Полный текст (6 278 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.
стр. 5881
وَثُلُثُ مَالِهِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَثُلُثَا أَلْفٍ، وَقَدْ سَلِمَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مِقْدَارُ أَلْفٍ فَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ مِنْ الدِّيَةِ أَلْفَيْنِ وَثُلُثَيْ أَلْفٍ وَيُسَلَّمُ لِلْوَرَثَةِ سَبْعَةُ آلَافٍ وَثُلُثُ أَلْفٍ، وَقَدْ نَفَّذْنَا الْوَصِيَّةَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَثُلُثَيْ أَلْفٍ فَاسْتَقَامَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ.
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ فَالْجَوَابُ كَمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَإِنَّهُ يَفْدِيهِ بِجَمِيعِ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَالَ الْمَيِّتِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَيَكُونُ ثُلُثُهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ نِصْفُ الثُّلُثِ فَعَرَفْنَا أَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ لَمْ تَزِدْ عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِ فَلِهَذَا جَازَتْ الْهِبَةُ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ وَيُسَلَّمُ لِلْمُوصَى لَهُ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ، وَذَلِكَ أَلْفَا دِرْهَمٍ وَلِلْوَرَثَةِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ فَيَسْتَقِيمُ الثُّلُثُ فَإِنْ قِيلَ هَذَا الْجَوَابُ يَحْتَمِلُ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُوصًى لَهُ بِثُلُثِ الْمَالِ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَالْآخَرُ مُوصًى لَهُ بِالْعَبْدِ وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ فَكَيْفُ يُجْعَلُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَحَقُّ أَحَدِهِمَا ضِعْفُ حَقِّ الْآخَرِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا قُلْنَا هُوَ كَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ
لِلضَّرُورَةِ
لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْقُصْ حَقُّ الْمَوْهُوبِ لَهُ احْتَاجَ إلَى نَقْصِ الْهِبَةِ فِي بَعْضِ الْهِبَةِ وَبِقَدْرِ ذَلِكَ يَنْقُصُ مِنْ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْفِدَاءِ بِقَدْرِ مَا تَجُوزُ فِيهِ الْهِبَةُ.
فَأَمَّا مَا تَنْتَقِصُ فِيهِ الْهِبَةُ مِنْ الْعَبْدِ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ. وَإِذَا انْتَقَصَ الْفِدَاءُ انْتَقَصَ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ فَلَمْ يَبْقَ هُنَا وَجْهٌ سِوَى تَصْحِيحِ الْهِبَةِ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ لِيَفْدِيَهُ بِجَمِيعِ الدِّيَةِ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَوْفِيرَ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ وَحُكِيَ أَنَّ ابْنِ جَمَاعَةَ ﵀ كَتَبَ إلَى مُحَمَّدٍ ﵀ حِينَ كَانَ بِالرَّقَّةِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا تَخْرُجُ عَلَى الْأُصُولِ الْمَعْرُوفَةِ فَكَتَبَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﵀ هُوَ كَمَا قُلْت، وَإِنَّمَا لَمْ نَعْرِفْ حِسَابًا يَتَبَيَّنُ لَنَا بِهِ قَدْرَ مَالِ الْمَيِّتِ فَإِنَّا كُلَّمَا نَقَصْنَا الْهِبَةَ فِي شَيْءٍ انْتَقَصَ مَالُ الْمَيِّتِ بِقَدْرِهِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَك ذَلِكَ الْحِسَابُ فَمُنَّ عَلَيْنَا بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْنِ فَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ رَدَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ بِنَقْصِ الْهِبَةِ وَيَدْفَعُ الْخُمُسَ بِالْجِنَايَةِ، وَيَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ خُمُسُ الْعَبْدِ لِمَا بَيَّنَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الطَّرِيقَ عِنْدَ اخْتِيَارِ الدَّفْعِ لَا يَخْتَلِفُ، وَإِنْ قَالَ أَنَا أَفْدِي وَقِيمَةُ الْعَبْدِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ رَدَّ خَمْسَة أَثْمَانِهِ بِنَقْصِ الْهِبَةِ وَفَدَى ثَلَاثَةَ أَثْمَانِهِ بِثَلَاثَةِ أَثْمَانِ الدِّيَةِ وَيُعْطَى الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ مِنْ الدِّيَةِ مِثْلُ ثَلَاثَةِ أَثْمَانِ الْعَبْدِ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ لِأَنَّ تَجْوِيزَ الْهِبَةِ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ هُنَا غَيْرُ مُمْكِنٌ فَإِنَّهُ لَا يَفْدِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ فَصَارَ مَالُ الْمَيِّتِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفًا فَثُلُثُ مَالِهِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَثُلُثُ أَلْفٍ. فَإِذَا جَوَّزْنَا الْهِبَةَ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ لَمْ يَبْقَ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَلْفٌ وَثُلُثٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ وَصِيَّتُهُ أَقَلَّ مِنْ وَصِيَّةِ الْعَبْدِ. فَإِذَا تَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْهِبَةِ فِي جَمِيعِهِ قُلْنَا السَّبِيلُ فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ مَا تَجُوزُ فِيهِ الْهِبَةُ أَنْ تَقُولَ الْهِبَةُ يَكُونُ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ
стр. 5882
وَإِنَّمَا تَجُوزُ الْهِبَةُ فِي سَهْمٍ مِنْهُ وَهُوَ نِصْفُ الثُّلُثِ، ثُمَّ يُفْدَى ذَلِكَ السَّهْمُ بِثَلَاثَةِ أَمْثَالِهِ وَمِثْلِ ثُلُثِهِ لِأَنَّ الدِّيَةَ مِنْ الْقِيمَةِ هَكَذَا فَإِنَّ الْقِيمَةَ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ وَالدِّيَةَ عَشَرَةُ آلَافٍ.
فَإِذَا فَدَاهُ بِذَلِكَ ازْدَادَ مَالُ الْمَيِّتِ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَثُلُثٍ. فَالسَّبِيلُ أَنْ يُطْرَحَ مِنْ أَصْلِ حَقِّهِمْ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَثُلُثٌ يَبْقَى الْعَبْدُ عَلَى سَهْمَيْنِ وَثُلُثَيْ سَهْمٍ فَانْكَسَرَ بِالْأَثْلَاثِ فَاضْرِبْهُ فِي ثَلَاثَةٍ فَيَكُونُ ثَمَانِيَةً وَحَقُّ الْوَرَثَةِ فِي سَهْمَيْنِ وَحَقُّ الْمُوصَى لَهُ فِي ثَلَاثَةٍ وَحَقُّ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي ثَلَاثَةٍ فَلِهَذَا جَازَتْ الْهِبَةُ لَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْمَانِهِ، ثُمَّ يَفْدِي ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَثْمَانِ الدِّيَةِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ آلَافِ وَسَبْعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ وَمِنْ حَيْثُ السِّهَامُ إنَّمَا يَفْدِي هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بِعَشَرَةِ أَسْهُمٍ ثَلَاثَةٌ أَمْثَالِهِ وَمِثْلُ ثُلُثِهِ فَيَصِيرُ لِلْوَرَثَةِ اثْنَا عَشَرَ، وَقَدْ نَفَّذْنَا الْهِبَةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ثُلُثِهِ فَيَسْتَقِيمُ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ.
وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ يَقُولُ يُجْعَلُ كُلُّ أَلْفٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ فَتَكُونُ الدِّيَةُ ثُلُثَيْنِ وَالْعَبْدُ تِسْعَةً، ثُمَّ يَجُوزُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الْهِبَةُ فِي سُدُسِ الْعَبْدِ فَيَفْدِيهِ بِسُدُسِ الدِّيَةِ وَهُوَ خَمْسَةٌ فَيَزْدَادُ نَصِيبُ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ بِهَذِهِ الْخَمْسَةِ.
فَالسَّبِيلُ أَنْ يُطْرَحُ مِنْ نَصِيبِهِمَا خَمْسَةٌ يَبْقَى لَهُمَا سَهْمَانِ وَنِصْفٌ لِأَنَّ سِهَامَ الْعَبْدِ تِسْعَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ وَنِصْفٌ وَلِلْوَرَثَةِ سِتَّةٌ فَذَلِكَ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إذَا طَرَحْت مِنْهُ خَمْسَةً يَبْقَى سَهْمَانِ وَنِصْفٌ فَأَضْعِفْهُ فَيَصِيرُ حَقُّهُمَا خَمْسَةً وَحَقُّ الْمَوْهُوبِ لَهُ ثَلَاثَةً فَلِهَذَا صَارَ الْعَبْدُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ الْهِبَةُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْمَانِهِ مِقْدَارُ ذَلِكَ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَلْفٌ وَمِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، ثُمَّ يَفْدِي ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَثْمَانِ الدِّيَةِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَسَبْعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ فَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ مِثْلَ مَا سَلِمَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ مِنْ الدِّيَةِ أَلْفَانِ وَسِتُّمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَمِنْ الْعَبْدِ خَمْسَةُ أَثْمَانِهِ مِقْدَارُ ذَلِكَ أَلْفٌ وَثَمَانُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ. فَإِذَا جَمَعْت بَيْنَهُمَا تَصِيرُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَخَمْسَمِائَةٍ، وَذَلِكَ مِثْلَا مَا نَفَّذْنَا فِيهِ الْهِبَةَ وَالْوَصِيَّةَ فَاسْتَقَامَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إلَى عَشَرَةِ آلَافٍ وَطَرِيقُ التَّخْرِيجِ فِيهِ كَمَا بَيَّنَّا فَإِنْ أَوْصَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالسُّدُسِ مِنْ مَالِهِ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ دَفَعَ الْعَبْدَ كُلَّهُ خَمْسَةَ أَسْبَاعِهِ بِنَقْصِ الْهِبَةِ وَسُبُعَيْهِ بِالدَّفْعِ بِالْجِنَايَةِ لِأَنَّ وَصِيَّةَ الْمَوْهُوبِ لَهُ مِثْلَا وَصِيَّةِ صَاحِبِ السُّدُسِ فَإِنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِالْعَبْدِ كُلِّهِ بِالْهِبَةِ، وَإِنْ لَمْ تَجُزْ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ تَجُوزُ فِي ثُلُثِهِ فَوَصِيَّةُ الْمَوْهُوبِ لَهُ مِقْدَارُ الثُّلُثِ وَوَصِيَّةُ الْآخَرِ السُّدُسُ فَاجْعَلْ ثُلُثَ الْمَالِ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا.
وَإِذَا صَارَ ثُلُثُ الْمَالِ عَلَى ثَلَاثَةٍ فَالْمَالُ كُلُّهُ تِسْعَةٌ سِتَّةٌ لِلْوَرَثَةِ وَسَهْمَانِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، ثُمَّ يَدْفَعُ الْمَوْهُوبُ لَهُ سَهْمَهُ بِالْجِنَايَةِ فَيَزْدَادُ نَصِيبُ الْوَرَثَةِ فَيُطْرَحُ مِنْ نَصِيبِهِمْ سَهْمَانِ فَيُجْعَلُ الْعَبْدُ عَلَى سَبْعَةٍ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ سَهْمَانِ
стр. 5883
وَلِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ وَلِلْوَرَثَةِ أَرْبَعَةٌ، ثُمَّ يَدْفَعُ الْمَوْهُوبُ لَهُ سَهْمَيْهِ بِالْجِنَايَةِ فَيَصِيرُ لِلْوَرَثَةِ سِتَّةٌ مِثْلَا مَا نَفَّذْنَا فِيهِ الْوَصِيَّةَ فَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ جَازَتْ الْهِبَةُ فِي الْكُلِّ لِأَنَّ مَالَ الْمَيِّتِ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفًا وَحَقُّ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي ثُلُثَيْ الثُّلُثِ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْ الثُّلُثِ فَيُسَلَّمُ لَهُ الْعَبْدُ كُلُّهُ وَيُسَلَّمُ لِلْآخَرِ سُدُسُ الْمَالِ، وَذَلِكَ أَلْفٌ وَثَمَانُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ فَحَصَلَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّتَيْنِ فِي أَلْفَيْنِ وَثَمَانِمِائَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ وَثُلُثٍ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَعِنْدَ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ مَالُ الْمَيِّتِ يَصِيرُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَثُلُثُهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ فَتَجُوزُ الْهِبَةُ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ وَلِلْمُوصَى لَهُ الْآخَرُ سُدُسُ الْمَالِ، وَذَلِكَ أَلْفَانِ وَهُوَ تَمَامُ ثُلُثِ الْمَالِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْنِ فَالْجَوَابُ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِقْدَارَ سُبُعَيْ الدِّيَةِ، أَوْ أَقَلَّ فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ حِينَئِذٍ لَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنَّمَا تَتَبَيَّنُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِمَسْأَلَةِ أَوَّلِ الْبَابِ فَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّ عِنْدَ اخْتِيَارِ الدَّفْعِ تَجُوزُ الْهِبَةُ فِي الْخُمُسِ، وَعِنْدَ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ تَجُوزُ الْهِبَةُ فِي الْكُلِّ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ خُمُسِ الدِّيَةِ، أَوْ أَقَلَّ فَإِنْ زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ لَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ كُلُّهُ مِنْ الثُّلُثِ فَهُنَا لَمَّا جَازَتْ الْهِبَةُ عِنْدَ الدَّفْعِ فِي سُبُعَيْ الدِّيَةِ فَعِنْدَ الْفِدَاءِ تَجُوزُ الْهِبَةُ فِي الْكُلِّ إذَا كَانَتْ الْقِيمَةُ مِثْلَ سُبُعَيْ الدِّيَةِ، أَوْ أَقَلَّ.
وَكَذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي بَعْدَ هَذَا يُنْظَرُ إلَى حَالِ الدَّفْعِ فَمِقْدَارُ مَا تَجُوزُ فِيهِ الْهِبَةُ عِنْدَ الدَّفْعِ فَعِنْدَ الْفِدَاءِ إذَا كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِثْلَ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ الدِّيَةِ، أَوْ أَقَلَّ تَجُوزُ فِي الْكُلِّ حَتَّى إذَا كَانَ عِنْدَ الدَّفْعِ يَدْفَعُ سُدُسَ الْعَبْدِ بِالْجِنَايَةِ فَعِنْدَ الْفِدَاءِ إذَا كَانَ الْعَبْدُ مِثْلَ سُدُسِ الدِّيَةِ أَوْ أَقَلَّ جَازَتْ الْهِبَةُ فِي الْكُلِّ، وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِرُبْعِ مَالِهِ فَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَهُوَ عَلَى سَبْعَةَ عَشَرَ سَهْمًا لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنَّمَا يَضْرِبُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ وَالْآخَرَ يَضْرِبُ بِالرُّبْعِ فَيَحْتَاجُ إلَى حِسَابٍ لَهُ ثُلُثٌ وَرُبْعٌ، وَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ ثُلُثُهُ أَرْبَعَةٌ وَرُبْعُهُ ثَلَاثَةٌ فَيَصِيرُ ثُلُثُ الْمَالِ بَيْنَهُمْ عَلَى سَبْعَةٍ وَالثُّلُثَانِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَالْمَالُ كُلُّهُ أَحَدً وَعِشْرُونَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَرْبَعَةٌ وَلِصَاحِبِ الرُّبْعِ ثَلَاثَةٌ وَلِلْوَرَثَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، ثُمَّ يَدْفَعُ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ الْأَرْبَعَةَ بِالْجِنَايَةِ فَيَزْدَادُ مَالُ الْمَيِّتِ فَالسَّبِيلُ أَنْ يُطْرَحَ مِنْ نَصِيبِ الْوَرَثَةِ أَرْبَعَةٌ فَيَصِيرُ نَصِيبُ الْوَرَثَةِ عَشَرَةً وَلِلْمُوصَى لَهُمَا سَبْعَةٌ فَيَكُونُ الْعَبْدُ عَلَى سَبْعَةَ عَشَرَ، ثُمَّ يَدْفَعُ الْأَرْبَعَةَ بِالْجِنَايَةِ فَيَصِيرُ لِلْوَرَثَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِثْلَا مَا نَفَّذْنَا فِيهِ الْوَصِيَّةَ وَيَنْبَغِي فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنْ يَضْرِبَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي الثُّلُثِ بِجَمِيعِ الْعَبْدِ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَالْآخَرُ بِالرُّبْعِ وَهُوَ سَهْمٌ وَاحِدٌ فَيَصِيرُ الثُّلُثُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ وَالْمَالُ خَمْسَةَ عَشَرَ إلَّا أَنَّ فِي الْكِتَابِ خَرَّجَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى
стр. 5884
قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ وَكَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِثْلَ أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ الدِّيَةِ، أَوْ أَقَلَّ فَإِنَّ الْهِبَةَ تَجُوزُ فِي الْكُلِّ وَيَفْدِيهِ بِجَمِيعِ الدِّيَةِ وَيُعْطَى الْمُوصَى لَهُ بِالرُّبْعِ الْأَقَلُّ مِنْ رُبْعِ جَمِيعِ الْعَبْدِ كُلِّهِ بِالْهِبَةِ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَتْ الْهِبَةُ فِي كُلِّهِ صَارَ نَصِيبَهُ فَيَجِبُ أَنْ يُقَسَّمَ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْحِسَابِ الَّذِي قُلْنَا إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ جَازَتْ الْهِبَةُ فِي أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ يُفْدَى ذَلِكَ بِمِثْلِهِ وَمِثْلِ نِصْفِهِ فَالدِّيَةُ مِنْ الْقِيمَةِ كَذَلِكَ، ثُمَّ التَّخْرِيجُ عَلَى قِيَاسِ مَا بَيَّنَّا
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا وَهَبَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ وَقَبَضَهُ فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ إنَّ الْعَبْدَ قَتَلَ الْوَاهِبَ عَمْدًا وَلَهُ وَلِيَّانِ فَعَفَا عَنْهُ أَحَدُهُمَا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ وَيَأْخُذُ الَّذِي لَمْ يَعْفُ مِنْ الْمُعْتِقِ نِصْفَ الدِّيَةِ.
وَاعْلَمْ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْقَتْلِ، أَوْ بَعْدَ الْقَتْلِ وَقَبْلَ عَفْوِ أَحَدِهِمَا، أَوْ بَعْدَ الْقَتْلِ وَالْعَفْوِ وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ عَمْدًا، أَوْ خَطَأً، وَفِي كُلِّ فَصْلٍ حُكْمَانِ حُكْمٌ بَيْنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ وَحُكْمٌ فِيمَا بَيْنَ الْوَارِثَيْنِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا وَالْعِتْقُ قَبْلَ الْقَتْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا عَفَا أَحَدُهُمَا صَارَ نَصِيبُ الْآخَرِ مَالًا، وَإِنَّمَا قَتَلَهُ وَهُوَ حُرٌّ فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ خَمْسَةُ آلَافٍ وَالْعَبْدُ خَارِجٌ مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّ قِيمَتَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَمَالُ الْمَيِّتِ سِتَّةُ آلَافٍ، ثُمَّ يُقَسَّمُ نِصْفُ الدِّيَةِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ أَحَد عَشَرَ وَلِلْعَافِي سَهْمٌ لِأَنَّ مَالَ الْمَيِّتِ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ عَلَى مَا يُقَسَّمُ إنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَصِيَّةٌ، وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ شَيْءٌ أَيْضًا لِأَنَّ التَّرِكَةَ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفًا فَالْأَلْفُ خَارِجٌ مِنْ الثُّلُثِ وَيَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ خَمْسَةُ آلَافٍ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ خَاصَّةً لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةُ آلَافٍ بِالْقَتْلِ فَلَمَّا عَفَا أَحَدُهُمَا صَارَ مُسْتَهْلِكًا نَصِيبه فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَوْفِي بِخِلَافِ قَتْلِ الْعَمْدِ فَإِنَّ هُنَاكَ بِالْعَفْوِ لَا يَصِيرُ مُسْتَهْلِكًا، وَلَا مُسْتَوْفِيًا شَيْئًا مِنْ الْمَالِ فَلِهَذَا لَا يُسَلَّمُ نِصْفُ الدِّيَةِ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ، وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ قَبْلَ الْإِعْتَاقِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. فَإِذَا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ لِأَنَّ نَصِيبَهُ صَارَ مَالًا بَعْدَ مَا صَارَ حُرًّا، وَلَكِنَّ أَصْلَ الْجِنَايَةِ مِنْهُ كَانَ فِي حَالَةِ الرِّقِّ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ مِنْ الْقِيمَةِ فَلِهَذَا يَسْتَسْعِيهِ الْآخَرُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ. وَإِذَا اسْتَسْعَاهُ فِي ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّ مَالَ الْمَيِّتِ عَبْدٌ وَنِصْفٌ فَيَجُوزُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ وَهُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ وَيَضْمَنُ نِصْفَ الْقِيمَةِ.
