Полный текст (6 278 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
بَيْنَهُمَا وَبِهَذَا يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفُصُولِ وَلَكِنْ بِهَذَا التَّقْرِيرِ يَتَّضِحُ الْفَرْقُ فِي جَمِيعِ الْفُصُولِ فَإِنَّ بَيْعَ دُهْنِ الْجَوْزِ بِالْجَوْزِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ وَالْجَوْزِ لَيْسَ بِمُقَدَّرِ وَلِهَذَا يَجُوزُ بَيْعُ جَوْزَةٍ بِجَوْزَتَيْنِ وَلَكِنْ نَقُولُ اللَّحْمُ فِي شِرَاءِ الْحَيَوَانِ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الدَّرُّ وَالنَّسْلُ وَالْإِسَامَةُ لِيَزْدَادَ عَيْنُهَا بِالسِّمَنِ فَأَمَّا اللَّحْمُ آخَرُ الْمَقَاصِدِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْمُجَانَسَةُ بِمَا فِي الضِّمْنِ إذَا كَانَ مَقْصُودًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَالِيَّةَ فِي الْحَيَوَانِ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللَّحْمِ فَقَدْ نَرَى فَرَسَيْنِ أَوْ نَجِيبَيْنِ يَتَسَاوَيَانِ فِي اللَّحْمِ وَيَتَفَاوَتَانِ فِي الْقِيمَةِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا وَالْبَيْعُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ فَإِذَا كَانَتْ مَالِيَّةُ الْحَيَوَانِ لَا تُعْرَفُ بِمِقْدَارِ اللَّحْمِ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الذَّبْحِ بِخِلَافِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَالْمَالِيَّةُ هُنَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مِقْدَارِ الدَّقِيقِ فِي الْحِنْطَةِ وَالدُّهْنِ فِي السِّمْسِمِ وَالْجَوْزِ وَنَحْوِ ذَلِكَ نُوَضِّحُهُ أَنَّ اللَّحْمَ فِي الْحَيَوَانِ وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا حَقِيقَةً فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ حُكْمًا حَتَّى لَوْ أَخَذَ بِضْعَةً مِنْ لَحْمِ الْحَيَوَانِ لَا يُبَاحُ تَنَاوُلُهَا عَرَفْنَا أَنَّ مَقْصُودَ اللَّحْمِ حَاصِلٌ بِالذَّبْحِ حُكْمًا فَلَا يُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَعَلَى هَذَا الْحَرْفِ نَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ الصُّوفِ وَاللَّبَنِ الْجَوَابِ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا فَإِنَّهُ مَالٌ مَوْجُودٌ قَبْلَ الْفَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مُفَصَّلٌ مِنْ الْحَيَوَانِ فَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِي الصُّوفِ وَاللَّبَنِ فَكَانَ الْحَالُ فِيهِمَا قَبْلَ الذَّبْحِ وَبَعْدَ الذَّبْحِ سَوَاءً وَعَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ كَمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ لِأَنَّ مَالِيَّةَ الشَّاةِ لَا تُعْرَفُ بِمَا عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ الصُّوفِ وَلَا بِمَا فِي ضَرْعِهَا مِنْ اللَّبَنِ كَمَا لَا تُعْرَفُ مَالِيَّةُ الْحَيَوَانِ بِمِقْدَارِ اللَّحْمِ
فَإِنْ بَاعَ لَحْمَ شَاةٍ بِالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ جَازَ عِنْدَنَا وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ أَصْلًا لِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ» وَرُوِيَ أَنَّ جَزُورًا نُحِرَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ رَجُلٌ بِعَنَاقٍ وَقَالَ: أَعْطَوْنِي بِهَذَا الْعَنَاقِ قِطْعَةً مِنْ هَذَا اللَّحْمِ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ هَذَا لَا يَصْلُحُ وَلَكِنَّا نَقُولُ هُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ كَيْفَ مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّاةِ بِالْبَقَرِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ «وَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ» وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا نَسِيئَةً فَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَبِهِ نَقُولُ فَإِنَّ السَّلَمَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّ ذَلِكَ الْبَعِيرَ كَانَ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ فَكَرِهَ أَبُو بَكْرٍ بَيْعَ لَحْمِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا نُحِرَ لِيُتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَلِهَذَا قَالَ:
стр. 2662
لَا يَصْلُحُ
وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ حِنْطَةً فِي شَعِيرٍ وَزَيْتٍ كَانَ بَاطِلًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَجُوزُ فِي حِصَّةِ الزَّيْتِ لِأَنَّ الْفَسَادَ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ الْمُفْسِدَةِ وَذَلِكَ فِي الشَّعِيرِ خَاصَّةً فَإِنَّ صِحَّةَ الْكَيْلِ لَمَّا جَمَعَ الْبَدَلَيْنِ حَرُمَ النَّسَاءُ وَفِي حِصَّةِ الزَّيْتِ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَإِنَّ إسْلَامَ الْمَكِيلِ فِي الْمَوْزُونِ صَحِيحٌ وَثُبُوتَ الْحُكْمِ بِحَسْبِ الْعِلَّةِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ فَسَادِ الْعَقْدِ فِي أَحَدِهِمَا فَسَادُ الْعَقْدِ فِي الْآخَرِ كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا وَمُدَبَّرًا وَكَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدَيْنِ فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْآخَرِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ الْعِلَّةُ الْمُفْسِدَةُ لِلْعَقْدِ وُجِدَتْ فِي الْكُلِّ أَمَّا فِي حِصَّةِ الشَّعِيرِ فَظَاهِرٌ وَفِي حِصَّةِ الزَّيْتِ فَقَدْ جُعِلَ قَبُولُ الْعَقْدِ فِي الشَّعِيرِ شَرْطًا فِي قَبُولِ الْعَقْدِ فِي الزَّيْتِ لِأَنَّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي الْعَقْدِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ يَكُونُ شَارِطًا عَلَيْهِ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلِهَذَا لَوْ قُبِلَ الْعَقْدُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ وَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ وَالسَّلَمُ يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ فَسَادَ الْعَقْدِ فِي الشَّعِيرِ لِاشْتِرَاطِ الْأَجَلِ وَاشْتِرَاطِ الْأَجَلِ فِي الْعَقْدِ وَالْعَقْدُ وَاحِدٌ فَإِذَا تَمَكَّنَ فِيهِ الشَّرْطُ الْفَاسِدُ فَسَدَ الْعَقْدُ كُلُّهُ بِخِلَافِ بَيْعِ الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرِ فَالْعَقْدُ فِي الْمُدَبَّرِ لَيْسَ بِفَاسِدٍ وَلِهَذَا لَوْ أَجَازَ الْقَاضِي بَيْعَهُ جَازَ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ نَافِذٍ لِحَقِّ الْمُدَبِّرِ وَذَلِكَ لِمَعْنًى فِيهِ لَا فِي الْعَقْدِ فَلِهَذَا لَا يَتَعَدَّى إلَى الْآخَرِ وَكَذَلِكَ لَوْ هَلَكَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ فَالْمُفْسِدُ فَوَّتَ الْقَبْضَ وَذَلِكَ لِمَعْنًى فِي الْهَالِكِ لَا فِي الْعَقْدِ وَنَظَائِرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تُذْكَرُ فِي بَابِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ فَوَهِيَّةً فِي فَوَهِيَّةٍ وَمَرْوِيَّةٍ لِأَنَّ الْجِنْسَ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ كَالْكَيْلِ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الطَّرِيقَ مَا قُلْنَا دُونَ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏ لِأَبِي حَنِيفَةَ إذَا كَانَ الْفَسَادُ قَوِيًّا مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَيُمْكِنُ فِي الْبَعْضِ تَعَدِّي إلَى مَا بَقِيَ فَإِنَّ فَسَادَ الْعَقْدِ بِسَبَبِ الْجِنْسِيَّةِ غَيْرُ مَجْمَعٍ عَلَيْهِ وَقَدْ سَوَّى بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الطَّرِيقَ مَا قُلْنَا
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُسْلِمَ الْفُلُوسَ فِيمَا يُوزَنُ) لِأَنَّ الْفُلُوسَ عَدَدِيَّةٌ مُتَقَارِبَةٌ فَيَجُوزُ إسْلَامُهَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ إلَّا الصُّفْرَ خَاصَّةً فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إسْلَامُ الْفُلُوسِ فِيهِ لِلْجِنْسِيَّةِ فَالْفُلُوسُ صُفْرٌ فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَتْ الْفُلُوسُ صُفْرًا وَالصُّفْرُ مَوْزُونٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ إسْلَامُ الْفُلُوسِ فِي الْمَوْزُونَاتِ قُلْتُ الصُّفْرُ مَوْزُونٌ فِي الْعُرْفِ لَا بِالنَّصِّ وَلَا عُرْفَ فِيهِ فِي الْفُلُوسِ الرَّائِجَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَتَفَاوَتُ فِي الْمَالِيَّةِ بِتَفَاوُتِ الْوَزْنِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ سَيْفًا فِي شَيْءٍ مِمَّا يُوزَنُ كَانَ جَائِزًا لِأَنَّ السَّيْفَ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْزُونًا عَادَةً إلَّا فِي الْحَدِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إسْلَامُ السَّيْفِ فِي الْحَدِيدِ لِلْمُجَانَسَةِ وَكَذَلِكَ كُلُّ إنَاءٍ خَرَجَ بِالصَّنْعَةِ مِنْ الْوَزْنِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُسْلِمَهُ فِي الْمَوْزُونَاتِ إلَّا فِي نَوْعِهِ.
وَلَا
стр. 2663
بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَ إنَاءً مَصُوغًا بِإِنَاءٍ مَصُوغٍ مِنْ نَوْعِهِ يَدًا بِيَدٍ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْوَزْنِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْإِنَاءُ لَا يُبَاعُ وَزْنًا لِأَنَّهُ عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ كَالثِّيَابِ وَهَذَا بِخِلَافِ أَوَانِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ فَإِنَّهُ يَجْرِي فِيهَا رِبَا الْفَضْلِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُبَاعُ وَزْنًا فِي الْعَادَةِ لِأَنَّ صِفَةَ الْوَزْنِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِالصَّنْعَةِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْزُونًا بِالْعَادَةِ وَالْعَادَةُ لَا تُعَارِضُ النَّصَّ فَأَمَّا فِي الْحَدِيدِ وَالشَّبَهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ صِفَةُ الْوَزْنِ ثَابِتَةٌ فِي الْعُرْفِ فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْزُونًا بِالصَّنْعَةِ وَبِالْعُرْفِ وَبِتَعَارُفِ النَّاسِ بِيعَ الْمَصُوغُ مِنْهُ عَدَدًا
فَأَمَّا بَيْعُ فَلْسٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْفُلُوسَ الرَّائِجَةَ أَمْثَالٌ مُتَسَاوِيَةٌ قَطْعًا لِاصْطِلَاحِ النَّاسِ عَلَى سُقُوطِ قِيمَةِ الْجَوْدَةِ فِيهَا لِيَكُونَ أَحَدُ الْفَلْسَيْنِ فَضْلًا خَالِيًا عَنْ الْعِوَضِ مَشْرُوطًا فِي الْبَيْعِ وَذَلِكَ هُوَ الرِّبَا بِعَيْنِهِ وَإِنْ بَاعَ فَلْسًا بِعَيْنِهِ بِفَلْسٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا لَمْ يَجُزْ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَوْ أَجَازَ أَمْسَكَ الْفَلْسَ الْمُعَيَّنَ وَطَالَبَهُ بِفَلْسَيْنِ آخَرَيْنِ أَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ الْفَلْسَ الْمُعَيَّنَ ثُمَّ قَبَضَ ذَلِكَ مِنْهُ بِعَيْنِهِ مَعَ فَلْسٍ آخَرَ لِاسْتِحْقَاقِهِ فَلْسَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ فَيَكُونُ الْفَلْسُ الْآخَرُ فَضْلًا خَالِيًا عَنْ الْعِوَضِ وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ فَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا بِفَلْسٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي الْفَلْسَيْنِ ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ أَحَدَهُمَا فَكَانَ مَا اسْتَوْجَبَ فِي ذِمَّتِهِ فَيَبْقَى الْآخَرُ لَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ
فَأَمَّا إذَا بَاعَ فَلْسًا بِعَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَهَذَأ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْفُلُوسَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ مَا دَامَتْ رَائِجَةً عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى قَوْلِهِمَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعَيُّنِ إذَا قُوبِلَتْ بِجِنْسِهَا حَتَّى لَوْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ عِنْدَهُمَا وَمُحَمَّدٌ ﵀ يَقُولُ الْفُلُوسُ الرَّائِجَةُ ثَمَنٌ وَالْأَثْمَانُ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ بِالتَّعْيِينِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ قُوبِلَتْ بِخِلَافِ جِنْسِهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى بِفُلُوسٍ مُعَيَّنَةٍ شَيْئًا فَهَلَكَتْ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ وَلَوْ اشْتَرَى بِهَا جَازَ فَكَذَلِكَ إذَا قُوبِلَتْ بِجِنْسِهَا لِأَنَّ مَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَالْجِنْسُ وَغَيْرُ الْجِنْسِ فِيهِ سَوَاءٌ كَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَمَا لَا تَتَعَيَّنُ فَالْجِنْسُ وَغَيْرُ الْجِنْسِ فِيهِ سَوَاءٌ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَهُمَا يَقُولَانِ الْفُلُوسُ عَدَدِيٌّ وَالْعَدَدِيُّ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَيَجُوزُ بَيْعُ الْوَاحِدِ مِنْهُ بِالْمُثَنَّى كَمَا لَوْ بَاعَ جَوْزَةً بِجَوْزَتَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ صِفَةَ الثَّمَنِيَّةِ فِي الْفُلُوسِ لَيْسَتْ بِصِفَةٍ لَازِمَةٍ وَلَا هُوَ ثَابِتٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ بَلْ يُعَارِضُ اصْطِلَاحَ النَّاسِ وَالْعَاقِدُ إنْ قَصَدَ تَصْحِيحَ الْعَقْدِ وَلَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِ الْعَقْدِ إلَّا بِأَنْ تَتَعَيَّنَ الْفُلُوسُ وَتَخْرُجُ مِنْ أَنْ تَكُونَ رَائِجَةً ثَمَنًا فِي حَقِّهِمَا فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُمَا أَعْرَضَا عَنْ ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ.
стр. 2664
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الثَّمَنِيَّةِ فِي الْفُلُوسِ بِالِاصْطِلَاحِ أَنَّهُ يَصْلُحُ ثَمَنُ الْخَسِيسِ مِنْ الْأَشْيَاءِ دُونَ النَّفِيسِ وَأَنَّهُ يُرَوِّجُ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ دُونَ الْبَعْضِ وَيَرُوجُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ دُونَ الْبَعْضِ بِخِلَافِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَإِنْ قِيلَ تَحْتَ هَذَا الْكَلَامِ فَسَادٌ فَإِنَّهُ خَرَجَ فِي حَقِّهِمَا مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا كَانَ هَذَا بَيْعُ قِطْعَةِ صُفْرٍ بِقِطْعَتَيْنِ مِنْ صُفْرٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ قُلْنَا الِاصْطِلَاحُ فِي الْفُلُوسِ عَلَى صِفَةِ الثَّمَنِيَّةِ وَالْعَدَدِ فِيهِمَا فِي هَذِهِ الْمُبَايَعَةِ إعْرَاضًا عَنْ اعْتِبَارِ صِفَةِ الثَّمَنِيَّةِ فِيهَا وَمَا أَعْرَضَ عَنْ اعْتِبَارِ صِفَةِ الْعَدَدِ فِيهَا وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ خُرُوجِهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ ثَمَنًا فِي حَقِّهِمَا خُرُوجُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ عَدَدِيَّةً كَالْجَوْزِ وَالْبِيضِ فَهُوَ عَدَدِيٌّ وَلَيْسَ بِثَمَنٍ فَهَذَا بِاتِّفَاقِهِمَا يَصِيرُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ شُقَّةَ خَزٍّ بِشُقَّةِ خَزٍّ هِيَ أَكْثَرُ مِنْهَا وَزْنًا) لِأَنَّهَا لَا تُوزَنُ وَإِنَّمَا تُذْرَعُ كَسَائِرِ الثِّيَابِ وَبَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ بِجِنْسِهِ يَدًا بِيَدٍ يَجُوزُ كَيْفَ مَا كَانَ
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالتَّمْرِ بِالرُّطَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَإِنْ كَانَ الرُّطَبُ يَنْقُصُ إذَا جَفَّ) وَهَذِهِ مَسَائِلُ (أَحَدُهُمَا) بَيْعُ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ كَيْلًا بِكَيْلٍ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ الْبَاقِلَّا وَعَلَّلَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: لِأَنَّ بَيْنَ الْبَاقِلَّتَيْنِ فَضَاءً وَمُتَّسَعًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَعْتَدِلُ فِي الدُّخُولِ فِي الْكَيْلِ حَتَّى لَا يَنْضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ بَلْ يَتَجَافَى وَيَتَفَاوَتُ مِقْدَارُ التَّجَافِي فِيهِ فَلَا يَكُونُ الْكَيْلُ فِيهِ مِعْيَارًا شَرْعِيًّا وَالْمُخَلِّصُ عَنْ الرِّبَا يَكُونُ بِالتَّسَاوِي فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ وَقَاسَ بَيْعَ الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ فَإِنَّ الْمَقْلِيَّةَ لَا تَعْتَدِلُ فِي الدُّخُولِ فِي الْكَيْلِ لِانْتِفَاخٍ يَحْدُثُ فِيهَا بِالْقَلْيِ أَوْ صُخُورٍ فَإِنَّهَا إذَا قُلِيَتْ رَطْبَةً انْتَفَخَتْ وَإِذَا قُلِيَتْ يَابِسَةً ضَمُرَتْ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ» وَالتَّمْرُ اسْمٌ لِلثَّمَرَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ النَّخْلِ مِنْ حِينِ يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا صُورَتُهَا إلَى أَنْ تُدْرَكَ فَكَانَ الرُّطَبُ تَمْرًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ الْقَائِلِ
وَمَا الْعَيْشُ إلَّا نَوْمَةٌ وَشَرْقٌ ... وَتَمْرٌ عَلَى رُءُوسِ النَّخِيلِ وَمَاءٌ
وَالْمُرَادُ الرُّطَبُ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الرُّطَبَ أَمْثَالٌ مُتَسَاوِيَةٌ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ حُكْمِ الرِّبَا فِيهَا وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الرِّبَا لَا يَثْبُتُ فِي الْمَالِ مَا لَمْ يَصِرْ أَمْثَالًا مُتَسَاوِيَةً وَإِنَّمَا صَارَتْ أَمْثَالًا مُتَسَاوِيَةً بِصِفَةِ الْكَيْلِ فَكَانَ الْكَيْلُ فِيهَا عِيَارًا شَرْعِيًّا وَالْأَصْلُ أَنَّهُ يُرَاعِي وُجُودَ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي صَارَ مَالُ الرِّبَا كَمَا فِي الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا وَبِهِ فَارَقَ الْمَقْلُوَّةَ فَإِنَّ الْحِنْطَةَ لَا تُخْلَقُ كَذَلِكَ بَلْ تَكُونُ فِي الْأَصْلِ غَيْرَ مَقْلُوَّةٍ وَتَصِيرُ مَالُ الرِّبَا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَتُرَاعَى تِلْكَ الْمُمَاثَلَةُ وَبَعْدَ الْقَلْيِ لَا تُعْرَفُ تِلْكَ الْمُمَاثَلَةُ وَإِنْ تُسَاوَيَا فِي الْكَيْلِ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ وَلَا بِالْمَقْلِيَّةِ
فَإِنْ قِيلَ
стр. 2665
هَذَا فَاسِدٌ فَقَدْ جَوَّزْتُمْ بَيْعَ الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ بِالْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ كَيْلًا بِكَيْلٍ وَالرُّطُوبَةُ صِفَةٌ حَادِثَةٌ بِصُنْعِ الْعِبَادِ كَالْقَلْيِ (قُلْنَا) الْحِنْطَةُ فِي الْأَصْلِ تُخْلَقُ رَطْبَةً وَيَكُونُ مَالُ الرِّبَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَإِذَا بُلْتَ بِالْمَاءِ عَادَتْ إلَى تِلْكَ الصِّفَةِ فَإِذَا وُجِدَتْ الْمُمَاثَلَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي صَارَتْ مَالَ الرِّبَا جَازَ الْعَقْدُ وَهِيَ لَا تُخْلَقُ فِي الْأَصْلِ مَقْلُوَّةً حَتَّى يَكُونَ هَذَا إعَادَةً إلَى تِلْكَ الصِّفَةِ فِيهَا فَأَمَّا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ: ﷺ أَيَنْقُصُ إذَا جَفَّ قَالُوا نَعَمْ فَقَالَ: ﵊ فَلَا إذًا» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا» ثُمَّ فِي قَوْلِهِ ﵇ أَيَنْقُصُ إذَا جَفَّ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْعَقْدِ الْمُمَاثَلَةُ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ مَا بَعْدَ الْجَفَافِ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْكَيْلِ فِي الْحَالِ فَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَاعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ صَحِيحٌ كَمَا فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَتَفَاوُتٍ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الطَّحْنِ وَلِأَنَّ الْعَقْدَ جَمَعَ بَيْنَ الْبَدَلَيْنِ أَحَدُهُمَا عَلَى هَيْئَةِ الِادِّخَارِ وَالْآخِرُ لَيْسَ عَلَى هَيْئَةِ الِادِّخَارِ وَلَا يَتَمَاثَلَانِ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الصِّفَةِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فَالرَّدَاءَةُ مِنْ نَوْعِ الْعَيْبِ وَالرُّطُوبَةُ فِي الرُّطَبِ لَيْسَ بِعَيْبٍ فَإِنَّ الْعَيْبَ مَا يَخْلُو عَنْهُ أَصْلُ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ فَأَمَّا مَا لَا يَخْلُو عَنْ أَصْلِ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ لَا يَكُونُ عَيْبًا كَالصَّغِيرِ فِي الْآدَمِيِّ وَانْعِدَامُ الْعَقْلِ بِسَبَبِهِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْحَدِيثُ مَعَ الْعِتْقِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَدَلَيْنِ هُنَاكَ عَلَى هَيْئَةِ الِادِّخَارِ ثُمَّ الْحَدِيثُ إذَا عَتَقَ لَا يَظْهَرُ فِيهِ التَّفَاوُتُ إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَذَلِكَ عَفْوًا كَالتُّرَابِ فِي الْحِنْطَةِ
وَدَخَلَ أَبُو حَنِيفَةَ بَغْدَادَ فَسُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَانُوا أَشَدَّ يَدًا عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْخَبَرَ فَقَالَ: الرُّطَبُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ تَمْرًا أَوْ لَيْسَ بِتَمْرٍ فَإِنْ كَانَ تَمْرًا جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمْرًا جَازَ لِقَوْلِهِ ﷺ «وَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» فَأُورِدَ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ: مَدَارُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ وَزَيْدُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ وَاسْتَحْسَنَ مِنْهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ هَذَا الطَّعْنَ حَتَّى قَالَ: ابْنُ الْمُبَارَكِ كَيْفَ يُقَالُ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ وَهُوَ يَقُولُ زَيْدُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْمُنَاظَرَةِ يَحْسُنُ لِدَفْعِ شَغَبِ
стр. 2666
الْخَصْمِ وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ لَا تَتِمُّ بِهَذَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هُنَا قِسْمًا ثَالِثًا كَمَا فِي الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ لِأَبِي حَنِيفَةَ الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ ﷺ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ يَدٌ بِيَدٍ كَيْلٌ بِكَيْلٍ» وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّمْرَ اسْمٌ لِلثَّمَرَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ النَّخِيلِ حِينَ تَنْعَقِدُ صُورَتُهَا إلَى أَنْ تُدْرِكَ وَمَا يَتَرَدَّدُ عَلَيْهَا مِنْ الْأَوْصَافِ بِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ لَا يُوجِبُ تَبَدُّلَ اسْمِ الْعَيْنِ كَالْآدَمِيِّ يَكُونُ صَبِيًّا ثُمَّ شَابًّا ثُمَّ كَهْلًا ثُمَّ شَيْخًا
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْكُلَّ تَمْرٌ يُرَاعَى وُجُودُ الْمُمَاثَلَةِ حَالَةَ الْعَقْدِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي دَخَلَتْ فِي الْعَقْدِ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمُمَاثَلَةِ سَبَبُ الْمُقَابَلَةِ وَذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ الْعَقْدِ وَمَا كَانَ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ إلَّا نَظِيرَ الْأَجْوَدِ فَكَمَا لَا يُعْتَبَرُ التَّفَاوُتُ فِي ذَلِكَ فَكَذَلِكَ فِي هَذَا وَقَدْ تَحَقَّقَتْ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا فِي الْكَيْلِ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الرُّطُوبَةَ الَّتِي فِي الرُّطَبِ مَقْصُودَةٌ وَهِيَ شَاغِلَةٌ لِلْكَيْلِ فَلَا يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ إلَّا بَعْدَ ذَهَابِهَا بِالْجَفَافِ فَلَا يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ التَّفَاوُتَ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْعَقْدِ بِخِلَافِ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ فَإِنَّ بِالطَّحْنِ تَتَفَرَّقُ الْأَجْزَاءُ وَلَا يَفُوتُ جُزْءٌ شَاغِلٌ لِلْكَيْلِ فَتَبَيَّنَ بِالتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الطَّحْنِ أَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا مُتَسَاوِيَيْنِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَكَذَا الْمَقْلِيَّةُ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ فَإِنَّ بِالْقَلْيِ لَا يَفُوتُ جُزْءٌ شَاغِلٌ لِلْكَيْلِ إنَّمَا تَنْعَدِمُ اللَّطَافَةُ الَّتِي كَانَتْ بِهَا الْحِنْطَةُ مُنْبِتَةً وَلَمَّا ظَهَرَ التَّفَاوُتُ بَعْدَ الْقَلْيِ عَرَفْنَا أَنَّ هَذَا التَّفَاوُتَ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ ثُمَّ صَاحِبُ الشَّرْعِ أَسْقَطَ اعْتِبَارَ التَّفَاوُتِ فِي الْجَوْدَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ وَاعْتُبِرَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ النَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ حَتَّى شَرْطَ الْيَدِ بِالْيَدِ، وَصِفَةُ الْجَوْدَةِ لَا تَكُونُ حَادِثَةً بِصُنْعِ الْعِبَادِ وَالتَّقَاوَةُ بَيْنَ النَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ حَادِثٌ بِصُنْعِ الْعِبَادِ وَهُوَ اشْتِرَاطُ الْأَجَلِ فَصَارَ هَذَا أَصْلًا إنَّ كُلَّ تَفَاوُتٍ يَنْبَنِي عَلَى صُنْعِ الْعِبَادِ فَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ وَفِي الْمَقْلُوَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلُوَّةِ وَالْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَكُلُّ تَفَاوُتٍ يَنْبَنِي عَلَى مَا هُوَ ثَابِتٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ الْعِبَادِ فَهُوَ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا كَالتَّفَاوُتِ بَيْنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ قَالَ: (وَبَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَبَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ).
