Полный текст (6 278 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
وَإِنْ قَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَفْتَكَّهُ وَقَالَ الرَّاهِنُ: هَلَكَ بَعْدَ مَا افْتَكَكْتُهُ أَوْ قَبْلَ أَنْ أَرْهَنَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الثَّوْبِ أَمَّا إذَا قَالَ: هَلَكَ قَبْلَ أَنْ أَرْهَنَهُ فَلِإِنْكَارِهِ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ وَحَاجَةُ رَبِّ الثَّوْبِ إلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ.
وَأَمَّا إذَا قَالَ: هَلَكَ بَعْدَ مَا افْتَكَكْتُهُ، فَلِأَنَّ رَبَّ الثَّوْبِ يَدَّعِي عَلَيْهِ إيفَاءَ الدَّيْنِ بِمَالِيَّتِهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ قِيلَ هُنَا الرَّاهِنُ قَدْ أَقَرَّ بِسَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَهُوَ رَهْنُهُ الثَّوْبَ بِدَيْنِهِ، أَوْ ادَّعَى نَاسِخُهُ، وَهُوَ الْفِكَاكُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ كَالْغَاصِبِ يَدَّعِي رَدَّ الْمَغْصُوبِ، قُلْنَا: لَا. كَذَلِكَ فَالرَّهْنُ بِإِذْنِ صَاحِبِ الثَّوْبِ لَيْسَ بِسَبَبٍ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ عَلَى أَحَدٍ وَإِنَّمَا الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ لِرَبِّ الثَّوْبِ فَرَاغُ ذِمَّتِهِ عَنْ الدَّيْنِ بِسَبَبِ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ.
(أَلَا يَرَى): أَنَّهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ يَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ وَبِالرَّهْنِ لَا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَتْ دَعْوَاهُ الْهَلَاكَ بَعْدَ الْفِكَاكِ، وَدَعْوَاهُ الْهَلَاكَ قَبْلَ الرَّهْنِ فِي هَذَا الْمَعْنَى سَوَاءٌ، وَلَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَبَضْتُ مِنْكَ الْمَالَ وَأَعْطَيْتُكَ الثَّوْبَ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ أَقْبَضْتُكَ الْمَالَ وَهَلَكَ الثَّوْبُ عِنْدَك، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِبَيِّنَتِهِ إيفَاءُ الدَّيْنِ بِمَالِيَّةِ الرَّهْنِ، وَالْمُرْتَهِنُ يَنْفِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أَعْطَيْتُكَ الثَّوْبَ، وَتَرْجِيحُ الثِّيَابِ بِالْإِثْبَاتِ أَصْلٌ فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ عَارِيَّةً فَقَالَ: رَبُّ الثَّوْبِ أَمَرْتُكَ أَنْ تَرْهَنَهُ بِخَمْسَةٍ وَقَالَ الْمُسْتَعِيرُ: بِعَشَرَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ وَلَوْ أَنْكَرَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ مُقَيَّدًا بِصِفَةٍ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُسْتَعِيرِ؛ لِإِثْبَاتِهِ الزِّيَادَةَ وَحَاجَتِهِ إلَيْهِ.
وَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ لِيَرْهَنَهُ بِأَلْفٍ فَرَهَنَهُ بِأَلْفٍ وَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْمَوْعُودَ كَالدَّيْنِ الْمُسْتَحَقِّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِهَلَاكِ الرَّهْنِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ مِثْلُهُ لِيَصِيرَ قِصَاصًا فَعَلَيْهِ رَدُّ الْمُسْتَوْفَى إلَى الرَّاهِنِ وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ سَلَامَةَ هَذَا الْقَدْرِ لَهُ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ كَسَلَامَتِهِ لَهُ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ عَنْهُ فَإِنْ رَهَنَهُ وَأَخَذَ الْأَلْفَ ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْغَيْرُ جَازَ عِتْقُهُ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِي الْعَبْدِ بِمَدِّ الرَّهْنِ، وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي إعْتَاقِ الرَّاهِنِ، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْجِعَ بِالْمَالِ دَيْنًا عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْمُعِيرُ صَارَ مُسْتَرِدًّا لِلرَّهْنِ بِالْإِعْتَاقِ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ بِهِ عَلَى رَبِّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ تَعَلَّقَ بِمَالِيَّتِهِ بِرِضَاءِ الْمُعِيرِ، وَقَدْ اسْتَهْلَكَهُ بِإِعْتَاقِهِ فَهُوَ، كَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَهُ بِالْإِتْلَافِ وَهُوَ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ، فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ وَتَكُونُ الْقِيمَةُ رَهْنًا فِي يَدِهِ حَتَّى يَقْبِضَ دَيْنَهُ مِنْ الرَّاهِنِ
стр. 4377
ثُمَّ يَرُدَّهَا عَلَى الْمُعِيرِ؛ لِأَنَّ اسْتِرْدَادَ الْقِيمَةِ كَاسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهُ وَلَكِنَّ الرَّاهِنَ أَقَرَّ أَنَّهُ قَدْ قَبَضَ الْعَبْدَ ثُمَّ مَاتَ عِنْدَهُ وَادَّعَى ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ، وَكَذَلِكَ الْمُعِيرُ، فَإِنَّ الرَّاهِنَ يُصَدَّقُ عَلَى قَبْضِهِ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّ الْمَالَ عَلَيْهِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ قَدْ أَقَرَّ بِبَقَاءِ دَيْنِهِ عَلَيْهِ، كَمَا كَانَ، وَقَوْلُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ حَيًّا فَقَبَضَهُ الرَّاهِنُ ثُمَّ قَالَ: اعْوَرَّ عِنْدِي، وَلَمْ أُعْطِهِ الْمَالَ بَعْدُ، وَصَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِإِقْرَارِهِ بِوُجُوبِ جَمِيعِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ لِلْمُرْتَهِنِ وَلَوْ قَضَى الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ الْمَالَ وَبَعَثَ وَكِيلًا يَقْبِضُ الْعَبْدَ، فَهَلَكَ عِنْدَهُ ضَمِنَهُ الْمُسْتَعِيرُ أَيْضًا لِصَاحِبِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَبَضَهُ الْمُسْتَعِيرُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى الْأَجْنَبِيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مِنْ عِيَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَبَضَهُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْهُ، فَيَدُ مَنْ فِي عِيَالِهِ فِي حِفْظِ الْأَمَانَةِ كَيْدِهِ.
وَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ فَرَهَنَهُ بِأَمْرِهِمَا عِنْدَ رَجُلٍ ثُمَّ قَضَى نِصْفَ الْمَالِ وَقَالَ: هَذَا فِكَاكٌ مِنْ نَصِيبِ فُلَانٍ خَاصَّةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ مِنْ جَمِيعِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعَبْدِ مَرْهُونٌ بِالدَّيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ مَحْبُوسٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ.
(أَلَا تَرَى): أَنَّهُ لَوْ فَرَّقَ الْقِيمَةَ فِي الِابْتِدَاءِ، وَقَالَ: نَصِيبُ فُلَانٍ بِنِصْفِ الْمَالِ، وَنَصِيبُ فُلَانٍ بِنِصْفِ الْمَالِ، لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فَهُوَ فِي الِانْتِهَاءِ بِهَذَا التَّفْصِيلِ يُرِيدُ إبْطَالَ الرَّهْنِ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا فَرَهَنَهُ بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ ثُمَّ قَضَى الْمَالَ، وَهَلَكَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاهِنِ، وَالْمُرْتَهِنُ ضَامِنٌ لِلْأَلْفِ يَرُدُّهَا عَلَى مَوْلَى الْعَبْدِ، قَالَ عِيسَى (﵀): هَذَا خَطَأٌ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ: أَنَّ الرَّاهِنَ ضَامِنٌ لِلْأَلْفِ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ، وَالْمُرْتَهِنَ ضَامِنٌ لِلْأَلْفِ لِلرَّاهِنِ لِمَا هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَقَدْ تَمَّ الِاسْتِيفَاءُ الَّذِي انْعَقَدَ بِقَبْضِ الرَّهْنِ، وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ رَدُّ مَا اسْتَوْفَى بِإِيفَائِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَوْفَاهُ مِنْ الرَّاهِنِ فَيَرُدُّهُ عَلَيْهِ، وَالرَّاهِنُ صَارَ قَاضِيًا دَيْنَهُ بِمِلْكِ الْمُعِيرِ، فَيَقُومُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ قَالَ الْحَاكِمُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَدَّاهُ، فَقَوْلُهُ: لَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاهِنِ - ضَمَانُ الْقِيمَةِ -؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ خِلَافٌ يَتْرُكُ اسْتِرْدَادَ الرَّهْنِ مَعَ قَضَاءِ الدَّيْنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَرَدَّهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ يَكُونُ ضَامِنًا قِيمَتَهُ لِلْخِلَافِ بِالتَّسْلِيمِ لِلْأَجْنَبِيِّ، قَالَ: وَرَأَيْتُ جَوَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ: الْمُرْتَهِنُ ضَامِنٌ لِلْأَلْفِ يَرُدُّهَا عَلَى الرَّاهِنِ وَيَرُدُّهَا الرَّاهِنُ عَلَى مَوْلَى الْعَبْدِ وَلَمْ يَقُلْ لَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاهِنِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، كَمَا قَالَ عِيسَى.
وَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدَ الرَّهْنِ أَوْ دَابَّتَهُ فَاسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ وَرَكِبَ الدَّابَّةَ قَبْلَ أَنْ يَرْهَنَهَا بِمَالٍ بِمِثْلِ قِيمَتِهِمَا ثُمَّ قَضَى الْمَالَ وَلَمْ يَقْبِضْهُمَا حَتَّى هَلَكَا عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَرِئَ عَنْ الضَّمَانِ حِينَ رَهَنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ أَمِينًا خَالَفَ ثُمَّ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ فَيَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ حِينَ رَهَنَهُمَا فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ
стр. 4378
أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إذَا خَالَفَ بِمُجَاوَزَةِ الْمَكَانِ لَمْ يَبْرَأْ عَنْ الضَّمَانِ مَا لَمْ تَصِلْ الْعَيْنُ إلَى صَاحِبِهَا، وَهَذَا مُسْتَعِيرٌ قَدْ خَالَفَ، فَكَيْفَ يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ قَبْلَ وُصُولِ الْمَالِ إلَى صَاحِبِهِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَعِيرِ كَيَدِ نَفْسِهِ، فَبِالْعَوْدِ إلَى الْمَكَانِ الْمَشْرُوطِ لَا يَصِيرُ أَدَاءً لِلْعَيْنِ لِصَاحِبِهَا حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا بِخِلَافِ الْمُودِعِ، فَإِنَّ يَدَهُ كَيَدِ الْمَالِكِ، فَبِالْعَوْدِ إلَى الْوِفَاقِ يَصِيرُ أَدَاءً عَلَيْهِ حُكْمًا وَمَا نَحْنُ فِيهِ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ (الْوَدِيعَةِ) لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ يَرْجِعُ إلَى تَحْقِيقِ مَقْصُودِ الْمُعِيرِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ دَيْنُهُ نَقْضًا فَيَسْتَوْجِبُ الْمُعِيرُ الرُّجُوعَ عَلَى الرَّاهِنِ بِمِثْلِهِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّدِّ عَلَيْهِ حُكْمًا فَلِهَذَا بَرِئَ بِهِ مِنْ الضَّمَانِ قَالَ: وَالْمَالُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ يَرُدُّهُ عَلَى الْمُعِيرِ هَكَذَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: وَالْمَالُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ يَرُدُّهُ عَلَى الرَّاهِنِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ الْمُعِيرُ، وَقِيلَ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ صَارَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ وَظَهَرَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى الرَّهْنَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْمُسْتَوْفَى ثَانِيًا عَلَى مَنْ اسْتَوْفَاهُ مِنْهُ، وَهُوَ الرَّهْنُ، وَيَرْجِعُ الْمُعِيرُ عَلَى الرَّاهِنِ لِمَا صَارَ قَاضِيًا مِنْ دَيْنِهِ بِمِلْكِهِ وَلَوْ قَبِلَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ وَقَبَضَهُ، ثُمَّ رَكِبَ الدَّابَّةَ أَوْ اسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِاسْتِعْمَالِهِ مِلْكَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِنْ لَمْ تَعْطَبْ فِي الرُّكُوبِ وَالْخِدْمَةِ، ثُمَّ عَطِبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْفِكَاكِ بِمَنْزِلَةِ الْمُودِعِ، لَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَعِيرِ، وَالْمُودِعُ إذَا خَالَفَ ثُمَّ تَرَكَ الْخِلَافَ بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ.
وَلَوْ اسْتَعَارَ أَمَةً لِيَرْهَنَهَا فَرَهَنَهَا ثُمَّ وَطِئَهَا الرَّاهِنُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ فَإِنَّهُ يَدْرَأُ لَهُ الْحَدُّ عَنْهُمَا أَمَّا الْمُرْتَهِنُ، فَلِأَنَّهُ ثَبَتَ مِلْكُ الْعَبْدِ بِعَقْدِ الرَّهْنِ، وَذَلِكَ مُسْقِطٌ لِلْحَدِّ وَأُطْلِقَ الْجَوَابُ هُنَا، وَفُسِّرَ فِي (كِتَابِ الْحُدُودِ) فَقَالَ: إذَا قَالَ: ظَنَنْتُهَا تَحِلُّ لِي، وَهُوَ الصَّحِيحُ فَمِلْكُ الْيَدِ الثَّابِتِ لِلْمُرْتَهِنِ هُنَاكَ كَمِلْكِ الْيَدِ لِلزَّوْجِ فِي الْعِدَّةِ فِي حَقِّ الْمَكَانَةِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يُسْقِطُ الْحَدَّ إذَا قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي، وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَهَا الرَّاهِنُ وَقَالَ: ظَنَنْتُهَا تَحِلُّ لِي؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِيهَا نَظِيرُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَلَهُ حَقُّ إيفَاءِ الدَّيْنِ بِمَالِيَّتِهَا، وَلِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَالِيَّتِهَا، فَكَمَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ الْمُرْتَهِنِ، فَكَذَلِكَ عَنْ الرَّاهِنِ وَيَكُونُ الْمَهْرُ عَلَى الْوَاطِئِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ حَدٍّ أَوْ مَهْرٍ، وَالْمَهْرُ بِمَنْزِلَةِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ الْمُتَوَلَّدَةِ مِنْ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْمُسْتَوْفَى وَالْمُسْتَوْفَى فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ الْعَيْنِ فَيَكُونُ رَهْنًا مَعَهَا، فَإِذَا افْتَكَّهَا الرَّاهِنُ سَلَّمَتْ الْأَمَةُ مَهْرَهَا لِمَوْلَاهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ وَلَدَتْ، وَلَوْ وَهَبَ لَهَا هِبَةً أَوْ اكْتَسَبَتْ كَسْبًا، فَذَلِكَ لِمَوْلَاهَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ لَا يَثْبُتُ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى هِيَ غَيْرُ مُطَالَبَةٍ مِنْ الْعَيْنِ، وَلَكِنَّهَا تُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ، وَمِلْكُ الْأَصْلِ لِلْمُعِيرِ، فَكَذَلِكَ الْغَلَّةُ وَالْكَسْبُ يَكُونُ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 4379
[بَابُ رَهْنِ الْأَرَضِينَ وَغَيْرِهَا]
(قَالَ ﵀): وَإِذَا ارْتَهَنَ أَرْضًا فِيهَا نَخْلٌ وَشَجَرٌ وَقَبَضَهَا فَهُوَ جَائِزٌ وَسَقْيُ النَّخْلِ، وَالشَّجَرِ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ سَقْيَ النَّخْلِ بِمَنْزِلَةِ عَلْفِ الدَّوَابِّ، وَنَفَقَةِ الْمَالِكِ؛ لِيَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهَا، فَيَكُونُ عَلَى الرَّاهِنِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ، كَمَا كَانَ قَبْلَ الرَّهْنِ، وَإِنْ أَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ عَلَيْهَا فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِأَمْرِ الْقَاضِي، وَجَعَلَهُ دَيْنًا عَلَى الرَّاهِنِ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي النَّفَقَةِ.
وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَةَ النَّخِيلِ وَإِنْ خَافَ الْفَسَادَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ حَافِظٌ لَهَا وَبِحَقِّ الْحِفْظِ لَا يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الْبَيْعِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ حِفْظِ الْعَيْنِ إلَّا بِأَمْرِ الرَّاهِنِ أَوْ بِأَمْرِ الْقَاضِي إنْ كَانَ الرَّاهِنُ غَائِبًا؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ النَّظَرِ فِي مَالِ الْغَائِبِ، وَبَيْعَ مَا يَخَافُ الْفَسَادُ عَلَى عَيْنِهِ مِنْ النَّظَرِ.
وَيَدْخُلُ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ فِي رَهْنِ الْأَرْضِ، وَالدَّارِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ، كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ ثَمَرُ النَّخِيلِ، وَالشَّجَرِ، وَزَرْعُ الْأَرْضِ يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لِقَصْدِهِمَا إلَى تَصْحِيحِ الرَّهْنِ، وَقِلَّةُ الضَّرَرِ عَلَى الرَّاهِنِ فِي دُخُولِهِمَا فِيهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْفَرْقَ فِيمَا سَبَقَ.
وَإِذَا أَخَذَ السُّلْطَانُ الْعُشْرَ مِنْ الْغَلَّةِ لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَى الرَّاهِنِ فَهُوَ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ الرَّهْنُ فِيمَا يَبْقَى؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْعُشْرِ مِنْ الْغَلَّةِ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ السُّلْطَانُ.
(أَلَا تَرَى): أَنَّهُ لَوْ أَدَّى الْعُشْرَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ جَازَ فَصَحَّ الرَّهْنُ فِي الْكُلِّ، ثُمَّ خَرَجَ هَذَا الْجُزْءُ بِأَخْذِ السُّلْطَانِ وَالْبَاقِي مَقْسُومٌ فَلَا يَتَمَكَّنُ بِسَبَبِهِ الشُّيُوعُ فِي الرَّهْنِ قَارِنًا وَلَا مُقَارَنًا، وَلَوْ أَخَذَ السُّلْطَانُ الْعُشْرَ مِنْ الرَّاهِنِ لَمْ يَرْجِعْ الرَّاهِنُ فِي غَلَّةِ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ فِي الْكُلِّ صَحِيحٌ لِمُصَادَفَةِ الْعَقْدِ مِلْكَهُ، وَلَوْ أَخَذَهَا الْمُرْتَهِنُ فَأَدَّى عُشْرَهَا أَوْ خَرَاجَهَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الرَّاهِنِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَطَوُّعَ بِالْأَدَاءِ فَلِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِيمَا أَدَّى وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ فَهُوَ ظَالِمٌ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ شَيْءٌ، وَالْمَظْلُومُ لَا يَرْجِعُ إلَّا عَلَى الظَّالِمِ.
وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ الْمَرْهُونَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ انْتِفَاعٌ مِنْهُ بِالْمَرْهُونِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَكَذَلِكَ لَا يُؤَاجِرُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مُنِعَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِنَفْسِهِ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ تَمْلِيكِ مَنْفَعَتِهَا مِنْ غَيْرِهِ بِبَدَلٍ أَوْلَى، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ بِالْإِجَارَةِ يُوجِبُ لِلْغَيْرِ حَقًّا لَازِمًا، وَفِي تَصْحِيحِهَا إبْطَالُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي اسْتِدَامَةِ الْيَدِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَالْأَجْرُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِعَقْدِهِ بَدَلًا عَنْ مَنْفَعَةٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ لَا يَزْرَعُهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا لِغَيْرِهِ فَلَا يَزْرَعُهَا وَلَا يُؤَاجِرُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضَمِنَ مَا نَقَصَ مِنْ الْأَرْضِ وَتَصَدَّقَ بِالْأَجْرِ إنْ أَجَّرَ، وَيُفْصَلُ الزَّرْعُ أَمَّا ضَمَانُ النُّقْصَانِ، فَلِأَنَّهُ بِالزِّرَاعَةِ مُتْلِفٌ
стр. 4380
جُزْءًا مِنْهَا.
وَأَمَّا التَّصَدُّقُ فَلِأَنَّهُ فَصْلٌ حَصَلَ لَهُ مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ بِسَبَبٍ حَرَامٍ شَرْعًا، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي الْإِجَارَةِ فَفَعَلَ، أَوْ سَلَّمَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ أَنْ يُؤَاجِرَ أَوْ يَرْهَنَ فَفَعَلَ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ، وَلَا يَعُودُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَيُسْتَحَقُّ بِهِ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ، وَالرَّهْنُ يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ فِي جَانِبِ الرَّاهِنِ وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ الشَّيْءَ يَنْقُصُهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ فَمِنْ ضَرُورَةِ نُفُوذِ الْعَقْدِ الثَّانِي بُطْلَانُ الرَّهْنِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ أَعَادَهَا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَقَبَضَهَا الْمُسْتَعِيرُ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ مَا دَامَتْ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ خُرُوجَهَا مِنْ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ خُرُوجَهَا مِنْ الضَّمَانِ الثَّابِتِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَعِيرِ يَدُ نَفْسِهِ، وَلِهَذَا يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ ضَمَانُ الِاسْتِحْقَاقِ، وَتَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ الرَّدِّ فَبِاعْتِبَارِهِ لَا تَبْقَى يَدُ الْمُرْتَهِنِ، وَضَمَانُ الرَّاهِنِ بِاعْتِبَارِ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَأَمَّا عَقْدُ الرَّهْنِ فَبَاقٍ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ لَا تُوجِبُ حَقًّا لَازِمًا لِلْمُسْتَعِيرِ، وَالشَّيْءُ لَا يُنْقِصُهُ مَا هُوَ دُونَهُ، فَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ الْحَقُّ الثَّابِتُ لِلْمُرْتَهِنِ، فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا مَتَى شَاءَ.
وَلَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ كَانَ الْوَلَدُ رَهْنًا مَعَهَا، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُمَا لِمَا، قُلْنَا وَكَذَلِكَ إنْ زَرَعَ الْمُسْتَعِيرُ الْأَرْضَ بِإِذْنِهِمَا فَالْإِعَارَةُ لَا تَلْزَمُ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ، كَمَا كَانَ قَبْلَهَا.
وَلَوْ ارْتَهَنَ أَرْضًا فَغَرِقَتْ وَغَلَبَ عَلَيْهَا الْمَاءُ حَتَّى جَرَتْ فِيهَا السُّفُنُ، وَصَارَتْ نَهْرًا لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهَا وَلَا يَنْحَسِرَ عَنْهَا الْمَاءُ فَلَا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمَرْهُونَ صَارَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ خُصُوصًا فِي حَقِّ الْمَالِ، فَإِنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ، وَبِفَوَاتِ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ يَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ؛ وَلِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ إنَّمَا يُطَالِبُ الرَّاهِنَ بِالدَّيْنِ إذَا قَدَرَ عَلَى تَسْلِيمِ الرَّهْنِ إلَيْهِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، كَمَا قَبَضَهُ مِنْهُ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ نَظِيرُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ إذَا أَبَقَ، فَإِنْ نَضَبَ الْمَاءُ عَنْهَا فَهِيَ رَهْنٌ عَلَى حَالِهَا؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهَا عَادَتْ بِصَيْرُورَتِهَا مُنْتَفَعًا بِهَا، كَمَا كَانَتْ وَإِنْ أَفْسَدَ مِنْهَا شَيْئًا ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ رَهْنِ الرَّجُلَيْنِ وَارْتِهَانِهِمَا]
(بَابُ رَهْنِ الرَّجُلَيْنِ وَارْتِهَانِهِمَا) (قَالَ ﵀): وَإِذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ هُمَا فِيهِ شَرِيكَانِ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا: دَنَانِيرُ وَلِلْآخَرِ: دَرَاهِمُ، أَوْ حِنْطَةٌ، أَوْ غَيْرُهُمَا فَرَهَنَهُمَا بِذَلِكَ رَهْنًا وَاحِدًا فَهُوَ جَائِزٌ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، كَالْوَاحِدِ مِنْ الدَّيْنَيْنِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الرَّهْنِ يَكُونُ مَحْبُوسًا بِدَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِاتِّحَادِ الصَّفْقَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا شُيُوعَ فِي الْمَحَلِّ بِاعْتِبَارِ عَدَدِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَهُوَ نَظِيرُ قِصَاصٍ يَجِبُ لِجَمَاعَةٍ عَلَى شَخْصٍ
стр. 4381
فَإِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ الشُّيُوعُ فِي الْمَحَلِّ بِاعْتِبَارِ عَدَدِ الْمُسْتَحِقِّينَ فَإِنْ قَضَى أَحَدَهُمَا مَالَهُ لَمْ يَأْخُذْ الرَّهْنَ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّانِي مَالَهُ لِثُبُوتِ حَقِّ الْحَبْسِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَمِيعِ الرَّهْنِ بِدَيْنِهِ، وَإِنْ تَلِفَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ اسْتَرَدَّ الَّذِي قَضَاهُ مَا أَعْطَاهُ؛ لِأَنَّ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ مِنْ نِصْفِ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ، فَإِنَّ فِي الرَّهْنِ وَفَاءً بِدَيْنِهِمَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَابِضَ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مَرَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا قَبَضَهُ ثَانِيًا، وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ يَتَقَرَّرُ حُكْمُ ضَمَانِ الرَّهْنِ وَلَا يَبْطُلُ مَا لَمْ يَعُدْ الرَّهْنُ إلَى يَدِ الرَّاهِنِ.
وَإِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلَيْنِ دَارًا بِحَقٍّ لَهُ عَلَيْهِمَا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَا شُيُوعَ فِي الرَّهْنِ إنَّمَا الشُّيُوعُ فِي مِلْكِ الرَّاهِنَيْنِ، فَإِنْ قَضَاهُ أَحَدُهُمَا نِصْفَ الْمَالِ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا مِنْ الدَّارِ حَتَّى يَقْضِيَ صَاحِبُهُ مَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الرَّهْنِ مَحْبُوسٌ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الدَّيْنِ وَقَدْ رَضِيَا فَذَلِكَ دَيْنٌ أَوْجَبَا لَهُ الرَّهْنَ فِي جَمِيعِهَا صَفْقَةً وَاحِدَةً.
وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَرَهَنَاهَا مِنْ رَجُلٍ لَهُ عَلَيْهِمَا مَالٌ وَأَحَدُهُمَا شَرِيكٌ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، وَالْمَالُ مُتَفَرَّقٌ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ رَاهِنًا لِنَفْسِهِ، فَلَمَّا بَطَلَ بَعْضُهُ بَطَلَ كُلُّهُ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ مِلْكَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا بِشَيْءٍ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ الْمَالِ وَبُطْلَانُ الرَّهْنِ فِي جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ شَائِعٍ يُبْطِلُ الرَّهْنَ فِي جَمِيعِهَا.
وَإِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلَيْنِ أَرْضًا، أَوْ دَارًا وَلِأَحَدِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهَا وَقَبَضَ فَهُوَ جَائِزٌ لِاتِّحَادِ الصَّفْقَةِ، وَثُبُوتِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي حَبْسِ الْكُلِّ وَانْتِفَاءِ الشُّيُوعِ عَنْ الْمَحَلِّ فِي مُوجِبِ الرَّهْنِ وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّ دَيْنَهُمَا سَوَاءٌ فَصَاحِبُ الْكَبِيرِ كَالْمُعِيرِ نَصِيبَهُ مِنْ صَاحِبِهِ لِيَرْهَنَهُ مَعَهُ وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ.
وَإِذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ اثْنَيْنِ وَالرَّاهِنُ اثْنَيْنِ، فَرَهَنَاهُمَا دَارًا وَجَعَلَاهَا أَثْلَاثًا أَوْ نِصْفَيْنِ مِنْ قِبَلِ أَيِّهِمَا وَقَدْ فَصَلَا بَعْضَ الرَّهْنِ مِنْ بَعْضٍ مَعْنَاهُ: أَنْ يُفَرِّقَ التَّسْمِيَةَ فِيمَا أَوْجَبَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَنْعِ ثُبُوتِ حَقِّ الْحَبْسِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَمِيعِهِ أَوْ يُوجِبُ ذَلِكَ تَفْرِيقُ التَّسْمِيَةِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ مِنْ رَجُلَيْنِ بِتَسْمِيَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَبِتَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ يَتَمَكَّنُ الشُّيُوعُ فِي مَحِلٍّ فِيمَا أَوْجَبَاهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلرَّهْنِ، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَلِلْآخَرِ أَلْفَا دِرْهَمٍ عَلَى حِدَةٍ فَرَهَنَاهُمَا الدَّارَ جَمِيعًا كَانَ جَائِزًا، وَلِصَاحِبِ الْأَلْفَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ يَعْنِي مِقْدَارَ مَا صَارَ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَأَمَّا حَقُّ الْحَبْسِ فَثَبَتَ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الْجَمِيعِ لِاتِّحَادِ الصَّفْقَةِ، وَالشُّيُوعُ فِي الضَّمَانِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ جِنْسُ الْمَالَيْنِ مُخْتَلِفًا فَبِاخْتِلَافِ جِنْسِ الْمَالِ لَا تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ لِاتِّحَادِ الْإِيجَابِ مِنْهُمَا فَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الرَّاهِنَيْنِ فَوَرِثَهُ الْآخَرُ، فَالرَّهْنُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ وَارِثَ
стр. 4382
الْمَيِّتِ يَخْلُفُهُ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَانَ نَصِيبُهُ فِي حَيَاتِهِ مَشْغُولًا بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَإِذَا شَارَكَ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ فِي الرَّهْنِ وَنَقَضَاهُ، وَهُوَ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ فَهُوَ رَهْنٌ عَلَى حَالِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الرَّاهِنُ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ انْعَقَدَ بِالْقَبْضِ، وَالدَّيْنُ يَبْقَى شَائِعًا بَيْنَهُمَا، وَفَسْخُ الْعَقْدِ مُعْتَبَرٌ بِأَصْلِ الْعَقْدِ، فَكَمَا أَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ لَا يَثْبُتُ بِالْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْقُطُ بِالْفَسْخِ قَبْلَ الرَّدِّ فَإِنْ بَدَا لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَمْلِكَهُ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ كَانَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ التَّسْلِيمِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْفَسْخِ قَبْلَ الرَّدِّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الرَّدِّ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ اعْتِبَارًا لِأَحَدِ الْجَانِبَيْنِ بِالْآخَرِ فَبِهِ تَتِمُّ الْمُعَادَلَةُ، وَإِنْ بَدَا لِلرَّاهِنِ أَنْ يَتْرُكَهُ كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْفَسْخِ كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ فَبَعْدَهُ أَوْلَى.
وَإِذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ اثْنَيْنِ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا رَدَّ الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى الرَّدِّ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَابِتٌ فِي الْجَمِيعِ وَلَا وِلَايَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي إسْقَاطِ حَقِّهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ رَدِّ نَصِيبِهِ بَطَلَ بِهِ الرَّهْنُ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ، فَإِنَّ الشُّيُوعَ الطَّارِئَ، كَالشُّيُوعِ الْمُقَارَنِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرِضَاهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي إلْحَاقِهِ بِالضَّرَرِ بِالْعَيْنِ، كَمَا لَا يُعْتَبَرُ رِضَا الرَّاهِنِ بِذَلِكَ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الرَّهْنِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لَمْ نَرْتَهِنْ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ قَدْ ارْتَهَنَّا وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَقَالَ الرَّاهِنُ لَمْ أَرْهَنْهُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى الدَّعْوَى، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْخِلَافَ فِيمَا سَبَقَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَا شَرِيكَيْنِ شَرِكَةَ عَنَانٍ، أَوْ مُفَاوَضَةٍ وَلَيْسَ هَذَا كَاَلَّذِي كَانَ رَهْنًا فَنَقَضَهُ أَحَدُهُمَا فَإِنَّ فِي الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَجُوزُ نَقْضُ أَحَدِهِمَا عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ فِيمَا هُوَ مِنْ التِّجَارَةِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُومُ مَقَامَ شَرِيكِهِ فَأَمَّا إذَا أَنْكَرَ أَحَدُهُمَا الرَّهْنَ فَقَدْ أَكْذَبَ شُهُودَهُ وَمَعَ إكْذَابِهِ يَتَعَذَّرُ الْقَضَاءُ بِالرَّهْنِ فِي نَصِيبِهِ فَيَتَعَذَّرُ الْقَضَاءُ بِهِ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ؛ لِأَجْلِ الشُّيُوعِ.
وَلَوْ كَانَا شَرِيكَيْ عَنَانٍ فَرَهَنَا جَمِيعًا رَهْنًا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْقُضَهُ دُونَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْأَجْنَبِيِّ فِي نَقْضِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرَّهْنَ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ فَإِنَّ شَرِكَةَ الْعَنَانِ لَا تَتَضَمَّنُ إلَّا الْوَكَالَةَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنْ نَقَضَهُ، وَقَبَضَهُ، فَهَلَكَ عِنْدَهُ كَانَ الْمُرْتَهِنُ ضَامِنًا لِحِصَّةِ الَّذِي لَمْ يَنْتَقِضْ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُخَالِفًا بِرَدِّ حِصَّتِهِ عَلَى الْآخَرِ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِمَالِهِ وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ الَّتِي ضَمِنَ عَلَى الَّذِي قَبَضَ مِنْهُ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّ الْقَابِضَ مِنْهُ لَا يَرُدُّهُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ غَاصِبِ الْغَاصِبِ فِي حَقِّهِ، وَالْغَاصِبُ الْأَوَّلُ إذَا ضَمِنَ رَجَعَ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْغَاصِبِ الثَّانِي، فَهَذَا مِثْلُهُ قَالَ عِيسَى: هَذَا خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ أَنْ لَا يَرْجِعَ
стр. 4383
الْمُرْتَهِنُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْقَابِضِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَلَّمَهُ إلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لَهُ، فَهُوَ فِي حَقِّهِ كَمُودِعِ الْغَاصِبِ، فَإِذَا مَلَكَ الْغَاصِبُ بِالضَّمَانِ كَانَ مُسَلِّمًا مِلْكَ نَفْسِهِ إلَى الْأَجْنَبِيِّ طَوْعًا، وَقَدْ هَلَكَ فِي يَدِ الْقَابِضِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ادَّعَى الْوَكَالَةَ مِنْ صَاحِبِهِ، وَدَفَعَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقٍ، فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْغُرُورِ الْمُمْكِنِ مِنْ جِهَتِهِ بِدَعْوَاهُ الْوَكَالَةَ مِنْ صَاحِبِهِ، وَقَدْ قِيلَ فِي تَصْحِيحِ جَوَابِ الْكِتَابِ أَنَّ حَالَةَ الشَّرِكَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا تُوهِمُ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ جَوَازَ قَبْضِ أَحَدِهِمَا لَهُ فِي حَقِّهِمَا، فَيَقُومُ ذَلِكَ مَقَامُ الْغُرُورِ الَّذِي يُمْكِنُ بِادِّعَاءِ أَحَدِهِمَا الْوَكَالَةَ، فَكَمَا يَرْجِعُ هُنَاكَ بِمَا ضَمِنَ، فَكَذَلِكَ هُنَا وَلَوْ كَانَ رَهَنَهُ أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ ثُمَّ نَقَضَ الرَّهْنَ وَقَبَضَهُ، وَسَلَّمَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنَ جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي رَهَنَهُ.
(أَلَا تَرَى): أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لِلرَّهْنِ إذَا نَقَضَ الرَّهْنَ وَاسْتَرَدَّ الْعَيْنَ بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ كَانَ جَائِزًا، فَكَذَلِكَ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ جِنَايَةِ الرَّهْنِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ]
(بَابُ جِنَايَةِ الرَّهْنِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ) (قَالَ ﵀): وَإِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ عَبْدَيْنِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِنَّ الْبَاقِيَ يَكُونُ رَهْنًا بِتِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ مَشْغُولٌ بِنِصْفِ الدَّيْنِ وَنِصْفُهُ فَارِغٌ، فَالنِّصْفُ الَّذِي هُوَ مَشْغُولٌ مِنْ الْقَاتِلِ جَنَى عَلَى نِصْفٍ شَائِعٍ مِنْ الْمَقْتُولِ نِصْفُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَشْغُولٌ وَنِصْفُهُ مِمَّا هُوَ فَارِغٌ، وَكَذَلِكَ النِّصْفُ الَّذِي هُوَ فَارِغٌ مِنْ الْقَاتِلِ جَنَى عَلَى نِصْفٍ شَائِعٍ مِنْ الْمَقْتُولِ نِصْفُهُ مِنْ الْمَشْغُولِ وَنِصْفُهُ مِنْ الْفَارِغِ، وَجِنَايَةُ الْفَارِغِ هَدَرٌ، وَجِنَايَةُ الْمَشْغُولِ عَلَى الْمَشْغُولِ هَدَرٌ، وَجِنَايَةُ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ مُعْتَبَرَةٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَيْنِ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ، كَمَا كَانَا قَبْلَهُ، وَجِنَايَةُ أَحَدِهِمَا قَبْلَ عَقْدِ الرَّهْنِ عَلَى الْآخَرِ خَطَأٌ هَدَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِجِنَايَةِ الْخَطَأِ نَفْسُ الْجَانِي مِلْكًا، وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِمَوْلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ الْجِنَايَةُ لَاسْتَحَقَّ بِهَا عَلَى نَفْسِهِ مِلْكَ نَفْسِهِ وَهَذَا لَغْوٌ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْجِنَايَةِ لِحَقِّ الرَّاهِنِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ اعْتِبَارُ الْجِنَايَةِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ تَمْيِيزَ الْبَعْضِ عَنْ الْبَعْضِ كَانَ لِثُبُوتِ حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ لَهُ فِي نِصْفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
(أَلَا تَرَى): أَنَّ جِنَايَةَ الرَّاهِنِ عَلَى الْمَرْهُونِ تُعْتَبَرُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَكَذَلِكَ جِنَايَةُ مِلْكِ الرَّاهِنِ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ تَكُونُ مُعْتَبَرَةً لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: جِنَايَةُ الْفَارِغِ عَلَى الْفَارِغِ لَوْ اُعْتُبِرَتْ إنَّمَا تُعْتَبَرُ لِحَقِّ الرَّاهِنِ إذْ لَا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الْمَحَلِّ الْمَجْنِيِّ
стр. 4384
عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِيفَاءُ، فَلَا يُعْتَبَرُ، وَكَذَلِكَ جِنَايَةُ الْمَشْغُولِ عَلَى الْمَشْغُولِ غَيْرُ مُفِيدٍ اعْتِبَارُهَا فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْقُطَ مَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ فِي أَحَدِهِمَا أَمَّا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إذَا جُعِلَ فَائِتًا لَا إلَى بَدَلٍ.
وَأَمَّا الْجَانِي إذَا أُقِيمَ مَقَامَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالدَّفْعِ، فَإِنَّهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ يَصِيرُ تَاوِيًا، وَإِذَا كَانَ اعْتِبَارُ الْجِنَايَةِ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَجِنَايَةُ الْمَشْغُولِ عَلَى الْمَشْغُولِ لَا يُفِيدُ اعْتِبَارُهَا فِي حَقِّهِ كَانَ هَدَرًا، وَكَذَلِكَ جِنَايَةُ الْمَشْغُولِ عَلَى الْفَارِغِ لَوْ اُعْتُبِرَتْ إنَّمَا تُعْتَبَرُ لِحَقِّ الرَّاهِنِ، فَالْمُرْتَهِنُ يَتَصَوَّرُ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تُعْتَبَرْ لَمْ يَسْقُطْ مِنْ دَيْنِهِ، وَإِذَا اُعْتُبِرَتْ سَقَطَ بَعْضُ دَيْنِهِ فَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ.
وَأَمَّا جِنَايَةُ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَفِيهِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَبَرَةً كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَائِتًا لَا إلَى بَدَلٍ فَيَسْقُطُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الدَّيْنِ، وَإِذَا اُعْتُبِرَتْ دَفَعَ الْجَانِي بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَيَتَحَوَّلُ مَا كَانَ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ إلَى الْجَانِي؛ لِفَوَاتِ الْمَشْغُولِ إلَى خَلْفٍ، فَإِذَا ظَهَرَ اعْتِبَارُ جِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ قَامَ هَذَا الرُّبْعُ مِنْ الْجَانِي مَقَامَ ذَلِكَ الرُّبْعِ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَيَتَحَوَّلُ مَا كَانَ فِيهِ، وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ إلَى الْجَانِي وَقَدْ كَانَ فِيهِ خَمْسُمِائَةٍ بِحُكْمِ الْعَقْدِ، فَتَجْتَمِعُ فِيهِ مِنْ الدَّيْنِ سَبْعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ، وَيَسْقُطُ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ حِصَّةُ جِنَايَةِ الْمَشْغُولِ عَلَى الْمَشْغُولِ فَإِنَّ ذَلِكَ هَدَرٌ، فَيَكُونُ كَالْهَالِكِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ
وَإِذَا أَرَدْتَ اخْتِصَارَ هَذَا الْكَلَامِ قُلْتَ السَّبِيلُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مِقْدَارِ الْفَارِغِ مِنْ الْجَانِي، فَيَتَحَوَّلُ مِمَّا كَانَ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَدْرُ ذَلِكَ إلَى الْجَانِي إنْ كَانَ نِصْفًا فَالنِّصْفُ، وَإِنْ كَانَ ثُلُثًا فَالثُّلُثُ وَإِنْ كَانَ رُبْعًا فَالرُّبْعُ، وَإِنْ كَانَ عُشْرًا فَالْعَشْرُ وَأَبُو يُوسُفَ يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي جَوَازِ الزِّيَادَةِ فِي الدَّيْنِ حُكْمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ الْجَانِي كَذَلِكَ يَجُوزُ إثْبَاتُهُ قَصْدًا وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّا إنَّمَا لَمْ نُجَوِّزْ الزِّيَادَةَ فِي الدَّيْنِ بِحُكْمِ الرَّهْنِ لِمَعْنَى الشُّيُوعِ بِاعْتِبَارِ تَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ هُنَا، وَلَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ وَلَكِنْ فَقَأَ عَيْنَهُ كَانَ الْبَاقِي سِتَّمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَالْمَفْقُوءُ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ؛ لِأَنَّ بِذَهَابِ الْعَيْنِ الْمَفْقُوءَةِ تَلِفَ نِصْفُ نِصْفِهِ، وَبَقِيَ النِّصْفُ، فَإِنَّمَا يَبْقَى فِيهِ نِصْفُ مَا كَانَ مِنْ الدَّيْنِ وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ، وَاَلَّذِي كَانَ فِي الْعَيْنِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ، وَنِصْفُ الْجَانِي فَارِغٌ فَيَتَحَوَّلُ بِحِسَابِ ذَلِكَ إلَى الْجَانِي بِاعْتِبَارِ جِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ، وَذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَيَسْقُطُ نِصْفُهُ بِجِنَايَةِ الْمَشْغُولِ عَلَى الْمَشْغُولِ، فَيُجْمَعُ فِي الْفَاقِئِ سِتُّمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَلَا يَفْتَكُّهُمَا إلَّا جَمِيعًا؛ لِاتِّحَادِ الْعَقْدِ فِيهِمَا وَلَوْ أَنَّ الْمَفْقُوءَةَ عَيْنُهُ فَقَأَ بَعْدَ ذَلِكَ عَيْنَ الْفَاقِئِ بَقِيَ فِي الْفَاقِئِ الْأَوَّلِ ثَلَثُمِائَةٍ وَاثْنَا عَشَرَ وَنِصْفُ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ فَاتَ بِفَقْءِ الْعَيْنِ، وَقَدْ كَانَ الدَّيْنُ فِيهِ سِتَّمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ، فَبَعْدَ فَوَاتِ النِّصْفِ إنَّمَا يَبْقَى فِيهِ نِصْفُ
стр. 4385
ذَلِكَ، وَهُوَ ثَلَثُمِائَةٍ، وَاثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ وَلَحِقَ الْفَاقِئُ الْآخَرُ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ وَرُبْعٌ؛ لِأَنَّ الْفَاقِئَ الْآخَرَ نِصْفُهُ فَارِغٌ بِاعْتِبَارِهِ يَتَحَوَّلُ نِصْفُ مَا كَانَ فِي عَيْنِ الْمَفْقُوءِ إلَيْهِ بِجِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ، وَيَسْقُطُ نِصْفُهُ بِجِنَايَةِ الْمَشْغُولِ عَلَى الْمَشْغُولِ وَاَلَّذِي كَانَ فِي الْعَيْنِ الْمَفْقُوءَةِ ثَلَثُمِائَةٍ وَاثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ يَسْقُطُ وَيَلْحَقُ الْفَاقِئُ الْآخَرُ نِصْفُهُ، وَذَلِكَ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ وَرُبْعٌ مَعَ الْمِائَتَيْنِ وَالْخَمْسِينَ الَّتِي كَانَتْ بَقِيَتْ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَأَ عَيْنَ الْآخَرِ مِمَّا ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ رُبْعُهُ، وَبَقِيَ فِي عُنُقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ خَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّ فِي عَيْنَيْ الْفَاقِئِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا: نِصْفُ الْخَمْسِمِائَةِ يَتَحَوَّلُ نِصْفُ ذَلِكَ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَى الْجَانِي بِاعْتِبَارِ جِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ وَيَسْقُطُ نِصْفُهُ حِصَّةُ جِنَايَةِ الْمَشْغُولِ عَلَى الْمَشْغُولِ، فَإِنَّمَا يَسْقُطُ مِمَّا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا: رُبْعُ خَمْسِمِائَةٍ، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَرْهُونًا مِنْ الْحَاصِلِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ خَمْسِمِائَةٍ.
وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ أَمَتَيْنِ قِيمَةُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَلْفُ دِرْهَمٍ فَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِنْتًا تُسَاوِي أَلْفًا، وَالدَّيْنُ أَلْفٌ، فَقَتَلَتْ إحْدَى الِاثْنَتَيْنِ صَاحِبَتَهَا لَمْ يَبْطُلْ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبِنْتَيْنِ مَمْلُوكَةٌ لِلرَّاهِنِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ اعْتِبَارَ الْجِنَايَةِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ لَا لِحَقِّ الرَّاهِنِ، وَلَا مَنْفَعَةَ لِلْمُرْتَهِنِ فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّ إحْدَاهُمَا هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ، فَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ، فَإِنْ مَاتَتْ أُمُّ الْمَقْتُولَةِ بَقِيَتْ الْقَاتِلَةُ وَأُمُّهَا: بِسِتِّمِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَثَمَانِينَ، وَنِصْفُ الْأُمِّ مِنْ ذَلِكَ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَالْبِنْتُ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ مِنْ الرَّهْنِ الْأَوَّلِ وَبِمِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَثَمَانِينَ وَنِصْفٍ مِمَّا لَحِقَهَا مِنْ الْجِنَايَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، لَمَّا وَلَدَتْ انْقَسَمَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الدَّيْنِ عَلَى قِيمَتِهَا، وَعَلَى قِيمَةِ الْبِنْتِ، فَكَانَ فِي الْبِنْتِ الْمَقْتُولَةِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ، وَفِي أُمِّهَا مِثْلُ ذَلِكَ وَفِي الْبِنْتِ الْقَاتِلَةِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ، فَلَمَّا قَتَلَتْ إحْدَى الِاثْنَتَيْنِ الْأُخْرَى نَظَرْنَا إلَى مِقْدَارِ الْفَارِغِ مِنْ الْقَاتِلَةِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا؛ لِأَنَّ قِيمَتَهَا أَلْفٌ وَفِيهَا مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ، فَتَحَوَّلَ مِقْدَارُ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ فِي الْمَقْتُولَةِ إلَى الْقَاتِلَةِ، وَاَلَّذِي كَانَ فِي الْمَقْتُولَةِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ، فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ ذَلِكَ مِائَةٌ وَسَبْعَةٌ وَثَمَانُونَ وَنِصْفٌ تَحَوَّلَ ذَلِكَ إلَى الْقَاتِلَةِ بِاعْتِبَارِ جِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ، وَرُبْعُ ذَلِكَ كَانَ عَادَ إلَى أُمِّ الْمَقْتُولَةِ؛ لِفَوَاتِ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ وَلَدِهَا لَا إلَى خَلْفٍ، وَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ بِمَوْتِهَا مَعَ مَا بَقِيَ فِيهَا؛ فَلِهَذَا افْتَكَّ الْقَاتِلَةَ مَعَ أُمِّهَا بِسِتِّمِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَثَمَانِينَ، وَنِصْفٍ وَلَمْ يُعْتَبَرْ هَذَا التَّوْزِيعُ قَبْلَ مَوْتِ أُمِّ الْمَقْتُولَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُفِيدٍ فَإِنَّ اعْتِبَارَهُ إذَا جَاءَ أَوْ أَنَّ سُقُوطَ شَيْءٍ مِنْ الدَّيْنِ قَبْلَ مَوْتِ أُمِّ الْمَقْتُولَةِ، سَوَاءٌ جُعِلَتْ الْمَقْتُولَةُ فَائِتَةً لَا إلَى بَدَلٍ أَوْ الْقَاتِلَةُ لَمْ يَسْقُطْ
стр. 4386
شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ؛ فَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ
(قَالَ ﵁): فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْضُ إشْكَالٍ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْخَمْسَمِائَةِ الَّتِي فِي أُمِّ الْمَقْتُولَةِ إنَّمَا انْقَسَمَتْ عَلَيْهَا وَعَلَى وَلَدِهَا نِصْفَيْنِ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْوَلَدِ عَلَى تِلْكَ الْقِيمَةِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَلَمْ يَبْقَ فَإِنَّ بَعْضَ الْمَقْتُولَةِ هَلَكَ، وَلَمْ يَخْلُفْ بَدَلًا وَهُوَ مَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْمَشْغُولِ عَلَى الْفَارِغِ، وَبِجِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْفَارِغِ، وَبِجِنَايَةِ الْمَشْغُولِ عَلَى الْمَشْغُولِ، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ تَخْرِيجُ الْجَوَابِ عَلَى أَنَّ الْمَشْغُولَ مِنْ الْمَقْتُولِ رُبْعُهَا؟ (قَالَ ﵁): وَاَلَّذِي تُخُيِّلَ لِي بَعْدَ التَّأَمُّلِ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ: أَنَّ جِنَايَةَ الْقَاتِلَةِ عَلَى الْمَقْتُولَةِ فِيمَا جُعِلَ هَدَرًا يَكُونُ كَجِنَايَةِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ هَدَرٌ بِاعْتِبَارِ جِنَايَةِ مِلْكِهِ، وَيَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ فِعْلُ الْمَمْلُوكِ كَفِعْلِ الْمَالِكِ وَلِأَجْلِهِ جُعِلَ هَدَرًا، وَفِعْلُ الرَّاهِنِ بِمَنْزِلَةِ الْفِكَاكِ فَيَتِمُّ بِهِ ذَلِكَ الِانْقِسَامُ، وَلَا يَبْطُلُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَمَا تُعْتَبَرُ جِنَايَةُ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ يَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ جِنَايَةُ الْمَشْغُولِ عَلَى الْفَارِغِ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْمَشْغُولَ مِنْ أَصْلِ الرَّهْنِ مَضْمُونٌ، فَيَكُونُ هَذَا كَجِنَايَةِ الْمَغْصُوبِ عَلَى وَدِيعَةِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ ضَمَانُ الْعَيْنِ، وَهُوَ يُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْعَيْنِ إذَا تَقَرَّرَ، فَبِاعْتِبَارِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ يَكُونُ لِلْغَاصِبِ إذَا تَقَرَّرَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ عِنْدَ الْغَاصِبِ عَلَى مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَكَانَ مُعْتَبَرًا، فَأَمَّا ضَمَانُ الرَّهْنِ ضَمَانُ الِاسْتِيفَاءِ وَالْعَيْنِ، فَكَحُكْمِ الْأَمَانَةِ. (أَلَا تَرَى): أَنَّ تَقَرُّرَ هَذَا الضَّمَانِ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْعَيْنِ لِلْمُرْتَهِنِ، فَلَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ جِنَايَتَهُ حَصَلَتْ عَلَى عَبْدٍ غَيْرِ مَالِكِهِ؛ فَلِهَذَا لَا تُعْتَبَرُ هَذِهِ الْجِنَايَةُ إلَّا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَا.
