← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّبْلِيغِ فَلَا أَدَعُهُ بِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ ﵁ بَلْ أُحَدِّثُ بِهِ وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ مُعَاوِيَةَ. وَعَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ﵁ بِالشَّامِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ أَحْدَثْتُمْ بُيُوعًا لَا يُدْرَى مَا هِيَ، أَلَا وَإِنَّ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ تِبْرَهُ وَعَيْنَهُ، أَلَا وَإِنَّ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ تِبْرَهَا وَعَيْنَهَا سَوَاءٌ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ، وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُ، وَلَا يَصْلُحُ نَسِيئَةً، أَلَا وَإِنَّ الْحِنْطَةَ بِالْحِنْطَةِ مُدَّيْنِ بِمُدَّيْنِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ مُدَّيْنِ بِمُدَّيْنِ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الشَّعِيرِ بِالْحِنْطَةِ يَدًا بِيَدٍ، وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا، وَلَا يَصْلُحُ نَسِيئَةً، ثُمَّ ذَكَرَ فِي التَّمْرِ وَالْمِلْحِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْفَاسِدَ بَيْعٌ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّكُمْ أَحْدَثْتُمْ بُيُوعًا، وَمُرَادُهُ مَا كَانُوا يُبَاشِرُونَهُ مِنْ عُقُودِ الرِّبَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمَكِيلَةِ نِصْفُ صَاعٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " مُدَّيْنِ بِمُدَّيْنِ " عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ أَخْذَ الرِّبَا يَحْرُمُ إعْطَاؤُهُ فَالْمُسْتَزِيدُ آخِذٌ، وَالزَّائِدُ مُعْطِي، وَقَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْوَعِيدِ. وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ، وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ لَا تُفَضِّلُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ لَا يُبَاعُ مِنْهَا غَائِبٌ بِنَاجِزٍ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرِّمَا، وَالرِّمَا هُوَ الرِّبَا، وَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى أَنْ تَدْخُلَ بَيْتَهُ، فَلَا تَنْتَظِرْهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " لَا يُبَاعُ غَائِبٌ بِنَاجِزٍ " أَيْ نَسِيئَةٌ بِنَقْدٍ، وَفِيهِ دَلِيلُ الرِّبَا كَمَا يَثْبُتُ بِالتَّفَاوُتِ فِي الْبَدَلَيْنِ فِي الْقَدْرِ يَثْبُتُ بِتَفَاوُتِهِمَا بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ، وَأَنَّ الْقَبْضَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي عَقْدِ الصَّرْفِ وَكَنَّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " فَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ ". وَعَنْ الشَّعْبِيِّ ﵁ قَالَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَمَائِلَهُ وَجَفْنَهُ وَنَصْلَهُ وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ وَزْنُ الْحِلْيَةِ أَقَلَّ مِنْ وَزْنِ الدَّرَاهِمِ لِيَكُونَ الْفَضْلُ بِإِزَاءِ الْجَفْنِ وَالْحَمَائِلِ. وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ السَّيْفَ الْمُحَلَّى، وَالْمِنْطَقَةَ الْمُفَضَّضَةَ، وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ بِالْعُرُوضِ وَبِالنَّقْدِ بِخِلَافِ الْجِنْسِ بِشَرْطِ قَبْضِ حِصَّةِ الْحِلْيَةِ فِي الْمَجْلِسِ، وَبِالنَّقْدِ مِنْ جِنْسِ الْحِلْيَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِ الْحِلْيَةِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: الْإِقَالَةُ بَيْعٌ، وَهَكَذَا عَنْ شُرَيْحٍ؛ مَعْنَاهُ كَالْبَيْعِ فِي الْحُكْمِ، وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: الْإِقَالَةُ فِي الصَّرْفِ كَالْبَيْعِ يَعْنِي: يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ كَمَا فِي عَقْدِ الصَّرْفِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ عُلَمَائِنَا ﵏ إنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخٌ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا، وَوُجُوبُ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ حَقِّ الشَّرْعِ؛ فَالْإِقَالَةُ فِيهِ كَالْبَيْعِ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ:

стр. 2907

سَمِعْت عُمَرَ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ رِبَا الْعَجْلَانِ، وَلَكِنْ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ سَحْقُ دِرْهَمٍ فَلْيَخْرُجْ بِهِ إلَى السُّوقِ وَلْيَقُلْ: مَنْ يَبْتَاعُ سَحْقَ هَذَا الدِّرْهَمِ فَلْيَبْتَعْ بِهِ مَا شَاءَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " فَإِنَّ ذَلِكَ رِبَا الْعَجْلَانِ " أَيْ رِبَا النَّقْدِ وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرِّبَا نَوْعَانِ فِي النَّقْدِ، وَالنَّسِيئَةِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " سَحْقُ دِرْهَمٍ " الْبِقَايَةُ الَّتِي لَا تُنْفَقُ فِي حَاجَةٍ، يُقَالُ: ثَوْبٌ سَحْقٌ أَيْ خَلَقٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرَاءِ بِالزُّيُوفِ، وَلَكِنْ بَعْدَ بَيَانِ عَيْنِهَا لِيَنْتَفِيَ الْغَرَرُ وَالتَّدْلِيسُ كَمَا ذَكَرَهُ عُمَرُ ﵁. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بَأْسًا بِاقْتِضَاءِ الْوَرِقِ مِنْ الذَّهَبِ، وَالذَّهَبِ مِنْ الْوَرِقِ بَيْعًا كَانَ أَوْ قَرْضًا، أَوْ كَانَ بِسِعْرِ يَوْمِهِ، وَبِهِ نَأْخُذُ فَيَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ وَفِي بَدَلِ الْقَرْضِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الِاسْتِبْدَالَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا يَثْبُتُ فِيهِ الْأَجَلُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَبِمَنْزِلَةِ دَيْنٍ لَا يَقْبَلُ الْأَجَلَ كَبَدَلِ الصَّرْفِ، وَهُوَ وَهَمٌ مِنْهُ فَإِنَّ الْقَرْضَ إنَّمَا لَا يَقْبَلُ الْأَجَلَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ وَمَا يُسْتَرَدُّ فِي حُكْمِ عَيْنِ الْمَقْبُوضِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي بَابِهِ. وَالِاسْتِبْدَالُ بِالْمُسْتَعَارِ قَبْلَ الِاسْتِرْدَادِ جَائِزٌ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمٍ، وَبِهِ نَأْخُذُ فَإِنَّ الدِّرْهَمَ إنَّمَا يُسْتَثْنَى مِنْ الدِّينَارِ بِالْقِيمَةِ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ الْحَزْرُ وَالظَّنُّ فَكَانَ الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولًا، وَبِجَهَالَتِهِ يَصِيرُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَجْهُولًا أَيْضًا، وَالْبَيْعُ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ لَا يَجُوزُ، وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ الدَّرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ أَجْوَدَ مِنْهَا، وَلَا يَصْلُحُ لَهُ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا، وَمَصُوغُهَا وَتِبْرُهَا، وَأَبْيَضُهَا وَأَسْوَدُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا؛ فَقَدْ ذَكَرَ فِيهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ ﷺ مُقَابَلَةَ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَاسْمُ الْفِضَّةِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ جَيِّدُهُ وَرَدِيئُهُ، وَتِبْرُهُ وَمَصُوغُهُ نَافِقُهُ وَغَيْرُ نَافِقِهِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْجُودَةِ وَالصَّنْعَةِ فِيهَا عِنْدَ مُقَابَلَتِهَا بِجِنْسِهَا، فَوُجُودُ ذَلِكَ كَعَدَمِهِ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَجَلِ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّقَابُضَ وَاجِبٌ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَتَرْكُ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ مُبْطِلٌ لِلْعَقْدِ فَالتَّأْجِيلُ مُنَافٍ لِمَا هُوَ مُقْتَضَى هَذَا الْعَقْدِ، وَاشْتِرَاطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ مُبْطِلٌ لَهُ. ، وَإِذَا اشْتَرَى فِضَّةً بَيْضَاءَ جَيِّدَةً بِفِضَّةٍ سَوْدَاءَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، وَمَعَ الْبَيْضَاءِ ذَهَبٌ أَوْ فُلُوسٌ أَوْ عُرُوضٌ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الِانْقِسَامَ عَلَى مَذْهَبِهِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فَيُصِيبُ الْبَيْضَاءَ أَكْثَرُ مِنْ وَزْنِهَا مِنْ الْفِضَّةِ السَّوْدَاءِ، وَعِنْدَنَا يَجْعَلُ مِنْ السَّوْدَاءِ بِإِزَاءِ الْبَيْضَاءِ مِثْلَ وَزْنِهَا، وَالْبَاقِي بِإِزَاءِ مَا زَادَ تَرْجِيحًا لِجِهَةِ الْجَوَازِ عَلَى جِهَةِ الْفَسَادِ، وَقَدْ

стр. 2908

قَرَّرْنَا هَذَا الْفَصْلَ فِي الْبُيُوعِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ اشْتَرَى مِنْطَقَةً، أَوْ سَيْفًا مُحَلَّى بِدَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِنْهَا وَزْنًا يَجُوزُ عِنْدَنَا، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَدَلَّ فِيهِ بِحَدِيثِ «فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: أَصَبْت قِلَادَةً يَوْمَ خَيْبَرَ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ فَبِعْتهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، ثُمَّ سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا حَتَّى يَفْصِلَ» وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ عِنْدَنَا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ وَزْنًا، أَوْ يَعْلَمُ أَنَّ وَزْنَ الذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ أَكْثَرُ أَوْ مِثْلُ الْمُنْفَصِلِ، وَفِي هَذِهِ الْوُجُوهِ عِنْدَنَا لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ. وَإِذَا اشْتَرَى لِجَامًا مُمَوَّهًا بِفِضَّةٍ بِدَرَاهِمَ بِأَقَلَّ مِمَّا فِيهِ أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ التَّمْوِيهَ لَوْنُ الْفِضَّةِ وَلَيْسَ بِعَيْنِ الْفِضَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا يَجْرِي الرِّبَا بِاعْتِبَارِهِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ اشْتَرَى دَارًا مُمَوَّهَةً بِالذَّهَبِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ بِسُقُوفِهَا مِنْ التَّمْوِيهِ بِالذَّهَبِ أَكْثَرُ مِنْ الْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الرِّبَا، وَلَا فِي وُجُوبِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ. وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ مِنْ رَجُلٍ فَانْتَقَدَ أَحَدُهُمَا وَأَخَذَ الْآخَرُ رَهْنًا بِحَقِّهِ فِيهِ فَهَلَكَ الرَّهْنُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ يُثْبِتُ يَدَ الِاسْتِيفَاءِ، وَيَتِمُّ ذَلِكَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ مِنْ الْمَالِيَّةِ دُونَ الْعَيْنِ حَتَّى كَانَتْ الْعَيْنُ هَالِكَةً عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ فَيُجْعَلُ اسْتِيفَاؤُهُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِيفَاءِ حَقِيقَةً، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي السَّلَمِ الِاخْتِلَافَ فِي الرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ بِرَأْسِ الْمَالِ فَهُوَ كَذَلِكَ يُبَدَّلُ فِي الصَّرْفِ. وَإِذَا كَانَ عَلَى ذَهَبٍ فِيهِ لُؤْلُؤٌ، وَجَوْهَرٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنْهُ إلَّا بِضَرَرٍ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ بِدِينَارٍ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ الدِّينَارَ فِيهِ أَكْثَرُ مِمَّا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ. وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَيُّهُمَا أَكْثَرَ فَالْعَقْدُ جَائِزٌ أَيْضًا، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ فِي السَّيْفِ الْمُحَلَّى فَإِنْ بَاعَهُ بِدِينَارٍ نَسِيئَةً لَمْ يَجُزْ فَإِنَّ فِي حِصَّةِ الْحِلْيَةِ الْعَقْدَ صَرْفٌ فَيَفْسُدُ شَرْطُ الْأَجَلِ، وَاللُّؤْلُؤُ وَالْجَوْهَرُ لَا يُمْكِنُ تَخْلِيصُهُ وَتَسْلِيمُهُ إلَّا بِضَرَرٍ، فَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ فِي بَعْضِهِ فَسَدَ فِي كُلِّهِ. وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ مُجَازَفَةً لَا يُعْرَفُ وَزْنُهَا أَوْ وَزْنُ أَحَدِهِمَا لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» وَالْمُرَادُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْوَزْنِ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ عِنْدَ اللَّهِ، أَوْ عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِمُرَادٍ فَالْأَحْكَامُ لَا تُبْنَى عَلَى مَا لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ عَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ الْعِلْمُ بِالْمُمَاثَلَةِ عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَصَارَ هَذَا شَرْطَ جَوَازِ الْعَقْدِ، وَمَا هُوَ شَرْطُ جَوَازِ الْعَقْدِ إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِالْعَقْدِ يُفْسِدُ الْعَقْدَ فَإِنْ وُزِنَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَكَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فَإِنْ كَانَا بَعْدُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَجَوَازُ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ جُعِلَ كَحَالَةِ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ انْعِدَامَ الدَّيْنِيَّةِ فِي الْبَدَلَيْنِ شَرْطُ جَوَازِ الْعَقْدِ، ثُمَّ إذَا

стр. 2909

انْعَدَمَ ذَلِكَ بِالتَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ جُعِلَ كَالْمُقْتَرِنِ بِالْعَقْدِ فَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِالْمُمَاثَلَةِ، وَإِنْ وُزِنَا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ عَنْ الْمَجْلِسِ جُعِلَ كَالْمُقْتَرِنِ بِالْعَقْدِ فَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِالْمُمَاثَلَةِ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ إنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فَالْعَقْدُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ شَرْطَ الْجَوَازِ - وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ - كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْوَزْنِ فِي إحْدَاثِ الْمُمَاثَلَةِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ بِهِ مُمَاثَلَةٌ كَانَتْ مَوْجُودَةً وَعِلْمُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِوُجُودِ شَرْطِ جَوَازِ الْعَقْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِمَحْضَرٍ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ، وَلَا يَعْلَمُ بِهِمَا الْمُتَعَاقِدَانِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعِلْمَ بِالْمُمَاثَلَةِ شَرْطُ الْجَوَازِ هُنَا، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْوَزْنِ فَيَصِيرُ الْوَزْنُ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْعَقْدِ كَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ شَرْطَ انْعِقَادِ الْعَقْدِ، فَكَمَا يُفْصَلُ هُنَاكَ بَيْنَ الْمَجْلِسِ وَمَا بَعْدَهُ فَكَذَلِكَ يُفْصَلُ هُنَا، ثُمَّ الْفَصْلُ مَوْهُومٌ، وَالْمَوْهُومُ فِيمَا يُبْنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ كَالْمُتَحَقِّقِ، وَتَأْثِيرُ الْفَضْلِ فِي إفْسَادِ الْعَقْدِ كَتَأْثِيرِ عَدَمِ الْقَبْضِ وَأَقْوَى، فَكَمَا أَنَّ تَرْكَ الْقَبْضِ حَتَّى افْتَرَقَا مُفْسِدٌ لِهَذَا الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ تَوَهُّمُ الْفَضْلِ بِتَرْكِ الْوَزْنِ حَتَّى افْتَرَقَا يَكُونُ مُفْسِدًا. وَإِنْ اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلَّى بِفِضَّةٍ بِدَرَاهِمَ بِأَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ ثُمَّ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ فَسَدَ الْبَيْعُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَقْدَ فَسَدَ فِي حِصَّةِ الْحِلْيَةِ بِتَرْكِ التَّقَابُضِ، وَلَا يُمْكِنُ إبْقَاؤُهُ صَحِيحًا فِي حِصَّةِ الْجَفْنِ وَالْحَمَائِلِ كَمَا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْبَيْعِ فِي الْجَفْنِ وَالْحَمَائِلِ وَالنَّصْلِ دُونَ الْفِضَّةِ فَإِنْ قَبَضَ السَّيْفَ وَنَقَدَ مِنْ الثَّمَنِ حِصَّةَ الْحِلْيَةِ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ؛ لِأَنَّ قَبْضَ حِصَّةِ الْحِلْيَةِ فِي الْمَجْلِسِ مُسْتَحَقٌّ، وَقَبْضُ حِصَّةِ الْجَفْنِ وَالْحَمَائِلِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ فَيُصْرَفُ الْمَقْبُوضُ إلَى مَا كَانَ الْقَبْضُ فِيهِ مُسْتَحَقًّا؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ لَا يُعَارِضُ الْمُسْتَحَقَّ، وَإِذَا انْصَرَفَ إلَيْهِ فَإِنَّمَا وُجِدَ الِافْتِرَاقُ بَعْدَ التَّقَابُضِ فِيمَا هُوَ صَرْفٌ، وَكَذَلِكَ إنْ أَجَّلَ الْبَقِيَّةَ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ مَبِيعٍ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ فَيَصِحُّ التَّأْجِيلُ فِيهِ. وَإِذَا اشْتَرَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ فَتَقَابَضَا ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا دِرْهَمًا سُتُّوقًا، أَوْ رَصَاصًا فَإِنْ كَانَا لَمْ يَتَفَرَّقَا اسْتَبْدَلَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ أَصْلًا، وَتَأْخِيرُ الْقَبْضِ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ لَا يَصِيرُ، وَإِنْ كَانَا قَدْ افْتَرَقَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِهِ؛ لِأَنَّ السَّتُّوقَ وَالرَّصَاصَ لَيْسَا مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ فَيَكُونُ مُسْتَبْدَلًا بِهِ لَا مُسْتَوْفِيًا وَلَكِنْ يَرُدُّهُ، وَكَانَ شَرِيكًا فِي الدِّينَارِ بِحِصَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَبَضَ فِي الْمَجْلِسِ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ، وَلَمْ يَقْبِضْ دِرْهَمًا حَتَّى افْتَرَقَا، طَعَنَ عِيسَى فِي هَذَا اللَّفْظِ فَقَالَ قَوْلُهُ: " كَانَ شَرِيكًا فِي الدِّينَارِ بِحِصَّتِهِ " غَلَطٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ شَرِيكٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الدِّينَارِ بِالْعَشْرِ؛ لِأَنَّ النُّقُودَ عِنْدَنَا لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا بَعْدَ التَّقَابُضِ لَوْ

стр. 2910

تَفَاسَخَا الْعَقْدَ لَمْ يَجِبْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَدُّ الْمَقْبُوضِ مِنْ النَّقْدِ بِعَيْنِهِ وَلَكِنْ إنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ مِثْلَهُ فَكَذَلِكَ هُنَا لَا يَصِيرُ شَرِيكًا فِي عَيْنِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَهُ عُشْرُ الدِّينَارِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ عُشْرَ ذَلِكَ الدِّينَارِ، وَلَكِنْ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ بِالِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَفْسُدُ الْعَقْدُ مِنْ الْأَصْلِ لِوُجُودِ شَرْطِ الْفَسَادِ، وَهُوَ الدَّيْنِيَّةُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ حَرَامٌ، وَلَكِنْ إذَا وُجِدَ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ جُعِلَ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا مِنْ أَصْلِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ حِصَّتَهُ مِنْ الدِّينَارِ مَقْبُوضَةٌ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَجِبُ رَدُّهُ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الرَّدِّ مِنْ حُكْمِ الْقَبْضِ هُنَا لَا مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ، وَالنُّقُودُ تَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ كَمَا فِي الْقَبْضِ بِحُكْمِ الْهِبَةِ. وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَلَيْسَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِرْهَمٌ وَلَا دِينَارٌ، ثُمَّ اسْتَقْرَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ مَا سَمَّى وَدَفَعَهُ إلَى صَاحِبِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا جَازَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلْتَزِمُ الْمُسَمَّى فِي ذِمَّتِهِ بِالْعَقْدِ، وَذِمَّتُهُ صَالِحَةٌ لِلِالْتِزَامِ فَصَحَّ الْعَقْدُ، ثُمَّ الشَّرْطُ التَّقَابُضُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَقَدْ وَجَدَهُ، قَالَ: وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْعُرُوضَ وَالْحَيَوَانَ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ أَنَّ السِّلَعَ مُسْتَحَقَّةٌ بِالْعَقْدِ مَبِيعًا، وَحُكْمُ الْبَيْعِ فِي الْمَبِيعِ وُجُوبُ الْمِلْكِ وَالتَّسْلِيمِ فَمَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي مِلْكِهِ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ حُكْمِ الْبَيْعِ فِيهِ، وَإِضَافَةُ السَّبَبِ إلَى مَحَلٍّ لَا يُفِيدُ حُكْمُهُ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا النُّقُودُ فَمُسْتَحَقَّةٌ بِالْعَقْدِ، وَحُكْمُ الْعَقْدِ فِي الثَّمَنِ وُجُوبُهُ وَوُجُودُهُ بِهِ مَعًا، وَذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ بِالذِّمَّةِ الصَّالِحَةِ لِلِالْتِزَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي مِلْكِهِ عَيْنًا فَلِهَذَا كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ بَيْعِ الرَّجُلِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ ثَمَنٌ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى مَا بَيَّنَّا، وَفِيهِ بَيَانٌ أَيْضًا أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ فَالْبَيْعُ مَحَلُّهُ الْمَبِيعُ، وَذَلِكَ فِي السِّلَعِ دُونَ الْأَثْمَانِ؛ فَلِذَلِكَ جَوَّزْنَا الشِّرَاءَ بِثَمَنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وَكَذَلِكَ شِرَاءُ تِبْرِ الذَّهَبِ بِتِبْرِ الْفِضَّةِ، أَوْ تِبْرِ الْفِضَّةِ بِتِبْرِ الذَّهَبِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ اسْتَقْرَضَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَدَفَعَهُ إلَى صَاحِبِهِ فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ثَمَنٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، فَالتِّبْرُ وَالْمَضْرُوبُ فِي كَوْنِهِ ثَمَنًا سَوَاءٌ، وَهَذَا إذَا كَانَ التِّبْرُ يَرُوجُ بَيْنَ النَّاسِ رَوَاجَ النُّقُودِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْكَلَامَ فِي الشَّرِكَةِ بِالتِّبْرِ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ. وَلَوْ اشْتَرَى إنَاءً مَصُوغًا، أَوْ قَلْبَ فِضَّةٍ بِذَهَبٍ، أَوْ بِفِضَّةٍ تِبْرٍ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْإِنَاءُ أَوْ الْقَلْبُ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَإِنْ كَانَا فِي الْمَجْلِسِ، بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَإِنَّهَا إذَا اُسْتُحِقَّتْ قَبْلَ الْفُرْقَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ مُشْتَرِيَهَا مِثْلَهَا، وَلَا يَبْطُلُ الصَّرْفُ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعَيُّنِ، وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لَا تَتَعَيَّنُ فَبِاسْتِحْقَاقِ الْمَقْبُوضِ مِنْ

