← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُوزَنُ عَادَةً أَوْ لَا يُوزَنُ، فَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِاعْتِبَارِ النُّقْصَانِ الْمُتَمَكِّنِ بِالْكَسْرِ، وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ جَمِيعِ الدَّيْنِ إذَا أَرَادَ أَخْذَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . [بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الرَّهْنِ] قَالَ (﵀): وَإِذَا ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ، وَقَدْ قَبْضَهُ، وَأَنْكَرَهُ الرَّاهِنُ؛ فَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ رَهَنَهُ بِمِائَةٍ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ رَهَنَهُ بِمِائَتَيْنِ، فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِاخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ مِنْ الْمَالِ لَفْظًا وَمَعْنًى، فَالْمِائَةُ غَيْرُ الْمِائَتَيْنِ، وَبِدُونِ ثُبُوتِ الدَّيْنِ لَا يَثْبُتُ الرَّهْنُ، وَعِنْدَهُمَا يُثْبِتُ الْمِائَةَ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي الْمِائَتَيْنِ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا، وَيُقْضَى الرَّهْنُ بِالْمِائَةِ فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِمِائَةٍ، وَالْآخَرُ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَالْمُرْتَهِنُ يَدَّعِي مِائَةً وَخَمْسِينَ فَالرَّهْنُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ لِاتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْمِائَةِ لَفْظًا، وَمَعْنًى، وَالْخَمْسُونَ عَطْفٌ عَلَى الْمِائَةِ فِي شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا، وَلَوْ ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ مِائَةً بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا لِإِكْذَابِ الْمُدَّعِي أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَالثَّمَنُ هُنَاكَ يَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ بِمِائَةٍ غَيْرُ الْعَقْدِ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، فَلَا يُمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِوَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ، وَبِدُونِ السَّبَبِ لَا يَجِبُ الْمَالُ، وَهُنَا الدَّيْنُ كَانَ وَاجِبًا قَبْلَ عَقْدِ الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ، وُجُوبُهُ بِالرَّهْنِ، فَاخْتِلَافُ الشَّاهِدَيْنِ فِي مِقْدَارِهِ لَا يَمْنَعُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِمَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ لَفْظًا وَمَعْنًى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ مَعْنًى عِنْدَهُمَا، وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِدَنَانِيرَ، وَالْآخَرُ بِدَرَاهِمَ كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةً لِاخْتِلَافِهِمَا فِي جِنْسِ الْمَشْهُودِ بِهِ مِنْ الدَّيْنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدَ الْمَالَيْنِ، فَيَكُونُ مُكَذِّبًا شَاهِدَهُ الْآخَرَ. وَلَوْ ادَّعَى الرَّاهِنُ أَنَّهُ رَهَنَهُ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَهِيَ قِيمَتُهُ، وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ شَاهِدٌ، وَشَهِدَ آخَرُ عَلَى مِائَةٍ، وَقَالَ: الْمُرْتَهِنُ لِي عَلَيْهِ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ، وَهَذَا رَهْنٌ بِمِائَةٍ مِنْهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُنَازَعَةَ بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ مَا ثَبَتَ مِنْ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ بِقَبْضِ الرَّهْنِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِهِمَا فِيمَا اسْتَوْفَى مِنْ الدَّيْنِ، فَالرَّاهِنُ يَدَّعِي زِيَادَةً فِي ذَلِكَ، وَالْمُرْتَهِنُ يُنْكِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ رَهْنَ الْعَيْنِ بِشَيْءٍ مِنْ الدَّيْنِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَنْكَرَ الرَّهْنَ بِبَعْضِ الْمَالِ فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَى، فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا، وَإِثْبَاتِهِ الزِّيَادَةَ فِيمَا ثَبَتَتْ فِيهِ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ. وَإِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ بَعْدَ هَلَاكِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ يَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا بِقَدْرِ قِيمَتِهِ فَحَاصِلُ اخْتِلَافِهِمَا فِي مِقْدَارِ

стр. 4342

مَا صَارَ مُسْتَوْفِيًا، فَالرَّاهِنُ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ، وَالْمُرْتَهِنُ يُنْكِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ لِإِثْبَاتِهِ الزِّيَادَةَ بِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَا ثَوْبَيْنِ فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْهَلَاكِ فَحَاصِلُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا فِيمَا صَارَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا بِهَلَاكِ الثَّوْبِ الَّذِي هَلَكَ عِنْدَهُ. وَإِذَا رَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثَمَنَ مَتَاعٍ بَاعَهُ إيَّاهُ فَيَقْبِضُ الْمَتَاعَ إلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الرَّهْنَ، وَجَحَدَ الرَّاهِنُ، فَأَقَامَ الْمُرْتَهِنُ بَيِّنَةً أَنَّهُ بَاعَهُ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ ذَلِكَ الْعَبْدَ فَأَبَى الْآخَرُ مِنْ دَفْعِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَلَوْ عَايَنَا الْبَيْعَ بِشَرْطِ الرَّهْنِ لَمْ يُجْبَرْ الرَّاهِنُ عَلَى التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَلَا يَكُونُ مَرْهُونًا غَيْرَ مَقْبُوضٍ، وَلَكِنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ مَتَاعَهُ إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ الْآخَرُ الْعَبْدَ رَهْنًا أَوْ يُعْطِيَهُ مَكَانَهُ رَهْنًا آخَرَ بِرِضَاهُ؛ لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ عَلَيْهِ شَرْطُ عَقْدِهِ حِينَ لَمْ يُعْطِهِ ذَلِكَ الْعَبْدَ رَهْنًا، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ، وَإِمْضَائِهِ إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ الْعَبْدَ رَهْنًا فَحِينَئِذٍ قَدْ وَفَّى لَهُ بِالشُّرُوطِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ مَكَانَهُ رَهْنًا آخَرَ يَحْتَاجُ إلَى رِضَاهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَالثَّانِي لَا يَقُومُ مَقَامَ الْأَوَّلِ إلَّا بِرِضَاهُمَا. وَلَوْ لَمْ يَجْحَدْ الرَّاهِنُ، وَلَكِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ أَوْ اسْتَحَقَّ أَوْ بَاعَهُ أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ يَنْقُصُهُ فَلِبَائِعِ الْمَتَاعِ أَنْ يَأْخُذَ رَهْنًا آخَرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ قِيمَةَ ذَلِكَ فَلَهُ ذَلِكَ أَوْ يَأْخُذَ مَتَاعَهُ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الشَّيْءِ عِنْدَ تَعَذُّرِ تَسْلِيمِ عَيْنِهِ يَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ فَكَانَ مَنْعُ الرَّاهِنِ الْقِيمَةَ بَعْدَ هَلَاكِ الْعَيْنِ كَمَنْعِ الْعَيْنِ فِي حَالِ قِيَامِهِ فَلِأَجْلِهِ تَخَيَّرَ الْبَائِعُ، وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ قَدْ اسْتَهْلَكَ الْمَبِيعَ أَخَذَ الْبَائِعُ ثَمَنَهُ حَالًّا أَوْ يُعْطِيهِ قِيمَةَ الرَّهْنِ: دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ مَكَانَهُ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِرْدَادُ الْمَبِيعِ حِينَ اسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي، وَالثَّمَنُ حَالٌّ فَيُطَالِبُهُ بِالثَّمَنِ حَالًّا أَوْ يُعْطِيهِ قِيمَةَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ خَلْفٌ عَنْ الْعَيْنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّاهِنَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ عَيْنًا آخَرَ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى رِضَا الْبَائِعِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمَغْصُوبِ بَعْدَ مَا هَلَكَ إذَا أَرَادَ الْغَاصِبُ أَنْ يُعْطِيَهُ عَيْنًا أُخْرَى يَحْتَاجُ إلَى رِضَا الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ الثَّانِيَةَ لَا تَقُومُ مَقَامَ الْأَوْلَى إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْقِيمَةَ فَالْقِيمَةُ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْعَيْنِ، فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى رِضَا الْبَائِعِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمَغْصُوبِ بَعْدَ مَا هَلَكَ إذَا أَرَادَ الْغَاصِبُ أَنْ يُعْطِيَهُ عَيْنًا أُخْرَى يَحْتَاجُ إلَى رِضَا الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَإِذَا أَعْطَاهُ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ، وَيَطْلُبَهُ بِشَيْءٍ آخَرَ. وَإِذَا ادَّعَى الْعَيْنَ الْوَاحِدَةَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ لِذِي الْيَدِ قَدْ بِعْتَنِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَبَضْتُ مِنْكَ، وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ فَفِي الْقِيَاسِ: لَا يَقْضِي لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَضَى بِالْبَيِّنَتَيْنِ إنَّمَا يَقْضِي لِكُلِّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالرَّهْنِ بِنِصْفٍ، وَذَلِكَ يَنْعَقِدُ لِمَكَانِ الشُّيُوعِ، وَلَمْ

стр. 4343

يَذْكُرْ الِاسْتِحْسَانَ هُنَا إنَّمَا ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذَا عَلَى مَا بَيَّنَهُ، وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ الْأَوَّلُ أَوْ ثَبَتَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهُوَ رَهْنٌ لِأَوَّلِهِمَا، وَقْتًا؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ حَقَّهُ بِعَقْدٍ تَامٍّ فِي وَقْتٍ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ صَاحِبُهُ، وَبِثُبُوتِ حَقِّهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَمْنَعُ ثُبُوتَ حَقِّ الثَّانِي بَعْدَهُ مَا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْأَوَّلِ بِانْفِكَاكٍ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهُوَ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْقَبْضِ دَلِيلُ سَبْقِ عَقْدِهِ، وَلِأَنَّ الْآخَرَ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ اسْتِحْقَاقِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي بَيِّنَتِهِ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَقْدُ ذِي الْيَدِ سَابِقًا. وَذُو الْيَدِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ اسْتِحْقَاقِ الْيَدِ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ لَهُ بِظَاهِرِ يَدِهِ فَكَانَ ذُو الْيَدِ أَوْلَى إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ الْأَوَّلُ فَحِينَئِذٍ شُهُودُهُ صَرَّحُوا بِسَبْقِ تَارِيخِ عَقْدِهِ، وَبِمَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْيَدِ لَهُ عَلَى ذِي الْيَدِ، وَالتَّارِيخُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ يَتَرَجَّحُ عَلَى التَّارِيخِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُمَا جَمِيعًا فَإِنْ عَلِمَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ الْأُولَى لَمْ يَكُنْ رَهْنًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْقِيَاسِ وَبِهِ يَأْخُذُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ رَهْنًا بِنِصْفِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ التَّعَارُضَ لَمَّا وَقَعَ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَالْعَمَلُ بِهِمَا مُمْكِنٌ، وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِمَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ التَّعَارُضِ يُعْمَلُ بِالْبَيْعَيْنِ جَمِيعًا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ بَاعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَكَذَلِكَ فِي الرَّهْنِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ رَهْنٌ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَرَهْنُ الْعَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ صَحِيحٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِدَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَوَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَالتَّسَاوِي إنَّمَا يُقْضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّصْفِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ هُنَا لِأَجْلِ الشُّيُوعِ. وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ الْعَيْنَ فِي حُكْمِ الرَّهْنِ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ فِي حُكْمِ النِّكَاحِ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤُ، وَعِنْدَ اسْتِوَاءِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي دَعْوَى النِّكَاحِ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُقْضَى بِشَيْءٍ فَهَذَا مِثْلُهُ وَإِنَّمَا أَخَذْنَا بِالْقِيَاسِ هُنَا؛ لِأَنَّ وَجْهَ الِاسْتِحْسَانِ أَضْعَفُ، وَوَجْهَ الْقِيَاسِ أَقْوَى، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى الرَّهْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَبَتَ حَقُّهُ فِي جَمِيعِ الرَّهْنِ حَتَّى إذَا قَبَضَ جَمِيعَ دَيْنِ أَحَدِهِمَا لَا يَسْتَرِدُّ شَيْئًا مِنْ الرَّهْنِ مَا لَمْ يَقْبِضْ دَيْنَ الْآخَرِ لِوُجُودِ الرِّضَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِثُبُوتِ حَقِّ صَاحِبِهِ فِي الْحَبْسِ مَعَهُ، وَهُنَا لَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ رَاهِنٍ بِحَقِّ صَاحِبِهِ، وَلِأَنَّ هُنَاكَ الْعَقْدُ فِي جَانِبِ الرَّاهِنِ وَاحِدٌ، وَهُنَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُثْبِتُ بِبَيِّنَتِهِ عَقْدًا آخَرَ. وَالرَّهْنُ مِنْ رَجُلَيْنِ بِعَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَوْ بَيِّنَتَيْنِ مُتَفَرِّقَتَيْنِ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ قَالَ: رَهَنْتُ هَذِهِ الْعَيْنَ مِنْكُمَا بِأَلْفٍ نِصْفُهُ مِنْكَ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَنِصْفُهُ مِنْكَ بِخَمْسِمِائَةٍ فَقَدْ ذَكَرَ الِاسْتِحْسَانَ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي أَيْدِيهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، وَالْأَصَحُّ

стр. 4344

أَنَّ الْقِيَاسَ، وَالِاسْتِحْسَانَ مِنْهُمَا، وَقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا (﵏) فَقَالُوا: هُنَاكَ لَا يَقْضِي قِيَاسًا، وَاسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَضَى لَمْ يَتَمَكَّنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا مِنْ قَبْضِ النِّصْفِ، وَقَبْضُ النِّصْفِ بِحُكْمِ الرَّهْنِ مُشَاعًا لَا يَجُوزُ، وَهُنَا الْعَيْنُ فِي أَيْدِيهِمَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ رَهْنِ الْعَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ، وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَالرَّهْنُ فِي أَيْدِيهِمَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ارْتَهَنَهُ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ حَقِّهِ يُبَاعُ لَهُ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ كَانَ الْفَضْلُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالتَّخْصِيصِ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ دَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالدَّيْنِ فِيمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ فِي التَّرِكَةِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) اسْتِحْسَانًا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الرَّهْنُ بَاطِلٌ وَهُوَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالتَّخْصِيصِ فَأَبُو يُوسُفَ أَخَذَ بِالْقِيَاسِ، وَسَوَّى بَيْنَ مَا بَعْدَ وَفَاةِ الرَّاهِنِ، وَحَالِ حَيَاتِهِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا أَنَّ الْقَاضِي لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالرَّهْنِ إلَّا فِي النِّصْفِ، وَالشُّيُوعُ لَمَّا كَانَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ فِي حَيَاةِ الرَّاهِنِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَهُمَا فَرَّقَا لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ بَعْدَ مَوْتِ الرَّاهِنِ إثْبَاتُ الِاخْتِصَاصِ دُونَ الْجِنْسِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ حَقَّ الِاخْتِصَاصِ بِالْعَيْنِ حَتَّى يُبَاعَ لَهُ فِي دَيْنِهِ، وَهَذَا مِمَّا يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةِ فِي الْعَيْنِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ ادَّعَى رَجُلَانِ نِكَاحَ امْرَأَةٍ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ فَيُقْضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ مِيرَاثِ الزَّوْجِ بِخِلَافِ حَالِ الْحَيَاةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أُخْتَانِ نِكَاحَ رَجُلٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَقَامَتَا الْبَيِّنَةَ يُقْضَى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْمِيرَاثِ، وَبِنِصْفِ مِيرَاثٍ بِخِلَافِ حَالِ الْحَيَاةِ وَلِأَنَّ الشُّيُوعَ يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ دَوَامِ الْيَدِ، وَالْيَدُ فِي حَالِ حَيَاةِ الرَّاهِنِ مُسْتَدَامَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ فَتَمَكُّنُ الشُّيُوعِ يَمْنَعُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِهِ فَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا يُسْتَدَامُ حَبْسُ الرَّهْنِ، وَلَكِنَّهُ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ، وَالشُّيُوعُ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فَيُقْضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَيْعِ النِّصْفِ فِي دَيْنِهِ، وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ارْتَهَنَهُ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ فَهُوَ لِلَّذِي فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الْمِلْكِ لِرَاهِنِهِ أَوَّلًا، وَذُو الْيَدِ قَدْ أَثْبَتَ أَنَّهُ مُرْتَهِنٌ فَلَا يَكُونُ خَصْمًا فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ لِلرَّاهِنِ الْخَارِجِ وَهُوَ لَوْ حَضَرَ بِنَفْسِهِ لَا يُقْبَلُ دَيْنُهُ، وَمَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَهُ لَا يَثْبُتُ الرَّهْنُ مِنْ جِهَتِهِ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الدَّيْنِ أَوَّلًا عَلَى رَاهِنِهِ حَتَّى يَثْبُتَ حَقُّهُ فَيَسْتَحِقَّ الْعَيْنَ عَلَى ذِي الْيَدِ بِحُكْمِ الرَّهْنِ، وَذُو الْيَدِ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْ رَهْنِ الْخَارِجِ فِي إثْبَاتِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ وَقَّتَ الْمُرْتَهِنُ الْخَارِجَ أَوَّلًا لِهَذَيْنِ الْعَيْنَيْنِ أَنَّهُ مَا لَمْ يُثْبِتْ مِلْكَ رَاهِنِهِ، وَدِينُهُ عَلَى الرَّاهِنِ لَمَا ثَبَتَ حَقُّهُ، وَإِنْ شَهِدَ شُهُودُهُ بِسَبْقِ التَّارِيخِ، فَإِذَا

стр. 4345

لَمْ يَسْتَحِقُّوا بَقِيَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ ذِي الْيَدِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي بَيَانِ حَقِّهِ، وَهُوَ لِذِي يَدِهِ وَفِي الْبَيْعِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِيَيْنِ خَصْمٌ عَنْ بَائِعِهِ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ لَهُ فَكَأَنَّ الْبَائِعَيْنِ حَضَرَا أَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ وَأَحَدُهُمَا خَارِجٌ، وَالْآخَرُ ذُو الْيَدِ، وَفِي هَذَا بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مَتَاعُ فُلَانٍ الْآخَرِ، وَأَنَّهُ ارْتَهَنَهُ مِنْهُ بِكَذَا، وَقَبَضَهُ فَهُوَ أَيْضًا رَهْنٌ لِلَّذِي فِي يَدَيْهِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ الْآخَرِ بَيِّنَةٌ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ غَائِبًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ عَلَى غَائِبٍ لَيْسَ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ، وَقِيلَ: مَعْنَى هَذِهِ قَضَى عَلَى رَاهِنِ ذِي الْيَدِ بِالْمِلْكِ، وَهُوَ غَائِبٌ، وَالْمُرْتَهِنُ لَا يَكُونُ خَصْمًا عَنْهُ فِي الْقَضَاءِ بِالْمِلْكِ عَلَيْهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنِيَّيْنِ صَحِيحٌ، يَقُولُ: فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ شَاهِدًا يَعْنِي رَاهِنَ الْخَارِجِ، وَصَاحِبُ الْآخَرِ غَائِبًا لَمْ أَقْضِ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَحْضُرَ رَاهِنُ هَذَا؛ لِأَنَّ ذَا الْيَدِ أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ أَنَّهُ مُرْتَهِنٌ فَلَا يَكُونُ خَصْمًا لِرَاهِنِ الْخَارِجِ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ رَاهِنُ ذِي الْيَدِ فَإِذَا حَضَرَ قَضَيْتُ بِهِ لِلْمُدَّعِي الَّذِي لَيْسَ فِي يَدَيْهِ، وَجَعَلْتُهُ رَهْنًا لَهُ، وَلَا أَنْظُرُ فِي هَذَا إلَى الْأَوَّلِ، وَالْآخَرِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ حُضُورِهِمَا الدَّعْوَى دَعْوَى الْمِلْكِ، وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ عَنْهُ تَتَرَجَّحُ عَلَى بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ، وَبِالتَّارِيخِ فِي الرَّهْنِ لَا يَثْبُتُ التَّارِيخُ بَيْنَهُمَا فِي الْمِلْكِ فَلِهَذَا كَانَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى. وَإِذَا كَانَ عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ فَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ عَبْدُهُ رَهَنَهُ مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَبَضَهُ فُلَانٌ مِنْهُ، وَفُلَانٌ غَائِبٌ، وَاَلَّذِي فِي يَدَيْهِ يَقُولُ: هُوَ عَبْدِي فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهِ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْعَيْنَ مِلْكُهُ، وَهُوَ خَصْمٌ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَرْهُونٌ عِنْدَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ يَنْتَفِعُ بِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ فِي الْعَيْنِ حَتَّى يَصِيرَ قَاضِيًا دَيْنَهُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ عِنْدَ ظُهُورِ عَقْدِ الرَّهْنِ، وَلَكِنْ لَا تُسَلَّمُ الْعَيْنُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِأَنَّ الْيَدَ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْعَيْنِ لِغَائِبٍ بِحُكْمِ الرَّهْنِ، وَإِقْرَارُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ لِلْغَائِبِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ قَبْضَهُ بِالدَّيْنِ أَوْ يُكَذِّبَهُ، كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ أَمْوَالِهِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا حَافِظٌ يَتَعَيَّنُ. وَلَوْ غَابَ الرَّاهِنُ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: هُوَ رَهْنٌ فِي يَدِي مِنْ قِبَلِ فُلَانٍ بِكَذَا، وَإِنَّ هَذَا غَصَبَهُ مِنِّي أَوْ اسْتَعَارَهُ، أَوْ اسْتَأْجَرَهُ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَإِنِّي أَدْفَعُهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا يَكُونُ دُونَ الْمُودِعِ، وَالْمُودِعُ خَصْمٌ لِلْغَائِبِ مِنْهُ فِي إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِلِاسْتِرْدَادِ فَالْمُرْتَهِنُ بِذَلِكَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ أَثْبَتَتْ اسْتِحْقَاقَ الْيَدِ لَهُ فِي هَذِهِ الْعَيْنِ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقْضَى لَهُ بِحَقِّهِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ لِإِثْبَاتِ الدَّيْنِ عَلَى رَاهِنِهِ أَوَّلًا، وَذُو الْيَدِ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْ رَاهِنِهِ فِي ذَلِكَ؟ قُلْنَا: لَا يُقْضَى لَهُ بِالرَّهْنِ، وَإِنَّمَا يُقْضَى بِأَنَّ وُصُولَهُ إلَى يَدِ ذِي الْيَدِ كَانَ مِنْ

