعضها إذا كان فيها بعضه، أو تشتمل عليه وتزيد إنْ كانت أكثر منه، وهذا وإن كان مجازاً فيجيب الحَملُ عليه جمعاً بين الدليلين، لأن العمل بكل واحد منهما من وجهٍ أَولى من إلغاء أحدهما مطلقاً. واشتقاق القافية من ((قفا يقفو)) إذا تَبِعَ، فهي تقفو أثر كلِّ بيت، أو تقفو أثر أخواتها. والأول أولى لأن البيت الأول لا يصح فيه المعنى الثاني، وعلى كلا القولين فهي فاعلة على بابها. وقيل: لأن الشاعر يقفوها لأنها تجري له في البيت الأول على السبحية ثم يتبعها في سائر الأبيات، فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كعيشة ((راضية)) أي ((مرضية)) . ويعزى هذا القول إلى ابي موسى الحامض، قال ابن بري. ثم القافية عند الخليل قد تكون بعض كلمة كقوله: ويلوى بأثواب العنيف المُثَقَّلِ وقد تكون كلمة كقوله: إذا جاش فيه حَميهُ غلىُ مِرجلِ وقد تكون كلمتين كقوله: كجلمود صخرٍ حطه السيل من علِ وقد تكون أكثر كقوله: قد جبر الدين الغله فَجَبَرْ قال: تحوز روياً حرفاً انتسبت له ... وتحريكه المجرى فإن قُرِنا بما

стр. 82

يدانى فذا الإكفاء والإقواو بعده ... الإجازةُ والإصراف والكلّ متّقى أقول: الضمير المستتر في ((تحوز)) عائد إلى القافية، يعني أن القافية تحوز روياً لأنها تتضمنه وتشتمل عليه، فهو في حوزها، فلذلك قال ((تحوز)) . قال الشريف: والروي هو الحرف الذي تُبنى عليه القصيدة وتنسب إليه، فيقال قصيدةٌ رائية وقصيدةٌ دالية، وهذا هو الذي أراد الناظم بقوله ((حرفاً انتسب له)) . قلت: يردُ على تعريف الرويّ بما ذكراه لزوم الَّور ضرورة توقف معرفة الروي حينئذ على ما أَخَذَ في تعريفه وهو نسبة القصيدة إليه، وتوقفِ النسبة حينئذٍ على معرفة حرف الرويّ إذ لا تنسب القصيدةُ إلى حرف حتى يُعلم أنه حرفُ رويها. قال ابن جنى: وأحوطُ ما يقال في حرف الرويّ أن جميع حروف المعجم تكون رويا إلا الألف والياء والواو الزائدة في أواخر الكلم غيرَ مبنيّات فيها بناء الأصول، نحو ألف ((الجرعا)) ، وياء ((الأيامى)) ، وواو ((الخيامو)) ، وإلا هائي التأنيث والإضمار إذا تحرك ما قبلهما، نحو ((طلحَه)) ((وضربه)) ، وكذلك الهاءُ التي تُتَبين بها الحركة نحو ((ارمهْ)) ((واغزه)) و ((فيمه)) ((ولمه)) ، وكذلك التنوين اللاحق آخر الكلم للصّرف كان أو لغيره، نحو زيد ((أوصهٍ)) و ((غاقٍ)) و ((يومئذٍ)) ، وقوله: أقلي اللوم عاذلَ والعتابَنْ وقول الآخر: دانيت أروى والديون تُقضنْ وقول الآخر: يحسبه الجاهل مالم يَعْلَمَنْ وقول الأعشى: ولا تعبد الشيطان والله فاعبدَنْ وقول عمر بن أبي ربيعة: وقمَيْرٍ بدا ابنَ خمسٍ وعشرين له قالت الفتاتان قُومَنْ وقول عبد الله بن الحرّ: متى تأتنا تُلمم بنا في ديارنا تجدْ حطباً جزلاً جزلاً وناراً تأججنْ وكذلك الألفات التي تبلدلُ من هذه النونات نحو قوله: يحسبه الجاهلُ ما لم يعلما وكذلك الهمزة التي يبدلها قوم من الألف في الوقف، نحو: رأيت رجلأ وهذه حُبْلأ، ويريد أن يضربهأ، وكذلك الألف والياء والواو اللواتي يلحقن الضمير نحو: رأيتها، ومررت بهي، وهذا غلامهو، ورأيتهما، ومررت بهمي، وكلمتهمو. فإذا جاءك بيتٌ فانظر إلى آخر حرفٍ منه، فإن كلن واحداً منها فتجاوزه إلى الذي قبله، فإن لم يكن واحداً منها فاجعله رويا، وإن كان واحداً منها فَتَعَدَّهُ إلى ما قبله، فإنه لا بد أن يكون روياً، وذلك أنه لا يمكن أن يلحق بعد حرف الروي أكثر من حرفين الأول هاء الوصل والآخر خروج. ونحن نعرض من ذلك ما يتبين به غرضنا. من ذلك قول رؤية: وقاتمِ الأعماق خاوي المخترقْ فآخر البيت القافُ وليست واحداُ من الحروف المستثناة فهي حرف الروي، والقصيدة لذلك قافية. ويلي قولُ زهير بن أبي سلمى: صحا القلبُ عن سلمى وأقصر باطله ... وعُرىَ أفراس الصّبا ورواحله فآخر البيت الهاءُ إلا أنها من الحروف المستثناة، أَلا تراها هاءَ إضمار، متحرك ما قبلها فلا يكون روياً، فقد اضطررت إلى اعتبار ما قبلها وهو اللام وليست من الحروف المستثناة فهي الروي، والقصيدة لذلك لامية. وبيلي ذلك قول الأعشى: قَطَعتُ إذا خَتَّ ريعانها تنهضُ في آدِها فآخر البيت الألف، ولا تكون روياً لأنها تابعة لهاء الإضمار، فقد اضطررت إلى اعتبار ما قبل الهاء وهو الدال وليست من الحروف المستثناة، فهي إذن الرويّ والقصيدة لأجل ذلك دالية. وهذه الطريقة أصح الطرق على معرفة الروي وأجلاها وأوضحها، ولا شيء يقوم في استخراج علمه مقامها. انتهى كلامه. وسُمي روياً أخذاً له من الرويةً وهي الفكرة، لأن الشاعر يرويه فهو فعيل بمعنى مفعول. وقيل: هو مأخوذ من الرُّواء وهو الحبل يَضم شيئاً إلى شيء، فكأن الرويّ شد أجزاء البيت ووصل بعضها ببعض. وقال أبو علي: هو من قولهم ((للرجل رُواء)) أي منظر حسن، فسُمي روياً لأن به عِصمةَ الأبيات وتماسكها، ولولا مكانه لتفرقت عُصباً، ولم يتصل شعراً واحداً. ثم الرويُّ لا يخلو إما أن يكون متحركاً أو ساكناً، فإن كان متحركاً فحركته تُسمى بالمجرى سواء كانت فتحة كحركة النون من قوله: ألا هُبى بصحنك فاصبحينا أو ضمةً كحركة الميم من قوله: سُقيت الغيثَ أيتها الخيامُ أو كسرة كحركة الباء من قوله: كليني لهمٍ يا أميمة ناصبٍ