стр. 2911

الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ يَنْعَدِمُ الْقَبْضُ، وَتَرْكُ الْقَبْضِ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ لَا يَضُرُّ، أَمَّا اسْتِحْقَاقُ الْقَبْضِ فَيَنْعَدِمُ بِتَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ حُكْمَ الْعَقْدِ فِي الْقَلْبِ وُجُوبُ الْمِلْكِ؛ وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ فِي مِلْكِ الْعَاقِدِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَبِيعٌ فَبِاسْتِحْقَاقِهِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِخِلَافِ النُّقُودِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُجِزْ الْمُسْتَحِقُّ الْعَقْدَ أَمَّا إذَا أَجَازَهُ جَازَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: إنْ قَالَ الْمُسْتَحِقُّ أُثْبِتُ مِلْكِي لِأُجِيزَ الْعَقْدَ فَلَهُ أَنْ يُجِيزَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَاسْتِحْقَاقُهُ إبْطَالٌ مِنْهُ لِلْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ لَهُ بِمِلْكٍ مُتَقَرِّرٍ، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِسَبَبِ الْإِزَالَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجِيزَ الْعَقْدَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَالنُّقُودُ لَا تَتَعَيَّنُ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ بِالتَّعْيِينِ عِنْدَنَا، وَيَتَعَيَّنُ عِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِدَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ فَحَبَسَهَا وَأَعْطَى الْبَائِعُ مِثْلَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَلَوْ هَلَكَتْ تِلْكَ الدَّرَاهِمُ، أَوْ اُسْتُحِقَّتْ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ عِنْدَنَا، وَيَبْطُلُ عِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - لِأَنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ فَيَصِحُّ بِهِ التَّعَيُّنُ كَمَا فِي السِّلَعِ، وَهَذَا بَدَلٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَيَتَعَيَّنُ بِالتَّعَيُّنِ كَالْمَبِيعِ، وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ النُّقُودَ تُمْلَكُ أَعْيَانُهَا، وَمُوجِبُ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ الْمِلْكُ فِيمَا يُمْلَكُ عَيْنُهُ مِنْ الْمَالِ فَيَكُونُ مَحَلًّا لِمُوجِبِ الْعَقْدِ وَكَانَ هَذَا التَّعْيِينُ مُصَادِفًا مَحَلَّهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ النُّقُودَ تَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ حَتَّى إنَّ الْغَاصِبَ لَوْ أَرَادَ حَبْسَ الدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ، وَرَدَّ مِثْلِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فِي الْهِبَةِ تَتَعَيَّنُ حَتَّى يَكُونَ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِهَا، وَفِي الصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَهَذَا لِأَنَّ فِي التَّعْيِينِ فَائِدَةً لَهُمَا أَمَّا لِلْبَائِعِ فَلِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْعَيْنَ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ غُرَمَاءِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي إبْطَالَ حَقِّهِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ كَسْبٍ حَلَالٍ فَيَرْغَبُ فِيهِ مَا لَا يَرْغَبُ فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَنْفَعَةُ الْمُشْتَرِي فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِشَيْءٍ آخَرَ إذَا هَلَكَتْ تِلْكَ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ، وَأَنْ تَكُونَ ذِمَّتُهُ خَالِيَةً عَنْ الدَّيْنِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ تَتَعَيَّنُ الدَّرَاهِمُ فِي الْوَكَالَةِ حَتَّى لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الدَّرَاهِمَ لِيَشْتَرِيَ بِهَا شَيْئًا فَهَلَكَتْ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، وَيَتَعَيَّنُ فِي النَّذْرِ أَيْضًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ فِي الْبَيْعِ أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا اشْتَرَى بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ بِعَيْنِهَا طَعَامًا، وَنَقَدَهَا لَا يُبَاحُ لَهُ تَنَاوُلُهَا، وَلَوْ لَمْ تَتَعَيَّنْ لَحَلَّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِدَرَاهِمَ مُطْلَقَةٍ ثُمَّ نَقَدَ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ، وَقَالَ فِي الْجَامِعِ: إذَا قَالَ إنْ بِعْت هَذَا الْعَبْدَ بِهَذَا الْأَلْفِ، وَبِهَذَا الْكُرِّ فِيهِمَا صَدَقَةٌ فَبَاعَهُ بِهِمَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِالْكُرِّ فَلَوْ لَمْ تَتَعَيَّنْ تِلْكَ الدَّرَاهِمُ لَمَا لَزِمَهُ التَّصَدُّقُ كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِأَلْفٍ مُرْسَلَةٍ وَبِذَلِكَ الْكُرِّ وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَانَ الْكَرْخِيُّ يَقُولُ

стр. 2912

: النُّقُودُ تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ جَوَازًا لَا اسْتِحْقَاقًا حَتَّى لَا يَمْلِكَ عَيْنَهَا بِالْعَقْدِ، وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِالدَّرَاهِمِ، وَتُعْتَبَرُ بِعَيْنِهَا حَتَّى يَتَصَدَّقَ بِالْكُرِّ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِبْدَالَ بِالنُّقُودِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَجُوزُ وَإِنْ عُيِّنَتْ، وَلَوْ تَعَيَّنَتْ حَتَّى مَلَكَ عَيْنَهَا لَصَارَ قَبْضُهَا مُسْتَحَقًّا، وَفِي الِاسْتِبْدَالِ تَفْوِيتُ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا فِي السِّلَعِ، وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ يَبْطُلُ بِهَلَاكِهَا بَعْدَ التَّعْيِينِ لَمْ يَجُزْ الصَّرْفُ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ لِبَقَاءِ الْغَرَرِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ كَمَا فِي السِّلَعِ فَإِنْ مَنَعَ الشَّافِعِيُّ هَذَا الْفَصْلَ يُسْتَدَلُّ بِحَدِيثِ «ابْنِ عُمَرَ ﵄ حَيْثُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إنَّا نَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ فَرُبَّمَا نَبِيعُهَا بِالدَّرَاهِمِ وَنَأْخُذُ مَكَانَهَا دَنَانِيرَ فَقَالَ ﷺ : لَا بَأْسَ إذَا افْتَرَقْتُمَا، وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا عَمَلٌ» وَلَمْ يَسْتَفْسِرْهُ أَنَّهُمْ يَبِيعُونَ بِالدَّرَاهِمِ الْمُعَيَّنَةِ أَوْ غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ، وَفِيهِ طَرِيقَتَانِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَحَدُهُمَا أَنَّ تَعْيِينَ النَّقْدِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ فَيَكُونُ لَغْوًا كَتَعْيِينِ الصَّنَجَاتِ وَالْمِكْيَالِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرَاعِي فِي الْعَقْدِ مَا يَكُونُ مُفِيدًا، أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْلَ الْعَقْدِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا لَا يُعْتَبَرُ فَكَذَلِكَ الشَّرْطُ فِي الْعَقْدِ، وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ التَّعْيِينَ لَا يُفِيدُ جَوَازَ الْعَقْدِ فَإِنَّ الْعَقْدَ جَائِزٌ بِتَسْمِيَةِ الدَّرَاهِمِ الْمُطْلَقَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَالْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ الرِّبْحُ، وَذَلِكَ بِقَدْرِ الدَّرَاهِمِ لَا بِعَيْنِهَا، وَلَيْسَ فِي غَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ مَقْصُودٌ، إنَّمَا الْمَقْصُودُ الْمَالِيَّةُ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ هِيَ وَالْأَحْجَارُ سَوَاءٌ، وَالْمَالِيَّةُ بِاعْتِبَارِ الرَّوَاجِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَمِثْلُهَا وَعَيْنُهَا لَا يَخْتَلِفُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَعَرَفْنَا أَنَّ التَّعْيِينَ غَيْرُ مُفِيدٍ فِيمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ بِالْعَقْدِ، وَبِهِ فَارَقَ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ فَالتَّعْيِينُ هُنَاكَ مُفِيدٌ لِجَوَازِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ بِدُونِ التَّعْيِينِ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ إلَّا بِذِكْرِ الْوَصْفِ، وَرُبَّمَا يَعْجِزُ عَنْ إعْلَامِ الْوَصْفِ فَيُسْقِطُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِالتَّعْيِينِ، وَلِأَنَّ أَعْيَانَهَا مَقْصُودَةٌ، وَهِيَ تَتَفَاوَتُ فِي الرِّبْحِ فَكَانَ تَعْيِينُهَا مُفِيدًا فِي الْجُمْلَةِ أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ الْفَوَائِدِ فَلَيْسَ مِنْ مَقَاصِدِ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا يَطْلُبُ فَائِدَةَ التَّعْيِينِ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ، وَفِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ؛ وَهُوَ مِلْكُ الْمَالِ، الدَّيْنُ أَكْمَلُ مِنْ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ بِدُونِ التَّعْيِينِ لَا يَنْتَقِضُ الْعَقْدُ، وَبِالتَّعْيِينِ يَنْتَقِضُ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَحَقَّ الْمَعْنَى أَوْ هَلَكَ بَطَلَ مِلْكُهُ فِيهِ، وَإِذَا ثَبَتَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ لَا يُتَصَوَّرُ هَلَاكُهُ، وَلَا بُطْلَانُ الْمِلْكِ فِيهِ بِالِاسْتِحْقَاقِ، وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ، وَهُوَ أَنَّ التَّعْيِينَ لَوْ اُعْتُبِرَ فِي النَّقْدِ يَبْطُلُ بِهِ الْعَقْدُ، وَبِالْإِجْمَاعِ الْعَقْدُ صَحِيحٌ فَعَرَفْنَا أَنَّ التَّعْيِينَ لَغْوٌ، وَبَيَانُ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ أَنَّ النُّقُودَ لَا تُسْتَحَقُّ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ إلَّا ثَمَنًا، وَالثَّمَنُ مَا يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ كَمَا قَالَهُ الْفَرَّاءُ فَإِذَا اُعْتُبِرَ ثُبُوتُ التَّعْيِينِ امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْمُسَمَّى فِي الذِّمَّةِ ثَمَنًا، وَذَلِكَ يُنَافِي مُوجَبَ الْعَقْدِ فَيَكُونُ مُبْطِلًا لِلْعَقْدِ، وَالثَّانِي: هُوَ أَنَّ حُكْمَ الْعَقْدِ فِي الثَّمَنِ وُجُوبُهُ

стр. 2913

وَوُجُودُهُ مَعًا بِالْعَقْدِ بِخِلَافِ السِّلَعِ فَحُكْمُ الْعَقْدِ فِيهَا وُجُوبُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي فِيمَا كَانَ مَمْلُوكًا لِلْبَائِعِ، وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ لِلْعَقْدِ عَلَى السِّلَعِ قِيَامُهَا فِي مِلْكِ الْبَائِعِ إلَّا فِي مَوْضِعِ الرُّخْصَةِ؛ وَهُوَ السَّلَمُ، فَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي السَّلَمِ حَتَّى يَجُوزَ الشِّرَاءُ بِثَمَنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا يَتَعَيَّنُ إلَّا فِي مَوْضِعِ الرُّخْصَةِ؛ وَهُوَ السَّلَمُ، فَهُنَاكَ يَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ دُونَ التَّعْيِينِ حَتَّى لَوْ افْتَرَقَا بَعْدَ تَعْيِينِ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ وَلَا يَنْجَبِرُ ذَلِكَ النَّقْصُ بِقَبْضِ مَا يُقَابِلُهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَهُوَ الْمُسْلَمُ فِيهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ تَعْيِينَ الدَّرَاهِمِ هُنَاكَ بِالْقَبْضِ بِاعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِالتَّعْيِينِ فَكَذَلِكَ فِي بَابِ الصَّرْفِ بَعْدَ التَّعْيِينِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ يَبْطُلُ بِالِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَأَظْهَرُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ جَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ، عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا فَكَانَ التَّعْيِينُ فِي الثَّمَنِ إبْطَالًا لِحُكْمِهِ، وَجَعْلًا لِمَا هُوَ الْحُكْمُ شَرْطًا، وَهَذَا تَغْيِيرٌ مَحْضٌ فَيَكُونُ مُبْطِلًا لِلْعَقْدِ، وَبِالْإِجْمَاعِ الْعَقْدُ صَحِيحٌ فَعَرَفْنَا أَنَّ التَّعْيِينَ لَغْوٌ، وَبِهَذَا ظَهَرَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إنَّ التَّعْيِينَ يُصْرَفُ فِي مَحَلِّهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالسِّلْعَةِ، وَاعْتِبَارُ الْعَقْدِ بِالْقَبْضِ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى الْعَيْنِ فَكَانَ التَّعْيِينُ رُكْنًا فِيهِ، وَالْعَقْدُ لَا يَرِدُ عَلَى الثَّمَنِ إنَّمَا يَجِبُ الثَّمَنُ بِالْعَقْدِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَفِي الْوَكَالَةِ عِنْدَنَا لَا يَتَعَيَّنُ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ بِمِثْلِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ فِي ذِمَّتِهِ كَانَ مُشْتَرِيًا لِلْمُوَكِّلِ، وَلَوْ هَلَكَ بَعْدَ الشِّرَاءِ رَجَعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِمِثْلِهَا أَمَّا قَبْلَ الشِّرَاءِ إذَا هَلَكَتْ فَإِنَّمَا بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ عِنْدَنَا لِأَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ فِي نَفْسِهَا، وَالْمُوَكِّلُ لَمْ يَرْضَ بِكَوْنِ الثَّمَنِ فِي ذِمَّتِهِ عِنْدَ الشِّرَاءِ فَلَوْ بَقِيَتْ الْوَكَالَةُ لَاسْتَوْجَبَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ الدَّيْنَ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ، وَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ لَا تَتَعَيَّنُ تِلْكَ الدَّرَاهِمُ حَتَّى لَوْ أَخَذَهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ كَانَ عَلَى الْغَاصِبِ مِثْلُهَا دَيْنًا، وَلَكِنَّهُ اسْتَعَانَ فِي الْعَقْدِ وَالنَّقْدِ بِمَا هُوَ حَرَامٌ فَيَتَمَكَّنُ فِيهِ الْخُبْثُ فَلِهَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ تَنَاوُلُهُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ لَمْ تَتَعَيَّنْ الدَّرَاهِمُ أَيْضًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهَا، وَلَكِنَّهُ لَمَّا أَضَافَ النَّذْرَ إلَيْهِمَا مَعَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ صَارَ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ سَمَّيْتَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ، وَهَذَا الْكُرَّ فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ فَهُمَا صَدَقَةٌ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، وَمِلْكُ الْكُرِّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَالشُّرُوطُ فِي الْأَثْمَانِ تُعْتَبَرُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِعَيْنِهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَالدَّرَاهِمُ بِيضٌ فَأَعْطَاهُ مَكَانَهَا سُودًا، وَرَضِيَ بِهَا الْبَائِعُ جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِاسْتِبْدَالٍ، وَالسُّودُ وَالْبِيضُ مِنْ الدَّرَاهِمِ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا أَبْرَأَهُ عَنْ الصِّفَةِ حَتَّى يَجُوزَ بِالسُّودِ فَكَانَ مُسْتَوْفِيًا بِهَذَا الطَّرِيقِ لَا مُسْتَبْدِلًا، وَمُرَادُهُ مِنْ السُّودِ: الْمَضْرُوبُ

стр. 2914

مِنْ النُّقْرَةِ السَّوْدَاءِ إلَّا الدَّرَاهِمَ التِّجَارِيَّةَ حَتَّى إنَّهُ لَوْ بَاعَ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ بِيضٍ، وَقَبَضَ مَكَانَ الدَّرَاهِمِ الْبِيضِ التِّجَارِيَّةَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ اسْتِبْدَالًا لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَبَضَ الدَّرَاهِمَ فَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ ضَرْبًا آخَرَ مِنْ الدَّنَانِيرِ سِوَى مَا عَيَّنَهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاهُ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ كَانَ مُسْتَوْفِيًا لَا مُسْتَبْدِلًا لِكَوْنِ الْجِنْسِ وَاحِدًا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا عَيَّنَهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَإِنَّمَا اسْتَوْجَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذِمَّةِ صَاحِبِهِ مِثْلَ الْمُسَمَّى، وَقِيلَ هَذَا إذَا أَعْطَاهُ ضَرْبًا هُوَ دُونَ الْمُسَمَّى فَإِنْ أَعْطَاهُ ضَرْبًا هُوَ فَوْقَ الْمُسَمَّى فَلَا حَاجَةَ إلَى رِضَا مُشْتَرِي الدَّنَانِيرِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَاهُ حَقَّهُ، وَزِيَادَةً إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ فَإِنَّهُ يَقُولُ هُوَ مُتَبَرِّعٌ عَلَيْهِ بِزِيَادَةِ صِفَةٍ فَلَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ تَبَرُّعَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي السَّلَمِ. وَلَوْ اشْتَرَى أَلْفَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَمْ يُسَمِّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا شَيْئًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَقْدُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ هِيَ الْمُعَامَلَةُ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ، وَإِلَيْهِ يَنْصَرِفُ مُطْلَقُ التَّسْمِيَةِ، وَالتَّعْيِينُ بِالْعُرْفِ كَالتَّعْيِينِ بِالنَّصِّ يَقُولُ: وَإِذَا كَانَ بِالْكُوفَةِ فَهُوَ عَلَى دَنَانِيرَ كُوفِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ فِي الْبُلْدَانِ تَخْتَلِفُ وَتَتَفَاوَتُ فِي الْعِيَارِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ الْإِنْسَانُ بِمَا هُوَ النَّقْدُ الْمَعْرُوفُ فِيهَا فَإِذَا كَانَ بِبَلَدٍ نَقْدٌ مُخْتَلِفٌ مُتَفَاضِلٌ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ ضَرْبًا مِنْ ذَلِكَ مَعْلُومًا، وَالضَّرْبُ الْمَعْلُومُ أَنْ يَذْكُرَ مِنْ الدِّينَارِ نَيْسَابُورِيًّا، أَوْ كُوفِيًّا وَنَحْوَهُ، وَمِنْ الدَّرَاهِمِ عِطْرَبَعْثِيًّا، أَوْ مُؤَيَّدِيًّا، وَنَحْوَهُ إذَا كَانَتْ النُّقُودُ فِي الرَّوَاجِ سَوَاءً؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ بَعْضِهِ عِنْدَ إطْلَاقِ التَّسْمِيَةِ فَيَبْقَى الْمُسَمَّى مَجْهُولًا، وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَالْمُطَالِبُ يُطَالِبُ بِأَعْلَى النُّقُودِ، وَالْمَطْلُوبُ بِأَدْنَى النُّقُودِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْتَجُّ بِمُطْلَقِ التَّسْمِيَةِ فَلِهَذَا فَسَدَ الْعَقْدُ إذَا لَمْ يُسَمِّيَا ضَرْبًا مَعْلُومًا، وَإِنْ كَانَ نَقْدًا مِنْ ذَلِكَ مَعْرُوفًا، وَشَرَطَا فِي الْعَقْدِ نَقْدًا آخَرَ فَالْعَقْدُ يَنْعَقِدُ عَلَى النَّقْدِ الْمَشْرُوطِ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ النَّقْدِ الْغَالِبُ بِالْعُرْفِ، وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ عِنْدَ التَّنْصِيصِ بِخِلَافِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْمَائِدَةِ بَيْنَ يَدَيْ الْإِنْسَانِ إذْنٌ بِالتَّنَاوُلِ لِلْعُرْفِ، ثُمَّ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ إذَا قَالَ لَا تَأْكُلْ فَإِنْ اخْتَلَفَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: شَرَطْتَ لِي كَذَا؛ لِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ النَّقْدِ الْمَعْرُوفِ، وَقَالَ الْآخَرُ: لَمْ أَشْتَرِطْ لَك ذَلِكَ فَعَلَيْهِمَا الثَّمَنُ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي صِفَةِ الثَّمَنِ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي مِقْدَارِهِ لِأَنَّ الثَّمَنَ دَيْنٌ، وَالدَّيْنُ يُعْرَفُ بِصِفَتِهِ، وَالْجَيِّدُ مِنْهُ غَيْرُ الرَّدِيءِ حَتَّى إذَا حَضَرَا كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ الْآخَرِ، وَاخْتِلَافُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي الثَّمَنِ يُوجِبُ التَّحَالُفَ بِالنَّصِّ فَأَيُّهُمَا نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ كَإِقْرَارِهِ، وَإِنْ تَحَالَفَا تَرَادَّا، وَإِنْ قَامَتْ لَهُمَا الْبَيِّنَةُ أُخِذَتْ بَيِّنَةُ الَّذِي يَدَّعِي الْفَضْلَ مِنْهُمَا لِإِثْبَاتِ الزِّيَادَةِ فِيهَا. قَالَ: وَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ سَيْفًا مُحَلَّى بِفِضَّةٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ

стр. 2915

فَقَبَضَ السَّيْفَ وَلَمْ يَنْقُدْ الدَّنَانِيرَ لَمْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى بَاعَ الْمُشْتَرِي السَّيْفَ مِنْ آخَرَ، وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ، وَلَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ حَتَّى افْتَرَقُوا فَإِنَّهُ يَرُدُّ السَّيْفَ إلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ صَرْفٌ فَيَبْطُلُ بِالِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِذَا بَطَلَ الْعَقْدُ الثَّانِي رَجَعَ السَّيْفُ إلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ عَلَى الْمِلْكِ الَّذِي كَانَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَقَدْ فَسَدَ شِرَاؤُهُ أَيْضًا فَلَزِمَهُ رَدُّ الْمَقْبُوضِ إلَى الْبَائِعِ، وَلَوْ لَمْ يُفَارِقْ الْآخِرُ الْأَوْسَطَ حَتَّى فَارَقَ الْأَوَّلَ نَقَدَهُ الْآخِرُ جَازَ بَيْعُ الْأَوْسَطِ فِي السَّيْفِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ بِعَدَمِ تَمَامِ مِلْكِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَقَدْ تَمَّ الْعَقْدُ الثَّانِي بِالتَّقَابُضِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ، وَفَسَدَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ فَوَجَبَ عَلَى الْأَوْسَطِ رَدُّ السَّيْفِ، وَقَدْ عَجَزَ عَنْ رَدِّهِ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ فَارَقَهُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ إنَّ الْأَوْسَطَ بَاعَ السَّيْفَ مِنْ الْآخِرِ جَازَ بَيْعُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَإِنْ فَسَدَ بِالِافْتِرَاقِ فَقَدْ بَقِيَ مِلْكُهُ بِبَقَاءِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ فَسَادَ السَّبَبِ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ عِنْدَ الْقَبْضِ فَلَا يُمْنَعُ بَقَاؤُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، ثُمَّ بِتَقَرُّرِ بَيْعِهِ عَجَزَ عَنْ رَدِّهِ فَيَكُونُ ضَامِنًا قِيمَةَ السَّيْفِ لِصَاحِبِهِ، وَإِنْ بَاعَ الْأَوْسَطُ نِصْفَ السَّيْفِ ثُمَّ فَارَقَهُ الْأَوَّلُ ثُمَّ قَبَضَ مِنْ الْآخِرِ الثَّمَنَ، وَدَفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ السَّيْفِ، أَوْ لَمْ يَدْفَعْ حَتَّى جَاءَ الْأَوَّلُ وَخَاصَمَهُمْ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إلَى الْأَوَّلِ نِصْفَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ فِي نِصْفِ السَّيْفِ، وَقَدْ فَسَدَ السَّبَبُ فِيهِ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ، وَقَدْ جَازَ الْبَيْعُ فِي نِصْفِهِ فَيَضْمَنُ الْأَوْسَطُ نِصْفَ قِيمَةِ السَّيْفِ لِلْأَوَّلِ مِنْ الذَّهَبِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى الرِّبَا إذَا ضَمِنَ قِيمَتَهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ. قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى أَلْفَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَنَقَدَ الدَّنَانِيرَ وَقَالَ الْآخِرُ: اجْعَلْ الدَّرَاهِمَ قِصَاصًا بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي لِي عَلَيْك فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَبَى لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ قِصَاصًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُقَاصَّةَ بَدَلَ الصَّرْفِ بِدَيْنٍ سَبَقَ وُجُوبُهُ عَلَى عَقْدِ الصَّرْفِ يَجُوزُ عِنْدَنَا - اسْتِحْسَانًا - إذَا اتَّفَقْنَا عَلَيْهِ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا تَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّ بِالْعَقْدِ الْمُطْلَقِ يَصِيرُ قَبْضُ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ مُسْتَحَقًّا، وَفِي الْمُقَاصَّةِ تَفْوِيتُ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ، فَلَا يَجُوزُ بِتَرَاضِيهِمَا كَمَا لَا يَجُوزُ الْإِبْرَاءُ عَنْ بَدَلِ الصَّرْفِ، وَالِاسْتِبْدَالُ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ فِي الْمُقَاصَّةِ يَكُونُ آخِرُ الدَّيْنَيْنِ قَضَاءً عَنْ أَوَّلِهِمَا، وَلَا يَكُونُ أَوَّلُهُمَا قَضَاءً عَنْ آخِرِهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَتْلُو الْوُجُوبَ وَلَا يَسْبِقُهُ فَلَوْ جَوَّزْنَا هَذِهِ الْمُقَاصَّةَ صَارَ قَاضِيًا بِبَدَلِ الصَّرْفِ الدَّيْنَ الَّذِي كَانَ وَاجِبًا، وَبَدَلُ الصَّرْفِ يَجِبُ قَبْضُهُ وَلَا يَجُوزُ قَضَاءُ دَيْنٍ آخَرَ بِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ فَإِنَّهُمَا لَوْ جَعَلَاهُ قِصَاصًا بِدَيْنٍ سَبَقَ وُجُوبُهُ لَمْ يَجُزْ فَكَذَلِكَ بَدَلُ الصَّرْفِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَيْنٌ مُسْتَحَقٌّ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَوَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُمَا لَمَّا اتَّفَقَا فَقَدْ حَوَّلَا عَقْدَ الصَّرْفِ إلَى ذَلِكَ الدَّيْنِ، وَلَوْ أَضَافَا الْعَقْدَ