стр. 4346

يَدِهِ بِجِهَةِ الْغَصْبِ، أَوْ الْإِجَارَةِ، أَوْ الْإِعَارَةِ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِ شُهُودُهُ، وَذُو الْيَدِ خَصْمٌ لَهُ فِي ذَلِكَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ شُهُودَ الْمُدَّعِي لَوْ شَهِدُوا أَنَّ ذَا الْيَدِ أَخَذَ مِنْهُ هَذَا الْمَالَ لَأُمِرَ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِالْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي، فَكَذَلِكَ هُنَا. وَإِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ فِي عَيْنِ الرَّهْنِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي الْمُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ حَقِّهِ بِالْبَيِّنَةِ فِي الْعَيْنِ الَّتِي ادَّعَاهَا، وَالرَّاهِنُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ ثُمَّ الْإِلْزَامُ فِي بَيِّنَتِهِ دُونَ بَيِّنَةِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ فِي جَانِبِ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الرَّدِّ مَتَى شَاءَ فَالْعَيْنُ الَّتِي أَثْبَتَ الرَّاهِنُ بَيِّنَةَ الرَّهْنِ مِنْهَا قَدْ انْتَفَى ذَلِكَ بِجُحُودِ الْمُرْتَهِنِ فَإِنَّ جُحُودَهُ أَقْوَى مِنْ رَدِّهِ وَتَبْقَى دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ حَقَّهُ فِي الْعَيْنِ الْأُخْرَى، وَقَدْ أَثْبَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَهُوَ لَازِمٌ فِي جَانِبِ الرَّاهِنِ، وَإِنْ كَانَ الشَّيْئَانِ اللَّذَانِ اخْتَلَفَا فِيهِمَا قَدْ هَلَكَا فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ صَارَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ، فَالرَّاهِنُ هُوَ الْمُدَّعِي لِلزِّيَادَةِ فِيمَا أَوْفَى، وَقَدْ أَثْبَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ وَلَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: ارْتَهَنْتُهُمَا جَمِيعًا، وَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ رَهَنْتَنِي هَذَا وَحْدَهُ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهَا أَثْبَتَتْ الزِّيَادَةَ فِي حَقِّهِ. وَإِذَا قَالَ: الْمُرْتَهِنُ رَهَنْتَنِي هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَبَضْتُهُ مِنْكَ، وَلِي عَلَيْكَ سِوَى ذَلِكَ مِائَتَا دِينَارٍ لَمْ تُعْطِنِي بِهَا رَهْنًا، وَقَالَ: الرَّاهِنُ غَصَبْتَنِي هَذَا الْعَبْدَ، وَلَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ بِغَيْرِ رَهْنٍ وَقَدْ رَهَنْتُكَ بِالْمِائَتَيْ الدِّينَارِ أَمَةً يُقَالُ لَهَا فُلَانَةُ، وَقَبَضْتَهَا مِنِّي، وَقَالَ: الْمُرْتَهِنُ لَمْ أَرْتَهِنْ مِنْكَ فُلَانَةَ أَمَتَكَ، وَالْعَبْدُ، وَالْأَمَةُ بَقِيَا فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ الرَّاهِنُ عَلَى دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ مُعَلَّقٌ بِهِ اللُّزُومُ فِي جَانِبِ الرَّاهِنِ فَالْمُرْتَهِنُ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا لِنَفْسِهِ لَوْ أَقَرَّ بِهِ يَلْزَمُهُ فَإِذَا أَنْكَرَ يُسْتَحْلَفُ فَإِنْ حَلَفَ يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِي الْعَبْدِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ كَانَ الْعَبْدُ رَهْنًا بِأَلْفٍ. وَأَمَّا الْمُرْتَهِنُ فَلَا يَحْلِفُ فِي الْأَمَةِ بِشَيْءٍ وَلَكِنَّهَا تُرَدُّ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ لَا يَكُونُ لَازِمًا فِي جَانِبِ الْمُرْتَهِنِ فَجُحُودُهُ الرَّهْنَ فِي الْأَمَةِ بِمَنْزِلَةِ رَدِّهِ إيَّاهَا، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى الرَّاهِنِ، وَإِنْ كَانَتْ مَرْهُونَةً عِنْدَهُ فَالِاسْتِحْسَانُ لَا يَكُونُ مُفِيدًا فِيهَا، وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ لَهُمَا أُثْبِتَتْ بَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهَا مُلْزِمَةٌ لِلرَّاهِنِ، وَبَيِّنَةُ الرَّاهِنِ لَا تُلْزِمُ الْمُرْتَهِنَ شَيْئًا فِي الْأَمَةِ فَلَا مَعْنَى لِلْقَضَاءِ بِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ قَدْ مَاتَتْ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ فَحِينَئِذٍ يَقْضِي بِبَيِّنَةِ الرَّاهِنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ صَارَ مُسْتَوْفِيًا الْمِائَتَيْ الدِّينَارِ بِهَلَاكِ الْأَمَةِ فِي يَدِهِ، وَذَلِكَ يَلْزَمُهُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ. وَإِذَا أَقَامَ الرَّاهِنُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ رَهَنَ هَذَا الرَّجُلَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفَيْنِ بِأَلْفٍ، وَقَبَضَهُ مِنْهُ، وَأَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ، وَلَا يَدْرِي مَا فَعَلَ الْعَبْدُ فَالْمُرْتَهِنُ ضَامِنٌ لِقِيمَةِ الْعَبْدِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ أَنَّهُ يُسَلِّمُ الْعَبْدَ

стр. 4347

إلَيْهِ بِحُكْمِ الرَّهْنِ، وَالْمُرْتَهِنُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، وَبِحُكْمِ الرَّهْنِ يُقَدَّرُ الدَّيْنُ مِنْ الْعَيْنِ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَالْأَمِينُ يَضْمَنُ الْأَمَانَةَ بِالْجُحُودِ فَإِذَا جَحَدَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهَا كُلِّهَا؛ لِأَنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى عَيْنِهِ يُجْعَلُ فِي حُكْمِ الْهَالِكِ. وَلَوْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ، وَلَمْ يَجْحَدْ، وَادَّعَى أَنَّ الْعَبْدَ مَاتَ عِنْدَهُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا، وَذَهَبَ الْعَبْدُ بِمَا فِيهِ لِإِقْرَارِ الرَّاهِنِ أَنَّهُ كَانَ مَرْهُونًا عِنْدَهُ، وَالرَّهْنُ إذَا هَلَكَ فَهُوَ بِمَا فِيهِ، وَالْمُرْتَهِنُ أَمِينٌ فِي الزِّيَادَةِ، وَهُوَ مَقْبُولُ الْقَوْلِ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ مَوْتِهِ فِي يَدِهِ، وَإِذَا أَقَامَ الرَّاهِنُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ رَهَنَهُ رَهْنًا وَقَبَضَهُ وَلَمْ يُسَمِّهِ الشُّهُودَ وَلَمْ يُعَايِنُوهُ فَإِنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ الرَّهْنِ، وَالْقَوْلُ فِيمَا يُسَمِّي مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ فِي حَقِّهِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ ارْتَهَنَ مِنْهُ رَهْنًا ثُمَّ قَالَ: هُوَ هَذَا الثَّوْبُ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ إنْ ادَّعَى الرَّاهِنُ زِيَادَةً، فَكَذَلِكَ إذَا أَثْبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَوْ شَهِدَ شُهُودُ الرَّاهِنِ أَنَّهُ رَهَنَ عِنْدَ هَذَا الْمُرْتَهِنِ ثَوْبًا هَرَوِيًّا بِمِائَةٍ، وَهُوَ يُسَاوِي خَمْسِينَ، وَجَحَدَهُ الْمُرْتَهِنُ، وَلَا يَدْرِي مَا فَعَلَ بِالثَّوْبِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ يُحْسَبُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ دَيْنِهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى عَيْنِهِ فَهُوَ هَالِكٌ، وَإِنْ لَمْ يَجْحَدْهُ وَلَكِنْ جَاءَ بِثَوْبٍ يُسَاوِي عِشْرِينَ دِرْهَمًا فَقَالَ: هُوَ هَذَا لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْمَرْهُونَ ثَوْبٌ يُسَاوِي خَمْسِينَ، وَاَلَّذِي أَحْضَرَهُ لَيْسَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَالظَّاهِرُ يُكَذِّبُهُ فِيمَا قَالَ فَلَا يُقْبَلُ بَيَانُهُ إذَا جَحَدَ الرَّاهِنُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ بَيَانُهُ بَقِيَ الْمَرْهُونُ هَالِكًا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى عَيْنِهِ فَيَطْرَحُ مِنْهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا. وَإِذَا كَانَ الرَّاهِنُ اثْنَيْنِ فَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ عَلَيْهِمَا رَهْنًا، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَنَّهُ رَهَنَهُ، وَقَبَضَهُ، وَالْمَتَاعُ لَهُمَا جَمِيعًا، وَهُمَا يَجْحَدَانِ الرَّهْنَ فَإِنَّهُ يَسْتَحْلِفُ الَّذِي لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ مَا رَهَنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِمَا، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَحَدِهِمَا وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ فَإِذَا أَنْكَرَ اسْتَحْلَفَ عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَ الرَّهْنُ عَلَيْهِمَا. عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْبَيِّنَةِ وَعَلَى الْآخَرِ بِالنُّكُولِ الْقَائِمِ مَقَامَ إقْرَارِهِ فَإِنْ حَلَفَ رَدَّ الرَّهْنَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ فِي نَصِيبِ الَّذِي حَلَفَ انْتَفَى الرَّهْنُ مِنْ الْأَصْلِ فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ نِصْفٌ شَائِعٌ مِنْ الْعَيْنِ. وَلَوْ كَانَ الرَّاهِنُ وَاحِدًا وَالْمُرْتَهِنُ اثْنَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: ارْتَهَنْتُ أَنَا، وَصَاحِبِي هَذَا الثَّوْبَ مِنْكَ بِمِائَةٍ وَأَقَامَ لَهُ الْبَيِّنَةَ، وَأَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ الْآخَرُ، وَقَالَ: لَمْ نَرْتَهِنْهُ، وَقَدْ قَبَضَا الثَّوْبَ فَجَحَدَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ فَإِنَّ الرَّهْنَ يُرَدُّ عَلَى الرَّاهِنِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ: مُحَمَّدٌ أَقْضِي بِهِ رَهْنًا، وَأَجْعَلُهُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَوْ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَإِذَا قَضَى الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ - الَّذِي

стр. 4348

أَقَامَ الْبَيِّنَةَ - مَالَهُ أَخَذَ الرَّهْنَ فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ ذَهَبَ نَصِيبُ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ مِنْ الْمَالِ فَأَمَّا نَصِيبُ الْآخَرِ فِي الرَّهْنِ فَلَا يَثْبُتُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ أَكَذَبَ شُهُودَهُ بِجُحُودِهِ ثُمَّ قَالَ: أَبُو يُوسُفَ لَمَّا انْتَفَى الرَّهْنُ فِي نَصِيبِ الْجَاحِدِ انْتَفَى فِي نَصِيبِ الْمُدَّعِي أَيْضًا لِأَجْلِ الشُّيُوعِ، كَمَا فِي (الْفَصْلِ الْأَوَّلِ) وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِجَمِيعِهِ رَهْنًا لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ فِي يَدِهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ بِهَلَاكِهِ لَا يَسْقُطُ جَمِيعُ دَيْنِهِ، وَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ لَهُ بِالرَّهْنِ فِي نِصْفِهِ لِأَجْلِ الشُّيُوعِ وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: هُوَ قَدْ أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ الرَّهْنَ فِي جَمِيعِ الْعَيْنِ، وَهُوَ خَصْمٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى إثْبَاتِ حَقِّهِ فِي نَصِيبِهِ إلَّا بِإِثْبَاتِ الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ الْآخَرِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ خَصْمٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَيُقْضَى بِالرَّهْنِ فِي جَمِيعِ حَقِّ الْآخَرِ، وَبِجُحُودِهِ صَارَ رَادًّا لِلرَّهْنِ فِي نَصِيبِهِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْآخَرِ فِي نَصِيبِهِ فَلَا يَجُوزُ إعَادَةُ شَيْءٍ مِنْهُ إلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ الْمُدَّعِي، وَلَا يُمْكِنُ إلْزَامُ الْجَاحِدِ إمْسَاكَهُ مَعَ رَدِّهِ بِجُحُودِهِ، وَيَتَعَذَّرُ جَعْلُ الْفَضْلِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ الْمُدَّعِي لِإِقْرَارِهِ بِأَنَّ الرَّاهِنَ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ فَيُجْعَلُ عَلَى يَدِهِ، وَعَلَى يَدِ عَدْلٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ هُوَ دَيْنَهُ فَإِذَا سَقَطَ حَقُّهُ رُدَّتْ الْعَيْنُ عَلَى الرَّاهِنِ، وَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ ذَهَبَ نَصِيبُهُ مِنْ الْمَالِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ الشُّهُودُ مَا شَهِدُوا بِالرَّهْنِ إلَّا عَلَى أَحَدِ الْمَالَيْنِ فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِالرَّهْنِ عَلَى الْمَالَيْنِ بِحُكْمِ تِلْكَ الْبَيِّنَةِ، فَلِهَذَا إذَا حَلَفَ الْمُنْكِرُ رُدَّ الرَّهْنُ عَلَيْهِمَا. وَإِذَا أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اسْتَوْدَعَ ذَا الْيَدِ هَذَا الثَّوْبَ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ارْتَهَنَهُ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِبَيِّنَةِ الْمُرْتَهِنِ لِإِثْبَاتِهِ حَقًّا لَازِمًا لِنَفْسِهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ يُجْعَلُ كَأَنَّ الْأَمْرَيْنِ كَانَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ - أَوَّلًا - وَدِيعَةً عِنْدَهُ ثُمَّ يَرْهَنُهُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ الرَّاهِنُ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهُ، وَأَقَامَ الْمُرْتَهِنُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الرَّاهِنِ جَعَلْتُهُ بَيْعًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُرَدُّ عَلَى الرَّهْنِ وَالرَّهْنُ لَا يُرَدُّ عَلَى الْبَيْعِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ يُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْبَدَلِيَّةِ، وَالرَّهْنَ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ فَكَانَ فِي بَيِّنَةِ الْبَيْعِ زِيَادَةُ إثْبَاتٍ. وَلَوْ ادَّعَى الرَّاهِنُ الرَّهْنَ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ، وَهَبَهُ لَهُ وَقَبَضَهُ أَخَذْتَ بِبَيِّنَةِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تُرَدُّ عَلَى الرَّهْنِ، وَالرَّهْنَ لَا يُرَدُّ عَلَى الْهِبَةِ، وَلِأَنَّ الْهِبَةَ تُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْعَيْنِ، وَالرَّهْنَ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ. وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ الشِّرَاءَ، وَالْقَبْضَ، وَآخَرُ الرَّهْنَ وَالْقَبْضَ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ، وَهُوَ فِي يَدَيْ الرَّاهِنِ أَخَذْتَ بِبَيِّنَةِ الْمُشْتَرِي لِمَا فِيهَا مِنْ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ إثْبَاتُ الْيَدِ فِي الْبَدَلَيْنِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ الشِّرَاءُ دُونَ الرَّهْنِ لَا مَحَالَةَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ بِالشِّرَاءِ فِي النِّصْفِ وَلَا يُمْكِنُهُ الْقَضَاءُ مَعَ ذَلِكَ بِالرَّهْنِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ لِأَجْلِ الشُّيُوعِ فَلِهَذَا قُضِيَ

стр. 4349

بِبَيِّنَةِ الْمُشْتَرِي بِالْكُلِّ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الرَّهْنَ كَانَ قَبْلَهُ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ جَعَلْتَهُ رَهْنًا إلَّا أَنْ يُقِيمَ صَاحِبُ الشِّرَاءِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الشِّرَاءَ كَانَ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمُرْتَهِنِ دَلِيلُ سَبْقِ عَقْدِهِ، وَلِأَنَّ صَاحِبَ الشِّرَاءِ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِحْقَاقِ الْيَدِ عَلَى ذِي الْيَدِ، وَبَيِّنَتُهُ لَا تُوجِبُ ذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ فَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ، وَالْهِبَةَ فَالصَّدَقَةُ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ ثُمَّ الرَّهْنُ عَقْدُ ضَمَانٍ، وَالْهِبَةُ، وَالصَّدَقَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ، وَعَقْدُ الضَّمَانِ أَقْوَى مِنْ عَقْدِ التَّبَرُّعِ فَكَانَ صَاحِبُ الرَّهْنِ أَوْلَى إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْقَبْضَ بِعِلْمِ الْبَيِّنَةِ، وَالصَّدَقَةُ كَانَتْ مِنْهُ قَبْلَ الرَّهْنِ. وَإِذَا اسْتَوْدَعَ رَجُلًا ثَوْبًا ثُمَّ رَهَنَهُ إيَّاهُ فَهَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فَهُوَ فِيهِ مُؤْتَمَنٌ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُودِعِ كَيَدِ الْمُودَعِ فَمَا لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُرْتَهِنُ لَا يُثْبِتُ حُكْمَ يَدِ الرَّهْنِ لَهُ وَلِأَنَّ الْيَدَ بِحُكْمِ الْوَدِيعَةِ دُونَ الْيَدِ بِحُكْمِ الرَّهْنِ، وَالْأَضْعَفُ لَا يَنُوبُ عَنْ الْأَقْوَى فَإِذَا لَمْ يَصِرْ قَابِضًا لَهُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ بَقِيَ مُؤْتَمَنًا فِيهِ، وَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْقَبْضَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ فَإِنْ أَقَامَ الرَّاهِنُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَبَضَهُ بِالرَّهْنِ، وَهَلَكَ بَعْد ذَلِكَ، وَأَقَامَ الْمُرْتَهِنُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ هَلَكَ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ لِلرَّهْنِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِبَيِّنَةِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ إيفَاءَ الدَّيْنِ، وَلِأَنَّ الْمُودِعَ بِبَيِّنَةٍ يَبْقَى قَبْضُهُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ، وَلَا يُثْبِتُ شَيْئًا وَالْبَيِّنَاتُ لِلْإِثْبَاتِ دُونَ النَّفْيِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ فَقَالَ: الرَّاهِنُ هَلَكَ فِي يَدِكَ، وَقَالَ: الْمُرْتَهِنُ بَلْ قَبَضْتَهُ أَنْتِ مِنِّي بَعْدَ الرَّهْنِ فَهَلَكَ فِي يَدِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِرْدَادًا عَارِضًا وَهُوَ يُنْكِرُ، وَالْبَيِّنَةُ أَيْضًا بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ إيفَاءَ الدَّيْنِ بِبَيِّنَةٍ وَالْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ مُمْكِنٌ فَمِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ اسْتَرَدَّهُ مِنْهُ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، وَإِنْ قَالَ: الْمُرْتَهِنُ هَلَكَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِإِنْكَارِ الْقَبْضِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ لِإِثْبَاتِهِ إيفَاءَ الدَّيْنِ بِبَيِّنَةٍ. وَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: ارْتَهَنْتُهُ بِمِائَةٍ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: بِمِائَتَيْنِ، وَقَدْ قَبَضْتُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ لِإِنْكَارِهِ الزِّيَادَةَ مِمَّا ثَبَتَتْ لَهُ فِيهِ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ لِإِثْبَاتِهِ زِيَادَةً فِي الْإِيفَاءِ. وَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: رَهَنْتَنِي هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ، وَقَبَضْتَهُمَا، وَقَالَ الرَّاهِنُ: رَهَنْتُكَ أَحَدَهُمَا بِعَبْدٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ عَبْدًا وَالدَّيْنُ أَلْفٌ فَذَهَبَتْ عَيْنُ الْعَبْدِ وَهُوَ يُسَاوِي أَلْفًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ لِإِنْكَارِهِ حَقًّا لِلْمُرْتَهِنِ فِي أَحَدِهِمَا، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ لِإِثْبَاتِهِ الزِّيَادَةَ فِي حَقِّهِ. وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدًا، وَالدَّيْنُ أَلْفًا فَذَهَبَتْ عَيْنُ الْعَبْدِ، وَهُوَ يُسَاوِي أَلْفًا فَقَالَ الرَّاهِنُ: كَانَتْ هَذِهِ قِيمَتِهِ يَوْمَ رَهَنْتُكَ فَقَدْ ذَهَبَ نِصْفُ حَقِّكَ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ كَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَمِائَةٍ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّمَا زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَذَهَبَ رُبْعُ حَقِّي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ

стр. 4350

فَقِيمَتُهُ فِي الْحَالِ دَلِيلٌ عَلَى قِيمَتِهِ فِيمَا مَضَى وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِبَيِّنَتِهِ زِيَادَةٌ فِيمَا أَوْفَاهُ الْمُرْتَهِنُ فَبَيِّنَةُ نَفْيِ مِلْكِ الزِّيَادَةِ بِالْمَيِّتِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ رَهْنِ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ] (قَالَ ﵀) الْمُكَاتَبُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي الرَّهْنِ، وَالِارْتِهَانِ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ لِجَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ، وَالْمُكَاتَبُ فِي إيفَاءِ الدَّيْنِ بِاسْتِيفَائِهِ كَالْحُرِّ، فَكَذَلِكَ فِيمَا هُوَ وَثِيقَةٌ بِهِ فَإِنْ رَهَنَ الْمُكَاتَبُ عَبْدًا فِيهِ وَفَاءٌ قَبَضَهُ الْمَوْلَى فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ دَيْنٌ يُسْتَوْفَى، وَالرَّهْنُ فِي هَذَا لَيْسَ كَالْكَفَالَةِ فَالْكَفَالَةُ لَهُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ وَثِيقَةٌ بِجَانِبِ اللُّزُومِ، وَالْكَفِيلُ يَلْتَزِمُ فِي ذِمَّتِهِ الْمُطَالَبَةَ الَّتِي هِيَ عَلَى الْأَصِيلِ؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ بِحَقِيقَةِ الِالْتِزَامِ أَصْلُ الدَّيْنِ، وَالْمُطَالَبُ فِيمَا هُوَ وَثِيقَةٌ بِجَانِبِ بَعْضِهِ فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلْزَامُ الْكَفِيلِ مُطَالَبَةً أَقْوَى مِمَّا عَلَى الْأَصِيلِ، وَالْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ ضَعِيفَةٌ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ أَنْ يَعْجِزَ بِنَفْسِهِ، وَتَعَذُّرُ إثْبَاتِ مِثْلِهِ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدَيْ الْمَوْلَى فَهُوَ بِمَا فِيهِ، وَيُعْتِقُ الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمَوْلَى بَدَلُ الْكِتَابَةِ تَمَّ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ، وَإِنْ اعْوَرَّ ذَهَبَ نِصْفُ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ وَلَا يُعْتَقُ شَيْءٌ مِنْهُ، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَى نِصْفَ الْمُكَاتَبِ حَقِيقَةً فَإِنْ خَاصَمَ الْمُكَاتَبُ الْمَوْلَى فِيهِ، وَأَرَادَ دَفْعَ الْمَالِ، وَأَخَذَ رَهْنِهِ فَقَالَ الْمَوْلَى: قَدْ أَبَقَ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَتَأَنَّى بِهِ، وَيَنْتَظِرَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْلَى قَدْ عَيَّنَهُ قَصْدًا مِنْهُ لِلْإِضْرَارِ بِالْمُكَاتَبِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمَغْصُوبِ إذَا زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبَقَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُعَجِّلُ بِالْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ، وَيَحْلِفُ الْغَاصِبُ عَلَى ذَلِكَ فَهُنَا أَيْضًا يَحْلِفُ الْمَوْلَى فَإِذَا حَلَفَ بَطَلَتْ الْمُكَاتَبَةُ عَنْ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ الْآبِقَ يَتْوَى فَهُوَ كَالْهَالِكِ حَقِيقَةً فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ ثُمَّ، وُجِدَ الْعَبْدُ بَعْدَ ذَلِكَ رُدَّ عَلَى الْمُكَاتَبِ، وَرَجَعَ عَلَيْهِ الْمَوْلَى بِالْمَالِ، كَمَا كَانَ قَبْلَ الْإِبَاقِ، وَهُوَ حُرٌّ بِالْعِتْقِ الْأَوَّلِ الْمَاضِي فِيهِ؛ لِأَنَّهُ نَاقِضٌ لِلْعِتْقِ بَعْدَ مَا نَفَذَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ اسْتَوْفَى الْبَدَلَ فَاسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ كَانَ الْعِتْقُ مَاضِيًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَضَى الْقَاضِي بِعِتْقِهِ حَتَّى رَجَعَ الْعَبْدُ فَهُوَ مُكَاتَبٌ عَلَى حَالِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْبَدَلَ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْصُوبِ إذَا أَبَقَ فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِالْقِيمَةِ فَهُوَ مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَصَارَ الْإِبَاقُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ كَانَ الْقَضَاءُ مَاضِيًا، وَكَانَ الْعَبْدُ لِلْغَاصِبِ كَذَا هُنَا يَفْتَرِقَانِ فِي حُكْمِ الْعِتْقِ فَأَمَّا الْعَبْدُ فَعَلَى مِلْكِ الْمُكَاتَبِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَقَالَ: زُفَرُ (﵀) إذَا عَادَ بَعْدَ قَضَاءِ

