← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وَهَذَا لِأَنَّا لَوْ ضَمِنَاهُ بِإِفْسَادِ الْعَقْدِ تَحَرَّزَ النَّاسُ عَنْ قَبُولِ الْوَكَالَاتِ فَكُلُّ أَحَدٍ لَا يَكُونُ كَأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ وَالْأَسْبَابِ الْمُقَيِّدَةِ لِلْعَقْدِ. قَالَ (وَأَكْرَهُ تَوْكِيلُ الذِّمِّيِّ يَعْقِدُ لَهُ السَّلَمَ وَإِنْ فَعَلَهُ يَجُوزُ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَتَحَرَّزُ عَنْ الرِّبَا وَعَنْ مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ إمَّا لِجَهْلِهِ بِذَلِكَ أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَوْ قَصْدِهِ أَنْ يُوَكِّلَ الْمُسْلِمَ الْحَرَامَ فَلِهَذَا يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَأْتَمِنَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَجُوزُ لَهُ إنْ فَعَلَهُ) لِأَنَّ عَقْدَ السَّلَمِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَسْتَوُونَ بِالْمُسْلِمِينَ قَالَ (وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِالسِّلْمِ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ بِهِ) لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْمُوَكَّلِ رَضِيَ بِرَأْيِهِ دُونَ رَأْي غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْمُضَارِبِ يُوَكَّلْ بِالسَّلَمِ فَيَجُوزُ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ قَدْ رَضِيَ بِرَأْيِهِ وَبِتَوْكِيلِهِ حِينَ فَوَّضَ إلَيْهِ الِاسْتِرْبَاحَ عَامًا وَذَلِكَ بِتِجَارَةٍ حَاضِرَةٍ وَغَائِبَةٍ وَإِذَا اشْتَغَلَ بِأَحَدِهِمَا بِنَفْسِهِ فَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَسْتَعِينَ فِيهِ بِالْآخَرِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ قَالَ لَهُ مَا صَنَعَتْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ أَجَازَ صَنِيعَهُ عَامًا وَالتَّوْكِيلُ مِنْ صُنْعِهِ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ إجَازَتِهِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ عَقْدُ بَيْعٍ وَلَا يُسَلِّمَ لِنَفْسِهِ عَلَى الْخَمْرِ وَلَا لِلْكَافِرِ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَ بِمَالِ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَهُوَ الْعَاقِدُ عَلَيْهَا سَوَاءً عَقَدَهُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِكَافِرٍ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ يَتَوَكَّلُ عَنْ الْمَجُوسِيِّ فِي أَنْ يُزَوِّجَهُ مَجُوسِيَّةً فَيَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي النِّكَاحِ مُعَبَّرٌ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ فَيَعْتَبِرُ جَانِبَ الْمُوَكِّلِ وَفِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ هُوَ عَاقِدٌ لِنَفْسِهِ عَنْ الْإِضَافَةِ فِي الْعَقْدِ إلَى غَيْرِهِ فَيَعْتَبِرُ جَانِبَهُ قَالَ (وَإِنْ وَكَّلَ الْمُسْلِمُ الذِّمِّيَّ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ خَمْرًا أَوْ يُسْلَمَ لَهُ فِيهَا فَفَعَلَ ذَلِكَ مَعَ ذِمِّيٍّ جَازَ عَلَى الْآمِرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى هُوَ مُشْتَرٍ لِنَفْسِهِ) لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَمْلِكُ هَذَا الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ بِهِ كَمَا لَوْ وَكَّلَ الْمُسْلِمُ مَجُوسِيًّا بِأَنْ يُزَوِّجَهُ مَجُوسِيَّةً وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ نَفِدَ عَقْدُهُ عَلَى الْآمِرِ مَلَكَ الْمُسْلِمُ الْخَمْرَ بِالْعَقْدِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ الْمُسْلِمُ الْخَمْرَ بِعَقْدِ التِّجَارَةِ وَهَذَا مِنْهُمَا نَوْعُ اسْتِحْسَانٍ فَكَأَنَّهُمَا يَقُولَانِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ طَرَفَانِ طَرَفُ الْعَقْدِ وَطَرَفُ الْمِلْكِ فَكَمَا أَنَّ الْكَافِرَ إذَا وَكَّلَ بِهِ الْمُسْلِمَ لَا يَجُوزُ لِاعْتِبَارِ طَرَفِ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ إذَا وَكَّلَ الْكَافِرَ بِهِ لَا يَجُوزُ لِاعْتِبَارِ طَرَفِ الْمِلْكِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْعَقْدَ سَبَبُ الْمِلْكِ وَالثَّابِتُ بِهِ الْمِلْكُ فِي الْمَحِلِّ وَهُوَ الْمَقْصُودُ فَإِذَا وَجَبَتْ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْعَقْدِ فَلَأَنْ تَجِبَ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْمِلْكِ أَوْلَى وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ الَّذِي وَلَّى الصَّفْقَةَ هُوَ الْوَكِيلُ وَالْخَمْرُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِ يَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِغَيْرِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ هَهُنَا بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ هُوَ الْعَقْدُ عَلَى الْخَمْرِ فَالْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَمْلِكَ الْخَمْرَ أَلَا تَرَى

стр. 2697

أَنَّهُ إذَا تُخَمَّرَ عَصِيرُ الْمُسْلِمُ يَبْقَى مَمْلُوكًا لَهُ وَإِذَا مَاتَ قَرِيبُهُ عَنْ خَمْرٍ يَمْلِكُهَا بِالْإِرْثِ وَهُنَا إنْ اعْتَبَرْنَا جَانِبَ الْعَقْدِ فَالْعَاقِدُ مِنْ أَهْلِهِ وَهُوَ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ وَإِنْ اعْتَبَرْنَا جَانِبَ الْمِلْكِ فَلِلْمُسْلِمِ مِنْ أَهْلِ مِلْكِ الْخَمْرِ فَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي جَانِبِ الْعَقْدِ إفْسَادُ التَّوْكِيلِ إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مُسْلِمًا يُعْتَبَرُ جَانِبُ الْعَقْدِ دُونَ الْمِلْكِ فَكَذَلِكَ فِي جَانِبٍ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ وَبِهِ فَارَقَ النِّكَاحُ فَالْوَكِيلُ فِي بَابِ النِّكَاحِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ فَكَانَ الْعَاقِدُ هُوَ الْمُوَكَّلُ وَقَوْلُهُ بِأَنَّ الْمُوَكَّلَ يَمْلِكُ الْخَمْرَ بِالْعَقْدِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْعَقْدُ يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْعَاقِدِ ثُمَّ الْمُوَكِّلِ يَخْلُفُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَرَّرْنَا وَالْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَمْلِكَ الْخَمْرَ بِهَذَا الطَّرِيقِ كَمَا إذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ الْكَافِرِ فِي التِّجَارَةِ فَاشْتَرَى الْعَبْدُ خَمْرًا فَإِنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُهَا عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ إذَا كَانَ كَافِرًا وَاشْتَرَى خَمْرًا ثُمَّ عَجَزَ فَمَوْلَاهُ الْمُسْلِمُ يَمْلِكهَا بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ وَفَرْقُهُمَا أَنَّ الْعَبْدَ وَالْمَكَاتِبَ يَتَصَرَّفَانِ لِأَنْفُسِهِمَا وَلِهَذَا لَا يَرْجِعَانِ عَلَى الْمَوْلَى بِعُهْدَةِ تَصْرِفُهُمَا فَلِهَذَا اعْتَبَرْنَا حَالَهُمَا فَأَمَّا الْوَكِيلُ فَيَتَصَرَّفُ لِلْمُوَكَّلِ حَتَّى يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْعُهْدَةِ وَيَكُونُ الْمُوَكِّلُ فِي قَرَارِ الْعُهْدَةِ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ بَاشَرَ التَّصَرُّفَ بِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ فِي عَقْدِ الْوَكِيلِ لَهُ عَلَى الْخَمْرِ فَإِذَا تَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْعَقْدِ عَلَى الْآمِرِ نَفَّذَ الْعَقْدَ عَلَى الْوَكِيلِ قَالَ (وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِدَرَاهِمَ يُسَلِّمُهَا لَهُ فِي طَعَامٍ فَصَرَفَهَا الْوَكِيلُ بِدَرَاهِمَ غَيْرِهَا فَقَدْ خَالَفَ الْعَقْدُ فَكَانَ مُبَاشِرًا الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ ضَامِنًا لَمَا صَرَفَهُ مِنْ دَرَاهِمِ الْآمِرِ بَعْدَ ذَلِكَ) وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَدْفُوعُ دِينَارًا فَصَرَفَهُ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ أَسْلَمَهَا فِي طَعَامٍ فَهُوَ لِلْوَكِيلِ لِأَنَّهُ خَالَفَ فِي الْعَقْدِ وَالْبَدَلِ ثُمَّ أَسْلَمَ بِدَرَاهِمَ نَفْسِهِ فِي الطَّعَامِ فَكَانَ الطَّعَامُ لَهُ وَهُوَ ضَامِنٌ لِلدَّنَانِيرِ قَالَ (وَإِذَا وَكَّلَهُ رَجُلَانِ أَنَّ يُسْلَمَ لَهُمَا فِي طَعَامٍ وَاحِدٍ وَلَكِنْ مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ جَازَ لِأَنَّهُ حَصَّلَ مَقْصُودَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهِ) فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي عُقْدَةٍ أَوْ عُقْدَتَيْنِ وَإِذَا خَلَطَ الدَّرَاهِمَ ثُمَّ أَسْلَمَهَا كَانَ مُخَالِفًا ضَامِنًا لِأَنَّ دَرَاهِمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي يَدِهِ أَمَانَةً فَيَصِيرُ بِالْخَلْطِ ضَامِنًا مُتَمَلِّكًا كَمَا هُوَ أَصْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ أَضَافَ عَقْدُ السَّلَمِ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ فَكَانَ الطَّعَامُ لَهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ خَلْطٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ وَإِنَّمَا حَصَلَ الِاخْتِلَاطُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ حُكْمًا لِاتِّحَادِ الْعَقْدِ حُكْمًا وَبِمِثْلِهِ لَا يَصِيرُ الْأَمِينُ ضَامِنًا وَإِنْ أَسْلَمَ دَرَاهِمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ حِدَةٍ إلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَضَى شَيْئًا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْ الْآمِرَيْنِ أَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمِلْكُ لَمَا يُوفِي مِنْ الطَّعَامِ فَرَجَعَ فِي بَيَانِ مَا يَتَمَلَّكُ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ هُوَ غَائِبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَلِأَنَّ

стр. 2698

كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا يَتَمَلَّكُ بِعَقْدٍ بَاشَرَهُ الْوَكِيلُ فَعِنْدَ الِاشْتِبَاهِ يَرْجِعُ فِي الْبَيَانِ إلَيْهِ فَإِذَا قَدَّمَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ وَكَذَبَ الْوَكِيلُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَيَانِ وَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْخَلْفِ عِنْدَ ظُهُورِ الْأَصْلِ وَإِنْ أَسْلَمَ الْوَكِيلُ إلَى نَفْسِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْوَاحِدَ فِي عَقْدِ التِّجَارَةِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُبَاشِرًا لِلْعَقْدِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضَادِّ الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُمَلَّكًا مُتَمَلِّكًا مُسْلِمًا مُتَسَلِّمًا مُخَاصِمًا مُتَخَاصِمًا وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التُّهْمَةَ تَخْصُصْ الْآمِرَ الْمُطْلَق وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ إلَى شَرِيكٍ لَهُ مُفَاوِضٍ لِأَنَّهُمَا بِعَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ صَارَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ فِي عُقُودِ التِّجَارَةِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُطَالَبٌ بِمَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ فَهُوَ وَمَا لَوْ أَسْلَمَ إلَى نَفْسِهِ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ إلَى عَبْدِهِ لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ فَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ، إلَى مَكَاتِبِهِ لِأَنَّ لَهُ حَقُّ الْمِلْكِ فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ وَيَنْقَلِبُ ذَلِكَ صَحِيحًا حَقِيقَةَ مِلْكِ يُعْجِزُهُ فَإِنْ أَسْلَمَ إلَى شَرِيكٍ لَهُ عَنَانٍ جَازَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ تِجَارَتِهِمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا حَتَّى تَجُوزُ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا فَإِنْ أَسْلَمَهَا إلَى ابْنِهِ أَوْ إلَى أَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ زَوْجَتِهِ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِ صَاحِبهِ مِلْكٌ وَلَا حَقُّ مِلْكٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَسْلَمَ إلَى أَخِيهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مُمَثَّلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَلَا يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الصِّدْقِ فِيهَا مَعَ تَمَكُّنِ تُهْمَةِ الْمِيلِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ مُطْلَقُ الْوَكَالَةِ تَتَقَيَّدُ بِالتُّهْمَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ فَكَانَ إسْلَامُهُ إلَى عَبْدِهِ وَمُكَاتِبِهِ وَهَذَا لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِّ الْمَرْءِ إيثَارُ وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَسِوَى هَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ وَخِلَافٌ فِي مُعَامَلَةِ الْوَكِيلِ مَعَ هَؤُلَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ وَقَدْ أَمْلَيْنَا تَمَامَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَاذَا وَكَّلَ الْوَكِيلُ بِالسَّلَمِ رَجُلًا بِقَبْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِمَّنْ عَلَيْهِ فَقَبَضَهُ بَرِئَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْهُ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي حَقِّ الْقَبْضِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ حَتَّى يَخْتَصَّ بِالْمُطَالَبَةِ بِهِ وَلَوْ كَانَ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ كَانَ قَبْضُ وَكِيلِهِ فِي بَرَاءَةِ الْمُسْلَمِ كَقَبْضِهِ بِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ الثَّانِي عَبْدًا لِلْوَكِيلِ الْأَوَّلِ أَوْ ابْنِهِ فِي عِيَالِهِ أَوْ أَجِيرٍ لَهُ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْآمِرِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْآمِرِ وَالْمُرَادُ الْأَجِيرُ الْخَاصِّ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ مُشَاهَرَةً أَوْ مُسَانَهَةً لِأَنَّ يَدَ هَؤُلَاءِ فِي الْحِفْظِ كَيَدِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَبَضَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ سَلَّمَ إلَى

стр. 2699

وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ ثُمَّ هَلَكَ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ الثَّانِي أَجْنَبِيًّا فَالْوَكِيلُ الْأَوَّلُ ضَامِنٌ لِلطَّعَامِ إنْ ضَاعَ فِي يَدِ وَكِيلِهِ لِأَنَّ قَبْضَ وَكِيلِهِ كَقَبْضِهِ بِنَفْسِهِ وَلَوْ قَبْضَهُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى أَجْنَبِيٍّ كَانَ ضَامِنًا فَكَذَلِكَ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِي هَلْ يَكُونُ ضَامِنًا فِي حَقِّ رَبِّ السَّلَمِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَكُونُ ضَامِنًا بِمَنْزِلَةِ مُودِعِ الْمُودِعِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِيهِ فِي الْوَدِيعَةِ وَإِنْ وَصَلَ إلَى الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ بَرِئَ هُوَ وَوَكِيلُهُ عَنْ ضَمَانِهِ كَمَا لَوْ قَبَضَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ بِنَفْسِهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَصِلَ إلَى يَدِهِ مِنْ يَدِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ أَوْ مِنْ يَدِ وَكِيلِهِ فَلِهَذَا لَا ضَمَانَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ فَإِذَا أَسْلَمَ الْوَكِيلُ الدَّرَاهِمَ إلَى امْرَأَةٍ جَازَ، كَذَلِكَ، لَوْ كَانَ الْمُوَكِّلُ أَوْ الْوَكِيلُ امْرَأَةً يَجُوزُ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُعَامَلَاتِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 2700

[بَابُ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ] قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ عَدْلَ زُطِّيٍّ أَوْ جِرَابٍ هَرَوِيٍّ عَلَى أَنَّ فِيهِ خَمْسِينَ ثَوْبًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَوَجَدَ فِيهِ تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ ثَوْبًا أَوْ أَحَدًا وَخَمْسِينَ ثَوْبًا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ وَجَدَهُ أَكْثَرَ فَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ الْعَدَدِيِّ الْمُسَمَّى مِنْ الثِّيَابِ وَذَلِكَ خَمْسُونَ وَهُوَ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مَجْهُولَةٌ فَيَصِيرُ الْبَاقِي مَجْهُولًا وَفِي مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ مَعَ الْجَهَالَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى مِمَّا فِي الْعَدْلِ خَمْسِينَ ثَوْبًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا تَتَفَاوَتُ فِي الْمَالِيَّةِ فَالْمُشْتَرِي يُطَالَبُ بِخِيَارِ الْعَدْلِ وَالْبَائِعُ يُعْطِيهِ شِرَارَ الْعَدْلِ وَكُلُّ جَهَالَةٍ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَهِيَ مُفْسِدَةٌ لِلْعَقْدِ فَإِنْ وَجَدَهُ أَقَلَّ يَفْسُدُ الْعَقْدُ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى مِنْ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَةِ خَمْسِينَ ثَوْبًا فَيُقَسَّمُ ذَلِكَ عَلَى قِيمَةِ الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ وَلَا يَدْرِي صِفَةَ الْمَعْدُومِ أَنَّهُ كَيْفَ كَانَ جَيِّدًا أَوْ وَسَطًا أَوْ رَدِيئًا، وَبِاخْتِلَافِهِ تَخْتَلِفُ حِصَّةُ الْمَوْجُودِ فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْمَوْجُودِ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ فَالْبَيْعُ بِالْحِصَّةِ لَا يَنْعَقِدُ صَحِيحًا ابْتِدَاءً فَإِنْ كَانَ سَمَّى لِكُلِّ ثَوْبٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَوَجَدَهُ أَحَدًا وَخَمْسِينَ ثَوْبًا كَانَ فَاسِدًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ يَتَنَاوَلُ خَمْسِينَ ثَوْبًا فَعَلَيْهِ رَدُّ الثَّوْبِ الزَّائِدِ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَبِجَهَالَتِهِ يَصِيرُ الْمَبِيعُ مَجْهُولًا أَيْضًا، وَإِنْ وَجَدَهُ تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ ثَوْبًا وَقَدْ قَبَضَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مَعْلُومٌ وَالْمُسَمَّى بِمُقَابَلَةِ الْمَوْجُودِ مِنْ الثَّمَنِ مَعْلُومٌ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ. وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ بِنُقْصَانِ ثَوْبٍ مِمَّا سَمَّى، وَلَهُ فِي عَدَدِ الْخَمْسِينَ مَقْصُودٌ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمَا دُونَهُ فَيَتَخَيَّرُ إنْ شَاءَ أَخْذَ كُلِّ ثَوْبٍ بِمَا سَمَّى وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا ﵏ يَقُولُونَ بِأَنَّ هَذَا الْجَوَابَ قَوْلُهُمَا، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْعَقْدُ فَاسِدٌ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ فَسَدَ بَعْضُهُ بِفَسَادٍ قَوِيٍّ إذْ لَا سَبَبَ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ أَقْوَى مِنْ عَدَمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ فِي الزِّيَادَاتِ وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ عَلَى أَنَّهُمَا هَرَوِيَّانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِثَمَنٍ مُسَمًّى فَوَجَدَ أَحَدَهُمَا مَرْوِيًّا فَالْعَقْدُ كُلُّهُ فَاسِدٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَإِذَا كَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ بِخِلَافِ جِنْسَيْ مَا سَمَّى