стр. 83

فقد عُلم أن سكون الرويّ المقيد لا يسمى عندهم مجرى، وإن كان سيبويه قد قال هذا باب مجاري أواخر الكلم من العربية وهي تجري على ثمانية مجار فلم يقصر المجاري هنا على الحركات فقط كما قصر العروضيون المجرى في القافية على حركة الروى دون سكوته، وإنما فعل العروضيون ذلك لأنهم إنما يسمون ما يُستخرج منه علم ويتفرع عليه حكم، والحركة يتفرع عليها النظر في الإفواء والوصل والتعدي وغير ذلك، بخلاف السكون. وقال أبو الفتح: هو مفعل من الجريان لأنه مبدأ الوصل ومنبعه، ألا ترى أنك إذا قلت: قتيلان لم يعلم لنا الناسُ مصرعا ففتحة العين هي ابتداء جريان الصوت في الألف. وكذلك فقولك: يا دار ميّة بالعلياء فالسند تجد الكسرة هي ابتداء جريان الصوت في الياء. وكذلك قولك: هريرةُ ودعها وإنْ لام لائمُ تجد ضمة الميم منها ابتداء جريان الصوت في الواو. وقوله ((فإنْ قرنا بما يداني فذا الإكفاء والإقواء)) ضمير الاثنين من قوله فإن قرنا عائد إلى الروي وتحريكه، وحرف الجر من قوله ((بما)) متعلق بالفعل، ((وما)) إما موصولة أو موصوفةٌ، والجملة من قوله ((يدانى)) إما صلة فلا محلَّ لها وإما صفة فمحلها الجر. وعلى كل حال ففي كلام الناظم العيب المسمى بالتضمين كما ستعرفه، والفاء رابطة جواب الشرط، والجملة الإسمية بعدها هي الجواب، واسم الإشارة راجع إلى المصدر المفهوم من الفعل، أي فهذا لقران هو الإكفاء والإقواء. والإكفاء راجعٌ إلى اختلاف نفس الروي، والإقواء راجع إلى اختلاف مجراه، على طريق اللف والنشر المركب والمعنى أن حرف الروي متى قُرن بحرف آخر مخالف له، إلا أنه قريب منه في المخرج، فهذا هو الإكفاء. والمجرى وهو تحريك الروي متى قُرن بحركة أخرى مخالفة لما قبلها، إلا أنها قريبة منه، فهذا هو الإقواء. والإكفاء كقوله: بُنيّ إنّ البرَ شيءٌ هيّنٌ ... المنطق اللين والطّعين فجمع بين النون والميم وهما متقاربان في المخرج وكقوله: يا ابن الزُّبير طالما عصيتا ... وطالما عنيتنا إليكا فجمع بين التاء والكاف، وهما كذلك متقاربان في المخرج. والإقواء كقوله: سقط النصيفُ ولم ترد اسقاطه ... فتناولته وأتقتنا باليد بمخضبٍ رخصٍ كأن بنانه ... علمٌ يكادُ من اللطافة يعقدُ وقوله ((وبعده الإجازة والإصراف)) يعني فإن قورن حرف الروي بما هو بعيد منه في المخرج فذلك هو الإجازة وإن قورن المجرى وهو تحريك الروي بما هو بعيد منه وهو الفتحة مع الضمة أو مع الكسرة فذلك هو الإصراف ففيه أيضاً لف ونشر مرتب. فالإجازة كقوله: خليليّ سيرا واتركا الرحلَ إنني ... بمهلكةٍ والعافيات تدورُ فبيناه يشرى رحله قال قائلٌ ... لمن جملٌ رخوُ الملاط نجيب فجمع بين الراء والباء وبينهما تباعد في المخرج. والإصراف أنشد منه قدامى في كتاب النقد له: عرينٌ من عرينةَ ليس منا ... برئت إلى عرينة من عرينِ عرفنا جعفراً وبني عبيدٍ ... وأنكرنا زعانف آخرينَ وأنشد ابن الأعرابي منه: لا تنكحنَّ عجوزاً أو مطلقةً ... ولا يسوقنها في حبلك القدر وإن أتوك وقالوا إنها نَصَفٌ ... فإن أطيب نصفيها الذي غبرَ وقوله ((والكل متّقى)) يعني أن جميع ما ذكره من الإكفاء والإقواء والإجازة والإصراف عيوب تتقى ويجب اجتنابها وعدم الوقوع فيها. وفي نسخة الشريف: ((والكل منتعى)) من النعي. ومعناه قرب من الأول، أي والجميع معيب من قولك ((نعيت على فلان فعله)) إذا عبته. ومراتب هذه العيوب متفاوتة، فاإجازة أشد عيباً من الإكفاء والإسراف أشد عيباً من الإقواء، ولعل في قول الناظم ((يدان)) ((ويعده)) إشارة لذلك. والإكفاء مأخوذ من الإنكفاء وهو الإنقلاب، لأن الشاعر ينقلب بالروي عن طريقه. والإقواء من قوله: أقوى الرَّبْعُ إذا عفى وتغير وخلى من سكانه، فكذلك الروي تغيرت جيرته وخلا من حركته. والإجازة بالزاي من التجوز، وعامة الكوفيين يسمونه الإجارة، بالراء، من الجور والتعدي. والإصراف من صرف الشيء عن طريقه، ويسمى أيضاً إسرافاً من السرف وفي ذلك اختلاف والله أعلم. قال: فوصلاً بها لينٍ وهاءَ النفاذُ والخروج بذي لينٍ لها الوصلُ قد قفا

стр. 84

أقول: تكلم الناظم في هذا البيت على الوصل النفاذ والخروج، فإما الوصل فإنه حرف لينٍ ينشئ عن إشباع حركة الروي أو هاءٍ تلي حرف الروي فالأول كالألف من قوله: يا دار عبلة من محتلها الجرعة والياء في قوله: كانت مباركة من الأيام والواو في قوله: طحا بك قلب في الحسان طروبُ والهاء التي تكون وصلاً هاء الإضمار كقوله: عفت الديار محلها فمقامها وهاء التأنيث كقوله: ثلاثةٌ ليس لها رابعٌ ... الماءُ والبستانُ والخمره وهاء السكت كقوله: بالفاضلين أولى النهى ... في كل أمرك فاقتده وتقع أيضاً الهاء الأصلية المتحركة ما قبلها وصلاً. قال ابن جنى: وهو كثير عنهم، كقوله: أعطيت فيها طائعاً أو كارهاً ... حديقةٌ غلباء في جدارها وفرساً أنثى وعبداً فارها وقد علمت بذلك أن الوصل مختص بالروي المطلق، أي المتحرك، وأنه لا يكون في الروي المقيد أي الساكن ولله در السراج الوراق حيث يقول: قلت صلني فقد تقيدت في الحب به ... والإسار في الحب ذلُ قال يا من يجيد علم القوافي ... لا تغالط ما للمقيد وصلُ واعلم أن حرف المد واللين إن لم يكن أصله الهمزة وكان ساكناً محضاً فلا إشكال في وقوعه وصلاً كما تقدم، وكذا كانت الحركة مقدرة سواء كانت مما ينطق به في حال السعة أو لا. فالأولى كقوله: وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني والثاني كقوله: وما إن أرى عنك الغواية تنجلي وأما إن كان أصله الهمزة فإن كانت الهمزة ساكنة وقع وصلاً لأنها حينئذ أبدلت إبدالاً محضاً، وإن كانت متحركة ((كواجى)) من ((الوجء)) فيجوةز وقوعها أيضاً في حرف اللين الأصلي نحو ((هاج)) من الهجو كقوله: ولولاهم لكنت كحوت بحرٍ ... هوى في مظلم الغمرات داجى وكنت أذل من وتد بقاعٍ ... يشجج رأسه بالفهر واجى ويحمل عل أنها أبدلت إبدالاً محضاً، وكذا قدرها سيبويه في هذ البيت ولم يقدرها مخففةً التخفيف القياسي لأنه لو خففها لكانت في حكم الهمزة، فكما لا يوصل بالهمزة نفسها كذلك لا يوصل بما هو تخفيفها. وقد جزم ابن جنى في قول الشاعر: كيفما شيت فقولوا ... إنما الفتحُ للولو