стр. 2916

إلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ جَازَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِالْعَشَرَةِ الَّتِي عَلَيْهِ دِينَارًا وَيَقْبِضَ الدِّينَارَ فِي الْمَجْلِسِ فَكَذَلِكَ إذَا حَوَّلَا الْعَقْدَ إلَيْهِ فِي الِانْتِهَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا تَصْحِيحَ هَذِهِ الْمُقَاصَّةِ، فَلَا طَرِيقَ لَهُ سِوَى هَذَا، وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْمَقْصُودِ إلَّا بِهِ يَكُونُ مَقْصُودُ الْكُلِّ وَاحِدًا، وَلِهَذَا شَرَطْنَا تَرَاضِيهِمَا عَلَى الْمُقَاصَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ الْمُقَاصَّةُ تَقَعُ بِدُونِ التَّرَاضِي؛ لِأَنَّ هَذَا تَحْوِيلُ الْعَقْدِ إلَى ذَلِكَ الدَّيْنِ، وَالْعَقْدُ قَدْ تَمَّ بِهِمَا فَالتَّصَرُّفُ بِهِ بِالتَّحْوِيلِ لَا يَكُونُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا، وَعِنْدَ التَّرَاضِي الْعَقْدُ الْقَائِمُ بَيْنَهُمَا حَقُّهُمَا، وَيَمْلِكَانِ اسْتِدَامَتَهُ وَرَفْعَهُ فَيَمْلِكَانِ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِالتَّحْوِيلِ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ وَهَذَا خَيْرٌ مِمَّا يَقُولُهُ الْعِرَاقِيُّونَ ﵏ إنَّ عِنْدَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْمُقَاصَّةِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُمَا فَسَخَا الْعَقْدَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ جَدَّدَاهُ مُضَافًا إلَى ذَلِكَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الطَّرِيقُ هَذَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِقَالَةِ يَصِيرُ رَدُّ الْمَقْبُوضِ مُسْتَحَقًّا فِي الْمَجْلِسِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمَا لَوْ جَعَلَا بَدَلَ الصَّرْفِ قِصَاصًا بِدَيْنٍ تَأَخَّرَ وُجُوبُهُ عَنْ عَقْدِ الصَّرْفِ لَا يَجُوزُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلَوْ كَانَ التَّصْحِيحُ بِطَرِيقِ الْفَسْخِ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ لَجَازَ، وَالدَّيْنُ الْمُتَقَدِّمُ وَالْمُتَأَخِّرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ تَحْوِيلَ الْعَقْدِ إلَى مَا كَانَ يَصْلُحُ مِنْهُمَا إضَافَةُ الْعَقْدِ إلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَذَلِكَ فِي الدَّيْنِ الَّذِي سَبَقَ وُجُوبُهُ عَلَى عَقْدِ الصَّرْفِ دُونَ مَا تَأَخَّرَ وُجُوبُهُ عَنْهُ. وَأَشَارَ فِي الزِّيَادَاتِ إلَى أَنَّ الْمُقَاصَّةَ أَيْضًا تَقَعُ بِالدَّيْنِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ عَقْدِ الصَّرْفِ، وَذَكَرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ مِثْلَ مَا ذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ هُوَ الْأَوَّلُ، وَبِهَذَا فَارَقَ رَأْسُ الْمَالِ السَّلَمَ فَإِنَّهُمَا لَوْ أَضَافَا عَقْدَ السَّلَمِ إلَى رَأْسِ مَالٍ هُوَ دَيْنٌ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إذَا افْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ فَكَذَلِكَ إذَا حَوَّلَا الْعَقْدَ إلَيْهِ فِي الِانْتِهَاءِ بِخِلَافِ عَقْدِ الصَّرْفِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ رَأْسَ الْمَالِ هُنَاكَ دَيْنٌ، وَبِالْمُقَاصَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ رَأْسُ الْمَالِ فَيَكُونُ دَيْنًا بِدَيْنٍ، وَهُنَا مَا يُقَابِلُ الدَّيْنَ غَيْرُ مَقْبُوضٍ فِي الْمَجْلِسِ، وَالِافْتِرَاقُ عَنْ عَيْنٍ بِدَيْنٍ جَائِزٌ فَإِنْ أَدَّى بَعْضَ الدَّرَاهِمِ، ثُمَّ فَارَقَهُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْبَقِيَّةَ انْتَقَصَ مِنْ الصَّرْفِ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ وَالْفَسَادُ لِمَعْنًى طَارِئٍ فِي بَعْضِ الْعَقْدِ لَا يَتَعَدَّى إلَى مَا بَقِيَ، وَلَوْ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا وَكِيلًا بِالدَّفْعِ وَالْقَبْضِ جَازَ بَعْدَ أَنْ يَقْبِضَ الْوَكِيلُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَ الْمُتَعَاقِدَانِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِذَهَابِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْمُتَعَاقِدِينَ، وَفِعْلُ وَكِيلِ أَحَدِهِمَا لَهُ كَفِعْلِهِ بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا بِثَمَنِ الصَّرْفِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ لِمَا فِي الِاسْتِبْدَالِ مِنْ تَفْوِيتِ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ فِي الْمَجْلِسِ، وَلِأَنَّ الْقَبْضَ مُعْتَبَرُ التَّعْيِينِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ عَقْدُ الصَّرْفِ بِطَرِيقِ الِاسْتِبْدَالِ

стр. 2917

وَكَذَلِكَ لَا يَشْتَرِي بِهِ مِنْ غَيْرِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الدَّيْنِ مَعَ مَنْ عَلَيْهِ أَقْرَبُ إلَى النُّقُودِ مِنْهُ مَعَ غَيْرِهِ فَإِذَا لَمْ يَجُزْ الِاسْتِبْدَالُ بِبَدَلِ الصَّرْفِ مَعَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَمَعَ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ وَإِذَا اشْتَرَى إبْرِيقَ فِضَّةٍ وَزْنُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَنَقَدَ خَمْسَمِائَةٍ وَقَبَضَ الْإِبْرِيقَ ثُمَّ افْتَرَقَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ نِصْفُ الْإِبْرِيقِ، وَيَبْطُلُ نِصْفُهُ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ وَلَا يَتَخَيَّرُ فِي الرَّدِّ بِسَبَبِ عَيْبِ التَّبْعِيضِ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِهِ حِينَ لَمْ يَنْقُدْ بَعْضَ الْبَدَلِ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْإِبْرِيقِ فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ التَّبْعِيضَ فِي الْأَمْلَاكِ الْمُجْتَمَعَةِ عَيْبٌ فَإِنْ تَقَاصَّا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ ثُمَّ وَجَدَ بِالْإِبْرِيقِ عَيْبًا كَثِيرًا أَوْ هَشِيمًا غَيْرَ نَافِذٍ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ اسْتَحَقَّ صِفَةَ السَّلَامَةِ، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ بِوُجُودِ الْعَيْبِ. وَالْقَلْبُ وَالطَّوْقُ وَالْمِنْطَقَةُ وَالسَّيْفُ الْمُحَلَّى بِمَنْزِلَةِ الْإِبْرِيقِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ حِينَ وَجَدَ الْعَيْبَ بِالْإِبْرِيقِ لَمْ يَرُدَّهُ حَتَّى انْكَسَرَ عِنْدَهُ لَمْ يَسْتَطِعْ رَدَّهُ؛ لِأَنَّهُ بِالرَّدِّ يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْحِقَ الضَّرَرَ بِالْبَائِعِ، وَفِي الرَّدِّ بَعْدَ حُدُوثِ الْعَيْبِ إلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِ، وَلَا يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ، فَإِذَا رَجَعَ بِهِ يَصِيرُ الْعَقْدُ رِبًا؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى بِمُقَابَلَةِ الْإِبْرِيقِ أَقَلُّ مِنْ وَزْنِهِ مِنْ الْفِضَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ دَنَانِيرَ فَيَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا رِبَا عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِهِ عَيْبًا وَلَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ نِصْفَهُ وَلَمْ يَرُدَّ النِّصْفَ الْبَاقِيَ عَلَى الْبَائِعِ حَتَّى انْكَسَرَ الْإِبْرِيقُ لَزِمَهُ النِّصْفُ الْبَاقِي بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ فِيهِ، وَرَجَعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي النِّصْفِ الْمُسْتَحَقِّ قَدْ بَطَلَ. وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ، وَنَقَدَهُ الدِّينَارَ، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَتَرَاضَيَا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْعَشَرَةُ قِصَاصًا بِبَدَلِ الصَّرْفِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ تَأَخَّرَ وُجُوبُهُ عَنْ عَقْدِ الصَّرْفِ، وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِبْدَالِ. وَإِنْ اسْتَقْرَضَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ بَائِعِ الدِّينَارِ، ثُمَّ قَضَاهَا إيَّاهُ بَعْدَ مَا قَبَضَهَا جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُقْرَضَ صَارَ مَمْلُوكًا لَهُ بِالْقَبْضِ، وَصَارَ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَقْرَضَ مِنْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الِافْتِرَاقَ عَنْ مَجْلِسِ عَقْدِ الصَّرْفِ قَدْ حَصَلَ بَعْدَ قَبْضِ الْبَدَلَيْنِ، وَإِنَّمَا الْبَاقِي لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ بَدَلُ الْقَرْضِ. وَإِذَا اشْتَرَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ وَتَقَابَضَا إلَّا دِرْهَمًا وَاحِدًا بَقِيَ مِنْ الْعَشَرَةِ فَأَرَادَ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ الدَّرَاهِمَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ عُشْرَ الدِّينَارِ حِينَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْآخَرِ الدِّرْهَمُ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فَسَدَ فِي عُشْرِ الدِّينَارِ بِالِافْتِرَاقِ قَبْل قَبْضِ الدِّرْهَمِ، وَهَذِهِ مَطْعُونَةُ عِيسَى وَقَدْ بَيَّنَّاهَا، فَإِنْ اشْتَرَى مِنْهُ بِعُشْرِ الدِّينَارِ فُلُوسًا أَوْ عَرَضًا مُسَمًّى جَازَ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الصَّرْفِ لَمَّا فَسَدَ فِيهِ بَقِيَ مِلْكًا لَهُ فِي يَدِ صَاحِبِهِ أَوْ دَيْنًا لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَاجِبًا بِسَبَبِ الْقَبْضِ دُونَ عَقْدِ

стр. 2918

الصَّرْفِ فَيَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ كَبَدَلِ الْقَرْضِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ فَالدَّرَاهِمُ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ بِعَقْدِ الصَّرْفِ، وَالِاسْتِبْدَالُ بِبَدَلِ الصَّرْفِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ. وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ قَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَبَاعَ دَيْنَهُ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَقَبَضَ الدَّنَانِيرَ لَمْ يَجُزْ وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الدَّنَانِيرَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يُرَدُّ إلَّا عَلَى مَالٍ مُتَقَوِّمٍ، وَمَا فِي ذِمَّةِ زَيْدٍ لَا يَكُونُ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي حَقِّ عَمْرٍو فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ، وَلَا يَدْرِي مَتَى يَسْتَوْفِي، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ النَّقْدُ الْمُضَافُ إلَيْهِ يَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَالشِّرَاءُ بِالدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ سَوَاءٌ كُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ الشِّرَاءُ بِالدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ صَحِيحٌ كَمَا يَصِحُّ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّيْنِ الْمُضَافِ إلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى بِالدَّيْنِ الْمَظْنُونِ شَيْئًا ثُمَّ تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ كَانَ الشِّرَاءُ صَحِيحًا بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ فِي ذِمَّتِهِ فَكَذَلِكَ هُنَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا لِأَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى عَيْنٍ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ لِتَتْمِيمِ الْمِلْكِ فِيهِ، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ عِنْدَ إضَافَةِ الشِّرَاءِ إلَى الدَّيْنِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: مِلْكُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِالْبَدَلِ، وَإِذَا مَلَكَ بِغَيْرِ بَدَلٍ لَمْ يَجُزْ فَإِذَا مَلَكَهُ بِبَدَلٍ أَوْلَى ثُمَّ لِلْفَسَادِ هُنَا طَرِيقَتَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِإِضَافَةِ الشِّرَاءِ إلَى ذَلِكَ الدَّيْنِ يَصِيرُ كَأَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ الْأَجَلَ إلَى أَنْ يَخْرُجَ ذَلِكَ الدَّيْنُ فَيَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الثَّمَنِ، وَلَا يَدْرِي مَتَى يَخْرُجُ، وَشَرْطُ الْأَجَلِ الْمَجْهُولِ مُفْسِدٌ لِلْبَيْعِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الْمُشْتَرِي فِي ذِمَّةِ غَيْرِ الْمُشْتَرِي مُسْتَحَقًّا بِالشِّرَاءِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَبِهِ فَارَقَ مَا إذَا اشْتَرَى بِالدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ أَوْ اشْتَرَى بِالدَّيْنِ الْمَظْنُونِ شَيْئًا. وَإِذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ أَوْ الدَّنَانِيرُ وَدِيعَةً عِنْدَ رَجُلٍ فَبَاعَ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ، أَوْ الدَّنَانِيرَ بِالدَّرَاهِمِ، وَتَقَابَضَا فَجَاءَ صَاحِبُهَا فَأَخَذَهَا مِنْ الْبَائِعِ فَإِنْ كَانَا لَمْ يَتَفَرَّقَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ اُسْتُحِقَّ فَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَتَقَابَضَا إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ، وَإِنَّمَا انْعَقَدَ الْعَقْدُ بِمِثْلِ مَا عَيَّنَهُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَا قَدْ افْتَرَقَا يَبْطُلُ الصَّرْفُ إذَا أَخَذَهَا الْمُسْتَحِقُّ لِانْتِقَاضِ الْقَبْضِ بِالِاسْتِحْقَاقِ مِنْ الْأَصْلِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهَا الْمُسْتَحِقُّ وَلَكِنَّهُ أَجَازَ الْبَيْعَ جَازَ ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَكَانَ لَهُ مِثْلُهَا عَلَى الْمُودَعِ، وَقَالَ زُفَرُ: الصَّرْفُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الِافْتِرَاقَ حَصَلَ قَبْلَ الْمِلْكِ فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ لَا يَمْلِكُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ وَقَبْلَ تَمَامِ الْقَبْضِ فَإِنَّ الْمَوْقُوفَ لَا يَكُونُ تَامًّا، فَلَا يَنْفُذُ الْعَقْدُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْإِجَازَةِ، كَمَا لَوْ افْتَرَقَا وَلِأَحَدِهِمَا شَرْطُ خِيَارٍ، ثُمَّ أُسْقِطَ الْخِيَارُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: افْتَرَقَا بَعْدَ تَمَامِ السَّبَبِ وَبَعْدَ تَمَامِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْمَوْقُوفَ سَبَبُ مِلْكٍ تَامٍّ

стр. 2919

فَالْقَبْضُ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ يَكُونُ تَامًّا أَيْضًا، وَإِنَّمَا فِيهِ خِيَارٌ حُكْمِيٌّ لِلْمُسْتَحِقِّ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ كَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ فَإِذَا أُسْقِطَ هَذَا الْخِيَارُ بِالْإِجَازَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الِافْتِرَاقَ حَصَلَ عَنْ قَبْضٍ تَامٍّ فَالْإِجَازَةُ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ بِخِلَافِ شَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْعَقْدَ فِي حَقِّ الْحُكْمِ كَالْمُتَعَلِّقِ بِالشَّرْطِ عَلَى مَا بَيَّنَهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَإِنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ إبْرِيقَ فِضَّةٍ فَبَاعَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَتَقَابَضَا فَأَجَازَ صَاحِبُهُ الْبَيْعَ كَانَ الثَّمَنُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُودِعَ هُنَا بَائِعُ الْإِبْرِيقِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعُرُوضِ، وَمَنْ بَاعَ مِلْكَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَأَجَازَ صَاحِبُهُ كَانَ الثَّمَنُ لَهُ، وَفِي الْأَوَّلِ الْمُودِعُ مُشْتَرِي الدَّنَانِيرِ لِنَفْسِهِ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ نَقَدَ دَرَاهِمَ الْوَدِيعَةِ دَيْنًا عَلَيْهِ فَكَانَ مُسْتَقْرِضًا فَإِذَا أَجَازَهُ صَاحِبُهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِثْلُ دَرَاهِمِهِ. وَإِنْ اشْتَرَى رَجُلٌ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَدِينَارًا بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَنَا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْعَشَرَةُ بِالْعَشَرَةِ، وَالْفَضْلُ بِالدِّينَارِ. وَلَوْ اشْتَرَى دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا بِدِينَارَيْنِ أَوْ دِرْهَمَيْنِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَنَا - اسْتِحْسَانًا - عَلَى أَنْ يُصْرَفَ الْجِنْسُ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي السَّلَمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْخِيَارِ فِي الصَّرْفِ] قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَاشْتَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِ يَوْمًا فَإِنْ بَطَلَ الْخِيَارُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا جَازَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يُبْطِلَهُ، وَقَدْ تَقَابَضَا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُمَا تَفَرَّقَا قَبْلَ تَمَامِ الْقَبْضِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْخِيَارَ يَدْخُلُ عَلَى حُكْمِ الْعَقْدِ فَيَجْعَلُهُ مُتَعَلِّقًا بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ " شَرْطٌ، وَلَا يُمْكِنُ إدْخَالُهُ عَلَى نَفْسِ السَّبَبِ فَالْبَيْعُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ فَيُجْعَلُ دَاخِلًا عَلَى الْحُكْمِ، وَلَوْ دَخَلَ عَلَى السَّبَبِ كَانَ دَاخِلًا عَلَى الْحُكْمِ أَيْضًا، وَمَعْنَى الْغَرَرِ أَنَّ إدْخَالَهُ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ أَقَلُّ، وَالْقَبْضُ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ، وَالْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَهُ فَإِذَا سَقَطَ الْخِيَارُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا فَإِنَّمَا افْتَرَقَا بَعْدَ قَبْضٍ تَامٍّ، وَإِذَا افْتَرَقَا قَبْلَ إسْقَاطِ الْخِيَارِ فَإِنَّمَا افْتَرَقَا قَبْلَ تَمَامِ الْقَبْضِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِنَا أَنَّ الْمُفْسِدَ إذَا زَالَ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ يَصِيرُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، خِلَافًا لِزُفَرَ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْبُيُوعِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لَهُمَا طَالَتْ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ، وَكَذَلِكَ الْإِنَاءُ بِالْمَصُوغِ، وَالسَّيْفُ الْمُحَلَّى وَالطَّوْقُ مِنْ الذَّهَبِ فِيهِ لُؤْلُؤٌ، وَجَوْهَرٌ لَا يَتَخَلَّصُ إلَّا بِكَسْرِ الطَّوْقِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي حِصَّةِ الطَّوْقِ يَفْسُدُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَيَفْسُدُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَصِلُ الْبَعْضُ عَنْ الْبَعْضِ فِي التَّسْلِيمِ إلَّا بِضَرَرٍ فَأَمَّا اللِّجَامُ الْمُمَوَّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ فَإِنَّ شَرْطَ

стр. 2920

الْخِيَارِ فِي بَيْعِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ التَّمْوِيهَ لَا يَتَخَلَّصُ، وَلَا يَكُونُ الْعَقْدُ بِاعْتِبَارِهِ صَرْفًا، وَاشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيمَا سِوَى الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ مِنْ الْبُيُوعِ صَحِيحٌ. وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً وَطَوْقَ ذَهَبٍ فِيهِ خَمْسُونَ دِينَارًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَاشْتَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِمَا يَوْمًا فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ فِي الْجَارِيَةِ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الْعَقْدِ عِنْدَهُمَا فِي بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ لَا يَتَعَدَّى إلَى مَا بَقِيَ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا وُجِدَ فِيهِ الْعِلَّةُ الْمُفْسِدَةُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَتَعَدَّى إلَى مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْعَقْدِ فِيمَا فَسَدَ فِيهِ الْعَقْدُ شَرْطٌ لِقَبُولِهِ فِيمَا بَقِيَ، وَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْأَصْلَ فِي الْبُيُوعِ، وَهُمَا يُفَرِّقَانِ بَيْنَ هَذَا وَالْأَوَّلِ فَيَقُولَانِ هُنَاكَ يَتَعَذَّرُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ فِي حِصَّةِ الْمَبِيعِ لِمَا فِي تَمَيُّزِ الْبَعْضِ مِنْ الْبَعْضِ مِنْ الضَّرَرِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَمْيِيزِ الْجَارِيَةِ مِنْ الطَّوْقِ فِي التَّسْلِيمِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهُمَا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَشَرَطَ الْأَجَلَ فَاشْتِرَاطُ الْأَجَلِ هُنَا كَاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا تَرَكَ التَّقَابُضَ حَتَّى افْتَرَقَا فَإِنَّهُ يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي حِصَّةِ الطَّوْقِ دُونَ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ الْمُقَيَّدِ هُنَاكَ طَارِئٌ، وَقَدْ وُجِدَ فِي الْبَعْضِ؛ وَهُوَ حِصَّةُ الصَّرْفِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى مَا بَقِيَ، وَعِنْدَ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ، أَوْ الْأَجَلُ الْمُفْسِدُ مُقَارِنٌ لِلْعَقْدِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْكُلِّ مَعْنَى " مِنْ " حَيْثُ إنَّ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي الْبَعْضِ يَكُونُ شَرْطًا لِقَبُولِهِ فِي الْبَاقِي، وَإِنْ اشْتَرَاهُمَا بِحِنْطَةٍ أَوْ عَرَضٍ وَاشْتَرَطَ الْخِيَارَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ، وَلَيْسَ بِصَرْفٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى رَطْلًا مِنْ نُحَاسٍ بِدِرْهَمٍ وَاشْتَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرْفٍ، وَالْخِيَارُ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَا لَيْسَ بِصَرْفٍ يَعْنِي: كُلُّ بَيْعٍ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ، فَالصَّرْفُ مُبَادَلَةُ الْأَثْمَانِ بَعْضِهَا بِبَعْضِ، اتَّفَقَ الْجِنْسُ أَوْ اخْتَلَفَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْبَيْعِ بِالْفُلُوسِ] وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ فُلُوسًا بِدَرَاهِمَ وَنَقَدَ الثَّمَنَ، وَلَمْ تَكُنْ الْفُلُوسُ عِنْدَ الْبَائِعِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْفُلُوسَ الرَّابِحَةَ ثَمَنٌ كَالنُّقُودِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الْعَقْدِ فِي الثَّمَنِ وُجُوبُهَا وَوُجُودُهَا مَعًا، وَلَا يُشْتَرَطُ قِيَامُهَا فِي مِلْكِ بَائِعِهَا لِصِحَّةِ الْعَقْدِ كَمَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ. وَإِنْ اسْتَقْرَضَ الْفُلُوسَ مِنْ رَجُلٍ وَدَفَعَ إلَيْهِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ أَوْ بَعْدَهُ فَهُوَ جَائِزٌ إذَا كَانَ قَدْ قَبَضَ الدَّرَاهِمَ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُمَا قَدْ افْتَرَقَا عَنْ عَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي عَيْنِ الصَّرْفِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ التَّقَابُضُ فِي الصَّرْفِ بِمُقْتَضَى اسْمِ الْعَقْدِ، وَبَيْعُ الْفُلُوسِ بِالدَّرَاهِمِ لَيْسَ بِصَرْفٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ افْتَرَقَا بَعْدَ قَبْضِ

