Полный текст (6 278 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
عَلَيْهِ يَصِيرُ قَابِضًا يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ تَخَلَّى بِهِ كَانَ قَابِضًا لَهُ وَبِقَطْعِ يَدِهِ يَكُونُ مُتَخَلِّيًا بِمَا بَقِيَ مِنْهُ وَزِيَادَةٌ فَإِنْ هَلَكَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْبَائِعِ مِنْ الْقَطْعِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَمْنَعَهُ الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَعَلَى الْمُشْتَرِي جَمِيعُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا لِجَمِيعِ الْعَبْدِ وَبِالْقَبْضِ يَتَحَوَّلُ الْمَبِيعُ إلَى ضَمَانِهِ، فَإِذَا هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَمْنَعَهُ الْبَائِعُ كَانَ هَالِكًا فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فَيَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الثَّمَنِ سَوَاءٌ هَلَكَ بِسِرَايَةِ الْقَطْعِ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مَنَعَهُ ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْقَطْعِ فَعَلَى الْمُشْتَرِي جَمِيعُ الثَّمَنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ إذَا اتَّصَلَتْ بِهِ السِّرَايَةُ فَهُوَ قَتْلٌ حُكْمًا وَمَنْعُ الْبَائِعِ إيَّاهُ لَا يَقْطَعُ السِّرَايَةَ عَنْ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَنْعَ لَا يَتَبَدَّلُ الْمَالِكُ، وَالْمُسْتَحِقُّ إنَّمَا يُفَوِّتُ يَدَ الْمُشْتَرِي وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْجِنَايَةِ يَثْبُتُ بِدُونِ يَدِهِ فَلَأَنْ يَبْقَى بِدُونِ يَدِهِ أَوْلَى وَإِنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ الْقَطْعِ فَعَلَى الْمُشْتَرِي نِصْفُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمَّا مَنَعَ الْبَاقِيَ بِالثَّمَنِ فَقَدْ صَارَ مُسْتَرِدًّا لَهُ بِحَقٍّ فَاسِخًا لِقَبْضِ الْمُشْتَرِي فِيهِ.
وَلَوْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي حَقِيقَةً قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ فَاسْتَرَدَّهُ الْبَائِعُ وَحَبَسَهُ بِالثَّمَنِ انْتَقَضَ بِهِ حُكْمُ الْمُشْتَرِي فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ قَابِضًا لِمَا بَقِيَ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ الْجِنَايَةِ وَإِذَا انْفَسَخَ قَبْضُ الْمُشْتَرِي فِيهِ كَانَ هَالِكًا فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ فَسَقَطَ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ وَهُوَ النِّصْفُ فَأَمَّا نِصْفُ الثَّمَنِ فَقَدْ تَقَرَّرَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقَطْعِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ وَلَا يُتَصَوَّرُ الِاسْتِرْدَادُ فِي الْجُزْءِ الْفَائِتِ.
فَإِنْ قَطَعَ الْبَائِعُ أَوَّلًا يَدَهُ ثُمَّ قَطَعَ الْمُشْتَرِي رِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ بَرِئَ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَالْعَبْدُ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَلَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بِقَطْعِ الْيَدِ فَوَّتَ نِصْفَهُ فَسَقَطَ نِصْفُ الثَّمَنِ وَثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي بِنِصْفِ الثَّمَنِ فَلَمَّا قَطَعَ الْمُشْتَرِي رِجْلَهُ فَقَدْ صَارَ مُسْقِطًا لِخِيَارِهِ؛ لِأَنَّهُ قَابِضٌ لِجَمِيعِ مَا بَقِيَ مُتْلِفٌ لِبَعْضِهِ، وَمُجَرَّدُ قَبْضِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ يُسْقِطُ خِيَارَهُ فَقَبْضُهُ مَعَ الْإِتْلَافِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مُسْقِطًا لِخِيَارِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي قَطَعَ يَدَهُ أَوَّلًا ثُمَّ قَطَعَ الْبَائِعُ رِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ فَبَرِئَ مِنْهُمَا كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَبْدَ وَأَعْطَى ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ بِقَطْعِ الْيَدِ تَقَرَّرَ عَلَى الْمُشْتَرِي نِصْفُ الثَّمَنِ ثُمَّ الْبَائِعُ بِقَطْعِ الرِّجْلِ بَعْدَ ذَلِكَ صَارَ مُفَوِّتًا قَبْضَ الْمُشْتَرِي فِي الْبَاقِي مُتْلِفًا لِنِصْفِ مَا بَقِيَ فَيَسْقُطُ عَنْ الْمُشْتَرِي نِصْفُ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ وَهُوَ رُبْعُ جَمِيعِ الثَّمَنِ وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ الْمَقْصُودُ عَلَيْهِ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ بِفِعْلِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَكُونُ دَلِيلَ الرِّضَا مِنْهُ.
فَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْعَقْدَ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الثَّمَنِ بِقَطْعِ الْيَدِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مَا بَقِيَ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الثَّمَنِ بِقَطْعِ الْيَدِ وَرُبْعُهُ بِمُقَابَلَةِ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ.
وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي نَقَدَ الثَّمَنَ وَلَمْ يَقْبِضْ
стр. 2872
الْعَبْدَ حَتَّى قَطَعَ الْمُشْتَرِي يَدَهُ وَقَطَعَ الْبَائِعُ رِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ فَبَرِئَ مِنْهُمَا فَالْعَبْدُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ صَارَ قَابِضًا لِجَمِيعِ الْعَبْدِ بِإِتْلَافِ النِّصْفِ بِقَطْعِ الْيَدِ ثُمَّ بِقَطْعِ الْبَائِعِ رِجْلَهُ لَا يَنْتَقِضُ قَبْضُ الْمُشْتَرِي فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ سُلِّمَ لِلْبَائِعِ وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ حَقُّ نَقْضِ قَبْضِ الْمُشْتَرِي فَلِهَذَا لَا يُجْعَلُ قَطْعُهُ الرِّجَلَ نَاقِضًا قَبْضَ الْمُشْتَرِي بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَائِعِ. هُنَاكَ لَمْ يَسْتَوْفِ الثَّمَنَ وَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ قَبْضَ الْمُشْتَرِي مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الثَّمَنُ وَإِذَا بَقِيَ حُكْمُ قَبْضِ الْمُشْتَرِي كَانَ الْبَائِعُ فِي قَطْعِ الرِّجْلِ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ فَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَةِ قَطْعِ الْيَدِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي جَمِيعُ الثَّمَنِ لِبَقَاءِ حُكْمِ قَبْضِهِ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ إنَّمَا تَغَيَّرَ لِعَدَمِ تَمَامِ قَبْضِ الْمُشْتَرِي.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ أَوَّلًا قَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ قَطَعَ الْمُشْتَرِي رِجْلَهُ فَالْعَبْدُ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي بِنِصْفِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ بِقَطْعِ الْبَائِعِ يَدَهُ يَسْقُطُ نِصْفُ الثَّمَنِ وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنَّ خِيَارَهُ يَسْقُطُ بِقَطْعِهِ رِجْلَهُ فَكَانَ الْعَبْدُ لَازِمًا لَهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي أَعْطَاهُ.
قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَنْقُدْهُ الثَّمَنَ حَتَّى قَطَعَ الْبَائِعُ يَدَهُ ثُمَّ قَطَعَ الْمُشْتَرِي رِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَعَلَى الْمُشْتَرِي ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بِقَطْعِ الْيَدِ صَارَ مُتْلِفًا نِصْفَهُ ثُمَّ الْمُشْتَرِي بِقَطْعِ رِجْلِهِ صَارَ مُتْلِفًا نِصْفَ مَا بَقِيَ وَهُوَ الرُّبْعُ تَلِفَ بِسِرَايَةِ الْجِنَايَتَيْنِ فَنِصْفُهُ يَكُونُ هَالِكًا بِسِرَايَةِ جِنَايَةِ الْبَائِعِ وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ السِّرَايَةُ فِي الْحُكْمِ بِأَصْلِ الْجِنَايَةِ وَحُكْمُ أَصْلِ جِنَايَةِ الْبَائِعِ سُقُوطُ الثَّمَنِ بِحِصَّةِ مَا تَلِفَ بِهِ فَكَذَلِكَ حُكْمُ سِرَايَةِ جِنَايَتِهِ وَحُكْمُ أَصْلِ جِنَايَةِ الْمُشْتَرِي تَقَرُّرُ الثَّمَنِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ حُكْمُ مَا تَلِفَ بِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى حِسَابٍ، تُقْسَمُ رُبْعُهُ نِصْفَيْنِ وَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ فَقَدْ تَلِفَ بِأَصْلِ جِنَايَةِ الْبَائِعِ أَرْبَعَةً وَبِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ سَهْمٌ فَلِهَذَا سَقَطَ عَنْ الْمُشْتَرِي خَمْسَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ وَتَلِفَ بِجِنَايَةِ الْمُشْتَرِي سَهْمَانِ وَبِالسِّرَايَةِ سَهْمٌ فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ، فَإِنْ قِيلَ فَأَيْنَ ذَهَبَ قَوْلُكُمْ إنَّ الْمُشْتَرِيَ بِجِنَايَةٍ يَصِيرُ قَابِضًا لِمَا أَتْلَفَ وَلِمَا بَقِيَ مِنْهُ قُلْنَا هُوَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ لِلْبَائِعِ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ فِيمَا بَقِيَ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الثَّمَنُ فَيَكُونُ مُسْتَرِدًّا لِمَا تَلِفَ بِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَ سِرَايَةِ جِنَايَتِهِ فَوْقَ تَأْثِيرِ حَبْسِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَوْ حَبَسَهُ بَعْدَ جِنَايَةِ الْمُشْتَرِي انْتَقَضَ بِهِ قَبْضُ الْمُشْتَرِي إلَّا فِيمَا تَلِفَ بِسِرَايَةِ جِنَايَةِ الْمُشْتَرِي فَلَأَنْ يَنْتَقِضَ حُكْمُ قَبْضِ الْمُشْتَرِي فِيمَا تَلِفَ بِسِرَايَةِ جِنَايَةِ الْبَائِعِ كَانَ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي قَطَعَ يَدَهُ أَوَّلًا ثُمَّ قَطَعَ الْبَائِعُ رِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى الْمُشْتَرِي خَمْسَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ وَبَطَلَ عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 2873
تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْمُشْتَرِي النِّصْفُ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَبِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ سَهْمٌ فَيَلْزَمُهُ خَمْسَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ وَتَلِفَ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ سَهْمَانِ وَبِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ سَهْمٌ فَكَمَا انْتَقَضَ قَبْضُ الْمُشْتَرِي فِيمَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ فَكَذَلِكَ يُنْقَضُ فِيمَا تَلِفَ بِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ فَلِهَذَا سَقَطَ عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا وَالْمُشْتَرِي هُوَ الْبَادِئَ بِالْجِنَايَةِ فَعَلَيْهِ جَمِيعُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ بِقَطْعِ الْيَدِ صَارَ قَابِضًا لِجَمِيعِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَنْتَقِضْ قَبْضُهُ فِي شَيْءٍ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْبَائِعِ فِي نَقْضِ قَبْضِهِ بَعْدَ وُصُولِ الثَّمَنِ إلَيْهِ.
فَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الثَّمَنِ وَعَلَى الْبَائِعِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ قِيمَتِهِ صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِأَصْلِ جِنَايَتِهِ نِصْفُ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَهُوَ رُبْعُ الْعَبْدِ وَبِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ رُبْعُ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ جَمِيعِ الْعَبْدِ فَيَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَالْبَائِعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْبَادِئَ بِالْقَطْعِ رَدَّ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي نِصْفَ الثَّمَنِ الَّذِي أَعْطَاهُ؛ لِأَنَّهُ بِقَطْعِ الْيَدِ أَتْلَفَ نِصْفَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ الْمُشْتَرِي قَابِضًا لَهُ فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ نِصْفِ الثَّمَنِ ثُمَّ الْمُشْتَرِي بِقَطْعِ الرِّجْلِ صَارَ قَابِضًا جَمِيعَ مَا بَقِيَ قَبْضًا تَامًّا فَيَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ نِصْفُ الثَّمَنِ إلَّا أَنَّ نِصْفَ مَا بَقِيَ تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْمُشْتَرِي وَالنِّصْفُ بِسِرَايَةِ الْجِنَايَتَيْنِ فَمَا تَلِفَ بِسِرَايَةِ جِنَايَةِ الْبَائِعِ وَهُوَ الثَّمَنُ فَعَلَى الْبَائِعِ حِصَّةُ ذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ التَّالِفَ بِسِرَايَةِ الْجِنَايَةِ كَالتَّالِفِ بِأَصْلِ الْجِنَايَةِ، وَلَوْ تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ بَعْدَمَا تَمَّ قَبْضُ الْمُشْتَرِي فِيهِ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ فَكَذَلِكَ مَا تَلِفَ بِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ فَلِهَذَا أَلْزَمَهُ ثُمُنَ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِلْمُشْتَرِي فَإِنْ قِيلَ قَدْ قُلْتُمْ: إنَّ لِلْقَبْضِ مُشَابَهَةً بِالْعَقْدِ وَإِذَا كَانَ بِأَصْلِ الْعَقْدِ بَعْدَ الْجِنَايَةِ يَنْقَطِعُ حُكْمُ السِّرَايَةِ فَإِنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدِ نَفْسِهِ ثُمَّ بَاعَهُ فَكَذَلِكَ بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ جِنَايَةِ الْبَائِعِ يَنْبَغِي أَنْ يَنْقَطِعَ حُكْمُ السِّرَايَةِ قُلْنَا عَيْبُ الْمَبِيعِ لَا يَقْطَعُ حُكْمَ السِّرَايَةِ وَلَكِنَّ تَبَدُّلَ الْمُسْتَحِقِّ سَبَبٌ لِلْبَيْعِ وَهُوَ الْقَاطِعُ لِلسِّرَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ هُوَ الْمَالِكُ وَقَدْ انْتَقَلَ إلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِالْبَيْعِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي الْقَبْضِ وَبِهِ لَا يَتَبَدَّلُ الْمَالِكُ وَالْمُسْتَحِقُّ فَإِنْ قِيلَ مَعْنَى التَّبَدُّلِ هُنَا يَحْصُلُ حُكْمًا أَيْضًا فَإِنَّ مَا تَلِفَ بِأَصْلِ الْجِنَايَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَتْلَفُ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ وَمَا تَلِفَ بِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ يَتْلَفُ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي.
وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِالْمُوجِبِ فَإِنَّ بِاعْتِبَارِ مَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ سَقَطَ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي وَبِاعْتِبَارِ مَا تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ يُوجِبُ الْقِيمَةَ عَلَى الْبَائِعِ قُلْنَا لَا كَذَلِكَ بَلْ الْعَبْدُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ صَارَ مَمْلُوكًا لِلْمُشْتَرِي فَجِنَايَةُ الْبَائِعِ تُصَادِفُ مِلْكَ الْمُشْتَرِي وَهُوَ سَبَبٌ لِضَمَانِ الْمُتْلِفِ لِلْمُشْتَرِي عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ قَبْضَ الْمُشْتَرِي يَفُوتُ فِيمَا تَلِفَ بِأَصْلِ جِنَايَتِهِ وَمِنْ ضَرُورَةِ فَوَاتِ قَبْضِهِ انْفِسَاخُ الْبَيْعِ فِيهِ فَيَسْقُطُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ
стр. 2874
بِذَلِكَ فَأَمَّا مَا تَلِفَ بِسِرَايَةٍ فَلَمْ يَفُتْ قَبْضُ الْمُشْتَرِي فِيهِ فَلِهَذَا كَانَ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ عَلَى الْبَائِعِ وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْحُكْمِ لِأَجْلِ فَوْتِ قَبْضِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ حُكْمَ السِّرَايَةِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ أَصْلِ الْعَقْدِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ الْإِشْكَالِ الَّذِي يُرَدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسْأَلَةِ سِرَايَةِ الْقِصَاصِ أَنَّ الْقَطْعَ مَعَ السِّرَايَةِ لَا يَكُونُ قَتْلًا مِنْ أَصْلِهِ إذَا كَانَ حُكْمُ أَصْلِ الْفِعْلِ مُخَالِفًا لِحُكْمِ السِّرَايَةِ بِدَلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي حِينَ اشْتَرَاهُ نَقَدَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ حَتَّى قَطَعَ الْبَائِعِ يَدَهُ ثُمَّ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ الْبَائِعِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَمَاتَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ جِنَايَةِ الْبَائِعِ عَلَيْهِ بَطَلَ عَلَى الْمُشْتَرِي نِصْفُ الثَّمَنِ بِقَطْعِ الْبَائِعِ يَدَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْبَائِعِ فِيمَا هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِإِقْدَامِهِ عَلَى الْقَبْضِ صَارَ رَاضِيًا بِمَا بَقِيَ مِنْهُ وَذَلِكَ قَاطِعٌ لِحُكْمِ سِرَايَةِ جِنَايَةِ الْبَائِعِ بِمَنْزِلَةِ الرَّدِّ فَلِهَذَا كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي نِصْفُ الثَّمَنِ وَلِأَنَّ الْقَبْضَ مُشَابَهٌ بِالْعَقْدِ.
وَلَوْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ قَطْعِ الْبَائِعِ يَدَهُ انْقَطَعَ بِهِ حُكْمُ السِّرَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ صَارَ رَاضِيًا بِقَبْضِهِ بِحُكْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَا يُشْبِهُ قَبْضُ الْمُشْتَرِي فِي هَذَا الْوَجْهِ قَبْضَهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ أَوْ بِعَيْبٍ يُحْدِثُهُ فِيهِ وَكُلُّ شَيْءٍ يُحْدِثُهُ مِنْ جِنَايَةِ الْبَائِعِ بَعْدَمَا يُحْدِثُ الْمُشْتَرِي فِيهِ جِنَايَةً، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ غَيْرَ مَنْقُودٍ بَطَلَ عَنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ بِحِسَابِ مَا هَلَكَ مِنْهُ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ وَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا فَعَلَى الْبَائِعِ فِيهِ الْقِيمَةُ وَإِذَا كَانَ الْقَبْضُ بَعْدَ جِنَايَةِ الْبَائِعِ بِأَخْذِ الْمُشْتَرِي إيَّاهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْبَائِعِ فِيمَا هَلَكَ مِنْ جِنَايَةٍ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقِيمَةِ وَلَا يَبْطُلُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ بِاعْتِبَارِهِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ بِالْجِنَايَةِ حُكْمِيٌّ فَإِنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِيمَا تَلِفَ بِهِ وَلَا تَنْقَطِعُ السِّرَايَةُ الَّتِي انْعَقَدَ سَبَبُهَا بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ فَأَمَّا الْقَبْضُ بِالْأَخْذِ فَحَتَّى يَظْهَرَ فِي جَمِيعِ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ وَلَهُ مُشَابَهَةٌ بِالْعَقْدِ فَيَنْقَطِعُ بِهِ حُكْمُ سِرَايَةِ جِنَايَةِ الْبَائِعِ وَهَذَا لِأَنَّ بِالْقَبْضِ حِسًّا يُجْعَلُ رَاضِيًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ بَعْدَ جِنَايَةِ الْبَائِعِ وَبِالْجِنَايَةِ لَا يَكُونُ رَاضِيًا بِتَقَرُّرِ مِلْكِهِ فِيمَا بَقِيَ بَلْ هُوَ مُتْلِفٌ فَإِنَّمَا يَنْقَطِعُ حُكْمُ سِرَايَةِ جِنَايَةِ الْبَائِعِ فِيمَا يَتْلَفُ بِجِنَايَةِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ ضَرُورَةً، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدِهِ ثُمَّ غَصْبَهُ مِنْهُ غَاصِبٌ فَمَاتَ فِي يَدِهِ مِنْ جِنَايَةِ الْمَوْلَى كَانَ عَلَى الْغَاصِبِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ، وَلَوْ لَمْ يَغْصِبْهُ وَلَكِنَّهُ جَنَى عَلَيْهِ فَمَاتَ الْعَبْدُ مِنْ الْجِنَايَتَيْنِ كَانَ عَلَى الْجَانِي ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ وَسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِسِرَايَةِ جِنَايَةِ الْمَالِكِ فِيهِ يَتَّضِحُ مِمَّا سَبَقَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَبْضِ حِسًّا وَبَيْنَ الْقَبْضِ بِحُكْمِ الْجِنَايَةِ.
قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ فَلَمْ يَنْقُدْهُ الثَّمَنَ حَتَّى قَبَضَ بِغَيْرِ
стр. 2875
إذْنِ الْبَائِعِ فَقَطَعَ الْبَائِعُ يَدَهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَأْخُذْهُ حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ مِنْ قَطْعِ الْيَدِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَ مَاتَ مِنْ قَطْعِ الْيَدِ فَقَدْ بَطَلَ الْبَيْعُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ فِي الْحَبْسِ لَمْ يَسْقُطْ بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي إيَّاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالسِّرَايَةُ إذَا اتَّصَلَتْ بِالْجِنَايَةِ كَانَتْ قَتْلًا مِنْ أَصْلِهِ فَكَأَنَّ الْبَائِعَ قَتَلَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَيَصِيرُ مُسْتَرَدًّا لَهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِيهِ فَيَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي وَإِذَا مَاتَ مِنْ غَيْرِ قَطْعِهِ فَعَلَى الْمُشْتَرِي نِصْفُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا صَارَ مُسْتَرِدًّا لِنِصْفِهِ بِقَطْعِ الْيَدِ فَإِنَّمَا انْتَقَضَ قَبْضُ الْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ النِّصْفِ وَبَقِيَ النِّصْفُ الْآخَرُ هَالِكًا فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ إذَا قَطَعَ الْمُشْتَرِي يَدَهُ فِي يَدِ الْبَائِعِ ثُمَّ هَلَكَ لَا مِنْ ذَلِكَ الْقَطْعِ وَلَمْ يُحْدِثْ الْبَائِعُ فِيهِ مَنْعًا فَعَلَى الْمُشْتَرِي جَمِيعُ الثَّمَنِ وَيُجْعَلُ قَابِضًا لِجَمِيعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِإِتْلَافِ نِصْفِهِ وَهُنَا لَمْ يُجْعَلْ الْبَائِعُ مُسْتَرِدًّا لِجَمِيعِ الْعَبْدِ بِإِتْلَافِ نِصْفِهِ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا بِقَطْعِ الْيَدِ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَبْضِ مَا بَقِيَ مِنْهُ فَيُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ التَّخَلِّي بِهِ وَالْمُشْتَرِي بِالتَّخْلِيَةِ يَصِيرُ قَابِضًا فَبِالْجِنَايَةِ أَيْضًا يَصِيرُ قَابِضًا وَالْبَائِعُ بِالتَّخَلِّي بِالْمَبِيعِ لَا يَصِيرُ مُسْتَرِدًّا فَكَذَلِكَ بِالْجِنَايَةِ لَا يَصِيرُ مُسْتَرِدًّا لِمَا بَقِيَ مِنْهُ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي وَالْمِلْكُ مُمْكِنٌ لَهُ مِنْ الْقَبْضِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ قَابِضًا لِلْبَعْضِ بِالْإِتْلَافِ وَلِمَا بَقِيَ مِنْهُ بِالتَّخَلِّي بِهِ لِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا لَهُ فَأَمَّا الْبَائِعُ فَلَيْسَ بِمَالِكٍ وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي الْحَبْسِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَحْبِسَهُ فَكَذَلِكَ اسْتِرْدَادُهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِيمَا ظَهَرَ فِيهِ عَمَلُهُ بِيَدِهِ وَذَلِكَ فِيمَا يَتْلَفُ بِجِنَايَتِهِ أَوْ بِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ.