فَإِذَا وَصَلَ ذَلِكَ إلَى الْوَرَثَةِ كَانَ الْوَاصِلُ إلَيْهِمْ تَمَامَ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَهُوَ مِثْلَا مَا نَفَّذْنَا فِيهِ الْهِبَةَ، ثُمَّ يَقْتَسِمُ الِاثْنَانِ هَذِهِ الْقِيمَةَ فَيَضْرِبُ الَّذِي لَمْ يَعْفُ
стр. 5885
بِقِيمَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ نِصْفَ الْقِيمَةِ وَجَبَ لَهُ بِالْمِيرَاثِ وَنِصْفَ الْقِيمَةِ وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ وَيَضْرِبُ الْعَافِي بِنِصْفِ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ حَقَّهُ فِي الْجِنَايَةِ بِالْعَفْوِ فَتُقَسَّمُ الْقِيمَةُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَعَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ قِيمَةٌ وَثُلُثٌ لِأَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأَ يُوجِبُ الْمَالَ، وَقَدْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ، وَقَدْ اسْتَهْلَكَهُ بِالْعِتْقِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَصَارَ كَأَنَّ الْمَيِّتَ تَرَكَ عَبْدَيْنِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ قِيمَتَانِ قِيمَةٌ بِاعْتِبَارِ الْقَبْضِ بِحُكْمِ الْهِبَةِ وَقِيمَةٌ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ، ثُمَّ يُسَلَّمُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ وَهُوَ ثُلُثُ الْقِيمَةِ وَيَدْفَعُ قِيمَةً وَثُلُثًا إلَى الْوَرَثَةِ حَتَّى يَصِيرَ لِلْوَرَثَةِ ضِعْفُ مَا نَفَّذْنَا فِيهِ الْهِبَةَ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا عَفَا أَحَدُهُمَا فَقَدْ أَبْطَلَ حَقَّهُ فِي النِّصْفِ فَسَقَطَ عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْقِيمَةِ لِأَنَّا إذَا أَسْقَطْنَا عَنْ قِيمَةٍ وَثُلُثِ نِصْفِ قِيمَةٍ يَبْقَى خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْقِيمَةِ نِصْفُ الْقِيمَةِ مِنْ ذَلِكَ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ وَثُلُثُ الْقِيمَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ فِي الْحَاصِلِ ثُلُثَا الْقِيمَةِ وَلِلْعَافِي سُدُسُ الْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَ الْعِتْقُ بَعْدَ الْقَتْلِ وَالْعَفْوُ فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَا يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ فَعَلَيْهِ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ قِيمَةٌ بِالْهِبَةِ وَنِصْفُ قِيمَةٍ بِالْجِنَايَةِ فَيُسَلَّمُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ وَهُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ وَعَلَيْهِ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أَثْلَاثًا لِأَنَّ حَقَّ أَحَدِهِمَا فِي جَمِيعِ الْقِيمَةِ وَحَقَّ الْآخَرِ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ فَإِنَّمَا يَقْتَسِمَانِهِ بَعْدَ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ كَمَا يَقْتَسِمَانِهِ إنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَصِيَّةً.
وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً كَانَ الْقَتْلُ عَلَى الْمَوْهُوبِ نِصْفُ الْقِيمَةِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْجِنَايَةِ لِأَنَّ مُوجِبَ الْخَطَأِ الْمَالُ فَلَمَّا عَفَا أَحَدُهُمَا صَارَ كَأَنَّهُ اسْتَوْفَى نِصْفَ الْقِيمَةِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْقَابِضِ، ثُمَّ الْمُتْلِفِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ لِلْآخَرِ نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ النِّصْفُ كُلُّهُ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ وَعَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَيْضًا ثُلُثُ الْقِيمَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِأَنَّ مَالَ الْمَيِّتِ فِي الْأَصْلِ قِيمَتَانِ فَيَجُوزُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةٌ وَثُلُثٌ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا عَفَا أَحَدُهُمَا فَقَدْ أَسْقَطَ نِصْفَ الْقِيمَةِ فَإِنَّمَا يَبْقَى خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ دَبَّرَ الْعَبْدَ، ثُمَّ إنَّ الْعَبْدَ قَتَلَ الْوَاهِبَ عَمْدًا، ثُمَّ عَفَا أَحَدُ الِاثْنَيْنِ فَهَذَا مِثْلُ الْأَوَّلِ لِأَنَّ مَالَ الْمَوْلَى قِيمَةٌ وَنِصْفٌ الْقِيمَةُ مِنْ جِهَةِ الْهِبَةِ وَالنِّصْفُ مِنْ جِهَةِ الْجِنَايَةِ وَجَمِيعُ ذَلِكَ عَلَى الْمَوْلَى فَإِنَّ مُوجِبَ جِنَايَةِ الْمُدَبِّرِ عَلَى مَوْلَاهُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ وَهُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ وَعَلَيْهِ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ يَقْتَسِمُهَا الِاثْنَانِ أَثْلَاثًا، وَلَوْ كَاتَبَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَالْجَوَابُ كَذَلِكَ إلَّا نِصْفَ الْقِيمَةِ يَجِبُ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَالْقِيمَةُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ فَصَارَ مَالُهُ قِيمَةً وَنِصْفًا فَيَسْقُطُ عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ بِالْوَصِيَّةِ وَيُؤَدِّي نِصْفَ الْقِيمَةِ وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ فَيَقْتَسِمُهَا الِاثْنَانِ أَثْلَاثًا
стр. 5886
وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَدَبَّرَهُ الثَّانِي أَوْ كَاتَبَهُ فَهُوَ عَلَى مَا وَصَفْنَا، وَلَوْ كَاتَبَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْأَوَّلَ، ثُمَّ إنَّهُ قَتَلَ الْوَاهِبَ خَطَأً وَلَهُ وَلِيَّانِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا فَعَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ ثُلُثُ قِيمَتِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ فَعَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ ثُلُثَا الْقِيمَةِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ مَالَ الْمَوْلَى فِي الْأَصْلِ قِيمَتَانِ قِيمَةٌ بِالْهِبَةِ وَقِيمَةٌ بِالْجِنَايَةِ عَنْ الْمُكَاتَبِ فَيَسْقُطُ عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ وَهُوَ ثُلُثَا الْقِيمَةِ وَيَبْقَى عَلَيْهِ ثُلُثُ الْقِيمَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَقَدْ صَارَ الْعَافِي بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَوْفِي لِنِصْفِ الْقِيمَةِ مِنْ الْمُكَاتَبِ فَيَبْقَى عَلَى الْمُكَاتَبِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ.
وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَهَبَهُ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ، ثُمَّ قَتَلَ الْعَبْدُ الْوَاهِبَ خَطَأً فَالْمَوْهُوبُ لَهُ الثَّانِي بِالْخِيَارِ فَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ تَبَيَّنَ أَنَّ مَالَ الْمَيِّتِ قِيمَتَانِ فَيَجُوزُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الثُّلُثُ وَهُوَ ثُلُثَا الْقِيمَةِ وَيَضْمَنُ ثُلُثَ الْقِيمَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعَ الْعَبْدَيْنِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ نِصْفَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْفُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَالْعَبْدُ خَارِجٌ مِنْ الثُّلُثِ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةَ آلَافٍ، أَوْ أَقَلَّ فَإِنَّهُ يَفْدِيهِ بِجَمِيعِ الدِّيَةِ فَيَصِيرُ مَالُ الْمَيِّتِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ آلَافٍ ضُمَّتْ الْقِيمَةُ إلَى الدِّيَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَالُ الْمَيِّتِ كَمْ هُوَ فَيَسْقُطُ عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ وَيَغْرَمُ مَا وَرَاء ذَلِكَ إلَى تَمَامِ الْقِيمَةِ وَبَيَانُهُ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ سِتَّةَ آلَافٍ فَإِنَّ مَالَ الْمَيِّتِ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا فَيُسَلَّمُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ثُلُثُهُ وَهُوَ خَمْسَةُ آلَافٍ وَثُلُثُ أَلْفٍ، وَإِنَّمَا يَغْرَمُ ثُلُثَيْ أَلْفٍ وَكَذَلِكَ مَا زَادَتْ قِيمَتُهُ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ فَإِنْ عَفَا أَحَدُ الِاثْنَيْنِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الْآخَرُ ادْفَعْهُ أَوْ افْدِهِ فَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ دَفَعَ نِصْفَ الْعَبْدِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَالَ الْمَيِّتِ عَبْدٌ وَنِصْفٌ وَالْعَافِي صَارَ مُسْتَوْفِيًا لِلنِّصْفِ بِالْعَفْوِ فَجَازَتْ الْهِبَةُ فِي ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ وَهُوَ ثُلُثُ الْمَالِ وَعَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ الْأَوَّلِ ثُلُثُ الْقِيمَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَنِصْفُ الْعَبْدِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الْآخَرِ وَنِصْفُهُ الَّذِي لَمْ يَعْفُ، وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَى نِصْفَهُ بِخَمْسَةِ آلَافٍ وَجَازَتْ الْهِبَةُ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ ثُلُثِ الدِّيَةِ أَوْ أَقَلَّ لِأَنَّ مَالَ الْمَوْلَى هُنَا قِيمَةٌ وَنِصْفُ الدِّيَةِ لِأَنَّ فِي نَصِيبِ الَّذِي عَفَا يُعْتَبَرُ أَقَلُّ الْمَالَيْنِ فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ إنَّمَا تَظْهَرُ بِالِاخْتِيَارِ وَالِاخْتِيَارُ فِيمَا جَازَ فِيهِ الْعَفْوِ فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي نَصِيبِ الَّذِي عَفَا نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَفِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يَعْفُ نِصْفُ الدِّيَةِ وَنِصْفُ الْقِيمَةِ، ثُمَّ يَجُوزُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ.
وَإِذَا أَرَدْت مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَاجْعَلْ كُلَّ قِيمَةِ الْعَبْدِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَيَكُونُ مَالُ الْمَيِّتِ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ أَمَّا خَمْسَةُ آلَافٍ فَهُوَ نِصْفُ الدِّيَةِ وَأَلْفَانِ قِيمَةُ الْعَبْدِ وَأَلْفٌ اسْتَهْلَكَهُ الْعَافِي فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْعَبْدَ خَارِجٌ مِنْ الثُّلُثِ وَيَقْتَسِمُ الِاثْنَانِ الْخَمْسَةَ آلَافٍ وَنِصْفُ الْقِيمَةِ الَّذِي هُوَ مَحْسُوبٌ عَلَى الْعَافِي فَيَضْرِبُ فِيهِ الْعَافِي بِنِصْفِ قِيمَتِهِ مِنْ
стр. 5887
قِبَلِ الْمِيرَاثِ وَنِصْفِ قِيمَتِهِ مِنْ قِبَلِ الْجِنَايَةِ وَيَضْرِبُ فِيهِ الَّذِي لَمْ يَعْفُ بِنِصْفِ نِصْفِ الدِّيَةِ وَبِنِصْفِ الْقِيمَةِ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ فَمَا أَصَابَ الْعَافِي حُسِبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ نِصْفُ الْقِيمَةِ الَّذِي أَتْلَفَ وَيَأْخُذُ الْفَضْلَ، وَمَا أَصَابَ الَّذِي لَمْ يَعْفُ يُسَلَّمُ لَهُ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ الْقِيمَةِ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ جَمِيعِ الدِّيَةِ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنْ الثُّلُثِ فَالسَّبِيلُ أَنْ يَضُمَّ مَالَ الْمَيِّتِ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ وَهُوَ قِيمَةٌ وَنِصْفُ قِيمَةٍ وَنِصْفُ الدِّيَةِ فَيَجُوزُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الثُّلُثُ مِنْ ذَلِكَ وَيَضْمَنُ الْفَضْلَ، ثُمَّ يَقْتَسِمُ الِاثْنَانِ فَيَضْرِبُ قِيمَةَ الَّذِي لَمْ يَعْفُ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ وَنِصْفِ الدِّيَةِ وَالْعَافِي بِنِصْفِ الْقِيمَةِ مِنْ جِهَةِ الْهِبَةِ وَنِصْفُ الْقِيمَةِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ بِالْجِنَايَةِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ آلَافٍ سَلِمَ نِصْفُ الدِّيَةِ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ وَعَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ ثُلُثُ الدِّيَةِ أَيْضًا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِأَنَّ مَالَ الْمَيِّتِ عِشْرُونَ أَلْفًا فِي الْحَاصِلِ عَشَرَةٌ آلَافٍ قِيمَةُ الْعَبْدِ وَخَمْسَةُ آلَافٍ نِصْفُ الدِّيَةِ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ وَمِثْلُهُ قَدْ اسْتَهْلَكَهُ الْعَافِي بِالْعَفْوِ فَتَصِحُّ الْهِبَةُ فِي ثُلُثِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ ثُلُثَا قِيمَةِ الْعَبْدِ وَيَغْرَمُ الْمَوْهُوبُ لَهُ ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِاسْتِوَاءِ حَقِّهِمَا فِي الْعَبْدِ قَبْلَ الْهِبَةِ وَبَعْدَهَا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَقَدْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ مِنْ الَّذِي لَمْ يَعْفُ فَالسَّبِيلُ أَنْ يَضُمَّ جَمِيعَ الدِّيَةِ إلَى جَمِيعِ الْقِيمَةِ لِأَنَّ الْعَافِيَ اسْتَهْلَكَ بِالْعَفْوِ نِصْفَ الدِّيَةِ فَكَأَنَّهُ اسْتَوْفَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَتْلَفَهُ، وَقَدْ وَجَبَ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ نِصْفُ الدِّيَةِ فَتُضَمُّ الدِّيَةُ إلَى الْقِيمَةِ، ثُمَّ يُسَلَّمُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ثُلُثُ جَمِيعِ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ وَيُؤَدِّي الْفَضْلَ فَيَقْتَسِمْهُ الِاثْنَانِ نِصْفَيْنِ حَتَّى إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ عِشْرِينَ أَلْفًا. فَإِذَا ضَمَمْت الدِّيَةَ إلَى الْقِيمَةِ كَانَتْ الْجُمْلَةُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا فَيُسَلَّمُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مِنْ ذَلِكَ عَشَرَةُ آلَافٍ وَهُوَ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَيَغْرَمُ نِصْفَ الْقِيمَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ نِصْفَيْنِ وَنِصْفُ الدِّيَةِ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ خَاصَّةً
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا وَهَبَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ إنَّ الْعَبْدَ قَتَلَ الْوَاهِبَ عَمْدًا فَعَفَا الْوَلِيَّانِ عَنْهُ جَازَ الْعَفْوُ وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ الْعَبْدِ وَلِلْوَرَثَةِ ثُلُثَاهُ لِأَنَّ حُكْمَ الْجِنَايَةِ بَطَلَ بِعَفْوِهِمَا فَكَأَنَّهُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَى الْعَبْدِ فَتَجُوزُ هِبَتُهُ فِي ثُلُثِهِ فَلَوْ عَفَا أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ وَاخْتَارَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الدَّفْعَ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ الْعَبْدِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَيَدْفَعُ الْخُمُسَ إلَى الَّذِي لَمْ يَعْفُ وَيَبْقَى لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الْخُمُسُ لِأَنَّ الْهِبَةَ فِي الِابْتِدَاءِ تَجُوزُ فِي الثُّلُثِ فَلَمَّا عَفَا أَحَدُهُمَا وَجَبَ دَفْعُ نِصْفِ ذَلِكَ الثُّلُثِ فَيَصِيرُ الْعَبْدُ عَلَى سِتَّةٍ وَتَجُوزُ الْهِبَةُ فِي سَهْمَيْنِ، ثُمَّ يَدْفَعُ سَهْمًا بِالْجِنَايَةِ وَهُوَ الدَّائِرُ فَنَطْرَحُ مِنْ نَصِيبِ الْوَرَثَةِ سَهْمًا وَيَجْعَلُ الْعَبْدَ عَلَى خَمْسَةٍ فَيَرُدُّ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِهِ بِنَقْصِ الْهِبَةِ وَخُمُسَهُ بِالْجِنَايَةِ، ثُمَّ يَقْتَسِمُ الِاثْنَانِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ فَيَضْرِبُ الَّذِي عَفَا
стр. 5888
بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَاَلَّذِي لَمْ يَعْفُ بِنِصْفِ الرَّقَبَةِ وَخُمُسِ الْعَبْدِ وَأَوْرَدَ الْمَسْأَلَةَ بِعَيْنِهَا فِي الْإِقْرَارِ إلَّا أَنَّهُ اعْتَبَرَ اللَّفْظَ هُنَا وَقَالَ هُنَاكَ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ وَلِلْعَافِي سَهْمٌ وَنِصْفٌ، وَلَوْ عَفَا أَحَدُهُمَا، ثُمَّ عَفَا الْآخَرُ بَعْدَهُ دَفَعَ إلَيْهِمَا ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ الْعَبْدِ بِنَقْصِ الْهِبَةِ وَيُسَلَّمُ لَهُ الْخُمُسَانِ لِأَنَّهُمَا لَمَّا عَفَوَا فَقَدْ جُعِلَ الَّذِي عَفَا مِنْهُمَا آخَرُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَوْفِي خُمُسَ ذَلِكَ الْعَبْدِ بِالْإِتْلَافِ. فَإِذَا سَلِمَ لَهُمَا ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الْعَبْدِ مَعَ ذَلِكَ اسْتَقَامَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ، ثُمَّ يَقْتَسِمُ الِاثْنَانِ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ أَخْمَاسٍ فَيَضْرِبُ فِيهِ الَّذِي عَفَا أَوَّلًا بِنِصْفِ الْقِيمَةِ وَاَلَّذِي عَفَا آخِرًا بِنِصْفِ الْقِيمَةِ وَبِخُمُسِهِ إلَّا أَنَّهُ يُحْسَبُ عَلَيْهِ بِالْخُمُسِ الَّذِي أَتْلَفَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَفَا بَعْدَ مَا صَارَ مَالًا وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا عَفَا، وَقَدْ كَانَ الْوَاجِبُ هُوَ الْقِصَاصَ.
وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، ثُمَّ عَفَوَا مَعًا ضَمِنَ الْمَوْهُوبُ لَهُ ثُلُثَيْ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّ عَفْوَهُمَا مَعًا يُبْطِلُ حُكْمَ الْجِنَايَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ سِوَى ذَلِكَ الْعَبْدِ فَيُسَلَّمُ لَهُ الثُّلُثُ بِالْهِبَةِ وَيَضْمَنُ الثُّلُثَيْنِ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِالْعِتْقِ، وَلَوْ عَفَا أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ فَعَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَعَلَى الْمُعْتَقِ نِصْفُ قِيمَتِهِ لِأَنَّ مَالَ الْمَيِّتِ هُنَا قِيمَةٌ وَنِصْفٌ الْقِيمَةُ مِنْ جِهَةِ الْهِبَةِ وَنِصْفُ الْقِيمَةِ بِالْجِنَايَةِ، وَإِنَّمَا صَارَ مَالًا بَعْدَ عِتْقِ الْعَبْدِ فَيَكُونُ ذَلِكَ النِّصْفُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقْسِمُ الْقِيمَةَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فَيَضْرِبُ فِيهِ الْعَافِي أَوَّلًا بِنِصْفِ الْقِيمَةِ وَالْعَافِي آخِرًا بِقِيمَةٍ كَامِلَةٍ فَتَكُونُ الْقِيمَةُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ثُلُثَاهَا لِلَّذِي عَفَا آخِرًا وَيُحْسَبُ عَلَيْهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ الَّذِي أَتْلَفَهُ بِالْعَفْوِ وَيَبْقَى لَهُ سُدُسُ الْقِيمَةِ الَّذِي أَتْلَفَهُ بِالْعَفْوِ وَيَبْقَى لَهُ سُدُسُ الْقِيمَةِ، وَفِي الْكِتَابِ يَقُولُ يَضْرِبُ الْآخَرُ بِثُلُثَيْ قِيمَتِهِ، وَهَذَا الْجَوَابُ غَلَطٌ وَقَعَ مِنْ جِهَةِ الْكَاتِبِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَضْرِبُ بِقِيمَةٍ كَامِلَةٍ لِلْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا إلَّا أَنْ يَعْنِيَ بِهِ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ ثُلُثَا الْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَعْتَقَهُ، ثُمَّ إنَّ الْعَبْدَ قَتَلَ الْوَاهِبَ عَمْدًا فَعَفَا الِاثْنَانِ عَنْهُ مَعًا فَالْمَوْهُوبُ لَهُ ضَامِنٌ ثُلُثَيْ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّ حُكْمَ الْجِنَايَةِ قَدْ بَطَلَ بِعَفْوِهِمَا فَلَا يَتَبَيَّنُ لِلْمَيِّتِ مَالٌ سِوَى الْعَبْدِ، وَلَوْ عَفَا أَحَدُهُمَا جَازَتْ الْهِبَةُ فِي الْكُلِّ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَلْفَيْنِ وَخَمْسِمِائَةٍ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْمُعْتَقِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ فَإِنَّهُ قَتَلَهُ وَهُوَ حُرٌّ وَنِصْفُ الدِّيَةِ خَمْسَةُ آلَافٍ. فَإِذَا ضَمَمْت إلَيْهِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ يَكُونُ سَبْعَةَ آلَافٍ وَخَمْسَمِائَةٍ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْعَبْدَ خَارِجٌ مِنْ الثُّلُثِ فَيَكُونُ سَالِمًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَقْتَسِمُ الِاثْنَانِ بَيْنَهُمَا هَذِهِ الْخَمْسَةَ آلَافٍ يَضْرِبُ فِيهِ الَّذِي لَمْ يَعْفُ بِنِصْفِ الدِّيَةِ وَنِصْفِ الْقِيمَةِ وَالْعَافِي بِنِصْفِ الْقِيمَةِ عَلَى مَا كَانَ يَضْرِبُ فِيهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَصِيَّةٌ، وَلَا يَضْرِبُ بِحِصَّةِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّ نَصِيبَهُ لَمْ يَصِرْ مَالًا فَتَكُونُ الْقِيمَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ، وَلَوْ عَفَا أَحَدُهُمَا، ثُمَّ الْآخَرُ فَعَفْوُ الْأَوَّلِ جَائِزٌ
стр. 5889
وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ لِمَا قُلْنَا فَلَمَّا عَفَا الْآخَرُ يَجُوزُ عَفْوُهُ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ وَيَبْطُلُ عَنْ الْعَبْدِ مِقْدَارُ حِصَّتِهِ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ، وَذَلِكَ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا مِنْ اثْنَا عَشَرَ، وَيَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ لِلَّذِي عَفَا أَوَّلَ مَرَّةٍ حِصَّتُهُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ سَهْمٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ لِأَنَّ إسْقَاطَ الثَّانِي إنَّمَا يَصِحُّ فِي نَصِيبِهِ لَا فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَلَا يَضْمَنُ ذَلِكَ الْعَافِي آخِرًا لِلَّذِي عَفَا أَوَّلًا لِأَنَّهُ بِالْعَفْوِ مُسْقِطٌ لَا مُسْتَوْفٍ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةَ آلَافٍ، وَقَدْ عَفَا أَحَدُهُمَا فَإِنَّ مَالَ الْمَيِّتِ قِيمَةُ الْعَبْدِ وَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَذَلِكَ عَشَرَةُ آلَافٍ فَإِنَّمَا تَجُوزُ الْهِبَةُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَثُلُثُ أَلْفٍ مِقْدَارُ ثُلُثَيْ الْعَبْدِ وَيَغْرَمُ الزِّيَادَةَ إلَى تَمَامِ خَمْسَةِ آلَافٍ فَيَقْتَسِمُ الِاثْنَانِ ذَلِكَ يَضْرِبُ فِيهِ الَّذِي عَفَا بِنِصْفِ الْقِيمَةِ فَقَطْ لِأَنَّ نَصِيبَهُ لَمْ يَصِرْ مَالًا وَيَضْرِبُ الَّذِي لَمْ يَعْفُ بِنِصْفِ الدِّيَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ وَجَبَ لَهُ بِالْجِنَايَةِ وَبِنِصْفِ الْقِيمَةِ فَيَقْتَسِمَانِهِ وَعَلَى ذَلِكَ مَرِيضٌ وَهَبَ عَبْدَهُ مِنْ مَرِيضٍ وَقَبَضَهُ، ثُمَّ إنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ وَهَبَهُ لِصَحِيحٍ، ثُمَّ إنَّ الْعَبْدَ قَتَلَ الْوَاهِبَ الْأَوَّلَ، وَمَاتَ الثَّانِي مِنْ مَرَضِهِ، وَلَا مَالَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا سِوَاهُ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلثَّالِثِ ادْفَعْهُ أَوْ افْدِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ عِنْدَ جِنَايَتِهِ فَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ لِوَرَثَةِ الثَّانِي انْتَقَصَتْ الْهِبَةُ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ مِنْهُمَا جَمِيعًا لِأَنَّك تَحْتَاجُ إلَى حِسَابٍ لَهُ ثُلُثٌ وَرُبْع وَلِثُلُثِهِ ثُلُثٌ، وَذَلِكَ تِسْعَةٌ فَأَجْرُ الْهِبَةِ لِلْأَوَّلِ فِي ثَلَاثَةٍ وَلِلثَّانِي فِي سَهْمٍ.
وَقَدْ بَطَلَتْ الْجِنَايَةُ فِي السِّتَّةِ الَّتِي عَادَتْ إلَى الْوَاهِبِ الْأَوَّلِ بِنَقْصِ الْهِبَةِ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَمَّا بَطَلَتْ فِي تِلْكَ السِّتَّةِ صَارَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى مَوْلَاهُ وَجِنَايَةُ الْمَمْلُوكِ عَلَى مَوْلَاهُ خَطَأً تَكُونُ هَدَرًا فَإِنَّمَا تَبْقَى الْجِنَايَةُ فِي ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ سَهْمَيْنِ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْأَوَّلِ وَسَهْمٌ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ الثَّانِي وَيَدْفَعَانِ تِلْكَ الثَّلَاثَةَ بِالْجِنَايَةِ فَيَزْدَادُ مَالُ الْأَوَّلِ بِقَدْرِ ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَهِيَ السِّهَامُ الدَّائِرَةُ فَاطْرَحْ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ مِنْ نَصِيبِ الْوَاهِبِ الْأَوَّلِ وَيَصِيرُ الْعَبْدُ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ ثَلَاثَةٌ لِلْوَاهِبِ الْأَوَّلِ بِنَقْصِ الْهِبَةِ وَثَلَاثَةٌ بِالدَّفْعِ بِالْجِنَايَةِ وَيُسَلَّمُ لِوَرَثَتِهِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ مِثْلَا مَا نَفَّذْنَا فِيهِ الْوَصِيَّةَ، ثُمَّ يَغْرَمُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الثَّانِي لِوَرَثَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْأَوَّلِ ثُلُثَ قِيمَةِ الْعَبْدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ثُلُثَا الدِّيَةِ أَقَلَّ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ الْعَبْدَ فَارِغًا، ثُمَّ رَدَّ السَّهْمَيْنِ عَلَيْهِمْ مَشْغُولًا بِالْجِنَايَةِ، وَقَدْ اسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الشُّغْلَ فَكَأَنَّهُ تَلِفَ عِنْدَهُ إلَّا أَنَّ الْوَرَثَةَ كَانُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ اخْتِيَارِ الْأَقَلِّ وَهُوَ الدَّفْعُ، أَوْ الْفِدَاءُ فَلَا يَضْمَنُ لَهُمْ إلَّا الْأَقَلَّ، وَلَوْ أَنَّهُمْ اخْتَارُوا الْفِدَاءَ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ خَمْسَةَ آلَافٍ أَوْ أَقَلَّ يَرُدُّ الثَّالِثَ عَلَى وَرَثَةِ الثَّانِي بِثُلُثَيْهِ، ثُمَّ فَدَوْهُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ الثَّالِثُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ وَوَرَثَةُ الثَّانِي بِثُلُثَيْ الدِّيَةِ فَيَصِيرُ كَأَنَّ الْأَوَّلَ تَرَكَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا فَتَجُوزُ الْهِبَةُ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ، ثُمَّ يَضْمَنُ الثَّالِثُ لِوَرَثَةِ الثَّانِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِأَنَّهُ أَخَذَ عَبْدًا فَارِغًا عَلَى طَرِيقِ التَّمَلُّكِ وَرَدَّهُ مَشْغُولًا
стр. 5890
وَقَدْ اسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الشُّغْلَ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ آلَافٍ وَكَانَتْ سِتَّةَ آلَافِ فَإِنَّ الْهِبَةَ تَجُوزُ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْعَبْدِ لِأَنَّا نُجِيزُ الْهِبَةَ مِنْ الْأَوَّلِ فِي ثُلُثِ الْعَبْدِ فَيَفْدُونَ ذَلِكَ بِمِثْلِهِ وَمِثْلِ ثُلُثِهِ فَيَزْدَادُ مَالُ الْأَوَّلِ سَهْمًا وَثُلُثَيْنِ فَاطْرَحْ مِنْ نَصِيبِ الْأَوَّلِ سَهْمًا وَثُلُثَيْ سَهْمٍ يَبْقَى لِوَرَثَةِ الْوَاهِبِ الْأَوَّلِ ثُلُثُ سَهْمٍ وَجَازَتْ الْهِبَةُ فِي سَهْمٍ.
فَإِذَا جَعَلْت كُلَّ ثُلُثٍ سَهْمًا جَازَتْ الْهِبَةُ لَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ، ثُمَّ تَجُوزُ الْهِبَةُ لِلثَّانِي فِي سَهْمٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ يَفْدِيَانِ تِلْكَ الثَّلَاثَةَ بِمِثْلِهَا وَمِثْلِ ثُلُثَيْهَا، وَذَلِكَ خَمْسَةٌ فَيَصِيرُ لِلْأَوَّلِ سِتَّةٌ مِثْلَا مَا نَفَّذْنَا فِيهِ الْوَصِيَّةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي بِقِيمَةِ سَهْمَيْنِ وَهُوَ نِصْفُ الْعَبْدِ فِي الْحَاصِلِ لِأَنَّهُ اُسْتُحِقَّ بِسَبَبٍ كَانَ فِي ضَمَانِهِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عِشْرِينَ أَلْفًا فَإِنَّ الْهِبَةَ تَجُوزُ فِي خُمُسَيْ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْهِبَةَ مِنْ الْأَوَّلِ تَجُوزُ فِي الْأَصْلِ فِي سَهْمٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ، ثُمَّ يَفْدِيَانِ ذَلِكَ بِمِثْلِ نِصْفِهِ فَإِنَّ الدِّيَةَ مِثْلُ نِصْفِ الْقِيمَةِ فَإِنَّمَا يُطْرَحُ مِنْ نَصِيبِ الْأَوَّلِ نِصْفُ سَهْمٍ فَيَصِيرُ الْعَبْدُ عَلَى سَهْمَيْنِ وَنِصْفٍ أَضْعِفْهُ لِلْكَسْرِ فَيَكُونُ خَمْسَةً، ثُمَّ تَجُوزُ الْهِبَةُ فِي سَهْمَيْنِ وَتَبْطُلُ فِي ثَلَاثَةٍ فَيَفْدِيَانِ ذَلِكَ بِسَهْمٍ وَاحِدٍ فَيَصِيرُ لِلْأَوَّلِ أَرْبَعَةٌ مِثْلَا مَا نَفَّذْنَا فِيهِ الْوَصِيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ وَرَثَةُ الثَّانِي بِمَا أَدَّوْا مِنْ ذَلِكَ عَلَى الثَّالِثِ لِأَنَّ مَا أَدَّوْا هُوَ الْأَقَلُّ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُمْ ذَلِكَ بِجِنَايَةٍ كَانَتْ مِنْ الْعَبْدِ فِي ضَمَانِ الثَّالِثِ، وَإِنْ اخْتَارَ الثَّالِثُ الْفِدَاءَ وَوَرَثَةُ الثَّانِي الدَّفْعَ وَقِيمَتُهُ خَمْسَةُ آلَافٍ فَإِنَّهُ تَجُوزُ الْهِبَةُ لِلثَّانِي فِي ثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الْعَبْدِ وَمِنْ الثَّانِي لِلثَّالِثِ فِي خُمُسِ الْعَبْدِ لِأَنَّك تَجْعَلُ الْعَبْدَ عَلَى تِسْعَةٍ لِحَاجَتِك إلَى حِسَابٍ لَهُ ثُلُثٌ وَلِثُلُثِهِ ثُلُثٌ فَيَجُوزُ لِلْأَوَّلِ ثَلَاثَةٌ وَلِلثَّانِي مِنْ ذَلِكَ وَاحِدٌ، ثُمَّ يَدْفَعُ الْأَوَّلُ السَّهْمَيْنِ وَيَفْدِي الثَّانِي سَهْمَهُ بِسَهْمَيْنِ لِأَنَّ الدِّيَةَ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ فَيَرْجِعُ إلَى الْوَاهِبِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةٌ وَيَزْدَادُ مَالُهُ بِذَلِكَ فَالسَّبِيلُ أَنْ يَطْرَحَ أَرْبَعَةً مِنْ وَرَثَتِهِ يَبْقَى لَهُمْ سَهْمَانِ وَصَارَ الْعَبْدُ كُلُّهُ خَمْسَةً لِلْوَاهِبِ الْأَوَّلِ سَهْمَانِ وَلِلْأَوْسَطِ سَهْمَانِ وَلِلثَّالِثِ سَهْمٌ، ثُمَّ يَدْفَعُ الْأَوْسَطُ سَهْمَيْهِ وَيَفْدِي الثَّالِثُ سَهْمَهُ بِسَهْمَيْنِ مِنْ الدِّيَةِ فَيَصِيرُ لِلْوَرَثَةِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ مِثْلَا مَا نَفَّذْنَا فِيهِ الْوَصِيَّةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ وَرَثَةُ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي بِقِيمَةِ الْخُمُسَيْنِ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ بِجِنَايَةٍ كَانَتْ فِي ضَمَانِهِ.
وَعَلَى طَرِيقِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ السَّبِيلُ أَنْ تَجْعَلَ الْعَبْدَ دِرْهَمًا وَدَنَانِيرَ فَتَجُوزُ هِبَةُ الْأَوَّلِ فِي ثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ وَهِبَةُ الثَّانِي فِي دِينَارَيْنِ، ثُمَّ يَدْفَعُ وَرَثَةُ الثَّانِي الدِّينَارَيْنِ وَيَفْدِي الثَّالِثُ دِينَارَهُ بِدِينَارَيْنِ فَيَصِيرُ لِلْوَاهِبِ الْأَوَّلِ دِرْهَمٌ فَأَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ تَعْدِلُ سِتَّةَ دَنَانِيرَ لِأَنَّا جَوَّزْنَا هِبَةَ الْأَوَّلِ فِي ثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ فَأَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ بِمِثْلِهَا قِصَاصٌ فِي دِرْهَمٍ يَعْدِلُ دِينَارَيْنِ فَاقْلِبْ الْفِضَّةَ وَعُدْ إلَى الْأَصْلِ، وَقَدْ كُنَّا جَعَلْنَا الْعَبْدَ دِرْهَمًا وَثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ الدِّرْهَمُ اثْنَانِ وَكُلُّ دِينَارٍ
стр. 5891
وَاحِدٌ فَذَلِكَ خَمْسَةٌ، ثُمَّ أَجَزْنَا الْهِبَةَ فِي ثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الْعَبْدِ كَمَا بَيَّنَّا.
وَعَلَى طَرِيقِ الْجَبْرِ تَجْعَلُ الْعَبْدَ مَالًا، ثُمَّ تُجِيزُ الْهِبَةَ لِلْأَوَّلِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَلِلثَّانِي فِي شَيْءٍ، ثُمَّ يَدْفَعُ وَرَثَةُ الْأَوَّلِ شَيْئَيْنِ وَيَفْدِي الثَّالِثُ شَيْئًا بِشَيْئَيْنِ فَيَصِيرُ لِلْوَاهِبِ الْأَوَّلِ مَالٌ وَشَيْءٌ يَعْدِلُ سِتَّةَ أَشْيَاءَ فَالشَّيْءُ بِمِثْلِهِ قِصَاصٌ وَبَقِيَ مَالٌ كَامِلٌ يَعْدِلُ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ، وَقَدْ أَجَزْنَا الْهِبَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الْعَبْدِ، وَإِنْ اخْتَارَ الثَّالِثُ الدَّفْعَ وَاخْتَارَ وَرَثَةُ الثَّانِي الْفِدَاءَ جَازَتْ الْهِبَةُ لِلثَّانِي فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْعَبْدِ وَلِلثَّالِثِ فِي رُبْعِهِ وَيَرْجِعُ رُبْعُهُ إلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ بِانْتِقَاصِ الْهِبَةِ وَرُبْعُهُ يُدْفَعُ لِلثَّالِثِ وَيَفْدِي وَرَثَةُ الثَّانِي بِنِصْفِ الدِّيَةِ لِأَنَّك تَجْعَلُ الْعَبْدَ عَلَى تِسْعَةٍ، ثُمَّ يَدْفَعُ الثَّالِثُ سَهْمَهُ وَيَفْدِي الثَّانِي سَهْمَيْهِ بِأَرْبَعَةٍ فَيَزْدَادُ مَالُ الْوَاهِبِ الْأَوَّلِ بِخَمْسَةٍ فَيُطْرَحُ مِنْ نَصِيبِ وَرَثَتِهِ يَبْقَى لَهُمْ سَهْمٌ وَلِلثَّانِي وَلِلثَّالِثِ ثَلَاثَةٌ فَصَارَ الْعَبْدُ كُلُّهُ أَرْبَعَةً فَتَجُوزُ الْهِبَةُ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ لِلْأَوْسَطِ مِنْ ذَلِكَ سَهْمَانِ وَالثَّالِثِ سَهْمٌ، ثُمَّ يَدْفَعُ الثَّالِثُ سَهْمَهُ وَيَفْدِي الْأَوْسَطُ سَهْمَيْهِ بِأَرْبَعَةٍ فَيَصِيرُ لِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ سِتَّةٌ مِثْلَا مَا نَفَّذْنَا فِيهِ الْوَصِيَّةَ وَيَرْجِعُ وَرَثَةُ الثَّانِي عَلَى الثَّالِثِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ كَمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ قَتَلَ الْمَرِيضَ الْآخَرَ وَلَمْ يَقْتُلْ الْأَوَّلَ فَإِنَّ الْهِبَةَ تَنْتَقِصُ فِي الثُّلُثَيْنِ فَيَرُدُّ ذَلِكَ إلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ فَيَرُدُّونَهُ إلَى وَرَثَةِ الْوَاهِبِ الْأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ فِيهِ مِنْ الْجِنَايَةِ إمَّا لِأَنَّهُ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ لِأَنَّهُ إنْ اُعْتُبِرَ حُكْمُ الْجِنَايَةِ فِيهِ لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا، وَإِنَّمَا الْحَقُّ لِوَرَثَةِ الْوَاهِبِ الْأَوَّلِ فِي ذَلِكَ فَيَرْجِعُونَ بِهِ فِي تَرِكَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَيَبْقَى ثُلُثُ الْعَبْدِ فَإِنْ اخْتَارَ الثَّالِثُ دَفْعَهُ فَعَلَى الثَّالِثِ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ الثُّلُثَ نِصْفُهُ بِنَقْصِ الْهِبَةِ وَنِصْفُهُ بِالدَّفْعِ بِالْجِنَايَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ الثُّلُثَ فِيمَا بَيْنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْأَوَّلِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ الْآخِرِ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ تَامٍّ وَهَبَهُ مِنْ رَجُلٍ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ قَتَلَ الْعَبْدُ الْوَاهِبَ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْعَبْدِ التَّامِّ أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ إذَا اخْتَارَ الدَّفْعَ رَدَّ نِصْفَهُ بِنَقْصِ الْهِبَةِ وَدَفَعَ نِصْفَهُ بِالْجِنَايَةِ. فَكَذَلِكَ الثُّلُثُ فَإِنْ اخْتَارُوا الْفِدَاءَ فَدَاهُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ وَتَجُوزُ الْهِبَةُ فِي ذَلِكَ الثُّلُثِ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةً، أَوْ أَقَلَّ يَعْنِي إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ خَمْسَةَ آلَافٍ، أَوْ أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَثُلُثَا أَلْفٍ. فَإِذَا فَدَاهُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَثُلُثٌ يُسَلَّمُ لِوَرَثَةِ الْأَوْسَطِ ضِعْفُ مَا نَفَّذْنَا فِيهِ هِبَةَ الْأَوْسَطِ فَيَسْتَقِيمُ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ.