стр. 4351

الْقَاضِي فَهُوَ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى لِتَقْرِيرِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَقَاسَ ضَمَانَ الرَّهْنِ بِضَمَانِ الْغَصْبِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ ضَمَانُ الرَّهْنِ ضَمَانُ اسْتِيفَاءٍ، وَالِاسْتِيفَاءُ حَالَةَ الرَّهْنِ دُونَ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ بِجِنْسِ الْحَقِّ يَتَحَقَّقُ، وَلَا مُحَاسِبَةَ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ، فَيَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مَالِكًا لِلْعَيْنِ، وَإِنْ جُعِلَ مُسْتَوْفِيًا بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَلِهَذَا يَعُودُ الْعَبْدُ إلَى مِلْكِ الْمُكَاتَبِ، وَأَشْبَهَ هَذَا الْغَصْبَ فِي الْمُدَبَّرَةِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) قَالَ: إنْ كَانَ هَذَا أَوَّلُ مَا أَبَقَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ الْكِتَابَةِ حِصَّةُ نُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ هَذَا عَيْبٌ حَدَثَ فِيهِ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَيَسْقُطُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ، كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ بِعَيْبٍ مَحْسُوسٍ. وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ عَبْدًا عَنْ الْمُكَاتَبِ لِمُكَاتَبَتِهِ، وَفِيهِ وَفَاءٌ، وَقَبَضَهُ الْمَوْلَى جَازَ كَمَا لَوْ تَبَرُّع بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ عَنْ الْمُكَاتَبِ، فَإِنْ هَلَكَ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ وَعَتَقَ الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ قَدْ تَمَّ، وَلَا يَرْجِعُ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ فَكَانَ هُوَ مُتَبَرِّعًا فِيمَا صَنَعَ، وَلَوْ تَبَرَّعَ بِمِثْلِهِ عَنْ حُرٍّ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ عَنْ الْمُكَاتَبِ، وَإِذَا كَانَ الْمُكَاتَبَانِ كِتَابَةً وَاحِدَةً، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ بِالْمَالِ فَرَهَنَ أَحَدُهُمَا بِالْمُكَاتَبَةِ رَهْنًا قِيمَتِهِ مِثْلُهَا فَهَلَكَ عِنْدَ الْمَوْلَى عَتَقَا، وَيَرْجِعُ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُكَاتَبِ الْآخَرِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْكِتَابَةِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَوْفَى بَدَلَ الْكِتَابَةِ حَقِيقَةً، وَهَذَا لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِجَمِيعِ الْكِتَابَةِ مُتَحَمِّلٌ عَنْ الشَّرِيكِ حِصَّتَهُ بِأَمْرِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا أَدَّى، وَهُمَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ فِي حُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ فَيَبْقَى أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْغُرْمِ بِسَبَبٍ، وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَرَهَنَاهُ جَمِيعًا فَهَلَكَ عِنْدَ الْمَوْلَى عَتَقَا ثُمَّ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُمَا مُخْتَلِفَةً تَرَاجَعَا فِيمَا بَيْنَهُمَا بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ يَتَوَزَّعُ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ قِيمَتِهِمَا فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا أَلْفًا، وَقِيمَةُ الْآخَرِ أَلْفَيْنِ كَانَ بَدَلُ الْكِتَابَةِ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إلَى تَمَامِ النِّصْفِ أَوْفَاهُ الْعَبْدُ الْأَوْكَسُ مِنْ كَسْبِهِ عَنْ صَاحِبِهِ بِأَمْرِهِ، فَيَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَرَهَنَهُ بِهَا عَبْدًا يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ ثُمَّ أَعْتَقَهُ الرَّاهِنُ فَعِتْقُهُ نَافِذٌ عِنْدَنَا - مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا - وَفِي قَوْلٍ آخَرَ يَقُولُ: إنْ كَانَ مُوسِرًا يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَاحْتَجَّ فَقَالَ: الْإِعْتَاقُ إزَالَةُ مِلْكِ الْيَمِينِ بِالْقَوْلِ فَلَا يَنْفُذُ مِنْ الرَّاهِنِ فِي الْمَرْهُونِ كَالْبَيْعِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ نُفُوذِ بَيْعِهِ لِمُرَاعَاةِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَإِنَّ حَقَّهُ إمَّا الْبَيْعُ فِي الدَّيْنِ أَوْ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ الْمَالِيَّةِ وَإِبْطَالُ هَذَا الْحَقِّ عَلَيْهِ بِالْإِعْتَاقِ أَظْهَرُ مِنْهُ بِالْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ أَسْرَعُ نُفُوذًا مِنْ الْعِتْقِ حَتَّى يَنْفُذَ الْبَيْعُ مِنْ الْمُكَاتَبِ، وَلَا يَنْفُذَ الْعِتْقُ فَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ بَيْعُ الرَّهْنِ لِمُرَاعَاةِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَلَأَنْ

стр. 4352

لَا يَنْفُذَ عِتْقُهُ أَوَّلًا. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَرْهُونَ كَالْخَارِجِ عَنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ كَالْجَنِينِ، وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِ ضَمِنَ الْأَرْشَ، وَلَوْ وَطِئَهَا، وَهِيَ بِكْرٌ ضَمِنَ النَّقْصَ، وَلَوْ كَانَ زَائِلًا عَنْ مِلْكِهِ حَقِيقَةً لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ فِيهِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ كَالزَّائِلِ عَنْ مِلْكِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْمَرْهُونِ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْغُرَمَاءِ فِي مَالِ الْمَرِيضِ بِدَلِيلِ أَنَّ هُنَاكَ لَا يَمْتَنِعُ الْبَيْعُ عَلَى الْمَوْلَى، وَهُنَا يَمْتَنِعُ ثُمَّ حَقُّ الْغُرَمَاءِ فِي الْعَبْدِ يَمْنَعُ نُفُوذَ عِتْقَ الْمَرِيضِ إذَا مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ فَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ أَوْلَى، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ نَقُولُ الرَّاهِنُ مَالِكٌ حَقِيقَةً، وَهُوَ كَالزَّائِلِ عَنْ مُلْكه حُكْمًا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَإِنْ كَانَ فِي إعْتَاقِهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ نَفَذَ عِتْقُهُ فَإِذَا كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا فَلَيْسَ فِي الْإِعْتَاقِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ إيجَابَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ مُمْكِنٌ، وَلَوْ أَلْغَيْنَا الْعِتْقَ بَطَلَ حَقُّ الْعَبْدِ أَصْلًا فَلِمُرَاعَاةِ حَقِّ الْعَبْدِ أَنْفَذْنَا الْعِتْقَ، وَلِمُرَاعَاةِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ تَرْجِيحًا لِأَهْوَنِ الضَّرَرَيْنِ، وَإِذَا كَانَ مُعْسِرًا لَوْ أَنْفَذْنَا الْعِتْقَ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ السِّعَايَةَ عِنْدِي لَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ، وَالسِّعَايَةُ فِي ذِمَّةِ مُفْلِسٍ يَكُونُ تَاوِيًا فَإِذَا كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ صُوَرُ الْإِبْطَالِ رَجَّحْنَا جَانِبَ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ حَقِّهِ أَسْبَقُ، وَهُوَ نَظِيرُ مَذْهَبِهِ فِي إعْتَاقِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا لِإِمْكَانِ إيجَابِ الضَّمَانِ، وَيَتَجَزَّأُ إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا، وَيُسْتَدَامُ الرِّقُّ فِيمَا يَبْقَى مُرَاعَاةً لِحَقِّ السَّاكِتِ فَهَذَا مِثْلُهُ. وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّهُ مُخَاطَبٌ أَعْتَقَ مِلْكَ نَفْسِهِ فَلَا يُلْغَى إعْتَاقُهُ كَالْمُشْتَرِي إذَا أَعْتَقَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَبَيَانُ الْوَصْفِ: أَنَّ مُوجَبَ عَقْدِ الرَّهْنِ إمَّا ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ كَمَا قُلْنَا أَوْ حَقُّ الْبَيْعِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ، وَشَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَا يُزِيلُ مِلْكَ الْعَيْنِ فَتَبْقَى الْعَيْنُ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ، كَمَا كَانَتْ ثُمَّ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْمَالِيَّةِ، وَالْإِعْتَاقُ تَصَرُّفٌ فِي الرِّقِّ بِالْإِزَالَةِ، وَالرِّقُّ غَيْرُ الْمَالِيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ثَبَتَ حَقُّ الرِّقِّ بِدُونِ الْمَالِيَّةِ فِي الْحَبْسِ، وَتَبْقَى صِفَةُ الرِّقِّ فِي أُمِّ الْوَلَدِ بِدُونِ الْمَالِيَّةِ، وَالْمَالِيَّةُ تَنْفَصِلُ عَنْ الرِّقِّ فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِعِتْقِ عَبْدِهِ إنْ دَخَلَ الدَّارَ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَدَخَلَ الدَّارَ يُعْتَقُ، وَبَقِيَتْ الْيَمِينُ بَعْدَ الْبَيْعِ لِبَقَاءِ الرِّقِّ، وَإِنْ زَالَ الْمِلْكُ، وَالْمَالِيَّةُ عَنْهُ، وَالْإِعْتَاقُ تَصَرُّفٌ فِي الرِّقِّ، وَلَا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَنْفِيذِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ صَادَفَ مَحِلًّا هُوَ خَالِصُ حَقِّ الرَّاهِنِ إلَّا أَنَّ الْمَالِيَّةَ الْمَشْغُولَةَ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ تَتْلَفُ بِهَذَا التَّصَرُّفِ، وَقِوَامُ تِلْكَ الْمَالِيَّةِ كَانَ بِبَقَاءِ الرِّقِّ فَيَصِيرُ الْمُعْتِقُ ضَامِنًا لِهَذَا، وَلِهَذَا نَفَذَ الْعِتْقُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَذَلِكَ فِي مَعْنَى الْمَرْهُونِ؛ لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِالدَّيْنِ إلَّا أَنَّ الْحَبْسَ

стр. 4353

وَيُلَاقِي الْعَيْنَ، وَالْمَالِيَّةَ دُونَ الرِّقِّ وَبِهِ فَارَقَ الْبَيْعَ فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ يَمْنَعُ لِلْعَيْنِ نِصْفَ الْمَالِيَّةِ، وَهُوَ مَشْغُولٌ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَقِيَامُ حَقِّهِ يَمْنَعُ نُفُوذَهُ، كَمَا أَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ لِلْبَائِعِ يَمْنَعُ نُفُوذَ بَيْعِ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ كَمَا يَسْتَدْعِي الْمِلْكَ فِي الْمَحَلِّ يَسْتَدْعِي الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ فِي الْآبِقِ وَالْجَنِينِ فِي الْبَطْنِ، فَكَذَلِكَ لَا يَنْفُذُ فِي الْمَرْهُونِ لِعَجْزِ الرَّاهِنِ عَنْ تَسْلِيمِهِ بِخِلَافِ الْمُعْتِقِ تَوْضِيحُهُ: أَنَّ نُفُوذَ الْبَيْعِ يَعْتَمِدُ تَمَامَ الرِّضَا، وَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ مَعَ الْهَزْلِ وَشَرْطِ الْخِيَارِ وَالْكُرْهِ، فَكَذَلِكَ عَدَمُ الرِّضَا مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ يَمْنَعُ نُفُوذَهُ فَأَمَّا الْعِتْقُ، فَلَا يَعْتَمِدُ نُفُوذُهُ تَمَامَ الرِّضَا حَتَّى يَنْفُذَ مَعَ الْهَزْلِ وَشَرْطِ الْخِيَارِ، فَإِذَا كَانَ عَدَمُ الرِّضَا مِنْ صَاحِبِ الْمِلْكِ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْعِتْقِ فَمِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ يُرَادُ بِهِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَهُوَ الْعَيْنُ فَكَذَلِكَ لَا يُرَدُّ مِنْهُ مَا يُتَصَوَّرُ بِهِ، وَعِتْقُ الْمَرِيضِ عِنْدَنَا لَا يَلْغُو لِقِيَامِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ وَلَكِنْ يَخْرُجُ إلَى الْحُرِّيَّةِ بِالسِّعَايَةِ لَا مَحَالَةَ فَهُنَا أَيْضًا يَنْبَغِي أَلَّا يَلْغُوَ إلَّا أَنَّ هُنَاكَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ مَا دَامَ يَسْعَى، وَهُنَا يَكُونُ حُرًّا، وَمُرَادُهُ: إنْ لَزِمَتْهُ السِّعَايَةُ عِنْدَ اعْتِبَارِ الرَّهْنِ - لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ تَتَأَخَّرُ عَنْ الدَّيْنِ إلَّا أَنَّ الْعِتْقَ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ - فَيَجِبْ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي قِيمَتِهِ لِرَدِّ الْوَصِيَّةِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بَدَلُ رَقَبَتِهِ، وَلَا يُسَلَّمُ لَهُ الْمُبْدَلُ مَا لَمْ يَرُدَّ الْبَدَلَ، وَهُنَا: السِّعَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ لَيْسَتْ فِي بَدَلِ رَقَبَتِهِ بَلْ فِي الدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ذَلِكَ. فَوُجُوبُ السِّعَايَةِ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ نُفُوذِ عِتْقِهِ فِي الْحَالِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إنْ أَيْسَرَ الرَّاهِنُ هُنَا رَجَعَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى مِنْ السِّعَايَةِ، وَهُنَاكَ: لَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى أَحَدٍ بِمَا يَنْبَغِي فِيهِ مِنْ قِيمَتِهِ، وَلَا مَعْنَى لِمَنْ قَالَ: إنَّ الْمَرْهُونَ فِي حُكْمِ الزَّائِلِ عَنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ لَا يُزِيلُ الْمَوْتَ فِي الْحَالِ، وَلَا فِي ثَانِي حَالٍ، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الرَّاهِنِ لِإِتْلَافِهِ الْمَالِيَّةَ الْمَشْغُولَةَ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ كَالْمَوْلَى يُتْلِفُ الْمَأْذُونَ فَيَكُونُ ضَامِنًا قِيمَتَهُ لِلْغُرَمَاءِ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ لُحُوقَ الدَّيْنِ لِلْعَبْدِ يُزِيلُ مِلْكَ الْمَوْلَى ثُمَّ أَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ نَصًّا هُوَ الْمِلْكُ، وَلِلرَّاهِنِ مِلْكٌ حَقِيقَةً فَيَكُونُ كَالشِّرَاءِ بِكَفِيلٍ، وَعِتْقُ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ لَا يَمْتَنِعُ بِحَقِّ الشَّرِيكِ فَلَأَنْ لَا يَمْتَنِعَ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ أَوْلَى. وَلَوْ دَبَّرَ الرَّاهِنُ صَحَّ تَدْبِيرُهُ بِالِاتِّفَاقِ أَمَّا عِنْدَنَا فَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ يُوجِبُ حَقَّ الْعِتْقِ لَهُ، وَإِذَا كَانَ لَا يَمْتَنِعُ حَقِيقَةَ الْعِتْقِ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَحَقُّ الْعِتْقِ أَوْلَى، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ فَلَا يَكُونُ مُبْطِلًا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِحَقِّ الْعِتْقِ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَتْ أَمَةٌ فَاسْتَوْلَدَهَا صَحَّ اسْتِيلَادُهُ عِنْدَنَا وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ لَمَّا كَانَ يَنْفُذُ بِحَقِّ الْمِلْكِ لِلْأَبِ فِي جَارِيَةِ وَلَدِهِ عِنْدَهُ فَلَأَنْ يَنْفُذَ بِحَقِيقَةِ الْمِلْكِ لِلرَّاهِنِ فِيهَا أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا

стр. 4354

فَهُوَ ضَامِنٌ قِيمَتَهَا، فَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهَا لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّهُ مُتْلِفٌ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْمَالِيَّةِ بِمَا صَنَعَ فَيَكُونُ ضَامِنًا بَدَلَهُ، وَحُكْمُ الْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ فَيَكُونُ رَهْنًا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الرَّهْنَ أَجْنَبِيٌّ ضَمِنَ قِيمَتَهُ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ قَدْ حَلَّ قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ بِحَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ ظَفَرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الْمَدْيُونِ فَيَأْخُذُ قَضَاءً مِنْ دَيْنِهِ، وَيَرْجِعُ بِالْفَضْلِ، وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُعْسِرًا كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَسْعِيَ أُمَّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَ فِي الدَّيْنِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُمَا مَمْلُوكٌ لِلْمَوْلَى فَالرَّاهِنُ مُوسِرٌ قَادِرٌ عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ بِكَسْبِهِمَا. وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ بِمَالٍ آخَرَ لَأُمِرَ بِقَضَاءِ الدَّيْن، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ بِكَسْبِهِمَا، وَيُسْتَسْعَى الْمُعْتَقُ أَلْبَتَّةَ فِي قِيمَةِ خَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْمُعْتَقَ خَالِصُ حَقِّهِ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَقْتَضِيَ بِهِ دَيْنَ غَيْرِهِ، وَلَكِنْ قَدْ سُلِّمَتْ لَهُ مَالِيَّةُ رَقَبَتِهِ، وَكَانَ مَشْغُولًا بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَيَلْزَمُهُ السِّعَايَةُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ لِاحْتِبَاسِهِ عِنْدَهُ، كَمَا تَجِبُ السِّعَايَةُ عَلَى مُعْتَقِ الْبَعْضِ لِلشَّرِيكِ السَّاكِتِ إذَا كَانَ الْمُعْتَقُ مُعْسِرًا ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُعْتَقُ بِذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَبَرِّعٍ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ بِخَالِصِ مِلْكِهِ بَلْ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى ذَلِكَ بِسَبَبٍ بَاشَرَهُ الرَّاهِنُ وَرَضِيَ بِهِ فَيَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ كَالْكَفِيلِ عَنْهُ بِأَمْرِهِ إذَا أَدَّى، وَيَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ بِفَضْلِ دَيْنِهِ عَلَى الرَّاهِنِ فَإِنْ وَلَدَتْ الْمُدَبَّرَةُ وَلَدًا بَعْدَ مَا قَضَى عَلَيْهَا بِالسِّعَايَةِ ثُمَّ مَاتَتْ اسْتَسْعَى وَلَدَهَا فِي جَمِيعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا بِمَنْزِلَتِهَا، فَإِذًا التَّدْبِيرُ يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ فَوَلَدُهَا مُدَبَّرٌ لِلْمَوْلَى، وَكَسْبُهُ لَهُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ بِسِعَايَتِهِ، فَيَسْتَسْعِي الْوَلَدَ فِي جَمِيعِ الدَّيْنِ، كَمَا كَانَ يَسْتَسْعِي الْأُمَّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْمَمْلُوكِ لَمَّا كَانَ لِلْمَالِكِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَالِكِ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَالرَّاهِنُ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى قَضَاءِ جَمِيعِ الدَّيْنِ بِمِلْكِهِ، فَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرَةُ، وَوَلَدُهَا يُؤْمَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالسِّعَايَةِ فِي جَمِيعِ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ الْمَوْلَى قَدْ ادَّعَاهُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سِعَايَةٌ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ انْفَصَلَ حُرًّا فَكَسْبُهُ يَكُونُ مَمْلُوكًا دُونَ الْمَوْلَى، وَلَا يَكُونُ الْمَوْلَى قَادِرًا عَلَى قَضَاءِ دَيْنٍ يَكْسِبُهُ. تَوْضِيحُهُ: أَنَّ الْوَلَدَ الَّذِي انْفَصَلَ مِنْ الْأُمِّ حُرًّا لَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لَهُ وَوُجُوبُ السِّعَايَةِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ الرَّهْنِ فَأَمَّا الْوَلَدُ الَّذِي انْفَصَلَ مُدَبَّرًا فَهُوَ جُزْءٌ مِنْهَا انْفَصَلَ بِصِفَتِهَا، وَلَهُ حُكْمُ الرَّهْنِ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِسْعَاءِ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ جُزْءٌ مِنْهَا، وَقَدْ انْفَصَلَ بِصِفَتِهَا فَيَلْزَمُهُ السِّعَايَةُ لِحُكْمِ الرَّهْنِ، كَمَا لَزِمَهَا. وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدًا يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ بِأَلْفٍ فَأَعْتَقَهُ الرَّاهِنُ، وَهُوَ مُعْسِرٌ ثُمَّ مَاتَ الرَّاهِنُ، وَتَرَكَ خَمْسَمِائَةٍ فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ يَأْخُذُهَا، وَيَسْعَى لَهُ الْعَبْدُ فِي مِائَتَيْنِ، وَخَمْسِينَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْعَبْدِ السِّعَايَةُ فِي مِقْدَارِ قِيمَتِهِ، وَذَلِكَ نِصْفُ الدَّيْنِ شَائِعٌ فِي الْكُلِّ، وَالْخَمْسُمِائَةِ الَّتِي اسْتَوْفَاهَا الْمُرْتَهِنُ مِنْ تَرِكَةِ الرَّاهِنِ نِصْفُهُ مِمَّا

стр. 4355

وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ السِّعَايَةُ فِيهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَالْكَفِيلِ عَنْ الْمَوْلَى، وَالِاسْتِيفَاءُ عَنْ الْأَصْلِ يُوجِبُ بَرَاءَةَ الْكَفِيلِ؛ فَلِهَذَا اسْتَسْعَى فِي نِصْفِ مَا يَبْقَى، وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ. وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ سَعَى لَهُ فِي قِيمَتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ مَاتَ الرَّاهِنُ وَتَرَكَ خَمْسَمِائَةٍ كَانَتْ بَيْنَ الْمُرْتَهِنِ وَالْعَبْدِ نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ خَمْسَمِائَةٍ، وَالْعَبْدُ قَدْ اسْتَوْجَبَ الرُّجُوعَ عَلَى الرَّاهِنِ بِالْخَمْسِمِائَةِ فَتُقْسَمُ تَرِكَتُهُ بَيْنَهُمَا عَلَى مِقْدَارِ دَيْنِهِمَا وَإِذَا رَهَنَ رَجُلَانِ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفٌ فَهُوَ ضَامِنٌ لِخَمْسِمِائَةٍ حِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَعَلَى شَرِيكِهِ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ صَارَ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَتَجَزَّأُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ مُعْتَقَ الْبَعْضِ لَا يُسْتَدَامُ فِيهِ الرِّقُّ فَهُوَ كَالْمُكَاتَبِ لَا يَكُونُ مَحِلًّا لِلْبَيْعِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَضَاءُ نَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ ثُمَّ الْحُكْمُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فِي تَضْمِينِ الْمُعْتَقِ أَوْ الِاسْتِيفَاءِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي (كِتَابِ الْعَتَاقِ) وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِي الْأَلْفِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ كَانَ ثَابِتًا فِي جَمِيعِ الْمَالِيَّةِ وَقَدْ احْتَبَسَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَبْدِ بِمَا انْتَفَعَ هُوَ بِهِ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ ثُمَّ يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى الْمُعْتِقِ بِخَمْسِمِائَةٍ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا فِيهِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ قَدْ اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِ السِّعَايَةَ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ لِاحْتِبَاسِ نَصِيبِهِ عِنْدَهُ، وَهَبْ: أَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ وَاسْتَوْجَبَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ مِثْلُهَا؛ فَيَصِيرُ قِصَاصًا بِهِ وَلَوْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا ثُمَّ دَبَّرَهُ الْآخَرُ فَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ فَهُوَ كَمَا وَصَفْنَا لَكَ فِي الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ ضَمِنَا الْأَلْفَ لِلْمُرْتَهِنِ وَسَعَى الْمُدَبَّرُ لِلَّذِي دَبَّرَهُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا إلَّا أَنَّهُ بِتَدْبِيرِ نَصِيبِهِ صَارَ مُخْتَارًا سِعَايَةَ الْعَبْدِ فِي نَصِيبِهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا مِلْكَهُ فِي نَصِيبِهِ وَيَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ تَضْمِينِ الْمُعْتِقِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ صَارَ مُخْتَارًا لِلسِّعَايَةِ فَنَسْتَسْعِيهِ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا وَلَا يَرْجِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُتْلِفُ لِنَصِيبِهِ وَالثَّانِي قَدْ أَبْرَأَ الْأَوَّلَ عَنْ الضَّمَانِ وَلَمْ يُتْلِفْ عَلَيْهِ شَيْئًا فَلَا رُجُوعَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. وَإِذَا اسْتَعَارَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ عَبْدًا قِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِيَرْهَنَهُ فَرَهَنَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ إنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ ضَمِنَ الْمَالَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَضِيَ بِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِمَالِيَّةِ الرَّهْنِ حِينَ أَعَارَهُ الرَّهْنَ ثُمَّ أَتْلَفَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ذَلِكَ بِالْإِعْتَاقِ فَيَضْمَنُ لَهُ مِثْلُهُ وَيَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِمَا أَدَّى دَيْنَ الرَّاهِنِ وَكَانَ مُجْبَرًا عَلَى ذَلِكَ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَضَى الدَّيْنَ لِيَسْتَرِدَّ الرَّهْنَ رَجَعَ بِهِ عَلَى الرَّاهِنِ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَرَدَّهُ بِالْإِعْتَاقِ وَضَمِنَهُ لِلْمُرْتَهِنِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ رَضِيَ بِرُجُوعِهِ عَلَيْهِ مَتَى صَارَ دَيْنُهُ مَقْضِيًّا بِمِلْكِهِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ

стр. 4356

رَجَعَ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بِمِقْدَارِ الدَّيْنِ؛ لِهَذَا الْمَعْنَى فَكَذَلِكَ إذَا قَضَاهُ بِمَالٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ مُعْسِرًا وَالرَّاهِنُ مُوسِرًا ضَمِنَ الرَّاهِنُ الْمَالَ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَ نَفْسِهِ بِمَالِهِ وَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَضْمَنَ أَيَّهُمَا شَاءَ إنْ شَاءَ الرَّاهِنُ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ دَيْنِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ الْمُعْتَقُ لِإِتْلَافِهِ مَحِلَّ حَقِّهِ وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ سَعَى الْعَبْدُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَالِيَّةَ سُلِّمَتْ لَهُ وَقَدْ كَانَتْ مَشْغُولَةً بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ إنْ شَاءَ عَلَى الرَّاهِنِ - لِأَنَّهُ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ بِمِلْكِ نَفْسِهِ بِسَبَبٍ رَضِيَ بِهِ الرَّاهِنُ وَهُوَ عَقْدُ الرَّهْنِ - وَإِنْ شَاءَ عَلَى مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَلْزَمَهُ ذَلِكَ بِإِعْتَاقِهِ إيَّاهُ فَإِنْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَوْلَى رَجَعَ بِهِ مَوْلَاهُ عَلَى الرَّاهِنِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ هُوَ الَّذِي رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَوْلَى فَأَدَّاهُ، وَهَذِهِ لِأَنَّ أَصْلَ الدَّيْنِ عَلَى الرَّاهِنِ. وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ أَمَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ هِيَ قِيمَتُهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ يُسَاوِي أَلْفًا فَادَّعَاهُ بَعْدَ مَا وَلَدَتْهُ، وَهُوَ مُوسِرٌ ضَمِنَ الْمَالَ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَتْ الْأَمَةُ فِي نِصْفِ الْمَالِ وَالْوَلَدُ فِي نِصْفِهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ انْقَسَمَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْوَلَدِ عَلَى هَذِهِ الْقِيمَةِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ ثُمَّ الرَّاهِنُ بِالدَّعْوَةِ صَارَ مُسْتَرِدًّا لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ فِي الْوَلَدِ حَقِيقَةَ الْعِتْقِ وَفِي الْأُمِّ حَقَّ الْعِتْقِ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْفِكَاكِ الْمُقِرِّ بِهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدَّيْنِ وَيَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نِصْفِ الدَّيْنِ لِسَلَامَةِ مَحَلِّ ذَلِكَ لَهُ بِالْعِتْقِ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ الْوَلَدُ شَيْئًا حَتَّى مَاتَتْ الْأُمُّ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ السِّعَايَةِ سَعَى وَلَدُهَا فِي الْأَقَلِّ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ وَمِنْ نِصْفِ الدَّيْنِ عَلَى حَالِهِ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِمَوْتِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالِاسْتِسْعَاءِ حِين صَارَ مَقْصُودًا بِالْفِكَاكِ فَبِمَوْتِ الْأُمِّ لَا يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ السِّعَايَةِ لَمْ يَكُنْ تَبَعًا لَهَا (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ كَانَ لَزِمَهُ السِّعَايَةُ فِي حِصَّتِهِ قَبْلَ مَوْتِهَا وَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ بَعْدَ هَذَا لَمْ يَتَحَوَّلْ مِنْ سِعَايَتِهِ إلَيْهَا كَذَلِكَ إذَا مَاتَتْ هِيَ وَيَرْجِعُ الْوَلَدُ بِمَا سَعَى فِيهِ عَلَى الْأَبِ وَإِنْ قَضَى دَيْنَهُ بِكَسْبٍ هُوَ خَالِصُ مِلْكِهِ عَلَى وَجْهٍ كَانَ مُجْبَرًا عَلَيْهِ. وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مُؤَجَّلَةٍ أَوْ قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِالْعَبْدِ لِرَجُلٍ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمْلِيكِ الْعَبْدِ ابْتِدَاءً لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَيَخْرُجُ كَلَامُهُ مَخْرَجَ الْإِقْرَارِ وَلَكِنَّ الْمُقَرَّ لَهُ إنْ شَاءَ أَدَّى الْمَالَ وَقَبَضَ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُقِرِّ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ فَالْمُقَرُّ لَهُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُقِرِّ، فَكَمَا أَنَّ لِلْمُقِرِّ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَالَ وَيَقْبِضَ الرَّهْنَ فَلِلْمُقَرِّ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ أَدَّاهُ حَالًّا لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الرَّاهِنِ حَتَّى يَحِلَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ كَالْمُتَحَمِّلِ عَنْهُ دَيْنًا هُوَ مُؤَجَّلٌ عَلَيْهِ وَالْكَفِيلُ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ إذَا

стр. 4357

عَجَّلَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَصْلِ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ فَإِذَا حَلَّ رَجَعَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْمُقَرُّ لَهُ هُنَا وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُضْطَرُّ لِأَدَاءِ هَذَا الْمَالِ لِتَخْلِيصِ مِلْكِهِ فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِيهِ وَلِأَنَّ الرَّاهِنَ أَقَرَّ أَنَّهُ أَعْتَقَ رَقَبَةَ عَبْدِهِ بِذَلِكَ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى كَالْمُعِيرِ لِلرَّهْنِ إذَا قَضَى الدَّيْنَ وَلِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُرْتَهِنَ عَلَى عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الرَّاهِنُ لَزِمَهُ رَدُّ الْعَيْنِ عَلَيْهِ فَإِذَا أَنْكَرَ يُسْتَحْلَفُ وَلَكِنَّ يَمِينَهُ عَلَى الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِحْلَافٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ. فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ الْمَالَ وَأَعْتَقَ الْعَبْدَ جَازَ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ بِإِقْرَارِهِ بِالْمِلْكِ لِلْمُقَرِّ لَهُ سَلَّطَهُ عَلَى إعْتَاقِهِ وَلَوْ أَعْتَقَهُ بِنَفْسِهِ نَفَذَ عِتْقُهُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ غَيْرَهُ بِتَسْلِيطِهِ وَكَانَ الْمُرْتَهِنُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الرَّاهِنَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ جَانِيًا عَلَى حَقِّهِ لِتَسَبُّبِهِ بِتَنْفِيذِ عِتْقِ الْمُعْتَقِ فِيهِ وَهُوَ إقْرَارُهُ بِالْمِلْكِ لَهُ - وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُعْتِقُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِإِعْتَاقِهِ تَسَبَّبَ لِإِتْلَافِ مَحِلِّ حَقِّهِ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ فَإِنْ أَخَذَهَا الْمُعْتِقُ رَجَعَ بِهَا عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ أَغْلَقَ رَقَبَةَ عَبْدِهِ وَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ لَزِمَهُ هَذَا الضَّمَانُ فَيَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ اسْتَسْعَى الْمُرْتَهِنُ الْعَبْدَ فِي قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالِيَّةَ الَّتِي هِيَ مَحِلُّ حَقِّهِ سَلِمَتْ لَهُ وَيَرْجِعُ الْعَبْدُ بِهَا عَلَى الرَّاهِنِ دُونَ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مُقِرٌّ بِأَنَّ الْمُعْتِقَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي رَهْنِهِ وَإِنَّ الرَّاهِنَ كَانَ فِي حُكْمِ الْغَاصِبِ لَهُ وَإِقْرَارُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ صَحِيحٌ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُعْتِقِ بِشَيْءٍ لِهَذَا وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَلْزَمَهُ هَذِهِ الْقِيمَةَ بِمَا أَوْجَبَ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي مَالِيَّتِهِ فَعِنْدَ الْأَدَاءِ يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ مَعْرُوفًا لِلْمُعْتِقِ وَقَدْ كَانَ أَعَارَهُ الرَّاهِنُ لِيَرْهَنَهُ فَأَعْتَقَهُ وَهُوَ وَالرَّاهِنُ مُوسِرَانِ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْمُعْتِقِ دُونَ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتِقَ هُوَ الْمُتَسَبِّبُ لِإِتْلَافِ مَحِلِّ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الرَّاهِنِ صُنْعٌ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا مِنْهُ لِإِتْلَافِ مَحِلِّ حَقِّهِ فَلِهَذَا كَانَ رُجُوعُهُ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْمُعْتِقِ دُونَ الرَّاهِنِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ قَدْ وُجِدَ مِنْ الرَّاهِنِ تَسَبُّبٌ لِمَا بِهِ تَلَفُ مَحِلِّ حَقِّهِ وَهُوَ إقْرَارُهُ بِالْمِلْكِ وَتَسْلِيطُهُ الْمُقِرِّ لَهُ عَلَى إعْتَاقِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِي قِيمَتِهِ فَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَيَرْجِعُ بِهَا الْعَبْدُ عَلَى الْمُعِيرِ دُونَ الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ هُوَ الَّذِي أَلْزَمَهُ ذَلِكَ بِإِعْتَاقِهِ بَعْدَ مَا رَضِيَ بِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِمَالِيَّتِهِ بِالْإِعَادَةِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ تَسَبُّبٌ فِي إيجَابِ الْقِيمَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا تَعَلَّقَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ بِمَالِيَّتِهِ فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ أَخَذَ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ مِنْ الرَّاهِنِ وَرَجَعَتْ الْقِيمَةُ إلَى الْمُعِيرِ بِضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا رَجَعَ عَلَى الْمُعِيرِ فَقَدْ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ضَمِنَ الْقِيمَةَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً وَاسْتَوْفَى الْمُرْتَهِنُ

стр. 4358

دَيْنَهُ مِنْ الرَّاهِنِ رَجَعَ الْعَبْدُ إلَى الْمُعِيرِ فَكَذَلِكَ الْقِيمَةُ. إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَرَهَنَهُ بِهَا عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفَيْنِ وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ أَنَّ الرَّهْنَ لِرَجُلٍ غَصَبَهُ الرَّاهِنُ مِنْهُ لَمْ يُصَدَّقْ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ، وَإِقْرَارُ الْإِنْسَانِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بَاطِلٌ، وَالْمُرْتَهِنُ حَافِظٌ لِلْعَيْنِ كَالْأَمِينِ، وَإِقْرَارُ الْمُودِعِ الْوَدِيعَةِ لِغَيْرِ الْمُودَعِ بَاطِلٌ إذَا كَانَ الْإِيدَاعُ ظَاهِرًا، فَيُؤَدِّي الرَّاهِنُ الدَّيْنَ وَيَأْخُذُ الْعَبْدَ وَلَا سَبِيلَ لِلْمُقِرِّ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَا عَلَى مَا أَخَذَ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَخَذَ دَيْنَهُ وَرَدَّ الْعَبْدَ عَلَى مَا أَخَذَ مِنْهُ فَانْفَسَخَ بِهِ حُكْمُ قَبْضِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْهُ مَالِكًا أَوْ غَيْرَ مَالِكٍ كَالْمُرْتَهِنِ مِنْ الْغَاصِبِ إذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ وَإِقْرَارُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الرَّاهِنِ، فَلَا سَبِيلَ لِلْمُقَرِّ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ الَّذِي فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ وَفَاءً بِدَيْنِهِ وَزِيَادَةً فَكَانَ ضَامِنًا جَمِيعَ قِيمَتِهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْعَبْدِ كَانَ فِي يَدِهِ كَالْمَغْصُوبِ فَإِنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَقَبْضُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَإِقْرَارُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ إذَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِالْهَلَاكِ وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يُقِرَّ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَلَكِنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا أَلْفَ دِرْهَمٍ اسْتَهْلَكَهَا، وَقَدْ مَاتَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَإِنَّ الْمُقِرَّ يَرْجِعُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ مَالِيَّتَهُ كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً بِدَيْنِ الْمُقَرِّ لَهُ وَأَنَّهُ فِي الْقَبْضِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ عَلَى جِهَةِ الرَّهْنِ غَاصِبٌ فِي حَقِّهِ فَإِذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ ضَمِنَ لَهُ مِقْدَارَ حَقِّهِ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، كَمَا لَوْ كَانَ مَا أَقَرَّ بِهِ ظَاهِرًا، وَلِأَنَّهُ بِالْهَلَاكِ فِي يَدِهِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِيَّتِهِ وَالْمُقَرُّ لَهُ كَانَ أَحَقَّ بِمَالِيَّتِهِ بِزَعْمِهِ فَيَغْرَمُ لَهُ مَا صَارَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ. وَلَوْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِرَقَبَتِهِ لِرَجُلٍ وَقَدْ كَانَ الرَّاهِنُ جَعَلَ بَيْنَهُمَا عَدْلًا يَبِيعُهُ وَاسْتَوْفَى الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ فَبَاعَهُ الْعَدْلُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَدَفَعَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَنَقَدَ الْمُرْتَهِنَ مِنْهُ ذَلِكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَعْطَى الرَّاهِنَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَإِذَا أَجَازَ الْمُقَرُّ لَهُ الْبَيْعَ أَخَذَ الْأَلْفَ الَّتِي أَخَذَهَا الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّ إجَازَةَ الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ حَقُّهُ بِزَعْمِ الْمُرْتَهِنِ وَمَا اسْتَوْفَى الْمُرْتَهِنُ جُزْءًا مِنْ الثَّمَنِ وَإِقْرَارُهُ فِيمَا وَصَلَ إلَيْهِ حُجَّةٌ فِيمَا أَخَذَهُ الرَّاهِنُ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى مَا أَخَذَ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ يَزْعُمُ أَنَّ عَيْنَ الْعَبْدِ هِيَ مِلْكُهُ وَلَمْ يَصِلْ الْعَبْدُ إلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ قَطُّ وَيَزْعُمُ أَنَّ الثَّمَنَ مَالُ مُشْتَرِي الْعَبْدِ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى مَالِ مُشْتَرِي الْعَبْدِ فِي يَدِ مَنْ كَانَ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ مِلْكَهُ فِي الْمُشْتَرَى بِالْحُجَّةِ، وَلَوْ أَثْبَتَ ذَلِكَ كَأَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الثَّمَنِ وَلَكِنَّ الْمُشْتَرِيَ هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ فَقَبْلَ الْإِثْبَاتِ أَوْلَى أَنْ لَا يَثْبُتَ لَهُ عَلَى الثَّمَنِ سَبِيلٌ. وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يُقِرَّ بِالرَّقَبَةِ وَلَكِنَّهُ

стр. 4359

أَقَرَّ أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ اسْتَهْلَكَ لِرَجُلٍ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ يَدْفَعُ الْأَلْفَ الَّتِي قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ أَجَازَ الْبَيْعَ أَوْ لَمْ يُجِزْهُ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ لَمْ تَكُنْ لِلْمُقَرِّ لَهُ، فَلَا يَضُرُّهُ أَجَازَ الْبَيْعَ أَوْ لَمْ يُجِزْ، وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الدَّيْنِ فِي مَالِيَّةِ الْعَبْدِ دُونَ عَيْنِهِ، وَعِنْدَ إجَازَتِهِ الْبَيْعَ تُسَلَّمُ لَهُ الْمَالِيَّةُ، فَالتَّمْلِيكُ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ وَاَلَّذِي قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ مِنْ ثَمَنِهِ مَالِيَّةٌ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ بِاعْتِبَارِ إقْرَارِهِ أَمَّا إذَا أَجَازَ الْبَيْعَ فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يُجِزْ فَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ حَابِسٌ لِلْمَالِيَّةِ الَّتِي هِيَ حَقُّهُ ضَامِنٌ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَمَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي مَالُهُ فَقَدْ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ فِي زَعْمِهِ أَنَّ الْعَبْدَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ كَانَ يُسَلِّمُ لَهُ مِلْكَ الْعَبْدِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى مَالِ الْمُشْتَرِي مَعَ بَقَاءِ الْعَبْدِ عَلَى مِلْكِهِ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ الْمُقَرُّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ إقْرَارِهِ وَإِقْرَارُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الرَّاهِنِ. وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَحَفَرَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ إنَّ الرَّاهِنَ أَدَّى الدَّيْنَ وَأَخَذَ عَبْدَهُ فَوَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ دَابَّةٌ تُسَاوِي أَلْفًا فَإِنَّ الْعَبْدَ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الرَّاهِنُ؛ لِأَنَّهُ بِالْحَفْرِ تَسَبَّبَ لِإِتْلَافِ الدَّابَّةِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ فَيَكُونُ كَالْمُبَاشِرِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ وَلَوْ أَتْلَفَ الْعَبْدُ دَابَّةً بِيعَ فِي قِيمَتِهَا إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى، فَإِنْ بِيعَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَخَذَهَا صَاحِبُ الدَّابَّةِ رَجَعَ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِالدَّيْنِ الَّذِي قَضَاهُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ تَلِفَ بِفِعْلٍ كَانَ مِنْهُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ الْحَفْرُ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الرَّدَّ لَمْ يُسَلَّمْ وَيُجْعَلُ هُوَ كَالْهَالِكِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَصَارَ هُوَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ بِالْهَلَاكِ وَقَدْ اسْتَوْفَاهُ مَرَّةً أُخْرَى فَعَلَيْهِ رَدُّهُ (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْعَبْدَ الْمَغْصُوبَ لَوْ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا فِي يَدِ الْغَاصِبِ كَانَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ وَيُجْعَلَ كَالْهَالِكِ قَبْلَ الرَّدِّ وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ دَابَّةٌ أُخْرَى تُسَاوِي أَلْفًا فَعَطِبَتْ رَجَعَ صَاحِبُهَا عَلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ الْأَوْلَى وَأَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ مَا أَخَذَ؛ لِأَنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي ثَمَنِ الْعَبْدِ فَإِنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الدَّائِنَيْنِ تَسْتَنِدُ إلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْحَفْرُ، وَهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَ الدَّابَّتَيْنِ مَعًا فَيَكُونُ ثَمَنُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَإِذَا أَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ مَا أَخَذَ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ الْأَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ مِمَّا قَبَضَ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَبَضَ مَا كَانَ أَعْطَى الْمُرْتَهِنَ بِطَرِيقٍ أَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ شَيْئًا، وَحَقُّ صَاحِبِ الدَّابَّةِ فِي مَالِيَّةِ الْعَبْدِ لَا فِي مَالٍ آخَرَ مِنْ مِلْكِ مَوْلَى الْعَبْدِ فَإِنْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ إذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ اسْتَهْلَكَ مَالَ إنْسَانٍ فَبِيعَ فِي قِيمَتِهِ ثُمَّ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ

стр. 4360

إنْسَانٌ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْحَفْرِ لَيْسَ بِجِنَايَةٍ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ جِنَايَةً إذَا اتَّصَلَ الْوُقُوعُ بِهِ وَالْمُسْتَحَقُّ بِجِنَايَةٍ عَلَى الْآدَمِيِّ نَفْسُهُ، فَعِنْدَ الْوُقُوعِ هُوَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي، وَأَصْلُ فِعْلِ الْعَبْدِ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ فَلَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِالدَّفْعِ بِفِعْلٍ سَبَقَ مِلْكَهُ، وَلَا تَتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ مُوجِبٌ سَبَبًا فِي مِلْكِهِ، وَالْبَيْعُ كَانَ بِحَقٍّ شَرْعِيٍّ لَا بِاخْتِيَارِهِ فَلَا يَضُرُّ تَعَلُّقُهُ بِهِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْوَاقِعُ دَابَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِهِ مِنْ الْعَبْدِ كَالْمُسْتَحَقِّ بِالْأَوَّلِ فَيُمْكِنُ جَعْلُ الثَّمَنِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، وَهُنَا الْمُسْتَحَقُّ نَفْسُ الْعَبْدِ فَلَمْ يَكُنْ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ مِنْ جِنْسِ حَقِّ صَاحِبِ الدَّابَّةِ إلَّا قَبْضَ الثَّمَنِ، وَلَمَّا تَعَذَّرَ إثْبَاتُ حَقِّهِ فِي الثَّمَنِ، وَاسْتِحْقَاقُ نَفْسِ الْعَبْدِ غَيْرُ مُمْكِنٍ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا كَانَ دَمُهُ هَدَرًا. وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ أَمَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقِيمَتُهَا خَمْسُمِائَةٍ ثُمَّ قَبَضَهَا وَكَاتَبَهَا فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُبْطِلَ الْكِتَابَةَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ الرَّاهِنِ تَصَرُّفٌ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَفِي عَوْدِهِ إضْرَارٌ بِالْمُرْتَهِنِ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ ذَلِكَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، كَمَا يَفْسَخُ بَيْعَ الرَّاهِنِ، وَكَمَا يَفْسَخُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، كَدَابَّةِ شَرِيكِهِ وَلَوْ لَمْ يُكَاتِبْهَا، وَلَكِنَّهُ دَبَّرَهَا فَسَعَتْ فِي خَمْسِمِائَةٍ ثُمَّ مَاتَتْ وَقَدْ وَلَدَتْ بِنْتًا تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ فَعَلَى وَلَدِهَا أَنْ يَسْعَى فِي خَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ هَذَا الْقَدْرُ، وَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا يُدَبَّرُ لِلرَّاهِنِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ فَكَمَا كَانَ عَلَى الْأُمِّ أَنْ تَسْعَى فِي دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الرَّاهِنَ مُوسِرٌ بِهَذَا الطَّرِيقِ، فَكَذَلِكَ وَلَدُهَا يَسْعَى فِيمَا يُوَفِّي دَيْنَهُ فَإِنْ سَعَتْ الْبِنْتُ فِي مِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ وَلَدَتْ بِنْتًا ثُمَّ مَاتَتْ الْبِنْتُ الْأَوْلَى، وَقِيمَةُ الْأَوْلَى وَالسُّفْلَى سَوَاءٌ فَعَلَى السُّفْلَى أَنْ تَسْعَى فِيمَا بَقِيَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهَا كَالْأُولَى مُدَبَّرَةٌ لِلرَّاهِنِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِكَسْبِهَا، وَالسُّفْلَى جُزْءٌ مِنْ الْأُولَى فَبَقَاؤُهَا كَبَقَاءِ الْأُولَى. وَلَوْ رَهَنَ أَمَتَيْنِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ فَدَبَّرَهُمَا الْمَوْلَى ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا سَعَتْ الْبَاقِيَةُ فِي نِصْفِ الدَّيْنِ وَيَضْمَنُ الْمَوْلَى نِصْفَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ انْقَسَمَ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ الرَّهْنِ نِصْفَيْنِ، وَوُجُوبُ السِّعَايَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَعْدَ التَّدْبِيرِ كَحُكْمِ الرَّهْنِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الدَّيْنِ وَاَلَّذِي فِي الْبَاقِيَةِ نِصْفُ الدَّيْنِ فَتَسْعَى فِيهِ وَيَضْمَنُ الْمَوْلَى نِصْفَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّدْبِيرِ مُسْتَرِدٌّ لَهَا فَكَأَنَّهُ افْتَكَّهَا ثُمَّ مَاتَتْ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا كَانَ مِنْهَا مِنْ الدَّيْنِ، فَإِنْ قِيلَ فَإِنْ ذَهَبَ مَا قُلْتُمْ: أَنَّ السِّعَايَةَ عَلَى الْمُدَبَّرَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَالِكَ لِكَسْبِهَا مُوسِرٌ بِهَذَا الطَّرِيق قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ السِّعَايَةَ عَلَيْهَا بِهَذَا الطَّرِيقِ كَانَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ فِي الدَّيْنِ الَّذِي كَانَتْ هِيَ مَرْهُونَةٌ بِهِ فَلِهَذَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مَرْهُونَةً لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا السِّعَايَةُ فِي دُيُونِ الْمَوْلَى مَا دَامَ الْمَوْلَى حَيًّا وَكُلُّ وَاحِدَةٍ