وَإِذَا اشْتَرَاهُ وَلَمْ يَنْقُدْهُ الثَّمَنَ حَتَّى أَحْدَثَ الْمُشْتَرِي فِيهِ عَيْبًا يُنْقِصُهُ مِنْ الثَّمَنِ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ قَطْعِهِ يَدَهُ فِي أَنَّهُ بَصِيرٌ قَابِضًا لِجَمِيعِهِ وَيَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الثَّمَنِ إنْ تَلِفَ بَعْدَ ذَلِكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، وَلَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَمَا أَحَدَثَ فِيهِ وَقَبَضَهُ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ كَانَ بَيْعُهُ جَائِزًا وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَارَ قَابِضًا لِجَمِيعِ الْعَبْدِ بِمَا أَحَدَثَ وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مَالِكٌ لِلْعَبْدِ وَالْمِلْكُ مُطْلَقٌ لَهُ حَقُّ الْقَبْضِ وَالتَّصَرُّفِ.
قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى زَوَّجَهَا رَجُلًا كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّزْوِيجِ تَثْبُتُ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَالْمِلْكُ حَصَلَ لِلْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَالتَّزْوِيجُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَا يَمْتَنِعُ صِحَّتُهَا لِأَجْلِ الْغَرَرِ أَلَا تَرَى أَنَّ تَزْوِيجَ الْآبِقَةِ وَالرَّضِيعَةِ يَجُوزُ فَكَانَ التَّزْوِيجُ نَظِيرَ الْعِتْقِ وَإِعْتَاقُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ صَحِيحٌ فَكَذَلِكَ تَزْوِيجُهُ وَلِهَذَا يَجُوزُ مِنْ الرَّاهِنِ تَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ كَمَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ ثُمَّ فِي الْقِيَاسِ يَصِيرُ الْمُشْتَرِي قَابِضًا بِنَفْسِ التَّزْوِيجِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ حَتَّى إذَا هَلَكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ عَيْبٌ فِيهَا وَالْمُشْتَرِي إذَا
стр. 2876
عَيَّبَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ يَصِيرُ بِهِ قَابِضًا أَوْ يُجْعَلُ التَّزْوِيجُ كَالْإِعْتَاقِ أَوْ التَّدْبِيرِ فَكَمَا يَصِيرُ الْمُشْتَرِي قَابِضًا بِذَلِكَ فَكَذَلِكَ بِالتَّزْوِيجِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ لَا يَكُونُ قَابِضًا لَهَا بِنَفْسِ التَّزْوِيجِ حَتَّى إذَا هَلَكَتْ فَهِيَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ مِنْ الْمُشْتَرِي فِعْلٌ بِهَا وَإِنَّمَا التَّزْوِيجُ عَيْبٌ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ تَقِلُّ رَغَائِبُ النَّاسِ فِيهَا وَيُنْتَقَصُ لِأَجْلِهِ الثَّمَنُ فَهُوَ فِي مَعْنَى نُقْصَانِ السِّعْرِ أَوْ التَّزْوِيجِ لَمَّا كَانَ عَيْبًا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ فَهُوَ نَظِيرُ الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ.
وَالْمُشْتَرِي لَوْ أَقَرَّ عَلَيْهَا بِدَيْنٍ لَا يَصِيرُ قَابِضًا لَهَا بِخِلَافِ الْعَيْبِ الْحِسِّيِّ فَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ فِعْلٍ يَتَّصِلُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِعَيْنِهَا وَهُوَ إتْلَافٌ لِجُزْءٍ مِنْ عَيْنِهَا فَأَمَّا أَنْ يَصِيرَ قَابِضًا لِمَا بَقِيَ بِالتَّخَلِّي بِهَا أَوْ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ قَبْضِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فَمِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهِ قَابِضًا لِمَا أَتْلَفَ أَنْ يَكُونَ قَابِضًا لِمَا بَقِيَ مِنْهُ وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي وَاسْتِرْدَادِ الْبَائِعِ فَالْبَائِعُ يَمْلِكُ اسْتِرْدَادَ الْبَعْضِ لِيَحْبِسَهُ بِالثَّمَنِ دُونَ الْقَبْضِ فَلَا يُجْعَلُ بِتَفْوِيتِ الْبَعْضِ مُسْتَرِدًّا لِمَا بَقِيَ وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ إنْهَاءٌ لِلْمِلْكِ وَإِتْلَافٌ لِلْمَالِيَّةِ وَلِهَذَا يَثْبُتُ بِهِ الْوَلَاءُ فَمِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يَصِيرَ قَابِضًا وَالتَّدْبِيرُ نَظِيرُ الْعِتْقِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ وَثُبُوتِ حَقِّ الْحُرِّيَّةِ لِلْمُدَبَّرَةِ فَإِنْ وَطِئَهَا الزَّوْجُ ثُمَّ مَاتَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مَاتَتْ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي إنْ نَقَصَهَا الْوَطْءُ أَوْ لَمْ يَنْقُصْهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا وَطِئَهَا بِتَسْلِيطِ الْمُشْتَرِي إيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ فِعْلُهُ كَفِعْلِ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي وَطِئَهَا بِنَفْسِهِ ثُمَّ مَاتَتْ فَعَلَيْهِ جَمِيعُ ثَمَنِهَا؛ لِأَنَّهُ بِالْوَطْءِ قَدْ تَخَلَّى بِهَا وَالْوَطْءُ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافِ جُزْءٍ مِنْهَا فَكَذَلِكَ إذَا وَطِئَهَا الزَّوْجُ بِتَسْلِيطِ الْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مَنَعَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي بَعْدَ وَطْءِ الْمُشْتَرِي أَوْ الزَّوْجِ إيَّاهَا وَلَمْ يُنْقِصْهَا الْوَطْءُ شَيْئًا ثُمَّ مَاتَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ وَلَا مِنْ الْعُقْرِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ صَارَ مُسْتَرِدًّا لَهَا بِحَبْسِهِ إيَّاهَا بِالثَّمَنِ وَمَنْعِ الْمُشْتَرِي مِنْهَا وَلَمْ يُتْلِفْ بِالْوَطْءِ شَيْئًا مِنْ مَالِيَّتِهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْفِيَ بِالْوَطْءِ وَإِنْ كَانَ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ عَيْنِهَا فَذَلِكَ جُزْءٌ لَيْسَ بِمَالٍ وَالثَّمَنُ بِمُقَابَلَةِ مَا هُوَ مَالٌ فَلِهَذَا لَا يَتَقَرَّرُ عَلَى الْمُشْتَرِي شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا عُقْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا فِي مِلْكِهِ وَوَطْءُ الْإِنْسَانِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لَا يَلْزَمُهُ الْعُقْرُ.
وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ كَانَ الْوَطْءُ نَقَصَهَا لَمْ يُنْظَرْ إلَى الْعُقْرِ وَلَكِنْ يُنْظَرُ إلَى مَا يُنْقِصُهَا الْوَطْءُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ جُزْءٌ مِنْ مَالِيَّتِهَا بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي فَيَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ حِصَّةُ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ كَمَا لَوْ فَقَأَ الْمُشْتَرِي عَيْنَهَا ثُمَّ اسْتَرَدَّهَا الْبَائِعُ فَهَلَكَتْ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْبَكَارَةَ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ الْمَالِيَّةِ وَلِهَذَا يَصِيرُ مُسْتَحَقًّا بِالْبَيْعِ إذَا اشْتَرَطَ فَبِوَطْءِ الْمُشْتَرِي إنْ
стр. 2877
كَانَتْ بِكْرًا يَفُوتُ جُزْءٌ مِنْ الْمَالِيَّةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي هُوَ مَالٌ يُقَابِلُهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ إذَا صَارَ مَقْصُودًا بِالتَّنَاوُلِ وَإِذَا كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْوَاطِئَ لَمْ يَنْظُرْ إلَى الْعُقْرِ وَلَكِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى النُّقْصَانِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْقُصْهَا شَيْئًا أَخَذَهَا الْمُشْتَرِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ نَقَصَهَا شَيْئًا حَطَّ عَنْهُ حِصَّةَ النُّقْصَانِ وَأَخَذَهَا بِمَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا لَمْ يَنْقُصْهَا الْوَطْءُ يُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى الْعُقْرِ وَالْقِيمَةِ فَيَسْقُطُ حِصَّةُ الْعُقْرِ مِنْ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي فَإِنْ نَقَصَهَا الْوَطْءُ يُنْظَرُ إلَى الْأَكْثَرِ مِنْ الْعُقْرِ وَمِنْ النُّقْصَانِ فَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ وَعَلَى قِيمَتِهَا وَيَبْطُلُ عَلَى الْمُشْتَرِي حِصَّةُ ذَلِكَ الثَّمَنِ وَيَأْخُذُهَا بِحِصَّةِ الْقِيمَةِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا بِالْعُقْرِ صَارَتْ مَمْلُوكَةً لِلْمُشْتَرِي فَوَطْءُ الْبَائِعِ حَصَلَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَالْوَطْءُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ حَدٍّ أَوْ عُقْرٍ وَقَدْ سَقَطَ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ فَيَجِبُ الْعُقْرُ.
وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْعُقْرِ مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا فِي ضَمَانِهِ بِالثَّمَنِ فَيُعْتَبَرُ الْعُقْرُ لِإِسْقَاطِ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنَايَةِ فَكَمَا أَنَّ جِنَايَةَ الْبَائِعِ عَلَيْهَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ تُعْتَبَرُ فِي إسْقَاطِ حِصَّةٍ مِنْ الثَّمَنِ لَا فِي إيجَابِ الضَّمَانِ فَكَذَلِكَ وَطْؤُهُ إيَّاهَا إلَّا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا فَالْمُمْكِنُ هُنَا اعْتِبَارُ مَعْنَى نُقْصَانِ الْبَكَارَةِ وَالْعُقْرِ بِسَبَبِ الْوَطْءِ وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِسَبَبِ فَعَلٍ وَاحِدٍ فَيَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ وَيُعْتَبَرُ الِانْقِسَامُ عَلَى الْقِيمَةِ وَعَلَى الْأَكْثَرِ مِنْهُمَا وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: الْجَارِيَةُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ وَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ ضَمَانِ الْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْجِنَايَةِ أَرْشٌ وَلَا بِالْوَطْءِ عُقْرٌ يُسْتَوْفَى مِنْهُ فَكَمَا أَنَّ وَطْأَهُ إيَّاهَا لَوْ حَصَلَ فِي حَالِ قِيَامِ مِلْكِهِ فِيهَا لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلْعُقْرِ أَصْلًا فَكَذَلِكَ إذَا حَصَلَ فِي ضَمَانِ مِلْكِهِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ الْعَيْنِ كَمَا قَالَ وَلَكِنَّهُ جُزْءٌ لَيْسَ بِمَالٍ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنُ نُقْصَانًا فِي مَالِيَّتِهَا، وَالثَّمَنُ بِمُقَابَلَةِ الْمَالِيَّةِ لَا يُمْكِنُ إسْقَاطُ شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ بِاعْتِبَارِهِ وَبِهِ فَارَقَ الْجِنَايَةَ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ نُقْصَانًا فِي الْمَالِيَّةِ نَقُولُ: إنَّهُ يَسْقُطُ بِحِصَّةِ ذَلِكَ النُّقْصَانِ مِنْ الثَّمَنِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْجَارِيَةَ فِي حُكْمِ الْوَطْءِ إنَّمَا تَصِيرُ مَمْلُوكَةً لِلْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ هِيَ كَالْمَمْلُوكَةِ لِلْبَائِعِ فِي حُكْمِ ضَمَانِ الْوَطْءِ وَلِهَذَا لَا يُحْتَسَبُ بِالْحَيْضَةِ الَّتِي تُوجَدُ فِي يَدِ الْبَائِعِ مِنْ اسْتِبْرَاءِ الْمُشْتَرِي وَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ زَوَّجَهَا ثُمَّ قَبَضَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ فَوَطْءُ الْبَائِعِ إيَّاهَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِمَنْزِلَةِ وَطْئِهِ إيَّاهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَطِئَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ
стр. 2878
الْقَبْضِ وَلَمْ يَنْقُصْهَا الْوَطْءُ ثُمَّ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا خِيَارٌ وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَنَقَصَهَا الْوَطْءُ ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي لِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الْمَالِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ذَهَبَتْ الْبَكَارَةُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُسْتَوْفِيَ بِالْوَطْءِ فِي حُكْمِ جُزْءٍ هُوَ ثَمَرَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَةٍ وَالْمَنْفَعَةُ تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَإِتْلَافُ الْبَائِعِ جَزْءًا مِمَّا هُوَ ثَمَرَةٌ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ نُقْصَانٌ فِي مَالِيَّةِ الْعَيْنِ كَإِتْلَافِ وَلَدِ الشَّاةِ وَثَمَرَةِ الْأَشْجَارِ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ نُقْصَانًا فِي الْعَيْنِ ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي لِأَجْلِهِ كَمَا لَوْ وَلَدَتْ الْجَارِيَةُ فَأَتْلَفَ الْبَائِعُ وَلَدَهَا وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا تَخْرِيجًا هُوَ أَلْطَفُ مِنْ هَذَا فَقَالَ يَنْظُرُ إلَى نُقْصَانِ الْبَكَارَةِ مِنْ الثَّمَنِ أَوَّلًا عَلَى نُقْصَانِ الْبَكَارَةِ وَعَلَى قِيمَتِهَا فَيُسْقِطُ نُقْصَانَ الْبَكَارَةِ مِنْ الثَّمَنِ ثُمَّ يَقْسِمُ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ عَلَى قِيمَتِهَا وَعَلَى مَا بَقِيَ مِنْ الْعُقْرِ فَسَقَطَ حِصَّةُ الْعُقْرِ مِنْ الثَّمَنِ وَبَيَانُهُ إذَا اشْتَرَاهَا بِمِائَةٍ وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ وَنُقْصَانُ الْبَكَارَةِ عِشْرُونَ وَالْعُقْرُ أَرْبَعُونَ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ نُقْصَانِ الْبَكَارَةِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ يَقْسِمُ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ وَذَلِكَ ثَمَانُونَ دِرْهَمًا عَلَى قِيمَتِهَا وَهِيَ ثَمَانُونَ وَعَلَى مَا بَقِيَ مِنْ الْعُقْرِ وَهُوَ عِشْرُونَ فَيَقْسِمُ أَخْمَاسًا بِأَنْ يُجْعَلَ كُلُّ عِشْرِينَ سَهْمًا فَيَسْقُطُ عَنْهُ خُمُسُ مَا بَقِيَ وَذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَإِنَّمَا يَأْخُذُهَا بِمَا بَقِيَ وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ دِرْهَمًا.
قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفٍ فَلَمْ يَقْبِضْهُ وَلَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ حَتَّى قَطَعَ الْبَائِعُ يَدَهُ ثُمَّ قَطَعَ الْمُشْتَرِي وَأَجْنَبِيٌّ رِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ فَعَلَى الْمُشْتَرِي ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ وَثُلُثُ ثُمُنِ الثَّمَنِ حِصَّةُ جِنَايَتِهِ وَجِنَايَةُ الْأَجْنَبِيِّ وَيُبْطِلُ عَنْهُ جِنَايَةُ الْبَائِعِ أَرْبَعَةَ أَثْمَانِ الثَّمَنِ وَثُلُثَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بِقَطْعِ الْيَدِ أَتْلَفَ نِصْفَهُ وَالْمُشْتَرِي مَعَ الْأَجْنَبِيِّ بِقَطْعِ الرِّجْلِ أَتْلَفَ نِصْفَ مَا بَقِيَ ثُمَّ مَا بَقِيَ وَهُوَ الرُّبُعُ تَلِفَ بِجِنَايَةِ ثُلُثِهِ فَيَكُونُ ثُلُثُ ذَلِكَ الرُّبُعُ هَالِكًا بِجِنَايَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَأَصْلُ السِّهَامِ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ثُمَّ انْكَسَرَ بِالْأَثْلَاثِ فَيَضْرِبُ ثَمَانِيَةً فِي ثَلَاثَةٍ فَيَكُونُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ثُمَّ انْكَسَرَ بِالْأَنْصَافِ؛ لِأَنَّ مَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْمُشْتَرِي وَالْأَجْنَبِيِّ يَكُونُ نِصْفَيْنِ بَيْنَهُمَا فَتُضْعَفُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ لِلْكَسْرِ بِالْأَنْصَافِ فَيَكُونُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ التَّالِفُ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَبِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ أَرْبَعَةٌ فَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَثْمَانِ الْعَبْدِ وَثُلُثَا ثُمُنِهِ؛ لِأَنَّ سِهَامَ الْعَبْدِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ كُلُّ ثُمُنٍ سِتَّةٌ فَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَرْبَعَةُ أَثْمَانٍ وَأَرْبَعَةٌ ثُلُثَا الثَّمَنِ وَجِنَايَتُهُ مُوجِبَةٌ سُقُوطَ الثُّمُنِ فَلِهَذَا سَقَطَ أَرْبَعَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ وَثُلُثَا الثَّمَنِ وَيَتَقَرَّرُ عَلَى الْمُشْتَرِي ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ وَثُلُثُ الثَّمَنِ حِصَّةُ مَا تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ وَحِصَّةُ
стр. 2879
مَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ ضَامِنٌ لِلْقِيمَةِ فَيَبْقَى الْبَيْعُ فِيمَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ تَبَعًا لِبَدَلِهِ وَالتَّالِفُ بِجِنَايَتِهِمَا وَسِرَايَةِ جِنَايَتِهِمَا فِي الْحَاصِلِ عِشْرُونَ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الْعَبْدِ وَثُلُثُ ثُمُنِهِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْأَجْنَبِيِّ بِثُمُنِ الْقِيمَةِ وَثُلُثَيْ ثُمُنِهَا؛ لِأَنَّ التَّالِفَ بِجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ نِصْفُ الْعِشْرُونَ وَهُوَ عَشَرَةٌ وَذَلِكَ ثُمُنُ الْعَبْدِ وَثُلُثَا ثُمُنِهِ فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِثُمُنِ الْقِيمَةِ وَثُلُثَيْ ثُمُنِ الْقِيمَةِ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَلَى حِصَّةٍ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِجِنَايَتِهِ يَصِيرُ قَابِضًا وَجِنَايَةُ الْأَجْنَبِيِّ اقْتَرَنَتْ بِجِنَايَةِ الْمُشْتَرِي وَوُجُوبِ الْقِيمَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْجِنَايَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي فَكَانَ ذَلِكَ رِبْحًا عَلَى مِلْكِهِ وَضَمَانِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ وَالْأَجْنَبِيُّ هُمَا اللَّذَانِ قَطَعَا الْيَدَ أَوَّلًا ثُمَّ قَطَعَ الْمُشْتَرِي رِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّخْرِيجِ يَرْتَفِعُ سِهَامُ الْعَبْدِ إلَى ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَالْفَائِتُ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ وَالْأَجْنَبِيِّ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَبِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِمَا ثَمَانِيَةٌ وَذَلِكَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَيَكُونُ الْفَائِتُ بِفِعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِتَّةَ عَشَرَ وَبِجِنَايَةِ الْمُشْتَرِي اثْنَيْ عَشَرَ وَبِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ أَرْبَعَةً فَذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ فَأَمَّا مَا تَلِفَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ فَيَسْقُطُ ثَمَنُهُ عَنْ الْمُشْتَرِي وَذَلِكَ ثُمُنَا الثَّمَنِ وَثُلُثَا ثُمُنِهِ كُلُّ ثُمُنٍ سِتَّةٌ وَمَا سِوَى ذَلِكَ قِيمَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُشْتَرِي أَمَّا حِصَّةُ مَا تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ فَغَيْرُ مُشْكِلٍ، وَكَذَلِكَ حِصَّةُ مَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَدَلَهُ وَهُوَ الْقِيمَةُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يُقَرِّرُ عَلَى الْمُشْتَرِي خَمْسَةَ أَثْمَانِ الثَّمَنِ وَثُلُثَ ثُمُنِ الثَّمَنِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْأَجْنَبِيِّ بِثُمُنِ الْقِيمَةِ وَثُلُثَيْ ثُمُنِ الْقِيمَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى طَرَفِ الْمَمْلُوكِ إذَا اتَّصَلَتْ بِالنَّفْسِ تَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ وَكَمَا أَنَّ بَدَلَ النَّفْسِ كُلَّهُ يَكُونُ مُؤَجَّلًا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فَكَذَلِكَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ بَدَلِ النَّفْسِ فَعَرَفْنَا أَنَّهَا عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَذَلِكَ ثُمُنَا الْقِيمَةِ وَثُلُثَا ثُمُنِهَا يُؤْخَذُ مِنْ عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُ ذَلِكَ، فَإِذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقَابِلُ مِقْدَارَ رُبْعِ الْقِيمَةِ بِرُبُعِ الثَّمَنِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ تَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الرُّبُعِ وَجَبَ بِأَصْلِ جِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي فَهَذَا رِبْحٌ حَصَلَ لَا فِي ضَمَانِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ بِالْفَضْلِ وَأَمَّا ثُلُثَا ثُمُنِ الْقِيمَةِ فَهُوَ سَالِمٌ لِلْمُشْتَرِي لَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا صَارَ الْمُشْتَرِي قَابِضًا لَهُ بِالْجِنَايَةِ فَهُوَ رِبْحٌ حَصَلَ فِي ضَمَانِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى قَطَعَ أَجْنَبِيٌّ يَدَهُ ثُمَّ قَبَضَهُ عَلَى ذَلِكَ وَرَضِيَهُ فَمَاتَ فِي يَدِهِ مِنْ جِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَيْهِ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ قِيمَةُ
стр. 2880
الْعَبْدِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فَإِذَا قَبَضَهَا وَفِيهَا فَضْلٌ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ الْفَضْلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ وَالْيَدُ قُطِعَتْ قَبْلَ دُخُولِ الْعَبْدِ فِي ضَمَانِهِ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِنِصْفِ الْفَضْلِ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ كَانَتْ بَعْدَ دُخُولِ الْعَبْدِ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ.