стр. 85

بأن حرف الروي منه الواو دون اللام، وذلك أنه لو كان رويه اللام لكانت الواو بعدها وصلاً، ولا يخلو حينئذ إما تكون مخففة أو مبدلة، فإن كانت مخففة امتنع جعلها وصلاًَ إذا كالمحققة على ما قررناه آنفاً، وإن كانت مبدلة إبدالاً محضاً وأخرجت عن الهمزة البتة لزم أن تجري مجرى واو دلو وعرفوة إذا صار إلى أدلٍ وعرقٍ لأنه ليس في الأسماء ما آخره واو قبلها ضمةٌ، فكان يجب على هذا أن يقال ((إنما الفتح للولى)) فتعين بما ذكرناه أن يكون رويه الواو دون اللام، وقلّ من يتفطن له. إذا تقرر ذلك فقول الناظم ((وصلاً)) معطوف على المنصوب من قوله ((تحوزرويا)) ، وأتى بالفاء ليفيد ان الوصل عقب الرويّ لا فاصل بينهما. وضمير المؤنث من قوله ((بها)) عائد إلى القافية، وقوله ((لينا وهاء)) بدلٌ من قوله ((وصلا)) ، وحذفَ التنوين من قوله ((وهاء)) لالتقاء الساكنين على حد قوله: ولا ذاكر الله إلا قليلا وقوله ((النفاذ والخروج بذي لين لها الوصل قد قفا)) قال الشريف: لمّا فَرغ من ذكر حرف الروي وحركته، وذكر أن تلك الححركة توصل بحرف لين أو بهاء السّكت استأنف كلاماً آخر عرّف فيه أن النفاذ والخروج تابعان لهاء الوصل، فالنفاذ مبتدأ والخروج عطف عليه، وقوله ((لها الوصل قد قفا)) جملةٌ في موضع الخبر، ((وبذي لين)) متعلقٌ بالخروج. وقال ((قفا)) ولم يقل ((قَفَوَا)) ، وهو ضمثر النفاذ والخروج، لأنهما لمّا كانا متلازمين صيّرهما كالشيء الواحد فعاملهما معاملةَ الفرد. قلت: هو أحد الوجوه في قوله تعالى: ((والله ورسوله أحقّ أن يُرضوه)) ، إذ إرضاءُ الله تعالى لرسوله ﵊، وبالعكس، وهما متلازمان فساغ إفراد الضمير. وقيل: ((أحقُّ)) خبرٌ عن اسم الله تعالى وحذف مثله خبراً عن رسوله أو بالعكس، فكذلك يُقال في البيت إن قوله ((لها الوصل قد قفا)) إما خبرٌ عن قوله ((الخروج)) أو عن ((النفاذ)) ، وحذف خبرَ لدلالة المذكور عليه. ولا يخفى أن الهاء ممدود لكنّ الناظم قَصَرَهُ في قوله ((لها الوصل)) ضرورةً، وهو لأجلها جائزٌ. إذا تقرر ذلك فالنفاذ حركةُ هاء الوصل، نحو فتحة الهاء من قوله: عفت الديارُ محلها فمقامها وكسرة الهاء من قوله: تَجَرُّدَ المجنون من كسائهِ وضمه الهاء من قوله: وبلدٍ عاميةٍ أعماؤهُ سُميت حركة الهاء نفاذاً لأنها منفذٌ إلى الخروج. وبعضهم يقول: النفاذ، بالدال الغُفلِ، وهو التمام، كأن هذه الحركات هي تمام الحركات وبها يقع نفاذها. والخروج هو الحرف الذي يتبع حركة هاء الوصل إن فتحةً فألفٌ، وإن كسرةً فياءٌ، وإن ضمةً فواوٌ. ولم يصح الناظم بتفسير النفاذ، لكن أومأ إليه إيماءً لانه لمّا ذكر أن النفاذ والخروج تابعان لهاء الوصل وقدّم النفاذ في الذكر، وترتيب الذكر معتمدٌ عنده حسبما تقدم في غير موضع، عُلِمَ أن الذي يتقدم حرف اللين بعد الهاء ليس إلا الحركة، وهذا ظاهر، كذا قال الشريف. وسمي هذا الحرف خروجاً لانه به يكون الخروج عن البيت. قال: وردفاً حروف اللين قبلَ الَّوي لا سوى ألفٍ معها التَّحرك حذوذا أقول قوله: ((ردفاً)) معطوفٌ على ((رويا)) ، فإن قلت: إذا تعددت المعطوفات كقولك ((قام زيد وعمرو وبكر)) فهل يُعطف الأخير على المعطوف عليه أولاً وهو زيد، أو على المعطوف المجاور له، وهو عمرو في مثالنا، قولان، فما بالك عيّنت قوله ((رويا)) لكونه عَطَفَ عليه ((ردفا)) ولم تجعله معطوفاً على ما قبله وهو ((وصلاً)) فهل فعلت ذلك بناءً على أحد القولين، أو فعلته لمعنى آخر؟ قلت: فعلته لمعنى آخر، وذلك أنا لو جوّزنا عطفَ قوله ((ردفا)) على قوله ((وصلا)) فسد المعنى، وذلك لأن ((وصلاً)) مدخول~ٌ لفاء العطف المقتضية للتعقيب الموجب لكون الوصل واقعاً بعد الروي، فإذا جُعل الردف معطوفاً على مدخول الفاء لزم ان يكون واقعاً بعد الروي، وهوباطل، فتعين الأول ولا يكون هذا من محلّ الخلاف في شيءِ. وقوله ((حروف اللين)) بدلٌ من قوله ((ردفا)) ، والرّدف عندهم حرفُ مدّ ولين، أو حرف لين قبل الروي وليس بينهما حائل، مأخوذ من ردف الراكب لأنه خلف الرويّز فقد يكون ألفاً كقوله: ألا عِمْ صباحا أيها الطلل البالي وقد يكون ياء كقوله: وما كلُّ مُؤتٍ نصحهُ بلبيِ وقد يكون واواً كقوله: طحا بك قلبٌ في الحسان طروبُ ويجوز أن تتعاقب الواو والياء في القصيدة الواحدة، كقوله:

стр. 86

طحا بك قلبٌ في الحسان طروبُ ... بُعيد الشبابِ عصر حان مشيبُ تكلفني ليلى وقد شطّ وَليها ... وعادت عوادٍ بيننا وخطوبُ ولا تُعاقبهما الألف لبعدها منهما بكثرة مطلها، وهو المراد بقول الناظم ((لا سوى ألف معها)) ولذلك أنكر المبردُ روايةً من روى قوله: حنينَ ثكلى فقدتْ حميما ... فهي تنادي بأبى وابناما وأما الردف بحرف اللين فكقوله في الواو: يا أيها الراكبُ المرخى مطيتهُ ... سائل بني أسدٍ ما هذه الصّوتُ وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا ... قولاً يبرئكم إنى أنا الموتُ وقوله في الياء: لعمرك ما أَخزى إذا ما نسبتنى ... إذا لم تقل بُطلاً على ومينا ولكنما يخزى امرءٌ تكلمُ استهُ ... قنا قومه إذا الرماحُ هوينا ويجوز تعاقبهما أيضاً كقوله: كنتُ إذا ما جئتهُ من غيبِ ... يشمّ رأسي ويشمّ ثوبي وقوله ((قبل الروي)) يعني أعم من أن يكون متصلاً بالروي في كلمته او منفصلاً عنه في كلمة أخرى، كقوله: أتته الخلافةُ منقادةً ... إليه تجرّرُ أذيالها فلم تكُ تصلح إلا له ... ولم يكُ يصلحُ إلاّ لها وعليه جاء قول ابن المعتز: غبروا عارضه بالمسك في خذِّ أسيلتحت صدغين يشيران إلى وجهٍ جميلِعندي الشوق إليه والتنائي عنده لي لكن قال أبو العلاء المعري: ((إلا أنهم لم يفرقوا بين الروي المطلق والمقيد في هذا)) ، يعني في اجتماع الواو والياء ردفاً في القصيدة الواحدة. قال: ((وأنا أرى أنه في المقيد أشد، إذ ليس للروي بعده ما يعتمد عليه، كقوله: إن تشرب اليوم بحوضٍ مكسور ... فرُبَّ حوضٍ لك ملآن السُّور مُدوَّرٍ تدوير عُشِّ العصفور ... خير حياضِ الإبلِ الدَّعاثير قال: فهذا عندي أقبح من المطلق)) . قلت: قصضية هذا ان يكون اجتماع الواو والياء في أرداف القوافي المطلقة قبيحاً وليس كذلك. وبعض الجماعة يفرق في حروف العلة بين ما كان قبله حركةٌ مجانسة له فيسميه حرفَ مدّ ولين، وبين ما كان قبله حركةٌ غير مجانسة له كالفتحة مع الواو والياء فيسميه حرف لين. وبعضهم يطلق حرف اللين على الجميع، كما فعل الناظم. وقوله ((التحرك حذوذا)) يعني أن حركة الحرف الذي قبل الردف تسمى حذواً، لان الشاعر يحذوها في القوافي لتتفق الأرداف. وحكمها في الاطراد والاختلاف حكم الردف، فإن كان الردف ألفاً فلا تكون هي إلا فتحةً ضرورة أن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً، وإن كان واواً أوياء فحيث جاز تعاقبهما جاز اختلاف الحذو. قال بعضهم: وهذه التسمية تدلّ على أن الردف بالواو والياء المفتوح ما قبلهما غيرُ أصيل، لعدم صدق هذه التسمية عليه، وكانهم إنما وضعوا الاسم على ما هو أصيل في الباب. ووجه تنزيل ما قلناه في تفسير الحذو على كلام الناظم أن تقول: الإشارة بقوله ((ذا)) إلى الردف، فأخبر بان الحركة حذو الردف، ولا يمكن أن تكون حذوه من الحرف الذي بعده، لأن ذاك هو الروي وحركته المجرى، وقد تقدم الكلام عليها، فلم يبق إلا أن تكون حذوه باعتبار المتحرك الذي قبله، وذلك لأنه قد سبق أن القافية عبارة عن المتحرك الذي قبل الساكنين اللذين في آخر البيت إلى انتهائه، ففي مثل قوله: جرداء معروقةُ اللَّحيين سُرحُوبُ القافية من الحاء إلى منتهى البيت، والواو هي الردف، والباء بعدها حرفُ الروي، وحركته المجرى، والواو التي بعدها هي الوصل، فلم يبق إلا المتحرك الذي هو الحاء السابقة على الردف فتكون حركتها هي الحذو. وكذا إذا كان الروي موصولاً بالهاء نحو ((مقامها)) ، فالالف الأولى ردفٌ، والميم روي، والهاء وصل، وحركتها نفاذٌ، والألف بعدها خروجٌ. وكلّ ذلك قد عُلمَ من كلامه فيما تقدم، فلم يبق إلا المتحرك الذي قبل الردف، وهو القاف هنا، فحركتها هي الحذو، والله تعالى أعلم. قال: وتأسيساً الهاوى وثالثه الرويُّ من كلمةٍ أو أخر إضمار ما لا