стр. 2921

الْفُلُوسِ قَبْلَ قَبْضِ الدَّرَاهِمِ، وَعَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ زُفَرَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - لَا يَجُوزُ هَذَا الْعَقْدُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِ زُفَرَ أَنَّ الْفُلُوسَ الرَّائِجَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ تَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ إذَا عُيِّنَتْ، وَإِذَا كَانَتْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا فَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهَا حَرْفُ الْبَاءِ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ، وَإِنْ صَحِبَهَا حَرْفُ الْبَاءِ، وَبِمُقَابَلَتِهَا عِوَضٌ يَجُوزُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهَا ثَمَنٌ، وَإِنْ كَانَ بِمُقَابَلَتِهَا النَّقْدُ - لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ مَبِيعَةً إذَا قَابَلَهَا مَا لَا يَكُونُ إلَّا ثَمَنًا أَمَّا عِنْدَنَا فَالْفُلُوسُ الرَّائِجَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأَثْمَانِ؛ لِاصْطِلَاحِ النَّاسِ عَلَى كَوْنِهَا ثَمَنًا لِلْأَشْيَاءِ فَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالْقَدْرِ الْمُسَمَّى مِنْهَا فِي الذِّمَّةِ، وَيَكُونُ ثَمَنًا، عُيِّنَ أَوْ لَمْ يُعَيَّنْ كَمَا فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى افْتَرَقَا بَطَلَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ، وَالدَّيْنُ بِالدَّيْنِ لَا يَكُونُ عَقْدًا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ. وَذَكَرَ فِي الْإِمْلَاءِ عَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ اشْتَرَى مِائَةَ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ عَلَى أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ، وَتَفَرَّقَا بَعْدَ الْقَبْضِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتِمُّ مَعَ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ فَكَأَنَّهُمَا تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ. وَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ مَشْرُوطًا لِأَحَدِهِمَا فَتَفَرَّقَا بَعْدَ التَّقَابُضِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ يَتِمُّ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخِيَارَ فِي الْبَدَلِ الَّذِي مِنْ جَانِبِهِ، وَقَبْضُ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ هُنَا يَكْفِي بِخِلَافِ الصَّرْفِ، وَلَكِنَّ هَذَا التَّفْرِيعَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْمَشْرُوطُ لَهُ الْخِيَارُ يَمْلِكُ عَرَضَ صَاحِبِهِ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْمَشْرُوطُ لَهُ الْخِيَارُ كَمَا لَا يَمْلِكُ عَلَيْهِ الْبَدَلَ الَّذِي مِنْ جَانِبِهِ لَا يَمْلِكُ الْبَدَلَ مِنْ جَانِبِ صَاحِبِهِ، فَاشْتِرَاطُ الْخِيَارِ لِأَحَدِهِمَا يَمْنَعُ تَمَامَ الْقَبْضِ فِيهِمَا جَمِيعًا. وَإِنْ اشْتَرَى خَاتَمَ فِضَّةٍ أَوْ خَاتَمَ ذَهَبٍ فِيهِ فَصٌّ، أَوْ لَيْسَ فِيهِ فَصٌّ بِكَذَا فَلْسًا، وَلَيْسَتْ الْفُلُوسُ عِنْدَهُ فَهُوَ جَائِزٌ إنْ تَقَابَضَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ لَمْ يَتَقَابَضَا؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ، وَلَيْسَ بِصَرْفٍ فَإِنَّمَا افْتَرَقَا عَنْ عَيْنٍ بِدَيْنٍ؛ لِأَنَّ الْخَاتَمَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعَيُّنِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ؛ فَلِهَذَا شُرِطَ هُنَاكَ قَبْضُ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ هُنَا، وَكَذَلِكَ مَا اشْتَرَى مِنْ الْعُرُوضِ بِالْفُلُوسِ لَوْ اشْتَرَى بِهَا فَاكِهَةً أَوْ لَحْمًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْفُلُوسَ ثَمَنٌ كَالدَّرَاهِمِ. وَلَوْ اشْتَرَى عَيْنًا بِدِرْهَمٍ جَازَ الْعَقْدُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَسَوَاءٌ قَالَ اشْتَرَيْت مِثْلَ كَذَا فَلْسًا بِدِرْهَمٍ، أَوْ دِرْهَمًا بِكَذَا فَلْسًا؛ لِأَنَّ الْفُلُوسَ الرَّائِجَةَ ثَمَنٌ كَالنَّقْدِ عِنْدَنَا، صَحِبَهَا حَرْفُ الْبَاءِ أَوْ لَمْ يَصْحَبْهَا، وَقِيَامُ الْمِلْكِ فِي الثَّمَنِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَإِنْ اشْتَرَى مَتَاعًا بِعَشَرَةِ أَفْلُسٍ بِعَيْنِهَا فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَ غَيْرَهَا مِمَّا يَجُوزُ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِنْ أَعْطَاهَا بِعَيْنِهَا فَوَجَدَ فِيهَا فَلْسًا لَا يُنْفَقُ اسْتَبْدَلَهُ كَمَا يَسْتَبْدِلُ الزَّيْفَ فِي الدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ ثَمَنًا فَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَيْعَ فَلْسٍ بِعَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذِهِ الْفُصُولِ فِي الْبُيُوعِ إلَّا

стр. 2922

أَنَّهُ هُنَاكَ ذَكَرَ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَهُنَا ذَكَرَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَوْلَ أَبِي يُوسُفَ، وَعَلَّلَ لَهُمَا فَقَالَ: لَا يُوزَنُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَصْنُوعٌ مِنْ النُّحَاسِ لَا يُعْتَادُ وَزْنُهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْأَوَانِي الَّتِي لَا تُبَاعُ وَزْنًا، وَبَيْعُ قَمْقَمَةٍ بِعَيْنِهَا بِقَمْقَمَتَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا يَجُوزُ فَكَذَلِكَ الْفُلُوسُ. وَإِذَا اشْتَرَى مِائَةَ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ فَنَقَدَ الدِّرْهَمَ، وَقَبَضَ مِنْ الْفُلُوسِ خَمْسِينَ، وَكَسَدَتْ الْفُلُوسُ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْخَمْسِينَ النَّافِقَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَسَدَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ مِنْهَا شَيْئًا بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الْكُلِّ فَكَذَلِكَ إذَا كَسَدَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ بَعْضَهَا اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ إذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً حَتَّى جَازَ الْعَقْدُ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِالْكَسَادِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَتَنَاوَلُ عَيْنَهَا، وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ بَعْدَ الْكَسَادِ، وَهُوَ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْعَقْدُ تَنَاوَلَهَا بِصِفَةِ الثَّمَنِيَّةِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهَا مَا دَامَتْ رَائِجَةً فَهِيَ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ثَمَنًا، وَبِالْكَسَادِ تَنْعَدِمُ مِنْهَا صِفَةُ الثَّمَنِيَّةِ فَفِي حِصَّةِ مَا لَمْ يَقْبِضْ انْعِدَامُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَانَ صِفَةُ الثَّمَنِيَّةِ فِي الْفُلُوسِ كَصِفَةِ الْمَالِيَّةِ فِي الْأَعْيَانِ، وَلَوْ انْعَدَمَتْ الْمَالِيَّةُ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ بِتَخْمِيرِ الْعَصِيرِ فَسَدَ الْعَقْدُ فَهَذَا مِثْلُهُ، ثُمَّ يَرُدُّ الْبَائِعُ النِّصْفَ دِرْهَمٍ الَّذِي قَبْضَهُ لِفَسَادِ الْعَقْدِ فِيهِ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِذَلِكَ النِّصْفِ الدِّرْهَمِ مَا أَحَبَّ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَجَبَ بِسَبَبِ الْقَبْضِ فَكَانَ مِثْلَ بَدَلِ الْقَرْضِ، وَلَوْ لَمْ تَكْسُدْ، وَلَكِنَّهَا رَخُصَتْ، أَوْ غَلَتْ لَمْ يَفْسُدْ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الثَّمَنِيَّةِ فِي الْفُلُوسِ، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ رَغَائِبُ النَّاسِ فِيهَا، وَبِذَلِكَ لَا يُفَوَّتُ الْبَدَلُ، وَلَا يَتَعَيَّبُ، وَلِلْمُشْتَرِي مَا بَقِيَ مِنْ الْفُلُوسِ، وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَلَوْ اشْتَرَى مِائَةَ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى بَاعَهَا مِنْ آخَرَ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْفُلُوسَ دَيْنًا فَإِنَّمَا بَاعَ الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُبَادَلَةَ بِالدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ الْآخَرُ الدِّرْهَمَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْ رَجُلٍ بِفُلُوسٍ، أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ لِهَذَا الْمَعْنَى. قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى مِائَةَ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى بَاعَ مِنْ رَجُلٍ تِسْعِينَ فَلْسًا بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ قَبَضَ تِلْكَ الْفُلُوسَ، وَنَقَدَ مِنْهَا تِسْعِينَ، وَاسْتَفْصَلَ عَشَرَةَ فَهُوَ جَائِزٌ مُسْتَقِيمٌ كَمَا لَوْ قَبَضَ الْمِائَةَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ الثَّانِي يَلْتَزِمُ الْفُلُوسَ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا يُضِيفُ الْعَقْدَ إلَى دَيْنٍ فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ فَيَكُونُ صَحِيحًا، وَالرِّبْحُ إنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ عَلَى مِلْكِهِ، وَضَمَانِهِ فَيَكُونُ طَيِّبًا لَهُ. . وَإِنْ اشْتَرَى فَاكِهَةً، أَوْ غَيْرَهَا بِدَانِقِ فُلُوسٍ، أَوْ بِقِيرَاطِ فُلُوسٍ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ، وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِدِرْهَمِ فُلُوسٍ، كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ فِي الدِّرْهَمِ أَفْحَشُ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمِ الْجَوَازِ، وَالْفَسَادِ هُنَا، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَا دُونَ الدِّرْهَمِ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ قَالَ بِدِرْهَمِ فُلُوسٍ، أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْبُخَارِيِّ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْكُلِّ

стр. 2923

وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يُبَيِّنْ عَدَدَ الْفُلُوسِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّانَقِ، وَلَا بِالدَّرَاهِمِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفُلُوسِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الْعَدَدِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَسْمِيَةِ الدَّانَقِ، وَالدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ يَسْتَقْصُونَ فِي بَيْعِ الْفُلُوسِ، وَقَدْ يَتَسَامَحُونَ؛ وَلِأَنَّ الدَّانَقَ، وَالدِّرْهَمَ ذِكْرٌ لِلْوَزْنِ، وَالْفُلُوسُ عَدَدِيٌّ فَيَلْغُو اعْتِبَارُ ذِكْرِ الْوَزْنِ فِيهِ بِنَفْيِ ذِكْرِ الْفُلُوسِ، فَلَا يَجُوزُ الْعَقْدُ إلَّا بِبَيَانِ الْعَدَدِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَسْمِيَةِ الدَّانَقِ، وَالدَّرَاهِمِ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ بِذِكْرِ الدَّانَقِ وَالدِّرْهَمِ يَصِيرُ عَدَدُ الْفُلُوسِ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ قَدْرَ مَا يُوجَدُ بِالدِّرْهَمِ مِنْ الْفُلُوسِ مَعْلُومٌ فِي السُّوقِ فَتَسْمِيَةُ الدِّرْهَمِ كَتَسْمِيَةِ ذَلِكَ الْعَدَدِ فِي الْإِعْلَامِ عَلَى وَجْهٍ لَا تُمْكِنُ الْمُنَازَعَةُ فِيهِ بَيْنَهُمَا وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: فِيمَا دُونَ الدِّرْهَمِ يَكْثُرُ الِاسْتِعْمَالُ بَيْنَ النَّاسِ لِلْعِبَارَةِ عَمَّا يُوجَدُ بِهِ مِنْ عَدَدِ الْفُلُوسِ فَيُقَامُ مَقَامَ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ الْعَدَدِ، وَفِي الدِّرْهَمِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ قَلَّمَا يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ - يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ الدَّانَقِ، وَالدَّانَقَيْنِ لَا يَكُونُ مَعْلُومَ الْجِنْسِ - إلَّا بِالْإِضَافَةِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَوْزُونَاتِ فَإِنَّمَا يَصِيرُ مَعْلُومًا بِذِكْرِ الْفُلُوسِ فَأَقَمْنَا ذَلِكَ مَقَامَ تَسْمِيَةِ الْعَدَدِ، وَأَمَّا الدِّرْهَمُ فَمَعْلُومٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُضَافٍ إلَى شَيْءٍ، فَلَا يُجْعَلُ عِبَارَةً عَنْ الْعَدَدِ مِنْ الْفُلُوسِ؛ فَلِهَذَا قَالَ: هُوَ فِي الدِّرْهَمِ أَفْحَشُ. رَجُلٌ أَعْطَى لِرَجُلٍ دِرْهَمًا فَقَالَ: أَعْطِنِي بِنِصْفِهِ كَذَا فَلْسًا، وَأَعْطِنِي بِنِصْفِهِ دِرْهَمًا صَغِيرًا، وَزْنُهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ عَقْدَيْنِ يَصِحُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالِانْفِرَادِ، قَالَ: فَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْفُلُوسَ، وَالدِّرْهَمَ الصَّغِيرَ بَطَلَ فِي الدِّرْهَمِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِيهِ صَرْفٌ، وَقَدْ افْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ، وَلَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ فِي الْفُلُوسِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِيهِ بَيْعٌ، وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ، وَلَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ حَتَّى افْتَرَقَا بَطَلَ الْكُلُّ؛ لِأَنَّهُمَا افْتَرَقَا عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ الدِّرْهَمَ، وَقَالَ: أَعْطِنِي بِنِصْفِهِ كَذَا فَلْسًا، وَأَعْطِنِي دِرْهَمًا صَغِيرًا يَكُونُ فِيهِ نِصْفُ دِرْهَمٍ إلَّا حَبَّةً فَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: يَفْسُدُ الْبَيْعُ كُلُّهُ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -: يَجُوزُ فِي الْفُلُوسِ وَيَبْطُلُ فِي حِصَّةِ الصَّرْفِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي الدِّرْهَمِ الصَّغِيرِ يَفْسُدُ لِمَعْنَى الرِّبَا، فَإِنَّ مُقَابَلَةَ نِصْفِ الدِّرْهَمِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ إلَّا حَبَّةً يَكُونُ رِبًا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا فَسَدَ الْعَقْدُ فِي الْبَعْضِ لِمَعْنَى الرِّبَا يَفْسُدُ فِي الْكُلِّ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْبُيُوعِ قَالَ: ﵁ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّ الْعَقْدَ يَجُوزُ فِي حِصَّةِ الْفُلُوسِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا عَلَى مَا وَضَعَ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْأَصْلِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَعْطِنِي بِنِصْفِهِ الْبَاقِي دِرْهَمًا، وَإِذَا تَكَرَّرَ الْإِعْطَاءُ يَتَفَرَّقُ الْعَقْدُ بِهِ، وَفَسَادُ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ لَا يُوجِبُ فَسَادِ الْآخَرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ لَا يَكُونُ قَبُولُ الْعَقْدِ فِي أَحَدِهِمَا شَرْطًا لِلْقَبُولِ فِي الْآخَرِ،

стр. 2924

إلَّا أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الْمَسْأَلَةَ عَلَى مَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَفِي النِّصْفِ الْبَاقِي دِرْهَمٌ صَغِيرٌ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْعَقْدُ وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَكَرَّرْ مَا بِهِ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَعْطِنِي. وَلَوْ قَالَ: أَعْطِنِي كَذَا فَلْسًا، وَدِرْهَمًا صَغِيرًا وَزْنُهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ إلَّا قِيرَاطًا كَانَ جَائِزًا كُلُّهُ إذَا تَقَابَضَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا؛ لِأَنَّهُ قَابَلَ الدِّرْهَمَ هُنَا بِمَا سَمَّى مِنْ الْفُلُوسِ، وَنِصْفِ دِرْهَمٍ إلَّا قِيرَاطًا فَيَكُونُ مِثْلَ وَزْنِ الدِّرْهَمِ الصَّغِيرِ مِنْ الدِّرْهَمِ بِمُقَابَلَتِهِ، وَالْبَاقِي كُلُّهُ بِإِزَاءِ الْفُلُوسِ. رَجُلٌ بَاعَ دِرْهَمًا زَائِفًا لَا يُنْفَقُ مِنْ رَجُلٍ قَدْ عَلِمَ عَيْبَهُ بِخَمْسَةِ دَوَانِيقِ فَلْسٍ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ خَمْسَةَ دَوَانِيقِ فَلْسٍ اسْمٌ لِمِائَةِ فَلْسٍ؛ إذْ كَانَ كُلُّ عِشْرِينَ بِدَانَقٍ، وَبَيْعُ الدِّرْهَمِ بِمِائَةِ فَلْسٍ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهُ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ فُلُوسٍ، وَدِرْهَمٍ صَغِيرٍ، وَزْنُهُ دَانَقَانِ إذَا تَقَابَضَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ؛ لِأَنَّهُ يُقَابِلُ الدِّرْهَمَ الصَّغِيرَ مِنْ الدِّرْهَمِ الزَّيْفِ مِثْلَ وَزْنِهِ، وَالْبَاقِي كُلُّهُ بِإِزَاءِ الْفُلُوسِ، وَإِنْ بَاعَهُ إيَّاهُ بِخَمْسَةِ دَوَانِقِ فِضَّةٍ، أَوْ بِدِرْهَمٍ غَيْرِ قِيرَاطٍ فِضَّةٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ مُتَفَاضِلًا فِي النَّبَهْرَجَةِ، وَالزُّيُوفُ مِنْ جِنْسِ الْفِضَّةِ بِخِلَافِ السَّتُّوقِ. . وَلَوْ قَالَ: بِعْنِي بِهَذِهِ الْفِضَّةِ كَذَا فَلْسًا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَإِنْ بَاعَهُ إيَّاهُ بِخَمْسَةِ أَسْدَاسِ دِرْهَمٍ أَوْ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ مَا سُمِّيَ يَقَعُ عَلَى الْفِضَّةِ دُونَ الْفُلُوسِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْفُلُوسُ مَجَازًا، وَلَكِنَّ ذَاكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْفُلُوسِ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ، وَعَلَى هَذَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِدَانَقٍ، أَوْ بِدَانَقَيْنِ، أَوْ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ فَهَذَا كُلُّهُ يَقَعُ عَلَى الْفِضَّةِ إلَّا أَنْ يَقْرِنَ بِكَلَامِهِ ذِكْرَ الْفُلُوسِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ عِبَارَةً عَنْ عَدَدٍ مِنْ الْفُلُوسِ مَجَازًا. وَإِنْ اشْتَرَى بِدِرْهَمٍ فُلُوسًا وَقَبَضَهَا، وَلَمْ يَنْقُدْ الدِّرْهَمَ حَتَّى كَسَدَتْ الْفُلُوسُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَالدِّرْهَمُ دَيْنٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي الْفُلُوسِ قَدْ انْتَهَى بِالْقَبْضِ، وَصِفَةُ الدِّرْهَمِ لَمْ تَتَغَيَّرْ بِكَسَادِ الْفُلُوسِ فَبَقِيَ دَيْنًا عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ نَقَدَ الدِّرْهَمَ وَلَمْ يَقْبِضْ الْفُلُوسَ حَتَّى كَسَدَتْ فِي الْقِيَاسِ هُوَ جَائِزٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بِالْكَسَادِ لَا تَتَغَيَّرُ عَيْنُهَا، وَلَا يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُهَا إلَّا بِالْعَقْدِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ بَطَلَ الْعَقْدُ لِفَوَاتِ صِفَةِ الثَّمَنِيَّةِ فِي الْفُلُوسِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الدِّرْهَمَ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ فِي يَدِهِ بِسَبَبٍ فَاسِدٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى فَاكِهَةً بِالْفُلُوسِ، وَقَبَضَ مَا اشْتَرَى، ثُمَّ كَسَدَتْ الْفُلُوسُ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَهَا فَالْبَيْعُ يُنْتَقَضُ - اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهَا تَبَدَّلَتْ مَعْنًى حِينَ خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ ثَمَنًا وَمَالِيَّتُهَا كَانَتْ بِصِفَةِ الثَّمَنِيَّةِ مَا دَامَتْ رَائِجَةً فَبِفَوْتِهَا تَفُوتُ الْمَالِيَّةُ؛ فَلِهَذَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ، وَيَرُدُّ مَا قَبَضَهُ إنْ كَانَ قَائِمًا، أَوْ قِيمَتَهُ إنْ كَانَ هَالِكًا، وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ﵏ يَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: الْبَيْعُ يُنْتَقَضُ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا، وَيَتَخَيَّرُ الْبَائِعُ فِي نَقْضِهِ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ عِنْدَ كَسَادِ الْفُلُوسِ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ

стр. 2925

قَبْلَ قَبْضِهِ فَيُخَيَّرُ، أَمَّا أَصْلُ الْمَالِيَّةِ فَلَا يَنْعَدِمُ بِالْكَسَادِ، فَيَبْقَى الْعَقْدُ كَذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ انْعِقَادَ هَذَا الْعَقْدِ لَمْ يَكُنْ بِاعْتِبَارِ مَالِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِعَيْنِ الْفُلُوسِ، وَإِنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَارِ مَالِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِصِفَةِ الثَّمَنِيَّةِ فِيهَا، وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ هُنَا الْبَيْعَ لَا يُنْتَقَضُ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى بِدِرْهَمٍ فُلُوسًا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ بَعْدَ الْكَسَادِ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهَا بِالْكَسَادِ تَصِيرُ مَبِيعَةً، وَبَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ لَا يَجُوزُ، وَهُنَا ابْتِدَاءُ الْبَيْعِ بَعْدَ الْكَسَادِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُهَا مِنْ الْفَاكِهَةِ مَبِيعٌ، فَالْفُلُوسُ الْكَاسِدَةُ بِمُقَابَلَةِ الْمَبِيعِ يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ ثَمَنًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عَدَدِيٌّ مُتَقَارِبٌ كَالْجَوْزِ، وَغَيْرِهِ. وَإِنْ اشْتَرَى فَاكِهَةً بِدَانَقِ فَلْسٍ، وَالدَّانَقُ عِشْرُونَ فَلْسًا فَلَمْ يَرُدَّ الْفُلُوسَ حَتَّى غَلَتْ، أَوْ رَخُصَتْ فَعَلَيْهِ عِشْرُونَ فَلْسًا؛ لِأَنَّ بِالْغَلَاءِ، وَالرُّخْصِ لَا يَنْعَدِمُ صِفَةَ الثَّمَنِيَّةِ، وَصَارَ هُوَ عِنْدَ الْعَقْدِ بِتَسْمِيَةِ الدَّوَانِقِ مُسَمِّيًا مَا يُوجَدُ بِهِ مِنْ الْفُلُوسِ، وَذَلِكَ عِشْرُونَ، وَلَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْعَدَدُ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَلَاءِ السِّعْرِ، وَرُخْصِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ. وَإِنْ اشْتَرَى فُلُوسًا بِدِرْهَمٍ، فَوَجَدَ فِيهَا فَلْسًا لَا يُنْفَقُ، وَقَدْ نَقَدَ الدِّرْهَمَ فَإِنَّهُ يَسْتَبْدِلُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ اسْتَحَقَّ فُلُوسًا نَافِقَةً، وَإِنْ لَمْ يَسْتَبْدِلْهُ حَتَّى افْتَرَقَا لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الدِّرْهَمِ مَقْبُوضٌ كَمَا فِي الصَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، ثُمَّ وَجَدَ بَعْضَ الدَّرَاهِمِ زُيُوفًا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَبْدِلْهُ حَتَّى تَفَرَّقَا لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ، فَهَذَا قِيَاسُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَقَدَ الدَّرَاهِمَ اسْتَبْدَلَهُ أَيْضًا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنِيَّةَ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ فِي الْبَدَلَيْنِ عَفْوٌ، وَإِنْ كَانَا قَدْ تَفَرَّقَا - وَهُوَ فَلْسٌ لَا يَجُوزُ مَعَ الْفُلُوسِ - رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ كَمَا فِي الصَّرْفِ، وَإِذَا، وَجَدَ بَعْضَ الْبَدَلِ سُتُّوقًا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ يُنْتَقَضُ الْقَبْضُ فِيهِ مِنْ الْأَصْلِ، وَمَا بِإِزَائِهِ غَيْرُ مَقْبُوضٍ فَكَانَ دَيْنًا بِدَيْنٍ بَعْدَ الْمَجْلِسِ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ مَعَهَا فِي حَالٍ، وَلَا يَجُوزُ فِي حَالِ اسْتِبْدَالِهِ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الزُّيُوفِ فِي الدَّرَاهِمِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ الْقَلِيلَ زُيُوفًا فَاسْتَبْدَلَ بِهِ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ جَازَ الْعَقْدُ فَجُعِلَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ كَاجْتِمَاعِهِمَا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، فَهَذَا قِيَاسُهُ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ مِنْهَا شَيْءٌ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدِّرْهَمِ يَعْنِي؛ إذَا كَانَ نَقَدَ الدِّرْهَمَ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ؛ لِأَنَّهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ يَنْتَقِضُ الْقَبْضُ فِيهِ مِنْ الْأَصْلِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الِافْتِرَاقَ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ كَانَ عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. وَإِنْ اسْتَقْرَضَ عَشَرَةَ أَفْلُسٍ ثُمَّ كَسَدَتْ تِلْكَ الْفُلُوسُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلُهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قِيَاسًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -: قِيمَتُهَا مِنْ الْفِضَّةِ - اسْتِحْسَانًا -؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بِالِاسْتِقْرَاضِ مِثْلُ الْمَقْبُوضِ، وَالْمَقْبُوضُ فُلُوسٌ هِيَ ثَمَنٌ، وَبَعْدَ الْكَسَادِ يَفُوتُ صِفَةُ الثَّمَنِيَّةِ بِدَلِيلِ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ فَيَتَحَقَّقُ عَجْزُهُ عَنْ رَدِّ مِثْلِ مَا الْتَزَمَ