وَإِذَا ارْتَهَنَ عَبْدَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: بِخَمْسِمِائَةٍ وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ، وَارْتَهَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَقْدٍ عَلَى حِدَةٍ، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ، فَإِنْ شَاءَ جَعَلَا الْقَاتِلَ مَكَانَ الْمَقْتُولِ، وَبَطَلَ مَا كَانَ فِي الْقَاتِلِ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ فَدَيَا الْقَاتِلَ بِقِيمَةِ الْمَقْتُولِ، وَالْفِدَاءُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْقِيمَةُ هُنَا مَكَان الْمَقْتُولِ، وَكَانَ الْقَاتِلُ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ رَهْنٌ عَلَى حِدَةٍ مَعْنَاهُ: أَنَّ الصَّفْقَةَ مُتَفَرِّقَةٌ وَالدَّيْنَ مُخْتَلِفٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحْبُوسٌ بِغَيْرِ مَا كَانَ الْآخَرُ مَحْبُوسًا بِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ جِنْسُ الدَّيْنِ مُخْتَلِفًا: بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَهْنًا بِخَمْسِمِائَةٍ، وَالْآخَرُ بِخَمْسِينَ دِينَارًا، فَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ إذَا اتَّفَقَ جِنْسُ الْمَالَيْنِ.
(أَلَا تَرَى): أَنَّهُ لَوْ أَدَّى مَا عَلَى أَحَدِهِمَا مِنْ الدَّيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْتَكَّهُ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَرْهُونًا عِنْدَ رَجُلٍ آخَرَ، فَاعْتِبَارُ جِنَايَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مُفِيدٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَةِ الْمَرْهُونِ عَلَى عَبْدٍ أَجْنَبِيٍّ، أَوْ جِنَايَةِ عَبْدٍ أَجْنَبِيٍّ
стр. 4387
عَلَى الْمَرْهُونِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَالْعَقْدُ هُنَاكَ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحْبُوسٌ بِالدَّيْنِ الَّذِي بِهِ الْآخَرُ مَحْبُوسٌ.
(أَلَا تَرَى): أَنَّهُ لَوْ أَدَّى خَمْسَمِائَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا، مِثْلَ الدَّيْنِ الَّذِي فِيهِ أَنَّ جِنَايَةَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ هَلْ تُعْتَبَرُ؟ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ لِتَفَرُّقِ الْعَقْدِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَا.
وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (﵏): لَا تُعْتَبَرُ جِنَايَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إذَا كَانَ جِنْسُ الدَّيْنِ وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَيْنِ لِمَالِكٍ وَاحِدٍ، وَلَا فَائِدَةَ فِي اعْتِبَارِ الْجِنَايَةِ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ الْجِنَايَةُ سَقَطَتْ الْأَلْفُ الَّتِي فِي الْمَقْتُولِ؛ لِفَوَاتِهِ لَا إلَى خَلْفٍ، وَإِنْ اُعْتُبِرَتْ سَقَطَتْ الْأَلْفُ الَّتِي فِي الْقَاتِلِ لَمَّا أُقِيمَ مَقَامَ الْمَقْتُولِ بِالدَّفْعِ بِالْجِنَايَةِ، وَلَا فَائِدَةَ لِلْمُرْتَهِنِ يَكُونُ السَّاقِطُ مِنْ دَيْنِهِ هَذَا الْأَلْفُ دُونَ تِلْكَ الْأَلْفِ فَلِهَذَا لَا تُعْتَبَرُ أَصْلًا، فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَضْلٌ عَلَى الدَّيْنِ فَاعْتِبَارُ الْجِنَايَةِ مُفِيدٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ فِي حِصَّةِ الْأَمَانَةِ عَلَى الرَّاهِنِ إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: إنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ قَامَ الْقَاتِلُ مَقَامَ الْمَقْتُولِ وَخَلَا مَكَانُ الْقَاتِلِ، فَيَصِيرُ هُوَ فِي مَعْنَى الْهَالِكِ يَسْقُطُ مَا فِيهِ مِنْ الدَّيْنِ وَيَتَحَوَّلُ إلَيْهِ مَا كَانَ فِي الْمَقْتُولِ فَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ بِقِيمَةِ الْمَقْتُولِ وَنِصْفُ الْقَاتِلِ مَضْمُونٌ فَحِصَّةُ ذَلِكَ مِنْ الْفِدَاءِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَنِصْفُهُ أَمَانَةٌ وَحِصَّةُ ذَلِكَ مِنْ الْفِدَاءِ عَلَى الرَّاهِنِ، فَيَغْرَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَمِائَةٍ ثُمَّ هَذِهِ الْقِيمَةُ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْمَقْتُولِ، فَيَكُونُ بِمَا كَانَ رَهْنًا فِي الْمَقْتُولِ، وَقَدْ فَرَغَ الْقَاتِلُ مِنْ الْجِنَايَةِ، فَيَبْقَى رَهْنًا عَلَى حَالِهِ وَلَوْ كَانَ فَقَأَ أَحَدُهُمَا عَيْنَ الْآخَرِ قِيلَ لَهُمَا: ادْفَعَاهُ أَوْ افْدِيَاهُ بِأَرْشٍ عَلَى الْآخَرِ لِمَا قُلْنَا فَإِنْ دَفَعَاهُ فَقَدْ خَلَا مَكَانُ الْجَانِي فَيَبْطُلُ مَا فِيهِ مِنْ الدَّيْنِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ
وَإِنْ فَدَيَاهُ كَانَ الْفِدَاءُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، وَكَانَ الْجَانِي رَهْنًا عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ فَرَغَ مِنْ الْجِنَايَةِ وَكَانَ الْفِدَاءُ رَهْنًا مَعَ الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي كَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ فَاتَ إلَى خَلْفٍ فَيَبْقَى الدَّيْنُ الَّذِي فِيهِ تَبَعًا لِلْخَلْفِ فَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: لَا أُبْقِي الْجِنَايَةَ وَأَدَعُ الرَّهْنَ عَلَى حَالِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ هَذِهِ الْجِنَايَةِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّ الْعَبْدَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْكُ الرَّاهِنِ، فَإِذَا لَمْ يَطْلُبْ الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ لَمْ تُعْتَبَرْ الْجِنَايَةُ، وَيُجْعَلُ كَأَنَّ الْعَيْنَ ذَهَبَتْ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ فَيَسْقُطُ نِصْفُ مَا كَانَ فِي الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ مِنْ الدَّيْنِ، وَالْبَاقِي رَهْنٌ عَلَى حَالِهِ بِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ الْجِنَايَةَ، فَقَالَ الرَّاهِنُ: أَنَا أَفْدِيهِ، وَقَالَ: الْمُرْتَهِنُ لَا أَفْدِي وَلَكِنِّي أَخْتَارُ الدَّفْعَ فَلِلرَّاهِنِ أَنْ يَفْدِيَ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْمَمْلُوكِ تُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلْمَالِكِ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ، فَلَا يُمْكِنُ لِلْمُرْتَهِنِ إبْطَالُ هَذَا الْخِيَارِ عَلَى الْمَالِكِ، وَلَيْسَ فِي اخْتِيَارِ الرَّاهِنِ الْفِدَاءَ ضَرَرٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، فَإِذَا فَدَاهُ بِأَرْشِ
стр. 4388
الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ نِصْفُ ذَلِكَ غُرْمًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ فِي النِّصْفِ الَّذِي هُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَالرَّاهِنُ غَيْرُ مُتَطَوِّعٍ فِي هَذَا الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ بِهِ مِلْكَهُ عَنْ الْجِنَايَةِ، فَلِهَذَا كَانَ نِصْفُ الْفِدَاءِ غُرْمًا لَهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي فَيَبْطُلُ مِنْ حَقِّهِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي نِصْفُهُ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ فِي هَذَا النِّصْفِ، وَيَبْقَى الْجَانِي رَهْنًا بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَالْمَفْقُوءَةُ عَيْنُهُ مَعَ الْفِدَاءِ رَهْنًا بِمَا كَانَ فِيهِ وَإِنْ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يَفْدِيَ وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: أَنَا أَفْدِي بِجَمِيعِ الْأَرْشِ فَدَى وَكَانَ مُتَطَوِّعًا فِيهِ لَا يَلْحَقُ الرَّاهِنُ مِمَّا فَدَى مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِفِدَاءِ مِلْكِ الْغَيْرِ وَلَمْ يَكُنْ مُجْبَرًا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ غَائِبًا فَفَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ كَانَ عَلَى الرَّاهِنِ: نِصْفُ ذَلِكَ الْفِدَاءِ دَيْنًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلِهِمَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا وَأَصْلُهُ فِي جِنَايَةِ الْمَرْهُونِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَبَيَانُهُ يَأْتِي فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ يُسَاوِي أَلْفًا وَهُوَ رَهْنٌ بِأَلْفٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، أَوْ فَقَأَ عَيْنَ نَفْسِهِ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَرْشٌ، وَهَذَا مِثْلُ بَلَاءٍ نَزَلَ بِهِ مِنْ السَّمَاءِ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ هَدَرٌ - حُرًّا كَانَ أَوْ مَمْلُوكًا - وَكَأَنَّهُ مَاتَ أَوْ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ، فَإِنْ كَانَ مَرْهُونًا بِمِثْلِ قِيمَتِهِ سَقَطَ بِذَهَابِ عَيْنِهِ نِصْفُ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ بِمِثْلِ نِصْفِ قِيمَتِهِ سَقَطَ بِذَهَابِ عَيْنِهِ رُبْعُ الدَّيْنِ
وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ أَمَةً تُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ فَوَلَدَتْ بِنْتًا تُسَاوِي أَلْفًا فَجَنَتْ الْبِنْتُ فَدُفِعَتْ بِهَا لَمْ يَبْطُلْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْبِنْتَ خَلَا مَكَانُهَا بِالدَّفْعِ، فَكَأَنَّهَا مَاتَتْ، فَإِذَا فَقَأَتْ الْأُمُّ عَيْنَ الْبِنْتِ، فَدُفِعَتْ الْأُمُّ وَأُخِذَتْ الْبِنْتُ فَهِيَ: رَهْنٌ بِأَلْفٍ كَامِلَةٍ مَكَانَ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ لَمَّا دُفِعَتْ بِالْجِنَايَةِ صَارَتْ كَأَمَةٍ أُخْرَى لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، فَتُعْتَبَرُ جِنَايَةُ الْأُمِّ عَلَيْهَا لِحَقِّ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، فَلِهَذَا تُدْفَعُ الْأُمُّ بِرِضَا الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ، وَتُؤْخَذُ الْبِنْتُ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْجُثَّةِ الْعَمْيَاءِ، ثُمَّ الْبِنْتُ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الْأَلْفِ مَكَانَ الْأُمِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَسْقُطُ نُقْصَانُ الْعَيْنَيْنِ مِنْ الدَّيْنِ، وَتَكُونُ الْبِنْتُ رَهْنًا بِمَا بَقِيَ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا فَقَأَتْ عَيْنَ عَبْدٍ آخَرَ، فَدُفِعَتْ وَأُخِذَ ذَلِكَ الْعَبْدُ فَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَائِمٌ مَقَامَ الْجَانِي حِينَ أُخِذَ بِدَفْعِ الْجَانِي، فَكَأَنَّ الْأَمَةَ مَرْهُونَةٌ بِمَا فِيهَا وَذَهَبَتْ عَيْنَاهَا فَيَسْقُطُ نُقْصَانُ الْعَيْنَيْنِ مِنْ الدَّيْنِ، وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إنَّمَا قَامَ مَقَامَ الْجَانِي عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ دُفِعَتْ بِفَقْءِ الْعَيْنَيْنِ، فَلَا يَسْتَنِدُ الدَّفْعُ وَالْأَخْذُ إلَى مَا قَبْلَ الْفَقْءِ فَتَبَيَّنَ: أَنَّ الْمَأْخُوذَ قَامَ مَقَامَ الْمَدْفُوعِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ لَمْ يَثْبُتْ فِي عَيْنِهِ، فَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا ذَهَبَتْ عَيْنَا الْأَمَةِ الْمَرْهُونَةِ، فَإِنْ مَاتَتْ الْبِنْتُ مَاتَتْ بِجَمِيعِ
стр. 4389
الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ أُمِّ الْمَدْفُوعَةِ وَبِمَوْتِهَا كَانَ يَسْقُطُ جَمِيعُ الدَّيْنِ، فَلِذَلِكَ يَمُوتُ مَنْ قَامَ مَقَامَهَا، فَإِنْ فَقَأَتْ الْبِنْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَيْنَيْ الْأُمِّ فَدُفِعَتْ وَأُخِذَتْ الْأُمُّ عَمْيَاءَ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ تَكُونَ رَهْنًا بِجَمِيعِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ الْبِنْتِ الْمَدْفُوعَةِ، وَلَكِنَّا نَدَعُ الْقِيَاسَ وَنَجْعَلُ الرَّهْنَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَقَدْ عَادَ إلَى حَالِهِ فَيَذْهَبُ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِ مَا نَقَصَ مِنْ الْعَيْنَيْنِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الدَّيْنِ كَانَ فِي الْأُمِّ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ وَعَادَ إلَيْهَا الْمَالُ فَسَقَطَ مَا تَخَلَّلَ بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ الزَّوَائِدِ وَتُجْعَلُ كَأَنَّهَا كَانَتْ مَرْهُونَةً إلَى الْآنَ، وَذَهَبَتْ عَيْنَاهَا وَعَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ (﵀): فِي الْقِيَاسِ: يَتَحَوَّلُ إلَى الْأُمِّ مَا زَادَ عَلَى نُقْصَانِ عَيْنَيْ الْبِنْتِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: يَتَوَزَّعُ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ الْأُمِّ، وَعَلَى نُقْصَانِ عَيْنِهَا، فَتَسْقُطُ حِصَّةُ نُقْصَانِ الْعَيْنَيْنِ، وَتَكُونُ هِيَ مَرْهُونَةٌ بِمَا بَقِيَ.
وَإِذَا اسْتَعَارَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ عَبْدَيْنِ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَلْفٌ فَرَهَنَهُمَا بِأَلْفٍ فَفَقَأَ أَحَدُهُمَا عَيْنَ الْآخَرِ ثُمَّ إنَّ الْمَفْقُوءَةَ عَيْنُهُ فَقَأَ عَيْنَ الْفَاقِئِ، فَإِنَّ الْمُسْتَعِيرَ يَفْتَكُّ الْعَبْدَيْنِ بِتِسْعِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى أَحْكَامٍ ثَلَاثَةٍ: حُكْمٍ بَيْنَ الْمُسْتَعِيرِ، وَالْمُرْتَهِنِ فِيمَا يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ وَمَا بَقِيَ، وَحُكْمٍ بَيْنَ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُعِيرِينَ فِيمَا يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهِ عَلَيْهِ، وَحُكْمٍ بَيْنَ الْمُعِيرِينَ، أَمَّا الَّذِي بَيْنَ الْمُسْتَعِيرِ، وَالْمُرْتَهِنِ فَيَقُولُ: رَهْنُ الْعَبْدَيْنِ مِنْهُ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ، فَكَأَنَّهُمَا جَمِيعًا عَلَى مِلْكِهِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ أَوَّلِ الْبَابِ: حِينَ فَقَأَ أَحَدُهُمَا عَيْنَ الْآخَرِ سَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ تَحَوَّلَ إلَى الْفَاقِئِ مِثْلُهُ بِاعْتِبَارِ جِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ، فَصَارَ الْفَاقِئُ مَرْهُونًا بِسِتِّمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، فَلَمَّا فَقَأَ الْآخَرُ عَيْنَهُ فَقَدْ فَاتَ نِصْفُهُ فَإِنَّمَا بَقِيَ فِيهِ ثَلَثُمِائَةٍ وَاثْنَا عَشَرَ، وَنِصْفٌ، وَسَقَطَ نِصْفُ ثَلَثِمِائَةٍ وَاثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ وَهُوَ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ وَرُبْعٌ تَحَوَّلَ مِثْلُهُ إلَى الْفَاقِئِ فَكَانَ السَّاقِطُ مِنْ الدَّيْنِ مَرَّةً مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً مِائَةً وَسِتَّةً وَخَمْسِينَ وَرُبْعًا، وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَاحِدٌ وَثَمَانُونَ، وَرُبْعٌ بَقِيَ مِنْ الْأَلْفِ سَبْعُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ فَيَقْبَلُهُمَا بِهَذَا.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الَّذِي بَيْنَ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُعِيرِينَ فَهُوَ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا صَارَ قَاضِيًا بِمِلْكِ الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ أَوَّلًا: مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَيَغْرَمُ لَهُ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ وَيَمْلِكُ مَوْلَى الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ أَخِيرًا مِائَةً وَسِتَّةً وَخَمْسِينَ وَرُبْعًا فَيَغْرَمُ لَهُ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الَّذِي بَيْنَ الْمُعِيرِينَ: فَإِنَّهُ يُجْبِرُ مَوْلَى الْعَبْدِ الْفَاقِئِ أَوَّلًا بِجِنَايَةِ عَبْدِهِ عَلَى عَبْدٍ غَيْرِهِ، وَيُقَالُ لَهُ: ادْفَعْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ عَبْدِكَ أَوْ افْدِهِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ أَرْشِ عَيْنِ الْعَبْدِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الرُّبْعِ مِنْ الْأَرْشِ قَدْ وَصَلَ إلَى مَوْلَى الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ، أَوَّلًا مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَعِيرِ، وَهُوَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، فَلِهَذَا بَقِيَ حُكْمُ الْجِنَايَةِ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ
стр. 4390
الْعَبْدِ، فَإِنْ دَفَعَهُ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ بِالدَّفْعِ صَارَ مَمْلُوكًا لِمَوْلَى الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ أَوَّلًا فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ جَنَى عَبْدُهُ عَلَى عَبْدِهِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَفِيهِ نَوْعُ شُبْهَةٍ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَدْفَعُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ، وَيَبْقَى الرُّبْعُ عَلَى مِلْكِهِ، وَفِي ذَلِكَ الْقَدْرِ يَجْعَلُ جِنَايَةَ الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ أَوَّلًا عَلَى مِلْكِ مَوْلَى الْفَاقِئِ فَكَأَنَّهُ ذَهَبَ وَهْمُ مُحَمَّدٍ (﵀) إلَى أَنَّ الدَّفْعَ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ، فَلِهَذَا قَالَ: لَيْسَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ شَيْءٌ، وَمِثْلُ هَذَا يَقَعُ إذَا طَالَ التَّفْرِيغُ، وَإِنْ فَدَاهُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ أَرْشِ الْعَيْنِ قِيلَ لِرَبِّ الْعَبْدِ الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ أَوَّلًا: ادْفَعْ مِنْ عَبْدِكَ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِهِ، وَثَلَاثَةَ أَثْمَانِ خُمُسِهِ وَنِصْفَ ثُمُنِ خُمُسِهِ أَوْ افْدِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنْ أَرْشِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْفَاقِئَ الْأَوَّلَ طَهُرَ عَنْ الْجِنَايَةِ حِينَ فَدَاهُ مَوْلَاهُ ثُمَّ قَدْ جَنَى عَلَيْهِ الْعَبْدُ الْمَفْقُوءَةُ عَيْنُهُ أَوَّلًا فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ جِنَايَتِهِ إلَى أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَعِيرِ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ، وَخَمْسُونَ وَرُبْعٌ، وَذَلِكَ خُمُسُ الْأَرْشِ، وَنِصْفُ خُمُسِهِ، وَنِصْفُ ثُمُنٍ خُمُسِهِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ خَمْسُمِائَةٍ، فَخَمْسُمِائَةٍ وَنِصْفُ خُمُسِهِ: خَمْسُونَ، وَسِتَّةٌ وَرُبْعُ نِصْفِ ثُمُنِهِ: خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّ ثُمُنَ الْمِائَةِ: اثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ، فَنِصْفُ ثُمُنُهَا: سِتَّةٌ وَرُبْعٌ، فَإِنَّمَا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ: ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ، وَثَلَاثَةُ أَثْمَانِ خُمُسِهِ، وَنِصْفُ ثُمُنِ خُمُسِهِ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ وَعَلَى ذَلِكَ يُسَلِّمُ لِصَاحِبِهِ وَلَا يَرْجِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ.
وَإِذَا كَانَ الرُّبْعُ أَمَةً تُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ جَنَتْ الْأُمُّ جِنَايَةً فَدُفِعَتْ بَقِيَ الْوَلَدُ بِخَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ انْقَسَمَ عَلَى قِيمَةِ الْأُمِّ وَقِيمَةِ الْوَلَدِ نِصْفَيْنِ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْوَلَدِ عَلَى هَذِهِ الْقِيمَةِ إلَى وَقْتِ الْهَلَاكِ، وَقَدْ بَقِيَ، فَالْأُمُّ لَمَّا دُفِعَتْ بِالْجِنَايَةِ خَلَا مَكَانُهَا فَكَأَنَّهَا مَاتَتْ فَلِهَذَا بَقِيَ الْوَلَدُ بِخَمْسِمِائَةٍ، فَإِنْ فَقَأَ الْوَلِيُّ عَيْنَيْ الْأُمِّ فَدُفِعَ بِهَا وَأُخِذَتْ الْأُمُّ عَادَتْ إلَى حَالِهَا الْأُولَى رَهْنًا بِأَلْفٍ غَيْرَ أَنَّهُ يَذْهَبُ مِنْ الْأَلْفِ بِحِسَابِ مَا ذَهَبَ مِنْ بَصَرِهَا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ حِينَ دَفَعَهَا، فَكَأَنَّهُ مَاتَ وَتَبَيَّنَ بِهِ بُطْلَانُ ذَلِكَ الِانْقِسَامِ، وَالْأُمُّ حِينَ أُخِذَتْ عَادَتْ رَهْنًا، كَمَا كَانَتْ بِجَمِيعِ الْأَلْفِ إلَّا أَنَّ عَيْنَهَا ذَهَبَتْ فَكَأَنَّهَا ذَهَبَتْ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ فَسَقَطَ حِصَّةُ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفِ.
وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ أَمَةً بِأَلْفٍ تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَاوِي أَلْفًا فَجَنَى أَحَدُهُمَا جِنَايَةً فَدُفِعَ بِهَا ثُمَّ فَقَأَتْ الْأُمُّ عَيْنَهُ فَدُفِعَتْ الْأُمُّ فَأُخِذَ الْوَلَدُ مَكَانَهَا فَهَذَا الْوَلَدُ الْأَعْمَى، وَالصَّحِيحُ بِالْأَلْفِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الْجَانِي حِينَ دُفِعَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَلَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِاعْتِبَارِهِ وَالْتَحَقَ هَذَا بِعَبْدٍ آخَرَ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ فَحِينَ فَقَأَتْ الْأُمُّ عَيْنَهُ فَدَفَعَتْ وَاحِدًا مَكَانَهَا قَامَ مَقَامَهَا وَقَبْلَ جِنَايَتِهَا كَانَتْ هِيَ مَعَ الْوَلَدِ الصَّحِيحِ بِالْأَلْفِ، فَكَذَلِكَ الْمَأْخُوذُ بِهَا مَعَ الصَّحِيحِ بِجَمِيعِ الْأَلْفِ فَإِنْ مَاتَ الْأَعْمَى ذَهَبَ نِصْفُ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأُمِّ، وَلَوْ مَاتَتْ
стр. 4391
الْأُمُّ سَقَطَ بِمَوْتِهَا نِصْفُ الدَّيْنِ فَكَذَلِكَ سَقَطَ بِمَوْتِ مَنْ قَامَ مَقَامَهَا فَإِنْ جَنَى الْوَلَدُ الْجَانِي عَلَى الْأُمِّ فَدُفِعَ وَأُخِذَتْ الْأُمُّ مَكَانَهُ عَادَ الرَّهْنُ عَلَى حَالِهِ، وَذَلِكَ مِنْ الْأَلْفِ بِحِسَابِ مَا انْتَقَصَ مِنْ الْأُمِّ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّهَا كَانَتْ مَرْهُونَةً فِي الْأَصْل وَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ فَيُجْعَلُ مَا انْتَقَصَ مِنْهَا بِالْجِنَايَةِ كَالثَّابِتِ مِنْ غَيْر صُنْعِ أَحَدٍ فَسَقَطَ حِصَّةُ ذَلِكَ مِنْ الدَّيْنِ اسْتِحْسَانًا، كَمَا بَيَّنَّا.