стр. 87

أقول: قوله ((تاسيسا)) معطوف على ((رويا)) ، أي تحوز القافية روياً وما ذكره بعده، وتحوز أيضاً تأسيساً. والمراد به ألفٌ تكون قبل الروي بينهما حرفٌ واحدٌ. مأخوذ من تأسيس البناء، لأن الشاعر يبني القصيدة عليه. وأراد الناظم بالهاوي الألف، لأن الهاوي من صفاته، وهو منصوب على أنه بدل من قوله تأسيساً إلا أنه سكّنه للضرورة، وهو الضرائر المستحسنة كقوله: رُدَّت عليه أقاصيهِ ولَبَّدَهُ وقوله ((وثالثه الروي)) يريد به ما قدمناه من انه قبل حرف الروي بحرفٍ فيكون الرويّ ثالثاً له، كقوله: أهاجك من أسماءَ رسمُ المنازل وقوله ((من كلمة أو أخر إضمار ما تلا)) يريد أنه لا بد أن يكون حرف الرويّ الذي هو ثالث التأسيس من كلمةٍ هي كلمة التأسيس، أي أن يكونا جميعاً في كلمة واحدة كما تقدم، أو يكون الروي من كلمة أخرى غير كلمة التأسيس إلا أنها ذات إضمار، بحيث يكون الرويّ بعض تلك الكلمة التي هي من الضمائر، كما في قوله: فإن شئتما ألقحتما ونتجتما ... وإن شئتما مثلُ بمثلٍ كما هُما وإن كان عقلٌ فاعقلا لأخيكما ... بنات المخاض والفصال المقا حما فجعل ألف ((كما)) تأسيساً لما كان الروي بعض اسم مضمر وهو الميم من ((هما)) . أو يكن الرويُّ هو الكلمة المضمرة كما في قوله: أَلا ليت شعري هل يرى الناسُ ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا بدا لي أنيِّ لستُ مدرك ما مضى ... ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا فجعل ألف ((بدا)) وإن كانت منفصلة تأسيساً لمَّا كان الرويُّ جملة اسم مضمر، وهو الياء من ((لي)) . وقول الناظم ((أواخر)) أراد به ((أخرى)) فحذف الألف لإقامة الوزن وهو قبيح جداً. وقوله ((إضمار ما تلا)) بدلٌ من ((أخرى)) ، أي ذات إضمار ما تلا. وفي تنزيل كلام الناظم على ما قاله القوم في هذا المحلّ قلقٌ، وذلك لأنهم قالوا إن الألفَ قد تكون في كلمةٍ وحرف الرويّ في أخرى، وقد يكونان معاً في كلمة واحدة، فإن كان الأول فإما أن يكون في الكلمة التي فيها حرف الروي ضمير أولاً، فإن لم يكن فيها ضمير فالألف ليست تأسيساً بوجهٍ فلا يلزم إعادتها، بل يجوز في موضعها غيرها من الحروف، كقول عنتلاة: ولقد خشيت بأن أموت ولم تذرُ ... للحرب دائرةٌ على ابنى ضمضم الشاتمَى عِرضى ولم أشتمهما ... والنّاذرينِ إذا لمَ ألقهما دمِى وقول الآخر: حننتَ إلى رَيّا ونفسكُ باعدت ... مزاركَ من ريّا وشعبا كما معَا فما حَسَنٌ أن تأتى الأمر طائعاً ... وتجزعَ أن داعى الصبابةِ أَسمعا واختار أبو العباس جواز التزامها تأسيساً، واستدل بما أنشده ابنُ جنى في ((الخصائص)) من رواية أبي زيد: وأطلس يهديهِ إلى الزاد أنفُهُ ... أطاف بنا والليلُ داجى العساكرِ فقلت لعمرٍ وصاحبي إِذ رأيتهُ ... ونحنُ على خُوصٍ دقاقٍ عوى سِرِ أي عوى الذئب سِرْ، فأسس بألف ((عوى)) مقابلاً بها ألفَ ((العساكر)) التي لا تقع إلا تأسيساً. وأما إذا كانت كلمة الرويّ ضميراً والرويّ هو الضمير، أو بعضه كما سبق، فلك أن تجعل الألف تأسيساً إلحاقاً لها بالكلمة الواحدة، فيلزم حينئذ في القصيدة كلها، وهو الكثير في أشعارهم، ولك أن لا تجعلها تأسيساً إلحاقاً لها بالكلمتين الظاهرتين. فمن الأول قوله: أَلا ليت شعري هل يرى الناسُ ما أرى من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا بدا لي أنيِّ لستُ مدرك ما مضى ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا ومن الثاني قوله: أيةُ جاراتكَ تلك الموصيهقائلةً لا تسقين بحبليهْلو كنت حبلاً لسقيتها بيهْأو قصراً وصلته بثوبيهْ

стр. 88

فقد استبان أنَّ كون الكلمة ذات إضمار أمر يقتضى جواز جعل الألف الواقعة في آخر الكلمة الأولى تأسيساً لا لزومَ كونها تأسيساً، وكون الرويّ وألفِ التأسيس من كلمة واحدة أمرٌ يقتضى لزوم جعل الألف تأسيساً. وكلام الناظم لا ينطبق على ذلك فتأمله. وإنما امتنع أن تكون الألف تأسيساً إذا لم يكن في الكلمة الثانية إضمار، وجاز الأمران مع رجحان كونها تأسيساً إذا كان فيها إضمارٌ لأن بُعدَ الألف عن آخر القافية قاضٍ بعدم التزامها لولا ما فيها من فضل المد المقصود عندهم إظهار الاعتناءِ به، فإذا انضم إلى البعدِ الانفصال قَوِىَ المانعُ وضعف الموجب فلم تجعل تأسيساً حينئذ. أمّا إذا كان فيها إضمارٌ فشدةُ احتياج المُضمر لما قبله يعارضُ الانفصال ولو كان المضمرُ منفصلاُ لاحتياجه إلى ما يفسره، ولهذا جعلوه رابطاً في الصلة والصفة والحال والخبر لطلبه لما قبله، فبقي القصد إلى إظهار ما فيها من فضل الصوت سالماً عن المعارض، وكان عدمُ جعلها تأسيساً نظراً إلى جهة الانفصال قليلاً لضعفها. فإن قيل: الإضمار إذا كان قبله حرف جر كقوله ((ولا ليا)) ليس متصلا بالكلمة التي فيها الألف وإنما هو متصل بحرف الجر، فهو مع حرف الجر حينئذ ككلمةٍ لا إضمارَ فيها فلم لا يلحق بها تكون الألف تاسيساً؟ والجواب أنه لمّا كان حرف الجر الموصل للفعل يتنزل منه منزلة همزة التَّعدية والتضعيف حيثُ كان معطياً لما يعطيانه صار كالمتصل بما قبله، ولهذا لم يجيزوا في ((زيداً مررتُ به)) أن يدخل عليه حرفُ جر ويكون من باب الاشتغال، لِما مرّ من أن حرف الجر في التعدية كالهمزة، فهو حينئذ كالجزء من الفعل فيؤدي إضمار الفعل وبقاؤه إلى إضمار بعض الكلمة، وهذا ظاهر في باءِ الفعل المُجريةِ وحملِ باقي حروف الجر عليها ليجرى الكلُّ على سنن واحد. وحكى الزجاجي أن الخليل زعم أن ألف التأسيس إذا كانت في كلمة والروي في كلمة مضمرة سناد، وأنكر أبو العباس هذه الرواية لكثرة ما ورد عنهم في ذلك. قال: وفتحةُ قبل الرَّسّ بعد الدخيل حرَّكوهُ بإشباعٍ فمن ساند اعتدى