قَالَ: وَلَوْ قَطَعَ الْمُشْتَرِي وَأَجْنَبِيٌّ يَدَهُ مَعًا ثُمَّ قَطَعَ الْبَائِعُ رِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ لِوُجُودِ الْجِنَايَةِ مِنْ الْبَائِعِ بَعْدَ جِنَايَةِ الْمُشْتَرِي فَقَدْ انْتَقَصَ قَبْضُ الْمُشْتَرِي فِيمَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ وَصَارَ ذَلِكَ كَجِنَايَتِهِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي وَذَلِكَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي لِلتَّغَيُّرِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمُشْتَرِي مَا يَكُونُ دَلِيلُ الرِّضَا مِنْهُ فَلِهَذَا يُخَيَّرُ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَإِمْضَائِهِ فَإِنْ اخْتَارَ الْبَيْعَ فَعَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ خَمْسَةُ أَثْمَانِهِ وَثُلُثُ ثُمُنِهِ وَسَقَطَ عَنْهُ ثُمُنَا الثَّمَنِ وَثُلُثَا ثُمُنِهِ حِصَّةُ مَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ وَبِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا عَلَى التَّخْرِيجِ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّالِفَ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ اثْنَا عَشَرَ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَبِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ أَرْبَعَةٌ فَذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ وَهُوَ ثُمُنَا الْعَبْدِ وَثُلُثَا ثُمُنِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْأَجْنَبِيِّ بِثُمُنِ الْقِيمَةِ وَثُلُثَيْ ثُمُنِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ التَّالِفَ بِجِنَايَتِهِمَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَسِرَايَةِ جِنَايَتِهِمَا ثَمَانِيَةٌ فَيَكُونُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ نِصْفُ ذَلِكَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ فَلِهَذَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِثُمُنِ الْقِيمَةِ وَثُلُثَيْ ثُمُنِ الْقِيمَةِ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْأَجْنَبِيِّ كَانَتْ مَعَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِجِنَايَتِهِ يَصِيرُ قَابِضًا وَإِنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي نَقْضَ الْبَيْعِ لَزِمَهُ مِنْ الثَّمَنِ حِصَّةُ مَا تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ وَسِرَايَة جِنَايَتِهِ وَذَلِكَ ثُمُنَا الثَّمَنِ وَثُلُثَا ثُمُنِ الثَّمَنِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا سِوَى ذَلِكَ لِانْفِسَاخِ الْبَيْعِ فِيهِ وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ بِثُمُنِ الْقِيمَةِ وَثُلُثَيْ ثُمُنِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ جِنَايَةَ الْأَجْنَبِيِّ حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ حِينَ انْفَسَخَ الْبَيْعُ فَمَا تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ وَسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ يُقَابِلُ ذَلِكَ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الثَّمَنِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ رِبْحٌ حَصَلَ لَا عَلَى مِلْكِهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ أَصْلَ الْجِنَايَةِ لَمْ تَكُنْ عَلَى مِلْكِهِ.
قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلَيْنِ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَنْقُدْهُمَا الثَّمَنَ حَتَّى قَطَعَ أَحَدُ الْبَائِعَانِ يَدَ الْعَبْدِ ثُمَّ قَطَعَ الْآخَرُ رِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ فَقَأَ الْمُشْتَرِي إحْدَى عَيْنَيْهِ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي يَدِ الْبَائِعَيْنِ فَالْمُشْتَرِي مُخْتَارٌ لِلْبَيْعِ بِجِنَايَتِهِ بَعْدَ جِنَايَةِ الْبَائِعَيْنِ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُمَا أَوْجَبَتْ الْخِيَارَ لَهُ وَلَكِنَّ جِنَايَتَهُ بَعْدَ جِنَايَتِهِمَا تَكُونُ دَلِيلَ الرِّضَا مِنْهُ وَالْإِسْقَاطِ لِخِيَارِهِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ لِلْقَاطِعِ الْأَوَّلِ ثُمُنُ الثَّمَنِ وَخَمْسَةُ أَسْدَاسِ ثُمُنِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ لِلْقَاطِعِ الثَّانِي ثُمُنَا الثَّمَنِ وَخَمْسَةَ أَسْدَاسِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْقَاطِعَ الْأَوَّلَ بِجِنَايَتِهِ أَتْلَفَ النِّصْفَ وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَالْقَاطِعُ الثَّانِي بِجِنَايَتِهِ أَتْلَفَ نِصْفَ مَا بَقِيَ
стр. 2881
وَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ ثُمَّ الْمُشْتَرِي بِفَقْءِ الْعَيْنِ أَتْلَفَ نِصْفَ مَا بَقِيَ وَهُوَ سِتَّةٌ وَمَا بَقِيَ وَهُوَ سِتَّةٌ تَلِفَ بِثَلَاثِ جِنَايَاتٍ فَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ ذَلِكَ فَكَانَ حَاصِلُ مَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْقَاطِعِ الْأَوَّلِ وَسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ سِتَّةً وَعِشْرِينَ نِصْفُ ذَلِكَ مِمَّا بَاعَ هُوَ وَنِصْفٌ مِمَّا بَاعَ شَرِيكُهُ فَفِي حِصَّةِ مَا بَاعَ هُوَ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ وَذَلِكَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَكُلُّ ثُمُنٍ سِتَّةٌ فَالثَّلَاثَةَ عَشَرَ تَكُونُ ثُمُنَ الثَّمَنِ وَسُدُسَ الثَّمَنِ وَقَدْ كَانَ لِلْقَاطِعِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ، فَإِذَا سَقَطَ ثُمُنَاهُ وَسُدُسُ ثُمُنِهِ بَقِيَ لَهُ ثُمُنُ الثَّمَنِ وَخَمْسَةُ أَسْدَاسِ ثُمُنِهِ فَلِهَذَا يَغْرَمُ الْمُشْتَرِي لَهُ ذَلِكَ وَالتَّالِفُ بِجِنَايَةِ الْقَاطِعِ الثَّانِي وَسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ نِصْفُ ذَلِكَ مِمَّا بَاعَهُ هُوَ فَيَسْقُطُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَنِصْفُهُ فِيمَا بَاعَ شَرِيكُهُ كَالْأَجْنَبِيِّ فَعَرَفْنَا أَنَّ السَّاقِطَ مِنْ حَقِّهِ ثُمُنُ الثَّمَنِ وَسُدُسُ ثُمُنِ الثَّمَنِ بَقِيَ لَهُ ثُمُنَا الثَّمَنِ وَخَمْسَةُ أَسْدَاسِ ثُمُنِ الثَّمَنِ فَيَغْرَمُ لَهُ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْقَاطِعِ الْأَوَّلِ بِثُمُنَيْ الْقِيمَةِ وَسُدُسِ ثُمُنِ الْقِيمَةِ وَذَلِكَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَهْمًا مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَهْمًا حِصَّةُ مَا تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ وَسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ مِمَّا بَاعَهُ شَرِيكُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى ذَلِكَ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ فَيَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَعَلَى عَاقِلَةِ الْقَاطِعِ الثَّانِي ثُمُنُ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَسُدُسُ ثُمُنِ قِيمَةِ حِصَّةِ مَا تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ وَسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ مِمَّا بَاعَهُ الْقَاطِعُ الْأَوَّلُ وَذَلِكَ سَبْعَةُ أَسْهُمٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ بَدَلِ النَّفْسِ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ التَّأْجِيلِ يُعْتَبَرُ الْجَمِيعُ بَدَلَ النَّفْسِ وَيَتَصَدَّقُ الْمُشْتَرِي بِمَا زَادَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى مَا غَرِمَ مِنْ الثَّمَنِ، الْأَفْضَلُ سُدُسُ ثُمُنِ قِيمَةِ الْعَبْدِ عَلَى مَا كَانَ بِمُقَابَلَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَطِيبُ لَهُ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِأَصْلِ جِنَايَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَائِعِينَ إنَّمَا وَجَبَ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي فَيَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِالْفَضْلِ فِيهِ، وَأَمَّا مَا تَلِفَ بِسِرَايَةِ جِنَايَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّمَا تَلِفَ بَعْدَ مَا صَارَ الْمُشْتَرِي قَابِضًا لَهُ فَيَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ.
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلَانِ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا فَلَمْ يَنْقُدْهُ الثَّمَنَ حَتَّى قَطَعَ أَحَدُ الْمُشْتَرِيَيْنِ يَدَهُ ثُمَّ قَطَعَ الْآخَرُ رِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ فَمَاتَ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَالْبَيْعُ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِيَيْنِ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ تَلِفَ بِفِعْلِهِمَا وَذَلِكَ قَبْضٌ مِنْهُمَا وَزِيَادَةٌ وَيَرْجِعُ الْقَاطِعُ الْأَوَّلُ عَلَى الْقَاطِعِ الثَّانِي بِثُمُنِ الْقِيمَةِ وَنِصْفِ ثُمُنِ قِيمَتِهِ وَيَرْجِعُ الْقَاطِعُ الثَّانِي عَلَى الْقَاطِعِ الْأَوَّلِ بِثُمُنِ قِيمَتِهِ وَنِصْفٌ مِنْ قِيمَتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ الْقَاطِعَ الْأَوَّلَ بِجِنَايَتِهِ أَتْلَفَ النِّصْفَ وَالْقَاطِعَ الثَّانِيَ أَتْلَفَ نِصْفَ مَا بَقِيَ ثُمَّ تَلِفَ مَا بَقِيَ بِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِمَا فَيَكُونُ نِصْفُهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا
стр. 2882
فَحَاصِلُ مَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْقَاطِعِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ سِتَّةٌ فَذَلِكَ ثَلَاثُونَ نِصْفُ ذَلِكَ مِمَّا اشْتَرَاهُ هُوَ وَنِصْفُهُ مِمَّا اشْتَرَاهُ صَاحِبُهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ ذَلِكَ لِصَاحِبِهِ وَذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ ثُمُنَاهُ وَنِصْفُ ثُمُنِهِ فَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاطِعِ الْأَوَّلِ ثُمُنَا الْقِيمَةِ وَنِصْفُ ثُمُنِهَا وَالتَّالِفُ بِجِنَايَةِ الْقَاطِعِ الثَّانِي وَبِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ نِصْفُهُ مِمَّا اشْتَرَاهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ تِسْعَةٌ وَذَلِكَ ثُمُنٌ وَنِصْفُ ثُمُنٍ فَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاطِعِ الثَّانِي ثُمُنُ الْقِيمَةِ وَنِصْفُ ثُمُنِ الْقِيمَةِ فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ فَقَأَ عَيْنَهُ بَعْدَ جِنَايَتِهِمَا فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَلِلْمُشْتَرِيَيْنِ الْخِيَارُ لِوُجُودِ الْجِنَايَةِ مِنْ الْبَائِعِ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَهَا مِنْهُمَا مَا يَكُونُ دَلِيلَ الرِّضَا فَإِنْ اخْتَارَ أَنْقَضَ الْبَيْعِ فَلِلْبَائِعِ عَلَى الْقَاطِعِ الْأَوَّلِ ثُمُنَا الثَّمَنِ وَسُدُسُ ثُمُنِهِ وَعَلَى الثَّانِي ثُمُنُ الثَّمَنِ وَسُدُسُ ثُمُنِهِ؛ لِأَنَّ التَّالِفَ بِجِنَايَةِ الْقَاطِعِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَبِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ سَهْمَانِ ثُلُثُ مَا بَقِيَ بَعْدَ جِنَايَةِ الْبَائِعِ فَذَلِكَ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ نِصْفُ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِمَّا اشْتَرَاهُ هُوَ فَيُقَرَّرُ عَلَيْهِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ.
وَذَلِكَ ثُمُنَا الثَّمَنِ وَسُدُسُ ثُمُنِهِ وَنِصْفُ ذَلِكَ مِمَّا اشْتَرَاهُ شَرِيكُهُ فَقَدْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ فِيهِ بِفَسْخِهِ فَيَغْرَمُ لِلْبَائِعِ ثُمُنَ الْقِيمَةِ وَسُدُسَ ثُمُنِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا اشْتَرَى شَرِيكُهُ كَالْأَجْنَبِيِّ وَالتَّالِفُ بِجِنَايَةِ الْقَاطِعِ الثَّانِي اثْنَا عَشَرَ وَبِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ سَهْمَانِ نِصْفُ ذَلِكَ وَهُوَ سَبْعَةٌ مِمَّا اشْتَرَاهُ فَلَزِمَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ وَهُوَ ثُمُنُ الثَّمَنِ وَسُدُسُ ثُمُنِ الثَّمَنِ وَنِصْفُهُ مِمَّا اشْتَرَاهُ شَرِيكُهُ فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِيهِ بِفَسْخِهِ وَيَغْرَمُ لِلْبَائِعِ حِصَّةً مِنْ الْقِيمَةِ، وَذَلِكَ ثُمُنُ الْقِيمَةِ وَسُدُسُ ثُمُنِهَا، فَإِنْ اخْتَارَ إمْضَاءَ الْبَيْعِ كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ وَثُلُثُ ثُمُنِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَقَطَ مِنْ الثَّمَنِ مَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ وَسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ وَالتَّالِفُ بِجِنَايَتِهِ سِتَّةٌ وَبِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ سَهْمَانِ فَذَلِكَ ثُمُنٌ وَثُلُثُ ثُمُنٍ وَالْبَاقِي عَلَيْهِمَا مِنْ الثَّمَنِ سِتَّةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ وَثُلُثَا ثُمُنٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ وَثُلُثُ ثُمُنِهِ وَيَرْجِعُ الْقَاطِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِثُمُنَيْ الْقِيمَةِ وَسُدُسِ ثُمُنِهَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّالِفَ بِفِعْلِهِ مِمَّا اشْتَرَاهُ الْقَاطِعُ الثَّانِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَهْمًا فَيَلْزَمُهُ قِيمَةُ ذَلِكَ ثُمُنَا الْقِيمَةِ وَسُدُسُ ثُمُنِهَا؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلِ الثَّانِي مِمَّا اشْتَرَاهُ الْأَوَّلُ سَبْعَةَ أَسْهُمٍ وَذَلِكَ ثُمُنٌ وَسُدُسُ ثُمُنٍ فَلَا تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بَيْنَهُمَا فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فَلَا تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ فِيهِ مَعَ اخْتِلَافِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَنْقُدْهُ الثَّمَنَ حَتَّى قَطَعَ الْبَائِعُ يَدَهُ ثُمَّ قَطَعَ الْمُشْتَرِي يَدَهُ الْأُخْرَى أَوْ قَطَعَ رِجْلَهُ الَّتِي فِي جَانِبِ الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَدْ بَطَلَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقَطْعِ الْبَائِعِ يَدَ الْعَبْدِ نِصْفُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ مِنْ الْآدَمِيِّ
стр. 2883
نِصْفُهُ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى مَا نَقَصَ الْعَبْدُ مِنْ جِنَايَةِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ فِي قَطْعِ يَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ وَهُوَ مَا إذَا قَطَعَ رِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ هُنَاكَ لَيْسَ بِاسْتِهْلَاكٍ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُفَوِّتٍ لِجِنْسِ الْمَنْفَعَةِ فَلِهَذَا يُجْعَلُ التَّالِفُ بِفِعْلِهِ نِصْفَ مَا بَقِيَ وَهُنَا فِعْلُهُ اسْتِهْلَاكٌ حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ إنْ قَطَعَ الْيَدَ الْأُخْرَى فَقَدْ فَوَّتَ مَنْفَعَةَ الْبَطْشِ، وَتَفْوِيتُ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ يَكُونُ اسْتِهْلَاكًا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فِي السَّرِقَةِ وَلَا يَجُوزُ إعْتَاقُ مَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ فِي الْكَفَّارَةِ فَإِنْ قَطَعَ الرِّجْلَ الَّتِي مِنْ جَانِبِ الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ فَقَدْ فَوَّتَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةَ الْمَشْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْشِيَ بِعَصًا بِخِلَافِ مَا إذَا قَطَعَ الرِّجْلَ مِنْ خِلَافٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذَا اسْتِهْلَاكٌ وَأَنَّ النُّقْصَانَ فِيهِ أَكْثَرُ فَلِهَذَا اعْتَبَرْنَا النُّقْصَانَ، فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْجِنَايَةُ نَقَصَتْهُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ مَا بَقِيَ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ قَطْعِ الْيَدِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَتَرَاجَعَتْ قِيمَتُهُ بِجِنَايَةِ الْمُشْتَرِي إلَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَقَدْ تَقَرَّرَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ نِصْفِ الثَّمَنِ ثُمَّ الْبَاقِي وَهُوَ خُمُسُ النِّصْفِ تَلِفَ بِجِنَايَتِهِمَا فَيَكُونُ نِصْفُ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي فَصَارَ حَاصِلُ مَا عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ أَرْبَعَةَ أَعْشَارِ الثَّمَنِ وَنِصْفَ عُشْرِ الثَّمَنِ وَسَقَطَ عَنْهُ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ وَسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ خَمْسَةُ أَعْشَارٍ وَنِصْفُ عُشْرٍ.
قَالَ: فَإِنْ بَدَأَ الْمُشْتَرِي فَقَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ قَطَعَ الْبَائِعُ رِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ مَاتَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ يُحْدِثْ الْبَائِعُ فِيهِ مَنْعًا فَعَلَى الْمُشْتَرِي ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ بِقَطْعِ الْيَدِ صَارَ قَابِضًا لِجَمِيعِ الْعَبْدِ ثُمَّ إنَّمَا يَنْتَقِضُ حُكْمُ قَبْضِهِ فِيمَا تَلِفَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ خَاصَّةً وَالتَّالِفُ بِفِعْلِ الْبَائِعِ نِصْفُ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَهُوَ رُبُعُ الْعَبْدِ فَيَسْقُطُ عَنْ الْمُشْتَرِي رُبُعُ الثَّمَنِ وَيَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ نِصْفُ الثَّمَنِ حِصَّةُ مَا تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ وَرُبُعُ الثَّمَنِ حِصَّةُ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي بَقِيَ فِيهِ وَقَدْ تَلِفَ لَا بِسِرَايَةِ جِنَايَةِ الْبَائِعِ فَيَتَقَرَّرُ ثَمَنُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَوْ لَمْ يَمُتْ الْعَبْدُ وَبَرِئَ كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ قَبْضِهِ انْتَقَضَ فِيمَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ وَذَلِكَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا فَكَانَ عَلَى خِيَارِهِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَأَعْطَاهُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ، نِصْفُ الثَّمَنِ حِصَّةُ مَا تَلِفَ بِقَطْعِهِ الْيَدَ، وَرُبُعُ الثَّمَنِ حِصَّةُ الْبَاقِي مِنْ الْعَبْدِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَأَعْطَى نِصْفَ الثَّمَنِ حِصَّةَ مَا تَلِفَ بِقَطْعِهِ الْيَدَ، وَلَوْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَخْذَهُ فَمَنَعَهُ الْبَائِعُ حَتَّى يُعْطِيَهُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ فَمَاتَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ جِنَايَتِهِمَا فَلَيْسَ عَلَى الْمُشْتَرِي إلَّا نِصْفُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ قَبْضِهِ انْتَقَضَ فِيمَا بَقِيَ حِينَ مَنَعَهُ الْبَائِعُ فَإِنَّمَا تَلِفَ مَا بَقِيَ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ فَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ إلَّا حِصَّةُ الْيَدِ وَذَلِكَ نِصْفُ الثَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 2884
[بَابُ زِيَادَةِ الْمَبِيعِ وَنُقْصَانِهِ]
قَبْلَ الْقَبْضِ قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ بِنْتًا تُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ وَنَقَصَتْ الْوِلَادَةُ الْأُمَّ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُمَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمَا؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّبَتْ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَالْعَيْبُ الْحَادِثُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِيهَا يُجْعَلُ كَالْمُقْتَرِنِ بِالْعَقْدِ وَنُقْصَانُ الْوِلَادَةِ وَإِنْ كَانَ مُنْجَبِرًا بِالْوَلَدِ فَالْخِيَارُ يَثْبُتُ لِلتَّغَيُّرِ كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُهَا وَأَخَذَ الْبَائِعُ الْأَرْشَ، فَإِنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي أَخْذَهُمَا فَلَمْ يَأْخُذْهُمَا حَتَّى وَلَدَتْ الْبِنْتُ بِنْتًا تُسَاوِي أَلْفًا وَقَدْ نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ فَالْمُشْتَرِي أَيْضًا بِالْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْحَادِثَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْمَوْجُودَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ حَتَّى يَصِيرَ بِمُقَابَلَتِهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ إذَا قُبِضَتْ وَأَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي فِيهَا حَقُّ الْقَبْضِ كَمَا يَثْبُتُ فِي الْأَصْلِ فَكَمَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَلَامَةَ الْأَصْلِ عَنْ الْعَيْبِ وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا لَمْ يَسْلَمْ فَكَذَلِكَ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلنُّقْصَانِ الْمُتَمَكِّنِ فِي الزِّيَادَةِ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِنُقْصَانِهَا عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الزِّيَادَةَ سَلِيمَةً عَنْ النُّقْصَانِ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ كَانَ هُوَ عَلَى خِيَارِهِ، فَإِذَا زَادَتْ الْوُسْطَى حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ فَقَبَضَهُنَّ جَمِيعًا وَالْأُمُّ قَدْ رَجَعَتْ قِيمَتُهَا إلَى خَمْسِمِائَةٍ ثُمَّ وَجَدَ بِالْأُمِّ عَيْبًا رَدَّهَا بِرُبْعِ الثَّمَنِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْوُسْطَى وَالسُّفْلَى كِلَاهُمَا زِيَادَةٌ فِي الْأُمِّ فَإِنَّ الْوُسْطَى تَبَعُ الْأُمِّ فِي الْعَقْدِ وَلَا تَبَعَ لِلتَّبَعِ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُ السُّفْلَى تَبَعًا لِلْوُسْطَى جَعَلْنَاهُمَا كَوَلَدَيْنِ لِلْأُمِّ ثُمَّ الْأَصْلُ فِي قِسْمَةِ الثَّمَنِ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ قِيمَةَ الْأُمِّ وَقْتَ الْعَقْدِ وَقِيمَةَ الْوَلَدِ وَقْتَ الْقَبْضِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إنَّمَا تَصِيرُ مَقْصُودَةً بِالْقَبْضِ وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ إذَا صَارَتْ مَقْصُودَةً فَأَمَّا الْبَيْعُ فَلَا حِصَّةَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ مَا لَمْ يَصِرْ مَقْصُودًا كَأَطْرَافِ الْمَبِيعِ، وَقِيمَةُ الْأُمِّ عِنْدَ الْعَقْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَقِيمَةُ الْوُسْطَى عِنْدَ الْقَبْضِ أَلْفَانِ وَقِيمَةُ السُّفْلَى أَلْفٌ فَجَعَلْنَا كُلَّ أَلْفٍ سَهْمًا وَإِذَا جَعَلْنَا كُلَّ أَلْفٍ سَهْمًا انْقَسَمَ الثَّمَنُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ سَهْمٌ بِإِزَاءِ الْأُمِّ فَيَرُدُّهَا بِذَلِكَ إذَا وَجَدَ الْعَيْبَ بِهَا وَسَهْمَانِ بِإِزَاءِ الْوُسْطَى فَيَرُدُّهَا بِالْعَيْبِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَسَهْمٌ بِإِزَاءِ السُّفْلَى فَيَرُدُّهَا بِالْعَيْبِ بِرُبْعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَمَّا صَارَتْ مَقْصُودَةً بِالْقَبْضِ الْتَحَقَتْ بِالْمَوْجُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُشْتَرِي صِفَةَ السَّلَامَةِ فِيهَا وَعِنْدَ وُجُودِ الْعَيْبِ إنَّمَا يَرُدُّ الْمَعِيبَ خَاصَّةً بَعْدَ الْقَبْضِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا سَبَقَ.
قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى أَمَتَيْنِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ قِيمَةُ إحْدَاهُمَا خَمْسُمِائَةٍ وَقِيمَةُ الْأُخْرَى أَلْفُ دِرْهَمٍ فَوَلَدَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ اعْوَرَّتْ الَّتِي كَانَتْ تُسَاوِي
стр. 2885
أَلْفًا فَاخْتَارَ الْمُشْتَرِي أَخْذَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالثَّمَنِ فَقَبَضَهُنَّ جَمِيعًا وَدَفَعَ الثَّمَنَ ثُمَّ وَجَدَ بِالْعَوْرَاءِ عَيْبًا وَقِيمَتُهَا خَمْسُمِائَةٍ رَدَّهَا بِثَلَثِمِائَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ وَثُلُثٍ؛ لِأَنَّ وَلَدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَتْبَعُهَا فِيمَا يَخُصُّهَا مِنْ الثَّمَنِ وَالِانْقِسَامِ أَوَّلًا عَلَى قِيمَةِ الْأَمَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مَقْصُودَتَانِ بِالْعَقْدِ، وَوَلَدُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا زِيَادَةٌ فِيهَا دُونَ الْأُخْرَى فَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الْجَارِيَتَيْنِ وَقْتَ الْعَقْدِ وَقِيمَةُ الْعَوْرَاءِ وَقْتَ الْعَقْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَقِيمَةُ الْأُخْرَى خَمْسُمِائَةٍ فَكَانَ ثُلُثَا الثَّمَنِ حِصَّةَ الْعَوْرَاءِ ثُمَّ يَنْقَسِمُ حِصَّتُهَا مِنْ الثَّمَنِ عَلَى قِيمَتِهَا وَقْتَ الْعَقْدِ وَقِيمَةُ وَلَدِهَا وَقْتَ الْقَبْضِ وَذَلِكَ أَلْفٌ فَانْقَسَمَ نِصْفَانِ نِصْفُهُ حِصَّةُ وَلَدِهَا وَنِصْفُهُ حِصَّةُ الْعَوْرَاءِ وَذَلِكَ ثُلُثُ الْأَلْفِ فَبِذَلِكَ يَرُدُّهَا بِالْعَيْبِ، وَلَوْ وَجَدَ الْعَيْبَ بِالْأَمَةِ الْأُخْرَى رَدَّهَا بِمِائَةٍ وَأَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَتُسْعِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ حِصَّتَهَا ثُلُثُ الثَّمَنِ فَانْقَسَمَ ذَلِكَ عَلَى قِيمَتِهَا وَقْتَ الْعَقْدِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ وَقِيمَةُ وَلَدِهَا وَقْتَ الْقَبْضِ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَيَرُدُّهَا بِذَلِكَ.
قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى شَاةً فَوَلَدَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتْرُكَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ زِيَادَةٌ فِي الْبَهَائِمِ فَلَا يَتَمَكَّنُ بِهَا نُقْصَانٌ فِي الْأَصْلِ فَالْمُشْتَرِي يُجْبَرُ عَلَى قَبْضِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ رَاضِيًا بِلُزُومِ الْعَقْدِ قَبْلَ حُدُوثِ الزِّيَادَةِ فَهُوَ رَاضٍ بِلُزُومِهِ بَعْدَ حُدُوثِهَا، فَإِنْ وَجَدَ بِالْأُمِّ عَيْبًا قَبْلَ الْقَبْضِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُمَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمَا جَمِيعًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ تَبَعٌ فِي الْعَقْدِ لَا حِصَّةَ لَهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي التَّبَعِ بِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ وَلِأَنَّهُ لَوْ رَدَّ الْأَصْلَ وَحْدَهَا رَدَّهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إذْ لَا حِصَّةَ لِلْوَلَدِ مَا لَمْ يَصِرْ مَقْصُودًا بِالْقَبْضِ وَبَعْدَمَا رَدَّهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لَوْ بَقِيَ الْعَقْدُ فِي الْوَلَدِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَيَكُونُ فَضْلًا خَالِيًا عَنْ الْمُقَابَلَةِ مُسْتَحَقًّا بِالتَّبَعِ مَقْبُوضًا بِهِ وَهُوَ الرِّبَا بِعَيْنِهِ وَإِنْ وَجَدَ بِالْوَلَدِ عَيْبًا فَلَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ وَهُمَا لَازِمَانِ لَهُ؛ لِأَنَّ بِوُجُودِ الْعَيْبِ يَظْهَرُ فَوَاتُ جُزْءٍ مِنْ الْوَلَدِ، وَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَخَذَ الْأُمَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَلَا خِيَارَ لَهُ فِيهَا فَكَذَلِكَ إذَا فَاتَ جُزْءٌ مِنْ الْوَلَدِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَمَّا فَاتَتْ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ صَارَتْ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ وَقَبْلَ حُدُوثِهَا كَانَ الْعَقْدُ لَازِمًا لَهُ فِي الْأَصْلِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ فَوَاتِهَا وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَ الْعَيْبَ بِالْوَلَدِ بَعْدَمَا قَبَضَهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ بِالْقَبْضِ صَارَ مَقْصُودًا فَصَارَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ فَبِاعْتِبَارِ الْعِوَضِ بِمُقَابَلَتِهِ يَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي صِفَةَ السَّلَامَةِ فِيهِ، فَإِذَا وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا رَدَّهُ فَأَمَّا قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا حِصَّةَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ وَاسْتِحْقَاقُ صِفَةِ السَّلَامَةِ عَنْ الْعَيْبِ بِاعْتِبَارِ الْعِوَضِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فِي الْمَوْهُوبِ وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الَّذِي
стр. 2886
قَتَلَ الْوَلَدَ فَقَدْ صَارَ الْوَلَدُ مَقْصُودًا بِإِتْلَافِ الْبَائِعِ إيَّاهُ وَلَوْ صَارَ مَقْصُودًا بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي إيَّاهُ كَانَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ مَقْصُودًا بِإِتْلَافِ الْبَائِعِ وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي طَرَفِ الْمَبِيعِ أَنَّهُ إذَا فَاتَ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِذَا أَتْلَفَهُ الْبَائِعُ يَسْقُطُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ فَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْوَلَدِ الَّذِي هُوَ تَبَعٌ فَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الْأُمِّ وَقْتَ الْبَيْعِ وَعَلَى قِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ قَتَلَهُ الْبَائِعُ فَمَا أَصَابَ الْوَلَدُ بَطَلَ عَنْ الْمُشْتَرِي وَأَخَذَ الْأُمَّ بِمَا بَقِيَ وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَهُ الْخِيَارُ وَهَذِهِ هِيَ الْخِلَافِيَّةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الثِّمَارِ وَتَنْصِيصُهُ عَلَى الْخِلَافِ هُنَا يَكُونُ تَنْصِيصًا ثَمَّةَ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَإِحْدَى عَيْنَيْهَا بَيْضَاءُ وَقِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ مِنْ عَيْنَيْهَا فَصَارَتْ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ ثُمَّ إنَّ الْبَائِعَ ضَرَبَ الْعَيْنَ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأَصْلِ صَحِيحَةً فَابْيَضَّتْ وَرَجَعَتْ قِيمَتُهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ وَبَيَاضُ الْعَيْنِ يُنْقِصُهَا أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْقِيمَةِ الْأُولَى لَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ الْأُولَى بَيْضَاءَ عَلَى حَالِهَا فَإِنِّي لَسْتُ أَلْتَفِتُ إلَى الزِّيَادَةِ لِكَيْ أَنْظُرَ كَمْ كَانَ يُنْقِصُهَا الْبَيَاضُ لَوْ كَانَ بَيَاضُ الْعَيْنِ الْأُولَى عَلَى حَالِهِ، فَإِذَا كَانَ يُنْقِصُهَا أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْقِيمَةِ الْأُولَى وَذَلِكَ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِسِتَّةِ أَعْشَارِ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا أَمَّا ثُبُوتُ الْخِيَارِ فَلِأَنَّهَا تَغَيَّرَتْ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ بِفِعْلِهِ ثُمَّ ذَهَابُ الْبَيَاضِ عَنْ الْعَيْنِ الْأُولَى زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ فِي عُقُودِ الْمُعَارَضَاتِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الِانْقِسَامِ قِيمَتُهَا وَقْتَ الْعَقْدِ فَوُجُودُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ كَعَدَمِهَا، وَلَوْ لَمْ يَذْهَبْ الْبَيَاضُ عَنْ عَيْنِهَا حَتَّى ضَرَبَ الْبَائِعُ الْعَيْنَ الصَّحِيحَةَ فَابْيَضَّتْ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ النُّقْصَانُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا عَمِيَتْ بِفِعْلِهِ وَذَلِكَ اسْتِهْلَاكٌ حُكْمًا فَيَكُونُ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ النُّقْصَانُ فَلِهَذَا قَالَ يُنْظَرُ إلَى مَا نَقَصَهَا الْقِيمَةَ الْأُولَى ثُمَّ الثَّمَنُ يَنْقَسِمُ عَلَى قِيمَتِهَا وَقْتَ الْعَقْدِ وَقِيمَةِ وَلَدِهَا وَقْتَ الْقَبْضِ وَهُمَا سَوَاءٌ فَانْقَسَمَ نِصْفَانِ نِصْفُ الثَّمَنِ حِصَّةُ الْوَلَدِ وَنِصْفُهُ حِصَّةُ الْأُمِّ، فَإِذَا كَانَ النُّقْصَانُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْقِيمَةِ الْأُولَى سَقَطَ عَنْ الْمُشْتَرِي أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ النِّصْفِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ صَارَ عَلَى عَشَرَةِ أَسْهُمٍ نِصْفُهُ وَهُوَ خَمْسَةٌ حِصَّةُ الْوَلَدِ وَسَهْمٌ وَاحِدٌ حِصَّةُ مَا بَقِيَ مِنْ الْأُمِّ.
فَإِذَا قَبَضَهُمَا ثُمَّ وَجَدَ بِالْأُمِّ عَيْبًا رَدَّهَا بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ وَهُوَ سُدُسُ مَا أَخَذَهُمَا بِهِ، وَلَوْ وَجَدَ الْعَيْبَ بِالْوَلَدِ رَدَّهُ بِحِصَّتِهِ وَهُوَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ مَا أَخَذَهُمَا بِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْبَائِعُ ضَرَبَ الْعَيْنَ الصَّحِيحَةَ وَلَكِنَّهُ ضَرَبَ الْعَيْنَ الَّتِي كَانَ بِهَا الْبَيَاضُ بَعْدَ مَا ذَهَبَ الْبَيَاضُ فَعَادَ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي
стр. 2887
قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُمَا بِثُلُثَيْ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمَا وَلِأَنَّ ذَهَابَ الْبَيَاضِ كَانَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً فَقَدْ انْفَصَلَتْ بِفِعْلِ الْبَائِعِ فَهِيَ كَزِيَادَةٍ مُتَّصِلَةٍ أَتْلَفَهَا الْبَائِعُ بِأَنْ وَلَدَتْ وَلَدًا آخَرَ قِيمَتُهُ أَلْفٌ فَقَتَلَهُ الْبَائِعُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ يَقْسِمُ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ الْأُمِّ وَقْتَ الْعَقْدِ وَقِيمَةِ الْوَلَدِ مِنْ حِينِ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودًا وَالْقِيمَةُ سَوَاءٌ فَيُقْسَمُ الثُّلُثُ أَثْلَاثًا وَحِصَّةُ مَا أَتْلَفَ الْبَائِعُ ثُلُثَ الثَّمَنِ فَيَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْ الْمُشْتَرِي وَيَتَخَيَّرُ فِيمَا بَقِيَ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا خِيَارَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ فِي الْبَهَائِمِ إذَا أَتْلَفَهَا الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لَا تُمَكِّنُ نُقْصَانًا فِي الْأَصْلِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مِثْلُ تِلْكَ، فَإِنْ أَخَذَهُمَا ثُمَّ وَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا رَدَّهُ بِنِصْفِ مَا أَخَذَهُمَا بِهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ الثَّمَنِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ جِنَايَةُ الْبَائِعِ عَلَى الْعَيْنِ الصَّحِيحَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ هُنَاكَ لَمْ تُزَايِلْ الْبَدَنَ فَلَا مُعْتَبَرَ بِهَا وَهُنَا الزِّيَادَةُ زَايَلَتْ الْبَدَنَ بِصُنْعِ الْبَائِعِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا.
قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهَا أَلْفٌ وَإِحْدَى عَيْنَيْهَا بَيْضَاءُ فَذَهَبَ الْبَيَاضُ فَصَارَتْ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ ثُمَّ إنَّ عَبْدًا لِأَجْنَبِيٍّ ضَرَبَ تِلْكَ الْعَيْنَ فَعَادَ بَيَاضُهَا وَدَفَعَهُ مَوْلَاهُ وَقِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَخَذَهُمَا الْمُشْتَرِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ثُمَّ إنَّهُ وَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَإِنَّهُ يُرَدُّ بِثُلُثِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمَدْفُوعَ بِالْعَيْنِ قَائِمٌ مَقَامَهَا وَذَهَابُ الْبَيَاضِ عَنْ تِلْكَ الْعَيْنِ كَانَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً وَقَدْ انْفَصَلَتْ فَيُجْعَلُ كَوَلَدٍ وَلَدَتْهُ الْجَارِيَةُ وَإِنَّمَا يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَتِهَا وَقْتَ الْعَقْدِ وَقِيمَةِ الْوَلَدِ وَقْتَ الْقَبْضِ فَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْعَبْدِ الْمَدْفُوعِ فِي الِانْقِسَامِ وَقْتَ الْقَبْضِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ لَا وَقْتَ الدَّفْعِ بِالْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ فِي شَيْءٍ وَقِيمَتُهُ وَقْتَ الْقَبْضِ خَمْسُمِائَةٍ فَانْقَسَمَ الثَّمَنُ أَثْلَاثًا ثُلُثُهُ بِإِزَاءِ الْعَبْدِ يَرُدُّهُ بِذَلِكَ إنْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا وَثُلُثَاهُ بِإِزَاءِ الْجَارِيَةِ إنْ وَجَدَ الْعَيْبَ بِهَا يَرُدَّهَا بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَقْبِضْ الْعَبْدَ حَتَّى زَادَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَصَارَ يُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَبَضَهُمَا الْمُشْتَرِي فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا رَدَّهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قِيمَةُ الْعَبْدِ وَقْتَ الْقَبْضِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ وَهِيَ مُسَاوِيَةٌ لِقِيمَةِ الْأَمَةِ وَقْتَ الْعَقْدِ فَانْقَسَمَ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ.
قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً تُسَاوِي أَلْفًا فَفَقَأَ الْبَائِعُ عَيْنَهَا ثُمَّ وَلَدَتْ بَعْدَ الْفَقْءِ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا أَخَذَهُمَا الْمُشْتَرِي بِنِصْفِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمَّا فَقَأَ عَيْنَهَا فَقَدْ سَقَطَ عَنْ الْمُشْتَرِي نِصْفُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مِنْ الْآدَمِيِّ نَصَفُهُ ثُمَّ لَمَّا وَلَدَتْ انْقَسَمَ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ عَلَى قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ وَلَدِهَا فَإِنْ كَانَ الْفَقْءُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ أَخَذَهُمَا إنْ شَاءَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا حِينَ وَلَدَتْ وَهِيَ صَحِيحَةٌ فَقَدْ انْقَسَمَ جَمِيعُ الثَّمَنِ عَلَى قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ الْوَلَدِ
стр. 2888
بِشَرْطِ بَقَاءِ الْوَلَدِ عَلَى هَذِهِ الْقِيمَةِ وَقْتَ الْقَبْضِ وَقَدْ بَقِيَ فَظَهَرَ أَنَّ نِصْفَ الثَّمَنِ كَانَ بِمُقَابَلَةِ الْوَلَدِ وَنِصْفُهُ حِصَّةُ الْأُمِّ فَلَمَّا فَقَأَ الْبَائِعُ الْعَيْنَ فَإِنَّمَا يَسْقُطُ نِصْفُ حِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ وَذَلِكَ رُبْعُ الثَّمَنِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْفَقْءُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ فَقَدْ كَانَ جَمِيعُ الثَّمَنِ فِيهَا حِينَ فَقَأَ الْبَائِعُ عَيْنَيْهَا فَلِهَذَا يَسْقُطُ نِصْفُ الثَّمَنِ قَالَ: وَلَا يُشْبِهُ الرَّهْنَ فِي هَذَا الْبَيْعِ يَعْنِي فِي الرَّهْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوِلَادَةِ قَبْلَ ذَهَابِ الْعَيْنِ وَبَيْنَ الْوِلَادَةِ بَعْدَ ذَهَابِ الْعَيْنِ وَيَكُونُ السَّاقِطُ رُبْعَ الدَّيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا وَبِالْوِلَادَةِ بَعْدَ ذَهَابِ الْعَيْنِ هُنَاكَ يَعُودُ بَعْضُ مَا كَانَ سَاقِطًا وَفِي الْبَيْعِ لَا يَعُودُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ سُقُوطَ الثَّمَنِ بِفَقْءِ الْبَائِعِ الْعَيْنَ إنَّمَا كَانَ بِطَرِيقِ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ فِيمَا أَتْلَفَهُ الْبَائِعُ وَالْبَيْعُ بَعْدَمَا انْفَسَخَ لَا يَعُودُ بِحُدُوثِ الزِّيَادَةِ وَأَمَّا فِي الرَّهْنِ فَسُقُوطُ الدَّيْنِ بِطَرِيقِ الْمُرْتَهِنِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا وَالِاسْتِيفَاءُ بِقَرَارِ الدَّيْنِ وَلَا يُسْقِطُهُ، فَإِذَا حَدَثَتْ الزِّيَادَةُ فَقَدْ حَدَثَتْ فِي حَالِ قِيَامِ الدَّيْنِ كُلِّهِ لِكَوْنِهِ مُنْتَهِيَا بِالِاسْتِيفَاءِ فَلِهَذَا يَعُودُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الزِّيَادَةَ بَعْضُ مَا كَانَ سَاقِطًا وَتُجْعَلُ الزِّيَادَةُ الْحَادِثَةُ بَعْدَ ذَهَابِ الْعَيْنِ كَالزِّيَادَةِ قَبْلَ ذَهَابِ الْعَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى شَاةً فَمَاتَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ دَبَغَ الْبَائِعُ جِلْدَهَا لَا يَعُودُ الْعَقْدُ فِي حِصَّةِ الْجِلْدِ، وَلَوْ أَنَّ الشَّاةَ الْمَرْهُونَةَ مَاتَتْ وَحُكِمَ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ ثُمَّ دَبَغَ الْمُرْتَهِنُ جِلْدَهَا عَادَ مِنْ الدَّيْنِ مَا يَخُصُّ الْجِلْدَ وَكَانَ الْفَرْقُ مَا ذَكَرْنَا وَتَحْقِيقُهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ الْفَسْخَ ضِدُّ مَا هُوَ مَقْصُودٌ بِالْعَقْدِ فَإِنَّمَا يَسْقُطُ بَعْضُ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي بِمَا هُوَ ضِدُّ الْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ فَلَا يُجْعَلُ الْعَقْدُ فِيهِ كَالْقَائِمِ حُكْمًا وَأَمَّا سُقُوطُ الدَّيْنِ بِهَلَاكِ بَعْضِ الْمَرْهُونِ فَيُحَقِّقُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِعَقْدِ الرَّهْنِ الِاسْتِيفَاءُ أَوْ إنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ فَلِهَذَا يُجْعَلُ كَأَنَّ الْعَقْدَ فِي الْكُلِّ قَائِمٌ حُكْمًا حِينَ حَدَثَتْ الزِّيَادَةُ فَيَسْقُطُ نِصْفُ مَا يَخُصُّ الْأُمَّ وَذَلِكَ رُبْعُ الدَّيْنِ ثُمَّ الرَّهْنُ وَالْبَيْعُ يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْبَيْعَ إذَا ذَهَبَتْ الْعَيْنُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ وَفِي الرَّهْنِ بِذَهَابِ الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ يَسْقُطُ نِصْفُ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ يَثْبُتُ بِالْقَبْضِ وَالْأَوْصَافُ تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِالْقَبْضِ وَإِذَا فَاتَتْ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ وَذَلِكَ كَأَوْصَافِ الْمَغْصُوبَةِ وَفِي الْبَيْعِ الضَّمَانُ بِالْعَقْدِ، فَإِذَا فَاتَتْ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ قُلْنَا: لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ بِفَوَاتِهَا.
قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ تُسَاوِي أَلْفًا وَهِيَ بَيْضَاءُ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ فَفَقَأَ الْبَائِعُ الْعَيْنَ الْبَاقِيَةَ فَصَارَتْ تُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ أَخَذَهَا الْمُشْتَرِي بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْبَائِعِ اسْتِهْلَاكٌ لَهَا حُكْمًا وَيُعْتَبَرُ نُقْصَانُ الْقِيمَةِ فِيمَا يَسْقُطُ مِنْ الثَّمَنِ بِهِ، فَإِذَا لَمْ يَأْخُذْهَا حَتَّى ذَهَبَ
стр. 2889
بَيَاضُ عَيْنِهَا الْأُولَى فَصَارَتْ تُسَاوِي أَلْفًا فَالْمُشْتَرِي عَلَى خِيَارِهِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْبَيَاضِ عَنْ الْعَيْنِ الْأُخْرَى زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ وَلَا مُعْتَبَرَ بِهَا فِي حُكْمِ الْبَيْعِ فَإِنْ ضَرَبَ عَبْدٌ هَذِهِ الْعَيْنَ الَّتِي بَرِئَتْ فَعَادَ بَيَاضُهَا فَمَوْلَى الْعَبْدِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ دَفَعَهُ بِالْجِنَايَةِ وَإِنْ شَاءَ فَدَاهُ الْجِنَايَةَ وَهُوَ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَإِنْ دَفَعَهُ وَقِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ أَخَذَهَا الْمُشْتَرِي بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْعَقْدَ انْفَسَخَ فِي أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا بِفَقْءِ الْبَائِعِ عَيْنَهَا وَكَمَا لَا يَعُودُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِوَلَدٍ تَلِدُهُ فَكَذَلِكَ لَا يَعُودُ بِالْعَبْدِ الْمَدْفُوعِ بِالْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ وَقَدْ صَارَتْ مُنْفَصِلَةً فَهُوَ كَوَلَدٍ وَلَدَتْهُ فَلِهَذَا يَأْخُذُهُمَا الْمُشْتَرِي بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إنْ شَاءَ فَإِنْ قَبَضَهُمَا فَوَجَدَ بِالْجَارِيَةِ عَيْبًا رَدَّهَا بِسُبْعِي الثَّمَنِ الَّذِي نَقَدَ وَهُوَ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَإِنْ وَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا رَدَّهُ بِخَمْسَةِ أَسْبَاعِهِ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ وَهُوَ مِائَتَا دِرْهَمٍ انْقَسَمَ عَلَى قِيمَةِ مَا بَقِيَ مِنْهَا وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَعَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ وَقْتَ الْقَبْضِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَإِذَا جُعِلَتْ كُلُّ مِائَةٍ سَهْمًا كَانَتْ الْقِسْمَةُ أَسْبَاعًا: خَمْسَةُ أَسْبَاعِهِ حِصَّةُ الْعَبْدِ فَيَرُدُّهُ بِهِ وَسُبْعَاهُ حِصَّةُ الْجَارِيَةِ فَيَرُدُّهَا بِذَلِكَ وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا فِي الِانْقِسَامِ قِيمَةَ مَا بَقِيَ مِنْهَا وَلَمْ نَعْتَبِرْ قِيمَتَهَا وَقْتَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ انْفَسَخَ فِي أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا وَإِنَّمَا يَعْتَبِرُ فِي الِانْقِسَامِ قِيمَةَ مَا بَقِيَ حُكْمُ الْعَقْدِ فِيهِ لَا قِيمَةَ مَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيهِ.
وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ لَمْ يَفْقَأْ عَيْنَهَا حَتَّى ذَهَبَ بَيَاضُ عَيْنِهَا فَصَارَتْ تُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ ثُمَّ إنَّ عَبْدًا ضَرَبَ الْعَيْنَ الَّتِي بَرِئَتْ فَعَادَ بَيَاضُهَا ثُمَّ إنَّ الْبَائِعَ فَقَأَ الْعَيْنَ الْبَاقِيَةَ فَصَارَتْ تُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَمَوْلَى الْعَبْدِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ دَفَعَهُ وَإِنْ شَاءَ فَدَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ يَكُونُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ هُنَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَدْ كَانَتْ قِيمَتُهَا عِنْدَ الْجَنَابَةِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَمَاتَ بِذَهَابِ الْعَيْنِ نِصْفُهَا وَتَرَاجَعَتْ قِيمَتُهَا إلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَإِنْ دَفَعَهُ وَقِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ أَخَذَهَا الْمُشْتَرِي إنْ شَاءَ بِخُمُسَيْ الثَّمَنِ وَثُلُثِ خُمُسِ الثَّمَنِ وَيَبْطُلُ عَنْهُ بِفَقْءِ الْبَائِعِ عَيْنَ الْجَارِيَةِ خُمْسَا الثَّمَنِ وَثُلُثَا خُمُسِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَدْفُوعٌ بِمَا فَوَّتَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدٍ وَلَدَتْهُ يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ وَعِنْدَ ظُهُورِهِ جَمِيعُ الْعَقْدِ فِيهَا قَائِمٌ فَانْقَسَمَ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَتِهَا وَقْتَ الْعَقْدِ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ وَقْتَ الْقَبْضِ أَثْلَاثًا ثُلُثُهُ بِإِزَاءِ الْعَبْدِ وَثُلُثَاهُ بِإِزَاءِ الْجَارِيَةِ ثُمَّ بِفَقْءِ الْبَائِعِ عَيْنَهَا سَقَطَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ مَا فِيهَا وَبَقِيَ الْخُمُسُ، فَإِذَا أَرَدْتَ تَصْحِيحَ ذَلِكَ فَالسَّبِيلُ أَنْ تَضْرِبَ ثَلَاثَةً فِي خَمْسَةٍ فَتَكُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ حِصَّةُ الْأُمِّ مِنْ ذَلِكَ عَشَرَةٌ وَالسَّاقِطُ ثَمَانِيَةٌ مِنْ هَذِهِ الْعَشَرَةِ وَثَمَانِيَةٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ خُمُسَاهُ وَثُلُثَا خُمُسِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ خُمُسٍ ثَلَاثَةٌ فَخُمُسَاهُ سِتَّةٌ وَثُلُثَا خُمُسِهِ سَهْمَانِ
стр. 2890
فَيَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْ الْمُشْتَرِي وَيَأْخُذُهُمَا بِمَا بَقِيَ وَهُوَ سَبْعَةٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ وَذَلِكَ خُمُسَاهُ وَثُلُثُ خُمُسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ قَبْضِ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ الْبَائِعِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ]
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ حَالَّةٍ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبِضَ الْعَبْدَ حَتَّى يُعْطِيَ الثَّمَنَ عِنْدَنَا وَهُوَ أَحَدُ أَقَاوِيلِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي قَوْلٍ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ بِالْعَقْدِ فِي الْعَيْنِ وَمِلْكُ الْبَائِعِ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي وَالْمِلْكُ فِي الْعَيْنِ أَقْوَى وَوُجُوبُ التَّسْلِيمِ بِحُكْمِ الْمِلْكِ وَفِي قَوْلٍ آخَرَ يُسَلِّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَدٍ وَيَقْبِضُ بِيَدٍ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ لِمُعَاوَضَةِ التَّسْوِيَةِ فَكَمَا اقْتَرَنَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِأَحَدِهِمَا بِثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْآخَرِ فَكَذَلِكَ الْقَبْضُ كَمَا فِي بَيْعِ الْمُقَابَضَةِ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْمُعَاوَضَةُ التَّسْوِيَةُ وَقَدْ عَيَّنَ الْبَائِعُ حَقَّ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ فَعَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُعَيِّنَ حَقَّ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ وَلَا يَتَعَيَّنُ الثَّمَنُ إلَّا بِالْقَبْضِ فَلِهَذَا كَانَ أَوَّلُ التَّسْلِيمَيْنِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِخِلَافِ بَيْعِ الْمُقَابَضَةِ فَهُنَاكَ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَيِّنٌ وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي أَقْوَى فَإِنَّا إنَّمَا نُوجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ أَوَّلًا لِهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا يَقْوَى مِلْكُهُ فِي الْمَبِيعِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّيَ جَانِبَ الْبَائِعِ فِي مِلْكِ الثَّمَنِ بِجَانِبِ نَفْسِهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ، وَكَذَلِكَ نَقْدُهُ الثَّمَنَ إلَّا دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ حَقِّ الْبَائِعِ فِي الْجِنْسِ مُتَعَلِّقٌ بِوُصُولِ الثَّمَنِ إلَيْهِ فَمَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ جَمِيعُ الثَّمَنِ لَا يَتِمُّ الشَّرْطُ وَيَبْقَى حَقُّ الْبَائِعِ فِي الْحَبْسِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا فَحِينَئِذٍ لَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْأَجَلِ وَلَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِالثَّمَنِ وَإِنَّمَا يَحْبِسُ الْمَبِيعَ بِمَا لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ مِنْ الثَّمَنِ وَأَمَّا بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَلِأَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَلَا يَثْبُتُ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَعًا بِهَذَا الْحَقِّ مَا كَانَ لَهُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْيَدِ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَا يَثْبُتُ ابْتِدَاءٌ بِحُلُولِ الْأَجَلُ.
وَذَكَرَ هَاشِمٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّهُ إذَا أَجَّلَهُ فِي الثَّمَنِ شَهْرًا ثُمَّ لَمْ يُسَلِّمْ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي حَتَّى مَضَى شَهْرٌ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ الْأَجَلُ شَهْرًا بِعَيْنِهِ فَيُمْضِيهِ بِحِلِّ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ شَهْرًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَعَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَبِيعَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِالثَّمَنِ حَتَّى يَمْضِيَ شَهْرٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِالثَّمَنِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الشَّهْرِ فِي الْأَجَلِ يَنْصَرِفُ إلَى الشَّهْرِ
стр. 2891
الَّذِي يَعْقُبُ عَيَّنَاهُ أَوْ لَمْ يُعَيِّنَاهُ كَمَا فِي الْإِجَارَاتِ وَالْأَيْمَانِ هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الظَّاهِرُ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ نَوْعُ اسْتِحْسَانٍ بِنَاءً عَلَى مَقْصُودِهِمَا فَالْمَقْصُودُ أَنْ يَتَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ فِي الشَّهْرِ وَيُؤَدِّيَ الثَّمَنَ عِنْدَ مُضِيِّهِ وَيَسْتَفْصِلَ لِنَفْسِهِ وَلَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ إذَا لَمْ يُسَلِّمْ الْمَبِيعَ إلَيْهِ فَلِهَذَا قَالَ فِي الشَّهْرِ الْمُطْلَقِ يَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينَ يُسَلِّمُ إلَيْهِ الْمَبِيعَ.
فَإِنْ نَقَدَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ وَهُوَ حَالٌّ وَلَمْ يَقْبِضْ الْمَبِيعَ حَتَّى وَجَدَ الْبَائِعُ الدَّرَاهِمَ زُيُوفًا أَوْ نَبَهْرَجَةً أَوْ سُتُّوقًا أَوْ رَصَاصًا أَوَاسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِهِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُشْتَرِيَ مِنْ قَبْضِ الْعَبْدِ حَتَّى يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ مِثْلَ شَرْطِهِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ يَنْقُضُ الْقَبْضَ مِنْ الْأَصْلِ فَيَلْتَحِقُ بِمَا لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ بَعْضَ الثَّمَنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ دِرْهَمًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ قَدْ انْتَقَضَ فِي ذَلِكَ الْمَرْدُودِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ ذَلِكَ الْقَدْرَ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَ الْعَبْدَ مِنْ الْبَائِعِ بِإِذْنِهِ ثُمَّ إنَّ الْبَائِعَ وَجَدَ الثَّمَنَ أَوْ بَعْضَهُ عَلَى مَا وَصَفْنَا فَإِنْ كَانَ الَّذِي وُجِدَ سُتُّوقًا أَوْ رَصَاصًا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ الْمُشْتَرِي مَكَانَ الَّذِي وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ جِيَادًا عَلَى مَا شَرَطَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ حَتَّى لَوْ تَجَوَّزَ بِهِ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ لَمْ يَجُزْ وَإِنَّمَا لَمْ يُسَلِّمْ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ إلَيْهِ عَلَى أَنَّ الْمَقْبُوضَ ثَمَنٌ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَنًا لَمْ يَكُنْ هُوَ رَاضِيًا بِالتَّسْلِيمِ فَكَأَنَّ الْمُشْتَرِي قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اُسْتُحِقَّ الْمَقْبُوضُ مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ وَلَكِنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا رَضِيَ بِالتَّسْلِيمِ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الْمَقْبُوضَ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ كَانَ هُوَ عَلَى حَقِّهِ فِي الْحَبْسِ وَإِنْ كَانَ وَجَدَ الثَّمَنَ أَوْ بَعْضَهُ زُيُوفًا أَوْ نَبَهْرَجَةً اسْتَبْدَلَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ لَهُ بِمُطْلَقِ التَّسْمِيَةِ الدَّرَاهِمُ الْجِيَادُ فَإِنَّ الْمُعَامَلَاتِ عُرْفًا بَيْنَ النَّاسِ بِالْجِيَادِ وَبِمُطْلَقِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ تَسْتَحِقُّ صِفَةَ السَّلَامَةِ عَنْ الْعَيْبِ.
وَالزِّيَافَةُ عَيْبٌ فِي الدَّرَاهِمِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ الزُّيُوفَ بِالْجِيَادِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْعَبْدَ فَيَحْبِسَهُ بِالثَّمَنِ عِنْدَنَا وَقَالَ زُفَرُ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَلَّمَ الْمَبِيعَ عَلَى أَنَّ الْمَقْبُوضَ مِنْ الثَّمَنِ حَقُّهُ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَقًّا لَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْجِيَادِ وَالْمَقْبُوضِ زُيُوفٌ وَالثَّمَنُ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْصَافِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَقْبُوضُ حَقَّهُ لَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ بِالتَّسْلِيمِ فَهُوَ وَالسَّتُّوقُ سَوَاءٌ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ الزِّيَافَةِ يَنْقُضُ الْقَبْضَ مِنْ الْأَصْلِ وَلِهَذَا يَنْفَرِدُ بِهِ الرَّادُّ وَيَرْجِعُ بِمُوجِبِ الْعَقْدِ لَا بِمُوجِبِ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ مَرَّتَيْنِ فَلَا يَتَمَكَّنَّ مِنْ الرُّجُوعِ بِمُوجِبِ الْعَقْدِ مَا لَمْ يَنْتَقِضْ الْقَبْضُ مِنْ الْأَصْلِ وَإِذَا انْتَقَضَ عَادَ حَقُّهُ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا كَانَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّهُ سَلَّمَ الْمَبِيعَ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ فَصَحَّ
стр. 2892
تَسْلِيمُهُ وَبَعْدَ صِحَّةِ التَّسْلِيمِ لَا يَعُودُ حَقُّ الْبَائِعِ فِي الْحَبْسِ؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ التَّسْلِيمِ سُقُوطَ حَقِّهِ فِي الْحَبْسِ وَالْمُسْقِطُ يَكُونُ مَثَلًا شَيْئًا لَا يُتَصَوَّرُ عَوْدُهُ لِهَذَا قُلْنَا: لَوْ أَعَارَ الْمَبِيعَ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ أَوْدَعَهُ مِنْهُ سَقَطَ حَقُّهُ فِي الْحَبْسِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَجَّلَهُ فِي الثَّمَنِ سَقَطَ حَقُّهُ فِي الْحَبْسِ ثُمَّ لَا يَعُودُ بِحُلُولِ الْأَجَلِ وَبَيَانٌ لِوَصْفِ أَنَّ الزُّيُوفَ وَالنَّبَهْرَجَةَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ إلَّا أَنَّ بِهَا عَيْبًا وَالْعَيْبُ بِالشَّيْءِ لَا يُبَدَّلُ جِنْسُهُ.
وَلِهَذَا لَوْ تَجَوَّزَ بِهِ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ جَازَ وَكَانَ مُسْتَوْفِيًا لَا مُسْتَبْدِلًا فَكَانَ الْبَائِعُ بِقَبْضِهَا قَابِضًا لِلثَّمَنِ، وَتَسْلِيمُ الْمَبِيعِ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ صَحِيحٌ ثُمَّ بِالرَّدِّ يَنْتَقِضُ قَبْضُهُ مِنْ الْأَصْلِ كَمَا قَالَ وَلَكِنْ فِي الْحُكْمِ الَّذِي يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ الثُّبُوتِ دُونَ مَا لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَوْلَى إذَا قَبَضَ بَدَلَ الْكِتَابَةِ فَوَجَدَهُ زُيُوفًا فَرَدَّهُ لَا يَبْطُلُ الْعِتْقُ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فَاسْتَوْفَى حَقَّهُ ثُمَّ وَجَدَ الْمَقْبُوضَ زُيُوفًا فَرَدَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهِ حُكْمُ الْبِرِّ فِي الْيَمِينِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ فِي الْحَبْسِ بَعْدَمَا سَقَطَ لَا يُتَصَوَّرُ عَوْدُهُ فَلَا يَعُودُ بِانْتِقَاضِ الْقَبْضِ بِالرَّدِّ أَيْضًا بِخِلَافِ السَّتُّوقِ وَالرَّصَاصِ فَهُنَاكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ وَأَنَّ تَسْلِيمَهُ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا وَبِخِلَافِ الْمُسْتَحَقِّ لِأَنَّ قَبْضَ الْمُسْتَحَقِّ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمُسْتَحِقِّ فَالتَّسْلِيمُ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ يَكُونُ مَوْقُوفًا أَيْضًا وَلَأَنْ يَكُونَ صَحِيحًا مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ يَرْتَجِعْ الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ وَلَمْ يَجِدْ فِي الثَّمَنِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا حَتَّى بَاعَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ أَوْ وَهَبَهُ وَسَلَّمَهُ أَوْ رَهَنَهُ وَسَلَّمَهُ أَوْ أَجَرَهُ ثُمَّ وَجَدَ الْبَائِعُ فِي الثَّمَنِ بَعْضَ مَا ذَكَرْنَا فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ الْمُشْتَرِي فِي الْعَبْدِ جَائِزٌ لَا يَقْدِرُ الْبَائِعُ عَلَى رَدِّهِ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَصَرَّفَ فِيهِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَإِنَّمَا تَصَرَّفَ فِيهِ بِتَسْلِيطِ الْبَائِعِ فَالْبَيْعُ وَالتَّسْلِيمُ تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَا يَتَمَكَّنُ الْبَائِعُ مِنْ نَقْضِ تَصَرُّفِهِ فَلَمَّا حَصَلَ بِتَسْلِيطٍ صَحِيحٍ كَانَ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَ الْعَبْدَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ صَنَعَ فِيهِ بَعْضَ مَا ذَكَرْنَا ثُمَّ وَجَدَ الْبَائِعُ بَعْضَ الثَّمَنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا كَانَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ جَمِيعَ مَا صَنَعَ الْمُشْتَرِي فِيهِ وَيَسْتَرِدَّهُ حَتَّى يُوَفِّيَهُ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي حَصَلَ لَا بِتَسْلِيطٍ مِنْ الْبَائِعِ فَالْقَبْضُ مِنْهُ كَانَ بِغَيْرِ إذْنٍ وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْبَائِعِ فِي الْحَبْسِ وَلَمَّا ظَهَرَ أَنَّ الثَّمَنَ كَانَ عَلَى مَا وَصَفْنَا فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ بَاقٍ فِي الْحَبْسِ لَمْ يَسْقُطْ حُكْمًا بِوُصُولِ حَقِّهِ وَلَا أَسْقَطَهُ بِاخْتِيَارِهِ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي فَكَانَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ جَمِيعَ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْقَبْضِ بِأَنْ كَانَ الْبَائِعُ لَمَّا عَلِمَ بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ سَلَّمَ ذَلِكَ وَرَضِيَ بِهِ.
وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى حَالِهَا كَانَ هَذَا مِثْلَ إذْنِهِ لَهُ فِي الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ أَجَازَ قَبَضَهُ فِي الِانْتِهَاءِ وَتَأْثِيرُ إجَازَتِهِ
стр. 2893
فِي إسْقَاطِ حَقِّهِ كَتَأْثِيرِ إذْنِهِ فِي الِابْتِدَاءِ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَرَهْنَهُ بِهَا عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا فَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ قَضَاهُ لِرَاهِنٍ دَرَاهِمَهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الرَّهْنَ حَتَّى وَجَدَ الْمُرْتَهِنُ الدَّرَاهِمَ أَوْ بَعْضَهَا زُيُوفًا أَوْ نَبَهْرَجَةً أَوْ سُتُّوقًا أَوْ رَصَاصًا أَوْ اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ فَاعْلَمْ أَنَّ الْجَوَابَ فِي الرَّهْنِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا كَالْجَوَابِ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمَرْهُونَ مَحْبُوسٌ بِالدَّيْنِ كَمَا أَنَّ الْمَبِيعَ مَحْبُوسٌ بِالثَّمَنِ إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَا إذَا وَجَدَ الْمُرْتَهِنُ الْمَقْبُوضَ زُيُوفًا فَرَدَّهُ وَقَدْ كَانَ الرَّاهِنُ قَبَضَ الرَّهْنَ بِإِذْنِهِ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ وَيَحْبِسَهُ بِالدَّيْنِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَزُفَرُ يَسْتَدِلُّ فِي الْخِلَافِيَّةِ بِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ تَسْلِيمَ الْمُرْتَهِنِ الْعَيْنَ إلَى الرَّاهِنِ لَيْسَ بِمُسْقِطٍ حَقَّهُ فِي الْحَبْسِ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْمَرْهُونَ إلَى الرَّاهِنِ عَلَى طَرِيقِ الْعَارِيَّةِ أَوْ الْوَدِيعَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ فَكَذَلِكَ إذَا سَلَّمَهُ بَعْدَ قَبْضِ الزُّيُوفِ فَإِنَّمَا الْمُسْقِطُ لِحَقِّهِ كَمَالُ وُصُولِ حَقِّهِ إلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ فَالتَّسْلِيمُ الصَّحِيحُ مِنْ الْبَائِعِ مُسْقِطٌ حَقَّهُ فِي الْحَبْسِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ لِلْمُرْتَهِنِ بِعَقْدِ الرَّهْنِ بَدَلُ الِاسْتِيفَاءِ فَيَبْقَى حَقُّهُ مَا لَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَعَ التَّأْجِيلِ فِي الدَّيْنِ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الرَّهْنَ فَأَمَّا فِي الْبَيْعِ فَحَقُّ الْحَبْسِ لِلْبَائِعِ بِاعْتِبَارِ تَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ لَهُ بِالثَّمَنِ حَتَّى لَوْ أَجَّلَهُ فِي الثَّمَنِ لَمْ يَبْقَ حَقُّهُ مِنْ الْحَبْسِ وَبَعْدَ قَبْضِ الزُّيُوفِ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِالثَّمَنِ مَا لَمْ يَرُدَّ الْمَقْبُوضَ فَلِهَذَا سَقَطَ حَقُّهُ فِي الْحَبْسِ إذَا سَلَّمَ الْمَبِيعَ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ الْمَقْبُوضَ.
قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى وَكَّلَ رَجُلًا يَقْبِضُهُ الْوَكِيلُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْبَائِعِ وَلَمْ يَنْقُدْ الْبَائِعُ الثَّمَنَ فَهَلَكَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يُضَمِّنَ الْوَكِيلَ قِيمَةَ الْعَبْدِ فَيَكُونُ فِي يَدِهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ بِالْبَيْعِ الْمَبِيعُ صَارَ مَمْلُوكًا لِلْمُشْتَرِي وَلَكِنَّهُ مَحْبُوسٌ فِي يَدِ الْبَائِعِ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الثَّمَنُ فَقَبْضُ الْوَكِيلِ فِي حَقِّ الْبَائِعِ جِنَايَةٌ بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ، وَلَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ غَاصِبٌ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ وَهَذَا نَظِيرُ الْمَرْهُونِ إذَا قَبَضَهُ وَكِيلُ الرَّاهِنِ بِغَيْرِ رِضَى الْمُرْتَهِنِ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ يَكُونُ ضَامِنًا حَقًّا لِلْمُرْتَهِنِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَهُ بِنَفْسِهِ فَهَلَكَ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ضَامِنًا لِلْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمُشْتَرِي يُقَرِّرُ عَلَيْهِ ضَمَانَ الثَّمَنِ فَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانَ الْقِيمَةِ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ الضَّمَانَانِ عَلَى وَاحِدٍ بِسَبَبِ قَبْضِ وَاحِدٍ فَأَمَّا قَبْضُ الْوَكِيلِ فَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانَ الثَّمَنِ فَيَكُونُ مُوجِبًا ضَمَانَ الْقِيمَةِ لِحَقِّ الْبَائِعِ ثُمَّ اسْتِرْدَادُ الْبَائِعِ الْقِيمَةَ مِنْهُ كَاسْتِرْدَادِ الْعَبْدِ لَوْ كَانَ بَاقِيًا إذْ الْقِيمَةُ تَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ قِيمَةً لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْعَيْنِ
стр. 2894
فَإِذَا أَعْطَاهُ الثَّمَنَ رَجَعَتْ الْقِيمَةُ إلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي كَانَ أَمِينًا مُمْتَثِلًا لِأَمْرِهِ وَإِنَّمَا كَانَ ضَمَانُ الْقِيمَةِ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْبَائِعِ، فَإِذَا سَقَطَ حَقُّهُ رَجَعَتْ الْقِيمَةُ إلَى الْوَكِيلِ كَمَا لَوْ أَوْفَى الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ قَبْلَ أَنْ يُضَمِّنَ الْبَائِعُ الْوَكِيلَ، وَلَوْ نُوِيَتْ الْقِيمَةُ عِنْدَ الْبَائِعِ سَقَطَ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ اسْتِرْدَادَ الْقِيمَةِ كَاسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ وَلَوْ اسْتَرَدَّ الْعَيْنَ فَهَلَكَ عِنْدَهُ انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَسَقَطَ الثَّمَنُ فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَرَدَّ الْقِيمَةَ ثُمَّ يَتْبَعُ الْوَكِيلُ الْمُشْتَرِيَ فِي الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْقَبْضِ كَانَ عَامِلًا لَهُ بِأَمْرِهِ وَقَدْ لَحِقَهُ فِيهِ ضَمَانٌ فَيَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَعْتَقَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَهُ إيَّاهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ، وَلَوْ قَبَضَهُ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ فَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَهُ، وَلَوْ كَانَ الْوَكِيلُ هُوَ الَّذِي قَبَضَ الْعَبْدَ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي فَهَذَا وَمَوْتُ الْعَبْدِ فِي يَدِ الْوَكِيلِ سَوَاءٌ فِي حَقِّ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِرْدَادُهُ بِهَذَا السَّبَبِ فَهُوَ كَتَعَذُّرِ الِاسْتِرْدَادِ بِالْمَوْتِ فِي يَدِهِ وَهَذَا لِأَنَّ أَمْرَ الْمُشْتَرِي الْوَكِيلَ بِالْقَبْضِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قَبْضَهُ بِنَفْسِهِ لِحَقِّ الْبَائِعِ فِي الْحَبْسِ فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِهِ.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَمَرَ رَجُلًا بِعِتْقِ الْعَبْدِ وَهُوَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَأَعْتَقَهُ الْمَأْمُورُ فَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ هَذَا وَأَمْرُهُ بِالْقَبْضِ سَوَاءٌ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْرِيعِ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ الْمَبِيعِ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ فَكَذَلِكَ إذَا وَكَّلَ الْغَيْرَ بِهِ فَهُوَ وَالْوَكِيلُ بِالْقَبْضِ سَوَاءٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِهِ فَكَذَلِكَ إذَا وَكَّلَ الْغَيْرَ بِهِ فَهُوَ وَالْوَكِيلُ بِالْقَبْضِ سَوَاءٌ ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَلَكِنْ يَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْإِعْتَاقِ مُعَبِّرٌ عَنْ الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ ذَلِكَ كَإِعْتَاقِ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ يُقَرِّرُ عَلَيْهِ الثَّمَنَ فَلَا يُوجِبُ ضَمَانَ الْقِيمَةِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ بِنَفْسِهِ وَتَقْرِيرُ هَذَا أَنَّهُ بِكَلِمَةِ الْإِعْتَاقِ إذَا جَعَلَهُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِتْلَافُ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ الْبَائِعِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِتْلَافُ إذَا انْتَقَلَتْ عِبَارَتُهُ إلَى الْمُشْتَرِي أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُشْتَرِي كَانَ إعْتَاقُهُ بَاطِلًا وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَقِ لَهُ ضَمَانٌ وَإِذَا نَقَلْنَا عِبَارَتَهُ إلَى الْمُشْتَرِي كَانَ هَذَا مُقَرِّرًا لِلثَّمَنِ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا ضَمَانَ الْقِيمَةِ فَأَمَّا الْقَبْضُ فَفِعْلٌ مَحْسُوسٌ يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَى الْقَابِضِ إذَا جُعِلَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُشْتَرِي كَانَ مُوجِبًا عَلَيْهِ ضَمَانَهُ فَكَذَلِكَ إذَا قَبَضَهُ بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِإِذْنِهِ فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَإِذَا اقْتَصَرَ حُكْمُ الْقَبْضِ عَلَى الْقَابِضِ فِي حَقِّ الْبَائِعِ كَانَ هُوَ ضَامِنًا لِلْقِيمَةِ، وَلَوْ
стр. 2895
أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِي شَيْءٍ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ هَذَا وَقَالَ لَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَذَكَرَ هَذَا الْقَوْلَ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ وَجَعَلَهُ قِيَاسَ الْمَرْهُونِ إذَا أَعْتَقَهُ الرَّاهِنُ وَهُوَ مُعْسِرٌ وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ بِعَقْدِ الرَّهْنِ يَتَثَبَّتُ لِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ وَتِلْكَ الْمَالِيَّةُ اُحْتُبِسَتْ عِنْدَ الْعَبْدِ بِإِعْتَاقِ الرَّاهِنِ إيَّاهُ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى حَقِّهِ لِعُسْرَةِ الرَّاهِنِ فَأَمَّا الْبَائِعُ فَمَا كَانَ لَهُ حَقُّ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ مِنْ مَالِيَّةِ الْمَبِيعِ وَلَكِنْ كَانَ لَهُ مِلْكُ الْعَيْنِ وَالْيَدِ فَأَزَالَ مِلْكَ الْعَيْنِ بِالْبَيْعِ وَبَقِيَ لَهُ الْيَدُ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ الثَّمَنُ وَبِإِعْتَاقِ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ فَاتَ مَحَلُّهُ وَمُجَرَّدُ الْيَدِ لَيْسَ يَقُومُ عَلَى الْعَبْدِ فَلَا يَسْتَسْعِيهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ يُوَضِّحُهُ أَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ فِي الْحَبْسِ ضَعِيفٌ وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِإِعَارَةِ الْمَبِيعِ مِنْ الْمُشْتَرِي بِخِلَافِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ثُمَّ يَعُودُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي بِتَسْلِيطِ الْبَائِعِ إيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ فَيَمْتَنِعُ هَذَا التَّسْلِيطُ بِثُبُوتِ حَقِّهِ فِي اسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ بِخِلَافِ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ فِي الْمَرْهُونِ.
فَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهُ الْمُشْتَرِي وَلَكِنَّهُ أَفْلَسَ بِالثَّمَنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَائِعُ سَلَّمَ الْمَبِيعَ إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ وَإِنْ كَانَ سَلَّمَ الْمَبِيعَ إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ وَلَكِنَّهُ أُسْوَةُ غُرَمَاءِ الْمُشْتَرِي فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَهُوَ أَحَقُّ بِالْمَبِيعِ إنْ كَانَ سَلَّمَهُ بِفَسْخِ الْعَقْدِ وَيُعِيدُهُ إلَى مِلْكِهِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ بِالثَّمَنِ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْبَيْعَ عَقَدُ مُعَاوَضَةٍ فَمُطْلَقُهُ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ثُمَّ لَوْ تَعَذَّرَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَبْضَ الْمَبِيعِ بِالْإِبَاقِ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي حَقُّ الْفَسْخِ فَكَذَلِكَ إذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْبَائِعِ قَبْضُ الثَّمَنِ لِإِفْلَاسِ الْمُشْتَرِي، وَكَمَا أَنَّ الْمَالِيَّةَ فِي الْآبِقِ كَالثَّاوِي حُكْمًا فَكَذَلِكَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ بِمَنْزِلَةِ الثَّاوِي حُكْمًا لِاسْتِبْدَادِ طَرِيقِ الْوُصُولِ إلَيْهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ الثَّمَنَ دَيْنٌ وَالْمَبِيعُ عَيْنٌ وَكَمَا أَنَّ تَعَذُّرَ الْقَبْضِ فِي الْعَيْنِ يُثْبِتُ حَقَّ الْحَبْسِ فَكَذَلِكَ تَعَذُّرُ الْقَبْضِ فِي الدَّيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ، فَإِذَا تَعَذَّرَ قَبْضُهُ بِانْقِطَاعِهِ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ يَثْبُتُ لِرَبِّ السَّلَمِ حَقُّ الْفَسْخِ فَكَذَلِكَ الثَّمَنُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا سِوَى أَنَّ الثَّمَنَ مَفْقُودٌ وَالْمُسْلَمُ بِهِ وَالْمُسْلَمُ فِيهِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ حَقَّ الْفَسْخِ يَثْبُتُ بِتَعَذُّرِ قَبْضِ الْمَعْقُودِ بِهِ كَمَا ثَبَتَ بِتَعَذُّرِ قَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ تَمَكَّنَ الْمَوْلَى مِنْ فَسْخِ الْعَقْدِ، وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ مَعْقُودٌ بِهِ كَالثَّمَنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ
стр. 2896
أَنَّ هَلَاكَ الثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْعَقْدِ كَهَلَاكِ الْمَبِيعِ.
فَإِنَّ مَنْ اشْتَرَى بِفُلُوسٍ شَيْئًا فَكَسَدَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ فُلُوسٌ رَائِجَةٌ، فَإِذَا كَسَدَتْ الْفُلُوسُ فَقَدْ هَلَكَ الثَّمَنُ وَمَا يُنْقِصُ الْعَقْدَ بِهَلَاكٍ إذَا تَعَذَّرَ قَبْضُهُ ثَبَتَ لِلْعَاقِدِ حَقُّ الْفَسْخِ كَالْمَبِيعِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وَالْمُشْتَرِي حِينَ أَفْلَسَ بِالثَّمَنِ قَدْ اسْتَحَقَّ النَّظِرَةَ شَرْعًا، وَلَوْ أَجَّلَهُ الْبَائِعُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ، فَإِذَا صَارَ مُنْظَرًا بِإِنْظَارِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى أَنْ يَتَمَكَّنَ الْبَائِعُ مِنْ فَسْخِ الْعَقْدِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ فَقَدْ ذَكَرَ الْخَصَّاصُ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَوَجَدَ رَجُلٌ عِنْدَهُ مَتَاعَهُ فَهُوَ فِي مَالِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ أَوْ قَالَ فَهُوَ أُسْوَةُ غُرَمَائِهِ فِيهِ» وَتَأْوِيلُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَانَ قَدْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ أَوْ مَعَ شَرْطِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ وَبِهِ نَقُولُ: إنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِلْبَائِعِ حَقَّ الِاسْتِرْدَادِ وَالْمَعْنَى فِيهِ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى الْبَائِعِ شَرْطُ عَقْدِهِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فَسْخِ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مَلِيًّا وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مُوجِبَ الْعَقْدِ مِلْكُ الْيَمِينِ فَإِنَّ الْيَمِينَ يَجِبُ بِالْعَقْدِ وَيَمْلِكُ بِهِ وَإِنَّمَا يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ وَبَقَاءُ الدَّيْنِ بِبَقَاءِ مَحَلِّهِ وَالذِّمَّةُ بَعْدَ الْإِفْلَاسِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِفْلَاسِ مَحَلٌّ صَالِحٌ لِوُجُوبِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ فَأَمَّا حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ فَثَابِتٌ لِلْبَائِعِ بِسَبَبِ مِلْكِهِ لَا بِحُكْمِ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ إسْقَاطُهُ بِالْإِبْرَاءِ وَبِالِاسْتِبْدَالِ وَقَبْضُ الْبَدَلِ إذَا صَارَ مُسْتَحَقًّا بِالْبَيْعِ لَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ بِالِاسْتِبْدَالِ وَقَبْضُ الْبَدَلِ إذَا صَارَ مُسْتَحَقًّا بِالْبَيْعِ لَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ بِالِاسْتِبْدَالِ كَمَا فِي الْبَيْعِ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا فَعَرَفْنَا أَنَّ حَقَّ قَبْضِ الثَّمَنِ لَهُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ لَا أَنْ يَكُونَ مُوجِبَ الْعَقْدِ فَبِتَعَذُّرِهِ لَا يَتَغَيَّرُ شَرْطُ الْعَقْدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ قُدْرَةَ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ الْعَقْدِ فَلَوْ كَانَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ يُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ لَكَانَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ شَرْطًا لِجَوَازِ الْعَقْدِ كَمَا فِي جَانِبِ الْمَبِيعِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ عَيْنًا لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ لِلْبَائِعِ وَإِنْ كَانَ دَيْنًا كَالتَّسْلِيمِ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ إلَّا عَلَى وَجْهٍ تَثْبُتُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ بِهِ لِلْعَاقِدِ وَهُوَ الْأَجَلُ وَلَمَّا جَازَ الشِّرَاءُ بِالدِّرْهَمِ حَالًّا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ عَرَفْنَا أَنَّ وُجُوبَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ وَبِهَذَا الْحَرْفِ يُسْتَدَلُّ فِي الْمَسْأَلَةِ ابْتِدَاءً فَإِنَّ الْعَجْزَ عَنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إذَا طَرَأَ بِالْإِفْلَاسِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إذَا اقْتَرَنَ بِالْعَقْدِ.
وَالْمُفْلِسُ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا وَالْبَائِعُ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُفْلِسٌ صَحَّ الْعَقْدُ وَلَزِمَ فَبِالْإِفْلَاسِ الطَّارِئِ لَأَنْ لَا تَرْتَفِعَ صِفَةُ اللُّزُومِ أَوْلَى بِخِلَافِ جَانِبِ الْمَبِيعِ فَهُنَاكَ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ لِإِبَاقِ الْعَبْدِ لَا يَجُوزُ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْمُشْتَرِي فَكَذَلِكَ
стр. 2897
إذَا طَرَأَ الْعَجْزُ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي حَقُّ الْفَسْخِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا وَقَدْ قُلْتُمْ إنَّ أَوَّلَ التَّسْلِيمَيْنِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ مُسْتَحَقًّا بِالْعَقْدِ لَمْ يَتَأَخَّرْ حَقُّهُ فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ قُلْنَا وُجُوبُ أَوَّلِ التَّسْلِيمَيْنِ عَلَيْهِ لِتَحْقِيقِ مَعْنَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُوجِبُ الْعَقْدِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا أَنَّ الْعَقْدَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ فَيَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمِلْكِ وَقَدْ حَصَلَ الْمِلْكُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَقْدِ إلَّا أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْعَيْنِ أَكْمَلُ مِنْهُ فِي الدَّيْنِ فَعَلَى الْمُشْتَرِي تَسْلِيمُ الثَّمَنِ أَوَّلًا لِيَتَقَوَّى بِهِ مِلْكُ الْبَائِعِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الْمِلْكِ لَا أَنْ يَكُونَ مُوجِبَ الْعَقْدِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ لَاقْتَضَى التَّسْوِيَةَ وَلَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى قَدْ انْعَدَمَ بِتَسْلِيمِ الْبَائِعِ لَمَّا بِيعَ طَوْعًا فَهُوَ كَمَا لَوْ انْعَدَمَ بِالتَّأْجِيلِ فِي الثَّمَنِ فَلَا يَبْقَى لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَقُّ فَسْخِ الْبَيْعِ وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءُ الثَّمَنِ لِإِفْلَاسِ الْمُشْتَرِي وَهَذَا بِخِلَافِ الْفُلُوسِ إذَا كَسَدَتْ؛ لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ هُنَاكَ مُوجِبُ الْعَقْدِ فَيَتَغَيَّرُ فَمُوجِبُ الْعَقْدِ مِلْكُ فُلُوسٍ هِيَ ثَمَنٌ وَبَعْدَ الْكَسَادِ لَا يَبْقَى لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي فُلُوسٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَأَمَّا بَعْدَ إفْلَاسِ الْمُشْتَرِي فَيَبْقَى الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ مَمْلُوكًا لِلْبَائِعِ كَمَا اسْتَحَقَّهُ بِالْعَقْدِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ يَعْجِزُ الْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ مُوجِبِ الْعَقْدِ فَمُوجِبُ مِلْكِ الْمَوْلَى بَدَلُ الْكِتَابَةِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَلَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ لَهُ وَالْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ عَبْدِهِ وَلِهَذَا لَوْ كَفَلَ لَهُ إنْسَانٌ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ عَنْ الْمُكَاتَبِ لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُعْجِزَ نَفْسَهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ دَيْنًا حَقِيقَةً قُلْنَا الْمِلْكُ لِلْمَوْلَى إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْقَبْضِ وَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْ الْأَدَاءِ فَقَدْ تَغَيَّرَ مَا هُوَ مُوجِبُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ فَلِهَذَا مَنْ فَسَخَ الْعَقْدَ وَهُنَا بِإِفْلَاسِ الْمُشْتَرِي لَا يَتَغَيَّرُ مِلْكُ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ فَإِنَّهُ مَمْلُوكٌ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي وَلَسْنَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ ثَاوٍ فَإِنَّ الْمَدْيُونَ إذَا كَانَ مُقِرًّا بِالدَّيْنِ فَهُوَ قَائِمٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا مُفْلِسًا كَانَ أَوْ مَلِيًّا وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ الزَّكَاةُ بِمَعْنَى إذَا قَبَضَهُ، فَإِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ مُوجِبُ الْعَقْدِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فَسْخِ الْعَقْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2898
[كِتَابُ الصَّرْفِ]
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ، وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ إمْلَاءً: الصَّرْفُ اسْمٌ لِنَوْعِ بَيْعٍ؛ وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْأَثْمَانِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَالْأَمْوَالُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: نَوْعٌ مِنْهَا فِي الْعَقْدِ ثَمَنٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ، صَحِبَهَا حَرْفُ الْبَاءِ أَوْ لَمْ يَصْحَبْهَا سَوَاءٌ كَانَ مَا يُقَابِلُهَا مِنْ جِنْسِهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، وَنَوْعٌ مِنْهَا مَا هُوَ مَبِيعٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ مَا لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ مِنْ الْعُرُوضِ كَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ، وَالْمَمَالِيكِ، وَنَوْعٌ هُوَ ثَمَنٌ مِنْ وَجْهٍ، مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ؛ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً فِي الْعَقْدِ تَكُونُ مَبِيعَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعَيَّنَةً فَإِنْ صَحِبَهَا حَرْفُ الْبَاءِ وَقَابَلَهَا مَبِيعٌ فَهُوَ ثَمَنٌ، وَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهَا حَرْفُ الْبَاءِ، وَقَابَلَهَا ثَمَنٌ فَهِيَ مَبِيعَةٌ، وَهَذَا لِأَنَّ الثَّمَنَ مَا يُثْبِتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] قَالَ الْفَرَّاءُ فِي مَعْنَاهُ: الثَّمَنُ عِنْدَ الْعَرَبِ مَا يُثْبِتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَالنُّقُودُ لَا تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ إلَّا دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعَيُّنِ، وَكَانَ ثَمَنُهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْعُرُوضُ لَا تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ إلَّا عَيْنًا فَكَانَتْ مَبِيعَةً، وَالسَّلَمُ فِي بَعْضِهَا رُخْصَةٌ شَرْعِيَّةٌ لَا تَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَبِيعَةً، وَالْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ يَسْتَحِقُّ عَيْنًا بِالْعَقْدِ تَارَةً، وَدَيْنًا أُخْرَى فَيَكُونُ ثَمَنًا فِي حَالٍ مَبِيعًا فِي حَالٍ، وَالثَّمَنُ فِي الْعُرْفِ مَا هُوَ الْمَعْقُودُ بِهِ، وَهُوَ مَا يَصْحَبُهُ حَرْفُ الْبَاءِ فَإِذَا صَحِبَهُ حَرْفُ الْبَاءِ، وَكَانَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَقَابَلَهُ مَبِيعٌ عَرَفْنَا أَنَّهُ ثَمَنٌ، وَإِذَا كَانَ عَيْنًا قَابَلَهُ ثَمَنٌ كَانَ مَبِيعًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَبِيعًا يُحَالُ بِخِلَافِ مَا هُوَ ثَمَنٌ بِكُلِّ حَالٍ.
وَمِنْ حُكْمِ الثَّمَنِ أَنَّ وُجُودَهُ فِي مِلْكِ الْعَاقِدِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْمَبِيعِ، وَكَذَلِكَ فَوَاتُ التَّسْلِيمِ فِيمَا هُوَ ثَمَنٌ لَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ، وَالِاسْتِبْدَالُ بِالثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ جَائِزٌ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ «حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ حَيْثُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ فَرُبَّمَا أَبِيعُهُ بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّرَاهِمَ، أَوْ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ فَقَالَ
стр. 2899
- ﷺ لَا بَأْسَ إذَا افْتَرَقْتُمَا، وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا عَمَلٌ»، وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ بِالثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ ثَبَتَ أَنَّ فَوَاتَ التَّسْلِيمِ فِيهِ لَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ؛ لِأَنَّ فِي الِاسْتِبْدَالِ تَفْوِيتَ التَّسْلِيمِ فِيمَا اُسْتُحِقَّ بِالْعَقْدِ، وَبِهَذَا ثَبَتَ أَنَّ مِلْكَهُ عِنْدَ الْعَقْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْمِلْكِ عِنْدَ الْعَقْدِ إمَّا لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ، وَالثَّمَنُ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ لِلْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَلَا أَثَرَ لِلْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ فِي الْعَقْدِ، وَالْحُكْمُ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ الصَّرْفُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْبُيُوعِ وُجُوبُ قَبْضِ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِيهِ شَرْطُ خِيَارٍ، أَوْ أَجَلٍ، وَذَلِكَ ثَابِتٌ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فَإِنَّهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا بَأْسَ إذَا افْتَرَقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا عَمَلٌ» أَيْ مُطَالَبَةٌ بِالتَّسْلِيمِ؛ لِوُجُودِ الْقَبْضِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَلِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ اُخْتُصَّ بِاسْمٍ فَيُخْتَصُّ بِحُكْمٍ يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الِاسْمُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ صَرْفَ مَا فِي مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمِلْكِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ يَجِبُ ابْتِدَاءً بِهَذَا الْعَقْدِ لَا أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْلَهُ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي سَائِرِ الْبُيُوعِ عَرَفْنَا أَنَّهُ يُسَمَّى صَرْفًا لِمَا فِيهِ مِنْ صَرْفِ مَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى يَدِ صَاحِبِهِ، وَلَمْ يُسَمَّ بِهِ لِوُجُوبِ التَّسْلِيمِ مُطْلَقًا لِأَنَّ ذَلِكَ يَثْبُتُ فِي سَائِرِ الْبُيُوعِ عَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِاسْتِحْقَاقِ قَبْضِ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ، وَلِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ مُبَادَلَةُ الثَّمَنِ بِالثَّمَنِ، وَالثَّمَنُ يُثْبِتُ بِالْعَقْدِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَالدَّيْنُ بِالدَّيْنِ حَرَامٌ فِي الشَّرْعِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ فَمَا يَحْصُلُ بِهِ التَّعْيِينُ، وَهُوَ الْقَبْضُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي هَذَا الْعَقْدِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ مَقْرُونًا بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ تُقَامُ مَقَامَ حَالَةِ الْعَقْدِ شَرْعًا لِلتَّيْسِيرِ.
وَإِذَا وُجِدَ التَّعْيِينُ بِالْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ يُجْعَلُ ذَلِكَ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَشَرَطْنَا الْقَبْضَ فِيهِمَا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَسْنَا نَعْنِي بِالْمَجْلِسِ مَوْضِعَ جُلُوسِهِمَا بَلْ الْمُعْتَبَرُ وُجُودُ الْقَبْضِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى لَوْ قَامَا أَوْ مَشَيَا فَرْسَخًا، ثُمَّ تَقَابَضَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا أَيْ يُفَارِقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ حَالَ الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَامَا فِي الْمَجْلِسِ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ تَقَابَضَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ. رَوَى ذَلِكَ بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ فِي هَذَا الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ بِعَدَمِ الْمِلْكِ فَيَكُونُ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا مِنْ عَدَمِ الْقَبْضِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ. وَبِشَرْطِ الْخِيَارِ يَمْتَنِعُ اسْتِحْقَاقُ مَا بِهِ يَحْصُلُ التَّعْيِينُ، وَهُوَ الْقَبْضُ مَا بَقِيَ الْخِيَارُ، وَكَذَلِكَ شَرْطُ الْأَجَلِ يَنْعَدِمُ اسْتِحْقَاقُ الْقَبْضِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ التَّعْيِينُ فَلِهَذَا كَانَ مُبْطِلًا لِهَذَا الْعَقْدِ، وَقَدْ دَلَّ مَا قُلْنَا عَلَى الْأَخْبَارِ الَّتِي بُدِئَ الْكِتَابُ بِهَا، فَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَزْنٌ بِوَزْنٍ يَدٌ بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا» إلَى
стр. 2900
آخِرِهِ، وَقَدْ بَدَأَ بِهَذَا الْحَدِيثِ كِتَابُ الْبُيُوعِ، وَبَيَّنَّا تَمَامَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِإِنَاءٍ خُسْرَوَانِيٍّ قَدْ أُحْكِمَتْ صَنْعَتُهُ فَبَعَثَنِي بِهِ لِأَبِيعَهُ فَأُعْطِيت بِهِ وَزْنَهُ وَزِيَادَةً، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ ﵁ فَقَالَ: أَمَّا الزِّيَادَةُ، فَلَا. وَهَذَا الْإِنَاءُ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلصَّنْعَةِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهَا، وَمَا كَانَ مَالًا مُتَقَوِّمًا شَرْعًا فَالِاعْتِيَاضُ عَنْهُ جَائِزٌ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُجَوِّزْ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلصَّنْعَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ شَرْعًا كَمَا لَا قِيمَةَ لِلصَّنْعَةِ فِي الْمَعَازِفِ، وَالْمَلَاهِي شَرْعًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الذَّهَبَ، وَالْفِضَّةَ بِالصَّنْعَةِ لَا تَخْرُجُ مِنْ أَنْ تَكُونَ وَزْنِيَّةً، وَإِنْ اعْتَادَ النَّاسُ بَيْعَهَا بِغَيْرِ وَزْنٍ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ؛ لِأَنَّ صَنْعَةَ الْوَزْنِ فِيهَا ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ، فَلَا تَتَغَيَّرُ بِالْعُرْفِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ سِيرِينَ حِينَ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ إنَاءٍ مِنْ حَدِيدٍ بِإِنَاءَيْنِ فَقَالَ قَدْ كَانُوا يَبِيعُونَ الدِّرْعَ بِالْأَدْرُعِ يَعْنِي أَنَّ مَا لَا يَعْتَادُ النَّاسُ وَزْنَهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ لَا يَكُونُ مَوْزُونًا، ثُمَّ ذَلِكَ الْإِنَاءُ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ عُمَرُ ﵁ بِبَيْعِهِ أَنْ يَصْرِفَ الثَّمَنَ إلَى حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ وَكَّلَ بِهِ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ بِالصَّرْفِ.