стр. 2701

يَفْسُدُ الْعَقْدُ كُلُّهُ فَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ أَحَدَ مَا سَمَّى أَصْلًا أَوْلَى أَنْ يَفْسُدَ الْعَقْدُ كُلُّهُ وَهُمَا فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْعَقْدِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ عَدِمَ الْجِنْسَ الَّذِي سَمَّى، وَقَدْ تَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِهِ كَذَا هُنَا قَالَ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ فِي نَظَائِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْكُلِّ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الْمُفْسِدَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَ قَبُولَ الْعَقْدِ فِيمَا يَفْسُدُ فِيهِ الْعَقْدُ شَرْطًا لِقَبُولِهِ فِي الْآخَرِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ هُنَا فَإِنَّهُ مَا شَرَطَ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي الْمَعْدُومِ وَلَا قَصَدَ إيرَادَ الْعَقْدِ عَلَى الْمُعْدَمِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ إيرَادَهُ عَلَى الْمَوْجُودِ فَقَطْ وَلَكِنَّهُ غَلَطَ فِي الْعَدَدِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الزِّيَادَاتِ فَإِنَّ هُنَاكَ جُعِلَ قَبُولُ الْعَقْدِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّوْبَيْنِ شَرْطًا فِي قَبُولِهِ فِي الْآخَرِ، وَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ وَهَكَذَا الْجَوَابُ فِي كُلِّ عَدَدِيٍّ يَتَفَاوَتُ نَحْوُ مَا إذَا اشْتَرَى قَطِيعًا مِنْ الْغَنَمِ عَلَى أَنَّهَا خَمْسُونَ فَوَجَدَهُ أَزْيَدَ فَالْجَوَابُ عَلَى التَّقْسِيمِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَفِي الْمَكِيلَاتِ إذَا اشْتَرَى صُبْرَةً مِنْ حِنْطَةٍ عَلَى أَنَّهَا خَمْسُونَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْعَقْدُ سَوَاءٌ سَمَّى ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقُفْزَانِ أَوْ لَمْ يُسَمِّ؛ لِأَنَّ الْقُفْزَانَ مِمَّا لَا تَتَفَاوَتُ فِي نَفْسِهَا فَكَانَتْ حِصَّةُ كُلِّ قَفِيزٍ مِنْ الثَّمَنِ مَعْلُومَةٌ وَكَذَلِكَ الْوَزْنِيَّاتُ وَكَذَلِكَ فِي الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ نَحْوُ مَا إذَا اشْتَرَى عَدْلَ جَوْزٍ عَلَى أَنَّهُ خَمْسَةُ آلَافٍ فَإِذَا هِيَ أَنْقَصُ أَوْ أَزْيَدُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْعَقْدُ لِمَا ذَكَرْنَا وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ عَبْدَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَإِذَا أَحَدُهُمَا حُرٌّ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ فِيهِمَا فَكَذَا إذَا لَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يَدْخُلُ فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الشَّيْءِ فِي الْعَقْدِ بِصِفَةِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْحُرِّ فَلَوْ جَازَ الْعَقْدُ فِي الْعَبْدِ إنَّمَا يَجُوزُ بِالْحِصَّةِ وَالْبَيْعُ بِالْحِصَّةِ لَا يَنْعَقِدُ ابْتِدَاءً عَلَى الصِّحَّةِ لِمَعْنَى الْجَهَالَةِ كَمَا لَوْ قَالَ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ هَذَا الْعَبْدَ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الْأَلْفِ إذَا قُسِمَ عَلَى قِيمَتِهِ وَقِيمَةِ هَذَا الْعَبْدِ الْآخَرِ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ كَذَلِكَ هُنَا فَإِنْ كَانَ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا قَالَ اشْتَرَيْتُهُمَا بِأَلْفٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -: الْعَقْدُ جَائِزٌ فِي الْعَبْدِ بِمَا سَمَّى بِمُقَابَلَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى شَاتَيْنِ مَسْلُوخَتَيْنِ فَإِذَا أَحَدُهُمَا مَيْتَةٌ أَوْ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ أَوْ ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَيْهَا عَمْدًا فَإِنَّ ذَلِكَ وَالْمَيْتَةَ سَوَاءٌ عِنْدَنَا، وَالْجَوَابُ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قُلْنَا، وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى دَنَّيْنِ مِنْ خَلٍّ فَإِذَا أَحَدُهُمَا خَمْرٌ وَهَذَا الْجِنْسُ نَظِيرُ مَا سَبَقَ إذَا أَسْلَمَ كُرَّ حِنْطَةٍ فِي شَعِيرٍ وَزَيْتٍ فَطَرِيقُهُمَا أَنَّ الْفَسَادَ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ الْمُفْسِدَةُ وَعِنْدَ تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ انْعَدَمَتْ الْعِلَّةُ الْمُفْسِدَةُ فِيمَا هُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مِنْهُمَا

стр. 2702

وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَصِلُ عَنْ الْآخَرِ فِي الْبَيْعِ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً فَوُجُودُ الْمُفْسِدِ فِي أَحَدِهِمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَهُ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْآخَرِ إمَّا بِاعْتِبَارِ التَّبَعِيَّةِ - وَأَحَدُهُمَا لَيْسَ بِتَبَعٍ لِلْآخَرِ - أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَصِلُ عَنْ الْآخَرِ فِي الْعَقْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَقِيَ الْعَقْدُ فِي الْآخَرِ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدًا، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْعَقْدِ فِي أَحَدِهِمَا لِقَبُولِ الْعَقْدِ فِي الْآخَرِ إذَا صَحَّ الْإِيجَابُ فِيهِمَا حَتَّى لَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي مُلْحِقًا الضَّرَرَ بِالْبَائِعِ فِي قَبُولِ الْعَقْدِ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ إذَا لَمْ يَصِحَّ الْإِيجَابُ فِي أَحَدِهِمَا وَصَارَ هَذَا كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا فَالْبَيْعُ يَفْسُدُ فِي الْمُدَبَّرِ وَيَبْقَى الْعَقْدُ عَلَى الْعَبْدِ صَحِيحًا كَذَلِكَ هُنَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْبَائِعُ لَمَّا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِيجَابِ فَقَدْ شَرَطَ فِي قَبُولِ الْعَقْدِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبُولَ الْعَقْدِ فِي الْآخَرِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَاشْتِرَاطُ قَبُولِ الْعَقْدِ فِي الْحُرِّ فِي بِيَعٍ شَرْطٌ فَاسِدٌ. وَالْبَيْعُ يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَقَوْلُهُمَا أَنَّ هَذَا عِنْدَ صِحَّةِ الْإِيجَابِ قُلْنَا عِنْدَ صِحَّةِ الْإِيجَابِ فِيمَا يَكُونُ هَذَا شَرْطًا صَحِيحًا، وَنَحْنُ إنَّمَا نَدَّعِي الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَذَلِكَ عِنْدَ فَسَادِ الْإِيجَابِ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ بِاعْتِبَارِ جَمْعِ الْبَائِعِ بَيْنَهُمَا فِي كَلَامِهِ لِاعْتِبَارِ وُجُودِ الْمَحَلِّيَّةِ فِيهِمَا، وَقَدْ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ رُجُوعَ أَبِي يُوسُفَ فِي فَصْلٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ مَسْأَلَةُ الطَّوْقِ وَالْجَارِيَةِ إذَا بَاعَهُمَا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ كَمَا بَيَّنَّا فِي الصَّرْفِ فَاسْتَدَلُّوا بِرُجُوعِهِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ عَلَى رُجُوعِهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا لَا يَتَّضِحُ فَإِذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَإِذَا أَحَدُهُمَا مُدَبَّرٌ أَوْ مُكَاتَبٌ أَوْ اشْتَرَى جَارِيَتَيْنِ فَإِذَا أَحَدُهُمَا أَمُّ وَلَدٍ جَازَ الْبَيْعُ فِي الْآخَرِ سَوَاءٌ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا أَوْ لَمْ يُسَمِّ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ فِي الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَاسِدٌ لِمَا ثَبَتَ لَهُمْ مِنْ حَقِّ الْعِتْقِ، وَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ شَرْطًا لِقَبُولِ الْعَقْدِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْحُرِّ، وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَخَلَ فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الْآدَمِيِّ فِي الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ الرِّقِّ وَالتَّقَوُّمِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِيهِمَا ثُمَّ اسْتَحَقَّ أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَحَقَّهُ غَيْرُهُ بِأَنْ بَاعَ عَبْدَيْنِ فَاسْتَحَقَّ أَحَدُهُمَا فَهُنَاكَ الْبَيْعُ جَائِزٌ فِي الْآخَرِ سَوَاءٌ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا أَوْ لَمْ يُسَمِّ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَبِيعَ فِي الْمُدَبَّرِ لَيْسَ بِفَاسِدٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِدَلِيلِ جَوَازِ بِيَعِ الْمُدَبَّرِ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ إذَا بَاعَ نَفْسَ الْمُدَبَّرِ مِنْ نَفْسِهِ يَجُوزُ، وَبِدَلِيلِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِجَوَازِ بِيَعِ الْمُدَبَّرِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ فَإِنَّ بَيْعَهُ مِنْ نَفْسِهِ جَائِزٌ وَلَوْ بَاعَهُ

стр. 2703

مِنْ غَيْرِهِ بِرِضَاهُ جَازَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَاَلَّذِي رُوِيَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - بِخِلَافِ هَذَا غَيْرُ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ بِيَعُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ نَفْسِهَا جَائِزٌ وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِجَوَازِ بَيْعِهَا نَفَذَ قَضَاؤُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَلَمْ يَنْفُذْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ إجْمَاعُ التَّابِعِينَ ﵏ عَلَى فَسَادِ بَيْعِهَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهَا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ بِأَنَّ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ، وَعَلِيٌّ ﵁ كَانَ يَقُولُ: بِأَنَّهُ يَجُوزُ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ السَّلَفِ ﵏ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ هَلْ يَرْفَعُ الِاخْتِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَرْفَعُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَرْفَعُ وَقَضَاءُ الْقَاضِي بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ لَا يَنْفُذُ وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ لِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ ﵏ مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَكَانَ هَذَا قَضَاءً فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَحَلَّ قَابِلٌ لِلْبَيْعِ حَتَّى نَفَذَ قَضَاءُ الْقَاضِي فِيهِ، وَقَضَاءُ الْقَاضِي لَا يَنْفُذُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ عَرَفْنَا أَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَارَ كَمَا لَوْ خَرَجَ بِالْهَلَاكِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَيَبْقَى الْعَقْدُ صَحِيحًا فِي الْآخَرِ حَتَّى إذَا كَانَ قَبَضَهُمَا لَزِمَ الْبَيْعُ فِي الْقِنِّ بِحِصَّةٍ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ وَقْتَ الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ وَقْتَ الْبَيْعِ وَلَكِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْقِنَّ مِنْهُمَا لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ فَإِنَّ خِيَارَ تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الْعَيْبِ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ وَإِذَا نَظَرَ إلَى إبِلٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ إلَى رَقِيقٍ أَوْ إلَى عَدْلٍ زُطِّيٍّ أَوْ جِرَابٍ هَرَوِيٍّ فَقَالَ: قَدْ أَخَذْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا بِكَذَا وَلَمْ يُسَمِّ جَمَاعَتِهَا فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْكُلِّ وَعِنْدَهُمَا جَائِزٌ فِي الْكُلِّ، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَتَى أَضَافَ كَلِمَةَ كُلٍّ إلَى مَا لَا يَعْلَمُ مُنْتَهَاهُ فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ أَدْنَاهُ وَهُوَ الْوَاحِدُ كَمَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ كُلَّ دِرْهَمٍ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، قَالَ: وَإِذَا أَجَّرَ دَارِهِ كُلَّ شَهْرٍ لَزِمَ الْعَقْدُ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِذَا اشْتَرَى صُبْرَةً مِنْ حِنْطَةٍ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ الْعَقْدُ فِي قَفِيزٍ وَاحِدٍ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ فِي الْكُلِّ، وَإِذَا كَفَلَ بِنَفَقَةِ امْرَأَةٍ عَنْ زَوْجِهَا كُلَّ شَهْرٍ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا هُوَ كَذَلِكَ فِيمَا لَا يَكُونُ مُنْتَهَاهُ مَعْلُومًا بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ، فَأَمَّا فِيمَا يَعْلَمُ جُمْلَتَهُ بِالْإِشَارَةِ فَالْعَقْدُ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ كَمَا لَوْ كَانَ مَعْلُومَ الْجُمْلَةِ بِالتَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ مِنْ التَّسْمِيَةِ إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ هُنَا: الْجُمْلَةُ مَعْلُومَةٌ بِالْإِشَارَةِ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ فِي الْكُلِّ عِنْدَهُمَا وَلَا جَهَالَةَ فِي ثَمَنِ كُلِّ وَاحِدٍ

стр. 2704

مِنْهُمَا وَالْجَهَالَةُ فِي جُمْلَةِ الثَّمَنِ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَإِنَّهَا تُرْفَعُ بَعْدَ الْمُشَارِ إلَيْهِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْعَدَدُ مَعْلُومًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ وَاحِدًا مِنْ الْجُمْلَةِ وَبَيْعُ شَاةٍ مِنْ الْقَطِيعِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا مُتَفَاوِتَةٌ وَإِذَا كَانَتْ الْعِبْرَةُ لِلْإِشَارَةِ فَثَمَنُ جَمِيعِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مَجْهُولٌ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَجَهَالَةُ مِقْدَارِ الثَّمَنِ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَمَا هُوَ شَرْطُ الْعَقْدِ إذَا انْعَدَمَ عِنْدَ الْعَقْدِ يَفْسُدُ الْعَقْدُ وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ إيجَابِهِ فِي الثَّانِي كَشَرْطِ الشُّهُودِ فِي النِّكَاحِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ كُلُّ قَفِيزٍ مِنْهَا بِدِرْهَمٍ وَلَمْ يُسَمِّ عَدَدَ الْجُمْلَةِ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ هُنَاكَ: الْعَقْدُ جَائِزٌ فِي قَفِيزٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ إذَا اشْتَرَى قَفِيزًا مِنْ الصُّبْرَةِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْقُفْزَانَ لَا تَتَفَاوَتُ بِخِلَافِ الْغَنَمِ فَإِنْ عَلِمَ مَبْلَغَ الْجُمْلَةِ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ لَا يَنْقَلِبُ الْعَقْدُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ قَدْ تَقَرَّرَ بِالِافْتِرَاقِ عَنْ الْمَجْلِسِ قَبْلَ إزَالَتِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا كَانَ الْعَقْدُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ جُعِلَتْ كَحَالَةِ الْعَقْدِ وَلَكِنْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي لِتَنْكَشِفَ الْحَالَةُ لَهُ الْآنَ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْكُلَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الثَّمَنِ إنَّمَا يَصِيرُ مَعْلُومًا لَهُ الْآنَ فَيَتَخَيَّرُ لِأَجْلِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى دَارًا كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ وَلَمْ يُسَمِّ جُمْلَةَ الذُّرْعَانِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْعَقْدُ يَفْسُدُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الذُّرْعَانِ تَتَفَاوَتُ فِي مُقَدَّمِ الدَّارِ وَمُؤَخَّرِهَا فَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ فِي ذِرَاعٍ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ وَالْخَشَبُ وَلَوْ اشْتَرَى ذِرَاعًا مِنْ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - يَجُوزُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ مَا سَمَّى عِبَارَةٌ عَنْ عُشْرِ الدَّارِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ سَهْمٌ مِنْ عَشَرَةِ أَسْهُمٍ أَوْ جُزْءٌ مِنْ عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الذِّرَاعَ اسْمٌ لِمَوْضِعٍ مَعْلُومٍ يَقَعُ عَلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَذَلِكَ يَتَفَاوَتُ مَوْضِعُهُ مِنْ الدَّارِ بِخِلَافِ السَّهْمِ وَالْجُزْءِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى ذِرَاعًا مِنْ هَذِهِ الدَّارِ بِكَذَا يَجُوزُ الْعَقْدُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ كَذَا ذِرَاعًا ثُمَّ يُذَرِّعُ الدَّارَ فَإِنْ كَانَتْ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ فَلَهُ الْعُشْرُ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى سَهْمًا مِنْ الدَّارِ، لَمْ يَقُلْ مِنْ كَذَا سَهْمًا؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْجَهَالَةِ لَا يُمْكِنُ إزَالَتُهَا فَسَهْمٌ مِنْ سَهْمَيْنِ النِّصْفُ، وَسَهْمٌ مِنْ عَشَرَةِ أَسْهُمٍ الْعُشْرُ وَفِي الذِّرَاعِ يُمْكِنُ إزَالَةُ الْجَهَالَةِ بِأَنْ يُذَرِّعَ جَمِيعَ الدَّارِ فَيَصِيرُ الْجُزْءُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ مَعْلُومًا بِهِ وَإِذَا اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ بَقَرًا أَوَعَدْلَ زُطِّيٍّ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنْهَا بِعَشَرَةٍ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَإِنَّهُ يَضُمُّ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ آخَرَ فَيُقَسَّمُ الْعُشْرُ عَلَى قِيمَتِهَا وَلَا يُعْرَفُ كَيْفِيَّةُ الضَّمِّ أَنَّهُ يَضُمُّ الْجَيِّدَ إلَى الْجَيِّدِ أَوْ الرَّدِيءَ إلَى الرَّدِيءِ أَوْ إلَى الْوَسَطِ فَيَبْقَى ثَمَنُ كُلِّ وَاحِدٍ مَجْهُولًا، وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَإِنَّهُ إذَا وَجَدَ بِثَوْبٍ عَيْبًا بَعْدَ الْقَبْضِ

стр. 2705

يَرُدُّ الْمَعِيبَ خَاصَّةً وَتَتَمَكَّنُ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا فِي ثَمَنِهِ وَكَذَلِكَ إذَا هَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَاسْتَحَقَّ أَوْ تَقَايَلَا الْعَقْدَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذِهِ الْجَهَالَةِ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهَا وَإِذَا اشْتَرَى عَدْلَ زُطِّيٍّ بِقِيمَتِهِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَالْقِيمَةُ مَا تَظْهَرُ عِنْدَهُ تَقْوِيمُ الْمُقَوِّمِينَ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ عِنْدَ الْعَقْدِ وَيَخْتَلِفُ الْمُقَوِّمُونَ فِي التَّقْوِيمِ أَيْضًا ثُمَّ مَا سَمَّيَا تَفْسِيرَ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ فَقَدْ نَصَّا عَلَى مَا هُوَ حُكْمُ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ بِحُكْمِهِ؛ لِأَنَّ مَا يَحْكُمُ بِهِ مَجْهُولُ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، وَيُتَمَكَّنُ بِسَبَبِهِ مُنَازَعَةٌ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ تَفْوِيضِ الْحُكْمِ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى مَاتَ أَحَدُهُمَا بَطَلَ مَالُهُ مِنْ الْحُكْمِ وَبَقِيَ الثَّمَنُ مَجْهُولًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَيَحْلِفُ يَمِينَهُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ قِيلَ مَعْنَى هَذَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَانَ سَاوَمَهُ بِأَلْفٍ فَحَلَفَ الْبَائِعُ أَنْ لَا يَبِيعَهُ بِأَلْفٍ فَاشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ وَزِيَادَةٍ بِقَدْرِ مَا يَبَرُّ بِهِ الْبَائِعَ فِي يَمِينِهِ وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ مَجْهُولَةُ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، وَقِيلَ: بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ وَكَانَ تُهْمَةٌ تُكَفِّرُهُ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بِأَلْفٍ وَمَا يُكَفِّرُ بِهِ الْبَائِعُ يَمِينَهُ وَهَذَا أَيْضًا مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ التَّكْفِيرَ يَكُونُ بِالْإِعْتَاقِ تَارَةً وَبِالْكِسْوَةِ أُخْرَى وَبِالْإِطْعَامِ تَارَةً، وَضَمُ الْمَجْهُولِ إلَى الْمَعْلُومِ يُوجِبُ جَهَالَةَ الْكُلِّ وَجَهَالَةُ الثَّمَنِ مُفْسِدَةٌ لِلْبَيْعِ وَإِذَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إلَّا دِينَارًا أَوْ بِمِائَةِ دِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا أَوْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ أَوْ إلَّا شَاةً فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنَّمَا يُسْتَثْنَى مِنْ الْمُسْتَثْنَى بِالْقِيمَةِ وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ الْحِرْزُ وَالظَّنُّ فَلَا يُتَيَقَّنُ بِهِ وَجَهَالَةُ الْمُسْتَثْنَى تُوجِبُ جَهَالَةَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُقَيَّدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَكُونُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الِاسْتِثْنَاءِ وَمَا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْأَلْفِ مَجْهُولٌ فَالْبَيْعُ بِالثَّمَنِ الْمَجْهُولِ فَاسِدٌ وَإِنْ قَالَ قَدْ أَخَذْتُهُ مِنْكَ بِمِثْلِ مَا يَبِيعُهُ النَّاسُ كَانَ فَاسِدًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولُ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، وَالنَّاسُ فِي الْمُبَايَعَةِ يَتَفَاوَتُونَ فَمِنْ بَيْنَ مُسَامِحٍ وَمُسْتَعْصٍ وَإِذَا فَسَدَ الْبَيْعُ فَإِنْ قَبَضَهُ وَهَلَكَ عِنْدَهُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ إنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَقِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْصُوبِ أَوْ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ وَلَوْ قَالَ أَخَذْتُهُ مِنْكَ بِمِثْلِ مَا أَخَذَ بِهِ فُلَانٌ مِنْ الثَّمَنِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمَا وَقْتَ الْعَقْدِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِلَّا كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا جَازَ الْعَقْدُ وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ وَلَكِنْ إنَّمَا يَكْشِفُ الْحَالَ لِلْمُشْتَرِي إذَا عَلِمَ مِقْدَارَ مَا أَخَذَ بِهِ فُلَانٌ رَضَاهُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ تَامًّا فَلِهَذَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ وَإِذَا عَقَدَ