стр. 89

أقول: يعني أن الفتحة التي قبل ألف التأسيس تُسمى الرّس، نحو فتحة واو ((الرَّواحل)) ونون ((المنازل) ونون ((المنازل)) . وحكى ابن جنى أن الجرمى أنكر تسمية هذه الحركة، ووجه الإنكار أن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً فلا فائدةَ في ذكره. قال ابن جنى: سُمي بذلك من قولهم ((رستُ الشيء)) ابتدائه على خفاء، ومنه رَسُّ الحُمى، ورسيسها، وهو فترها وأول ما يوجد منها، ومنه الرّسّ للبئر القديمة، سُميت بذلك لتقدّمها ولأنها أخفى آثار العمارة. فإذا كان معنى ((رس)) إنما هو لِما خفى وقُدّمَ سُميت الفتحةُ قبل ألف التأسيس رسَّاً لأنه اجتمع فيها الخفاء والتقدم. أمَّا التقدم فلتراخيها عن حرف الروي وبُعدها عنه، وأما الخفاء فلأنها بعضُ حرف خفيّ وهو الألف، وإذا كان الكلّ خفياً فالبعض أولى بالخفاء من الكل. ويدلّ على خفاء الألف أنها لا اعتمادها على موضع من مخارج الحروف، وإنما هي كالنّفس، ولذلك بُينتْ بالهاء في الوقف في نحو ((يا زيداه)) و ((يا رباه)) كما تُبين الحركات نحو ((لمه)) و ((عمه)) و ((فيمه)) ، وقوله ((بعد الدخيل)) يعني أن الحرف الذي بعد ألف التأسيس يُسمى الدخيل نحو حاء ((الرواحل)) وزاي ((المنازل)) ويدلّ على أن الدخيل هو الحرفُ قوله ((حركوه)) لأن المحَّرك حرفٌ قطعاً، وسُمي دخيلاً لأنه دخيلٌ في القافية، ألا تراه يجيء مختلفاً بعد الحرف الذي لا يجوز اختلافه وهو ألف التأسيس، فلمّا جاء مختلفاً متفق وفارق بذلك أحكام ما في القافية صار كأنه مُلحقٌ بها ومدخل فيها. ووقع في كلام الناظم جعل الغايةِ خبراً، وذلك لان قوله ((الدخيل)) مبتدأ وقوله ((بعد)) غايةٌ، وقد نصّ سيبويه وجماعةٌ من المحققين على أن الغاياتِ لا تقع أخباراً ولا صلاتٍ ولاصفاتٍ ولا أحوالاً. فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى في سورة الروم (كيف كان علقبة الذين من قبلُ) ؟ قلتُ: هذا السؤالُ استشكل به ابن هشام في المغنى قولَ المحققين ولم يجب عنه. ويمكن الجواب بأنا لا نسلّم أن قوله تعالى ((من قبل)) صلةُ ((الذين)) بل الصلةُ هي قوله تعالى (كان أكثرهم مشركين) و ((من قبل)) ظرفٌ لغوٌ متعلقٌ بخبر ((كان)) وقُدّم عليه ولا مانع، فلا إشكال حينئذ على سيبويه ولا على غيره من المحققين. وأضاف الناظم ((فتحة)) إلى قوله ((قبل)) مع انه غاية، وإنما مرادهُ: وفتحةُ الحرف الذي قبل التأسيس، ففيه ما تقدمَ من الإشكال وزيادةً حذف الموصولِ وبقاءِ صلته، فتأمل. وقوله ((وحركوه بإشباع)) يعني أنهم حركوا الدخيل بحركة هي المسماة عندهم بالإشباع ككسرة الحاء والزاي من ((الرواحل)) و ((المنازل)) . وسمي بذلك من قبل أنه ليس قبلَ الرويّ حرفٌ مُسمى إلا ساكناً، أعني التأسيس والردفَ، فلما جاء الدخيل محرَّكاً مخالفاً للتأسيس والردف صارت الحركةُ كالإشباع له، وذلك لزيادة المتحرك على الساكن لا عتماده بالحركة وتمكينه بها. وقوله ((فمن ساند اعتدى)) يريد أن السنادّ عيب إذا ارتكبه الشاعر اعتدى لكونه تجاوز حدّ ما يستحسن إلى ما يُعاب ويقبح. وبعضُ علماء هذا الفن يقول: هو كلّ عيب يلحق القافية، أي عيب كان. وقيل: هو كلّ عيب سوى الإقواء والإكفاء والإيطاء، وبه قال الزجَّاجي، وقيل: هو اختلاف ما قبل الروي وما بعده من حركةٍ أو حرف، وبه قال الرمّاني. وقيل: هو اختلاف الإرداف فقط، وبه قال أبو عبيد. وقيل: هو كل عيب يحدث قبل الروي خاصةً، وبه قال ابن جنى، وهو الصحيح وإياه اعتمد الناظم كما تراه. قال: بذا وبتأسيسٍ وحذوٍ وردفها ... وتوجيهها مثلُ ارتدعء دَع وَرُعْ فضشَا أقول: أشار بقوله ((ذا)) إلى الإشباع، يعني أن السِّناد يكون في الإشباع وفي التأسيس وفي الحذو وفي الردف، فسناد الإشباع اختلافه كقوله: وكنّا كغصنىْ بانةٍ ليس واحدٌ ... يزول على الحالات عن رأي واحدِ يبدَّلَ بي خلاًّ فخاللتُ غيرهُ ... وخليتُه لمّا أراد تباعدِى وسناد التأسيس تركه في بيت دون آخر كقوله: لو أن صدور الامر يبدون للفتى ... كأعقابه لم تَلقَهُ يتندمُ إذا الأرضُ لم تجهل علىَّ فروجُها ... وإذ ليَ عن دار الهوان مُراغمُ وأما قول العجاج: يا دار سلمى يا لسلمى ثم اسلَمى ... فخندفٌ هامةٌ هذا العالم

