← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

أَبِي حَنِيفَةَ الثُّلُثُ كَثِيرٌ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَالَ: لِسَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» فَإِذَا وُجِدَ الثُّلُثُ زُيُوفًا فَرَدُّهُ يُبْطِلُ الْعَقْدَ بِقَدْرِهِ وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ قِلَّةَ الشَّيْءِ وَكَثْرَتَهُ تَتَبَيَّنُ بِالْمُقَابَلَةِ فَإِنَّ الْعَشَرَةَ بِمُقَابَلَةِ الدِّرْهَمِ كَثِيرَةٌ وَبِمُقَابَلَةِ الْمِائَةِ قَلِيلَةٌ فَإِذَا كَانَتْ الزُّيُوفُ دُونَ النِّصْفِ قُلْنَا إذَا قُوبِلَتْ الزُّيُوفُ بِالْجِيَادِ فَالزُّيُوفُ قَلِيلَةٌ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ فَهِيَ كَثِيرَةٌ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِيَادِ فَإِذَا كَانَ النِّصْفُ سَوَاءً فَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْبُيُوعِ قَالَ: هَذَا كَثِيرٌ لَا يُقَابِلُهُ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ لِتَتَبَيَّنَ قِلَّتُهُ بِالْمُقَابَلَةِ وَفِي كِتَابِ الصَّرْفِ قَالَ: الشَّرْطُ كَثْرَةُ الْمَرْدُودِ وَلَا تَتَبَيَّنُ كَثْرَتُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَا يُقَابِلُهُ أَقَلَّ مِنْهُ وَقَدْ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا فِي الْكُلِّ فَلَا تُنْتَقَضُ بِالشَّكِّ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الصَّرْفِ فِي مَا ذَكَرْنَا قَالَ: (رَجُلٌ أَسْلَمَ إلَى رَجُلٍ فِي طَعَامٍ وَأَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِالْمُسْلَمِ فِيهِ ثُمَّ صَالَحَ الْكَفِيلَ عَلَى رَأْسِ مَالِهِ وَذَلِكَ دَيْنٌ) فَالصُّلْحُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ اخْتَارَ رَدَّ رَأْسِ الْمَالِ جَازَ وَإِنْ رَدَّ الصُّلْحَ بَطَلَ وَاسْتَرَدَّ الْكَفِيلُ دَرَاهِمَهُ وَطَالَبَ رَبُّ السَّلَمِ بِطَعَامِ السَّلَمِ أَيَّهُمَا شَاءَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْكَفِيلِ وَرَبِّ السَّلَمِ وَيَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِطَعَامِ السَّلَمِ وَهَذَا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عُرُوضًا لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ ثَوْبًا فَإِمَّا أَنْ يَصِحَّ الصُّلْحُ عَنْ ذَلِكَ الثَّوْبِ بِعَيْنِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَلَا يَكُونُ الْكَفِيلُ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِهِ وَإِمَّا أَنْ يَصِحَّ عَلَى ثَوْبِ غَيْرِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَكُونُ اسْتِبْدَالًا بِرَأْسِ الْمَالِ وَكَذَلِكَ الصُّلْحُ عَلَى قِيمَةِ ذَلِكَ الثَّوْبِ يَكُونُ اسْتِبْدَالًا فَلَا يَجُوزُ فَأَمَّا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَالْخِلَافُ فِيهِ يَتَحَقَّقُ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ أَنَّ صُلْحَ الْكَفِيلِ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ كَالصُّلْحِ عَنْ سَائِرِ الدُّيُونِ عَلَى أَيِّ بَدَلٍ كَانَ بِدَلِيلِ جَوَازِ ذَلِكَ مِنْ الْأَصْلِ ثُمَّ الْكَفِيلُ فِي سَائِرُ الدُّيُونِ لَوْ صَالَحَ عَلَى بَدَلٍ جَازَ صُلْحُهُ وَرَجَعَ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ بِمَا كِفْلَ عَنْهُ فَكَذَلِكَ الْكَفِيلُ بِالسَّلَمِ إذَا صَالَحَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ وَهَذَا لِأَنَّ الْكَفِيلَ مَطْلُوبٌ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ كَالْأَصِيلِ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ إلَيْهِ وَبِهَذَا فَارَقَ مَا لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَيْنَا فِي يَدِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْكَفِيلَ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَلَوْ صَالَحَ عَلَى قِيمَتِهِ كَانَ مُسْتَبْدِلًا لَا مُسْتَرِدًّا لِرَأْسِ الْمَالِ وَلَا يُقَالُ فِي هَذَا الصُّلْحِ تَمْلِيكُ طَعَامِ السَّلَمِ مِنْ الْكَفِيلِ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ أَيْضًا ثُمَّ جَازَ الصُّلْحُ مَعَ الْكَفِيلِ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْلِيكِ الدَّيْنِ وَلَكِنْ يَعْقِدُ الْكَفَالَةَ كَمَا وَجَبَ لِلطَّالِبِ عَلَى الْكَفِيلِ

стр. 2627

وَجَبَ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْأَصِيلِ إلَّا أَنَّهُ مُؤَخَّرٌ إلَى أَنْ يُسْقِطَ مُطَالَبَةَ الطَّالِبِ عَنْ الْأَصِيلِ وَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ بِصُلْحِهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ كَمَا يَسْقُطُ بِإِيفَائِهِ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِطَعَامِ السَّلَمِ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِرَأْسِ الْمَالِ وَأَنَّهُ يَصِحُّ بِلَفْظِ الْمُتَارَكَةِ وَالْإِقَالَةِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فَسْخًا كَانَ هَذَا اسْتِبْدَالًا لِبَقَاءِ الْعَقْدِ الْمُوجِبِ لِطَعَامِ السَّلَمِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ وَالْكَفِيلُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْعَقْدِ فَلَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ وَالْكَفِيلُ بِالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَهَذَا لِأَنَّ الْفَسْخَ تَصَرُّفٌ فِي الْعَقْدِ فَلَا يَجُوزُ مِنْ الْعَاقِدِ أَوْ مِمَّنْ قَامَ مَقَامَ الْعَاقِدِ أَوْ مِمَّنْ كَانَ وَقَعَ الْعَقْدُ لَهُ وَالْكَفِيلُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَإِنَّمَا الْتَزَمَ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْكَفَالَةِ فَلَا يَصِيرُ بِهِ فِي حُكْمِ الْعَاقِدِ لِلسَّلَمِ بِخِلَافِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَإِنَّهُ عَاقِدٌ فَيَجُوزُ صُلْحُهُ بِطَرِيقِ الْفَسْخِ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّ رَبَّ السَّلَمِ إذَا زَادَ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ دِرْهَمًا جَازَ وَلَوْ زَادَ الْكَفِيلُ فِي رَأْسِ الْمَالِ دِرْهَمًا كَانَ بَاطِلًا وَبِهِ فَارَقَ سَائِرَ الدُّيُونِ فَالصُّلْحُ هُنَاكَ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْفَسْخِ وَإِنَّمَا هُوَ تَصَرُّفٌ فِي الدَّيْنِ الْوَاجِبِ وَلِهَذَا جَازَ بِأَيِّ بَدَلٍ كَانَ وَالْكَفِيلُ مَطْلُوبٌ بِالدِّينِ كَالْأَصِيلِ وَلِهَذَا جَازَ الصُّلْحُ مَعَهُ قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلَانِ إلَى رَجُلٍ فِي طَعَامٍ فَصَالَحَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى رَأْسِ مَالِهِ فَالصُّلْحُ مَوْقُوفٌ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَإِنَّ أَجَازَهُ الْآخَرُ جَازَ وَكَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَمَا بَقِيَ مِنْ طَعَامِ السَّلَمِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَجُزْهُ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُصَالِحِ وَالْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِمَا قُلْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ كَالصُّلْحِ عَنْ سَائِرِ الدُّيُونِ عَلَى أَيِّ بَدَلٍ كَانَ عِنْدَهُ ثُمَّ أَخَذَ رَبُّ الدَّيْنِ إذَا صَالَحَ عَنْ نَصِيبِهِ مَعَ الْمَدْيُونِ عَلَى بَدَلٍ جَازَ الصُّلْحُ وَيُخَيَّرُ الْآخَرُ بَيْنَ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي الْمَقْبُوضِ وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَدْيُونِ بِنَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ كَذَلِكَ هُنَا إذَا صَالَحَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّ هَذَا فَسْخُ الْعَقْدِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدِينَ حَقُّ التَّفَرُّدِ بِالْفَسْخِ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ كَمَا فِي بَيْعِ الْعَيْنِ لَوْ اشْتَرَى رَجُلَانِ عَيْنًا ثُمَّ أَقَالَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ فِي نَصِيبِهِ مَعَ الْبَائِعِ جَازَ بِدُونِ رِضَى الْآخَرِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: فِي هَذَا الصُّلْحِ قِسْمَةُ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيَانُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ صُلْحُهُ عَنْ نَفْسِهِ خَاصَّةً فَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَتَمَيَّزَ نَصِيبُهُ عَنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ وَهَذَا هُوَ الْقِسْمَةُ وَإِنْ كَانَ صَالَحَهُ عَنْ النِّصْفِ مِنْ النَّصِيبَيْنِ جَمِيعًا فَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِدُونِ إجَازَةِ الْآخَرِ لَتَنَاوُلِهِ نَصِيبَهُ وَفِقْهُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ وُجُوبَ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِعَقْدِهِمَا

стр. 2628

إذَا هُوَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ الْعَقْدِ وَالْعَقْدُ مِنْهُمَا وَاحِدٌ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ كَشَطْرِ الْعِلَّةِ وَبِشَطْرِ الْعِلَّةِ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ مَا لَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ بِإِجَازَةِ الْآخَرِ كَالْمُعْتَقَةِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ زَوْجُهَا أَحَدُهُمَا وَبِهِ فَارَقَ بَيْعَ الْعَيْنِ فَقَدْ كَانَتْ الْعَيْنُ هُنَاكَ مَوْجُودَةً قَبْلَ الْعَقْدِ مَحِلُّ التَّصَرُّفِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُ وِلَايَةِ التَّصَرُّفِ فِيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَقْدِ فَلِهَذَا كَانَ الْفَسْخُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ كَأَنَّهُ كَانَ مُنْفَرِدًا بِهِ وَهُنَاكَ الْمُسْلَمُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ الْعَقْدِ وَجَوَازُ التَّصَرُّفِ بِاعْتِبَارِ وُجُوبِهِ بِالْعَقْدِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ كَشَطْرِ الْعِلَّةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ الصُّلْحُ مِنْ أَحَدِهِمَا هُنَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَسْقُطَ حَقُّ رَبِّ السَّلَمِ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَيَتَقَرَّرُ فِي رَأْسِ الْمَالِ ثُمَّ يَعُودُ فِي السَّلَمِ فِيهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ تَقَابَلَا السَّلَمُ ثُمَّ أَرَادَ فَسْخَ الْإِقَالَةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ بِخِلَافِ بَيْعِ الْعَيْنِ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ الْآخَرَ إذَا اخْتَارَ الْمُشَارَكَةَ فِي الْمَقْبُوضِ مَعَ الْمَصَالِحِ كَانَ مَا بَقِيَ مِنْ طَعَامِ السَّلَمِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَقَدْ سَقَطَ بِالصُّلْحِ حَقُّ الْمَصَالِحِ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَتَقَرَّرَ فِي رَأْسِ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ حَقُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ وَبِهِ فَارَقَ سَائِرَ الدُّيُونِ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ إنَّمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ حَقُّهُ فِيمَا كَانَ سَاقِطًا لِأَنَّ السَّاقِطَ مَثَلًا شَيْءٌ كَمَا فِي فَصْلِ الْإِقَالَةِ وَهُنَا إنَّمَا يَعُودُ بِحَقِّهِ فِيمَا هُوَ قَائِمٌ وَهُوَ النِّصْفُ الْبَاقِي مِنْ طَعَامِ السَّلَمِ وَأَمَّا بَيَانُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَقُولُ لِلْآخَرِ الْخِيَارُ فَإِنْ شَاءَ شَارَكَ الْقَابِضُ فِي الْمَقْبُوضِ لِأَنَّ أَصْلَ رَأْسِ الْمَالِ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَلَا يُسَلَّمُ لَأَحَدِهِمَا مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا بِتَسْلِيمِ الْآخَرِ وَإِذَا شَارَكَهُ فِي الْمَقْبُوضِ كَانَ الْبَاقِي فِي ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ الْمَقْبُوضُ لِلْقَابِضِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِطَعَامِ السَّلَمِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَنْ شَرِيكِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَالْغَاصِبِ مَعَ غَاصِبِ الْغَاصِبِ إذَا اخْتَارَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ تَضْمِينَ أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَضْمَنَ لِلْآخَرِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ نَوَى مَا عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ الْمَقْبُوضِ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَلَّمَ لَهُ الْمَقْبُوضَ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَإِذَا نَوَى بَطَلَ تَسْلِيمُهُ كَالْمُحْتَالِ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ مُفْلِسًا عَادَ الدَّيْنُ إلَى ذِمَّةِ الْمُحِيلِ قَالَ: (وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلَيْنِ لَهُمَا عَلَى رَجُلٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَصَالَحَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ حِصَّتِهِ عَلَى ثَوْبٍ وَسَلَّمَ لَهُ الْآخَرُ وَاخْتَارَ اتِّبَاعَ الْمَدْيُونِ فَنَوَى مَا عَلَيْهِ) كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ فِي الثَّوْبِ فَيَأْخُذَ مِنْهُ نِصْفَهُ إلَّا أَنْ يَرْضَى صَاحِبُ الثَّوْبِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَلَا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِنْ الثَّوْبِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ وَالْخِيَارُ فِيهِ إلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ كَمَا فِي

стр. 2629

الِابْتِدَاءِ لَوْ اخْتَارَ الْمُشَارَكَةَ مَعَهُ كَانَ صَاحِبُ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَبَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ الثَّوْبُ لِأَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ مَبْنَى الصُّلْحِ عَلَى التَّجَوُّزِ بِدُونِ الْحَقِّ إنَّمَا تَوَصَّلْتُ إلَى نَصِيبِي لِأَنَّى رَضِيتُ بِدُونِ حَقِّي بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى بِنَصِيبِهِ ثَوْبًا وَهَذَا فَرْقٌ مَعْرُوفٌ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بِالسَّلَمِ كَفِيلٌ فَصَالَحَ أَحَدُ صَاحِبِ السَّلَمِ مَعَ الْكَفِيلِ عَلَى رَأْسِ مَالِهِ فَهُوَ كَالصُّلْحِ مَعَ الْأَصِيلِ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّا قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ دَرَاهِمَ فِي طَعَامٍ ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى رَأْسِ مَالِهِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِرَأْسِ مَالِهِ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ) فِي الْقِيَاسِ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِأَنَّ عَقْدَ السَّلَمِ ارْتَفَعَ بِالْفَسْخِ بَقِيَ رَأْسُ الْمَالِ فِي ذِمَّتِهِ بِحُكْمِ الْقَبْضِ لَا بِحُكْمِ الْعَقْدِ وَهُوَ دَيْنٌ لَا يَسْتَحِقُّ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ فَيَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ أَلَا تَرَى أَنَّ السَّلَمَ لَوْ كَانَ فَاسِدًا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِرَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ الِاسْتِرْدَادِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَاسْتَحْسَنَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ فَقَالُوا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَسْلَمْتَ فِي شَيْءٍ فَلَا تَصْرِفْهُ فِي غَيْرِهِ» فَلَوْ جَوَّزْنَا هَذَا كَانَ صَارِفًا حَقَّهُ مِنْ طَعَامِ السَّلَمِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَفِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ «لَا تَأْخُذْ إلَّا سَلَمَكَ أَوْ رَأْسَ مَالِكَ» وَبِهَذَا الطَّرِيقُ نَأْخُذُ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ رَأْسِ الْمَالِ وَغَيْرَ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ ثُمَّ حَالَ رَبُّ السَّلَمِ مَعَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بَعْدَ الْفَسْخِ كَحَالِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مَعَ رَبِّ السَّلَمِ حَالَ قِيَامِ الْعَقْدِ قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ فَكَمَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ هُنَاكَ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ هُنَا وَبِهِ فَارَقَ السَّلَمَ الْفَاسِدَ مِنْ الْأَصِيلِ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُوجِبًا تَسْلِيمَ رَأْسِ الْمَالِ لِيُعْتَبَرَ الِانْتِهَاءُ بِالِابْتِدَاءِ وَهُنَا الْعَقْدُ كَانَ مُوجِبًا تَسْلِيمَ رَأْسِ الْمَالِ فَاعْتَبَرْنَا حَالَ الْفَسْخِ بِحَالِ الْعَقْدِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الِاسْتِبْدَالِ قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ فِي طَعَامٍ وَقَدْ عَلِمَ وَزْنَ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَعْلَمْ وَزْنَ الْآخَرِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَائِزٌ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ إعْلَامَ قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ عِنْدَهُمَا لَيْسَ بِشَرْطٍ وَالْإِشَارَةُ إلَى الْعَيْنِ تَكْفِي وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إعْلَامُ الْقَدْرِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ عَلَى قَدْرِهِ شَرْطٌ فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ وَزْنُ أَحَدِهِمَا بَطَلَ الْعَقْدُ فِي حِصَّتِهِ لِانْعِدَامِ شَرَطِ الْجَوَازِ فَيَبْطُلُ فِي حِصَّةِ الْآخَرِ أَيْضًا لِاتِّحَادِ الصَّفْقَةِ أَوْ لِجَهَالَةِ حِصَّةِ الْآخَرِ وَالسَّلَمُ فِي الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ ابْتِدَاءً قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي ثَوْبَيْنِ أَحَدُهُمَا هَرَوِيٌّ وَالْآخِرُ مَرْوِيٌّ فَمَا لَمْ تَتَبَيَّنُ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ لِأَنَّ الِانْقِسَامَ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ الْحِرْزُ فَلَا يُتَيَقَّنُ بِحِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّوْبَيْنِ إلَّا بِالْقِسْمَةِ وَإِنْ كَانَا مَوْصُوفَيْنِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَفِي الْقِيَاسِ كَذَلِكَ لِأَنَّ الثِّيَابَ

стр. 2630

لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَالِانْقِسَامُ عَلَى الثَّوْبَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُمَا عَيْنًا. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَيْنِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَتَفَاوَتَانِ فِي الظَّاهِرِ فِي الْمَالِيَّةِ مَا دَامَا فِي الذِّمَّةِ وَالِانْقِسَامِ حَالَ كَوْنِهِمَا فِي الذِّمَّةِ فَحِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ رَأْسِ الْمَالِ بِيَقِينٍ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ مِنْ غَيْرِ إعْلَامِ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا لَوْ أَسْلَمَ عَشَرَةً فِي كُرَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُمَا عَيْنًا فَإِنَّهُمَا يَتَفَاوَتَانِ فِي الْمَالِيَّةِ إذَا كَانَا عَيْنَيْنِ فَلِهَذَا كَانَ انْقِسَامُ الثَّمَنِ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فَإِنْ قَبَضَ الثَّوْبَيْنِ فِي السَّلَمِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ أَحَدَهُمَا مُرَابَحَةً عَلَى خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ مَعْلُومَةً بِيَقِينٍ فَبَيْعُهُ مُرَابَحَةً عَلَى ذَلِكَ كَالْكُرَّيْنِ وَبَيَانُهُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الثَّمَنَ بِمُقَابَلَةِ مَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ وَلَا تَفَاوَتَ فِي ذَلِكَ وَلِهَذَا جَازَ الْعَقْدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمَا لَوْ تَقَايَلَا السَّلَمَ فِي أَحَدِهِمَا يَرُدُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ خَمْسَةً وَلَوْ وَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا فَرَدَّهُ يَرُدُّهُ بِخَمْسَةٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةٌ بِيَقِينٍ فَكَأَنَّهُ سَمَّى ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ اشْتَرَى الثَّوْبَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَلَا يَبِيعُ أَحَدَهُمَا مُرَابَحَةً كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُمَا عَيْنًا بِخِلَافِ الْكُرَّيْنِ فَإِنَّ هُنَاكَ لَوْ اشْتَرَاهُمَا عَيْنًا كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ أَحَدَهُمَا مُرَابَحَةً وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ رَبَّ السَّلَمِ مُشْتَرٍ وَالْمُسْلِمَ فِيهِ مَبِيعٌ فَإِذَا قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ كَانَ الْمَقْبُوضُ عَيْنَ مَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ لَا غَيْرَهُ لِأَنَّهُ إنْ جَعَلَ غَيْرَهُ كَانَ اسْتِبْدَالًا بِالْمُسْلَمِ فِيهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ جُعِلَ كَأَنَّهُ عَيْنُ مَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ فَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ غَيْرُهُ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَتَنَاوَلُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ وَالْعَيْنُ غَيْرُ الدَّيْنِ فَبِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ لَمْ يَكُنْ الْمَقْبُوضُ عَيْنَ مَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَرِيقٍ يُجْعَلُ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ كَأَنَّهُ عَيْنُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ الطَّرِيقُ لَنْ يُجْعَلَ عِنْدَ الْقَبْضِ كَأَنَّهُمَا جَدَّدَا ذَلِكَ الْعَقْدَ عَلَى الْمَقْبُوضِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ ﵏ لِلْقَبْضِ فِي بَابِ السَّلَمِ حُكْمُ عَقْدٍ جَدِيدٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ فِي الزِّيَادَاتِ لَوْ أَسْلَمَ إلَى رَجُلٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ ثُمَّ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَبِّ السَّلَمِ كُرَّ حِنْطَةٍ بِمِائَتِي دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ وَقَبَضَهُ فَلِمَا حَلَّ الطَّعَامُ فِي السَّلَمِ أَعْطَاهُ ذَلِكَ الْكُرَّ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا جُعِلَا عِنْدَ الْقَبْضِ كَأَنَّهُمَا جَدَّدَا الْعَقْدَ عَلَيْهِ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَهُوَ وَمَا لَوْ اشْتَرَاهُمَا عَيْنًا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ سَوَاءٌ وَقَالَ: فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ لَوْ أَحْرَزَ الْمُشْرِكُونَ كُرَّ الرَّجُلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِدَرَاهِمَ فَدَخَلَ إلَيْهِمْ مُسْلِمٌ وَأَسْلَمَ إلَيْهِمْ مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ فَأَعْطَوْهُ ذَلِكَ الْكُرَّ فَأَخْرَجَهُ فَلَا سَبِيلَ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عِوَضًا عَنْ الْكُرِّ الَّذِي لَهُ فِي ذِمَّتِهِمْ فَلَوْ