стр. 2926

فَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ كَمَا لَوْ اسْتَقْرَضَ شَيْئًا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَانْقَطَعَ الْمِثْلُ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ، بِخِلَافِ مَا إذَا غَلَتْ، أَوْ رَخُصَتْ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الثَّمَنِيَّةِ لَا تَنْعَدِمُ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ رَغَائِبِ النَّاسِ فِيهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، كَمَا فِي الْبَيْعِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْوَاجِبُ فِي ذِمَّتِهِ مِثْلُ مَا قَبَضَ مِنْ الْفُلُوسِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّ شَيْءٍ كَمَا إذَا غَلَتْ، أَوْ رَخُصَتْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ جَوَازَ الِاسْتِقْرَاضِ فِي الْفُلُوسِ لَمْ يَكُنْ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الثَّمَنِيَّةِ بَلْ لِكَوْنِهَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الِاسْتِقْرَاضَ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ عَدَدِيٍّ مُتَقَارِبٍ كَالْجَوْزِ، وَالْبَيْضِ، وَبِالْكَسَادِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَقَدْ بَيَّنَّا، أَنَّ دُخُولَهَا فِي الْعَقْدِ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الثَّمَنِيَّةِ، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ بِالْكَسَادِ. يُوَضِّحُهُ: أَنَّ بَدَلَ الْقَرْضِ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ عَيْنُ الْمَقْبُوضِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ كَذَلِكَ كَانَ مُبَادَلَةُ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ نَسِيئَةً، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَيَصِيرُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ غَصَبَ مِنْهُ فُلُوسًا فَكَسَدَتْ، وَهُنَاكَ بَرِئَ بِرَدِّ عَيْنِهَا، فَهُنَا أَيْضًا يَبْرَأُ بِرَدِّ مِثْلِهَا، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: إذَا وَجَبَتْ الْقِيمَةُ فَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا مِنْ الْفِضَّةِ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ، إذَا وَجَبَتْ الْقِيمَةُ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا بِآخِرِ يَوْمٍ كَانَتْ فِيهِ رَائِجَةً فَكَسَدَتْ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا إذَا أَتْلَفَ شَيْئًا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَانْقَطَعَ الْمِثْلُ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ فَهُنَاكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ وَقْتَ الْإِتْلَافِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِآخِرِ يَوْمٍ كَانَ مَوْجُودًا فِيهِ فَانْقَطَعَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الْغَصْبِ. وَإِنْ اسْتَقْرَضَ دَانَقًا فُلُوسًا، أَوْ نِصْفَ دِرْهَمٍ فُلُوسٍ فَرَخُصَتْ، أَوْ غَلَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلُ عَدَدِ الَّذِي أَخَذَ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَلْزَمُهُ بِالْقَبْضِ، وَالْمَقْبُوضُ عَلَى وَجْهِ الْقَرْضِ مَضْمُونٌ بِمِثْلِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَقْرِضْنِي دَانَقَ حِنْطَةٍ فَأَقْرَضَهُ رُبْعَ حِنْطَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهُ بِاعْتِبَارِ الْقَبْضِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِتَسْمِيَةِ الدَّانَقِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَقْرِضْنِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ، فَأَعْطَاهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَعَلَيْهِ مِثْلُهَا، وَلَا يُنْظَرُ إلَى غَلَاءِ الدَّرَاهِمِ، وَلَا إلَى رُخْصِهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ فَالْحَاصِلُ، وَهُوَ أَنَّ الْمَقْبُوضَ عَلَى وَجْهِ الْقَرْضِ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ يَجُوزُ فِيهِ الِاسْتِقْرَاضُ، وَالْقَرْضُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَائِزِ مِنْ الشُّرُوطِ فَالْفَاسِدُ مِنْ الشُّرُوطِ لَا يُبْطِلُهُ، وَلَكِنْ يَلْغُو شَرْطُ رَدِّ شَيْءٍ آخَرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَ الْمَقْبُوضِ، وَكَذَلِكَ مَا يُعَدُّ مِنْ الْجَوْزِ، وَالْبَيْضِ، وَإِنْ اقْتَرَضَ الْجَوْزَ بِالْكَيْلِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يُكَالُ تَارَةً، وَيُعَدُّ أُخْرَى، وَقَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ السَّلَمِ فِي الْجَوْزِ كَيْلًا وَعَدَدًا، وَمَا فِيهِ مِنْ خِلَافِ زُفَرَ فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْقَرْضِ فِيهِ، وَالْإِقْرَاضُ جَائِزٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﷺ «الْقَرْضُ مَرَّتَيْنِ، وَالصَّدَقَةُ مَرَّةً»، وَقَالَ ﷺ «الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ»، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا

стр. 2927

يَسْتَقْرِضُ إلَّا الْمُحْتَاجُ، وَقَدْ يُتَصَدَّقُ عَلَى غَيْرِ الْمُحْتَاجِ، ثُمَّ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مَا يَكُونُ مَضْمُونًا بِالْمِثْلِ عَلَى الْغَاصِبِ، وَالْمُسْتَهْلِكِ لَهُ يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ الْقَرْضِ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ مِنْ غَيْرِ احْتِمَالِ الزِّيَادَةِ، وَالنُّقْصَانِ، وَمَا يَكُونُ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِقْرَاضُ فِيهِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ الْحَزْرُ وَالظَّنُّ، فَلَا تَثْبُتُ بِهِ الْمُمَاثَلَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْقَرْضِ كَمَا لَا تَثْبُتُ بِهِ الْمُمَاثَلَةُ الْمَشْرُوطَةُ فِي مَالِ الرِّبَا، وَأَصْلٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْقَرْضَ فِي مَعْنَى الْعَارِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا يَسْتَرِدُّهُ الْمُقْرِضُ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ عَيْنُ مَا دَفَعَ؛ إذْ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ كَذَلِكَ كَانَ مُبَادَلَةُ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ نَسِيئَةً، وَذَلِكَ حَرَامٌ فَكُلُّ مَا يَحْتَمِلُ حَقِيقَةَ الْإِعَارَةِ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ لَا يَجُوزُ إقْرَاضُهُ؛ لِأَنَّ إعَارَتَهُ لَا تُؤَثِّرُ فِي عَيْنِهِ حَتَّى لَا تُمْلَكَ بِهِ الْعَيْنُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ اسْتِدَامَةَ الْيَدِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ إقْرَاضُهُ لَا يُثْبِتُ مِلْكًا صَحِيحًا فِي عَيْنِهِ، وَكُلُّ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْإِعَارَةُ حَقِيقَةً مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، فَإِقْرَاضُهُ وَإِعَارَتُهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ عَيْنِهِ فَإِقْرَاضُهُ وَإِعَارَتُهُ تَمْلِيكٌ لِعَيْنِهِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْإِقْرَاضُ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ كَالْجَوْزِ، وَالْبَيْضِ؛ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالْمِثْلِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي إقْرَاضِ الْخُبْزِ فَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَزْنًا، وَلَا عَدَدًا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: يَجُوزُ وَزْنًا، وَلَا يَجُوزُ عَدَدًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ عَدَدًا قَالَ هِشَامُ: فَقُلْتُ لَهُ وَزْنًا فَرَأَيْتُهُ نَفَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتَعْظَمَهُ، وَقَالَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ وَأَمَّا السَّلَمُ فِي الْخُبْزِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْهُمَا خِلَافُ ذَلِكَ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ مَنْ يَقُولُ: يَجُوزُ عِنْدَهُمَا عَلَى قِيَاسَ السَّلَمِ فِي اللَّحْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ لِمَا عَلَّلَ بِهِ فِي النَّوَادِرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِالْعَجْنِ وَالنُّضْجِ عِنْدَ الْخَبْزِ، وَيَكُونُ مِنْهُ الْخَفِيفُ، وَالثَّقِيلُ، وَفِي كُلِّ نَوْعٍ عُرْفٌ. لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْآخَرِ، وَمَا لَا يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ، ثُمَّ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ أَفْسَدَ أَبُو حَنِيفَةَ الِاسْتِقْرَاضَ فِيهِ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ أَوْسَعُ مِنْ الْقَرْضِ حَتَّى يَجُوزَ السَّلَمُ فِي الثِّيَابِ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِقْرَاضُ فَإِذَا لَمْ يَجُزْ السَّلَمُ فِي الْخُبْزِ لِهَذَا الْمَعْنَى؛ فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ الِاسْتِقْرَاضُ أَوْلَى وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: الْخُبْزُ مَوْزُونٌ عَادَةً، وَالِاسْتِقْرَاضُ فِي الْمَوْزُونَاتِ، وَزْنًا يَجُوزُ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْبُيُوعِ أَنَّ اسْتِقْرَاضَ اللَّحْمِ وَزْنًا يَجُوزُ فَكَذَلِكَ الْخُبْزُ، وَلَا يَجُوزُ عَدَدًا؛ لِأَنَّهُ مُتَفَاوِتٌ، فِيهِ الْكَبِيرُ، وَالصَّغِيرُ وَمُحَمَّدٌ جَوَّزَ اسْتِقْرَاضَهُ عَدَدًا؛ لِأَنَّهُ صُنْعُ النَّاسِ، وَقَدْ اعْتَادُوهُ، وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ اسْتَقْرَضَ رَغِيفًا فَرَدَّ أَصْغَرَ مِنْهُ، أَوْ أَكْبَرَ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ عَمَلُ النَّاسِ قَالَ الْكَرْخِيُّ: وَإِنَّمَا اسْتَعْظَمَ مُحَمَّدٌ قَوْلَ

стр. 2928

مَنْ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُ إلَّا وَزْنًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِقْرَاضُ فِيهِ، وَزْنًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ إعْلَامَهُ بِالْوَزْنِ أَبْلُغُ مِنْ إعْلَامِهِ بِذِكْرِ الْعَدَدِ فَإِذَا جَازَ عِنْدَهُ الِاسْتِقْرَاضُ فِيهِ عَدَدًا فَلَأَنْ يَجُوزَ وَزْنًا أَوْلَى، وَمِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ مَنْ قَالَ: بَلْ أَسْتَعْظِمُ جَوَازَ اسْتِقْرَاضِهِ وَزْنًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فِيهِ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ هَذَا الْقِيَاسَ مُحَمَّدٌ لِتَعَارُفِ النَّاسِ وَذَلِكَ فِي اسْتِقْرَاضِهِ عَدَدًا فَبَقِيَ اسْتِقْرَاضُهُ وَزْنًا عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ. ، وَأَمَّا الْحَيَوَانُ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُ شَيْءٍ مِنْهُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْجَوَارِي؛ لِمَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اسْتَقْرَضَ بِكْرًا، وَرَدَّ رُبَاعِيًّا وَقَالَ: خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً»؛ وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ مِمَّا يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، أَمَّا عِنْدِي فِي السَّلَمِ، وَعِنْدَ الْكُلِّ فِي النِّكَاحِ، وَالْخُلْعِ، وَالصُّلْحِ فِي دَمِ الْعَمْدِ فَيَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُ كَالْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ مُوجِبُهُ مِلْكُ الْمَقْبُوضِ بِعَيْنِهِ وَثُبُوتُ مِثْلِهِ فِي الذِّمَّةِ، وَالْحَيَوَانُ مُحْتَمَلٌ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مَحَلًّا لِمُوجِبِ الْقَرْضِ كَانَ الِاسْتِقْرَاضُ جَائِزً، إلَّا أَنَّ الْجَوَارِيَ لَا أُجَوِّزُ الِاسْتِقْرَاضَ كَمَا لَا أُجَوِّزُ السَّلَمَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يُجَوِّزُ السَّلَمَ فِيهِ الْفَرْقُ، أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْجَوَارِي مِلْكُ الْمُتْعَةِ، وَعَقْدُ الْمُعَاوَضَةِ مَشْرُوعٌ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ، وَأَمَّا الْقَرْضُ فَبَذْلٌ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ، وَمِلْكُ الْمُتْعَةِ لَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلتَّبَرُّعِ فِيهِ؛ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ فِيهِ الِاسْتِقْرَاضُ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، فَإِنَّمَا هُوَ الْمَقْصُودُ لِمَا يَعْمَلُ فِيهِ الْبَدَلُ، وَيَثْبُتُ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ فَيَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْقِيمَةِ عَلَى مُسْتَهْلِكِهِ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُ كَالْجَوَارِي، وَلِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْحَيَوَانِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بِمُقَابَلَةِ مَا هُوَ مَالٌ، مَعَ اعْتِبَارِ الْمُعَادَلَةِ فِي الْمَالِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَارُ فِي الْمُسْتَهْلَكَاتِ إلَى الْقِيمَةِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ إيجَابِ الْمِثْلِ، وَمُوجِبُ الْقَرْضِ ثُبُوتُ الْمِثْلِ فِي الذِّمَّةِ بِشَرْطِ الْمُعَادَلَةِ فِي الْمُمَاثَلَةِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ لَمْ يَجُزْ اسْتِقْرَاضُهُ، وَبِهِ فَارَقَ ثُبُوتُ الْحَيَوَانِ فِي الذِّمَّةِ بَدَلًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ شَرْطَ الْمُعَادَلَةِ فِي الْمُمَاثَلَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ثُبُوتًا صَحِيحًا حَتَّى لَوْ أَتَاهَا بِالْقِيمَةِ أُجْبِرَتْ عَلَى قَبُولِهِ، وَلَا مَدْخَلَ لِذَلِكَ فِي الْقَرْضِ ابْتِدَاءً وَعُذْرُهُ فِي الْجَوَارِي فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِلْكُ الْعَيْنِ وَالْمَالِيَّةِ، وَذَلِكَ يَعْمَلُ فِيهِ الْبَدَلُ، وَيَثْبُتُ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ، أَلَا تَرَى أَنْ مِلْكَ الْعَيْنِ وَالْمَالِيَّةِ يَثْبُتُ فِيهَا بِدُونِ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَوْ مَنْكُوحَةَ الْغَيْرِ؛ وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ تَنْفَصِلُ مَنْفَعَتُهُ عَنْ عَيْنِهِ، وَالِاسْتِقْرَاضُ لَا يَجُوزُ فِي مِثْلِهِ كَالْحُرِّ، وَتَحْقِيقُهُ مَا قُلْنَا: إنَّ الْإِقْرَاضَ بِمَنْزِلَةِ الْإِعَارَةِ، فَفِيمَا تَنْفَصِلُ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ عَنْ الْعَيْنِ تَتَأَتَّى حَقِيقَةٌ الْإِعَارَةِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى تَصْحِيحِ

стр. 2929

الْإِقْرَاضِ فِيهِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّمَا اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبَيْتِ الْمَالِ حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ قَضَاهُ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ يَقْضِي مَا اسْتَقْرَضَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ، وَبَيْتُ الْمَالِ يَثْبُتُ لَهُ، وَعَلَيْهِ حُقُوقٌ مَجْهُولَةٌ، وَقِيلَ: كَانَ اسْتَسْلَفَ فِي الصَّدَقَةِ بِكْرًا فَإِنَّ الِاسْتِسْلَافَ، وَالِاسْتِقْرَاضَ يَتَفَاوَتُ، ثُمَّ لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ فَرَدَّهُ بَعْدَ مَا صَارَ رُبَاعِيًّا، وَقِيلَ: هَذَا كَانَ وَقْتَ كَانَ الْحَيَوَانُ مَضْمُونًا بِالْمِثْلِ، ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ الْغَصْبِ فَإِنْ قَبَضَ الْحَيَوَانَ بِحُكْمِ الْقَرْضِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ، وَلَوْ بَاعَهُ نَفَذَ بَيْعُهُ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ قَرْضٍ فَاسِدٍ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضِ بِحُكْمِ بَيْعٍ فَاسِدٍ؛ إذْ الْفَاسِدُ مُعْتَبَرٌ بِالْجَائِزِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَ الْفَاسِدَ أَصْلًا فِي مَعْرِفَةِ حِلِّهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَرِدُ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ بِالْجَائِزِ، وَكَذَلِكَ الْعَقَارُ، وَالثِّيَابُ الِاسْتِقْرَاضُ فِيهَا كَالِاسْتِقْرَاضِ فِي الْحَيَوَانِ، وَفَرَّقَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ بَيْنَ السَّلَمِ، وَالْقَرْضِ فِي الثِّيَابِ فَقَالُوا: الثِّيَابُ لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ثُبُوتًا صَحِيحًا إلَّا مُؤَجَّلًا، وَالْقَرْضُ لَا يَكُونُ إلَّا حَالًّا، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ إعْلَامُ الْمَالِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى فِيهِ تَفَاوُتٌ إلَّا يَسِيرًا لِيَكُونَ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ مَعْلُومًا لِلْعَاقِدِ، وَذَلِكَ فِي الثِّيَابِ بِذِكْرِ الْوَصْفِ مُمْكِنٌ أَمَّا فِي بَابِ الْقَرْضِ فَالشَّرْطُ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْعَيْنِ الْمَقْبُوضَةِ وَصِفَةِ الْمَالِيَّةِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الثِّيَابِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ بِالْمِثْلِ عِنْدَ الِاسْتِهْلَاكِ؛ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِقْرَاضُ فِيهَا. . وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إقْرَاضُ الْخَشَبِ، وَالْحَطَبِ، وَالْقَصَبِ وَالرَّيَاحِينِ الرَّطْبَةِ، وَالْبُقُولِ؛ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ الِاسْتِهْلَاكِ فَأَمَّا الْحِنَّاءُ، وَالْوَسْمَةُ، وَالرَّيَاحِينُ الْيَابِسَةُ الَّتِي تُكَالُ لَا بَأْسَ بِاسْتِقْرَاضِهَا؛ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالْمِثْلِ عِنْدَ الِاسْتِهْلَاكِ. وَلَا يَجُوزُ الْأَجَلُ فِي الْقَرْضِ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَوْ أَجَّلَهُ عِنْدَ الْإِقْرَاضِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، أَوْ بَعْدَ الْإِقْرَاضِ لَا يَثْبُتُ الْأَجَلُ، وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ فِي الْحَالِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ يَثْبُتُ الْأَجَلُ فِي الْقَرْضِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَا يَسْتَحِقُّ قَبْضَهُ فِي الْمَجْلِسِ فَيَجُوزُ التَّأْجِيلُ فِيهِ كَالثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّأْجِيلَ إسْقَاطُ الْمُطَالَبَةِ إلَى مُدَّةٍ، وَإِسْقَاطُ الْمُطَالَبَةِ بِبَدَلِ الْقَرْضِ لَا إلَى غَايَةٍ بِالْإِبْرَاءِ صَحِيحٌ، فَالتَّأْجِيلُ فِيهِ أَوْلَى أَنْ يَصِحَّ، وَلَنَا فِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُقْرِضَ مُتَبَرِّعٌ؛ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ الْإِقْرَاضُ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ كَالْعَبْدِ، وَالْمُكَاتَبِ فَلَوْ لَزِمَ الْأَجَلُ فِيهِ لَصَارَ التَّبَرُّعُ مُلْزِمًا الْمُتَبَرِّعَ شَيْئًا، وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ الْمُطَالَبَةِ إلَى مُضِيِّ الْأَجَلِ، وَذَلِكَ يُنَاقِضُ مَوْضُوعَ التَّبَرُّعِ، وَشَرْطُ مَا يُنَاقِضُ مَوْضُوعَ الْعَقْدِ بِهِ لَا يَصِحُّ، وَكَذَلِكَ إلْحَاقُهُ بِهِ لَا يَصِحُّ؛ فَلِهَذَا لَا يَلْزَمُ الْأَجَلُ، وَإِنْ ذُكِرَ بَعْدَ الْعَقْدِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَرْضَ بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا، وَالتَّوْقِيتُ فِي الْعَارِيَّةِ لَا يَلْزَمُ حَتَّى إنَّ