стр. 90

فإن كان مِن من لغته همز مثل هذه الألف وهمزها كما يُحكى عن ابن رُؤبة في الاعتذار عنه جاز، وإلاّ كان سنادا. وسنادُ الحذو تعاقب الفتحة مع الضمة أو مع الكسرةِ قبل الردف كقوله: كأن متونهنَّ متونُ غذرٍ ... تصفّقها الرياحُ إذا جَرَينَا وسناد الردف تركه في بيت دون آخر، كقوله: إذا كنت في حاجةٍ مُرسلاً ... فأرسلْ حكيماً ولا تُصهِ وإن بابُ أمرٍ عليكَ التوى ... فشاور حكيماً ولا تعصهِ وأما التوجيه فهو حركة ما قبل الروي المقيد وأشار إليه الناظم بالمثل التي ذكرها، فإن اختلف التوجيه كما في مُثل الناظم فهو سنادٌ عند الخليل، بل رآه أفحش من سناد الإشباع. والأخفش يرى أن اختلاف الإشباع أفحشُ مستنداً إلى كثرة تعاقب الحركات قبل الروي المقيد في أشعار العرب كقول امرئ القيس: فلا وأبيك ابنةَ العامريِّ ... لا يدَّعى القومُ أنيّ أَفِرّْ إذا ركبوا الخيل واستلاموا ... تَحرَّقت الأرضُ واليومُ قَرّْ وإلى حجة الأخفش أشار الناظم بقوله ((وتوجيهها مثل ارتدع دع ورع فشا)) ، وعليه فتوجيهها مبتدأُ خبرهُ ((مثل ارتدع دع ورع)) ، وقوله ((فشا)) خبرٌ آخر. وأما الأسماء الواقعة قبل قوله ((وتوجيهها)) فكُّلها مخفوض بالعطف على المجرور المتقدم وهو ((ذا)) من قوله ((بذا)) . وينبغي أن يكون الجار متعلقاً بمحذوف يدل عليه ما تقدم، أي ساندْ في هذا وفي تأسيس وحذوٍ وردفها. فإن قلتَ: لم لا يتعلق ((بساند)) الملفوظ به في البيت السابق؟ قلتُ: أما أولاً فلما يلزمُ عليه من الإخبار عن الموصول قبل تمام صلته، وأمّا ثانياً فلما يلزم عليه من عيب التضمين ولا يُرتكب ما وُجد عنه مندوحة. وأحسن ما قيل في وجه تسمية السِّناد أنّهم يقولون ((خرج بنو فلان متساندين)) ، أي خرجوا على رايات شّتى، فمنهم مختلفون غيرُ متفقين، فكذلك قوافي الشعر المشتمل على السّناد اختلف ولم تأتلف بحسب جاري العادة في انتظام القوافي واستمرارها. قال: ومستكملُ الأجزا العديم سنادهُ ... هو البأوُ ثمّ النَّصبُ يُومنُ يُختشى أقول: صرّح الأخفش في كتاب القوافي له بأنّ البأو والنصب هو ما كان من القصائد سالماً من الفساد وهو تام البناء، فإذا جاء الشعر المجزوء لم يسموه بأواً ولا نصباً. ولا يريد الاقتصار على المجزوء، بل المشطور والمنهوك أيضاً متى وُجدا فلا بأو ولا نصبَ، وذلك هو مرادُ الناظم بقوله ((ومستكمل الأجزا)) إلى آخره، أي أن الشعر الذي استكمل أجزاء دائرته فلم يكن مجزوءاً ولا مشطوراً ولا منهزكاً وعدم السناد فهو البأو ثم النصب. وظاهر كلام الأخفش أن البأو والنصب مترادفان. وقال ابنُ جنى: لمّا كان البأو أصله الفخر، والنَّصبُ من الانتصاب وهو المثول والتطاولُ، لم يُوقع النصب ولا البأو على ما كان من الشعر مجزوءاً لأن جزأه علةٌ وعيبٌ لحقه، وذلك ضدُّ الفخر والتطاول. لكن قال بعضهم: البأو ما عدم السناد المستحسن كوقوع الضم مع الكسر، والمستقبح كوقوع الفتح مع ضم أو كسر، وظاهره أن النصب تجنبُ المستقبح من السناد دون المستحسن، والبأو تجنبهما. قال الشريف: فلذلك جاء الناظم ((بثُم)) إشارة إلى أنه دونه في الرتبة وقوله ((يومن يُختشى)) فيه لفٌّ ونشر مرتب، ((فيومن)) راجع إلى ما يقتضيه البأو، يعني أن البأو مأمون معه السناد من حيث فقدان العيب مطلقاً، ((ويختشى)) راجع إلى ما يقتضيه النصب، أي أن النصب يُختشى معه السناد من حيث أنه ربما يكون معه ما هو معيب عند بعض العلماء. وقد بان لك أن الضمير الذي تحمّله كلُّ واحد من قوله ((يومن)) ((ويختشى)) عائدٌ على السناد. قال: ومطلقُها باللين والهاء ستُّها ... وتبلغ تسعاً بالمقيد عكس ذا فجرّدها أردفهما أسِّسنهما ... والأولُ قد يولىَ الخروجَ فيُحتذى أقول: يعني أن صور القوافي لا تعد وتسع صور، منها ستٌّ مطلقة وثلاثٌ مقيدة، فالمطلق ما كان موصولاً، والوصلُ كما مرّ يكون تارةً بحرف لين وتارةً بهاء، وكلّ منهما إما مردف أو مؤسس أو مجرد من الردفُ والتأسيس، فهذه ستّ صور حاصلة من ضرب اثنين في ثلاثة. فالمردف الموصول بحرف اللين كقوله: ومن أين للوجه المليح ذنوبُ والمردف الموصول بالهاء كقوله: عَفت الديارُ محلها فمقامها

стр. 91

والمؤسس الموصول بحرف اللين كقوله: كِلينى لِهمٍ يا أميمة ناصبِ والمؤسس الموصول بالهاء كقوله: في ليلة لا ترى بها أحداً ... يحكي علينا إلاّ كواكبها والمجرد الموصول بحرف اللين بقوله: ولم أعطكم في الطوع مالي ولا عرضي والمجرد الموصول بالهاء كقوله: ألا فتىً نال العُلا بهمِّه والعقيد ثلاث صور، لأنه إما مجردٌ أو مردف أو مؤسس. فالمجرد كقوله: قد جَبَرَ الدين الإله فجبر والمردف كقوله: كلّ عيشٍ صائرٌ للزوال والمؤسس كقوله: وغررتني وزعمت أنك لابنٌ في الصيف تامرْ وقول الناظم ((فجردهما)) إلى آخر البيت يفهم منه وجه الحصر في الصور التسع، وذلك لأن ضمير الاثنين راجع إلى المطلق والمقيد. وذكر لهما ثلاث حالات وهي الإرداف والتأسيس والتجريد. والمطلقُ تارةً يكون باللين وتارة بالهاء، فإذا اعتبرت ذلك جاءت الصورُ التسع كما تقدم. وقوله ((والأول قد يولى الخروج)) يعني أن الأول، وهو المطلق، قد يُولى الخروج، أي يجعلُ الخروج والياً له، وقد سبق أن الخروج هو حرف اللين الذي يقفو حركةَ هاء الوصل كالألف في ((مقامها)) ((والواو)) في ((أعماؤه)) والياءُ في ((كسائهِ)) . قال الشريف: وأراد بقوله ((فيحتذى)) أي يُحتذى به حركة الوصل إذ هو تابعٌ لها، فإن كانت الحركةُ فتحة كان ألفاً، وإن كانت ضمة كان واواً، وإن كانت كسرة كان يااء. وقد تقدم ذلك. قال: ورُودف بالسَّكنين حدّاً وبين ذا ... بما دونَ حُرّكت فصلوا ابتدا فواتر ودارك راكبْ اجف تكاوساً ... وتضمينها إخراج معنىً لذا وذا أقول: القوافي تنحصر باعتبارٍ آخر غير ما تقدم في خمس صور، كلّ صورة منها تزيد على التي بعدها حركةً. فالأولى قافية المتكاوس، وهي ما اجتمع فيه أربعة أحرف متحركة، كقوله: وثقلٍ مَنَعَ خيرَ طلبٍ ... وعجلٍ منع خير تُؤدهْ وهي لا تلزم لأنها تنشأ عن حبل مستفعلن. واشتقاقها من تكاوس الإبل، وهو ازدحامها على الماء، فسُميت بذلك لازدحام الحركات فيها. وقيل من تكاوس النّبت مال بعضه على بعض. الصورة الثانية قافية المتراكب، وهي ما اجتمع فيه ثلاثةُ متحركات بين ساكنين كقوله: بان الخليطُ ولم يأووا لمن تركوا الصور الثالثة قافية المتدارك وهيذ متحركان بين ساكنين، كقوله: بسقطِ اللّوى بين الدخول فحومل وربما اجتمعت هذه الصورُ الثلاث في قطعة كقول الراجز قاتل الحسين قاتله الله: أَوقر ركابي فضةً وذهبا ... إني قتلت الملكَ المحجبا خير عباد الله أُمّاً وأبا الصورة الرابعة قافية المتواتر، وهي متحرك بين ساكنين كقوله: حنا نيك بعضُ الشرّ أهونُ من بعض الصورة الخامسة قافية المترادف وهي ساكنان ملتقان، كقوله: أبلغ النّعمان عنّي مألُكاً ... انه قد طال حبسي وانتظار