وَإِذَا اسْتَعَارَ عَبْدَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَاوِي أَلْفًا فَرَهَنَهُمَا بِأَلْفٍ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحْكَامٌ ثَلَاثَةٌ: كَمَا بَيَّنَّا، أَمَّا الْحُكْمُ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْتَعِيرِ، وَالْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ، وَالْقَاتِلُ رَهْنٌ بِتِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَا مَمْلُوكَيْنِ لَهُ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَهُنَاكَ سَقَطَ نِصْفُ مَا كَانَ فِي الْمَقْتُولِ مِنْ الدَّيْنِ وَتَحَوَّلَ نِصْفُهُ إلَى الْقَاتِلِ بِجِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ فَيَفْتَكُّ الْقَاتِلُ بِسَبْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَيَغْرَمُ لِمَوْلَى الْمَقْتُولِ مِائَةً وَخَمْسِينَ مِقْدَارَ مَا صَارَ قَابِضًا مِنْ دَيْنِهِ بِمِلْكِهِ يُقَالُ لِمَوْلَى الْقَاتِلِ: ادْفَعْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعٍ إلَى مَوْلَى الْمَقْتُولِ أَوْ افْدِهِ بِسَبْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَيْهِ رُبُعُ حَقِّهِ مِائَتَانِ، وَخَمْسُونَ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّمَا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ، وَلَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَلَكِنْ فَقَأَ عَيْنَهُ كَانَا جَمِيعًا رَهْنًا بِثَمَانِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ الْبَاقِي مِنْ ذَلِكَ سِتَّمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ بِذَهَابِ الْعَيْنِ فَاتَ نِصْفُهُ، وَحِصَّةُ ذَلِكَ مِنْ الدَّيْنِ مِائَتَانِ، وَخَمْسُونَ سَقَطَ نِصْفُهُ، وَتَحَوَّلَ نِصْفُهُ إلَى الْفَاقِئِ بِجِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ، وَقَدْ كَانَ فِي الْفَاقِئِ خَمْسُمِائَةٍ؛ فَلِهَذَا يُفْتَكُّ الْفَاقِئُ بِسِتِّمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، وَالْمَفْقُوءَةُ عَيْنُهُ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَيَرُدُّ الرَّاهِنُ عَلَى مَوْلَى الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا هَذَا الْقَدْرَ مِنْ دَيْنِهِ بِمِلْكِهِ ثُمَّ يُقَالُ لِمَوْلَى الْفَاقِئِ: ادْفَعْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ عَبْدِكَ أَوْ افْدِهِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ أَرْشِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَى مَوْلَى الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ رُبْعُ حَقِّهِ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ، وَذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ
وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ أَمَتَيْنِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ إنَّ إحْدَى الْأَمَتَيْنِ قَتَلَتْ صَاحِبَتَهَا بَطَلَ مِنْ الدَّيْنِ: اثْنَانِ وَسِتُّونَ دِرْهَمًا وَنِصْفٌ وَلَزِمَ الْقَاتِلَةَ مِنْ الْجِنَايَةِ مِائَةٌ وَسَبْعَةٌ وَثَمَانُونَ، وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّ مَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ الدَّيْنِ انْقَسَمَ عَلَيْهَا وَعَلَى قِيمَةِ وَلَدِهَا نِصْفَيْنِ فَحِينَ قَتَلَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، فَفِي الْمَقْتُولَةِ مِائَتَانِ، وَخَمْسُونَ فَالْفَارِغُ مِنْ الْقَاتِلَةِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا، وَبِقَدْرِ الْفَارِغِ مِنْ الْقَاتِلَةِ يَتَحَوَّلُ الدَّيْنُ مِنْ الْمَقْتُولَةِ إلَيْهَا، وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ: مِائَةٌ وَسَبْعَةٌ وَثَمَانُونَ وَنِصْفٌ، كُلُّ رُبُعٍ: اثْنَانِ وَسِتُّونَ وَنِصْفٌ، فَلِهَذَا سَقَطَ اثْنَانِ وَسِتُّونَ وَنِصْفٌ بِجِنَايَةِ الْمَشْغُولِ عَلَى الْمَشْغُولِ، وَتَحَوَّلَ مِائَةٌ، وَسَبْعَةٌ وَثَمَانُونَ وَنِصْفٌ إلَى الْقَاتِلَةِ بِجِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى
стр. 4392
الْمَشْغُولِ، فَإِنْ مَاتَ وَلَدُ الْقَاتِلَةِ بَطَلَ عَنْهَا مِنْ هَذِهِ الْجِنَايَةِ اثْنَانِ، وَسِتُّونَ وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا لَمَّا مَاتَ فَقَدْ بَطَلَ الِانْقِسَامُ فِيمَا كَانَ فِيهَا وَتَبَيَّنَ أَنَّ نِصْفَهَا كَانَ مَشْغُولًا، وَنِصْفَهَا فَارِغٌ فَإِنَّمَا يَتَحَوَّلُ مِنْ الْمَقْتُولَةِ إلَيْهَا بِقَدْرِ الْفَارِغِ وَذَلِكَ: مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَسَقَطَ مَا سِوَى ذَلِكَ، وَقَدْ كُنَّا أَسْقَطْنَا اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَنِصْفًا، فَسَقَطَ مِثْلُ ذَلِكَ لِيَكُونَ السَّاقِطُ مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَإِنْ مَاتَتْ بِنْتُ الْجَارِيَةِ الْمَقْتُولَةِ لَزِمَ الْقَاتِلَ مِنْ الْجِنَايَةِ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ انْقِسَامِ الدَّيْنِ بَيْنَ الْمَقْتُولَةِ، وَوَلَدِهَا حِينَ مَاتَ الْوَلَدُ وَتَبَيَّنَ أَنَّ جَمِيعَ الْخَمْسِمِائَةِ كَانَ فِيهَا، وَأَنَّ نِصْفَ ذَلِكَ سَقَطَ، وَتَحَوَّلَ نِصْفُهُ إلَى الْقَاتِلَةِ، وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ، فَلِهَذَا كَانَتْ الْقَاتِلَةُ رَهْنًا بِسَبْعِمِائَةِ وَخَمْسِينَ، وَالْوَلَدَانِ لَمَّا مَاتَا فَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا أَصْلًا
وَلَوْ كَانَ الْوَلَدَانِ جَنَيَا فَافْتَكَّهُمَا الرَّاهِنُ رَدَّ عَلَى مَوْلَى الْمَقْتُولَةِ اثْنَيْنِ، وَسِتِّينَ وَنِصْفًا مِقْدَارَ مَا صَارَ قَابِضًا مِنْ دَيْنِهِ بِمِلْكِهِ وَدَفَعَ مَوْلَى الْأَمَةِ الْقَاتِلَةِ كُلِّهَا إلَّا نِصْفَ ثَمَنِهَا أَوْ فَدَى بِتِسْعِمِائَةٍ، وَسَبْعَةٍ وَثَلَاثِينَ وَنِصْفٍ؛ لِأَنَّ الْوَاصِلَ إلَى مَوْلَى الْمَقْتُولِ اثْنَانِ وَسِتُّونَ وَنِصْفٌ، وَذَلِكَ: نِصْفُ ثُمُنِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْأَلْفِ قِيمَةُ الْمَقْتُولَةِ، وَثُمُنُ الْأَلْفِ: مِائَةٌ، وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، فَنِصْفُ ثُمُنِهَا: اثْنَانِ وَسِتُّونَ وَنِصْفٌ؛ فَلِهَذَا يَحُطُّ ذَلِكَ الْقَدْرَ عَنْ مَوْلَى الْقَاتِلَةِ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ فِيمَا بَقِيَ.
وَإِذَا رَهَنَ أَمَتَيْنِ بِأَلْفٍ تُسَاوِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَلْفًا، فَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ إنَّ أَحَدَ الْوَلَدَيْنِ قَتَلَ أُمَّهُ لَمْ يَلْحَقْهُ مِنْ الْجِنَايَةِ شَيْءٌ، وَذَهَبَتْ الْأُمُّ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، كَأَنَّهَا مَاتَتْ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الدَّيْنِ انْقَسَمَ عَلَيْهَا، وَعَلَى وَلَدِهَا نِصْفَيْنِ وَلَكِنَّ الْوَلَدَ جُزْءٌ مِنْهَا وَهُوَ تَابِعٌ لَهَا فِي حُكْمِ الرَّهْنِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ اعْتِبَارَ الْجِنَايَةِ لَحِقَ الْمُرْتَهِنَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ، فَيَجْعَلُ جِنَايَةَ الْوَلَدِ عَلَيْهَا فِي حُكْمِ الرَّهْنِ كَجِنَايَتِهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَلَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا كَانَ ذَلِكَ وَمَوْتُهَا سَوَاءً، فَكَذَلِكَ إذَا قَتَلَهَا وَلَدُهَا فَيَسْقُطُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الدَّيْنِ وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَلَوْ كَانَتْ الْأُمُّ هِيَ الَّتِي قَتَلَتْ وَلَدَهَا، أَوْ فَقَأَتْ عَيْنَهُ لَمْ يَسْقُطْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ الْوَلَدُ أَوْ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ أَحَدَ الْوَلَدَيْنِ قَتَلَ الْوَلَدَ الْآخَرَ كَانَتْ أُمُّ الْمَقْتُولِ وَثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الْقَاتِلِ رَهْنًا بِخَمْسِمِائَةٍ، وَخَمْسَةُ أَثْمَانِ الْقَاتِلِ وَأُمُّهُ رَهْنٌ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ قَبْلَ هَذِهِ وَلَكِنَّهُ أَبْهَمَ الْجَوَابَ هُنَاكَ، فَقَالَ: لَا يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ، وَهُنَا بَيَّنَ التَّقْسِيمَ فِي الْقَاتِلِ، وَجْهُ مَا ذَكَرْنَا هُنَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَلَدَيْنِ تَبَعٌ لِأُمِّهِ، فَالنِّصْفُ مِنْهُ تَبَعٌ لِلنِّصْفِ الْفَارِغِ، وَالنِّصْفُ تَبَعٌ لِلنِّصْفِ الْمَشْغُولِ وَقَدْ انْقَسَمَ الدَّيْنُ الَّذِي فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهَا، وَعَلَى وَلَدِهَا نِصْفَيْنِ فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْقَاتِلِ فَارِغٌ وَرُبْعُهُ مَشْغُولٌ
وَقَدْ
стр. 4393
جَنَى هَذَا الْفَارِغَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْفَارِغِ مِنْ الْمَقْتُولِ وَرُبْعُ الْمَشْغُولِ وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ جِنَايَةُ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ، وَذَلِكَ نِصْفُ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعٍ، وَنِصْفُ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعٍ يَكُونُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ، فَقَامَ نِصْفُ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهَا مَقَامَ الْفَائِتِ مِمَّا كَانَ مَشْغُولًا بِمَا كَانَ فِيهَا، فَلِهَذَا كَانَتْ أُمُّ الْمَقْتُولَةِ، وَثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الْقَاتِلِ رَهْنًا بِالْخَمْسِمِائَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي أُمِّ الْمَقْتُولَةِ وَخَمْسَةُ أَثْمَانِ الْقَاتِلِ وَأُمُّهُ رَهْنًا بِخَمْسِمِائَةٍ، فَإِنْ مَاتَ الْقَاتِلُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ نَمَاءً حَادِثًا، وَقَدْ هَلَكَ فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ الْقَاتِلُ وَمَاتَتْ أُمُّهُ ذَهَبَ رُبْعُ الدَّيْنِ حِصَّةُ مَا كَانَ فِيهَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ الْخَمْسَمِائَةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا انْقَسَمَتْ عَلَيْهَا، وَعَلَى وَلَدِهَا نِصْفَيْنِ، وَالْوَلَدُ بَاقٍ وَإِنَّمَا يَذْهَبُ بِمَوْتِهَا رُبْعُ الدَّيْنِ، وَلَوْ لَمْ تَمُتْ أُمُّهُ، وَمَاتَتْ الْأُخْرَى ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ خَمْسَةُ أَثْمَانِ خَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَثْمَانِ خَمْسِمِائَةٍ، وَفِي وَلَدِهَا مِثْلُ ذَلِكَ فَحِينَ قُتِلَ وَلَدُهَا تَحَوَّلَ إلَى الْقَاتِلِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَا كَانَ فِي الْمَقْتُولِ بِاعْتِبَارِ جِنَايَةِ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ، وَلَمْ يُحَوَّلْ الرُّبْعُ بِاعْتِبَارِ جِنَايَةِ الْمَشْغُولِ عَلَى الْمَشْغُولِ، فَكَانَ ذَلِكَ كَالْهَالِكِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ، فَيَعُودُ ذَلِكَ الْقَدْرُ إلَى أُمِّهِ، وَقَدْ كَانَ فِي أُمِّهِ نِصْفُ الْخَمْسِمِائَةِ، وَعَادَ إلَيْهَا رُبْعُ النِّصْفِ الْآخَرِ، وَذَلِكَ خَمْسَةُ أَثْمَانِ خَمْسِمِائَةٍ فَيَسْقُطُ ذَلِكَ بِمَوْتِهَا وَيَبْقَى فِي عُنُقِ الْقَاتِلِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ خَمْسِمِائَةٍ، وَذَلِكَ مِائَةٌ وَسَبْعَةٌ وَثَمَانُونَ، وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ ثُمُنٍ اثْنَانِ وَسِتُّونَ وَنِصْفٌ مَعَ مَا كَانَ فِي عُنُقِهِ، وَهُوَ خَمْسُونَ وَمِائَتَانِ مِنْ دَيْنِ أُمِّهِ، فَيَقْبَلُهُمَا الرَّاهِنُ بِذَلِكَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا شُبْهَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَا فِيهَا مِنْ الْإِشْكَالِ فِيمَا سَبَقَ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدَيْنِ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ بِأَلْفٍ، فَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَةً قِيمَتُهَا قَلِيلَةٌ أَوْ كَثِيرَةٌ، فَدُفِعَتْ بِهِ ثُمَّ وَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدًا يُسَاوِي الْأُمَّ ثُمَّ قَتَلَتْ إحْدَى الْأَمَتَيْنِ ابْنَ الْأُخْرَى أَوْ قَتَلَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ صَاحِبَهُ، فَهَذَا كَالْأَوَّلِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّخْرِيجِ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَمَةٍ دُفِعَتْ بِعَبْدٍ هِيَ قَائِمَةٌ مَقَامَهُ فِي حُكْمِ الرَّهْنِ، فَهَذَا وَمَا لَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِي الْأَمَتَيْنِ فِي الِابْتِدَاءِ سَوَاءٌ.
وَإِذَا ارْتَهَنَ أَمَةً وَعَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يُسَاوِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفَ دِرْهَمٍ فَوَلَدَتْ الْأَمَةُ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا فَهِيَ، وَوَلَدُهَا بِخَمْسِمِائَةٍ، وَالْعَبْدُ بِخَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ زِيَادَةٌ فِيمَا كَانَ فِي أَمَةٍ خَاصَّةٍ فَإِنْ جَنَى وَلَدُهَا عَلَى إنْسَانٍ فَدُفِعَ بِهِ لَمْ يَبْطُلْ مِنْ الرَّهْنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ خَلَا مَكَانُهُ بِالدَّفْعِ، فَكَأَنَّهُ مَاتَ، فَإِنْ فَقَأَ الْوَلَدُ عَيْنَيْ الْعَبْدِ جَمِيعًا فَأُخِذَ الْوَلَدُ وَدُفِعَ الْعَبْدُ، فَالْوَلَدُ بِخَمْسِمِائَةٍ خَاصَّةً، وَأَمَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمَّا دُفِعَ صَارَ كَعَبْدٍ آخَرَ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، فَإِذَا فَقَأَ عَيْنَيْ الْعَبْدِ فَدُفِعَ الْعَبْدُ وَأُخِذَ الْوَلَدُ قَامَ الْوَلَدُ مَقَامَ الْعَبْدِ وَتَحَوَّلَ إلَيْهِ مَا كَانَ فِي الْعَبْدِ مِنْ الدَّيْنِ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ فَإِنْ قَتَلَتْ الْأُمُّ الْوَلَدَ أَوْ قَتَلَ الْوَلَدُ الْأُمَّ، فَالْقَاتِلُ مِنْهُمَا
стр. 4394
بِتِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ بِمَنْزِلَةِ مَسْأَلَةِ أَوَّلِ الْبَابِ إذَا كَانَ الرَّهْنُ عَبْدَيْنِ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِنْ قَتَلَ الْعَبْدُ الْمَدْفُوعُ هَذَا الْقَاتِلَ فَدُفِعَ بِهِ كَانَ رَهْنًا بِتِسْعِمِائَةٍ، وَخَمْسِينَ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْمَقْتُولِ إلَّا أَنْ قُدِّرَ أَنَّ نُقْصَانَ الْعَيْنَيْنِ يَسْقُطُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ كَانَ رَهْنًا فِي الِابْتِدَاءِ وَعَادَ رَهْنًا، كَمَا كَانَ وَمَا تَخَلَّلَ مِنْ الزَّوَالِ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْسَانِ يَصِيرُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَكَأَنَّهُ ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ فَيَسْقُطُ نُقْصَانُ الْعَيْنَيْنِ بِمَا فِيهِ مِنْ الدَّيْنِ وَيَفْتَكُّهُ بِمَا بَقِيَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ جِنَايَةِ الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ]
(بَابُ جِنَايَةِ الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَالْمُرْتَهِنِ) (قَالَ ﵀): وَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَهُوَ رَهْنٌ بِأَلْفٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَجَنَى عَلَى الرَّاهِنِ جِنَايَةَ خَطَأٍ فِي نَفْسٍ أَوْ دُونِهَا فَالْجِنَايَةُ بَاطِلَةٌ، وَهُوَ رَهْنٌ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ، وَجِنَايَةُ الْمَمْلُوكِ عَلَى الْمَالِكِ فِيمَا يُوجِبُ الْمَالَ يَكُونُ هَدَرًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَنَى عَلَى غَيْرِهِ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ بِهِ مِلْكُ الْمَوْلَى وَمَالِيَّتُهُ فِيهِ فَإِذَا جَنَى عَلَيْهِ لَا يَثْبُتُ لَهُ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةُ لِلْقِصَاصِ فَالْمُسْتَحَقُّ بِهِ دَمُهُ، وَالْمَوْلَى مِنْ دَمِهِ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ.
(أَلَا تَرَى): أَنَّ إقْرَارَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ بَاطِلٌ، وَبِالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ صَحِيحٌ، وَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ بَاطِلٌ تَوْضِيحُهُ: أَنَّ الْجِنَايَةَ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ عَلَى الْمَرْهُونِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِحَقِّ الْمَالِكِ، كَمَا قَبْلَ الرَّهْنِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَيْسَ فِي اعْتِبَارِ جِنَايَتِهِ عَلَى الرَّاهِنِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ بَلْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ فَكَانَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ كَأَنَّهُ لَيْسَ اعْتِبَارَ الْجِنَايَةِ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْجِنَايَةُ عَلَى مَمْلُوكِ الرَّاهِنِ، أَوْ عَلَى مَتَاعِهِ فَلَيْسَ فِي اعْتِبَارِهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ، وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا لِحَقِّ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِهِ مَالِيَّتُهُ، فَلَا يُعْتَبَرُ أَصْلًا.
وَلَوْ كَانَ جَنَى عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي نَفْسٍ أَوْ فِيمَا دُونِهِمَا جِنَايَةَ خَطَأٍ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (﵀) هُوَ هَدَرٌ أَيْضًا.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) هُوَ مُعْتَبَرٌ فَيُخَاطَبَانِ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ جَنَى عَلَى أَجْنَبِيٍّ آخَرَ، وَجْهُ قَوْلِهِمَا: أَنَّ الْمُرْتَهِنَ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْعَيْنِ وَالْمُسْتَحَقُّ بِالْجِنَايَةِ مِلْكُ الْعَبْدِ وَإِذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ مِنْهُ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ يَعْتَبِرُ جِنَايَتَهُ عَلَيْهِ كَمَا يَعْتَبِرُ عَلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِمَا مُسْتَقِيمٌ فَإِنَّ عِنْدَهُمَا: جِنَايَةُ الْمَغْصُوبِ عَلَى الْغَاصِبِ مُعْتَبَرَةٌ، فَكَذَلِكَ جِنَايَةُ الْمَرْهُونِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ غَيْرَ مَالِكٍ ثُمَّ فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ فَائِدَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا اخْتَارَا الدَّفْعَ تَمَلَّكَ الْمُرْتَهِنُ الْعَيْنَ أَوْ مَنْ يَخْلُفُهُ إنْ كَانَ قُتِلَ
وَإِنْ
стр. 4395
كَانَ سَقَطَ حَقُّهُ فِي الدَّيْنِ، وَلَكِنْ بِضَمَانِ الدَّيْنِ مَا كَانَ يَثْبُتُ لَهُ مِلْكُ الْعَيْنِ فَرُبَّمَا يَكُونُ لَهُ فِي مِلْكِ الْعَيْنِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فَيَسْتَفِيدُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْجِنَايَةِ وَرُبَّمَا يَكُونُ بَقَاءُ الدَّيْنِ مَعَ الْتِزَامِ الْفِدَاءِ أَنْفَعُ لَهُ فَفِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ لَهُ تَوْفِيرُ النَّظَرِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ اعْتِبَارَ الْجِنَايَةِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ صَحِيحٌ وَبِهِ فَارَقَ مَا لَوْ جَنَى عَلَى مَالِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلْمُرْتَهِنِ فِي اعْتِبَارِ تِلْكَ الْجِنَايَةِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا الْمِلْكَ وَلَكِنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالدَّيْنِ مَالِيَّةُ الْعَبْدِ فَتُبَاعُ فِيهِ أَوْ يَقْضِيهَا الْمَوْلَى، وَذَلِكَ مُسْتَحَقٌّ لَهُ بِدَيْنِهِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي اعْتِبَارِ جِنَايَتِهِ عَلَى مَالِهِ، فَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ وَأَبُو حَنِيفَةَ (﵀) يَقُولُ: الْمُرْتَهِنُ فِي الرَّهْنِ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِكِ فِي حُكْمِ جِنَايَتِهِ
(أَلَا تَرَى): أَنَّهُ لَوْ جَنَى عَلَى غَيْرِهِ كَانَ الْفِدَاءُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ مَالِكًا فَكَذَلِكَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ يُجْعَلُ كَالْمَالِكِ فَلَا تُعْتَبَرُ جِنَايَتُهُ عَلَيْهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَصْلَ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي بَدَلِ الْفَائِتِ وَهُوَ الْأَرْشُ إلَّا أَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ مِنْ ذَلِكَ بِدَفْعِ الْعَبْدِ إنْ شَاءَ وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ جِنَايَتِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي اسْتِحْقَاقِ أَصْلِ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ ذَلِكَ كَانَ قَرَارُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَجِبُ عَلَى نَفْسِهِ أَرْشُ الْجِنَايَةِ وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ جِنَايَتِهِ لِمَنْفَعَةِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ فِي الْعَبْدِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِاخْتِيَارِ الرَّاهِنِ وَالرَّاهِنُ لَا يَخْتَارُ ذَلِكَ خُصُوصًا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ الْفِدَاءِ شَيْءٌ فَصَارَ هَذَا وَجِنَايَتُهُ عَلَى مَالِ الْمُرْتَهِنِ سَوَاءٌ.