стр. 4361

مِنْهُمَا كَانَتْ مَرْهُونَةً بِنِصْفِ الدَّيْنِ مَقْصُودًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَالسِّعَايَةُ عَلَى الْوَلَدِ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ ثَابِتٌ فِيهِ بِطَرِيقِ السِّعَايَةِ، وَالْأُمُّ كَانَتْ مَرْهُونَةً بِجَمِيعِ الدَّيْنِ وَكَانَ وَجَبَ عَلَيْهَا السِّعَايَةُ فِي جَمِيعِ الدَّيْنِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَى وَلَدِهَا الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِنْهَا إذَا كَانَ مِثْلَهَا فِي الصِّفَةِ، يَقُولُ: فَإِنْ وَلَدَتْ هَذِهِ الْبَاقِيَةُ بِنْتًا ثُمَّ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْعَى فِي شَيْءٍ وَقِيمَتُهَا مِثْلَ قِيمَةِ أُمِّهَا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ سَعَتْ فِي خَمْسِمِائَةٍ تَامَّةٍ؛ لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْأُمِّ، وَقَدْ كَانَتْ مَرْهُونَةً بِخَمْسِمِائَةٍ خَرَجَتْ بِالتَّدْبِيرِ مِنْ الرَّهْنِ، وَوَجَبَ عَلَيْهَا السِّعَايَةُ فِي ذَلِكَ فَتَجِبُ عَلَى وَلَدِهَا الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِنْهَا السِّعَايَةُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْجُزْءَ نِصْفُهَا وَلَوْ كَانَتْ وَلَدَتْهَا قَبْلَ التَّدْبِيرِ ثُمَّ دَبَّرَهُمَا جَمِيعًا، وَقِيمَتُهَا مِثْلُ قِيمَةِ أُمِّهَا سَعَتْ فِي مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ ثَبَتَ فِي الْوَلَدِ حِينَ انْفَصَلَ قَبْلَ التَّدْبِيرِ وَانْقَسَمَ مَا فِي الْأُمِّ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ الْوَلَدِ بِشَرْطِ بَقَاءِ الدَّيْنِ إلَى يَوْمِ الْفِكَاكِ عَلَى هَذِهِ الْقِيمَةِ وَقَدْ بَقِيَ فَإِنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالتَّدْبِيرِ وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْفِكَاكِ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الرَّهْنِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهَا السِّعَايَةُ فِيمَا كَانَ فِيهَا مِنْ الدَّيْنِ وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَإِذَا صَارَ مَقْصُودًا يُوجِبُ السِّعَايَةَ فِيمَا كَانَ عَلَى الْأُمِّ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ إنَّمَا انْفَصَلَ الْوَلَدُ بَعْدَ مَا خَرَجَتْ الْأُمُّ مِنْ الرَّهْنِ بِالتَّدْبِيرِ فَلَمْ يَصِرْ الْوَلَدُ مَقْصُودًا بِالسِّعَايَةِ فِي شَيْءٍ حِينَ لَمْ يَصِرْ مَقْصُودًا بِالْفِكَاكِ بَلْ هُوَ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ الْأُمِّ فَعَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهَا وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا انْفَصَلَ الْوَلَدُ حُرًّا؛ لِأَنَّ الَّذِي انْفَصَلَ حُرًّا لَيْسَ عَلَى صِفَةِ الْأُمِّ فَإِنَّ كَسْبَهُ لَيْسَ لِمَوْلَاهُ، بَلْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ تَبَعًا فِي السِّعَايَةِ الْوَاجِبَةِ بِحُكْمِ الرَّهْنِ فَأَمَّا الَّذِي انْفَصَلَ مُدَبَّرًا، فَهُوَ نِصْفُ الْأُمِّ فَيَلْزَمُهُ مِنْ السِّعَايَةِ مَا كَانَ عَلَى الْأُمِّ. وَلَوْ رَهَنَ أَمَةً تُسَاوِي أَلْفًا فَوَلَدَتْ بِنْتًا تُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ دَبَّرَ الْمَوْلَى الْأُمَّ، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَعَلَى الْأُمِّ أَنْ تَسْعَى فِي خَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الدَّيْنِ تَحَوَّلَ مِنْهَا إلَى الْوَلَدِ، وَهُوَ نَائِبٌ فِيهِ مَا بَقِيَ الْوَلَدُ، وَالْمَوْلَى بِالتَّدْبِيرِ صَارَ مُسْتَرِدًّا لِلْأُمِّ فَعَلَيْهَا أَنْ تَسْعَى فِيمَا كَانَ فِيهَا مِنْ الدَّيْنِ عِنْدَ التَّدْبِيرِ، وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ، فَإِنْ مَاتَتْ ابْنَتُهَا سَعَتْ فِي الْأَلْفِ تَامَّةً؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمْ يَصِرْ مَقْصُودًا بِالْفِكَاكِ حِينَ لَمْ يُدَبَّرْ الْوَلَدُ وَبِالْفِكَاكِ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ جَمِيعَ الدَّيْنِ كَانَ فِي الْأُمِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهَا مِنْ الرَّهْنِ بِالتَّدْبِيرِ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَسْعَى فِي جَمِيعِ الْأَلْفِ فَإِنْ لَمْ تَمُتْ الْبِنْتُ وَمَاتَتْ الْأُمُّ ثُمَّ دَبَّرَ الْبِنْتَ فَعَلَى الْبِنْتِ أَنْ تَسْعَى فِي خَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَقْصُودَةً بِالْفِكَاكِ حِينَ دَبَّرَهَا فَيَسْتَقِرُّ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الدَّيْنِ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ فَعَلَيْهَا أَنْ تَسْعَى فِي ذَلِكَ، وَبَعْدَ مَا صَارَتْ مَقْصُودَةً

стр. 4362

لَا تَلْزَمُهَا السِّعَايَةُ فِي شَيْءٍ مِمَّا كَانَ عَلَى أُمِّهَا فَإِنْ وَلَدَتْ الْبِنْتُ بِنْتًا، وَمَاتَتْ الْبِنْتُ الْأُولَى سَعَتْ السُّفْلَى فِي خَمْسِمِائَةٍ وَإِنْ كَانَ قِيمَتُهَا مِائَةً؛ لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ الْأُولَى، وَهِيَ تَابِعَةٌ لِلْأُولَى فِي حُكْمِ هَذِهِ السِّعَايَةِ فَإِنَّهَا صَارَتْ مَقْصُودَةً بِحُكْمِ الرَّهْنِ. وَلَوْ وَلَدَتْ أَمَةُ الرَّهْنِ بِنْتًا ثُمَّ وَلَدَتْ الْبِنْتُ بِنْتًا، وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثُمَّ دَبَّرَهُنَّ جَمِيعًا ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمُّ، وَالْبِنْتُ، الْآنَ كَانَ عَلَى السُّفْلَى أَنْ تَسْعَى فِي نِصْفِ الدَّيْنِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْتَسِبُ بِالْوُسْطَى، وَقَدْ طَعَنَ عِيسَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ تَسْعَى فِي ثُلُثِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ كَالْقَابِضِ لِلْوُسْطَى بِالتَّدْبِيرِ، وَكَيْفَ لَا تُحْتَسَبُ بِهَا وَقَدْ صَارَتْ مَقْصُودَةً بِالْفِكَاكِ وَالسُّفْلَى تَابِعَةٌ لِلْأُمِّ كَالْأُولَى فَانْقَسَمَ الدَّيْنُ عَلَيْهِنَّ أَثْلَاثًا ثُمَّ بِالتَّدْبِيرِ أَخْرَجَهُنَّ مِنْ الرَّهْنِ، فَيَتَقَرَّرُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَا كَانَ فِيهَا، وَهُوَ ثُلُثُ الدَّيْنِ فَعَلَى السُّفْلَى السِّعَايَةُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ خَاصَّةً، وَلَا تَأْوِيلَ لِجَوَابِ مُحَمَّدٍ (﵀) سِوَى أَنَّهُ ذَهَبَ بِالدَّيْنِ إلَى أَنَّهُ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا دَبَّرَ الْأُمَّ وَالسُّفْلَى دُونَ الْوُسْطَى، فَلِهَذَا قَالَ: لَا يُحْتَسَبُ بِالْوُسْطَى. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ بَنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَتْ الْأُمُّ وَالْبِنْتُ قَبْلَ التَّدْبِيرِ ثُمَّ دَبَّرَ السُّفْلَى ثُمَّ عَلَّلَ، فَقَالَ: لِأَنِّي لَا أَحْتَسِبُ بِالْوُسْطَى إذَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا التَّدْبِيرُ، فَهَذَا يَتَعَيَّنُ أَنَّ مُرَادَهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مَا إذَا لَمْ يُدَبِّرْ الْوُسْطَى، فَأَمَّا إذَا دَبَّرَهُنَّ جَمِيعًا فَالْجَوَابُ، كَمَا قَالَ عِيسَى وَلَوْ وَلَدَتْ أَمَةُ الرَّهْنِ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ دَبَّرَهُمَا فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَارَتْ مَقْصُودَةً بِالسِّعَايَةِ فِي نِصْفِ الْأَلْفِ فَبِمَوْتِ الْأُمِّ لَا يَتَحَوَّلُ شَيْءٌ مِنْ سِعَايَتِهَا إلَى الْوَلَدِ، وَلَوْ مَاتَتْ الْبِنْتُ سَعَتْ الْأُمُّ بِالْأَلْفِ كُلِّهَا وَهَذَا التَّفْرِيعُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي نُسَخِ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ فِي (الْمُخْتَصَرِ) وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ غَلْقٌ؛ لِأَنَّ الْبِنْتَ صَارَتْ مَقْصُودَةً بِالْفِكَاكِ فَإِذَا مَاتَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا يَتَحَوَّلُ مَا كَانَ مِنْهَا مِنْ السِّعَايَةِ إلَى الْأُمِّ وَإِنَّمَا عَلَيْهَا السِّعَايَةُ فِي مِقْدَارِ الْخَمْسِمِائَةِ، وَإِنْ صَحَّ هَذَا فَوَجْهُهُ أَنَّ الْأُمَّ فِي الْأَصْلِ كَانَتْ مَرْهُونَةً بِجَمِيعِ الدَّيْنِ وَتَمَامُ الْفِكَاكِ فِي الْوَلَدِ لَا يَحْصُلُ بِالتَّدْبِيرِ، وَإِنَّمَا تَمَامُ الْفِكَاكِ بِوُصُولِ حِصَّةِ الْوَلَدِ مِنْ الدَّيْنِ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ شَيْءٌ فَوَجَبَ عَلَى الْأُمِّ السِّعَايَةُ فِي جَمِيعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي اسْتِسْعَاءِ الْأُمِّ فِي جَمِيعِ الدَّيْنِ بَعْدَ التَّدْبِيرِ كَانَ ثَابِتًا وَالرَّاهِنُ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ ذَلِكَ الْحَقِّ بِتَدْبِيرِ الْوَلَدِ؛ فَلِهَذَا سَعَتْ لَهُ فِي الْأَلْفِ كُلِّهَا بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَتْ الْأُمُّ فَالْبِنْتُ مَا كَانَتْ مَرْهُونَةً بِجَمِيعِ الْأَلْفِ قَطُّ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الْبِنْتِ السِّعَايَةُ إلَّا فِي مِقْدَارِ مَا كَانَتْ مَرْهُونَةً بِهِ. وَلَوْ رَهَنَ أَمَةً تُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ إلَى أَجَلٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا فَدَبَّرَ الْمَوْلَى الْوَلَدَ وَهُوَ مُوسِرٌ ضَمِنَ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِيهِ

стр. 4363

بِالتَّدْبِيرِ، فَكَأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ، وَيَكُونُ رَهْنًا مَعَ الْأُمِّ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى الْعَبْدُ فِي خَمْسِمِائَةٍ، مِقْدَارُ مَا كَانَ مَرْهُونًا بِهِ فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ السِّعَايَةِ كَانَتْ الْأُمُّ رَهْنًا بِأَلْفٍ لَا تَفْتَكُّهَا إلَّا بِهَا، وَإِنْ مَاتَتْ أُمُّهُ كَانَتْ بِخَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى ضَامِنٌ مِنْ الْقِيمَةِ الْوَلَدَ وَبَقَاءُ قِيمَةِ الْوَلَدِ، كَبَقَاءِ عَيْنِهِ فَكَانَتْ الْخَمْسُمِائَةِ مِنْ الدَّيْنِ فِيهِ فَإِنَّمَا يَسْقُطُ بِمَوْتِ الْأُمِّ خَمْسُمِائَةٍ وَلَكِنْ لَوْ مَاتَ الْوَلَدُ كَانَتْ الْأُمُّ رَهْنًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي جِنْسِهَا بِجَمِيعِ الْأَلْفِ كَانَ ثَابِتًا وَالْمَوْلَى بِتَدْبِيرِ الْوَلَدِ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الْأُمِّ، وَلَكِنَّ مَوْتَهُ قَبْلَ التَّدْبِيرِ وَبَعْدَ التَّدْبِيرِ سَوَاءٌ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْتَكَّ الْأُمَّ إلَّا بِجَمِيعِ الْأَلْفِ. وَرَهْنُ الْعَبْدَ التَّاجِرِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَارْتِهَانُهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَكُّ الْحَجْرِ عَنْهُ فِي إيفَاءِ الدَّيْنِ وَاسْتِيفَائِهِ كَالْمُكَاتَبِ وَكَذَلِكَ إنْ رَهَنَ وَلَدَهُ أَوْ وَالِدَهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ يَتَكَاتَبُونَ عَلَيْهِ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ بَيْعُهُمْ إذَا مَلَكَهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ أَيْضًا وَفِي الْإِخْوَةِ كَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُ الْإِخْوَةِ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ رَهْنُهُمْ بِالدَّيْنِ أَيْضًا. وَإِنْ رَهَنَ الْمَأْذُونُ مِنْ مَوْلَاهُ أَوْ ارْتَهَنَهُ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ أَكْسَابَهُ مِلْكٌ لِمَوْلَاهُ وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ هُوَ لَا يَسْتَوْجِبُ الدَّيْنَ عَلَى الْمَوْلَى وَلَا الْمَوْلَى عَلَيْهِ وَالرَّهْنُ وَالِارْتِهَانُ لَا يَكُونُ إلَّا بِدَيْنٍ وَاجِبٍ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ مِنْ مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْجِبُ عَلَى الْمَوْلَى دَيْنًا يُطَالِبُهُ بِهِ وَيَسْتَوْفِيهِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَهِنَ بِهِ أَيْضًا، وَلَا يَجُوزُ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَرْتَهِنَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ دَيْنًا يُطَالِبُهُ بِهِ وَأَنَّهُ مَالِكٌ لِرَقَبَتِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ مِنْهُ. وَإِذَا أَخَذَ الْعَبْدُ رَهْنًا بِشَيْءٍ يُقْرِضُهُ فَهَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يُقْرِضَهُ وَقِيمَتُهُ وَالْقَرْضُ سَوَاءٌ فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ عَلَى جِهَةِ الشَّيْءِ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَوْ أَقْرَضَ مَالًا وَقَبَضَ بِهِ الرَّهْنَ فَهَلَكَ عِنْدَهُ كَانَ هُوَ بِالْهَلَاكِ مُسْتَوْفِيًا، وَإِنْ كَانَ أَقْرَضَهُ لَا يَجُوزُ فَكَذَلِكَ إذَا ارْتَهَنَ عَلَى جِهَةِ الْإِقْرَاضِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِهَلَاكِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ مَا اسْتَوْفَى حِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى مَالِكِ الرَّهْنِ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَهَنَ بِكَفَالَةٍ بِالْمَالِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِهَلَاكِ الرَّهْنِ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ كَفَالَتُهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى وَعَلَيْهِ رَدُّ مَا اسْتَوْفَى وَلَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ التَّاجِرِ أَنْ يَرْهَنَ عَنْ غَيْرِهِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ فِيهِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ رَهْنَهُ عَنْ غَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ قَضَائِهِ دَيْنَهُ بِكَسْبِهِ، وَهُوَ يَنْزِعُ مِنْهُ كَالْإِقْرَاضِ فَلَا يَصِحُّ لِحَقِّ غُرَمَائِهِ وَإِنْ رَضِيَ بِهِ مَوْلَاهُ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُكَاتَبِ كَنَفْسِ الْإِقْرَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ جَازَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ حَقُّ

стр. 4364

الْمَوْلَى، وَلَوْ بَاشَرَ الْمَوْلَى ذَلِكَ فِي كَسْبِهِ جَازَ فَكَذَلِكَ إذَا فَعَلَهُ الْعَبْدُ بِإِذْنِهِ. وَارْتِهَانُ الْعَبْدِ التَّاجِرِ مِنْ الْعَبْدِ التَّاجِرِ جَائِزٌ فِيمَا يَجُوزُ مِنْ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ وَلَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ التَّاجِرِ أَنْ يَرْهَنَ نَفْسَهُ، كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ نَفْسَهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّهُ لَوْ رَهَنَ مَا لَا يَمْلِكُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ بَيْعَ نَفْسَهُ إذْ مُوجَبُهُ ضِدَّ مُوجَبِ الْإِذْنِ فَإِنَّ مُوجَبَ الْإِذْنِ فَكُّ الْحَجْرِ عَنْهُ، وَمُوجَبُ بَيْعِ نَفْسِهِ إثْبَاتُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَأَجَازَهُ الْمَوْلَى جَازَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ غَيْرُ ذَلِكَ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ بَاعَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ الدَّيْنِ فَأَجَازَهُ الْمَوْلَى جَازَ، فَكَذَلِكَ إذَا رَهَنَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُ مُبَاشَرَةَ بَيْعِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْإِذْنُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَإِجَازَتُهُ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ. وَإِذَا رَهَنَ الْعَبْدُ أَوْ ارْتَهَنَ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي حَالِ انْفِكَاكِ الْحَجْرِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ إذَا عَجَزَ، وَلَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْهَنَ، وَلَا يَرْتَهِنَ إلَّا أَنْ يُجْبِرَهُ الْمَوْلَى بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، وَمِنْهَا الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَبِمَنْزِلَةِ الْإِيفَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ. وَإِذَا رَهَنَ الْمَوْلَى شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَجَازَهُ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ حَقُّ غُرَمَائِهِ وَالْمَوْلَى ضَامِنٌ لِمَا رَهَنَهُ بِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ إسْقَاطَ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِإِجَازَتِهِ رَهْنَ الْمَوْلَى إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ خَالِصُ حَقِّ الْمَوْلَى وَكَذَلِكَ لَوْ أَعَارَ الْعَبْدُ سِلْعَةً رَجُلًا أَوْ رَهَنَهُ فَرَهْنُهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَاضِ مِنْهُ لِمَالِيَّةِ الْمَتَاعِ، فَإِنْ أَجَازَهُ الْمَوْلَى وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى مَمْنُوعٌ مِنْ هَذَا التَّصَرُّفِ فِي كَسْبِهِ لِحَقِّ غُرَمَائِهِ، فَلَا يَنْفُذُ بِإِجَازَتِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَجَازَهُ الْغُرَمَاءُ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُمْ لَا يَسْقُطُ بِالْإِجَازَةِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقْرَضَ الْعَبْدَ شَيْئًا مِنْ كَسْبِهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَإِنْ أَجَازَهُ الْغُرَمَاءُ وَلَوْ رَهَنَ الصَّبِيُّ الْحُرُّ - مِنْ غَيْرِهِ - رَهْنًا بِأَمْرِ أَبِيهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَاضِ وَالْأَبُ لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَاضَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَاضَ بِأَمْرِ أَبِيهِ وَاشْتِرَاطُ الْخِيَارِ لِلرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ جَائِزٌ، كَمَا فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ يَلْزَمُ مِنْ قِبَلِ الرَّاهِنِ وَتَأْثِيرُ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ فِي مَنْعِ اللُّزُومِ مُسْتَفَادٌ، ذَلِكَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلرَّاهِنِ وَلَا مَعْنًى لِاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ فِي حَقِّهِ، فَإِنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ رَدِّهِ مَتَى شَاءَ بِغَيْرِ خِيَارٍ، وَكَذَلِكَ لَا مَعْنًى لِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ إنَّمَا يَثْبُتُ لِلْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ رَدِّهِ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ مَتَى شَاءَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَكَانَهُ رَهْنًا آخَرَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الْقَبْضِ، وَلَمْ

стр. 4365

يُوجَدْ مِنْهُ الْقَبْضُ فِي عَيْنٍ أُخْرَى، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ، فَلِهَذَا لَا يُثْبِتُ لِلْمُرْتَهِنِ خِيَارَ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ رَهْنِ أَهْلِ الْكُفْرِ] (بَابُ رَهْنِ أَهْلِ الْكُفْرِ) (قَالَ ﵀): الرَّهْنُ وَالِارْتِهَانُ جَائِزٌ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيمَا يَجُوزُ بَيْعُهُمْ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِيفَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالرَّهْنِ أَوْ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ فَالرَّهْنُ مِنْهَا، وَهُمْ فِي الْمُعَامَلَاتِ يُسَوَّوْنَ بِنَا، فَإِنْ رَهَنَهُ خَمْرًا فَصَارَتْ خَلًّا فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ قِيمَتِهَا يَوْمَ ارْتَهَنَهَا فَهُوَ رَهْنٌ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ فِي الْمَالِيَّةِ، وَمَا لَمْ يُتَقَوَّمْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِتَغَيُّرِ هَذَا الْوَصْفِ، وَضَمَانُ الرَّهْنِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ، فَبِتَغَيُّرِ الْوَصْفِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِقَضَاءِ بَاقِي الْمَالِيَّةِ لَا يُعْتَبَرُ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ عَصِيرًا فَصَارَ خَمْرًا؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَصْفَيْنِ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِمْ. وَلَوْ رَهَنَهُ شَاةً فَمَاتَتْ سَقَطَ الدَّيْنُ لِفَوَاتِ الْمَالِيَّةِ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ وَفِيهَا وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ فَإِنْ دَبَغَ الْمُرْتَهِنُ جِلْدَهَا فَهُوَ رَهْنٌ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ بِالدَّبْغِ صَارَ مَالًا مُتَقَوِّمًا وَهُوَ مِمَّا تَنَاوَلَهُ الرَّهْنُ فَبِقَدْرِ مَا جَنَى مِنْ الْمَالِيَّةِ يَعُودُ مِنْ الدَّيْنِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّاةِ الْمُشْتَرَاةِ إذَا مَاتَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ فَدَبَغَ الْبَائِعُ جِلْدَهَا فَإِنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ لَا يَعُودُ هُنَاكَ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الثَّمَنِ بِانْفِسَاخِ الْبَيْعِ، وَبِهِ عَادَ الْعَبْدُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، فَالْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ مِلْكُ الْبَائِعِ، فَلَا يَعُودُ الْمِلْكُ فِيهِ بَعْدَ مَا انْفَسَخَ فَأَمَّا سُقُوطُ الدَّيْنِ هُنَا فَبِطَرِيقِ الِاسْتِيفَاءِ وَانْتِهَاءِ حُكْمِ الرَّهْنِ مَعَ بَقَاءِ الدَّيْنِ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ فَالْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ وَقَدْ كَانَ حُكْمُ الرَّهْنِ فِيهِ مُتَقَرَّرًا بِالِانْتِهَاءِ، فَلِهَذَا يَعُودُ مِنْ الدَّيْنِ حِصَّةُ مَا جَنَى مِنْ مَالِيَّةِ الْجِلْدِ فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَكَانَتْ الشَّاةُ تُسَاوِي عَشَرَةً وَالْجِلْدُ يُسَاوِي دِرْهَمًا فَهُوَ رَهْنٌ بِدِرْهَمٍ، وَإِنْ كَانَتْ الشَّاةُ تُسَاوِي عِشْرِينَ يَوْمَ ارْتَهَنَ، وَالدَّيْنُ عَشَرَةٌ، وَكَانَ الْجِلْدُ يُسَاوِي دِرْهَمًا يَوْمَئِذٍ، فَالْجِلْدُ رَهْنٌ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّ انْقِسَامَ الدَّيْنِ عَلَى مَالِيَّةِ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ وَقْتَ عَقْدِ الرَّهْنِ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ بِمُقَابَلَةِ كُلِّ دِرْهَمٍ مِنْ الرَّهْنِ نِصْفَ دِرْهَمٍ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الشَّاةِ ضِعْفُ الدَّيْنِ فَتَعُودُ مَالِيَّةُ الْجِلْدِ بِعَوْدِ نِصْفِ مَالِيَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَذَلِكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ، فَإِنْ كَانَتْ الشَّاةُ يَوْمَ اُرْتُهِنَتْ تُسَاوِي خَمْسَةً وَالْجِلْدُ يُسَاوِي دِرْهَمًا فَقَدْ ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ أَرْبَعَةٌ وَالْجِلْدُ رَهْنٌ بِسِتَّةٍ لِأَنَّ الْخَمْسَةَ مِنْ الدَّيْنِ كَانَتْ بَاقِيَةً، وَقَدْ عَادَ مِنْ السَّاقِطِ بِقَدْرِ مَالِيَّةِ الْجِلْدِ وَهُوَ دِرْهَمٌ وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ الرَّهْنِ مَحْبُوسٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ؛ فَلِهَذَا كَانَ الْجِلْدُ مَرْهُونًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ، وَهُوَ سِتَّةٌ، وَإِنْ هَلَكَ هَلَكَ