стр. 92

إذا تقرر ذلك فنقول: قولُ الناظم ((ورودف بالسكنين)) حديثٌ عن قافية المترادف، والمراد بالسكنين الساكنان، وأصله ذو السكنين أي ذو السكونين. وقوله ((حدّا)) أي إنما يُجعلان قافيةً إذا التقيا على حدّهما، وهو أن يكون الأول منهما حرفَ لين كما في تمودَّ الثوبُ، ففيه إشعار بأنهما متى التقيا على غير هذا الحد لا يكونان من القوافي في شيءٍ. وحمله الشريف على أن معناه أن ذلك حدٌّ من حدود الشعر، وهذا خالٍ عن الفائدة التي آثرناها قبلُ. وقوله ((وبين ذا)) أي فصلوا بين الساكنين بما دون خمسة أحرفٍ متحركة، وهي الأربعة. فإن قلت: مقتضى هذا أن تكون الإشارة ((بذا)) إلى الساكنين فكيف و ((ذا)) للمفرد المذكر والساكنان مثنى؟ قلتُ: جعل إشارة له على تأويل ما ذكر أو ما تقدم كما يقال في قوله تعالى (عوانٌ بين ذلك) . وقوله ((ابتدا)) قال الشريف: ((هو راجع إلى رودف)) ، تقدير الكلام ((ورودف ابتداء بالسكنين في حد الشعر)) . وقوله ((وبين ذا بما دون خمس حركت فصلوا)) جملةُ اعترض دون ذلك، أي أن المترادف هو الاول الذي يُبتدأ به لقلة حروفه، ثم يُعَدُّ المتواترُ ثم المتداركُ، هكذا على الترتيب. فقوله ((فواتر)) إشارةٌ إلى المتواتر. ويُستفاد كونهُ حرفاُ واحداُ بين ساكنين من الترتيب، لأنه أَتى به والياً للمترادف وهو الأول الذي وقع الابتداء به حسبما شرحته، ويستفاد كونُ المتدارك حرفين بين ساكنين من قوله ((دارِك)) بعد ذكر المتواتر، وهكذا على التوالي أن ينتهي إلى المتكاوس. ويتصور في قوله ((ابتداء)) وجه آخرُ وهو أن يكون الكلام قد انتهى عند قوله ((فصلوا)) ويكون قوله ((ابتداء)) يتعلق بقوله ((فواتر)) من البيت الذي بعده، كأنه قال: فواتر ابتداء، أي ابتداء بالمتواتر، ويكون البيت مضمنا، فعلى الوجه الأول يُعلمُ ما أراد في بيان الحدود التي بعد المترادف من ترتيب الوضع، لأن الواحد قبل الاثنين، وعلى الوجه الثني يُعلم من ترتيب الذكر لأنه قد نصّ على أن المترادف يُبتدأ به. انتهى كلام الشريف. قلت: في تحويزه أن يكون ((ابتداء)) من متعلقات البيت التي بعده، وأنّ أصل التركيب ((فواتر ابتداءً)) ثم قَدَّمَ نظرٌ لما يلزم عليه من تقديم ما في حيّز الفاء عليها وهوممتنع. ثم قال الشريف وأحسن: وقوله ((اجف تكاوساً هكذا وقع بهذا اللفظ في هذه النسخة الواصلة إليّ، وله عندي تفسيران: أحدهما أن يكون ((اجف)) بضم الفاء ويكون من الجفاء، عبّر به عن الثقل إذ كان هذا الحدّ من القوافي فيه ثقلٌ لِكثرة توالي الحركات. والتفسير الثاني أن يكون ((اجف)) مكسور الفاء، وتكون الهمزة همزة قطعٍ منقولة الحركة إلى الساكن قبلها، ويكون مأخوذاً من قولك ((أجفيت الماشية)) فهي مُجفاة، إذا أتعبتها ولم تدعها تأكل، وذلك أن المتكاوس لمّا توالت فيه الحركات الأربع ولم يفصل بينها بساكنٍ يستريح اللسان فيه كان شبيهاً بإتعاب الماشية التي تتعب بتوالي المشي من غير أن تُترك لتستريح، وهذا الثاني عندي أحسن من الأول. هذا كلامه رحمه الله تعالى. وقوله ((وتضمينها إخراج معنى لذاوذاً)) الذي يظهر لي أن يُضبط ((تضمينها)) بحركة النصب ويُجعل معطوفاً على قوله ((تكاوساً)) على أن يكون ((اجف)) بضم الفاء من الجفاء، أي ((اجف المتكاوس والتضمين)) لأن كليهما قبيح، ويُضبط ((إخراج معنى)) بالنصب عن أن يكون بدلاً من ((تضمينها)) . وربما ذكرناه يُستفاد أن التضمين عيب، وإلا فرفعه على أن يكون مبتدأ خبرهُ ((إخراج معنى لذا وذا)) لا يفيد إلا تفسير المعنى، ولا يصير في اللفظ إشعارٌ بِكون التضمين عيباً فتأمله. وفسروا التضمين بأن تتعلق قافية البيت الأول بالبيت الثاني، كقول النابغة: وهم وردوا الجفارَ على تميمٍ ... وهم أصحابُ يومِ عُكاظَ إنىِّ شهدت لهم مواطن صادفات ... شهدنَ لهمْ بصدق الودّ مِنيّ

стр. 93

قال الشريف: وإنما سُمي تضميناً لأنط ضمنت البيت الثاني معنى البيت الأول، لأن الأول لا يتم إلا بالثاني، وهذا هو الذي أراد الناظم بقوله ((إخراج معنى لذا وذا)) ، أي لهذا البيت وهذا البيت، لمّا كان المعنى لا يستقل به كلّ واحدٍ من البيتين صار كأنه خرج من كل واحد منهما إلى الآخر.)) انتهى. قلت: وفي بعض النسخ ((إحواج)) بالحاء والواو، من الحاجة، كأنك أحوجت المعنى إلى البيتين جميعاً وهو أظهر من الأول. وكلام الناظم منتقد من جهة شمول تفسيره التضمين لما ليس منه، وذلك لأن أول البيت إذا كان مفتقراً إلى أول البيت الثاني فليس بتضمين، نَصّ عليه أبو العباس، وسماه تعليقاً معنوياً، ووجّه بأن القافية محلُّ الوقف والاستراحة، فإذا كانت مفتقرةً لما بعدها لم يصح الوقفُ عليها، أما إذا سَلِمت هي من الافتقار فلا عيب لانتفاء هذا المحذور، كقوله: وما شَنَّتا خرقاءَ واهيةِ الكُلَى ... سقى بِهِما ساقٍ ولما تَبَلَّلا بأضيعَ من عينيكَ للدمع كلّما ... تذكرتَ ربعاً أو توهمتَ منزلا وكقوله: وما وجدُ أعرابيةٍ قَذَفَتْ بها ... صروفُ النوى من حيث لم تكُ ظنَّتِ نمنّتْ أحاليبَ الرعاءِ وخَيمةً ... بنجدٍ فلم يُقدَر لها ما تمنَّنت إذا ذكرتْ ماء العضاةِ وطيبهُ ... وريحَ الصّبا من نحو نجدٍ أرَنَّتِ بأكثر منّي لوعةً غيرَ أنني ... أطا مِنُ أحشائي على ما أجنَّتِ ومثله كثير. وربما عدّ بعض أهل البيان مثلَ هذا من فن البديع وسموه بالتفريع. وقد كرر الناظم كلمة ((ذا)) في قوافي أبيات متقاربة هنا، وذلك حيث قال ((حذوذا)) ثم قال بعد أربعة أبيات ((عكس ذا)) ثم قال بعد بيتين ((لذا وذا)) ومثله إيطاء بالنسبة إلى البيتين الآخرين وهو عيب. قال: وتكريرها اليطاءُ لفظاً ورجّحوا ... ومعنىً ويزكو قبحه كلَّما دنا أقول: يعني أن تكرير القافية هو الإيطاء، أُخذ من التواطؤ وهو التوافق، سُمي بذلك لاتفاق اللفظين. ونقلَ بعضهم عن الخليل أنه تكريُرها من غير تباعد ولو اختلف معناها. وضعّفَ ابن جنى هذه الحكاية عنه. قال: أو يكون رأياً رآه وقتاً دون وقت. وحكى الرمّانى عنه أنه يقول بالإيطاء في مثل ((العين)) و ((العين)) مما يجتمعان في الاسمية، فأما ((ذهب)) ماضي ((يذهب)) ((وذهب)) مراسلُ الفضة فغيرُ إيطاء عنده. وظاهر هذا أن الاتفاق في الفعلية ((كمجَد)) من الوجدان ((ووجد)) من الحزن إيطاء. وحكى الأخفش عنه أنه قال بخلافه لأنه جوّز ((الرجل)) علماً مع ((الرجل)) يعني به الرجولية. وزعم الأخفش أن الكلمة 'ذا اختلفن معناها فلا إيطاء، وهو الحق لان اتحاد اللفظ مع اختلاف المعنى من محاسن الكلام. وأيضاً فإن قُبح الإيطاء دلالته على ضعف طبع الشاعر ونزارةِ مادته حيث أحجم طبعُه وقصّر فكره أن يأتي بقافية غير الأولى واستروح إلى إعادة الأولى، والطبعُ موكّل بمعاداة المعادات، وكلاهما مفقود عند اختلاف المعنى. وقد أشار الناظم إلى تقرير المذهبين، وأن الثاني هو المرجّح. وقوله ((ومعنى)) عطفٌ على مقدرٍ تقديرهُ ((لفظاً ومعنى)) . وقوله ((ويزكوقبحه كلما دنا)) يعني أن القافية المتكررة كلما قَربت من أختها تزايد القبح وفحش العيب، كقول توبة: لعّلك يا فَحْلاً نزي بمريرةٍ ... تعاقبُ ليلى أنْ تراني أزورها علىَّ دماءُ إنْ كان بعلُها ... يرى لي ذنباً غيرَ أنّي أزورها وحدد بعضهم البعد بسبعة أبيات، وبعضهم بعشرة. قال صاحب العمدة: وتكرير قافية التصريع ليس بعيب، كقوله: خليليّ مُرّا بي على أُمِّ جُنْدَبِ ... نقضَّى لُباناتِ الفؤاد المعذّبِ فإنكما إن تُنظرانىَ ساعةً ... من الدهر تنفعني لَدَى أم ّ جندبِ قلت: وهذا في الحقيقة غيرُ محتاج على التنبيه عليه لأن الكلام مفروضٌ في تكرير قافية البيت، وآخرُ النصف الأول من البيت المصرع ليس بقافية البيت قطعاً فهو غيرُ ما الكلامُ فيه، والله الموفق للصواب. قال: والأقعادُ تنويعُ العروض بكاملٍ ... وقُلْ مثله التحريدُ في الضرب حيثُ جا