стр. 2706

الْعَقْدَ عَلَى أَنَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا بِكَذَا وَبِالنَّقْدِ بِكَذَا أَوْ قَالَ إلَى شَهْرٍ بِكَذَا أَوْ إلَى شَهْرَيْنِ بِكَذَا فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَاطِهِ عَلَى ثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَلِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بِيَعٍ وَهَذَا هُوَ تَفْسِيرُ الشَّرْطَيْنِ فِي بِيَعٍ وَمُطْلَقُ النَّهْيِ يُوجِبُ الْفَسَادَ فِي الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ وَهَذَا إذَا افْتَرَقَا عَلَى هَذَا فَإِنْ كَانَ يَتَرَاضَيَانِ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى قَاطَعَهُ عَلَى ثَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَأَتَمَّا الْعَقْدَ عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُمَا مَا افْتَرَقَا إلَّا بَعْدَ تَمَامِ شَرَطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ قَالَ وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَلَا يُوَلِّيهِ أَحَدًا وَلَا يُشْرِكُ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ تَمْلِيكُ مَا مُلِكَ بِمِثْلِ مَا مُلِكَ، وَالْإِشْرَاكُ تَمْلِيكُ نِصْفِهِ بِمِثْلِ مَا مُلِكَ بِهِ وَالْكَلَامُ فِي بِيَعِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي فُصُولِ أَحَدِهَا فِي الطَّعَامِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِمُشْتَرِي الطَّعَامِ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ» وَكَذَلِكَ مَا سِوَى الطَّعَامِ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ عِنْدَنَا، وَقَالَ مَالِكٌ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَصَّ الطَّعَامَ بِالذِّكْرِ عِنْدَ النَّهْيِ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِيمَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لِهَذَا التَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ وَحُجَّتُنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَقَالَ ﷺ «لِغِيَاثِ بْنِ أَسَدٍ حِينَ وَجَّهَهُ إلَى مَكَّةَ قَاضِيًا وَأَمِيرًا سِرْ إلَى أَهْلِ بَيْتِ اللَّهِ وَانْهَهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضُوا» وَكَلِمَةُ (مَا) لِلتَّعْمِيمِ فِيمَا لَا يَعْقِلُ ثُمَّ تَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ عِنْدَنَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِيمَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ قَالَ اللَّه - تَعَالَى - ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ كَيْفَ وَرَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ وَقَالَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا سِوَى الطَّعَامِ الْبَيْعَ لَا يَبْطُلُ بِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَعِنْدَنَا يَبْطُلُ لِفَوَاتِ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ كَمَا فِي الطَّعَامِ فَلِتَوَهُّمِ الْغَرَرِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لِلتَّصَرُّفِ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ لِعَجْزِهِ عَنْ التَّسْلِيمِ بِحَبْسِ الْبَائِعِ إيَّاهُ لِحَقِّهِ، وَالْإِجَارَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَالْبَيْعِ وَأَمَّا الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: كُلُّ تَصَرُّفٍ لَا يَتِمْ إلَّا بِالْقَبْضِ فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ إذَا سَلَّطَهُ عَلَى قَبْضِهِ فَيَقْبِضُهُ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْعَقْدِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَالْمَانِعُ زَائِدٌ عِنْدَ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ مُلْزَمٌ بِنَفْسِهِ وَقَاسَ بِهِبَةِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إذَا سَلَّطَهُ عَلَى قَبْضِهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: الْبَيْعُ أَسْرَعُ نَفَاذًا مِنْ الْهِبَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الشُّيُوعَ فِيمَا يُقْسَمُ يَمْنَعُ

стр. 2707

تَمَامَ الْهِبَةِ دُونَ الْبَيْعِ ثُمَّ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِعَيْنِ مَالِكِهِ فِي حَالِ قِيَامِ الْغَرَرِ فِي مِلْكِهِ فَالْهِبَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ فِي اسْتِدْعَاءِ الْمِلْكِ أَقْوَى مِنْ الْبَيْعِ حَتَّى يَجُوزَ الْبَيْعُ مِنْ الْمَأْذُونِ وَالْمُكَاتَبِ دُونَ الْهِبَةِ ثُمَّ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَيْسَ مَحَلُّ التَّمْلِيكِ مِنْ غَيْرِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ الْبَيْعُ فِيهِ وَإِنْ أَجَازَهُ الْبَائِعُ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ عَيْنٍ مَمْلُوكَةٍ أَيْضًا كَالصَّيْدِ فِي الْهَوَاءِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إيجَابُ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ فِيهِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَأَمَّا بَيْعُ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَلِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ وَبَيْعُ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِأَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَى فِيهِ رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ بَاعَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا يَجُوزُ كَمَا فِي الْمَنْقُولِ وَتَأْثِيرُهُ أَنَّ مِلْكَ التَّصَرُّفِ يُسْتَفَادُ بِالْقَبْضِ كَمَا أَنَّ مِلْكَ الْعَيْنِ يُسْتَفَادُ بِالْعَقْدِ ثُمَّ الْعَقَارُ وَالْمَنْقُولُ سَوَاءٌ فِيمَا يَمْلِكُ بِهِ الْعَيْنَ، وَهُوَ الْعَقْدُ فَكَذَلِكَ فِيمَا يَمْلِكُ بِهِ التَّصَرُّفَ أَوْ لِأَنَّ السَّبَبَ وَهُوَ الْبَيْعُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَلِهَذَا جَعَلَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْمَوْجُودِ وَقْتَ الْعَقْدِ وَالْمِلْكِ إنَّمَا يَتَأَكَّدُ بِتَأَكُّدِ السَّبَبِ وَفِي هَذَا الْعَقْدِ الْعَقَارُ وَالْمَنْقُولُ سَوَاءٌ يُوَضِّحُهُ أَنَّ قَبْلَ الْقَبْضِ الْمَبِيعُ مَضْمُونٌ بِغَيْرِهِ وَهُوَ الثَّمَنُ وَالْعَقَارُ فِي هَذَا كَالْمَنْقُولِ حَتَّى إذَا اسْتَحَقَّ أَوْ تَصَوَّرَ هَلَاكَهُ فَهَلَكَ سَقَطَ الثَّمَنُ، وَلِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ شَرَطٌ لِجَوَازِ الْبَيْعِ فِي الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ جَمِيعًا، وَذَلِكَ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ نَائِبِهِ وَيَدِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ لَيْسَتْ بِنَائِبَةٍ عَنْ يَدِهِ فَلَا تَثْبُتُ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّسْلِيمِ بِاعْتِبَارِهَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولَانِ: بِيَعُ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي مَعْنَى بَيْعِ الْمَنْقُولِ بَعْدَ الْقَبْضِ فَيَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ بِيَعُ الْمَنْقُولِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ لِلتَّصَرُّفِ الْمِلْكُ دُونَ الْيَدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ مِلْكَهُ وَهُوَ فِي يَدِ مُودَعٍ أَوْ غَاصِبٍ وَهُوَ مُقِرٌّ لَهُ بِالْمِلْكِ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا إلَّا أَنَّهُ إذَا بَقِيَ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لِلتَّصَرُّفِ غَرَرٌ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَذَلِكَ يَمْنَعُ جَوَازَ التَّصَرُّفِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَفِي الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْمِلْكِ غَرَرٌ؛ لِأَنَّ بِهَلَاكِهِ يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ مِلْكُ الْمُشْتَرِي فَإِذَا قَبَضَهُ انْتَفَى هَذَا الْغَرَرُ وَلَا يَبْقَى إلَّا مَعْنَى الْغَرَرِ بِظُهُورِ الِاسْتِحْقَاقِ. ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَفِي الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَيْسَ فِي مِلْكِهِ إلَّا غَرَرُ الِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ هَلَاكُهُ وَانْفِسَاخُ الْبَيْعِ بِهِ وَانْتِفَاءُ الْغَرَرِ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ سَبَبِهِ أَصْلًا يَكُونُ أَبْلَغُ مِنْ انْتِفَاءِ الْغَرَرِ إذَا تَصَوَّرَ سَبَبَهُ وَلَمْ يَعْمَلْ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْغَرَرُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِحْقَاقُ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ

стр. 2708

التَّصَرُّفَ فِي الثَّمَن قَبْلَ الْقَبْضِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِي الْمِلْكِ وَكَذَلِكَ التَّصَرُّفُ فِي الْمَهْرِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَجُوزُ عِنْدَنَا لِانْعِدَامِ الْغَرَرِ فِي الْمِلْكِ فَإِنَّ بِالْهَلَاكِ لَا يَبْطُلُ مِلْكُهَا وَلَكِنْ عَلَى الزَّوْجِ قِيمَتُهُ لَهَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: التَّسْمِيَةُ تَبْطُلُ بِهَلَاكِ الصَّدَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَعَلَى هَذَا يَقُولُونَ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ لِبَقَاءِ الْغَرَرِ فِي الْمِلْكِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا تَبْطُلُ التَّسْمِيَةُ وَعَلَى الزَّوْجِ الْقِيمَةُ، وَعَلَى هَذَا يَقُولُونَ: يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الصَّدَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْأَصْلَ مَا قُلْنَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّصَرُّفَ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ بِالْغَرَرِ نَافِذٌ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهُوَ الْعِتْقُ وَالتَّزْوِيجُ، وَبِهِ يَتَبَيَّنُ فَسَادُ قَوْلِهِمْ أَنَّ تَأَكُّدَ الْمِلْكِ بِتَأَكُّدِ السَّبَبِ وَذَلِكَ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي اسْتِدْعَاءِ ذَلِكَ تَامٌّ فِي الْمَحَلِّ فَوْقَ الْبَيْعِ ثُمَّ يَجُوزُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَمَا يَقُولُونَ مِنْ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ قُلْنَا شَرْطُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْمَحَلِّ أَصْلُ الْمِلْكِ دُونَ الضَّمَانِ بِدَلِيلِ جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَكَذَلِكَ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ كَمَا يَثْبُتُ بِيَدِ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَمْنَعْهُ، وَالْحَدِيثُ عَامٌّ دَخَلَهُ الْخُصُوصُ لِإِجْمَاعِنَا عَلَى جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي الثَّمَنِ وَالصَّدَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَمِثْلُ هَذَا الْعَامِّ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ فَنَحْمِلُهُ عَلَى الْمَنْقُولِ بِدَلِيلِ مَا قُلْنَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ يَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالشَّفِيعُ يَتَمَلَّكُ بِبَدَلٍ فَلَوْ كَانَ الْعَقَارُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ بِبَدَلٍ لِمَا ثَبَتَ لِلشَّفِيعِ حَقُّ الْأَخْذِ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَّا أَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُشْتَرِي فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ قَائِمًا مَقَامَهُ فَلِهَذَا يَبْطُلُ بِأَخْذِهِ مِلْكُ الْمُشْتَرِي وَيَكُونُ عُهْدَتُهُ عَلَى الْبَائِعِ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَبِيعَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي يَقْبِضُهُ فِيهِ يَتَعَيَّنُ فَيَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ كَمَا بَعْدَ قَبْضِهِ بِالتَّخْلِيَةِ وَبِخِلَافِ الْمَنْقُولِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ مَكَان يَقْبِضُهُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ. وَلَا يَدْخُلُ عَلَى شَيْءٍ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّا بِمَا قَرَّرْنَا أَثْبَتْنَا الْمِلْكَ الْمُطْلَقَ لِلتَّصَرُّفِ دُونَ سَائِرِ الشُّرُوطِ فَمِنْ الشَّرَائِطِ فِي الْمَبِيعِ الْعَيْنِيَّةِ، وَجَوَازُ السَّلَمِ رُخْصَةٌ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ وَمِنْ الشَّرَائِطِ الْكَيْلُ فِيمَا اشْتَرَاهُ مُكَايَلَةً فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَكِيلَهُ وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ قَالَ رَجُلٌ بَاعَ عَبْدًا آبِقًا فَهُوَ بَاطِلٌ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَعَنْ بَيْعِ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَلِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ، وَالْمَالِيَّةُ فِي الْآبِقِ ثَاوِيَةٌ فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ حَقِيقَةً فِي الْمَنْعِ مِنْ الْبَيْعِ حَتَّى أَنَّهُ وَإِنْ عَادَ مِنْ إبَاقِهِ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَ الطَّيْرَ فِي الْهَوَاءِ ثُمَّ أَخَذَهُ إلَّا رِوَايَةً عَنْ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْمِلْكُ وَالْمَالِيَّةُ بَعْدَ الْإِبَاقِ بَاقٍ حَقِيقَةً وَالْمَانِعُ كَانَ هُوَ الْعَجْزُ عَنْ التَّسْلِيمِ فَإِذَا زَالَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ

стр. 2709

كَالرَّاهِنِ يَبِيعُ الْمَرْهُونَ ثُمَّ يَفْتِكُهُ قَبْلَ الْخُصُومَةِ قَالَ وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً كَانَ قَدْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا أَوْ بَاعَهَا وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَهَذَا فَاسِدٌ لَا يَجُوزُ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْفَصْلَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ قَالَ: وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا مَغْضُوبًا فَالْبَيْعُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ جَحَدَهُ الْغَاصِبُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ لِلْعَاقِدِ وَلِأَنَّ الْمِلْكَ تَأَوَّى فِي حَقِّهِ وَجَوَازُ بَيْعِهِ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ قَالَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ فَإِنْ سَلَّمَهُ إلَيْهِ تَمَّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَائِمٌ فِي الْمَحَلِّ بِإِقْرَارِ الْغَاصِبِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ ثَابِتَةٌ حِينَ سَلَّمَهُ الْغَاصِبُ فَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ الْغَاصِبُ حَتَّى تَلِفَ انْتَقَضَ الْبَيْعُ لِفَوَاتِ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَهَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَجَبَتْ الْقِيمَةُ عَلَى الْغَاصِبِ وَالْمَبِيعِ إذَا فَاتَ وَأَخْلَفَ بَدَلًا يَبْقَى الْبَيْعُ كَمَا لَوْ قَبِلَهُ أَجْنَبِيٌّ قَبْلَ الْقَبْضِ قُلْنَا هَذَا إذَا وَجَبَ الْبَدَلُ بِسَبَبِ بُعْدِ الْبَيْعِ حَتَّى يُجْعَلَ قِيَامُ الْبَدَلِ كَقِيَامِ الْأَصْلِ فِي إبْقَاءِ حُكْمِ الْبَيْعِ فِيهِ وَهُنَا الْقِيمَةُ تَجِبُ فِي الْغَصْبِ السَّابِقِ عَلَى الْبَيْعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ قِيمَتَهُ وَقْتَ الْغَصْبِ وَلَوْ تَعَيَّنَ الْبَيْعُ بِاعْتِبَارِهِ كَانَ هَذَا إثْبَاتَ حُكْمِ الْبَيْعِ فِي الْقِيمَةِ ابْتِدَاءً وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ رَهْنًا فَبَاعَهُ الرَّاهِنُ وَأَبَى الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُجِيزَهُ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ وَهُوَ مَوْقُوفٌ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ عَاجِزٌ عَنْ التَّسْلِيمِ فَإِنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْحَبْسِ لَازِمٌ ثُمَّ فِي مَوْضِعٍ يَقُولُ: بِيَعُ الْمَرْهُونِ فَاسِدٌ وَفِي مَوْضِعٍ يَقُولُ: جَائِزٌ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ فَاسِدٌ يُفْسِدُهُ الْقَاضِي إذَا خُوصِمَ فِيهِ وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي التَّسْلِيمَ إلَيْهِ وَمَنَعَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ جَائِزٌ إذَا اجْتَازَهُ الْمُرْتَهِنُ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ. وَإِذَا لَمْ يُجِزْ الْمُرْتَهِنُ وَفَسَخَهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ حَتَّى لَوْ افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ فَلَا سَبِيلَ لِلْمُشْتَرِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ وَمَنْ بَاعَ مِلْكَ الْغَيْرِ فَإِنْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ تَمَّ الْبَيْعُ وَإِنْ فَسَخَ انْفَسَخَ فَهَذَا مِثْلُهُ وَفِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَنْفَسِخُ بِفَسْخِهِ حَتَّى لَوْ صَبَرَ الْمُشْتَرِي حَتَّى افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَلَفْظُ الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ إبَاءِ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ مَوْقُوفٌ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا حَقَّ لَهُ فِي هَذَا الْعَقْدِ حَتَّى إذَا أَجَازَهُ كَانَ الْمُشْتَرِي مُتَمَلِّكًا عَلَى الرَّاهِنِ لَا عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِخِلَافِ الْمَالِكِ، فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا أَجَازَ الْعَقْدَ كَانَ الْمُشْتَرِي مُتَمَلِّكًا عَلَيْهِ فَكَانَتْ لَهُ وِلَايَةُ الْفَسْخِ، وَهُنَا لِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ بِالْحَبْسِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ دَيْنُهُ، وَلَيْسَتْ لَهُ وِلَايَةُ فَسْخِ الْعَقْدِ، إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي إذَا خُوصِمَ وَعَجَزَ الْبَائِعُ عَنْ التَّسْلِيمِ فَإِنَّهُ يَفْسَخُ الْبَيْعَ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ كَانَ الْبَيْعُ مَوْقُوفًا قَالَ رَجُلٌ بَاعَ سَمَكًا مَحْصُورًا فِي أَجَمَةٍ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: هُوَ جَائِزٌ إذَا كَانَ قَدْ أَخَذَهُ

стр. 2710

ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي الْأَجَمَةِ؛ لِأَنَّ بِإِرْسَالِهِ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ إلَّا بِالصَّيْدِ وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا قَالَا لَا تَبِيعُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ غَرَرٌ ثُمَّ إنْ كَانَ لَمْ يَأْخُذْهُ فَقَدْ بَاعَ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ وَالتَّمْلِيكُ لَا يَسْبِقُ الْمِلْكَ فَهُوَ كَبَيْعِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهُ ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَهُوَ آبِقٌ فِي الْمَاءِ فَبَيْعُهُ كَبَيْعِ الْآبِقِ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إلَّا بِاكْتِسَابِ سَبَبٍ يَثْبُتُ ابْتِدَاءُ الْمِلْكِ بِهِ وَهُوَ الِاصْطِيَادُ فَكَانَ هَذَا فِي مَعْنَى الْأَوَّلِ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ فِي وِعَاءٍ أَوْ جُبٍّ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ صَيْدٍ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا لِبَقَاءِ مِلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى التَّسْلِيمِ مِنْ غَيْرِ صَيْدٍ، وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَأَصْلُهُ شِرَاءُ مَا لَمْ يَرَهُ، وَبَيَانُهُ يَأْتِي - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: وَإِنْ كَانَ فِي بِرْكَةٍ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ صَيْدٍ فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِيهَا فَهُوَ كَالْجُبِّ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ وَلَكِنَّهُ دَخَلَ مَعَ الْمَاءِ فَإِنْ سَدَّ مَوْضِعَ دُخُولِ الْمَاءِ حَتَّى صَارَ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ فَقَدْ صَارَ آخِذٌ لَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَقَعَ فِي شَبَكَةٍ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ السَّمَكَ بِدُخُولِهِ فِي الْبِرْكَةِ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْأَخْذُ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى فَصًّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ فَإِذَا هُوَ غَيْرُ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْجِنْسِ أَنَّ مَنْ جَمَعَ فِي كَلَامِهِ بَيْنَ الْإِشَارَةِ وَالتَّسْمِيَةِ فَإِنْ كَانَ الْمُشَارُ إلَيْهِ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ الْمُسَمَّى فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ انْعِقَادَ الْعَقْدِ بِالتَّسْمِيَةِ فَإِنَّ مَا يَنْعَقِدُ عَلَى الْمُسَمَّى وَهُوَ مَعْدُومٌ وَإِنْ كَانَ الْمُشَارُ إلَيْهِ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى فَالْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ تَتَنَاوَلُ مَا وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فَكَانَتْ الْإِشَارَةُ مِنْ يَدِهِ مُؤَيِّدَةً لِلتَّسْمِيَةِ فَيَنْعَقِدُ الْعَقْدُ بِالْمُشَارِ إلَيْهِ وَهُوَ مَالٌ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُشَارُ إلَيْهِ دُونَ الْمُسَمَّى فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ فِي الْعَبْدِ عَلَى أَنَّهُ كَاتِبٌ فَوَجَدَهُ غَيْرَ كَاتِبٍ إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إنْ كَانَ الْمُشَارُ إلَيْهِ زُجَاجًا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ لِانْعِدَامِ الْمُجَانَسَةِ وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَ مِلْكَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ سُمِّيَ يَقُوتًا أَحْمَرَ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ أَصْفَرُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ لِفَوَاتِ صِفَةٍ مَشْرُوطَةٍ وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ هَرَوِيٌّ فَإِذَا هُوَ مِنْ صِنْفٍ آخَرَ فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ وَلَوْ اشْتَرَى شَخْصًا عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ فَإِذَا هُوَ جَارِيَةٌ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ: جَائِزٌ وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ بَنِي آدَمَ جِنْسٌ وَاحِدٌ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ وَلَوْ اشْتَرَى بَقَرَةً عَلَى أَنَّهَا أُنْثَى فَإِذَا هِيَ ثَوْرٌ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ فَكَمَا يَتَفَاوَتُ الْمَقْصُودُ هُنَا فِي بَنِي آدَمَ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ يَتَفَاوَتُ هُنَاكَ، يُوَضِّحُهُ

стр. 2711

أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ تُرْكِيٌّ فَإِذَا هُوَ رُومِيٌّ أَوْ سِنْدِيٌّ جَازَ الْبَيْعُ وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ مِنْ بَنِي آدَمَ فِي حُكْمِ جِنْسَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِأَحَدِهِمَا لَا يَحْصُلُ بِالْآخَرِ فَالْمَقْصُودُ بِالْجَارِيَةِ الِاسْتِفْرَاشُ وَالِاسْتِيلَادُ وَشَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِالْغُلَامِ فَكَانَ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَقْصُودِ أَبْلَغَ مِنْ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَبَيْنَ الْهَرَوِيِّ وَالْمَرْوِيِّ مِنْ الثِّيَابِ وَبِهِ فَارَقَ سَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَيْنِ فِيهِمَا لَا يَتَفَاوَتُ فِي الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَذَلِكَ اللَّحْمُ أَوْ الِانْتِفَاعُ مِنْ حَيْثُ الرُّكُوبُ أَوْ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ فِي صِفَةِ الْمَقْصُودِ لَا فِي أَصْلِهِ فَكَانَ جِنْسًا وَاحِدًا كَذَلِكَ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ الْبُيُوعِ إذَا كَانَ فِيهَا شَرْطٌ .] قَالَ: إذَا اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ وَلَا يَهَبُهُ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ عِنْدَنَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ صَحِيحٌ، وَحُكِيَ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ بِمَكَّةَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَسَأَلْتُهُ عَنْ الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ فَقَالَ: بَاطِلٌ فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَدَخَلْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ فَدَخَلْتُ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ وَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ، فَقُلْتُ: هَؤُلَاءِ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ وَقَدْ اخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كُلَّ الِاخْتِلَافِ فَعَجَّزَنِي أَنْ أَسْأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ حُجَّتِهِ فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَأَعَدْتُ السُّؤَالَ عَلَيْهِ فَأَعَادَ جَوَابَهُ فَقُلْتُ: إنَّ صَاحِبَيْكَ يُخَالِفَانِكَ فَقَالَ لَا أَدْرِي مَا قَالَا حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بِيَعٍ وَشَرْطٍ فَدَخَلْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا «لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ ﵂ أَبَى مَوَالِيهَا إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ اشْتَرِي وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَدَخَلْتُ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ

стр. 2712

وَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَا حَدَّثَنِي مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى مِنْهُ نَاقَةً فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ وَشَرَطَ لَهُ ظَهْرَهَا إلَى الْمَدِينَةِ»، وَالصَّحِيحُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، وَمُطْلَقُ النَّهْيِ يُوجِبُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَأَمَّا حَدِيثُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَقَدْ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَوْهَمَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ بِالْغُرُورِ وَلَا يُظَنُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ وَلَوْ صَحَّ فَتَأْوِيلُهُ اشْتَرِطِي الْوَلَاءَ عَلَيْهِمْ وَاللَّامُ تُذْكَرُ بِمَعْنَى عَلَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] أَوْ مَعْنَاهُ أَعْلِمِيهِمْ مَعْنَى الْوَلَاءِ فَالِاشْتِرَاطُ فِي اللُّغَةِ الْأَعْلَامُ وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ قَالَ الْقَائِلُ فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مُعْصَمٌ ... وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلَا أَيْ جَعَلَ نَفْسَهُ عَلَمًا لِذَلِكَ الْأَمْرِ، وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي الْبَيْعِ عَلَى أَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ بَيْعًا حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ فِي السَّفَرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِصَّةُ الْحَدِيثِ فَإِنَّ جَابِرًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «كَانَتْ لِي نَاقَةٌ ثِغَالٌ فَقَامَتْ عَلَيَّ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَأَدْرَكَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَا بَالُكَ يَا جَابِرُ فَقُلْتُ جَرَى أَنْ لَا يَكُونَ لِي إلَّا نَاقَةٌ ثِغَالٌ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ وَرَشَّهُ فِي وَجْهِ نَاقَتِي ثُمَّ قَالَ ارْكَبْهَا فَرَكِبْتُهَا فَجَعَلَتْ تَسْبِقُ كُلَّ رَاحِلَةٍ - الْحَدِيثَ - إلَّا أَنْ قَالَ أَتَبِيعُنِي نَاقَتَكَ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقُلْتُ: هِيَ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ مَنْ لِي بِالْحِمْلِ إلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ ﷺ : لَك ظَهْرُهَا إلَى الْمَدِينَةِ فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ جِئْتُ بِالنَّاقَةِ إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيْنَ النَّاقَةُ قُلْتُ: بِالْبَابِ فَقَالَ: جِئْتَ لِطَلَبِ الثَّمَنِ فَسَكَتَ فَأَمَرَ بِلَالًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَأَعْطَانِي أَرْبَعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَ ﷺ : خُذْهَا مَعَ النَّاقَةِ فِيمَا لَكَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِمَا» وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بِيَعٌ. ثُمَّ الشَّرْطُ فِي الْبَيْعِ عَلَى أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ شَرْطًا يَقْتَضِهِ الْعَقْدُ كَشَرْطِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ أَوْ شَرْطِ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ أَوْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ يَثْبُتُ، فَالشَّرْطُ لَا يَزِيدُهُ إلَّا وَكَادَةً وَإِنْ كَانَ شَرْطًا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَلَيْسَ فِيهِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ فَذَلِكَ جَائِزٌ أَيْضًا كَمَا لَوْ اشْتَرَى نَعْلًا وَشِرَاكًا، بِشَرْطِ أَنْ يَحْذُوَهُ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْعُرْفِ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ وَلِأَنَّ فِي النُّزُوعِ عَنْ

стр. 2713

الْعَادَةِ الظَّاهِرَةِ حَرَجًا بَيِّنًا، وَإِنْ كَانَ شَرْطًا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ. وَلَيْسَ فِيهِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ قَالَ: فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ وَالْمُنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُ رَاضٍ بِدُونِهِ فَتَتَمَكَّنُ الْمُطَالَبَةُ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الشَّرْطِ فَلِهَذَا فَسَدَ لَهُ الْبَيْعُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ نَحْوُ مَا بَيَّنَّا أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ فَإِنَّ الْعَقْدَ يُعْجِبُهُ أَنْ لَا تَتَنَاوَلَهُ الْأَيْدِي، وَتَمَامُ الْعَقْدِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ زَعَمَ أَنَّهُ حُرٌّ كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا فَاشْتِرَاطُ مَنْفَعَتِهِ كَاشْتِرَاطِ مَنْفَعَةِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ. قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدٍ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ نَحْوُ مَا إذَا اشْتَرَى دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَ؛ لِأَنَّهُ لَا مُطَالِبَ بِهَذَا الشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ، وَكَانَ لَغْوًا وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: يَبْطُلُ بِهِ الْبَيْعُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْمُزَارَعَةِ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الشَّرْطِ ضَرَرًا عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِهِ وَالشَّرْطُ الَّذِي فِيهِ ضَرَرٌ كَالشَّرْطِ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَا مُعْتَبَرَ بِعَيْنِ الشَّرْطِ بَلْ بِالْمُطَالَبَةِ بِهِ وَالْمُطَالَبَةُ تَتَوَجَّهُ بِالْمَنْفَعَةِ فِي الشَّرْطِ دُونَ الضَّرَرِ قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ يُعْتِقُهُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ بِهَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ ﵂ فَإِنَّهَا جَاءَتْ إلَى عَائِشَةَ ﵂ تَسْتَعِينُهَا فِي الْمُكَاتَبَةِ قَالَتْ إنْ شِئْتِ عَدَدْتُهَا لِأَهْلِكِ وَأَعْتِقُكِ فَرَضِيَتْ بِذَلِكَ فَاشْتَرَتْهَا وَأَعْتَقَتْهَا، وَإِنَّمَا اشْتَرَتْهَا بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهَا وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ بِشَرْطِ الْإِعْتَاقِ مُتَعَارَفٌ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ سِمَةٌ مُتَعَارَفٌ فِي الْوَصَايَا وَغَيْرِهِ وَتَفْسِيرُهُ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَلِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَبِيعِ قُبِضَ حَتَّى إذَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ صَارَ قَابِضًا، وَالْقَبْضُ مِنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ فَاشْتِرَاطُهُ فِي الْعَقْدِ يُلَائِمُ الْعَقْدَ وَلَا يُفْسِدُهُ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ؛ وَلِأَنَّ فِي هَذَا الشَّرْطِ مَنْفَعَةً لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالْعَقْدُ لَا يَقْتَضِيهِ فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ فِي الْجَارِيَةِ أَنْ يَسْتَوْلِدَهَا أَوْ فِي الْعَبْدِ أَنْ يُدَبِّرَهُ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا فَإِذَا كَانَ اشْتِرَاطُ حَقِّ الْعِتْقِ لَهَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ فَاشْتِرَاطُ حَقِيقَةِ الْعِتْقِ أَوْلَى وَدَعْوَاهُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُلَائِمُ الْعَقْدَ لَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّ الْبَيْعَ مُوجِبٌ لِلْمِلْكِ وَالْعِتْقَ مُبْطِلٌ لَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مُلَاءَمَةٌ، ثُمَّ هَذَا الشَّرْطُ يَمْنَعُ اسْتِدَامَةَ الْمِلْكِ فَيَكُونُ ضِدَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ وَبَيْعُ الْعَبْدِ لِسِمَةٍ

стр. 2714

لَا يَكُونُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ وَعْدًا مِنْ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ الْبَيْعُ بِعَقْدٍ مُطْلَقًا وَهُوَ تَأْوِيلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ فَإِنَّهَا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ ﵂ مُطْلَقًا وَوَعَدَتْ لَهَا أَنَّ تُعْتِقَهَا لِتَرْضَى هِيَ بِذَلِكَ فَإِنَّ بَيْعَ الْمُكَاتَبَةِ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَاهَا فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ. وَإِنْ أَعْتَقَهُ فَعَلَيْهِ الثَّمَنُ الْمُسَمَّى فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ اسْتِحْسَانًا وَفِي قَوْلِهِمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِإِعْتَاقِهِ فَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ بَيْعُهُ أَوْ اسْتِهْلَاكُهُ بِوَجْهٍ آخَرَ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ التَّدْبِيرِ أَوْ الِاسْتِيلَادِ كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ إذَا تَعَذَّرَ رَدُّهَا ثَانٍ وَفَّى بِذَلِكَ الشَّرْطِ فَكَذَا إذَا اشْتَرَى بِشَرْطِ الْعِتْقِ اعْتِبَارُ الْحَقِيقَةِ الْحُرْمَةُ بِحَقِيقَةِ الْعِتْقِ وَأَبُو حَنِيفَةَ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: زَالَ الْمُفْسِدُ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ فَيَجِبُ الثَّمَنُ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِأَجَلٍ مَجْهُولٍ ثُمَّ أَسْقَطَهُ قَبْلَ مُضِيِّهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ بِفَسَادِ هَذَا الْعَقْدِ كَانَ لِمَخَافَةِ أَنْ لَا يَفِيَ الْمُشْتَرِي بِالْعِتْقِ وَلِيَكُونَ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ مُخْتَارًا غَيْرَ مُجْبَرٍ عَلَيْهِ، وَقَدْ زَالَ هَذَا الْمَعْنَى حِينَ أَقْدَمَ عَلَى إعْتَاقِهِ مُخْتَارًا، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يُلَائِمُ الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ يُلَائِمُ الْعَقْدَ بِحُكْمِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يُنْهِي الْمِلْكَ فَإِنَّ الْمِلْكَ فِي بَنِي آدَمَ ثَابِتٌ إلَى الْعِتْقِ فَيَكُونُ الْعِتْقُ مَنْهِيًّا لَهُ وَإِنْهَاءُ الشَّيْءِ يُقَرِّرُهُ وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهِ رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ مُتَمِّمٌ عَلَيْهِ الْعِتْقَ وَهِيَ الْمِلْكُ فَكَانَ هَذَا الشَّرْطُ مُلَائِمًا بِحُكْمِهِ لِلْعَقْدِ وَبِصُورَتِهِ غَيْرُ مُلَائِمٍ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُجْبَرُ عَلَى إنْهَاءِ مِلْكِهِ بِالْعِتْقِ. وَبِالشَّرْطِ يُجْبَرُ عَلَيْهِ فَلَا يُحْكَمُ بِفَسَادِ الْعَقْدِ عَلَى الثَّبَاتِ وَلَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ بِوَجْهٍ آخَرَ يَتَقَرَّرُ الْفَسَادُ لِوُجُودِ صُورَةِ الشَّرْطِ دُونَ الْحُكْمِ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ تَتَقَرَّرَ صِفَةُ الْجَوَازِ بِاعْتِبَارِ الْمُلَاءَمَةِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ وَهُوَ إنْهَاءُ الْمِلْكِ بِهِ فَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ الْمُسَمَّى وَإِنَّمَا سَمَّاهُ اسْتِحْسَانًا لِمَعْنَى التَّوَقُّفِ فِيهِ فِي الِابْتِدَاءِ وَمُخَالَفَةِ صُورَتِهِ مَعْنًى بِخِلَافِ شَرْطِ الِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ فَالْمِلْكُ بِهِ لَا يَنْتَهِي، وَمَعْنَى الْمُلَاءَمَةِ بِاعْتِبَارِ إنْهَاءِ الْمِلْكِ بِهِ فَلِهَذَا تَتَعَيَّنُ صِفَةُ الْفَسَادِ هُنَاكَ وَفَّى بِالشَّرْطِ أَوْ لَمْ يَفِ قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَاهُ عَلَى أَنْ يُقْرِضَ لَهُ قَرْضًا أَوْ يَهَبَ لَهُ هِبَةً أَوْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِصَدَقَةٍ أَوْ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ بِكَذَا وَكَذَا مِنْ الثَّمَنِ فَالْبَيْعُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَاسِدٌ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَكُلُّ شَيْءٍ فَسَدَ فِيهِ الْبَيْعُ فَالْمُشْتَرِي إذَا اسْتَهْلَكَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ الْأَصْلِيَّ فِي الْبَيْعِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ وَلِهَذَا كَانَ الْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ الْمَبِيعِ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ

стр. 2715

وَقَبْضُ الْغَصْبِ يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الشِّرَاءِ وَإِنَّمَا يَتَحَوَّلُ مِنْ الْقِيمَةِ إلَى الْمُسَمَّى عِنْدَ صِحَّةِ السَّبَبِ وَتَمَامِهِ، فَإِذَا فَسَدَ السَّبَبُ بَقِيَ الضَّمَانُ الْأَصْلِيُّ كَمَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ بِالْخِيَارِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْقِيمَةِ لِعَدَمِ تَمَامِ السَّبَبِ قَالَ: وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ فِي الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ إقَالَةً مُعَلَّقَةً لِخَطَرِ عَدَمِ النَّقْدِ، وَلَوْ شَرَطَ إقَالَةً مُطْلَقَةً فَسَدَ بِهِ الْعَقْدُ فَإِذَا شَرَطَ إقَالَةً مُعَلَّقَةً أَوْلَى أَنْ يَفْسُدَ بِهِ الْعَقْدُ وَهَذَا الشَّرْطُ لَيْسَ فِي مَعْنَى شَرْطِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَوْ سَكَتَ حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ تَمَّ الْبَيْعُ وَهُنَا لَوْ سَكَتَ حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَجَوَازُ الْبَيْعِ مَعَ شَرْطِ الْخِيَارِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ وَلَكِنْ تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَإِنَّهُ بَاشَرَ الْبَيْعَ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَقَوْلُ الْوَاحِدِ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ كَرِوَايَتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ قَالَ جُزَافًا، وَالْقِيَاسُ لَا يُوَافِقُ قَوْلَهُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ قَالَ سَمَاعًا ثُمَّ هَذَا الشَّرْطُ مِنْ حَيْثُ الْمَقْصُودُ كَشَرْطِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِطُ الْخِيَارَ لِيَتَرَوَّى النَّظَرَ فِيهِ، وَيَكُونَ مُخَيَّرًا فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَتَمَامِهِ، بِهَذَا الشَّرْطِ لَا يَحْصُلُ إلَّا هَذَا الْمَقْصُودُ وَالشَّرْعُ إنَّمَا جَوَّزَ شَرْطَ الْخِيَارِ لِهَذَا الْمَقْصُودِ حَتَّى قَالَ لِحْيَانَ بْنِ مُنْقِذٍ إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ وَلِيَ الْخِيَارُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ قَالَ فَإِنْ اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْقُدْهُ إلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا فَهَذَا الْعَقْدُ فَاسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِهِ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّ عِنْدَهُ شَرْطَ الْخِيَارِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الْعَقْدُ جَائِزٌ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْخِيَارِ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ مُدَّةً مَعْلُومَةً طَالَتْ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَأْذُونِ ذَكَرَ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُ الْأَوَّلُ فَأَمَّا قَوْلُهُ الْأَخِيرُ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى شَرْطِ الْخِيَارِ، وَقَوْلُهُ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَكَذَلِكَ فِي هَذَا الشَّرْطِ، وَجْهُ قَوْلِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمَأْذُونِ أَنَّ الْقِيَاسَ مَا قَالَهُ زُفَرُ فَإِنَّ هَذَا الشَّرْطَ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ لَيْسَ نَظِيرَ شَرْطِ الْخِيَارِ وَلَكِنْ تَرَكْنَا الْقِيَاسَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَفِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ نَأْخُذُ بِالْقِيَاسِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْغَرَرَ يَزْدَادُ بِطُولِ الْمُدَّةِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ الْعَقْدَ لِلْيَسِيرِ مِنْ الْغَرَرِ دُونَ الْكَثِيرِ مِنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّا نُجَوِّزُ

стр. 2716

شِرَاءَ أَحَدِ الثِّيَابِ الثَّلَاثَةِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِيهَا ثُمَّ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْأَرْبَعَةِ لِمَا ذَكَرْنَا قَالَ: وَكُلُّ فَاسِدٍ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بَيْعٍ فَهُوَ مُتَارَكَةٌ لِلْبَيْعِ وَيَبْرَأُ الْمُشْتَرِي مِنْ ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِسَبَبِ فَسَادِ الْبَيْعِ مُسْتَحَقٌّ فِي هَذَا الْمَحِلِّ بِعَيْنِهِ شَرْعًا فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ أَتَى بِهِ يَقَعُ مِنْ الْوَجْهِ الْمُسْتَحَقِّ: كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْوَدَائِعِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمْلِيكِهِ مِنْ الْبَائِعِ بِسَبَبٍ مُبْتَدَإٍ مَأْمُورٌ بِرَدِّهِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَيُكْرَهُ الْمَأْمُورُ بِهِ فَيُتْرَكُ جَانِبُ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي رَدِّهِ عَلَيْهِ قَالَ: وَإِنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَشَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَى مَنْزِلِهِ أَوْ يَطْحَنَ الْحِنْطَةَ أَوْ يَخِيطَ الثَّوْبَ فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالْعَقْدُ لَا يَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَعْضُ الْبَدَلِ بِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ الْمَشْرُوطَ عَلَيْهِ فَهُوَ إجَارَةٌ مَشْرُوطَةٌ فِي الْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِمُقَابَلَتِهِ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ فَهُوَ إعَارَةٌ مَشْرُوطَةٌ فِي الْبَيْعِ وَهُوَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى دَارًا عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا الْبَائِعُ شَهْرًا فَهَذِهِ إعَارَةٌ مَشْرُوطَةٌ فِي الْبَيْعِ وَهُوَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ أَوْ هَذَا شَرْطُ أَجَلٍ فِي الْعَيْنِ، وَالْعَيْنُ لَا تَقْبَلُ الْأَجَلَ قَالَ وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ بِالثَّمَنِ رَهْنًا أَوْ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِالثَّمَنِ فَهَذَا الْعَقْدُ فَاسِدٌ وَالْكَلَامُ فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ يَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ أَمَّا فِي شَرْطِ الْكَفِيلِ سَوَاءٌ سَمَّى الْكَفِيلُ أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ إذَا كَانَ الْكَفِيلُ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَكْفُلُ أَمْ لَا فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ لِمَعْنَى الْغَرَرِ، وَلِأَنَّ جَوَازَ هَذَا الْعَقْدِ يَتَعَلَّقُ بِقَبُولِ الْكَفِيلِ الْكَفَالَةَ فَمَتَى شَرَطَ قَبُولَهُ إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ، وَإِنْ قَبِلَهُ بَعْدَ الْمَجْلِسِ كَالْمُشْتَرِي، فَإِنْ كَانَ الْكَفِيلُ حَاضِرًا أَوْ حَضَرَ وَقَبِلَ قَبْلَ أَنَّ يَتَفَرَّقَا جَازَ الْبَيْعُ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ عَقْدٌ آخَرُ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ فِي شَيْءٍ وَاشْتِرَاطُ هَذَا عَقْدٌ آخَرُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ إذَا كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكَفَالَةِ التَّوَثُّقُ بِالثَّمَنِ فِي مَعْنَى اشْتِرَاطِ زِيَادَةِ وَصْفِ الْجَوْدَةِ فِي الثَّمَنِ، وَلَوْ اشْتَرَطَ فِي الْبَيْعِ ثَمَنًا جَيِّدًا كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا ثُمَّ تَمَامُ هَذَا الْعَقْدِ بِقَبُولِ الْكَفِيلِ فَإِنَّهُ بِقَبُولِهِ يَنْتَفِي مَعْنَى الْغَرَرِ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ كَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ انْتِفَاءِ الْغَرَرِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَشَرْطُ الْحَوَالَةِ فِي هَذَا كَشَرْطِ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي وُجُودَ أَصْلِ الثَّمَنِ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ الْحَوَالَةَ تَحْوِيلٌ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ الثَّمَنِ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَطَ وُجُوبَ الثَّمَنِ ابْتِدَاءً عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَافِي وُجُوبَ الْعَقْدِ فَكَانَ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ قَالَ: وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَرْهَنَهُ بِالثَّمَنِ رَهْنًا فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ مَجْهُولًا فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الرَّهْنِ لَا بُدَّ