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ آلَافٍ عَمِلْت فِي هَذَا الثُّلُثِ بَعْدَ أَنْ تَجْعَلَ فِي هَذَا الثُّلُثِ ثُلُثَ النَّفْسِ فَيُجْعَلُ كَعَبْدٍ كَامِلٍ جَنَى عَلَى ثُلُثِ النَّفْسِ، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ قَتَلَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ جَمِيعًا وَاخْتَارَ الثَّالِثُ وَوَرَثَةُ الثَّانِي الدَّفْعَ فَإِنَّهُ تَجُوزُ الْهِبَةُ مِنْ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي فِي خَمْسَةِ أَسْهُمٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا وَمِنْ الثَّانِي لِلثَّالِثِ فِي سَهْمَيْنِ لِأَنَّك تَجْعَلُ
стр. 5892
الْعَبْدَ عَلَى تِسْعَةٍ سِتَّةٌ لِلْأَوَّلِ لَا جِنَايَةَ فِيهَا وَسَهْمَانِ لِلْأَوْسَطِ فِيهِمَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْجِنَايَةُ عَلَى الْأَوَّلِ وَسَهْمٌ لِلْآخَرِ فِيهِ جِنَايَتَانِ جِنَايَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ وَجِنَايَةٌ عَلَى الْأَوْسَطِ فَاجْعَلْ ذَلِكَ السَّهْمَ عَلَى سَهْمَيْنِ وَأَضْعِفْ الْحِسَابَ لِلْكَسْرِ بِالْأَنْصَافِ فَيَكُونُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ لِلْأَوَّلِ اثْنَا عَشَرَ وَلِلْأَوْسَطِ أَرْبَعَةٌ وَلِلْآخِرِ سَهْمَانِ، ثُمَّ يَدْفَعُ الْآخِرُ إلَى الْأَوْسَطِ سَهْمًا وَاحِدًا فَيَزْدَادُ نَصِيبُهُ بِسَهْمٍ فَاطْرَحْ مِنْ نَصِيبِهِ سَهْمًا يَبْقَى نَصِيبُهُ ثَلَاثَةٌ وَنَصِيبُ الثَّالِثِ سَهْمَيْنِ فَيَصِيرُ ثُلُثُ الْعَبْدِ عَلَى خَمْسَةٍ فَيَكُونُ كُلُّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ يَدْفَعُ الثَّالِثُ إلَى الْأَوْسَطِ سَهْمًا وَاحِدًا فَيَصِيرُ لَهُ أَرْبَعَةٌ مِثْلَا مَا نَفَّذْنَا فِيهِ الْوَصِيَّةَ، ثُمَّ يَدْفَعُ الْآخِرُ سَهْمَهُ الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ وَيَدْفَعُ الْأَوْسَطُ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ أَيْضًا إلَى الْأَوَّلِ فَيَزْدَادُ نَصِيبُهُ بِأَرْبَعَةٍ وَهِيَ السِّهَامُ الدَّائِرَةُ فَيَطْرَحُ مِنْ نَصِيبِهِ أَرْبَعَةً، وَقَدْ كَانَ سِهَامُهُ عَشَرَةً يَبْقَى سِتَّةٌ وَيَصِيرُ الْعَبْدُ كُلُّهُ أَحَدَ عَشَرَ، ثُمَّ يَدْفَعُ الْأَوْسَطُ وَالْآخِرُ إلَى الْأَوَّلِ أَرْبَعَةً فَيَصِيرُ لِوَرَثَتِهِ عَشَرَةٌ مِثْلَا مَا نَفَّذْنَا فِيهِ الْوَصِيَّةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ وَرَثَةُ الْوَاهِبِ الثَّانِي عَلَى الثَّالِثِ بِقِيمَةِ ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا كَمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ اخْتَارُوا جَمِيعًا الْفِدَاءَ وَقِيمَتُهُ خَمْسَةُ آلَافٍ، أَوْ أَقَلُّ فَالْفِدَاءُ كُلُّهُ عَلَى الثَّالِثِ يُسَلَّمُ لَهُ الْعَبْدُ وَيُؤَدِّي الدِّيَتَيْنِ لِأَنَّهُ يَفْدِي الْأَوَّلَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ وَالْأَوْسَطَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ فَيَكُونُ الْعَبْدُ خَارِجًا مِنْ ثُلُثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَارَ الثَّالِثُ الْفِدَاءَ مِنْ الثَّانِي خَاصَّةً لِأَنَّهُ يَزْدَادُ مَالُ الْوَاهِبِ الثَّانِي فَإِنَّ مَالَهُ يَصِيرُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا فَتَجُوزُ الْهِبَةُ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ وَيَزْدَادُ أَيْضًا مَالُ الْوَاهِبِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْآخِرَ يَدْفَعُ نِصْفَ الْعَبْدِ إلَى الْأَوَّلِ وَيَغْرَمُ الْأَوْسَطُ ثُلُثَيْ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِالْهِبَةِ مِنْ الثَّانِي قَالُوا وَهَذَا الْجَوَابُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مَالَ الْأَوْسَطِ إذَا صَارَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا فَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَذَلِكَ ثُلُثَا قِيمَةِ الْوَاهِبِ الْأَوَّلِ فَلَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ لِتَصْحِيحِ الْهِبَةِ مِنْ الثَّانِي فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قِيمَتُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْجَوَابُ صَحِيحًا، وَلَوْ كَانَتْ عَشَرَةَ آلَافٍ وَاخْتَارَ الْفِدَاءَ بَطَلَ هِبَةُ الْأَوَّلِ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ وَهِبَةُ الثَّانِي فِي نِصْفِ النِّصْفِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْهِبَةَ عِنْدَ اخْتِيَارِهِمَا الْفِدَاءَ تُجْعَلُ عَلَى تِسْعَةِ أَسْهُمٍ لِلْأَوَّلِ سِتَّةٌ وَلِلْأَوْسَطِ سَهْمَانِ وَلِلْآخِرِ سَهْمٌ، ثُمَّ إنَّ الْآخِرَ فَدَى الْأَوْسَطَ بِسَهْمٍ فَإِنَّ الدِّيَةَ مِثْلُ الْقِيمَةِ فَيُطْرَحُ مِنْ نَصِيبِ الْأَوْسَطِ سَهْمٌ فَيَصِيرُ ثُلُثُ الْعَبْدِ عَلَى سَهْمَيْنِ وَالْعَبْدُ كُلُّهُ سِتَّةً لِلْأَوَّلِ أَرْبَعَةٌ وَلِلْأَوْسَطِ سَهْمٌ وَلِلثَّالِثِ سَهْمٌ، ثُمَّ يَفْدِي الثَّالِثُ الْأَوْسَطَ بِسَهْمٍ فَيَصِيرُ لِلْأَوْسَطِ سَهْمَانِ مِثْلَا مَا نَفَّذْنَا فِيهِ الْوَصِيَّةَ، ثُمَّ يَفْدِي الثَّالِثُ لِلْأَوَّلِ بِسَهْمٍ وَيَفْدِيهِ الْأَوْسَطُ أَيْضًا بِسَهْمٍ فَتَظْهَرُ الزِّيَادَةُ فِي مَالِ الْأَوَّلِ بِسَهْمَيْنِ وَنَطْرَحُ مِنْ نَصِيبِ الْأَوَّلِ سَهْمَيْنِ
стр. 5893
فَيَصِيرُ الْعَبْدُ كُلُّهُ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ لِلْأَوَّلِ سَهْمَانِ وَلِلْأَوْسَطِ سَهْمٌ وَلِلثَّالِثِ سَهْمٌ، ثُمَّ يَدْفَعَانِ السَّهْمَيْنِ إلَى الْأَوَّلِ فَيَصِيرُ لِلْأَوَّلِ أَرْبَعَةٌ مِثْلَا مَا نَفَّذْنَا فِيهِ الْوَصِيَّةَ فَكَانَ مُسْتَقِيمًا عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ حَاصِلِ الْجَوَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
[كِتَابُ الْفَرَائِضِ]
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ ﵀ إمْلَاءً اعْلَمْ بِأَنَّ الْفَرَائِضَ مِنْ أَهَمِّ الْعُلُومِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَرْكَانِ الدِّينِ حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى تَعْلِيمِهَا وَتَعَلُّمِهَا كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ وَتَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ وَسَيُقْبَضُ هَذَا الْعِلْمُ مِنْ بَعْدِي حَتَّى يَتَنَازَعَ الرَّجُلَانِ فِي فَرِيضَةٍ فَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا» وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ عِنْدَ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ، وَلَا يَكُونَنَّ أَحَدُكُمْ كَرَجُلٍ لَقِيَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ أَمُهَاجِرٌ أَنْتَ قَالَ فَإِنَّ إنْسَانًا مِنْ أَهْلِي مَاتَ فَكَيْفَ يُقْسَمُ مِيرَاثُهُ قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ فَمَا فَضْلُكُمْ عَلَيْنَا تَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَلَا تَعْلَمُونَ الْفَرَائِضَ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ وَتَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ وَهِيَ أَوَّلُ مَا يُنْزَعُ مِنْ بَيْنِ أُمَّتِي»، وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ مُذَاكَرَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ وَمُدِحُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَالَ ﵇ «أَقْرَؤُكُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَأَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدٍ وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» ﵃ أَجْمَعِينَ - فَقَدْ نَوَّهَ بِذِكْرِ زَيْدٍ فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ، ثُمَّ طُرُقُ الْفَرْضِيِّينَ قَدْ اخْتَلَفَتْ فِي شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ فَمِنْ بَيْنِ مُطَوِّلٍ أَمَلَّ وَمِنْ بَيْنِ مُوجِزٍ أَخَلَّ فَالسَّبِيلُ أَنْ نُجْرِيَ الْقَصْدَ وَنَدَعَ التَّطْوِيلَ بِذِكْرِ مَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَالْإِخْلَالَ بِتَرْكِ نَصِّ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فَإِنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا فَنَقُولُ إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ يُبْدَأُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِالْأَقْوَى فَالْأَقْوَى مِنْ الْحُقُوقِ عُرِفَ ذَلِكَ بِقَضِيَّةِ الْعُقُولِ وَشَوَاهِدِ الْأُصُولِ فَأَوَّلُ مَا يُبْدَأُ بِهِ تَجْهِيزُهُ وَتَكْفِينُهُ وَدَفْنُهُ بِالْمَعْرُوفِ كَمَا رُوِيَ «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁ لَمَّا اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ لَمْ يُوجَدْ لَهُ إلَّا نَمِرَةٌ فَكَانَ إذَا كَانَ غُطِّيَ بِهَا رَأْسُهُ بَدَا رِجْلَاهُ وَإِذَا غُطِّيَ بِهَا رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ فَأَمَرَ ﷺ أَنْ يُغَطَّى بِهَا رَأْسُهُ وَيُجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِرِ».
، وَقَدْ نُقِلَ
стр. 5894
ذَلِكَ فِي حَالِ حَمْزَةَ ﵁ أَيْضًا وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ الدَّيْنِ عَلَيْهِمَا فَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُقَدَّمًا عَلَى الْكَفَنِ لَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا سَأَلَ عَنْ الدَّيْنِ حَتَّى كَانَ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَالَ «هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ» ثُمَّ الْكَفَنُ لِبَاسُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَيُعْتَبَرُ بِلِبَاسِهِ فِي حَيَاتِهِ وَلِبَاسُهُ فِي حَيَاتِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى دَيْنِهِ حَتَّى لَا يُبَاعَ عَلَى الْمَدْيُونِ مَا عَلَيْهِ مِنْ ثِيَابِهِ. فَكَذَلِكَ لِبَاسُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَمَنْ مَاتَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَكْفِينُهُ فَيُكَفَّنُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَمَالُهُ يَكُونُ أَقْرَبَ إلَيْهِ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْكَفَنَ أَقْوَى مِنْ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَضَاءُ دَيْنِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ بَعْدَ الْكَفَنِ يُقَدَّمُ الدَّيْنُ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ إنَّكُمْ تُقِرُّونَ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ، وَقَدْ شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَدَأَ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ إنَّكَ تَأْمُرُ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ، وَقَدْ بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْحَجِّ فَقَالَ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَقَالَ كَيْفَ تَقْرَءُونَ آيَةَ الدَّيْنِ فَقَالُوا ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] فَقَالَ بِمَاذَا يُبْدَأُ فَقَالُوا بِالدَّيْنِ قَالَ هُوَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِ فَإِنَّهُ يُفَكُّ بِهِ رِهَانُهُ وَتَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِ، ثُمَّ قَضَاءُ الدَّيْنِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ وَالْوَصِيَّةُ لَمْ تَكُنْ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْهِ وَصَاحِبُ الدَّيْنِ لَيْسَ يَتَمَلَّكُ مَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، وَلَكِنَّهُ فِي الْحُكْمِ يَأْخُذُ مَا كَانَ لَهُ وَلِهَذَا يَنْفَرِدُ بِهِ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ وَالْمُوصَى لَهُ يَتَمَلَّكُ ابْتِدَاءً بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ وَأَيَّدَ هَذَا كُلَّهُ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا فِي مَرَضِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَاسْتَسْعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قِيمَتِهِ»، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدَّمَ الدَّيْنَ عَلَى الْوَصِيَّةِ.
وَعَلَى هَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ الدَّيْنُ إذَا كَانَ مُحِيطًا بِالتَّرِكَةِ يَمْنَعُ مِلْكَ الْوَارِثِ فِي التَّرِكَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحِيطًا. فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْأَوَّلِ، وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ لَا يَمْنَعُ مِلْكَ الْوَارِثِ بِحَالٍ لِأَنَّهُ يَخْلُفُ الْمُورِثَ فِي الْمَالِ وَالْمَالُ كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمَيِّتِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ مَعَ اشْتِغَالِهِ بِالدَّيْنِ كَالْمَرْهُونِ. فَكَذَلِكَ يَكُونُ مِلْكًا لِلْوَارِثِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَوَانَ الْمِيرَاثِ مَا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَالْحُكْمُ لَا يَسْبِقُ أَوَانَهُ فَيَكُونُ حَالُ الدَّيْنِ كَحَالِ حَيَاةِ الْمُورِثِ فِي الْمَعْنَى، ثُمَّ الْوَارِثُ يَخْلُفُهُ فِيمَا يَفْضُلُ مِنْ حَاجَتِهِ. فَأَمَّا الْمَشْغُولُ بِحَاجَتِهِ لَا يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ فِيهِ.
وَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ مُحِيطًا بِتَرِكَتِهِ فَالْمَالُ مَشْغُولٌ بِحَاجَتِهِ وَقِيَامُ الْأَصْلِ يَمْنَعُ ظُهُورَ حُكْمِ الْخَلَفِ، وَلَا يَقُولُ يَبْقَى مَمْلُوكًا بِغَيْرِ مَالِكٍ، وَلَكِنْ تَبْقَى مَالِكِيَّةُ الْمَدْيُونِ فِي مَالِهِ حُكْمًا لِبَقَاءِ حَاجَتِهِ وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا بَيَّنَّاهُ فِي النِّكَاحِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُعْتَبَرُ مِيرَاثًا لِلْوَارِثِ بِمَوْتِ الْمَوْلَى عِنْدَنَا لِبَقَاءِ حَاجَتِهِ إلَى وِلَايَةٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ -
стр. 5895
يَصِيرُ مِيرَاثًا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ تُقَدَّمُ الْوَصِيَّةُ فِي مَحِلِّهَا عَلَى الْمِيرَاثِ وَمَحِلُّ الْوَصِيَّةِ الثُّلُثُ قَالَ ﵇ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ» فَفِي مِقْدَارِ الثُّلُثِ تُقَدَّمُ الْوَصِيَّةُ عَلَى الْمِيرَاثِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْمِيرَاثَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَلِأَنَّ تَنْفِيذَ الْوَصِيَّةِ مِنْ حَوَائِجِ الْمَيِّتِ أَيْضًا.
فَأَمَّا مَا زَادَ عَنْ الثُّلُثِ لَا يَظْهَرُ فِيهِ تَقْدِيمُ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ فِيهِ يَمْنَعُ الْوَصِيَّةَ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَارِثُ وَبَعْدَ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ يُقْسَمُ الْمِيرَاثُ فَنَقُولُ الْأَسْبَابُ الَّتِي بِهَا يُتَوَارَثُ ثَلَاثَةٌ الرَّحِمُ وَالنِّكَاحُ وَالْوَلَاءُ وَالْوَلَاءُ نَوْعَانِ وَلَاءُ نِعْمَةٍ وَوَلَاءُ مُوَالَاةٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبُ الْإِرْثِ عِنْدَنَا عَلَى تَرْتِيبٍ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ وَالْأَسْبَابُ الَّتِي بِهَا يَحْرُمُ الْمِيرَاثُ ثَلَاثَةٌ الرِّقُّ وَاخْتِلَافُ الدِّينِ وَمُبَاشَرَةُ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي حَقِّ مَنْ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ التَّقْصِيرُ شَرْعًا وَالْوَارِثُونَ أَصْنَافٌ ثَلَاثَةٌ أَصْحَابُ الْفَرَائِضِ وَالْعَصَبَاتُ وَذَوُو الْأَرْحَامِ وَأَصْحَابُ الْفَرَائِضِ هُمْ الَّذِينَ لَهُمْ سِهَامٌ مُقَدَّرَةٌ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ وَالْعَصَبَاتُ أَصْنَافٌ ثَلَاثَةٌ عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ وَعَصَبَةٌ بِغَيْرِهِ وَعَصَبَةٌ مَعَ غَيْرِهِ فَالْعَصَبَةُ بِنَفْسِهِ الذَّكَرُ الَّذِي لَا يُفَارِقُهُ الذُّكُورُ فِي نِسْبَتِهِ إلَى الْمَيِّتِ وَالْعَصَبَةُ بِغَيْرِهِ الْأُنْثَى الَّتِي تَصِيرُ عَصَبَةً بِمَنْ فِي دَرَجَتِهَا مِنْ الذَّكَرِ كَالْبَنَاتِ بِالْبَنِينَ وَالْأَخَوَاتِ بِالْإِخْوَةِ وَالْعَصَبَةُ مَعَ غَيْرِهِ كَالْأَخَوَاتِ يَصِرْنَ عَصَبَةً مَعَ الْبَنَاتِ وَفَرْقُ فِيمَا بَيْنَ الْعَصَبَةِ بِغَيْرِهِ وَالْعَصَبَةِ مَعَ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَصَبَةً بِغَيْرِهِ إلَّا، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ عَصَبَةً وَالْعَصَبَةُ مَعَ غَيْرِهِ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ عَصَبَةً فِي نَفْسِهِ كَالْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ فَالْبِنْتُ لَيْسَتْ عَصَبَةً بِنَفْسِهَا وَالْأُخْتُ تَصِيرُ عَصَبَةً مَعَهَا وَذَوُو الْأَرْحَامِ مَا عَدَا هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنْ الْقَرَابَةِ، ثُمَّ أَقْوَى أَسْبَابِ الْأُرَثِ الْعُصُوبَةُ فَإِنَّهُ يُسْتَحَقُّ بِهَا جَمِيعُ الْمَالِ وَلَا يُسْتَحَقُّ بِالْفَرِيضَةِ جَمِيعُ الْمَالِ وَالْعُصُوبَةُ فِي كَوْنِهَا سَبَبًا لِلْإِرْثِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الرَّحِمِ فَكَانَتْ الْعُصُوبَةُ أَقْوَى الْأَسْبَابِ، ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا ﵀ بَدَأَ الْكِتَابَ بِبَيَانِ مِيرَاثِ الْآبَاءِ، وَقَدْ اسْتَحْسَنَ مَشَايِخُنَا ﵏ الْبُدَاءَةَ بِبَيَانِ مِيرَاثِ الْأَوْلَادِ اقْتِدَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وَلِأَنَّ الِابْنَ مُقَدَّمٌ فِي الْعُصُوبَةِ عَلَى الْأَبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَقْوَى الْأَسْبَابِ الْعُصُوبَةُ فَقَدَّمْنَا بَيَانَ مِيرَاثِ الْأَوْلَادِ لِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. .