فَأَمَّا بَيْعُ الْحِنْطَةِ الْمَبْلُولَةِ بِالْيَابِسَةِ أَوْ الرَّطْبَة بِالْيَابِسَةِ يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ وَذُكِرَ فِي نُسَخِ أَبِي حَفْصٍ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُهُ الْآخَرُ فَأَمَّا قَوْلُهُ الْأَوَّلُ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ فَأَبُو حَنِيفَةَ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ وَهُوَ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِي الْكَيْلِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَمُحَمَّدٌ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ وَهُوَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ وَالْمَبْلُولَةِ بَعْد الْجُفُوفِ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ الْقِيَاسُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَكِنْ تَرَكْتُ الْقِيَاسَ فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِلْحَدِيثِ وَالْمَخْصُوصُ
стр. 2667
مِنْ الْقِيَاسِ بِالْأَثَرِ لَا يَلْحَقُ بِهِ إلَّا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْحِنْطَةُ الرَّطْبَةُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الرُّطَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَالرُّطُوبَةُ فِي الرُّطَبِ مَقْصُودَةٌ وَفِي الْحِنْطَةِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بَلْ هُوَ عَيْبٌ فَلِهَذَا أَخَذْتُ فِيهِ بِالْقِيَاسِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ إنْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةً وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ ﷺ أَيَنْقُصُ إذَا جَفَّ أَنَّ الرُّطَبَ إذَا جَفَّ يَنْقُصُ إلَّا أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ فَلَا يَكُونُ هَذَا التَّصَرُّفُ مُفِيدًا وَكَانَ السَّائِلُ وَصِيًّا لِيَتِيمٍ فَلَمْ يَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ التَّصَرُّفِ مَنْفَعَةً لِلْيَتِيمِ بِاعْتِبَارِ النُّقْصَانِ عِنْدَ الْجُفُوفِ فَمَنَعَ الْوَصِيَّ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْإِشْفَاقِ لَا عَلَى وَجْهِ بَيَانِ فَسَادِ الْعَقْدِ فَأَمَّا الْحِنْطَةُ الْمَبْلُولَةُ بِالْمَبْلُولَةِ تَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِمَا قُلْنَا وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ
وَكَذَلِكَ الزَّبِيبُ الْمُنْقِعُ بِالْمُنْقِعِ وَالتَّمْرُ الْمُنْقِعُ بِالْمُنْقِعِ وَمُحَمَّدٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذِهِ الْفُصُولِ وَبَيْنَ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ فَيَقُولُ هُنَاكَ التَّفَاوُتُ يَظْهَرُ بَعْدَ خُرُوجِ الْبَدَلَيْنِ عَنْ الِاسْمِ الَّذِي عُقِدَ بِهِ الْعَقْدُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَفَاوُتًا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهَذِهِ الْفُصُولُ تُظْهِرُ التَّفَاوُتَ بَعْدَ الْجُفُوفِ مَعَ بَقَاءِ الْبَدَلَيْنِ عَلَى الِاسْمِ الَّذِي عُقِدَ بِهِ الْعَقْدُ فَبِهَذَا الْحَرْفِ يَتَّضِحُ مَذْهَبُهُ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ ثُمَّ ذَكَرَ بَيْعَ الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْحُكْمَ فِيهِ وَأَهْلُ الْأَدَبِ طَعَنُوا عَلَيْهِ فِي هَذَا اللَّفْظِ فَقَالُوا إنَّمَا يُقَالُ حِنْطَةٌ مَقْلُوَّةٌ فَأَمَّا الْمَقْلِيَّةُ الْمُبْغَضَةُ يُقَالُ قَلَاهُ يَقْلِيهِ إذَا أَبْغَضَهُ وَلَكِنَّا نَقُولُ مُحَمَّدٌ كَانَ فَصِيحًا فِي اللُّغَةِ إلَّا أَنَّهُ رَأَى اسْتِعْمَالَ الْعَوَامّ هَذَا اللَّفْظَ فِي الْحِنْطَةِ وَمَقْصُودُهُ بَيَانُ الْأَحْكَامِ لَهُمْ فَاسْتَعْمَلَ فِيهِ اللُّغَةَ الَّتِي هِيَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَهُمْ وَمَا كَانَ يَخْفَى عَلَيْهِ هَذَا الْفَرْقُ
وَلَا يَجُوزُ الْحِنْطَةُ بِالسَّوِيقِ مُتَسَاوِيًا وَلَا مُتَفَاضِلًا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْحِنْطَةُ أَكْثَرَ وَمَعَ السَّوِيقِ فِضَّةٌ أَوْ ذَهَبٌ فَيَكُونُ مَا مَعَهُ بِفَضْلِ الْحِنْطَةِ لِأَنَّ الصِّحَّةَ مَقْصُودُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَمَتَى أَمْكَنَ تَحْصِيلُ مَقْصُودِهِمَا بِطَرِيقٍ جَائِزٍ شَرْعًا يَحْمِلُ مُطْلَقَ كَلَامِهِمَا عَلَيْهِ وَيَجْعَلُ كَأَنَّهُمَا صَرَّحَا بِذَلِكَ كَمَا لَوْ بَاعَ نِصْفَ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ يَجُوزُ الْبَيْعُ وَيَنْصَرِفُ تَسْمِيَةُ النِّصْفِ مُطْلَقًا إلَى نَصِيبِهِ خَاصَّةً وَكَذَا لَوْ قَالَ: لِرَجُلٍ أَوْصَيْتُ لَكَ بِثُلُثَيْ يَجُوزُ وَيُحْمَلُ عَلَى إيجَابِ ثُلُثِ الْمَالِ لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّهُ مَقْصُودُهُ فَهَذَا مِثْلُهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ «لَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ فَمِ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ سُوءًا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمَلًا».
وَلَوْ أَسْلَمَ ثَوْبًا فَوْهِيًّا فِي ثَوْبٍ مَرْوِيٍّ وَيَجْعَلُ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَضْلُ دَرَاهِمَ أَوْ مَتَاعٍ جَازَ لِأَنَّ مَا يَخُصُّ الدَّرَاهِمَ أَوْ الْمَتَاعَ مِنْ الثَّوْبِ الْفَوْهِيِّ يَكُونُ مَبِيعًا وَمَا
стр. 2668
يَخُصُّ الثَّوْبَ الْهَرَوِيَّ مِنْهُ يَكُونُ رَأْسَ الْمَالِ وَإِسْلَامُ الْفَوْهِيِّ فِي الْمَرْوِيِّ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْطَاهُ ثَوْبًا فِي حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ فَجَعَلَ بَعْضَهُ عَاجِلًا وَبَعْضَهُ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ مَا يَخُصُّ الْعَاجِلَ مِنْهُ إنْ كَانَ بِعَيْنِهِ فَهُوَ مُتَقَابِضَةٌ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَكَانَ مَوْصُوفًا فَهُوَ ثَمَنٌ وَمَا يَخُصُّ الْأَجَلَ فَهُوَ بَيْعُ الثَّوْبِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَهَذَا لِأَنَّ الثَّوْبَ مَبِيعٌ وَالْمَكِيلُ إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ يَكُونُ مَبِيعًا وَإِذَا كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَمَا يُقَابِلُهُ مَبِيعٌ فَهُوَ ثَمَنٌ وَالْبَيْعُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ صَحِيحٌ إذَا كَانَ مَعْلُومَ الْوَصْفِ وَلَوْ أَعْطَاهُ ثَوْبًا فَوْهِيًّا فِي ثَوْبٍ فَوْهِيٍّ بِنَسِيئَةٍ فَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِهِ بَيْعًا مُقَابَضَةً فَإِنَّ أَحَدَ الْبَدَلَيْنِ لَيْسَ بِمُعَيَّنٍ وَلَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِهِ سَلَمًا لِأَنَّ الْبَدَلَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَلَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِهِ قَرْضًا فَإِنَّ اسْتِقْرَاضَ الثَّوْبِ لَا يَجُوزُ فَإِنْ زَادَ فِيهِ دِرْهَمًا مَعَ الثَّوْبِ الَّذِي عَجَّلَ أَوْ زَادَهُ الْآخَرُ مَعَ ثَوْبِهِ دِرْهَمًا عَاجِلًا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ أَوْ آجِلًا كَانَ ذَلِكَ فَاسِدًا لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بَيْعٌ يُقْصَدُ بِهَا إخْرَاجُ الْعَيْنِ مِنْ الْعَقْدِ وَإِدْخَالُ الرُّخَصِ فِيهِ وَقَدْ تَعَذَّرَ تَصْحِيحُ الْأَصْلِ هُنَا فَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْبَيْعِ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْبَيْعِ بِثُبُوتِ الْأَصْلِ وَإِذَا أَثْبَتْنَا الْحُكْمَ فِي الْبَيْعِ بِدُونِ الْأَصْلِ لَمْ يَكُنْ بَيْعًا وَكَذَا لَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ دَنَانِيرَ أَوْ ثَوْبًا يَهُودِيًّا أَوْ كُرَّ حِنْطَةٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلْأَصْلِ حِينَ أَوْجَبَهُ بِاسْمِ الزِّيَادَةِ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا
وَإِنْ أَسْلَمَ طَعَامًا فِي شَيْءٍ مِمَّا يُوزَنُ وَزَادَ مَعَ ذَلِكَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ ثَوْبًا عَاجِلًا فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي الْأَصْلِ الْمُؤَاجَلَةِ بِمُقَابَلَةِ بَعْضِهِ يَكُونُ دَيْنًا بِدَيْنٍ وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ صَحِيحَةً هُنَا فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي الزِّيَادَةِ أَيْضًا وَإِنْ جَعَلَهُ مُؤَجَّلًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ فَالزِّيَادَةُ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَمُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ ثَوْبًا أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُوزَنُ عَاجِلًا فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ جَعَلَهُ مُؤَجَّلًا فَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا إذَا كَانَ مَعْلُومًا فِي نَفْسِهِ لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ عَيْنٌ فَلَا يَخُصُّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ يَكُونُ عَقْدُ السَّلَمِ فِيهِ صَحِيحًا وَمَا يَخُصُّ الزِّيَادَةَ يَكُونُ بَيْعًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَذَلِكَ جَائِزٌ أَيْضًا
فَأَمَّا إذَا أَسْلَمَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ ثُمَّ إنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ زَادَ كُرًّا آخَرَ أَوْ نِصْفَ كُرٍّ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ الزِّيَادَةِ ثَمَنًا وَجَعْلُ الدَّرَاهِمِ مَبِيعًا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُجْعَلَ زِيَادَةً فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ وَالزِّيَادَةُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِحَاقِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ عَقْدَ السَّلَمِ جُوِّزَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ وَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَى الزِّيَادَةِ بَلْ حَاجَتُهُ إلَى زِيَادَةِ رَأْسِ الْمَالِ فَلَا جَرَمَ الزِّيَادَةُ فِي رَأْسِ الْمَالِ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِحَاقِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ جَائِزَةٌ فِي الْمَجْلِسِ
قَالَ: (وَإِنْ أَسْلَمَ طَعَامًا فِي ثِيَابٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ فِي أَشْيَاءَ مِنْ الْوَزْنِيَّاتِ مُخْتَلِفَةٍ وَلَمْ يُسَمِّ رَأْسَ مَالِ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا فَهُوَ فَاسِدٌ) فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي اشْتِرَاطِ إعْلَامِ قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ فِيمَا
стр. 2669
يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ عَلَى قَدْرِهِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ.
وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الشَّاةَ الْحَيَّةَ بِالشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ يَدًا بِيَدٍ لِأَنَّهُ بَيْعٌ عَدَدِيٌّ فَوْرِيٌّ فَالشَّاةُ الْحَيَّةُ لَا تُوزَنُ وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً لِأَنَّ النَّسِيئَةِ إنْ كَانَتْ فِي الشَّاةِ الْحَيَّةِ فَهُوَ سَلَمٌ فِي الْحَيَوَانِ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبَدَلِ الْآخَرِ فَهُوَ سَلَمٌ فِي اللَّحْمِ وَلَوْ كَانَتَا شَاتَيْنِ مَذْبُوحَتَيْنِ قَدْ سُلِخَتَا اشْتَرَاهُمَا رَجُلٌ بِشَاةٍ مَذْبُوحَةٍ لَمْ تُسْلَخْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا أَيْضًا لِأَنَّ الْمِثْلَ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ بِمُقَابَلَةٍ مِنْ الشَّاتَيْنِ وَالْبَاقِي مِنْ لَحْمِ الشَّاتَيْنِ بِإِزَاءِ الْجِلْدِ وَالسَّقَطِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ وَيُحْمَلُ مُطْلَقُ كَلَامِهِمَا عَلَيْهِ لِتَحْصِيلِ مَقْصُودِهِمَا وَلَوْ كَانَتْ الشَّاةُ لَيْسَ مَعَهَا جِلْدٌ كَانَ ذَلِكَ فَاسِدًا لِأَنَّ الْعَقْدَ اشْتَمَلَ عَلَى اللَّحْمِ فَقَطْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَاللَّحْمُ مَوْزُونٌ فَإِذَا وُجِدَتْ الْجِنْسِيَّةُ وَالْوَزْنُ حَرُمَ التَّفَاضُلُ
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِكُرِّ حِنْطَةٍ وَكُرِّ شَعِيرٍ بِثَلَاثَةِ أَكْرَارِ حِنْطَةٍ وَكُرِّ شَعِيرٍ يَدًا بِيَدٍ) فَتَكُونُ حِنْطَةُ هَذَا بِشَعِيرِ هَذَا وَشَعِيرُ هَذَا بِحِنْطَةِ هَذَا عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ مُدَّ عَجْوَةٍ وَزَبِيبٍ بِمُدَّيْ عَجْوَةٍ وَزَبِيبٍ أَوْ بَاعَ دِينَارًا وَدِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَدِينَارَيْنِ فَأَمَّا إذَا بَاعَ دِرْهَمًا جَيِّدًا وَدِرْهَمًا زَيِّفًا بِدِرْهَمَيْنِ جَيِّدِينَ يَجُوزُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ﵏ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ دِينَارًا نَيْسَابُورِيًّا أَوْ دِينَارًا هَرَوِيًّا بِدِينَارَيْنِ نَيْسَابُورِيِّينَ أَوْ هَرَوِيَّيْنِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ فَإِنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِلْجَوْدَةِ قِيمَةٌ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا فَإِنَّمَا يَنْقَسِمُ الدِّرْهَمَانِ الْجَيِّدَانِ عَلَى الْجَيِّدِ وَالزَّيِّفِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فَيُصِيبُ الْجَيِّدُ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ وَالزَّيِّفُ أَقَلَّ مِنْ وَزْنِهِ وَذَلِكَ رِبًا وَعِنْدَنَا لَا قِيمَةَ لِلْجَوْدَةِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا فَالْمُقَابَلَةُ بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ وَيَجُوزُ الْعَقْدُ لِوُجُودِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْوَزْنِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﷺ «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ يَدٌ بِيَدٍ» وَبِقَوْلِهِ ﷺ «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ»
وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فَوَجْهُ الْقِيَاسِ فِيهِ أَنَّ الْعَقْدَ مَتَى اشْتَمَلَ عَلَى أَعْوَاضٍ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ يَنْقَسِمُ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا بِجَارِيَةٍ وَحِمَارٍ وَهَذَا لِأَنَّ الِانْقِسَامَ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يَعْتَدِلُ فِيهِ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ حَالَ بَقَاءِ الْعَقْدِ وَحَالَ انْفِسَاخِهِ فِي الْبَعْضِ يُعَارِضُ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الِانْقِسَامِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ وَأَمَّا فِي صَرْفِ الْجِنْسِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ يَتَضَرَّرُ أَحَدُهُمَا عِنْدَ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ فِي الْبَعْضِ بِعَارِضٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَاعَ قَفِيزَ تَمْرٍ بِقَفِيزَيْ تَمْرٍ لَا يَجُوزُ وَلَا يُجْعَلُ التَّمْرُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ بِمُقَابَلَةِ النَّوَى مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَلَوْ بَاعَ مَنًّا مِنْ لَحْمٍ بِنَوَى لَحْمٍ لَا يَجُوزُ وَلَا يُجْعَلُ اللَّحْمُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ بِمُقَابَلَةِ الْعَظْمِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ حَتَّى يَجُوزَ وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفِ
стр. 2670
دِرْهَمٍ نَسِيئَةً ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ الْبَائِعِ مَعَ آخَرَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ فِيمَا اشْتَرَاهُ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا بَاعَ بِأَقَلّ مِمَّا بَاعَ وَتَصْحِيحُ الْعَقْدِ هُنَا يُمْكِنُ بِأَنْ يُجْعَلَ بِمُقَابَلَةِ الْعَبْدِ الْأَوَّلِ مِنْ الثَّمَنِ الثَّانِي مِثْلَ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَالْبَاقِي بِإِزَاءِ الْآخَرِ وَمَعَ ذَلِكَ اُعْتُبِرَ الِانْقِسَامُ بِالْقِيمَةِ فَهَذَا مِثْلُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ يُصْرَفُ الْجِنْسُ إلَى الْجِنْسِ لَا إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ فَإِنَّهُ إذَا بَاعَ ثَوْبًا وَعَشَرَةً بِثَوْبٍ وَعَشَرَةٍ بِشَرْطِ قَبْضِ الدَّرَاهِمِ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ يُجْعَلُ صَرْفًا فِي حَقِّ الدَّرَاهِمِ
وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ ﷺ «فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ» وَقَدْ اشْتَمَلَ الْعَقْدُ هُنَا عَلَى نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الْعَقْدُ كَيْفَ شَاءَ الْمُتَعَاقِدَانِ وَالْمَعْنَى فِيهِ مَا بَيَّنَّا أَنَّ تَحْصِيلَ مَقْصُودِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مُمْكِنٌ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ صَرْفُ الْجِنْسِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الِانْقِسَامَ فِي سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ لَيْسَ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ بَلْ لِلْمُعَاوَضَةِ وَالْمُسَاوَاةِ إذْ لَيْسَ صَرْفُ الْبَعْضِ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ فَيَصِيرُ الِانْقِسَامُ وَالتَّوْزِيعُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ لِلْمُعَاوَضَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا لِأَنَّهُ لَوْ صَرَفَ الْجِنْسَ إلَى الْجِنْسِ فَسَدَ الْعَقْدُ وَلَوْ صَرَفَ الْجِنْسَ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ صَحَّ الْعَقْدُ وَلَا مُعَاوَضَةَ بَيْنَ الْجَائِزِ وَالْفَاسِدِ الْجَائِزُ مَشْرُوعٌ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ وَالْفَاسِدُ مَشْرُوعٌ بِأَصْلِهِ حَرَامٌ بِوَصْفِهِ فَإِذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُعَاوَضَةُ عَلَى وَجْهِ الْمُسَاوَاةِ لَا يُصَارُ إلَى الِانْقِسَامِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ وَلَكِنْ يَتَرَجَّحُ مَا هُوَ مَشْرُوعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى مَا هُوَ مَشْرُوعٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ بِخِلَافِ النَّوَى مَعَ التَّمْرِ فَالتَّمْرُ وَالنَّوَى كُلُّهُ مَكِيلٌ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَلَوْ صَرَّحَ بِصَرْفِ التَّمْرِ إلَى النَّوَى لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ وَكَذَلِكَ الْعَظْمُ مَعَ اللَّحْمِ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ فِيهِ خَلْقُهُ كَالنَّوَى فِي التَّمْرِ فَإِذَا كَانَ عِنْدَ التَّصْحِيحِ لَا يَصِحُّ الْعَقْدَ فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ أَيْضًا فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْعَبْدَيْنِ
(قُلْنَا) فَصْلُ الْمُعَاوَضَةِ يَتَحَقَّقُ هُنَاكَ لِأَنَّ جِهَاتِ الْجَوَازِ تَكْثُرُ فَإِنَّهُ إنْ جَعَلَ بِمُقَابِلَتِهِ مِثْلَ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ يَجُوزُ وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَ بِمُقَابِلَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَلِكَثْرَةِ جِهَاتِ الْجَوَازِ يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ وَيَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى الِانْقِسَامِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ وَهُنَا لَا وَجْهَ لِلْجَوَازِ إلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ صَرْفُ الْجِنْسِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ شَرْطَ الْجَوَازِ هُنَاكَ أَنْ لَا يَكُونَ الثَّمَنُ الثَّانِي أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَكَأَنَّهُمَا وَلَوْ صَرَّحَا بِهَذَا لَمْ يَصِرْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ مَعْلُومًا فَلَا يَجُوزُ الْعَقْدُ فَإِنْ قِيلَ الْمُعَاوَضَةُ هُنَا تَتَحَقَّقُ أَيْضًا فَإِنَّهُ إذَا جَعَلَ الدَّرَاهِمَ بِمُقَابَلَةِ الدِّينَارَيْنِ يَجُوزُ وَإِنْ جَعَلَ نِصْفَ دِرْهَمٍ وَالنِّصْفَ الْبَاقِي بِمُقَابَلَةٍ الدِّينَارِ وَنِصْفَ دِينَارٍ بِمُقَابَلَةِ نِصْفِ الدِّينَارِ وَالْبَاقِي بِمُقَابَلَةِ دِرْهَمٍ وَنِصْفٍ يَجُوزُ أَيْضًا (قُلْنَا) نَعَمْ
стр. 2671
وَلَكِنَّ هَذَا بِطَرِيقِ صَرْفِ الْجِنْسِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ وَنَحْنُ ادَّعَيْنَا أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْجَوَازِ هُنَا إلَّا هَذَا الطَّرِيقَ فَكَيْفَ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ لَا يَخْرُجُ بِهِ الطَّرِيقُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَيْنًا وَإِذَا اشْتَرَى ثَوْبًا وَعَشَرَةً بِثَوْبٍ وَعَشَرَةٍ (قُلْنَا) هُنَاكَ الْعَقْدُ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصْرِفَ الْجِنْسَ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ فَإِنَّ الْقَبْضَ فِي مَجْلِسِ شَرْطِ بَقَاءِ الْعَقْدِ صَحِيحًا لَا شَرْطَ الِانْعِقَادِ صَحِيحًا وَنَحْنُ إنَّمَا صَحَّحْنَا هَذَا التَّصْحِيحَ الْعَقْدُ لَا لِلْبَقَاءِ صَحِيحًا فَلَا يَلْزَمُ
قَالَ: (وَإِنْ اشْتَرَى قَفِيزَ حِنْطَةٍ بِنِصْفِ قَفِيزٍ هُوَ أَجْوَدُ مِنْهُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْجَوْدَةِ فَنِصْفُ الْقَفِيزِ بِمُقَابَلَةِ نِصْفِ قَفِيزٍ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ خَالٍ عَنْ الْعِوَضِ وَبِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَدْنَى مَا يَكُونُ مَالُ الرِّبَا مِنْ الْحِنْطَةِ نِصْفُ قَفِيزٍ لِمَا بَيَّنَّا إنَّهَا إنَّمَا تَصِيرُ مَالَ الرِّبَا لِكَوْنِهَا مَكِيلًا وَالْمَكِيلُ مَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهُ بِالْكَيْلِ وَذَلِكَ يُوجَدُ فِي نِصْفِ قَفِيزٍ وَلَا يُوجَدُ فِيمَا دُونَهُ
وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْكُفُرَّى بِمَا يُنَاسِبُ مِنْ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ لِأَنَّ الْكُفُرَّى لَيْسَ بِتَمْرٍ وَلَا يُكَالُ أَيْضًا وَلَا خَيْرَ فِيهِ إذَا كَانَ الْكُفُرَّى نَسِيئَةً لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَهُوَ عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ فَإِنَّ آحَادَهُ تَتَفَاوَتُ فِي الْمَالِيَّةِ، قَالَ: (وَلَا خَيْرَ فِي التَّمْرِ بِالْبُسْرِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ الْبُسْرُ لَمْ يَحْمَرَّ وَلَمْ يَصْفَرَّ) لِأَنَّ الْبُسْرَ تَمْرٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّمْرَ اسْمٌ لِثَمَرَةٍ خَارِجَةٍ مِنْ النَّخْلِ مِنْ حِينَ تَنْعَقِدُ صُورَتُهَا إلَى أَنْ تُدْرَكَ فَأَمَّا فِي الْكُفُرَّى قَبْلَ انْعِقَادِ صُورَةِ التَّمْرِ فَلَا يَكُونُ تَمْرًا وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْ صُنُوفِ التَّمْرِ فَلَا خَيْرَ فِي بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَبْتَاعَ حِنْطَةً مُجَازَفَةً بِحِنْطَةٍ مُجَازَفَةٍ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي الْقَدْرِ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْعَقْدِ إذَا صَارَتْ الْأَمْوَالُ أَمْثَالًا مُتَسَاوِيَةً وَعِنْدَ الْبَيْعِ مُجَازَفَةً لَا تَظْهَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْقَدْرِ فَلَا يَجُوزُ الْعَقْدُ
قَالَ: (فَإِنْ تَبَايَعَ صُبْرَةً بِصُبْرَةٍ مُجَازَفَةً ثُمَّ كِلْنَا بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَتَا مُتَسَاوِيَيْنِ لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ عِنْدَنَا) وَقَالَ: زُفَرُ يَجُوزُ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطُ الْجَوَازِ وَهِيَ الْمُمَاثَلَةُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ فَجَازَ الْعَقْدُ كَمَا لَوْ زَوَّجَتْ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ وَهُنَاكَ شَاهِدَانِ يَسْمَعَانِ كَلَامَهُمَا وَالْمُتَعَاقِدَانِ لَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ لِجَوَازِ الْعَقْدِ الْعِلْمُ بِالْمُسَاوَاةِ عِنْدَ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ كَانَ الْفَضْلُ مَعْدُومًا مَوْهُومًا وَمَا هُوَ مَوْهُومُ الْوُجُودِ يُجْعَلُ كَالْمُتَحَقِّقِ فِيمَا بَنَى أَمَرَهُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ كَمَا فِي الْعُقُوبَاتِ الَّتِي تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَلِأَنَّ بَابَ الرِّبَا مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَالْفَضْلُ الْمَوْهُومُ فِيهِ كَالْمُتَحَقِّقِ وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ الْحِنْطَةَ بِالْحِنْطَةِ وَزْنًا بِوَزْنِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ مَكِيلَةٌ فَشَرْطُ الْجَوَازِ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ فِي الْكَيْلِ وَبِالْمُسَاوَاةِ فِي الْوَزْنِ لَا تُعْلَمُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْكَيْلِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمَ فِي الْحِنْطَةِ وَزْنًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ
стр. 2672
لِأَنَّ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ لَا تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْإِعْلَامُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةً فِي التَّسْلِيمِ وَذَلِكَ يُحَصَّلُ بِذِكْرِ الْوَزْنِ كَمَا يُحَصَّلُ بِذِكْرِ الْكَيْلِ وَبِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَبَيَّنُ الْجَوَابُ عَنْ الْإِشْكَالِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَةِ عِلَّةِ الرِّبَا عَلَى مَنْ عَلَّلَ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ أَنَّهُ إنَّمَا جَازَ لِأَنَّ لِلْجَوْدَةِ مِنْ الْحَفْنَةِ فِيمَا عِنْدَ مُقَابَلَتِهَا بِجِنْسِهَا لِأَنَّ سُقُوطَ قِيمَةِ الْجَوْدَةِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْمَالِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ
وَالْمُمَاثَلَةُ بِالْمِعْيَارِ وَلَا مِعْيَارَ لِلْحَفْنَةِ بِخِلَافِ الْقَفِيزِ فَزِدْ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ مَسْأَلَةَ الْغَصْبِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَا قِيمَةَ لِلْجَوْدَةِ مِنْ الْحَفْنَةِ أَيْضًا حَتَّى إذَا غَصَبَ حَفْنَةً مِنْ حِنْطَةٍ وَذَهَبَتْ جَوْدَتُهَا عِنْدَهُ فَاسْتَرَدَّهَا صَاحِبُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَضْمَنَ الْغَاصِبُ النُّقْصَانَ لِأَنَّا نَقُولُ لَا قِيمَةَ لِلْجَوْدَةِ مِنْهَا لِأَنَّهَا مَوْزُونَةٌ لَا لِأَنَّهَا مَكِيلَةٌ وَكَمَا أَنَّ اعْتِبَارَ الْكَيْلِ يُسْقِطُ قِيمَةَ الْجَوْدَةِ فَكَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ اعْتِبَارَ الْوَزْنِ فِي الْحِنْطَةِ فِي حُكْمِ الرِّبَا حَيْثُ نَصَّ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ كَيْلًا بِقَوْلِهِ ﷺ «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ كَيْلٌ بِكَيْلٍ» فَلِذَا جَوَّزْنَا بَيْعَ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْجَوْدَةِ مِنْ الْحَفْنَةِ قِيمَةً فِي الْغَصْبِ كَمَا جَوَّزْنَا السَّلَمَ فِي الْحِنْطَةِ بِذِكْرِ الْوَزْنِ
قَالَ: (وَلَا خَيْرَ فِي شِرَاءِ التَّمْرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا أَوْ مُجَازَفَةً عِنْدَنَا) وَقَالَ: الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ شِرَاءُ التَّمْرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ مَجْذُوذٍ عَلَى الْأَرْضِ خَرْصًا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَلَا يَجُوزُ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَلَهُ فِي مِقْدَارِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ قَوْلَانِ وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا» وَهِيَ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَرَايَةِ الَّتِي رَخَّصَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قُلْنَا قَوْلَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّهُ لَمَّا سُئِلَ مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ قَالَ: إنَّ الرُّطَبَ لَيَأْتِينَا وَلَمْ يَكُنْ فِي أَيْدِينَا بَعْدُ مَا نَبْتَاعُهُ بِهِ وَعِنْدَنَا فَضَالَاتٌ مِنْ التَّمْرِ فَرَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَبْتَاعَ بِخَرْصِهَا تَمْرًا فَنَأْكُلُ مَعَ الْيَابِسِ الرُّطَبَ وَلِأَنَّ مَا عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا الْكَيْلُ فَأَقَامَ الشَّرْعُ الْخَرْصَ فِيهَا مَقَامَ الْكَيْلِ لِلْحَاجَةِ تَيْسِيرًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا مَوْضُوعَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ وَهَذِهِ الْحَاجَةُ فِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ وَالتَّفَاوُتُ مَعَ الْخَرْصِ يَنْعَدِمُ أَوْ يَقِلُّ فِي الْقَلِيلِ وَيَكْثُرُ فِي الْكَثِيرِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّفَاوُتِ الْكَثِيرِ وَالْيَسِيرِ فِي التَّبَرُّعِ أَصْلٌ حَتَّى إنَّ الزِّيَادَةَ تَدْخُلُ فِي الْكَيْلَيْنِ يُجْعَلُ عَفْوًا بِخِلَافِ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ كَيْلٌ بِكَيْلِ» وَمَا عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ تَمْرٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالتَّمْرِ إلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ عَامٌّ مُتَّفَقٌ عَلَى قَبُولِهِ فَيَتَرَجَّحُ عَلَى الْخَاصِّ الْمُخْتَلَفِ
стр. 2673
فِي قَبُولِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ» فَالْمُحَاقَلَةُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِحِنْطَةٍ وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ التَّمْرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ خَرْصًا وَأَمَّا الْعَرِيَّةُ الَّتِي فِيهَا الرُّخْصَةُ بِقَوْلِهِ وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا هِيَ الْعَطِيَّةِ دُونَ الْبَيْعِ قَالَ: ﷺ «لِلْخَرَّاصِينَ حَقِّقُوا فِي الْخَرْصِ فَإِنَّ فِي الْمَالِ الْعَرِيَّةَ وَالْوَصِيَّةَ» وَالْمَخْرُوصُ لَهُ لَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ بِسَبَبِ الْبَيْعِ بَلْ بِسَبَبِ الْعَطَا وَقَالَ: الْقَائِلُ شَاعِرُ الْأَنْصَارِ
لَيْسَتْ بِسَنْهَاءٍ وَلَا رَجَبِيَّةٍ ... وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْحَوَائِجِ
وَالِافْتِخَارُ بِالْعَطَاءِ دُونَ الْبَيْعِ وَتَفْسِيرُ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ ثَمَرَ نَخْلِهِ مِنْ بُسْتَانِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ يَشُقُّ عَلَى الْمُعْرِي دُخُولُ الْمُعَرَّى لَهُ فِي بُسْتَانِهِ كُلَّ يَوْمٍ لِكَوْنِ أَهْلِهِ فِي الْبُسْتَانِ وَلَا يَرْضَى مِنْ نَفْسِهِ خُلْفَ الْوَعْدِ وَالرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ فَيُعْطِيَهُ مَكَانَ ذَلِكَ تَمْرًا مَحْدُودًا بِالْخَرْصِ لِيَدْفَعَ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَكُونُ مُخْلِفًا لِلْوَعْدِ وَهَذَا عِنْدَنَا جَائِزٌ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَمْ يَصِرْ مِلْكًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مَا دَامَ مُتَّصِلًا بِمِلْكِ الْوَاهِبِ فَمَا يُعْطِيهِ مِنْ التَّمْرِ لَا يَكُونُ عِوَضًا عَنْهُ بَلْ هِبَةً مُبْتَدَأَةً وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَلِكَ بَيْعًا مَجَازًا لِأَنَّهُ فِي الصُّورَةِ عِوَضٌ يُعْطِيهِ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ خُلْفِ الْوَعْدِ وَاتَّفَقَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّ الرُّخْصَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى هَذَا فَنَقَلَ كَمَا وَقَعَ عِنْدَهُ وَالْقِيَاسُ مَعْنَى فِي الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّهُ بَاعَ مَكِيلًا بِمَكِيلٍ مِنْ جِنْسِهِ فَلَا يَجُوزُ لِطَرِيقِ الْخَرْصِ كَمَا لَوْ كَانَا مَوْضُوعَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ كَانَا عَلَى رُءُوسِ النَّخِيلِ وَكَمَا فِي سَائِرِ الْمَكِيلَاتِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ الشَّعِيرَ الْمُتَحَصِّلَ بِشَعِيرٍ مِثْلِهِ بِطَرِيقِ الْخَرْصِ لَمْ يُجْزِئْ كَذَلِكَ الْحِنْطَةُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْحِنْطَةِ لِمَعْنَيَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ شِرَاءَ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِالدَّرَاهِمِ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ شِرَاءُ مَا لَمْ يَرَهُ بِخِلَافِ الشَّعِيرِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ مَرْئِيٌّ.
(وَالثَّانِي) أَنَّهُ بَيْعُ مَطْعُومٍ بِمَطْعُومٍ مِنْ جِنْسِهِ لَمْ يُعْرَفْ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ فَضْلِ الْحِنْطَةِ بِحِنْطَةِ مُجَازَفَةً أَوْ كَيْلًا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ بِعَيْنِهِ) لِأَنَّ الْفَضْلَ لَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ إنَّمَا هُوَ عَلَفُ الدَّوَابِّ بِمَنْزِلَةِ الْحَشِيشِ ثُمَّ بَيْعُ الزَّرْعِ النَّابِتِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُنْتَفَعًا بِهِ لَا يَجُوزُ سَوَاءٌ بَاعَهُ بِالنَّقْدِ أَوْ بِغَيْرِهِ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَخْتَصُّ بِعَيْنِ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ وَالزَّرْعُ فِي أَوَّلِ مَا يَبْدُو قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُنْتَفَعًا بِهِ لَا يَكُونُ مَالًا مُتَقَوِّمًا أَمَّا بَعْدَ مَا صَارَ مُنْتَفَعًا بِهِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ فِيهِ الْمَنَاجِلُ وَمَشَافِرُ الدَّوَابُّ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ فَإِنْ بَاعَهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ أَوْ مُطْلَقًا جَازَ لِأَنَّ مُقْتَضَى مُطْلَقِ الْبَيْعِ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَقِيبَهُ فَهُوَ وَشَرْطُ الْقَطْعِ سَوَاءٌ وَإِنْ بَاعَهُ بِشَرْطِ التَّرْكِ فِي أَرْضِهِ حَتَّى
стр. 2674
يُدْرِكَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِمُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ التَّرْكِ بَعْضُ الْبَدَلِ فَهُوَ إجَارَةٌ مَشْرُوطَةٌ فِي الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِمُقَابَلَتِهَا شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ فَهُوَ إعَارَةٌ مَشْرُوطَةٌ فِي الْعَقْدِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ وَإِنْ اشْتَرَاهُ مُطْلَقًا ثُمَّ تَرَكَهُ إلَى وَقْتِ الْإِدْرَاكِ فَإِنْ كَانَ التَّرْكُ بِإِذْنِ الْبَائِعِ فَالْفَضْلُ طَيِّبٌ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ عَلَيْهِ بِمَنَافِعِ أَرْضِهِ وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ بِغَيْرِ إذَنْ الْبَائِعِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ بِكَسْبٍ خَبِيثٍ فَإِنَّهُ غَاصِبٌ لِلْأَرْضِ وَالزِّيَادَةُ إنَّمَا حَصَلَتْ بِقُوَّةِ الْأَرْضِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ غَصَبَ أَرْضًا وَزَرَعَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ
قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ مُدَّةً مَعْلُومَةً بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ لِيَتْرُكَ الْفَضْلَ فِيهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ) لِأَنَّ اسْتِئْجَارَ الْأَرْضِ صَحِيحٌ إذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِيفَاءِ مَنْفَعَتِهَا وَالتَّمَكُّنُ هُنَا مَوْجُودٌ لِاشْتِغَالِهَا بِزَرْعِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ وَصَلَتْ مَنْفَعَةُ الْأَرْضِ إلَى زَرْعِهِ فَصَارَ كَأَنَّ زَرْعَهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا إلَى وَقْتِ الْإِدْرَاكِ فَهُوَ فَاسِدٌ لِجَهَالَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَقَدْ يَتَقَدَّمُ الْإِدْرَاكُ إذَا تَعَجَّلَ الْحَرُّ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ إذَا طَالَ الْبَرْدُ وَيَلْزَمُهُ أَجْرُ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ اُسْتُوْفِيَ فِي الْمَنْفَعَةِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سَمَّى لِانْعِدَامِ الْمُقَوَّمِ فِي الزِّيَادَةِ ثُمَّ يُرْفَعُ مِنْ الْغَلَّةِ مَا غَرِمَ فِيهِ وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَتَمَكَّنَ فِيهِ نَوْعٌ خَبِيثٌ.
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبْتَاعَ زَرْعَ الْحِنْطَةِ بَعْدَ مَا أَدْرَكَ بِغَيْرِ الْحِنْطَةِ عِنْدَنَا) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ وَبَيَانُهُ يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَهُمَا نَوْعَانِ فَاقْتَسَمَاهُ مُجَازَفَةً فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا أَحَدَ النَّوْعَيْنِ وَالْآخَرُ النَّوْعَ الْآخَرَ بِغَيْرِ كَيْلٍ وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ نَوْعٍ مُجَازَفَةً فَهُوَ جَائِزٌ إذَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ) لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ وَالْمُعَاوَضَةُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ يَدًا بِيَدٍ يَجُوزُ كَيْفَ مَا كَانَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَأْخُذُ نِصْفَ النَّوْعِ الَّذِي أَخَذَهُ بِتَقْدِيمِ مِلْكِهِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ عِوَضًا عَمَّا تَرَكَهُ لِصَاحِبِهِ مِنْ نَصِيبِهِ فِي النَّوْعِ الْآخَرِ وَبَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ مُجَازَفَةً يَجُوزُ.
[شِرَاءُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ]
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ كَيْلًا وَلَا مُجَازَفَةً بِدَرَاهِمَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الْغَرَرِ مَا يَكُونُ مَسْتُورَ الْعَاقِبَةِ وَلَا يُدْرَى أَنَّ مَا فِي الضَّرْعِ رِيحٌ أَوْ دَمٌ أَوْ لَبَنٌ وَلِأَنَّ الْبَيْعَ يَخْتَصُّ بِعَيْنِ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ بِنَفْسِهِ وَاللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ بِمَنْزِلَةِ الصِّفَةِ فِي الْحَيَوَانِ وَلَا يَكُونُ مَالًا مُتَقَوِّمًا بِنَفْسِهِ قَبْلَ الْحَلْبِ وَأَوْصَافُ الْحَيَوَانِ لَا تَقْبَلُ الْبَيْعَ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَلِأَنَّ اللَّبَنَ يَزْدَادُ سَاعَةً فَسَاعَةً وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ لَا يَتَنَاوَلُهَا الْبَيْعُ وَاخْتِلَاطُ الْمَبِيعِ بِمَا لَيْسَ بِمَبِيعٍ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ تَمْيِيزُهُ مُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ ثُمَّ تَتَمَكَّنُ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا فِي التَّسْلِيمِ
стр. 2675
لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَسْتَعْصِي فِي الْحَلْبِ وَالْبَائِعَ يُطَالِبُهُ بِتَرْكِ دَاعِيَةِ اللَّبَنِ وَكَذَلِكَ بَيْعُ أَوْلَادِهَا فِي بُطُونِهَا لَا يَجُوزُ لِمَعْنَى الْغُرُورِ وَانْعِدَامِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ فِيهِ مَقْصُودًا قَبْلَ الِانْفِصَالِ وَعَجَزَ الْبَائِعُ عَنْ تَسْلِيمِهِ وَاسْتَدَلَّ «بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ» مِنْهُمْ مِنْ يَرْوِي بِالْكَسْرِ الْحَبَلَةِ فَيَتَنَاوَلُ بَيْعَ الْحَمْلِ وَمِنْهُمْ مِنْ يَرْوِي بِالنَّصْبِ الْحَبَلَةِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بَيْعُ مَا يَحْمِلُ هَذَا الْحَمْلُ بِأَنْ وَلَدَتْ النَّاقَةُ ثُمَّ حَبِلَتْ وَلَدُهَا فَالْمُرَادُ بَيْعُ حَمْلِ وَلَدِهَا وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَادُونَ ذَلِكَ فَأَبْطَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بِنَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَعَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ» قِيلَ الْمَضَامِينُ مَا تَتَضَمَّنُهُ الْأَصْلَابُ وَالْمَلَاقِيحُ مَا تَتَضَمَّنُهُ الْأَرْحَامُ وَقِيلَ عَلَى عَكْسِ هَذَا الْمَضَامِينِ مَا تَضُمُّهُ الْأَرْحَامُ وَالْمَلَاقِيحُ مَا تَضُمُّهُ الْأَصْلَابُ وَكَذَلِكَ شِرَاءُ أَصْوَافِهَا عَلَى ظُهُورِهَا لِأَنَّ الصُّوفَ قَبْلَ الْجِزَازِ وَصْفٌ لِلْحَيَوَانِ وَلَيْسَ بِمَالِ مُتَقَوِّمٍ فِي نَفْسِهِ وَلِأَنَّ الْمُنَازَعَةَ بَيْنَمَا يَتَمَكَّنُ فِي التَّسْلِيمِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَسْتَعْصِي فِي الْجِزَازِ وَالْبَائِعَ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ لِأَنَّ الصُّوفَ عَيْنُ مَالٍ ظَاهِرٍ وَقَاسَهُ بِبَيْعِ قَوَائِمِ الْخِلَافِ وَذَلِكَ جَائِزٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ النُّمُوَّ فِي أَغْصَانِ الشَّجَرَةِ يَكُونُ مِنْ رَأْسِهَا لَا مِنْ أَصْلِهَا فَلَا يَخْتَلِطُ مِلْكُ الْبَائِعِ بِمِلْكِ الْمُشْتَرِي
وَأَمَّا النُّمُوُّ فِي الصُّوفِ يَكُونُ مِنْ أَصْلِهِ وَذَلِكَ يَتَبَيَّنُ فِيمَا إذَا حَصَبَ الصُّوفَ عَلَى ظَهْرِ الشَّاةِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى نَمَا فَالْمَحْصُوبُ يَكُونُ عَلَى رَأْسِهِ لَا فِي أَصْلِهِ فَيَخْتَلِطُ مِلْكُ الْبَائِعِ بِمِلْكِ الْمُشْتَرِي مَعَ أَنَّ مَا يَكُونُ مُتَّصِلًا بِحَيَوَانٍ فَهُوَ وَصْفٌ مَحْضٌ بِخِلَافِ مَا يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالشَّجَرَةِ فَهُوَ عَيْنُ مَالٍ مَقْصُودٍ مِنْ وَجْهٍ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ لِذَلِكَ
قَالَ: (وَكُلُّ شَيْءٍ اشْتَرَاهُ مِنْ الثِّمَارِ عَلَى رَأْسِ الشَّجَرِ بِصِنْفٍ مِنْ غَيْرِهِ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَشِرَاءُ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ مُنْتَفَعًا بِهَا لَا يَجُوزُ) لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَصْلُحُ لَتَنَاوُلِ بَنِي آدَمَ أَوْ عَلَفِ الدَّوَابِّ فَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فَإِنْ صَارَ مُنْتَفَعًا بِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ بَعْدُ بِأَنْ كَانَ لَا يَأْمَنُ الْعَاهَةَ وَالْفَسَادَ عَلَيْهِ فَاشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ يَجُوزُ وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ التَّرْكِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ اشْتَرَاهُ مُطْلَقًا يَجُوزُ عِنْدَنَا لِأَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ فَهُوَ وَشَرْطُ الْقَطْعِ سَوَاءٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ هَذَا الْعَقْدُ «لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» أَوْ قَالَ: حَتَّى يَزْهَى أَوْ قَالَ: حَتَّى تُؤْمَنُ الْعَاهَةُ وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ التَّرْكِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَرَأَيْتَ لَوْ أَذْهَبَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّمَرَةَ بِمَا يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ الْمُسْلَمِ وَإِنَّمَا يُتَوَهَّمُ هَذَا إذَا اشْتَرَى بِشَرْطِ التَّرْكِ إلَى أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا أَمَّا إذَا اشْتَرَاهَا بَعْدَ مَا بَدَا صَلَاحُهَا إلَّا أَنَّهَا لَمْ تُدْرِكْ بَعْدَ شَرْطِ الْقَطْعِ
стр. 2676
يَجُوزُ وَكَذَلِكَ مُطْلَقًا وَيُؤْمَرُ بِأَنْ يَقْطَعَهَا فِي الْحَالِ بِمُقْتَضَى مُطْلَقُ الْعَقْدِ
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَتْرُكُهَا إلَى وَقْتِ الْإِدْرَاكِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ النَّاسِ وَلَوْ اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ التَّرْكِ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ عِنْدَنَا جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِأَنَّهُ مُتَعَارَفٌ بَيْنَ النَّاسِ وَمِنْ الشَّرَائِطِ فِي الْعُقُودِ مَا يُجَوِّزُ الْعُرْفُ كَمَا إذَا اشْتَرَى نَعْلًا وَشِرَاكَيْنِ بِشَرْطِ أَنْ يَحْذُوهَا الْبَائِعُ وَلَكِنَّا نَقُولُ إنْ كَانَ بِمُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ التَّرْكِ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ فَهَذِهِ إجَارَةٌ مَشْرُوطَةٌ فِي الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهِيَ إعَارَةٌ مَشْرُوطَةٌ فِي الْبَيْعِ وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ حَيْثُ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ وَعَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَكُلُّ عُرْفٍ وَرَدَ النَّصُّ بِخِلَافِهِ فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ثُمَّ إنَّ الثِّمَارَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْجَارِ تَزْدَادُ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَحْدُثُ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ بَعْدَ الْبَيْعِ فَكَأَنَّهُ ضَمَّ الْمَعْدُومَ إلَى الْمَوْجُودِ وَاشْتَرَاهُمَا فَكَانَ بَاطِلًا وَفَصْلُ النَّعْلِ مُسْتَحْسَنٌ مِنْ الْقِيَاسِ وَلَا يَتَمَكَّنُ فِي ذَلِكَ الشَّرْطِ شِرَاءُ الْمَعْدُومِ فَأَمَّا إذَا تَنَاهَى عِظَمُ الثِّمَارِ وَصَارَ بِحَيْثُ لَا يَزْدَادُ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَمْ يَنْضَجْ فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ أَوْ مُطْلَقًا يَجُوزُ وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ التَّرْكِ فَفِي الْقِيَاسِ الْعَقْدُ فَاسِدٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِمَا قُلْنَا وَجَوَّزَ مُحَمَّدٌ الْعَقْدَ فِي هَذَا الْفَصْلِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُتَعَارَفٌ وَمُدَّةُ التَّرْكِ يَسِيرَةٌ وَقَدْ يَتَحَمَّلُ الْيَسِيرَ فِيمَا لَا يَتَحَمَّلُ فِيهِ الْكَثِيرَ مَعَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ لِلزِّيَادَةِ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ بَعْدَ هَذَا وَلَكِنَّ الشَّمْسَ تُنْضِجُهُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وَيَأْخُذُ اللَّوْنَ مِنْ الْقَمَرِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وَالطَّعْمَ مِنْ الْكَوَاكِبِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا عَمَلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ فَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ اسْتَحْسَنَ أَنَّ أُجَوِّزَهُ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ أَنْ يَتَنَاهَى عِظَمُهُ فَإِنْ اشْتَرَاهُ مُطْلَقًا ثُمَّ تَرَكَهُ إلَى وَقْتِ الْإِدْرَاكِ فَهُوَ عَلَى قِيَاسِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْفَصْلِ إلَّا فِي فَصْلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ هُنَاكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ مُدَّةً مَعْلُومَةً يَجُوزُ وَهُنَا لَوْ اسْتَأْجَرَ الْأَشْجَارَ مُدَّةً مَعْلُومَةً لَا يَجُوزُ بِحَالٍ لِأَنَّ اسْتِئْجَارَ الْأَرْضِ بِالدَّرَاهِمِ صَحِيحٌ وَاسْتِئْجَارُ الْأَشْجَارِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ
(وَالثَّانِي) أَنَّ هُنَاكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ إلَى وَقْتِ الْإِدْرَاكِ يَلْزَمُهُ أَجْرُ الْمِثْلِ وَلَا يَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ وَهُنَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَجْرِ وَيَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ لِأَنَّ اسْتِئْجَارَ الْأَشْجَارِ لَا يَجُوزُ لَهُ بِحَالٍ فَلَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا فَاسِدًا أَيْضًا وَبِدُونِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ لَا يَجِبُ الْأَجْرُ وَإِذَا صَارَ الْعَقْدُ لَغْوًا بَقِيَ مُجَرَّدُ الْإِذْنِ وَالتَّرْكُ مَتَى كَانَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ فَالْفَضْلُ يَطِيبُ لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فَصْلًا آخَرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ مَا إذَا صَارَ بَعْضُ الثِّمَارِ مُنْتَفَعًا بِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ الْبَعْضُ بَعْدُ أَوْ لَمْ يَصِرْ مُنْتَفَعًا بِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ الْبَعْضُ أَوْ لَمْ يَصِرْ مُنْتَفَعًا بِهِ
стр. 2677
كَالتِّينِ وَنَحْوِهِ فَاشْتَرَى الْكُلَّ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِمَالِكٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ وُجُودُ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ فِي شَيْءٍ مِمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ يُجْعَلُ كَوُجُودِهِ فِي الْكُلِّ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ كَمَا أَنَّ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ يَجْعَلُ وُجُودَ جُزْءٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ كَوُجُودِ الْكُلِّ فِي حَقِّ جَوَازِ الْعَقْدِ أَوْ يَجْعَلُ مَا خَرَجَ أَصْلًا وَمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ جُعِلَ تَبَعًا لَهُ فِي حَقِّ جَوَازِ الْعَقْدِ لِتَعَامُلِ النَّاسِ وَلَكِنَّا نَقُولُ جَمَعَ فِي الْعَقْدِ بَيْنَ الْمَعْدُومِ وَالْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومُ لَا يَقْبَلُ الْبَيْعَ وَحِصَّةُ الْمَوْجُودِ مِنْ الْبَدَلِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَا يَجُوزُ الْعَقْدُ وَجَعَلَ الْمَعْدُومَ حَقِيقَةً مَوْجُودًا حُكْمًا لِلضَّرُورَةِ وَذَلِكَ فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْعَقْدُ بَعْدَ الْوُجُودِ حَقِيقَةً فَأَمَّا الثِّمَارُ تَقْبَلُ الْعَقْدَ بَعْدَ الْوُجُودِ قَالَ: ﵁ وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ يُفْتِي بِجَوَازِ هَذَا الْبَيْعِ فِي الثِّمَارِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْبِطِّيخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَكَذَا حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ: أَجْعَلُ الْمَوْجُودَ أَصْلًا فِي الْعَقْدِ وَمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَعًا قَالَ: أَسْتَحْسِنُ فِيهِ لِتَعَامُلِ النَّاسِ فَإِنَّهُمْ تَعَامَلُوا بِبَيْعِ ثِمَارِ الْكَرْمِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ عَادَةٌ ظَاهِرَةٌ وَفِي نَزْعِ النَّاسِ عَنْ عَادَتِهِمْ حَرَجٌ بَيِّنٌ قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ رِوَايَةً فِي هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ فِي بَيْعِ الْوَرْدِ عَلَى الْأَشْجَارِ فَإِنَّ الْوَرْدَ مَثَلًا حَقٌّ ثُمَّ جَوَّزَ الْبَيْعَ فِي الْكُلِّ مُطْلَقًا بِهَذَا الطَّرِيقِ
قَالَ: الشَّيْخُ الْإِمَامُ وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ عِنْدِي أَصَحُّ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى هَذَا الطَّرِيقِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْبَاذِنْجَانِ وَالْبِطِّيخِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَبِيعَ أُصُولَهَا حَتَّى يَكُونَ مَا يَحْدُثُ مِنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي لَهُ وَفِي الثِّمَارِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَوْجُودَ الْمُنْتَفَعَ بِهِ بِبَعْضِ الثَّمَنِ ثُمَّ يُؤَخِّرَ الْعَقْدَ فِيمَا بَقِيَ إلَى أَنْ يَصِيرَ مُنْتَفَعًا بِهِ أَوْ يَشْتَرِيَ الْمَوْجُودَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَيَحِلُّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمَا يَحْدُثُ فَيَحْصُلُ مَقْصُودُهُمَا بِهَذَا الطَّرِيقِ
قَالَ: (وَإِنْ اشْتَرَى طَعَامًا بِطَعَامٍ مِثْلِهِ فَعَجَّلَهُ لَهُ وَتَرَكَ الَّذِي اشْتَرَى وَلَمْ يَقْبِضْ حَتَّى افْتَرَقَا فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَنَا) وَقَالَ: الشَّافِعِيُّ يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَالتَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ شَرْطٌ عِنْدِي وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ يَدًا بِيَدٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَبْضُ أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَفَادَ شَرْطَ الْقَبْضِ ثُمَّ قَالَ: فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى جَمِيعِ مَا سَبَقَ ثُمَّ فُهِمَ مِنْهُ فِي بَيْعِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ شَرْطُ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ فَكَذَلِكَ فِي الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَلِأَنَّ الْعَقْدَ جَمَعَ بَيْنَ بَدَلَيْنِ لَوْ قُوبِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجِنْسِهِ عَيْنًا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا فَيُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِيهِ فِي الْمَجْلِسِ كَبَيْعِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَهَذَا
стр. 2678
لِأَنَّ بِالِاتِّفَاقِ يَحْرُمُ النَّسَاءُ هُنَا مَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْمَالِيَّةِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّفَاضُلِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ يَجُوزُ فَعَرَفْنَا أَنَّ حُرْمَةَ النَّسَاءِ لِوُجُوبِ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ وَلَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْقَبْضَ حُكْمٌ لِلْعَقْدِ فَلَا يُشْتَرَطُ اقْتِرَانُهُ بِالْعَقْدِ كَالْمِلْكِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ حَالَةِ الْعَقْدِ بِخِيَارِ شَرْطٍ أَوْ نَحْوِهِ وَهَذَا لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ يَعْقُبُهُ وَلَا يَقْتَرِنُ بِهِ وَإِنَّمَا يَقْتَرِنُ بِالشَّيْءِ شَرْطُهُ وَالْقَبْضُ فِي كُلِّ بَيْعٍ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ فَيَكُونُ حُكْمَ الْعَقْدِ لَا شَرْطَهُ وَسَاعَاتُ الْمَجْلِسِ إنَّمَا تُجْعَلُ كَحَالَةِ الْعَقْدِ فِيمَا هُوَ شَرْطُ الْعَقْدِ فَأَمَّا فِي الْحُكْمِ مَجْلِسُ الْعَقْدِ وَمَا بَعْدَهُ سَوَاءٌ وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّرْفِ فَالْقَبْضُ الَّذِي هُوَ حُكْمُ الْعَقْدِ لَا يُشْتَرَطُ هُنَاكَ عِنْدَنَا وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ لِأَنَّ التَّعَيُّنَ شَرْطُ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ «نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ» وَالنُّقُودُ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ فَكَانَ اشْتِرَاطُ الْقَبْضِ لِلتَّعْيِينِ وَلَيْسَ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ فِي الصَّرْفِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ بِهَذَا شَرَطْنَا الْقَبْضَ فِيهِمَا لِلتَّعَيُّنِ وَفِي بَابِ السَّلَمِ شَرَطْنَا الْقَبْضَ فِي رَأْسِ الْمَالِ لِلتَّعْيِينِ حَتَّى لَا يَكُونَ دَيْنًا بِدَيْنٍ وَلَكِنَّ مَا يُقَابِلُهُ وَهُوَ السَّلَمُ فِيهِ مُؤَجَّلٌ فَلَا يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فِيهِ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ ثُمَّ يَرُدُّ عَقْدُ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ عَلَى مَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ إلَّا أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى كُلِّ تَاجِرٍ مَعْرِفَةُ مَا يَتَعَيَّنُ وَمَعْرِفَةُ مَا لَا يَتَعَيَّنُ فَأَقَامَ الشَّرْعُ اسْمَ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ مُقَامَ عَدَمِ التَّعْيِينِ فِي الْبَدَلَيْنِ تَيْسِيرًا عَلَى النَّاسِ
وَالطَّرِيقَةُ (الثَّانِيَةُ) مَا عَلَّلَ فِي الْكِتَابِ وَقَالَ: لِأَنَّهُ حَاضِرٌ لَيْسَ لَهُ أَجَلٌ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْحُرْمَةَ بِاعْتِبَارِ فَضْلٍ فِي الْمَالِيَّةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِاشْتِرَاطِ الْأَجَلِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ هُنَا فَالتُّجَّارُ لَا يَفْصِلُونَ فِي الْمَالِيَّةِ بَيْنَ الْمَقْبُوضِ فِي الْمَجْلِسِ وَبَيْنَ غَيْرِ الْمَقْبُوضِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَإِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ فَضْلٌ خَالٍ عَنْ الْمُقَابَلَةِ كَانَ الْعَقْدُ جَائِزًا كَمَا فِي بَيْعِ الْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَأَمَّا الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ فَقَدْ اخْتَصَّا بِاسْمٍ شَرْعًا وَاخْتِصَاصُهُمَا بِاسْمٍ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِحُكْمٍ يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الِاسْمُ وَهُوَ صَرْفُ مَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى يَدِ صَاحِبهِ بِالْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ وَلِهَذَا شَرَطْنَا ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَالسَّلَمُ أَخْذُ عَاجِلٍ بِآجِلٍ فَشَرَطْنَا التَّعْجِيلَ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ بِمُقْتَضَى الِاسْمِ وَقَدْ يُؤْخَذُ حُكْمُ الْعَقْدِ مِنْ اسْمِهِ كَالْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ وَالنِّكَاحِ فَأَمَّا هَذَا الْبَيْعُ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ فِي الِاسْمِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَيَكُونُ حُكْمُ الْعَقْدِ فِيهِ اسْتِحْقَاقَ التَّسْلِيمِ لَا وُجُوبَ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا فِي سَائِرِ الْبُيُوعِ
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ يَدًا بِيَدٍ أَيْ عَيْنًا بِعَيْنٍ.
لِأَنَّ التَّعْيِينَ بِالْإِشَارَةِ بِالْيَدِ كَمَا أَنَّ الْقَبْضَ يَكُونُ بِالْيَدِ فَيَصْلُحُ ذِكْرُ الْيَدِ كِنَايَةً عَنْهُمَا وَلَكِنْ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ الْقَبْضُ لَقَالَ: مِنْ يَدٍ إلَى
стр. 2679
يَدٍ فَلِمَا قَالَ: يَدًا بِيَدٍ عَرَفْنَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ عَيْنًا بِعَيْنٍ وَأَمَّا بَيْعُ الْعَبْدِ بِالْعَبْدَيْنِ وَالثَّوْبِ بِالثَّوْبَيْنِ فَجَائِزٌ بِدُونِ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ عَنْ عَيْنٍ بِعَيْنٍ وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْعَبْدِ وَالثَّوْبِ بِالنَّقْدِ لِأَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ عَنْ عَيْنٍ بِدَيْنٍ وَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَوْ شَرَطَ فِيهِ أَجَلَ يَوْمٍ فِي الْعَيْنِ كَانَ فَاسِدًا لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تَقْبَلُ الْأَجَلَ فَالْمَقْصُودُ بِالْأَجَلِ أَنْ يَحْصُلَ فِي الْمُدَّةِ فَيُسْلِمَهُ وَذَلِكَ فِي الْعَيْنِ لَا يَتَحَقَّقُ وَلِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ فِي اشْتِرَاطِ الْأَجَلِ فِي الْعَيْنِ لَا يَدًا بِيَدٍ لَا يَسْقُطُ بِالتَّعَرُّفِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ بِالْعَقْدِ لِأَنَّ الْأَجَلَ لَا يَمْنَعُ الْمِلْكَ وَلَكِنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ حَيْثُ قُصُورُ يَدِهِ عَنْ الْعَيْنِ إلَى مُضِيِّ الْأَجَلِ وَجَوَازُ الشَّرْطِ فِي الْعَقْدِ الِانْتِفَاعُ بِهِ لَا لِضَرَرٍ بِغَيْرِهِ
قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى طَعَامًا بِطَعَامٍ مِثْلِهِ وَاشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يُوفِيَهُ طَعَامَهُ فِي مَنْزِلِهِ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ شَرْطَ الْمُسَاوَاةِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَبِهَذَا الشَّرْطِ مُتَمَكِّنٌ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَضْلٌ وَهُوَ مَنْفَعَةُ الْحَمْلِ إلَى مَنْزِلِهِ لِيُوفِيَهُ فِيهِ فَتَنْعَدِمُ بِهِ الْمُسَاوَاةُ وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ بِأَنْ اشْتَرَاهُ خَارِجًا مِنْ الْمِصْرِ وَشَرَطَ أَنْ يُوفِيَهُ فِي مَنْزِلِهِ فِي الْمِصْرِ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ أَيْضًا لِأَنَّ وُجُوبَ التَّسْلِيمِ بِالْعَقْدِ فِي الْمَوْضُوعِ الَّذِي فِيهِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَالْمُشْتَرِي يَمْلِكُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَهُوَ عَيْنٌ فَإِذَا اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةَ الْحَمْلِ عَلَى الْبَائِعِ فَسَدَ بِهِ الْعَقْدُ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ يَطْحَنَهُ وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ فِي الْمِصْرِ وَشَرَطَ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَى مَنْزِلِهِ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ فَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُوفِيَهُ فِي مَنْزِلِهِ فَفِي الْقِيَاسِ الْعَقْدُ فَاسِدٌ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَجْهُ الْقِيَاسِ مَا بَيَّنَّا أَنَّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ صَارَ الْمَبِيعُ مَمْلُوكًا لِلْمُشْتَرِي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَفِي اشْتِرَاطِ تَسْلِيمِهِ فِي مَكَان آخَرَ شَرَطَهُ مَنْفَعَةٌ لَا يَقْبِضُهُ الْعَقْدُ فَإِنْ كَانَ بِمُقَابِلَتِهَا شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ فَهِيَ إجَارَةٌ مَشْرُوطَةٌ فِي الْبَيْعِ وَإِلَّا فَهِيَ إعَارَةٌ مَشْرُوطَةٌ فِي الْبَيْعِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْبَيْعِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا خَارِجَ الْمِصْرِ أَوْ كَانَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ الْحَمْلِ وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ لِلْعُرْفِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَشْتَرِي الْحَطَبَ فِي الْمِصْرِ وَلَا يَكْتَرِي دَابَّةً أُخْرَى لِتَحْمِلَهُ إلَى مَنْزِلِهِ وَلَكِنَّ الْبَائِعَ هُوَ الَّذِي يَتَكَلَّفُ لِذَلِكَ وَمَا كَانَ مُتَعَارَفًا وَلَيْسَ فِي عَيْنِهِ نَصٌّ يُبْطِلُهُ فَالْقَوْلُ بِجَوَازِهِ وَاجِبٌ لِمَا فِي النَّزْعِ عَنْ الْعَادَةِ مِنْ حَرَجٍ بَيْنَ وَمِثْلِ هَذِهِ الْعَادَةِ لَا تُوجَدُ خَارِجَ الْمِصْرِ بَلْ إذَا اشْتَرَى الْحِنْطَةَ أَوْ الْحَطَبَ خَارِجَ الْمِصْرِ فَالْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي يَتَكَلَّفُ الْحَمْلَ ذَلِكَ يُوَضِّحُهُ أَنَّ نَوَاحِي الْمِصْرَ كَنَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى أَنَّ قِيمَةَ مَا لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ لَا يَخْتَلِفُ فِي نَوَاحِي الْمِصْرِ بِخِلَافِ الْمِصْرِ مَعَ الْقَرْيَةِ فَقِيمَتُهَا فِي الْمِصْرِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا خَارِجَ الْمِصْرِ وَمَا كَانَ ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّ
стр. 2680
الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي يَتَكَلَّفُ بِالنَّقْلِ ثُمَّ هَذَا الِاسْتِحْسَانُ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي لَفْظِ الْحَمْلِ وَالْإِيفَاءِ سَوَاءٌ
وَقَالُوا لَا فَرْقَ خُصُوصًا فِي لِسَانِ الْفَارِسِيَّةِ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ يَسَار نَجَاته مِنْ أَوْ بيادخانه مِنْ أَوْ يرد بخانه مِنْ وَالْأَصَحُّ هُوَ الْفَرْقُ مِنْ قَبْلِ أَنَّ الْإِيفَاءَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ فَالْعَقْدَ يُوجِبُ إيفَاءَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا مَحَالَةَ فَكَانَ شَرْطُ الْإِيفَاءِ مُلَائِمًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَأَمَّا الْحَمْلُ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَقْدَ قَدْ يَخْلُو عَنْهُ بِأَنْ يُسَلِّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَشَرْطُ الْحَمْلِ لَا يُلَائِمُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلِهَذَا أَخَذْنَا فِيهِ بِالْقِيَاسِ
قَالَ: (وَإِنْ اشْتَرَى شَعِيرًا بِصُوفٍ مُتَفَاضِلًا فَلَا بَأْسَ بِهِ) لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ لِاخْتِلَافِ الِاسْمِ وَالْهَيْئَةِ وَالْمَقْصُودِ وَأَصْلُهُمَا وَإِنْ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا وَلَكِنْ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْمَعَانِي يَخْتَلِفُ الْجِنْسُ مَعَ اتِّحَادِ الْأَصْلِ كَالثِّيَابِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الْقُطْنِ
وَكَذَلِكَ الْقُطْنُ بِالْكَتَّانِ وَالْمُشَاقَةُ بِالْكَتَّانِ لَا بَأْسَ بِهِ مُتَفَاضِلًا لَأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: الْمُشَاقَةُ وَالْكَتَّانُ جِنْسٌ وَاحِدٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ بِمَنْزِلَةٍ أَنْوَاعِ التَّمْرِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَكَذَلِكَ جِنْسَانِ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ مُتَفَاضِلًا وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُسَلِّمَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَوْزُونَاتِ لِأَنَّ الْكُلَّ مَوْزُونٌ بِثَمَنٍ
وَكَذَلِكَ الْأَوَانِي الْمُتَّخَذَةُ مِنْ الصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ إذَا كَانَ يُبَاعُ وَزْنًا لَا يَجُوزُ إسْلَامُهُمَا فِي الْمَوْزُونَاتِ أَمَّا أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَيَجُوزُ إسْلَامُهُمَا فِي الْمَوْزُونَاتِ مِنْ الزَّعْفَرَانِ وَالسُّكَّرِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا يَجُوزُ إسْلَامُ الدَّرَاهِمِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّ صِفَةَ الثَّمَنِيَّةِ لَهَا ثَابِتَةٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ فَلَا تَتَغَيَّرُ بِالصِّفَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ مُثَمَّنٌ حَتَّى يَتَعَيَّنَ بِالْعَقْدِ فِي التَّعْيِينِ فَهَذَا كَالْمُتَّخِذِ مِنْ الصُّفْرِ وَالْحَدِيدِ
وَإِذَا كَانَ شَرْطُ السَّلَمِ طَعَامًا وَسَطًا فَأَعْطَاهُ أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ فَرَضِيَ بِهِ جَازَ لِأَنَّهُ إنْ أَعْطَاهُ أَجْوَدَ فَقَدْ أَحْسَنَ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ وَإِنْ أَعْطَاهُ أَرْدَأَ فَقَدْ أَحْسَنَ الْآخَرُ إلَى أَسِيرِهِ حِينَ رَضِيَ مِنْهُ بِهِ وَأَبْرَأهُ مِنْ صِفَةِ الْجَوْدَةِ حِينَ تَجُوزُ بِدُونِ حَقِّهِ فَجَازَ ذَلِكَ