стр. 2717

مِنْهُ عِنْدَ هَذَا الشَّرْطِ وَمَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْعَقْدِ فِيهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَلَكِنْ لَوْ أَوْفَاهُ الثَّمَنَ صَحَّ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ قَدْ زَالَ قَبْلَ تَقْرِيرِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الرَّهْنِ لِلِاسْتِيفَاءِ، وَقَدْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيقَةً وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَرْهَنَهُ هَذَا الْمُبْتَاعَ بِعَيْنِهِ فَفِي الْقِيَاسِ الْعَقْدُ فَاسِدٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ شَرْطٌ عُقِدَ فِي عَقْدٍ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ هَذَا الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرَّهْنِ الِاسْتِيفَاءُ فَإِنَّ مُوجِبَهُ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ وَشَرْطُ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ مُلَائِمٌ لِلْعَقْدِ ثُمَّ الرَّهْنُ بِالثَّمَنِ لِلتَّوَثُّقِ بِالثَّمَنِ فَاشْتِرَاطُ مَا يَتَوَثَّقُ بِهِ كَاشْتِرَاطِ صِفَةِ الْجَوْدَةِ فِي الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ إنْ سَمَّى مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا مَوْصُوفًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَجَعَلَهُ رَهْنًا بِالثَّمَنِ لِأَنَّ قَبُولَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ صَحِيحٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فَكَذَلِكَ يَصْلُحُ اشْتِرَاطُهُ رَهْنًا بِالثَّمَنِ، فَإِنْ أَبَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَرْهَنَهُ مَا سَمَّى لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الرَّهْنِ بِالْقَبْضِ وَلَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ لَازِمٍ فَيَصِيرُ الْوَفَاءُ بِهِ مُسْتَحَقًّا كَالْعَدْلِ فِي الرَّهْنِ إذَا سَلَّطَهُ عَلَى الْبَيْعِ كَانَ مُجْبَرًا عَلَيْهِ، وَلَا يَمْلِكُ الرَّاهِنُ عَزْلَهُ بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ مَقْصُودًا وَلَكِنَّا نَقُولُ عَقْدُ الرَّهْنِ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِ الْبَيْعِ فَلَا بُدَّ فِي إتْمَامِهِ مِنْ اتِّحَادِ شَرْطِ الْعَقْدِ وَإِتْمَامِهِ بِالْقَبْضِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ لَا يَلْزَمُ حُكْمُ الرَّهْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ يَدَ الِاسْتِيفَاءِ لَا تَثْبُتُ لَهُ إلَّا بِالْقَبْضِ فَكَذَا اشْتِرَاطُهُ فِي الْعَقْدِ لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَلَكِنْ إنْ أَبَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَرْهَنَهُ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِالْبَيْعِ كَانَ بِهَذَا الشَّرْطِ فَبِدُونِهِ لَا يَكُونُ رَاضِيًا، وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ قَالَ: وَإِنْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْبَطْنِ لَا يَجُوزُ إيجَابُ الْبَيْعِ فِيهِ مَقْصُودًا فَلَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ مَقْصُودًا كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْجَنِينَ مَا دَامَ مُتَّصِلًا بِالْأُمِّ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْأَجْزَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُقْطَعُ بِالْمِقْرَاضِ عَنْهَا وَأَجْزَاءُ الْحَيَوَانِ لَا تَقْبَلُ الْعَقْدَ مَقْصُودًا، وَلَا يَكُونُ مَقْصُودًا بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْجَنِينَ فِي الْبَطْنِ مَجْهُولٌ، وَلَا يَدْرِي أَذَكَرٌ هُوَ أَمْ أُنْثَى وَاحِدًا أَوْ مَثْنَى فَإِذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولًا فَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ يَصِيرُ مَجْهُولًا أَيْضًا وَجَهَالَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَمْنَعُ جَوَازِ الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ إنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى عَدْلِ بُرٍّ أَوْ أَغْنَامٍ أَوْ نَخِيلٍ وَاشْتَرَطَ أَنْ يَرُدَّ الْمُشْتَرِي أَحَدَ الْعَيْنَيْنِ أَوْ يَأْخُذَ الْبَائِعُ إحْدَاهُنَّ بِغَيْرِ عَيْنِهَا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولٌ وَبِهِ يَصِيرُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَجْهُولًا أَيْضًا وَهَذِهِ جَهَالَةٌ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّهَا مُتَفَاوِتَةٌ فِي الْمَالِيَّةِ فَيَفْسُدُ قَالَ: وَإِنْ اشْتَرَى شَاةً عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْحَبَلَ فِي الْبَهَائِمِ وَهِيَ زِيَادَةٌ مَجْهُولَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّ انْتِفَاخَ بَطْنِهَا مِنْ رِيحٍ أَوْ وَلَدٍ وَأَنَّ الْوَلَدَ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَاحِدًا أَوْ مَثْنَى وَالْمَجْهُولُ إذَا ضُمَّ إلَى مَعْلُومٍ يَصِيرُ الْكُلُّ مَجْهُولًا

стр. 2718

وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَ أَنَّهَا تَحْلِبُ كَذَا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ يَعْنِي أَنَّ اشْتِرَاطَ مِقْدَارٍ مِنْ الْبَيْعِ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْبَائِعِ إيجَادُهُ وَلَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَتِهِ فَكَانَ شَرْطًا بَاطِلًا فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ قَالَ: وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهَا حَلُوبٌ أَوْ لَبُونٌ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْفَصْلَ فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ هَذَا مَا لَوْ شَرَطَ أَنَّهَا تَحْلِبُ كَذَا وَكَذَا سَوَاءٌ اللَّبَنُ زِيَادَةُ مَالٍ مُنْفَصِلٍ وَلَا يَكُونُ لَبُونًا حَلُوبًا إلَّا بِهِ وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ مَجْهُولَةٌ عَلَى مَا مَرَّ فَصَارَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ هَذَا شَرْطُ وَصْفٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ فَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهِ كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْعَبْدِ أَنَّهُ كَاتِبٌ أَوْ خَبَّازٌ وَلِأَنَّ هَذَا يُذْكَرُ عَلَى سَبِيلِ بَيَانِ الْوَصْفِ لَا عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ هَذَا وَصْفٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ كَمَا إذَا اشْتَرَى فَرَسًا عَلَى أَنَّهَا هِمْلَاجٌ أَوْ اشْتَرَى كَلْبًا عَلَى أَنَّهُ صَائِدٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَذَا هُنَا وَهَكَذَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْحَلُوبِ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَطَ أَنَّهَا تَحْلِبُ كَذَا؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ بِاشْتِرَاطِ مِقْدَارِ لَبَنٍ فِي الضَّرْعِ لَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَتِهِ قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَى سِمْسِمًا أَوْ زَيْتُونًا عَلَى أَنَّ فِيهِمَا مِنْ الدُّهْنِ كَذَا أَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً بِشَرْطِ أَنْ يَطْحَنَ مِنْهَا كَذَا مَخْتُومَ دَقِيقٍ فَهَذَا شَرْطٌ بَاطِلٌ لَا طَرِيقَ لِلْبَائِعِ إلَى مَعْرِفَتِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ فَيَكُونُ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ. قَالَ وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً وَتَبَرَّأَ مِنْ الْحَبَلِ وَكَانَ بِهَا حَبَلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْحَبَلَ فِي بَنَاتِ آدَمَ أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْمُشْتَرِي حَقَّ الرَّدِّ بِهِ فَإِنَّمَا تَبَرَّأَ الْبَائِعُ مِنْ الْعَيْبِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْعَقْدِ، قَالَ: وَلَيْسَتْ الْبَرَاءَةُ فِي هَذَا كَالْبَهَائِمِ قِيلَ مَعْنَاهُ كَالشَّرْطِ فِي الْبَهَائِمِ فَإِنَّ الْحَبَلَ فِي الْبَهَائِمِ زِيَادَةٌ فَذِكْرُهُ فِي الْعَقْدِ شَرْطُ زِيَادَةٍ مَجْهُولَةٍ وَفِي الْآدَمِيَّةِ عَيْبٌ فَذِكْرُهُ يَكُونُ تَبْرِيئًا مِنْ الْعَيْبِ وَلَا يَكُونُ شَرْطَ زِيَادَةٍ مَجْهُولَةٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إذَا ذَكَرَ الْحَبَلَ فِي الْجَارِيَةِ عَلَى وَجْهِ التَّبَرِّي عَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الْعَيْبُ فَلَا يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ وَإِذَا ذَكَرَهُ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ عَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ شَرْطُ زِيَادَةٍ مَجْهُولَةٍ فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ وَقَدْ ذَكَرَ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ إلَّا أَنْ يُظْهِرَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ يُرِيدُهَا لِلطُّؤْرَةِ فَحِينَئِذٍ يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ لِعِلْمِنَا أَنَّهُ قَصَدَ الْحَبَلَ بِالشَّرْطِ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَعَلَى هَذَا يُحْكَى عَنْ الْهِنْدُوَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إنَّ شَرْطَ الْحَبَلِ إذَا وُجِدَ مِنْ الْبَائِعِ لَمْ يَفْسُدْ بِهِ الْعَقْدُ وَإِنْ شَرَطَهُ الْمُشْتَرِي يَفْسُدْ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا يَذْكُرُ الْحَبَلَ عَلَى وَجْهِ بَيَانِ الْعَيْبِ عَادَةً وَالْمُشْتَرِي يَذْكُرُ عَلَى وَجْهِ اشْتِرَاطِ الزِّيَادَةِ. قَالَ: رَجُلٌ اشْتَرَى جَارِيَةً بِجَارِيَتَيْنِ إلَى أَجَلٍ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُثْبِتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ وَلِأَنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النِّسَاءَ فَإِنْ قَبَضَ

стр. 2719

الْجَارِيَةَ فَذَهَبَتْ عَيْنُهَا عِنْدَهُ مِنْ عَمَلِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ عَمَلِهِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيُضَمِّنَهُ نِصْفَ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ وَفَوَاتُ النِّصْفِ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرَى كَفَوَاتِ الْكُلِّ وَلَوْ هَلَكَتْ كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهَا سَوَاءٌ هَلَكَتْ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَكَذَلِكَ إذَا ذَهَبَ نِصْفُهَا، وَهَذَا لِأَنَّهَا صَارَتْ مَضْمُونَةً بِالْقَبْضِ، وَالْأَوْصَافُ تُضْمَنُ بِالْقَبْضِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ فَإِنَّ الْجَارِيَةَ الْمَغْصُوبَةَ إذَا ذَهَبَتْ عَيْنُهَا عِنْدَ الْغَاصِبِ أَخَذَهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مَعَ نِصْفِ قِيمَتِهَا، وَلَوْ فَقَأَ عَيْنَهَا غَيْرُهُ فَإِنَّ الْبَائِعَ يَأْخُذُهَا؛ لِأَنَّ فَسْخَ الْعَقْدِ فِيهَا مُسْتَحَقٌّ شَرْعًا فَمَا دَامَتْ قَائِمَةً كَانَ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَهَا ثُمَّ يَتَخَيَّرُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا فَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ ذَلِكَ الْفَاقِئُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ بِالْأَخْذِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِيهَا وَيَعُودُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْبَائِعِ فَجِنَايَةُ الْفَاقِئِ كَانَتْ عَلَى مِلْكِهِ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ نِصْفَ قِيمَتِهَا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا فَكَانَتْ كَالْمَغْصُوبَةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ عَلَى الْفَاقِئِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ تَقَرَّرَ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ حِينَ ضَمِنَ بَدَلَهُ وَهُوَ كَالْغَاصِبِ فِي ذَلِكَ. وَإِنْ ضَمِنَ الْفَاقِئُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ بِجِنَايَتِهِ فَأَمَّا إذَا قَتَلَهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَاتِلٌ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُشْتَرِيَ قِيمَتَهَا وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْقَاتِلِ بِخِلَافِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّ الْمَغْصُوبَةَ إذَا قَتَلَهَا إنْسَانٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ يَتَخَيَّرُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ قِيمَتَهَا وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْقَاتِلَ بِخِلَافِ الْمُشْتَرَاةِ شِرَاءً فَاسِدًا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ عَلَى مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَالْقَاتِلُ مِنْ الْقَاتِلِ جِنَايَةً عَلَى مُلْكِهِ فَيَتَخَيَّرُ فِي التَّضْمِينِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ بِالْغَصْبِ أَوْ الْقَاتِلَ بِالْقَتْلِ وَهُنَا قَدْ صَارَتْ الْجَارِيَةُ مَمْلُوكَةً لِلْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ وَبِالْقَتْلِ يَتَعَذَّرُ فَسْخُ الْبَيْعِ فِيهَا وَلَا يَعُودُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ فَلِهَذَا تَعَيَّنَ حَقُّ الْبَائِعِ فِي تَضْمِينِ الْمُشْتَرِي وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْقَاتِلَ وَفِي فَقْءِ الْعَيْنِ مَا تَعَذَّرَ فَسْخُ الْعَقْدِ فِيهَا، وَإِذَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيهَا بِالرَّدِّ كَانَتْ جِنَايَةُ الْفَاقِئِ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ فَلِذَلِكَ يَتَخَيَّرُ الْبَائِعُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْقَاتِلَ بِالْقَتْلِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ بِالْقَبْضِ كَمَا فِي الْغَصْبِ، ثُمَّ إذَا ضَمَّنَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ قِيمَتَهَا فِي الْقَتْلِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُضَمِّنَ الْقَاتِلَ قِيمَتَهَا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِلْكَهُ فِيهَا بِالْجِنَايَةِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا قَالَ: فَلَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ كَمَا هِيَ غَيْرَ أَنَّهَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَخَذَ الْبَائِعُ الْجَارِيَةَ وَالْوَلَدَ الْبَاقِيَ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ كَالْمَغْصُوبَةِ مُسْتَحَقَّةُ الرَّدِّ بِزَوَائِدِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْعَيْنِ وَوُجُوبُ الرَّدِّ كَانَ حُكْمًا مُتَقَرِّرًا فِيهَا فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ، وَلِأَنَّ مِلْكَ الْأَصْلِ يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ وَالثَّابِتُ لِلْمُشْتَرِي فِي الْأَصْلِ كَانَ مِلْكًا مُسْتَحَقَّ

стр. 2720

الْإِزَالَةِ بِالرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ فَثَبَتَ مِثْلُهُ فِي الْوَلَدِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ الْمَيِّتِ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ الْمَغْصُوبِ إذَا مَاتَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ لَمْ يَضْمَنْ لِانْعِدَامِ الصُّنْعِ مِنْهُ فَهَذَا مِثْلُهُ قَالَ فَإِنْ كَانَتْ الْوِلَادَةُ قَدْ نَقَصَتْهَا وَفِي الْوَلَدِ الثَّانِي وَفَاءٌ بِجَمِيعِ ذَلِكَ النُّقْصَانِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِرَدِّهِ مَا يَنْجَبِرُ بِهِ النُّقْصَانُ فَإِنَّ نُقْصَانَ الْوِلَادَةِ يَتَخَيَّرُ بِالْوَلَدِ عِنْدَنَا، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْمَغْصُوبَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُشْتَرَاةِ شِرَاءً فَاسِدًا، وَالْوَلَدُ الْمَيِّتُ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَكَأَنَّهَا وَلَدَتْ وَلَدًا وَاحِدًا قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَلَدِ الْبَاقِي وَفَاءُ النُّقْصَانِ فَعَلَى الْمُشْتَرِي تَمَامُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ انْجِبَارَ النُّقْصَانِ بِالْوَلَدِ لِصِفَةِ الْمَالِيَّةِ، وَإِنَّمَا يَنْجَبِرُ بِقَدْرِ مَالِيَّةِ الْوَلَدِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ بِإِزَائِهِ مَا يَجْبُرُهُ فَعَلَى الْمُشْتَرِي ضَمَانُ ذَلِكَ قَالَ وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مَاتَ مِنْ فِعْلِ الْمُشْتَرِي أَوْ مَنَعَهُ بَعْدَ طَلَبِ الْبَائِعِ حَتَّى مَاتَ صَارَ الْمُشْتَرِي ضَامِنًا بِقِيمَتِهِ يَرُدُّهَا مَعَ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِانْعِدَامِ الصُّنْعِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ فِيهِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ بِالْإِتْلَافِ أَوْ الْمَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ ثُمَّ رَدُّ قِيمَةِ الْوَلَدِ كَرَدِّ عَيْنِهِ حَتَّى إذَا كَانَ فِيهَا وَفِي مَالِيَّةِ الْحَيِّ وَفَاءٌ بِالنُّقْصَانِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا وَفَاءٌ بِنُقْصَانِ الْوِلَادَةِ فَعَلَى الْمُشْتَرِي تَمَامُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِانْجِبَارَ بِقَدْرِ الْمَالِيَّةِ عَلَى مَا مَرَّ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ الْأُمُّ هِيَ الْمَيِّتَةُ وَالْوَلَدَانِ حَيَّانِ أَخَذَ الْبَائِعُ الْوَلَدَيْنِ وَقِيمَةَ الْأُمِّ يَوْمَ قَبْضِهِ الْمُشْتَرَى، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ بَيْعٍ فَاسِدٍ؛ لِأَنَّ حَقَّ الِاسْتِرْدَادِ ثَابِتٌ لِلْبَائِعِ فِي الْوَلَدَيْنِ فَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ بِهَلَاكِ الْأُمِّ كَالْمَغْصُوبَةِ إذَا وَلَدَتْ ثُمَّ مَاتَتْ كَذَلِكَ هُنَا، وَإِنْ كَانَ ضَامِنًا قِيمَتَهَا لِلْبَائِعِ حِينَ قَبَضَهَا؛ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ بِالْقَبْضِ وَتَعَذَّرَ رَدُّهَا فَيَجِبُ ضَمَانُ قِيمَتِهَا وَالْوَلَدُ تَبَعٌ فَلَا يَقُومُ مَقَامَ الْأَصْلِ فِي حَقِّ الرَّدِّ حَتَّى لَا يَسْقُطَ بِرَدِّ الْوَلَدَيْنِ ضَمَانُ قِيمَةِ الْأُمِّ، وَإِنْ كَانَ فِي مَالِيَّتِهِمَا وَفَاءٌ بِذَلِكَ بِخِلَافِ نُقْصَانِ الْوِلَادَةِ فَالْفَائِتُ هُنَاكَ وَصْفٌ هُوَ بَيْعٌ ثُمَّ الْخِلَافَةُ هُنَاكَ بِاتِّحَادِ السَّبَبِ فَإِنَّ سَبَبَ النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ وَاحِدَةٌ وَهَذَا لَا يُوجَدُ هُنَا فَإِنَّ مَوْتَ الْأُمِّ لَمْ يَكُنْ بِالْوِلَادَةِ وَلَوْ كَانَ بِالْوِلَادَةِ فَالْوِلَادَةُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَوْتٌ لَا تُوجِبُ الزِّيَادَةُ وَلَدًا وَلِذَا لَا يَنْجَبِرُ قَدْرُ النُّقْصَانِ بِالْوَلَدَيْنِ بَعْدَ مَوْتِ الْأُمِّ حَتَّى يَضْمَنَ كَمَالَ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ هُنَا لَا يَحْتَاجُ إلَى جَبْرِ النُّقْصَانِ بَعْدَ مَوْتِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَتُقَرَّرُ الْقِيمَةِ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ قَبْضِهَا فَإِذَا مَاتَ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ النُّقْصَانَ حَاصِلٌ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى جَبْرِ هَذَا النُّقْصَانِ بِالْوَلَدِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَقِيَتْ الْأُمُّ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ فَسْخُ الْعَقْدِ فِيهَا بِالرَّدِّ، فَإِنْ رَدَّهَا عَادَتْ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْبَائِعِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ النُّقْصَانَ حَصَلَ فَوَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى انْجِبَارِ النُّقْصَانِ بِخُلْفٍ قَائِمٍ مَقَامَهُ وَهُوَ الْوَلَدُ فَلِهَذَا افْتَرَقَا قَالَ وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْمِلْكِ إذَا