стр. 2631

أَخَذَهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ أَخَذَهُ بِمِثْلِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُفِيدٍ وَفِي السَّلَمِ عِنْدَ الْقَبْضِ يَصِيرُ كَالْمُجَدِّدِ لِلْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ الْكُرِّ بِالْمِائَةِ فَيَأْخُذُهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِذَلِكَ ثُمَّ أَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُثْبِتَ شُبْهَةَ تَجْدِيدِ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ الْحَقِيقَةَ وَالشُّبْهَةَ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ لَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِشُبْهَةِ الزِّيَادَةِ بِسَبَبِ الْأَجَلِ وَلَوْ أَخَذَ عَيْنًا صُلْحًا مِنْ دَيْنٍ لَهُ عَلَى إنْسَانٍ لَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً عَلَى ذَلِكَ الدَّيْنِ لِشُبْهَةِ الْحَطِّ بِسَبَبِ الصُّلْحِ وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ كَلَامَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ الْمَوْصُوفَيْنِ لَا يَتَفَاوَتَانِ فِي الذِّمَّةِ وَيَتَفَاوَتَانِ بَعْدَ التَّعْيِينِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَبَضَهُمَا وَبَاعَ أَحَدَهُمَا مِنْ إنْسَانٍ ثُمَّ اسْتَهْلَكَ ذَلِكَ الثَّوْبَ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الثَّوْبِ الْآخَرِ وَإِنَّمَا يَجِبُ قِيمَةُ الْمُسْتَهْلَكِ فَدَلَّ أَنَّهُمَا لَا يَتَمَاثَلَانِ عَيْنًا فَجَازَ الْعَقْدُ فِي الِابْتِدَاءِ فِي الدَّيْنِ وَكَذَلِكَ الْإِقَالَةُ فِي أَحَدِهِمَا وَأَمَّا بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ التَّعْيِينِ فَيُعْتَبَرُ التَّفَاوُتُ فِي حُكْمِ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ فَلَا يَبِيعُ أَحَدَهُمَا مُرَابَحَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَهُمَا مُرَابَحَةً عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّ ثَمَنَهُمَا مُسَمًّى مَعْلُومٌ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُمَا عَيْنًا. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الْمَسْمُوحِ وَالْأَكْيِسَةِ وَالْعُبَا وَالْجَوَالِيقِ وَالْكَرَابِيسِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ عَرْضًا وَطُولًا وَرِفْعَةً) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ إعْلَامَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى فِيهِ تَفَاوُتٌ فِي الْمَالِيَّةِ وَلَا يَبْقَى بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فِي التَّسْلِيمِ تُمْكِنُ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ فِي السَّلَمِ أَمَّا بِرَأْسِ الْمَالِ يَجُوزُ أَخْذُ الْكَفِيلِ وَالرَّهْنِ عِنْدَنَا وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ زُفَرَ وَلَهُ فِي السَّلَمِ رِوَايَتَانِ) لِأَنَّ الرَّهْنَ وَالْكَفِيلَ مِمَّا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ وَقَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ مُسْتَحَقٌّ فِي الْمَجْلِسِ فَأَخْذُ الْكَفِيلِ وَالرَّهْنِ بِهِ لَا يُفِيدُ وَلَكِنَّا نَقُولُ رَأْسُ الْمَالِ دَيْنٌ وَاجِبٌ عَلَى رَبِّ السَّلَمِ فَالْكَفِيلُ يَلْتَزِمُ الْمُطَالَبَةَ بِمَا هُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْأَصِيلِ وَهُوَ شَرْطُ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ لِلِاسْتِيفَاءِ وَرَأْسُ مَالِ السَّلَمِ دَيْنٌ يُسْتَوْفَى فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي الْمَجْلِسِ وَفِي قِيمَتِهِ وَفَاءٌ بِرَأْسٍ صَارَ مُسْتَوْفِيًا بِهِ رَأْسَ الْمَالِ فَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ هَلَاكِ الرَّهْنِ بَطَلَ السَّلَمُ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَلَاكِ الرَّهْنِ وَالِافْتِرَاقِ قَبْلَ تَمَامِ الْقَبْضِ يَبْطُلُ السَّلَمُ وَكَذَا إنْ نَقَدَ الْكَفِيلُ رَأْسَ الْمَالِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَ الْمُتَعَاقِدَانِ ثُمَّ الْعَقْدُ وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ الْكَفِيلُ بَطَلَ الْعَقْدُ وَلَا مُعْتَبَرَ بِذَهَابِ الْكَفِيلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَاقِدٍ حَتَّى لَوْ ذَهَبَ وَجَاءَ بِرَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ افْتِرَاقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَادَى تَمَّ الْعَقْدُ وَهَذِهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ الْوِكَالَةُ وَالْكَفَالَةُ وَالْحَوَالَةُ وَالْجَوَابُ فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ إنْ قَبَضَ رَأْسَ الْمَالِ مِنْ الْوَكِيلِ أَوْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ قَبْلَ افْتِرَاقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ تَمَّ عَقْدُ السَّلَمِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِذَهَابِ الْوَكِيلِ وَالْمُحْتَالِ عَلَيْهِ وَأَمَّا أَخْذُ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ يَجُوزُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ وَهَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ زُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى

стр. 2632

وَذَكَرَ الْحَسَنُ عَنْ زُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ شُجَاعٍ قَالَ: كُلُّ دَيْنٍ لَا يَجُوزُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ وَيَجُوزُ التَّأْجِيلُ فِيهِ فَأَخْذُ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ بِهِ صَحِيحٌ لِلتَّوْثِيقِ وَالْمُسْلَمُ فِيهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بِخِلَافِ رَأْسِ الْمَالِ وَبَدَلِ الصَّرْفِ وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَ: كُلُّ دَيْنٍ لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَأَخْذُ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ بِهِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ فِي الْكَفَالَةِ إقَامَةَ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ مُقَامَ ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الِاسْتِبْدَالِ مِنْ حَيْثُ الْمَحِلُّ وَالْحَوَالَةُ كَذَلِكَ وَفِي الرَّهْنِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِالْهَلَاكِ وَالرَّهْنِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ فَكَانَ هَذَا اسْتِبْدَالًا فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ وَرَأْسِ الْمَالِ وَبَدَلِ الصَّرْفِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا نَسِيئَةً وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» وَشِرَاءُ الطَّعَامِ نَسِيئَةً يَكُونُ سَلَمًا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَوَّزَ الرَّهْنَ بِالسَّلَمِ وَاسْتَدَلَّ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا عَيْنَ حَقِّهِ لَا مُسْتَبْدِلًا فَإِنَّ عَيْنَ الرَّهْنِ لَا تَكُونُ مَمْلُوكَةً لِلْمُرْتَهِنِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدًا فَمَاتَ كَانَ كَفَنُهُ عَلَى الرَّاهِنِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ مِنْ مَالِيَّتِهِ وَالْأَعْيَانُ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَلِهَذَا لَوْ ارْتَهَنَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِنَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ فَهَلَكَ الرَّهْنُ يَرْجِعُ شَرِيكُهُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ نَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ اسْتِيفَاءٌ لَا اسْتِبْدَالٌ جَازَ الرَّهْنُ بِكُلِّ دَيْنٍ يَجِبُ اسْتِيفَاؤُهُ وَفِي الْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ لَا شَكَّ فَإِنَّ الْمُسْتَوْفِيَ مِنْ الْكَفِيلِ وَالْمُحْتَالَ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَوْفِي مِنْ الْأَصِيلِ فِي أَنَّهُ عَيْنُ حَقِّ الطَّالِبِ لَا بَدَلَهُ. قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ مِنْ الثِّيَابِ وَاشْتَرَطَ طُولَهُ وَعَرْضَهُ بِذِرَاعِ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ لَمْ يَجُزْ كَمَا فِي الْمَكِيلِ إذَا عَيَّنَ الْمِكْيَالَ) وَهَذَا لِأَنَّ مِقْدَارَ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِالذِّرَاعِ الْمَعْرُوفِ وَرُبَّمَا يَمُوتُ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَيَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُ الْمُسْلَمِ فِيهِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَإِذَا اشْتَرَطَ كَذَا وَكَذَا ذِرَاعًا فَهُوَ جَائِزٌ وَلَهُ ذِرَاعٌ وَسَطٌ لِأَنَّ مُطْلَقَ التَّسْمِيَةِ تَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَعَارَفِ كَمُطْلَقِ تَسْمِيَةِ الدَّرَاهِمِ فِي الشِّرَاءِ تَنْصَرِفُ إلَى نَقُدْ الْبَلَدِ وَالْمُتَعَارَفُ الذِّرَاعُ الْوَسَطُ وَيُسَمَّى الْمُكَسَّرَةَ وَسُمِّيَ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَسَّرَهُ مِنْ ذِرَاعِ قَبْضَةِ الْمِلْكِ وَإِنَّ الذِّرَاعَ الْوَسَطَ سَبْعُ قَبَضَاتٍ وَهِيَ تِسْعُ مُسَبَّبَاتِ وَمَعْرِفَةُ هَذَا فِي كِتَابِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ فِي الْحَرِيرِ وَزْنًا وَلَمْ يُشْتَرَطْ الطُّولُ وَالْعَرْضُ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ الْمَالِيَّةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً إلَّا بِبَيَانِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ فِي الثِّيَابِ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ هَذَا لَكَانَ يَأْتِيهِ بِقِطَاعِ الْحَرِيرِ بِذَلِكَ الْوَزْنِ الَّذِي سُمِّيَ فَيُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يُبَيِّنْ

стр. 2633

الطُّولَ وَالْعَرْضَ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْوَزْنِ أَيْضًا فِيمَا تَخْتَلِفُ مَالِيَّتُهُ بِالثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ كَالْحَرِيرِ وَالْوَذَارِيِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَإِنْ اشْتَرَطَ الطُّولَ وَالْعَرْضَ بِقِيمَانِ غَيْرِ الذِّرَاعِ فَإِنْ كَانَ قِيمَانًا مَعْرُوفًا مِنْ قَيَامِينِ التُّجَّارِ فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ الْمِقْدَارَ يَصِيرُ مَعْلُومًا بِذَلِكَ وَهُوَ الْمَقْصُودُ وَكَذَلِكَ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ تَحْصُلُ بِتَسْمِيَةِ ذَلِكَ قَالَ: (وَإِنْ اشْتَرَطَ الرَّجُلُ فِي سَلَمِهِ ثَوْبًا جَيِّدًا ثُمَّ جَاءَ بِهِ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فَقَالَ: رَبُّ السَّلَمِ لَيْسَ هَذَا بِجَيِّدٍ وَقَالَ: الْمُسْلَمُ إلَيْهِ جَيِّدٌ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُرِيه رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الصِّنَاعَةِ) لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِيهِ فَيَرْجِعُ إلَى مَنْ لَهُ فِيهِ عِلْمٌ كَمَا لَوْ احْتَاجَ إلَى مَعْرِفَةِ قِيمَةِ الْمُسْتَهْلِكِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فَإِذَا اجْتَمَعَا عَلَى أَنَّهُ جَيِّدٌ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَوْدَةِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ نِهَايَةً فِي الْجَوْدَةِ أُجْبِرَ رَبُّ السَّلَمِ عَلَى أَخْذِهِ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ وَفَّى بِمَا شَرَطَ لَهُ فَالْمُسْتَحَقُّ بِالتَّسْمِيَةِ أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ إذْ لَا نِهَايَةَ لِلْأَعْلَى فَإِنَّهُ مَا مِنْ جَيِّدٍ إلَّا وَفَوْقَهُ أَجْوَدُ مِنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اُشْتُرِطَ فِي الْعَبْدِ أَنَّهُ كَاتِبٌ أَوْ خَبَّازٌ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ وَإِنَّمَا شَرَطَ الْمُثَنَّى لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى فَصْلِ الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ وَهُوَ قَوْلُ الْمُثَنَّى قَالَ: (وَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ وَسَطًا فَأَتَاهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِجَيِّدٍ أُجْبِرَ رَبُّ السَّلَمِ عَلَى قَبُولِهِ) وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ لَا يُجْبَرُ لِأَنَّ الْجَيِّدَ غَيْرُ الْوَسَطِ وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ عَلَيْهِ بِصِفَةِ الْجَوْدَةِ وَلَوْ تَبَرَّعَ عَلَيْهِ بِزِيَادَةِ قَدْرٍ كَانَ لَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ تَبَرُّعَهُ فَكَذَلِكَ إذَا تَبَرَّعَ بِالْجَوْدَةِ وَلَكِنَّا نَقُولُ أَوْفَاهُ حَقَّهُ بِكَمَالِهِ وَأَحْسَنَ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ قَالَ: ﷺ «خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً لِلدَّيْنِ» وَقَالَ: «لِلْوَازِنِ زِنْ وَأَرْجِحْ فَإِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ هَكَذَا نَزِنْ». قَالَ: (فَإِنْ أَتَاهُ بِالثَّوْبِ الْجَيِّدِ وَالْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ ثَوْبٌ وَسَطٌ وَقَالَ: خُذْ هَذَا وَزِدْنِي دِرْهَمًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ فَعَلَ) وَهَذِهِ فِي الْحَاصِلِ ثَمَانِيَةُ فُصُولٍ أَرْبَعَةٌ فِي الثِّيَابِ وَأَرْبَعَةٌ فِي الْمُقَدَّرَاتِ أَمَّا فِي الثِّيَابِ إنْ أَتَاهُ بِأَزْيَدَ وَصْفًا أَوْ بِدُونٍ وَصْفًا أَوْ بِأَزْيَدَ قَدْرًا أَوْ بِأَنْقَصَ قَدْرًا أَمَّا فِي الثِّيَابِ إنْ أَتَاهُ بِأَزْيَدَ وَصْفًا أَوْ ذِرَاعًا بِأَنْ أَتَاهُ بِأَحَدَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَقَدْ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ فَقَالَ: خُذْ هَذَا وَزِدْنِي دِرْهَمًا يَجُوزُ وَتَكُونُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ بِمُقَابَلَةِ صِفَةِ الْجَوْدَةِ أَوْ الذِّرَاعِ الزَّائِدِ وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ ثَوْبًا جَيِّدًا بِثَوْبٍ وَسَطٍ وَدِرْهَمٍ يَجُوزُ وَلَوْ بَاعَهُ أَحَدَ عَشَرَ ذِرَاعًا بِعَشَرَةِ أَذْرُعٍ وَدِرْهَمٍ يَجُوزُ فَكَذَلِكَ الْقَبْضُ بِحُكْمِ السَّلَمِ وَلَوْ أَتَاهُ بِأَنْقَصَ وَصْفًا بِأَنْ أَتَاهُ بِثَوْبٍ رَدِيءٍ فَقَالَ: خُذْ هَذَا وَأَرُدُّ عَلَيْكَ دِرْهَمًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ هَذَا مِنْهُمَا إقَالَةٌ لِلْعَقْدِ فِي الصِّفَةِ وَحِصَّةُ الصِّفَةِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ فَلَا تَجُوزُ الْإِقَالَةُ فِيهِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَتَاهُ بِتِسْعَةِ أَذْرُعٍ فَقَالَ: خُذْ هَذَا

стр. 2634

وَأَرُدُّ عَلَيْكَ دِرْهَمًا لِأَنَّ الذِّرَاعَ فِي الثَّوْبِ صِفَةٌ وَلِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ لَا يَنْقَسِمُ عَلَى ذُرْعَانِ الثَّوْبِ بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ فَلَمْ تَكُنْ حِصَّةُ الذِّرَاعِ مَعْلُومَةً مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَلَا تَجُوزُ الْإِقَالَةُ فِيهِ أَمَّا فِي الْمُقَدَّرَاتِ لَوْ أَسْلَمَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ حِنْطَةٍ وَسَطٍ فَأَتَاهُ بِطَعَامٍ جَيِّدٍ وَقَالَ: خُذْ هَذَا وَزِدْنِي دِرْهَمًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الدِّرْهَمَ الزَّائِدَ بِمُقَابَلَةِ الْجَوْدَةِ وَلَا قِيمَةَ لِلْجَوْدَةِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ قَفِيزَ حِنْطَةٍ جَيِّدَةٍ بِقَفِيزٍ وَسَطٍ وَدِرْهَمٍ لَا يَجُوزُ وَهَذَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ هَذَا الْقَفِيزَ الْجَيِّدَ عِوَضًا عَنْ الْوَسَطِ الَّذِي لَهُ فِي ذِمَّتِهِ وَعَنْ الدِّرْهَمِ الزَّائِدِ وَلَوْ أَتَاهُ بِأَحَدَ عَشَرَ قَفِيزًا وَقَالَ: خُذْ هَذَا وَزِدْنِي دِرْهَمًا جَازَ لِأَنَّ الدِّرْهَمَ الزَّائِدَ بِمُقَابَلَةِ الْقَفِيزِ الزَّائِدِ وَهُوَ جَائِزٌ وَلَوْ أَتَاهُ بِعَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ رَدِيئَةٍ فَقَالَ: خُذْ هَذَا وَأَرُدُّ عَلَيْكَ دِرْهَمًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلصِّفَةِ فَكَيْفَ تَسْتَقِيمُ الْإِقَالَةُ عَلَى الْقِيمَةِ فِيهِ وَلَوْ أَتَاهُ بِتِسْعَةِ أَقْفِزَةٍ وَقَالَ: خُذْ هَذَا وَأَرُدُّ عَلَيْكَ دِرْهَمًا يَجُوزُ بِخِلَافِ الثَّوْبِ لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ يَنْقَسِمُ عَلَى الْقَفِيزَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ فَحِصَّةُ الْقَفِيزِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ مَعْلُومَةٌ بِخِلَافِ ذُرْعَانِ الثَّوْبِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا ذَكَرَ قَوْلَهُ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ لِأَنَّ رَبَّ السَّلَمِ يَزِيدُ فِي رَأْسِ الْمَالِ فَتَلْحَقُ الزِّيَادَةُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ أَوْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ يَحُطُّ شَيْئًا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَالْحَطُّ أَيْضًا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ لَا أَنْ يَكُونَ بِمُقَابَلَةِ الصِّفَةِ أَوْ يَكُونُ فِيهِ إقَالَةُ الْعَقْدِ فِي شَيْءٍ ثُمَّ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ إذَا أَتَى بِالْأَجْوَدِ وَرَبُّ السَّلَمِ أَحْسَنَ إلَيْهِ حِينَ تَجَوَّزَ بِالرَّدِيءِ فَإِذَا أَمْكَنَ تَحْصِيلُ مَقْصُودِهِمَا بِهَذَا الطَّرِيقِ وَجَبَ حَمْلُ تَصَرُّفِهِمَا عَلَيْهِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذَا إذَا لَمْ يَنُصَّا عَلَى النَّصِّ وَالْمُقَابَلَةِ أَمَّا إذَا نَصَّا عَلَى ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ حَمْلُ فَعْلِهِمَا عَلَى التَّبَرُّعِ كَمَا لَوْ بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ لَا يَجُوزُ وَلَا يُجْعَلُ أَحَدُ الدِّرْهَمَيْنِ هِبَةً وَذَكَرَ أَبُو سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ جَوَّزَ ذَلِكَ فِي الثِّيَابِ وَلَمْ يُجَوِّزْهُ فِي الطَّعَامِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُخَالِفُ رِوَايَةَ مُحَمَّدٍ فِي الثَّوْبِ إذَا أَتَاهُ بِأَرْدَأَ مِمَّا شَرَطَ أَوْ بِأَنْقَصَ مِمَّا شَرَطَ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ. [الِاخْتِلَاف فِي السَّلَم] قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي السَّلَمِ فَقَالَ: الطَّالِبُ شَرَطْتَ لِي جَيِّدًا وَقَالَ: الْمَطْلُوبُ شَرَطْتُ لَكَ وَسَطًا أَوْ قَالَ: الطَّالِبُ أَسْلَمْتُ إلَيْكَ فِي حِنْطَةٍ وَقَالَ: الْمَطْلُوبُ أَسْلَمْتَ إلَيَّ فِي شَعِيرٍ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا) وَحُكْمُ التَّحَالُفِ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا فَالْقَوْلُ مَا يَقُولُهُ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ» وَسَنُقَرِّرُ هَذَا فِي بَابِ التَّحَالُفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَنَقُولُ الْآنَ إذَا اخْتَلَفَا

стр. 2635

فِي جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَتَعَلَّقَ الْعَقْدِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِالثَّمَنِ ثُمَّ لَوْ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ تَحَالَفَا فَفِي جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْلَى وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الدَّيْنُ بِصِفَتِهِ فَالْجَيِّدُ مِنْهُ غَيْرُ الْوَسَطِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ أُحْضِرَا كَانَا غَيْرَيْنِ وَالِاخْتِلَافُ فِي الصِّفَةِ فِيمَا هُوَ دَيْنٌ يَكُونُ اخْتِلَافًا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ فَإِنَّ الْعَيْنَ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صِفَتِهِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ اخْتِلَافًا بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَالَ: (وَاَلَّذِي يَبْدَأُ بِهِ فِي الْيَمِينِ الْمَطْلُوبِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ وَصَاحِبِ الشَّرْعِ ﵊ قَالَ: فَالْقَوْلُ مَا يَقُولُهُ الْبَائِعُ فَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُكْتَفَى بِيَمِينِهِ وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِذَلِكَ فَيَبْقَى هَذَا الظَّاهِرُ مُعْتَبَرًا فِي الْبِدَايَةِ بِيَمِينِهِ وَلِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمُنْكِرِينَ فَإِنَّهُ يُنْكِرُ مَا ادَّعَاهُ الطَّالِبُ مِنْ الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ لِنَفْسِهِ وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: يَبْدَأُ بِيَمِينِ الطَّالِبِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ أَوَّلَ التَّسْلِيمَيْنِ فِي عَقْدِ السَّلَمِ عَلَى الطَّالِبِ وَهُوَ رَأْسُ الْمَالِ فَلِذَلِكَ أَوَّلُ الْيَمِينَيْنِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ بِنُكُولِهِ يُثْبِتُ مَا ادَّعَاهُ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ وَيَقَعُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ يَمِينِهِ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏ يَقُولُ الْقَاضِي يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا وَيَبْدَأُ بِيَمِينِ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمَيْلِ عَنْ نَفْسِهِ وَقِيلَ الرَّأْيُ فِي ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي وَقِيلَ يُنْظَرُ أَيُّهُمَا سَبَقَ بِالدَّعْوَةِ يَبْدَأُ بِيَمِينِ خَصْمِهِ وَأَيُّهُمَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ لِأَنَّ نُكُولَهُ قَائِمٌ مَقَامَ إقْرَارَهُ وَإِنْ قَامَتْ لَهُمَا جَمِيعًا بَيِّنَةٌ أُخِذَتْ بَيِّنَةُ الطَّالِبِ لِأَنَّ فِي بَيِّنَتِهِ زِيَادَةُ إثْبَاتٍ وَلِأَنَّهُ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقِّ نَفْسِهِ فَالْمَطْلُوبُ إنَّمَا يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقِّ الطَّالِبِ وَبَيِّنَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى حَقِّ نَفْسِهِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ افْتَرَقَا عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ يَقْضِي بِسَلَمَيْنِ عَشَرَةٌ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ بِبَيِّنَةِ رَبِّ السَّلَمِ وَعَشَرَةٌ فِي كُرِّ شَعِيرٍ بِبَيِّنَةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَمُحَمَّدٌ ﵀ يَقُولُ الْبَيِّنَاتُ حُجَجٌ فَمَهْمَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهَا لَا يَجُوزُ إبْطَالُ شَيْءٍ مِنْهَا وَهُنَا الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ يُمْكِنُ إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِمَا كَحُجَجِ الشَّرْعِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ فَإِنَّهُ مَا قُبِضَ فِي الْمَجْلِسِ إلَّا عَشَرَةً وَاحِدَةً فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِالْعَقْدَيْنِ؛ فَلِهَذَا رَجَّحْنَا بَيِّنَةَ الطَّالِبِ وَقَاسَ هَذَا بِبَيْعِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُ مِنْكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَالَ: الْمُشْتَرِي بِعْتَنِي الْعَبْدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ يَقْضِي بِالْعَقْدِ فِيهِمَا جَمِيعًا بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِكَ فِي السَّلَمِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَقُولَانِ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَّا عَقْدٌ وَاحِدٌ فَالْقَضَاءُ بِالْعَقْدَيْنِ قَضَاءٌ بِمَا لَمْ