стр. 94

أقول: استطرد الناظم من ذكر عيوب القافية إلى ذكر غيرها فذكر أن الإقعادَ عبارة عن اختلاف العروض من بحر الكامل، ولا شك أنه معيب وإن كان وَقَعَ لبعض فحول الشعراء، أنشدوا منه لامرئ القيس: اللهُ أنجحُ ما طلبتُ بهِ ... والبرُّ خيرُ حقيبةِ الرجلِ بعد قوله: يا ربّ غانيةٍ تركتُ وصالها ... ومشيتُ متئداُ على رِسْلى فجمع بين العروض الحذّاء والعروض التامة. وأنشد منه الجطيب التبريزي: إنّا وهذا الحَيِّ من يَمَنٍ ... عند الهياجِ أعزةٌ أكفاءُ قومٌ لهمْ فينا دماءٌ جمّةٌ ... ولنا لَدَيهِم إحنةٌ ودماءُ وربيعةُ الأذنابِ فيما بيننا ... ليسوا لنا سلماً ولا أعداءُ متردوون مذبذبون فتارةً ... مُتَنزِّرون وتارةً حلفاءُ إن ينصرونا لا نعِزُّ بنصرهم ... أو يحذلونا فالسماءُ سماءُ فجمع أيضاً بين العروضين، فالبيت الأول عروضه حذّاء وسائر الأبيات عروضها تامة. ومنه قولُ الآخر: أفبعدَ مقتلِ بنِ زُهيرٍ ... ترجو النساءُ عواقب الأطهارِ فاستعمل عروضه مقطوعةً، ثم قال: من كان مسورواً بمقتل مالكِ ... فليأتِ نسوتنا بوجهٍ نهارٍ يجدِ النساءَ حواسراً يندبنه ... بالصبح قبلَ تبلّجِ الأسحارِ فاستعمل العروض فيها تامةٌ، وعلى ذِكر هذين البيتين فنقول: قال الشيخ جمال الدين بن نباتة المصري خاتمة الأدباء الفضلاء بالديار المصرية في كتابه المسمى ((بمجمع الفرائد)) : ((كانت العربُ إذا قُتل منها قيتل شريف لا يُبكى عليه ولا تندبه النساء إلى أن يقتل قاتله، فإذا فُعل ذلك خرجت النساءُ وندبنه، فأراد: من كان مسروراً بمقتل مالك معتقداً أنه لم يقتل قاتتله فليأت نسوتنا ليكذب ظنَّه ويزيل شماتته وسروره إذا وجدهن يلطمن ويندبن علماً بأن قاتله قد قُتل. وخصّص وجهَ النهار لأنه أوضح للأمر وأثبت لمعرفة النساء. وقال قوم: إنما أراد التفجع والتوجع، يعني أنه من كان مقتلُ مالك يَسره ويعجبه فليأت نسوتنا وهن يندبنه ليجد مقتله قد صح، وهذا كلامُ غيرِ عارفٍ بمذاهب العرب، وما أكثر من يقنع من كلامهم بالظاهر وتفوته هذه الدقائق. قلت: فإنه رحمه الله تعالى مع تنبهه لهذه الدقائق (لم يورد) ما غضّ به بعضهم من أبي تمام في اختياره لمثل قوله ((فليأت نسوتنا)) مع ما فيه من البشاعة، وهو نقد رائج. ثم قال: وأما قوله: بالصبح قبل تبلّج الأسحارِ فإن فيه سؤالاً لطيفاً، وذلك أن الصبح لا يكون إلا بعد تبلّج الأسحار فكيف بقول قبله؟ والجوابُ أنه أراد بقوله يندبه بالصبح أي يصفنه بالخلال المضيئة والمناقب الواضحة التي هي كالصبح ظهوراً ومعرفةً، ولم يُرد الصبح الذي هو دليلٌ على النهار. ويُروى ((في الصبح)) وعنى بذلك في الأمر الواضح مِن قتل قاتله. وبعد هذين البيتين بيتٌ يتعلق به حكايةً، وهو أن أبا عمرو الجرمي قال يوماً في مجلس الأصمعي: ما بقي شيء من الغريب في الشعر والعربية إلا وقد أحكمته. فسمعه الأصمعي فقال له: كيف تنشد هذا البيت: قد كُنّ يخبأْنَ الوجوه تستّراً ... فالآن حين بدأن للنظارِ فقال ((بديْن)) ، فقال له اخطات، فقال ((بد أن)) فقال أخطات، إنما هو ((بدا يبدو)) إذا ظهر. انتهى كلامه. وقوله ((وقل مثله التحريد في الضرب حيث جا)) يعني أن التحريدَ بالنسبة إلى الضروب كالإقعاد بالنسبة إلى الأعاريض فيكون المراد به اختلافها والإتيان بها على وجوه متباينة لا يجوز الجمع بينها، إلا أن التحريد يخالف الإقعاد من حيث أن التحريد اختلافُ الضروب حيث كانت من البحور لا يختص ببحر دون بحر، والإقعاد في العروض مختص ببحر الكامل كما عرفتَ. ثم هو بالحاء المهملة، مأخوذ من قولهم ((رجل حَريد)) أي منفرد معتزل، و ((كوكب حريد)) للذي يطلع منفرداً. فلمّا كان لهذا الضرب انفراد عن نظائره سُمى جعلُه كذلك تحريداً. وقال أبو الحسن هو من الحَرَد في الرِّجلين لمَا كان عيباً عندهم شبّهوا هذا العيب به. قال: وقد كملتْ ستاً وتسعين فالذي ... توسّط في ذا العلم تُسعه حِبَا

стр. 95

أقول: أنّث ((ستا)) وإن كان مرادهُ ستة وتسعين بيتاً، إما لأنه أراد القوافي فإن البيت يُطلق عليه قافية، وكذا على القصيدة أيضاً، أو يكون أنثّه لحذف المعدود وإن كان مذكراً بناءٍ على مذهب الكسائي ومن تبعه كما سلف غيرَ مرة. وربما يكون في هذا البيت إقامةُ بعض العذر للناظم في كونه يومئ إلى المقاصد إيماء خفياً، وذلك لأنه لم يضع قصيدته هذه للمبتدئين حتى يُعاب عليه ذلك، وإنما وضَعها للمتوسط في هذا العلم، ومثله لا يخفى عليه المقصود إذا تأمل حقّ التأمل. قال: ويسأل عبدُ الله ذا الخزرجىّ مِنْ ... مُطالعها إتحافَه منه باالدَّعا أقول: فجوزى بالحسنى وعنه إلهُهُ ... عفا فلقد أحيا من العلم ما عفا وقابله يومَ الحساب بجبرهِ ... وعامله بالصّفح عنه وبالرضا وساقَ لمثواه حقائبَ رحمةٍ ... تفضُّ ختامَ المسك عن أطيب الشذا ونوّلنا حسنَ الخواتيم إنها ... لَحليةُ أعمال الورى حين تُجتلى ووالى على خير الأنام صلاتَهُ ... وتسليمهُ في الابتداءِ والانتها قال مؤلفه ﵀: وكان الفراغ من تبييض هذه النسخة بعد العصر من يوم الاثنين ثاني شهر رجب الفرد سنة سبعَ عشرةَ وثمانمائة بنقادة من بلاد الصعيد. وكان ابتداءُ تصنيف هذا الشرح بها يوم السبت أولَ يوم من جمادى الآخرة من السنة المذكورة أحمد الله تعالى عقباها. ثم قال: قال هذا كله وكتبه مؤلف الشرح المذكور محمد بنُ أبي بكر بن عمر المخزومي الدماميني المالكي أضعفُ خلق الله وأحوجهم إلى عفوه ومغفرته حامداً ومصليا على رسوله محمد وآله وصحبه ومسلماً، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وعلقه عبد اللطيف بنُ عبد القادر الشافعي مذهباً والأشعري عقيدةً، القادري طريقةً، الحلبي مولداً وموطناً، غفر الله ذنوبهما وستر عيوبهما ولمن طلبَ المغفرة لهما ولكل المسلمين، والحمد لله رب العالمين.