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ فِي حِنْطَةٍ فَقَبَضَهَا رَبُّ السَّلَمِ فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا وَقَدْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ فَإِنْ رَضِيَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَهَا مَعَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ رَدَّ الْمَقْبُوضَ وَطَالَبَهُ رَبُّ السَّلَمِ بِحَقِّهِ وَإِنْ أَبَى أَنْ يَرْضَى لَمْ يَرْجِعْ رَبُّ السَّلَمِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْفَائِتَ وَصْفٌ وَلَا قِيمَةَ لِلصِّفَةِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ مُنْفَرِدَةً عَنْ الْأَصْلِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَجَعَ بِحِصَّةِ نُقْصَانِ الْعَيْبِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّ بِقَدْرِ مَا يَرْجِعُ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ حَطَّ بَعْضَهُ فَلَا يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا إذَا رَجَعَ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ إنْ أَبَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَ الْمَعِيبَ غَرِمَ
стр. 2681
رَبُّ السَّلَمِ طَعَامًا قَبْلَ الْمَقْبُوضِ وَرَجَعَ بِحَقِّهِ وَهُوَ مُسْتَقِيمٌ عَلَى أَصْلِهِ فِي رَدِّ الْمِثْلِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ إذَا وَجَدَ الْمَقْبُوضُ زُيُوفًا وَقَدْ هَلَكَ فِي يَدِهِ وَفِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ
قَالَ: (لَوْ قَالَ: لِآخَرَ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ كُرَّ حِنْطَةٍ وَسَطٍ إلَى أَجَلِ كَذَا بِهَذِهِ الْعَشَرَةِ دَرَاهِمِ عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَهَا إلَيَّ فِي مَكَانِ كَذَا فَهُوَ سَلَمٌ جَائِزٌ عِنْدَنَا) وَقَالَ: زُفَرُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا وَإِنَّمَا الرُّخْصَةُ فِي السَّلَمِ خَاصَّةً فَإِذَا ذُكِرَ لَفْظُ السَّلَمِ جَازَ بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ وَإِلَّا فَهُوَ فَاسِدٌ وَلَا كُنَّا نَقُولُ قَدْ أَتَيْنَا بِمَعْنَى السَّلَمِ وَذَكَرَ شَرَائِطَهُ وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعْنَى دُونَ الْأَلْفَاظِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَلَّكْتُكَ هَذِهِ الْعَيْنَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَقَبِلَ الْآخَرُ كَانَ بَيْعًا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا لَفْظَ الْبَيْعِ وَهَذَا عَلَى أَصْلِ زُفَرَ أَظْهَرُ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ بَيْعًا ابْتِدَاءً
ثُمَّ خَتَمَ الْبَابَ بِفَصْلٍ مِنْ فُصُولِ التَّحَالُفِ وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ وَقَبَضَهُمَا وَهَلَكَ أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَلَا يَتَحَالَفَانِ لَا فِي الْقَائِمِ وَلَا فِي الْهَالِكِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَيَّ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الْمَيِّتِ شَيْئًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ الْقَائِمُ وَقِيمَةُ الْهَالِكِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ فَإِنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هَلَاكَ السِّلْعَةِ يَمْنَعُ جَرَيَانِ التَّحَالُفِ بَيْنَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَمْنَعُ وَبَيَانُ هَذَا الْفَصْلِ يَأْتِي فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَصْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ هَلَاكَ جَمِيعِ السِّلْعَةِ لَا يَمْنَعُ جَرَيَانِ التَّحَالُفِ فَكَذَلِكَ هَلَاكُ الْبَعْضِ ثُمَّ التَّحَالُفِ فَسْخُ الْعَقْدِ فِي الْقَائِمِ مِنْهُمَا عَلَى الْعَيْنِ مُمْكِنٌ فَرَدَّ الْعَيْنَ وَفِي الْهَالِكِ رَدُّ الْعَيْنِ مُتَعَذَّرٌ فَيَقُومُ رَدُّ الْقِيمَةِ مَقَامَ رَدِّ الْعَيْنِ كَمَا لَوْ كَانَ الْكُلُّ هَالِكًا عِنْدَهُ وَالْقَوْلُ فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ لِإِنْكَارِهِ الزِّيَادَةِ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ مَعَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ إذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَوْ كَانَا قَائِمَيْنِ فُسِخَ الْعَقْدُ فِيمَا بَيْنَهُمَا بِالتَّحَالُفِ وَلَوْ كَانَا هَالِكَيْنِ لَمْ يَجُزْ التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا يُعْتَبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَفْسِهِ كَمَا فِي الْفَسْخِ بِسَبَبِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ثُمَّ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ أَنَّ الْمُشْتَرِي يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَاهُمَا بِأَلْفَيْنِ ثُمَّ يَحْلِفُ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ مَا بَاعَهُمَا بِأَلْفٍ كَمَا يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي وَلَا يُفَضِّلُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فِي الْيَمِينِ لِأَنَّهُ إذَا فَضَّلَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فِي التَّحَالُفِ يَفُوتُ مَقْصُودُ الْيَمِينِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكُونُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ الْحَالُ كَمَا يَدَّعِيهِ خَصْمُهُ فَلِهَذَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي التَّحَالُفِ فَإِذَا تَحَالَفَا تُرَدُّ الْعَيْنُ مِنْهُمَا ثُمَّ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي فِي حِصَّةِ الْهَالِكِ بِاَللَّهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهِ إلَّا خَمْسُمِائَةٍ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُمَا سَوَاءً وَإِنْ
стр. 2682
اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فِي قِيمَتِهِ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْحَيِّ لِتَوْزِيعِ الثَّمَنِ عَلَيْهِمَا تَحْكُمُ قِيمَتُهُ فِي الْحَالِ فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ مَا يَقُولُهُ الْبَائِعُ أَوْ أَقَلَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعُ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ مَا يَقُولُهُ الْمُشْتَرِي أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ فَإِذَا حَلَفَا اُعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ فِي الْحَالُ لِتَوْزِيعِ الثَّمَنِ عَلَيْهِمَا وَأَمَّا بَيَانُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ الصَّفْقَةُ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَالْمَقْصُودُ بِالتَّحَالُفِ هُوَ الْفَسْخُ فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِهَلَاكِ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ يَجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَعَذَّرَ بِهَلَاكِ الْكُلِّ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا قَائِمَيْنِ لَمْ يَسْتَقِمْ ثُبُوتُ حُكْمِ التَّحَالُفِ وَالْفَسْخِ فِي أَحَدِهِمْ دُونَ الْآخَرِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ هَلَاكِ أَحَدِهِمَا بِخِلَافِ الرَّدّ بِالْعَيْبِ لِأَنَّ الْعَيْبَ مِمَّا لَا يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفْقَةِ فَإِذَا هَلَكَ أَحَدُهُمَا فِي يَدِهِ وَوَجَدَ بِالْآخَرِ عَيْبًا فَرَدَّهُ يَكُونُ هَذَا تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ وَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ جَهَالَةَ الثَّمَنِ تَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفْقَةِ فَلَوْ قُلْنَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ رَدُّهُ يَكُونُ الْقَوْلُ فِي الثَّمَنِ قَوْلَ الْمُشْتَرِي إلَّا إنْ شَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَيَّ
وَلَا يَأْخُذَ مِنْ ثَمَنِ الْهَالِكِ شَيْئًا فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ الْهَالِكُ كَأَنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَقْدُ وَكَأَنَّهُ مَا اشْتَرَى إلَّا الْقَائِمَ ثُمَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَاهُمَا بِأَلْفَيْنِ ثُمَّ يَحْلِفُ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ مَا بَاعَهُمَا بِأَلْفٍ لِأَنَّ مِنْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ بِأَلْفَيْنِ ثُمَّ حَلَفَ مَا اشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ كَانَ صَادِقًا وَكَذَلِكَ مِنْ بَاعَ شَيْئَيْنِ بِأَلْفٍ ثُمَّ حَلَفَ مَا بَاعَ أَحَدَهُمَا بِخَمْسِمِائَةِ كَانَ صَادِقًا فَلِهَذَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي التَّحَالُفِ فَإِذَا تَحَالَفَا رَدَّ الْعَيْنَ وَلَا شَيْءَ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْهَالِكِ مِنْ ثَمَنٍ وَلَا قِيمَةَ لِأَنَّهُ قَدْ أَبْرَأَهُ مِنْ ذَلِكَ حِينَ رَضِيَ بِأَنْ يَأْخُذَ الْحَيَّ فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ الْوَكَالَةِ فِي السَّلَمِ]
قَالَ: (وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَنْ يُسْلِمَ لَهُ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةِ فَأَسْلَمَهَا الْوَكِيلُ بِشُرُوطِ السَّلَمِ وَدَفَعَ الدَّرَاهِمَ مِنْ عِنْدِهِ فَهُوَ جَائِزٌ) لِأَنَّ السَّلَمَ عَقْدُ تُمْلِيكِ الْآمِرِ بِمُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ فَيَجُوزُ مِنْهُ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ بِهِ كَبَيْعِ الْعَيْنِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ وَهَذَا عَقْدُ يَمْلِكْ الْمَأْمُورُ مُبَاشَرَتِهِ لِنَفْسِهِ فَيَصِحُّ مِنْهُ مُبَاشَرَتُهُ لِغَيْرِهِ بِأَمْرِهِ كَالْبَيْعِ لِأَنَّ الْعَاقِدَ بَاشَرَ الْعَقْدَ بِأَهْلِيَّتِهِ وَوِلَايَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ سَوَاءً بَاشَرَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ
стр. 2683
بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] الْآيَةَ وَمَنْ دَفْعَ إلَى آخَرَ دَرَاهِمَ لِيَشْتَرِيَ بِهَا شَيْئًا فَإِنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ يَكُونُ وَكِيلًا مِنْ جِهَةِ الدَّافِعِ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ دَفْعَ إلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَوْ إلَى عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵄ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ أُضْحِيَّةً» فَدَلَّ أَنَّ التَّوْكِيلَ جَائِزٌ فِي الْبَيْعِ فَكَذَلِكَ فِي السَّلَمِ لِأَنَّ السَّلَمَ نَوْعُ بَيْعٍ عَلَى مَا عَرَفَ وَكَذَلِكَ النَّاسُ تَعَامَلُوا مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا التَّوْكِيلُ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ جَمِيعًا فَإِذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ الْوَكِيلُ فِي السَّلَمِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ حَتَّى تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ دُونَ الْمُوَكِّلِ وَكَذَلِكَ حَقُّ قَبْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ يَكُونُ لِلْوَكِيلِ دُونُ الْمُوَكِّلِ وَهَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ ذَلِكَ لِلْمُوَكِّلِ كُلُّهُ وَعَلَيْهِ وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ بِالْمُوَكِّلِ، قَالَ: (لِأَنَّ الْوَكِيلَ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ عَنْهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّسُولِ فَإِذَا عَقْدَ الْعَقْدَ خَرَجَ مِنْ الْوَسَطِ وَصَارَ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّ الْمُوَكِّلَ عَقَدَهُ بِنَفْسِهِ) أَلَا تَرَى أَنَّ مَا هُوَ حُكْمُ الْعَقْدِ وَهُوَ الْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ فَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ وَشَبَّهَ هَذَا بِالْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِالصَّدَاقِ وَلَا يَكُونُ لَهُ حَقُّ قَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُوَكِّلِ
وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَتَتَعَلَّقُ أَحْكَامُهُ بِمِنْ قَصَدَ تَحْصِيلُهُ لِنَفْسِهِ دُونَ مَنْ عَبَّرَ عَنْهُ وَلَنَا أَنَّ الْعَاقِدَ هُوَ الْوَكِيلُ وَسَبَبُ تَعَلُّقِ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِالْمَرْءِ مُبَاشَرَتُهُ الْعَقْدَ وَثُبُوته الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ فَإِذَا كَانَ هُوَ الْعَاقِدُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا تَتَعَلَّقُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِهِ كَمَا لَوْ بَاشَرَ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ وَهَذَا لِأَنَّ وِلَايَتَهُ مُبَاشَرَةُ الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ أَهْلِيَّتِهِ وَبِاعْتِبَارِ كَوْنِ مَا هُوَ رُكْنُ الْعَقْدِ وَهُوَ الْكَلَامُ مِنْ خَالِصِ حَقِّهِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِمُبَاشَرَتِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَنُفُوذِهِ شَرْعًا بِاعْتِبَارِ وِلَايَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ لَا أَنْ يُثْبِتَ لَهُ بِأَمْرِ الْمُوَكِّلِ إيَّاهُ وِلَايَةً لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً مِنْ قَبْلِ هَذَا لِبَيَانِ أَنَّهُ عَاقِدٌ حَقِيقَةً وَشَرْعًا وَمَنْ حَيْثُ الْحُكْمُ فَلِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ وَلَوْ كَانَ مُعَبِّرًا عَنْهُ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ ذِكْرِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَثَبَتَ أَنَّهُ عَاقِدٌ حُكْمًا مُبَاشِرٌ لِلْعَقْدِ بِخِلَافِ الرَّسُولِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ مَبْلَغِ الْأَمْرِ إلَى مَنْ أُرْسِلَ إلَيْهِ وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَوْ قَالَ: تَزَوَّجْتُكِ كَانَ النِّكَاحُ لَهُ دُونَ الْمُوَكِّلِ
فَأَمَّا حُكْمُ الْعَقْدِ وَهُوَ الْمِلْكُ فَفِيهِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْوَكِيلِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْهُ إلَى الْمُوَكِّلِ مِنْ سَاعَتِهِ كَمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ بِالتَّوْكِيلِ السَّابِقِ وَمُبَاشَرَتِهِ السَّبَبِ تَسْتَدْعِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ إلَّا أَنَّهُ يَسْتَقِرُّ لَهُ فَيَثْبُتُ أَوَّلًا لَهُ
стр. 2684
ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ قَرِيبَهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ لَا يُفْسِدُ النِّكَاحَ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي مِلْكًا مُسْتَقِرًّا وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ لِلْوَكِيلِ وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِسَبَبٍ يَنْعَقِدُ حُكْمُهُ مُوجِبًا لِلْوَكِيلِ إلَّا أَنَّ الْمُوَكِّلَ قَامَ مَقَامَهُ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ بِالتَّوْكِيلِ السَّابِقِ فَيَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ عَلَى وَجْهِ الْخِلَافَةِ عَنْ الْوَكِيلِ كَالْعَبْدِ يَقْبَلُ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةِ وَيَصْطَادُ فَيَقَعُ الْمِلْكُ فِيهِ لِمَوْلَاهُ عَلَى وَجْهِ الْخِلَافَةِ وَإِذَا ثَبُتَ أَنَّ الْوَكِيلَ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ كَانَ هُوَ الْمُطَالَبُ بِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فَإِذَا نَقَدَهُ مِنْ عِنْدِهِ رَجَعَ بِمِثْلِهِ عَلَى الْأَمْرِ لِأَنَّهُ نَقَدَ مَالَ نَفْسِهِ فِي عَقْدِ حَصَلَ مَقْصُودُ ذَلِكَ الْعَقْدِ لِلْآمِرِ فَأَمْرُهُ إيَّاهُ بِالْعَقْدِ يَكُونُ أَمْرًا بِأَدَاءِ رَأْسِ الْمَالِ مِنْ عِنْدِهِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ هُوَ الَّذِي يَقْبِضُ الطَّعَامَ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ وَالْغُنْمُ بِمُقَابِلَةِ الْغُرْمِ فَإِذَا كَانَ هُوَ الْمُطَالِبُ بِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ كَانَ حَقُّ قَبْضِ الطَّعَامِ إلَيْهِ أَيْضًا فَإِذَا قَبَضَهُ كَانَ لَهُ حَبْسُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الدَّرَاهِمَ مِنْ الْمُوَكِّلِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ كَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إذَا نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَقَبَضَ السِّلْعَةَ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ أَمَّا إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْبِسَهُ فَإِنَّمَا يُهْلِكُ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَلِلْوَكِيلِ أَنْ يُرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى مِنْ الدَّرَاهِمِ لِأَنَّهُ فِي أَصْلِ الْقَبْضِ عَامِلٌ لَهُ حَتَّى يَتَعَيَّنَ بِهِ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ فِي السَّلَمِ وَيَتِمُّ مِلْكُهُ بِهِ فِي الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ هَلَاكُهُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ كَهَلَاكِهِ فِي يَد الْمُوَكِّلِ فَإِنْ لَمْ يُهْلِكْ وَأَرَادَ الْوَكِيلُ حَبْسُهُ بِالثَّمَنِ فَلَهُ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَقَالَ: زُفَرُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ صَارَ قَابِضًا بِقَبْضِ الْوَكِيلِ بِدَلِيلِ أَنَّ هَلَاكَهُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ كَهَلَاكِهِ فِي يَدِ الْمُوَكِّلِ فَكَأَنَّهُ قَبَضَ حَقِيقَةً ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى الْوَكِيلِ وَهَذَا لِمَعْنَيَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْمَقْبُوضَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَكِيلِ وَالثَّمَنُ دَيْنٌ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَيْسَ لِلْأَمِينِ أَنْ يَحْبِسَ الْأَمَانَةَ بِدَيْنِهِ عَلَى صَاحِبِهَا وَالثَّانِي أَنَّ الْوَكِيلَ لَمَا قَبَضَهُ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ يَصِيرُ بِهِ قَابِضًا فَقَدْ رَضِيَ بِقَبْضِ الْمُوَكِّلِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سَلَّمَهُ إلَيْهِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ أَوْ بِمَنْزِلَةِ بَائِعِ سَلَمِ السِّلْعَةِ إلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا لِلْحَبْسِ بِالثَّمَنِ وَلَنَا أَنَّ الْمُوَكِّلَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي بِعَقْدِ بَاشَرَهُ الْوَكِيلُ بِبَدَلٍ اسْتَوْجَبَهُ الْوَكِيلُ عَلَيْهِ حَالًا وَإِلَّا فَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْعَيْنَ بِهِ كَالْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي وَهَذَا لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَعَ الْمُوَكِّلِ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي إمَّا لِأَنَّ الْمُوَكِّلِ يَتَلَقَّى الْمِلْكَ فِيهِ مِنْ الْوَكِيلِ بِعِوَضٍ وَلِهَذَا لَوْ اخْتَلَفَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ فِي الثَّمَنِ تَحَالَفَا وَلَوْ وَجَدَ بِهِ الْمُوَكِّلُ عَيْبًا رَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ قَوْلُهُ بِأَنْ الْمُوَكِّلَ صَارَ قَابِضًا بِقَبْضِ الْوَكِيلِ فَفِيهِ طَرِيقَتَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ قَبْضَ الْوَكِيلِ مُتَرَدَّدٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَضَمِّ مَقْصُودِ الْوَكِيلِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِأَحْيَاءِ
стр. 2685
حَقِّ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ بِحَبْسِهِ فَكَانَ الْأَمْرُ فِيهِ مَوْهُومًا فِي الِابْتِدَاءِ إنْ لَمْ يَحْبِسْهُ عَنْهُ عَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لِلْمُوَكِّلِ وَإِنْ حَبَسَهُ عَنْهُ عَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ وَإِنَّ الْمُوَكِّلَ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا بِقَبْضِهِ
(وَالثَّانِي) إنَّ هَذَا قَبْضٌ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الْحَبْسِ مَا لَمْ يَقْبِضْ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَصِيرُ الْمُوَكِّلُ بِهِ قَابِضًا وَمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّهُ فِي الْحَبْسِ لِأَنَّ سُقُوطَ حَقِّهِ بِاعْتِبَارِ رِضَاهُ بِتَسْلِيمِهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الرِّضَا فِيمَا لَا طَرِيقَ لَهُ إلَّا التَّحَرُّزَ عَنْهُ فَإِذَا حَبَسَهُ الْوَكِيلُ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ فَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ هُوَ غَاصِبٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مِثْلِهِ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يُهْلِكُ فِي يَدِهِ هَلَاكَ الرَّهْنِ مَضْمُونًا بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمَنْ الثَّمَنِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَهْلَكُ هَلَاكَ الْمَبِيعِ مَضْمُونًا بِالثَّمَنِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَهَذَا الْخِلَافُ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ فَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ إنَّمَا كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْحَبْسِ بِحَقِّهِ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ مَضْمُونًا فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الْمَرْهُونِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ حَبَسَهُ أَوْ لَمْ يَحْبِسْهُ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ لِيَسْتَوْفِيَ مَا أَدَّى عَنْهُ مِنْ الدَّيْنِ وَالْحَبْسِ لِلِاسْتِيفَاءِ حُكْمُ الرَّهْنِ وَلِأَنَّ بِهَلَاكِهِ لَا يَنْفَسِخُ أَصْلُ الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَسُقُوطُ الثَّمَنِ هُنَاكَ لِانْفِسَاخِ الْبَيْعِ وَهُمَا يَقُولَانِ الْوَكِيلُ مَعَ الْمُوَكِّلِ كَالْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي بِدَلِيلِ مَا بَيَّنَّا فَكَمَا أَنَّ الْمَبِيعَ إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ سَقَطَ الثَّمَنُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَكَذَلِكَ هُنَا وَلَا نَقُولُ الْعَقْدُ لَا يَنْفَسِخُ هُنَا بَلْ انْفَسَخَ فِيمَا بَيْنَ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ وَإِنْ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُوَكِّلُ بِالْمُشْتَرِي عَيْبًا فَرَدَّهُ وَرَضِيَ بِهِ الْوَكِيلُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْوَكِيلُ وَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُوَكِّلُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ نَظِيرُ الرَّهْنِ أَنَّ هَذَا الْحَبْسَ ثَبَتَ فِي النِّصْفِ الشَّائِعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَالْحَبْسَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ لَا يَثْبُتُ فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْبَيْعِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ كَالْمَبِيعِ
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ دَفْعَ رَأْسَ الْمَالِ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَأَخَذَ بِالسَّلَمِ كَفِيلًا أَوْ رَهْنًا فَهُوَ جَائِزٌ) لِأَنَّ مُوجِبَ الرَّهْنِ بِثُبُوتِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ وَالْوَكِيلُ يَمْلِكُ الِاسْتِيفَاءَ حَقِيقَةً فَيَمْلِكُ أَخْذَ الرَّهْنِ بِهِ وَالْكَفَالَةِ لِلتَّوْثِيقِ وَالْوَكِيلُ هُوَ الْمُطَالِبُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَوَثَّقَ بِأَخْذِ الْكَفِيلِ بِهِ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمُطَالَبَةَ فَمَلَكَ التَّوَثُّقَ بِالْمُطَالَبَةِ
قَالَ: (فَإِنْ حَلَّ السَّلَمِ فَأَخَّرَهُ الْوَكِيلُ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَيَضْمَنُ طَعَامَ السَّلَمِ لِلْمُوَكِّلِ) وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَصِحُّ تَأْخِيرُهُ وَكَذَلِكَ إنْ أَبْرَأَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ عَنْ طَعَامِ السَّلَمِ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ طَعَامَ السَّلَمِ أَصْلٌ يَقْبَلُ
стр. 2686
الْإِبْرَاءَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَأَصْلُ هَذَا فِيمَا إذَا عَقْدَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَبْرَأَهُ عَنْ طَعَامِ السَّلَمِ صَحَّ أَبَرَاؤُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَقْبَلُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فَإِذَا قَبِلَ كَانَ فَسْخًا لَعَقَدَ السَّلَمِ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ وَتَمْلِيكُ الْمَبِيعِ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يَقْبَلْ فَإِذَا قَبِلَ انْفَسَخَ الْعَقْدُ كَالْمُشْتَرَى إذَا وَهَبَ الْمَبِيعَ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ لَا يَسْتَحِقُّ قَبْضَهُ فِي الْمَجْلِسِ فَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ بِخِلَافِ بَدَلِ الصَّرْفِ أَوْ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فَإِنَّ قَبْضَهُ فِي الْمَجْلِسِ مُسْتَحَقٌّ وَهَذَا لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ لِلتَّعْيِينِ الَّذِي هُوَ شَرَطَ الْعَقْدِ وَالْإِبْرَاءِ مُفَوِّتٌ لِذَلِكَ
وَأَمَّا الدَّيْنُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ قَبْضَهُ فِي الْمَجْلِسِ فَتَعْيِينُهُ لَيْسَ شَرْطًا لِجَوَازِ إسْقَاطِ الْقَبْضِ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ دَيْنٌ يَجِبُ بِالْعَقْدِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَقْدَ يُضَافُ إلَيْهِ وَيُورِدُ عَلَيْهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَبِيعِ فَتُوَفِّرُ حَظَّهُ عَلَيْهِمَا فَنَقُولُ لِشَبَهِهِ بِالْبَيْعِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلِشَبَهِهِ بِالثَّمَنِ يَجُوزُ إسْقَاطُ الْقَبْضِ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ إذَا ثَبَتَ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ عَقْدُ السَّلَمِ فَنَقُولُ لِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ إذَا كَانَ وَكِيلًا يَصِحُّ أَبَرَاؤُهُ وَيَضْمَنُ مِثْلَهُ لِلْمُوَكِّلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَا يَصِحُّ أَبَرَاؤُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي الْمُتَارَكَةِ إذَا تَارِكَ الْوَكِيلُ السَّلَمِ مَعَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْخِلَاف فِي الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا أَبْرَأَ الْمُشْتَرِي عَنْ الثَّمَنِ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ أَوْ أَجَّلَهُ فِيهِ صَحَّ ذَلِكَ وَضَمِنَهُ لِلْمُوَكِّلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَسْتَحْسِنُ ذَلِكَ وَأَدْعُ الْقِيَاسَ فِيهِ قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ وَهَذَا عَجَبٌ مِنْ أَبِي يُوسُفَ يَقُولُ أَسْتَحْسِنُ وَالْقِيَاسَ مَا قَالَهُ لِأَنَّ الثَّمَنَ وَالْمُسْلَمَ فِيهِ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْبَدَلَ بِمِلْكِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ بِقَبْضِهِ يَتَعَيَّنُ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ مِلْكُ مِنْ كَانَ مَالِكًا قَبْلَهُ فَالْوَكِيلُ تَصْرِفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِخِلَافِ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ كَمَا لَوْ قَبْضَهُ فَوَهَبَهُ مِنْهُ وَدَلِيلُ أَنَّ تَصَرُّفَهُ بِخِلَافِ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ كَمَا لَوْ قَبَضَهُ فَوَهَبَهُ مِنْهُ وَدَلِيلُ أَنَّ تَصَرُّفَهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَنَّ الْوَكِيلَ ضَامِنٌ عِنْدَكُمْ وَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالْخِلَافِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَبْرَأهُ عَنْهُ صَحَّ وَلَوْ قَبَضَهُ جَازَ قَبْضُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى بِهِ شَيْئًا أَوْ صَالَحَ مِنْهُ عَلَى عَيْنٍ بِالثَّمَنِ صَحَّ وَلَوْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْمُوَكِّلِ دَيْن فَاشْتَرَى مِنْ الْوَكِيلِ شَيْئًا حَتَّى وَجَبَ لِلْمُوَكِّلِ عَلَى الْمُشْتَرِي دَيْنٌ أَيْضًا يَصِيرُ قِصَاصًا بِدَيْنِهِ فَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي يَجِبُ بِعَقْدِ الْوَكِيلِ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ
стр. 2687
وَإِنَّ الزَّكَاةَ فِي هَذَا الْمَالِ تَجِبُ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمِلْكَ لَهُ.
وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْوَكِيلَ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ حَقِّهِ فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ كَمَا لَوْ كَانَ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ وَبَيَانُ الْوَصْفِ فِي التَّأْجِيلِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يُؤَخِّرُ الْمُطَالَبَةَ وَلَا يَسْقُطُ أَصْلُ الثَّمَنِ وَالْمُطَالَبَةُ حَقُّ الْوَكِيلِ حَتَّى يَنْفَرِدَ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ عَزْلَهُ عَنْهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُطَالِبَ إلَّا بِأَمْرِهِ وَكَذَلِكَ الْإِبْرَاءُ فَإِنَّهُ إسْقَاطُ حَقِّ الْقَبْضِ وَالْقَبْضُ خَالِصُ حَقِّهِ لِأَنَّهُ حُكْمُ الْعَقْدِ وَهُوَ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَعْزِلُهُ أَحَدٌ عَنْهُ وَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يُجْبَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ إلَّا إلَيْهِ وَإِنَّمَا يَخْلُفُهُ الْمُوَكِّلُ فِي مِلْكِ الْمَالِ بِمُقَابَلَةِ مِلْكِهِ وَالْمَالُ هُوَ الْمَقْبُوضُ دُونَ الدَّيْنِ وَالدَّيْنُ لَيْسَ بِمَالٍ حَتَّى أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَهُ دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ لَا يَحْنَثُ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقَبْضَ خَالِصٌ حَقُّهُ فَيَصِحُّ إسْقَاطُهُ بِالْأَبْرَاءِ ثُمَّ يَتَعَدَّى هَذَا التَّصَرُّفُ إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمُوَكِّلِ فِي الْمَالِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِ لِأَنَّهُ لَوْ قَبَضَ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِلْكَهُ وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ بِإِسْقَاطِهِ فَيَكُونُ ضَامِنًا لَهُ كَالرَّاهِنِ إذَا أَعْتَقَ الْمَرْهُونُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ لِمُصَادِفَةِ حَقِّهِ وَيَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَالِيَّةِ لِلْمُرْتَهِنِ لِأَنَّهُ تَلَفَهُ بِتَصَرُّفِهِ مِلْكَ الْمَالِيَّةِ وَكَذَلِكَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَعْتَقَ وَهُوَ مَيْسُورٌ وَهُوَ مَسْقَطٌ لِلْقَبْضِ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ إسْقَاطٌ صَحَّ مِنْهُ وَبَرِئَ الْمُشْتَرِي وَمَنْ حَيْثُ إنَّهُ تَمْلِيكُ الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ حَقُّ الْمُوَكِّلِ مِنْ الْمُشْتَرِي صَارَ ضَامِنًا لَهُ كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إذَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ وَإِلَى الْمُوَكِّلِ أَنْ يَرْضَى بِهِ فَإِنَّ رِضَى الْوَكِيلِ يُعْتَبَرُ بِانْقِطَاعِ مُنَازَعَتِهِ مَعَ الْبَائِعِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي إلْزَامِ الْمُوَكِّلِ فَيَخْتَصُّ هُوَ بِضَرَرِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ أَصْلٌ فِي الْإِبْرَاءِ وَمَعْنَى التَّمْلِيكِ بَيْعٌ وَلِهَذَا صَحَّ بِدُونِ الْقَبُولِ وَإِنْ كَانَ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَأَمَّا قَبْضُ الثَّمَنِ فَالْمَقْبُوضُ عَيْنُ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ فَهِبَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ تُصْرَفُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ
وَأَمَّا فَصْلُ الْمُقَاصَّة فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ كَانَ دَيْنُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْوَكِيلِ وَهُوَ مِثْلُ الثَّمَنِ يَصِيرُ قِصَاصًا بِدَيْنِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَضْمَنُ لِلْمُوَكِّلِ مِثْلَهُ وَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُوَكِّلِ يَصِيرُ قِصَاصًا بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ الْمَالِ الْحَقِّ لِلْمُوَكِّلِ وَلِهَذَا لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ الْمُشْتَرِي جَازَ قَبْضُهُ فَيَصِيرُ قِصَاصًا بِدَيْنِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَيَضْمَنُ الْمُوَكِّلُ مِثْلَهُ وَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُوَكِّلِ يَصِيرُ قِصَاصًا بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ الْمَالِ الْحَقُّ لِلْمُوَكِّلِ فَيَصِيرُ قِصَاصًا بِدَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ قِصَاصًا بِدَيْنِ الْوَكِيلِ لِأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ قِصَاصًا بِدَيْنِ الْوَكِيلِ كَانَ ضَامِنًا لِلْمُوَكِّلِ مِثْلُهُ ثُمَّ يَحْتَاجُ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ بِهِ وَإِذَا جَعَلَ قِصَاصًا بِدَيْنِ الْمُوَكِّلِ لَمْ يَضْمَنْ أَحَدٌ شَيْئًا فَرَجَّحْنَا هَذَا الْجَانِبَ لِهَذَا
وَالَابُّ وَالْوَصِيُّ
стр. 2688
يَصِحُّ أَبَرَاؤُهُمَا وَتَأْجِيلُهُمَا فِيمَا وَجَبَ لِلصَّبِيِّ بِعَقْدِهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَا ضَامِنِينَ لَهُ فَأَمَّا فِيمَا وَجَبَ لَا بِعَقْدِهِمَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُمَا ثَابِتَانِ أَمَرَا بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَحْسَنِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِالْإِبْرَاءِ
قَالَ: (وَالتَّأْجِيلُ وَالْمُتَارَكَةُ مِنْ الْوَكِيلِ بِالثَّمَنِ صَحِيحٌ فِي حَقِّ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ فَإِنَّ إقَالَتَهُ لَا تَصِحُّ) لِأَنَّ هُنَاكَ عَيْنَ الْمُشْتَرِي مَمْلُوكٌ لِلْمُوَكِّلِ فَالْإِقَالَةُ تُصْرَفُ مِنْهُ فِي مَحِلٍّ هُوَ حَقُّ الْغَيْرِ وَهُنَا الْمُسْلَمُ فِيهِ دَيْنٌ وَالثَّابِتُ بِهِ حَقُّ الْقَبْضِ مَا دَامَ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ حَقُّ الْوَكِيلُ وَإِنْ احْتَالَ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى مَلِيءٍ أَوْ غَيْرِ مَلِيءٍ جَازَ عَلَيْهِ خَاصَّةً وَيَضْمَنُ لِلْأُمِّ طَعَامَهُ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ حَقِّهِ بِالتَّحْوِيلِ مِنْ مَحِلٍّ إلَى مَحِلٍّ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي الْإِبْرَاءِ وَيَسْتَوْفِي فِي حُكْمِ الضَّمَانِ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ أَعْلَى أَوْ أَسْفَلَ بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ فَإِنَّهُمَا لَوْ قَبِلَا الْحَوَالَةَ عَلَى مَنْ هُوَ أَعْلَى لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْهُمَا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ عَلَى وَجْهِ الْأَحْسَنِ وَهُمَا يَمْلِكَانِ الْمُبَادَلَةِ فِي حَقِّهِ بِصِفَةِ النَّظَرِ فَإِذَا بَادَلَا ذِمَّةً بِذِمَّةٍ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَمْ يَضْمَنَا وَالْوَكِيلُ لَا يَمْلِكُ مِثْلَهُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ فَلِهَذَا ضَمِنَهُ
قَالَ: (وَإِنْ اقْتَضَى الطَّعَامُ أَدْوَنَ مِنْ شَرْطِهِ فَهُوَ جَائِزٌ) لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُ عَنْ صِفَةِ الْجُودَةِ وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ أَصْلِهِ جَازَ وَضَمِنَ لِلْمُوَكِّلِ مِثْلَ طَعَامِهِ عِنْدَهُمَا فَكَذَلِكَ إذَا رَضِيَ بِدُونِ حَقِّهِ
وَإِذَا عَقَدَ الْوَكِيلُ السَّلَمَ ثُمَّ أَمَرَ الْمُوَكِّلَ بِأَدَاءِ رَأْسِ الْمَالِ وَذَهَبَ الْوَكِيلُ بَطَلَ السَّلَمُ لِأَنَّ وُجُوبَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ وَهُوَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ فِيهِ كَأَجْنَبِيِّ آخَرَ فَلَا مُعْتَبَرَ بِبَقَائِهِ فِي الْمَجْلِسِ بَعْدَ ذَهَابِ الْعَاقِدِ وَلَا بِذَهَابِهِ إذَا بَقِيَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي الْمَجْلِسِ
فَإِذَا وَكَّلَهُ أَنْ يُسْلِمَ لَهُ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ فَأَسْلَمَهَا فِي قَفِيزِ حِنْطَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ بِالشِّرَاءِ فَالْمُسْلَمُ فِيهِ مَبِيعٌ وَرَبُّ السَّلَمِ مُشْتَرٍ وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَمْلِكُ الشِّرَاءِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ لِمَا فِيهِ مِنْ التُّهْمَةِ أَنَّهُ بَاشَرَ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ لَمَّا عَلِمَ بِالْغَبْنِ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمُهُ الْمُوَكِّلُ فَإِذَا نَفَذَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ ضَمِنَ لِلْمُوَكِّلِ كُلَّ دَرَاهِمِهِ لِأَنَّهُ قَضَى بِدَرَاهِمِهِ دَيْنَ نَفْسِهِ فَإِنْ أَسْلَمَهَا فِي حِنْطَةٍ يَكُونُ نُقْصَانُهَا عَنْ رَأْسِ الْمَالِ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ جَازَ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِأَنَّ هُنَا الْعُذْرَ لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ إلَّا بِحَرَجٍ فَكَانَ عَفْوًا فِي تَصَرُّفِهِ لِغَيْرِهِ شِرَاءً كَانَ أَوْ بَيْعًا
قَالَ: (وَإِذَا وَكَّلَهُ أَنْ يُسْلِمَ لَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي طَعَامٍ فَالطَّعَامُ الدَّقِيقُ وَالْحِنْطَةُ عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ هَذَا التَّوْكِيلُ بَاطِلٌ) لِأَنَّ اسْمَ الطَّعَامِ حَقِيقَةً لِكُلِّ مَطْعُومٍ بِدَلِيلِ مَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ طَعَامًا وَمَا أَوْصَى لِلْإِنْسَانِ بِطَعَامِهِ وَالْمَطْعُومَاتُ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ وَجَهَالَةُ الْجِنْسِ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ وَلَكِنْ
стр. 2689
اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: السَّلَمُ بَيْعٌ وَالطَّعَامُ إذَا أُطْلِقَ عِنْدَ ذِكْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يُرَادُ بِهِ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا فَإِنَّ سُوقَ الطَّعَامِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْحِنْطَةُ وَدَقِيقُهَا وَبَائِعُ الطَّعَامِ مِنْ يَبِيعُ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا دُونَ مِنْ يَبِيعْ الْفَوَاكِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْبَائِعِ فَكُلُّ مَا يُسَمِّي بَائِعُهُ بَائِعُ الطَّعَامِ يَصِيرُ هُوَ بِهِ مُشْتَرِيًا لِلطَّعَامِ بِخِلَافِ الْأَكْلِ فَإِنَّهُ يَتِمُّ بِالْآكِلِ وَالْوَصِيَّةِ تُتِمُّ بِالْمُوصَى فَاعْتَبَرْنَا فِيهِمَا حَقِيقَةَ الِاسْمِ قَالُوا وَهَذَا إذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ كَثِيرَةً فَأَمَّا إذَا كَانَتْ قَلِيلَةً فَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْخُبْزِ فَأَمَّا الدَّقِيقُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَفِي رِوَايَةٍ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحِنْطَةِ لِأَنَّهُ يُذْكَرُ كَمَا وَهَذَا الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ ثَابِتٌ فِي الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اسْمَ الطَّعَامِ يَتَنَاوَلُ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقُهَا فَالتَّوْكِيلُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ إنْ كَثُرَتْ الدَّرَاهِمُ عَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الْحِنْطَةُ فَإِذَا قُلْتَ عَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الدَّقِيقُ وَالْمَعْلُومُ دَلَالَةً كَالْمَعْلُومِ نَصَّا فَنَقُولُ إذَا وَكَّلَهُ بِأَنْ يُسْلِمَ لَهُ دَرَاهِمَ فِي طَعَامٍ فَأَسْلَمَ فِي شَعِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ مُخَالِفٌ وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَضْمَنَ الْوَكِيلُ دَرَاهِمَهُ لِأَنَّ عَقْدَهُ نَفَذَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ قَضَى بِدَرَاهِمِ الْآمِرِ دَيْنَ نَفْسِهِ وَإِنْ شَاءَ الْآمِرُ أَخَذَهَا مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ مِنْ الدَّرَاهِمِ عَيْنُ مِلْكِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فَإِنَّ أَخْذَهَا مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ يَبْطُلُ السَّلَمِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَارَقَهُ لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالَ اسْتَحَقَّ انْتَقَضَ الْقَبْضُ فِيهِ مِنْ الْأَصْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَارَقَهُ حَتَّى أَعْطَاهُ مِثْلَهَا كَانَ السَّلَمُ صَحِيحًا بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ لَمَّا اسْتَحَقَّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ إلَى آخَرِ الْمَجْلِسِ وَعَقَدُ السَّلَمِ مَا تَعَلَّقَ بِعَيْنِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ بَلْ تَعَلَّقَ بِمِثْلِهَا فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ الْوَكِيلِ يَبْقَى عَقْدُ السَّلَمِ بَيْنَهُمَا صَحِيحًا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ رَأْسَ الْمَالِ بِالضَّمَانِ
وَإِذَا وَكَّلَهُ بِأَنْ يَأْخُذَهُ دَرَاهِمَ فِي طَعَامٍ مُسَمَّى فَأَخَذَهَا الْوَكِيلُ ثُمَّ دَفَعَهَا إلَى الْمُوَكِّلِ فَالطَّعَامُ عَلَى الْوَكِيلِ وَلِلْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ دَرَاهِمُ قَرْضٍ لِأَنَّ أَصْلَ التَّوْكِيلِ بَاطِلٌ فَإِنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ أَمَرَهُ بِبَيْعِ الطَّعَامِ فِي ذِمَّتِهِ وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ عَيْنَ مَالِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ لِلْآمِرِ كَانَ بَاطِلًا فَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ طَعَامًا فِي ذِمَّتِهِ وَهَذَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ أَمْرَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْمَأْمُورُ بِدُونِ أَمَرَهُ وَهُوَ فِي قَبُولِ السَّلَمِ فِي الطَّعَامِ مُسْتَغْنٍ عَنْ أَمْرِ الْغَيْرِ وَقَبُولُ السَّلَمِ مِنْ صَنِيعِ الْمَفَالِيسِ فَالتَّوْكِيلُ بِهِ بَاطِلٌ كَالتَّكَدِّي فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّوْكِيلَ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِقَبُولِ عَقْدِ السَّلَمِ بَاطِلٌ وَالتَّوْكِيلُ مِنْ رَبِّ السَّلَمِ بِإِعْطَاءِ الدَّرَاهِمِ فِي طَعَامِ السَّلَمِ جَائِزٌ وَإِذَا بَطَلَ التَّوْكِيلُ كَانَ الْوَكِيلُ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ فَيَجِبُ الطَّعَامُ فِي ذِمَّتِهِ وَرَأْسُ الْمَالِ مَمْلُوكٌ لَهُ فَإِذَا أَسْلَمَهُ إلَى الْآمِرِ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ مِنْهُ كَانَ قَرْضًا لَهُ عَلَيْهِ
قَالَ: (وَإِذَا دَفْعَ إلَيْهِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُسْلِمَهَا فِي ثَوْبٍ لَمْ تَصِحَّ الْوَكَالَةُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ الْجِنْسَ) لِأَنَّ الثِّيَابَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ وَمَعَ جَهَالَةِ الْجِنْسِ
стр. 2690
لَا يَقْدِرُ الْوَكِيلُ عَلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْمُوَكِّلِ فَيَبْطُلُ التَّوْكِيلُ فَإِنَّ الْوَكِيلَ كَانَ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: يَنْظُرُ الْوَكِيلُ إلَى لِبَاسِ الْمُوَكِّلِ فَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ مِنْ جِنْسِ لِبَاس الْمُوَكِّلِ يَجُوزُ وَيَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَأْمُرُ غَيْرُهُ بِشِرَاءِ الثَّوْبِ لِيَلْبَسَهُ فَيَعْتَبِرُ بِثِيَابِهِ فَإِنْ سَمَّى الْمُوَكِّلُ ثَوْبًا يَهُودِيًّا أَوْ غَيْرِهِ جَازَ لِأَنَّ الْجِنْسَ صَارَ مَعْلُومًا وَإِنَّمَا بَقِيَتْ الْجَهَالَةُ فِي الصِّفَةِ وَلَا تَأْثِيرَ لِجَهَالَةِ الصِّفَةِ فِي الْعُقُودِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى التَّوَسُّعِ وَالْوَكَالَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنْ خَالَفَهُ الْوَكِيلُ فَأَسْلَمَ فِي غَيْرِهِ أَوْ إلَى غَيْرِ الْأَجَلِ الَّذِي سَمَّاهُ كَانَ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَضْمَنَهُ دَرَاهِمَهُ فَإِنْ ضَمِنَهُ إيَّاهَا جَازَ السَّلَمُ وَإِنْ ضَمِنَهَا الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بَطَلَ السَّلَمُ لِانْتِقَاضِ قَبَضَهُ فِي رَأْسِ الْمَالِ بَعْدَ الِانْتِقَاضِ مِنْ الْأَصْلِ
قَالَ: (وَإِذَا دَفْعَ الْوَكِيلُ الدَّرَاهِمَ سَلَّمَهَا عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ الْآمِرُ وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِالِاسْتِيفَاءِ ثُمَّ جَاءَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِدَرَاهِمَ زُيُوفٍ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: وَجَدْتُهَا فِيهَا فَهُوَ مُصَدَّقٌ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيَقْضِي لَهُ عَلَى الْوَكِيلِ بِبَدَلِهِ وَيَرْجِعُ بِهِ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ فِي تَصَرُّفُهُ عَامِلٌ لَهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا يَلْحَقُهُ بِالْعُهْدَةِ وَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِالِاسْتِيفَاءِ لَمْ يُصَدَّقْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى ادِّعَائِهِ أَنَّهُ زُيَّفٌ مَعْنَاهُ إذَا أَقَرَّ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِاسْتِيفَاءِ الْجِيَادِ أَوْ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ أَوْ بِاسْتِيفَاءِ رَأْسِ الْمَالِ فَهُوَ مُنَاقِضٌ بَعْدَ ذَلِكَ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ زُيُوفٌ فَلَا يُسْمَعُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى خَصْمِهِ فَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ الدَّرَاهِمِ فَاسْمُ الدَّرَاهِمِ يَتَنَاوَلُ الزُّيُوفَ وَالْجِيَادَ فَلَا يَكُونُ مُنَاقِضًا فِي قَوْلِهِ وَجَدْتُهَا زُيُوفًا.