(أَلَا تَرَى): أَنَّ فِي جَانِبِ الرَّاهِنِ سَوَّى بَيْنَ جِنَايَةِ الْمَغْصُوبِ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَوْ عَلَى الْغَاصِبِ، وَالْمَرْهُونُ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، كَمَا أَنَّ الْمَغْصُوبَ مَضْمُونٌ عَلَى الْغَاصِبِ فَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي جَانِبِ الضَّمَانِ فَقَالَ: لَا تُعْتَبَرُ جِنَايَةُ الْمَرْهُونِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، كَمَا لَا تُعْتَبَرُ جِنَايَةُ الْمَغْصُوبِ عَلَى الْغَاصِبِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي جَانِبِ الْمَالِكِ فَقَالَ: ضَمَانُ الْغَاصِبِ إذَا تَقَرَّرَ وَجَبَ الْمِلْكُ، فَإِذَا اعْتَبَرْنَا جِنَايَتَهُ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ فَتَبَيَّنَ: أَنَّ الْعَبْدَ جَنَى عَلَى غَيْرِ مِلْكِهِ، فَلِهَذَا اُعْتُبِرَ فَأَمَّا ضَمَانُ الرَّهْنِ، وَإِنْ تَقَرَّرَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، فَلَا يُوجِبُ الْمِلْكَ لَهُ فِي الْعَيْنِ، فَلَا يَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّ جِنَايَتَهُ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ مَالِكِهِ فَلِهَذَا كَانَ هَدَرًا فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْمَرْهُونَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَضْمُونُ الْمَالِيَّةِ كَالْمَغْصُوبِ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ عَيْنَهُ أَمَانَةٌ كَالْوَدِيعَةِ فَلِاعْتِبَارِ أَنَّهُ كَالْأَمَانَةِ مِنْ وَجْهٍ تُجْعَلُ جِنَايَتُهُ عَلَى الْمَالِكِ هَدَرًا وَلِاعْتِبَارِ أَنَّهُ كَالْمَغْصُوبِ مِنْ وَجْهٍ تُجْعَلُ جِنَايَتُهُ عَلَى الضَّامِنِ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْهُ عَلَى ابْنِ الرَّاهِنِ أَوْ ابْنِ الْمُرْتَهِنِ كَانَ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ يَدْفَعُ بِهَا أَوْ يُفْدِي بِمَنْزِلَةِ جِنَايَتِهِ قَبْلَ عَقْدِ الرَّهْنِ قَالَ: لِأَنَّ ابْنَ الرَّاهِنِ وَابْنَ الْمُرْتَهِنِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ وَمَالِيَّتِهِ كَأَجْنَبِيٍّ، فَجِنَايَتُهُ عَلَيْهِمَا تُوجِبُ الدَّفْعَ أَوْ الْفِدَاءَ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ): أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ جِنَايَتُهُ عَلَى
стр. 4396
ابْنِ الرَّاهِنِ وَلَا عَلَى ابْنِ الْمُرْتَهِنِ إذَا كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِتَرِكَةِ ابْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْأَرْشُ هُنَا لَوَجَبَ لَهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَمَا لَا تُعْتَبَرُ جِنَايَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْفَائِدَةِ فَكَذَلِكَ لَا تُعْتَبَرُ جِنَايَتُهُ عَلَى ابْنِ أَحَدِهِمَا.
وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَيْنِ وَالدَّيْنُ أَلْفًا فَجَنَى عَلَى الرَّاهِنِ أَوْ عَلَى مَالِهِ كَانَتْ الْجِنَايَةُ بَاطِلَةً؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ مَضْمُونٌ، وَنِصْفَهُ أَمَانَةٌ وَحِينَ كَانَ الْكُلُّ مَضْمُونًا لَمْ تُعْتَبَرْ جِنَايَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ، وَعَلَى مَالِهِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ هُنَا أَوْلَى، وَلَوْ جَنَى عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي نَفْسِهِ أَوْ رَقِيقِهِ قِيلَ لِلرَّاهِنِ ادْفَعْهُ، أَوْ افْدِهِ أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَغَيْرُ مُشْكِلٍ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (﵀): فَجِنَايَتُهُ هُنَا مُعْتَبَرَةٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ): أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَحْبُوسٌ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَلَا تُعْتَبَرُ جِنَايَتُهُ عَلَيْهِ، كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَوْلَى، وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ النِّصْفَ مِنْهُ أَمَانَةٌ هُنَا وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ جِنَايَتِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ، وَجِنَايَةُ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمُودِعِ مُعْتَبَرَةٌ
وَلَوْ جَنَى عَلَى أَجْنَبِيٍّ كَانَ الْفِدَاءُ فِي هَذَا النِّصْفِ عَلَى الرَّاهِنِ فَإِذَا جَنَى عَلَى الْمُرْتَهِنِ كَانَ فِي اعْتِبَارِ جِنَايَتِهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ فَلِهَذَا تُعْتَبَرُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
وَعَنْ زُفَرَ (﵀) قَالَ: لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُبْطِلَ الرَّهْنَ ثُمَّ يُطَالِبَ بِمُوجَبِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي جَانِبِ الْمُرْتَهِنِ، فَيَتَمَكَّنُ مِنْ إبْطَالِهِ، وَإِذَا أَبْطَلَهُ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ مِنْهُ مَضْمُونٌ، وَقَدْ صَارَ مُسْتَحَقًّا، كَفِعْلِهِ عِنْدَ الضَّامِنِ، فَكَيْفَ يَتَمَكَّنُ مِنْ إبْطَالِ الرَّهْنِ فِي ذَلِكَ النِّصْفُ إلَّا أَنْ يَبْطُلَ حَقُّهُ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِهَذَا الْوُجُوبِ مَعْنًى ثُمَّ التَّخْرِيجُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنْ يُقَالَ لِلرَّاهِنِ: ادْفَعْهُ أَوْ افْدِهِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ هُوَ الْمَالِكُ لِلْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ فِي جِنَايَةِ عَبْدِهِ فَإِنْ دَفَعَهُ وَقَبِلَهُ الْمُرْتَهِنُ بِذَلِكَ صَارَ عَبْدًا لَهُ وَبَطَلَ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الرَّاهِنِ تَلِفَ بِفِعْلِهِ، فَهُوَ أُسْوَةُ الْعَبْدِ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ فَيَكُونُ كَالْهَالِكِ فِي يَدِهِ فِي حُكْمِ سُقُوطِ الدَّيْنِ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى أَجْنَبِيٍّ فَدَفَعَاهُ بِهِ وَإِنْ فَدَاهُ كَانَ عَلَى الرَّاهِنِ نِصْفُ الْفِدَاءِ، حِصَّةُ الْأَمَانَةِ وَنِصْفُ الْفِدَاءِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ حِصَّةُ الْمَضْمُونِ فَتَسْقُطُ حِصَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى نَفْسِهِ دَيْنًا، وَيَسْتَوْفِي مِنْ الرَّاهِنِ حِصَّتَهُ مِنْ الْفِدَاءِ، وَيَكُونُ الْعَبْدُ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ فَرَغَ مِنْ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: لَا أُبْقِي الْجِنَايَةَ، فَهُوَ رَهْنٌ، وَعَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْجِنَايَةِ لَحِقَهُ فَإِذَا سَقَطَ حَقُّهُ بَقِيَ مَرْهُونًا عَلَى حَالِهِ.
وَإِذَا أَفْسَدَ مَتَاعًا لِلْمُرْتَهِنِ وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ وَهُوَ رَهْنٌ بِأَلْفٍ فَإِنْ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ أَخَذَهُ بِقِيمَةِ الْمَتَاعِ فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَى الرَّاهِنِ فَإِنْ شَاءَ قَضَى عَنْهُ نِصْفَ ذَلِكَ الدَّيْنِ، وَجَعَلَ نِصْفَهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، فَإِذَا قَضَى الرَّاهِنُ نِصْفَ ذَلِكَ الدَّيْنِ فَرَغَ حِصَّةُ الْأَمَانَةِ مِنْهُ وَحِصَّةُ الْمَضْمُونِ فَارِغَةٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ
стр. 4397
الْمُرْتَهِنَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى نَفْسِهِ دَيْنًا فَيَكُونُ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ وَإِنْ كَرِهَهُ بِيعَ الْعَبْدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الَّذِي هُوَ أَمَانَةٌ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ حِينَ أَبَى الْمَالِكُ أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ وَبَعْدَ بَيْعِهِ لَا يُمْكِنُ إيفَاءُ الرَّهْنِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ لِأَجْلِ الشُّيُوعِ، فَالشُّيُوعُ الطَّارِئُ فِي الرَّهْنِ كَالْمُقَارَنِ وَفِي بَيْعِ الْكُلِّ جُمْلَةً تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِمَا؛ فَلِهَذَا يُبَاعُ الْعَبْدُ كُلُّهُ وَيُقْضَى مِنْهُ ثُمُنُ الدَّيْنِ، فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الثُّمُنِ شَيْءٌ أَخَذَ الرَّاهِنُ نِصْفَهُ وَالْمُرْتَهِنُ نِصْفَهُ قَلَّ الدَّيْنُ أَوْ كَثُرَ؛ لِأَنَّ نِصْفَ مَا بَقِيَ بَدَلُ الْأَمَانَةِ فَيُسَلَّمُ لِلرَّاهِنِ، وَنِصْفُهُ بَدَلُ الْمَضْمُونِ فِي الدَّيْنِ فَيَسْتَوْفِيهِ الْمُرْتَهِنُ قَضَاءً مِنْ دَيْنِهِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَقِّهِ تَاوٍ لِتَلَفِ الْمَالِيَّةِ بِفِعْلٍ بَاشَرَهُ الْعَبْدُ فِي ضَمَانِهِ.
وَإِذَا قَتَلَ الرَّهْنُ مَوْلَاهُ أَوْ الْمُرْتَهِنَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالْعَمْدِ دَمُهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي دَمِهِ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ، وَإِذَا قُتِلَ قِصَاصًا سَقَطَ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ تَلِفَتْ بِسَبَبٍ بَاشَرَهُ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ، وَالدَّيْنُ أَلْفٌ فَقَتَلَ الْمُرْتَهِنَ عَمْدًا، فَعَفَا أَحَدُ اثْنَيْنِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلرَّاهِنِ وَلِلَّذِي جَنَى: ادْفَعَا نِصْفَ الْعَبْدِ إلَى الَّذِي لَمْ يَعْفُ أَوْ افْدِيَاهُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ نِصْفِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ بِعَفْوِ أَحَدِهِمَا انْقَلَبَ نَصِيبُ الْآخَرِ مَالًا، وَثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمَالِكِ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَالْخِطَابُ بِالدَّفْعِ يَكُونُ مَعَ الْمَالِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الدَّفْعِ إلَّا بِرِضَا الْعَافِي بِمَالِهِ مِنْ الْحَقِّ فِيهِ بِاعْتِبَارِ الرَّهْنِ عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ عَنْ الْمُرْتَهِنِ؛ فَلِهَذَا قَالَ: يُقَالُ لَهُمَا ادْفَعَا وَإِنَّمَا يَدْفَعَانِ نِصْفَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الَّذِي لَمْ يَعْفُ فِي نِصْفِ الْجِنَايَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ جِنَايَتَهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ أَنَّهُمَا إذَا اخْتَارَا الدَّفْعَ دُفِعَ جَمِيعُ الْعَبْدِ إلَى الْمُرْتَهِنِ، فَكَذَلِكَ يُدْفَعُ إلَى أَحَدِ ابْنَيْهِ نِصْفُ الْعَبْدِ وَبَطَلَ نِصْفُ الدَّيْنِ بِدَفْعِ النِّصْفِ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ دَفَعَ جَمِيعَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ بَطَلَ جَمِيعُ الدَّيْنِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ نِصْفَ هَذَا الْمَدْفُوعِ مِمَّا كَانَ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ، فَسَقَطَ نِصْفُ الدَّيْنِ بِاعْتِبَارِ فَوَاتِهِ، وَكَانَ لَهُمَا عَلَى الرَّاهِنِ نِصْفُ الدَّيْنِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ قَدْ بَطَلَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ لِأَجْلِ الشُّيُوعِ فَيَرْجِعَانِ عَلَى الرَّاهِنِ بِنِصْفِ الدَّيْنِ وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَاهُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ نِصْفِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ عَلَى الرَّاهِنِ رُبْعَ الدِّيَةِ: حِصَّةُ الَّذِي لَمْ يَعْفُ مِنْ النِّصْفِ الَّذِي هُوَ أَمَانَةٌ وَعَلَى الْعَافِي عَنْ الدِّيَةِ: حِصَّةُ نَصِيبِهِ مِنْ الْمَضْمُونِ بِالدَّيْنِ فَيَكُونُ جُمْلَةُ مَا عَلَيْهِمَا: ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الدِّيَةِ، فَإِذَا فَدَيَاهُ بِذَلِكَ فَرَغَ الْعَبْدُ مِنْ الْجِنَايَةِ فَكَانَ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ بِالدَّيْنِ.
وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ رَهْنًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ بِأَلْفٍ وَهُوَ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا عَمْدًا، وَلَهُ وَلِيَّانِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ الْبَاقِي، وَلِلَّذِي عَفَا: ادْفَعُوا نِصْفَ الْعَبْدِ إلَى الَّذِي لَمْ يَعْفُ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ انْقَلَبَ مَالًا بِعَفْوِ
стр. 4398
صَاحِبِهِ، كَمَا فِي (الْفَصْلِ الْأَوَّلِ) فَإِنْ دَفَعُوهُ بَطَلَ الرَّهْنُ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ لِلشُّيُوعِ، فَبَطَلَ نِصْفُ الدَّيْنِ، فَكَانَ نِصْفُ الرَّاهِنِ بَيْنَهُمْ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ فَدَوْهُ بِسَبْعَةِ أَثْمَانِ نِصْفِ الدِّيَةِ، فَعَلَى الرَّاهِنِ مِنْ ذَلِكَ: أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ حِصَّةُ الْأَمَانَةِ مِمَّا انْقَلَبَ مَالًا مِنْ الْجِنَايَةِ وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ الْبَاقِي سَهْمَانِ: حِصَّةُ الْمَضْمُونِ بِدَيْنِهِ مِنْ هَذَا النِّصْفِ وَعَلَى الْمَوْلَى الَّذِي عَلَى حِصَّةِ الْمَضْمُونِ بِدَيْنِهِ مِنْ هَذَا النِّصْفِ، وَقَدْ سَقَطَتْ حِصَّةُ الْمَضْمُونِ بِدَيْنِ الَّذِي لَمْ يَعْفُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَجَبَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ جِنَايَةِ الرَّهْنِ عَلَى غَيْرِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ]
(بَابُ جِنَايَةِ الرَّهْنِ عَلَى غَيْرِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ) (قَالَ ﵀): وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ رَهْنًا بِأَلْفٍ وَهُوَ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ فَقَتَلَ رَجُلًا خَطَأً، فَإِنْ شَاءَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ دَفَعَاهُ وَبَطَلَ الرَّهْنُ، وَإِنْ شَاءَا فَدَيَاهُ بِالدِّيَةِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّصْفِ، وَكَانَ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِالدَّفْعِ هُوَ الْمَالِكُ؛ لِأَنَّ فِي الدَّفْعِ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهَا مَنْ هُوَ مَالِكٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الدَّفْعَ هُنَا بِدُونِ رِضَا الْمُرْتَهِنِ فَرُبَّمَا يَكُونُ الْفِدَاءُ أَنْفَعَ لِلْمُرْتَهِنِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي جِنَايَةِ الرَّهْنِ مَرْعِيٌّ؛ فَلِهَذَا قَالَ: يُخَاطَبَانِ بِالدَّفْعِ، وَإِذَا دَفَعَاهُ، وَقَدْ تَلِفَ مِلْكُ الرَّاهِنِ فِيهِ بِسَبَبٍ كَانَ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ؛ فَلِهَذَا سَقَطَ دَيْنُهُ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ الرَّاهِنُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ يُقَدَّمُ الْفِكَاكُ عَلَى الْبَيْعِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّ الْبَائِعَ افْتَكَّهُ ثُمَّ بَاعَهُ؛ فَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ وَهُنَا لَا يُقَدَّمُ الْفِكَاكُ عَلَى الدَّفْعِ بَلْ يُدْفَعُ بِالْجِنَايَةِ وَهُوَ مَرْهُونٌ لِأَنَّهُ جَنَى وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا يُسْتَحَقُّ دَفْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْهُ فِيهَا؛ فَلِهَذَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ يُوَضِّحُهُ: أَنَّ بِالْبَيْعِ يَفُوتُ الْمِلْكُ إلَى بَدَلٍ، وَهُوَ الثُّمُنُ، فَيَبْقَى حَقُّ الْمُرْتَهِنِ بِبَقَاءِ بَدَلٍ صَالِحٍ لِلْإِشْغَالِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَفِي الدَّفْعِ بِالْجِنَايَةِ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ.
وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَيَاهُ بِالدِّيَةِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ مَضْمُونٌ، وَنِصْفَهُ أَمَانَةٌ وَالْفِدَاءُ فِي الْمَضْمُونِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ، وَقَدْ أَشْرَفَتْ مَالِيَّتُهُ عَلَى الْهَلَاكِ وَبِالْفِدَاءِ يَحْيَا، وَفِيهِ إبْقَاءُ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَكَانَ الْفِدَاءُ فِي الْمَضْمُونِ عَلَيْهِ؛ لِهَذَا وَفِي النِّصْفِ الَّذِي هُوَ أَمَانَةٌ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَنْزِلَةِ أُجْرَةِ الطَّبِيبِ، وَثَمَنِ الْأَدْوِيَةِ، فَإِنْ فَدَيَاهُ فَقَدْ فَرَغَ مِنْ الْجِنَايَةِ فَيَكُونُ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ بِالدَّيْنِ فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَدْفَعُ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَفْدِي فَلَيْسَ يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: ادْفَعْ فَهُوَ غَيْرُ مَالِكٍ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَمْلِكَ غَيْرَهُ وَإِنْ قَالَ: الرَّاهِنُ ادْفَعْ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمْلِيكِهِ بِبَدَلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَهُوَ الْبَيْعُ فَلَأَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْ تَمَلُّكِهِ لَا بِبَدَلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ
стр. 4399
الْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَانَ أَوْلَى فَإِنْ دَفَعَهُ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ غَائِبٌ فَلِلْمُرْتَهِنِ إذَا قَدِمَ أَنْ يُبْطِلَ دَفْعَهُ وَأَنْ يَفْدِيَهُ؛ لِأَنَّ فِي دَفْعِهِ ضَرَرًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَلَيْسَ فِي فِدَاءِ الْمُرْتَهِنِ ضَرَرٌ عَلَى الرَّاهِنِ
وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَهُ الْمُرْتَهِنُ، وَالرَّاهِنُ غَائِبٌ فَالْمُرْتَهِنُ غَيْرُ مَالِكٍ فَكَانَ دَفْعُهُ بَاطِلًا، إذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ الرَّاهِنُ فَإِنْ فَدَاهُ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ غَائِبٌ، فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ بِالْفِدَاءِ يَطْهُرُ مِلْكُهُ عَنْ الْجِنَايَةِ وَلَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ شَيْءٍ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ؛ فَإِنَّهُ إذَا حَضَرَ فَإِمَّا أَنْ يُسَاعِدَهُ عَلَى ذَلِكَ فَيَرُدَّ عَلَيْهِ نِصْفَ مَا فَدَاهُ بِهِ أَوْ يَأْبَى ذَلِكَ فَيَكُونُ الْمَرْهُونُ هَالِكًا فِي حَقِّهِ وَيَسْقُطُ دَيْنُهُ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الرَّاهِنُ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ الرَّاهِنُ مُتَبَرِّعًا فِي الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ تَطْهِيرَ مِلْكِهِ عَنْ الْجِنَايَةِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي نَصِيبِ الْمُرْتَهِنِ كَالْمُعِيرِ لِلرَّهْنِ إذَا قَضَى الدَّيْنَ ثُمَّ إنْ رَدَّ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ نِصْفَ الْفِدَاءِ بَقِيَ مَرْهُونًا، كَمَا لَوْ فَدَيَاهُ بِهِ، وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ حِينَ أَبَى الْفِدَاءَ فَقَدْ رَضِيَ بإتوائه، فَيُجْعَلُ فِي حَقِّهِ كَأَنَّهُ هَلَكَ، وَمَا تَوَصَّلَ الرَّاهِنُ إلَيْهِ إلَّا بِمَالٍ أُعْطِيَ بِمُقَابَلَتِهِ
وَلَوْ فَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ وَالرَّاهِنُ غَائِبٌ فَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الرَّاهِنِ فِي هَذَا الْفِدَاءِ، وَهُوَ لَا يَكُونُ فِي هَذَا دُونَ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ إلَّا أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الْفِدَاءِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَيُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ إصْلَاحَ رَهْنِهِ، وَإِحْيَاءَ حَقِّهِ فَيَكُونُ هُوَ فِي ذَلِكَ كَالْمَالِكِ ثُمَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (﵀) لَا يَكُونُ هُوَ مُتَطَوِّعًا فِي نَصِيبِ الرَّاهِنِ مِنْ الْفِدَاءِ فَيَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِنِصْفِ ذَلِكَ الْفِدَاءِ وَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ بِهِ رَهْنًا؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الزِّيَادَةِ فِي الدَّيْنِ، فَلَا يَثْبُتُ فِي حُكْمِ الرَّهْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الرَّاهِنُ حَاضِرًا فَفَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِي نَصِيبِ الرَّاهِنِ مِنْ الْفِدَاءِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَرَوَى زُفَرُ (﵀) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (﵀) عَلَى عَكْسِ هَذَا أَنَّ الرَّاهِنَ إذَا كَانَ حَاضِرًا، فَالْمُرْتَهِنُ لَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا مِنْ الْفِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي الْفِدَاءِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) الْمُرْتَهِنُ مُتَطَوِّعٌ فِي الْفِدَاءِ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ عَلَى الرَّاهِنِ حَاضِرًا كَانَ الرَّاهِنُ أَوْ غَائِبًا؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْمَرْهُونِ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ كَالْوَدِيعَةِ وَالْمُودِعُ إذَا فَدَى الْوَدِيعَةَ مِنْ الْجِنَايَةِ كَانَ مُتَطَوِّعًا وَهَذَا لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ الْتِزَامُهُ بِاخْتِيَارِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا إلَيْهِ وَمُجْبَرًا عَلَيْهِ، فَفِي النِّصْفِ الَّذِي هُوَ أَمَانَةٌ لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ مِلْكُ الْعَيْنِ وَلَا حَقُّ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ الْمَالِيَّةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ (﵀) يَقُولُ: الْمُرْتَهِنُ أَحَدُ مَنْ يُخَاطَبُ بِالْفِدَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِيهِ كَالرَّاهِنِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ إنَّمَا لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِالْفِدَاءِ تَطْهِيرُ مِلْكِهِ، وَالْمُرْتَهِنُ قَصَدَ بِالْفِدَاءِ إحْيَاءَ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَصَّلُ إلَى جَنْيِ الْعَيْنِ،
стр. 4400
وَاسْتِدَامَةِ الْيَدِ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الرَّهْنِ لَا بِالْفِدَاءِ ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ: هَذِهِ الْحَاجَةُ لَهُ عِنْدَ غَيْبَةِ الرَّاهِنِ، فَأَمَّا عِنْدَ حَضْرَةِ الرَّاهِنِ فَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ اسْتِطْلَاعِ دَائِنِهِ وَالْمُطَالَبَةِ بِالْمُسَاعَدَةِ مَعَهُ إمَّا عَلَى الْفِدَاءِ، أَوْ الدَّفْعِ وَفِي حَالِ غَيْبَةِ الرَّاهِنِ يَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ مُحْتَاجًا إلَى الْفِدَاءِ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْفِدَاءِ مُتَطَوِّعًا عِنْدَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ إذَا قَضَى الْبَائِعُ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَالْآخَرُ غَائِبٌ لَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ حَاضِرًا، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، يَقُولُ فِي حَالِ غَيْبَةِ الرَّاهِنِ: لَا حَاجَةَ لَهُ إلَى الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ لَا يُخَاطِبُهُ بِالدَّفْعِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ الْعَبْدِ مِنْهُ مَا لَمْ يَحْضُرْ الرَّاهِنُ، فَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي الْفِدَاءِ، فَأَمَّا فِي حَالِ حَضْرَةِ الرَّاهِنِ فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ يُخَاطَبُ بِالدَّفْعِ، أَوْ الْفِدَاءِ وَلَا يَتَوَصَّلُ الْمُرْتَهِنُ إلَى اسْتِدَامَةِ يَدِهِ إلَّا بِالْفِدَاءِ، فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِيهِ، كَصَاحِبِ الْعُلْوِ إذَا بَنَى السُّفْلَ ثُمَّ بَنِي عَلَيْهِ عُلُوَّهُ لَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي حَقِّ صَاحِبِ السُّفْلِ، فَهَذَا مِثْلُهُ.
وَإِذَا كَانَتْ الْأَمَةُ رَهْنًا بِأَلْفٍ، وَقِيمَتُهَا أَلْفٌ، فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ جَنَى الْوَلَدُ عَلَى الرَّاهِنِ أَوْ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَمَانَةِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَجِنَايَةُ الْأَمَانَةِ عَلَى الْمَالِكِ، وَعَلَى مِلْكِهِ هَدَرٌ، وَلَوْ جَنَى عَلَى الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَدْفَعَ أَوْ يَفْدِيَ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْأَمَانَةِ عَلَى الْأَمِينِ كَجِنَايَتِهَا عَلَى أَجْنَبِيٍّ آخَرَ، فَإِنْ دَفَعَ لَمْ يَبْطُلْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ كَانَ عَلَى الرَّاهِنِ نِصْفُ الْفِدَاءِ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأُمِّ فَجِنَايَتُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ كَجِنَايَةِ الْأُمِّ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَنَى عَلَى أَجْنَبِيٍّ، فَالْفِدَاءُ عَلَيْهِمَا بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ انْقَسَمَ عَلَى قِيمَةِ الْأُمِّ، وَقِيمَةِ الْوَلَدِ نِصْفَيْنِ فَنِصْفُ الْوَلَدِ مَشْغُولٌ بِالدَّيْنِ (أَلَا تَرَى): أَنَّ الْأُمَّ لَوْ مَاتَتْ لَمْ يَسْقُطْ بِهَلَاكِهَا إلَّا نِصْفُ الدَّيْنِ، فَالْفِدَاءُ فِي جِنَايَةِ الْمَشْغُولِ بِالدَّيْنِ يَكُونُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَفِي جِنَايَةِ الْفَارِغِ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى الرَّاهِنِ.
وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ رَهْنًا بِأَلْفٍ، وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَاسْتَهْلَكَ مَالًا لِرَجُلٍ، فَذَلِكَ دَيْنٌ فِي عُنُقِهِ يُبَاعُ فِيهِ وَيَسْتَوْفِي صَاحِبُ الْمَالِ مَالَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي الرَّهْنِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ الْمَالِكِ، ثُمَّ حَقُّ الْمُتْلِفِ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَإِذَا اسْتَوْفَى صَاحِبُ الْمَالِ مَالَهُ كَانَ مَا بَقِيَ لِلْمُرْتَهِنِ فَإِنْ كَانَ مَالُهُ قَدْ حَلَّ اقْتَضَاهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَ رَهْنًا مَكَانَ الْأَوَّلِ لِحِصَّتِهِ حَتَّى يَحِلَّ فَيَأْخُذَهُ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ قَدْ سَقَطَتْ لِفَوَاتِ الْمَالِيَّةِ فِي ضَمَانِهِ.
وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ فَفَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ يُسَاوِي مِائَةً فَدَفَعَ الرَّهْنَ وَأَخَذَ الْعَبْدَ أَعْمَى، فَهُوَ رَهْنٌ بِأَلْفٍ يَفْتَكُّ بِهَا شَاءَ الرَّاهِنُ أَوْ أَبَى؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ حِينَ دَفَعَ
стр. 4401
وَأَخَذَ مَكَانَهُ فَكَمَا بَقِيَ جَمِيعُ الدَّيْنِ بِبَقَاءِ الْأَوَّلِ عَلَى حَالِهِ، وَيُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى الْفِكَاكِ - فَكَذَلِكَ يَبْقَى بِبَقَاءِ خَلَفِهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ عَيْبٌ يُنْقِصُهُ ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِ ذَلِكَ يَعْنِي إنْ كَانَ الْعَيْبُ يُنْقِصُهُ الْخُمُسَ سَقَطَ خُمُسُ الْأَلْفِ وَإِنْ كَانَ النِّصْفُ، فَنِصْفُ الْأَوَّلِ، وَإِذَا انْتَقَصَ سِعْرُهُ لَمْ يَسْقُطْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ بِمَنْزِلَةِ الْأَوَّلِ لَوْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ (﵀): يُقَوَّمُ الْمَأْخُوذُ صَحِيحَ الْعَيْنَيْنِ، وَيُقَوَّمُ أَعْمَى، فَيَبْطُلُ مِنْ الدَّيْنِ فَضْلُ مَا بَيْنَهُمَا، وَيَصِيرُ الْأَعْمَى رَهْنًا بِمَا بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَوَّلِ وَلَكِنَّهُ أَعْمَى، فَكَانَ الْأَوَّلُ عَلَى حَالِهِ ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ، فَتَسْقُطُ حِصَّةُ الْعَيْنَيْنِ مِنْ الدَّيْنِ، وَيَكُونُ رَهْنًا بِمَا بَقِيَ، فَإِنْ شَاءَ الرَّاهِنُ أَخَذَهُ وَأَعْطَاهُ مَا بَقِيَ فِيهِ مِنْ الدَّيْنِ وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهُ لِلْمُرْتَهِنِ رُبَّمَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ لِلتَّغَيُّرِ الْحَاصِلِ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ مُسْتَقِيمٌ عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ (﵀) وَقَدْ بَيَّنَّا فِي - انْكِسَارِ الْقَلْبِ -: أَنَّ الرَّاهِنَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَهُ لِلْمُرْتَهِنِ بِدَيْنِهِ فَيَجْعَلَهُ فِي حُكْمِ الْهَلَاكِ وَبَيْنَ أَنْ يَفْتَكَّهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، فَهَذَا مِثْلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْجِنَايَةِ عَلَى الرَّهْنِ]
(بَابُ الْجِنَايَةِ عَلَى الرَّهْنِ) (قَالَ ﵀): وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ رَهْنًا بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَصَارَ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ، ثُمَّ قَتَلَهُ رَجُلٌ فَعَلَيْهِ أَلْفَانِ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَتَلَهُ فَإِنْ أَدَّى أَلْفًا، فَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهَذِهِ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي مَالِيَّةِ الرَّهْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الرَّاهِنِ، وَقَدْ كَانَ جَمِيعُ الْمَالِيَّةِ فِي الْأَصْلِ مَشْغُولًا؛ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَالزِّيَادَةُ الْحَادِثَةُ بَيْعٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ فَكُلُّ مَالٍ اشْتَمَلَ عَلَى أَصْلٍ وَبَيْعٍ، فَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ يَكُونُ مِنْ الْأَصْلِ وَمَا سِوَاهُ يَكُونُ مِنْ الْبَيْعِ كَمَالَ الْمُضَارَبَةِ إذَا تَوَى بَعْضُهُ عَلَى الْغَرِيمِ كَانَ مَا خَرَجَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَالتَّاوِي مِنْ الرِّبْحِ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ فِي الْأَصْلِ أَلْفَيْنِ، فَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْ قِيمَتِهِ بَيْنَ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ نِصْفَيْنِ، وَمَا تَوَى بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ النِّصْفَ مَشْغُولٌ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَالنِّصْفُ بِمَنْزِلَةِ الْأَمَانَةِ فِي يَدِهِ وَحَقُّ الرَّاهِنِ فِيهِ أَصْلٌ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ إذَا قُتِلَ فَمَا يَخْرُجُ مِنْ قِيمَتِهِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا وَمَا يَتْوَى يَكُونُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ، وَلَكِنَّهُ فُقِئَتْ عَيْنُهُ ثُمَّ تَوَى فَالْأَرْشُ عَلَى الْفَاقِئِ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ نِصْفُ الدَّيْنِ فِي الْفَصْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ فِي الْأَصْلِ أَلْفًا فَبِفَوَاتِ نِصْفِهِ يَذْهَبُ نِصْفُ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ فَبِفَوَاتِ الْعَيْنِ يَفُوتُ مِنْهُ نِصْفٌ شَائِعٌ: نِصْفُهُ مِنْ الْمَضْمُونِ، وَنِصْفُهُ مِنْ الْأَمَانَةِ، فَلِفَوَاتِ نِصْفِ الْمَضْمُونِ يَسْقُطُ نِصْفُ الدَّيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ أَمَةً تُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ جَنَتْ الْأُمُّ جِنَايَةً فَدُفِعَتْ بِهَا ذَهَبَ نِصْفُ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الدَّيْنِ تَحَوَّلَ مِنْهُمَا
стр. 4402
إلَى وَلَدِهَا فَحِينَ دُفِعَتْ خَلَا مَكَانُهَا، فَيَذْهَبُ مَا بَقِيَ فِيهَا، وَهُوَ نِصْفُ الدَّيْنِ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ، وَإِنْ فَدَيَا الْأُمَّ فَالْفِدَاءُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَحَوَّلَ نِصْفُ الدَّيْنِ إلَى الْوَلَدِ بَقِيَ الْمَشْغُولُ بِالدَّيْنِ مِنْ الْأُمِّ نِصْفُهَا، وَالنِّصْفُ أَمَانَةٌ، فَكَانَ الْفِدَاءُ عَلَيْهِمَا لِهَذَا فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ فَالْفِدَاءُ الَّذِي أَعْطَى الْمَوْلَى قَضَاءٌ مِنْ الدَّيْنِ، وَالْأُمُّ رَهْنٌ بِمَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ حِينَ مَاتَ قَبْلَ الْفِكَاكِ صَارَ كَأَنَّ لَمْ يَكُنْ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ جَمِيعَ الرَّهْنِ كَانَ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ وَأَنَّ الْفِدَاءَ كُلَّهُ كَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَالرَّاهِنُ لَمْ يَكُنْ مُتَطَوِّعًا فِيمَا أَدَّى فَاسْتَوْجَبَ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَبَيْعُ الْمُقَاصَّةِ مُقَدَّرَةٌ بِقَدْرِهِ، فَيَصِيرُ الرَّاهِنُ قَاضِيًا نِصْفَ الدَّيْنِ، وَتَبْقَى الْحَادِثَةُ رَهْنًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ.
وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ فَقَتَلَهُ عَبْدٌ يُسَاوِي مِائَةً فَدَفَعَ بِهِ فَهُوَ: رَهْنٌ يَفْتَكُّهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) إنْ شَاءَ الرَّاهِنُ أَخَذَهُ، وَأَدَّى الدَّيْنَ كُلَّهُ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهُ لِلْمُرْتَهِنِ بِدَيْنِهِ.
وَأَمَّا زُفَرُ (﵀): فَمَرَّ عَلَى أَصْلِهِ فَإِنَّ عِنْدَهُ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْأَوَّلُ بِحَالِهِ، وَتَرَاجَعَتْ قِيمَتُهُ إلَى مِائَةٍ لِنُقْصَانِ السِّعْرِ، فَإِنَّهُ يَفْتَكُّهُ بِمِائَةٍ، وَيَسْقُطُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الدَّيْنِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْمَدْفُوعِ مَكَانَهُ مِائَةٌ وَعِنْدَنَا بِنُقْصَانِ سِعْرِ الرَّهْنِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ، وَلَا يَتَخَيَّرُ الرَّاهِنُ فَكَذَلِكَ هُنَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ)؛ لِأَنَّ الْمَدْفُوعَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَقْتُولِ، فَيَفْتَكُّهُ الرَّاهِنُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ (﵀) يَتَحَوَّلُ جَمِيعُ الدَّيْنِ مِنْ الْمَقْتُولِ إلَى الْمَدْفُوعِ إلَّا أَنَّ لِلرَّاهِنِ الْخِيَارَ لِتَغَيُّرِ الْعَيْنِ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ بِمَالٍ مِنْهُ أَوْصَى بِهِ وَافْتَكَّهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهُ لِلْمُرْتَهِنِ بِدَيْنِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا انْتَقَصَ سِعْرُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَمْ تَتَغَيَّرْ هُنَاكَ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ إذَا انْتَقَصَ سِعْرُهُ لَا يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي، وَإِذَا قَتَلَهُ عَبْدٌ وَدَفَعَ بِهِ يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَاجَعَ سِعْرُ الْأَوَّلِ إلَى مِائَةٍ ثُمَّ قَتَلَهُ حُرٌّ، فَغَرِمَ قِيمَتَهُ مِائَةً فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ تِسْعُمِائَةٍ وَيَأْخُذُ الْمُرْتَهِنُ الْمِائَةَ قَضَاءً مِنْ مِثْلِهَا وَزُفَرُ (﵀) يَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْفَصْلِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: الدَّرَاهِمُ لَا تُفَكُّ، وَالْمِائَةُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمُقَابَلَتِهَا أَكْثَرُ مِنْ مِائَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِ الدَّيْنِ مِنْهَا بِحَالٍ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَدْفُوعِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمُقَابَلَتِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ شِرَاءً، فَكَذَلِكَ جِنْسًا بِالدَّيْنِ، وَيُتَوَهَّمُ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِ الدَّيْنِ مِنْ مَالِيَّتِهِ بِأَنْ تُزَادَ قِيمَتُهُ حَتَّى يَشْتَرِيَ بِأَلْفٍ حَتَّى إنَّ الْحُرَّ الْقَاتِلَ لَوْ عَزَّزَ الدَّنَانِيرَ حَتَّى تَبْلُغَ قِيمَةُ هَذِهِ الدَّنَانِيرِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ صَحِيحًا، فَذَهَبَتْ عَيْنُهُ ذَهَبَ نِصْفُ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَدْفُوعَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَقْتُولِ، فَفَوَاتُ نِصْفِهِ بِذَهَابِ عَيْنِهِ، كَفَوَاتِ نِصْفِ الْمَقْتُولِ بِذَهَابِ عَيْنِهِ.
وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَفَاتَ عِتْقُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ فَدُفِعَتْ بِهِ فَهُمَا جَمِيعًا رَهْنٌ
стр. 4403
بِأَلْفٍ؛ لِأَنَّ الْمَدْفُوعَ خَلْفٌ عَنْ الْفَائِتِ مِنْ الْعَيْنِ فَيَتَحَوَّلُ إلَيْهِ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ مَاتَتْ الْأَمَةُ، فَكَأَنَّ الْعَيْنَ فَاتَتْ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ هَذَا الْعَبْدَ الْأَعْوَرَ عَبْدٌ فَدُفِعَ بِهِ كَانَ رَهْنًا مَعَ الْأَمَةِ أَيُّهُمَا مَاتَ فَاتَ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُمَا مُخْتَلِفَةً؛ لِأَنَّ الْمَدْفُوعَ بِالْأَعْوَرِ قَائِمٌ مَقَامَهُ، فَيَتَحَوَّلُ إلَيْهِ مَا كَانَ فِي الْأَعْوَرِ مِنْ الدَّيْنِ، وَمَوْتُهُ كَمَوْتِ ذَلِكَ الْأَعْوَرِ، فَإِنْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ كَانَ الْقَاتِلُ رَهْنًا بِخَمْسِمِائَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْأَوَّلِ الْمَرْهُونِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا مَدْفُوعٌ بِعَيْنِهِ، وَالْآخَرَ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ الْأَوَّلُ فَقَأَ عَيْنَ نَفْسِهِ أَوْ قَتَلَ نَفْسَهُ بَعْدَ مَا فَقَأَتْ الْأَمَةُ عَيْنَهُ وَدُفِعَتْ بِهِ، فَلِهَذَا سَقَطَ - بِقَتْلِ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ مِنْ الدَّيْنِ - خَمْسُمِائَةٍ وَيَجْعَلُ كَأَنَّهُ مَاتَ، وَكَذَلِكَ لَوْ فَقَأَ أَحَدُهُمَا عَيْنَ صَاحِبِهِ ذَهَبَ رُبْعُ الدَّيْنِ، كَمَا لَوْ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ بِغَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ.
وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ رَهْنًا بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَعَلَيْهِ عَبْدَانِ يُدْفَعَانِ فَهُمَا جَمِيعًا: رَهْنٌ بِأَلْفٍ فَإِنْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ كَانَ الْبَاقِي رَهْنًا بِخَمْسِمِائَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفًا أَوْ أَكْثَرَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا خَلْفٌ عَنْ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَدْفُوعٌ بِنِصْفِهِ، وَكَانَ الْأَوَّلُ أَتْلَفَ نِصْفَهُ بِأَنْ فَقَأَ عَيْنَ نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ: إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ جَنَى فَدُفِعَ فَالْبَاقِي رَهْنٌ بِنِصْفِ الْمَالِ.
وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ يُسَاوِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةٍ فَزَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى صَارَ يُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ كَانَ الْبَاقِي رَهْنًا بِسَبْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ عَلَى مَا يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ فِي الزِّيَادَةِ لَوْ كَانَ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ الْجِنَايَةِ نِصْفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَارِغٍ، وَنِصْفَهُ مَشْغُولٌ، وَجِنَايَةُ الْفَارِغِ عَلَى الْمَشْغُولِ مُعْتَبَرَةٌ؛ فَبِاعْتِبَارِهَا يَتَحَوَّلُ نِصْفُ مَا كَانَ فِي الْمَقْتُولِ إلَى الْقَاتِلِ، وَلَوْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَلَكِنْ قَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدًا فَدُفِعَ بِهِ وَقِيمَةُ الْمَدْفُوعِ بِهِ قَلِيلَةٌ أَوْ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُ الْمَدْفُوعَيْنِ صَاحِبَهُ، كَانَ الْقَاتِلُ رَهْنًا بِسَبْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ؛ لِأَنَّهُمَا قَائِمَانِ مَقَامَ الْمَقْتُولَيْنِ، فَقَتْلُ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ، كَقَتْلِ أَحَدِ الْمَرْهُونَيْنِ فِي الْأَصْلِ صَاحِبَهُ.
وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ: عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ، وَقِيمَةُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ، فَقَتَلَهُمَا عَبْدٌ وَاحِدٌ فَدُفِعَ بِهِمَا، فَفَقَأَ عَيْنَ نَفْسِهِ، أَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِحِسَابِ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَرْشٌ؛ لِأَنَّهُ شَخْصٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا مَقَامَ الْمَرْهُونَيْنِ وَجِنَايَةُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ لَا تُعْتَبَرُ بِحَالٍ، فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ سَوَاءً، فَسَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 4404
[بَابُ الْغَصْبِ فِي الرَّهْنِ]
قَالَ ﵀): وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ رَهْنًا بِأَلْفٍ، وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَغَصَبَهُ رَجُلٌ فَقَتَلَ عِنْدَهُ قَتْلًا خَطَأً، ثُمَّ رَدَّهُ، فَدَفَعَهُ بِالْجِنَايَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ عَلَى الرَّهْنِ وَقَدْ أَزَالَهَا عَنْهُ الْغَاصِبُ، فَكَانَ ضَامِنًا لَهُ مَا لَمْ يُنْتَسَخْ فِعْلُهُ بِالرَّدِّ، كَمَا قَبَضَ، وَلَمْ يَرُدَّهُ هُنَا، كَمَا قَبَضَهُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ فَارِغًا عَنْ الْجِنَايَةِ، وَرَدَّهُ مَشْغُولًا بِهَا وَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الشَّغْلَ حِينَ دَفَعَ بِالْجِنَايَةِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُ أَصْلًا وَلَوْ هَلَكَ عِنْدَهُ قَبْلَ الرَّدِّ كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، فَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ، فَإِنْ فَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ كَانَتْ الْقِيمَةُ الَّتِي يَأْخُذُ مِنْ الْغَاصِبِ لَهُ مَكَانَ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ مَا لَحِقَ مِنْ الْغُرْمِ إنَّمَا لَحِقَهُ بِالْجِنَايَةِ عِنْدَ الْغَاصِبِ، وَمَا كَانَ يَتَوَصَّلُ إلَى إحْيَاءِ حَقِّهِ إلَّا بِالْفِدَاءِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِالْأَقَلِّ مِنْ الْقِيمَةِ وَمِمَّا فَدَاهُ بِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَتَيَقَّنُ بِاسْتِحْقَاقِهِ عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا وَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ مَكَانَ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُنْمِ.
وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ فَفَدَاهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ كَانَتْ الْقِيمَةُ الَّتِي يَأْخُذُونَهَا مِنْ الْغَاصِبِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ غُرْمَ الْفِدَاءِ كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعَانِ بِالْقِيمَةِ بِاعْتِبَارِ مَا غَرِمَا فَتَكُونُ الْقِيمَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يَجْنِ عِنْدَ الْغَاصِبِ، وَلَكِنَّهُ أَفْسَدَ مَتَاعًا لَحِقَهُ مِنْ دَيْنٍ، وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ رَدَّهُ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ، إلَّا أَنْ يُصْلِحَهُ الْمُرْتَهِنُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، فَإِذَا بِيعَ بُدِئَ بِحَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ بَعْدَ الدَّيْنِ كَانَ فِي الرَّهْنِ وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَا دَفَعُوا فِي الدَّيْنِ مِنْ عِنْدِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ اُسْتُحِقَّ بِسَبَبٍ كَانَ مِنْ الْعَبْدِ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ، فَيَرْجِعُونَ بِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الرَّدَّ لَمْ يُسَلَّمْ فِيهِ ثُمَّ يَكُونُ رَهْنًا مَعَ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ الرَّهْنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَا فَاتَ مِنْ مَالِيَّتِهِ، قَدْ أَخْلَفَ بَدَلًا وَهُوَ الْمُسْتَوْفَى مِنْ الْغَاصِبِ، فَيَبْقَى جَمِيعُ الدَّيْنِ بِبَقَاءِ الْخَلْفِ.
وَلَوْ كَانَ حِينَ قَتَلَ قَتِيلًا فِي يَدِ الْغَاصِبِ رَدَّهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ فَمَاتَ عِنْدَهُ بَطَلَتْ الْجِنَايَةُ؛ لِأَنَّ حَقَّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِي تَمَلُّكِ نَفْسِهِ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ، وَقَدْ فَاتَ مَحَلُّ حَقِّهِ حِينَ مَاتَ ثُمَّ يَسْقُطُ الدَّيْنُ بِمَوْتِهِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ إلَى يَدِهِ، كَمَا كَانَ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ
стр. 4405
إذَا هَلَكَ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ قَدْ سَلِمَ حِينَ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْجِنَايَةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الدَّمُ عَمْدًا فِيهِ قِصَاصٌ فَعَفَى وَلِيُّ الدَّمِ أَوْ عَفَى وَلِيُّ جِنَايَةِ الْخَطَأِ، أَوْ أَبْرَأَ صَاحِبُ الْمَالِ فِي الِاسْتِهْلَاكِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْغَاصِبِ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ الْعَبْدِ بِسَبَبِ الْفِعْلِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ فِي يَدِ قَيِّمٍ رَدُّهُ، وَانْتَسَخَ بِهِ حُكْمُ فِعْلِهِ.
وَلَوْ قَتَلَ عِنْدَ الْغَاصِبِ قَتِيلًا خَطَأً، ثُمَّ قَتَلَ قَتِيلًا عَمْدًا، ثُمَّ أَفْسَدَ مَتَاعًا مِثْلَ قِيمَتِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ فَاخْتَارُوا دَفْعَهُ فَإِنَّهُ يُدْفَعُ بِالْخَطَأِ، ثُمَّ يَقْتُلُهُ أَصْحَابُ الْعَمْدِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْجِنَايَةُ مِنْ الْعَبْدِ فِي يَدِ الْمَالِكِ، وَهَذَا لَوْ نَوَى الْقَوَدَ، وَإِنْ جَنَى وَلِيُّ الْخَطَأِ، وَلَوْ نَوَى بِالدَّفْعِ مَا يُفَوِّتُ حَقَّ وَلِيِّ الْعَمْدِ فِي الْقِصَاصِ، وَلَا فَائِدَةَ فِي الْبَدَلِيَّةِ فِي الْبَيْعِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ بِهِ حَقَّ وَلِيِّ الْخَطَأِ، وَإِذَا اسْتَوْفَى الْقِصَاصَ بَطَلَ الْبَيْعُ؛ فَلِهَذَا يُبْدَأُ بِالدَّفْعِ فِي الْخَطَأِ، ثُمَّ يَقْتُلُهُ أَصْحَابُ الْعَمْدِ قِصَاصًا، وَيَكُونُ عَلَى الْغَاصِبِ الْقِيمَةُ، وَيُدْفَعُ إلَى أَوْلِيَاءِ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ ثَبَتَ فِي عَبْدٍ فَارِغٍ وَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِمْ عَبْدًا مُبَاحَ الدَّمِ بِالْقِصَاصِ، وَالْقِيمَةُ بَدَلٌ عَنْهُ فَثَبَتَ حَقُّهُمْ فِي الْبَدَلِ بِثُبُوتِ حَقِّهِمْ فِي الْأَصْلِ فَإِذَا رُفِعَتْ إلَى أَوْلِيَاءِ الْخَطَأِ أَخَذَهَا الْغُرَمَاءُ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْقِيمَةَ اُسْتُحِقَّتْ بِسَبَبٍ كَانَ مِنْ الْعَبْدِ فِي ضَمَانِهِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ هَذِهِ الْقِيمَةَ أَصْحَابُ الْخَطَأِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ الْأُولَى لَمْ تُسَلَّمْ لَهُمْ، فَإِنَّهَا اُسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِهِمْ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، فَيَدْفَعُ إلَيْهِمْ الْقِيمَةَ الثَّانِيَةَ لِلَّذِي اُسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِهِ الْجِنَايَةُ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الْغَاصِبُ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةٍ أُخْرَى حَتَّى يَكُونَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ قِيمَةٌ لَا تَبِعَةَ فِيهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ عَبْدٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَبِعَةٌ حِينَ أَخَذَهُ الْغَاصِبُ.
وَلَوْ بَدَأَ بِالدَّيْنِ ثُمَّ ثَنَّى بِالْعَمْدِ ثُمَّ ثَلَّثَ بِالْخَطَأِ، فَاخْتَارُوا الدَّفْعُ، فَإِنَّهُ يُدْفَعُ بِالْخَطَأِ، ثُمَّ يُقْتَلُ قِصَاصًا لِمَا قُلْنَا ثُمَّ يَكُونُ عَلَى الْغَاصِبِ قِيمَتُهُ لِلْمُرْتَهِنِ، وَلَا سَبِيلَ لِأَوْلِيَاءِ الْخَطَأِ عَلَى هَذِهِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ مَا ثَبَتَ إلَّا فِي عَبْدٍ مَشْغُولٍ، فَإِنَّهُ حِينَ جَنَى عَلَى وَلِيِّهِمْ كَانَ مَشْغُولًا بِالدَّمِ مُبَاحًا بِالْقِصَاصِ، وَقَدْ دَفَعَ إلَيْهِمْ بِهَذِهِ الصَّفْقَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا بِشَيْءٍ آخَرَ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْقِيمَةَ يَأْخُذُهَا الْغُرَمَاءُ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الْعَبْدِ وَحَقُّهُمْ كَانَ ثَابِتًا فِي مَالِيَّتِهِ فَثَبَتَ فِي بَدَلِهِ أَيْضًا، فَإِذَا أَخَذَهَا الْغُرَمَاءُ رَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَةٍ أُخْرَى، فَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ الْأُولَى اسْتَحَقَّهَا الْغُرَمَاءُ بِسَبَبِ مَا فِي الْعَبْدِ مِنْ ضَمَانِ الْغَاصِبِ.
وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ أَمَةً فَغَصَبَهَا رَجُلٌ فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ وَلَدًا وَجَنَى الْوَلَدُ جِنَايَةً ثُمَّ رَدَّهُمَا جَمِيعًا، فَإِنَّ وَلَدَهَا يُدْفَعُ أَوْ يُفْدَى، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْغَاصِبِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَا كَانَ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغْصِبْ الْوَلَدَ، حَتَّى لَوْ مَاتَ فِي يَدِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَكَذَلِكَ
стр. 4406
إذَا اسْتَحَقَّ بِجِنَايَةٍ كَانَتْ عِنْدَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَى الْغَاصِبِ نُسِخَ فِعْلُهُ بِالرَّدِّ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِعْلٌ فِي الْوَلَدِ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ، نُسِخَ ذَلِكَ بِالرَّدِّ.
وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدًا يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ وَهُوَ رَهْنٌ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ فَغَصَبَهُ رَجُلٌ فَقَتَلَ عِنْدَهُ قَتِيلًا فَفَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِعَشَرَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ رُجُوعَ الْغَاصِبِ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ الَّتِي كَانَتْ مِنْ الْعَبْدِ فِي ضَمَانِهِ، فَإِنَّ الرَّدَّ إنَّمَا لَمْ يُسَلَّمْ لِكَوْنِهِ مَشْغُولًا بِالْجِنَايَةِ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ لَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً.
(أَلَا تَرَى): أَنَّ قِيمَتَهُ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لَا تَزِيدُ عَلَى هَذِهِ، فَكَذَلِكَ قِيمَتُهُ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ مِنْهُ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمُكَاتَبِ إذَا كَانَ كَثِيرَ الْقِيمَةِ فَجَنَى جِنَايَةً لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتِهِ عِشْرِينَ أَلْفًا، أَوْ أَكْثَرُ، وَهُوَ رَهْنٌ بِمِثْلِهِ فَقَتَلَ قَتِيلَيْنِ عِنْدَ الْغَاصِبِ، فَفَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَاصِبِ بِأَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ وَقِيمَتُهُ فِي الْجِنَايَةِ لَا تَزِيدُ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَغْصِبْهُ الْغَاصِبُ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَكِنَّهُ قَتَلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةَ، وَلَوْ لَمْ يَفْدُوهُ وَلَكِنَّهُمْ دَفَعُوهُ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ أَيْضًا بِعَشَرَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً فَيَدْفَعُ نِصْفَهَا إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ ثَبَتَ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ فَارِغًا وَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ إلَّا النِّصْفَ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ الَّتِي قَامَتْ مَقَامَهُ حَتَّى يُسَلِّمَ لَهُ كَمَالَ حَقِّهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ الْمُرْتَهِنُ بِذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ بِالْجِنَايَةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ فَتَكُونُ هَذِهِ الْعَشَرَةُ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً ذَهَبَا بِمِثْلِهَا مِنْ الدَّيْنِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا يَأْخُذُهَا الْمُرْتَهِنُ قَضَاءً مِنْ دَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا يَكُونُ رَهْنًا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الرَّاهِنِ فِي الْأَجَلِ مُرْعًى، وَيَبْطُلُ الْفَضْلُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ: الدَّرَاهِمَ لَا تَكُونُ مَضْمُونَةً إلَّا بِمِثْلِهَا وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُسْتَوْفَى مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِهَا مِنْ الدَّيْنِ فَيَبْطُلُ الْفَضْلُ عَنْ الرَّاهِنِ لِفَوَاتِ زِيَادَةِ الْمَالِيَّةِ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ.
وَلَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ حُرٌّ، وَلَكِنْ قَتَلَهُ عَبْدٌ قِيمَتُهُ مِائَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ كَانَ رَهْنًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْخِلَافِ عَلَى هَذَا الْفَصْلِ وَلَوْ لَمْ يَقْتُلْ، وَلَمْ يَغْصِبْ، وَلَكِنَّ الْمُرْتَهِنَ بَاعَهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا، وَكَانَ مُسَلَّطَا عَلَى بَيْعِهِ فَتَوَى الثَّمَنُ ذَهَبَ مِنْ مَالِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ يَتَحَوَّلُ إلَى الثَّمَنِ، فَهَلَاكُهُ كَهَلَاكِ الْعَبْدِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ الْعَدْلُ وَلَوْ كَانَ بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ رَجَعَ بِبَاقِي الدَّيْنِ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ فِي هَذَا الْبَيْعِ نَائِبٌ عَنْ الرَّاهِنِ، فَيَكُونُ بَيْعُهُ، كَبَيْعِ الرَّاهِنِ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْفِكَاكِ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ ضَمَانُ الدَّيْنِ إلَى الثَّمَنِ بِقَدْرِ الثَّمَنِ فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ
стр. 4407
بِخِلَافِ الْقَتْلِ، فَإِنَّهُ يَقْتُلُ وَهُوَ مَرْهُونٌ، فَيَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ مِقْدَارُ مَالِيَّةِ الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ (﵀) فِي (الْأَمَالِي): إنَّهُ إذَا بَاعَهُ الْمُرْتَهِنُ، أَوْ الْعَدْلُ، فَالثَّمَنُ لَا يَكُونُ رَهْنًا إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَيْعِ، أَوْ عِنْدَ الرَّهْنِ وَجُعِلَ الْبَيْعُ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَنْ الْعَيْنِ هُنَا نَظِيرَ بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُؤَاجَرِ بِرِضَا الْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُبْطِلًا لِحَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَكِنْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي الْبَيْعِ هُنَا تَحْقِيقُ مَقْصُودِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُرْتَهِنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ مَالِيَّتِهِ، وَذَلِكَ حَالَ قِيَامِهِ بِالْبَيْعِ يَكُونُ، وَالثَّمَنُ صَالِحٌ لِحَقِّهِ، كَمَا كَانَ الْأَصْلُ صَالِحًا، فَلِهَذَا كَانَ الثَّمَنُ مَرْهُونًا، فَأَمَّا فِي بَيْعِ الْمُؤَاجِرِ فَإِبْطَالُ مَقْصُودِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْعَيْنِ، وَالثَّمَنُ غَيْرُ صَالِحٍ لِذَلِكَ، فَيَبْطُلُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ إذَا كَانَ الْبَيْعُ بِرِضَاهُ.
وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ رَهْنًا بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَرَخُصَ السِّعْرُ حَتَّى صَارَ يُسَاوِي مِائَةً وَحَلَّ الْمَالُ فَقَتَلَهُ حُرٌّ غَرِمَ مِائَةً، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ غَيْرُهَا لِمَا بَيَّنَّا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَهُ الرَّاهِنُ، أَوْ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا يَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْقَتْلِ لَا يَكُونُ أَشْقَى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، فَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ إلَّا وَقْتَ الْقَتْلِ وَإِنْ غَصَبَهُ الرَّاهِنُ، وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَجَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَفَدَاهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ، وَمِنْ الْفِدَاءِ عَلَى الرَّاهِنِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْغَاصِبُ أَجْنَبِيًّا آخَرَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ بِعَقْدِ الرَّهْنِ صَارَ مِنْ مَالِيَّتِهِ كَأَجْنَبِيٍّ، فَغَصْبُهُ إيَّاهُ يُوجِبُ عَلَيْهِ مَا يُوجِبُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ كَانَ اسْتَعَارَهُ الرَّاهِنُ فَقَتَلَ عِنْدَهُ قَتِيلًا فَدَفَعَهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى الرَّاهِنِ، وَلَا يَضْمَنُ قِيمَةَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى وَجْهِ الْعَارِيَّةِ وَلَا يَكُونُ هُوَ فِيهِ دُونَ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ، فَتَكُونُ الْعَيْنُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ عَنْ ضَمَانِ الرَّهْنِ مَا دَامَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ ضَمَانُ اسْتِيفَاءٍ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا حَالَ ثُبُوتِ يَدِ اسْتِيفَاءِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّهْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَلَا بَدَلَ لَهُ حَالَ كَوْنِهِ عَارِيَّةً فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ؛ فَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِهَلَاكِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَعَارَهُ رَجُلٌ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَلَوْ اسْتَعَارَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ فَجَنَى عِنْدَهُ فَدُفِعَ بِالْجِنَايَةِ كَانَ الرَّاهِنُ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُرْتَهِنُ قِيمَتَهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَانٍ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ وَالْمُرْتَهِنُ بِالتَّسْلِيمِ، وَالْمُسْتَعِيرُ بِالْقَبْضِ، وَلَا يَرْجِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إنْ ضَمِنَ فَإِنَّمَا ضَمِنَ بِقَبْضِهِ لِنَفْسِهِ، وَالْمُرْتَهِنُ إنْ ضَمِنَ فَقَدْ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَعَارَ مِلْكَ نَفْسِهِ، ثُمَّ تَكُونُ الْقِيمَةُ رَهْنًا مَكَانَهُ؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَهُ، وَلَوْ كَانَ الرَّاهِنُ أَعَارَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَضْمَنَ الْقِيمَةَ إنْ شَاءَ الْمُسْتَعِيرُ، وَإِنْ شَاءَ الرَّاهِنُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَانٍ فِي حَقِّهِ، وَحَقُّهُ فِي الرَّهْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الرَّاهِنِ.
وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ قِيمَتَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ رَهْنًا بِأَلْفٍ فَغَصَبَهُ
стр. 4408
رَجُلٌ فَجَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً، وَاكْتَسَبَ عِنْدَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ رَدَّهُ، وَرَدَّ الْمَالَ، وَدُفِعَ الْعَبْدُ بِالْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، وَالْأَلْفُ الَّتِي اكْتَسَبَ الْعَبْدُ، أَوْ وَهَبَ لَهُ الْمَوْلَى الْعَبْدَ، لَا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَوَلَّدَةٍ مِنْ الْعَيْنِ فَوُجُودَ هَذَا فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ كَعَدَمِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّهُ حِينَ دُفِعَ بِالْجِنَايَةِ، فَالرَّدُّ لَمْ يَصِحَّ، فَيَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، وَيَكُونُ رَهْنًا فِي يَدِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ عَبْدًا فَجَنَى الْعَبْدُ - الرَّهْنُ - عِنْدَهُ جِنَايَةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ، فَذَلِكَ فِي عُنُقِ الْغَاصِبِ يُبَاعُ فِيهِ أَوْ يُفْدَى؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْغَاصِبِ بِسَبَبِ الْغَصْبِ، وَضَمَانُ الْغَصْبِ بِمَنْزِلَةِ ضَمَانِ الِاسْتِهْلَاكِ فَالْمُسْتَحَقُّ بِهِ مَالِيَّتُهُ، فَيُبَعْ فِيهِ أَوْ يُفْدَى بِخِلَافِ جِنَايَةِ الْعَبْدِ، فَالْمُسْتَحَقُّ بِالْجِنَايَةِ نَفْسُهُ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى (أَلَا تَرَى): أَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ كَانَ حُرًّا كَانَتْ الْقِيمَةُ فِي مَالِهِ حَالَّةً، وَلَوْ كَانَ سَبَبُهَا الْجِنَايَةَ، لَكَانَتْ عَلَيْهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْغَاصِبُ يُسَاوِي: عِشْرِينَ أَلْفًا وَالْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ يُسَاوِي: عِشْرِينَ أَلْفًا فَقَتَلَ عِنْدَهُ قَتِيلَيْنِ فَدَفَعَ بِهِمَا لَمْ يَكُنْ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ الْغَاصِبِ إلَّا عَشَرَةُ آلَافٍ غَيْرُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ يُبَاعُ فِيهَا أَوْ يُفْدَى لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّ الْغَاصِبَ قَدْ رَدَّ الْمَغْصُوبَ إلَّا أَنَّ الرَّدَّ لَمْ يَسْلَمْ لِكَوْنِهِ مَشْغُولًا بِالْجِنَايَةِ، فَيَكُونُ الرُّجُوعُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَجْلِ شَغْلِ الْجِنَايَةِ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ فِي الْجِنَايَةِ لَا تَزِيدُ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ جَمِيعًا، إلَّا أَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ وَاجِبٌ عَلَى الْغَاصِبِ بِسَبَبِ غَصْبِهِ، فَيُبَاعُ فِيهِ أَوْ يُفْدَى فَصَارَ الْحَاصِلُ: أَنَّ وُجُوبَ هَذَا الضَّمَانِ عَلَى الْغَاصِبِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبَيْنِ جَمِيعًا فَإِنَّهُ لَوْلَا غَصْبُهُ مَا ضَمِنَ شَيْئًا بِسَبَبِ جِنَايَتِهِ وَلَوْلَا جِنَايَةُ الْمَغْصُوبِ عِنْدَهُ لَكَانَ رَدَّهُ تَامًّا فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فَلِاعْتِبَارِ الْجِنَايَةِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً وَلِاعْتِبَارِ غَصْبِهِ يُبَاعُ فِيهِ أَوْ يُفْدَى، وَفِي حَقِّ مَنْ يَرْجِعُ، السَّبَبُ هُوَ: الِاسْتِحْقَاقُ مِنْ يَدِهِ بِالْجِنَايَةِ فَلَا يَرْجِعُ إلَّا بِعَشَرَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً، وَفِي حَقِّ مَنْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْغَاصِبُ؛ لِسَبَبِ غَصْبِهِ، فَيُبَاعُ فِيهِ.
وَلَوْ ارْتَهَنَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا فَغَصَبَهُ رَجُلٌ فَقَتَلَ عِنْدَهُ قَتِيلًا خَطَأً، ثُمَّ رَدَّهُ فَغَصَبَهُ آخَرُ فَقَتَلَ عِنْدَهُ قَتِيلًا خَطَأً ثُمَّ رَدَّهُ فَغَصَبَهُ آخَرُ فَقَتَلَ عِنْدَهُ قَتِيلًا خَطَأً، ثُمَّ رَدَّهُ وَاخْتَارُوا دَفْعَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيْنَ أَصْحَابِ الْجِنَايَاتِ أَثْلَاثًا سَوَاءً، حَقُّ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَاتِ فِي رَقَبَتِهِ بِالِاسْتِوَاءِ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ انْفَرَدَ كَانَ مُسْتَحِقًّا جَمِيعَ نَفْسِهِ بِالْجِنَايَةِ، وَلَمْ يَضْمَنْ الْغَاصِبُ الْأَوَّلُ ثُلُثَ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى اُسْتُحِقَّ بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَ الْأَوَّلِ؛ فَلِهَذَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ الْأَوَّلُ ثُلُثَ قِيمَتِهِ، فَيَدْفَعُهَا الْمَوْلَى، وَالْمُرْتَهِنُ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ
стр. 4409
أَيْضًا بِمِثْلِهِ فَيَدْفَعُهُ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ ثَبَتَ فِي الْعَبْدِ فَارِغًا وَمَا سَلَّمَ لَهُ إلَّا ثُلُثُهُ، فَيَرْجِعُ فِي بَدَلِهِ مَرَّتَيْنِ حَتَّى يُسَلِّمَ لَهُ ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ، وَثُلُثُ الْعَبْدِ فَارِغٌ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ بِمِثْلِهِ، فَيَكُونُ رَهْنًا فِي يَدِهِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ الثَّانِي بِثُلُثِ قِيمَتِهِ، فَيَدْفَعُ نِصْفَ ذَلِكَ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ حِينَ جَنَى عَلَى وَلِيِّهِ كَانَ مَشْغُولًا بِالْجِنَايَةِ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّ وَلِيِّ الثَّانِي فِي نِصْفِهِ، وَقَدْ سَلَّمَ لَهُ الثُّلُثَ، فَيَرْجِعُ إلَى تَمَامِ حَقِّهِ، وَذَلِكَ نِصْفُ الثُّلُثِ حَتَّى يُسَلِّمَ لَهُ النِّصْفَ، ثُمَّ يَرْجِعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْغَاصِبِ الثَّانِي بِذَلِكَ فَيُجْعَلُ فِي يَدِهِ ثُلُثُ الْقِيمَةِ مَعَ ثُلُثِ الْأَوَّلِ مَرْهُونًا وَيَكُونُ عَلَى الثَّالِثِ ثُلُثُ قِيمَتِهِ، وَلَا يُدْفَعُ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ جَنَى عَلَيْهِ كَانَ مَشْغُولًا بِجِنَايَتَيْنِ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّهُ فِي ثُلُثِ الْعَبْدِ وَقَدْ سَلَّمَ لَهُ ثُلُثَهُ، فَيَجْتَمِعُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ قِيمَةٌ كَامِلَةٌ وَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَ الْعَبْدِ.
وَهَذَا التَّخْرِيجُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) فَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ): فَيُسْتَوْفَى مِنْ الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ مِنْ ثُلُثِ الْقِيمَةِ وَلَا يُدْفَعُ شَيْءٌ مِنْهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ بِبَدَلِ مَا دَفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأَوْلَى، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ فِي مِلْكِهِ؟ وَبَيَانُ هَذَا الْفَصْلِ: يَأْتِي فِي (كِتَابِ الدِّيَاتِ) إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْغَاصِبُ وَاحِدًا، فَغُصِبَ ثُمَّ رُدَّ أَوْ كَانَ جَنَى هَذِهِ الْجِنَايَاتِ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يُرَدَّ، فَالتَّخْرِيجُ مِثْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ، فَيَأْخُذُ وَلِيُّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ: ثُلُثَهَا، وَالثَّانِي: سُدُسَهَا، ثُمَّ يَرْجِعُ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْغَاصِبِ، فَيَكُونُ رَهْنًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ، وَفَائِدَةُ وَضْعِهِ فِي ثُلُثِهِ مِنْ الْغَاصِبَيْنِ: إيضَاحُ الْكَلَامِ.
وَإِذَا ارْتَهَنَ أَمَةً تُسَاوِي خَمْسَةَ آلَافٍ بِأَلْفٍ فَغَصَبَهَا رَجُلٌ فَجَنَتْ عِنْدَهُ جِنَايَةً دُونَ الْخُمُسِ ثُمَّ رَدَّهَا فَاخْتَارُوا فِدَاءَهَا فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ خُمُسُ الْفِدَاءِ وَعَلَى الرَّاهِنِ: أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ؛ لِأَنَّ خُمُسَهَا مَضْمُونٌ بِالدَّيْنِ، وَالْفِدَاءُ بِقَدْرِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا أَمَانَةٌ وَالْفِدَاءُ بِقَدْرِ ذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ وَلَمْ يَرْجِعُوا بِذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ آلَافٍ وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَمْسَةَ آلَافٍ أَوْ أَكْثَرَ رَجَعُوا عَلَى الْغَاصِبِ بِخَمْسَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ الَّتِي كَانَتْ مِنْهَا عِنْدَ الْغَاصِبِ، وَقِيمَةُ الْأَمَةِ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ فَلَا يَزِيدُ عَلَى خَمْسَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ.
وَإِذَا غَصَبَ رَجُلٌ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ فَاسْتَهْلَكَ عِنْدَهُ مَتَاعًا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ ذَلِكَ الْمَتَاعِ دَيْنًا فِي عُنُقِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، كَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَ عِنْدَ الْمَالِكِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ، فَإِذَا رَدَّهُ فَالْغَرِيمُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ اسْتَسْعَاهُ، وَإِنْ شَاءَ بِيعَ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِوُصُولِهِ إلَى حَقِّهِ مَحِلَّيْنِ إمَّا مَالِيَّتُهُ فَيُوفِيهِ بِالْبَيْعِ، أَوْ الْكَسْبُ بِالِاسْتِسْعَاءِ وَلَهُ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مَنْفَعَةُ التَّعْجِيلِ يَعْنِي فِي الْبَيْعِ وَفِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مَنْفَعَةُ تَوْفِيرِ
стр. 4410
حَقِّهِ عَلَيْهِ فَيَخْتَارُ أَيُّ ذَلِكَ صُنْعَ بِهِ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، وَمِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ كَانَ بَاشَرَهُ الْغَاصِبُ إلَّا أَنَّ تَمَامَ الِاسْتِحْقَاقِ فِي مِقْدَارِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الدَّيْنَ إنْ كَانَ أَقَلَّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ إنَّمَا لَمْ يُسَلَّمْ لِشَغْلِ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ، فَالْغَاصِبُ مَا صَارَ ضَامِنًا إلَّا مِقْدَارَ قِيمَتِهِ، وَلَا يَكُونُ هَذَا عَلَى مَا لَوْ فَاتَ فِي يَدِهِ، فَإِنْ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ، وَلَوْ أَلْفًا فَأَدَّاهُ، وَأَخَذُوا مِنْ الْغَاصِبِ قِيمَتَهُ أَيْضًا كَانَتْ هَذِهِ الْقِيمَةُ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ كَسْبِهِ الَّذِي أَخَذَهُ الْغُرَمَاءُ وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْكَسْبِ فَكَذَلِكَ فِيمَا قَامَ مَقَامَ الْكَسْبِ، وَالْعَبْدُ رَهْنٌ عَلَى حَالِهِ.
وَلَوْ بِيعَ الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ، فَاسْتَوْفَى الْغَرِيمُ حَقَّهُ رَجَعُوا عَلَى الْغَاصِبِ بِالْقِيمَةِ وَكَانَتْ رَهْنًا؛ لِأَنَّ مَا يَغْرَمُهُ الْغَاصِبُ هُنَا بَدَلِ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ الْمَدْفُوعِ إلَى الْغَرِيمِ، وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ كَانَ ثَابِتًا فِيهِ فَإِنْ بَاعُوهُ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ وَالدَّيْنُ أَلْفٌ، وَالرَّهْنُ الْأَوَّلُ أَلْفٌ قَضَوْا لِلْغُرَمَاءِ أَلْفًا، وَضَمِنُوا لِلْغَاصِبِ ثُلُثَ قِيمَتِهِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْأَلْفَانِ، وَثُلُثُ الْقِيمَةِ رَهْنًا بِالْمَالِ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ أَلْفَانِ وَقَدْ بَقِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَقْضِ شَيْئًا مِنْ الْمَالِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَصْلٌ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ وَإِنَّمَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ ثُلُثَ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالسَّبَبِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ ثُلُثُ بَدَلِ الْعَبْدِ، وَلَوْ اسْتَحَقَّ جَمِيعَ الْبَدَلِ مَا كَانَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ إلَّا بِقِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَحَقَّ ثُلُثَ بَدَلِهِ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِثُلُثِ الْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانُوا بَاعُوهُ بِأَلْفَيْنِ فَقَضَوْا غَرِيمَ الْعَبْدِ أَلْفَيْنِ رَجَعُوا عَلَى الْغَاصِبِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالسَّبَبِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ نِصْفُ بَدَلِهِ وَكَانَتْ هَاتَانِ الْأَلْفَانِ رَهْنًا بِالْمَالِ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ شَيْءٌ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَوْ تَرَى مَا عَلَى الْغَاصِبِ كَانَتْ هَذِهِ الْأَلْفُ الَّتِي بَقِيَتْ رَهْنًا بِنِصْفِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْمَالِيَّةِ تَلِفَ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّ بِغَصْبِ الْغَاصِبِ لَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ.
وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ رَهْنًا بِأَلْفٍ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَبَاعَهُ الْعَدْلُ بِأَلْفَيْنِ، وَكَانَ مُسَلَّطًا عَلَى الْبَيْعِ فَتَوَتْ إحْدَاهُمَا، وَخَرَجَتْ الْأُخْرَى اسْتَوْفَاهَا الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ الْأُخْرَى زِيَادَةٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ مَا تَوَى كَانَ مِنْ الزِّيَادَةِ لَا مِنْ الْأَصْلِ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَنِصْفُ هَذِهِ الْأَلْفِ الَّتِي خَرَجَتْ لِلْمُرْتَهِنِ وَنِصْفُهَا لِلرَّاهِنِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ نِصْفَ الْمَالِيَّةِ مَشْغُولٌ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَنِصْفُهَا بِحَقِّ الرَّاهِنِ فَمَا خَرَجَ مِنْ الْبَدَلِ يَكُونُ نِصْفَيْنِ وَمَا تَوَى عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ، وَلَوْ بَاعَهُ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ، فَخَرَجَتْ الْأَلْفُ، وَتَوَى أَلْفَانِ كَانَ مَا يَخْرُجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ الثَّالِثَةَ زِيَادَةٌ فَيُجْعَلُ التَّاوِي بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مَا كَانَ أَصْلًا وَهُوَ
стр. 4411
أَلْفَانِ فَكَانَ هَذِهِ، وَمَا لَوْ بِيعَ الْعَبْدُ بِأَلْفَيْنِ سَوَاءً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ جِنَايَةِ الرَّهْنِ فِي الْحَفْرِ]
(قَالَ ﵀): وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ رَهْنًا بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُ: أَلْفٌ ثُمَّ غَصَبَهُ رَجُلٌ فَحَفَرَ عِنْدَهُ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ وَوَضَعَ فِي الطَّرِيقِ حَجَرًا ثُمَّ رَدَّهُ الْغَاصِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَافْتَكَّهُ الرَّاهِنُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ ثُمَّ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ إنْسَانٌ، فَمَاتَ قِيلَ لِلرَّاهِنِ ادْفَعْ عَبْدَكَ أَوْ افْدِهِ بِالدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ صَارَ جَانِيًا عَلَى الْوَاقِعِ بِالْحَفْرِ السَّابِقِ عِنْدَ وُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ، فَإِنَّهُ بِالْحَفْرِ مُتَسَبِّبٌ لِإِتْلَافِهِ بِإِزَالَةِ مَا بِهِ كَانَ يَسْتَمْسِكُ عَلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا التَّسْبِيبِ، وَحِينَ صَنَعَ هَذَا كَانَ مِلْكًا لِلرَّاهِنِ وَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ عِنْدَ الْوُقُوعِ أَيْضًا، فَيُخَاطَبُ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِيَدِهِ، وَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الرَّدِّ لَمْ يُسَلَّمْ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَاصِرًا حِينَ اسْتَحَقَّ بِسَبَبِ فِعْلٍ كَانَ بَاشَرَهُ عِنْدَهُ، وَقِيلَ: بَلْ الْمُرْتَهِنُ هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَتِهِ فَيَدْفَعُهُ إلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ فَوَّتَ يَدَ الْمَرْهُونِ بِغَصْبِهِ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ، فَإِنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْيَدِ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ دَيْنُهُ وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ حَقُّهُ فَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ الْآنَ حَقُّ الْمَالِكِ، فَهُوَ الَّذِي يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِالْقِيمَةِ فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ مُفْلِسًا أَوْ غَائِبًا رَجَعَ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِاَلَّذِي قَضَاهُ إذَا كَانَ الرَّهْنُ وَالدَّيْنُ سَوَاءً حَتَّى يَكُونَ الْفِدَاءُ مِنْ مَالِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ حَفَرَ كَانَ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الرَّاهِنِ.