стр. 2930

الْمُعِيرَ، وَإِنْ وَقَّتَهُ سَنَةً فَلَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْ سَاعَتِهِ، فَكَذَلِكَ الْأَجَلُ فِي الْقَرْضِ، وَبِهِ يَتَبَيَّنُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ هُوَ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ بَدَلَ الْقَرْضِ فِي الْحُكْمِ عَيْنُ الْمَقْبُوضِ؛ إذْ لَوْ جُعِلَ دَيْنًا عَلَى الْحَقِيقَةِ كَانَ بَدَلًا عَنْ الْمَقْبُوضِ فِي الْحُكْمِ، فَيَكُونُ مُبَادَلَةُ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ نَسِيئَةً، وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِبْرَاءِ يُزِيلُ مِلْكَهُ، وَإِزَالَةُ الْمِلْكِ بِالتَّبَرُّعِ صَحِيحٌ. فَأَمَّا بِالْقَرْضِ فَلَا يُزِيلُ مِلْكَهُ فَلَوْ لَزِمَ الْأَجَلُ فِيهِ لَكَانَ يَلْزَمُهُ الْكَفُّ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بِمِلْكِهِ إلَى مُضِيِّ الْأَجَلِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَوْضُوعِ التَّبَرُّعِ. فَأَمَّا التَّأْجِيلُ فِي بَدَلِ الْغَصْبِ وَالْمُسْتَهْلَكِ فَيَجُوزُ عِنْدَنَا، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَمَّا مَعَ الشَّافِعِيِّ فَالْكَلَامُ يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ عِنْدَهُ الْأَجَلَ لَا يَثْبُتُ فِي شَيْءٍ مِنْ الدُّيُونِ إلَّا بِالشَّرْطِ فِي عَقْدِ الْمُعَارَضَةِ، حَتَّى قَالَ: لَوْ أَجَّلَهُ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ الْبَيْعِ لَا يَثْبُتُ الْأَجَلُ لِأَنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي ضِمْنِ الْعَقْدِ اللَّازِمِ أَمَّا مُنْفَرِدًا عَنْ الْعَقْدِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: مَا كَانَ دَيْنًا عَلَى الْحَقِيقَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقَّ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ فَإِسْقَاطُ الْقَبْضِ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ صَحِيحٌ فَكَذَلِكَ بِالتَّأْجِيلِ أَمَّا زُفَرُ فَهُوَ يَقُولُ: الْمُسْتَهْلَكُ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ كَالْمُسْتَقْرَضِ، فَكَمَا لَا يَلْزَمُ الْأَجَلُ فِي الْقَرْضِ فَكَذَلِكَ فِي بَدَلِ الْغَصْبِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِمَا الْمُعَادَلَةُ فِي صِفَةِ الْمَالِيَّةِ، وَبَيْنَ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ تَفَاوُتٌ فِي الْمَالِيَّةِ مَعْنًى، فَالتَّأْجِيلُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْتِزَامِ رَدٍّ أَجْوَدَ مِمَّا قَبَضَ، أَوْ أَزْيَفَ، أَوْ أَرْدَأَ مِنْهُ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مُلْزِمًا وَجْهُ قَوْلِنَا: إنَّ بَدَلَ الْمُسْتَهْلَكِ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَاشْتِرَاطُ الْأَجَلِ فِيهِ يَلْزَمُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَقْرَضِ فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ، وَالْقَرْضُ بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ كَمَا بَيَّنَّا؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لِلْمُسْتَقْرِضِ فِي الْعَيْنِ بِنَفْسِ الْقَبْضِ، وَالْمُقْرِضُ أَحَقُّ بِاسْتِرْدَادِهِ مَا لَمْ يُخْرِجْهُ الْمُسْتَقْرِضُ عَنْ مِلْكِهِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْمُسْتَقْرِضُ يَمْلِكُ الْعَيْنَ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ، وَمَنْفَعَةُ الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ الْعَيْنِ؛ فَإِذَا يَمْلِكُ الْعَيْنَ الْتَحَقَ بِسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، وَكَانَ الْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ مَا يَرُدُّهُ إلَى الْمُسْتَقْرِضِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ صُورَةً، وَقَدْ جُعِلَ كَالْعَيْنِ حُكْمًا؛ فَلِاعْتِبَارِ أَنَّهُ دَيْنٌ صُورَةً جَعَلْنَا اخْتِيَارَ مَحَلِّ الْقَضَاءِ إلَى مَنْ فِي ذِمَّتِهِ؛ وَلِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عَيْنٌ حُكْمًا قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ فِيهِ الْأَجَلُ، وَعَارِيَّةُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ قَرْضٌ لِلْأَصْلِ الَّذِي قُلْنَا: إنَّ الْقَرْضَ بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ، وَالْعَارِيَّةُ فِي كُلِّ مَا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا بِاسْتِهْلَاكٍ لِعَيْنِهِ يَكُونُ قَرْضًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ مُسَلِّطٌ الْمُسْتَعِيرَ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِالْمُسْتَعَارِ عَلَى أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ، وَفِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الْقَرْضُ الْمَنْفَعَةُ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ الْعَيْنِ فَيَكُونُ بِالْإِعَارَةِ مُسَلِّطًا لَهُ عَلَى اسْتِهْلَاكِ الْعَيْنِ فِي حَاجَتِهِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهُ، وَذَلِكَ إقْرَاضٌ. قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لِلدَّرَاهِمِ لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً كَانَتْ لَهُ

стр. 2931

وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا، وَهُوَ إشَارَةٌ لِمَا بَيَّنَّا، فَإِنَّهُ إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً وَجَبَ ثَمَنُهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَقَدْ جَوَّزَ لَهُ الْمُعِيرُ الِانْتِفَاعَ بِتِلْكَ الدَّرَاهِمِ فِي حَاجَتِهِ، وَقَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ حَاجَتِهِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ الدَّيْنَ بِهَا، عَلَى أَنْ يَضْمَنَ مِثْلَهَا. . فَأَمَّا الْأَوَانِي مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا فَلَيْسَتْ بِقَرْضٍ، وَلَكِنَّهَا عَوَارٍ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا تَنْفَصِلُ عَنْ عَيْنِهَا، وَلَا يَتَعَذَّرُ حُكْمُ الْإِعَارَةِ فِيهَا حَتَّى لَوْ بَاعَهَا الْمُسْتَعِيرُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ فِيهَا. وَكَذَلِكَ اللَّآلِئُ، وَالْأَكَارِعُ، وَالرُّءُوسُ لَا يَجُوزُ إقْرَاضُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْقَرْضِ وَالصَّرْفُ فِيهِ] قَالَ ﵀ رُوِيَ: «عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄ قَالَتْ: أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا وَخَمْسِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرِ خَيْبَرَ وَعِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ» فَقَالَ لِي عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ: أُعْطِيكِ تَمْرًا هُنَا وَآخُذُ تَمْرَكِ بِخَيْبَرَ فَقُلْتُ: لَا حَتَّى أَسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَنَهَانِي عَنْهُ وَقَالَ: كَيْفَ بِالضَّمَانِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ؟ وَبِهِ نَأْخُذُ فَإِنَّ هَذَا إنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْبَيْعِ فَاشْتِرَاطُ إيفَاءِ بَدَلٍ لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ فِي مَكَان آخَرَ مُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةً وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْرَاضِ فَهَذَا قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً وَهُوَ إسْقَاطُ خَطَرِ الطَّرِيقِ عَنْ نَفْسِهِ وَمُؤْنَةِ الْحَمْلِ. «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً» وَسَمَّاهُ رِبًا وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَقْرَضَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَكَانَتْ لِأُبَيٍّ ﵁ نَخْلٌ بِعِجْلٍ فَأَهْدَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ رُطَبًا لِعُمَرَ ﵁ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَلَقِيَهُ أُبَيٌّ فَقَالَ: أَظَنَنْتَ أَنِّي أَهْدَيْتُ إلَيْك لِأَجْلِ مَالِكَ؟ ابْعَثْ إلَى مَالِكَ فَخُذْهُ فَقَالَ عُمَرُ لِأُبَيٍّ ﵄ رُدَّ عَلَيْنَا هَدِيَّتَنَا. وَبِهِ نَأْخُذُ فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ إنَّمَا رَدَّ الْهَدِيَّةَ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ الْهَدَايَا لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ أَهْدَى إلَيْهِ لِأَجْلِ مَالِهِ فَكَانَ ذَلِكَ مَنْفَعَةَ الْقَرْضِ فَلَمَّا أَعْلَمَهُ أُبَيٌّ ﵁ أَنَّهُ مَا أَهْدَى إلَيْهِ لِأَجْلِ مَالِهِ قَبِلَ الْهَدِيَّةَ مِنْهُ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ الْمَنْفَعَةَ إذَا كَانَتْ مَشْرُوطَةً فِي الْإِقْرَاضِ فَهُوَ قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً فَلَا بَأْسَ بِهِ حَتَّى لَوْ رَدَّ الْمُسْتَقْرِضُ أَجْوَدَ مِمَّا قَبَضَهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ شَرْطٍ لَمْ يَحِلَّ؛ لِأَنَّهُ مَنْفَعَةُ الْقَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ شَرْطٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحْسَنَ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ. بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ عَطَاءٍ قَالَ: «اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ فَقَضَاهُ وَأَرْجَحَ لَهُ فَقَالُوا: أَرَجَحْتَ فَقَالَ: ﷺ -

стр. 2932

إنَّا كَذَلِكَ نَزِنُ.» فَإِذَا جَازَ الرُّجْحَانُ لَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَكَذَلِكَ صِفَةُ الْجَوْدَةِ قَالُوا: وَإِنَّمَا يَحِلُّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ؛ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ أَمَّا إذَا كَانَ يُعْرَفُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْقَرْضِ فَالتَّحَرُّزُ عَنْهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ وَاَلَّذِي يُحْكَى أَنَّهُ كَانَ لِأَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَأَتَاهُ لِيُطَالِبَهُ فَلَمْ يَقِفْ فِي ظِلِّ جِدَارِهِ وَوَقَفَ فِي الشَّمْسِ لَا أَصْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ أَفْقَهُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْوُقُوفَ فِي ظِلِّ جِدَارِ الْغَيْرِ لَا يَكُونُ انْتِفَاعًا بِمِلْكِهِ كَيْفَ؟ وَلَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا، وَلَا مَطْلُوبًا، وَذُكِرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَقْرِضْنِي فَيَقُولُ: لَا حَتَّى أَبِيعَكَ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا إثْبَاتَ كَرَاهَةِ الْعِينَةِ وَهُوَ أَنْ يَبِيعَهُ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِخَمْسَةَ عَشَرَ لِيَبِيعَهُ الْمُسْتَقْرِضُ بِعَشَرَةٍ فَيَحْصُلَ لِلْمُقْرِضِ زِيَادَةٌ وَهَذَا فِي مَعْنَى قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً. . وَالْإِقْرَاضُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فِي الشَّرْعِ وَالْغَرَرُ حَرَامٌ إلَّا أَنَّ الْبُخَلَاءَ مِنْ النَّاسِ تَطَرَّقُوا بِهَذَا إلَى الِامْتِنَاعِ مِمَّا يَدْنُوا إلَيْهِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى مَا نُهُوا عَنْهُ مِنْ الْغُرُورِ وَبِنَحْوِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ «إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعَيْنِ وَاتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ذَلَلْتُمْ حَتَّى يُطْمَعَ فِيكُمْ.». وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ ﵄ قَالَ: فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ دَرَاهِمَ فَيُعْطِيهِ دَنَانِيرَ يَأْخُذُهَا بِقِيمَتِهَا فِي السُّوقِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ لَا يَظْهَرُ الرِّبَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ ﵁ إلَى مَكَّةَ وَقَالَ: انْهَهُمْ عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ وَعَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَعَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ» وَبِهِ نَأْخُذُ، وَصِفَةُ الشَّرْطَيْنِ فِي الْبَيْعِ أَنْ يَقُولَ بِالنَّقْدِ بِكَذَا وَبِالنَّسِيئَةِ بِكَذَا وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَالْبَيْعُ مَعَ السَّلَفِ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ شَيْئًا لِيُقْرِضَهُ أَوْ يُؤَجِّلَهُ فِي الثَّمَنِ لِيُعْطِيَهُ عَلَى ذَلِكَ رِبْحًا وَبَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ عَامٌّ دَخَلَهُ الْخُصُوصُ فِي غَيْرِ الْمَبِيعِ مِنْ الصَّدَاقِ وَغَيْرِهِ وَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ: النَّهْيُ عَنْ الْبَيْعِ مَعَ بَقَاءِ الْغُرُورِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لِلتَّصَرُّفِ وَذَلِكَ فِي الْمَنْقُولِ دُونَ الْعَقَارِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْبَيْعِ وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ هُوَ فِي مَعْنَى هَذَا فَإِنَّ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَيْسَ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فَمَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ الرِّبْحِ لَا يَطِيبُ لَهُ وَزَادَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ يَعْنِي مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ «حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إنِّي رُبَّمَا أَدْخُلُ السُّوقَ فَأَسْتَجِيدُ السِّلْعَةَ ثُمَّ أَذْهَبُ فَأَبِيعُهَا ثُمَّ أَبْتَاعُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ.» وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَقْرَضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ رَجُلًا دَرَاهِمَ فَقَضَاهُ الرَّجُلُ مِنْ جَيِّدِ عَطَائِهِ فَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فَقَالَ: لَا إلَّا مَنْ عَرَضُهُ مِثْلُ دَرَاهِمِي وَعَنْ عَامِرٍ

стр. 2933

- ﵀ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْضِيَ أَجْوَدَ مِنْ دَرَاهِمِهِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَفْعَلُهُ وَبِهِ نَأْخُذُ وَتَأْوِيلُ كَرَاهَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ الرَّجُلَ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْقَرْضِ؛ فَلِهَذَا كَرِهَهُ وَقَدْ رَدَّ عُمَرُ ﵁ الْهَدِيَّةَ بِمِثْلِ هَذَا. وَعَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ قَالَ: جَاءَ إلَيَّ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ عَلَى فَرَسٍ بَلْقَاءَ فَقَالَ: إنَّهُ أُوصِي إلَيَّ فِي يَتِيمٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: لَا تَشْتَرِ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا وَلَا تَسْتَقْرِضْ مِنْهُ شَيْئًا، وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَسْتَقْرِضَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْرِضُ غَيْرَهُ فَكَيْفَ يَسْتَقْرِضُهُ لِنَفْسِهِ؟ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِقْرَاضَ تَبَرُّعٌ فَلَا يَحْتَمِلُهُ مَالُ الْيَتِيمِ، وَبِظَاهِرِ الْحَدِيثِ يَأْخُذُ مُحَمَّدٌ ﵀ فَيَقُولُ: إذَا اشْتَرَى الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا لَا يَجُوزُ وَلَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: مُرَادُهُ؛ إذَا اشْتَرَى بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ بِأَقَلَّ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْيَتِيمِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يَنْفِيَ التُّهْمَةَ عَنْ نَفْسِهِ. وَعَنْ عَطَاءٍ ﵀ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ ﵁ كَانَ يَأْخُذُ بِمَكَّةَ الْوَرِقَ مِنْ التُّجَّارِ فَيَكْتُبُ لَهُمْ إلَى الْبَصْرَةِ وَإِلَى الْكُوفَةِ فَيَأْخُذُونَ أَجْوَدَ مِنْ وَرِقِهِمْ. قَالَ عَطَاءٌ: فَسَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ أَخْذِهِمْ أَجْوَدَ مِنْ وَرِقِهِمْ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا، وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هِيَ الْمَنْفَعَةُ الْمَشْرُوطَةُ أَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مُقَابَلَةُ الْإِحْسَانِ بِالْإِحْسَانِ وَإِنَّمَا جَزَاءُ الْإِحْسَانِ الْإِحْسَانُ، وَكَذَلِكَ قَبُولُ هَدِيَّتِهِ وَإِجَابَةُ دَعْوَتِهِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْوَرِقَ بِمَكَّةَ عَلَى أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ إلَى الْكُوفَةِ بِهَا وَتَأْوِيلُ هَذَا عِنْدِنَا أَنَّهُ كَانَ عَنْ غَيْرِ الشَّرْطِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مَشْرُوطًا فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَالسَّفَاتِجُ الَّتِي تَتَعَامَلُهُ النَّاسُ عَلَى هَذَا إنْ أَقْرَضَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَكَتَبَ لَهُ سَفْتَجَةً بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ شَرَطَ فِي الْقَرْضِ ذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ بِذَلِكَ خَطَرَ الطَّرِيقِ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً. رَجُلٌ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا بِثَمَنٍ مُسَمًّى إلَى شَهْرٍ عَلَى أَنْ يُوفِيَهُ إيَّاهُ بِمِصْرٍ آخَرَ عَيَّنَهُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَعْلُومٌ وَالْأَجَلُ مَعْلُومٌ بِالْمُدَّةِ إلَّا أَنَّ فِيمَا لَا حِمْلَ لَهُ وَلَا مُؤْنَةَ يُطَالِبُهُ بِالتَّسْلِيمِ حَيْثُ يَجِدُهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَجَلِ وَفِيمَا لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ لَا يُطَالِبُهُ بِهِ إلَّا فِي الْمَوْضِعِ الْمَشْرُوطِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مُعْتَبَرٌ إذَا كَانَ مُقَيَّدًا غَيْرَ مُعْتَبَرٍ؛ إذَا لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَرْضِ فَإِنَّ الْمُسْتَقْرِضَ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ شَرْطُ الْإِيفَاءِ فِي مَكَان آخَرَ؛ وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ مَكَانِ التَّسْلِيمِ كَاشْتِرَاطِ زَمَانِ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِمَكَانٍ وَزَمَانٍ، وَشَرْطُ الزَّمَانِ فِي الْقَرْضِ لِلتَّسْلِيمِ لَا يَلْزَمُ، وَهُوَ الْأَجَلُ فَكَذَلِكَ

стр. 2934

شَرْطُ الْمَكَانِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فِي الْبَيْعِ مُدَّةَ الْأَجَلِ وَالْمَسْأَلَةَ بِحَالِهَا فَفِيمَا لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ الْعَقْدُ فَاسِدٌ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَبِيعَهُ الْعَبْدَ بِحِنْطَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِالْكُوفَةِ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَهَا بِالْبَصْرَةِ فَهَذَا شَرْطُ أَجَلٍ مَجْهُولٍ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ مَكَانِ التَّسْلِيمِ فِيمَا لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ مُعْتَبَرٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ مَا لَمْ يَأْتِيَا ذَلِكَ الْمَكَانَ، وَأَمَّا مَا لَا حِمْلَ لَهُ، وَلَا مُؤْنَةَ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِاشْتِرَاطِهِ الْأَجَلَ الْمَجْهُولَ لِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ الْمَكَانَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَقْدُ وَيُطَالِبُهُ بِالتَّسْلِيمِ فِي الْحَالِ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِيمَا لَا حِمْلَ لَهُ، وَلَا مُؤْنَةَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَكَانِ الْمَذْكُورِ، وَمَعْنَى الْأَجَلِ فِي ضِمْنِهِ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا. وَإِذَا أَقْرَضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الدَّرَاهِمَ ثُمَّ صَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى أَقَلَّ مِنْ وَزْنِهَا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْبَعْضَ وَأَبْرَأَهُ عَنْ الْبَعْضِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَحِيحٌ فِي الْكُلِّ فَكَذَلِكَ فِي الْبَعْضِ فَإِنْ فَارَقَهُ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا لَمْ يَبْطُلْ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ وَصِحَّةُ الْإِبْرَاءِ لَا تَسْتَدْعِي الْقَبْضَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ أَجَّلَهُ فِيهَا شَهْرًا؛ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ بَعْدِ الْإِقْرَاضِ كَالْمَقْرُونِ بِالْإِقْرَاضِ وَالْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ لَا يَلْزَمُ الْأَجَلُ إذَا اُقْتُرِنَ بِالْإِقْرَاضِ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي التَّأْجِيلِ بَعْدَ الْإِقْرَاضِ وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى عَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ لِتَمَكُّنِ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ فِي هَذَا الصُّلْحِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ فَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِ الدَّنَانِيرِ بَطَلَ الصُّلْحُ، وَإِنْ افْتَرَقَا بَعْدَ مَا قَبَضَ بَعْضَهَا يَبْرَأُ مِنْ حِصَّةِ الْمَقْبُوضِ، وَعَلَيْهِ رَدُّ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّرَاهِمِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ وَإِنْ صَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى ذَهَبٍ تِبْرٍ أَوْ مَصُوغٍ لَا يَعْلَمُ وَزْنَهُ جَازَ إنْ قَبَضَهُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ؛ لِأَنَّ رِبَا الْفَضْلِ يَنْعَدِمُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِخِلَافِ مَا إذَا صَالَحَهُ عَلَى فِضَّةٍ لَا يَعْلَمُ وَزْنَهَا؛ فَهُنَاكَ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ رِبَا الْفَضْلِ يَجْرِي وَتَوَهُّمُ الْفَضْلِ كَتَحَقُّقِهِ فِيمَا يَنْبَنِي أَمْرُهُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَصْلِ: لَوْ صَالَحَهُ عَلَى ذَهَبٍ تِبْرٍ جُزَافًا بِعَيْنِهِ أَوْ وَرِقٍ قِيلَ: قَوْلُهُ: أَوْ وَرِقٍ زِيَادَةٌ مِنْ الْكَاتِبِ وَقِيلَ: بَلْ هُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ فِي لَفْظِ الصُّلْحِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ مِنْ الْوَرِقِ أَقَلُّ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الصُّلْحِ عَلَى التَّجَوُّزِ بِدَوْرِ الْحَقِّ فَيَجُوزُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ حَقِّهِ وَزْنًا. وَإِنْ أَقْرَضَهُ دِرْهَمًا ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ فُلُوسًا بِعَيْنِهَا أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا فَهُوَ جَائِزٌ إنْ قَبَضَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا؛ لِأَنَّ الْفُلُوسَ الرَّائِجَةَ لَا تَتَعَيَّنُ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِخِلَافِ جِنْسِهَا فَإِنْ فَارَقَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَابِضٌ لِلدِّرْهَمِ بِذِمَّتِهِ؛ وَلِهَذَا يَسْقُطُ عَنْهُ فَكَانَ هَذَا عَيْنًا بِدَيْنٍ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي بَيْعِ الْفُلُوسِ بِالدَّرَاهِمِ أَنَّ قَبْضَ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ يَكْفِي قُلْنَا: نَعَمْ صَارَ قَابِضًا لَهُ بِذِمَّتِهِ وَلَكِنْ دَيْنًا لَا عَيْنًا

стр. 2935

لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِقَبْضِ مَالِ عَيْنٍ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِالْقَبْضِ بِالذِّمَّةِ فَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا بِدَيْنٍ فَيَكُونُ هَذَا افْتِرَاقًا عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. وَإِنْ أَقْرَضَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَخَذَ بِهَا كَفِيلًا ثُمَّ صَالَحَ الْكَفِيلُ الطَّالِبَ عَلَى عَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَقَبَضَهَا جَازَ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَصْلِ وَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ مَا هُوَ فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ وَصُلْحُهُ مَعَ الْأَصِيلِ جَائِزٌ عَلَى الدَّنَانِيرِ بِشَرْطِ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ فَكَذَلِكَ مَعَ الْكَفِيلِ ثُمَّ الْكَفِيلُ يَرْجِعُ عَلَى الْأَصِيلِ بِالدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّهُ بِالصُّلْحِ مَلَكَ مَا فِي ذِمَّتِهِ وَلَوْ مَلَكَهُ بِالْأَدَاءِ أَوْ بِالْهِبَةِ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْأَصْلِ فَكَذَلِكَ إذَا مَلَكَهُ بِالصُّلْحِ، وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ إلَّا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ هُنَا يَتَبَرَّأُ عَمَّا زَادَ عَلَى مِائَةٍ وَالْكَفِيلُ لَا يَتَمَلَّكُ الْمَكْفُولَ بِهِ بِالْإِبْرَاءِ فَلَا يَرْجِعُ إلَّا بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَالطَّالِبُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِتِسْعِمِائَةٍ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ. (قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ): لَمْ يَذْكُرْ فَضْلَ رُجُوعِ الطَّالِبِ عَلَى الْمَطْلُوبِ هُنَا وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الصُّلْحَ مَعَ الْكَفِيلِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ بِمَنْزِلَةِ إبْرَاءِ الطَّالِبِ عَنْ الْبَاقِي، وَبَرَاءَةُ الْكَفِيلِ لَا تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ فَكَانَ لِلطَّالِبِ أَنْ يَرْجِعَ بِالتِّسْعِمِائَةِ الْبَاقِيَةِ لِهَذَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَفِي الصُّلْحِ هُنَاكَ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ فَيَصِيرُ بِهِ مُتَمَلِّكًا جَمِيعَ الْأَلْفِ وَلَا مُبَادَلَةَ هُنَا فَإِنَّ مُبَادَلَةَ الْمِائَةِ بِالْأَلْفِ رِبًا قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الْمَكْفُولَ عَنْهُ صَالَحَ الْكَفِيلَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْكَفِيلُ الْمَالَ إلَى الطَّالِبِ عَلَى عَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَدَفَعَهَا إلَيْهِ كَانَ جَائِزًا؛ وَلِأَنَّ بِالْكَفَالَةِ كَمَا وَجَبَ الْمَالُ لِلطَّالِبِ عَلَى الْكَفِيلِ وَجَبَ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْأَصِيلِ، وَلَكِنَّهُ مُؤَجَّلٌ إلَى أَنْ يُؤَدَّى. وَالصُّلْحُ عَنْ الدَّرَاهِمِ الْمُؤَجَّلَةِ عَلَى دَنَانِيرَ صَحِيحٌ بِشَرْطِ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ فَإِنْ أَدَّى الْمَكْفُولُ عَنْهُ الدَّرَاهِمَ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْكَفِيلِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْكَفِيلُ أَنْ يَرُدَّ الدَّنَانِيرَ الَّتِي أَخَذَ. لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ لِيُسْقِطَ مُطَالَبَةَ الطَّالِبِ عَنْهُ وَلَمْ تَسْقُطْ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ جِنْسَ الْمَالِ ثُمَّ الْكَفِيلُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا مِنْهُ الدَّرَاهِمَ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ، وَمَبْنَى الصُّلْحِ عَلَى الْإِغْمَاضِ وَالتَّجَوُّزِ بِدُونِ الْحَقِّ؛ فَإِذَا مَنْ لَزِمَهُ الرَّدُّ تَخَيَّرَ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْمَقْبُوضَ بِعَيْنِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّ مَا صَارَ مُسْتَوْفِيًا بِالْمُقَاصَّةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَلَوْ كَانَ صَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ إلَّا بِهَا؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ الْكَفِيلُ مُبَرِّئٌ لِلْأَصِيلِ، وَفِي الْمِائَةِ مُسْتَوْفٍ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا رَدُّ مَا اسْتَوْفَى. وَإِذَا أَقْرَضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَبَضَهَا مِنْهُ وَأَمْرُهُ أَنْ يَصْرِفَهَا لَهُ فَصَرَفَهَا لَهُ بِالدَّنَانِيرِ فَلَا يَجُوزُ عَلَى الطَّالِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَإِنْ رَضِيَ الطَّالِبُ أَنْ يَأْخُذَ الدَّنَانِيرَ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا لَوْ اسْتَبْدَلَ مَعَهُ دَرَاهِمَ الْقَرْضِ بِالدَّنَانِيرِ هَكَذَا