стр. 4366

بِدِرْهَمٍ. وَلَوْ ارْتَهَنَ الْمُسْلِمُ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ خَمْرًا فَصَارَتْ فِي يَدِهِ خَلًّا لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ؛ لِانْعِدَامِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ فِي الْخَمْرِ بِخَمْرٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَمُوجَبُ الرَّهْنِ ثَبَتَ بِالْعَقْدِ عِنْدَ الْقَبْضِ وَالْخَمْرُ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، فَبَطَلَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ، وَالْعَقْدُ الْبَاطِلُ بِحُدُوثِ الصَّلَاحِيَّةِ فِي الْمَحَلِّ الْمُضَافِ إلَيْهِ لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا كَمَا لَوْ اشْتَرَى مُسْلِمٌ خَمْرًا فَتَخَلَّلَتْ، أَوْ صَيْدًا قَبْلَ الْأَخْذِ ثُمَّ أَخَذَهُ الْبَائِعُ، وَلِلرَّاهِنِ أَنْ يَأْخُذَ الْخَلَّ وَلَا يُعْطِيَهُ أَجْرًا؛ لِأَنَّ عَيْنَ مِلْكِهِ تَغَيَّرَ بِطَبْعِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ زَادَ الْمُرْتَهِنُ فِيهِ شَيْئًا مِنْ مِلْكِهِ، أَوْ أَحْدَثَ فِيهِ صُنْعًا وَالدَّيْنُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ إنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُسْلِمًا، وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ كَافِرًا، وَكَانَتْ قِيمَتُهُ - يَوْمَ رَهْنِهِ - وَالدَّيْنُ سَوَاءً فَلَهُ أَنْ يَدَعَ الْخَلَّ وَيُبْطِلَ الدَّيْنَ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْخَمْرَ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ فَخَمْرُ الْكَافِرِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَى الْمُسْلِمِ بِالْقَبْضِ وَبِالتَّخَلُّلِ، فَإِنَّ مَقْصُودَ الْمَضْمُونِ لَهُ بِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ كَانَتْ مَقْصُودَةً لَهُ وَلَا وَجْهَ لِإِسْقَاطِ شَيْءٍ مِنْ الدَّيْنِ بِاعْتِبَارِهِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْعَيْنَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ، وَيَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ قِيلَ: هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ كَمَا هُوَ أَصْلُهُ فِي الْقَلْبِ إذَا انْكَسَرَ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ حَالَةُ الِانْكِسَارِ بِحَالَةِ الْهَلَاكِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) هُنَاكَ فِي حَالِ الِانْكِسَارِ يُوجِبَانِ ضَمَانَ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْعَيْنِ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ مِنْ الضَّامِنِ مُمْكِنٌ وَهُنَا ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٌ وَالْمَضْمُونُ بِالرَّهْنِ هُوَ الْخَمْرُ وَالْمُسْلِمُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَكْتَسِبَ بِسَبَبِ مِلْكِ الْخَمْرِ بِبَدَلٍ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَنْ يَدَعَ الْخَلَّ وَيُبْطِلَ الدَّيْنَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْعَقْدُ صَحِيحٌ، فَبِاعْتِبَارِ صِحَّةِ الْعَقْدِ يَكُونُ الْمَضْمُونُ هُوَ الْمَالِيَّةُ وَالْمَالِيَّةُ لَمْ تَتَغَيَّرْ بِالتَّخَلُّلِ وَهُنَا الْعَقْدُ بَاطِلٌ، وَالْمَضْمُونُ بِالْقَبْضِ هُوَ الْعَيْنُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مَا رَضِيَ بِقَبْضِهِ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْعَقْدِ فَبِدُونِهِ أَشْبَهَ قَبْضَ الْغَصْبِ. وَلَوْ غَصَبَ الْمُسْلِمُ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا فَتَخَلَّلَتْ عِنْدَهُ كَانَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَدَعَ الْخَلَّ، وَيُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ فَهُنَا أَيْضًا لَهُ أَنْ يَدَعَ الْخَلَّ وَيَخْتَارَ تَضْمِينَ الْقِيمَةِ ثُمَّ يَصِيرُ قِصَاصًا بِدَيْنِهِ، وَقِيمَتُهُ يَوْمَ الرَّهْنِ وَالدَّيْنُ سَوَاءٌ، وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ يَظْهَرُ الِاسْتِيفَاءُ عَنْ الْقَدْرِ الَّذِي ذَكَرْنَا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْقَلْبِ الْمُسْتَهْلَكِ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ سِوَى أَنَّ الْقِيمَةَ هُنَاكَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ الدَّيْنِ فَلَا يَصِيرُ قِصَاصًا بِالدَّيْنِ وَهُنَا الْقِيمَةُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ فَيَصِيرُ قِصَاصًا بِالدَّيْنِ. وَلَوْ ارْتَهَنَ مُسْلِمٌ عَصِيرًا فَصَارَ خَمْرًا، وَالرَّاهِنُ مُسْلِمٌ أَيْضًا لَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُخَلِّلَهَا، وَيَكُونُ رَهْنًا، كَمَا كَانَ يَبْطُلُ مِنْهَا عَلَى حِسَابِ مَا نَقَصَ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ بِحُدُوثِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ تَنْعَدِمُ الْمَالِيَّةُ، وَيَتَقَوَّمُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَذَلِكَ مُسْقِطٌ لِلدَّيْنِ إلَّا أَنَّ

стр. 4367

الْمُرْتَهِنَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إعَادَةِ الْمَالِيَّةِ بِالتَّخْلِيلِ، فَلَا يَكُونُ لِلرَّاهِنِ أَنْ يُبْطِلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِأَخْذِهَا فَإِذَا خَلَّلَهَا الْمُرْتَهِنُ وَقَدْ عَادَتْ الْمَالِيَّةُ وَبِعَوْدِهَا يَعُودُ حُكْمُ الرَّهْنِ، كَمَا فِي الشَّاةِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ جِلْدُهَا إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَتْ مَالِيَّةُ الْخَلِّ دُونَ مَالِيَّةِ الْعَصِيرِ فَقَدْ اُنْتُقِضَتْ الْمَالِيَّةُ بِتَغَيُّرٍ حَدَثَ فِي عَيْنِ الْمَرْهُونِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ يَسْقُطُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ كَافِرًا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الرَّهْنَ فَيَكُونَ الدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُخَلِّلَهَا؛ لِأَنَّ بِحُدُوثِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ لَمْ تَنْعَدِمْ الْمَالِيَّةُ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ، وَقَدْ فَسَدَ الْعَقْدُ بِهِ؛ لِأَنَّ الطَّارِئَ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ كَالْمُقْتَرِنِ بِالْعَقْدِ وَالْمُسْلِمُ لَوْ ارْتَهَنَ خَمْرًا مِنْ كَافِرٍ لَمْ يَصِحَّ، فَكَذَلِكَ إذَا ارْتَهَنَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ يَفْسُدُ الْعَقْدُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ كَانَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَأْخُذَهَا وَالدَّيْنُ عَلَيْهِ، كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ شَيْئًا مِنْ الْمَالِيَّةِ لَمْ يَفُتْ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُخَلِّلَهَا هُنَا؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْخَمْرِيَّةِ مَقْصُودَةٌ لِلْكَافِرِ، فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُبْطِلَهَا عَلَيْهِ بِالتَّخَلُّلِ فَإِنْ خَلَّلَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهَا يَوْمَ خَلَّلَهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا بِمَا صَنَعَ فَهُوَ، كَمَا لَوْ غَصَبَ خَمْرَ ذِمِّيٍّ وَخَلَّلَهَا فَيُضَمَّنُ قِيمَتَهَا، وَالْخَلُّ لَهُ وَيَرْجِعُ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْقِيمَةِ كَرَدِّ الْعَيْنِ، فَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ عَنْ الرَّاهِنِ. وَلَوْ رَهَنَ الذِّمِّيُّ عِنْدَ الذِّمِّيِّ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا؛ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ فِي حَقِّهِمْ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بَيْنَهُمْ فَلَا يَجُوزُ رَهْنُهَا، ثُمَّ مَا لَمْ يَكُنْ مَرْهُونًا فَبِحُدُوثِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ فِيهِ لَا يَصِيرُ مَرْهُونًا، وَلِلرَّاهِنِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُعْطِيَهُ قِيمَةَ الدِّبَاغَةِ إنْ كَانَ دَبْغُهُ شَيْئًا لَهُ قِيمَةٌ بِمَنْزِلَةِ مَنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ. وَإِذَا ارْتَهَنَ الذِّمِّيُّ مِنْ الذِّمِّيِّ خَمْرًا ثُمَّ أَسْلَمَ فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ الطَّارِئَ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ تَمَامِ الْمَقْصُودِ بِهِ - كَالْمُقَارَنِ لِلْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ التَّخَمُّرِ فِي الْعَصِيرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، فَإِنْ خَلَّلَهَا فَهُوَ أَنَّ أَصْلَ الْعَقْدِ كَانَ صَحِيحًا ثُمَّ فَسَدَ لِانْعِدَامِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ بِسَبَبِ إسْلَامِهِمَا فِي حَقِّهِمَا، فَإِذَا خَلَّلَهَا الْمُرْتَهِنُ فَقَدْ عَادَ فِيهَا صِفَةُ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ، فَكَانَتْ رَهْنًا عَلَى حَالِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا أَيُّهُمَا كَانَ ثُمَّ صَارَ خَلًّا فَهُوَ رَهْنٌ وَيَنْقُصُ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِ مَا نَقَصَ مِنْهَا لِنُقْصَانِ الْمَالِيَّةِ بِتَغَيُّرِ صِفَةِ الْعَيْنِ. وَإِذَا ارْتَهَنَ الْكَافِرُ مِنْ الْكَافِرِ خَمْرًا وَوَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ مُسْلِمٍ عَدْلٍ وَقَبَضَهَا فَالرَّهْنُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ فِي الْقَبْضِ نَائِبٌ عَنْ الْمُرْتَهِنِ، وَالْمُرْتَهِنُ مِنْ أَهْلِ الْعَقْدِ عَلَى الْخَمْرِ وَحُكْمُ فِعْلِ النَّائِبِ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمَنُوبِ عَنْهُ عَلَى أَنْ يُجْعَلَ فِعْلُهُ كَفِعْلِ الْمَنُوبِ عَنْهُ وَالْمُسْلِمُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقَبْضِ مِنْهُمْ عِنْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ لَهُ، فَأَمَّا هُوَ فَمِنْ أَهْلِ الْقَبْضِ مِنْهُمْ عِنْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ لِغَيْرِهِ، وَلَكِنَّهَا تُنْزَعُ مِنْ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ الْخَمْرِ مَمْنُوعٌ عَنْ الِاقْتِرَابِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فَيُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ

стр. 4368

وَيُوضَعُ عَلَى يَدَيْ ذِمِّيٍّ عَدْلٍ دَيْنٌ مُرَاعَاةً لِلنَّظَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِمَنْزِلَةِ مُسْلِمٍ رَهَنَ مِنْ مُسْلِمٍ شَيْئًا وَوَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَمَاتَ الْعَدْلُ، فَإِنَّهُ يُوضَعُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ آخَرَ. وَالْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ فِي الرَّهْنِ وَالِارْتِهَانِ كَالذِّمِّيِّ فَإِنْ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا وَلَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ رَهْنٌ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ - فَقَدْ بَطَلَ الدَّيْنُ وَصَارَ الرَّهْنُ الَّذِي فِي يَدَيْهِ بِذَلِكَ الدَّيْنِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُبَاعُ الرَّهْنُ فَيَسْتَوْفِي الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ فِي عَيْنِ أَسْرِهِ فَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: تَبَدَّلَتْ نَفْسُهُ بِالْأَسْرِ وَصَارَ مَمْلُوكًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَالِكًا فَيَسْقُطُ الدَّيْنُ بِفَوَاتِ مَحِلِّهِ، وَهُوَ الذِّمَّةُ الْمَشْغُولَةُ فَالدَّيْنُ لَا يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ إلَّا شَاغِلًا مَالِيَّةَ رَقَبَتِهِ لِضَعْفِ الذِّمَّةِ بِالرِّقِّ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٌ هُنَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَقْتَضِي صَفَاءَ مِلْكِ الْمَالِيَّةِ فِي الشَّيْءِ الثَّانِي فَلِفَوَاتِ الْمَحِلِّ يَسْقُطُ الدَّيْنُ ثُمَّ الرَّهْنُ الَّذِي فِي يَدَيْهِ إمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ يَدَهُ إلَيْهِ أَقْرَبُ مِنْ يَدِ الْأَسِيرِ فَيَصِيرُ هُوَ مُتَمَلِّكًا كَمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ كَانَ مَعْقُولًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُحَرَّرًا لَهَا بِسَبْقِ يَدِهِ إلَيْهَا - أَوْ؛ لِأَنَّ الْمَرْهُونَ كَانَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ دَيْنُهُ وَقَدْ وَقَعَ الْيَأْسُ عِنْدَ ذَلِكَ فَبَقِيَ مَحْبُوسًا فِي يَدِهِ عَلَى التَّأْيِيدِ وَلَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَصِيرَ مَمْلُوكًا لَهُ، وَقَدْ كَانَ هُوَ بِحُكْمِ يَدِهِ أَخَصَّ بِغُرْمِهِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ سَقَطَ دَيْنُهُ فَيَكُونُ أَخَصَّ بِقِيمَتِهِ فَيَمْلِكُهُ بِذَلِكَ الدَّيْنِ. وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ سُقُوطَ الدَّيْنِ عِنْدَ الِاسْتِرْقَاقِ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ، وَلَمْ يَفُتْ الْمَحَلُّ هُنَا؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ بَقِيَتْ صَالِحَةً لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ فِيهَا وَالرَّهْنُ خَلْفٌ فِي حُكْمِ الِاسْتِيفَاءِ فَيَبْقَى الدَّيْنُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْخَلْفِ كَالْمَدْيُونِ إذَا مَاتَ يَبْقَى الدَّيْنُ بِاعْتِبَارِ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهَا خَلْفٌ عَنْ الذِّمَّةِ فِي حُكْمِ الِاسْتِيفَاءِ، فَإِذَا بَقِيَ الدَّيْنُ بَقِيَ حُكْمُ الْأَمَانِ فِي عَيْنِ الرَّهْنِ بِحَقِّ الْمُسْلِمِ الْمُرْتَهِنِ، فَيُبَاعُ فِي دَيْنِهِ وَإِذَا اسْتَوْفِي دَيْنَهُ سَقَطَ حَقُّهُ فَيَكُونُ الْبَاقِي لِمَنْ أَسَرَهُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ فِي الْبَاقِي كَانَ أَمِينًا يَدُهُ فِيهِ كَيَدِ صَاحِبِ الْأَمَانَةِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ فِي يَدِ الْمَأْسُورِ وَالْأَسْرُ كَمَا يَمْلِكُ الْمَأْسُورَ بِالْقَهْرِ يَمْلِكُ مَا فِي يَدِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مَمْلُوكًا لِلْمُرْتَهِنِ بِضَمَانِ الرَّهْنِ؛ وَلِأَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْعَيْنِ وَلَا بِطَرِيقِ الِاغْتِنَامِ؛ لِأَنَّهُ بِبَقَاءِ يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَحَقِّهِ يَبْقَى الْإِحْرَازُ، وَلَا يَفُوتُ فَلَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلِاغْتِنَامِ مَا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ، وَالْإِحْرَازُ كَانَ بِاعْتِبَارِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلْمَأْسُورِ حَقٌّ، فَلِهَذَا كَانَ الْبَاقِي لِمَنْ أَسَرَهُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ رَهْنٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ رَدَّ الرَّهْنَ عَلَى صَاحِبِهِ وَبَطَلَ دَيْنَهُمْ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ بِالرِّقِّ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِمِلْكِهِ الْمَالَ، فَقَدْ صَارَ مَمْلُوكًا مَا لَمْ يَخْلُفْهُ الثَّانِي فِي مِلْكِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ذِمَّةَ الْمُسْلِمِ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْقَهْرِ، فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْهُ بِالشَّيْءِ سَقَطَ إمَّا لِفَوَاتِ الْمُطَالَبَةِ بِهِ أَصْلًا - أَوْ لِأَنَّ

стр. 4369

الْمُسْلِمَ مُحْرِزٌ مَا فِي ذِمَّتِهِ فَيَمْلِكُهُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ، وَالرَّهْنُ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الرَّهْنَ، فَلَا يَمْلِكُهُ الثَّانِي لِبَقَاءِ إحْرَازِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ لَهُ فَلِهَذَا كَانَ مَرْدُودًا عَلَيْهِ. وَإِذَا ارْتَهَنَ الْحَرْبِيُّ مِنْ الْحَرْبِيِّ رَهْنًا فَقَبَضَهُ ثُمَّ خَرَجَا بِإِمَامٍ فَاخْتَصَمَا فِيهِ لَمْ يَقْضِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُسْتَأْمَنَا لِيَجْرِيَ عَلَيْهِمَا الْحُكْمُ بَلْ لِيَتَّجِرَا وَيَعُودَا إلَى دَارِهِمَا، وَهَذِهِ الْمُعَامَلَةُ كَانَتْ مِنْهُمَا حَيْفًا حِينَ لَمْ يَكُونَا تَحْتَ وِلَايَةِ الْإِمَامِ فَمَا لَمْ يَلْتَزِمَا حُكْمَ الْإِسْلَامِ لَمْ يُقْضَ فِي ذَلِكَ بَيْنَهُمَا وَلَوْ جَاءَا مُسْلِمَيْنِ أَوَذِمِّيَّيْنِ ثُمَّ اخْتَصَمَا فِي الرَّهْنِ وَهُوَ بِعَيْنِهِ أَبْقَيْتَ الرَّهْنَ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُمَا الْتَزَمَا حُكْمَ الْإِسْلَامِ، وَابْتَدَآ الرَّهْنَ، وَالِارْتِهَانُ صَحِيحُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ هَذَا الِالْتِزَامِ فَيَبْقَى أَيْضًا مَا كَانَ جَرَى بَيْنَهُمَا. وَرَهْنُ الْمُرْتَدِّ وَارْتِهَانُهُ مَوْقُوفٌ عِنْد أَبِي حَنِيفَةَ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ، فَإِنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ وَهَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ وَقِيمَتُهُ وَالدَّيْنُ سَوَاءٌ، وَقَدْ كَانَ الدَّيْنُ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَالرَّهْنُ مِنْ مَالٍ اكْتَسَبَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ أَوْ كَانَ الدَّيْنُ فِي رِدَّتِهِ بِإِقْرَارٍ مِنْهُ أَوْ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَيْهِ وَالرَّهْنُ مِمَّا اكْتَسَبَهُ فِي الرِّدَّةِ أَيْضًا فَهُوَ بِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ بِمَنْزِلَةِ إيفَاءِ الدَّيْنِ عِنْدَ هَلَاكِهِ فَيَتَغَيَّرُ بِحَقِيقَةِ الْإِيفَاءِ وَإِنَّمَا يُوَفَّى دَيْنُ الْإِسْلَامِ مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ، وَدَيْنُ الرِّدَّةِ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ، فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَلَا فَائِدَةَ فِي نَقْضِ الرَّهْنِ هُنَا وَإِنْ كَانَ فِي الرَّهْنِ فَضْلٌ عَلَى الدَّيْنِ، فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ يَضْمَنُ الْفَضْلَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَصِحَّ فِي الْفَضْلِ، كَمَا فِي حَقِيقَةِ الْإِيفَاءِ، وَلَوْ اسْتَدَانَ دَيْنًا فِي رِدَّتِهِ وَرَهَنَ بِهِ مَتَاعًا اكْتَسَبَهُ فِي الرِّدَّةِ، وَكَانَ الدَّيْنُ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَالْمَتَاعُ مِنْ كَسْبِهِ فِي الرِّدَّةِ فَالْمُرْتَهِنُ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَبَائِعِ مَا اكْتَسَبَ فِي الرِّدَّةِ وَيَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ بِمَالِهِ فِيمَا اكْتَسَبَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ كَسَبَ الرِّدَّةِ عِنْدَهُ فَيْءٌ، وَكَسْبُ الْإِسْلَامِ مِيرَاثٌ، فَإِذَا أَوْفَى دَيْنَ الْإِسْلَامِ فِي كَسْبِ الرِّدَّةِ فَقَدْ أَوْفَاهُ مِنْ مَحِلٍّ هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَيُرَدُّ ذَلِكَ لِمُرَاعَاةِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ بِإِيجَابِ ضَمَانِ الْقِيمَةِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَوْفَى دَيْنَ الرِّدَّةِ مِنْ كَسْبٍ اكْتَسَبَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ لِأَنَّهُ يَقْضِي بِمَا هُوَ حَقُّ الْوَرَثَةِ دَيْنًا لَزِمَهُ فِي حَالِ الرِّدَّةِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ الدَّيْنِ كَسْبُ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ الْغُنْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُرْمِ، فَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ ضَامِنًا قِيمَتَهُ لِلْوَرَثَةِ. وَفِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي يُوسُف وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) إنَّمَا يُقْضَى الدَّيْنَانِ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي كَسْبِ الرِّدَّةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَالٌ ضَائِعٌ وَذَلِكَ إذَا فَرَغَ عَنْ دَيْنِهِ، وَكَسْبُ الْإِسْلَامِ يَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ وَرَثَتِهِ بِالرِّدَّةِ فَصَارَ خَارِجًا عَنْ مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا يُقْضَى دَيْنُهُ مِمَّا كَانَ عَلَى مِلْكِهِ إلَى وَقْتِ مَوْتِهِ، فَعَلَى هَذَا نَقُولُ: إنْ كَانَ الرَّهْنُ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ فَهُوَ بِمَا فِيهِ بِأَيِّ الْعَيْنَيْنِ كَانَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ، فَالْمُرْتَهِنُ ضَامِنٌ قِيمَتَهُ لِلْوَرَثَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) يُقْضَى الدَّيْنَانِ مِنْ كَسْبِ

стр. 4370

الْإِسْلَامِ إذَا أَمْكَنَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ مَوْرُوثًا عَنْهُ، وَالْمِيرَاثُ يَتَأَخَّرُ عَنْ الدَّيْنِ فَعَلَى هَذَا، إذَا كَانَ الرَّهْنُ مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ بِمَا فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ، فَالْمُرْتَهِنُ ضَامِنٌ قِيمَتَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَرْجِعُ بِدَيْنِهِ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ): حُكْمُ الْكَسْبَيْنِ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ مِيرَاثٌ عَنْهُ، وَتَصَرُّفُهُ مِنْ حَيْثُ الرَّهْنِ وَالِارْتِهَانِ نَافِذٌ، وَكَانَ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ بِإِسْلَامِهِ يَنْفُذُ الرَّهْنُ، كَمَا يَنْفُذُ سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَهْنِ الْمُرْتَدَّةِ وَارْتِهَانِهَا كَقَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ رَهْنَهَا يَنْفُذُ، كَمَا تَنْفُذُ سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهَا، فَإِنَّهَا لَا تُقْتَلُ وَالرِّجْلُ يُقْتَلُ. وَإِذَا ارْتَهَنَ الْمُسْلِمُ مِنْ مُسْلِمٍ عَبْدًا مُرْتَدًّا وَقَبَضَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ فَقُتِلَ عِنْدَهُ فَهُوَ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ، وَالدَّيْنُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ حَلَالَ الدَّمِ بِقِصَاصٍ فَقُتِلَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، وَلَوْ كَانَ قَدْ سَرَقَ عِنْدَ الرَّاهِنِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَذْهَبْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ، وَكَانَ رَهْنًا بِالدَّيْنِ كُلِّهِ. وَأَمَّا الْعَبْدُ الزَّانِي، أَوْ الْقَاذِفُ، أَوْ الشَّارِبُ خَمْرًا عِنْدَ الرَّاهِنِ، إذَا ضُرِبَ الْحَدَّ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، فَدَخَلَهُ مِنْ ذَلِكَ نُقْصَانٌ فَذَلِكَ مِنْ مَالِ الْمُرْتَهِنِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) مِثْلَ ذَلِكَ إلَّا فِي السَّرِقَةِ وَالْقَتْلِ، فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ سَارِقًا وَيُقَوَّمُ غَيْرَ سَارِقٍ، وَيُقَوَّمُ حَلَالَ الدَّمِ وَمَحْقُونَ الدَّمِ، فَيَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِ سَارِقًا أَوْ حَلَالَ الدَّمِ، وَيَكُونُ عَلَى الرَّاهِنِ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ إذَا قُتِلَ، وَفِي السَّارِقِ: يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ نِصْفُ قِيمَتِهِ سَارِقًا، وَيَكُونُ مَرْهُونًا بِمَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَيْعِ، إذَا اشْتَرَى عَبْدًا سَارِقًا أَوْ حَلَالَ الدَّمِ، فَقُتِلَ أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي (الْبُيُوعِ) وَإِنْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الرَّاهِنُ: رَهَنْتُكَ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: رَهَنْتَهُ وَهُوَ كَافِرٌ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُنَازَعَةَ بَيْنَهُمَا فِي اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَالْمُرْتَهِنُ يُنْكِرُ شَيْئًا مِنْ الدَّيْنِ بِمَا فَعَلَ بِهِ عِنْدَهُ وَالرَّاهِنُ يَدَّعِي ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَعَلَى الرَّاهِنِ إثْبَاتُ مَا يَدَّعِي بِالْبَيِّنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ رَهْنِ الْمُضَارِبِ وَالشَّرِيكِ] (بَابُ رَهْنِ الْمُضَارِبِ وَالشَّرِيكِ) (قَالَ ﵀): وَإِذَا رَهَنَ الْمُضَارِبُ رَهْنًا مِنْ الْمُضَارَبَةِ بِدَيْنٍ اسْتَدَامَهُ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ أَمَرَهُ بِأَنْ يَسْتَدِينَ وَيَرْهَنَ، فَالرَّهْنُ جَائِزٌ، وَالدَّيْنُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ هُوَ الشِّرَاءُ بِالْبَيِّنَةِ وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ الْمُضَارَبَةِ، فَالْمُضَارَبَةُ تَسْتَدْعِي رَأْسَ مَالٍ حَاضِرٍ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ

стр. 4371

فِي الِاسْتِدَانَةِ وَلَكِنَّ اسْتِدَانَةَ الْمُضَارِبِ بِأَمْرِ رَبِّ الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ اسْتِدَانَتِهِمَا جَمِيعًا فَيَكُونُ الْمُشْتَرَى بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَالثَّمَنُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ سَوَاءً كَانَتْ الْمُضَارَبَةُ بِالنِّصْفِ أَوْ بِالثُّلُثِ فَإِذَا رَهَنَ بِهَذَا الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِمَا مَتَاعًا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ فَهَلَكَ الرَّهْنُ وَفِيهِ وَفَاءٌ صَارَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا لِلثَّمَنِ وَعَلَى الْمُضَارِبِ نِصْفُهُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُضَارَبَةِ مِلْكُ رَبِّ الْمَالِ وَقَدْ قَضَى بِهِ دَيْنًا عَلَيْهِمَا بِأَمْرِهِ فَيَضْمَنُ لَهُ مِقْدَارَ حِصَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ كَالْمُسْتَعِيرِ لِلرَّهْنِ إذَا صَارَ قَاضِيًا دَيْنَهُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ ضَمِنَ مِثْلَهُ لِلْمُعِيرِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَيْهِمَا فَإِنَّمَا اسْتَدَانَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَضَى بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مُخَالِفًا فِي حَقِّ رَبِّ الْمَالِ ضَامِنًا لَهُ قِيمَةَ الْمَرْهُونِ كُلِّهِ. وَإِذَا ارْتَهَنَ الْمُضَارِبُ بِدَيْنٍ مِنْ الْمُضَارَبَةِ جَازَ؛ لِأَنَّ الِارْتِهَانَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَإِلَى الْمُضَارِبِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ الْوَاجِبِ لِلْمُضَارَبَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْمُضَارَبَةُ أَلْفَيْنِ وَاشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفٍ وَقَبَضَهُ وَنَقَدَهَا ثُمَّ اشْتَرَى مَتَاعًا بِالْأَلْفِ الْأُخْرَى وَقَبَضَهُ عَلَى: إنْ أَعْطَاهُ الْعَبْدَ بِهَا رَهْنًا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَالدَّيْنُ الْوَاجِبُ بِتَصَرُّفِهِ لِلْمُضَارَبَةِ إنَّمَا يَقْتَضِيهِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ. وَإِذَا مَاتَ رَبُّ الْمَالِ وَالْمُضَارَبَةُ عُرُوضٌ، فَرَهَنَ الْمُضَارِبُ مِنْهَا شَيْئًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تُنْتَقَضُ بِمَوْتِ رَبِّ الْمَالِ كَالشَّرِكَةِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ مِنْ التَّصَرُّفِ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَنِضُّ بِهِ الْمَالَ، وَيَرُدُّ رَأْسَ الْمَالِ، وَيَقْسِمُ الرِّبْحَ مَعَ الْوَرَثَةِ وَالرَّهْنُ لَيْسَ مَعَ هَذَا فِي شَيْءٍ بِمَا لَا يَمْلِكُ أَنْ يَرْهَنَ، فَيَكُونَ هُوَ ضَامِنًا بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إنْ بَاعَهُ بِالنَّقْدِ فَهُوَ تَصَرُّفٌ فِي الَّذِي يَنِضُّ بِهِ الْمَالُ وَإِنْ بَاعَهُ بِالْعَرَضِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَرَضَ رُبَّمَا لَا يُشْتَرَى بِالنَّقْدِ فَتَبَادُلُهُ بِعَرَضٍ آخَرَ يُشْتَرَى ذَلِكَ مِنْهُ بِالنَّقْدِ. وَإِذَا رَهَنَ رَبُّ الْمَالِ مَتَاعًا مِنْ الْمُضَارَبَةِ وَفِيهِ فَضْلٌ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُضَارِبِ فِي الْفَضْلِ مَمْلُوكٌ فَلَا يَصِحُّ رَهْنُ رَبِّ الْمَالِ فِيهِ بِغَيْرِ رِضَا الْمُطَالِبِ فَلَا يَصِحُّ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ؛ لِأَجْلِ الشُّيُوعِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَ مِلْكَ نَفْسِهِ بِدَيْنِهِ وَلَكِنْ يَضْمَنُ قِيمَةَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُخْرِجًا لَهُ مِنْ الْمُضَارَبَةِ، وَكَانَ فِيهِ حَقٌّ لِلْمُضَارِبِ. (أَلَا تَرَى): أَنَّهُ لَوْ نَهَاهُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ لَا يَعْمَلُ بِنَهْيِهِ فَيَصِيرُ ضَامِنًا لِحَقِّهِ، كَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَهُ. وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ: لَا يَضْمَنُ لَهُ شَيْئًا، وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا بَاعَ الْمُضَارِبُ شَيْئًا مِنْ رَبِّ الْمَالِ، وَلَا فَضْلَ فِي الْمَالِ فَعِنْدَنَا: يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَعِنْدَ زُفَرَ: لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَبَيَانُهُ: فِي (الْمُضَارَبَةِ) وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ رَبُّ الْمَالِ مَتَاعًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَأَكَلَ ثَمَنَهُ. وَرَهْنُ الْمُفَاوِضِ، وَارْتِهَانُهُ بِدَيْنِ الْمُفَاوَضَةِ جَائِزٌ عَلَيْهِ وَعَلَى شَرِيكِهِ كَالِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا فِيمَا هُوَ مِنْ التِّجَارَةِ، كَالْوَاحِدِ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهِ وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ جِنَايَةٍ فَرَهَنَ بِهِ رَهْنًا مِنْ الْمُفَاوَضَةِ

стр. 4372

كَانَ جَائِزًا، وَهُوَ ضَامِنٌ حِصَّةَ شَرِيكِهِ وَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَنْقُضَ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى أَنْ يَرْهَنَ وَيَبِيعَ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ، وَلَكِنْ إذَا هَلَكَ الرَّهْنُ صَارَ قَابِضًا، فَنَصِيبُ شَرِيكِهِ مِنْ الرَّهْنِ دَيْنٌ عَلَيْهِ، فَلِهَذَا ضَمِنَ لَهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ، وَلَوْ أَعَارَ الشَّرِيكُ إنْسَانًا مَتَاعًا لِيَرْهَنَهُ كَانَ جَائِزًا عَلَيْهِمَا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) وَبِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ إذَا كَفَلَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ بِدَيْنٍ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي (كِتَابِ الْكَفَالَةِ) وَلَوْ اسْتَعَارَ مَتَاعًا مِنْ رَجُلٍ وَقَبَضَهُ، وَرَهَنَهُ كَانَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ، فَفِعْلُ أَحَدِهِمَا فِيهِ كَفِعْلِهِمَا، فَإِنْ هَلَكَ، وَقِيمَتُهُ وَالدَّيْنُ سَوَاءٌ ضَمِنَ الْمَالَ الَّذِي أَعَارَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ ضَامِنًا دَيْنَهُ بِمِلْكِهِ. وَإِذَا ارْتَهَنَ الْمُفَاوِضُ رَهْنًا فَوَضَعَهُ عِنْدَ شَرِيكِهِ فَضَاعَ فَهُوَ بِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَحْفَظُ الْمَالَ بِيَدِ صَاحِبِهِ، كَمَا يَحْفَظُهُ بِيَدِ زَوْجَتِهِ فَيُسَلِّمُ إلَى صَاحِبِهِ بِمَنْزِلَةِ تَسْلِيمِهِ إلَى زَوْجَتِهِ وَإِذَا رَهَنَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الْعَنَانِ رَهْنًا بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا لَمْ يَجُزْ وَكَانَ ضَامِنًا لِلرَّهْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ وَكِيلٌ بِالْبَيْعِ فَقَطْ، وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ لَا يَمْلِكُ الرَّهْنَ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ لَمْ يَصِحَّ فِي نَصِيبِهِ وَيَكُونُ ضَامِنًا نَصِيبَ صَاحِبِهِ لِلْخِلَافِ، وَلَوْ ارْتَهَنَ بِدَيْنٍ لَهُمَا أَدَّيَاهُ وَقَبَضَ لَمْ يَجُزْ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِذَلِكَ وَلَا مُبَاشِرٍ سَبَبَ وُجُوبِهِ فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ ذَهَبَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَيَرْجِعُ شَرِيكُهُ بِحِصَّتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَيَرْجِعُ الْمَطْلُوبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَإِنْ شَاءَ الشَّرِيكُ ضَمَّنَ شَرِيكَهُ حِصَّتَهُ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ الرَّهْنَ بِمَنْزِلَةِ اسْتِيفَاءِ الْمَالِ. وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ طَعْنِ عِيسَى فِي (كِتَابِ الشَّرِكَةِ). وَلَوْ كَانَتْ شَرِكَتُهُمَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِرَأْيِهِ فِيهَا فَمَا رَهَنَ أَحَدُهُمَا أَوْ ارْتَهَنَ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ أَجَازَ صَنِيعَهُ عَلَى الْعُمُومِ فِيمَا هُوَ مِنْ عَمَلِ التِّجَارَةِ، وَالرَّهْنُ وَالِارْتِهَانُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَإِذَا اسْتَوْدَعَ الرَّهْنَ صَاحِبَهُ أَوْ أَحَدًا مِنْ عِيَالِهِ لَمْ يَضْمَن؛ لِأَنَّهُ يَحْفَظُ الْمَرْهُونَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَحْفَظُ مَالَ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَحْفَظُ مَالَ نَفْسِهِ بِيَدِ هَؤُلَاءِ عَادَةً، فَكَذَلِكَ الْمَرْهُونُ لَوْ أَخَذَ رَهْنًا بِدَيْنٍ لَهُمَا وَهَلَكَ عِنْدَهُ فَقَالَ شَرِيكُهُ: لَمْ تَأْخُذْهُ رَهْنًا، وَقَالَ الْآخَرُ: أَخَذْتُهُ رَهْنًا فَهَلَكَ عِنْدِي، فَإِنْ كَانَ هُوَ وَلِيَ حَقِيقَةَ الْبَيْعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ إقْرَارٌ بِالِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ الْمُخْتَصُّ بِمُلْكِ الِاسْتِيفَاءِ، فَيَجُوزُ إقْرَارُهُ بِهِ وَإِنْ وَلِيَهَا الْآخَرُ لَمْ يُصَدَّقْ فِي هَذَا إلَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ أَجَازَ مَا صَنَعَ، أَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِ فِي الرَّهْنِ فَحِينَئِذٍ يَمْلِكُ الِاسْتِيفَاءَ فِيمَا وَجَبَ بِمُعَامَلَةِ صَاحِبِهِ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالِاسْتِيفَاءِ، وَالرَّهْنِ فِيهِ أَيْضًا. وَإِنْ كَانَتْ شَرِكَتُهُمَا الثُّلُثَ

стр. 4373

وَالثُّلُثَيْنِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِرَأْيِهِ فَادَّانَ أَحَدُهُمَا دَيْنًا مِنْ الشَّرِكَةِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدٌ بِرَأْيِهِ، فَلَوْ ادَّانَ أَحَدُهُمَا دَيْنًا مِنْ الشَّرِكَةِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى رَأْيِ صَاحِبِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ عَمَلِ التِّجَارَةِ وَالْإِدَانَةُ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إنْ رَهَنَ أَوْ ارْتَهَنَ فَهُوَ عَلَى قَدْرِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَالْكَفِيلُ بِالدَّيْنِ بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ إذَا ارْتَهَنَ مِنْ الْمَكْفُولِ عَنْهُ رَهْنًا وَقَبَضَهُ، فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدَّى الْمَالَ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ بِنَفْسِ الْكَفَالَةِ يَجِبُ الْمَالُ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْأَصِيلِ، كَمَا يَجِبُ لِلطَّالِبِ عَلَى الْكَفِيلِ وَلَكِنَّهُ مُؤَجَّلٌ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ. (أَلَا تَرَى): أَنَّهُ إذَا طُولِبَ طَالَبَ، وَإِذَا لُوزِمَ لَازَمَ، وَإِذَا أَدَّى رَجَعَ وَالرَّهْنُ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ صَحِيحٌ. وَإِذَا افْتَرَقَ الشَّرِيكَانِ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ثُمَّ قَالَ: أَخَذْتُ هَذَا الرَّهْنَ مِنْ فُلَانٍ بِدَيْنِي وَدَيْنُكَ فِي الشَّرِكَةِ قَبْلَ أَنْ نَفْتَرِقَ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَخَذْتَهُ بَعْدَ مَا افْتَرَقْنَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا أَدَانَ بِدَيْنٍ فِي الشَّرِكَةِ وَحْدَهُ فَلَا فَائِدَةَ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَخْذَ الرَّهْنِ بِهَا فِي الشَّرِكَةِ وَبَعْدَهَا، فَإِنَّ الِاسْتِيفَاءَ إلَيْهِ خَاصَّةً، فَكَمَا يَصِحُّ مُبَاشَرَتُهُ عَلَيْهَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَدَانَهُ فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَخَذَهُ فِي الشَّرِكَةِ، فَإِنْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ أَجَازَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا صَنَعَ صَاحِبُهُ، فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَفِعْلُ أَحَدِهِمَا فِي الشَّرِكَةِ عِنْدَ إجَازَةِ صَاحِبِهِ صَنِيعَهُ كَفِعْلِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَجَازَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا صَنَعَ صَاحِبُهُ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ لَمْ يَجُزْ عَلَى شَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ فِي الشَّرِكَةِ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدَانَ رَجُلًا أَلْفًا وَاحِدَةً أَخَذَ بِهَا رَهْنًا مِنْهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ لَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ وَلَا يَضْمَنُ آخِذُ الرَّهْنِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ هُنَا بِمَنْزِلَةِ الْعَدْلِ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ، وَإِنَّمَا قَبَضَ الْعَيْنَ بِإِذْنِهِ فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَعِيسَى - فِي مَسْأَلَةِ الطَّعْنِ - إنَّمَا يَسْتَدِلُّ بِهَذَا وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي (كِتَابِ الشَّرِكَةِ) وَلَوْ كَانَ قَالَ: وَكَّلَنِي بِقَبْضِ الْمَالِ. وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ بِهِ مِنْكَ رَهْنًا فَأَخَذَ بِهِ مِنْكَ رَهْنًا قِيمَتُهُ مِثْلُ الدَّيْنِ، فَهَلَكَ عِنْدَهُ قَالَ: يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِتَسْلِيمِ الْمَالِ إلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ وَكِيلٌ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا، فَكَانَ قَابِضًا بِغَيْرِ إذْنِهِ ضَامِنًا لِلْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمَطْلُوبُ صَدَّقَهُ بِالْوَكَالَةِ لَمْ يَرْجِعْ الْمَطْلُوبُ عَلَى الْوَكِيلِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ كَانَ أَمِينًا فِي قَبْضِ الرَّهْنِ، وَأَنَّهُ اسْتَفَادَ الْبَرَاءَةَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ إلَّا أَنَّ الطَّالِبَ ظَلَمَهُ بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى بِدَيْنِهِ، وَمَنْ ظُلِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ، وَزَعْمُهُ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ بِشَيْءٍ. وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَجَاءَ رَجُلٌ وَقَالَ: قَدْ

стр. 4374

وَكَّلَنِي فُلَانٌ بِأَخْذِهَا مِنْكَ، أَوْ أَبْتَاعَ مِنْكَ بَيْعًا بِهَا، فَاصْنَعْ فِيهَا مَا شِئْتَ فَأَعْطَاهُ ثَوْبًا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَرَهَنَهُ ثَوْبًا بِخَمْسَةٍ وَقَبَضَهَا وَصَدَّقَهُ الْمَطْلُوبُ فِي ذَلِكَ فَهَلَكَ الثَّوْبَانِ عِنْدَهُ ضَمِنَ ثَمَنَ الثَّوْبِ الَّذِي اشْتَرَاهُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ بِالشِّرَاءِ بِتَصَادُقِهِمَا، وَلَكِنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ مَطْلُوبٌ بِالثَّمَنِ ضَامِنٌ لَهُ وَلَمْ تَقَعْ الْمُقَاصَّةُ بِدَيْنِ الطَّالِبِ حِينَ جَحَدَ الْوَكَالَةَ وَلَمْ يَضْمَنْ الَّذِي ارْتَهَنَهُ؛ لِأَنَّهُ عَدْلٌ فِيهِ بِزَعْمِهِمَا، وَيَرْجِعُ الطَّالِبُ عَلَى الْغَرِيمِ بِالْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ لَمْ تَثْبُتْ فِي حَقِّهِ حِينَ جَحَدَ وَحَلَفَ، فَيَرْجِعُ بِمَالِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْعَارِيَّةِ فِي الرَّهْنِ] (بَابُ الْعَارِيَّةِ فِي الرَّهْنِ) (قَالَ ﵀): وَإِذَا اسْتَعَارَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ ثَوْبًا لِيَرْهَنَهُ فَمَا رَهَنَهُ بِهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ فَهُوَ جَائِزٌ، أَمَّا جَوَازُ الِاسْتِعَارَةِ لِلرَّهْنِ فَلِأَنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِمَالِيَّةِ الرَّهْنِ، وَالْمُعِيرُ يَرْضَى بِتَعَلُّقِ حَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ بِمِلْكِهِ، وَاسْتِحْقَاقُ مَالِيَّتِهِ بِهِ، كَمَا أَنَّ الْوَكِيلَ بِالدَّيْنِ يَلْتَزِمُ الْمُطَالَبَةَ فِي ذِمَّتِهِ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَحِقُّ بِهِ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِ، وَذَلِكَ مِنْهُ تَبَرُّعٌ صَحِيحٌ، فَهَذَا مِثْلُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ عَبْدَهُ بِأَنْ يَكْفُلَ بِمَالٍ صَحَّ وَالدَّيْنُ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ إلَّا شَاغِلًا لِمَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ، فَإِذَا مَلَكَ شَاغِلُ مَالِيَّةِ رَقَبَةِ الْعَبْدِ بِطَرِيقِ الْإِذْنِ فِي الْكَفَالَةِ - تَمَلَّكَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِعَارَةِ لِلرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْضُ مَا ثَبَتَ بِحَقِيقَةِ الِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ مِلْكٌ الْيَدِ فَإِذَا جَازَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ مِلْكُ الْيَدِ وَالْعَيْنِ جَمِيعًا بِإِيفَاءِ غَيْرِ الْمَدْيُونِ مِنْ مَالِهِ عَلَى طَرِيقِ التَّبَرُّعِ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ مِلْكُ الْيَدِ لَهُ بِالرَّهْنِ أَيْضًا، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَفْصِلَ مِلْكَ الْيَدِ عَلَى مِلْكِ الْعَيْنِ بَقَاءً لِلْبَائِعِ جَازَ أَنْ يَنْفَصِلَ مِلْكُ الْيَدِ عَنْ مِلْكِ الْعَيْنِ ثُبُوتًا لِلْمُرْتَهِنِ ثُمَّ مَا رَهَنَهُ بِهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ أَطْلَقَ فَالتَّقْيِيدُ شَيْءٌ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِالْمُطْلَقِ، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِعَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ بِمَنْزِلَةِ الْإِعَارَةِ لِلِانْتِفَاعِ مُطْلَقًا. وَلَوْ سَمَّى لَهُ سَبَبًا فَرَهَنَهُ بِأَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ ضَمِنَهُ أَمَّا إذَا رَهَنَهُ بِأَكْثَرَ فَلِانْعِدَامِ الرِّضَا مِنْ الْمُعِيرِ بِالزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَرْضَى بِأَنْ يَكُونَ مِلْكُهُ مَحْبُوسًا بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ قَضَاؤُهُ دُونَ مَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِمَا وَأَمَّا إذَا رَهَنَهُ بِأَقَلَّ فَلِأَنَّ الْمُعِيرَ إنَّمَا رَضِيَ بِشَرْطِ أَنْ يَصِيرَ الْمُرْتَهِنُ عِنْدَ الْهَلَاكِ مُسْتَوْفِيًا لِلْعِشْرِينَ لِيَرْجِعَ هُوَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بِذَلِكَ فَإِذَا رَهَنَهُ بِأَقَلَّ فَعِنْدَ الْهَلَاكِ إنَّمَا يَرْجِعُ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّقْيِيدَ مَتَى كَانَ مُفِيدًا فَهُوَ مُعْتَبَرُ وَالتَّقْيِيدُ هُنَا مُفِيدُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ جَمِيعًا وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ ارْهَنْهُ

стр. 4375

بِجِنْسٍ فَرَهَنَهُ بِجِنْسٍ آخَرَ فَهُوَ تَقْيِيدٌ مُفِيدٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَسَّرُ عَلَى الْمُعِير أَدَاءُ جِنْسٍ دُونَ جِنْسٍ وَكَانَ مَقْصُودُهُ مِنْ التَّقْيِيدَاتِ يَتَمَكَّنُ مِنْ غَيْرِ مِلْكِهِ بِأَدَاءِ الْجِنْسِ الَّذِي هُوَ مُتَيَسِّرٌ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إنْ أَمَرَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ مِنْ رَجُلٍ فَرَهَنَهُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّقْيِيدَ مُفِيدٌ، فَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْحِفْظِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: ارْهَنْهُ بِالْكُوفَةِ فَرَهَنَهُ بِالْبَصْرَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّقْيِيدَ مُفِيدٌ، فَقَدْ يَرْضَى الْإِنْسَانُ بِأَنْ يَكُونَ مَالُهُ فِي بَلْدَةٍ دُونَ بَلْدَةٍ وَمَتَى صَارَ مُخَالِفًا فَإِنَّهُ يَصِيرُ ضَامِنًا قِيمَتَهُ وَلِلْمُعِيرِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ، وَتَمَّ عَقْدُ الرَّهْنِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُرْتَهِنِ وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُرْتَهِنُ وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ بِمَا ضَمِنَ وَبِالدَّيْنِ عَلَى الرَّاهِنِ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَلَوْ اسْتَعَارَ ثَوْبًا لِيَرْهَنَهُ بِعَشَرَةٍ فَرَهَنَهُ بِعَشَرَةٍ وَقِيمَتُهُ عَشَرَةٌ أَوْ أَكْثَرُ، فَهَلَكَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ بَطَلَ الْمَالُ عَنْ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ قَدْ تَمَّ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ وَوَجَبَ مِثْلُهُ لِرَبِّ الثَّوْبِ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الثَّوْبَ وَسَلَّمَهُ بِرِضَاهُ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ وُجُوبَ ضَمَانِ الْعَيْبِ، وَلَكِنْ صَارَ قَاضِيًا دَيْنَهُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ مَالِيَّتِهِ وَمَنْ قَضَى دَيْنَهُ بِمَالِ الْغَيْرِ يَضْمَنُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَالِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِهِ، وَوَجَبَ مِثْلُهُ لِرَبِّ الثَّوْبِ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَاضِيًا هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الدَّيْنِ بِمَالِهِ وَالْجُزْءُ مُعْتَبَرٌ بِالْكُلِّ فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ يُسَاوِي خَمْسَةً، وَهُوَ رَهْنٌ بِعَشَرَةٍ فَأُعْسِرَ الرَّاهِنُ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يَفْتَكُّهُ بِهِ ثُمَّ هَلَكَ الثَّوْبُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ذَهَبَ بِخَمْسَةٍ وَعَلَى الرَّاهِنِ خَمْسَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ مِقْدَارُ الزِّيَادَةِ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ مِنْ الدَّيْنِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ لِرَبِّ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُوفِيًا خَمْسَةً مِنْ دَيْنِهِ بِمَالِيَّةِ ثَوْبِهِ فَيَغْرَمُ لَهُ مِثْلُهُ. وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ وَأَرَادَ الْمُعِيرُ أَنْ يَفْتَكَّهُ حِينَ أُعْسِرَ الرَّاهِنُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ دَفْعِهِ إلَيْهِ إذَا قَضَاهُ دَيْنَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَلِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ لَا يَفْتَكَّهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ بِالْإِيفَاءِ هُنَا يَقْصِدُ تَخْلِيصَ مِلْكِهِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَدْيُونِ الَّذِي يَقْصِدُ بِالْإِيفَاءِ تَفْرِيغَ ذِمَّتِهِ فَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ: فَلَا يَقْصِدُ تَخْلِيصَ مِلْكِهِ، وَلَا ذِمَّتِهِ، بَلْ هُوَ مُتَبَرِّعٌ عَلَى الطَّالِبِ، فَلَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ تَبَرُّعَهُ. تَوْضِيحُهُ: أَنَّ الْمُرْتَهِنَ هُنَا رَضِيَ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ فَلَا فَرْقَ فِي حَقِّهِ بَيْنَ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ، وَبَيْنَ مَالٍ آخَرَ يُعْطِيهِ، وَهُوَ فِي الْإِبَاءِ بَعْدَ الرِّضَا يَكُونُ مُتَعَيَّنًا، وَبِهَذَا الْحَرْفِ يَرْجِعُ الْمُعِيرُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ رَضِيَ بِأَنْ يَصِيرَ دَيْنُهُ مَقْضِيًّا بِمِلْكِ الْمُعِيرِ عَلَى وَجْهٍ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ إذَا هَلَكَ الرَّهْنُ فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ وَبَيْنَ مَالٍ آخَرَ يُؤَدِّيهِ، وَلَوْ هَلَكَ ثَوْبُ الْعَارِيَّةِ عِنْدَ الرَّاهِنِ قَبْلَ أَنْ يَرْهَنَهُ أَوْ بَعْدَ مَا افْتَكَّهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ حِفْظَهُ الْعَيْنَ فِي الْحَالَيْنِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَبِالْهَلَاكِ قَبْلَ الرَّهْنِ، أَوْ بَعْدَ الْفِكَاكِ لَا يَصِيرُ قَاضِيًا شَيْئًا مِنْ دَيْنِهِ بِمَالِيَّتِهِ