стр. 2721

اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَنْعَقِدُ لِلْمِلْكِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَنْبَنِي عَلَى مَسْأَلَةٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَهُوَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَشْرُوعَةً عِنْدَنَا فَإِنَّ ذَلِكَ مُوجِبُ النَّسْخِ وَالنَّهْيِ عَنْ النَّسْخِ وَعِنْدَنَا يُخْرِجُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَشْرُوعَةً بِمُقْتَضَى النَّهْيِ فَإِنَّ صِفَةَ الْقُبْحِ مِنْ ضَرُورَةِ النَّهْيِ كَمَا أَنَّ صِفَةَ الْجِنْسِ مِنْ ضَرُورَةِ الْأَمْرِ، وَالْمَشْرُوعُ مَا يَكُونُ مُرْضِيًا وَالْقَبِيحُ مَا لَا يَكُونُ مُرْضِيًا فَيَنْعَدِمُ أَصْلُ الْعَقْدِ لِضَرُورَةِ النَّهْيِ وَمُقْتَضَاهُ وَلَكِنَّا نَقُولُ مُوجِبُ النَّهْيِ الِانْتِهَاءُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ الْمُنْتَهَى مُخْتَارًا فِيهِ كَمَا أَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ الِائْتِمَارُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ الْمُؤْتَمَرُ مُخْتَارًا فِيهِ، فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ تَقَرُّرِ الْمَشْرُوعِ مَشْرُوعًا بِاعْتِبَارِ هَذَا الْأَصْلِ ثُمَّ يَخْرُجُ الْمُقْتَضَى عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ أَوْلَى مِنْ إعْلَامِ الْمَقْضِيّ بِالْمُقْتَضَى وَهَذِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَأَمَّا التَّخْرِيجُ هُنَا عَلَى الْأَصْلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّ النَّهْيَ مَتَى كَانَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمُنْهَى عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُعْدَمُ الْمَشْرُوعُ كَالنَّهْيِ عَنْ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ وَإِنْ كَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ بِعَدَمِهِ كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ. وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ النَّهْيُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَلِهَذَا أَفْسَدَ الْبَيْعَ، وَيَتَّضِحُ هَذَا فِي الْبَيْعِ بِالْخَمْرِ، فَالْبَيْعُ مُبَادَلَةُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ، وَالْخَمْرُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ حَتَّى لَا يُمْلَكَ بِالْعَقْدِ، وَإِنْ قَبَضَ فَلَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا حُكْمُهُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ فِي حَقِّ حُكْمِهِ، وَهُوَ الْمِلْكُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْبَيْعَ مُوجِبٌ لِلْمِلْكِ بِنَفْسِهِ ثُمَّ الْفَاسِدُ مِنْهُ لَا يَكُونُ مُوجِبًا الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ يَنْعَقِدُ فِي حُكْمِ الْمِلْكِ وَثُبُوتُ الضَّمَانِ بِالْقَبْضِ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ بِالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ وَلَا عَقْدَ، وَإِنْ كَانَ مُنْعَقِدًا بِصِفَةِ الْفَسَادِ لَمَّا مَنَعَتْ ثُبُوتَ الْمِلْكِ بِالْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ قَائِمٌ بَعْدَهُ؛ وَلِأَنَّ بِالْقَبْضِ يَزْدَادُ الْفَسَادُ وَالْحُرْمَةُ، وَكُلُّ مَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ بِالْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَمْنَعُ بَعْدَ الْقَبْضِ كَخِيَارِ الشَّرْطِ وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ مَعَ خِيَارِ الشَّرْطِ لَا يَتِمُّ الرِّضَا مِنْ الْبَائِعِ وَمَعَ الْفَسَادِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ صَارَ مَمْلُوكًا إنَّمَا يَصِيرُ مَمْلُوكًا بِالْقِيمَةِ، وَالْبَائِعُ لَمْ يَرْضَ بِهَذَا وَلِهَذَا ثَبَتَ خِيَارُ الْفَسْخِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ وَلِأَنَّ هَذَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَالْفَاسِدُ مِنْهُ لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْمِلْكِ كَالنِّكَاحِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مَشْرُوعٌ مَحْبُوبٌ فَيَسْتَدْعِي سَبَبًا مُرْضِيًا شَرْعِيًّا بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ حَيْثُ انْعَقَدَ الْعَقْدُ مَعَ صِفَةِ الْفَسَادِ فَفِيهَا مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِشَرْطِ الْأَدَاءِ، وَالْحُرْمَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ التَّعْلِيقِ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ زَنَيْتِ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَإِنَّمَا يَنْزِلُ الْعِتْقُ هُنَاكَ لِمَعْنَى التَّعْلِيقِ دُونَ الْمُعَاوَضَةِ

стр. 2722

وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّخْرِيجُ عَلَى الْأَصْلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ هَذَا النَّهْيُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ لَهُ وَلَا يَخْتَلُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَانْعِقَادُ الْعَقْدِ يُوجِبُ رُكْنَهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَالنَّهْيُ كَانَ لِلشَّرْطِ وَهُوَ وَرَاءَ مَا يَتِمُّ الْعَقْدُ بِهِ. وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ الرِّبَا لِلْفَضْلِ الْخَالِي عَنْ الْمُقَابَلَةِ وَهُوَ وَرَاءَ مَا يَتِمُّ بِهِ الْعَقْدُ فَلَا يَنْعَقِدُ فِيهِ أَصْلُ الْعَقْدِ وَالْعَقْدُ لَا يَنْعَقِدُ شَرْعًا إلَّا مُوجِبًا حُكْمَهُ؛ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ تُطْلَبُ لِأَحْكَامِهَا فَإِذَا كَانَتْ خَالِيَةً عَنْ الْحُكْمِ تَكُونُ لَغْوًا وَلَكِنَّ الْحُكْمَ مُتَّصِلٌ بِهَا تَارَةً وَيَتَأَخَّرُ أُخْرَى كَالْهِبَةِ فَإِنَّهَا عَقْدُ تَمْلِيكٍ، ثُمَّ الْمِلْكُ بِهَا يَتَأَخَّرُ إلَى الْقَبْضِ. قَوْلُهُ بِأَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِهِ قُلْنَا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ اتَّصَلَ بِوَصْفِهِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ وَالْأَجَلَ لَوْ كَانَ جَائِزًا كَانَ عَمَلُهُ فِي تَغْيِيرِ وَصْفِ الْعَقْدِ لَا فِي تَغْيِيرِ أَصْلِهِ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فَاسِدًا يَكُونُ عَمَلُهُ فِي تَغْيِيرِ وَصْفِ الْعَقْدِ حَتَّى يَصِيرَ الْعَقْدُ فَاسِدًا، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ انْعِدَامِ الْأَصْلِ بَلْ مِنْ ضَرُورَتِهِ انْعِقَادُ الْأَصْلِ، فَالصِّفَةُ لَا تَكُونُ بِدُونِ الْمَوْصُوفِ، وَهَكَذَا نَقُولُ فِي النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ مَعَ الْفَسَادِ وَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ وَالنَّسَبِ عِنْدَ الدُّخُولِ إلَّا أَنَّهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِحَسَبِ النَّسَبِ فَالْعَقْدُ الْفَاسِدُ إنَّمَا يُثْبِتُ مِلْكًا حَرَامًا وَلَيْسَ فِي النِّكَاحِ إلَّا مِلْكُ الْحِلِّ وَبَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ مُنَافَاةٌ فَكَانَ مِنْ ضَرُورَةِ الْفَسَادِ هُنَاكَ انْتِفَاءُ الْمِلْكِ. وَهُنَا بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ إنَّمَا يَثْبُتُ مِلْكٌ حَرَامٌ وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ انْتِفَاءُ مِلْكِ الْيَمِينِ كَالْعَصِيرِ يَتَخَمَّرُ يَبْقَى مَمْلُوكًا وَإِنْ كَانَ حَرَامًا، وَكَشِرَاءِ الرَّجُلِ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ فَيَمْلِكُهَا وَإِنْ كَانَتْ حَرَامًا عَلَيْهِ فَأَثْبَتْنَا الْمِلْكَ لِهَذَا وَلَكِنَّ الْعَقْدَ بِصِفَةِ الْفَسَادِ يُضَعَّفُ فَيَتَأَخَّرُ الْحُكْمُ إلَى انْضِمَامِ مَا يَقُومُ إلَيْهِ وَهُوَ الْقَبْضُ كَعَقْدِ التَّبَرُّعِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْمِلْكُ قَبْلَ الْقَبْضِ يَثْبُتُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَإِنَّ الْمُسَمَّى لَا يَجِبُ لِلْفَسَادِ، وَالضَّمَانُ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْقَبْضِ فَلِهَذَا تَأَخَّرَ الْمِلْكُ إلَى مَا بَعْدَ الْقَبْضِ، وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ انْعَقَدَ مُفِيدًا لِحُكْمِهِ وَلَكِنَّهُ أَخَّرَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ إلَى سُقُوطِ الْخِيَارِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ وَالْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ مُقَدَّمٌ قَبْلَ الشَّرْطِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَذَّرَ إعْمَالُ التَّعْلِيقِ فِي أَصْلِ السَّبَبِ فَيُجْعَلُ عَامِلًا فِي الْحُكْمِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْفَسَادِ انْعِدَامُ الْعَقْدِ شَرْعًا كَالْإِحْرَامِ يَفْسُدُ بِالْجِمَاعِ وَيَبْقَى أَصْلُهُ، وَالطَّلَاقُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ حَرَامٌ شَرْعًا، وَيَكُونُ مُفِيدًا بِحُكْمِهِ وَالظِّهَارُ حَرَامٌ شَرْعًا ثُمَّ يَنْعَقِدُ مُوجِبًا حُكْمَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَقْبُوضَ يَصِيرُ مَضْمُونًا وَالضَّمَانُ إنَّمَا يَجِبُ بِطَرِيقِ الْجُبْرَانِ أَوْ بِالْعَقْدِ، وَهُنَا وُجُوبُ الضَّمَانِ لَيْسَ بِطَرِيقِ

стр. 2723

الْجَبْرِ؛ لِأَنَّهُ يَقْبِضُهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَعَرَفْنَا أَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ بِالْعَقْدِ، وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الْبَيْعِ أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْعَقْدِ وَلَكِنْ عَلَى وَجْهٍ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْمَوْعُودَ مِنْ الْعَقْدِ كَالْمُتَحَقِّقِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ مَوْجُودٌ هُنَا فَعَرَفْنَا أَنَّ الضَّمَانَ بِاعْتِبَارِ الْعَقْدِ الْمُتَحَقِّقِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْبَيْعِ مَعَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ فَكَذَلِكَ فِي الرِّبَا؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ يَكُونُ لِمَعْنًى فِي وَصْفِ الْعَقْدِ، فَإِنَّ بِالْفَضْلِ يَصِيرُ الْبَيْعُ رَابِحًا، وَكَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ بِالْخَمْرِ فَإِنَّ رُكْنَ الْعَقْدِ الْمَالِيَّةُ فِي الْبَدَلَيْنِ وَبِتَخَمُّرِ الْعَصِيرِ لَا تَنْعَدِمُ الْمَالِيَّةُ وَإِنَّمَا يَنْعَدِمُ التَّقَوُّمُ شَرْعًا فَإِنَّ الْمَالِيَّةَ تَكُونُ بِكَوْنِ الْعَيْنِ مُنْتَفَعًا بِهَا وَقَدْ أَثْبَتَ اللَّهُ - تَعَالَى - ذَلِكَ فِي الْخَمْرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] وَلِأَنَّهُ كَانَ مَالًا مُتَقَوِّمًا قَبْلَ التَّحْرِيمِ. وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ حُرْمَةُ التَّنَاوُلِ وَنَجَاسَةُ الْعَيْنِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ انْعِدَامُ الْمَالِيَّةِ كَالسِّرْقِينِ إلَّا أَنَّهُ فَسَدَ تَقَوُّمُهُ شَرْعًا لِضَرُورَةِ وُجُوبِ الِاجْتِنَابِ عَنْهُ بِالنَّصِّ، وَلِهَذَا يَكُونُ مَالًا فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَانْعَقَدَ الْعَقْدُ بِوُجُودِ رُكْنِهِ فِي مَحَلِّهِ بِصِفَةِ الْفَسَادِ وَلَكِنَّ الْخَمْرَ لَا يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ شَرْعًا فَيُمْلَكُ بِأَدَائِهِ لِانْعِقَادِ الْعَقْدِ مُوجِبًا الْمِلْكَ فِيهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ فَذَلِكَ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّ أَحَدٍ فَلِانْعِدَامِ رُكْنِ الْعَقْدِ فِي مَحَلِّهِ لَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَعْتَقَ الْجَارِيَةَ الَّتِي اشْتَرَاهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ بَعْدَ قَبْضِهِ إيَّاهَا أَوْ بَاعَهَا أَوْ مَهَرَهَا أَوْ وَهَبَهَا وَسَلَّمَهَا أَوْ دَبَّرَهَا أَوْ كَاتَبَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا جَازَ جَمِيعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي نَظِيرِ هَذَا قَالَ: لِأَنَّهُ مَالِكٌ رَقَبَتَهَا وَهُنَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ سَلَّطَهُ عَلَيْهَا وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ تَسْلِيطٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فَصَارَ كَمَا لَوْ سَلَّطَهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ نَصًّا بِأَنْ قَالَ أَعْتَقْتُهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ إذَا اشْتَرَى طَعَامًا حَلَّ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ سَلَّطَهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ الْعَقْدُ الْجَائِزُ يَعْتَبِرُ التَّسْلِيطَ فِي حَقِّ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ فَكَذَا فِي حَقِّ الْفَاسِدِ وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مِمَّا لَا يُسْتَبَاحُ بِصَرِيحِ التَّسْلِيطِ فَكَذَلِكَ لَا يُسْتَبَاحُ بِهِ دَلَالَةً، وَيَعُودُ التَّصَرُّفُ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْمِلْكِ دُونَ صِفَةِ الْحِلِّ وَقَدْ ثَبَتَ أَصْلُ الْمِلْكِ فَيَثْبُتُ التَّسْلِيطُ عَلَى التَّصَرُّفِ ثُمَّ قَدْ تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهَا فَيَلْزَمُهُ رَدُّ قِيمَتِهَا، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ الرَّدُّ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ نَحْوُ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ شَرَى فَاسِدًا لَمَّا بَاعَ مِنْ غَيْرِهِ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ تَعَلَّقَ بِهَذَا الْعَيْنِ حَقُّ الْمُشْتَرِي الثَّانِي وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ حَيْثُ فَسْخُ الْعَقْدِ بِالرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - مَعَ حَقِّ الْعَبْدِ إذَا اجْتَمَعَا تَقَدَّمَ حَقُّ الْعَبْدِ لَا تَهَاوُنًا بِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَغْنَى وَالْعَفْوُ مِنْهُ أَرْجَى بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي مِنْ

стр. 2724

الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُشْتَرِي وَحَقُّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَقَّيْنِ حَقُّ الْعَبْدِ فَتُرُجِّحَ حَقُّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ. قَالَ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْوَطْءِ مَهْرٌ وَفِي كِتَابِ السَّرَبِ يَقُولُ وَعَلَيْهِ الْعُقْرُ قَبْلَ تَأْوِيلِ الْمَسْأَلَةِ إذَا لَمْ يَسْتَوْلِدْهَا بِالْوَطْءِ حَتَّى رَدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ فَإِنَّ بِرَدِّهَا يَنْفَسِخُ الْمِلْكُ مِنْ الْأَصْلِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْوَطْءَ صَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ فَيَلْزَمُهُ الْعُقْرُ بِالْوَطْءِ وَهُنَا قَالَ اسْتَوْلَدَهَا وَبِالِاسْتِيلَادِ يَتَقَرَّرُ مِلْكُهُ فَإِنَّمَا وَطِئَهَا وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ الْعَقْدُ بِذَلِكَ وَقِيلَ: مَا ذُكِرَ هُنَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَمَا ذُكِرَ هُنَاكَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْلُهُ فِيمَا ذَكَرَ هِشَامٌ أَنَّهَا لَوْ زَادَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فِي بَدَنِهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَعَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهَا وَقْتَ الْقَبْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَقْتَ الْعِتْقِ فَلَمَّا كَانَ مُحَمَّدٌ ثَبَّتَ حَقَّ الْبَائِعِ فِي الزِّيَادَةِ وَيَجْعَلُهَا مَضْمُونَةً عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْإِتْلَافِ فَكَذَلِكَ الْمُسْتَوْفِي بِالزِّيَادَةِ فِي حُكْمِ زِيَادَةٍ هِيَ ثَمَرَةٌ وَمِنْ أَصْلِهَا أَنَّ الزِّيَادَةَ تَكُونُ فِي يَدٍ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْمُشْتَرَى بِالْإِتْلَافِ فَكَذَلِكَ الْمُسْتَوْفِي بِالْوَطْءِ فَلِهَذَا لَا مَهْرَ عَلَيْهِ قَالَ: وَإِنْ رَهَنَهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ يَكُونُ لَازِمًا فِي حَقِّ الرَّاهِنِ فَيَثْبُتُ بِهِ عَجْزُهُ عَنْ رَدِّ الْعَيْنِ فَلِهَذَا لَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا وَإِنْ افْتَكَّهَا قَبْلَ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْقَاضِي قِيمَتَهَا رَدَّهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ قَدْ زَالَ قَبْلَ تَحَوُّلِ حَقِّ الْبَائِعِ إلَى الْقِيمَةِ. وَكَذَلِكَ إنْ عَجَزَتْ عَنْ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ حَقُّ الْمُكَاتَبِ، وَقَدْ سَقَطَ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ الْحَقُّ إلَى الْقِيمَةِ فَإِنَّ التَّحَوُّلَ إنَّمَا يَكُونُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَكَذَلِكَ إنْ رَجَعَ فِي الْهِبَةِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ رَدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ إلَيْهِ قَدِيمُ مِلْكِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ فَكَذَلِكَ إنْ رَدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَمْنَعُ قَضَاءَ الْقَاضِي بِالْقِيمَةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِالْقِيمَةِ فَقَدْ تَمَّ تَحَوُّلُ الْحَقِّ إلَى الْقِيمَةِ فَلَا يَعُودُ فِي الْعَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَبِقَ الْمَغْصُوبُ فَقَضَى الْقَاضِي بِقِيمَتِهِ عَلَى الْغَاصِبِ ثُمَّ عَادَ قَالَ: وَلَوْ كَانَ أَجَّرَهَا فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْإِجَارَةَ وَيَرُدَّهَا؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ بِالْأَعْذَارِ وَقِيَامُ حَقِّ الشَّرْعِ فِي الرَّدِّ لِفَسَادِ السَّبَبِ مِنْهُ أَقْوَى الْأَعْذَارِ فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ أَجَّرَ الْمَبِيعَ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْإِجَارَةَ لِيَرُدَّهُ فَهَذَا أَوْلَى قَالَ وَإِنْ اشْتَرَى الرَّجُلُ شَيْئًا إلَى الْحَصَادِ أَوْ إلَى الدِّيَاسِ أَوْ إلَى الْعَطَاءِ أَوْ إلَى جُذَاذِ النَّخْلِ أَوْ رُجُوعِ الْحَاجِّ فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ بَلَغَنَا نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْبَيْعِ إلَى الْعَطَاءِ فَإِنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تُجِيزُ الْبَيْعَ إلَى الْعَطَاءِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كَانَ يُفْسِدُ ذَلِكَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى

стр. 2725

- ﵀ أَخَذَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ وَقَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالْمَالُ حَالٌّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ صَالِحًا لِلْأَجَلِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَغَا ذِكْرَهُ فَأَمَّا عَائِشَةُ كَانَتْ تَقُولُ: وَقْتُ خُرُوجِ الْعَطَاءِ مَعْلُومٌ بِالْعُرْفِ لَا يَتَأَخَّرُ الْخُرُوجُ عَنْهُ إلَّا نَادِرًا فَكَانَ هَذَا بَيْعًا بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَلَكِنَّا أَخَذْنَا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁؛ لِأَنَّ الْعَطَاءَ فِعْلُ الْعِبَادِ قَدْ يَتَقَدَّمُ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ بِحَسَبِ مَا يَبْدُو لَهُمْ وَالْآجَالُ بِالْأَوْقَاتِ دُونَ الْأَفْعَالِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] ثُمَّ الشَّرْطُ فِي الْبُيُوعِ بِبَدَلٍ مُؤَجَّلٍ إعْلَامُ الْأَجَلِ كَمَا قَالَ ﷺ فِي السَّلَمِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَإِعْلَامُ الْأَجَلِ يَكُونُ بِمَا لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ مِنْ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ فَأَمَّا مَا يَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ يَكُونُ مَجْهُولًا وَكَذَلِكَ الْحَصَادُ فَإِنَّهُ مِنْ أَفْعَالِنَا، وَقَدْ يَتَقَدَّمُ أَوْ أَنَّهُ قَدْ يَتَعَجَّلُ الْحَرُّ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ إذْ إبْطَاءُ الْبَرْدِ وَالدِّيَاسِ وَجُذَاذِ النَّخْلِ وَكَذَلِكَ الْحَصَادُ وَرُجُوعُ الْحَاجِّ فِعْلُهُ قَدْ يَتَقَدَّمُ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ قَالَ: فَإِنْ أَبْطَلَ الْمُشْتَرِي الْأَجَلَ الْفَاسِدَ وَنَقَدَ الثَّمَنَ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ عَنْ الْمَجْلِسِ جَازَ الْبَيْعُ عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ فَاسِدًا وَتَصْحِيحُ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ فِي اسْتِقْبَالِهِ كَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِالْإِشْهَادِ وَالنِّكَاحُ إلَى أَجَلٍ لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِإِسْقَاطِ الْأَجَلِ، وَدَلِيلُ فَسَادِ الْعَقْدِ أَنَّ الْمَبِيعَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْقِيمَةِ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فَسْخِ الْعَقْدِ بِغَيْرِ رِضَاءِ صَاحِبِهِ، وَأَنَّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ بِزَوَائِدِهِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْمَانِعُ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ زَالَ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ كَمَا لَوْ بَاعَ فَصًّا فِي خَاتَمٍ أَوْ جِذْعًا فِي سَقْفٍ ثُمَّ نَزَعَهُ وَسَلَّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي الْبَيْعُ كَانَ صَحِيحًا وَتَحْقِيقُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ نَفْسَ الْأَجَلِ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْبَيْعِ، وَإِنَّمَا الْمُفْسِدُ جَهَالَةُ وَقْتِ الْحَصَادِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْحَالِ فَالشِّتَاءُ لَيْسَ زَمَانَ الْحَصَادِ بِيَقِينٍ، وَلَكِنَّهُ وَصَلَ ذَلِكَ الزَّمَانَ بِمَا قَبْلَهُ فِي الذِّكْرِ وَلِأَجْلِهِ فَسَدَ الْعَقْدُ وَهَذَا اتِّصَالٌ يَعْرِضُ لِلْفَصْلِ فَإِذَا أَسْقَطَهُ مَجِيءُ أَوَانِ الْحَصَادِ فَقَدْ تَحَقَّقَ الِانْفِصَالُ فَبَقِيَ الْعَقْدُ صَحِيحًا كَمَا فِي الْجِذْعِ فَإِنَّهُ عَيْنُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ وَلَكِنْ لِاتِّصَالِهِ بِالسَّقْفِ وَلِلضَّرَرِ فِي نَزْعِهِ كَانَ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فَإِذَا نَزَعَهُ زَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَذَا هَذَا حَتَّى لَوْ جَاءَهُ زَمَانُ الْحَصَادِ وَتَحَقَّقَ الِاتِّصَالُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ بِتَقَرُّرِ الْفَسَادِ، وَهَذَا بِخِلَافِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ هُنَاكَ انْعِدَامُ شَرْطِ الْجَوَازِ وَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَالنِّكَاحُ إلَى أَجَلٍ مُتْعَةٌ وَالْمُتْعَةُ عَقْدٌ آخَرُ سِوَى النِّكَاحِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ إلَى هُبُوبِ الرِّيحِ وَإِمْطَارِ السَّمَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأَجَلٍ فَالْأَجَلُ مَا يَكُونُ مُنْتَظَرَ الْوُجُودِ، وَهُبُوبُ الرِّيحِ وَإِمْطَارُ السَّمَاءِ قَدْ يَتَّصِلُ بِكَلَامِهِ