стр. 2936

فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ قَالَ: هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الطَّالِبِ سَوَاءٌ صَرَفَ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّنَانِيرَ بِالدَّرَاهِمِ وَسَوَاءٌ قَبَضَهُ الطَّالِبُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالْمَسْأَلَةُ تَنْبَنِي عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ وَإِذَا قَالَ الطَّالِبُ لِلْمَطْلُوبِ: أَسْلِمْ مَالِي عَلَيْك فِي كُرِّ حِنْطَةٍ، وَقَدْ قَرَّرْنَا الْخِلَافَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالصَّرْفِ مَعَ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، أَوْ السَّلَمُ عِنْدَهُمَا يَصِحُّ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَضَافَ الْوَكَالَةَ إلَى مِلْكِهِ فَالدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمَدْيُونِ مِلْكُ الطَّالِبِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةِ لَا يَجُوزُ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرَهُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ إلَى مَنْ يَخْتَارُهُ لِنَفْسِهِ. وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَدَفَعَ الْمَطْلُوبُ إلَى الطَّالِبِ دَنَانِيرَ وَقَالَ: اصْرِفْهَا وَخُذْ مِنْهَا فَقَبَضَهَا فَهَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَهَا هَلَكَتْ مِنْ مَالِ الدَّافِعِ، وَالْمَدْفُوعُ إلَيْهِ مُؤْتَمَنٌ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الدَّنَانِيرَ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ، وَالْوَكِيلُ أَمِينٌ فِيمَا دَفَعَهُ الْمُوَكِّلُ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ صَرَفَهَا، وَقَبَضَ الدَّرَاهِمَ فَهَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا حَقَّهُ هَلَكَتْ مِنْ مَالِ الدَّافِعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فِي الْقَبْضِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ عَامِلٌ لِلْآمِرِ فَهَلَاكُهُ فِي يَدِهِ كَهَلَاكِهِ فِي يَدِ الْآمِرِ حَتَّى يَأْخُذَ حَقَّهُ فَإِذَا أَخَذَ حَقَّهُ وَضَاعَ مَا أَخْذَهُ فَهُوَ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذَا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ آخِذًا حَقَّهُ بِإِحْدَاثِ الْقَبْضِ فِيهِ لِأَجْلِ نَفْسِهِ، وَلَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ الْمَطْلُوبُ قَضَاءً كَانَ دَاخِلًا فِي ضَمَانِهِ فَكَذَلِكَ إذَا قَبَضَهُ بِأَمْرِهِ، وَإِنْ قَالَ: بِعْهَا بِحَقِّكَ فَبَاعَهَا بِدَرَاهِمَ مِثْلَ حَقِّهِ، وَأَخَذَهَا فَهُوَ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالْبَيْعِ مُمْتَثِلٌ أَمْرَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ؛ إذَا كَانَ فِي الْقَبْضِ عَامِلًا لِنَفْسِهِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ كَوْنُهُ تَابِعًا بِحَقِّهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ هُنَاكَ أَمْرَهُ بِالْبَيْعِ لِلْأَمْرِ، فَكَانَ فِي الْقَبْضِ عَامِلًا لِلْآمِرِ مَا لَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ مِنْ الْمَقْبُوضِ. وَإِذَا اشْتَرَى بَيْعًا عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ فَهَذَا فَاسِدٌ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَلِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ. وَالْمُرَادُ شَرْطٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ. وَإِذَا أَقْرَضَ الْمُرْتَدُّ أَوْ اسْتَقْرَضَ فَقُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَقَرْضُهُ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي مَالِهِ إمَّا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ قَدْ بَطَلَ فَبَقِيَ هُوَ قَابِضًا مَالَ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ وَذَلِكَ مُوجِبٌ الضَّمَانَ عَلَيْهِ أَوْ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِقْرَاضُ صَحِيحٌ فَإِنَّ تَوَقُّفَ تَصَرُّفِهِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ وَاسْتِقْرَاضِهِ لَا يُلَاقِي مَحَلًّا فِيهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ إذَا اسْتَقْرَضَ وَاسْتَهْلَكَ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - مَا لَمْ يُعْتَقْ؟ فَكَذَلِكَ الْمَحْجُورُ بِسَبَبِ الرِّدَّةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ ضَامِنًا مَا اسْتَقْرَضَ فِي مَالِهِ الَّذِي هُوَ حَقُّ الْوَرَثَةِ.

стр. 2937

قُلْنَا: الْعَبْدُ يَصِحُّ مِنْهُ الْتِزَامُ الضَّمَانِ بِالِاسْتِقْرَاضِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ حَتَّى يُؤَاخَذَ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ فَكَذَلِكَ مِنْ الْمُرْتَدِّ يَصِحُّ الِالْتِزَامُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ ثُمَّ حَقُّهُ فِي الْمَالِ يُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْوَرَثَةِ؛ وَلِهَذَا يَقْضِي سَائِرَ الدُّيُونِ مِنْ مَالِهِ فَكَذَلِكَ هَذَا الدَّيْنُ وَمَا أَقْرَضَهُ الْمُرْتَدُّ فَهُوَ دَيْنٌ عَلَى صَاحِبه؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِشَرْطِ الضَّمَانِ وَذَلِكَ مُوجَبٌ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّ وَفِي حَقِّ وَرَثَتِهِ. وَإِقْرَاضُ الْمُرْتَدَّةِ وَاسْتِقْرَاضُهَا جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهَا. وَلَا يَجُوزُ إقْرَاضُ الْعَبْدِ التَّاجِرِ وَالْمُكَاتَبِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَهَؤُلَاءِ لَا يَمْلِكُونَ التَّبَرُّعَ. وَإِذَا أَقْرَضَ الرَّجُلُ صَبِيًّا أَوْ مَعْتُوهًا فَاسْتَهْلَكَهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ هَكَذَا أَطْلَقَ فِي نُسَخِ أَبِي حَفْصٍ وَفِي نُسَخِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَمَّا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا اسْتَهْلَكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى الِاسْتِهْلَاكِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ، وَتَسْلِيطُ الصَّبِيِّ عَلَى الِاسْتِهْلَاكِ صَحِيحٌ، وَشَرْطُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بَاطِلٌ وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ فَهِيَ فِي الْقَرْضِ أَظْهَرُ، وَإِنْ أَقْرَضَ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَاسْتَهْلَكَهُ لَمْ يَأْخُذْهُ بِهِ حَتَّى يُعْتَقَ وَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّا - وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ وَإِنْ وَجَدَ الْمُقْرِضُ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ وَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مِلْكِهِ. وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ وَقَبَضَ فَهُوَ فَاسِدٌ لِوُجُودِ الْمُجَانَسَةِ وَالْقَدْرِ، وَالنَّسَا حَرَامٌ عِنْدَ وُجُودِ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ فَعِنْدَ وُجُودِهِمَا أَوْلَى، وَالْمَقْبُوضُ بِمَنْزِلَةِ الْقَرْضِ حَالٌّ عَلَيْهِ فَإِنْ وَجَدَ دَرَاهِمَهُ بِعَيْنِهَا فَلِلْآخَرِ أَنْ يُعْطِيَهُ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّهُ قَرْضٌ عَلَيْهِ وَاخْتِيَارُ مَحَلِّ قَضَاءِ بَدَلِ الْقَرْضِ إلَى مَنْ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيهِ خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ وَفِي نُسْخَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ لَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يُعْطِيَهُ غَيْرَهَا وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَجِبُ رَدُّهَا بِعَيْنِهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ الدَّرَاهِمِ تَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ الرَّهْنِ فِي الصَّرْفِ] قَالَ ﵀: وَإِذَا اشْتَرَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ وَنَقَدَهُ الدَّنَانِيرَ وَأَخَذَ بِالْعَشَرَةِ رَهْنًا يُسَاوِيهَا فَهَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا فَهُوَ بِمَا فِيهِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْبُيُوعِ حُكْمَ الرَّهْنِ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فَبَدَلُ الصَّرْفِ فِيهِ مِثْلُهُ ثُمَّ بِقَبْضِ الرَّهْنِ تَثْبُتُ لَهُ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ وَيَتِمُّ ذَلِكَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ وَيَصِيرُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ مُسْتَوْفِيًا عَيْنَ حَقِّهِ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ لَا مُسْتَبْدِلًا؛ فَلِهَذَا بَقِيَ عَقْدُ

стр. 2938

الصَّرْفِ كَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلَّى بِدَنَانِيرَ أَوْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَ السَّيْفَ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ رَهْنًا، فِيهِ وَفَاءٌ فَهَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا وَلَوْ نَقَدَهُ الثَّمَنَ وَأَخَذَ رَهْنًا بِالسَّيْفِ، وَفِيهِ وَفَاءٌ فَهَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا؛ فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الرَّهْنِ بِالْأَعْيَانِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ عَقْدِ الرَّهْنِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ، وَاسْتِيفَاءُ الْعَيْنِ مِنْ الْعَيْنِ غَيْرُ مُمْكِنٌ فَيَبْقَى السَّيْفُ عَلَى مِلْكِهِ بَعْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ السَّيْفِ وَمِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الرَّهْنَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَالْمَقْبُوضُ عَلَى جِهَةِ الشَّيْءِ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانَ السَّيْفِ مِنْطَقَةٌ أَوْ سَرْجٌ مُفَضَّضٌ أَوْ إنَاءٌ مَصُوغٌ أَوْ فِضَّةُ تِبْرٍ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التِّبْرَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ فِي أَنَّهُ جَعَلَهُ كَالسَّيْفِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِعَيْنِهِ فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ مَا تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَدْ بَطَلَ عَقْدُ الصَّرْفِ بِالِافْتِرَاقِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الِاسْتِيفَاءِ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ فَالِافْتِرَاقُ قَبْلَهُ مُبْطِلٌ لِعَقْدِ الصَّرْفِ وَلَكِنَّ الْمُرْتَهِنَ ضَامِنُ الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَمِمَّا رَهَنَ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ رَهْنًا بِالثَّمَنِ أَوْ بِالْمُثَمَّنِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ حُكْمٌ يَثْبُتُ بِالْقَبْضِ، وَالْقَبْضُ بَاقٍ بَعْدَ مَا بَطَلَ عَقْدُ الصَّرْفِ بِالِافْتِرَاقِ فَعِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ يَتِمُّ الِاسْتِيفَاءُ فِيمَا انْعَقَدَ ضَمَانُهُ بِالْقَبْضِ، وَقَدْ بَطَلَ الْعَقْدُ الْمُوجِبُ لِلِاسْتِيفَاءِ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْمُسْتَوْفَى كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيقَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الصَّرْفِ فِي الْمَعَادِنِ وَتُرَابِ الصَّوَّاغِينَ] قَالَ ﵀: ذَكَرَ حَدِيثَ «أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إذَا هَلَكَ الرَّجُلُ فِي الْبِئْرِ جَعَلُوهَا عَقْلَهُ وَإِذَا جَرَحَتْهُ دَابَّةٌ جَعَلُوهَا عَقْلَهُ وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِ مَعْدِنٌ جَعَلُوهُ عَقْلَهُ فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ قَالُوا: وَمَا الرِّكَازُ قَالَ: الذَّهَبَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي الْأَرْضِ يَوْمَ خَلَقَهَا» وَالْمُرَادُ بِالْعَجْمَاءِ الدَّابَّةُ لِأَنَّهَا بَهِيمَةٌ لَا تَنْطِقُ أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِي لَا يُفْصِحُ يُسَمَّى أَعْجَمِيًّا، وَالْجُبَارُ الْهَدَرُ وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ فِعْلَ الدَّابَّةِ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ صَالِحٍ بِأَنْ يَكُونَ مُوجِبًا عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَا ذِمَّةَ لَهَا فِي نَفْسِهَا وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَالَ: وَالرِّجْلُ جُبَارُ وَالْمُرَادُ أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا رَمَحَتْ بِرِجْلِهَا فَلَا ضَمَانَ فِيهِ عَلَى السَّائِقِ وَالْقَائِدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ. بِخِلَافِ مَا لَوْ كَدَمَتْ الدَّابَّةُ أَوْ ضَرَبَتْ بِالْيَدِ حَيْثُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ فِي وُسْعِ الرَّاكِبِ أَنْ يَمْنَعَهُ بِأَنْ يَرُدَّ لِجَامَهُ. وَأَمَّا الْبِئْرُ وَالْمَعْدِنُ فَجُبَارٌ؛ لِأَنَّ سُقُوطَهُ بِعَمَلِ مَنْ يُعَالِجُهُ فَيَكُونُ كَالْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لَنَا عَلَى وُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الْمَعْدِنِ.

стр. 2939

فَقَدْ أَوْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخُمُسَ فِي الرِّكَازِ ثُمَّ فَسَّرَ الرِّكَازَ بِالْمَعْدِنِ، وَهُوَ الذَّهَبُ الْمَخْلُوقُ فِي الْأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ؛ فَإِنَّ الْكَنْزَ مَوْضُوعٌ لِلْعِبَادِ. وَاسْمُ الرِّكَازِ يَتَنَاوَلهُمَا؛ لِأَنَّ الرِّكْزَ هُوَ الْإِثْبَاتُ يُقَالُ: رَكَّزَ رُمْحَهُ فِي الْأَرْضِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُثَبَّتٌ فِي الْأَرْضِ خِلْقَةً أَوْ وَضْعًا. . وَعَنْ عَامِرٍ ﵀ قَالَ: وَجَدَ رَجُلٌ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي قَرْيَةٍ خَرِبَةٍ فَقَالَ عَلِيٌّ: ﵁ سَأَقْضِي فِيهَا قَضَاءً بَيِّنًا، إنْ كُنْتَ وَجَدْتَهَا فِي قَرْيَةٍ يُؤَدِّي خَرَاجَهَا قَوْمٌ فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْك، وَإِنْ كُنْتَ وَجَدْتَهَا فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ يُؤَدِّي خَرَاجَهَا أَحَدٌ فَخُمُسُهَا لِبَيْتِ الْمَالِ وَبَقِيَّتُهَا لَكَ، وَسَنُتِمُّهَا لَك فَجَعَلَ الْكُلَّ لَهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - عَلَى أَنَّ وَاجِدَ الْكَنْزِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَمْلِكُهُ، وَلَكِنْ يَرُدُّهَا عَلَى صَاحِبِ الْخُطَّةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَالِكٍ كَانَ لِهَذِهِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَا اُفْتُتِحَتْ، وَفِيهِ دَلِيلُ وُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الْكَنْزِ وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَضَعَ ذَلِكَ فِي الْوَاجِدِ إذَا رَآهُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يَضَعَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَمَا رَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ قَالَ: إنْ كَانَتْ قَرْيَةً خَرِبَتْ عَلَى عَهْدِ فَارِسَ فَهُمْ أَحَقُّ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَادِيَةً خَرِبَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ لِلَّذِي وَجَدَهُ فَوَجَدُوهَا كَذَلِكَ فَأَدْخَلَ خُمُسَهُ بَيْتَ الْمَالِ وَأَعْطَى الرَّجُلَ بَقِيَّتَهُ وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ كَنْزًا بِالْمَدَائِنِ فَدَفَعَهُ إلَى عَامِلِهِ فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ: بِفِيهِ الْكَثْكَثُ - يَعْنِي التُّرَابَ - فَهَلَّا أَخَذَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْمَالِ، وَدَفَعَ إلَيْهِ خُمُسَهُ. وَهَذَا مَثَلٌ فِي الْعَرَبِ مَعْرُوفٌ لِلْجَانِبِ الْمُخْطِئِ فِي عَمَلِهِ، وَهُوَ مُرَادُ عَائِشَةَ ﵂ بِمَا قَالَتْ - يَعْنِي أَنَّهُ خَابَ وَخَسِرَ لِخَطَئِهِ فِيمَا صَنَعَ فِي دَفْعِهِ الْكُلَّ إلَى الْعَامِلِ فَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يُخْفِيَ مِقْدَارَ حَقِّهِ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَدْفَعَ إلَى الْعَامِلِ الْأَقْدَرِ الْخُمُسَ. . وَعَنْ جَبَلَةَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَرَجَ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ إلَى دَيْرٍ خَرِبَةٍ فَوَقَعَتْ فِيهِ ثُلْمَةٌ فَإِذَا سَتُّوقَةٌ أَوْ جَرَّةٌ فِيهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ ذَهَبٍ قَالَ: فَأَتَيْتُ بِهَا عَلِيًّا ﵁ فَقَالَ: أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لَكَ، وَالْخُمُسُ الْبَاقِي مِنْهُ اقْسِمْهُ فِي فُقَرَاءِ أَهْلِكَ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ وَضْعِ الْخُمُسِ فِي قَرَابَةِ الْوَاحِدِ وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُفَوِّضَ ذَلِكَ إلَيْهِ كَمَا لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ خُمُسَ الرِّكَازِ فِي مَعْنَى خَمْسِ الْغَنِيمَةِ، وَوَضْعُ ذَلِكَ فِي قَرَابَةِ الْغَانِمِينَ جَائِزٌ إذَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ إلَيْهِ. وَعَنْ الْحَارِثِ الْأَزْدِيِّ قَالَ: وَجَدَ رَجُلٌ رِكَازًا فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ أَبِي بِمِائَةِ شَاةٍ تَبِيعٍ فَلَامَتْهُ أُمِّي، وَقَالَتْ: اشْتَرَيْتَهُ بِثَلَاثِمِائَةٍ أَنْفُسُهَا مِائَةٌ، وَأَوْلَادُهَا مِائَةٌ وَكِفَايَتُهَا مِائَةٌ فَنَدِمَ الرَّجُلُ فَاسْتَقَالَهُ فَأَبَى أَنْ يُقِيلَهُ فَقَالَ: لَك عَشْرُ شِيَاهٍ فَأَبَى فَقَالَ: لَكَ عَشَرَةٌ أُخْرَى فَأَبَى فَعَالَجَ الرِّكَازَ فَخَرَجَ مِنْهُ قِيمَةُ أَلْفِ شَاةٍ فَأَتَاهُ الْآخَرُ فَقَالَ خُذْ غَنَمَك وَأَعْطِنِي مَالِي فَأَبَى عَلَيْهِ فَقَالَ:

стр. 2940

لَأَضُرَّنَّكَ فَأَتَى عَلِيًّا ﵁ فَذَكَرَ ذَلِكَ فَقَالَ: عَلِيٌّ ﵁ أَدِّ خُمُسَ مَا وَجَدْت لِلَّذِي وَجَدَ الرِّكَازَ، فَأَمَّا هَذَا فَإِنَّمَا أَخَذَ ثَمَنَ غَنَمِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمَعْدِنِ بِالْعُرُوضِ جَائِزٌ وَقَوْلُهُ بِمِائَةِ شَاةٍ تَبِيعٍ أَيْ: كُلُّ شَاةٍ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا، وَهِيَ حَامِلٌ بِأُخْرَى، وَهَذَا مَعْنَى مَلَامِهَا إيَّاهُ حَيْثُ قَالَتْ: اشْتَرَيْتَهَا بِثَلَاثِمِائَةٍ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهَا: وَكِفَايَتُهَا: حَمْلُهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ لَبَنُهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَصَرِّفَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْنِيَ تَصَرُّفَهُ عَلَى رَأْيِ زَوْجَتِهِ فَإِنَّهُ نَدِمَ بِنَاءً عَلَى رَأْيِهَا ثُمَّ خَرَجَ لَهُ مِنْهُ قِيمَةُ أَلْفِ شَاةٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «شَاوِرُوهُنَّ وَخَالِفُوهُنَّ»، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خُمُسَ الرِّكَازِ عَلَى الْوَاجِدِ دُونَ الْمُشْتَرِي وَأَنَّ بَيْعَ الْوَاجِدِ قَبْلَ أَدَاءِ الْخُمُسِ جَائِزٌ فِي الْكُلِّ فَيَكُونُ دَلِيلًا لَنَا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ مَالِ الزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَقْصِدَ الْإِضْرَارَ بِالْغَيْرِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلُحُوقِ الضَّرَرِ بِهِ كَمَا اُبْتُلِيَ بِهِ هَذَا الرَّجُلُ، وَهَذَا مَعْنَى مَا يُقَالُ مَنْ حَفَرَ مَهْوَاةً وَقَعَ فِيهَا وَيُقَالُ: الْمُحْسِنُ يُجْزَى بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءُ سَتُلْقِيهِ مَسَاوِيهِ. . وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي بَيْعِ تُرَابِ الصَّوَّاغِينَ وَهُوَ غَرَرٌ مِثْلُ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ وَبِهِ نَأْخُذُ فَالْمَقْصُودُ مَا فِي التُّرَابِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا عَيْنُ التُّرَابِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ وَمَا فِيهِ لَيْسَ بِمَعْلُومِ الْوُجُودِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ فَكَانَ هَذَا بَيْعَ الْغَرَرِ. «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعٍ فِيهِ غَرَرٌ» وَلَكِنْ هَذَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ هَلْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ عُلِمَ وُجُودُ ذَلِكَ فَبَيْعُ شَيْءٍ مِنْهُ مُعَيَّنٍ بِالْعُرُوضِ جَائِزٌ عَلَى مَا بَيَّنَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَعَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّا يُوجَدُ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُلْتَقِطَ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ فِي اللُّقْطَةِ. وَبِظَاهِرِهِ يَسْتَدِلُّ الشَّافِعِيُّ وَيَقُولُ: لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا وَلَكِنَّا نَقُولُ: مُرَادَهُ فَاصْرِفْهَا إلَى حَاجَتِكَ؛ لِأَنَّهُ ﷺ عَلِمَهُ مُحْتَاجًا. وَعِنْدَنَا لِلْفَقِيرِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِاللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ. قَالَ فَإِنْ وَجَدَهَا فِي الْخَرِبِ الْعَادِيَّ فَفِيهَا وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ، وَالْمُرَادُ بِالرِّكَازِ الْمَعْدِنُ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى الْكَنْزِ، وَإِنَّمَا يُعْطَفُ الشَّيْءُ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ، وَكُلُّ مَنْ احْتَفَرَ مِنْ الْمَعْدِنِ، فَعَلَيْهِ خُمُسُ مَا وَجَدَ، وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَثَرِ قَالَ: وَأَكْرَهُ أَنْ تَتَقَاسَمُونَهُ التُّرَابَ، وَلَا أُجِيزُهُ، وَإِنْ فَعَلُوا حَتَّى تَخَلَّصَ، تَقَاسَمُوهُ عَلَى مَا يَخْلُصُ مِنْ ذَلِكَ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ مَا فِي التُّرَابِ، وَحَقُّهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَعِنْدَ قِسْمَةِ التُّرَابِ لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُ مَا يَصِلُ مِنْ الْمَقْصُودِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَهُمْ فِي مَعْنَى قِسْمَةِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ مُجَازَفَةً،