قَالَ: (وَاذَا وَكَّلَهُ بِأَنْ يُسْلِمَ لَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ فِي حِنْطَةٍ فَأَسْلَمَهَا لَهُ فَهُوَ عَاقِدٌ لِنَفْسِهِ حَتَّى يَقْبِضَ الطَّعَامَ فَيُرِدْهُ إلَى الْآمِرِ مَكَانَ دَيْنِهِ) فَحِينَئِذٍ يُسْلِمُ لِلْآمِرِ إذَا تُرَاضِيَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هُوَ جَائِزٌ عَلَى الْآمِرِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا لَهُ بِدَنَانِيرَ أَوْ يُشْتَرَى لَهُ بِهَا شَيْئًا سَمَّاهُ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّةِ الْمَدْيُونِ مِلْكُ صَاحِبِ الدَّيْنِ بِدَلِيلِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالتَّسْلِيمِ وَيَنْفَرِدُ بِاسْتِيفَاءِ جِنْسِهِ مِنْ مَالِهِ وَيُشْتَرَى مِنْهَا شَيْئًا فَيَجُوزُ فَإِنَّمَا أَضَافَ التَّوْكِيلُ إلَى مُلْكِهِ وَذَلِكَ صَحِيحٌ كَمَا لَوْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ وَدِيعَةً لَهُ فِي يَدِهِ أَوْ غَصْبًا فَوَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَسْلَمَهَا فِي طَعَامٍ إلَى فُلَانٍ أَوْ عَيَّنَ الْبَائِعُ أَوْ الْمَبِيعَ بِقَوْلِهِ اشْتَرِ لِي بِهَا عَبْدَ فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فَكَذَلِكَ إذَا أُطْلِقَ لِأَنَّ تَسْمِيَةَ مِنْ يُعَامِلُهُ الْوَكِيلُ لَيْسَ بِشَرْطِ لِصِحَّةِ الْوَكَالَة يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: تَصَدَّقْ بِمَا لِي عَلَيْكَ عَلَى الْمَسَاكِينِ يَجُوزُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى فُلَانٍ فَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ بِهِ وَلَأَبِي حَنِيفَةَ حَرْفَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ
стр. 2691
أَمَرَهُ بِصَرْفٍ فِي الدَّيْنِ إلَى مِنْ يَخْتَارُهُ الْمَدْيُونُ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ كَمَا لَوْ قَالَ: ادْفَعْ مَا لِي عَلَيْكَ مِنْ الدَّيْنِ إلَى مِنْ يَثْبُتُ أَوْ أَلْقِهِ فِي الْبَحْرِ كَانَ صَحِيحًا وَالْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ أَنَّ الْمَدْيُونَ إنَّمَا يَقْضِي الدَّيْنَ بِمِلْكِ نَفْسِهِ وَهُوَ فِي تَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِ نَفْسه بِالدَّفْعِ إلَى الْغَيْرِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْآمِرِ فَكَانَ وُجُودُ أَمْرِهِ كَعَدَمِهِ فَأَمَّا فِي الْعَيْنِ تَصَرُّفُهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَوْ الْبَائِعُ لِأَنَّ مِنْ أَمَرَهُ بِالصَّرْفِ إلَيْهِ هُنَاكَ مَعْلُومًا فَكَانَ أَمْرُهُ مُعْتَبَرًا فِي تَوْكِيلِهِ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِالْقَبْضِ لَهُ أَوَّلًا ثُمَّ لِنَفْسِهِ وَكَذَلِكَ إذَا عَيَّنَ الْمَتَاعَ لِأَنَّ بِتَعَيُّنِهِ يَتَعَيَّنُ الْمَالِكُ فَالْإِنْسَانُ فِي الْعَادَةِ يُشْتَرَى الشَّيْءَ مِنْ مَالِكِهِ وَهُنَا لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارَ أَمْرِهِ فِي تَوْكِيلِ الْقَابِضِ بِقَبْضِهِ لِأَنَّهُ تَوْكِيلُ الْمَجْهُولِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَصَدَّقْ بِمَا لِي عَلَيْكَ لِأَنَّ الْمُتَصَدِّقَ يَجْعَلُ الْمَالَ لِلَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يَصْرِفُهُ إلَى الْفَقِيرِ لِيَكُونَ كِفَايَةً لَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا جَهَالَةَ فِيمَنْ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ لَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إلَى آدَمِيٍّ عَيْنِهِ
(وَالثَّانِي) أَنَّ بِعَقْدِ السَّلَمِ يَجِبُ رَأْسُ الْمَالِ عَلَى الْوَكِيلِ ثُمَّ يَجِبُ لَهُ مِثْلُهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ مُقْرِضًا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ لِيَقْضِيَ بِهِ دِينًا عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَوْ أَمَرَهُ لَهُ بِأَنْ يَقْبِضَ مِنْ نَفْسِهِ ثُمَّ يَقْضِي بِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ يُوَضِّحُهُ أَنْ يُقِيمَ الْوَكِيلُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِيمَا يَأْمُرُهُ بِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ وَهُوَ بِنَفْسِهِ لَهُ أَسْلَمَ الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ عَلَى زَيْدٍ إلَى عَمْرٍو فِي طَعَامٍ لَا يَجُوزُ فَكَذَلِكَ إذَا وَكَّلَ الْمَدْيُونَ بِأَنْ يَفْعَلَ لَهُ ذَلِكَ وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ وَلَكِنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْحَرْفِ الْأَوَّلِ
قَالَ: (وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَيْنِ إنْ يُسْلَمَا لَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي طَعَامٍ فَأَسْلَمَهَا أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ عَقْدَ السَّلَمِ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ كَبَيْعِ الْعَيْنِ وَهُوَ إنَّمَا رَضِيَ بِرَأْيِ الْمَثْنَى وَرَأْيُ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ كَرَأْيِ الْمَثْنَى فَإِنْ أَسْلَمَاهَا ثُمَّ تَارَكَ أَحَدُهُمَا مَعَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ السَّلَمُ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالسَّلَمِ لَا يَمْلِكُ الْمُشَارَكَةَ وَلَوْ تَارِكًا لَمْ يَجُزْ فَكَذَلِكَ إذَا تَارَكَ أَحَدُهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّ الْوَكِيلَيْنِ لَوْ عَقَدَا لِأَنْفُسِهِمَا ثُمَّ تَارِكَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ رِضَى الْآخَرِ فَإِذَا كَانَ وَكِيلَيْنِ أَوْلَى
قَالَ: (وَإِذَا عَقْدَ الْوَكِيلُ السَّلَمَ ثُمَّ اقْتَضَى الْآمِرُ الطَّعَامَ فَهُوَ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ) لِأَنَّ الْقَبْضَ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ وَالْمُوَكِّلِ مِنْهُ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِيفَاءَ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِطَلَبِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَبْرَأُ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنْ يَقْبِضَ الْوَكِيلُ بِتْعَيْنِ مُلْكِ الْمُوَكِّلِ فَكَانَ الْمُوَكِّلُ فِي هَذَا الْقَبْضِ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِي تَعْيِينِ مِلْكِهِ فَهُوَ يَكْفِي
стр. 2692
الْوَكِيلَ مَئُونَةُ الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ ضَرَرٌ فِي تَصَرُّفِهِ يُوَضِّحُهُ أَنَّا لَوْ نَقَضْنَا قَبْضَهُ احْتَجْنَا إلَى إعَادَتِهِ بِعَيْنِهِ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَيَقْبِضَهُ الْوَكِيلُ مِنْهُ ثُمَّ يُسَلِّمُهُ إلَى الْمُوَكِّلِ وَهَذَا اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ وَالْقَاضِي لَا يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يُفِيدُ وَلَا يَنْقُصُ شَيْئًا لِيُعِيدَ وَإِنْ تَارَكَ السَّلَمَ إلَيْهِ مَعَ الْمُوَكِّلِ جَازَ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْعَاقِدِ فِي مِلْكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَتَصِحُّ مِنْهُ الْمُتَارَكَةُ كَمَا تَصِحُّ مِنْ وَارِثِ رَبِّ السَّلَمِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ يُتَارِكُهُ فَأَرَادَ قَبْضَ الطَّعَامِ مِنْهُ فَلِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ دَفْعِهِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالتَّسْلِيمِ تَتَوَجَّهُ بِالْعَقْدِ وَالْمُوَكِّلُ مِنْ الْعَقْدِ أَجْنَبِيٌّ فَمُطَالَبَتُهُ لَا تُلْزِمُ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ الدَّفْعَ إلَيْهِ
، قَالَ: (وَإِذَا دَفْعَ إلَى رَجُلٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ لِيُسْلِمَهَا فِي طَعَامٍ فَنَاوَلَ الْوَكِيلُ رَجُلًا فَبَايَعَهُ فَإِنْ أَضَافَ الْعَقْدُ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ كَانَ الْعَقْدُ لِلْآمِرِ وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ كَانَ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ وَلِأَنَّ فِعْلَهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يُحْمَلُ وَفِيمَا يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ إضَافَةَ الْعَقْدِ إلَى دَرَاهِمِ غَيْرِهِ وَإِنَّ عَقْدَ السَّلَمِ بِعَشْرَةٍ مُطْلَقَةٍ ثُمَّ نَوَاهَا لِلْآمِرِ فَالْعَقْدُ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَحْضُرْهُ نِيَّةً فَإِنْ دَفْعَ دَرَاهِمَ نَفْسِهِ فَالْعَقْدُ لَهُ وَإِنْ دَفْعَ دَرَاهِمَ الْآمِرِ فَهُوَ لِلْآمِرِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ: مُحَمَّدٌ هُوَ عَاقِدٌ لِنَفْسِهِ مَا لَمْ يَنْوِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَنَّهُ لِلْآمِرِ وَإِنْ تُكَاذَبَا فِي النِّيَّةِ فَقَالَ: الْآمِرُ نَوَيْتَهُ لِي وَقَالَ: الْمَأْمُورُ نَوَيْتُهُ لِنَفْسِي فَالطَّعَامُ لِلَّذِي نَقَدَ دَرَاهِمَهُ بِالِاتِّفَاقِ فَمُحَمَّدٌ يَقُولُ الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِعَمَلِهِ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ وَذَلِكَ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى دَرَاهِمِ الْغَيْرِ أَوْ النِّيَّةِ لِلْغَيْرِ فَإِذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ نَقْدَ الدَّرَاهِمِ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ نَقْدَ الدَّرَاهِمِ لَا يَقْتَرِنُ بِالْعَقْدِ بَلْ يَكُونُ بَعْدَهُ وَبَعْدَ مَا أَوْقَعَ الْعَقْدُ لَهُ لَا يَتَحَوَّلُ إلَى غَيْرِهِ وَإِنَّ دَرَاهِمَ الْغَيْرِ وَبِهِ فَارَقَ التَّكَاذُبُ لِأَنَّ النَّقْدَ مَوْجُودٌ عِنْدَ التَّكَاذُبِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ دَلِيلًا مِنْ حَيْثُ شَهَادَةِ الظَّاهِرِ لِأَحَدِهِمَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ فِيمَا عَقَدَ لِنَفْسِهِ لَا يَنْقُدُ دَرَاهِمَ الْغَيْرِ فَإِذَا كَانَ الْمَنْقُودُ دَرَاهِمَ الْآمِرِ فَالظَّاهِرُ يَشْهَدُ لَهُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ يُوَضِّحُهُ أَنَّ بِقَبُولِ الْوَكَالَةِ مِنْ الْغَيْرِ لَا يُحِيلُ وِلَايَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَقَبْلَ قَبُولِ الْوَكَالَةِ كَانَ مُطْلَقُ عَقْدِهِ لِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ قَبُولِ الْوَكَالَةِ لِأَنَّ تِلْكَ الْوِلَايَةِ بَاقِيَةٌ بَعْدَ قَبُولِ الْوَكَالَةِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ وَلِأَنَّ مُوجِبَ الْعَقْدِ وُقُوعُ الْمِلْكِ لَهُ فِي الطَّعَامِ لِلْعَاقِدِ إلَّا أَنَّهُ إذَا نَوَى لِلْمُوَكِّلِ فَالْمُوَكِّلُ يَخْلُفُهُ فِي ذَلِكَ الْمِلْكِ وَالْمَصِيرُ إلَى الْخَلْفِ عِنْدَ فَوَاتِ مَا هُوَ الْأَصْلُ وَعِنْدَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ مَا هُوَ الْأَصْلُ مُمْكِنُ الِاعْتِبَارِ فَلَا يُضَافُ إلَى الْخَلْفِ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ الْعَقْدُ وَالنَّقْدُ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ حُكْمًا لِأَنَّ النَّقْدَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعَقْدِ صُورَةً فَهُوَ كَالْمُقْتَرِنِ بِالْعَقْدِ إذْ لَوْ لَمْ
стр. 2693
يَجْعَلْ كَذَلِكَ كَانَ دِينًا بِدَيْنٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ بَعْدَ مَا نَقَدَ الدَّرَاهِمَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِدّهَا لِيُعْطِيَ غَيْرَهَا لَمْ يَمْلِكْ كَمَا لَوْ اُقْتُرِنَ التَّعْيِينُ بِالْعَقْدِ بِأَنْ أَضَافَ الْعَقْدُ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ غَيْرَهَا وَيَجْعَلَ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ فَإِذَا صَارَ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَهُوَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى مَنْ وَقَعَ الْعَقْدُ لَهُ فَيَجِبُ تَحَكُّمُهُ كَمَا فِي حَالَةِ التَّكَاذُبِ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ بَعْدَ قَبُولِ الْوَكَالَةِ يَعْقِدُ لِلْمُوَكِّلِ بِوِلَايَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ كَمَا يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ وَلِهَذَا تَعَلَّقَ بِهِ حُقُوقُ الْعَقْدِ فِي الْوَجْهَيْنِ فَإِذَا اسْتَوَى الْجَانِبَانِ يُصَارُ إلَى تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا بِالنَّقْدِ كَمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّكَاذُبِ وَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَأْمُورِ بِالْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ إذَا أَطْلَقَ النِّيَّةَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ فَإِنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَاتُ لَا تَتَأَدَّى إلَّا بِالنِّيَّةِ فَكَانَ مَأْمُورًا بِأَنْ يُنْوِيَ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ وَلَمْ يَفْعَلْ فَصَارَ مُخَالِفًا بِتَرْكِ مَا هُوَ الرُّكْنُ وَأَمَّا فِي الْمُعَامَلَاتِ فَالنِّيَّةُ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ فَلَا يَصِيرُ بِتَرْكِ النِّيَّةِ عَنْ الْآمِرِ مُخَالِفًا فَيَبْقَى حُكْمُ عَقْدِهِ مَوْقُوفًا عَلَى النَّقْدِ.
قَالَ (وَإِنْ وَكَّلَهُ بِثَوْبٍ يَبِيعُهُ بِدَرَاهِمَ فَأَسْلَمَهُ فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ عَاقِدٌ لِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ خَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ نَصًّا وَإِنْ أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ الثَّمَنَ فَأَسْلَمَهُ فِي طَعَامٍ جَازَ عَلَى الْآمِرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِهِمَا
وَهَذِهِ فُصُولٌ (أَحَدُهَا) أَنَّ الْوَكِيلَ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا يَبِيعُ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَبِيعُ إلَّا بِالنَّقْدِ لِأَنَّ مُطْلَقَ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ مُعْتَبَرٌ بِمُطْلَقِ إيجَابِ الْبَيْعِ وَمُطْلَقُ إيجَابِ الْبَيْعِ يَنْصَرِفُ إلَى الثَّمَنِ الْحَالِّ دُونَ النَّسِيئَةِ فَكَذَلِكَ مُطْلَقُ التَّوْكِيلِ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَجَلَ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى مَا يَتِمُّ بِهِ الْعَقْدُ فَلَا يَثْبُتُ الْإِذْنُ فِيهِ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ وَلَكِنَّا نَقُولُ أَمَرَهُ بِبَيْعٍ مُطْلَقٌ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ التَّقْيِيدِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَالتَّقْيِيدُ بِالثَّمَنِ الْحَالِّ بِعَدَمِ صِفَةِ الْإِطْلَاقِ وَلَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِ نَصًّا وَلَا عُرْفًا فَالْبَيْعُ بِالنَّسِيئَةِ مُعْتَادٌ بَيْنَ التُّجَّارِ كَالْبَيْعِ بِالنَّقْدِ وَرُبَّمَا يَكُونُ الْبَيْعُ بِالنَّسِيئَةِ أَقْرَبُ إلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِمَا وَهُوَ الرِّبْحُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُضَارِبَ وَالْأَبَ وَالْوَصِيَّ يَمْلِكُونَ الْبَيْعَ بِالنَّسِيئَةِ وَأَمَّا مُطْلَقُ إيجَابِ الْبَيْعِ فَإِمَّا يَحْمِلُهُ عَلَى النَّقْدِ لِتَعَذُّرِ اعْتِبَارِ الْإِطْلَاقِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَسْتَدْعِي صِفَةً مُعِينَةً فِي الثَّمَنِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بِعْتُهُ مِنْكَ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ لَا يَجُوزُ وَفِي التَّوْكِيلِ لَا يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا فَالتَّوْكِيلُ صَحِيحٌ بِدُونِ تَعْيِينِ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ حَتَّى لَوْ قَالَ بِعْتُهُ بِالنَّقْدِ أَوْ بِالنَّسِيئَةِ يَجُوزُ ثُمَّ قِيلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ طَالَتْ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَجُوزُ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ وَلَوْ أَجَلَّهُ مُدَّةٍ غَيْرَ مُتَعَارِفَةٍ فِي مِثْلِ تِلْكَ السِّلْعَةِ لَا يَجُوزُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ بِالْغَبْنِ الْفُحْشُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ
قَالَ (إنْ أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ عَلَى وَجْهِ التِّجَارَةِ فَلَهُ)
стр. 2694
أَنْ يَبِيعَهُ بِالنَّسِيئَةِ أَمَّا إذَا أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ لِحَاجَتِهِ إلَى النَّفَقَةِ أَوْ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِالنَّسِيئَةِ وَلَوْ بَاعَهُ بِغَبْنٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءً كَانَ الْغَبْنُ يَسِيرًا أَوْ فَاحِشًا وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَبْنِ فَاحِشٍ لِأَنَّ دَلِيلَ الْعُرْفِ يُفِيدُ مُطْلَقَ التَّوْكِيلِ حَتَّى يَتَقَيَّدَ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ بِأَيَّامِ النَّحْرِ وَالتَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْفَحْمِ زَمَانَ الشِّتَاءِ وَالْجَمْدِ بِزَمَانِ الصَّيْفِ فَإِنَّهُ إذَا وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جَمْدًا فِي الشِّتَاءِ يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ مُطْلَقًا فَصَحَّ مَا ذَكَرْنَا وَالْبَيْعُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَيْسَ بِمُتَعَارَفٍ فَالظَّاهِرُ إنَّمَا يَسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ فِيمَا يَعْجِزُ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَعْجِزُ عَنْ بَيْعِ مَا يُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ وَقَاسَا بِالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَإِنَّ شِرَاءَهُ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْأَمْرِ كَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَ بِمَا هُوَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ وَكَذَلِكَ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ لَا يَمْلِكَانِ بَيْعَ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَبْنِ فَاحِشٍ لِهَذَا الْمَعْنَى وَلِأَنَّ الْمُحَابَاةَ الْفَاحِشَةَ كَالْهِبَةِ حَتَّى إذَا حَصَلَتْ مِنْ الْمَرِيضِ تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ لَا يَمْلِكُ الْهِبَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَمَرَهُ بِمُطْلَقِ الْبَيْعِ وَقَدْ أَتَى بِهِ لِأَنَّ الْبَيْعَ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ شَرْطًا وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فَمَا مِنْ جُزْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ إلَّا وَيُقَابِلهُ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَبِيعَ لَوْ كَانَ دَارًا يَجِبُ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةَ فِي جَمِيعِهِ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ بَيْعٌ وَلَيْسَ بِهِبَةٍ وَبِأَنَّ اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ وَإِنَّ الْوَكِيلَ لَا يَمْلِكُهُ كَالْبَيْعِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ حَلِفَ لَا يَبِيعُ فَبَاعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ يَحْنَثُ وَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِكَمَالِ الشَّرْطِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ بَيْعٌ مُطْلَقٌ فَيَصِيرُ الْوَكِيلُ بِهِ مُمْتَثِلًا لِلْآمِرِ فَإِنَّا لَوْ قَيَّدْنَا بِالْبَيْعِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَبْطَلْنَا حُكْمَ الْإِطْلَاقِ مِنْ كَلَامِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ
فَأَمَّا الْعُرْفُ الَّذِي قَالَ قُلْنَا هَذَا مُشْتَرَكٌ فَالْإِنْسَانُ قَدْ يَبِيعُ الشَّيْءَ تَبَرِّيًا مِنْهُ وَلَا يُبَالِي عِنْدَ ذَلِكَ بِقِلَّةِ الثَّمَنِ وَكَثْرَتِهِ وَقَدْ يَبِيعُهُ لِطَلَبِ الرِّبْحِ فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَبِيعُهُ بِالْغَبْنِ عَادَةً وَبِالْمُشْتَرَكِ لَا يَبْطُلُ حُكْمُ الْإِطْلَاقِ ثُمَّ الْبَيْعُ بِالْغَبْنِ مُتَعَارَفٌ فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْبَيْعِ الرِّبْحِ وَذَلِكَ لَا يُحَصَّلُ إلَّا وَأَنْ يَصِيرَ أَحَدُهُمَا مَغْبُونًا وَالْإِنْسَانُ يَرْغَبُ فِي شِرَاءِ مَا يُسَاوِي عَشْرَةً بِدِرْهَمٍ وَلَكِنْ لَا يَجِدُ ذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونُ مُتَعَارَفًا فَلَائِمُ الْعُرْفَ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ وَالْإِطْلَاقُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ فَلَا يَبْطُلُ بِالْعُرْفِ كَمَا فِي الْيَمِينِ فَإِنَّ الْعُرْفَ كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْوَكَالَةِ يُعْتَبَرُ فِي الْيَمِينِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ مَسْأَلَةِ الْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِهَا فَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ
فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعْتَبَرُ الْإِطْلَاقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَدَلِيلُ التَّقْيِيدِ التُّهْمَةُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَثْبُتُ التَّقْيِيدُ فِيهِ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ لَا يَبِيعُ مِنْ أَبِيهِ وَابْنِهِ لِلتُّهْمَةِ وَلَا تُهْمَةَ
стр. 2695
فِي بَيْعِهِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِقَلِيلِ الْقِيمَةِ لِأَنَّ مَا يُسْتَوْفَى مِنْ الثَّمَنِ يُسَلِّمَهُ إلَى الْآمِرِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَبِهِ فَارَقَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ فَهُنَاكَ التُّهْمَةُ مُتَمَكِّنَةٌ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِالْغَبْنِ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمُهُ الْآمِرُ وَلِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ كَمَا يَسْتَوْجِبُ الثَّمَنَ فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ يُوجِبُ لِنَفْسِهِ مِثْلَهُ فِي ذِمَّةِ الْآمِرِ وَالْإِنْسَانُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يُلْزِمَ ذِمَّةَ الْآمِرِ الثَّمَنَ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ بِإِزَائِهِ مَا يَعْدِلُهُ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ اشْتَرَيْتُ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ وَهَلَكَ فِي يَدِي فَهَاتِ الثَّمَنَ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْتُ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ وَهَلَكَ عِنْدِي كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ وَلِأَنَّ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ يُلَاقِي مِلْكُ الْغَيْرِ وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ وِلَايَةً مُطْلَقَةً فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَلَا يُعْتَبَرُ إطْلَاقُ أَمْرِهِ فِيهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ أَمَرَهُ يُلَاقِي مِلْكَ نَفْسِهِ وَلَهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وِلَايَةٌ مُطْلَقَةٌ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ فِي الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ غَيْرُ مُمْكِنٌ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ ذَلِكَ اشْتَرَى ذَلِكَ الْمَتَاعَ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ وَبِمَا لَا يَمْلِكُهُ مِنْ الْمَالِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَهُوَ الشِّرَاءُ بِالنَّقْدِ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ وَفِي جَانِبِ الْبَيْعِ اعْتِبَارُ الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ مُمْكِنٌ لِأَنَّهُ لَا يَتَسَلَّطُ بِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ سِوَى الْمَبِيعِ الَّذِي رَضِيَ بِزَوَالِ مُلْكِهِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمَا مُقَيَّدَةٌ بِالْأَنْظَرِ وَالْأَصْلَحِ وَلَا يُوجَدُ فِي الْبَيْعِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ
وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ بَاعَهُ الْوَكِيلُ بِعَرْضٍ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ الْبَيْعَ بِعَرْضِ شِرَاءٍ مِنْ وَجْهٍ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي بَدَلِ صَاحِبِهِ مُشْتَرٍ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ فَلَا يَمْلِكُ بِهِ مَا هُوَ مُتَرَدَّدٌ بَيْن الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ فَعَلَهُ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ الْآمِرُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّهُ يُزِيلُهُ عَنْ مِلْكِهِ بِعَرْضٍ هُوَ مَالٌ وَالْبَيْعُ لَيْسَ إلَّا هَذَا ثُمَّ جَانِبُ الْبَيْعِ يَتَرَجَّحُ عَلَيَّ جَانِبِ الشِّرَاءِ فِي الْبَيْعِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَ الْمُضَارِبَيْنِ إذَا اشْتَرَى بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ كَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ وَلَوْ بَاعَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ صَاحِبِهِ فَإِنْ بَاعَهُ بِعَرْضٍ يَتَوَقَّفُ أَيْضًا فَإِنْ أَجَازَ صَاحِبَهُ كَانَ تَصَرُّفِهِ عَلَى الْمُضَارَبَة فَعَرَفْنَا أَنَّ جَانِبَ الْبَيْعِ يَتَرَجَّحُ فِيهِ وَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَهُ الْوَكِيلُ بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ عَلَى الْآمِرِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَبِيعَهُ بِالنَّقْدِ إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ إذَا أَسْلَمَ الثَّوْبَ فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ فَقَدْ أَزَالَ الثَّوْبَ عَنْ مِلْكِهِ بِالطَّعَامِ وَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى الْأَمْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْهُ بِالنَّقْدِ وَالتَّوْكِيلِ انْصَرَفَ إلَيْهِ خَاصَّةً
قَالَ (وَإِذَا وَكَلَهُ بِالسَّلَمِ فَأَدْخَلَ الْوَكِيلُ فِي الْعَقْدِ شَرْطًا أَفْسَدَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ الْوَكِيلُ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْوَكِيلُ بِالْخِلَافِ لَا بِالْإِفْسَادِ)
стр. 2696
وَهَذَا لِأَنَّا لَوْ ضَمِنَاهُ بِإِفْسَادِ الْعَقْدِ تَحَرَّزَ النَّاسُ عَنْ قَبُولِ الْوَكَالَاتِ فَكُلُّ أَحَدٍ لَا يَكُونُ كَأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ وَالْأَسْبَابِ الْمُقَيِّدَةِ لِلْعَقْدِ.