стр. 2636

يَطْلُبَا وَلَيْسَ لِلْقَاضِي ذَلِكَ يُقْرِرْهُ أَنَّهُ لَا مَقْصُودَ لِلْمَطْلُوبِ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ إثْبَاتًا لِأَنَّ حَقَّهُ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَهُوَ سَالَمَ لَهُ وَلَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ حِنْطَةً كَانَ أَوْ شَعِيرًا فَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ نَفْي بَيِّنَةِ الطَّالِبِ فَرَجَّحْنَا بَيِّنَةَ الطَّالِبِ لِلْإِثْبَاتِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْعَيْنِ فَالْبَائِعُ هُنَاكَ بِبَيِّنَتِهِ يُثْبِتُ إزَالَةَ الْعَيْنِ عَنْ مِلْكِهِ لِيُسْقِطَ مُؤْنَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُشْتَرِي فَكَانَ هُوَ مُثْبِتًا كَالْمُشْتَرِي فَلِهَذَا قَضَيْنَا بِالْعَقْدَيْنِ ثُمَّ نُصَّ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ قَالَ: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا وَمِنْهُمْ مِنْ فَرَّقَ لِمُحَمَّدٍ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: بِاخْتِلَافِهِمَا فِي الصِّفَةِ لَا يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ فِي الْعَقْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يُسْلِمُ فِي الْجَيِّدِ وَيَأْخُذُ مَكَانَهُ رَدِيئًا وَيَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي الرَّدِيءِ فَيُعْطِيَهُ مَكَانَهُ جَيِّدًا فَعَرَفْنَا أَنَّ بِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ لَا يَخْتَلِفُ الْعَقْدُ فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ هُنَاكَ بِالْعَقْدَيْنِ بِخِلَافِ الْجِنْسِ فَإِنَّ بِالسَّلَمِ بِالْحِنْطَةِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الشَّعِيرِ فَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا فِي الْعَقْدِ وَقَدْ أَثْبَتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا ادَّعَى مِنْ الْعَقْدِ بِالْبَيِّنَةِ فَيُقْضَى بِالْعَقْدَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ وَتَحَالَفَا فَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا إذَا طَلَبَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ لِمَا فِي امْتِدَادِهَا مِنْ الْفَسَادِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِإِعَادَةِ رَأْسِ مَالِهِ إلَيْهِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي بَابِ اللِّعَانِ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ التَّلَاعُنِ مِنْ غَيْرِ طَلَبِهِمَا لِأَنَّ حُرْمَةَ الِاجْتِمَاعِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ مَا دَامَا مُصِرَّيْنِ حَقُّ الشَّرْعِ فَلَا يَتَوَقَّفُ التَّفْرِيقُ عَلَى طَلَبِهِمَا أَوْ طَلَبِ أَحَدِهِمَا وَهُنَا فَسْخُ الْعَقْدِ حَقُّهُمَا فَيَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِهِمَا أَوْ طَلَبِ أَحَدِهِمَا قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفَا فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ وَلَكِنْ اخْتَلَفَا فِي مَكَانِ الْإِيفَاءِ) فَقَالَ: الطَّالِبُ شَرَطْتُ لِي مَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَقَالَ: الْمَطْلُوبُ بَلْ مَكَانُ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الطَّالِبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ مَعَ يَمِينِهِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ السَّلَمَ وَقِيلَ هَذَا الِاخْتِلَافُ عَلَى الْقَلْبِ فَإِنَّ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ بَيَانَ مَكَانِ الْإِيفَاءِ شَرْطٌ كَالصِّفَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ يُوجِبُ التَّحَالُفَ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الصِّفَةِ بَلْ هُوَ زَائِدٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي مَوْضِعِهِ فَإِنَّ عِنْدَهُمَا: مُتَعَيَّنُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ مُوجَبُ الْعَقْدِ وَلِهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ بَلْ يَتَعَيَّنُ مَوْضِعُ الْعَقْدِ لِلْإِيفَاءِ وَالِاخْتِلَافُ فِي مُوجَبِ الْعَقْدِ يُوجِبُ التَّحَالُفَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ مُوجَبٌ بِالشَّرْطِ كَالْأَجَلِ وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ لَا يُوجِبُ التَّحَالُفَ ثُمَّ وَجْهُ قَوْلِهِمَا إنَّ الْمَالِيَّةَ فِيمَا لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ كَالِاخْتِلَافِ فِي

стр. 2637

الصِّفَةِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ الْمَالِيَّةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ الْقِيَاسُ يَمْنَعُ التَّحَالُفَ تَرَكْنَا ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ وَإِنَّمَا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِالتَّحَالُفِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِيمَا هُوَ مِنْ صُلْبِ الْعَقْدِ وَهُوَ الْبَدَلُ فَأَمَّا الْمَكَانُ لَيْسَ مِنْ صُلْبِ الْعَقْدِ فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ كَالِاخْتِلَافِ فِي الْأَجَلِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَكَانِ تَسْلِيمِهِ بِخِلَافِ الصِّفَةِ فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ دَيْنًا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صِفَتِهِ فَلِهَذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ التَّحَالُفِ قَالَ: (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فِي مِقْدَارِ الْأَجَلِ أَوْ فِي مُضِيِّ الْأَجَلِ أَوْ فِي أَصْلِ الْأَجَلِ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْأَجَلِ فَقَالَ: الطَّالِبُ كَانَ الْأَجَلُ شَهْرًا وَقَالَ: الْمَطْلُوبُ شَهْرَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الطَّالِبِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقُّ الْمَطْلُوبِ قَبْلَ الطَّالِبِ فَإِنَّ بِاعْتِبَارِهِ تَتَأَخَّرُ مُطَالَبَتُهُ عَنْهُ فَالْمَطْلُوبُ يَدَّعِي زِيَادَةً فِي حَقِّهِ وَالطَّالِبُ يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَطْلُوبِ لِإِثْبَاتِهِ الزِّيَادَةَ فِي حَقِّهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مُضِيِّهِ فَقَالَ: الطَّالِبُ كَانَ الْأَجَلُ شَهْرًا وَقَدْ مَضَى وَقَالَ: الْمَطْلُوبُ إنَّمَا عَقَدْنَا الْعَقْدَ الْيَوْمَ وَالْأَجَلُ شَهْرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ إمَّا لِأَنَّ الطَّالِبَ يَدَّعِي تَارِيخًا سَابِقًا فِي الْعَقْدِ وَالْمَطْلُوبَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ أَوْ لِأَنَّهُمَا تَصَادَفَا عَلَى ثُبُوتِ الْأَجَلِ حَقًّا لِلْمَطْلُوبِ ثُمَّ الطَّالِبُ يَدَّعِي إيفَاءَ حَقِّهِ وَالْمَطْلُوبُ يُنْكِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَطْلُوبِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ الْأَجَلِ وَذَلِكَ بِبَيِّنَةِ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ قِيَامَ الْأَجَلِ فِي الْحَالِ وَالطَّالِبُ يَنْفِي ذَلِكَ بِبَيِّنَتِهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مِنْ وَجْهٍ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةٌ مِنْ وَجْهٍ كَالْمُودِعِ إذَا ادَّعَى الْوَدِيعَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِإِنْكَارِهِ الضَّمَانَ وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَتُهُ أَيْضًا لِإِثْبَاتِهِ الرَّدِّ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطِ الْأَجَلِ فَفِي الْقِيَاسِ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ شَرْطَ الْأَجَلِ وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ لِأَنَّ عَقْدَ السَّلَمِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِاشْتِرَاطِ الْأَجَلِ فَمَنْ يُنْكِرُ الْأَجَلَ فَهُوَ مُنْكِرٌ لِلْعَقْدِ فِي الْمَعْنَى فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْأَجَلَ شَرْطٌ زَائِدٌ فَإِذَا اخْتَلَفَا فِيهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُهُ كَالْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ اسْتَحْسَنَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْأَجَلَ أَيُّهُمَا كَانَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: إذَا كَانَ الطَّالِبُ يَدَّعِي الْأَجَلَ فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ هُوَ الَّذِي يَدَّعِي الْأَجَلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الطَّالِبِ لِإِنْكَارِهِ قِيَاسًا لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقُّ الْمَطْلُوبِ قَبْلَ الطَّالِبِ فَإِذَا ادَّعَاهُ الْمَطْلُوبُ وَأَنْكَرَ الطَّالِبُ فَكِلَاهُمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ وَذَا ادَّعَى الطَّالِبُ الْأَجَلَ فَكَلَامُ الْمَطْلُوبِ فِي الْإِنْكَارِ تَعَنُّتٌ لِأَنَّ الطَّالِبَ أَقَرَّ لَهُ بِحَقِّهِ وَهُوَ أَنْكَرَ ذَلِكَ لِيُفْسِدَ الْعَقْدَ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ الْمُتَعَنَّتِ فَهُوَ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا الْمُضَارِبُ وَرَبُّ الْمَالِ فَقَالَ: رَبُّ الْمَالِ شَرَطْتُ لَكَ

стр. 2638

نِصْفَ الرِّبْحِ إلَّا عَشَرَةً وَقَالَ: الْمُضَارِبُ بَلْ شَرَطْتَ لِي نِصْفَ الرِّبْحِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ لِإِنْكَارِهِ الزِّيَادَةَ وَلَوْ قَالَ: رَبُّ الْمَالِ شَرَطْتُ لَكَ نِصْفَ الرِّبْحِ وَقَالَ: الْمُضَارِبُ إلَّا عَشَرَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ مُتَعَنِّتٌ فِي إنْكَارِهِ بَعْضَ مَا أَقَرَّ بِهِ لِيُفْسِدَ الْعَقْدَ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ الْأَجَلُ مِنْ شَرَائِطِ السَّلَمِ فَاتِّفَاقُهُمَا عَلَى عَقْدِ السَّلَمِ يَكُونُ اتِّفَاقًا عَلَى شَرَائِطِهِ فَكَانَ الْمُنْكَرُ مِنْهُمَا لِلْأَجَلِ رَاجِعًا عَمَّا أَقَرَّ بِهِ وَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بَاطِلٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ لَوْ وَقَعَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ كَانَ بِشُهُودِ أَوْ بِغَيْرِ شُهُودٍ يَجْعَلُ الْقَوْلَ قَوْلَ مِنْ يَدَّعِي أَنَّ النِّكَاحَ بِشُهُودِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَهَذَا لِأَنَّ شَرْطَ الشَّيْءِ تَبَعٌ لَهُ ثُبُوتُ التَّبَعِ بِثُبُوتِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ نَذَرَ صَلَاةً تَلْزَمُهُ الطَّهَارَةُ فَاتِّفَاقُهُمَا عَلَى أَصْلِ الْعَقْدِ يَكُونُ اتِّفَاقًا عَلَى مَا هُوَ مِنْ شَرَائِطِهِ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ مِنْ يُثْبِتُ الْأَجَلَ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِبَيِّنَتِهِ شَرْطُ صِحَّةِ الْعَقْد إذْ الْأَجَلُ شَرْطٌ زَائِدٌ كَالْخِيَارِ فَمَنْ يُثْبِتُهُ بِالْبَيِّنَةِ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ أُولَى بِالْقَبُولِ. قَالَ: (وَإِذَا تَتَارَكَا السَّلَمَ بَعْدَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي رَأْسِ الْمَالِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ مَعَ يَمِينِهِ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الطَّالِبِ) لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ بِبَيِّنَتِهِ وَالْمَطْلُوبُ يُنْكِرُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا يَتَحَالَفَانِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا هُنَاكَ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ الْإِقَالَةِ تَحَالَفَا وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّحَالُفِ الْفَسْخُ وَالْإِقَالَةُ كَالْبَيْعِ فِي احْتِمَالِ الْفَسْخِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ بَعْدَ الْإِقَالَةِ قَبْلَ الرَّدِّ تَنْفَسِخُ الْإِقَالَةُ وَلَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَإِنَّ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي يَرُدُّهُ بِذَلِكَ وَإِقَالَةُ السَّلَمِ لَا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ حَتَّى لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَيْنًا لَمْ تَنْفَسِخُ الْإِقَالَةُ بِالْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَلَا بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ وَبِالْإِقَالَةِ يَسْقُطُ وَالسَّاقِطُ مُتَلَاشِي فَلَا يُتَصَوَّرُ فَسْخُ السَّبَبِ فِيهِ وَإِنَّمَا كَانَ وُجُوبُهُ بِالْعَقْدِ فَلَا يَبْقَى بَعْدَ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ وَبِدُونِ بَقَاءِ مَا تَتَنَاوَلُهُ الْإِقَالَةُ لَا يُتَصَوَّرُ فَسْخُ الْإِقَالَةِ وَهُنَاكَ الْعَقْدُ تَنَاوَلَ الْعَيْنَ وَهُوَ بَاقِي بَعْدَ الْإِقَالَةِ قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ إلَى رَجُلٍ فِي طَعَامٍ فَوَجَدَ فِيهَا دِرْهَمًا زَائِفًا بَعْدَ مَا افْتَرَقَا فَأَنْكَرَ رَبُّ السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ دَرَاهِمِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْجِيَادِ وَهَذَا بِخِلَافِ بَيْعِ الْعَيْنِ فَإِنَّ هُنَاكَ الْمُشْتَرِيَ إذَا طَعَنَ بِعَيْبٍ وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَ مَا أَحْضَرَهُ هُوَ الْمَبِيعُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَنَاوَلَ الْعَيْنَ وَقَدْ تَصَادَقَا عَلَى قَبْضِ الْمُشْتَرِي لِمَا هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ ثُمَّ الْمُشْتَرِي يَدَّعِي عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ حَقَّ الرَّدِّ وَالْبَائِعُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ وَهُنَا حَقُّ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ يَثْبُتْ فِي الْجِيَادِ دَيْنًا وَهُوَ مُنْكِرٌ لِقَبْضِ الْحِيَادِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَهَذَا إذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ إقْرَارٌ بِاسْتِيفَاءِ الْجِيَادِ أَوْ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ أَوْ بِاسْتِيفَاءِ رَأْسِ الْمَالِ بِأَنْ

стр. 2639

كَانَ سَاكِتًا أَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ الدَّرَاهِمِ فَاسْمُ الدَّرَاهِمِ يَتَنَاوَلُ الْجِيَادَ وَالزُّيُوفَ فَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا كَانَ هُوَ فِي دَعْوَى الزِّيَافَةِ بَعْدَ ذَلِكَ مُنَاقِضًا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ إلَيْهِ مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي طَعَامٍ وَأَعْطَاهُ بَعْضَهَا وَأَحَالَهُ عَلَى رَجُلٍ بِبَعْضِهَا وَبَقِيَ عِنْدَهُ بَعْضُهَا ثُمَّ تَفَرَّقَا فَلَهُ مِنْ السَّلَمِ بِحِسَابِ مَا نَقَدَهُ وَقَدْ بَطَلَ مَا سِوَى ذَلِكَ) لِافْتِرَاقِهِمَا قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ فَإِنَّهُ بِالْحَوَالَةِ لَا يَصِيرُ قَابِضًا بَلْ حَقُّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ كَهُوَ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ وَقَدْ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ لِأَنَّهَا كَانَتْ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَقَدْ بَطَلَ حَقُّ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ حِينَ افْتَرَقَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَتَبْطُلُ الْحَوَالَةُ لِذَلِكَ وَيَرْجِعُ رَبُّ السَّلَمِ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي أَحَالَهُ بِهَا عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ يُرِيدُ بِهِ إنَّ ذَلِكَ كَانَ دَيْنًا لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ كَمَا كَانَ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ الْحَيَوَانَ وَلَا مَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ فِيمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ) لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ مُعَجَّلٌ فِي هَذَا الْعَقْدِ يَجُوزُ تَعَيُّنُهُ فَكُلُّ مَا يَصْلُحُ مَبِيعًا عَيْنًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ الْمَالِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ السَّلَمُ عِنْدَ انْعِدَامِ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ الْجِنْسِيَّةِ وَالْقَدْرِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ قَالَ: وَيُسْلِمُ الثَّوْبَ الْفَوْهِيَّ فِي الثَّوْبِ الْهَرَوِيِّ وَالْمَرْوِيِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الثِّيَابِ الْمُخْتَلِفَةِ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ وَالصَّنْعَةِ يُسْلَمُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ وَكَذَلِكَ الزُّطِّيُّ فِي الْهَرَوِيِّ وَالْكَسَا فِي الطَّيْلَسَانِ وَالطَّيْلَسَانُ فِي الْكَسَا وَالثَّوْبُ مِنْ الْكَتَّانِ فِي الثَّوْبِ مِنْ الْقُطْنِ إمَّا لِاخْتِلَافِ الْأُصُولِ أَوْ لِاخْتِلَافِ الصَّنْعَةِ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ تَبْدِيلَ الِاسْمِ وَالْمَقْصُودِ وَالْوَذَارِيُّ يُرَادُ بِهِ مَا لَا يُرَادُ بِهِ الْبَلَدِيُّ وَالزَّنْدِيجِيُّ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْكُلِّ وَاحِدًا وَهُوَ الْقُطْنُ وَهُوَ كالسَّعْلاطَوِيِّ مَعَ الْخِمَارِ الْأَسْوَدِ جِنْسَانِ وَإِنْ اتَّحَدَ الْأَصْلُ وَهُوَ الْإِبْرَيْسَمُ وَالْيَعْفُورِيُّ مَعَ الْكَسَا جِنْسَانِ وَإِنْ اتَّحَدَ الْأَصْلُ وَعِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ فِيمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ يَجُوزُ إسْلَامُ الْبَعْضِ فِي الْبَعْضِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالْقَزِّ وَالِإِبْرَيْسَمِ) لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ مَعْلُومٌ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ وَإِنْ اشْتَرَطَ أَنْ يُوفِيَهُ السَّلَمَ فِي مَدِينَةِ كَذَا وَفِي مِصْرِ كَذَا فَحَيْثُ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْمِصْرِ أَوْ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِرَبِّ السَّلَمِ أَنْ يُكَلِّفَهُ تَسْلِيمَهُ إلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالشَّرْطِ أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ كَمَا بَيَّنَّا فِي شَرْطِ الْجَيِّدِ فَحَيْثُ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ فَقَدْ وَفَّى بِالشَّرْطِ وَلِأَنَّ نَوَاحِيَ الْمِصْرِ فِي الْمِصْرِ كَمَكَانٍ وَاحِدٍ بِدَلِيلِ جَوَازِ عَقْدِ السَّلَمِ فَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْ مَوْضِعًا مِنْ الْمِصْرِ كَانَ لَهُ أَنْ يُسْلِمَ فِي أَيْ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْهُ فَإِنْ (قِيلَ) أَلَيْسَ أَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى مِصْرَ كَذَا فَدَخَلَهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَبَلَّغَ عَلَيْهَا إلَى مَنْزِلِهِ فِي الْمِصْرِ (قُلْنَا) هَذَا مُسْتَحْسَنٌ لِلْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ لَا يَسْتَأْجِرُ دَابَّةً أُخْرَى بَعْدَ دُخُولِ ذَلِكَ الْمِصْرِ

стр. 2640

لِيَتَبَلَّغَ عَلَيْهَا إلَى مَنْزِلَةٍ فَالْمُسْتَحْسَنُ مِنْ الْقِيَاسِ بِالْعُرْفِ لَا يَرُدُّ نَقْضًا عَلَى الْقِيَاسِ وَلَا يَعْدُو الْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الْعُرْفُ [السَّلَمُ فِي الْمُسَابِقِ وَالْفِرَا] قَالَ: (وَلَا خِيَارَ فِي السَّلَمِ فِي الْمُسَابِقِ وَالْفِرَا) لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ مِنْهَا الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ وَالْمُسْبَقُ مَا لَهُ كُمَّانِ طَوِيلَانِ كَمَا يَكُونُ لِلْأَكْرَادِ وَبَعْضِ الْعَرَبِ وَالْفَرْوُ مَا لَا كُمَّ لَهُ قَالَ: (إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مَعْرُوفَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالتَّقْطِيعِ وَالصِّفَةِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ) لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ قَالَ: (وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي كُلِّ شَيْءٍ اُشْتُرِطَ فِيهِ الْأَوْقَارُ وَالْأَحْمَالُ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ فَبَعْضُهَا يَكُونُ أَثْقَلَ مِنْ بَعْضٍ وَهَذِهِ الْجَهَلَةُ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا قَالَ: (وَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ أَنْ يُحْمَلَ السَّلَمُ إلَى مَنْزِلِ صَاحِبِ السَّلَمِ بَعْدَ مَا يُوفِيهِ إيَّاهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي شَرَطَهُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ) لِأَنَّ الْعَقْدَ يَنْتَهِي بِالْإِيفَاءِ فِي الْمَكَانِ الْمَشْرُوطِ ثُمَّ قَدْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةً بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَقْدِ وَهُوَ الْحَمْلُ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ يَطْحَنَهُ وَإِنْ اشْتَرَطَ أَنْ يُوفِيَهُ إيَّاهُ فِي مَنْزِلِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ فِيهِ مِثْلُ الْأَوَّلِ مِنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ يَقُولُ مَوْضِعُ هَذَا الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ إذَا اشْتَرَطَ أَنْ يُوفِيَهُ فِي مَنْزِلِهِ بَعْدَ مَا يُوفِيهِ فِي مَكَانِ كَذَا لِيَكُونَ الْفَصْلُ الثَّانِي عَلَى وَزَانِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ لِاشْتِرَاطِهِ مَنْفَعَةً لِنَفْسِهِ بَعْدَ مَا انْتَهَى الْعَقْدُ نِهَايَتَهُ إذْ لَا يَتَأَتَّى إيفَاؤُهُ فِي مَنْزِلِهِ بَعْدَ الْإِيفَاءِ فِي الْمَكَانِ الْمَشْرُوطِ إلَّا بِالْحَمْلِ فَلَفْظُ الْحَمْلِ وَالْإِيفَاءِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ قَالَ: (إنْ اشْتَرَطَ بِلَفْظِهِ الْإِيفَاءَ فَالثَّانِي مِثْلُ الْأَوَّلِ مِنْ جِنْسِهِ فَيَنْفَسِخُ بِهِ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ اشْتَرَطَ ابْتِدَاءَ هَذَا) فَأَمَّا الْحَمْلُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْإِيفَاءِ فَلَا يَنْفَسِخُ بِهِ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ بَاعَهُ بِأَلْفٍ ثُمَّ بَاعَهُ بِالْفَيْنِ انْفَسَخَ بِهِ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ وَلَوْ وَهَبَهُ لَمْ يَنْفَسِخْ بِهِ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ وَبَيَانُ الْمُجَانَسَةِ أَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي الْإِيفَاءَ لَا مَحَالَةَ وَلَا يَقْتَضِي الْحَمْلَ أَلَا تَرَى أَنَّ رَبَّ السَّلَمِ قَدْ يَأْتِي إلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِيُوفِيَهُ فِي مَنْزِلِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْحَمْلِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْحَمْلَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْإِيفَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَقْدَ قَدْ يَخْلُو مِنْهُ وَقِيلَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ فِيمَا إذَا اشْتَرَطَ ابْتِدَاءً أَنْ يُوفِيَهُ فِي مَنْزِلِهِ فِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ مَنْزِلَهُ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَنْزِلُهُ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَقَدْ يَكُونُ فِي هَذَا الْمِصْرِ وَقَدْ يَكُونُ فِي مِصْرٍ آخَرَ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: الْعَادَةُ لَمْ تَجْرِ بِاسْتِبْدَالِ الْمَنْزِلِ بِالْمَنْزِلِ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَوْ الِانْتِقَالِ مِنْ الْمِصْرِ إلَى الْمِصْرِ لِلتَّوَطُّنِ وَمَنْزِلِهِ لِلْحَالِ مَعْلُومٌ فَبِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ يَكُونُ هَذَا مَنْزِلَهُ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَالتَّعَيُّنِ بِالْعُرْفِ كَالتَّعْيِينِ بِالنَّصِّ وَقِيلَ بَلْ مَوْضِعُ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ مَا إذَا شَرَطَ أَنْ يُوفِيَهُ فِي مَنْزِلِهِ وَلَا يَعْلَمُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مَنْزِلَهُ فِي الْمِصْرِ