[بَابُ الْأَوْلَادِ]
(قَالَ ﵀) اعْلَمْ أَنَّ الِابْنَ الْوَاحِدَ يُحْرِزُ جَمِيعَ الْمَالِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِإِشَارَةِ النَّصِّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، ثُمَّ جَعَلَ لِلْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ النِّصْفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ
стр. 5896
كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] وَثَبَتَ أَنَّ لِلذَّكَرِ ضِعْفَ هَذَا وَضِعْفُ النِّصْفِ الْجَمِيعُ. وَثَبَتَ ذَلِكَ اسْتِدْلَالًا بِآيَةِ الْإِخْوَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] أَيْ يَرِثُهَا جَمِيعَ الْمَالِ.
وَإِذَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّ لِلْأَخِ جَمِيعَ الْمَالِ ثَبَتَ لِلِابْنِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لِأَنَّ الْأَخَ وَلَدُ أَبِيهَا وَوَلَدُهَا أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْ وَلَدِ أَبِيهَا وَالْمِيرَاثُ يَنْبَنِي عَلَى الْأَقْرَبِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] وَزِيَادَةُ الْقُرْبِ تَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الِاسْتِحْقَاقِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنُصُّ عَلَى جَمِيعِ الْمَالِ لِلْبَنِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَعْرُوفًا فِيمَا بَيْنَ الْعَرَبِ فَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ إلَّا الْبَنِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ لَا يُوَرِّثُ إلَّا الْكِبَارَ مِنْ الْبَنِينَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ السِّلَاحَ وَيُوَرِّثُونَ الْعَشِيرَةَ فَإِنَّمَا بَيَّنَ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُمْ فَإِنْ اجْتَمَعَ الْبَنُونَ فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلِلْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ إذَا انْفَرَدَتْ النِّصْفُ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] وَاسْتِدْلَالًا أَيْضًا بِمِيرَاثِ الْأُخْتِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] وَالْبِنْتُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ الْأُخْتِ فَإِنْ كُنَّ ثَلَاثًا فَصَاعِدًا فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] فَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُزَادُ لِلْبَنَاتِ عَلَى الثُّلُثَيْنِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ، وَإِنْ كَثُرْنَ ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾ [النساء: ١٧٦] فِي قَوْلِ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ لِلْبَنِينَ النِّصْفُ وَيُسْتَدَلُّ بِظَاهِرِ الْآيَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْبَنَاتِ الثُّلُثَيْنِ أَنْ يَكُنَّ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ الشَّرْطِ، وَقَدْ تُجَاذِبُ الْبَنِينَ حَالَتَانِ إمَّا أَنْ تَعْتَبِرَهُمَا بِالثَّلَاثِ، أَوْ بِالْوَاحِدَةِ وَاعْتِبَارُهُمَا بِالْوَاحِدَةِ أَوْلَى لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِمَا بِالثَّلَاثِ إبْطَالُ شَرْطٍ مَنْصُوصٍ وَالْقِيَاسُ لِإِبْطَالِ النَّصِّ بَاطِلٌ، وَفِي أَوَّلِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلِابْنَتَيْنِ النِّصْفَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وَمَنْ تَرَكَ ابْنًا وَابْنَتَيْنِ فَلِلِابْنِ النِّصْفُ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ حَظَّ الْأُنْثَيَيْنِ النِّصْفُ، وَفِي قَوْله تَعَالَى فَلَهُنَّ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا لَفْظُ الْجَمْعِ وَالْجَمْعُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ فَأَهْلُ اللُّغَةِ جَعَلُوا الْكَلَامَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ الْفَرْدُ وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ فَكَانَ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ التَّثْنِيَةَ غَيْرُ الْجَمْعِ وَلِلْوَاحِدِ عِنْدَهُمْ أَبْنِيَةٌ مُخْتَلِفَةٌ وَكَذَلِكَ لِلْجَمْعِ وَلَيْسَ لِلتَّثْنِيَةِ إلَّا بِنَاءً وَاحِدًا وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْقُولِ فِي الْمَعْنَى يُعَارِضُ الْفَرْدَيْنِ فَلَا يَظْهَرُ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَفِي الثَّلَاثِ تَتَعَارَضُ الْبَنَاتُ مَعَ الْفَرْدِ فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْجَمْعِ عَلَى جَانِبِ الْفَرْدِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ لَا يَتَنَاوَلُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ فَقَدْ ظَهَرَ إلْحَاقُ الْبِنْتَيْنِ بِالْوَاحِدَةِ هَذَا بَيَانِ أَصْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي هَذَا، وَفِي الْإِخْوَةِ فِي حُكْمِ الْحَجْبِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ
стр. 5897
قَوْله تَعَالَى ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فَقَدْ جَعَلَ لِلذَّكَرِ حَالَةَ الِاخْتِلَاطِ مِثْلَ نَصِيبِ الِابْنَتَيْنِ وَأَدْنَى الِاخْتِلَاطِ أَنْ يُجْمَعَ ابْنٌ وَبِنْتٌ وَلِلِابْنِ هُنَا الثُّلُثَانِ بِالِاتِّفَاقِ فَعَرَفْنَا أَنَّ حَظَّ الْأُنْثَيَيْنِ الثُّلُثَانِ وَلَمَّا صَارَ نَصِيبُ الْبَنِينَ مَعْلُومًا بِهَذِهِ الْإِشَارَةِ لَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ تَعَالَى نَصِيبَ الْبِنْتَيْنِ أَيْضًا وَذَكَرَ نَصِيبَ مَا فَوْقَ الْبِنْتَيْنِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ فَإِنَّ «سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ ﵁ لَمَّا اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ خَلَّفَ بِنْتَيْنِ وَامْرَأَةً فَاسْتَوْلَى الْأَخُ عَلَى مَالِهِ فَجَاءَتْ امْرَأَتُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَتْ إنَّ سَعْدًا قُتِلَ مَعَك وَخَلَّفَ ابْنَتَيْنِ، وَقَدْ غَلَبَ عَمُّهُمَا عَلَى مَالِهِمَا، وَلَا يُرْغَبُ فِي النِّسَاءِ إلَّا بِمَالٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُنْزِلْ اللَّهُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ ظَهَرَ أَثَرُ الْوَحْيِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا سَرَى عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ ﵇ قِفُوا مَالَ سَعْدٍ فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مَا إنْ بَيَّنَهُ لِي بَيَّنْته لَكُمْ وَتَلَا عَلَيْهِمْ قَوْله تَعَالَى ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] الْآيَةَ، ثُمَّ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخَا سَعْدٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ وَلِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَلَهُ مَا بَقِيَ».
وَفِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ ﵁ سُئِلَ عَنْ فَرِيضَةٍ فِيهَا بِنْتٌ وَابْنَةُ ابْنٍ وَأَخٌ فَجَعَلَ لِلِابْنَةِ النِّصْفَ وَلِلْأَخِ مَا بَقِيَ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ فَقَالَ لَقَدْ ضَلَلْت إذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وَالْبَاقِي لِلْأَخِ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ حَالَ الْبِنْتَيْنِ أَقْوَى مِنْ حَالَةٍ الِابْنَةِ وَابْنَةِ الِابْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ حَالَةَ التَّثْنِيَةِ فِي مَعْنَى حَالَةِ الْجَمْعِ لِوُجُودِ الِاجْتِمَاعِ وَانْضِمَامِ أَحَدِ الْفَرْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ، وَلَا مَعْنَى فِي الْجَمْعِ سِوَى هَذَا وَمِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ الْإِمَامُ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَثْنَى كَمَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَإِلَيْهِ إشَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١] أَيْ اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا وَكَلِمَةُ فَوْقَ صِلَةٌ فِيهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] يَعْنِي مَعَ الْأَعْنَاقِ مَعَ أَنَّا قَدْ سَلَّمْنَا أَنَّ فِي هَذَا اللَّفْظِ بَيَانُ نَصِيبِ الثَّالِثِ وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ عِنْدَنَا لَا يُوجِبُ نَفْيَ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَقَدْ أَثْبَتْنَا بِإِشَارَةِ النَّصِّ أَنَّ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ كَمَا قَرَّرْنَا فَإِنْ اخْتَلَطَ الذُّكُورُ بِالْإِنَاثِ مِنْ الْأَوْلَادِ فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ بِالنَّصِّ وَاسْتِدْلَالًا بِمِيرَاثِ الْإِخْوَةِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] وَالْأَوْلَادُ أَقْرَبُ
стр. 5898
مِنْ الْإِخْوَةِ وَأَوْلَادُ الِابْنِ يَقُومُونَ مَقَامَ أَوْلَادِ الصُّلْبِ عِنْدَ عَدَمِ أَوْلَادِ الصُّلْبِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وَاسْمُ الْأَوْلَادِ يَتَنَاوَلُ أَوْلَادَ الِابْنِ مَجَازًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٧].
وَعِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ صُلْبِ آدَمَ ﵇ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ لِرَجُلٍ أَيْ أَبٍ لَك أَكْبَرُ فَتَحَيَّرَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَفْهَمْ مَا قَالَ لَهُ فَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٧] وَجَعَلَ يَقُولُ مَنْ كُنْت ابْنَهُ فَهُوَ أَبُوك فَإِنْ اجْتَمَعَ أَوْلَادُ الصُّلْبِ وَأَوْلَادُ الِابْنِ فَإِنْ كَانَ فِي أَوْلَادِ الصُّلْبِ ذَكَرٌ فَلَا شَيْءَ لِأَوْلَادِ الِابْنِ ذُكُورًا كَانُوا، أَوْ إنَاثًا أَوْ مُخْتَلِطِينَ لِأَنَّ الذَّكَرَ مِنْ أَوْلَادِ الصُّلْبِ مُسْتَحِقٌّ لِجَمِيعِ الْمَالِ بِاعْتِبَارِ حَقِيقَةِ الِاسْمِ، وَعِنْدَ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْمَجَازِ فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَعَذِّرٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ أَوْلَادَ الِابْنِ مَجَازًا أَنَّهُ يَسْتَقِيمُ نَفْيُهُ عَنْهُ بِإِثْبَاتِ غَيْرِهِ فَيُقَالُ لَيْسُوا بَنِيهِ وَلَكِنَّهُمْ بَنُو ابْنِهِ، وَهَذَا حَدُّ الْمَجَازِ مَعَ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ وَيُمْكِنُ نَفْيُ الْمَجَازِ بِإِثْبَاتِ غَيْرِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ أَوْلَادَ الِابْنِ يُدْلُونَ بِالِابْنِ وَيَرِثُونَ بِمِثْلِ نَسَبِهِ فَيُحْجَبُونَ بِهِ كَالْأَجْدَادِ بِالْأَبِ وَالْجَدَّاتِ بِالْأُمِّ بِخِلَافِ الْإِخْوَةِ لِأُمٍّ فَإِنَّهُمْ يَرِثُونَ مَعَ الْأُمِّ، وَإِنْ كَانُوا يُدْلُونَ بِهَا لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ بِمِثْلِ نَسَبِهَا فَإِنَّهَا تَرِثُ بِالْأُمُومَةِ وَهُمْ بِالْأُخُوَّةِ وَأَيَّدَ مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُ ﵇ «مَا أَبْقَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» وَأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ الِابْنُ دُونَ أَوْلَادِ الِابْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَوْلَادِ الصُّلْبِ ذَكَرٌ، وَلَا فِي أَوْلَادِ الِابْنِ ذَكَرٌ فَإِنْ كَانَتْ ابْنَةُ الصُّلْبِ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِبَنَاتِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَإِنْ كَانَتْ ابْنَةُ الصُّلْبِ بِنْتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ، وَلَا شَيْءَ لِبَنَاتِ الِابْنِ لِأَنَّ حَظَّ الْبَنَاتِ الثُّلُثَانِ، وَقَدْ اسْتَحَقَّ الْبِنْتَانِ جَمِيعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ حَقِّ الْبَنَاتِ شَيْءٌ لِبَنَاتِ الِابْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَوْلَادِ الصُّلْبِ ذَكَرٌ وَكَانَ فِي أَوْلَادِ الِابْنِ ذَكَرٌ فَإِنْ انْفَرَدَ الذُّكُورُ مِنْ أَوْلَادِ الِابْنِ فَالْبَاقِي بَعْدَ نَصِيبِ الْبَنَاتِ لَهُمْ نِصْفًا كَانَ، أَوْ ثُلُثًا لِقَوْلِهِ ﵇ «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا أَبْقَتْ فَلِأَوَّلِ رَجُلٍ ذَكَرٍ»، وَلَا يُقَالُ بِأَنَّ هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ أَوْلَادَ الصُّلْبِ حَقِيقَةً وَأَوْلَادَ الِابْنِ مَجَازًا وَهَذَا لِأَنَّ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَقِيقَةُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَجَازُ وَهُوَ مَا اسْتَحَقَّهُ بَنَاتُ الصُّلْبِ.
فَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَالْحَقِيقَةُ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهَا فِي اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِالْمَجَازِ فِي اسْتِحْقَاقِ مَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الِاسْتِحْقَاقُ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ فَلَا يَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَإِنْ اخْتَلَطَ الذُّكُورُ بِالْإِنَاثِ مِنْ أَوْلَادِ الِابْنِ فَنَقُولُ إنْ كَانَ بَنَاتُ الصُّلْبِ بِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ وَالْبَاقِي بَيْنَ
стр. 5899
أَوْلَادِ الِابْنِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ عِنْدَ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ ﵄ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ الْبَاقِي لِبَنِي الِابْنِ خَاصَّةً، وَلَا شَيْءَ لِبَنَاتِ الِابْنِ فَإِنْ كَانَتْ ابْنَةُ الصُّلْبِ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَالْبَاقِي بَيْنَ أَوْلَادِ الِابْنِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ عِنْدَ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُنْظَرُ إلَى الْمُقَاسَمَةِ وَالسُّدُسِ لِبَنَاتِ الِابْنِ فَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ شَرًّا لَهُنَّ فَلَهُنَّ ذَلِكَ وَالْبَاقِي لِبَنِي الِابْنِ وَيُسَمَّى هَذَا الْجِنْسُ مَسَائِلُ الْإِضْرَارِ.
وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِالْآيَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اعْتَبَرَ فِي مِيرَاثِ الْأَوْلَادِ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ أَمَّا الثُّلُثَانِ لِلْبَنَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وَأَمَّا الْقِسْمَةُ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ بِقَوْلِهِ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وَقَدْ وُجِدَ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ هُنَا وَهُوَ إعْطَاءُ الْبَنَاتِ الثُّلُثَيْنِ فَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْحُكْمِ الْآخَرِ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُتَعَذِّرٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يَبْقَى لِأَوْلَادِ الِابْنِ اسْتِحْقَاقٌ بِحُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدَ مَا أَخَذَتْ الْبَنَاتُ الثُّلُثَيْنِ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ لِلذُّكُورِ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ ﵇ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ، وَإِنْ كَانَتْ ابْنَةُ الصُّلْبِ وَاحِدَةً قَدْ بَقِيَ السُّدُسُ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْبَنَاتُ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَهُنَّ عِنْدَ الِانْفِرَادِ لَا عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ فَلَا يُعْطَيْنَ إلَّا الْأَقَلَّ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ فَلِهَذَا يُنْظَرُ إلَى الْمُقَاسَمَةِ وَإِلَى السُّدُسِ فِيمَا يُعْطَى بَنَاتُ الِابْنِ، وَلِأَنَّ بَنَاتَ الِابْنِ لَوْ انْفَرَدْنَ مَعَ الِابْنَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ شَيْءٌ وَمَعَ الْوَاحِدَةِ مِنْ الْبَنَاتِ لَا يَكُونُ لَهُنَّ إلَّا السُّدُسُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ حَالَةَ الِانْفِرَادِ فِي حُكْمِ الِاسْتِحْقَاقِ أَقْوَى مِنْ حَالَةِ الِاجْتِمَاعِ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ الْأُنْثَى عَصَبَةً بِالذَّكَرِ إذَا كَانَتْ صَاحِبَةَ فَرْضٍ عِنْدَ الِانْفِرَادِ كَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ فَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ مُسْتَحِقَّةً شَيْئًا عِنْدَ الِانْفِرَادِ لَمْ تَصِرْ عَصَبَةً بِالذَّكَرِ كَبَنَاتِ الْإِخْوَةِ مَعَ بَنِي الْإِخْوَةِ وَبَنَاتِ الْعَمِّ مَعَ بَنِي الْعَمِّ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الذَّكَرَ مَعَ أَوْلَادِ الِابْنِ يَعْصِبُ الْإِنَاثَ فِي دَرَجَتِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ جَمِيعِ الْمَالِ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَلَدٌ لِلْمَيِّتِ لِصُلْبِهِ فَكُلُّ ذَكَرٍ يَعْصِبُ الْأُنْثَى فِي اسْتِحْقَاقِ جَمِيعِ الْمَالِ بِالِاتِّفَاقِ يَعْصِبُهَا فِي اسْتِحْقَاقِ مَا بَقِيَ كَالْأَخِ مَعَ الْأَخَوَاتِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْبَنَاتِ مَعَ الْبَنِينَ.
وَهَذَا لِأَنَّ بَنَاتَ الصُّلْبِ لَمَّا أَخَذْنَ نَصِيبَهُنَّ خَرَجْنَ مِنْ الْبَنِينَ وَصَارَ فِيمَا بَقِيَ كَأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ ابْنَةٌ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيمَا بَقِيَ هُوَ الْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَنَاتُ الصُّلْبِ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّا لَا نَجْمَعُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا نُثْبِتُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ فَفِي الثُّلُثَيْنِ عَمِلْنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ عَمِلْنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
стр. 5900
الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] يُوَضِّحُهُ أَنَّ الذَّكَرَ مِنْ أَوْلَادِ الِابْنِ يَعْصِبُ الْأُنْثَى فِي دَرَجَتِهِ فِي حُكْمِ الْحِرْمَانِ وَبَيَانُهُ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ الزَّوْجِ وَالْأَبَوَيْنِ ابْنَةٌ وَابْنَةُ ابْنٍ فَإِنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسَ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ فَإِنْ كَانَ مَعَ ابْنَةِ الِابْنِ ابْنُ الِابْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ لِأَنَّهَا تَصِيرُ عَصَبَةً بِهِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ شَيْءٌ فَلَمَّا كَانَ يَعْصِبُهَا فِي حُكْمِ الْحِرْمَانِ فَلَأَنْ يَعْصِبَهَا فِي حُكْمِ الِاسْتِحْقَاقِ كَانَ أَوْلَى لِأَنَّ التَّعْصِيبَ فِي الْأَصْلِ لِلِاسْتِحْقَاقِ لَا لِلْحِرْمَانِ فَإِنْ كَانَ الذَّكَرُ أَوْلَادَ الِابْنِ دُونَ الْأُنْثَى بِدَرَجَةٍ فَإِنْ اجْتَمَعَ مَعَ ابْنَتِي الصُّلْبِ بِنْتٌ ابْنٌ وَابْنُ ابْنِ ابْنٍ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ الْبَاقِيَ بَيْنهمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إنَّ الْبَاقِيَ لِلذَّكَرِ خَاصَّةً هُنَا لِأَنَّ الْأُنْثَى إنَّمَا تَصِيرُ عَصَبَةً بِذَكَرٍ فِي دَرَجَتِهَا لَا بِذَكَرٍ هُوَ دُونَهَا فِي الدَّرَجَةِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْبِنْتَ لَا تَصِيرُ عَصَبَةً بِابْنِ الِابْنِ فِي ابْنَةٍ وَاحِدَةٍ صُلْبِيَّةٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَابْنِ ابْنِ ابْنٍ فَإِنَّهُ لَا تَصِيرُ ابْنَةُ الِابْنِ عَصَبَةً بِابْنِ الِابْنِ. فَكَذَلِكَ مَعَ الْبِنْتَيْنِ لِمَعْنًى وَهُوَ أَنَّ الذَّكَرَ إذَا كَانَ أَبْعَدَ بِدَرَجَةٍ فَلَوْ جُعِلَ لِلْأُنْثَى الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ مِنْهُ بِدَرَجَةٍ عَصَبَةً كَانَ الذَّكَرُ مَحْرُومًا فِي نَفْسِهِ لِأَنَّ فِي مِيرَاثِ الْعَصَبَاتِ الْأَقْرَبُ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَبْعَدِ ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْأُخْتَ لَمَّا صَارَتْ عَصَبَةً مَعَ الْبِنْتِ كَانَ الْبَاقِي لَهَا دُونَ ابْنِ الْأَخِ وَالْعَمِّ.