стр. 2941

وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهِ مُجَازَفَةً بِجِنْسِهِ. وَلَوْ اشْتَرَى مَعْدِنَ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّ مَا فِي تُرَابِ الْمَعْدِنِ مِنْ الْفِضَّةِ مِثْلُ الْفِضَّةِ الْأُخْرَى، أَوْ أَقَلُّ، أَوْ أَكْثَرُ، وَالْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الرِّبَا وَاجِبٌ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: كُنَّا نَدْعُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْحَلَالِ مَخَافَةَ الْحَرَامِ، وَقَالَ ﷺ «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ فِي شَيْءٍ إلَّا وَقَدْ غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ»، وَقَالَ: فِي الرِّبَا «مَنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ» وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَاهُ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ فَلَعَلَّ مَا فِي التُّرَابِ مِنْ الْفِضَّةِ مِثْلُ الْمُنْفَصِلِ فَيَكُونُ الذَّهَبُ رِبًا؛ لِأَنَّهُ فَضْلٌ خَالٍ عَنْ الْعِوَضِ فَالتُّرَابُ لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ إنْ اشْتَرَاهُ بِذَهَبٍ جَازَ؛ لِأَنَّ رِبَا الْفَضْلِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَكَانَ بِالْخِيَارِ إذَا خَلَصَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَرَأَى مَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَشَفَ لَهُ الْحَالَ الْآنَ، وَلَا يَتِمُّ رِضَاهُ بِذَلِكَ، فَكَانَ الْخِيَارُ إلَيْهِ، كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا لَمْ يَرَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهُ بِعَرَضٍ. وَكَذَلِكَ تُرَابُ مَعْدِنٍ مِنْ الذَّهَبِ إذَا اشْتَرَاهُ بِذَهَبٍ لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِفِضَّةٍ، أَوْ عَرَضٍ جَازَ لِانْعِدَامِ الرِّبَا بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَإِذَا احْتَفَرَ مَوْضِعًا مِنْ الْمَعْدِنِ، ثُمَّ بَاعَ تِلْكَ الْحُفْرَةَ، فَإِنَّ بَيْعَهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُ، فَإِنَّ تِلْكَ الْحُفْرَةَ لَمْ يَمْلِكْهَا بِمُجَرَّدِ الْحَفْر؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِحْرَازِ، وَهُوَ لَمْ يُحْرِزْهُ، فَإِنَّ إحْرَازَهُ فِيمَا رَفَعَ مِنْ التُّرَابِ، دُونَ الْبَاقِي فِي مَكَانِهِ، فَهُوَ كَبَيْعِ صَخْرَةٍ مِنْ الْجَبَلِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِزَهَا، وَيُخْرِجَهَا، وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ أَحْرَزَ بَعْضَهَا، فَبَاعَ ذَلِكَ الْمُحْرَزَ بِمِائَةِ شَاةٍ، وَبَاعَ لَهُ الْبَاقِي، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَدِّ خُمُسَ مَا وَجَدْتَ مِنْ الرِّكَازِ، يَعْنِي مَا أَحْرَزْتَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَاهَا رَجُلًا عَلَى أَنْ يُعَوِّضَهُ مِنْهَا عِوَضًا، فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مَا لَا يَمْلِكُ، وَاشْتَرَطَ الْعِوَضَ عَلَيْهِ فِي إخْرَاجِ الْمُبَاحِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَرَجَعَ فِي عِوَضِهِ وَمَا احْتَفَرَ الرَّجُلُ مِنْ الْحُفْرَةِ فَأَحْرَزَهُ، فَهُوَ لَهُ بِالْإِحْرَازِ، وَعَلَيْهِ الْخُمُسُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ الْأَجِيرَ يَعْمَلُ مَعَهُ بِتُرَابِ مَعْدِنٍ مَعْرُوفٍ فَهُوَ جَائِزُ؛ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنْ الذَّهَبِ، أَوْ الْفِضَّةِ؛ لِأَنَّ جَهَالَةَ مِقْدَارِهِ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ لَمَّا كَانَ التُّرَابُ مُعَيَّنًا مَعْرُوفًا، وَلَهُ الْخِيَارُ إذَا رَأَى مَا فِيهِ، كَمَنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ. وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ بِوَزْنٍ مِنْ التُّرَابِ مُسَمًّى بِغَيْرِ عَيْنِهِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَا فِي التُّرَابِ، وَذَلِكَ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا بِذِكْرِ وَزْنِ التُّرَابِ فَقَدْ يَكْثُر ذَلِكَ فِي الْبَعْضِ، وَيَقِلُّ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ، وَيَنْعَدِمُ فِي الْبَعْضِ، وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى عَرَضًا بِوَزْنٍ مِنْ التُّرَابِ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا قُلْنَا وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، فَأَعْطَاهُ بِهِ تُرَابًا بِعَيْنِهِ يَدًا بِيَدٍ، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ فِضَّةً، فَأَعْطَاهُ تُرَابَ فِضَّةٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِتَوَهُّمِ الْفَضْلِ فِيمَا أَعْطَاهُ، وَإِنْ

стр. 2942

أَعْطَاهُ تُرَابَ ذَهَبٍ، جَازَ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَأَى مَا فِيهِ وَإِذَا اسْتَقْرَضَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ تُرَابَ ذَهَبٍ أَوْ تُرَابَ فِضَّةٍ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مِثْلُ مَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِوَزْنِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَا فِيهِ، وَاسْتِقْرَاضُهُ جَائِزٌ فَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالْمِثْلِ وَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُسْتَقْرِضِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْمُقْرِضُ، وَإِنْ كَانَ اسْتِقْرَاضُ التُّرَابِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ تُرَابًا مِثْلَهُ لَمْ يَجُزْ، مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الشَّرْطِ زِيَادَةً، أَوْ نُقْصَانًا فِيمَا اسْتَقْرَضَهُ مِمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَمِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ فِي الْقَرْضِ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا وَاسْتَهْلَكَ التُّرَابَ، فَعَلَيْهِ مِثْلُ مَا فِيهِ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، وَالْقَوْلُ فِي مِقْدَارِهِ قَوْلُ الضَّامِنِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتَنَاوَلُ عَيْنَ التُّرَابِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا فِيهِ وَإِنْ اشْتَرَى تُرَابَ فِضَّةٍ بِتُرَابِ فِضَّةٍ، أَوْ تُرَابِ ذَهَبٍ بِتُرَابِ ذَهَبٍ لَمْ يَجُزْ تَسَاوِيًا، أَوْ تَفَاضُلًا؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَا فِي التُّرَابِ وَبِالْمُسَاوَاةِ فِي وَزْنِ التُّرَابِ لَا تَحْصُل الْمُمَاثَلَةُ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ شَرْطُ جَوَازِ الْعَقْدِ وَإِنْ اشْتَرَى تُرَابَ ذَهَبٍ بِتُرَابِ فِضَّةٍ جَازَ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ مُجَازَفَةً وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ إذَا رَأَى مَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ صَارَ مَعْلُومًا لَهُ الْآنَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ صَرْفِ الْقَاضِي] قَالَ ﵀: وَحُكْمُ الْقَاضِي فِي الصَّرْفِ، وَحُكْمُ وَكِيلِهِ وَأَمِينِهِ كَحُكْمِ سَائِرِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا يُبَاشِرُ مِنْ الْعُقُودِ لَيْسَ بِقَاضٍ، وَإِنْ كَانَ قَاضِيًا فَمُبَاشَرَةُ الْعَقْدِ عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ، تَسْتَدْعِي مِنْ الشَّرَائِطِ مَا تَسْتَدْعِيهِ مُبَاشَرَتُهُ لَا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ لِلْيَتِيمِ دَرَاهِمُ فَصَرْفَهَا الْوَصِيُّ بِدَنَانِيرَ مِنْ نَفْسِهِ بِسِعْرِ السُّوقِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الصَّرْفِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْيَتِيمِ، وَهُوَ شَرْطُ نُفُوذِ تَصَرُّفِ الْوَصِيِّ فِيمَا يُعَامِلُ نَفْسَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي حِجْرِهِ يَتِيمَانِ لِأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ، وَلِلْآخَرِ دَنَانِيرُ فَصَرَفَهَا الْوَصِيُّ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ إنْ نَفَعَ أَحَدَهُمَا فَقَدْ أَضَرَّ بِالْآخَرِ، وَهُوَ لَا يَنْفَرِدُ بِالتَّصَرُّفِ إلَّا بِشَرْطِ مَنْفَعَةٍ ظَاهِرَةٍ ، وَإِذَا اشْتَرَى مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ نَظَرْتُ فِيهِ فَإِذَا كَانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ أَمْضَيْتُ الْبَيْعَ فِيهِ، وَإِلَّا فَهُوَ بَاطِلٌ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ أَصْلًا لِلْأَثَرِ الَّذِي رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةُ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، أَمَّا أَبُو الصَّبِيِّ، أَوْ جَدُّهُ أَبُو أَبِيهِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، فَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ مَعَ نَفْسِهِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ شَفَقَتَهُ تَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ لَا يَتْرُكَ

стр. 2943

النَّظَرَ لَهُ، فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى الْمَنْفَعَةِ الظَّاهِرَةِ لِلْيَتِيمِ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ وَإِنْ اشْتَرَى تُرَابَ الصَّوَّاغِينَ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ فِيهِ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ خَاصَّةً مِثْلَ الَّذِي بِمُقَابِلَتِهِ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ، فَيَكُونُ النَّوْعُ الْآخَرُ رِبًا، وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ جَازَ، وَلَهُ الْخِيَارُ إذَا رَآهُ، وَعَلِمَ مَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْآنَ صَارَ مَعْلُومًا لَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِ ذَهَبًا وَفِضَّةً فَاشْتَرَاهُ بِذَهَبٍ، وَفِضَّةٍ، يَجُوزُ عَلَى أَنْ يُصْرَفَ الْجِنْسُ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ فِي بَيْعِ الْجِنْسَيْنِ بِجِنْسَيْنِ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِسَيْفٍ مُحَلًّى، أَوْ مِنْطَقَةٍ مُفَضَّضَةٍ، أَوْ قِلَادَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ، وَلُؤْلُؤٌ، وَجَوْهَرٌ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّ مَا فِي التُّرَابِ مِثْلُ الْحِلْيَةِ فَيَبْقَى السَّيْفُ رِبًا، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ فِيهِ ذَهَبًا وَفِضَّةً، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ بِفِضَّةٍ، وَجَوْهَرٍ أَوْ بِذَهَبٍ، وَعَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ تَصْحِيحَ الْعَقْدِ هُنَا مُمْكِنٌ، بِأَنْ يُصْرَفَ الْمِثْلُ إلَى الْمِثْلِ، وَالْبَاقِي بِإِزَاءِ الْعُرُوضِ، وَالْحُكْمُ فِي تُرَابِ مَعْدِنِ فِضَّةٍ، وَمَعْدِنِ ذَهَبٍ يَشْتَرِيهِمَا رَجُلٌ جَمِيعًا عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي تُرَابِ الصَّوَّاغِينَ؛ لِاشْتِمَالِ التُّرَابِ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جَمِيعًا، وَشَرْطُ الْخِيَارِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُفْسِدٌ لِلْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ صَرْفٌ بِاعْتِبَارِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ مَا فِي التُّرَابِ لَوْ اشْتَرَى ذَهَبًا، وَفِضَّةً لَا يَعْلَمُ وَزْنَهُمَا بِفِضَّةٍ، وَذَهَبٍ لَا يَعْلَمُ وَزْنَهُمَا جَازَ بِطَرِيقِ صَرْفِ الْجِنْسِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَطَاءِ وَالرِّزْقِ، فَالرِّزْقُ اسْمٌ لِمَا يَخْرُجُ لِلْجُنْدِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ شَهْرٍ، وَالَعْطَاءُ اسْمٌ لِمَا يَخْرُجُ لَهُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَكُلٌّ صِلَةٌ يَخْرُجُ لَهُ، فَلَا يَمْلِكُهَا قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِ، وَبَيْعُ مَا لَا يَمْلِكُ الْمَرْءُ لَا يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ إنْ زِيدَ فِي عَطَائِهِ، فَبَاعَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ بِالْعُرُوضِ، أَوْ غَيْرِهَا فَهُوَ بَاطِلٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَبِهِ نَأْخُذُ، وَكَانَ شُرَيْحٌ يُجَوِّزُ بِيعَ زِيَادَةِ الْعَطَاءِ بِالْعُرُوضِ، وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهَذَا؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْعَطَاءِ كَأَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَوْ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ كَانَ دَيْنًا، وَبَيْعُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا يَجُوزُ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ هَذَا فِيمَا هُوَ دَيْنٌ حَقِيقَةً، فَكَيْفَ يَجُوزُ فِي الْعَطَاءِ، وَلَكِنْ ذُكِرَ عَنْ إبْرَاهِيمَ وَشُرَيْحٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّهُمَا كَانَا يُجَوِّزَانِ الشِّرَاءَ بِالدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ زُفَرَ أَخَذَ بِقَوْلِهِمَا فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ الْإِجَارَةِ فِي الصِّيَاغَةِ] قَالَ: ﵀ وَإِنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ يَعْمَلُ لَهُ فِي فِضَّةٍ مَعْلُومَةٍ يَصُوغُهَا صِيَاغَةً مَعْلُومَةً، فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الْحُلِيُّ، وَالْآنِيَةُ، وَحِلْيَةُ السَّيْفِ وَالْمَنَاطِقُ وَغَيْرُهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلٍ

стр. 2944

مَعْلُومٍ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ، فَلَا تُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْأُجْرَةِ، وَبَيْنَ مَا يَعْمَلُ فِيهِ مِنْ الْفِضَّةِ فِي الْوَزْنِ؛ لِأَنَّ مَا يُشْتَرَطُ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ لَا بِمُقَابَلَةِ مَحَلِّ الْعَمَلِ، وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيُخَلِّصَ لَهُ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً مِنْ تُرَابِ الصَّوَّاغِينَ، أَوْ تُرَابَ الْمَعَادِنِ؛ إذَا اشْتَرَطَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ عَمَلِهِ بَعْدَ تَعْيِينِ الْمَحَلِّ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ الصَّنْعَةِ، عَلَى وَجْهٍ لَا تُمْكِنُ فِيهِ مُنَازَعَةٌ. وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيُفَضِّضَ لَهُ حُلِيًّا، أَوْ يَنْقُشَ بِنَقْشٍ مَعْرُوفٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ مَعْلُومٌ، وَالْبَدَلُ بِمُقَابَلَتِهِ مَعْلُومٌ، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيُمَوِّهَ لَهُ لِجَامًا، فَإِنْ اُشْتُرِطَ ذَهَبُ التَّمْوِيهِ عَلَى الَّذِي يَأْخُذُ الْأَجْرَ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الذَّهَبِ لِلتَّمْوِيهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ؛ وَلِأَنَّ الْعَقْدَ فِي ذَلِكَ صَرْفٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يُوجَدْ. وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ بِدَرَاهِمَ لِيُمَوِّهَ لَهُ حِرْزًا بِقِيرَاطِ ذَهَبٍ؛ فَهَذَا بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَقْبِضَ الدَّرَاهِمَ، وَيَقْبِضَ ذَلِكَ الْقِيرَاطَ، ثُمَّ يَرُدَّهُ إلَيْهِ، وَيَقُولَ: مَوِّهْ بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْجَرَهُ بِذَهَبٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَتَقَابَضَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي الذَّهَبِ صَرْفٌ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِعَرَضٍ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَكِيلِ أَوْ الْمَوْزُونِ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنْ يُمَوِّهَ لَهُ ذَلِكَ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ مُسَمًّى فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْعَرَضِ بِمُقَابَلَةِ الذَّهَبِ الْمُسَمَّى يَكُونُ تَبَعًا، وَالْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ بِالدَّيْنِ، وَبَعْضُهُ بِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ، وَهِيَ إجَارَةٌ صَحِيحَةٌ، فَإِنْ عَمِلَهُ فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ: لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مَا شَرَطْتَ لِي، وَقَالَ الْآخَرُ: قَدْ فَعَلْتُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِإِنْكَارِهِ الْقَبْضَ فِي بَعْضِ مَا اسْتَحَقَّهُ بِالْبَيْعِ، ثُمَّ يُعْطِي الْمُمَوَّهَ قِيمَةَ مَا زَادَ التَّمْوِيهُ فِي مَتَاعِهِ، إلَّا أَنْ يَرْضَى أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ أَصْلَ الْعَمَلِ، وَلَكِنَّهُ غَيَّرَهُ عَنْ الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ، عَلَيْهِ فَإِنْ رَضِيَ بِأَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِ فَقَدْ وَجَدَ إبْقَاءَ الْمَشْرُوطِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا زَادَ التَّمْوِيهُ فِي مَتَاعِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظَائِرَهُ فِي بَابِ الِاسْتِصْنَاعِ مِنْ كِتَابِ الْإِجَارَاتِ فِي مَسْأَلَةِ الصُّيَّاغِ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ يَحْمِلُ لَهُ مَالًا مِنْ أَرْضٍ إلَى أَرْضٍ، أَوْ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً مُسَمَّاةً، فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ تُرَابَ الْمَعَادِنِ أَوْ تُرَابَ الصِّيَاغَةِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَعْلُومٌ بِبَيَانِ الْمَسَافَةِ، وَالْمَحْمُولِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَبِيعُ لَهُ شَهْرًا فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَنَافِعُهُ، وَهِيَ مَعْلُومَةٌ بِبَيَانِ الْمُدَّةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَبِيعَ هَذَا الْعَبْدَ بِعَيْنِهِ، حَيْثُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ، وَرَدَتْ عَلَى الْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا لِلتَّذْرِيَةِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّةَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ. وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَحْفِرُ لَهُ فِي هَذَا الْمَعْدِنِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ بِكَذَا فَهُوَ جَائِزٌ. وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيُنَقِّيَ تُرَابَ الْمَعْدِنِ أَوْ تُرَابَ الصِّيَاغَةِ بِنِصْفِ مَا يُخْرِجُ مِنْهُ، كَانَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ مَجْهُولٌ، وَوُجُودُهُ عَلَى خَطَرٍ، وَهُوَ اسْتِئْجَارُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ، فَيَكُونُ

стр. 2945

بِمَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى الْمَنْفَعَةَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ. وَإِنْ اسْتَأْجَرَ إنَاءَ فِضَّةٍ أَوْ حُلِيَّ ذَهَبٍ يَوْمًا بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ مُنْتَفِعٌ بِهِ، لُبْسًا أَوْ اسْتِعْمَالًا، وَالْبَدَلَ بِمُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْعَيْنِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا فِيهِ. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ مِنْهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَوْ مِائَةَ دِينَارٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ ثَوْبٍ لَمْ يَجُزْ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِنَاءٍ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، وَمِثْلُهُ لَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْإِجَارَةِ، وَإِنَّمَا يَرِدُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَى مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءُ عَيْنِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِعَارَةَ فِي الدَّرَاهِمِ، وَالدَّنَانِيرِ لَا تَتَحَقَّقُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ قَرْضًا، فَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ سَيْفًا مُحَلَّى أَوْ مِنْطَقَةً، أَوْ سَرْجًا مُدَّةً مَعْلُومَةً بِدَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ، أَوْ أَقَلَّ؛ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَذِهِ الْأَعْيَانِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ مُمْكِنٌ، وَالْبَدَلُ بِمُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْحِلْيَةِ. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ صَائِغًا يَصُوغُ لَهُ طَوْقَ ذَهَبٍ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، وَقَالَ: زِدْ فِي هَذَا الذَّهَبِ عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ؛ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقْرَضَ مِنْهُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْلِطَهُ بِمِلْكِهِ فَيَصِيرُ قَابِضًا كَذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْجَرَهُ فِي إقَامَةِ عَمَلٍ مَعْلُومٍ فِي ذَهَبٍ لَهُ؛ وَلِأَنَّ هَذَا مُعْتَادٌ فَقَدْ يَقُولُ الصَّائِغُ لِمَنْ يَسْتَعْمِلُهُ: إنَّ ذَهَبَك لَا يَكْفِي لِمَنْ تَطْلُبُهُ، فَيَأْمُرُهُ أَنْ يَزِيدَ مِنْ عِنْدِهِ، وَإِذَا كَانَ أَصْلُ الِاسْتِصْنَاعِ يَجُوزُ فِيمَا فِيهِ التَّعَامُلُ، فَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ، فَإِنْ قَالَ: قَدْ زِدْتُ فِيهِ عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ، وَقَالَ رَبُّ الطَّوْقِ: إنَّمَا زِدْتَ فِيهِ خَمْسَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْشُوًّا بِوَزْنِ الطَّوْقِ لِيَظْهَرَ بِهِ الصَّادِقُ مِنْهُمَا فَإِنْ كَانَ مَحْشُوًّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الطَّوْقِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِإِنْكَارِهِ الْقَبْضَ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى خَمْسِ مَثَاقِيلَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الصَّائِغُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَهَبِهِ، وَيَكُونُ الطَّوْقُ لِلصَّائِغِ؛ لِأَنَّ الطَّوْقَ فِي يَدِهِ، وَهُوَ غَيْرُ رَاضٍ بِإِزَالَةِ يَدِهِ عَنْهُ؛ مَا لَمْ يُعْطِهِ عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ، وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِيَمِينِ رَبِّ الطَّوْقِ، فَكَانَ لِلصَّائِغِ أَنْ يُمْسِكَ الطَّوْقَ، وَيَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَهَبِهِ، قَالَ: وَهَذَا لَا يُشْبِهُ الْأَوَّلَ، يُرِيدُ بِهِ مَسْأَلَةَ الْحِرْزِ، فَقَدْ بَيَّنَّا هُنَاكَ أَنَّ الْخِيَارَ لِصَاحِبِ الْحِرْزِ؛ لِأَنَّ ذَهَبَ التَّمْوِيهِ صَارَ مُسْتَهْلَكًا لَا يَتَخَلَّصُ مِنْ الْحِرْزِ بِمَنْزِلَةِ الصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ، فَكَانَ الْخِيَارُ لِصَاحِبِ الْحِرْزِ، وَهُنَا عَيْنُ مَا زَادَ مِنْ الذَّهَبِ قَائِمٌ فِي الطَّوْقِ، فَالصَّائِغُ فِيهِ كَالْبَائِعِ، فَيَكُون لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ كَمَالُ الْعِوَضِ. وَإِنْ أَمَرَ الصَّائِغَ أَنْ يَصُوغَ لَهُ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِيهِ دِرْهَمٌ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَأَرَاهُ الْقَدْرَ وَقَالَ: لِتَكُونَ الْفِضَّةُ عَلَيَّ قَرْضًا مِنْ عِنْدِك. لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْفِضَّةَ لِلصَّائِغِ كُلَّهَا، وَالْمُسْتَقْرِضُ لَا يَصِيرُ قَابِضًا لَهَا فَيَبْقَى الصَّائِغُ عَامِلًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، ثُمَّ بَائِعًا مِنْهُ الْفِضَّةَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ الْمُسْتَقْرِضُ يَصِيرُ قَابِضًا لِلذَّهَبِ يَخْلِطُهُ بِمِلْكِهِ، فَإِنَّمَا يَكُونُ الصَّائِغُ عَامِلًا لَهُ فِي مِلْكِهِ؛ فَلِهَذَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَيْهِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْخَاتَمِ يَفْسُدُ أَيْضًا لِعِلَّةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ صَرْفٌ بِالنَّسِيئَةِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ
следующие страницы →