стр. 2641

فِي أَيِّ مَحَلَّةٍ هُوَ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ لِلْجَهَالَةِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ لِأَنَّ نَوَاحِيَ الْمِصْرِ كَمَكَانٍ وَاحِدٍ وَلَكِنْ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الْحَمْلِ أَوْ بِلَفْظِ الْإِيفَاءِ وَفِي الْكِتَابِ قَالَ: نَأْخُذُ بِالْحَمْلِ فِي الْقِيَاسِ وَفِي هَذَا بِالِاسْتِحْسَانِ فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ بِالْجُبْنِ وَالْمَصْلِ) لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ مَعْلُومٌ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ﵏ يَقُولُونَ هَذَا فِي مَصْلِ دِيَارِ خُوَارِزْمَ فَإِنَّهُ لَا يُخَالِطُهُ الدَّقِيقَ فَإِنَّا فِي مَصْلِ دِيَارِنَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّهُ يُخَالِطُهُ دَقِيقُ الشَّعِيرِ وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ وَقَدْ يَكْثُرُ وَبِجِنْسِهِ تَخْتَلِفُ الْمَالِيَّةُ فَكَانَ قِيَاسُ السَّلَمِ فِي النَّاطِفِ الْمُمَوَّنِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ أَهْلِ الصَّنْعَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَفَاوَتُ فَالسَّلَمُ صَحِيحٌ قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَا فَقَالَ: رَبُّ السَّلَمِ أَسْلَمْتُ إلَيْكَ فِي ثَوْبٍ يَهُودِيٍّ وَقَالَ: الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بَلْ هُوَ فِي زُطِّيٍّ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ) لِاخْتِلَافِهِمَا فِي جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَجَبَ قَبُولُ بَيِّنَتِهِ وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الطَّالِبِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَقْضِي بِسَلَمَيْنِ إذَا كَانَا فِي الْمَجْلِسِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا وَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ يَهُودِيٌّ غَيْرَ أَنَّ الطَّالِبَ قَالَ: هُوَ سِتَّةُ أَذْرُعٍ فِي ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَقَالَ: الْمَطْلُوبُ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ فِي ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فِي الْقِيَاسِ يَتَحَالَفَانِ وَيُتَرَادَّانِ وَبِالْقِيَاسِ نَأْخُذُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ وَلَوْ كَانَ مَبِيعًا عَيْنًا وَاخْتَلَفَا فِي طُولِهِ وَعَرَضِهِ لَا يَتَحَالَفَانِ بَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ مِنْ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ فَكَذَلِكَ فِي السَّلَمِ وَهَذَا لِأَنَّ زِيَادَةَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ لَا تُسْتَحَقُّ إلَّا بِالشَّرْطِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْأَجَلِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ لَمْ يَتَحَالَفَا فَهَذَا مِثْلُهُ وَفِي الْقِيَاسِ الْمُسْلَمُ فِيهِ دَيْنٌ وَالذُّرْعَانُ لَا عَلَامَةَ فِي الْمَذْرُوعَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدِ فِي الْمَقْدُورَاتِ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْمُسْلَمِ فِيهِ تَحَالَفَا ثُمَّ أَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الذُّرْعَانَ صِفَةٌ وَلَكِنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءُ أَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِيهِ تَحَالَفَا فَكَذَلِكَ فِي الذُّرْعَانِ وَنَأْخُذُ بِالْقِيَاسِ لِقُوَّةِ جَانِبِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانُ قِيَاسَانِ فَأَيُّهُمَا كَانَ أَثَرُهُ أَقْوَى يُؤْخَذُ بِهِ وَلَمْ يُذْكَرْ هَذَا الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي صِفَةِ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ لِتَحَقُّقِ الْمُغَايِرَةِ بَيْنَهُمَا وَالْجَيِّدُ غَيْرُ الرَّدِيءِ إذَا كَانَ دَيْنًا وَلَا يَتَحَقَّقُ مِثْلُ تِلْكَ الْمُغَايِرَةِ هُنَا فَالطَّوِيلُ مِنْ الثَّوْبِ قَدْ يَصِيرُ قَصِيرًا بِقَطْعِ بَعْضِهِ وَالْقَصِيرُ قَدْ يُزَادُ فِيهِ فَيَصِيرُ طَوِيلًا فَلِهَذَا ذَكَرَ الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ هُنَا وَلَمْ يَذْكُرْ ثَمَنَهُ قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي السَّلَمِ أَوْ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَلَمْ يَقْبِضْهُ وَلَمْ يَتَفَرَّقَا) فَالْحَاصِلُ إنَّ هَذِهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا

стр. 2642

أَوْ دَيْنًا فَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَقَالَ: الطَّالِبُ أَسْلَمْتُ إلَيْكَ هَذَا الثَّوْبَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ وَقَالَ: الْمَطْلُوبُ بَلْ هَذَا الثَّوْبَ الْآخَرَ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِالسَّلَمَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَيِّنَتِهِ يُثْبِتُ حَقَّهُ فَالطَّالِبُ يُثْبِتُ إزَالَةَ الثَّوْبِ بِاَلَّذِي عَيْنُهُ عَنْ مِلْكِهِ بِكُرِّ حِنْطَةٍ وَالْمَطْلُوبُ يُثْبِتُ مِلْكَهُ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْعَقْدَيْنِ وَإِنْ قَالَ: الطَّالِبُ أَسْلَمْتُ إلَيْكَ هَذَا الثَّوْبَ وَقَالَ: الْمَطْلُوبُ مَعَ هَذَا الثَّوْبِ الْآخَرِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَطْلُوبِ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْعَقْدَيْنِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَالثَّوْبُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ جَمِيعَ رَأْسِ الْمَالِ فِي عَقْدٍ وَبَعْضُ رَأْسِ الْمَالِ فِي عَقْدٍ آخَرَ وَالْمَطْلُوبُ يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ فِي حَقِّهِ بِبَيِّنَتِهِ فَلِهَذَا قَضَيْنَا بِبَيِّنَتِهِ بِإِسْلَامِ الثَّوْبَيْنِ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَيْنًا فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِهِ فَقَالَ: رَبُّ السَّلَمِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ وَقَالَ: الْمُسْلَمُ إلَيْهِ دِينَارٌ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَلَا إشْكَالَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَقْضِي بِالْعَقْدَيْنِ وَقِيلَ هَكَذَا يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ اعْتِبَارًا لِلدَّيْنِ بِالْعَيْنِ وَالدَّنَانِيرِ غَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: يُقْضَى بِعَقْدٍ وَاحِدٍ وَتَكُونُ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةَ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّ الطَّالِبَ لَمَّا لَمْ يُثْبِتْ لِنَفْسِهِ شَيْئًا إذْ لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِ فِيمَا فِي ذِمَّتِهِ وَحَقِّهِ فِي الْكُرِّ ثَابِتٌ بِاتِّفَاقِهِمَا وَالْمَطْلُوبُ يُثْبِتُ حَقَّهُ بِبَيِّنَتِهِ فَكَانَتْ بَيِّنَتُهُ أَوْلَى وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ فَقَالَ: الطَّالِبُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَقَالَ: الْمَطْلُوبُ عِشْرُونَ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ وَقَدْ بَيَّنَّا الِاخْتِلَافَ وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِيهِمَا جَمِيعًا بِأَنْ قَالَ: رَبُّ السَّلَمِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِي كُرَّيْ حِنْطَةٍ وَقَالَ: الْمُسْلَمُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا فِي كُرِّ حِنْطَةٍ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا يَدَّعِي مِنْ الزِّيَادَةِ فِي حَقِّهِ وَيَقْضِي بِعَقْدٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إسْلَامُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا فِي كُرَّيْ حِنْطَةٍ وَعِنْدِ مُحَمَّدٍ يَقْضِي بِعَقْدَيْنِ كَمَا شَهِدَ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ يَقْضِي بِعَقْدَيْنِ مَا أَمْكَنَ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ فَحِينَئِذٍ يَشْتَغِلُ بِالتَّرْجِيحِ لِلضَّرُورَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقْضِي بِعَقْدٍ وَاحِدٍ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ فَحِينَئِذٍ يَقْضِي بِعَقْدَيْنِ لِلضَّرُورَةِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَ: (وَلَوْ أَسْلَمَ عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا فِي حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ وَلَمْ يُسَمِّ رَأْسَ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهُوَ جَائِزٌ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الثَّوْبَ وَالْعَبْدَ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ فَلَا يَضُرُّ تَرْكُ تَسْمِيَةِ رَأْسِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَكِنْ يَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى كُرَّ حِنْطَةٍ وَكُرَّ شَعِيرٍ عَيْنًا بِثَوْبٍ وَاحِدٍ أَوْ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ لِلتَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا فِي تَخْصِيصِهِ بِشَيْءٍ بِأُولَى مِنْ الْآخَرِ قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ جَارِيَةً بِأَلْفِ مِثْقَالِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ أَوْ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ كَانَ

стр. 2643

لَهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفُ) لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ وَمُطْلَقُ الْعَطْفِ يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ عَلَى وَجْهِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ قَالَ: أَلْفُ مِثْقَالٍ فَعَلَيْهِ خَمْسُمِائَةِ مِثْقَالِ ذَهَبٍ وَخَمْسُمِائَةِ مِثْقَالِ فِضَّةٍ لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْمَثَاقِيلَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَإِنْ قَالَ: أَلْفٌ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَعَلَيْهِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ بِالْمَثَاقِيلِ وَخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَزْنُ سَبْعَةٍ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي وَزْنِ الدَّرَاهِمِ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَكُلُّ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ يَصْلُحُ ذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي حُكْمِ الْأَمْوَالِ أَوْ بِالْعَقْدِ يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الْمَالِيَّةِ حَتَّى لَا يَثْبُتُ الْحَيَوَانُ دَيْنًا فِيهِ فِي الذِّمَّةِ لَا حَالًّا وَلَا مُؤَجَّلًا كَمَا فِي الْبَيْعِ وَيَثْبُتُ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا وَالثِّيَابُ الْمَرْصُوفَةُ فِيهِ تَثْبُتُ مُؤَجَّلَةً لَا حَالَّةً لِأَنَّ اسْتِقْرَاضَ الثِّيَابِ لَا يَجُوزُ وَالسَّلَمُ فِيهَا صَحِيحٌ وَالْقَرْضُ لَا يَكُونُ إلَّا حَالًّا وَالسَّلَمُ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤَجَّلًا فَعَرَفْنَا أَنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلَةً لَا حَالَّةً لِأَنَّ اسْتِقْرَاضَ الثِّيَابِ لَا يَجُوزُ عِوَضًا عَمَّا هُوَ مَالٌ وَأَمَّا الْحَيَوَانُ لَا يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُ وَلَا السَّلَمُ فِيهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلًا وَلَا حَالًّا بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ. قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ إلَيْهِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي عِشْرِينَ مَخْتُومَ شَعِيرٍ أَوْ عَشَرَةِ مَخَاتِيمَ حِنْطَةٍ بِالشَّكِّ أَنَّهُ يُعْطِيهِ أَيَّهُمَا شَاءَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ) لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ وَهُوَ مَجْهُولٌ حِينَ أَدْخَلَ حَرْفَ أَوْ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَمِثْلُ هَذِهِ الْجَهَالَةِ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ يَمْتَنِعُ جَوَازُ الْعَقْدِ فَفِي السَّلَمِ أَوْلَى وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ أَعْطَيْتَنِي إلَى شَهْرٍ فَكَذَا أَوْ إنْ أَعْطَيْتَنِي إلَى شَهْرَيْنِ فَكَذَا فَهُوَ فَاسِدٌ لِجَهَالَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ إمَّا جِنْسًا وَإِمَّا قَدْرًا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ هَذَا وَنَحْوُهُ قَالَ: (وَلَا يَسْتَطِيعُ رَبُّ السَّلَمِ أَنْ يَبِيعَ مَا أَسْلَمَ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ) لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ وَبَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضْ» وَلَمَّا «بَعَثَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غِيَاثَ بْنَ أَسَدٍ ﵁ قَاضِيًا وَأَمِيرًا قَالَ: انْهَهُمْ عَنْ أَرْبَعَةٍ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضُوا وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنُوا وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ وَعَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ» وَلِأَنَّ الْعَيْنَ أَقْبَلُ لِلتَّصَرُّفِ مِنْ الدَّيْنِ ثُمَّ الْمَبِيعُ الْعَيْنُ إذَا كَانَ مَنْقُولًا لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِبَقَاءِ الْغَرَرِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لِلتَّصَرُّفِ فَإِذَا كَانَ دَيْنًا أَوْلَى وَذَلِكَ الْغَرَرُ هُنَا قَائِمٌ فَإِنَّ الدَّيْنَ يُنْوَى بِفَوَاتِ مَحِلِّهِ يَعْنِي إذَا مَاتَ الْمَدْيُونُ مُفْلِسًا وَلِهَذَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ فَكَمَا لَا يَبِيعُ الْمُسْلَمُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يُشْرِكُ فِيهِ شَرِيكًا وَلَا يُوَلِّيهِ أَحَدًا لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ تَمْلِيكُ مَا يُمْلَكُ بِمِثْلِ مَا مُلِكَ بِهِ وَالْإِشْرَاكُ تَمْلِيكُ مِثْلِ مَا مَلَكَهُ بِمِثْلِ

стр. 2644

نِصْفِ مَا مَلَكَ بِهِ فَكَمَا لَا يَجُوزُ هَذَا التَّصَرُّفُ مِنْهُ فِي الْكُلِّ لَا يَجُوزُ مِنْهُ فِي الْبَعْضِ قَالَ: (رَجُلٌ قَالَ: لِرَجُلِ أَسْلَمْتَ إلَيَّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ ثُمَّ قَالَ: بَعْدَ مَا سَكَتَ وَلَكَنَّى لَمْ أَقْبِضْ الدَّرَاهِمَ مِنْكَ وَقَالَ رَبُّ السَّلَمِ بَلْ قَبَضْتَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ السَّلَمِ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ) وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ ثَوْبًا. وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ السَّلَمَ اسْمٌ لِلْعَقْدِ وَإِقْرَارُهُ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالْقَبْضِ كَالْبَيْعِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: ابْتَعْتُ مِنْكَ كَذَا ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَقْبِضْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلْقَبْضِ وَالْآخَرُ يَدَّعِي عَلَيْهِ التَّسْلِيمَ فَجُعِلَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ فَكَذَا فِي السَّلَمِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: ذَلِكَ مَوْصُولًا بِكَلَامِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَلَوْ صَارَ بِالْإِقْرَارِ بِالسَّلَمِ مُقِرًّا بِالْقَبْضِ لَكَانَ هَذَا رُجُوعًا وَالرُّجُوعُ لَا يَعْمَلُ مَوْصُولًا كَانَ أَوْ مَفْصُولًا وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: السَّلَمُ أَخْذُ عَاجِلٍ بِآجِلٍ فَمُطْلَقُهُ يَقْتَضِي الْإِقْرَارَ بِالْعَقْدِ وَالْقَبْضِ جَمِيعًا فَكَانَ قَوْلُهُ لَمْ أَقْبِضْهُ بَيَانًا فِيهِ تَغْيِيرٌ لِمُقْتَضَى مُطْلَقِ كَلَامِهِ وَالْبَيَانُ الْمُغَيِّرُ لِلَفْظِهِ صَحِيحٌ مَوْصُولًا بِكَلَامِهِ لَا مَفْصُولًا وَهَذَا تَخْصِيصٌ لِلَفْظِهِ الْعَامِّ وَالتَّخْصِيصُ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ الْإِبْطَالَ صَحِيحٌ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ قَالَ: فِي الْأَصْلِ وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ قَدْ أَعْطَيْتَنِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ أَوْ أَسْلَفْتَنِي أَوْ أَقْرَضْتَنِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِرُءُوسِهَا ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَقْبِضْ وَالْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ فِي الْكُلِّ وَلَكِنْ مِنْ عَادَتِهِ الِاسْتِشْهَادُ بِالْأَوْضَحِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ جَارِيَةٍ بِعْتَنِيهَا ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَقْبِضْهَا وَقَالَ: الْآخَرُ قَدْ قَبَضْتُ فَهُوَ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِي قَوْلِهِ لَمْ أَقْبِضْهَا وَصَلَ أَمْ قَطَعَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ أَوَّلًا إنْ وَصَلَ يُصَدَّقُ وَإِنْ فَصَلَ لَمْ يُصَدَّقْ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: إذَا فَصَلَ يُسْأَلُ الْمُقِرُّ لَهُ عَنْ جِهَةِ الْمَالِ فَإِنْ أَقَرَّ بِجِهَةِ الْبَيْعِ وَقَالَ: قَدْ قَبَضْتُهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ إنِّي لَمْ أَقْبِضْهَا وَإِنْ قَالَ: الْمَالُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَالْمَالُ لَازِمٌ عَلَى الْمُقِرِّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِرُجُوعٍ بَلْ تَفْسِيرٌ لِمَا أَبْهَمَهُ فِي الِابْتِدَاءِ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى الْبَيْعِ فَالْبَائِعُ يَدَّعِي تَسْلِيمَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالْمُشْتَرِي مُنْكِرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ كَمَا لَوْ قَالَ: ابْتَعْتُ مِنْكَ جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَقْبِضْهَا أَوْ قَالَ: لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثَمَنُ هَذِهِ الْجَارِيَةِ الَّتِي بِعْتَهَا مِنِّي وَلَمْ أَقْبِضْهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُقِرُّ لَهُ فِي الْجِهَةِ فَقَدْ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الْمَالِ لَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُسْقِطْهُ فَلَا يُصَدَّقُ إذَا كَانَ مَفْصُولًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ أَقْبِضْهَا بَيَانٌ مُغَيِّرٌ لِمُوجَبِ إقْرَارِهِ فَيَصِحُّ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا كَالِاسْتِثْنَاءِ إذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا مِائَةً أَوْ قَالَ: إلَّا وَزْنَ خَمْسَةٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَقَرَّ بِالْقَبْضِ ثُمَّ رَجَعَ وَالرُّجُوعُ بَاطِلٌ مَوْصُولًا كَانَ أَوْ

стр. 2645

مَفْصُولًا وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِكَوْنِ الْمَالِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ بِقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثَمَنُ جَارِيَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ وَثَمَنُ الْجَارِيَةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ لَا يَكُونُ وَاجِبًا إلَّا بِالْقَبْضِ لِأَنَّ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكَةِ وَثَمَنُ الْجَارِيَةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْقَبْضِ ثُمَّ رَجَعَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ ابْتَعْتُ فَهُنَالِكَ مَا أَقَرَّ بِأَنَّ الْمَالَ وَاجِبٌ فِي ذِمَّتِهِ إنَّمَا أَقَرَّ بِالِابْتِيَاعِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالْقَبْضِ وَبِخِلَافِ قَوْلِهِ ثَمَنُ هَذِهِ الْجَارِيَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهِ بِمُقَابَلَةِ جَارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَثَمَنُ الْجَارِيَةِ الْمُعَيَّنَةِ يَكُونُ وَاجِبًا قَبْلَ الْقَبْضِ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْمَالِ وَادَّعَى لِنَفْسِهِ أَجَلًا غَيْرَ مُتَنَاهٍ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ إلَّا بَعْدَ إحْضَارِ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ وَمَا مِنْ جَارِيَةٍ يُحْضِرُهَا الْبَائِعُ إلَّا وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقُولَ الْمَبِيعَةُ غَيْرُهَا وَلَوْ ادَّعَى لِنَفْسِهِ أَجَلًا مَعْلُومًا كَشَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ وَصَلَ أَوْ فَصَلَ فَهُنَا أَوْلَى بِخِلَافِ الْجَارِيَةِ الْمُعَيَّنَةِ فَإِنَّ هُنَاكَ مَا ادَّعَى لِنَفْسِهِ أَجَلًا لِأَنَّهَا حَاضِرَةٌ وَإِنَّمَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَالِ بِشَرْطِ أَنْ يُسْلِمَ لَهُ تِلْكَ الْجَارِيَةَ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُقِرَّ لَهُ لَوْ قَالَ: الْجَارِيَةُ جَارِيَتُكَ مَا بِعْتَهَا وَلِي عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ يَلْزَمُهُ الْمَالُ وَلَوْ قَالَ: الْجَارِيَةُ جَارِيَتِي وَلِي عَلَيْكَ الْمَالُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ لَهُ شَرْطَهُ قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ فَأَعْطَاهُ كُرًّا بِغَيْرِ كَيْلٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَلَا يَأْكُلَهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ) لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ وَإِنَّمَا اشْتَرَاهُ رَبُّ السَّلَمِ بِذِكْرِ الْكُرِّ فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ حَتَّى يَكْتَالَهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ صَاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي» يَعْنِي إذَا اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْكَيْلِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِكَيْلِ الْبَائِعِ وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بَعْدَ الْقَبْضِ حَتَّى يَكِيلَهُ وَهَذَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْقَدْرُ الْمُسَمَّى وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِالْكَيْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَالَهُ فَوَجَدَهُ أَزْيَدَ يَلْزَمُهُ رَدُّ الزِّيَادَةِ وَتَصْرِفُهُ مِنْ حَيْثُ الْأَكْلُ وَالْبَيْعُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ فَمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مِلْكُهُ بِمَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ وَإِنْ هَلَكَ عِنْدَهُ وَهُوَ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ كُرٌّ وَافٍ فَهُوَ مُسْتَوْفٍ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ بِعَقْدِ السَّلَمِ فَيَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ وَقَدْ هَلَكَ عِنْدَهُ فَيَلْزَمُهُ مِثْلُهُ وَقَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ كُرًّا فَيَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ لِأَنَّ مَا فِي الْمُقَاصَّةِ آخِرُ الدَّيْنَيْنِ قَضَاءً عَنْ أَوَّلِهِمَا وَآخِرُهُ دَيْنُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَيَصِيرُ رَبُّ السَّلَمِ مُقْتَضِيًا طَعَامَ السَّلَمِ بِهِ وَلِأَنَّ الْقَبْضَ تَلَاقِي الْعَيْنِ وَاسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الْعَيْنِ فَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ كُرًّا فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ بِقَبْضِهِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ وَهَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ فَأَمَّا فِي الْمَذْرُوعَاتِ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ قَبْلَ الذَّرْعِ لِأَنَّ الذَّرْعَ

стр. 2646

صِفَةٌ حَتَّى لَوْ وَجَدُوهُ أَزْيَدَ يُسْلِمُ لَهُ الزِّيَادَةَ وَلَوْ وَجَدَهُ أَنْقَصَ لَا يَحُطُّ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمِلْكَ بِالْعَقْدِ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ فِي الْعَيْنِ وَقَدْ تَمَّ قَبْضُهُ فِي الْعَيْنِ وَفِي الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ قَبْلَ الْعَدِّ فِي الْعَدَدِيَّاتِ مِقْدَارٌ كَالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ حَتَّى لَوْ وَجَدَهُ زَائِدًا لَا يُسْلِمُ لَهُ الزِّيَادَةَ وَلَوْ وَجَدَهُ أَنْقَصَ يَحُطُّ حِصَّةَ النُّقْصَانِ مِنْ الثَّمَنِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ جَوَّزَ التَّصَرُّفَ فِيهِ قَبْلَ الْعَدِّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّ بِصِفَةِ الْعَدَدِ لَا يَصِيرُ مَالُ الرِّبَا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الذَّرْعِ فِي الْمَذْرُوعَاتِ وَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ لَا يَتَحَقَّقَانِ فِيهِ إلَّا بِغَلَطٍ فِي الْعَدَدِ بِخِلَافِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ هُنَاكَ يَظْهَرَانِ بِاجْتِهَادٍ مِنْ الْكَيَّالِ وَالْوَزَّانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَيَقَّنَ بِالْخَطَأِ فِيهِ وَهُنَا الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ لَا يَظْهَرَانِ إلَّا بِغَلَطٍ فِي الْعَدِّ فَكَانَ الْعَقْدُ مُتَنَاوِلًا لِلْعَيْنِ فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْعَدِّ كَمَا فِي الْمَذْرُوعَاتِ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَقْصُودَ عَلَيْهِ فِي الْعَدَدِيَّاتِ الْعَدَدُ لِأَنَّهُ مِقْدَارٌ كَالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ أَزِيدُ لَا يُسْلِمُ لَهُ الزِّيَادَةَ وَلَوْ وَجَدَهُ أَنْقَصَ يَحُطُّ بِحِصَّةِ النُّقْصَانِ مِنْ الثَّمَنِ فَصَارَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْقَدْرَ وَالْقَدْرُ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا بِالْعَدِّ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا لِأَنَّهُ صَارَ عَدَدِيًّا بِاصْطِلَاحِ النَّاسِ لَا بِجَعْلِ الشَّرْعَ أَمْثَالًا مُتَسَاوِيَةً فَإِذَا بَاعَ جَوْزَةً بِجَوْزَتَيْنِ فَقَدْ أَعْرَضَا عَنْ ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ وَمَا ثَبَتَ بِاصْطِلَاحِ النَّاسِ يَبْطُلُ بِاصْطِلَاحِهِمْ أَيْضًا بِخِلَافِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَالَ: (وَإِنْ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ كُرًّا ثُمَّ قَالَ: لِرَبِّ السَّلَمِ اقْبِضْهُ قَبْلَ أَنْ يَكْتَالَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِرَبِّ السَّلَمِ أَنْ يَقْبِضَهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ الْمُشْتَرِي) لِأَنَّ فِي هَذَا الْقَبْضِ وَكِيلَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَكَمَا أَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ لَوْ قَبْضَ بِنَفْسِهِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَكِيلَهُ فَكَذَلِكَ إذَا قَبَضَهُ وَكِيلُهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتَالَهُ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِحُكْمِ الشِّرَاءِ ثُمَّ يَكِيلُهُ ثَانِيًا لِلْقَبْضِ بِنَفْسِهِ بِحُكْمِ السَّلَمِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِكَيْلِهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ نَائِبٌ عَنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَكَأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَيْهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ بِحُكْمِ السَّلَمِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ أَيْ إذَا تَلَقَّاهُ الْبَائِعُ مِنْ غَيْرِهِ بِشَرْطِ الْكَيْلِ وَلَقَّاهُ غَيْرَهُ بِشَرْطِ الْكَيْلِ وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا ﵏ فِي فَصْلٍ وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَى طَعَامًا مُكَايَلَةً فَكَالَهُ الْبَائِعُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمُشْتَرِي ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَيْهِ فَمِنْهُمْ مِنْ يَقُولُ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِذَلِكَ الْكَيْلِ وَلَكِنَّهُ يَكِيلُهُ مَرَّةً أُخْرَى اسْتِدْلَالًا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكِيلُ الْبَائِعِ بِحَضْرَتِهِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ كَيْلِهِ بِنَفْسِهِ وَالْأَصَحُّ لَهُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِذَلِكَ الْكَيْلِ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْكَيْلِ بِحُكْمِ عَقْدِهِ فَفَعَلَ