وَإِذَا صَارَ مَحْرُومًا لَا يَعْصِبُ أَحَدًا وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ هَذِهِ الْأُنْثَى لَوْ كَانَتْ فِي دَرَجَةِ الذَّكَرِ كَانَتْ عَصَبَةً بِهِ مُسْتَحِقَّةً مَعَهُ. فَإِذَا كَانَتْ أَقْرَبَ مِنْهُ بِدَرَجَةٍ كَانَ أَوْلَى لِأَنَّ تَأْثِيرَ الْقُرْبِ فِي قُوَّةِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا فِي الْحِرْمَانِ، وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ التَّعْصِيبَ كَانَ لِمَعْنَى النَّظَرِ لِلْأُنْثَى، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي ابْنَةٍ مَعَ ابْنِ الِابْنِ لِأَنَّ بِالتَّعْصِيبِ هُنَاكَ يُنْتَقَصُ حَقُّهَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَنَصِيبُ الْبِنْتِ الثُّلُثُ فَلِذَا جَعَلْنَاهَا عَصَبَةً بِابْنِ الِابْنِ وَحَقُّهَا بِدُونِ التَّعْصِيبِ النِّصْفُ وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ ابْنَةِ الِابْنِ مَعَ ابْنَةٍ وَاحِدَةٍ لِلصُّلْبِ فَإِنَّ بِالتَّعْصِيبِ هُنَاكَ بِابْنِ ابْنِ الِابْنِ لَا يَزْدَادُ نَصِيبُهَا بِحَالٍ، وَقَدْ يُؤَدِّي إلَى حِرْمَانِهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْبِنْتُ الصُّلْبِيَّةُ وَاحِدَةً فَحَقُّ ابْنَةُ الِابْنِ مَعَهَا السُّدُسُ دُونَ التَّعْصِيبِ.
وَلَوْ عَصْبنَا بِنْتَ الِابْنِ بِابْنِ ابْنِ الِابْنِ لَا يَزْدَادُ نَصِيبُهَا عَلَى السُّدُسِ فَإِنَّ الْبَاقِيَ مِنْ النِّصْفِ وَهُوَ النِّصْفُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ سَهْمٌ لِبِنْتِ الِابْنِ وَسَهْمَانِ لِابْنِ ابْنِ الِابْنِ كَمَا فِي غَيْرِ حَالَةِ التَّعْصِيبِ. فَأَمَّا فِي التَّعْصِيبِ هُنَا تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى ابْنَةِ الِابْنِ بِاعْتِبَارِ زِيَادَةِ الْقُرْبِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ مَنْ كَانَتْ فِي دَرَجَةِ الذَّكَرِ هُنَا تَسْتَحِقُّ شَيْئًا فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَبْعَدَ مِنْ الْبَنَاتِ يَسْتَحِقُّ وَالْأَقْرَبُ يَصِيرُ مَحْرُومًا بِنِسْبَةِ الْمُحَالِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ. فَصْلٌ
، ثُمَّ جُمْلَةُ
стр. 5901
مَنْ يَرِثُ مَعَ الْأَوْلَادِ سِتَّةُ نَفَرٍ الْأَبُ وَالْجَدُّ لِأَبٍ، وَإِنْ عَلَا وَالْأُمُّ وَالْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ أَوْ أُمُّ الْأَبِ وَالزَّوْجَةُ، وَلَا يَرِثُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ مَعَ الِابْنِ بِالْفَرِيضَةِ لَا بِالْعُصُوبَةِ، وَلَا يَكُونُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ صَاحِبَ فَرْضٍ مَعَ الِابْنَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَرِثُ بِالْعُصُوبَةِ. فَأَمَّا الْأَبُ فَلَهُ فِي الْمِيرَاثِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ فَرْضٌ وَعُصُوبَةٌ وَكِلَاهُمَا فَالْفَرْضُ مَعَ وُجُودِ الِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ، وَإِنْ سَفَلَ وَالْعُصُوبَةُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الِابْنِ ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى وَكِلَاهُمَا مَعَ الْبِنْتِ وَبِنْتِ الِابْنِ وَفَرِيضَتُهُ السُّدُسُ لَا يَنْقُصُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ الْعَوْلِ، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ بِالْفَرِيضَةِ بِحَالٍ، وَذَلِكَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١] فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّهُ صَاحِبُ فَرْضٍ مَعَ الْوَلَدِ، وَإِنَّ فَرِيضَتَهُ السُّدُسُ قَالَ اللَّهُ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] مَعْنَاهُ وَلِلْأَبِ مَا بَقِيَ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ أَنَّ الْمَالَ مَتَى أُضِيفَ إلَى اثْنَيْنِ وَبُيِّنَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مِنْهُ كَانَ لِلْآخَرِ مَا بَقِيَ فَذَلِكَ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّهُ عَصَبَةٌ حَالَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَأَمَّا مَعَ الْبِنْتِ فَهُوَ صَاحِبُ فَرْضٍ يَأْخُذُ السُّدُسَ بِالْفَرِيضَةِ وَالْبِنْتُ تَأْخُذُ النِّصْفَ، ثُمَّ لِلْأَبِ مَا بَقِيَ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» وَهُوَ أَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ فَيَكُونُ عَصَبَةً فِيمَا بَقِيَ وَالْجَدُّ أَبُ الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ يَقُومُ مَقَامَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُدْلِي بِهِ، وَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْأَبِ مَجَازًا إلَّا فِي فَصْلٍ وَهُوَ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ وَامْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ فَإِنَّ لِلْأُمِّ ثُلُثَ مَا بَقِيَ وَالْبَاقِي لِلْأَبِ فَإِنْ كَانَ مَكَانُ الْأَبِ جَدًّا فَلِلْأُمِّ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ وَالْبَاقِي لِلْجَدِّ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ. فَأَمَّا الْأُمُّ فَإِنَّهَا صَاحِبَةُ فَرْضٍ وَلَهَا فِي الْمِيرَاثِ حَالَانِ إمَّا السُّدُسُ وَإِمَّا الثُّلُثُ لَا تُنْقَصُ مِنْ السُّدُسِ إلَّا عِنْدَ الْعَوْلِ، وَلَا تُزَادُ عَلَى الثُّلُثِ إلَّا عِنْدَ الرَّدِّ أَمَّا السُّدُسُ لَهَا مَعَ الْوَلَدِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١] وَالثُّلُثُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] وَالسُّدُسُ لَهَا مَعَ وُجُودِ الْإِخْوَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، وَلَا خِلَافَ أَنَّ فَرْضِيَّتَهَا السُّدُسُ مَعَ الْوَلَدِ ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ حَقِيقَةً لَهُمَا. فَأَمَّا مَعَ الْإِخْوَةِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي فُصُولٍ بَعْدَ مَا اتَّفَقُوا أَنَّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ فِي هَذَا الْحُكْمِ سَوَاءٌ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ، وَعِنْدَ الِانْفِرَادِ حَتَّى أَنَّ فَرْضَهَا السُّدُسُ مَعَ الْأَخَوَاتِ الْمُفْرَدَاتِ كَمَا فِي الذُّكُورِ الْمُفْرَدِينَ وَكَمَا مَعَ الذُّكُورِ مَعَ الْإِنَاثِ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاطُ فِي الْمَثْنَى مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ فَعَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ الْفُقَهَاءِ فَرِيضَتُهَا السُّدُسُ مَعَهُمَا.
وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرِيضَتُهَا الثُّلُثُ مَعَهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَثْلَاثًا لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ
стр. 5902
إخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]، وَذَلِكَ اسْمُ جَمْعٍ وَأَدْنَى الْجَمْعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ وَالْحَجْبُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ التَّيَقُّنِ بِشَرْطِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّ الْمَثْنَى مِنْ الْأَخَوَاتِ كَالثَّلَاثِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]. فَكَذَلِكَ الْمَثْنَى كَالثَّلَاثِ فِي الْحَجْبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْبَنَاتِ أَنَّ الْمَثْنَى حُكْمُ الْجَمْعِ فِي الْحَجْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ جَمِيعًا، وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ نَوْعًا مِنْ الْمَجَازِ فَقَدْ حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ النَّصِّ، وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ الْإِخْوَةُ لِأُمٍّ كَغَيْرِهِمَا مِنْ الْإِخْوَةِ فِي حَجْبِ الْأُمِّ مِنْ الثُّلُثِ.
وَعَلَى قَوْلِ الزَّيْدِيَّةِ الْحَجْبُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِخْوَةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، أَوْ لِأَبٍ، وَلَا يَثْبُتُ بِالْإِخْوَةِ لِأُمٍّ قَالُوا لِأَنَّ هَذَا الْحَجْبَ بِمَعْنًى مَعْقُولٍ وَهُوَ عِنْدَ وُجُودِ الْإِخْوَةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، أَوْ لِأَبٍ يَكْثُرُ عِيَالُ الْأَبِ فَيُحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ مَالٍ لِلْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ وَالْأُمُّ لَا تَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ إذْ لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي الْإِخْوَةِ لِأُمٍّ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ لَيْسَتْ عَلَى الْأَبِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الْأُمِّ فَهِيَ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ مَالٍ لِأَجْلِهِمْ فَلَا تُحْجَبُ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ بِاعْتِبَارِهِمْ وَحُجَّتُنَا ظَاهِرُ الْآيَةِ فَإِنَّ اسْمَ الْأُخُوَّةِ حَقِيقَةً لِلْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الْأَخَ مَنْ جَاوَرَ غَيْرَهُ فِي صُلْبٍ، أَوْ رَحِمٍ، وَهَذَا حُكْمٌ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَقَوْلُهُمْ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فَإِنَّ الْإِخْوَةَ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ إلَى السُّدُسِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، وَلَا نَفَقَةَ هُنَا عَلَى الْأَبِ وَيُحْجَبُونَ إذَا كَانُوا كِبَارًا وَلَيْسَ عَلَى الْأَبِ مِنْ نَفَقَتِهِمْ شَيْءٌ ثُمَّ السُّدُسُ الَّذِي يُحْجَبُ عَنْهُ الْإِخْوَةُ لِأُمٍّ يَكُونُ لِلْأَبِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ إنَّ ذَلِكَ لِلْإِخْوَةِ بَيَانُهُ فَمَنْ مَاتَ وَتَرَكَ أَبَوَيْنِ وَإِخْوَةً عِنْدَنَا لِلْأُمِّ السُّدُسُ وَالْبَاقِي لِلْأَبِ، وَعِنْدَهُ لِلْأُمِّ السُّدُسُ وَالسُّدُسُ لِلْإِخْوَةِ وَالْبَاقِي لِلْأَبِ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ طَاوُسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَعْطَى الْإِخْوَةَ السُّدُسَ مَعَ الْأَبَوَيْنِ»، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَرِثُ لَا يَحْجُبُ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْإِخْوَةَ لَوْ كَانُوا كُفَّارًا، أَوْ أَرِقَّاءَ لَا يَحْجُبُونَ فَلَمَّا حَجَبُوا الْأُمَّ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ عَرَفْنَا أَنَّهُمْ وَرَثَةٌ مَعَ الْأَبِ، وَلَا يَرِثُونَ شَيْئًا مِنْ نَصِيبِ الْأَبِ لِأَنَّهُمْ يُدْلُونَ بِهِ، وَلِأَنَّ الْأَبَ أَقْرَبُ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يَتَّصِلُ بِالْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنْ الْمِيرَاثِ إلَّا مِقْدَارُ مَا نَقَصُوا مِنْ نَصِيبِ الْأُمِّ، وَذَلِكَ سُدُسٌ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] مَعْنَاهُ وَلِلْأَبِ مَا بَقِيَ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، ثُمَّ هُنَاكَ الْمُرَادُ وَلِلْأَبِ مَا بَقِيَ وَحُكْمُ الْمَعْطُوفِ حُكْمُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ بَيَّنَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ حَالًا يَكُونُ الْوَارِثُ فِيهِ الْأَبَوَانِ فَقَطْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] فَبَيَّنَ نَصِيبَ الْأُمِّ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ نَصِيبِهَا بِوُجُودِ الْغَيْرِ فَيَبْقَى مَا سِوَى ذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ وَهُوَ
стр. 5903
أَنَّ الْوَارِثَ هُمْ الْأَبَوَانِ فَقَطْ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ لَقِيت ابْنَ رَجُلٍ مِنْ الْإِخْوَةِ الَّذِينَ أَعْطَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ السُّدُسَ مَعَ الْأَبَوَيْنِ فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ كَانَ ذَلِكَ وَصِيَّةً فَعَلَى هَذَا يَصِيرُ الْحَدِيثُ دَلِيلًا لَنَا لِأَنَّ الْوَارِثَ لَا يَسْتَحِقُّ الْوَصِيَّةَ فَلَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِخْوَةَ بِالْوَصِيَّةِ مَعَ الْأَبَوَيْنِ عَرَفْنَا أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ وَالْمَعْنَى الَّذِي قَالَ هُوَ كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ لَا يَرِثُ لَا يَحْجُبُ غَيْرَ أَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا فِي حَقِّ مَنْ يَحْجُبُهُ وَالْأَخُ وَارِثٌ فِي حَقِّ الْأُمِّ، وَإِنَّمَا يَحْجُبُ الْأُمَّ بِخِلَافِ الرَّقِيقِ وَالْكَافِرِ، ثُمَّ هُوَ مَحْجُوبٌ بِالْأَبِ لِأَنَّ حَالَّ الْإِخْوَةِ مَعَ وُجُودِ الْأُمِّ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ حَالِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْأُمِّ وَهُمْ لَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَبِ شَيْئًا عِنْدَ عَدَمِ الْأُمِّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ فِي تَوْرِيثِ الْإِخْوَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ كَلَالَةً وَالْكَلَالَةُ مَنْ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ، وَلَا وَالِدٌ، وَهَذَا لَا يَتَغَيَّرُ بِوُجُودِ الْأُمِّ فَلِهَذَا لَا يَرِثُ الْأَخُ شَيْئًا مَعَ الْأَبِ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا تَثْبُتُ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ فِي الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ كَمَذْهَبِ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ شَيْئًا فَكَيْفَ يَرِثُونَ مَعَ الْأَبِ وَيَخْتَلِفُونَ أَيْضًا فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ فَعَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدٍ ﵃ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ وَالْبَاقِي لِلْأَبِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِلْأُمِّ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ وَالْبَاقِي لِلْأَبِ وَكَذَلِكَ فِي امْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ لِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ عِنْدَ مَنْ سَمَّيْنَا، وَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ وَحُكِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَقِيَ زَيْدًا ﵄ فَقَالَ نَشَدْتُك اللَّهَ هَلْ تَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ثُلُثَ مَا بَقِيَ فَقَالَ لَا، وَلَكِنَّنِي قُلْت ذَلِكَ بِرَأْيِي فَقَالَ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ مِنْ رَأْيِك وَحُجَّتُهُ ظَاهِرُ الْآيَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] يَعْنِي ثُلُثَ التَّرِكَةِ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] وَعَلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] يَعْنِي نِصْفَ مَا تَرَكَ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، ثُمَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْتَقَصَ نَصِيبُ الْأُمِّ بِالزَّوْجِ لِأَنَّ سَبَبَ وِرَاثَةِ الْأُمِّ أَقْوَى مِنْ سَبَبِ الزَّوْجِ فَإِنَّ سَبَبَ وِرَاثَتِهَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْصَ وَالدَّفْعَ فَهُوَ قَائِمٌ عِنْدَ الْوِرَاثَةِ، وَقَدْ تَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ بِخِلَافِ الزَّوْجِ.
وَلَوْ جَازَ أَنْ يُنْقَصَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا لِمَكَانِ الزَّوْجِ لَكَانَ الْأَوْلَى بِهِ الْأَبُ، وَقَدْ يُنْتَقَصُ نَصِيبُ الْأَبِ لِوُجُودِ الزَّوْجِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تَرَكَتْ أَبَاهَا وَحْدَهُ كَانَ لَهُ جَمِيعُ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْأَبِ زَوْجُهَا فَلَهُ نِصْفُ الْمَالِ، وَلَا يُنْتَقَصُ نَصِيبُ الْأُمِّ لِمَكَانِ الزَّوْجِ بِحَالٍ فَإِدْخَالُ ضَرَرِ النُّقْصَانِ عَلَى الْأَبِ أَوْلَى مِنْهُ عَلَى الْأُمِّ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِقْهِيٌّ وَهُوَ أَنَّ الْأَبَ عَصَبَةٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَا مُزَاحَمَةَ بَيْنَ الْعَصَبَاتِ وَأَصْحَابِ الْفَرَائِضِ، وَلَكِنَّ أَصْحَابَ الْفَرَائِضِ
стр. 5904
مُقَدَّمُونَ فَيُعْطُونَ فَرِيضَتَهُمْ، ثُمَّ مَا بَقِيَ لِلْعَصَبَةِ قَلَّ، أَوْ كَثُرَ وَاعْتِبَارُ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ عِنْدَ وُجُودِ الْمُزَاحَمَةِ وَيُقَاسُ بِمَا لَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَبِ جَدٌّ فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ وَحُجَّتنَا فِي ذَلِكَ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] مَعْنَاهُ فَلِأُمِّهِ ثُلُثُ مَا وَرِثَهُ أَبَوَاهُ إذْ لَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى هَذَا صَارَ قَوْلُهُ ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] فَصْلًا خَالِيًا عَنْ الْفَائِدَةِ وَقَدْ كَانَ يَحْصُلُ الْبَيَانُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ، وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] فَلَمَّا قَالَ هُنَا ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] عَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا جُعِلَ لَهَا مِيرَاثُ الْأَبَوَيْنِ وَمِيرَاثُ الْأَبَوَيْنِ مَا بَقِيَ بَعْدَ نَصِيبِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ عَلَّقَ إيجَابَ الثُّلُثِ لَهَا بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا عَدَمُ الْوَلَدِ وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ الْوَارِثُ أَبَوَيْنِ فَقَطْ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١] شَرْطٌ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] عَطْفٌ عَلَى شَرْطٍ وَالْمَعْطُوفُ عَلَى الشَّرْطِ شَرْطٌ وَالْمُتَعَلِّقُ بِشَرْطَيْنِ كَمَا يَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِهِمَا يَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ أَحَدِهِمَا فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ ثُلُثَ جَمِيعِ التَّرِكَةِ لَهَا غَيْرُ مَنْصُوصٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ وَهُوَ أَنَّ الْأَبَوَيْنِ فِي الْأُصُولِ كَالِابْنِ وَالْبِنْتِ فِي الْفُرُوعِ لِأَنَّ سَبَبَ وِرَاثَةِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَاحِدٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَّصِلٌ بِالْمَيِّتِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، ثُمَّ لَا يَجُوزُ تَفْضِيلُ الْبِنْتِ عَلَى الِابْنِ، وَلَا التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْفُرُوعِ بَلْ يَكُونُ لِلْأُنْثَى مِثْلَ نِصْفِ نَصِيبِ الذَّكَرِ. فَكَذَلِكَ فِي الْأُصُولِ وَيُقَاسُ مَا بَقِيَ بَعْدَ نَصِيبِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ عِنْدَ عَدَمِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ مَكَانُ الْأَبِ جَدًّا فَيَقُولُ تَفْضِيلُ الْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ، أَوْ التَّسْوِيَةُ إنَّمَا تَجُوزُ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْقُرْبِ، وَلَا مُسَاوَاةَ فَالْأُمُّ مُتَّصِلَةٌ بِالْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ وَالْجَدُّ لَا يَتَّصِلُ بِهِ إلَّا بِوَاسِطَةٍ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْجَدَّ قَدْ يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ بِمَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ وَهُوَ الْأَبُ وَالْأُمُّ لَا تَحْرُمُ بِمَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهَا بِحَالٍ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فَلِهَذَا أَعْطَيْنَاهَا مَعَ الْجَدِّ ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ وَمَعَ الْأَبِ ثُلُثَ مَا بَقِيَ وَكَانَ يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمِّ لَهَا ثُلُثُ مَا بَقِيَ مَعَ الزَّوْجِ وَثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ مَعَ الزَّوْجَةِ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ مُعَاذٍ ﵁ لِأَنَّ مَعَ الزَّوْجِ لَوْ أَعْطَيْنَاهَا ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ إلَّا السُّدُسُ فَيَكُونُ فِيهِ تَفْضِيلُ الْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ، وَلَا إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا. فَأَمَّا الْجَدَّةُ فَهِيَ صَاحِبَةُ فَرْضٍ فَرِيضَتُهَا السُّدُسُ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَعْطَى الْجَدَّةَ السُّدُسَ» وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أُمُّ الْأُمِّ وَأُمُّ الْأَبِ فَإِنْ اجْتَمَعَتَا فَالسُّدُسُ بَيْنَهُمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ أُمَّ الْأُمِّ جَاءَتْ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَقَالَتْ أَعْطِنِي مِيرَاثَ وَلَدِ ابْنَتِي فَقَالَ لَا أَجِدُ لَك فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى نَصِيبًا وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ
стр. 5905
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيك شَيْئًا، وَلَكِنِّي أُشَاوِرُ أَصْحَابِي فَجَمَعَهُمْ وَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى الْجَدَّةَ السُّدُسَ ثُمَّ جَاءَتْ أُمُّ الْأَبِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ أَعْطِنِي مِيرَاث وَلَدَ ابْنِي فَقَالَ لَا أَجِدُ لَك فِي كِتَابِ اللَّهِ نَصِيبًا وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيك شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنَّ ذَلِكَ السُّدُسَ بَيْنَكُمَا إذَا اجْتَمَعَتَا وَهُوَ لِمَنْ انْفَرَدَ مِنْكُمَا، ثُمَّ لَا يَزْدَادُ نَصِيبُ الْجَدَّاتِ عَلَى السُّدُسِ، وَإِنْ كَثُرْنَ إلَّا عِنْدَ الرَّدِّ، وَلَا يُنْقَصُ إلَّا عِنْدَ الْعَوْلِ.