стр. 4376

وَإِنْ قَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَفْتَكَّهُ وَقَالَ الرَّاهِنُ: هَلَكَ بَعْدَ مَا افْتَكَكْتُهُ أَوْ قَبْلَ أَنْ أَرْهَنَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الثَّوْبِ أَمَّا إذَا قَالَ: هَلَكَ قَبْلَ أَنْ أَرْهَنَهُ فَلِإِنْكَارِهِ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ وَحَاجَةُ رَبِّ الثَّوْبِ إلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ. وَأَمَّا إذَا قَالَ: هَلَكَ بَعْدَ مَا افْتَكَكْتُهُ، فَلِأَنَّ رَبَّ الثَّوْبِ يَدَّعِي عَلَيْهِ إيفَاءَ الدَّيْنِ بِمَالِيَّتِهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ قِيلَ هُنَا الرَّاهِنُ قَدْ أَقَرَّ بِسَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَهُوَ رَهْنُهُ الثَّوْبَ بِدَيْنِهِ، أَوْ ادَّعَى نَاسِخُهُ، وَهُوَ الْفِكَاكُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ كَالْغَاصِبِ يَدَّعِي رَدَّ الْمَغْصُوبِ، قُلْنَا: لَا. كَذَلِكَ فَالرَّهْنُ بِإِذْنِ صَاحِبِ الثَّوْبِ لَيْسَ بِسَبَبٍ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ عَلَى أَحَدٍ وَإِنَّمَا الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ لِرَبِّ الثَّوْبِ فَرَاغُ ذِمَّتِهِ عَنْ الدَّيْنِ بِسَبَبِ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ. (أَلَا يَرَى): أَنَّهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ يَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ وَبِالرَّهْنِ لَا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَتْ دَعْوَاهُ الْهَلَاكَ بَعْدَ الْفِكَاكِ، وَدَعْوَاهُ الْهَلَاكَ قَبْلَ الرَّهْنِ فِي هَذَا الْمَعْنَى سَوَاءٌ، وَلَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَبَضْتُ مِنْكَ الْمَالَ وَأَعْطَيْتُكَ الثَّوْبَ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ أَقْبَضْتُكَ الْمَالَ وَهَلَكَ الثَّوْبُ عِنْدَك، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِبَيِّنَتِهِ إيفَاءُ الدَّيْنِ بِمَالِيَّةِ الرَّهْنِ، وَالْمُرْتَهِنُ يَنْفِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أَعْطَيْتُكَ الثَّوْبَ، وَتَرْجِيحُ الثِّيَابِ بِالْإِثْبَاتِ أَصْلٌ فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ عَارِيَّةً فَقَالَ: رَبُّ الثَّوْبِ أَمَرْتُكَ أَنْ تَرْهَنَهُ بِخَمْسَةٍ وَقَالَ الْمُسْتَعِيرُ: بِعَشَرَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ وَلَوْ أَنْكَرَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ مُقَيَّدًا بِصِفَةٍ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُسْتَعِيرِ؛ لِإِثْبَاتِهِ الزِّيَادَةَ وَحَاجَتِهِ إلَيْهِ. وَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ لِيَرْهَنَهُ بِأَلْفٍ فَرَهَنَهُ بِأَلْفٍ وَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْمَوْعُودَ كَالدَّيْنِ الْمُسْتَحَقِّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِهَلَاكِ الرَّهْنِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ مِثْلُهُ لِيَصِيرَ قِصَاصًا فَعَلَيْهِ رَدُّ الْمُسْتَوْفَى إلَى الرَّاهِنِ وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ سَلَامَةَ هَذَا الْقَدْرِ لَهُ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ كَسَلَامَتِهِ لَهُ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ عَنْهُ فَإِنْ رَهَنَهُ وَأَخَذَ الْأَلْفَ ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْغَيْرُ جَازَ عِتْقُهُ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِي الْعَبْدِ بِمَدِّ الرَّهْنِ، وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي إعْتَاقِ الرَّاهِنِ، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْجِعَ بِالْمَالِ دَيْنًا عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْمُعِيرُ صَارَ مُسْتَرِدًّا لِلرَّهْنِ بِالْإِعْتَاقِ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ بِهِ عَلَى رَبِّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ تَعَلَّقَ بِمَالِيَّتِهِ بِرِضَاءِ الْمُعِيرِ، وَقَدْ اسْتَهْلَكَهُ بِإِعْتَاقِهِ فَهُوَ، كَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَهُ بِالْإِتْلَافِ وَهُوَ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ، فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ وَتَكُونُ الْقِيمَةُ رَهْنًا فِي يَدِهِ حَتَّى يَقْبِضَ دَيْنَهُ مِنْ الرَّاهِنِ

стр. 4377

ثُمَّ يَرُدَّهَا عَلَى الْمُعِيرِ؛ لِأَنَّ اسْتِرْدَادَ الْقِيمَةِ كَاسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهُ وَلَكِنَّ الرَّاهِنَ أَقَرَّ أَنَّهُ قَدْ قَبَضَ الْعَبْدَ ثُمَّ مَاتَ عِنْدَهُ وَادَّعَى ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ، وَكَذَلِكَ الْمُعِيرُ، فَإِنَّ الرَّاهِنَ يُصَدَّقُ عَلَى قَبْضِهِ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّ الْمَالَ عَلَيْهِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ قَدْ أَقَرَّ بِبَقَاءِ دَيْنِهِ عَلَيْهِ، كَمَا كَانَ، وَقَوْلُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ حَيًّا فَقَبَضَهُ الرَّاهِنُ ثُمَّ قَالَ: اعْوَرَّ عِنْدِي، وَلَمْ أُعْطِهِ الْمَالَ بَعْدُ، وَصَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِإِقْرَارِهِ بِوُجُوبِ جَمِيعِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ لِلْمُرْتَهِنِ وَلَوْ قَضَى الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ الْمَالَ وَبَعَثَ وَكِيلًا يَقْبِضُ الْعَبْدَ، فَهَلَكَ عِنْدَهُ ضَمِنَهُ الْمُسْتَعِيرُ أَيْضًا لِصَاحِبِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَبَضَهُ الْمُسْتَعِيرُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى الْأَجْنَبِيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مِنْ عِيَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَبَضَهُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْهُ، فَيَدُ مَنْ فِي عِيَالِهِ فِي حِفْظِ الْأَمَانَةِ كَيْدِهِ. وَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ فَرَهَنَهُ بِأَمْرِهِمَا عِنْدَ رَجُلٍ ثُمَّ قَضَى نِصْفَ الْمَالِ وَقَالَ: هَذَا فِكَاكٌ مِنْ نَصِيبِ فُلَانٍ خَاصَّةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ مِنْ جَمِيعِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعَبْدِ مَرْهُونٌ بِالدَّيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ مَحْبُوسٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ. (أَلَا تَرَى): أَنَّهُ لَوْ فَرَّقَ الْقِيمَةَ فِي الِابْتِدَاءِ، وَقَالَ: نَصِيبُ فُلَانٍ بِنِصْفِ الْمَالِ، وَنَصِيبُ فُلَانٍ بِنِصْفِ الْمَالِ، لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فَهُوَ فِي الِانْتِهَاءِ بِهَذَا التَّفْصِيلِ يُرِيدُ إبْطَالَ الرَّهْنِ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ. وَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا فَرَهَنَهُ بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ ثُمَّ قَضَى الْمَالَ، وَهَلَكَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاهِنِ، وَالْمُرْتَهِنُ ضَامِنٌ لِلْأَلْفِ يَرُدُّهَا عَلَى مَوْلَى الْعَبْدِ، قَالَ عِيسَى (﵀): هَذَا خَطَأٌ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ: أَنَّ الرَّاهِنَ ضَامِنٌ لِلْأَلْفِ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ، وَالْمُرْتَهِنَ ضَامِنٌ لِلْأَلْفِ لِلرَّاهِنِ لِمَا هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَقَدْ تَمَّ الِاسْتِيفَاءُ الَّذِي انْعَقَدَ بِقَبْضِ الرَّهْنِ، وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ رَدُّ مَا اسْتَوْفَى بِإِيفَائِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَوْفَاهُ مِنْ الرَّاهِنِ فَيَرُدُّهُ عَلَيْهِ، وَالرَّاهِنُ صَارَ قَاضِيًا دَيْنَهُ بِمِلْكِ الْمُعِيرِ، فَيَقُومُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ قَالَ الْحَاكِمُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَدَّاهُ، فَقَوْلُهُ: لَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاهِنِ - ضَمَانُ الْقِيمَةِ -؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ خِلَافٌ يَتْرُكُ اسْتِرْدَادَ الرَّهْنِ مَعَ قَضَاءِ الدَّيْنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَرَدَّهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ يَكُونُ ضَامِنًا قِيمَتَهُ لِلْخِلَافِ بِالتَّسْلِيمِ لِلْأَجْنَبِيِّ، قَالَ: وَرَأَيْتُ جَوَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ: الْمُرْتَهِنُ ضَامِنٌ لِلْأَلْفِ يَرُدُّهَا عَلَى الرَّاهِنِ وَيَرُدُّهَا الرَّاهِنُ عَلَى مَوْلَى الْعَبْدِ وَلَمْ يَقُلْ لَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاهِنِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، كَمَا قَالَ عِيسَى. وَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدَ الرَّهْنِ أَوْ دَابَّتَهُ فَاسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ وَرَكِبَ الدَّابَّةَ قَبْلَ أَنْ يَرْهَنَهَا بِمَالٍ بِمِثْلِ قِيمَتِهِمَا ثُمَّ قَضَى الْمَالَ وَلَمْ يَقْبِضْهُمَا حَتَّى هَلَكَا عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَرِئَ عَنْ الضَّمَانِ حِينَ رَهَنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ أَمِينًا خَالَفَ ثُمَّ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ فَيَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ حِينَ رَهَنَهُمَا فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ

стр. 4378

أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إذَا خَالَفَ بِمُجَاوَزَةِ الْمَكَانِ لَمْ يَبْرَأْ عَنْ الضَّمَانِ مَا لَمْ تَصِلْ الْعَيْنُ إلَى صَاحِبِهَا، وَهَذَا مُسْتَعِيرٌ قَدْ خَالَفَ، فَكَيْفَ يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ قَبْلَ وُصُولِ الْمَالِ إلَى صَاحِبِهِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَعِيرِ كَيَدِ نَفْسِهِ، فَبِالْعَوْدِ إلَى الْمَكَانِ الْمَشْرُوطِ لَا يَصِيرُ أَدَاءً لِلْعَيْنِ لِصَاحِبِهَا حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا بِخِلَافِ الْمُودِعِ، فَإِنَّ يَدَهُ كَيَدِ الْمَالِكِ، فَبِالْعَوْدِ إلَى الْوِفَاقِ يَصِيرُ أَدَاءً عَلَيْهِ حُكْمًا وَمَا نَحْنُ فِيهِ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ (الْوَدِيعَةِ) لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ يَرْجِعُ إلَى تَحْقِيقِ مَقْصُودِ الْمُعِيرِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ دَيْنُهُ نَقْضًا فَيَسْتَوْجِبُ الْمُعِيرُ الرُّجُوعَ عَلَى الرَّاهِنِ بِمِثْلِهِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّدِّ عَلَيْهِ حُكْمًا فَلِهَذَا بَرِئَ بِهِ مِنْ الضَّمَانِ قَالَ: وَالْمَالُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ يَرُدُّهُ عَلَى الْمُعِيرِ هَكَذَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: وَالْمَالُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ يَرُدُّهُ عَلَى الرَّاهِنِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ الْمُعِيرُ، وَقِيلَ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ صَارَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ وَظَهَرَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى الرَّهْنَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْمُسْتَوْفَى ثَانِيًا عَلَى مَنْ اسْتَوْفَاهُ مِنْهُ، وَهُوَ الرَّهْنُ، وَيَرْجِعُ الْمُعِيرُ عَلَى الرَّاهِنِ لِمَا صَارَ قَاضِيًا مِنْ دَيْنِهِ بِمِلْكِهِ وَلَوْ قَبِلَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ وَقَبَضَهُ، ثُمَّ رَكِبَ الدَّابَّةَ أَوْ اسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِاسْتِعْمَالِهِ مِلْكَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِنْ لَمْ تَعْطَبْ فِي الرُّكُوبِ وَالْخِدْمَةِ، ثُمَّ عَطِبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْفِكَاكِ بِمَنْزِلَةِ الْمُودِعِ، لَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَعِيرِ، وَالْمُودِعُ إذَا خَالَفَ ثُمَّ تَرَكَ الْخِلَافَ بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ. وَلَوْ اسْتَعَارَ أَمَةً لِيَرْهَنَهَا فَرَهَنَهَا ثُمَّ وَطِئَهَا الرَّاهِنُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ فَإِنَّهُ يَدْرَأُ لَهُ الْحَدُّ عَنْهُمَا أَمَّا الْمُرْتَهِنُ، فَلِأَنَّهُ ثَبَتَ مِلْكُ الْعَبْدِ بِعَقْدِ الرَّهْنِ، وَذَلِكَ مُسْقِطٌ لِلْحَدِّ وَأُطْلِقَ الْجَوَابُ هُنَا، وَفُسِّرَ فِي (كِتَابِ الْحُدُودِ) فَقَالَ: إذَا قَالَ: ظَنَنْتُهَا تَحِلُّ لِي، وَهُوَ الصَّحِيحُ فَمِلْكُ الْيَدِ الثَّابِتِ لِلْمُرْتَهِنِ هُنَاكَ كَمِلْكِ الْيَدِ لِلزَّوْجِ فِي الْعِدَّةِ فِي حَقِّ الْمَكَانَةِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يُسْقِطُ الْحَدَّ إذَا قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي، وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَهَا الرَّاهِنُ وَقَالَ: ظَنَنْتُهَا تَحِلُّ لِي؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِيهَا نَظِيرُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَلَهُ حَقُّ إيفَاءِ الدَّيْنِ بِمَالِيَّتِهَا، وَلِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَالِيَّتِهَا، فَكَمَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ الْمُرْتَهِنِ، فَكَذَلِكَ عَنْ الرَّاهِنِ وَيَكُونُ الْمَهْرُ عَلَى الْوَاطِئِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ حَدٍّ أَوْ مَهْرٍ، وَالْمَهْرُ بِمَنْزِلَةِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ الْمُتَوَلَّدَةِ مِنْ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْمُسْتَوْفَى وَالْمُسْتَوْفَى فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ الْعَيْنِ فَيَكُونُ رَهْنًا مَعَهَا، فَإِذَا افْتَكَّهَا الرَّاهِنُ سَلَّمَتْ الْأَمَةُ مَهْرَهَا لِمَوْلَاهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ وَلَدَتْ، وَلَوْ وَهَبَ لَهَا هِبَةً أَوْ اكْتَسَبَتْ كَسْبًا، فَذَلِكَ لِمَوْلَاهَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ لَا يَثْبُتُ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى هِيَ غَيْرُ مُطَالَبَةٍ مِنْ الْعَيْنِ، وَلَكِنَّهَا تُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ، وَمِلْكُ الْأَصْلِ لِلْمُعِيرِ، فَكَذَلِكَ الْغَلَّةُ وَالْكَسْبُ يَكُونُ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 4379

[بَابُ رَهْنِ الْأَرَضِينَ وَغَيْرِهَا] (قَالَ ﵀): وَإِذَا ارْتَهَنَ أَرْضًا فِيهَا نَخْلٌ وَشَجَرٌ وَقَبَضَهَا فَهُوَ جَائِزٌ وَسَقْيُ النَّخْلِ، وَالشَّجَرِ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ سَقْيَ النَّخْلِ بِمَنْزِلَةِ عَلْفِ الدَّوَابِّ، وَنَفَقَةِ الْمَالِكِ؛ لِيَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهَا، فَيَكُونُ عَلَى الرَّاهِنِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ، كَمَا كَانَ قَبْلَ الرَّهْنِ، وَإِنْ أَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ عَلَيْهَا فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِأَمْرِ الْقَاضِي، وَجَعَلَهُ دَيْنًا عَلَى الرَّاهِنِ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي النَّفَقَةِ. وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَةَ النَّخِيلِ وَإِنْ خَافَ الْفَسَادَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ حَافِظٌ لَهَا وَبِحَقِّ الْحِفْظِ لَا يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الْبَيْعِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ حِفْظِ الْعَيْنِ إلَّا بِأَمْرِ الرَّاهِنِ أَوْ بِأَمْرِ الْقَاضِي إنْ كَانَ الرَّاهِنُ غَائِبًا؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ النَّظَرِ فِي مَالِ الْغَائِبِ، وَبَيْعَ مَا يَخَافُ الْفَسَادُ عَلَى عَيْنِهِ مِنْ النَّظَرِ. وَيَدْخُلُ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ فِي رَهْنِ الْأَرْضِ، وَالدَّارِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ، كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ ثَمَرُ النَّخِيلِ، وَالشَّجَرِ، وَزَرْعُ الْأَرْضِ يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لِقَصْدِهِمَا إلَى تَصْحِيحِ الرَّهْنِ، وَقِلَّةُ الضَّرَرِ عَلَى الرَّاهِنِ فِي دُخُولِهِمَا فِيهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْفَرْقَ فِيمَا سَبَقَ. وَإِذَا أَخَذَ السُّلْطَانُ الْعُشْرَ مِنْ الْغَلَّةِ لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَى الرَّاهِنِ فَهُوَ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ الرَّهْنُ فِيمَا يَبْقَى؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْعُشْرِ مِنْ الْغَلَّةِ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ السُّلْطَانُ. (أَلَا تَرَى): أَنَّهُ لَوْ أَدَّى الْعُشْرَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ جَازَ فَصَحَّ الرَّهْنُ فِي الْكُلِّ، ثُمَّ خَرَجَ هَذَا الْجُزْءُ بِأَخْذِ السُّلْطَانِ وَالْبَاقِي مَقْسُومٌ فَلَا يَتَمَكَّنُ بِسَبَبِهِ الشُّيُوعُ فِي الرَّهْنِ قَارِنًا وَلَا مُقَارَنًا، وَلَوْ أَخَذَ السُّلْطَانُ الْعُشْرَ مِنْ الرَّاهِنِ لَمْ يَرْجِعْ الرَّاهِنُ فِي غَلَّةِ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ فِي الْكُلِّ صَحِيحٌ لِمُصَادَفَةِ الْعَقْدِ مِلْكَهُ، وَلَوْ أَخَذَهَا الْمُرْتَهِنُ فَأَدَّى عُشْرَهَا أَوْ خَرَاجَهَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الرَّاهِنِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَطَوُّعَ بِالْأَدَاءِ فَلِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِيمَا أَدَّى وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ فَهُوَ ظَالِمٌ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ شَيْءٌ، وَالْمَظْلُومُ لَا يَرْجِعُ إلَّا عَلَى الظَّالِمِ. وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ الْمَرْهُونَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ انْتِفَاعٌ مِنْهُ بِالْمَرْهُونِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَكَذَلِكَ لَا يُؤَاجِرُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مُنِعَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِنَفْسِهِ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ تَمْلِيكِ مَنْفَعَتِهَا مِنْ غَيْرِهِ بِبَدَلٍ أَوْلَى، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ بِالْإِجَارَةِ يُوجِبُ لِلْغَيْرِ حَقًّا لَازِمًا، وَفِي تَصْحِيحِهَا إبْطَالُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي اسْتِدَامَةِ الْيَدِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَالْأَجْرُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِعَقْدِهِ بَدَلًا عَنْ مَنْفَعَةٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ لَا يَزْرَعُهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا لِغَيْرِهِ فَلَا يَزْرَعُهَا وَلَا يُؤَاجِرُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضَمِنَ مَا نَقَصَ مِنْ الْأَرْضِ وَتَصَدَّقَ بِالْأَجْرِ إنْ أَجَّرَ، وَيُفْصَلُ الزَّرْعُ أَمَّا ضَمَانُ النُّقْصَانِ، فَلِأَنَّهُ بِالزِّرَاعَةِ مُتْلِفٌ

стр. 4380

جُزْءًا مِنْهَا. وَأَمَّا التَّصَدُّقُ فَلِأَنَّهُ فَصْلٌ حَصَلَ لَهُ مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ بِسَبَبٍ حَرَامٍ شَرْعًا، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي الْإِجَارَةِ فَفَعَلَ، أَوْ سَلَّمَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ أَنْ يُؤَاجِرَ أَوْ يَرْهَنَ فَفَعَلَ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ، وَلَا يَعُودُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَيُسْتَحَقُّ بِهِ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ، وَالرَّهْنُ يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ فِي جَانِبِ الرَّاهِنِ وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ الشَّيْءَ يَنْقُصُهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ فَمِنْ ضَرُورَةِ نُفُوذِ الْعَقْدِ الثَّانِي بُطْلَانُ الرَّهْنِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ أَعَادَهَا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَقَبَضَهَا الْمُسْتَعِيرُ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ مَا دَامَتْ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ خُرُوجَهَا مِنْ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ خُرُوجَهَا مِنْ الضَّمَانِ الثَّابِتِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَعِيرِ يَدُ نَفْسِهِ، وَلِهَذَا يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ ضَمَانُ الِاسْتِحْقَاقِ، وَتَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ الرَّدِّ فَبِاعْتِبَارِهِ لَا تَبْقَى يَدُ الْمُرْتَهِنِ، وَضَمَانُ الرَّاهِنِ بِاعْتِبَارِ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَأَمَّا عَقْدُ الرَّهْنِ فَبَاقٍ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ لَا تُوجِبُ حَقًّا لَازِمًا لِلْمُسْتَعِيرِ، وَالشَّيْءُ لَا يُنْقِصُهُ مَا هُوَ دُونَهُ، فَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ الْحَقُّ الثَّابِتُ لِلْمُرْتَهِنِ، فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا مَتَى شَاءَ. وَلَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ كَانَ الْوَلَدُ رَهْنًا مَعَهَا، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُمَا لِمَا، قُلْنَا وَكَذَلِكَ إنْ زَرَعَ الْمُسْتَعِيرُ الْأَرْضَ بِإِذْنِهِمَا فَالْإِعَارَةُ لَا تَلْزَمُ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ، كَمَا كَانَ قَبْلَهَا. وَلَوْ ارْتَهَنَ أَرْضًا فَغَرِقَتْ وَغَلَبَ عَلَيْهَا الْمَاءُ حَتَّى جَرَتْ فِيهَا السُّفُنُ، وَصَارَتْ نَهْرًا لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهَا وَلَا يَنْحَسِرَ عَنْهَا الْمَاءُ فَلَا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمَرْهُونَ صَارَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ خُصُوصًا فِي حَقِّ الْمَالِ، فَإِنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ، وَبِفَوَاتِ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ يَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ؛ وَلِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ إنَّمَا يُطَالِبُ الرَّاهِنَ بِالدَّيْنِ إذَا قَدَرَ عَلَى تَسْلِيمِ الرَّهْنِ إلَيْهِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، كَمَا قَبَضَهُ مِنْهُ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ نَظِيرُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ إذَا أَبَقَ، فَإِنْ نَضَبَ الْمَاءُ عَنْهَا فَهِيَ رَهْنٌ عَلَى حَالِهَا؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهَا عَادَتْ بِصَيْرُورَتِهَا مُنْتَفَعًا بِهَا، كَمَا كَانَتْ وَإِنْ أَفْسَدَ مِنْهَا شَيْئًا ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ رَهْنِ الرَّجُلَيْنِ وَارْتِهَانِهِمَا] (بَابُ رَهْنِ الرَّجُلَيْنِ وَارْتِهَانِهِمَا) (قَالَ ﵀): وَإِذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ هُمَا فِيهِ شَرِيكَانِ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا: دَنَانِيرُ وَلِلْآخَرِ: دَرَاهِمُ، أَوْ حِنْطَةٌ، أَوْ غَيْرُهُمَا فَرَهَنَهُمَا بِذَلِكَ رَهْنًا وَاحِدًا فَهُوَ جَائِزٌ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، كَالْوَاحِدِ مِنْ الدَّيْنَيْنِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الرَّهْنِ يَكُونُ مَحْبُوسًا بِدَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِاتِّحَادِ الصَّفْقَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا شُيُوعَ فِي الْمَحَلِّ بِاعْتِبَارِ عَدَدِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَهُوَ نَظِيرُ قِصَاصٍ يَجِبُ لِجَمَاعَةٍ عَلَى شَخْصٍ
следующие страницы →