стр. 2647

الْبَائِعُ بِحَضْرَتِهِ كَفِعْلِهِ بِنَفْسِهِ وَفِي مَسْأَلَةِ السَّلَمِ اسْتِحْقَاقُ الْأَوَّلِ بِالْكَيْلِ كَانَ بِالشِّرَاءِ فَلَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ الْكَيْلِ الْمُسْتَحَقِّ بِالسَّلَمِ فَلِهَذَا يَلْزَمُهُ الْكَيْلُ مَرَّةً أُخْرَى فَإِنْ دَفَعَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ إلَى رَبِّ السَّلَمِ دَرَاهِمَ فَقَالَ: اشْتَرِ لِي بِهَا طَعَامًا فَاقْبِضْهُ لِي بِكَيْلٍ ثُمَّ كِلْهُ لِنَفْسِكَ بِكَيْلٍ مُسْتَقْبِلٍ كَانَ جَائِزًا لِأَنَّهُ وَكِيلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فِي الشِّرَاءِ لَهُ وَفِعْلُ الْوَكِيلِ كَفِعْلِ الْمُوَكِّلِ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ أَمَرَ رَبُّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَلَوْ قَالَ رَبُّ السَّلَمِ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ: كُلُّ مَا لِي عَلَيْكَ مِنْ الطَّعَامِ فَاعْزِلْهُ فِي بَيْتِكَ أَوْ فِي غَرَائِرِكَ فَفَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ رَبُّ السَّلَمِ قَابِضًا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ اقْبِضْهُ لِي بِيَسَارِكَ مِنْ يَمِينِكَ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَالْمَدْيُونُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ نَائِبًا عَنْ صَاحِبِ الدَّيْنِ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ مِنْ نَفْسِهِ وَلَوْ وَكَّلَ رَبُّ السَّلَمِ بِقَبْضِ ذَلِكَ غُلَامَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ أَوْ ابْنَهُ فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ نَائِبًا عَنْ رَبِّ السَّلَمِ فِي قَبْضِ حَقِّهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ وَالْإِنْسَانُ يَصِيرُ قَابِضًا حَقَّهُ بِيَدِ نَائِبِهِ كَمَا يَصِيرُ قَابِضًا بِيَدِ نَفْسِهِ، قَالَ: (وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ غَرَائِرَهُ فَقَالَ: كُلُّ مَالِي عَلَيْكَ اجْعَلْهُ فِي غَرَائِرِي فَفَعَلَ ذَلِكَ وَرَبُّ السَّلَمِ لَيْسَ بِحَاضِرٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَبْضًا) وَفَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا اشْتَرَى مِنْهُ طَعَامًا بِعَيْنِهِ عَلَى أَنَّهُ كُرٌّ ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ غَرَائِرَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَكِيلَهُ فِيهَا فَفَعَلَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ قَابِضًا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إنَّ الْقَبْضَ فِي بَابِ السَّلَمِ مُوجَبٌ بِمِلْكِ الْعَيْنِ وَغَرَائِرُهُ لَا تَصْلُحُ نَائِبَةً عَنْهُ فِي تَمْلِكْ الْعَيْنِ وَفِي بَابِ الشِّرَاءِ قَدْ مَلَكَ الْعَيْنَ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا الْقَبْضُ لِلْإِحْرَازِ وَالْغَرَائِرُ تَصْلُحُ نَائِبَةً عَنْهُ فِي الْإِحْرَازِ وَالثَّانِي أَنَّ أَمْرَهُ بِالْكَيْلِ فِي غَرَائِرِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِنَفْسِهِ فِي السَّلَمِ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ إنَّمَا يَكِيلُ مِلْكَ نَفْسِهِ وَلَهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وِلَايَةُ الْكَيْلِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ فَأَمَّا فِي الشِّرَاءِ إذْنُهُ مُعْتَبَرٌ فِي الْكَيْلِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكِيلُ مِلْكَ الْمُشْتَرِي وَلَهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ إذْنٌ مُعْتَبَرٌ فَكَانَ كَيْلُهُ فِي غَرَائِرِهِ كَكَيْلِ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ بِأَنْ يَطْحَنَ مَا عَلَيْهِ مِنْ طَعَامِ السَّلَمِ فَفَعَلَ ذَلِكَ كَانَ الدَّقِيقُ لَهُ وَلَا يَكُونُ لِرَبِّ السَّلَمِ أَنْ يَقْبِضَهُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِهِ مُسْتَبْدِلًا وَفِي الشِّرَاءِ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَطْحَنَهُ فَفَعَلَ جَازَ وَكَانَ الدَّقِيقُ لِلْمُشْتَرِي وَكَذَلِكَ فِي الشِّرَاءِ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يُلْقِيَهُ فِي الْبَحْرِ فَفَعَلَ جَازَ وَكَانَ الثَّمَنُ مُقَرَّرًا عَلَيْهِ وَلَوْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فِي السَّلَمِ لَمْ يَجُزْ ثَمَّ. قَالَ (فِي الشِّرَاءِ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ إذَا كَانَ لَهُ الْبَائِعُ فِي غَرَائِرِ الْمُشْتَرِي بِأَمْرِهِ قَبْلَ هَذَا غَلَطَ) لِأَنَّ الْغَرَائِرَ نَائِبَةٌ عَنْهُ فِي الْأَحْرَازِ لَا فِي مَعْرِفَةِ الْقَدْرِ فَكَأَنَّهُ قَبَضَهُ بِنَفْسِهِ فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ حَتَّى يَكِيلَهُ وَلَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَصَحُّ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ أَمْرَهُ إيَّاهُ بِالْكَيْلِ مُعْتَبَرٌ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ فَكَانَ الْبَائِعُ فِي الْكَيْلِ كَالنَّائِبِ عَنْهُ وَالْغَرَائِرُ فِي الْقَبْضِ

стр. 2648

وَالْإِحْرَازِ تَنُوبُ عَنْهُ وَفِعْلُ نَائِبِهِ كَفِعْلِهِ بِنَفْسِهِ وَفِي السَّلَمِ إنْ كَانَ فِي الْغَرَائِرِ طَعَامٌ لِرَبِّ السَّلَمِ فَكَالَهُ فِيهِ بِأَمْرِهِ فَقَدْ قِيلَ لَا يَصِيرُ قَابِضًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ أَمْرَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ قَالَ: ﵁ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ يَصِيرُ قَابِضًا هُنَا لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِخَلْطِ طَعَامِ السَّلَمِ بِطَعَامِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ التَّمَيُّزُ مُعْتَبَرٌ فَيَصِيرُ بِهَذَا الْخَلْطِ قَابِضًا وَهُوَ مِثْلُ مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ لَوْ دَفَعَ إلَى صَائِغٍ نِصْفَ دِرْهَمِ فِضَّةٍ وَقَالَ: زِدْ مِنْ عِنْدِكَ نِصْفَ دِرْهَمٍ وَصُغْ لِي مِنْهُمَا خَاتَمًا فَفَعَلَ ذَلِكَ جَازَ وَصَارَ بِالْخَلْطِ قَابِضًا لَهُ. قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ إلَى رَبِّ السَّلَمِ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ وَأَجَلُهُمَا وَاحِدٌ وَصِفَتُهُمَا وَاحِدَةٌ أَوْ مُخْتَلِفَةٌ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا قِصَاصًا بِالْآخِرِ إذَا حَلَّا وَإِنْ تَقَاصَّا) لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ فَيَسْتَحِقُّ قَبْضَهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْضَى بِهِ دَيْنٌ آخَرُ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِعَقْدِ السَّلَمِ قَبْضٌ بِكَيْلٍ بَعْدَ عَقْدِ السَّلَمِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِقَضَاءِ دَيْنٍ آخَرَ بِهِ فَإِذَا تَقَاصَّا مِنَّا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَابِضًا الْمُسْلَمَ فِيهِ وَيَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، قَالَ: (فَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُمَا مُسْلَمًا وَالْآخِرُ قَضَاءً لَا يَصِيرُ أَحَدُهُمَا قِصَاصًا فِي الْحَالِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْقِصَاصَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُسَاوَاةِ وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُعَجَّلٌ وَالْآخَرَ مُؤَجَّلٌ وَالْمُعَجَّلُ خَيْرٌ مِنْ الْمُؤَجَّلِ إلَّا إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فِي السَّلَمِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ أَحَدُهُمَا قِصَاصًا بِالْآخَرِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَكُونَ قِصَاصًا إذَا كَانَ سَوَاءً تَقَاصَّا أَوْ لَمْ يَتَقَاصَّا لِوُجُودِ الْقَبْضِ بِكَيْلٍ بَعْد عَقْدِ السَّلَمِ وَهُوَ قَبْضُ الْمُسْتَقْرِضِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَبَّ السَّلَمِ لَوْ غَصَبَ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ كُرًّا بَعْدَ مَا حَلَّ طَعَامُ السَّلَمِ كَانَ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَقْرَضَ وَهَذَا لِأَنَّ فِي بَابِ الْمُقَاصَّةِ آخِرُ الدَّيْنَيْنِ قَضَاءٌ مِنْ أَوَّلِهِمَا وَلَا يَكُونُ أَوَّلُ الدَّيِّنَيْنِ قَضَاءً عَنْ آخِرِهِمَا لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَتْلُو الْوُجُوبَ وَلَا يَسْبِقُهُ وَلِهَذَا فِي الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ لَوْ وَجَبَ لِلْمَدِينِ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ دَيْنٌ بِقَدْرِ حِصَّةٍ وَصَارَ قِصَاصًا كَانَ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِهِ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا حِصَّتَهُ وَلَوْ كَانَ دَيْنُ الْمَدْيُونِ عَلَيْهِ سَابِقًا عَلَى دَيْنِهِمَا فَصَارَ قِصَاصًا لَمْ يَكُنْ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ صَارَ بِنَصِيبِهِ قَابِضًا دَيْنًا عَلَيْهِ لَا مُقْتَضِيًا إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ إذَا كَانَ آخِرُ الدَّيْنَيْنِ قَرْضًا فَالْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِمَا أَوْجَبَ لَهُ مِنْ الْقَرْضِ يَصِيرُ قَاضِيًا طَعَامَ السَّلَمِ وَرَبُّ السَّلَمِ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا وَإِذَا كَانَ الْقَرْضُ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ قِصَاصًا وَإِنْ تَقَاضَيَا بِهِ لِأَنَّ رَبَّ السَّلَمِ يَصِيرُ قَاضِيًا بِطَعَامِ السَّلَمِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْقَرْضِ وَدَيْنُ السَّلَمِ يَجِبُ قَبْضُهُ وَلَا يَجُوزُ قَضَاءُ دَيْنٍ آخَرَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ كُرُّ حِنْطَةٍ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ أَوْ اسْتَقْرَضَ مِنْ

стр. 2649

رَجُلٍ كُرًّا فَقَالَ: لِصَاحِبِ السَّلَمِ كُلُّهُ فَاكْتَالَهُ رَبُّ السَّلَمِ كَيْلًا وَاحِدًا جَازَ وَيَصِيرُ قَابِضًا لِأَنَّ الْقَرْضَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْكَيْلُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُقْرِضَ لَوْ اسْتَرَدَّ مَا أَقْرَضَ وَلَمْ يَكِلْهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ وَالْمُسْتَقْرِضُ لَوْ قَبَضَ وَلَمْ يَكِلْ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ وَرَبُّ السَّلَمِ فِي الْقَبْضِ مِنْ الْمُقْرِضِ أَوْ الْمُسْتَقْرِضِ نَائِبٌ عَنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَكَمَا قَبَضَهُ تَمَّ فِيهِ مِلْكُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَكِيلَهُ ثُمَّ إنَّمَا يَكِيلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ بِحُكْمِ السَّلَمِ فَلِهَذَا يَكْفِيهِ كَيْلٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ الشِّرَاءِ فَإِنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ لَمَّا اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْكَيْلِ لَا يَتَعَيَّنُ مِلْكُهُ إلَّا بِالْكَيْلِ فَكَانَ الْكَيْلُ الْأَوَّلُ مِنْ رَبِّ السَّلَمِ كَتَعْيِينِ مِلْكِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكِيلَهُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْلًا مُسْتَقْبَلًا قَالَ: (وَإِنْ تَتَارَكَا السَّلَمَ وَرَأْسُ الْمَالِ ثَوْبٌ فَهَلَكَ عِنْدَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) وَكَذَلِكَ لَوْ تَتَارَكَا بَعْدَ هَلَاكِهِ وَهَذِهِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَشْتَرِيَ عَيْنًا بِدَرَاهِمَ فَتَقَابَضَا ثُمَّ تَقَايَلَا ثُمَّ هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الرَّدِّ بَطَلَتْ الْإِقَالَةُ سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ قَائِمًا أَوْ هَالِكًا لِأَنَّ الْإِقَالَةَ رَفْعُ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا يُرْفَعُ الشَّيْءُ مِنْ الْمَحِلِّ الْوَارِدِ عَلَيْهِ وَمَحِلُّ الْعَقْدِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْمَبِيعُ دُونَ الثَّمَنِ فَإِنَّ الثَّمَنَ مَعْقُودٌ بِهِ وَلِهَذَا شَرَطَ قِيَامَ الْمِلْكِ فِي الْمَبِيعِ عِنْدَ الْعَقْدِ دُونَ الثَّمَنِ فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ هَالِكًا عِنْدَ الْإِقَالَةِ فَالْإِقَالَةُ بَاطِلَةٌ لِفَوَاتِ مَحِلِّهَا وَكَذَلِكَ إذَا هَلَكَ بَعْدَ الْإِقَالَةِ قَبْلَ الرَّدِّ لِأَنَّ الْعَارِضَ مِنْ هَلَاكِ الْمَحِلِّ بَعْدَ الْإِقَالَةِ قَبْلَ الرَّدِّ كَالْمُقْتَرِنِ بِالْإِقَالَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ هَلَاكَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُبْطِلُ الْعَقْدَ وَيُجْعَلُ كَالْمُقْتَرِنِ بِالْعَقْدِ (وَالثَّانِي) لَوْ تَبَايَعَا عَبْدًا بِجَارِيَةٍ وَتَقَابَضَا ثُمَّ تَقَايَلَا ثُمَّ هَلَكَ أَحَدُهُمَا بَقِيَتْ الْإِقَالَةُ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْإِقَالَةِ بَعْدَ هَلَاكِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ صَحِيحٌ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْقُودٌ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ قِيَامَ الْمِلْكِ فِي الْعِوَضَيْنِ جَمِيعًا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ بِخِلَافِ الثَّمَنِ أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْدَ هَلَاكِ أَحَدِهِمَا يُمْكِنُ فَسْخُ الْعَقْدِ بِرَدِّ الْآخَرِ بِالْعَيْبِ فَكَذَلِكَ بِالْإِقَالَةِ وَإِذَا جَازَ ابْتِدَاءُ الْإِقَالَةِ بَعْدَ هَلَاكِ أَحَدِهِمَا فَكَذَلِكَ تَبْقَى الْإِقَالَةُ فِي الْقَائِمِ وَعَلَيْهِ رَدُّ قِيمَةِ الْهَالِكِ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّ الْعَيْنِ مَعَ بَقَاءِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلرَّدِّ فَتُرَدُّ الْقِيمَةُ إذْ الْقِيمَةُ سُمِّيَتْ قِيمَةً لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْعَيْنِ وَلَوْ هَلَكَا جَمِيعًا بَعْدَ الْإِقَالَةِ قَبْلَ التَّرَادِّ بَطَلَتْ الْإِقَالَةُ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْإِقَالَةِ بَعْدَ هَلَاكِهِمَا بَاطِلٌ إذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ الْمَحِلِّ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ فَكَذَلِكَ لَا تَبْقَى الْإِقَالَةُ بَعْدَ هَلَاكِهِمَا (وَالثَّالِثُ) السَّلَمُ إذَا تَقَايَلَا وَرَأْسُ الْمَالِ عَيْنٌ فَهَلَكَتْ بَعْدَ الْإِقَالَةِ لَمْ تَبْطُلْ الْإِقَالَةُ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْإِقَالَةِ بَعْدَ هَلَاكِ رَأْسِ الْمَالِ صَحِيحٌ فَإِنَّ السَّلَمَ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ الْمُقَابَضَةِ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فَجَازَتْ الْإِقَالَةُ بَعْدَ هَلَاكِ مَا يُقَابِلُهُ وَإِذَا بَقِيَتْ الْإِقَالَةُ فَعَلَيْهِ رَدُّ قِيمَةِ

стр. 2650

رَأْسِ الْمَالِ لِتَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ مَعَ بَقَاءِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ فِي مِقْدَارِ الْقِيمَةِ إذَا اخْتَلَفَا لِأَنَّ الطَّالِبَ يَدَّعِي عَلَيْهِ زِيَادَةً وَهُوَ مُنْكِرٌ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ (وَالرَّابِعُ) الصَّرْفُ فَإِنَّهُمَا لَوْ تَصَارَفَا دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَتَقَابَضَا وَهَلَكَ الْبَدَلَانِ جَمِيعًا ثُمَّ تَقَايَلَا ثُمَّ هَلَكَ الْبَدَلَانِ قَبْلَ التَّرَادِّ جَازَتْ الْإِقَالَةُ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَا اسْتَوْجَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذِمَّةِ صَاحِبِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْدَ الْإِقَالَةِ لَا يَلْزَمُهُ رَدَّ الْمَقْبُوضِ بِعَيْنِهِ وَلَكِنْ إنْ شَاءَ رَدَّهُ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ مِثْلَهُ فَلَا يَكُونُ هَلَاكُ الْمَقْبُوضِ مَانِعًا مِنْ الْإِقَالَةِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي تَخْرِيجِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَقَعَ فِي الْأَصْلِ تَشْوِيشٌ وَتَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَأَلْفَاظٌ وَذَلِكَ كُلُّهُ غَلَطٌ مِنْ الْكَاتِبِ وَقَدْ تَكَلَّفَ لِتَصْحِيحِهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏ فَإِنَّهُ قَالَ: بَعْدَ مَسْأَلَةِ الْقَرْضِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَيَا جَارِيَةً بِعَبْدٍ وَتَقَابَضَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فِي يَدَيْهِ ثُمَّ تَنَاقَضَا أَنَّهُ جَائِزٌ وَمَعْنَى هَذَا الِاسْتِشْهَادِ أَنَّ الْقَرْضَ وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَمْلِيكُ الطَّعَامِ بِمِثْلِهِ فَلَيْسَ بِبَيْعٍ حَقِيقَةً فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مِنْ الْكَيْلِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَبِيعِ كَمَا أَنَّ الْإِقَالَةَ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ وَلَكِنْ لَيْسَ بِبَيْعٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَيَجُوزُ بَعْدَ هَلَاكِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً الْبَيْعُ فَإِنَّهُ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِقِيمَةِ جَارِيَةٍ هَالِكَةٍ لَا يَجُوزُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ شِرَاءِ الْحَيِّ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ يَعْنِي شِرَاءَ الْحَيِّ بِقِيمَةِ الْمَيِّتِ أَوْ شِرَاءَ الْحَيِّ بِالْحَيِّ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَكِنَّ هَذَا تَكَلُّفٌ وَلَا يَلِيقُ هَذَا اللَّفْظُ بِفَصَاحَةِ مُحَمَّدٍ ﵀ فَإِنَّ شِرَاءَ الْحَيِّ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ غَلَطٌ مِنْ الْكَاتِبِ ثُمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ السَّلَمُ لِأَنَّ السَّلَمَ بَيْعٌ يَعْنِي أَنَّ الْإِقَالَةَ بَعْدَ هَلَاكِ رَأْسِ الْمَالِ يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ فِي بَيْعِ الْمُقَابَضَةِ الْإِقَالَةُ بَعْدَ هَلَاكِ أَحَدِهِمَا ثُمَّ قَالَ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْأَثْمَانَ الدَّنَانِيرُ بِالدَّرَاهِمِ، يَعْنِي أَنَّ فِي عَقْدِ الصَّرْفِ تَجُوزُ الْإِقَالَةُ بَعْدَ هَلَاكِهِمَا بِخِلَافِ بَيْعِ الْمُقَابَضَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ: الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ يَعْنِي إذَا اشْتَرَيَا عَيْنًا بِنَقْدٍ ثُمَّ تَقَايَلَا فَهَلَكَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بَطَلَتْ الْإِقَالَةُ فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ قَائِمًا وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا الْفَرْقَ قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ فَوَجَدَ فِيهَا دَرَاهِمَ سَتُّوقَةً فَجَاءَ يَرُدُّهَا فَقَالَ: الْمُسْلَمُ إلَيْهِ هَذَا مِنْ نِصْفِ رَأْسِ الْمَالِ وَقَدْ بَطَلَ نِصْفُ السَّلَمِ وَقَالَ: رَبُّ السَّلَمِ بَلْ هُوَ ثُلُثُ رَأْسِ الْمَالِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ) لِأَنَّ السَّتُّوقَةَ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْمُسْلَمَ لَمْ يَتِمَّ فِي جَمِيعِ الْكُرِّ وَحَاصِلُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمَا فِي قَبْضِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مِقْدَارُ حَقِّهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَرَبُّ السَّلَمِ يَدَّعِي عَلَيْهِ أَنَّهُ قَبَضَ ثُلُثَيْ حَقِّهِ وَالْمُسْلَمُ إلَيْهِ يُنْكِرُ الْقَبْضَ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الْمُدَّعِي أَنْ يُثْبِتَ مَا يَدَّعِيهِ

стр. 2651

بِالْبَيِّنَةِ وَإِذَا أَسْلَمَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ فَأَقَامَ رَبُّ السَّلَمِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمَا تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ رَأْسَ الْمَالِ وَأَقَامَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَبَضَ رَأْسَ الْمَالِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا فَالسَّلَمُ جَائِزٌ وَيُؤْخَذُ بَيِّنَةُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ وَبَيِّنَةُ رَبِّ السَّلَمِ تَنْفِي ذَلِكَ وَالْبَيِّنَاتُ تَتَرَجَّحُ بِالْإِثْبَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مِنْ يَكُونُ؟ وَأُورِدَ هَذَا فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَ: عَلَى قَوْلِ زُفَرَ الْقَوْلُ قَوْلُ مِنْ يَدَّعِي الْقَبْضَ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِقَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ فَكَانَ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى الْعَقْدِ اتِّفَاقًا مِنْهُمَا عَلَى قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ وَاَلَّذِي يُنْكِرُ الْقَبْضَ فِي حُكْمِ الرَّاجِعِ عَنْ الْإِقْرَارِ وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَجَلِ فَكَذَلِكَ فِي قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ الْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي فِي يَدِهِ رَأْسُ الْمَالِ لِأَنَّ الْآخَرَ يَدَّعِي تَمَلُّكَ مَا فِي يَدِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ فَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ فِي يَدِ رَبِّ السَّلَمِ فَظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ يَدَّعِي أَنَّهُ يَمْلِكُ مَا فِي يَدِهِ بِالْقَبْضِ وَأَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَرَبُّ السَّلَمِ يَدَّعِي أَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْهُ وَالْمُسْلَمُ إلَيْهِ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ لِذَلِكَ فَلَوْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ فِي يَدِ رَبِّ السَّلَمِ بِأَعْيَانِهَا فَقَالَ: الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَوْدَعْتُهَا إيَّاهُ أَوْ غَصَبَهَا بَعْدَ قَبْضِي لَهَا وَقَدْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالْقَبْضِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ وَيُقْضَى لَهُ بِالدَّرَاهِمِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَثْبَتَ قَبْضَهُ بِالْبَيِّنَةِ فَقَدْ تَمَّ مِلْكُهُ فِيهَا ثُمَّ ظَهَرَتْ فِي يَدِ غَيْرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُؤْمَرُ بِرَدِّهَا عَلَيْهِ سَوَاءٌ زَعَمَ أَنَّ وُصُولَهَا إلَى يَدِهِ الْوَدِيعَةِ أَوْ بِالْغَصْبِ وَلَوْ أَسْلَمَ فُلُوسًا فِي طَعَامٍ يَجُوزُ لِأَنَّ هَذَا عَدَدِيٌّ مُتَقَارِبٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي بَابِ الْبَيْعِ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ فِي بَابِ السَّلَمِ وَلَا يَجُوزُ فِي الصُّفْرِ رَجُلٌ بَاعَ عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا بِشَيْءٍ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ ثُمَّ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَى فَالْبَيْعُ جَائِزٌ لِأَنَّهُمَا تَفَرَّقَا عَنْ عَيْنٍ بِدَيْنٍ وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْبَيْعِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي وَتَفَرَّقَا أَوْ تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقِيَاسَ فِي السَّلَمِ هَكَذَا وَلَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ هُنَاكَ لِمُقْتَضَى اسْمِ السَّلَمِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْفَرْقِ فَقَالَ: لَوْ بَاعَهُ ثَوْبًا بِحِنْطَةٍ وَسَمَّى الْكَيْلَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَجَلًا كَانَ جَائِزًا وَلَوْ أَسْلَمَ هَذَا الثَّوْبُ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ مَوْصُوفَةٍ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَجَلًا كَانَ فَاسِدًا وَمَعْنَى هَذَا الِاسْتِشْهَادِ أَنَّ التَّأْجِيلَ فِي السَّلَمِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ جُعِلَ شَرْطًا لِتَحَقُّقِ مَعْنَى الِاسْمِ فَكَذَلِكَ التَّعْجِيلُ فِي رَأْسِ الْمَالِ مُقْتَضَى الِاسْمِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ جَوَازَ أَخْذِ الرَّهْنِ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ وَإِنْ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ يَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّاهِنِ إذَا كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِحَقِّهِ فَسَقَطَ حَقُّ رَبِّ السَّلَمِ عَنْ الْمُطَالَبَةِ