قَالَ (وَأَكْرَهُ تَوْكِيلُ الذِّمِّيِّ يَعْقِدُ لَهُ السَّلَمَ وَإِنْ فَعَلَهُ يَجُوزُ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَتَحَرَّزُ عَنْ الرِّبَا وَعَنْ مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ إمَّا لِجَهْلِهِ بِذَلِكَ أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَوْ قَصْدِهِ أَنْ يُوَكِّلَ الْمُسْلِمَ الْحَرَامَ فَلِهَذَا يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَأْتَمِنَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَجُوزُ لَهُ إنْ فَعَلَهُ) لِأَنَّ عَقْدَ السَّلَمِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَسْتَوُونَ بِالْمُسْلِمِينَ
قَالَ (وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِالسِّلْمِ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ بِهِ) لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْمُوَكَّلِ رَضِيَ بِرَأْيِهِ دُونَ رَأْي غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْمُضَارِبِ يُوَكَّلْ بِالسَّلَمِ فَيَجُوزُ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ قَدْ رَضِيَ بِرَأْيِهِ وَبِتَوْكِيلِهِ حِينَ فَوَّضَ إلَيْهِ الِاسْتِرْبَاحَ عَامًا وَذَلِكَ بِتِجَارَةٍ حَاضِرَةٍ وَغَائِبَةٍ وَإِذَا اشْتَغَلَ بِأَحَدِهِمَا بِنَفْسِهِ فَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَسْتَعِينَ فِيهِ بِالْآخَرِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ قَالَ لَهُ مَا صَنَعَتْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ أَجَازَ صَنِيعَهُ عَامًا وَالتَّوْكِيلُ مِنْ صُنْعِهِ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ إجَازَتِهِ
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ عَقْدُ بَيْعٍ وَلَا يُسَلِّمَ لِنَفْسِهِ عَلَى الْخَمْرِ وَلَا لِلْكَافِرِ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَ بِمَالِ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَهُوَ الْعَاقِدُ عَلَيْهَا سَوَاءً عَقَدَهُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِكَافِرٍ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ يَتَوَكَّلُ عَنْ الْمَجُوسِيِّ فِي أَنْ يُزَوِّجَهُ مَجُوسِيَّةً فَيَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي النِّكَاحِ مُعَبَّرٌ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ فَيَعْتَبِرُ جَانِبَ الْمُوَكِّلِ وَفِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ هُوَ عَاقِدٌ لِنَفْسِهِ عَنْ الْإِضَافَةِ فِي الْعَقْدِ إلَى غَيْرِهِ فَيَعْتَبِرُ جَانِبَهُ
قَالَ (وَإِنْ وَكَّلَ الْمُسْلِمُ الذِّمِّيَّ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ خَمْرًا أَوْ يُسْلَمَ لَهُ فِيهَا فَفَعَلَ ذَلِكَ مَعَ ذِمِّيٍّ جَازَ عَلَى الْآمِرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى هُوَ مُشْتَرٍ لِنَفْسِهِ) لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَمْلِكُ هَذَا الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ بِهِ كَمَا لَوْ وَكَّلَ الْمُسْلِمُ مَجُوسِيًّا بِأَنْ يُزَوِّجَهُ مَجُوسِيَّةً وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ نَفِدَ عَقْدُهُ عَلَى الْآمِرِ مَلَكَ الْمُسْلِمُ الْخَمْرَ بِالْعَقْدِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ الْمُسْلِمُ الْخَمْرَ بِعَقْدِ التِّجَارَةِ وَهَذَا مِنْهُمَا نَوْعُ اسْتِحْسَانٍ فَكَأَنَّهُمَا يَقُولَانِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ طَرَفَانِ طَرَفُ الْعَقْدِ وَطَرَفُ الْمِلْكِ فَكَمَا أَنَّ الْكَافِرَ إذَا وَكَّلَ بِهِ الْمُسْلِمَ لَا يَجُوزُ لِاعْتِبَارِ طَرَفِ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ إذَا وَكَّلَ الْكَافِرَ بِهِ لَا يَجُوزُ لِاعْتِبَارِ طَرَفِ الْمِلْكِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْعَقْدَ سَبَبُ الْمِلْكِ وَالثَّابِتُ بِهِ الْمِلْكُ فِي الْمَحِلِّ وَهُوَ الْمَقْصُودُ فَإِذَا وَجَبَتْ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْعَقْدِ فَلَأَنْ تَجِبَ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْمِلْكِ أَوْلَى وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ الَّذِي وَلَّى الصَّفْقَةَ هُوَ الْوَكِيلُ وَالْخَمْرُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِ يَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِغَيْرِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ هَهُنَا بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ هُوَ الْعَقْدُ عَلَى الْخَمْرِ فَالْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَمْلِكَ الْخَمْرَ أَلَا تَرَى
стр. 2697
أَنَّهُ إذَا تُخَمَّرَ عَصِيرُ الْمُسْلِمُ يَبْقَى مَمْلُوكًا لَهُ وَإِذَا مَاتَ قَرِيبُهُ عَنْ خَمْرٍ يَمْلِكُهَا بِالْإِرْثِ وَهُنَا إنْ اعْتَبَرْنَا جَانِبَ الْعَقْدِ فَالْعَاقِدُ مِنْ أَهْلِهِ وَهُوَ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ وَإِنْ اعْتَبَرْنَا جَانِبَ الْمِلْكِ فَلِلْمُسْلِمِ مِنْ أَهْلِ مِلْكِ الْخَمْرِ فَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي جَانِبِ الْعَقْدِ إفْسَادُ التَّوْكِيلِ إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مُسْلِمًا يُعْتَبَرُ جَانِبُ الْعَقْدِ دُونَ الْمِلْكِ فَكَذَلِكَ فِي جَانِبٍ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ وَبِهِ فَارَقَ النِّكَاحُ فَالْوَكِيلُ فِي بَابِ النِّكَاحِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ فَكَانَ الْعَاقِدُ هُوَ الْمُوَكَّلُ وَقَوْلُهُ بِأَنَّ الْمُوَكَّلَ يَمْلِكُ الْخَمْرَ بِالْعَقْدِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْعَقْدُ يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْعَاقِدِ ثُمَّ الْمُوَكِّلِ يَخْلُفُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَرَّرْنَا وَالْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَمْلِكَ الْخَمْرَ بِهَذَا الطَّرِيقِ كَمَا إذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ الْكَافِرِ فِي التِّجَارَةِ فَاشْتَرَى الْعَبْدُ خَمْرًا فَإِنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُهَا عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ
وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ إذَا كَانَ كَافِرًا وَاشْتَرَى خَمْرًا ثُمَّ عَجَزَ فَمَوْلَاهُ الْمُسْلِمُ يَمْلِكهَا بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ وَفَرْقُهُمَا أَنَّ الْعَبْدَ وَالْمَكَاتِبَ يَتَصَرَّفَانِ لِأَنْفُسِهِمَا وَلِهَذَا لَا يَرْجِعَانِ عَلَى الْمَوْلَى بِعُهْدَةِ تَصْرِفُهُمَا فَلِهَذَا اعْتَبَرْنَا حَالَهُمَا فَأَمَّا الْوَكِيلُ فَيَتَصَرَّفُ لِلْمُوَكَّلِ حَتَّى يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْعُهْدَةِ وَيَكُونُ الْمُوَكِّلُ فِي قَرَارِ الْعُهْدَةِ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ بَاشَرَ التَّصَرُّفَ بِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ فِي عَقْدِ الْوَكِيلِ لَهُ عَلَى الْخَمْرِ فَإِذَا تَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْعَقْدِ عَلَى الْآمِرِ نَفَّذَ الْعَقْدَ عَلَى الْوَكِيلِ
قَالَ (وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِدَرَاهِمَ يُسَلِّمُهَا لَهُ فِي طَعَامٍ فَصَرَفَهَا الْوَكِيلُ بِدَرَاهِمَ غَيْرِهَا فَقَدْ خَالَفَ الْعَقْدُ فَكَانَ مُبَاشِرًا الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ ضَامِنًا لَمَا صَرَفَهُ مِنْ دَرَاهِمِ الْآمِرِ بَعْدَ ذَلِكَ) وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَدْفُوعُ دِينَارًا فَصَرَفَهُ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ أَسْلَمَهَا فِي طَعَامٍ فَهُوَ لِلْوَكِيلِ لِأَنَّهُ خَالَفَ فِي الْعَقْدِ وَالْبَدَلِ ثُمَّ أَسْلَمَ بِدَرَاهِمَ نَفْسِهِ فِي الطَّعَامِ فَكَانَ الطَّعَامُ لَهُ وَهُوَ ضَامِنٌ لِلدَّنَانِيرِ
قَالَ (وَإِذَا وَكَّلَهُ رَجُلَانِ أَنَّ يُسْلَمَ لَهُمَا فِي طَعَامٍ وَاحِدٍ وَلَكِنْ مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ جَازَ لِأَنَّهُ حَصَّلَ مَقْصُودَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهِ) فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي عُقْدَةٍ أَوْ عُقْدَتَيْنِ وَإِذَا خَلَطَ الدَّرَاهِمَ ثُمَّ أَسْلَمَهَا كَانَ مُخَالِفًا ضَامِنًا لِأَنَّ دَرَاهِمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي يَدِهِ أَمَانَةً فَيَصِيرُ بِالْخَلْطِ ضَامِنًا مُتَمَلِّكًا كَمَا هُوَ أَصْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ أَضَافَ عَقْدُ السَّلَمِ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ فَكَانَ الطَّعَامُ لَهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ خَلْطٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ وَإِنَّمَا حَصَلَ الِاخْتِلَاطُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ حُكْمًا لِاتِّحَادِ الْعَقْدِ حُكْمًا وَبِمِثْلِهِ لَا يَصِيرُ الْأَمِينُ ضَامِنًا وَإِنْ أَسْلَمَ دَرَاهِمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ حِدَةٍ إلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَضَى شَيْئًا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْ الْآمِرَيْنِ أَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمِلْكُ لَمَا يُوفِي مِنْ الطَّعَامِ فَرَجَعَ فِي بَيَانِ مَا يَتَمَلَّكُ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ هُوَ غَائِبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَلِأَنَّ
стр. 2698
كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا يَتَمَلَّكُ بِعَقْدٍ بَاشَرَهُ الْوَكِيلُ فَعِنْدَ الِاشْتِبَاهِ يَرْجِعُ فِي الْبَيَانِ إلَيْهِ فَإِذَا قَدَّمَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ وَكَذَبَ الْوَكِيلُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَيَانِ وَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْخَلْفِ عِنْدَ ظُهُورِ الْأَصْلِ
وَإِنْ أَسْلَمَ الْوَكِيلُ إلَى نَفْسِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْوَاحِدَ فِي عَقْدِ التِّجَارَةِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُبَاشِرًا لِلْعَقْدِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضَادِّ الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُمَلَّكًا مُتَمَلِّكًا مُسْلِمًا مُتَسَلِّمًا مُخَاصِمًا مُتَخَاصِمًا وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التُّهْمَةَ تَخْصُصْ الْآمِرَ الْمُطْلَق وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ إلَى شَرِيكٍ لَهُ مُفَاوِضٍ لِأَنَّهُمَا بِعَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ صَارَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ فِي عُقُودِ التِّجَارَةِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُطَالَبٌ بِمَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ فَهُوَ وَمَا لَوْ أَسْلَمَ إلَى نَفْسِهِ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ إلَى عَبْدِهِ لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ فَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ، إلَى مَكَاتِبِهِ لِأَنَّ لَهُ حَقُّ الْمِلْكِ فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ وَيَنْقَلِبُ ذَلِكَ صَحِيحًا حَقِيقَةَ مِلْكِ يُعْجِزُهُ
فَإِنْ أَسْلَمَ إلَى شَرِيكٍ لَهُ عَنَانٍ جَازَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ تِجَارَتِهِمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا حَتَّى تَجُوزُ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا
فَإِنْ أَسْلَمَهَا إلَى ابْنِهِ أَوْ إلَى أَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ زَوْجَتِهِ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِ صَاحِبهِ مِلْكٌ وَلَا حَقُّ مِلْكٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَسْلَمَ إلَى أَخِيهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مُمَثَّلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَلَا يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الصِّدْقِ فِيهَا مَعَ تَمَكُّنِ تُهْمَةِ الْمِيلِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ مُطْلَقُ الْوَكَالَةِ تَتَقَيَّدُ بِالتُّهْمَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ فَكَانَ إسْلَامُهُ إلَى عَبْدِهِ وَمُكَاتِبِهِ وَهَذَا لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِّ الْمَرْءِ إيثَارُ وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَسِوَى هَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ وَخِلَافٌ فِي مُعَامَلَةِ الْوَكِيلِ مَعَ هَؤُلَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ وَقَدْ أَمْلَيْنَا تَمَامَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ
وَاذَا وَكَّلَ الْوَكِيلُ بِالسَّلَمِ رَجُلًا بِقَبْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِمَّنْ عَلَيْهِ فَقَبَضَهُ بَرِئَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْهُ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي حَقِّ الْقَبْضِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ حَتَّى يَخْتَصَّ بِالْمُطَالَبَةِ بِهِ وَلَوْ كَانَ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ كَانَ قَبْضُ وَكِيلِهِ فِي بَرَاءَةِ الْمُسْلَمِ كَقَبْضِهِ بِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ الثَّانِي عَبْدًا لِلْوَكِيلِ الْأَوَّلِ أَوْ ابْنِهِ فِي عِيَالِهِ أَوْ أَجِيرٍ لَهُ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْآمِرِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْآمِرِ وَالْمُرَادُ الْأَجِيرُ الْخَاصِّ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ مُشَاهَرَةً أَوْ مُسَانَهَةً لِأَنَّ يَدَ هَؤُلَاءِ فِي الْحِفْظِ كَيَدِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَبَضَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ سَلَّمَ إلَى
стр. 2699
وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ ثُمَّ هَلَكَ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ الثَّانِي أَجْنَبِيًّا فَالْوَكِيلُ الْأَوَّلُ ضَامِنٌ لِلطَّعَامِ إنْ ضَاعَ فِي يَدِ وَكِيلِهِ لِأَنَّ قَبْضَ وَكِيلِهِ كَقَبْضِهِ بِنَفْسِهِ وَلَوْ قَبْضَهُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى أَجْنَبِيٍّ كَانَ ضَامِنًا فَكَذَلِكَ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِي هَلْ يَكُونُ ضَامِنًا فِي حَقِّ رَبِّ السَّلَمِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَكُونُ ضَامِنًا بِمَنْزِلَةِ مُودِعِ الْمُودِعِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِيهِ فِي الْوَدِيعَةِ وَإِنْ وَصَلَ إلَى الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ بَرِئَ هُوَ وَوَكِيلُهُ عَنْ ضَمَانِهِ كَمَا لَوْ قَبَضَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ بِنَفْسِهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَصِلَ إلَى يَدِهِ مِنْ يَدِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ أَوْ مِنْ يَدِ وَكِيلِهِ فَلِهَذَا لَا ضَمَانَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ
فَإِذَا أَسْلَمَ الْوَكِيلُ الدَّرَاهِمَ إلَى امْرَأَةٍ جَازَ، كَذَلِكَ، لَوْ كَانَ الْمُوَكِّلُ أَوْ الْوَكِيلُ امْرَأَةً يَجُوزُ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُعَامَلَاتِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 2700
[بَابُ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ]
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ عَدْلَ زُطِّيٍّ أَوْ جِرَابٍ هَرَوِيٍّ عَلَى أَنَّ فِيهِ خَمْسِينَ ثَوْبًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَوَجَدَ فِيهِ تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ ثَوْبًا أَوْ أَحَدًا وَخَمْسِينَ ثَوْبًا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ وَجَدَهُ أَكْثَرَ فَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ الْعَدَدِيِّ الْمُسَمَّى مِنْ الثِّيَابِ وَذَلِكَ خَمْسُونَ وَهُوَ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مَجْهُولَةٌ فَيَصِيرُ الْبَاقِي مَجْهُولًا وَفِي مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ مَعَ الْجَهَالَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى مِمَّا فِي الْعَدْلِ خَمْسِينَ ثَوْبًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا تَتَفَاوَتُ فِي الْمَالِيَّةِ فَالْمُشْتَرِي يُطَالَبُ بِخِيَارِ الْعَدْلِ وَالْبَائِعُ يُعْطِيهِ شِرَارَ الْعَدْلِ وَكُلُّ جَهَالَةٍ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَهِيَ مُفْسِدَةٌ لِلْعَقْدِ فَإِنْ وَجَدَهُ أَقَلَّ يَفْسُدُ الْعَقْدُ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى مِنْ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَةِ خَمْسِينَ ثَوْبًا فَيُقَسَّمُ ذَلِكَ عَلَى قِيمَةِ الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ وَلَا يَدْرِي صِفَةَ الْمَعْدُومِ أَنَّهُ كَيْفَ كَانَ جَيِّدًا أَوْ وَسَطًا أَوْ رَدِيئًا، وَبِاخْتِلَافِهِ تَخْتَلِفُ حِصَّةُ الْمَوْجُودِ فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْمَوْجُودِ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ فَالْبَيْعُ بِالْحِصَّةِ لَا يَنْعَقِدُ صَحِيحًا ابْتِدَاءً فَإِنْ كَانَ سَمَّى لِكُلِّ ثَوْبٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَوَجَدَهُ أَحَدًا وَخَمْسِينَ ثَوْبًا كَانَ فَاسِدًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ يَتَنَاوَلُ خَمْسِينَ ثَوْبًا فَعَلَيْهِ رَدُّ الثَّوْبِ الزَّائِدِ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَبِجَهَالَتِهِ يَصِيرُ الْمَبِيعُ مَجْهُولًا أَيْضًا، وَإِنْ وَجَدَهُ تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ ثَوْبًا وَقَدْ قَبَضَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مَعْلُومٌ وَالْمُسَمَّى بِمُقَابَلَةِ الْمَوْجُودِ مِنْ الثَّمَنِ مَعْلُومٌ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ.
وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ بِنُقْصَانِ ثَوْبٍ مِمَّا سَمَّى، وَلَهُ فِي عَدَدِ الْخَمْسِينَ مَقْصُودٌ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمَا دُونَهُ فَيَتَخَيَّرُ إنْ شَاءَ أَخْذَ كُلِّ ثَوْبٍ بِمَا سَمَّى وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا ﵏ يَقُولُونَ بِأَنَّ هَذَا الْجَوَابَ قَوْلُهُمَا، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْعَقْدُ فَاسِدٌ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ فَسَدَ بَعْضُهُ بِفَسَادٍ قَوِيٍّ إذْ لَا سَبَبَ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ أَقْوَى مِنْ عَدَمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ فِي الزِّيَادَاتِ
وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ عَلَى أَنَّهُمَا هَرَوِيَّانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِثَمَنٍ مُسَمًّى فَوَجَدَ أَحَدَهُمَا مَرْوِيًّا فَالْعَقْدُ كُلُّهُ فَاسِدٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَإِذَا كَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ بِخِلَافِ جِنْسَيْ مَا سَمَّى
следующие страницы →