стр. 2726

فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِأَجَلٍ بَلْ هُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ وَلِأَجْلِهِ فَسَدَ الْعَقْدُ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ بِأَلْفٍ وَبِرَطْلٍ مِنْ خَمْرٍ فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَقْدَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا عِنْدَنَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى إسْقَاطِ الْخَمْرِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الصَّرْفِ إلَّا أَنَّ هُنَاكَ لَا يَنْفَرِدُ بِهِ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْبَدَلِ فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِهِمَا وَهُنَا يَنْفَرِدُ بِهِ مَنْ لَهُ الْأَجَلُ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهِ فَيَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ. قَالَ: وَإِنْ اشْتَرَى إلَى النَّيْرُوزِ أَوْ إلَى الْمِهْرَجَانِ فَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ آجَالِ الْمُسْلِمِينَ وَلِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ وَقْتَ ذَلِكَ عَادَةً وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَهُوَ جَائِزٌ بِمَنْزِلَةِ الْأَهِلَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ إعْلَامُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْأَجَلَ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ إلَى الْمِيلَادِ قِيلَ: الْمُرَادُ وَقْتُ نِتَاجِ الْبَهَائِمِ. وَذَلِكَ قَدْ يَتَقَدَّمُ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ بِمَنْزِلَةِ الْحَصَادِ وَقَبْلَ وِلَادَةِ امْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا هِيَ حُبْلَى، وَقَدْ يَتَقَدَّمُ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ وَقَبْلَ وَقْتِ وِلَادَةِ عِيسَى ﵇ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَا إلَى صَوْمِ النَّصَارَى؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعْرِفُونَ وَقْتَ ذَلِكَ، وَقَدْ يَتَقَدَّمُ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ وَكَذَا إلَى فِطْرِ النَّصَارَى قَبْلَ أَنْ يَشْرَعُوا فِي صَوْمِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَتَقَدَّمُ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ بِحَسَبِ شُرُوعِهِمْ فِي الصَّوْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ وَإِنْ اشْتَرَاهُ إلَى فِطْرِ النَّصَارَى بَعْدَمَا شَرَعُوا فِي الصَّوْمِ جَازَ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ صَوْمِهِمْ مَعْلُومَةٌ بِالْأَيَّامِ فَإِذَا شَرَعُوا فِي الصَّوْمِ صَارَ وَقْتُ فِطْرِهِمْ مَعْلُومًا قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا إلَى أَجَلَيْنِ وَتَفَرَّقَا عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الشَّرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ وَإِنْ سَاوَمَهُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَاطَعَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَأَمْضَى الْبَيْعَ عَلَيْهِ جَازَ وَلَا بَأْسَ بِطَيْلَسَانٍ كُرْدِيٍّ بِطَيْلَسَانَيْنِ حَوَارِيَّيْنِ إلَى أَجَلٍ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ بِاخْتِلَافِ الصَّنْعَةِ وَالْمَقْصُودِ، وَكَذَا لَا بَأْسَ بِمِسْحٍ مَوْصِلِيٍّ بِمِسْحَيْنِ سَارِيَيْنِ إلَى أَجَلٍ، وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِقَطِيفَةٍ يَمَانِيَّةٍ بِقَطِيفَتَيْنِ كُرْدِيَّتَيْنِ إلَى أَجَلٍ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ اخْتِلَافَ الصَّنْعَةِ وَالْمَقْصُودَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ وَاحِدًا وَحُرْمَةُ النِّسَاءِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِاعْتِبَارِ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ الِاخْتِلَافِ فِي الْبُيُوعِ] قَالَ ﵀: إذَا اشْتَرَى سَمْنًا أَوْ غَيْرَهُ فِي زِقٍّ فَوَزَنَهُ ثُمَّ جَاءَ بِالزِّقِّ لِيَرُدَّهُ فَقَالَ الْبَائِعُ: لَيْسَ هَذَا بِزِقِّي وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ هُوَ زِقُّكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الزِّقَّ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَالْقَوْلُ فِي تَعْيِينِ الْأَمَانَةِ قَوْلُ الْأَمِينِ، وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا فِي يَدِهِ كَانَ الْقَوْلُ فِي تَعْيِينِهِ أَيْضًا قَوْلُهُ كَالْمَغْصُوبِ وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ مَا قَبَضَ مِنْ الْمَعْقُودِ

стр. 2727

عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ وَزْنِ الزِّقِّ فَالْبَائِعُ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَالْمُشْتَرِي مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ قَالَ وَإِنْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَقَبَضَ أَحَدَهُمَا وَمَاتَ عَنْهُ وَمَاتَ الْآخَرُ عِنْدَ الْبَائِعِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمَقْبُوضِ وَفِي قِيمَةِ الْآخَرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ اخْتِلَافِهِمَا فِي مِقْدَارِ مَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي فَالْبَائِعُ يَقُولُ قَبَضْتُ ثُلُثَيْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَإِنَّ قِيمَةَ الْمَقْبُوضِ أَلْفٌ وَقِيمَةَ الْآخَرِ خَمْسُمِائَةٍ وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ ذَلِكَ وَيَقُولُ مَا قَبَضْتُ إلَّا ثُلُثَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَإِنَّ قِيمَةَ الْمَقْبُوضِ خَمْسُمِائَةٍ وَقِيمَةَ الْآخَرِ أَلْفٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ لِإِنْكَارِهِ الْقَبْضَ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى كُرَّ حِنْطَةٍ فَقَبَضَ بَعْضَهُ وَهَلَكَ الْبَاقِي عِنْدَ الْبَائِعِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: قَبَضْتُ مِنْكَ ثُلُثَهُ، وَقَالَ الْبَائِعُ نِصْفَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ. وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَ الْعَبْدَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ وَجَاءَ بِالْآخَرِ يَرُدُّهُ بِالْعَيْبِ فَاخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمَيِّتِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ هُنَا قَبَضَ جَمِيعَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ثُمَّ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ مَا رَدَّهُ بِالْعَيْبِ فَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي الزِّيَادَةَ فِيهِ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ يُوَضِّحُ الْفَرْقَ، نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الثَّمَنَ كُلَّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ عَلَى الْمُشْتَرِي وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ مَا تَقَرَّرَ مِنْ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَالْبَائِعُ يَدَّعِي فِي ذَلِكَ زِيَادَةً وَالْمُشْتَرِي مُنْكِرٌ رَدَّهُمَا اتَّفَقَا أَنَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ مُتَقَرِّرٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ ثُمَّ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ مَا سَقَطَ عَنْهُ بِالرَّدِّ فَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي زِيَادَةً فِي ذَلِكَ وَالْبَائِعُ مُنْكِرٌ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيَقْسِمُ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ الَّذِي يُرِيدُ رَدَّهُ غَيْرَ مَعِيبٍ وَعَلَى قِيمَةِ الْمَيِّتِ كَمَا أَقَرَّ بِهِ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ الِانْقِسَامِ عَلَى قِيمَةِ الْمَبِيعِ كَمَا دَخَلَ فِي الْعَقْدِ، وَقَدْ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ غَيْرَ مَعِيبٍ، وَلَوْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ عَلَى قِيمَةِ الْمَيِّتِ أُخِذَتْ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ الزِّيَادَةَ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ وَهُوَ قِيمَةُ الْمَيِّتِ وَالْمُثْبِتُ لِلزِّيَادَةِ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ يَتَرَجَّحُ قَالَ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَصْلِ الْبَيْعِ وَادَّعَى الْبَائِعُ زِيَادَةً فِي حَقِّهِ وَهُوَ الثَّمَنُ وَالْمُشْتَرِي مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَلَكِنْ تَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِالسُّنَّةِ، وَالْمَرْوِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا اخْتَلَفَا الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا فَالْقَوْلُ مَا يَقُولُهُ الْبَائِعُ وَيَتَرَادَّانِ»، وَالثَّانِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا»

стр. 2728

فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ فَيُتْرَكُ كُلُّ قِيَاسٍ بِمُقَابَلَتِهِ وَكَانَ أَبُو حَازِمٍ الْقَاضِي يَقُولُ: إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَالتَّحَالُفُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي حَقًّا لِنَفْسِهِ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي وُجُوبَ تَسْلِيمِ السِّلْعَةِ إلَيْهِ عِنْدَ أَدَاءِ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ قِيَاسًا وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَالتَّحَالُفُ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ عَلَى الْبَائِعِ شَيْئًا فَإِنَّ الْمَبِيعَ مُسَلَّمٌ إلَيْهِ بِاتِّفَاقِهِمَا، وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: أَوَّلًا يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَ الْبَائِعِ وَهُوَ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ كَانَ لَا يَكْتَفِي بِيَمِينِهِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَبْدَأَ بِيَمِينِهِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْتِحْلَافِ النُّكُولُ وَبِنُكُولِهِ تَنْقَطِعُ الْمُنَازَعَةُ بِنَفْسِهِ، وَبِنُكُولِ الْمُشْتَرِي لَا تَنْقَطِعُ الْمُنَازَعَةُ وَلَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى أَدَاءِ مَا ادَّعَى مِنْ الثَّمَنِ، وَالْيَمِينُ تَقْطَعُ الْمُنَازَعَةَ فَيَبْدَأُ بِيَمِينِ مَنْ يَكُونُ نُكُولُهُ أَقْرَبَ إلَى قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُهُمَا إنْكَارًا، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ وَلِأَنَّ أَوَّلَ التَّسْلِيمَيْنِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَهُوَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ فَأَوَّلُ الْيَمِينَيْنِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا قُلْنَا فِي بَيْعِ الْمُقَابَضَةِ: الْقَاضِي يَبْدَأُ بِيَمِينِ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدِهِمَا التَّسْلِيمُ قَبْلَ صَاحِبِهِ وَأَيُّهُمَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ بَدَلٌ، أَوْ هُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْإِقْرَارِ، وَإِنْ حَلَفَا جَمِيعًا مَعًا، ذَكَرَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى أَنَّ فِي الْقِيَاسِ يَكُونُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي ادَّعَاهَا الْبَائِعُ انْتَفَتْ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي وَقَدْ تَصَادَقَا عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ بَيْنَهُمَا فَيَقْضِي بِالْبَيْعِ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ وَقُلْنَا: يُفْسَخُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا بِالسُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ وَيَتَرَادَّانِ وَالْمُرَادُ رَدُّ الْعَقْدِ لَا رَدُّ الْمَقْبُوضِ؛ لِأَنَّ مَا يَكُونُ عَلَى مِيزَانِ التَّفَاعُلِ يَقْتَضِي وُجُودَهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَأَحَدُ الْبَدَلَيْنِ غَيْرُ مَقْبُوضٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي السَّلَمِ أَنَّهُ إنَّمَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَوْجَبَ قَبُولَ بَيِّنَتِهِ، أَمَّا الْبَائِعُ فَلِأَنَّهُ مُدَّعِي حَقِيقَةً، وَقَدْ أَثْبَتَ الزِّيَادَةَ بِالْبَيِّنَةِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِأَنَّهُ مُدَّعِي صُورَةً؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْعَقْدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَالدَّعْوَى صُورَةٌ تَكْفِي لِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ كَالْمُودَعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ. وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ لِمَا فِيهَا مِنْ إثْبَاتِ الزِّيَادَةِ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَدْ هَلَكَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ الْعَقْدَ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ إذَا اخْتَلَفَا

стр. 2729

الْمُتَبَايِعَانِ تَرَادَّا وَلَا يُمْنَعَا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِهِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ عَلَى سَبِيلِ التَّثْنِيَةِ أَيْ تَحَالَفَا، وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً؛ لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَتَأَتَّى تَمَيُّزُ الصَّادِقِ مِنْ الْكَاذِبِ بِتَحْكِيمِ قِيمَةِ السِّلْعَةِ فِي الْحَالِ وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ فَإِذَا كَانَ تَحَرِّي التَّحَالُفِ مَعَ إمْكَانِ تَمَيُّزِ الصَّادِقِ مِنْ الْكَاذِبِ فَعِنْدَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ أَوْلَى وَلِأَنَّ التَّحَالُفَ عِنْدَ قِيَامِ السِّلْعَةِ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا يُنْكِرُهُ صَاحِبُهُ فَالْبَيْعُ بِأَلْفٍ غَيْرُ الْبَيْعُ بِأَلْفَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ شَاهِدَيْ الْبَيْعِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَجَبَ قَبُولُ بَيِّنَتِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا يُنْكِرُهُ صَاحِبُهُ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ مُتَحَقِّقٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ وَالْآخَرُ الْهِبَةَ، أَوْ كَانَ الْبَيْعُ مُقَابَضَةً وَهَلَكَ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ ثُمَّ اخْتَلَفَا أَوْ قُبِلَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، ثُمَّ إذَا حَلَفَا فَقَدْ انْتَفَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَنَيْنِ بِيَمِينِ الْمُنْكِرِ مِنْهُمَا فَيَبْقَى الْبَيْعُ بِلَا ثَمَنٍ وَالْبَيْعُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ يَكُونُ فَاسِدًا وَالْمَقْبُوضُ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ يَجِبُ رَدُّ عَيْنِهِ فِي حَالِ قِيَامِهِ وَرَدُّ قِيمَتِهِ بَعْدَ هَلَاكِهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - اسْتَدَلَّا بِقَوْلِهِ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَالْبَائِعُ هُوَ الْمُدَّعِي وَالْمُشْتَرِي مُنْكِرٌ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ الْيَمِينِ فَأَمَّا الْمُشْتَرِي لَا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ شَيْئًا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَمْلُوكٌ لَهُ مُسَلَّمٌ إلَيْهِ بِاتِّفَاقِهِمَا وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ أَيْضًا وَلَكِنَّا تَرَكْنَاهُ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» وَقَوْلُهُ: وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ مَذْكُورَةٌ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ لَا عَلَى وَجْهِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: إذَا اخْتَلَفَا الْمُتَبَايِعَانِ شَرْطٌ وَقَوْلُهُ: وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ فَكَانَ شَرْطًا؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الِاشْتِرَاطِ وَالْمَخْصُوصَ مِنْ الْقِيَاسِ بِالسُّنَّةِ لَا يَلْحَقُ بِهِ إلَّا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ وَحَالُ هَلَاكِ السِّلْعَةِ لَيْسَ فِي مَعْنَى حَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ قِيَامِ السِّلْعَةِ يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالتَّحَالُفِ فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فَيَعُودُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْسُ مَالِهِ بِعَيْنِهِ وَبَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فَالْعَقْدُ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِالْإِقَالَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَكَذَلِكَ بِالتَّحَالُفِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يُرَادُ إلَّا عَلَى مَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ. وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَاتَ لَا إلَى بَدَلٍ فَإِنَّ الْقِيمَةَ قَبْلَ الْفَسْخِ لَا تَكُونُ وَاجِبَةً عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْفَسْخُ عَلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ لَا يَتَأَتَّى بِخِلَافِ بَيْعِ الْمُقَابَضَةِ فَإِنَّ أَحَدَ الْعِوَضَيْنِ هُنَاكَ قَائِمٌ وَهُوَ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ وَلِهَذَا جَازَ

стр. 2730

الْفَسْخُ بِالْإِقَالَةِ وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ، فَكَذَلِكَ بِالتَّحَالُفِ، وَكَذَلِكَ إذَا قُبِلَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَالْقِيمَةُ هُنَاكَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْقَاتِلِ وَهِيَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْعَيْنِ فِي إمْكَانِ فَسْخِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ الْوَاجِبَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهَا الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ كَانَتْ فِي حُكْمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا آخَرَ فَإِنَّ الْعَقْدَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الثَّمَنِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ بِأَلْفٍ يَبِيعُ بِأَلْفَيْنِ وَأَنَّ الْبَيْعَ بِأَلْفٍ قَدْ يَصِيرُ بِأَلْفَيْنِ بِالزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ، وَالْبَيْعُ بِأَلْفَيْنِ يَصِيرُ بِأَلْفٍ عِنْدَ حَطِّ بَعْضِ الثَّمَنِ وَاخْتِلَافُ الشَّاهِدَيْنِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ إنَّمَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ لَا لِاخْتِلَافِ الْعَقْدِ بَلْ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يُكَذِّبُ أَحَدَهُمَا وَقَبُولُهُ بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الِانْفِرَادِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعِي صُورَةً لَا مَعْنًى وَذَلِكَ يَكْفِي لِقَبُولِ بَيِّنَتِهِ، وَلَكِنْ لَا يَتَوَجَّهُ بِهِ الْيَمِينُ عَلَى خَصْمِهِ كَالْمُدَّعِي يَدَّعِي رَدَّ الْوَدِيعَةِ فَلَا يَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى خَصْمِهِ وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ تَقْبَلُ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ كَانَ جَارِيَةً حَلَّ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا، وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ مُوجِبًا اخْتِلَافَ الْعَقْدِ لَمَا حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا كَمَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ وَالْآخَرُ الْهِبَةَ وَلِهَذَا تَبْطُلُ دَعْوَى الْفَسَادِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إنَّهُمَا إذَا حَلَفَا يَبْقَى الْعَقْدُ بِلَا ثَمَنٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هَكَذَا لَمَا حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يَفْسَخُ الْبَيْعَ عِنْدَ طَلَبِ أَحَدِهِمَا وَمَا لَمْ يَفْسَخْ حَلَّ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا وَلَوْ فَسَدَ الْبَيْعُ بِالتَّحَالُفِ لَمَا حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَمَا تَأَخَّرَ حُكْمُ الْفَسْخِ إلَى طَلَبِ أَحَدِهِمَا وَالْحَدِيثُ الْمُطْلَقُ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى قِيَامِ السِّلْعَةِ وَهُوَ لَفْظُ التَّرَادِّ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ رَدَّ الْمَأْخُوذِ حِسًّا وَحَقِيقَةً فَذَلِكَ يَتَأَتَّى عِنْدَ قِيَامِ السِّلْعَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْعَقْدَ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَتَأَتَّى عِنْدَ قِيَامِ السِّلْعَةِ مَعَ أَنَّ الْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ إذَا وَرَدَ فَالْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ مَاتَ وَاخْتَلَفَتْ وَرَثَتُهُ مَعَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَةِ الْبَائِعِ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي أَيْدِيهِمْ وَيَجْرِي التَّحَالُفُ بِالِاتِّفَاقِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَ الْبَائِعِ حَتَّى يُطَالِبُونَ بِالثَّمَنِ وَيُطَالِبُونَ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَذَلِكَ بِحُكْمِ الْعَقْدِ، فَإِذَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ عَرَفْنَا أَنَّهُمْ صَارُوا كَالْبَائِعِ وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ قَبَضَ الْمَبِيعَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي وَبَقِيَ الْبَائِعُ، فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ لَمْ تُقْبَضْ جَرَى التَّحَالُفُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ وَرَثَةَ الْمُشْتَرِي قَامُوا مُقَامَهُ فِي وُثُوقِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُمْ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ

стр. 2731

مَقْبُوضَةً فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَةِ الْمُشْتَرِي، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ. وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَا جَمِيعًا ثُمَّ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الثَّمَنِ فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ مَقْبُوضَةً فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَتَحَالَفَانِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَحَالَفَانِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُوضَةً يَتَحَالَفَانِ بِالْإِجْمَاعِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْوَارِثَ يَخْلُفُ الْمَيِّتَ كَمَا أَنَّ الْقِيمَةَ تَخْلُفُ الْعَيْنَ فَكَمَا أَثْبَتَ مُحَمَّدٌ ﵀ حُكْمَ التَّحَالُفِ وَالْفَسْخِ عِنْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ بِاعْتِبَارِ مَا يَخْلُفُهَا وَهِيَ الْقِيمَةُ فَكَذَلِكَ أَثْبَتَ حُكْمَ التَّحَالُفِ عِنْدَ مَوْتِ الْعَاقِدِ بِاعْتِبَارِ مَنْ يَخْلُفُهُ وَهُوَ الْوَارِثُ إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَرَّقَا فِي الْأَصْلِ بَيْنَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَى مَا يَخْلُفُهَا وَهُوَ الْقِيمَةُ بِأَنْ قُتِلَ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَبَيْنَ هَلَاكِهَا بَعْدَ الْقَبْضِ فِي حُكْمِ التَّحَالُفِ فَكَذَلِكَ فِي مَوْتِ الْعَاقِدِ فَرَّقَا بَيْنَ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَيْنَ مَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ ثَبَتَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ وَصَاحِبُ الشَّرْعِ اعْتَبَرَ اخْتِلَافَ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَقِيَامَ السِّلْعَةِ فَقَبِلَ الْقَبْضَ وَارِثُ الْبَائِعِ فِي مَعْنَى الْبَائِعِ حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِتَسْلِيمِ السِّلْعَةِ فَيُمْكِنُ إثْبَاتُ حُكْمِ التَّحَالُفِ فِيهِ بِالنَّصِّ فَأَمَّا بَعْدَ الْقَبْضِ وَارِثُ الْبَائِعِ لَيْسَ بِبَائِعٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا فَلَمْ يَكُنْ هَذَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَأَخَذَ فِيهِ بِالْقِيَاسِ، وَكَذَلِكَ وَارِثُ الْمُشْتَرِي عَلَى هَذَا، وَلَا يُقَالُ: الْوَارِثُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ فِي الْإِقَالَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَكَذَلِكَ فِي الْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ ذَلِكَ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ الْخِلَافَةِ فِي الْمِلْكِ لَا فِي الْعَقْدِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ يَمْلِكُ الْإِقَالَةَ وَالرَّدَّ بِالْعَيْبِ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ عَاقِدًا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا. قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَقَدْ ازْدَادَتْ خَيْرًا ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَتَحَالَفَا فَيُفْسَخُ الْعَقْدُ عَلَى الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ لَا عِبْرَةَ بِهَا فِي عُقُودِ الْمُعَارَضَاتِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَلِهَذَا قَالَ: لَا يُمْنَعُ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ فِي الطَّلَاقِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ تَمْنَعُ الْفَسْخَ كَمَا تُمْنَعُ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ عِنْدَهُمَا، وَإِذَا تَعَذَّرَ الْفَسْخُ امْتَنَعَ التَّحَالُفُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ إلَّا فِيمَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَالزِّيَادَةُ الْحَادِثَةُ بَعْدَ الْقَبْضِ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهَا الْعَقْدُ وَلَا الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ فَلَا يُمْكِنُ فَسْخُ الْعَقْدِ فِيهَا فَيَمْتَنِعُ الْفَسْخُ فِي الْأَصْلِ لِأَجْلِهَا كَالْمَوْهُوبَةِ إذَا زَادَتْ فِي بَدَنِهَا خَيْرًا لَا يَمْلِكُ الْوَاهِبُ الرُّجُوعَ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِهَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَذَّرَ فَسْخُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ بِهَلَاكِ الْعَبْدِ فِي الزِّيَادَةِ فَيَتَعَذَّرُ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ الْأَصْلِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَعَذُّرُ الْفَسْخِ فِي جَمِيعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِهَلَاكِهِ لَا يَمْنَعُ التَّحَالُفَ فَفِي الْبَعْضِ أَوْلَى، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمَأْذُونِ أَنَّهُمَا لَوْ تَبَايَعَا عِنْدَ الْجَارِيَةِ وَقَبَضَ الْجَارِيَةَ وَازْدَادَتْ فِي بَدَنِهَا ثُمَّ هَلَكَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ وَجَدَ بِهِ الْمُشْتَرِي عَيْبًا فَرَدَّهُ فَإِنَّهُ يَسْتَرِدُّ الْجَارِيَةَ بِزِيَادَتِهَا فَهُوَ

стр. 2732

دَلِيلُ مُحَمَّدٍ فِي أَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ لَا تَمْنَعُ الْفَسْخَ عَنْ الْعَيْنِ، وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هُنَاكَ سَبَبُ الْفَسْخِ قَدْ تَقَرَّرَ وَهُوَ هَلَاكُ الْعَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ رَدُّهُ بِالْعَيْبِ وَبِتَقَرُّرِ السَّبَبِ يَثْبُتُ الْحُكْمُ ضَرُورَةً فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ أَصْلُ الْجَارِيَةِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ حُكْمِ الْفَسْخِ فِيهَا ثُبُوتُهُ فِي الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ بَيْعٌ مَحْضٌ وَثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْبَيْعِ بِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ وَهُنَا سَبَبُ الْفَسْخِ التَّحَالُفُ وَلَمْ يَتَقَرَّرْ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَمْتَنِعُ التَّحَالُفُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ فِيهِ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ فِي الْأَصْلِ كَالصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ وَالسَّمْنِ فِي التَّسْوِيقِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي حُكْمِ التَّحَالُفِ أَنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ إلَّا أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ يُفْسَخُ الْعَقْدُ عَلَى الْقِيمَةِ هُنَا أَوْ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ مِنْ عَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُ الْعَقْدِ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً. فَإِنْ كَانَتْ مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْعَيْنِ كَالْجَارِيَةِ إذَا وَلَدَتْ أَوْ جَنَى عَلَيْهَا فَأَخَذَ الْمُشْتَرِي أَرْشَهَا فَحُكْمُ التَّحَالُفِ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي قُلْنَا إلَّا أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ يُفْسَخُ الْعَقْدُ عَلَى الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُنْفَصِلَةَ الْمُتَوَلِّدَةَ مِنْ الْعَيْنِ تَمْنَعُ الْفَسْخَ بِالرَّدِّ فِي الْعَيْبِ عِنْدَهُ فَكَذَلِكَ بِالتَّحَالُفِ فَتَكُونُ الْجَارِيَةُ كَالْهَالِكَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ لَا تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ فَلَا تَمْنَعُ فَسْخَ الْعَقْدِ عَلَى الْعَيْنِ بِالتَّحَالُفِ، وَلَكِنَّهَا تُرَدُّ وَيُسَلَّمُ الْوَلَدُ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ كَالْكَسْبِ وَالْعِلَّةِ فَإِنَّهَا لَا تَمْنَعُ التَّحَالُفَ وَفَسْخُ الْعَقْدِ عَلَى الْعَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ، كَمَا لَا يَمْنَعُ الْفَسْخَ بِالْإِقَالَةِ وَالرَّدَّ بِالْعَيْبِ وَإِنْ انْتَقَصَتْ السِّلْعَةُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ دَخَلَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي أَيْضًا إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَهَا نَاقِصَةً فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ حُدُوثَ الْعَيْبِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ وَالْإِقَالَةَ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِهِ الْبَائِعُ فَكَذَلِكَ الْبَيْعُ انْفَسَخَ بِالتَّحَالُفِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَحَالَفَانِ ثُمَّ يُفْسَخُ الْعَقْدُ عَلَى الْغَيْرِ إنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ، وَإِنْ أَبَى فَعَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ الْقِيمَةِ كَمَا لَوْ كَانَتْ هَالِكَةً قَالَ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَقَدْ خَرَجَتْ السِّلْعَةُ مِنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّا فِيمَا إذَا هَلَكَتْ السِّلْعَةُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ قَدْ رَجَعَتْ إلَيْهِ لِوَجْهٍ غَيْرِ الَّذِي خَرَجَتْ بِهِ مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِلْكٌ حَادِثٌ فَاخْتِلَافُ أَسْبَابِ الْمِلْكِ كَاخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ فَكَمَا لَا يَجْرِي التَّحَالُفُ بِاعْتِبَارِ رُجُوعِ عَيْنٍ آخَرَ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ رُجُوعِ هَذِهِ الْعَيْنِ بِسَبَبٍ مُسْتَقِلٍّ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ بَاعَهَا مِنْ رَجُلَيْنِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ شَرِيكِهِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي الَّذِي بَاعَ نَصِيبَهُ لِزَوَالِ مِلْكِهِ

стр. 2733

الْمُسْتَفَادِ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ، وَيُجْعَلُ فِي حَقِّهِ كَأَنَّهُمَا بَاعَا وَيَتَحَالَفَانِ عَلَى حِصَّةِ الْآخَرِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِي النِّصْفِ الَّذِي اسْتَفَادَهُ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ، وَقِيلَ: هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجْرِي التَّحَالُفُ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ إنْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا يَمْنَعُ الْفَسْخَ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ بِسَبَبِ الْعَيْبِ أَوْ الْخِيَارِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُمَا فِي الْكُلِّ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِهِ فَحِينَئِذٍ يَتَحَالَفَانِ عَلَى حِصَّةِ الْآخَرِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ التَّحَالُفُ يَجْرِي فِي الْكُلِّ ثُمَّ فِي حِصَّةِ الَّذِي بَاعَ يُفْسَخُ الْعَقْدُ عَلَى الْقِيمَةِ وَفِي حِصَّةِ الَّذِي لَمْ يَبِعْ يُفْسَخُ الْعَقْدُ عَلَى الْعَيْنِ قَالَ: وَإِذَا اخْتَلَفَا الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي الْأَجَلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَلَا يَتَحَالَفَانِ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الِاخْتِلَافِ فِي مِقْدَارِ مَالِيَّةِ الثَّمَنِ فَإِنَّ الْمُؤَجَّلَ أَنْقَصُ مِنْ الْحَالِّ فِي الْمَالِيَّةِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: اخْتَلَفَا فِي مُدَّةٍ مُلْحَقَةٍ بِالْعَقْدِ شَرْطًا فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يُنْكِرُهَا وَلَا يَجْرِي التَّحَالُفُ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ، وَهَذَا لِأَنَّ حُكْمَ التَّحَالُفِ عُرِفَ بِالنَّصِّ، وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّصُّ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِيمَا يَتِمُّ بِهِ الْعَقْدُ وَالْأَجَلُ وَرَاءَ مَا يَتِمُّ بِهِ الْعَقْدُ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ فَأَخَذْنَا فِيهِ بِالْقِيَاسِ وَجَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَ الْبَائِعِ سَوَاءٌ أَنْكَرَ زِيَادَةَ الْأَجَلِ أَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْأَجَلِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْأَجَلِ فِي بَابِ السَّلَمِ فَإِنَّ هُنَاكَ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْأَجَلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُنَا الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ الْأَجَلَ مِنْ قَبْلُ، أَنَّ هُنَاكَ الْأَجَلَ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ فَإِقْرَارُهُ بِالْعَقْدِ إقْرَارٌ بِهِ وَبِمَا هُوَ مِنْ شَرَائِطِ الْعَقْدِ فَإِذَا أَنْكَرَ الْأَجَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بَعْدَمَا أَقَرَّ بِهِ فَلَا يُصَدَّقُ فَأَمَّا هُنَا الْأَجَلُ لَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ الْعَقْدِ وَلَا مِنْ مُقْتَضَيَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي أَيْضًا الثَّمَنَ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ فَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي عَلَيْهِ التَّأْخِيرَ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ قَالَ: وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْأَجَلِ وَاخْتَلَفَا فِي نَصِيبِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقُّهُ وَهُوَ مُنْكِرٌ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ قَالَ: وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ بِعْتُكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ: الْمُشْتَرِي بِعْتَنِيهَا مَعَ هَذَا الْوَصِيفِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَهُمَا جَمِيعًا لِلْمُشْتَرِي بِمِائَةِ دِينَارٍ وَتُقْبَلُ الْبَيِّنَتَانِ جَمِيعًا وَيَقْضِي بِالْعَقْدَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُثْبِتُ زِيَادَةً فِي حَقِّهِ فَبَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا أَثْبَتَ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي حَقِّهِ مَقْبُولَةٌ، وَقِيلَ: هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرُ فَأَمَّا فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ يَقْضِي بِهِمَا لِلْمُشْتَرِي بِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا إذَا اسْتَوَتْ قِيمَتُهُمَا، وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَرْحِ الْإِجَارَاتِ قَالَ: وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ بِعْتُكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِعَبْدِكَ هَذَا وَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُهَا

стр. 2734

مِنْكَ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ لَزِمَهُ الْبَيْعُ بِالْعَبْدِ وَتُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي فِي الْجَارِيَةِ ثَابِتٌ بِاتِّفَاقِهِمَا، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ فَبَيِّنَتُهُ عَلَى حَقِّهِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ، وَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِبَيِّنَتِهِ الْحَقَّ لِنَفْسِهِ فِي الْعَبْدِ، وَالْمُشْتَرِي يَنْفِي ذَلِكَ وَالْبَيِّنَاتُ لِلْإِثْبَاتِ لَا لِلنَّفْيِ قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِثَوْبَيْنِ وَتَقَابَضَا ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْعَبْدَ أَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّهُ، وَقَدْ هَلَكَ أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْبَاقِيَ وَقِيمَةَ الْهَالِكِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ انْفَسَخَ بِاسْتِحْقَاقِ الْعَبْدِ أَوْ رَدَّهُ بِالْعَيْبِ فَعَلَى قَابِضِ الثَّوْبَيْنِ رَدُّهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُمَا بِحُكْمِ الْعَقْدِ وَهُوَ فِي الْقَائِمِ فِيهِمَا الْقَادِرُ عَلَى رَدِّ الْعَيْنِ وَفِي الْهَالِكِ عَاجِزٌ عَنْ رَدِّ الْعَيْنِ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ قِيمَتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ هَلَكَا فَعَلَيْهِ رَدُّ قِيمَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّ الْعَيْنِ مَعَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلرَّدِّ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ كَالْمَغْصُوبِ وَالْقَوْلُ فِي الْقِيمَةِ قَوْلُ الَّذِي كَانَا فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ فَالْقَوْلُ فِي بَيَانِ مِقْدَارِهِ قَوْلُهُ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ كَانَ لِصَاحِبِ الْجَارِيَةِ أَنْ يَأْخُذَهَا وَوَلَدَهَا؛ لِأَنَّهُ بِاسْتِحْقَاقِ الْعَبْدِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ مِنْ الْأَصْلِ فَتَكُونُ الْجَارِيَةُ فِي يَدِ الْقَابِضِ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضَةِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَجِبُ رَدُّهَا بِزَوَائِدِهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَهَا عَيْبٌ يُنْقِصُهَا أَخَذَ مَعَهَا النُّقْصَانَ أَيْضًا كَمَا فِي الْمُشْتَرَاةِ شِرَاءً فَاسِدًا؛ وَهَذَا لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالْقَبْضِ وَالْأَوْصَافُ تُضْمَنُ بِالتَّنَاوُلِ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الَّذِي الْجَارِيَةُ فِي يَدِهِ أَعْتَقَهَا نَفَذَ عِتْقُهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ فَإِنَّ بَدَلَ الْمُسْتَحَقِّ مَمْلُوكٌ عِنْدَ الْقَبْضِ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَاةِ شِرَاءً فَاسِدًا وَعَلَيْهِ رَدُّ قِيمَتِهَا مَعَ الْوَلَدِ إنْ كَانَتْ وَلَدَتْهُ قَبْلَ الْعِتْقِ لِتَعَذُّرِ رَدِّ عَيْنِهَا بِنُفُوذِ الْعِتْقِ فِيهَا، قَالَ: وَلَوْ وُجِدَ الْعَبْدُ حُرًّا كَانَ عِتْقُ الْبَائِعِ فِي الْجَارِيَةِ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ بَدَلَ الْحُرِّ لَا يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ فَإِنَّ الْحُرَّ لَيْسَ بِمَالٍ. وَالْبَيْعُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ فَعِنْدَ انْعِدَامِ الْمَالِيَّةِ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ أَصْلًا وَبِدُونِ انْعِقَادِ الْبَيْعِ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْقَبْضِ كَمَا فِي الْمُشْتَرَاةِ بِمَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ قَالَ: وَلَوْ اشْتَرَى الْعَبْدُ بِثَوْبَيْنِ وَقَبَضَ الْعَبْدَ ثُمَّ هَلَكَ الثَّوْبَانِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُمَا فَعَلَيْهِ رَدُّ الْعَبْدِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ بِفَوَاتِ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ هَلَاكِ الثَّوْبَيْنِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مِلْكَهُ، أَمَّا قَبْلَ هَلَاكِ الثَّوْبَيْنِ فَلَا إشْكَالَ وَبَعْدَ هَلَاكِهِمَا وَإِنْ فَسَدَ الْعَقْدُ فَقَدْ بَقِيَ الْمِلْكُ بِبَقَاءِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الْعَقْدِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ بِالْقَبْضِ ابْتِدَاءً فَلَا يُمْنَعُ بَقَاؤُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ثُمَّ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِتَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ بَعْدَمَا فَسَدَ السَّبَبُ فِيهِ وَلَوْ تَقَابَضَا ثُمَّ اسْتَحَقَّ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ فَقَالَ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ الثَّوْبَانِ: أَسْتَحِقُّ أَعْلَاهُمَا ثَمَنًا، وَقَالَ الَّذِي بَاعَهُمَا: بَلْ أَسْتَحِقُّ أَرْخَصَهُمَا ثَمَنًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي الثَّوْبَيْنِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا

стр. 2735

عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لِبَائِعِ الثَّوْبَيْنِ جَمِيعَ الْعَبْدِ حِينَ اسْتَحَقَّ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ مَا يَثْبُتُ لِبَائِعِ الثَّوْبَيْنِ مِنْ الْعَبْدِ وَهُوَ يَدَّعِي زِيَادَةً فِي ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَهَا بِالْبَيِّنَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ قَالَ وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ بِعْتُ مِنْكَ هَذَا الْعَبْدَ الَّذِي فِي يَدَيَّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِخَمْسِينَ دِينَارًا فَهُنَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعِي وَمُنْكِرٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعَقْدَ فِي عَيْنٍ آخَرَ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ قَضَى بِالْبَيْعِ فِيهِمَا بِأَلْفٍ وَخَمْسِينَ دِينَارًا وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي بَابِ السَّلَمِ. وَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: ابْتَعْتُ مِنْكَ هَذَا الْعَبْدَ الَّذِي فِي يَدَيَّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَنَقَدْت الثَّمَنَ، وَقَالَ الْبَائِعُ مَا بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ إنَّمَا بِعْتُكَ جَارِيَةً بِهَذِهِ الْأَلْفِ وَقَبَضْتَ الثَّمَنَ وَدَفَعْتُهَا إلَيْكَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْلِفُ عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ، فَإِنْ حَلَفَ الْبَائِعُ رَدَّ عَلَيْهِ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ انْتَفَى بِيَمِينِهِ فِيهِ، وَقَدْ أَقَرَّ ذُو الْيَدِ أَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ فِي الْأَصْلِ، وَإِذَا حَلَفَ الَّذِي كَانَ فِي يَدَيْهِ الْعَبْدُ مَا اشْتَرَى الْجَارِيَةَ فَعَلَى بَائِعِهَا رَدُّ الْأَلْفِ عَلَيْهِ وَإِنْ قَامَتْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ قَضَى بِالْبَيِّنَتَيْنِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَدَاءُ أَلْفٍ أُخْرَى قَالَ رَجُلٌ اشْتَرَى عَدْلَ زُطِّيٍّ وَأَقَرَّ أَنَّهُ زُطِّيٌّ وَلَمْ يَرَهُ وَقَبَضَهُ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّهُ فَقَالَ وَجَدْتُهُ كَرَابِيسَ لَمْ يُصَدَّقْ وَالثَّمَنُ لَهُ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ فِي دَعْوَاهُ وَالْمُنَاقِضُ لَا قَوْلَ لَهُ، وَلِأَنَّ بِسَبَبِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفَسْخِ إذَا أُحْضِرَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَاَلَّذِي أَحْضَرَهُ كَرَابِيسُ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ زُطِّيٌّ يَزْعُمُهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فَسْخِ الْعَقْدِ عَلَى غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَإِنْ قَالَ لَا أَدْرِي أَزُطِّيٌّ هُوَ أَمْ لَا وَلَكِنِّي أَخَذْتُهُ عَلَى قَوْلِكَ فَانْظُرْ ثُمَّ جَاءَ يَرُدُّهُ فَقَالَ وَجَدْتُهُ كَرَابِيسَ كَانَ مُصَدَّقًا فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَنْفَرِدُ بِفَسْخِ الْعَقْدِ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ، وَإِذَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ بَقِيَ الْمَقْبُوضُ فِي يَدِهِ مِلْكَ الْبَائِعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي تَعْيِينِهِ ضَامِنًا كَانَ أَوْ أَمِينًا وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنَاقِضٍ فِي كَلَامِهِ هُنَا بَلْ مُنْكِرٌ لِقَبْضِ الزُّطِّيِّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَفِي الْأَوَّلِ هُوَ مُنَاقِضٌ فِي كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الزُّطِّيُّ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ قَوْلُهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ ذَلِكَ قَالَ: وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَقَالَ الْبَائِعُ هُوَ هَرَوِيٌّ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أَدْرِي وَقَدْ رَآهُ وَلَكِنِّي أَخَذْتُهُ عَلَى مَا يَقُولُ ثُمَّ جَاءَ يَرُدُّهُ وَقَالَ وَجَدْتُهُ يَهُودِيًّا لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ رَأَى الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ بَقِيَ دَعْوَاهُ حَقَّ الرَّدِّ لِنَفْسِهِ عَلَى الْبَائِعِ فِي هَذِهِ الْعَيْنِ وَالْبَائِعُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ كَمَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إلَّا بِحُجَّةٍ. قَالَ: وَإِذَا نَظَر إلَى الْعَدْلِ مَطْوِيًّا وَلَمْ يَنْشُرْهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إلَّا بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ
следующие страницы →