стр. 2652

بَعْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَيْضًا جَوَازَ التَّوْكِيلِ بِدَفْعِ رَأْسِ الْمَالِ وَأَنَّ الْقَبْضَ مِنْ الْوَكِيلِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ مِنْ الْمُوَكِّلِ وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْوَكِيلُ شَرِيكًا لِرَبِّ السَّلَمِ أَوْ أَجْنَبِيًّا لِأَنَّ أَدَاءَهُ قَامَ مَقَامَ أَدَاءِ الْمُوَكِّلِ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ إذَا قَبَضَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ حَتَّى لَوْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِأَدَاءِ رَأْسِ الْمَالِ وَقَبَضَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ رَبَّ السَّلَمِ كَانَ جَائِزًا. وَإِنْ كَانَ بِالْمُسْلَمِ كَفِيلٌ فَاسْتَوْفَى الْكَفِيلُ السَّلَمَ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِضَاءِ ثُمَّ بَاعَهُ وَرَبِحَ فِيهِ فَذَلِكَ حَلَالٌ لَهُ إذَا قَضَى رَبَّ السَّلَمِ طَعَامًا مِثْلَهُ لِأَنَّ عَقْدَ الْكَفَالَةِ كَمَا يُوجِبُ لِرَبِّ السَّلَمِ عَلَى الْكَفِيلِ يُوجِبُ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ إلَّا أَنَّ مَالَ الْكَفِيلِ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مُؤَجَّلٌ إلَى وَقْتِ أَدَائِهِ الطَّعَامَ إلَى رَبِّ السَّلَمِ فَإِذَا اسْتَوْفَى قَبْلَ الْأَجَلِ فَقَدْ اسْتَعْجَلَ دَيْنًا لَهُ مُؤَجَّلًا وَالْمَقْبُوضُ بِهَذَا السَّبَبِ يَمْلِكُ مِلْكًا صَحِيحًا فَإِنَّمَا تَصَرُّفٌ وَرِبْحٌ فِي مِلْكٍ حَلَالٍ لَهُ فَلِهَذَا طَابَ لَهُ الرِّبْحُ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا إذَا تَقَرَّرَ مِلْكُهُ بِأَدَاءِ طَعَامِ السَّلَمِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ السَّلَمُ إلَيْهِ هُوَ الَّذِي قَضَى رَبُّ السَّلَمِ طَعَامَ السَّلَمِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْكَفِيلِ بِطَعَامٍ مِثْلِ مَا دَفَعَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ فِي ذَلِكَ لِيَسْقُطَ دَيْنُ رَبِّ السَّلَمِ عَنْهُ بِأَدَائِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى ثُمَّ قَالَ: فِي هَذَا الْكِتَابِ فَمَا رَبِحَ يَطِيبُ لِلْكَفِيلِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَذُكِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الَّذِي قَضَاهُ وَلَا أُجْبِرُهُ عَلَيْهِ فِي الْقَضَاءِ وَفِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ قَالَ: لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ وَوَجْهُ تِلْكَ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ إنَّمَا رَضِيَ بِقَبْضِهِ وَيَمْلِكُهُ بِشَرْطِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ طَعَامَ السَّلَمِ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ وَصَارَ هَذَا كَالْمَقْبُوضِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُ الرِّبْحُ فِيهِ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ شَرْعًا وَالسَّبِيلُ فِي الْكَسْبِ الْخَبِيثِ التَّصَدُّقُ وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ مَعْنَى الْخُبْثِ لَيْسَ فِي مَعْنَى السَّبَبِ بَلْ لِخَلَلٍ فِي رَضَا الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَإِذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ مَعَ الرِّبْحِ انْعَدَمَ الْخُبْثُ فَكَانَ هَذَا أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّ الْمُتَصَرِّفَ إنَّمَا رَبِحَ عَلَى مِلْكِ نَصِيبِهِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْمَقْبُوضَ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ مِلْكًا صَحِيحًا وَكَانَ التَّصَرُّفُ فِيهِ مُطْلَقًا لَهُ شَرْعًا فَالرِّبْحُ الْحَاصِلُ بِهِ يَكُونُ حَلَالًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَدَّى طَعَامَ السَّلَمِ كَانَ الرِّبْحُ طَيِّبًا لَهُ فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّ الرُّجُوعِ لِلْمُسْلِمِ إلَيْهِ عَلَى الْكَفِيلِ يَكُنْ فِي ذِمَّتِهِ وَبَانَ لِحَقِّهِ دَيْنٌ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ خُبْثٌ فِيمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْكَسْبِ كَمَا إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ دَيْنٌ آخَرُ بِسَبَبٍ آخَرَ هَذَا إذَا قَبَضَهُ الْكَفِيلُ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِضَاءِ فَأَمَّا إذَا قَبَضَهُ عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ بِأَنْ يُسْلِمَ إلَيْهِ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ طَعَامَ السَّلَمِ لِيَكُونَ رَسُولَهُ فِي تَبْلِيغِهِ إلَى رَبِّ السَّلَمِ فَتَصَرَّفَ فِيهِ وَرَبِحَ فَالرِّبْحُ لَا يَطِيبُ لَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ

стр. 2653

وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَيَطِيبُ لَهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيمَا قَبَضَهُ عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ كَالْمُودَعِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِي الْمُودَعِ إذَا تَصَرَّفَ فِي الْوَدِيعَةِ وَرَبِحَ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ وَإِنْ قَضَى الْكَفِيلُ السَّلَمَ مِنْ مَالِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْ الْمَكْفُولِ عَنْهُ ثُمَّ صَالَحَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ عَلَى دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ عَلَى عُرُوضٍ أَوْ حَيَوَانٍ فَهُوَ جَائِزٌ وَلَا يَكُونُ اسْتِبْدَالًا لِأَنَّ الْكَفِيلَ هُنَا مُقْرِضٌ مَعْنَاهُ أَنَّ مَا يَرْجِعُ بِهِ الْكَفِيلُ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لَا يَكُونُ مُسْلَمًا فِيهِ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَا يَجِبُ بِعَقْدِ السَّلَمِ وَوُجُوبُ هَذَا بِعَقْدِ الْكَفَالَةِ ثُمَّ الْكَفَالَةُ تُوجِبُ طَعَامَ السَّلَمِ عَلَى الْكَفِيلِ لَا لِلْكَفِيلِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ دَيْنٌ آخَرُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الدُّيُونِ فَلَمْ يَكُنْ اسْتِبْدَالًا وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُقْرِضِ لِمَا أَدَّى مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَرْضًا عَلَى الْحَقِيقَةِ حَتَّى لَوْ أَجَّلَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ فِيهِ لَزِمَهُ الْأَجَلُ وَالْأَجَلُ فِي بَدَلِ الْقَرْضِ لَا يَلْزَمُ فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ دَيْنٌ آخَرُ سِوَى السَّلَمِ فَيَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِنْ أَكْفَلَ رَجُلٌ لِرَبِّ السَّلَمِ بِرَأْسِ مَالِهِ قَبْلَ أَنْ يُتَرَادَّا فَالْكَفَالَةُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِمَا هُوَ وَاجِبٌ فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ وَقِيلَ الْإِقَالَةُ الْوَاجِبُ فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ لِرَبِّ السَّلَمِ الْمُسْلَمُ فِيهِ لَا رَأْسُ الْمَالِ وَإِنَّمَا كَفَلَ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَهُ وَلَمْ يُضِفْ الْكَفَالَةَ إلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ فَكَانَ بَاطِلًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: إذَا تَقَايَلْتُمَا الْعَقْدَ فَأَنَا كَفِيلُ بِرَأْسِ الْمَالِ لَكَ وَلِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ قَبْلَ الْإِقَالَةِ حَقُّ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَإِنَّمَا كَفَلَ عَنْهُ بِمَا هُوَ حَقُّهُ وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مَوْضُوعِ الْكَفَالَةِ فِي شَيْءٍ. قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ فِي بَعْضِ الْأَدْهَانِ الْمُرَبَّى بِالْبَنَفْسَجِ وَالزِّئْبَقِ وَالْحِنَّا وَغَيْرَهُ يَجُوزُ) لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ مَضْبُوطٌ بِالْوَصْفِ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ، مِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ مِنْ قَالَ: هَذَا يَجُوزُ فِي الدُّهْنِ الصَّافِي أَمَّا الْمُرَبَّى بِالْبَنَفْسَجِ وَغَيْرِهِ فَلَا لِأَنَّ الْمُرَبَّى يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَا يُرَى بِهِ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَالرَّيَاحِينِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إعْلَامُهُ بِإِعْلَامِ قَدْرِ مَا يُؤَدَّى بِهِ. قَالَ: (وَكُلُّ شَيْءٍ وَقَعَ عَلَيْهِ كَيْلُ الرِّطْلِ فَهُوَ مَوْزُونٌ يُرِيدُ بِهِ الْأَدْهَانَ وَنَحْوَهَا) لِأَنَّ الرِّطْلَ إنَّمَا يَعْدِلُ بِالْوَزْنِ إلَّا أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَزْنُ الدُّهْنِ بِالْأَمْنَاءِ وَالسَّنَجَاتِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَسَّكُ إلَّا فِي وِعَاءٍ وَفِي وَزْنٍ كُلُّ وِعَاءٍ نَوْعُ حَرَجٍ فَاتُّخِذَ الرِّطْلُ لِذَلِكَ تَيْسِيرًا فَعَرَفْنَا أَنَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ كَيْلُ الرِّطْلُ فَهُوَ مَوْزُونٌ فَيَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ بِذِكْرِ الْوَزْنِ وَإِذَا أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ إلَى النَّصْرَانِيِّ فِي خَمْرٍ بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ فَهُوَ جَائِزٌ وَهَذَا عِنْدَنَا بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْغَصْبِ أَنَّ الْخَمْرَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْخَلِّ وَالْعَصِيرِ فِي حَقِّنَا فَيَجُوزُ السَّلَمُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِذِكْرِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِ خَمْرِ السَّلَمِ بَطَلَ السَّلَمُ وَرَدَّ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ رَأْسَ الْمَالِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ

стр. 2654

وَجَدَ الْخَمْرَ مَمْلُوكَةً بِالْعَقْدِ غَيْرَ مَقْبُوضَةٍ فَيَجْعَلُ وُجُودَ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا عِنْدَ الْقَبْضِ كَوُجُودِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَهَذَا لِأَنَّ قَبْضَ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْضُ تَمَلُّكٍ فَإِنَّهُ بِعَقْدِ السَّلَمِ مِلْكُ الْمُسْلَمِ فِيهِ دَيْنًا وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ مِلْكُهُ بِالْقَبْضِ فَإِنْ كَانَ رَبُّ السَّلَمِ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ فَالْمُسْلِمُ لَا يَمْلِكُ الْخَمْرَ بِحُكْمِ عَقَدِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْلِكَ الْخَمْرَ مِنْ غَيْرِهِ بِعَقْدٍ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ تَحَقَّقَ فَوَاتُ قَبْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلْعَقْدِ فَإِنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ وَمَتَى تَحَقَّقَ فَوَاتُ قَبْضِ الْمَبِيعِ بَطَلَ الْبَيْعُ كَمَا إذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالْهَلَاكِ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ وَإِنْ كَانَ قَبَضَ بَعْضَهُ بَطَلَ مَا بَقِيَ وَجَازَ مَا قَبَضَ لِأَنَّ مِلْكَهُ تَمَّ فِي الْمَقْبُوضِ فَبِإِسْلَامِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَبْطُلُ وَلَكِنَّ إسْلَامَهُ يَمْنَعُ مِنْ قَبْضِ مَا بَقِيَ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ فِيهِ لِفَوَاتِ الْقَبْضِ وَهَذَا لِأَنَّ السَّبَبَ الطَّارِئَ يُلَاقِي الْمُنْتَهِي بِالْعَفْوِ عَنْهُ وَالْقَائِمَ بِالرَّدِّ قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] فَبِنُزُولِ حُكْمِ الرِّبَا إنَّمَا لَزِمَهُمْ تَرْكُ مَا لَمْ يَقْبِضُوا لَا رَدُّ مَا قَبَضُوا مِنْهُ فَهَذَا مِثْلُهُ ثُمَّ النَّصْرَانِيُّ وَالْمُسْلِمُ فِي حُكْمِ السَّلَمِ سَوَاءٌ مَا خَلَا الْخَمْرَ حَتَّى لَا يَجُوزَ السَّلَمُ بَيْنَهُمْ فِي الْمُنْقَطِعِ لِأَنَّ فَسَادَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لِعَجْزِ الْعَاقِدِ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِينَ وَالسَّلَمُ بَيْنَهُمْ فِي الْخِنْزِيرِ لَا يَجُوزُ بِمَنْزِلَةِ السَّلَمِ فِي الشَّاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ امْتِنَاعَ جَوَازُ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ لِمَعْنَى الْجَهَالَةِ وَهُمْ يَسْتَوُونَ فِي ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ وَإِذَا أَسْلَمَ فِي طَعَامٍ جَيِّدٍ مِنْ طَعَامِ الْعِرَاقِ أَوْ الشَّامِ فَهُوَ جَائِزٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمَ فِي طَعَامِ قَرْيَةٍ أَوْ قَرَاحٍ بِعَيْنِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُتَوَهَّمُ انْقِطَاعُهُ بِآفَةِ فَأَمَّا طَعَامُ وِلَايَةٍ كَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ لَا يُتَوَهَّمُ انْقِطَاعُهُ عُرْفًا بِآفَةٍ فَإِنَّمَا أَسْلَمَ فِيمَا هُوَ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ وَقْتَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ. وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الصُّوفِ وَزْنًا لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ مَعْلُومٌ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ اشْتَرَى كَذَا جَزَّةً بِغَيْرِ وَزْنٍ لَمْ يَجُزْ لِلْجَهَالَةِ لِأَنَّ مِقْدَارَ الصُّوفِ فِي كُلِّ جَزَّةٍ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَذَلِكَ يَتَفَاوَتُ عَلَى وَجْهٍ يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ أَسْلَمَ فِي صُوفِ غَنَمٍ بِعَيْنِهَا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ ذَلِكَ يُتَوَهَّمُ انْقِطَاعُهُ بِالْهَلَاكِ وَلِأَنَّ تَعَيُّنَ مَحِلِّ الْمُسْلَمِ فِيهِ كَتَعَيُّنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ الصُّوفَ الَّذِي عَلَى ظَهَرِ الشَّاةِ بِعَيْنِهِ لَا يَجُوزُ فَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَ فِيهِ وَكَذَلِكَ أَلْبَانُهَا وَسُمُونُهَا لَمَا بَيَّنَّا وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ مَا دَامَتْ مُتَّصِلَةً بِالْحَيَوَانِ فَهِيَ وَصْفٌ لِلْحَيَوَانِ وَلَا تَثْبُتُ فِيهَا الْمَالِيَّةُ مَقْصُودًا إلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ فَلَا تَكُونُ قَابِلَةً لِلْعَقْدِ مَقْصُودًا وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ فِي سَمْنٍ حَدِيثٍ أَوْ زَيْتٍ حَدِيثٍ فِي غَيْرِ حِينِهِ وَجَعَلَ أَجَلَهُ فِي حِينِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ فِي الْحَالِ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ وَكَذَلِكَ لَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي الْحِنْطَةِ الْحَدِيثَةِ لِأَنَّهَا الْيَوْمَ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ وَلَا يُدْرَى أَيَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ أَمْ

стр. 2655

لَا فَلَا يَكُونُ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ لَهُ وَبِدُونِ قُدْرَةِ التَّسْلِيمِ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ فِي حِنْطَةٍ مِنْ حِنْطَةِ هَرَاةَ خَاصَّةً وَهِيَ تَنْقَطِعُ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ) كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي طَعَامٍ قَرَاحٍ بِعَيْنِهِ قِيلَ لَمْ يُرِدْ بِهَذَا هَرَاةَ خُرَاسَانَ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ قَرْيَةٌ مِنْ الْعِرَاقِ تُسَمَّى هَرَاةَ وَتِلْكَ الْقَرْيَةُ يُتَوَهَّمُ أَنْ يُصِيبَهَا آفَةٌ فَأَمَّا هَرَاةُ خُرَاسَانَ لَا يُتَوَهَّمُ انْقِطَاعُ طَعَامِهَا فَهُوَ وَالسَّلَمُ فِي طَعَامِ الْعِرَاقِ سَوَاءٌ. ثُمَّ قَالَ: (وَإِنْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ هَرَوِيٍّ فَلَا بَأْسَ بِهِ) مِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ مَنْ يَقُولُ لِأَنَّ الثَّوْبَ الْهَرَوِيَّ لَا يُتَوَهَّمُ انْقِطَاعُهُ بِخِلَافِ الطَّعَامِ فَالْمُرَادُ قَدْ يَسْتَأْصِلُ طَعَامَ هَرَاةَ وَلَا يَسْتَأْصِلُ حَرَكَةَ هَرَاةَ وَهَذَا ضَعِيفٌ قَالُوا قَدْ يَسْتَأْصِلُ حَرَكَةَ هَرَاةَ أَيْضًا وَلَكِنَّ الْمَعْنَى الصَّحِيحَ فِي الْفَرْقِ أَنَّ نِسْبَةَ الثَّوْبِ إلَى هَرَاةَ لِبَيَانِ جِنْسِ الْمُسْلَمِ فِيهِ لَا لِتَعَيُّنِ الْمَكَانِ فَإِنَّ الثَّوْبَ الْهَرَوِيَّ مَا يُنْسَجُ عَلَى صِفَةٍ مَعْلُومَةٍ فَسَوَاءٌ نُسِجَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ بِهَرَاةَ أَوْ بِغَيْرِ هَرَاةَ يُسَمَّى هَرَوِيًّا بِمَنْزِلَةِ الزِّنْدِيجِيِّ وَالْوَذَارِيِّ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي الْكِتَابِ فَقَالَ: الثَّوْبُ الْهَرَوِيُّ مِنْ الثِّيَابِ بِمَنْزِلَةِ الْحِنْطَةِ مِنْ الْحُبُوبِ يَعْنِي بِهَذَا بَيَانَ الْجِنْسِ بِخِلَافِ الْحِنْطَةِ فَإِنَّ حِنْطَةَ هَرَاةَ مَا تَنْبُتُ بِأَرْضِ هَرَاةَ حَتَّى أَنَّ النَّابِتَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يُنْسَبُ إلَى هَرَاةَ وَإِنْ كَانَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَكَانَ هَذَا تَعْيِينًا مِنْهُ لِلْمَكَانِ وَلِذَلِكَ يُتَوَهَّمُ انْقِطَاعُهُ وَقَالَ: مَشَايِخُنَا ﵏ إنَّ نَسَبَ الطَّعَامِ إلَى مَوْضِعٍ يُعْلَمُ أَنَّ مُرَادَهُ بِذَلِكَ بَيَانُ الصِّفَةِ فَذَلِكَ لَا يُفْسِدُ السَّلَمَ كَالْحُمْرَانِيِّ سَحَارِيٍّ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ لِبَيَانِ صِفَةِ جَوْدَةِ الْحِنْطَةِ فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ مَا يَثْبُتُ فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: فِي حِنْطَةٍ جَيِّدَةٍ وَوَقَعَ فِي الْأَصْلِ وَالثَّوْبِ الْهَرَوِيِّ لَا يَصْنَعُ بِغَيْرِ تِلْكَ الْبِلَادِ وَهُوَ غَلَطٌ بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّ الثَّوْبَ الْهَرَوِيَّ يُصْنَعُ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْبِلَادِ وَعَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَنْسُوجِ بِصِفَةِ فَيُسَمَّى بِهِ وَإِنْ نُسِجَ فِي غَيْرِ هَرَاةَ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الْبَوَادِي وَالْحَصِيرِ إذَا وُصِفَ الطُّولُ وَالْعَرْضُ وَالصِّفَةُ) لِأَنَّهُ مَذْرُوعٌ مَعْلُومٌ كَالثِّيَابِ فَالْحَصِيرُ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْبَرْدِيِّ وَالْحَشِيشِ وَالْبُورِيَا مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْقَصَبِ وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي نَصْلِ السَّيْفِ إذَا كَانَ مَعْلُومَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالصِّفَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَفَاوَتُ فِي الْمَالِيَّةِ بَعْدَ بَيَانِ نَوْعِ الْحَدِيدِ الْأَشْيَاءِ يَسِيرًا وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٌ كَمَا فِي الثِّيَابِ وَالْجَيِّدِ مِنْ الطَّعَامِ [السَّلَمُ فِي الطَّلْعِ] وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي الطَّلْعِ وَهُوَ اسْمٌ لِأَوَّلِ مَا يَبْدُو مِنْ النَّخِيلِ قِيلَ هُوَ شَيْءٌ أَحْمَرُ مِثْلُ لِسَانِ الْبَقَرِ يَبْدُو مِنْ النَّخْلِ ثُمَّ يَخْرُجُ التَّمْرُ مِنْهُ وَقَدْ يُقْطَعُ ذَلِكَ فَيُؤْكَلُ كَمَا هُوَ أَوْ يُطْبَخُ مِنْهُ الْمَرَقَةُ لِحُمُوضَةٍ فِيهِ وَهُوَ عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ يَخْتَلِفُ فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَتَتَفَاوَتُ آحَادُهُ فِي الْمَالِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ كَذَلِكَ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ لِلشَّرِيكَيْنِ قِسْمَةُ السَّلَمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ قَبْلَ الْقَبْضِ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لِلْحِيَازَةِ وَذَلِكَ