وَعَنْ أَبِي جَبَلَةَ قَالَ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فَقُلْت: إنَّا نَقْدَمُ أَرْضَ الشَّامِ وَمَعَنَا الْوَرِقُ الثِّقَالُ النَّافِقَةُ، وَعِنْدَهُمْ الْوَرِقُ الْخِفَافُ الْكَاسِدَةُ أَفَنَبْتَاعُ وَرِقَهُمْ الْعَشَرَةَ بِتِسْعَةٍ وَنِصْفٍ؟ فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ بِعْ، وَرِقَك بِذَهَبٍ، وَاشْتَرِ وَرِقَهُمْ بِالذَّهَبِ، وَلَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ، وَإِنْ وَثَبَ مِنْ سَطْحٍ فَثِبْ مَعَهُ، وَفِيهِ دَلِيلُ رُجُوعِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنْ قَوْلِهِ فِي جَوَازِ التَّفَاضُلِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْجَوْدَةِ فِي النُّقُودِ، وَأَنَّ الْمُفْتِيَ إذَا تَبَيَّنَ جَوَابَ مَا سُئِلَ عَنْهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَيِّنَ لِلسَّائِلِ الطَّرِيقَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُهُ مَعَ التَّحَرُّزِ عَنْ الْحَرَامِ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مِمَّا هُوَ مَذْمُومٌ مِنْ تَعْلِيمِ الْحِيَلِ بَلْ هُوَ اقْتِدَاءٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ «قَالَ لِعَامِلِ خَيْبَرَ: هَلَّا بِعْت تَمْرَك بِسِلْعَةٍ، ثُمَّ اشْتَرَيْت بِسِلْعَتِك هَذَا التَّمْرَ»، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْفَضْلِ، وَالْكَثِيرَ فِي كَوْنِهِ رِبًا سَوَاءٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ : وَالْفَضْلُ رِبًا، وَأَنَّ التَّقَابُضَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ فِي الصَّرْفِ مُسْتَحَقٌّ، وَأَنَّ الْقِيَامَ عَنْ الْمَجْلِسِ مِنْ غَيْرِ افْتِرَاقٍ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ وَثَبَ مِنْ سَطْحٍ فَثِبْ مَعَهُ؛ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ مُفَارَقَةِ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَعَلَيْهِ دَلَّ حَدِيثُ كُلَيْبِ بْنِ وَائِلٍ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: مِنْ هَذِهِ إلَى هَذِهِ يَعْنِي مِنْ يَدِك إلَى
стр. 2901
يَدِهِ، وَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى خَلْفِ هَذِهِ السَّارِيَةِ فَلَا تَفْعَلْ، وَإِنَّمَا كَنَّى بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مُفَارَقَةِ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ بِالْمُفَارَقَةِ يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ، وَبِالِاسْتِتَارِ بِالسَّارِيَةِ يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ أَيْضًا فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْكِتَابَةِ عَنْ الْمُفَارَقَةِ لَا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةُ السَّارِيَةِ بَيْنَهُمَا مُوجِبًا لِلِافْتِرَاقِ فَإِنَّ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا صَحِيحٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَكَوْنُ السَّارِيَةِ بَيْنَهُمَا لَا يُعَدُّ افْتِرَاقًا عُرْفًا
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُبَاعَ السَّيْفُ الْمُحَلَّى بِالْفِضَّةِ بِالنُّقْرَةِ مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ الْفِضَّةُ الَّتِي أَعْطَى أَقَلَّ مِمَّا فِيهِ، وَيَكْرَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِالنَّسِيئَةِ، وَلَا يَرَى بَأْسًا بِأَنْ يَبِيعَهُ بِالذَّهَبِ، وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: بَيْعُهُ بِالذَّهَبِ جَائِزٌ بِالنَّقْدِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «إذَا اخْتَلَفَتْ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالنَّسِيئَةِ سَوَاءٌ بَاعَهُ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي حِصَّةِ الْحِلْيَةِ صَرْفٌ فَاشْتِرَاطُ الْأَجَلِ فِيهِ مُفْسِدٌ، وَلَا يَنْزِعُ الْحِلْيَةَ مِنْ السَّيْفِ إلَّا بِضَرَرٍ فَفَسَادُ الْعَقْدِ فِيهَا يُفْسِدُ فِي الْكُلِّ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، أَمَّا بَيْعُهَا بِالْفِضَّةِ فَعَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ فِضَّةَ الْحِلْيَةِ أَكْثَرُ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْحِلْيَةُ مِثْلَ النَّقْدِ فِي الْوَزْنِ لِأَنَّ الْجَفْنَ وَالْحَمَائِلَ فَضْلٌ خَالٍ عَنْ الْعِوَضِ فَإِنَّ مُقَابَلَةَ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ فِي الْبَيْعِ تَكُونُ بِالْإِجْزَاءِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْفِضَّةَ فِي الْحِلْيَةِ أَقَلُّ جَازَ الْعَقْدُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ الْمِثْلَ بِالْمِثْلِ، وَالْبَاقِي بِإِزَاءِ الْجَفْنِ وَالْحَمَائِلِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا أَقَلُّ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ عِنْدَنَا؛ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمُسَاوَاةِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَتَوَهُّمِ الْفَضْلِ
وَعِنْدَ زُفَرَ هَذَا يَجُوزُ فَإِنَّ الْأَصْلَ الْجَوَازُ، وَالْمُفْسِدُ هُوَ الْفَضْلُ الْخَالِي عَنْ الْعِوَضِ فَمَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ يَكُونُ الْعَقْدُ مَمْلُوكًا بِجَوَازِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْبُيُوعِ عَنْ «أَبِي بَصْرَةَ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنْ الصَّرْفِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ، وَسَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَعَدْت فِي حَلْقَةٍ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ فَأَمَرَنِي رَجُلٌ فَقَالَ: سَلْهُ عَنْ الصَّرْفِ، فَقُلْت: إنَّ هَذَا يَأْمُرُنِي أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ الصَّرْفِ، فَقَالَ لِي: الْفَضْلُ رِبًا، فَقَالَ: سَلْهُ أَمِنْ قِبَلِ رَأْيِهِ يَقُولُ، أَوْ شَيْءٌ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁: سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ رَجُلٌ يَكُونُ فِي نَخْلِهِ بِرُطَبٍ طَيِّبٍ فَقَالَ ﷺ : مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ فَقَالَ: أَعْطَيْت صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ رَدِيءٍ وَأَخَذْت هَذَا، فَقَالَ ﷺ : أَرْبَيْتَ، فَقَالَ: إنَّ سِعْرَ هَذَا فِي السُّوقِ كَذَا، وَسِعْرُ هَذَا كَذَا، فَقَالَ ﷺ : أَرْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه: هَلَّا بِعْتَهُ بِسِلْعَةٍ ثُمَّ ابْتَعْتَ بِسِلْعَتِكَ تَمْرًا» فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁: الْفَضْلُ فِي التَّمْرِ رِبًا
стр. 2902
وَالدَّرَاهِمُ مِثْلُهُ، فَقَالَ أَبُو بَصْرَةَ فَلَقِيت بَعْدَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ، وَأَمَرْت أَبَا الصَّهْبَاءِ فَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ، وَفِي هَذَا دَلِيلُ رُجُوعِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ فَتْوَاهُمَا بِجَوَازِ التَّفَاضُلِ
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الْفَتْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ: إنَّك رَجُلٌ تَائِهٌ، وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي بِضْعَةَ عَشَرَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ الْخَبَرَ فَالْخَبَرُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ فَتْوَاهُ فَقَالَ: الْفَضْلُ حَرَامٌ، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ﵁ مَا خَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ فِي الصَّرْفِ وَالْمُتْعَةِ فَعُلِمَ أَنَّ حُرْمَةَ التَّفَاضُلِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِخِلَافِهِ بَاطِلٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ حُكْمًا فِي حَادِثَةٍ فَيُلْحِقُونَ بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا فَإِنَّ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ رَوَى الْحَدِيثَ فِي التَّمْرِ وَبَيَّنَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ مِثْلُهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّصَّ فِي شَيْءٍ يَكُونُ نَصًّا فِيمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا قِيَاسًا فَالْقِيَاسُ اسْتِنْبَاطٌ بِالرَّأْيِ، وَمَا كَانَ يَقُولُ بَلْ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يُطَالِبَ الْمُفْتِيَ بِالدَّلِيلِ إذَا كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ فَإِنَّ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِالِاسْتِفْتَاءِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ كَمَا فَعَلَهُ هَذَا الرَّجُلُ، وَإِنْ كَانَ احْتَشَمَ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ فَلَمْ يَسْأَلْهُ بِنَفْسِهِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كَانُوا يَجْلِسُونَ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرَ، وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يَدْخُلَ أَعْرَابِيٌّ لِيَسْأَلَهُ لِيَسْتَفِيدُوا بِسُؤَالِهِ، أَوْ عَلِمَ هَذَا الرَّجُلُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَلَمْ يُعْجِبْهُ أَنْ يُظْهِرَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ حَتَّى سَأَلَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ فَيُطَالِبُهُ بِالدَّلِيلِ لِيَتَبَيَّنَ مَا هُوَ الصَّوَابُ فَيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَوْحِشَ أَحَدٌ، وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى حُسْنِ الْعِشْرَةِ.
، وَعَنْ شُرَيْحٍ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ طَوْقَ ذَهَبٍ مُفَضَّضٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَاخْتَصَمَا إلَى شُرَيْحٍ ﵁ فَأَفْسَدَ الْبَيْعَ، وَهَذَا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَدْرِي مِقْدَارَ الذَّهَبِ الَّذِي فِي الطَّوْقِ، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مِائَةُ مِثْقَالٍ أَوْ أَكْثَرُ أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ دُونَ مِائَةِ مِثْقَالٍ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ عَلَى أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ بِمُقَابَلَةِ الْفِضَّةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْفِضَّةُ تَمْوِيهًا فِيهِ بِحَيْثُ لَا يُسْتَخْلَصُ فَحِينَئِذٍ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ، وَلَا يَحْصُلُ بِمُقَابَلَتِهَا شَيْءٌ فَيَكُونُ بِمُقَابَلَةِ الصَّنْعَةِ، وَلَا قِيمَةَ لِلصَّنْعَةِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ يَوْمَ خَيْبَرَ سَعْدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ
стр. 2903
وَسَعْدًا آخَرَ ﵄ لِيَبِيعَا غَنَائِمَ بِذَهَبٍ فَبَاعَاهَا كُلُّ أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ ذَهَبٍ تِبْرًا بِثَلَاثِ مَثَاقِيلَ عَيْنًا فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا»، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ بَيْعِ الْغَنَائِمِ، وَقِسْمَةِ الثَّمَنِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ إذَا رَأَى النَّظَرَ فِيهِ، وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ التَّفَاضُلَ حَرَامٌ فِي بَيْعِ الْغَنَائِمِ، وَمَالُ بَيْتِ الْمَالِ كَغَيْرِهَا، وَأَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ يُسْتَحَقُّ فَسْخُهُ وَرَدُّهُ لِأَنَّ مُبَاشَرَتَهُ مَعْصِيَةٌ وَالْإِصْرَارُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ فَلِهَذَا قَالَ ﷺ أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا، وَلَمْ يُعَاتِبْهُمَا عَلَى مَا صَنَعَا؛ لِأَنَّ نُزُولَ تَحْرِيمِ الرِّبَا كَانَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ اشْتَهَرَ بَعْدُ فَعَذَرَهُمَا بِالْجَهْلِ بِهِ.
، وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أَتَانِي الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ فَصَرَفْت لَهُ الدَّرَاهِمَ وَافِيَةً بِدَنَانِيرَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِيمَا أَظُنُّ، ثُمَّ جَاءَنِي فَقَالَ: اشْتَرِ بِهَا غَلَّةً فَجَعَلْت أَطْلُبُ الرَّجُلَ الَّذِي صَرَفْت عِنْدَهُ فَقَالَ لَا عَلَيْك أَنْ لَا تَجِدَهُ، وَإِنْ وَجَدْته فَلَا أُبَالِي، وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ التَّوْكِيلِ بِالصَّرْفِ، وَأَنَّ التَّفَاضُلَ حَرَامٌ عِنْدَ اتِّفَاقِ الْجِنْسِ لِأَنَّهُ كَانَ مَقْصُودُ الْأَسْوَدِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالدَّرَاهِمِ الْجِيَادِ الْغَلَّةَ، وَعَلِمَ أَنَّ الْفَضْلَ حَرَامٌ فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا دَنَانِيرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِالدَّنَانِيرِ الْغَلَّةَ، وَكَانَ هَذَا الْوَكِيلُ اشْتَغَلَ بِطَلَبِ ذَلِكَ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ ظَهَرَ عِنْدَهُ أَمَانَتُهُ، وَمُسَامَحَتُهُ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَبَيَّنَ لَهُ الْأَسْوَدُ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ فِيمَا هُوَ مَقْصُودٌ فَلَا يَتَكَلَّفُ فِي طَلَبِهِ.
وَعَنْ أَبَانَ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: بِعْت جَامَ فِضَّةٍ بِوَرِقٍ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ قُلْت الْحَاجَةُ قَالَ: رُدَّ الْوَرِقَ إلَى أَهْلِهَا، وَخُذْ إنَاءَكَ وَعَارِضْ بِهِ، فَفِيهِ دَلِيلُ حُرْمَةِ الْفَضْلِ، وَوُجُوبُ الرَّدِّ عِنْدَ فَسَادِ الْعَقْدِ، وَأَنَّ بِسَبَبِ الْحَاجَةِ لَا يَحِلُّ الرِّبَا لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَرْتَفِعُ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ الْحَرَامِ كَمَا هَدَاهُ عُمَرُ ﵁ بِقَوْلِهِ: وَخُذْ إنَاءَك وَعَارِضْ بِهِ، وَلَكِنَّهُ عَذَرَهُ لِلْحَاجَةِ، وَلَمْ يُؤَدِّبْهُ، وَكَانَ قَصْدُهُ بِالسُّؤَالِ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يَعْلَمَ سَبَبَ إقْدَامِهِ عَلَى هَذَا الْعَقْدِ حَتَّى إذَا بَاشَرَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ أَدَّبَهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ مُؤَدِّبًا يُؤَدِّبُ عَلَى مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ.
وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: سَأَلْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَنْ الصَّوْغِ أَصُوغُهُ فَأَبِيعُهُ قَالَ وَزْنًا بِوَزْنٍ فَقُلْت: إنِّي أَبِيعُهُ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَلَكِنْ آخُذُ فِيهِ أَجْرَ عَمَلٍ فَقَالَ: إنَّمَا عَمَلُك لِنَفْسِك، وَلَا تَرْدُدْ شَيْئًا فَإِنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَبِيعَ الْفِضَّةَ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ»، ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا رَافِعٍ إنَّ الْآخِذَ وَالْمُعْطِيَ وَالشَّاهِدَ وَالْكَاتِبَ شُرَكَاءُ، وَفِيهِ دَلِيلُ حُرْمَةِ الْفَضْلِ، وَأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلصَّنْعَةِ فِيمَا هُوَ مَالُ الرِّبَا فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ بَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ عَمِلَ لِنَفْسِهِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ مَا يَأْخُذُ مِنْ الزِّيَادَةِ عِوَضًا عَنْ الصَّنْعَةِ
стр. 2904
وَلَا قِيمَةَ لِلصَّنْعَةِ فِي الْبَيْعِ، ثُمَّ بَيَّنَ شِدَّةَ الْحُرْمَةِ فِي الرِّبَا بِقَوْلِهِ: الْآخِذَ وَالْمُعْطِيَ وَالْكَاتِبَ وَالشَّاهِدَ فِيهِ سَوَاءٌ أَيْ فِي الْمَأْثَمِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً»، وَقَالَ ﷺ «الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي وَالرَّايِشُ فِي النَّارِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَعَانَ الظَّلَمَةَ، أَوْ كَتَبَ لَهُمْ» وَالْأَصْلُ فِي الْكُلِّ قَوْلُهُ ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]
وَعَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، الْكِفَّةُ بِالْكِفَّةِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، الْكِفَّةُ بِالْكِفَّةِ، وَلَا خَيْرَ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَقُلْت إنِّي سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: لَيْسَ فِي يَدٍ بِيَدٍ رِبًا فَمَشَى إلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ ﵁ وَأَنَا مَعَهُ فَقَالَ لَهُ: أَسْمَعْت مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا لَمْ نَسْمَعْ؟ فَقَالَ: لَا، فَحَدَّثَهُ أَبُو سَعِيدٍ ﵁ الْحَدِيثَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لَا أُفْتِي بِهِ أَبَدًا»، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِجِنْسِهِمَا إذَا اعْتَدَلَ الْبَدَلَانِ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ جَازَ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِتَيَقُّنِنَا بِالْمُمَاثَلَةِ وَزْنًا، وَالْمُمَاثَلَةُ إذَا وُزِنَ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ أَظْهَرُ مِنْهُ إذَا وُزِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالصَّنَجَاتِ، وَفِيهِ دَلِيلُ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ فَتْوَاهُ فِي إبَاحَةِ التَّفَاضُلِ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ انْقَادَ لَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، وَهَذَا لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ كَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ بِالْعَدَالَةِ وَالْوَرَعِ، وَإِنَّمَا مَشَى إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِطَرِيقِ الْخَشْيَةِ لِإِظْهَارِ الشَّفَقَةِ، وَإِنْ كَانَ لَوْ دَعَاهُ إلَى نَفْسِهِ لَأَتَاهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَحْسَنُ لِلْكَبِيرِ فِي مُعَامَلَةِ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرِّبَا، وَقَدْ نُقِلَ هَذَا اللَّفْظُ بِعَيْنِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الْإِرْبَاءَ.
، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ بَقَايَا بَيْتِ الْمَالِ يَدًا بِيَدٍ بِفَضْلٍ فَخَرَّجَ خُرْجَةً إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هُوَ رِبًا، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ اسْتَخْلَفَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَخْبَرَةَ الْأَسَدِيَّ فَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ نَهَاهُ عَنْ بَيْعِ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ عَامِلَ عُمَرَ ﵁ بِالْكُوفَةِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّ اخْتِلَافَ الصَّنْعَةِ كَاخْتِلَافِ النَّوْعِ، وَكَانَ يَجْعَلُ الْبِقَايَةَ مَعَ الْجَيِّدِ نَوْعَيْنِ فَيُجَوِّزُ التَّفَاضُلَ بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ»، ثُمَّ سَأَلَ عُمَرَ ﵁ فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْكُلَّ نَوْعٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ الْكُلَّ فِضَّةٌ
стр. 2905
وَقَالَ: ﷺ «الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ يَدٌ بِيَدٍ وَالْفَضْلُ رِبًا» فَرَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ لَهُ الْحَقَّ فِي مَقَالَتِهِ، وَمِنْ هَذَا يُقَالُ: عَالِمُ الْكُوفَةِ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى عَالِمِ الْمَدِينَةِ يُرَادُ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵄.
، وَقَدْ نُقِلَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَإِنَّ أَبَا صَالِحٍ السَّمَّانَ يَقُولُ سَأَلْت عَلِيًّا ﵁ عَنْ الدَّرَاهِمِ تَكُونُ مَعِي لَا تُنْفَقُ فِي حَاجَتِي فَأَشْتَرِي بِهَا دَرَاهِمَ تُنْفَقُ فِي حَاجَتِي، وَأَهْضِمُ مِنْهَا قَالَ: لَا، وَلَكِنْ بِعْ دَرَاهِمَك بِدَنَانِيرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ تُنْفَقُ فِي حَاجَتِك، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِيَادَ وَالزُّيُوفَ نَوْعٌ وَاحِدٌ فَحَرُمَ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْجَوْدَةِ هُنَا مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ»، فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهَا.
وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ أَكْرَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ إبِلًا بِدَنَانِيرَ فَأَتَيْته أَتَقَاضَاهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ دَرَاهِمُ فَقَالَ لِمَوْلًى لَهُ: انْطَلِقْ مَعَهُ إلَى السُّوقِ فَإِذَا قَامَتْ عَلَى سِعْرٍ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ، وَإِلَّا فَاشْتَرِ لَهُ دَنَانِيرَ فَأَعْطِهَا إيَّاهُ فَقُلْت: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيَصْلُحُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِهَذَا، إنَّكَ وُلِدْت وَأَنْتَ صَغِيرٌ، وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ اسْتِبْدَالِ الْأَجْرِ قَبْلَ الْقَبْضِ الْآخَرِ كَالثَّمَنِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ اسْتِبْدَالِ الثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَجَوَّزَ لَهُ ذَلِكَ فَلِهَذَا جَوَّزَ ابْنُ عُمَرَ الِاسْتِبْدَالَ بِالْأَجْرِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَرْضَى بِهِ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَلَكِنْ لَمَّا أَشْكَلَ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ سَأَلَهُ بِقَوْلِهِ: أَيَصْلُحُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ إنَّك وُلِدْت وَأَنْتَ صَغِيرٌ؛ أَيْ جَاهِلٌ لَا تَعْلَمُ حَتَّى تُعَلَّمَ. وَهَكَذَا حَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ حَتَّى يُعَلَّمَ فَكَأَنَّهُ مَازَحَهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَكَنَّى بِالصِّغَرِ عَنْ الْجَهْلِ، ثُمَّ ذَلِكَ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ فِي الرِّبَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ «إذَا اشْتَرَيْتُمْ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَاشْتَرُوهُ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» يَعْنِي بِذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ، وَقَالَ مُعَاوِيَةُ ﵁ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ لَمْ نَسْمَعْهَا فَقَالَ عُبَادَةُ ﵁: أَشْهَدُ إنِّي سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّ بِهِ وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ ﵁ مِمَّنْ يُجَوِّزُ التَّفَاضُلَ فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْحَدِيثِ؛ فَلِهَذَا قَالَ مَا قَالَ، وَقِيلَ: إنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَثْبِتَهُ فِي رِوَايَتِهِ، وَمُعَاوِيَةُ ﵁ مِنْ رُوَاةِ حَدِيثِ الرِّبَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: " أَحَادِيثَ لَمْ نَسْمَعْهَا " مَا ذَكَرَهُ فِي آخَرِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ اشْتَرَيْتُمْ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَأَكَّدَ عُبَادَةُ ﵁ رِوَايَتَهُ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ " أَشْهَدُ " بِمَعْنَى أَحْلِفُ، قَالَ: " لَأُحَدِّثَنَّ بِهِ "؛ لِأَنِّي أَتَيَقَّنُ بِسَمَاعِهِ مِنْ
стр. 2906
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّبْلِيغِ فَلَا أَدَعُهُ بِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ ﵁ بَلْ أُحَدِّثُ بِهِ وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ مُعَاوِيَةَ.
وَعَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ﵁ بِالشَّامِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ أَحْدَثْتُمْ بُيُوعًا لَا يُدْرَى مَا هِيَ، أَلَا وَإِنَّ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ تِبْرَهُ وَعَيْنَهُ، أَلَا وَإِنَّ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ تِبْرَهَا وَعَيْنَهَا سَوَاءٌ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ، وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُ، وَلَا يَصْلُحُ نَسِيئَةً، أَلَا وَإِنَّ الْحِنْطَةَ بِالْحِنْطَةِ مُدَّيْنِ بِمُدَّيْنِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ مُدَّيْنِ بِمُدَّيْنِ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الشَّعِيرِ بِالْحِنْطَةِ يَدًا بِيَدٍ، وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا، وَلَا يَصْلُحُ نَسِيئَةً، ثُمَّ ذَكَرَ فِي التَّمْرِ وَالْمِلْحِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْفَاسِدَ بَيْعٌ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّكُمْ أَحْدَثْتُمْ بُيُوعًا، وَمُرَادُهُ مَا كَانُوا يُبَاشِرُونَهُ مِنْ عُقُودِ الرِّبَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمَكِيلَةِ نِصْفُ صَاعٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " مُدَّيْنِ بِمُدَّيْنِ " عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ أَخْذَ الرِّبَا يَحْرُمُ إعْطَاؤُهُ فَالْمُسْتَزِيدُ آخِذٌ، وَالزَّائِدُ مُعْطِي، وَقَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْوَعِيدِ.
وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ، وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ لَا تُفَضِّلُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ لَا يُبَاعُ مِنْهَا غَائِبٌ بِنَاجِزٍ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرِّمَا، وَالرِّمَا هُوَ الرِّبَا، وَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى أَنْ تَدْخُلَ بَيْتَهُ، فَلَا تَنْتَظِرْهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " لَا يُبَاعُ غَائِبٌ بِنَاجِزٍ " أَيْ نَسِيئَةٌ بِنَقْدٍ، وَفِيهِ دَلِيلُ الرِّبَا كَمَا يَثْبُتُ بِالتَّفَاوُتِ فِي الْبَدَلَيْنِ فِي الْقَدْرِ يَثْبُتُ بِتَفَاوُتِهِمَا بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ، وَأَنَّ الْقَبْضَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي عَقْدِ الصَّرْفِ وَكَنَّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " فَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ ".
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ ﵁ قَالَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَمَائِلَهُ وَجَفْنَهُ وَنَصْلَهُ وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ وَزْنُ الْحِلْيَةِ أَقَلَّ مِنْ وَزْنِ الدَّرَاهِمِ لِيَكُونَ الْفَضْلُ بِإِزَاءِ الْجَفْنِ وَالْحَمَائِلِ. وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ السَّيْفَ الْمُحَلَّى، وَالْمِنْطَقَةَ الْمُفَضَّضَةَ، وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ بِالْعُرُوضِ وَبِالنَّقْدِ بِخِلَافِ الْجِنْسِ بِشَرْطِ قَبْضِ حِصَّةِ الْحِلْيَةِ فِي الْمَجْلِسِ، وَبِالنَّقْدِ مِنْ جِنْسِ الْحِلْيَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِ الْحِلْيَةِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: الْإِقَالَةُ بَيْعٌ، وَهَكَذَا عَنْ شُرَيْحٍ؛ مَعْنَاهُ كَالْبَيْعِ فِي الْحُكْمِ، وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: الْإِقَالَةُ فِي الصَّرْفِ كَالْبَيْعِ يَعْنِي: يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ كَمَا فِي عَقْدِ الصَّرْفِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ عُلَمَائِنَا ﵏ إنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخٌ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا، وَوُجُوبُ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ حَقِّ الشَّرْعِ؛ فَالْإِقَالَةُ فِيهِ كَالْبَيْعِ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ:
стр. 2907
سَمِعْت عُمَرَ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ رِبَا الْعَجْلَانِ، وَلَكِنْ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ سَحْقُ دِرْهَمٍ فَلْيَخْرُجْ بِهِ إلَى السُّوقِ وَلْيَقُلْ: مَنْ يَبْتَاعُ سَحْقَ هَذَا الدِّرْهَمِ فَلْيَبْتَعْ بِهِ مَا شَاءَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " فَإِنَّ ذَلِكَ رِبَا الْعَجْلَانِ " أَيْ رِبَا النَّقْدِ وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرِّبَا نَوْعَانِ فِي النَّقْدِ، وَالنَّسِيئَةِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " سَحْقُ دِرْهَمٍ " الْبِقَايَةُ الَّتِي لَا تُنْفَقُ فِي حَاجَةٍ، يُقَالُ: ثَوْبٌ سَحْقٌ أَيْ خَلَقٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرَاءِ بِالزُّيُوفِ، وَلَكِنْ بَعْدَ بَيَانِ عَيْنِهَا لِيَنْتَفِيَ الْغَرَرُ وَالتَّدْلِيسُ كَمَا ذَكَرَهُ عُمَرُ ﵁.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بَأْسًا بِاقْتِضَاءِ الْوَرِقِ مِنْ الذَّهَبِ، وَالذَّهَبِ مِنْ الْوَرِقِ بَيْعًا كَانَ أَوْ قَرْضًا، أَوْ كَانَ بِسِعْرِ يَوْمِهِ، وَبِهِ نَأْخُذُ فَيَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ وَفِي بَدَلِ الْقَرْضِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الِاسْتِبْدَالَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا يَثْبُتُ فِيهِ الْأَجَلُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَبِمَنْزِلَةِ دَيْنٍ لَا يَقْبَلُ الْأَجَلَ كَبَدَلِ الصَّرْفِ، وَهُوَ وَهَمٌ مِنْهُ فَإِنَّ الْقَرْضَ إنَّمَا لَا يَقْبَلُ الْأَجَلَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ وَمَا يُسْتَرَدُّ فِي حُكْمِ عَيْنِ الْمَقْبُوضِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي بَابِهِ.
وَالِاسْتِبْدَالُ بِالْمُسْتَعَارِ قَبْلَ الِاسْتِرْدَادِ جَائِزٌ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمٍ، وَبِهِ نَأْخُذُ فَإِنَّ الدِّرْهَمَ إنَّمَا يُسْتَثْنَى مِنْ الدِّينَارِ بِالْقِيمَةِ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ الْحَزْرُ وَالظَّنُّ فَكَانَ الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولًا، وَبِجَهَالَتِهِ يَصِيرُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَجْهُولًا أَيْضًا، وَالْبَيْعُ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ لَا يَجُوزُ، وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ الدَّرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ أَجْوَدَ مِنْهَا، وَلَا يَصْلُحُ لَهُ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا، وَمَصُوغُهَا وَتِبْرُهَا، وَأَبْيَضُهَا وَأَسْوَدُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا؛ فَقَدْ ذَكَرَ فِيهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ ﷺ مُقَابَلَةَ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَاسْمُ الْفِضَّةِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ جَيِّدُهُ وَرَدِيئُهُ، وَتِبْرُهُ وَمَصُوغُهُ نَافِقُهُ وَغَيْرُ نَافِقِهِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْجُودَةِ وَالصَّنْعَةِ فِيهَا عِنْدَ مُقَابَلَتِهَا بِجِنْسِهَا، فَوُجُودُ ذَلِكَ كَعَدَمِهِ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَجَلِ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّقَابُضَ وَاجِبٌ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَتَرْكُ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ مُبْطِلٌ لِلْعَقْدِ فَالتَّأْجِيلُ مُنَافٍ لِمَا هُوَ مُقْتَضَى هَذَا الْعَقْدِ، وَاشْتِرَاطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ مُبْطِلٌ لَهُ.
، وَإِذَا اشْتَرَى فِضَّةً بَيْضَاءَ جَيِّدَةً بِفِضَّةٍ سَوْدَاءَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، وَمَعَ الْبَيْضَاءِ ذَهَبٌ أَوْ فُلُوسٌ أَوْ عُرُوضٌ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الِانْقِسَامَ عَلَى مَذْهَبِهِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فَيُصِيبُ الْبَيْضَاءَ أَكْثَرُ مِنْ وَزْنِهَا مِنْ الْفِضَّةِ السَّوْدَاءِ، وَعِنْدَنَا يَجْعَلُ مِنْ السَّوْدَاءِ بِإِزَاءِ الْبَيْضَاءِ مِثْلَ وَزْنِهَا، وَالْبَاقِي بِإِزَاءِ مَا زَادَ تَرْجِيحًا لِجِهَةِ الْجَوَازِ عَلَى جِهَةِ الْفَسَادِ، وَقَدْ
стр. 2908
قَرَّرْنَا هَذَا الْفَصْلَ فِي الْبُيُوعِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ اشْتَرَى مِنْطَقَةً، أَوْ سَيْفًا مُحَلَّى بِدَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِنْهَا وَزْنًا يَجُوزُ عِنْدَنَا، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَدَلَّ فِيهِ بِحَدِيثِ «فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: أَصَبْت قِلَادَةً يَوْمَ خَيْبَرَ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ فَبِعْتهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، ثُمَّ سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا حَتَّى يَفْصِلَ» وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ عِنْدَنَا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ وَزْنًا، أَوْ يَعْلَمُ أَنَّ وَزْنَ الذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ أَكْثَرُ أَوْ مِثْلُ الْمُنْفَصِلِ، وَفِي هَذِهِ الْوُجُوهِ عِنْدَنَا لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ.
وَإِذَا اشْتَرَى لِجَامًا مُمَوَّهًا بِفِضَّةٍ بِدَرَاهِمَ بِأَقَلَّ مِمَّا فِيهِ أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ التَّمْوِيهَ لَوْنُ الْفِضَّةِ وَلَيْسَ بِعَيْنِ الْفِضَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا يَجْرِي الرِّبَا بِاعْتِبَارِهِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ اشْتَرَى دَارًا مُمَوَّهَةً بِالذَّهَبِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ بِسُقُوفِهَا مِنْ التَّمْوِيهِ بِالذَّهَبِ أَكْثَرُ مِنْ الْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الرِّبَا، وَلَا فِي وُجُوبِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ.
وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ مِنْ رَجُلٍ فَانْتَقَدَ أَحَدُهُمَا وَأَخَذَ الْآخَرُ رَهْنًا بِحَقِّهِ فِيهِ فَهَلَكَ الرَّهْنُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ يُثْبِتُ يَدَ الِاسْتِيفَاءِ، وَيَتِمُّ ذَلِكَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ مِنْ الْمَالِيَّةِ دُونَ الْعَيْنِ حَتَّى كَانَتْ الْعَيْنُ هَالِكَةً عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ فَيُجْعَلُ اسْتِيفَاؤُهُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِيفَاءِ حَقِيقَةً، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي السَّلَمِ الِاخْتِلَافَ فِي الرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ بِرَأْسِ الْمَالِ فَهُوَ كَذَلِكَ يُبَدَّلُ فِي الصَّرْفِ.
وَإِذَا كَانَ عَلَى ذَهَبٍ فِيهِ لُؤْلُؤٌ، وَجَوْهَرٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنْهُ إلَّا بِضَرَرٍ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ بِدِينَارٍ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ الدِّينَارَ فِيهِ أَكْثَرُ مِمَّا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ. وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَيُّهُمَا أَكْثَرَ فَالْعَقْدُ جَائِزٌ أَيْضًا، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ فِي السَّيْفِ الْمُحَلَّى فَإِنْ بَاعَهُ بِدِينَارٍ نَسِيئَةً لَمْ يَجُزْ فَإِنَّ فِي حِصَّةِ الْحِلْيَةِ الْعَقْدَ صَرْفٌ فَيَفْسُدُ شَرْطُ الْأَجَلِ، وَاللُّؤْلُؤُ وَالْجَوْهَرُ لَا يُمْكِنُ تَخْلِيصُهُ وَتَسْلِيمُهُ إلَّا بِضَرَرٍ، فَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ فِي بَعْضِهِ فَسَدَ فِي كُلِّهِ.
وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ مُجَازَفَةً لَا يُعْرَفُ وَزْنُهَا أَوْ وَزْنُ أَحَدِهِمَا لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» وَالْمُرَادُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْوَزْنِ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ عِنْدَ اللَّهِ، أَوْ عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِمُرَادٍ فَالْأَحْكَامُ لَا تُبْنَى عَلَى مَا لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ عَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ الْعِلْمُ بِالْمُمَاثَلَةِ عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَصَارَ هَذَا شَرْطَ جَوَازِ الْعَقْدِ، وَمَا هُوَ شَرْطُ جَوَازِ الْعَقْدِ إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِالْعَقْدِ يُفْسِدُ الْعَقْدَ فَإِنْ وُزِنَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَكَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فَإِنْ كَانَا بَعْدُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَجَوَازُ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ جُعِلَ كَحَالَةِ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ انْعِدَامَ الدَّيْنِيَّةِ فِي الْبَدَلَيْنِ شَرْطُ جَوَازِ الْعَقْدِ، ثُمَّ إذَا
стр. 2909
انْعَدَمَ ذَلِكَ بِالتَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ جُعِلَ كَالْمُقْتَرِنِ بِالْعَقْدِ فَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِالْمُمَاثَلَةِ، وَإِنْ وُزِنَا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ عَنْ الْمَجْلِسِ جُعِلَ كَالْمُقْتَرِنِ بِالْعَقْدِ فَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِالْمُمَاثَلَةِ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ إنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فَالْعَقْدُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ شَرْطَ الْجَوَازِ - وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ - كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْوَزْنِ فِي إحْدَاثِ الْمُمَاثَلَةِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ بِهِ مُمَاثَلَةٌ كَانَتْ مَوْجُودَةً وَعِلْمُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِوُجُودِ شَرْطِ جَوَازِ الْعَقْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِمَحْضَرٍ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ، وَلَا يَعْلَمُ بِهِمَا الْمُتَعَاقِدَانِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعِلْمَ بِالْمُمَاثَلَةِ شَرْطُ الْجَوَازِ هُنَا، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْوَزْنِ فَيَصِيرُ الْوَزْنُ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْعَقْدِ كَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ شَرْطَ انْعِقَادِ الْعَقْدِ، فَكَمَا يُفْصَلُ هُنَاكَ بَيْنَ الْمَجْلِسِ وَمَا بَعْدَهُ فَكَذَلِكَ يُفْصَلُ هُنَا، ثُمَّ الْفَصْلُ مَوْهُومٌ، وَالْمَوْهُومُ فِيمَا يُبْنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ كَالْمُتَحَقِّقِ، وَتَأْثِيرُ الْفَضْلِ فِي إفْسَادِ الْعَقْدِ كَتَأْثِيرِ عَدَمِ الْقَبْضِ وَأَقْوَى، فَكَمَا أَنَّ تَرْكَ الْقَبْضِ حَتَّى افْتَرَقَا مُفْسِدٌ لِهَذَا الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ تَوَهُّمُ الْفَضْلِ بِتَرْكِ الْوَزْنِ حَتَّى افْتَرَقَا يَكُونُ مُفْسِدًا.
وَإِنْ اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلَّى بِفِضَّةٍ بِدَرَاهِمَ بِأَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ ثُمَّ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ فَسَدَ الْبَيْعُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَقْدَ فَسَدَ فِي حِصَّةِ الْحِلْيَةِ بِتَرْكِ التَّقَابُضِ، وَلَا يُمْكِنُ إبْقَاؤُهُ صَحِيحًا فِي حِصَّةِ الْجَفْنِ وَالْحَمَائِلِ كَمَا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْبَيْعِ فِي الْجَفْنِ وَالْحَمَائِلِ وَالنَّصْلِ دُونَ الْفِضَّةِ فَإِنْ قَبَضَ السَّيْفَ وَنَقَدَ مِنْ الثَّمَنِ حِصَّةَ الْحِلْيَةِ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ؛ لِأَنَّ قَبْضَ حِصَّةِ الْحِلْيَةِ فِي الْمَجْلِسِ مُسْتَحَقٌّ، وَقَبْضُ حِصَّةِ الْجَفْنِ وَالْحَمَائِلِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ فَيُصْرَفُ الْمَقْبُوضُ إلَى مَا كَانَ الْقَبْضُ فِيهِ مُسْتَحَقًّا؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ لَا يُعَارِضُ الْمُسْتَحَقَّ، وَإِذَا انْصَرَفَ إلَيْهِ فَإِنَّمَا وُجِدَ الِافْتِرَاقُ بَعْدَ التَّقَابُضِ فِيمَا هُوَ صَرْفٌ، وَكَذَلِكَ إنْ أَجَّلَ الْبَقِيَّةَ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ مَبِيعٍ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ فَيَصِحُّ التَّأْجِيلُ فِيهِ.
وَإِذَا اشْتَرَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ فَتَقَابَضَا ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا دِرْهَمًا سُتُّوقًا، أَوْ رَصَاصًا فَإِنْ كَانَا لَمْ يَتَفَرَّقَا اسْتَبْدَلَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ أَصْلًا، وَتَأْخِيرُ الْقَبْضِ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ لَا يَصِيرُ، وَإِنْ كَانَا قَدْ افْتَرَقَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِهِ؛ لِأَنَّ السَّتُّوقَ وَالرَّصَاصَ لَيْسَا مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ فَيَكُونُ مُسْتَبْدَلًا بِهِ لَا مُسْتَوْفِيًا وَلَكِنْ يَرُدُّهُ، وَكَانَ شَرِيكًا فِي الدِّينَارِ بِحِصَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَبَضَ فِي الْمَجْلِسِ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ، وَلَمْ يَقْبِضْ دِرْهَمًا حَتَّى افْتَرَقَا، طَعَنَ عِيسَى فِي هَذَا اللَّفْظِ فَقَالَ قَوْلُهُ: " كَانَ شَرِيكًا فِي الدِّينَارِ بِحِصَّتِهِ " غَلَطٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ شَرِيكٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الدِّينَارِ بِالْعَشْرِ؛ لِأَنَّ النُّقُودَ عِنْدَنَا لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا بَعْدَ التَّقَابُضِ لَوْ
стр. 2910
تَفَاسَخَا الْعَقْدَ لَمْ يَجِبْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَدُّ الْمَقْبُوضِ مِنْ النَّقْدِ بِعَيْنِهِ وَلَكِنْ إنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ مِثْلَهُ فَكَذَلِكَ هُنَا لَا يَصِيرُ شَرِيكًا فِي عَيْنِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَهُ عُشْرُ الدِّينَارِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ عُشْرَ ذَلِكَ الدِّينَارِ، وَلَكِنْ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ بِالِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَفْسُدُ الْعَقْدُ مِنْ الْأَصْلِ لِوُجُودِ شَرْطِ الْفَسَادِ، وَهُوَ الدَّيْنِيَّةُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ حَرَامٌ، وَلَكِنْ إذَا وُجِدَ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ جُعِلَ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا مِنْ أَصْلِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ حِصَّتَهُ مِنْ الدِّينَارِ مَقْبُوضَةٌ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَجِبُ رَدُّهُ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الرَّدِّ مِنْ حُكْمِ الْقَبْضِ هُنَا لَا مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ، وَالنُّقُودُ تَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ كَمَا فِي الْقَبْضِ بِحُكْمِ الْهِبَةِ.
وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَلَيْسَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِرْهَمٌ وَلَا دِينَارٌ، ثُمَّ اسْتَقْرَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ مَا سَمَّى وَدَفَعَهُ إلَى صَاحِبِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا جَازَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلْتَزِمُ الْمُسَمَّى فِي ذِمَّتِهِ بِالْعَقْدِ، وَذِمَّتُهُ صَالِحَةٌ لِلِالْتِزَامِ فَصَحَّ الْعَقْدُ، ثُمَّ الشَّرْطُ التَّقَابُضُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَقَدْ وَجَدَهُ، قَالَ: وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْعُرُوضَ وَالْحَيَوَانَ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ أَنَّ السِّلَعَ مُسْتَحَقَّةٌ بِالْعَقْدِ مَبِيعًا، وَحُكْمُ الْبَيْعِ فِي الْمَبِيعِ وُجُوبُ الْمِلْكِ وَالتَّسْلِيمِ فَمَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي مِلْكِهِ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ حُكْمِ الْبَيْعِ فِيهِ، وَإِضَافَةُ السَّبَبِ إلَى مَحَلٍّ لَا يُفِيدُ حُكْمُهُ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا النُّقُودُ فَمُسْتَحَقَّةٌ بِالْعَقْدِ، وَحُكْمُ الْعَقْدِ فِي الثَّمَنِ وُجُوبُهُ وَوُجُودُهُ بِهِ مَعًا، وَذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ بِالذِّمَّةِ الصَّالِحَةِ لِلِالْتِزَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي مِلْكِهِ عَيْنًا فَلِهَذَا كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ بَيْعِ الرَّجُلِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ ثَمَنٌ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى مَا بَيَّنَّا، وَفِيهِ بَيَانٌ أَيْضًا أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ فَالْبَيْعُ مَحَلُّهُ الْمَبِيعُ، وَذَلِكَ فِي السِّلَعِ دُونَ الْأَثْمَانِ؛ فَلِذَلِكَ جَوَّزْنَا الشِّرَاءَ بِثَمَنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وَكَذَلِكَ شِرَاءُ تِبْرِ الذَّهَبِ بِتِبْرِ الْفِضَّةِ، أَوْ تِبْرِ الْفِضَّةِ بِتِبْرِ الذَّهَبِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ اسْتَقْرَضَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَدَفَعَهُ إلَى صَاحِبِهِ فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ثَمَنٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، فَالتِّبْرُ وَالْمَضْرُوبُ فِي كَوْنِهِ ثَمَنًا سَوَاءٌ، وَهَذَا إذَا كَانَ التِّبْرُ يَرُوجُ بَيْنَ النَّاسِ رَوَاجَ النُّقُودِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْكَلَامَ فِي الشَّرِكَةِ بِالتِّبْرِ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ.
وَلَوْ اشْتَرَى إنَاءً مَصُوغًا، أَوْ قَلْبَ فِضَّةٍ بِذَهَبٍ، أَوْ بِفِضَّةٍ تِبْرٍ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْإِنَاءُ أَوْ الْقَلْبُ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَإِنْ كَانَا فِي الْمَجْلِسِ، بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَإِنَّهَا إذَا اُسْتُحِقَّتْ قَبْلَ الْفُرْقَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ مُشْتَرِيَهَا مِثْلَهَا، وَلَا يَبْطُلُ الصَّرْفُ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعَيُّنِ، وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لَا تَتَعَيَّنُ فَبِاسْتِحْقَاقِ الْمَقْبُوضِ مِنْ
следующие страницы →