(أَلَا تَرَى): أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَتَوَتْ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ سَقَطَ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ بِالْفِكَاكِ لَمْ يُسَلِّمْ لِلرَّاهِنِ حِينَ اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ بِسَبَبٍ كَانَ قَبْلَ الْفِكَاكِ، فَيُجْعَلُ كَالْهَالِكِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ وَفِي هَذَا مَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الْمُسْتَوْفَى؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بِالْفِكَاكِ فِي يَدِهِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ فَإِنْ عَطِبَ بِالْحَفْرِ آخَرُ فَمَاتَ وَقَدْ دُفِعَ الْعَبْدُ إلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِصَاحِبِ الْبِئْرِ: ادْفَعْ نِصْفَهُ أَوْ افْدِهِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَتَيْنِ قَدْ حَصَلَتَا فِي مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نِصْفِ الْعَبْدِ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْبِئْرِ قَدْ مَلَكَ جَمِيعَ الْعَبْدِ حِينَ دُفِعَ إلَيْهِ فَقَامَ هُوَ فِي نَصِيبِ صَاحِبِ الْحَفْرِ مَقَامَ الْمَوْلَى، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نِصْفَهُ أَوْ يَفْدِيَهُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ، وَلَا يَتْبَعُ الْمُرْتَهِنُ وَلَا الْمَوْلَى مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ سِوَى الَّذِي تَبِعَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّ جِنَايَاتِ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَثُرَتْ لَا تُوجِبُ عَلَى الْمَوْلَى إلَّا دَفْعَ الْعَبْدِ، وَقَدْ دُفِعَ الْعَبْدُ، وَاَلَّذِي عَطِبَ بِالْحَفْرِ مِثْلُ آخَرَ لَوْ وَقَعَ فِي
стр. 4412
الْبِئْرِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ وَاحِدٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَإِذَا حَفَرَ الْعَبْدُ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ، وَهُوَ رَهْنٌ بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَوَقَعَ فِيهَا عَبْدٌ فَذَهَبَتْ عَيْنَاهُ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الْعَبْدَ - الرَّهْنَ - أَوْ يَفْدِيهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ فَقَأَ عَيْنَيَّ الْعَبْدِ بِيَدِهِ، وَالْفِدَاءُ كُلُّهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ كُلَّهُ مَضْمُونٌ بِالدَّيْنِ، فَإِنْ فِدَاهُ، فَهُوَ رَهْنٌ عَلَى حَالِهِ، وَأَخَذَ الْمُرْتَهِنُ الْعَبْدَ الْأَعْمَى، فَكَانَ لَهُ مَكَانَ مَا أَدَّى مِنْ الْفِدَاءِ وَإِنْ دَفَعَ الْعَبْدَ - الرَّهْنَ - وَأَخَذَ الْأَعْمَى كَانَ رَهْنًا مَكَانَهُ بِالْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي حُكْمِ الرَّهْنِ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ آخَرُ اشْتَرَكُوا فِي الْعَبْدِ الْحَافِرِ بِحِصَّةِ ذَلِكَ أَوْ يَفْدِيهِ مَوْلَاهُ الَّذِي عِنْدَهُ بِالْأَلْفِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَتَيْنِ اسْتَنَدَتَا إلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ، فَكَأَنَّهُمَا وُجِدَتَا مَعًا فَيَكُونُ حَقُّ الْوَلِيَّيْنِ فِي الْعَبْدِ وَلَا يَلْحَقُ الْأَعْمَى مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْجَانِي فِي حُكْمِ الرَّهْنِ لَا فِي حُكْمِ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ بِالدَّفْعِ خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الرَّهْنِ وَتَقَرَّرَ حُكْمُ الْجِنَايَةِ فِيهِ فَلِهَذَا لَا يَلْحَقُ الْأَعْمَى مِنْ جِنَايَتِهِ وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ دَابَّةٌ وَعَطِبَتْ أَخَذَ عَنْهَا الْعَبْدَ فِي يَدَيْ أَصْحَابِهِ حَتَّى يُبَاعَ لَهُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَتَانِ مِنْ الْعَبْدِ بِيَدِهِ، فَإِنْ قَتَلَ إنْسَانًا وَأَتْلَفَ مَالَ آخَرَ فَهُنَاكَ يُدْفَعُ بِالْجِنَايَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ يُبَاعُ بِالدَّيْنِ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الدَّيْنَ.
وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا مُجَانَسَةَ فِي مُوجَبِ الْفِعْلَيْنِ هُنَا فَالْمُسْتَحَقُّ بِالْجِنَايَةِ نَفْسُهُ، وَالْمُسْتَحَقُّ بِالِاسْتِهْلَاكِ بَيْعُهُ فِي الدَّيْنِ، فَلَا تَثْبُتُ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنَّ إيفَاءَ الْحَقَّيْنِ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُدْفَعَ بِالْجِنَايَةِ ثُمَّ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ فَلَا يَلْحَقُ الْأَعْمَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِمَا قُلْنَا.
فَإِنْ بِيعَ الْعَبْدُ فِي ثَمَنِ الدَّابَّةِ ثُمَّ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ آخَرُ فَمَاتَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْشٌ، وَدَمُهُ هَدَرٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ الَّذِي كَانَ فِيهِ حِينَ حَفَرَ قَدْ فَاتَ وَتَجَدَّدَ لِلْمُشْتَرِي مِلْكٌ بِسَبَبٍ مُبْتَدَأٍ فَلَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ هَذَا الْمِلْكُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَذَلِكَ الْمِلْكُ الَّذِي كَانَ قَدْ فَاتَ، فَكَأَنَّهُ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَمْدًا بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْبَيْعِ فِي الدَّيْنِ فَإِنَّ مِلْكَ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ خَلْفٌ عَنْ مِلْكِ الْمَوْلَى فَيَبْقَى حُكْمُ ذَلِكَ الْفِعْلِ حَتَّى إذَا وَقَعَ فِيهِ آخَرُ شَارَكَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ فِي رَقَبَتِهِ فَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ دَابَّةٌ أُخْرَى شُرِكُوا أَصْحَابَ الدَّابَّةِ الْأَوْلَى فِي الثَّمَنِ بِقَدْرِ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ إتْلَافَ الدَّابَّتَيْنِ مِنْ الْعَبْدِ أُسْنِدَ إلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ وَبَيْنَهُمَا مُجَانِسَةٌ فِي الْمُوجَبِ فَكَانَ حَقُّهَا فِي الثَّمَنِ وَهُوَ قَائِمٌ فِي يَدِ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ، وَهُوَ رَهْنٌ بِأَلْفِ وَقِيمَتُهَا أَلْفَانِ ثُمَّ جَنَى بَعْدَ الْحَفْرِ عَلَى عَبْدٍ فَفَقَأَ عَيْنَهُ فَدَفَعَ وَاحِدٌ الْعَبْدَ، فَهُوَ رَهْنٌ مَكَانَهُ، فَإِنْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ عَبْدٌ آخَرُ فَذَهَبَتْ عَيْنَاهُ قِيلَ لِمَوْلَاهُ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ: ادْفَعْ نِصْفَهُ وَخُذْ هَذَا الْعَبْدَ الْأَعْمَى أَوْ افْدِهِ بِقِيمَةِ الْأَعْمَى لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّ مِلْكَهُ فِي الْعَبْدِ الْمَدْفُوعِ خَلْفٌ عَنْ مِلْكِ الْمَوْلَى، فَيَبْقَى فِعْلُهُ بِاعْتِبَارِهِ وَمُوجَبُ الْجِنَايَتَيْنِ وَاحِدٌ فَثَبَتَتْ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ حَقُّ مَوْلَى الْعَبْدِ الْوَاقِعِ فِي الْبِئْرِ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ الْمَدْفُوعِ إلَّا أَنَّهُ
стр. 4413
الْآنَ فِي مِلْكِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، فَيَقُومُ هُوَ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ مَقَامَ الْمَوْلَى إنْ شَاءَ دَفَعَ النِّصْفَ إلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ فَدَاهُ بِقِيمَةِ هَذَا الْأَعْمَى، وَأَخَذَ الْأَعْمَى، فَكَانَ لَهُ بِمُقَابَلَةِ مَا أَدَّى، وَالْعَبْدُ الْأَعْمَى، وَالْأَوَّلُ رَهْنٌ بِأَلْفٍ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَدْفُوعِ فِي حُكْمِ الرَّهْنِ، فَإِنْ كَانَ الْأَعْمَى الْأَوَّلُ أَمَةً فَوَلَدَتْ وَلَدًا ثُمَّ مَاتَتْ هِيَ، قُسِّمَ الْأَلْفُ عَلَى قِيمَتِهَا، وَقِيمَةِ وَلَدِهَا فَيَبْطُلُ مَا أَصَابَ قِيمَتَهَا؛ لِأَنَّهَا مَرْهُونَةٌ بِجَمِيعِ الْأَلْفِ فَكَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي رُهِنَتْ فِي الِابْتِدَاءِ فَوَلَدَتْ فَيُقَسَّمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ وَلَدِهَا إلَّا أَنَّهُ تُعْتَبَرُ فِي الْقِسْمَةِ قِيمَتُهَا عَمْيَاءُ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُقَوَّمُ حِينَ ثَبَتَ حُكْمُ الرَّهْنِ فِيهَا وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الرَّهْنِ فِيهَا وَهِيَ عَمْيَاءُ.
وَإِذَا احْتَفَرَ الْعَبْدُ - الرَّهْنُ - بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ أَوْ وَضَعَ فِيهَا شَيْئًا فَعَطِبَ بِهِ الرَّاهِنُ، أَوْ أَحَدٌ مِنْ رَقِيقِهِ لَمْ يَلْحَقْهُ مِنْ ذَلِكَ ضَمَانٌ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ جَنَى بِيَدِهِ عَلَى الرَّاهِنِ أَوْ عَلَى رَقِيقِهِ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهَا الْمُرْتَهِنُ، أَوْ أَحَدٌ مِنْ رَقِيقِهِ فَهَذَا وَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ بِيَدِهِ سَوَاءٌ، فِيمَا اخْتَلَفُوا وَفِيمَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ كَانَ فِي قِيمَتِهِ فَضْلٌ عَنْ الدَّيْنِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْفُصُولَ فِي جِنَايَتِهِ بِيَدِهِ، فَكَذَلِكَ فِي جِنَايَتِهِ بِحَفْرِ الْبِئْرِ.
وَإِذَا أَمَرَهُ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا فِي فِنَائِهِ فَعَطِبَ فِيهَا الرَّاهِنُ أَوْ غَيْرُهُ فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْفِرَ فِي فِنَائِهِ، فَإِنَّ الْفِنَاءَ اسْمٌ لِمَوْضِعٍ يَتَّصِلُ بِمِلْكِهِ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لَهُ مُعَدٍّ لِمَنَافِعِهِ، وَهُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِرَبْطِ الدَّوَابِّ، وَكَسْرِ الْحَطَبِ فِيهِ فَيَكُونُ التَّدْبِيرُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَيْهِ وَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْفِرَ فِيهِ بِنَفْسِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِهِ وَفِعْلُ الْعَبْدِ كَفِعْلِ الْمُرْتَهِنِ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ فَعَلَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ فَعَطِبَ فِيهِ الرَّاهِنُ كَانَ عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا فَعَلَهُ الْعَبْدُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَوْضِعُ مَمْلُوكًا لَهُ تَقَيَّدَ فِعْلُهُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ كَانَ هُوَ ضَامِنًا لِمَا يَعْطَبُ بِسَبَبِ فِعْلِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّاهِنُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فِي فَنَاءِ نَفْسِهِ كَانَ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّاهِنِ.
وَلَوْ أَمَرَهُ الرَّاهِنُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا فَقَتَلَهُ فَدُفِعَ بِهِ كَانَ عَلَى الَّذِي أَمَرَهُ بِذَلِكَ، قِيمَتُهُ فَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ أَمَّا مُوجَبُ الْجِنَايَةِ هُنَا فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ أَوْ الْمُرْتَهِنَ لَا يَمْلِكَانِ مُبَاشَرَةَ الْقَتْلِ بِأَيْدِيهِمَا، فَلَا يُعْتَبَرُ أَمْرُهُمَا فِي نَقْلِ فِعْلِ الْعَبْدِ إلَيْهِمَا، وَإِذَا بَقِيَ الْعَبْدُ جَانِيًا كَانَ مُؤَاخَذًا بِمُوجَبِ الْجِنَايَةِ فِي الْأَوَّلِ، وَاعْتُبِرَ أَمْرُهُمَا فِي الْحَفْرِ فِي الْفِنَاءِ لِمَا قُلْنَا فَيُنْقَلُ فِعْلُ الْعَبْدِ إلَى الْآمِرِ، فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ثُمَّ الْآمِرُ فِي مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ صَارَ مُسْتَعْمِلًا لِلْعَبْدِ غَاصِبًا، فَإِذَا اسْتَحَقَّ بِذَلِكَ السَّبَبِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهِ وَالْقِيمَةُ قَائِمَةٌ مَقَامَهُ، فَيَكُونُ رَهْنًا، وَكَذَلِكَ لَوْ بَعَثَهُ لِيَسْتَقِيَ دَابَّتَهُ فَوَطِئَتْ إنْسَانًا؛ لِأَنَّهُ بِالِاسْتِعْمَالِ صَارَ غَاصِبًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعَثَهُ الرَّاهِنُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِن دُفِعَ بِالْجِنَايَةِ، وَكَانَ الدَّيْنُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ ضَمَانِ الدَّيْنِ
стр. 4414
حِينَ بَعَثَهُ الرَّاهِنُ فِي حَاجَتِهِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَعَارَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّاهِنِ، وَلَوْ مَاتَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَسْقُطْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَحَقَّ بِجِنَايَةٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَعَثَهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَوْ اسْتَعَارَهُ مِنْ الرَّاهِنِ فَمَا دَامَ يَعْمَلُ لَهُ بِحُكْمِ الْعَارِيَّةِ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ لَوْ هَلَكَ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَحَقَّ بِجِنَايَةٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَإِذَا أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِالْأَمَةِ - الرَّهْنِ - لِرَجُلٍ فَزَوَّجَهَا ذَلِكَ الرَّجُلَ جَازَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِقْرَارِ سَلَّطَ الْمُقَرَّ لَهُ عَلَى تَزَوُّجِهَا، وَلَوْ زَوَّجَهُ بِنَفْسِهِ جَازَ النِّكَاحُ، فَكَذَلِكَ إذَا زَوَّجَهَا ذَلِكَ الرَّجُلَ جَازَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِقْرَارِ سَلَّطَ الْمُقَرَّ لَهُ عَلَى تَزْوِيجِهَا وَلَوْ زَوَّجَهُ بِنَفْسِهِ جَازَ النِّكَاحُ فَكَذَلِكَ إذَا زَوَّجَهَا غَيْرَهُ بِتَسْلِيطِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ فِي الْعِتْقِ فَالتَّزْوِيجُ بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ فِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يُقِرَّ بِهَا؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مَمْنُوعٌ مِنْ غَشَيَانِهَا بِنَفْسِهِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَكَذَلِكَ يُمْنَعُ مِنْهُ الْمُقِرُّ لَهُ، أَوْ مَنْ زَوَّجَهَا مِنْهُ الْمُقِرُّ لَهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ غَشِيَهَا الزَّوْجُ رُبَّمَا تَحْمِلُ فَتَنْقُصُ مَالِيَّتُهَا بِسَبَبِ الْحَبَلِ، وَرُبَّمَا تَتَعَسَّرُ عَلَيْهَا الْوِلَادَةُ فَتَمُوتُ مِنْهَا وَفِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ مَا لَا يَخْفَى.
وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ أَمَةً لَهَا زَوْجٌ كَانَ الرَّهْنُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الْمَنْكُوحَةَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ مَالِيَّتِهَا بِالْبَيْعِ فَيَكُونُ رَهْنًا جَائِزًا، فَإِنْ غَشِيَهَا الزَّوْجُ، فَهَلَكَتْ مِنْ ذَلِكَ فَفِي الْقِيَاسِ: تَهْلِكُ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا غَشِيَهَا بِتَسْلِيطِ الرَّاهِنِ حِينَ زَوَّجَهَا مِنْهُ، فَيُجْعَلُ فِعْلُهُ كَفِعْلِ الرَّاهِنِ بِنَفْسِهِ (أَلَا تَرَى): أَنَّهُ لَوْ زَوَّجَهَا بَعْدَ الرَّهْنِ فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ، فَمَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ كَانَتْ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ التَّزْوِيجُ قَبْلَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ مَوْتَهَا مِنْ الْوَطْءِ لَا مِنْ التَّزْوِيجِ وَالْوَطْءُ فِي الْفَصْلَيْنِ ابْتِدَاءً فِعْلٌ مِنْ الْوَاطِئِ بَعْدَ الرَّهْنِ، وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ أَنْ يَجْعَلَهَا هَالِكَةً مِنْ الرَّهْنِ حَتَّى يَسْقُطُ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الرَّاهِنِ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ فِعْلٌ يَصِيرُ بِهِ مُسَلَّطًا عَلَى إتْلَافِهَا بَلْ الْمُرْتَهِنُ حِينَ قَبِلَ الرَّهْنَ فِيهَا مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهَا مَنْكُوحَةٌ فَقَدْ صَارَ رَاضِيًا بِهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِوَطْءِ الزَّوْجِ إيَّاهَا، وَلَكِنْ لَا مُعْتَبَرَ بِرِضَاهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّهِ وَالْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّ الزَّوْجِ بِالرَّهْنِ هُنَا، فَلِهَذَا يُجْعَلُ كَأَنَّهَا مَاتَتْ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ فَسَقَطَ الدَّيْنُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ التَّزْوِيجُ بَعْد الرَّهْنِ، فَقَدْ وُجِدَ هُنَاكَ مِنْ الرَّاهِنِ بَعْدَ الرَّهْنِ تَسْلِيطُ الزَّوْجِ عَلَى وَطْئِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ الرِّضَا مِنْ الْمُرْتَهِنِ بِذَلِكَ وَالزَّوْجُ مَمْنُوعٌ مِنْ وَطْئِهَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ هُنَا فَإِنْ حَقَّهُ سَابِقٌ عَلَى حَقِّ الزَّوْجِ، فَلِهَذَا إذَا هَلَكَتْ مِنْ الْوَطْءِ يُجْعَلُ كَأَنَّهَا هَلَكَتْ بِفِعْلِ الرَّاهِنِ فَلَا يَسْقُطُ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ.
وَإِذَا أَشْهَدَ الرَّاهِنَانِ بِالرَّهْنِ
стр. 4415
لِإِنْسَانٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنَيْنِ فَهُمَا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ يُرِيدَانِ السَّعْيَ فِي نَقْضِ مَا قَدْ تَمَّ بِهِمَا، وَإِبْطَالِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ الْمُسْتَحَقَّةِ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ شَهِدَ بِهِ الْمُرْتَهِنَانِ جَازَ؛ لِأَنَّهُمَا مُمَكَّنَانِ مِنْ رَدِّ الرَّهْنِ مَتَى شَاءَا، فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ إبْطَالُ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِمَا بَلْ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ ضَرَرٌ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ حَقَّ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ كَانَ ثَابِتًا لَهُمَا وَيَبْطُلُ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمَا فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ وَلَوْ شَهِدَ بِهِ كَفِيلَانِ بِالْمَالِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الرَّاهِنَيْنِ، وَلَوْ شَهِدَ بِهِ ابْنَا الرَّاهِنِ، أَوْ ابْنَا الْكَفِيلِ، وَالْأَبُ مُنْكِرٌ جَازَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَبِيهِمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ بِهِ ابْنَا الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى أَبِيهِمَا بِبُطْلَانِ حَقِّهِ فِي ثُبُوتِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ.
وَلَوْ كَانَ الرَّاهِنُ مُكَاتَبًا أَوْ عَبْدًا تَاجِرًا، فَشَهِدَ مَوْلَيَاهُ بِذَلِكَ وَهُوَ مُنْكِرٌ جَازَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى مُكَاتَبِهِمَا أَوْ عَبْدِهِمَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْمِلْكِ وَالْكَسْبِ عَلَيْهِ، وَبِبُطْلَانِ الْعَقْدِ الَّذِي بَاشَرَهُ.
وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الرَّهْنِ أَنَّهُ لَهُ وَأَنَّ رَاهِنَهُ سَرَقَهُ مِنْهُ وَسَأَلَ الْمُرْتَهِنَ أَنْ يُخْرِجَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ فَأَبَى ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي إخْرَاجِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إثْبَاتِ دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ إلَّا بَعْدَ إحْضَارِ الْعَيْنِ لِيُشِيرَ إلَيْهِ فِي الدَّعْوَى، وَيُشِيرَ إلَيْهِ الشُّهُودُ فِي الشَّهَادَةِ، وَالْمُرْتَهِنُ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِحْضَارِ مُتَعَنِّتٌ قَاصِدٌ الْإِضْرَارَ بِهِ فَيَمْنَعُهُ الْقَاضِي مِنْ ذَلِكَ.
وَإِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ رَهْنًا وَأَقَرَّ أَنَّ قِيمَتَهُ أَلْفٌ ثُمَّ جَاءَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَقِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَقَالَ الرَّاهِنُ: لَيْسَ هَذَا مَتَاعِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى صِفَةِ مَتَاعِهِ أَنَّهُ يُسَاوِي أَلْفًا، وَاَلَّذِي أَحْضَرَهُ لَيْسَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ فَالظَّاهِرُ شَاهِدٌ لِلرَّاهِنِ فَيُجْعَلُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا قَبِلْنَا قَوْلَهُ كَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنْ يَجِيءَ بِمَتَاعٍ يُسَاوِي أَلْفًا أَوْ يَحْكُمَ بِأَنَّ الرَّهْنَ هَلَكَ فِي يَدِهِ فَيَسْقُطَ دَيْنُهُ.
وَإِذَا بَاعَ رَجُلَانِ شَيْئًا مِنْ رَجُلٍ إلَى رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُمَا هَذَا الْعَبْدَ فَفَعَلَ ثُمَّ شَهِدَا أَنَّ الرَّهْنَ لِفُلَانٍ فَإِنْ قَالَا فَنَحْنُ نَرْضَى أَنْ يَكُونَ دَيْنًا إلَى أَجَلٍ بِغَيْرِ رَهْنٍ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا لِخُلُوِّهَا عَنْ التُّهْمَةِ فَإِنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لَهُمَا فِي قَبُولِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ حِينَ أَسْقَطَا حَقَّهُمَا فِي الْمُطَالَبَةِ بِرَهْنٍ آخَرَ بَلْ عَلَيْهِمَا فِيهِ ضَرَرٌ، وَإِنْ قَالَا لَا نَزِيدُ رَهْنًا غَيْرَهُ أَوْ يُرَدُّ عَلَيْنَا مَتَاعُنَا أُبْطِلَتْ شَهَادَتُهُمَا لِتَمَكُّنِ التُّهْمَةِ فِيهَا، فَإِنَّهُمَا يَشْهَدَانِ لِأَنْفُسِهِمَا بِثُبُوتِ حَقِّ مُطَالَبَةِ الرَّاهِنِ بِرَهْنٍ آخَرَ، أَوْ رَدِّ الْمَتَاعِ عَلَيْهِمَا.
وَإِذَا بَاعَ مَتَاعًا مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ رَهْنًا بِعَيْنِهِ فَاسْتَحَقَّ أَوْ هَلَكَ قَبْلَ الرَّهْنِ أَوْ رَهَنَهُ رَهْنًا يَرْضَى بِهِ أَوْ أَعْطَاهُ قِيمَةَ ذَلِكَ الرَّهْنِ فَيَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ، أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ مَالَهُ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا
следующие страницы →