стр. 2656

بِأَنْ يَجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نُصِيبَهُ فِي حَيِّزِهِ وَفِي الدَّيْنِ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ ثُمَّ الْقِسْمَةُ لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ وَقَطْعِ الِانْتِفَاعِ عَنْ نَصِيبِهِ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِذَا كَانَ الشَّرْطُ فِي عَقْدِ السَّلَمِ أَنْ يُوفِيَهُ فِي مَكَانِ كَذَا فَقَالَ: الْمُسْلَمُ إلَيْهِ خُذْهُ فِي مَكَان آخَرَ وَخُذْ مِنِّي الْكُرَّ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَقَبَضَهُ كَانَ قَبْضُهُ جَائِزًا لِأَنَّهُ أَخَذَ حَقَّهُ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْكِرَا إلَّا أَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَقْبُوضَ بِقَبْضِهِ وَإِنَّمَا يَحْمِلُ مِلْكَ نَفْسِهِ وَالْإِنْسَانُ فِي حَمْلِ مِلْكِ نَفْسِهِ لَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى الْغَيْرِ وَإِنَّمَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى الْغَيْرِ بِعَمَلٍ يُعْمَلُ لِلْغَيْرِ لَا لِنَفْسِهِ فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْ الْكِرَا وَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِقَبْضِهِ وَإِنْ شَاءَ يَرُدُّهُ حَتَّى يُوفِيَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي شَرَطَ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِقَبْضِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ بِشَرْطِ أَنْ يُسْلِمَ لَهُ الْكِرَا فَإِذَا لَمْ يُسْلِمْ لَا يَكُونُ رَاضِيًا بِهِ وَبِدُونِ رِضَاهُ لَا يَسْقُطُ مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لَهُ وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ بِالْإِيفَاءِ فِي الْمَكَانِ الْمَشْرُوطِ فَإِنَّ هَلَكَ الْمَقْبُوضُ فِي يَدِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ لِأَنَّهُ تَمَّ قَبْضُهُ لِلْمُسْلَمِ فِيهِ وَإِنَّمَا كَانَ الْبَاقِي لَهُ مُجَرَّدُ خِيَارٍ وَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ بِهَلَاكِ الْمَقْبُوضِ فِي يَدِهِ وَالْخِيَارُ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا يَسْتَوْجِبُ حَقَّ الرُّجُوعِ بِشَيْءٍ عِنْدَ سُقُوطِ خِيَارِهِ قَالَ: (وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُسْلِمَ الْعُرُوضَ فِي تُرَابِ الْمَعْدِنِ وَلَا فِي تُرَابِ الصَّوَّاغِينَ) لِأَنَّ عَيْنَ التُّرَابِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بَلْ مَا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ السَّلَمَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا يَجُوزُ وَلِأَنَّ بِذِكْرِ وَزْنِ التُّرَابِ لَا يَصِيرُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مَعْلُومًا وَقَدْ يَخْلُو بَعْضُ التُّرَابِ مِنْهُ وَقَدْ يَقِلُّ فِيهِ وَقَدْ يَكْثُرُ فَعَرَفْنَا أَنَّمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مَجْهُولٌ جَهَالَةً لَا تَقْبَلُ الْإِعْلَامَ فَكَانَ الْعَقْدُ بَاطِلًا لِذَلِكَ. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُسْلِمَ الْحِنْطَةَ وَمَا أَشْبَهَهَا فِيمَا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ بِالرِّطْلِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَا يُكَالُ بِالرِّطْلِ فَهُوَ مَوْزُونٌ وَاسِلَامُ الْمَكِيلِ فِي مَوْزُونٍ هُوَ مَبِيعٌ جَائِزٌ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ فِي الْبَدَلَيْنِ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ وَهُوَ الْجِنْسِيَّةُ وَالْقَدْرُ الْوَاحِدُ وَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ مِمَّا يُكَالُ فَلَا بَأْسَ بِهِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً وَكَذَلِكَ الْمَوْزُونَاتُ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْفُصُولَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَلَا بَأْسَ بِالْبَنَفْسَجِ بِالْحِنَّا وَالزِّئْبَقِ وَالْوَرْدِ رِطْلَيْنِ بِرِطْلٍ فَإِنَّ الْأَدْهَانَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَا اتَّحَدَ أَصْلُهُ مِنْهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ وَفِيمَا اخْتَلَفَ أَصْلُهُ لَهُ قَوْلَانِ لِأَنَّ الِاسْمَ وَالْهَيْئَةَ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ فِيهَا الرَّائِجَةُ وَبِاخْتِلَافِ الرَّائِجَةِ لَا يَخْتَلِفُ الْجِنْسُ كَالْمُنْتِنِ مِنْ اللَّحْمِ مَعَ غَيْرِ الْمُنْتِنِ وَلَكِنَّا نَقُولُ بِمَا حَلَّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الصِّفَةِ اخْتَلَفَ الْأَصْلُ وَالْمَقْصُودُ وَمَنْعُ عَوْدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى مِثْلِ حَالِ صَاحِبِهِ فَيَخْتَلِفُ الْجِنْسُ كَالثِّيَابِ وَالْوَذَارِيِّ مَعَ الزِّنْدِيجِيِّ جِنْسَانِ مَعَ اتِّحَادِ الْأَصْلِ لِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ وَعَلَى

стр. 2657

هَذَا الزُّبْدُ مَعَ السَّمْنِ وَكَذَلِكَ الزَّيْتُ الْمَطْبُوخُ مَعَ غَيْرِ الْمَطْبُوخِ وَالدُّهْنُ الْمُرَبَّى بِالْبَنَفْسَجِ مَعَ غَيْرِ الْمُرَبَّى يَجُوزُ بَيْعُ رِطْلٍ مِنْ الْمَطْبُوخِ وَالْمُرَبَّى بِرِطْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمَطْبُوخِ وَغَيْرِ الْمُرَبَّى لِأَنَّ تِلْكَ الرَّائِجَةَ بِمَنْزِلَةِ زِيَادَةٍ فِي عَيْنِهَا فَكَأَنَّهُ بَاعَ رِطْلًا مِنْ زَيْتٍ وَبَقْلِهِ بِرِطْلَيْنِ مِنْ زَيْتٍ فَيَكُونُ الْمِثْلُ بِالْمِثْلِ وَالْبَاقِي بِإِزَاءِ الزِّيَادَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ قَالَ: هَذَا إذَا كَانَ الْمَطْبُوخُ يُنْتَقَصُ إذَا ذَهَبَتْ تِلْكَ الرَّائِجَةُ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ لَا يُنْتَقَصُ فَقَدْ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ فِي الْعَيْنِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ الْمَطْبُوخِ إلَّا رِطْلًا بِرِطْلٍ بِخِلَافِ الْمُرَبَّى بِالْبَنَفْسَجِ مَعَ الْمُرَبَّى بِالْيَاسَمِينِ فَهُنَاكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَصِيرُ مِثْلَ صَاحِبِهِ بِحَالٍ وَهُنَا غَيْرُ الْمَطْبُوخِ مِنْ الزَّيْتِ يُطْبَخُ فَيَكُونُ مِثْلَ الْمَطْبُوخِ فَتُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَالِ وَعَلَى هَذَا الْأَلْبَانُ فَإِنَّهَا أَجْنَاسٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْكُلُّ جِنْسٌ وَاحِدٌ لَبَنُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لِاتِّفَاقِ الِاسْمِ وَالْهَيْئَةِ وَتَقَارُبِ الْمَقْصُودِ وَلَكِنَّا نَقُولُ أُصُولُهَا أَجْنَاسٌ وَاللَّبَنُ يَتَوَلَّدُ مِنْ الْعَيْنِ كَالْوَلَدِ فَكَانَ اخْتِلَافُ جِنْسِ الْأَصْلِ دَلِيلًا عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا وَلَا تَقَارُبَ فِي الْمَقْصُودِ أَيْضًا فَإِنَّ مَقْصُودَ الْمَسْلَى يَحْصُلُ بِلَبَنِ الْبَقَرِ دُونَ لَبَنِ الْإِبِلِ حَتَّى إنَّ مَا يَكُونُ أَصْلُهُ جِنْسًا وَاحِدًا كَالْبَقَرِ مَعَ الْجَوَامِيسِ وَالْعِرَابِ مَعَ الْبَخَاتِيِّ وَالْمَعْزِ مَعَ الضَّأْنِ فَلَبَنُهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ وَدَلِيلُ اتِّحَادِ جِنْسِ الْأَصْلِ تَكْمِيلُ نِصَابِ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ وَكَذَلِكَ اللُّحُومُ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ عِنْدَنَا وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ يَقُولُ كَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْهَيْئَةِ هُنَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُمْكِنُ تَمْيِيزُ الْبَعْضِ عَنْ الْبَعْضِ بِرُؤْيَةِ الْأَعْيَانِ بِخِلَافِ الْأَدْهَانِ وَالْأَلْبَانِ وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ يَقُولُ الْكُلُّ جِنْسٌ وَاحِدٌ لِاتِّفَاقِ اسْمِ الْعَيْنِ وَهُوَ اللَّحْمُ وَتَقَارُبِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا فَإِنَّ كُلَّهَا يَصْلُحُ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ اتِّخَاذُ الْمَرَقَةِ مِنْهَا وَعِنْدَنَا هِيَ أَجْنَاسٌ لِأَنَّ أُصُولَهَا أَجْنَاسٌ حَتَّى لَا يُضَمُّ الْبَعْضُ إلَى الْبَعْضِ فِي حُكْمِ الزَّكَاةِ وَكَذَلِكَ الْأَسَامِي مُخْتَلِفَةٌ لِاخْتِلَافِ الْإِضَافَةِ كَدَقِيقِ الْحِنْطَةِ مَعَ دَقِيقِ الشَّعِيرِ وَالثَّوْبِ الْهَرَوِيِّ مَعَ الْمَرْوِيِّ وَكَذَا لَحْمُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْمَقْصُودُ أَيْضًا فَبَعْضُ النَّاسِ يَرْغَبُ فِي بَعْضِ اللُّحُومِ دُونَ الْبَعْضِ فَرُبَّمَا يَنْفَعُهُ الْبَعْضُ وَيَضُرُّهُ الْبَعْضُ وَلَا تَفَاوَتَ فِي الْمَقْصُودِ أَبْلَغَ مِنْ هَذَا وَلَكِنْ مَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ هِيَ مَوْزُونَةٌ كُلُّهَا فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ نَسِيئَةً وَيَجُوزُ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ لِانْعِدَامِ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ. قَالَ: (وَلَا خَيْرَ فِي الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ مُتَسَاوِيًا وَلَا مُتَفَاضِلًا) لِأَنَّ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ شُبْهَةَ الْمُجَانَسَةِ فَإِنَّ عَمَلَ الطَّحْنِ فِي الصُّورَةِ هُوَ تَفْرِيقُ الْأَجْزَاءِ وَإِنْ كَانَ فِي الْحُكْمِ الدَّقِيقِ غَيْرَ الْحِنْطَةِ وَيُجْعَلُ الدَّقِيقُ حَاصِلًا بِالطَّحْنِ وَلِهَذَا كَانَ لِلْغَاصِبِ إذَا

стр. 2658

طَحَنَ الْحِنْطَةَ إلَّا أَنَّ الرِّبَا مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَالشُّبْهَةُ فِيهِ تَعْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَعِنْدَ وُجُودِ حَقِيقَةِ الْمُجَانَسَةِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ إلَّا مُتَسَاوِيًا فَكَذَلِكَ إذَا وَجَبَتْ شُبْهَةُ الْمُجَانِسَةِ وَلَا يُعْرَفُ التَّسَاوِي فِي الْكَيْلِ بَيْنَ الدَّقِيقِ وَالْحِنْطَةِ فَالدَّقِيقُ لَا يَصِيرُ حِنْطَةً قَطُّ وَلَكِنَّ الْحِنْطَةَ تُطْحَنُ وَلَا يُدْرَى أَنَّ بَعْدَ الطَّحْنِ يَتَسَاوَيَانِ فِي الْمِكْيَالِ أَمْ لَا فَإِذَا كَانَ بِالتَّسَاوِي فِي الْمِعْيَارِ فِي الْحَالِ لَا يُعْلَمُ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا بَعْدَ الطَّحْنِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِآخَرَ وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالنُّخَالَةِ وَالنُّخَالَةُ أَجْزَاءُ الْحِنْطَةِ كَالدَّقِيقِ إلَّا أَنَّهُ جُزْءٌ خَشِنٌ وَالدَّقِيقُ جُزْءٌ لَيِّنٌ فَأَمَّا بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ عِنْدَنَا كَيْلًا بِكَيْلٍ يَجُوزُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الدَّقِيقَ لَا يَعْتَدِلُ فِي الدُّخُولِ فِي الْكَيْلِ فَإِنَّهُ يَنْكَبِسُ بِالْكَبْسِ وَالْكَيْلُ عِنْدَهُ لَا يَكُونُ مِعْيَارًا شَرْعًا إلَّا فِيمَا يَعْتَدِلُ فِي الْكَيْلِ وَلِهَذَا قَالَ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبَاقِلَاءِ وَالرُّطَبِ بِالرُّطَبِ وَالْمَطْعُومِ بِالْمَطْعُومِ إذَا قُوبِلَ بِجِنْسِهِ فَشَرْطُ جَوَازِ الْبَيْعِ عِنْدَهُ التَّسَاوِي فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِيمَا لَا يَعْتَدِلُ بِالْكَيْلِ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْكَيْلُ فِيمَا هُوَ مَكِيلٌ مِعْيَارٌ شَرْعِيٌّ وَالدَّقِيقُ مَكِيلٌ وَمَعْرِفَةُ كَوْنِهِ مَكِيلًا بِالرُّجُوعِ إلَى عُرْفِ النَّاسِ وَهُمْ يَكِيلُونَ الدَّقِيقَ كَالْحِنْطَةِ وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي الدَّقِيقِ كَيْلًا كَمَا يَجُوزُ فِي الْحِنْطَةِ فَكَانَ الْكَيْلُ فِيهِ مِعْيَارًا شَرْعِيًّا وَمَا يُتَوَهَّم فِيهِ مِنْ التَّفَاوُتِ عِنْدَ التَّكَلُّفِ فِي كَيْلِ الدَّقِيقِ يُتَوَهَّمُ فِي الْحِنْطَةِ أَيْضًا ثُمَّ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ وَوَجَبَ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَسَطِ مِنْ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ الدَّقِيقُ [بَيْعُ السَّوِيقِ بِالدَّقِيقِ] وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ السَّوِيقِ بِالدَّقِيقِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مُتَسَاوِيًا وَلَا مُتَفَاضِلًا وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَجُوزُ الْبَيْعُ تَسَاوِيًا أَوْ تَفَاضُلًا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ فَإِنَّ الِاسْمَ مُخْتَلِفٌ وَالْمَقْصُودَ مُخْتَلِفٌ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِالدَّقِيقِ اتِّحَادَ الْخُبْزِ وَالْعَصَايِدِ وَالْأَطْوِلَةِ مِنْهُ وَلَا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالسَّوِيقِ إنَّمَا يُلَتُّ بِالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَيُؤْكَلُ كَذَلِكَ أَوْ يُضْرَبُ بِالْمَاءِ فَيُشْرَبُ فَكَانَ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَقْصُودِ أَظْهَرَ مِنْ التَّفَاوُتِ فِي الْهَرَوِيِّ وَالْمَرْوِيِّ مِنْ الثِّيَابِ وَكَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَصِيرُ مِثْلَ صَاحِبِهِ بِحَالٍ فَالسَّوِيقُ لَا يَصِيرُ دَقِيقًا وَالدَّقِيقُ لَا يَصِيرُ سَوِيقًا بِحَالٍ وَاخْتِلَافُ الْجِنْسِ يُعْرَفُ بِهَذَا ثُمَّ اتِّحَادُ الْأَصْلِ لَا يَمْنَعُ اخْتِلَافَ الْجِنْسِ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي كَالْأَدْهَانِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ مُتَسَاوِيًا لَا مُتَفَاضِلًا لِأَنَّ الدَّقِيقَ قَدْ يَصِيرُ سَوِيقًا بِأَنْ يُرَشَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ ثُمَّ يُقْلَى فَيَصِيرُ سَوِيقًا وَبِبَغْدَادَ يُتَّخَذُ السَّوِيقُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَتُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا لِجَوَازِ الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِ وَلَأَبِي حَنِيفَةَ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ السَّوِيقَ أَجْزَاءُ الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ وَالدَّقِيقَ أَجْزَاءُ حِنْطَةٍ غَيْرِ مَقْلِيَّةٍ وَبَيْعُ الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ فَكَذَلِكَ

стр. 2659

بَيْعُ السَّوِيقِ بِالدَّقِيقِ وَتَحْقِيقُ هَذَا أَنَّهُمَا إنَّمَا جُعِلَا جِنْسًا وَاحِدًا بَلْ الطَّحْنُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ بَعْدَ الطَّحْنِ فِيهِمَا عَمَلٌ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْجِنْسِ وَإِذَا كَانَ جِنْسًا وَاحِدًا تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي صَارَ مَالَ الرِّبَا وَهُوَ قَبْلَ الْقَلْيِ وَالطَّحْنِ وَبِتَسَاوِيهِمَا كَيْلًا فِي الْحَالِ لَا تَظْهَرُ تِلْكَ الْمُمَاثَلَةُ فَلَا يَجُوزُ الْعَقْدُ وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ أَنَّ بَيْعَ الْحِنْطَةِ بِالسَّوِيقِ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَرِبَا الْفَضْلِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْمُجَانَسَةِ وَلَا مُجَانَسَةَ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالسَّوِيقِ صُورَةً فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُجَانَسَةَ بِاعْتِبَارِ مَا فِي الضِّمْنِ وَاَلَّذِي فِي ضِمْنِ الْحِنْطَةِ دَقِيقٌ فَتَثْبُتُ الْمُجَانَسَةُ بَيْنَ السَّوِيقِ وَالدَّقِيقِ بَعْدَ الطَّحْنِ كَمَا تَثْبُتُ الْمُجَانَسَةُ بَيْنَ السَّوِيقِ وَالْحِنْطَةِ بِاعْتِبَارِ مَا فِي الضِّمْنِ قَبْلَ الطَّحْنِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ بَيْعَ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ رِبًا وَبَيْعَ الْحِنْطَةِ بِالسَّوِيقِ رِبًا وَمَنْ ضَرُورَةِ كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِنْسًا لِلْحِنْطَةِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا جِنْسًا لِلْآخِرِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الِاسْمُ لِلصَّنْعَةِ لَا اسْمِ الْعَيْنِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْزَاءٌ مُتَفَرِّقَةٌ فِيمَا كَانَ لَهُ لَتُّ الْحِنْطَةِ قَبْلَ التَّفْرِيقِ وَلَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهُ فَاتَ بَعْضُ الْمَقَاصِدِ فِي السَّوِيقِ وَبِهِ لَا يَخْتَلِفُ الْجِنْسُ كَالْحِنْطَةِ الْمَقْلُوَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلُوَّةِ وَالْعِلْكَةِ مَعَ الرَّخْوَةِ وَاَلَّتِي أَكَلَهَا السُّوسُ فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ وَاِتِّخَاذُ الْهَرِيسَةِ وَالْكُشْكِ مِنْهَا وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ فَكَذَلِكَ الدَّقِيقُ مَعَ السَّوِيقِ وَلَا خَيْرَ فِي الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَا فِي الزَّيْتُونِ أَقَلُّ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْمُجَانَسَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ تَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ تَارَةً وَبِاعْتِبَارِ مَا فِي الضِّمْنِ أُخْرَى فَفِيمَا وُجِدَتْ الْمُجَانَسَةُ عَيْنًا لَا تُعْتَبَرُ فِي الضِّمْنِ حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُ قَفِيزِ حِنْطَةٍ عِلْكَةٍ بِقَفِيزِ حِنْطَةٍ أَكَلَهَا السُّوسُ وَلَا يُعْتَبَرُ مَا فِي الضِّمْنِ وَفِي الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ تُعْتَبَرُ الْمُجَانَسَةُ بِمَا فِي الضِّمْنِ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا آخَرَ حُكْمًا ثُمَّ لَا مُجَانَسَةَ بَيْنَ الزَّيْتِ وَالزَّيْتُونِ صُورَةً فَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْمُجَانَسَةُ بِمَا فِي الضِّمْنِ وَهُوَ الزَّيْتُ الَّذِي فِي الزَّيْتُونِ وَبَيْعُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ إنْ عُلِمَ أَنَّ مَا فِي الزَّيْتُونِ مِنْ الزَّيْتِ أَكْثَرُ مِنْ الْمُنْفَصِلِ فَقَدْ يَتَحَقَّقُ الْفَضْلُ الْخَالِي عَنْ الْعِوَضِ فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَكَذَلِكَ إنْ عُلِمَ أَنَّهُ مَيْلَهُ لِأَنَّ تُفْلَ الزَّيْتُونِ يَكُونُ فَضْلًا خَالِيًا عَنْ الْعِوَضِ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْلَمُ كَيْفَ هُوَ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عِنْدَنَا وَقَالَ: زُفَرُ يَجُوزُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ جَوَازُ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا الْفَسَادُ بِوُجُودِ الْفَضْلِ الْخَالِي عَنْ الْعِوَضِ فَمَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ وَعِنْدَنَا الْفَضْلُ الَّذِي هُوَ يُتَوَهَّمُ الْوُجُودُ كَالْمُتَحَقِّقِ فِي بَابِ الرِّبَا احْتِيَاطًا لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ الرِّبَا وَالرِّيبَةِ» وَالرِّيبَةُ شُبْهَةُ الرِّبَا وَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ كُنَّا نَدَعُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْحَلَالِ مَخَافَةَ

стр. 2660

الْحَرَامِ فَإِذَا لَمْ تُعْلَمُ الْمُسَاوَاةُ جُعِلَ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ الْفَضْلِ احْتِيَاطًا فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ مَا فِي الزَّيْتُونِ مِنْ الزَّيْتِ أَقَلُّ مِنْ الْمُنْفَصِلِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ لِأَنَّ الْمِثْلَ يَصِيرُ بِإِزَاءِ الْمِثْلِ وَالْبَاقِيَ مِنْ الزَّيْتِ بِإِزَاءِ التُّفْلِ فَلَا يَظْهَرُ الْفَضْلُ الْخَالِي عَنْ الْمُقَابَلَةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَكَذَلِكَ دُهْنُ السِّمْسِمِ بِالسِّمْسِمِ وَالْعَصِيرُ بِالْعِنَبِ وَاللَّبَنُ بِالسَّمْنِ وَالرُّطَبُ بِالدُّبْسِ وَلَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نَسِيئَةً لِوُجُودِ الْجِنْسِيَّةِ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ مَا فِي الضِّمْنِ. وَلَا بَأْسَ بِخَلِّ الْخَمْرِ بِخَلِّ السُّكَّرِ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ فَإِنَّ أَصْلَهُمَا جِنْسَانِ لِأَنَّ السُّكَّرَ مَاءُ التَّمْرِ وَالْخَمْرِ بِالْعِنَبِ وَكَمَا أَنَّ الْعِنَبَ مَعَ التَّمْرِ جِنْسَانِ فَكَذَلِكَ الْخَلُّ الْمُتَّخَذُ مِنْهُمَا فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا وَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ نَسِيئَةً لِأَنَّهُ جَمِيعُهَا قَدْرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ وَإِنْ اشْتَرَى شَاةً بِصُوفٍ وَعَلَى ظَهْرِهَا صُوفٌ أَوْ شَاةً فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ بِلَبَنٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ وَهُوَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللَّبَنَ الْمُنْفَصِلَ أَكْثَرُ مِمَّا فِي الضَّرْعِ وَأَنَّ الصُّوفَ الْمَجْزُوزَ أَكْثَرُ مِمَّا عَلَى ظَهْرِ الشَّاةِ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ هَذَا عَلَى الْخِلَافِ وَجَعَلَهُ نَظِيرَ بَيْعِ لَحْمِ الشَّاةِ بِالشَّاةِ فَإِنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ الشَّاةِ بِالشَّاةِ الْحَيَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ إلَّا بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ وَهُوَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللَّحْمَ الْمُنْفَصِلَ أَكْثَرُ مِنْ اللَّحْمِ الَّذِي فِي الشَّاةِ فَيَكُونُ الْمِثْلُ بِالْمِثْلِ وَالْبَاقِي بِإِزَاءِ الْمَسْقَطِ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْمُجَانَسَةَ بَيْنَ الشَّاةِ وَاللَّحْمِ ثَابِتَةٌ بِاعْتِبَارِ مَا فِي الضِّمْنِ فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ إلَّا بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ كَمَا فِي الْفُصُولِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّحْمَ مَوْجُودٌ فِي الشَّاةِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ وَبِهِ تَخْتَلِفُ الْمَالِيَّةُ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّاةَ فِي الْغَنِيمَةِ مِنْ جُمْلَةِ الطَّعَامِ يُبَاحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ تَنَاوُلُهُ وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ بَلْ وُجُودُ اللَّحْمِ فِي الشَّاةِ أَبَيْنُ وَأَظْهَرُ مِنْ وُجُودِ الدُّهْنِ فِي السِّمْسِمِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَادِثٌ بِالْعَصِيرِ حُكْمًا وَلِهَذَا كَانَ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ وَاللَّحْمُ لَا يَحْدُثُ بِالذَّبْحِ وَلِهَذَا لَوْ غَصَبَ شَاةً فَذَبَحَهَا لَمْ يَكُنْ اللَّحْمُ لَهُ وَالذَّبْحُ نُقْصَانٌ مَحْضٌ بِمَنْزِلَةِ الْقَطْعِ فِي الثَّوْبِ فَلَا يَحْدُثُ بِهِ اللَّحْمُ وَهُوَ إزْهَاقُ الْحَيَاةِ فَيَفُوتُ بِهِ مَعْنَى النَّسْلِ بِمَنْزِلَةِ الْقَلْيِ فِي الْحِنْطَةِ يُفَوِّتُ مَا كَانَتْ الْحِنْطَةُ بِاعْتِبَارِهِ مُثْبَتَةً وَإِذَا ثَبُتَ أَنَّ اللَّحْمَ مَوْجُودٌ قَبْلَ الذَّبْحِ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ إلَّا بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ بَاعَ عَدَدِيًّا مُتَفَاوِتًا بِوَزْنِيٍّ فَيَجُوزُ كَيْفَ مَا كَانَ كَمَا لَوْ بَاعَ الثَّوْبَ بِالْقُطْنِ وَبَيَانُهُ الْوَصْفُ أَنَّ الْحَيَوَانَ عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا [بَيْعُ الشَّاةِ بِالشَّاتَيْنِ] وَيَجُوزُ بَيْعُ الشَّاةِ بِالشَّاتَيْنِ وَتَأْثِيرُهُ أَنَّ الْمُجَانَسَةَ بِاعْتِبَارِ مَا فِي الضِّمْنِ إنَّمَا تُطْلَبُ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَدَلَيْنِ مُقَدَّرًا فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُقَدَّرًا لَا يَشْتَغِلُ بِطَلَبِ الْمُجَانَسَةِ

стр. 2661

بَيْنَهُمَا وَبِهَذَا يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفُصُولِ وَلَكِنْ بِهَذَا التَّقْرِيرِ يَتَّضِحُ الْفَرْقُ فِي جَمِيعِ الْفُصُولِ فَإِنَّ بَيْعَ دُهْنِ الْجَوْزِ بِالْجَوْزِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ وَالْجَوْزِ لَيْسَ بِمُقَدَّرِ وَلِهَذَا يَجُوزُ بَيْعُ جَوْزَةٍ بِجَوْزَتَيْنِ وَلَكِنْ نَقُولُ اللَّحْمُ فِي شِرَاءِ الْحَيَوَانِ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الدَّرُّ وَالنَّسْلُ وَالْإِسَامَةُ لِيَزْدَادَ عَيْنُهَا بِالسِّمَنِ فَأَمَّا اللَّحْمُ آخَرُ الْمَقَاصِدِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْمُجَانَسَةُ بِمَا فِي الضِّمْنِ إذَا كَانَ مَقْصُودًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَالِيَّةَ فِي الْحَيَوَانِ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللَّحْمِ فَقَدْ نَرَى فَرَسَيْنِ أَوْ نَجِيبَيْنِ يَتَسَاوَيَانِ فِي اللَّحْمِ وَيَتَفَاوَتَانِ فِي الْقِيمَةِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا وَالْبَيْعُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ فَإِذَا كَانَتْ مَالِيَّةُ الْحَيَوَانِ لَا تُعْرَفُ بِمِقْدَارِ اللَّحْمِ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الذَّبْحِ بِخِلَافِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَالْمَالِيَّةُ هُنَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مِقْدَارِ الدَّقِيقِ فِي الْحِنْطَةِ وَالدُّهْنِ فِي السِّمْسِمِ وَالْجَوْزِ وَنَحْوِ ذَلِكَ نُوَضِّحُهُ أَنَّ اللَّحْمَ فِي الْحَيَوَانِ وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا حَقِيقَةً فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ حُكْمًا حَتَّى لَوْ أَخَذَ بِضْعَةً مِنْ لَحْمِ الْحَيَوَانِ لَا يُبَاحُ تَنَاوُلُهَا عَرَفْنَا أَنَّ مَقْصُودَ اللَّحْمِ حَاصِلٌ بِالذَّبْحِ حُكْمًا فَلَا يُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَعَلَى هَذَا الْحَرْفِ نَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ الصُّوفِ وَاللَّبَنِ الْجَوَابِ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا فَإِنَّهُ مَالٌ مَوْجُودٌ قَبْلَ الْفَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مُفَصَّلٌ مِنْ الْحَيَوَانِ فَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِي الصُّوفِ وَاللَّبَنِ فَكَانَ الْحَالُ فِيهِمَا قَبْلَ الذَّبْحِ وَبَعْدَ الذَّبْحِ سَوَاءً وَعَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ كَمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ لِأَنَّ مَالِيَّةَ الشَّاةِ لَا تُعْرَفُ بِمَا عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ الصُّوفِ وَلَا بِمَا فِي ضَرْعِهَا مِنْ اللَّبَنِ كَمَا لَا تُعْرَفُ مَالِيَّةُ الْحَيَوَانِ بِمِقْدَارِ اللَّحْمِ فَإِنْ بَاعَ لَحْمَ شَاةٍ بِالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ جَازَ عِنْدَنَا وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ أَصْلًا لِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ» وَرُوِيَ أَنَّ جَزُورًا نُحِرَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ رَجُلٌ بِعَنَاقٍ وَقَالَ: أَعْطَوْنِي بِهَذَا الْعَنَاقِ قِطْعَةً مِنْ هَذَا اللَّحْمِ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ هَذَا لَا يَصْلُحُ وَلَكِنَّا نَقُولُ هُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ كَيْفَ مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّاةِ بِالْبَقَرِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ «وَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ» وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا نَسِيئَةً فَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَبِهِ نَقُولُ فَإِنَّ السَّلَمَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّ ذَلِكَ الْبَعِيرَ كَانَ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ فَكَرِهَ أَبُو بَكْرٍ بَيْعَ لَحْمِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا نُحِرَ لِيُتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَلِهَذَا قَالَ:

стр. 2662

لَا يَصْلُحُ وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ حِنْطَةً فِي شَعِيرٍ وَزَيْتٍ كَانَ بَاطِلًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَجُوزُ فِي حِصَّةِ الزَّيْتِ لِأَنَّ الْفَسَادَ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ الْمُفْسِدَةِ وَذَلِكَ فِي الشَّعِيرِ خَاصَّةً فَإِنَّ صِحَّةَ الْكَيْلِ لَمَّا جَمَعَ الْبَدَلَيْنِ حَرُمَ النَّسَاءُ وَفِي حِصَّةِ الزَّيْتِ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَإِنَّ إسْلَامَ الْمَكِيلِ فِي الْمَوْزُونِ صَحِيحٌ وَثُبُوتَ الْحُكْمِ بِحَسْبِ الْعِلَّةِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ فَسَادِ الْعَقْدِ فِي أَحَدِهِمَا فَسَادُ الْعَقْدِ فِي الْآخَرِ كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا وَمُدَبَّرًا وَكَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدَيْنِ فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْآخَرِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ الْعِلَّةُ الْمُفْسِدَةُ لِلْعَقْدِ وُجِدَتْ فِي الْكُلِّ أَمَّا فِي حِصَّةِ الشَّعِيرِ فَظَاهِرٌ وَفِي حِصَّةِ الزَّيْتِ فَقَدْ جُعِلَ قَبُولُ الْعَقْدِ فِي الشَّعِيرِ شَرْطًا فِي قَبُولِ الْعَقْدِ فِي الزَّيْتِ لِأَنَّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي الْعَقْدِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ يَكُونُ شَارِطًا عَلَيْهِ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلِهَذَا لَوْ قُبِلَ الْعَقْدُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ وَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ وَالسَّلَمُ يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ فَسَادَ الْعَقْدِ فِي الشَّعِيرِ لِاشْتِرَاطِ الْأَجَلِ وَاشْتِرَاطِ الْأَجَلِ فِي الْعَقْدِ وَالْعَقْدُ وَاحِدٌ فَإِذَا تَمَكَّنَ فِيهِ الشَّرْطُ الْفَاسِدُ فَسَدَ الْعَقْدُ كُلُّهُ بِخِلَافِ بَيْعِ الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرِ فَالْعَقْدُ فِي الْمُدَبَّرِ لَيْسَ بِفَاسِدٍ وَلِهَذَا لَوْ أَجَازَ الْقَاضِي بَيْعَهُ جَازَ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ نَافِذٍ لِحَقِّ الْمُدَبِّرِ وَذَلِكَ لِمَعْنًى فِيهِ لَا فِي الْعَقْدِ فَلِهَذَا لَا يَتَعَدَّى إلَى الْآخَرِ وَكَذَلِكَ لَوْ هَلَكَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ فَالْمُفْسِدُ فَوَّتَ الْقَبْضَ وَذَلِكَ لِمَعْنًى فِي الْهَالِكِ لَا فِي الْعَقْدِ وَنَظَائِرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تُذْكَرُ فِي بَابِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ فَوَهِيَّةً فِي فَوَهِيَّةٍ وَمَرْوِيَّةٍ لِأَنَّ الْجِنْسَ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ كَالْكَيْلِ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الطَّرِيقَ مَا قُلْنَا دُونَ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏ لِأَبِي حَنِيفَةَ إذَا كَانَ الْفَسَادُ قَوِيًّا مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَيُمْكِنُ فِي الْبَعْضِ تَعَدِّي إلَى مَا بَقِيَ فَإِنَّ فَسَادَ الْعَقْدِ بِسَبَبِ الْجِنْسِيَّةِ غَيْرُ مَجْمَعٍ عَلَيْهِ وَقَدْ سَوَّى بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الطَّرِيقَ مَا قُلْنَا قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُسْلِمَ الْفُلُوسَ فِيمَا يُوزَنُ) لِأَنَّ الْفُلُوسَ عَدَدِيَّةٌ مُتَقَارِبَةٌ فَيَجُوزُ إسْلَامُهَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ إلَّا الصُّفْرَ خَاصَّةً فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إسْلَامُ الْفُلُوسِ فِيهِ لِلْجِنْسِيَّةِ فَالْفُلُوسُ صُفْرٌ فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَتْ الْفُلُوسُ صُفْرًا وَالصُّفْرُ مَوْزُونٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ إسْلَامُ الْفُلُوسِ فِي الْمَوْزُونَاتِ قُلْتُ الصُّفْرُ مَوْزُونٌ فِي الْعُرْفِ لَا بِالنَّصِّ وَلَا عُرْفَ فِيهِ فِي الْفُلُوسِ الرَّائِجَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَتَفَاوَتُ فِي الْمَالِيَّةِ بِتَفَاوُتِ الْوَزْنِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ سَيْفًا فِي شَيْءٍ مِمَّا يُوزَنُ كَانَ جَائِزًا لِأَنَّ السَّيْفَ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْزُونًا عَادَةً إلَّا فِي الْحَدِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إسْلَامُ السَّيْفِ فِي الْحَدِيدِ لِلْمُجَانَسَةِ وَكَذَلِكَ كُلُّ إنَاءٍ خَرَجَ بِالصَّنْعَةِ مِنْ الْوَزْنِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُسْلِمَهُ فِي الْمَوْزُونَاتِ إلَّا فِي نَوْعِهِ. وَلَا

стр. 2663

بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَ إنَاءً مَصُوغًا بِإِنَاءٍ مَصُوغٍ مِنْ نَوْعِهِ يَدًا بِيَدٍ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْوَزْنِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْإِنَاءُ لَا يُبَاعُ وَزْنًا لِأَنَّهُ عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ كَالثِّيَابِ وَهَذَا بِخِلَافِ أَوَانِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ فَإِنَّهُ يَجْرِي فِيهَا رِبَا الْفَضْلِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُبَاعُ وَزْنًا فِي الْعَادَةِ لِأَنَّ صِفَةَ الْوَزْنِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِالصَّنْعَةِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْزُونًا بِالْعَادَةِ وَالْعَادَةُ لَا تُعَارِضُ النَّصَّ فَأَمَّا فِي الْحَدِيدِ وَالشَّبَهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ صِفَةُ الْوَزْنِ ثَابِتَةٌ فِي الْعُرْفِ فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْزُونًا بِالصَّنْعَةِ وَبِالْعُرْفِ وَبِتَعَارُفِ النَّاسِ بِيعَ الْمَصُوغُ مِنْهُ عَدَدًا فَأَمَّا بَيْعُ فَلْسٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْفُلُوسَ الرَّائِجَةَ أَمْثَالٌ مُتَسَاوِيَةٌ قَطْعًا لِاصْطِلَاحِ النَّاسِ عَلَى سُقُوطِ قِيمَةِ الْجَوْدَةِ فِيهَا لِيَكُونَ أَحَدُ الْفَلْسَيْنِ فَضْلًا خَالِيًا عَنْ الْعِوَضِ مَشْرُوطًا فِي الْبَيْعِ وَذَلِكَ هُوَ الرِّبَا بِعَيْنِهِ وَإِنْ بَاعَ فَلْسًا بِعَيْنِهِ بِفَلْسٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا لَمْ يَجُزْ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَوْ أَجَازَ أَمْسَكَ الْفَلْسَ الْمُعَيَّنَ وَطَالَبَهُ بِفَلْسَيْنِ آخَرَيْنِ أَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ الْفَلْسَ الْمُعَيَّنَ ثُمَّ قَبَضَ ذَلِكَ مِنْهُ بِعَيْنِهِ مَعَ فَلْسٍ آخَرَ لِاسْتِحْقَاقِهِ فَلْسَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ فَيَكُونُ الْفَلْسُ الْآخَرُ فَضْلًا خَالِيًا عَنْ الْعِوَضِ وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ فَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا بِفَلْسٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي الْفَلْسَيْنِ ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ أَحَدَهُمَا فَكَانَ مَا اسْتَوْجَبَ فِي ذِمَّتِهِ فَيَبْقَى الْآخَرُ لَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَأَمَّا إذَا بَاعَ فَلْسًا بِعَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَهَذَأ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْفُلُوسَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ مَا دَامَتْ رَائِجَةً عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى قَوْلِهِمَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعَيُّنِ إذَا قُوبِلَتْ بِجِنْسِهَا حَتَّى لَوْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ عِنْدَهُمَا وَمُحَمَّدٌ ﵀ يَقُولُ الْفُلُوسُ الرَّائِجَةُ ثَمَنٌ وَالْأَثْمَانُ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ بِالتَّعْيِينِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ قُوبِلَتْ بِخِلَافِ جِنْسِهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى بِفُلُوسٍ مُعَيَّنَةٍ شَيْئًا فَهَلَكَتْ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ وَلَوْ اشْتَرَى بِهَا جَازَ فَكَذَلِكَ إذَا قُوبِلَتْ بِجِنْسِهَا لِأَنَّ مَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَالْجِنْسُ وَغَيْرُ الْجِنْسِ فِيهِ سَوَاءٌ كَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَمَا لَا تَتَعَيَّنُ فَالْجِنْسُ وَغَيْرُ الْجِنْسِ فِيهِ سَوَاءٌ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَهُمَا يَقُولَانِ الْفُلُوسُ عَدَدِيٌّ وَالْعَدَدِيُّ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَيَجُوزُ بَيْعُ الْوَاحِدِ مِنْهُ بِالْمُثَنَّى كَمَا لَوْ بَاعَ جَوْزَةً بِجَوْزَتَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ صِفَةَ الثَّمَنِيَّةِ فِي الْفُلُوسِ لَيْسَتْ بِصِفَةٍ لَازِمَةٍ وَلَا هُوَ ثَابِتٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ بَلْ يُعَارِضُ اصْطِلَاحَ النَّاسِ وَالْعَاقِدُ إنْ قَصَدَ تَصْحِيحَ الْعَقْدِ وَلَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِ الْعَقْدِ إلَّا بِأَنْ تَتَعَيَّنَ الْفُلُوسُ وَتَخْرُجُ مِنْ أَنْ تَكُونَ رَائِجَةً ثَمَنًا فِي حَقِّهِمَا فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُمَا أَعْرَضَا عَنْ ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ.

стр. 2664

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الثَّمَنِيَّةِ فِي الْفُلُوسِ بِالِاصْطِلَاحِ أَنَّهُ يَصْلُحُ ثَمَنُ الْخَسِيسِ مِنْ الْأَشْيَاءِ دُونَ النَّفِيسِ وَأَنَّهُ يُرَوِّجُ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ دُونَ الْبَعْضِ وَيَرُوجُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ دُونَ الْبَعْضِ بِخِلَافِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَإِنْ قِيلَ تَحْتَ هَذَا الْكَلَامِ فَسَادٌ فَإِنَّهُ خَرَجَ فِي حَقِّهِمَا مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا كَانَ هَذَا بَيْعُ قِطْعَةِ صُفْرٍ بِقِطْعَتَيْنِ مِنْ صُفْرٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ قُلْنَا الِاصْطِلَاحُ فِي الْفُلُوسِ عَلَى صِفَةِ الثَّمَنِيَّةِ وَالْعَدَدِ فِيهِمَا فِي هَذِهِ الْمُبَايَعَةِ إعْرَاضًا عَنْ اعْتِبَارِ صِفَةِ الثَّمَنِيَّةِ فِيهَا وَمَا أَعْرَضَ عَنْ اعْتِبَارِ صِفَةِ الْعَدَدِ فِيهَا وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ خُرُوجِهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ ثَمَنًا فِي حَقِّهِمَا خُرُوجُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ عَدَدِيَّةً كَالْجَوْزِ وَالْبِيضِ فَهُوَ عَدَدِيٌّ وَلَيْسَ بِثَمَنٍ فَهَذَا بِاتِّفَاقِهِمَا يَصِيرُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ شُقَّةَ خَزٍّ بِشُقَّةِ خَزٍّ هِيَ أَكْثَرُ مِنْهَا وَزْنًا) لِأَنَّهَا لَا تُوزَنُ وَإِنَّمَا تُذْرَعُ كَسَائِرِ الثِّيَابِ وَبَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ بِجِنْسِهِ يَدًا بِيَدٍ يَجُوزُ كَيْفَ مَا كَانَ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالتَّمْرِ بِالرُّطَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَإِنْ كَانَ الرُّطَبُ يَنْقُصُ إذَا جَفَّ) وَهَذِهِ مَسَائِلُ (أَحَدُهُمَا) بَيْعُ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ كَيْلًا بِكَيْلٍ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ الْبَاقِلَّا وَعَلَّلَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: لِأَنَّ بَيْنَ الْبَاقِلَّتَيْنِ فَضَاءً وَمُتَّسَعًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَعْتَدِلُ فِي الدُّخُولِ فِي الْكَيْلِ حَتَّى لَا يَنْضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ بَلْ يَتَجَافَى وَيَتَفَاوَتُ مِقْدَارُ التَّجَافِي فِيهِ فَلَا يَكُونُ الْكَيْلُ فِيهِ مِعْيَارًا شَرْعِيًّا وَالْمُخَلِّصُ عَنْ الرِّبَا يَكُونُ بِالتَّسَاوِي فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ وَقَاسَ بَيْعَ الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ فَإِنَّ الْمَقْلِيَّةَ لَا تَعْتَدِلُ فِي الدُّخُولِ فِي الْكَيْلِ لِانْتِفَاخٍ يَحْدُثُ فِيهَا بِالْقَلْيِ أَوْ صُخُورٍ فَإِنَّهَا إذَا قُلِيَتْ رَطْبَةً انْتَفَخَتْ وَإِذَا قُلِيَتْ يَابِسَةً ضَمُرَتْ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ» وَالتَّمْرُ اسْمٌ لِلثَّمَرَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ النَّخْلِ مِنْ حِينِ يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا صُورَتُهَا إلَى أَنْ تُدْرَكَ فَكَانَ الرُّطَبُ تَمْرًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ الْقَائِلِ وَمَا الْعَيْشُ إلَّا نَوْمَةٌ وَشَرْقٌ ... وَتَمْرٌ عَلَى رُءُوسِ النَّخِيلِ وَمَاءٌ وَالْمُرَادُ الرُّطَبُ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الرُّطَبَ أَمْثَالٌ مُتَسَاوِيَةٌ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ حُكْمِ الرِّبَا فِيهَا وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الرِّبَا لَا يَثْبُتُ فِي الْمَالِ مَا لَمْ يَصِرْ أَمْثَالًا مُتَسَاوِيَةً وَإِنَّمَا صَارَتْ أَمْثَالًا مُتَسَاوِيَةً بِصِفَةِ الْكَيْلِ فَكَانَ الْكَيْلُ فِيهَا عِيَارًا شَرْعِيًّا وَالْأَصْلُ أَنَّهُ يُرَاعِي وُجُودَ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي صَارَ مَالُ الرِّبَا كَمَا فِي الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا وَبِهِ فَارَقَ الْمَقْلُوَّةَ فَإِنَّ الْحِنْطَةَ لَا تُخْلَقُ كَذَلِكَ بَلْ تَكُونُ فِي الْأَصْلِ غَيْرَ مَقْلُوَّةٍ وَتَصِيرُ مَالُ الرِّبَا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَتُرَاعَى تِلْكَ الْمُمَاثَلَةُ وَبَعْدَ الْقَلْيِ لَا تُعْرَفُ تِلْكَ الْمُمَاثَلَةُ وَإِنْ تُسَاوَيَا فِي الْكَيْلِ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ وَلَا بِالْمَقْلِيَّةِ فَإِنْ قِيلَ

стр. 2665

هَذَا فَاسِدٌ فَقَدْ جَوَّزْتُمْ بَيْعَ الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ بِالْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ كَيْلًا بِكَيْلٍ وَالرُّطُوبَةُ صِفَةٌ حَادِثَةٌ بِصُنْعِ الْعِبَادِ كَالْقَلْيِ (قُلْنَا) الْحِنْطَةُ فِي الْأَصْلِ تُخْلَقُ رَطْبَةً وَيَكُونُ مَالُ الرِّبَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَإِذَا بُلْتَ بِالْمَاءِ عَادَتْ إلَى تِلْكَ الصِّفَةِ فَإِذَا وُجِدَتْ الْمُمَاثَلَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي صَارَتْ مَالَ الرِّبَا جَازَ الْعَقْدُ وَهِيَ لَا تُخْلَقُ فِي الْأَصْلِ مَقْلُوَّةً حَتَّى يَكُونَ هَذَا إعَادَةً إلَى تِلْكَ الصِّفَةِ فِيهَا فَأَمَّا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ: ﷺ أَيَنْقُصُ إذَا جَفَّ قَالُوا نَعَمْ فَقَالَ: ﵊ فَلَا إذًا» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا» ثُمَّ فِي قَوْلِهِ ﵇ أَيَنْقُصُ إذَا جَفَّ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْعَقْدِ الْمُمَاثَلَةُ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ مَا بَعْدَ الْجَفَافِ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْكَيْلِ فِي الْحَالِ فَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَاعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ صَحِيحٌ كَمَا فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَتَفَاوُتٍ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الطَّحْنِ وَلِأَنَّ الْعَقْدَ جَمَعَ بَيْنَ الْبَدَلَيْنِ أَحَدُهُمَا عَلَى هَيْئَةِ الِادِّخَارِ وَالْآخِرُ لَيْسَ عَلَى هَيْئَةِ الِادِّخَارِ وَلَا يَتَمَاثَلَانِ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الصِّفَةِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فَالرَّدَاءَةُ مِنْ نَوْعِ الْعَيْبِ وَالرُّطُوبَةُ فِي الرُّطَبِ لَيْسَ بِعَيْبٍ فَإِنَّ الْعَيْبَ مَا يَخْلُو عَنْهُ أَصْلُ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ فَأَمَّا مَا لَا يَخْلُو عَنْ أَصْلِ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ لَا يَكُونُ عَيْبًا كَالصَّغِيرِ فِي الْآدَمِيِّ وَانْعِدَامُ الْعَقْلِ بِسَبَبِهِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْحَدِيثُ مَعَ الْعِتْقِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَدَلَيْنِ هُنَاكَ عَلَى هَيْئَةِ الِادِّخَارِ ثُمَّ الْحَدِيثُ إذَا عَتَقَ لَا يَظْهَرُ فِيهِ التَّفَاوُتُ إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَذَلِكَ عَفْوًا كَالتُّرَابِ فِي الْحِنْطَةِ وَدَخَلَ أَبُو حَنِيفَةَ بَغْدَادَ فَسُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَانُوا أَشَدَّ يَدًا عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْخَبَرَ فَقَالَ: الرُّطَبُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ تَمْرًا أَوْ لَيْسَ بِتَمْرٍ فَإِنْ كَانَ تَمْرًا جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمْرًا جَازَ لِقَوْلِهِ ﷺ «وَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» فَأُورِدَ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ: مَدَارُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ وَزَيْدُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ وَاسْتَحْسَنَ مِنْهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ هَذَا الطَّعْنَ حَتَّى قَالَ: ابْنُ الْمُبَارَكِ كَيْفَ يُقَالُ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ وَهُوَ يَقُولُ زَيْدُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْمُنَاظَرَةِ يَحْسُنُ لِدَفْعِ شَغَبِ
следующие страницы →