فَأَمَّا الزَّوْجُ فَهُوَ صَاحِبُ فَرْضٍ وَلَهُ حَالَانِ النِّصْفُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الِابْنِ ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى وَالرُّبُعُ عِنْدَ وُجُودِهِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] الْآيَةَ، وَلَا يَزْدَادُ الزَّوْجُ عَلَى النِّصْفِ بِذَلِكَ بِحَالٍ، وَلَا يَنْقُصُ عَنْ الرُّبُعِ إلَّا عِنْدَ الْعَوْلِ وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَهِيَ صَاحِبَةُ فَرْضٍ وَلَهَا حَالَانِ الرُّبُعُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الِابْنِ ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى وَالثُّمُنُ عِنْدَ وُجُودِهِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] الْآيَةَ وَنَصِيبُ الزَّوْجَاتِ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةِ اثْنَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، أَوْ أَرْبَعًا لَا يُزَادُ لَهُنَّ عَلَى الرُّبُعِ بِحَالٍ، وَلَا يُنْقَصُ عَنْ الثُّمُنِ إلَّا عِنْدَ الْعَوْلِ، وَلَا يُحْجَبُ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ عَنْ الْمِيرَاثِ بِأَحَدٍ، وَلَا سَبَبٍ إلَّا بِقَتْلٍ، أَوْ كُفْرٍ، أَوْ رِقٍّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَجْبَ نَوْعَانِ حَجْبُ حِرْمَانٍ وَحَجْبُ نُقْصَانٍ فَحَجْبُ الْحِرْمَانِ نَحْوُ حَجْبِ الْأَجْدَادِ بِالْأَبِ وَالْجَدَّاتِ بِالْأُمِّ وَحَجْبُ النُّقْصَانِ نَحْوُ حَجْبِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ حَجْبَ الْحِرْمَانِ لَا يَثْبُتُ بِمَنْ هُوَ غَيْرُ وَارِثٍ بِسَبَبِ الْقَتْلِ أَوْ الرِّقِّ، أَوْ اخْتِلَافِ الدِّينِ وَكَذَلِكَ حَجْبُ النُّقْصَانِ فِي أَكْثَرِ قَوْلِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ ثَبَتَ حَجْبُ النُّقْصَانِ بِمَنْ لَا يَكُونُ وَارِثًا وَاسْتَدَلَّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ هَذَا الْحَجْبُ بِالنَّصِّ ثَابِتٌ بِالْوَلَدِ وَبِالْإِخْوَةِ وَبِسَبَبِ الرِّقِّ وَالْقَتْلِ وَالْكُفْرِ لَا بِقَيْدِ هَذَا الِاسْمِ فَالتَّقْيِيدُ بِكَوْنِ الْأَخِ وَالْوَلَدِ وَارِثًا زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ حَجْبِ الْحِرْمَانِ لِأَنَّ حَجْبَ الْحِرْمَانِ بِاعْتِبَارِ تَقْدِيمِ الْأَقْرَبِ عَلَى الْأَبْعَدِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْأَقْرَبُ مُسْتَحِقًّا. فَأَمَّا حَجْبُ النُّقْصَانِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ السَّبَبَ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ وَالْإِخْوَةِ لَا يُوجِبُ لَهُ إلَّا أَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ وَالْأَخُ وَارِثًا، وَلَا يَكُونُ وَارِثًا وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَيْسَ بِوَارِثٍ جُعِلَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ كَالْمَيِّتِ. فَكَذَلِكَ فِي الْحَجْبِ هُوَ كَالْمَيِّتِ وَكَمَا أَنَّهُ مَعَ الرِّقِّ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا فَبِالْمَوْتِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا، ثُمَّ شَرَطْنَا كَوْنَهُ وَلَدًا حَيًّا لِلْحَجْبِ بِالِاتِّفَاقِ. فَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ وَارِثًا حُرًّا لِلْحَجْبِ وَنَفْسُ حَجْبِ النُّقْصَانِ عَلَى
стр. 5906
حَجْبِ الْحِرْمَانِ فِي الْمَعْنَى لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ فِي حَجْبِ الْحِرْمَانِ تَقْدِيمُ الْأَقْرَبِ فِي الْكُلِّ، وَفِي حَجْبِ النُّقْصَانِ تَقْدِيمُ الْحَاجِبِ عَلَى الْمَحْجُوبِ فِي الْبَعْضِ. فَإِذَا شُرِطَ هُنَاكَ صِفَةُ الْوِرَاثَةِ فِي الْحَاجِبِ. فَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. .
[بَابُ التَّشْبِيهِ فِي مِيرَاثِ الْأَوْلَادِ]
(قَالَ ﵁) وَيُسَمَّى هَذَا بَابَ التَّفْوِيضِ وَبَابَ تَرْتِيبِ الْأَنْسَابِ وَاعْلَمْ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي جِنْسِ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُتَأَخِّرُونَ ﵏ فِي ذَلِكَ لِتَسْجِيدِ الْخَوَاطِرِ فَنَقُولُ إنَّكَ تَسْأَلُ عَنْ ثَلَاثَةِ بَنَاتِ ابْنٍ بَعْضُهُنَّ أَسْفَلُ مِنْ بَعْضٍ فَالْأَصْلُ فِي تَخْرِيجِ الْجَوَابِ مَا قَدَّمْنَا أَنَّ ابْنَةَ الِابْنِ تَقُومُ مَقَامَ ابْنَةِ الصُّلْبِ عِنْدَ عَدَمِهَا وَابْنَةُ ابْنِ الِابْنِ تَقُومُ مَقَامَ ابْنَةِ الِابْنِ عِنْدَ عَدَمِهَا، ثُمَّ صُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْعُلْيَا مِنْهُنَّ ابْنَةُ الِابْنِ وَالْوُسْطَى ابْنَةُ ابْنِ الِابْنِ وَالسُّفْلَى ابْنَةُ ابْنِ ابْنِ الِابْنِ فَيَكُونُ لِلْعُلْيَا النِّصْفُ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ ابْنَةِ الصُّلْبِ وَالْوُسْطَى السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَلَا شَيْءَ لِلسُّفْلَى فَإِنْ كَانَ مَعَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامٌ قُلْت إنْ كَانَ الْغُلَامُ مَعَ الْعُلْيَا فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْوُسْطَى فَلِلْعُلْيَا النِّصْفُ وَالْبَاقِي بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْوُسْطَى لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَلَا شَيْءَ لِلسُّفْلَى لِأَنَّ الذَّكَرَ لَا يَعْصِبُ مَنْ دُونَهُ بِدَرَجَةٍ، وَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ مَعَ السُّفْلَى فَلِلْعُلْيَا النِّصْفُ وَلِلْوُسْطَى السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وَالْبَاقِي بَيْنَ السُّفْلَى وَالْغُلَامِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُلْيَا جَدُّهَا أَبُ أَبِيهَا فَقُلْ هَذَا الْمَيِّتُ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ ذَكَرًا فَالسُّؤَالُ مُحَالٌ لِأَنَّ أَبَ الْأَبِ أَبُ أَبِ الْعُلْيَا وَهُوَ الْمَيِّتُ نَفْسُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً فَالسُّؤَالُ صَحِيحٌ وَهَذِهِ امْرَأَةٌ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجَهَا وَثَلَاثَ بَنَاتِ ابْنٍ فَيَكُونُ لِلزَّوْجِ الرُّبُعُ وَلِلْعُلْيَا النِّصْفُ وَلِلْوُسْطَى السُّدُسُ فَإِنْ قِيلَ لَمْ يَذْكُرْ فِي السُّؤَالِ قِيَامَ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْمَوْتِ فَكَيْفَ يُوَرِّثُهُ قُلْنَا قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ إشَارَةً بِذِكْرِهِ إيَّاهُ فِي جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ مَعَ أَنَّا عَرَفْنَا أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ بَيْنَهُمَا، وَمَا عُرِفَ ثُبُوتُهُ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الزَّوَالِ فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُلْيَا جَدَّتُهَا أُمُّ أَبِيهَا قُلْنَا إنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً فَالسُّؤَالُ مُحَالٌ لِأَنَّ أُمَّ أَبٍ الْعُلْيَا هِيَ الْمَيِّتَةُ نَفْسُهَا.
وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ ذَكَرًا فَالسُّؤَالُ مُسْتَقِيمٌ وَأُمُّ أَبٍ الْعُلْيَا زَوْجَةُ الْمَيِّتِ فَيَكُونُ لَهَا الثُّمُنُ وَلِابْنَةِ الِابْنِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ ابْنِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُلْيَا عَمُّهَا فَنَقُولُ عَمُّ الْعُلْيَا ابْنُ الْمَيِّتِ فَالْمَالُ كُلُّهُ لَهُ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُلْيَا عَمَّتُهَا فَعَمَّةُ الْعُلْيَا ابْنَةُ الْمَيِّتِ
стр. 5907
فَلَهَا النِّصْفُ وَلِلْعُلْيَا السُّدُسُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُلْيَا عَمُّ ابْنِهَا فَعَمُّ ابْنِهَا أَخُ الْمَيِّتِ فَيَكُونُ لِلْعُلْيَا النِّصْفُ وَلِلْوُسْطَى السُّدُسُ وَالْبَاقِي لِلْأَخِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُلْيَا عَمَّةُ ابْنِهَا فَعَمَّةُ ابْنِهَا أُخْتُ الْمَيِّتِ فَلِلْعُلْيَا النِّصْفُ وَلِلْوُسْطَى السُّدُسُ وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ فَإِنَّ الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةٌ فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُلْيَا ثَلَاثَةُ أَعْمَامٍ مُتَفَرِّقِينَ فَنَقُولُ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ ذَكَرًا فَالْمَالُ بَيْنَ عَمِّ الْعُلْيَا لِأَبٍ وَأُمٍّ وَعَمِّهَا لِأَبٍ نِصْفَانِ، وَلَا شَيْءَ لِعَمِّهَا لِأُمِّهَا لِأَنَّ عَمَّهَا لِأُمٍّ ابْنُ امْرَأَةِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً فَالْمَالُ بَيْنَ عَمِّ الْعُلْيَا لِأَبٍ وَأُمٍّ وَعَمِّهَا لِأُمٍّ نِصْفَانِ لِأَنَّهُمَا ابْنَا الْمَيِّتِ، وَلَا شَيْءَ لِعَمِّهِمَا لِأَبٍ لِأَنَّهُ ابْنُ زَوْجِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُلْيَا ثَلَاثُ عَمَّاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ فَهُوَ كَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا فَعَمَّةُ الْعُلْيَا لِأَبٍ وَأُمٍّ وَعَمَّتُهَا لِأُمٍّ ابْنَتَا الْمَيِّتِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُلْيَا ثَلَاثُ إخْوَةٍ مُتَفَرِّقِينَ فَالْمَالُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أُخْتِهَا لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأُخْتِهَا لِأَبٍ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَلَا شَيْءَ لِأُخْتِهَا لِأُمٍّ لِأَنَّهَا ابْنَةُ امْرَأَةِ ابْنِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُلْيَا ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ فَأُخُوَّتُهَا لِأَبِيهَا وَأُمِّهَا وَأُخْتُهَا لِأَبِيهَا فِي دَرَجَتِهَا فَيَكُونُ لَهُمْ الثُّلُثَانِ وَلَا شَيْءَ لِأُخْتِهَا لِأُمِّهَا لِأَنَّهَا ابْنَةُ ابْنِ امْرَأَةِ ابْنِ الْمَيِّتِ وَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْفَصْلِ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى فَإِنْ كَانَ تَرَكَ ثَلَاثَ بَنَاتِ ابْنٍ بَعْضُهُنَّ أَسْفَلُ مِنْ بَعْضٍ وَثَلَاثَ بَنَاتِ ابْنِ ابْنٍ بَعْضُهُنَّ أَسْفَلُ مِنْ بَعْضٍ فَنَقُولُ الْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي فِي دَرَجَةِ الْوُسْطَى مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ وَالْوُسْطَى مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي فِي دَرَجَةِ السُّفْلَى مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ لِلْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ النِّصْفُ وَلِلْوُسْطَى مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ وَالْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وَلَا شَيْءَ لِمَنْ سِوَاهُنَّ فَإِنْ كَانَ مَعَ الْوُسْطَى مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي غُلَامٌ فَالْبَاقِي بَيْنَ السُّفْلَى مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ وَالْوُسْطَى مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي وَالْغُلَامُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَلَا شَيْءَ لِلسُّفْلَى مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي.
وَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ مَعَ السُّفْلَى مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي فَالْبَاقِي بَيْنَ الْغُلَامِ وَبَيْنَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْغُلَامَ كَمَا يَعْصِبُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ يَعْصِبُ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ بِدَرَجَةٍ إذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا بِالْفَرِيضَةِ، وَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ مَعَ الْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي فَلِلْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي بَيْنَ الْوُسْطَى مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ وَالْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي وَالْغُلَامُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ مَعَ الْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَإِنْ تَرَكَ ثَلَاثَ بَنَاتِ ابْنٍ بَعْضُهُنَّ أَسْفَلُ مِنْ بَعْضٍ وَمَعَ الْعُلْيَا ثَلَاثُ بَنِي أَعْمَامٍ مُتَفَرِّقِينَ فَالْمَالُ بَيْنَ الْعُلْيَا وَبَيْنَ ابْنِ عَمِّهَا لِأَبٍ وَأُمٍّ وَبَيْنَ ابْنِ عَمّهَا لِأَبٍ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ لِأَنَّ ابْنَ عَمِّهَا فِي دَرَجَةِ ابْنِ ابْنِ الْمَيِّتِ رَجُلًا كَانَ
стр. 5908
أَوْ امْرَأَةً فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُلْيَا ثَلَاثُ بَنَاتِ أَعْمَامٍ مُتَفَرِّقِينَ فَلِلْعُلْيَا، وَمَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ فَطَرِيقُ تَخْرِيجِهِ مَا بَيَّنَّا وَيَتَّصِلُ بِهَذَا الْبَابِ مَسَائِلُ الْمُعَايَاةِ وَمُتَشَابِهُ الْأَنْسَابِ، وَلَكِنْ أَوْرَدَ مُحَمَّدٌ ﵀ لِذَلِكَ بَابًا فِي آخِرِ الْكِتَابِ فَيُؤَخَّرُ الْبَيَانُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَكُونَ أَسْهَلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. .
[بَابُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ]
(قَالَ ﵀) الْأَصْلُ فِي تَوْرِيثِهِمْ آيَتَانِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إحْدَاهُمَا قَوْله تَعَالَى ﴿، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ، أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٢] مَعْنَاهُ أَخٌ، أَوْ أُخْتٌ لِأُمٍّ هَكَذَا فِي قِرَاءَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ وَتُسَمَّى هَذِهِ الْآيَةِ آيَةَ النِّسَاءِ لِأَنَّهَا فِي النِّسَاءِ نَزَلَتْ وَالثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] إلَى آخِرِ السُّورَةِ وَالْمُرَادُ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِأَبٍ وَأُمٍّ، أَوْ لِأَبٍ هَكَذَا قَالَهُ الصِّدِّيقُ ﵁ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُسَمَّى هَذِهِ الْآيَةُ آيَةَ الصَّيْفِ لِأَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِي الصَّيْفِ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي مَعْنَى اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَتَيْنِ وَهُوَ الْكَلَالَةُ أَنَّهُ عِبَارَةُ عَمَّا خَلَا عَنْ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ، وَفِي آيَةِ النِّسَاءِ الْكَلَامُ مُبْهَمٌ جِدًّا، وَفِي آيَةِ الصَّيْفِ زِيَادَةُ بَيَانٍ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وَكَانَ «عُمَرُ ﵁ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى السُّؤَالِ عَنْ الْكَلَالَةِ حَتَّى أَنَّهُ رُوِيَ لَمَّا أَلَحَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي السُّؤَالِ عَنْهُ وَضَعَ فِي صَدْرِهِ فَقَالَ أَمَا يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ»، وَإِنَّمَا أَحَالَهُ عَلَى الْآيَةِ لِيَجْتَهِدَ فِي طَلَبِ مَعْنَاهَا فَيَنَالَ ثَوَابَ الْمُجْتَهِدِينَ وَرُوِيَ أَنَّ «ابْنَ عُمَرَ ﵁ قَالَ لِحَفْصَةَ ﵂ مَتَى وَجَدْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَيِّبَةَ نَفْسٍ فَسَلِيهِ عَنْ الْكَلَالَةِ فَلَبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثِيَابَهُ يَوْمًا لِيَخْرُجَ فَقَالَتْ حَفْصَةُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْكَلَالَةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ﵇ أَبُوك أَمَرَك بِذَلِكَ مَا أَرَاهُ يَعْرِفُ الْكَلَالَةَ فَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ مَا أَرَانِي أَعْرِفُ الْكَلَالَةَ بَعْدَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ» وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا ثَلَاثًا وَلَوْ عَلِمْتهَا لَكَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ الدِّينَا، وَمَا فِيهَا الْكَلَالَةُ وَالْخِلَابَةُ وَالرِّبَا وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ أَنِّي رَأَيْت فِي الْكَلَالَةِ رَأْيًا فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنْ يَكُ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَانِ أَرَى الْكَلَالَةَ مَا خَلَا عَنْ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ فَاتَّبَعَهُ عُمَرُ ﵁ عَلَى رَأْيِهِ وَقَالَ لَا أَرْضَى
стр. 5909
مِنْ نَفْسِي أَنِّي أُنْسَبُ إلَى مُخَالِفَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ فِي كَتِفٍ فَلَمَّا طُعِنَ وَأَيِسَ مِنْ نَفْسِهِ دَعَا بِالْكَتِفِ وَمَحَاهُ وَقَالَ اشْهَدُوا أَنِّي أَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَا قَوْلَ لِي فِي الْكَلَالَةِ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵃ أَنَّ الْكَلَالَةَ مَا عَدَا الْوَلَدَ وَالْوَالِدَ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ أَنَّ لِلْأُمِّ ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ، وَلَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يُسْقِطُ الْأَبَ بِالْأَخِ، وَلَا أَنَّهُ يُنْقِصُ نَصِيبَهُ مِنْ السُّدُسِ بِسَبَبِ الْأَخِ وَلَمْ يَبْقَ السُّدُسُ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْبَتَ لِلْأَخِ لِأُمٍّ السُّدُسَ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ كَلَالَةً وَأَمَّا إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ وَأَخٍ لِأُمٍّ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ جَمِيعَ الْمَالِ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا السُّدُسُ فَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ كَلَالَةً مَعَ قِيَامِ الْأَبِ عِنْدَهُ لَصَارَ ذَلِكَ السُّدُسُ لِلْأَخِ لِأُمٍّ فَيَصِيرُ الْأَبُ مَحْجُوبًا بِسَبَبِ الْأَخِ لِأُمٍّ، وَلَا يُظَنُّ بِهِ هَذَا فَعَرَفْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْكَلَالَةَ مَا خَلَا الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَأَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنَّ الْكَلَالَةَ مَا خَلَا الْوَلَدِ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ وَالِدٌ فَقُلْت إنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا عَدَا الْوَالِدَ وَالْوَلَدَ فَغَضِبَ فَقَالَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] يَعْنِي الْكَلَالَةَ هَالِكٌ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَعَامَّةُ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْكَلَالَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ، وَلَا وَالِدٌ» وَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ قِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وَهُوَ يَشْمَلُ الْوَلَدَ وَالْوَالِدَ جَمِيعًا فَإِنَّ اسْمَ الْوَلَدِ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوِلَادَةِ وَيُطْلَقُ ذَلِكَ عَلَى الْوَالِدِ لِتَوَلُّدِ الْوَلَدِ مِنْهُ وَعَلَى الْوَلَدِ لِتَوَلُّدِهِ مِنْ الْوَالِدِ كَاسْمِ الذُّرِّيَّةِ يَتَنَاوَلُ الْأَوْلَادَ وَالْآبَاءَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَآيَةً لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] يَعْنِي آبَاءَهُمْ فَسُمِّيَ الْأَبُ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّ الْوَلَدَ ذُرِيَ مِنْهُ وَسُمِّيَ بِهِ الْوَلَدُ لِأَنَّهُ ذُرِيَ مِنْ الْأَبِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] الْوَلَدُ وَمَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْوَلَدِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ لَهُ وَلَدُ ابْنٍ لَا يَكُونُ كَلَالَةً لِوُجُودِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْوَلَدِ. فَكَذَلِكَ مَنْ لَهُ أَبٌ لَا يَكُونُ كَلَالَةً لِوُجُودِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْوَلَدِ وَمِنْ حَيْثُ مَعْنَى اللُّغَةِ وَالِاشْتِقَاقِ الْحُجَّةُ فِيهِ لِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ﵃ أَنَّ السَّبَبَ نَوْعَانِ سَرْدٌ وَكَلَالَةٌ فَالسَّرْدُ لَا يُتْبِعُ فَرْدًا فَرْدًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ
نَسَبٌ تَوَارَثَ كَابِرٌ عَنْ كَابِرٍ ... كَالرُّمْحِ أُنْبُوبًا عَلَى أُنْبُوبِ
стр. 5910
وَهَذَا الْمَعْنَى فِي الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ لِأَنَّهُ يُتْبِعُ فَرْدًا فَرْدًا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْكَلَالَةَ مَا سِوَى ذَلِكَ وَمِنْ حَيْثُ الِاشْتِقَاقِ لِأَهْلِ اللُّغَةِ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَنَّ اشْتِقَاقَ الْكَلَالَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ أَيْ أَحَاطَ بِهِ وَمِنْهُ يُقَالُ تَكَلَّلَ الْغَمَامُ السَّمَاءَ أَيْ أَحَاطَ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَمِنْهُ الْإِكْلِيلُ فَإِنَّهُ يُحِيطُ بِجَوَانِبِ الرَّأْسِ وَمِنْهُ الْكُلُّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَمْعُ وَالْإِحَاطَةُ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ لِأَنَّ اتِّصَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ هَذَا فِيمَا سِوَى الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ فَإِنَّ الِاتِّصَالَ يُحِيطُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ
وَرِثْتُمْ قَنَاةَ الْمَجْدِ لَا عَنْ كَلَالَةٍ ... عَنْ ابْنَيْ مُنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ
وَقِيلَ اشْتِقَاقُ الْكَلَالَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ حَمَلَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ، ثُمَّ كَلَّ عَنْهُ أَيْ بَعُدَ وَمِنْهُ الْكَلُّ وَهُوَ اسْمٌ لِمَا تَبَاعَدَ عَنْ الْمَقْصُودِ وَمَعْنَى التَّبَاعُدِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا عَدَا الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ لِكَوْنِ الِاتِّصَالِ بِوَاسِطَةٍ، أَوْ وَاسِطَتَيْنِ، أَوْ وَاسِطَاتٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ الْقَائِلِ
فَإِنَّ أَبَا الْمَرْءِ أَحْمَى لَهُ ... وَمَوْلَى الْكَلَالَةِ لَا يَغْضَبُ
فَقَدْ أَخْرَجَ الْأَبَ مِنْ الْكَلَالَةِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْكَلَالَةَ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ أَوْ لِلْوَرَثَةِ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى هُوَ اسْمٌ لِمَيِّتٍ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ هُوَ اسْمٌ لِوَرَثَةِ لَيْسَ فِيهِمْ وَلَدٌ، وَلَا وَالِدٌ وَحُجَّةُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ [النساء: ١٢] أَيْ يُورَثُ فِي حَالِ مَا يَكُونُ كَلَالَةً فَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ كَمَا يُقَالُ ضَرَبَ زَيْدًا قَائِمًا، وَإِنَّمَا يُورَثُ الْمَيِّتُ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْكَلَالَةَ صِفَةٌ لَهُ وَحُجَّةُ الْقَوْلِ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] أَيْ يَسْتَفْتُونَك عَنْ الْكَلَالَةِ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ الِاسْتِفْتَاءُ عَنْ وَرَثَةٍ لَيْسَ فِيهِمْ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ فَأَمَّا إذَا سُئِلَ عَنْ مَيِّتٍ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ لَا يُفْهَمُ بِهَذَا السُّؤَالِ شَيْءٌ وَالْآيَةُ قُرِئَتْ بِالنَّصْبِ بِيُورَثُ وَبِالْكَسْرِ بِوَرَثَةٍ وَالْقِرَاءَةُ بِالْكَسْرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَلَالَةَ اسْمٌ لِلْوَرَثَةِ وَتَأْوِيلُ الْقِرَاءَةِ بِالنَّصْبِ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ أَنَّ اسْمَ الْكَلَالَةِ يَتَنَاوَلُ الْوَرَثَةَ وَيَتَنَاوَلُ الْمَيِّتَ كَاسْمِ الْأَخِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ قَدْ ثَبَتَ بِالسَّنَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلَالَةِ الْوَرَثَةُ قَالَ ﵇ «وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا وَعِيَالًا فَعَلَيَّ نَفَقَتُهُ» يَعْنِي كَلَالَةً إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ أَصْنَافٌ ثَلَاثَةٌ بَنُو الْأَعْيَانِ وَهُمْ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِأَبٍ وَأُمٍّ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ أَتَمُّ مَا يَكُونُ مِنْهُ وَتَمَامُ الِاتِّصَالِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي حَقِّهِمْ وَبَنُو الْعَلَّاتِ وَهُمْ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِأَبٍ قَالَ الْقَائِلُ
وَيُوسُفُ إذْ دَلَّاهُ أَوْلَادُ عَلَّةٍ ... فَأَصْبَحَ فِي قَعْرِ الرَّكِيَّةِ ثَاوِيَا
стр. 5911
وَبَنُو الْأَخْيَافِ وَهُوَ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِأُمٍّ سُمُّوا بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ فَرَسٌ أَخْيَفُ إذَا كَانَتْ إحْدَى عَيْنَيْهِ زَرْقَاءَ وَالْأُخْرَى كَحْلًا فَنُسِبَ بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ إلَى شَيْءٍ وَبِأُخْرَى إلَى شَيْءٍ آخَرَ فَحَالُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِأُمٍّ كَذَلِكَ.
ثُمَّ نَبْدَأُ بِبَيَانِ مِيرَاثِ بَنِي الْأَخْيَافِ اقْتِدَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ السُّورَةِ مِيرَاثَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٢] أَيْ لِأُمٍّ وَهَكَذَا فِي قِرَاءَةِ سَعْدٍ ﵁ وَهُمْ أَصْحَابُ الْفَرِيضَةِ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ السُّدُسُ ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى وَلِلْمَثْنَى فَصَاعِدًا مِنْهُمْ الثُّلُثُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِالسَّوِيَّةِ لَا يُزَادُ لَهُمْ عَلَى الثُّلُثِ، وَإِنْ كَثُرُوا إلَّا عِنْدَ الرَّدِّ فَلَا يُنْتَقَصُ الْفَرْدُ مِنْهُمْ عَنْ السُّدُسِ إلَّا عِنْدَ الْعَوْلِ، وَهَذَا حُكْمٌ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] وَلَفْظُ الشَّرِكَةِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ ذُكُورِهِمْ، وَإِنَاثِهِمْ وَالْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُمْ يُدْلُونَ بِالْأُمِّ فَيُعْتَبَرُ مِيرَاثُهُمْ بِمِيرَاثِ الْمُدْلِي بِهِ وَلِلْأُمِّ فِي الْمِيرَاثِ حَالَانِ فَالْفَرْدُ مِنْهُمْ يُعْتَبَرُ حَالُهُ بِأَسْوَإِ حَالَيْ الْأُمِّ فَلَهُ السُّدُسُ وَالْجَمَاعَةُ مِنْهُمْ يُعْتَبَرُونَ بِأَخَسِّ حَالَيْ الْأُمِّ لِتَقَوِّي حَالِهِمْ بِالْعَدَدِ وَفِي مَعْنَى الْإِدْلَاءِ بِالْأُمِّ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ سَوَاءٌ وَيُفَضَّلُ الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى بِاعْتِبَارِ الْعُصُوبَةِ، وَلَا حَظَّ لَهُ فِي الْعُصُوبَةِ ثُمَّ هُمْ لَا يَرِثُونَ مَعَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الِابْنِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَمَعَ الْأَبِ وَالْجَدِّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ فِي تَوْرِيثِهِمْ الْكَلَالَةَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْكَلَالَةَ مَا خَلَا الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَاتَّفَقُوا أَنَّهُمْ لَا يَسْقُطُونَ بِبَنِي الْأَعْيَانِ وَلَا بِبَنِي الْعَلَّاتِ، وَلَا يَنْقُصُ نَصِيبُهُمْ بِبَنِي الْعَلَّاتِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَنْقُصُ نَصِيبُهُمْ بِبَنِي الْأَعْيَانِ أَمْ لَا وَبَيَانُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجًا وَأُمًّا وَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ، أَوْ أُخْتَيْنِ، أَوْ أَخًا وَأُخْتًا وَأَخَوَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَالْمَذْهَبُ عِنْدَ عَلِيٍّ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵃ أَنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلْإِخْوَةِ لِأُمٍّ الثُّلُثُ وَلَا شَيْءَ لِلْإِخْوَةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ وَقَالَ عُثْمَانُ وَزَيْدٌ ﵄ الثُّلُثُ مَقْسُومٌ بَيْنَ الْإِخْوَةِ لِأُمٍّ وَبَيْنَ الْإِخْوَةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ بِالسَّوِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ شُرَيْحٍ وَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْمُشَرِّكَةُ.
وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَنْفِي التَّشْرِيكَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى التَّشْرِيكِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ رِوَايَتَانِ أَظْهَرُهُمَا التَّشْرِيكُ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ رِوَايَتَانِ أَظْهَرُهُمَا نَفْيُ التَّشْرِيكِ وَتُسَمَّى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةَ التَّشْرِيكِ وَالْحِمَارِيَّةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ الْإِخْوَةَ لِأَبٍ وَأُمٍّ سَأَلُوا عُمَرَ ﵁ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَفْتَى بِنَفْيِ التَّشْرِيكِ كَمَا كَانَ يَقُولُهُ أَوَّلًا فَقَالُوا هَبْ
стр. 5912
أَنَّ أَبَانَا كَانَ حِمَارًا أَلَسْنَا مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ صَدَقْتُمْ وَرَجَعَ إلَى الْقَوْلِ بِالتَّشْرِيكِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْفِقْهِيُّ فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمِيرَاثِ بِاعْتِبَارِ الْقُرْبِ وَالْإِدْلَاءِ، وَقَدْ اسْتَوْفَوْا فِي الْإِدْلَاءِ إلَى الْمَيِّتِ بِالْأُمِّ وَيُرَجَّحُ الْإِخْوَةُ لِأَبٍ وَأُمٍّ بِالْإِدْلَاءِ إلَيْهِ بِالْأَبِ فَإِنْ كَانُوا لَا يَتَقَدَّمُونَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَسْتَوُوا بِهِمْ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَقَدَّمُوا لِأَنَّ الْإِدْلَاءَ بِالْأَبِ بِسَبَبِ الْعُصُوبَةِ وَاسْتِحْقَاقُ الْعَصَبَاتِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ اسْتِحْقَاقِ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ فَلَا يَبْقَى هُنَا شَيْءٌ مِنْ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْإِدْلَاءِ بِقَرَابَةِ الْأَبِ فِي حَقِّهِمْ، وَإِنَّمَا يَبْقَى الْإِدْلَاءُ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ وَهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَاحْتِجَاجُنَا عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ قَالُوا هَبْ أَنْ أَبَانَا كَانَ حِمَارًا أَنَّا إذَا جَعَلْنَا أَبَاكُمْ حِمَارًا فَإِنَّا نَجْعَلُ أُمَّكُمْ أَتَانًا فَلَا يُسْتَحَقُّ بِالْإِدْلَاءِ بِهَا شَيْءٌ وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ وَهُوَ أَنَّ الْإِدْلَاءَ بِقَرَابَةِ الْأَبِ سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْعُصُوبَةِ وَبَعْدَ مَا وُجِدَ هَذَا السَّبَبُ لَا تَكُونُ قَرَابَةُ الْأُمِّ عِلَّةً الِاسْتِحْقَاقِ بَلْ تَكُونُ عِلَّةً لِلتَّرْجِيحِ فَلِهَذَا يُرَجَّحُ الْأَخُ لِأَبٍ وَأُمٍّ عَلَى الْأَخِ لِأَبٍ، وَمَا يَكُونُ عِلَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ بِانْفِرَادِهِ لَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِمَا لَا يَكُونُ عِلَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ فَلِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ قَرَابَةَ الْأُمِّ فِي حَقِّهِمْ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِلِاسْتِحْقَاقِ، ثُمَّ الْعُصُوبَةُ أَقْوَى أَسْبَابِ الْإِرْثِ وَالضَّعِيفُ لَا يَظْهَرُ مَعَ وُجُودِ الْقَوِيِّ فَلَا يَظْهَرُ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْفَرِيضَةِ فِي حَقِّ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ.
وَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ وَجَبَ إلْحَاقُ الْفَرَائِضِ بِأَهْلِهَا فَإِنْ بَقِيَ سَهْمٌ فَهُوَ لِلْعَصَبَةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ. وَإِذَا اعْتَبَرَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ فِي قَرَابَةِ الْأُمِّ لِتَرَجُّحِ قَرَابَةِ الْأَبِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الثُّلُثُ كُلُّهُ لَهُمْ كَمَا يُرَجَّحُ الْإِخْوَةُ لِأَبٍ وَأُمٍّ عَلَى الْإِخْوَةِ لِأَبٍ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ هُنَاكَ أَخٌ وَاحِدٌ لِأُمٍّ وَعَشَرَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَلِلْأَخِ لِأُمٍّ السُّدُسُ وَالْبَاقِي بَيْنَ الْإِخْوَةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَلَا أَحَدَ يَقُولُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ هُنَا فَلَوْ كَانَ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ فِي قَرَابَةِ الْأُمِّ مُعْتَبَرًا لَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ ذَلِكَ وَبَقِيَ تَفْضِيلُ الْأَخِ لِأُمٍّ عَلَى الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ إذْ عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ لَوْ كَانَ مَكَانُ الْأَخَوَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ لَا تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مُشَرِّكَةً لِأَنَّ لِلْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ الثُّلُثَيْنِ بِالْفَرِيضَةِ وَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ عَوْلِيَّةً وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانُهُمَا أَخَوَيْنِ لِأَبٍ لَا تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مُشَرِّكَةً لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ بِالتَّشْرِيكِ إنَّمَا يَقُولُ بِهِ لِوُجُودِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْإِدْلَاءِ بِالْأُمِّ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْإِخْوَةِ لِأَبٍ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْأَخُ لِأُمٍّ وَاحِدًا لَا تَكُونُ مُشْتَرَكَةً لِأَنَّهُ يَبْقَى بَعْدَ نَصِيبِ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ.
فَأَمَّا بَيَانُ مِيرَاثِ بَنِي الْأَعْيَانِ فَنَقُولُ إنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ أَوْلَادِ الصُّلْبِ عِنْدَ عَدَمِهِمْ فِي التَّوْرِيثِ ذُكُورُهُمْ مَقَامَ ذُكُورِهِمْ، وَإِنَاثُهُمْ مَقَامَ إنَاثِهِمْ حَتَّى أَنَّ الْأُنْثَى مِنْهُمْ إذَا كَانَتْ وَاحِدَةً
стр. 5913
فَلَهَا النِّصْفُ وَلِلْمَثْنَى فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ، وَذَلِكَ يُتْلَى فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، ثُمَّ قَالَ ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] كَمَا فِي مِيرَاثِ الْبَنَاتِ إذَا كُنَّ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ هُنَا وَنَصَّ عَلَى مِيرَاثِ الْبِنْتَيْنِ هُنَا وَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ ثَمَّةَ لِيُسْتَدَلَّ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَلِلْفَرْدِ مِنْهُمْ إذَا كَانَ ذَكَرًا جَمِيعُ الْمَالِ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] أَيْ يَرِثُهَا جَمِيعَ الْمَالِ، وَإِنْ كَثُرُوا فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ اعْتِبَارًا بِالْأَبْنَاءِ وَعِنْدَ اخْتِلَاطِ الذُّكُورِ بِالْإِنَاثِ يَكُونُ الْمَالُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] كَمَا هُوَ فِي مِيرَاثِ الْأَوْلَادِ وَشَيْءٌ مِنْ الْمَعْقُولِ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَالْإِرْثُ خِلَافَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْمَيِّتِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِ عَمَّا يَخْلُفُهُ مِنْ الْمَالِ بَعْدِ مَوْتِهِ وَالْخِلَافَةُ إمَّا بِالْمُنَاسَبَةِ، أَوْ بِالْمُوَاصَلَةِ، أَوْ بِالْقَرَابَةِ وَمِيرَاثُ بَنِي الْعَلَّاتِ كَمِيرَاثِ أَوْلَادِ الِابْنِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ عِنْدَ عَدَمِ بَنِي الْأَعْيَانِ يَقُومُ ذُكُورُهُمْ مَقَامَ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثُهُمْ مَقَامَ إنَاثِهِمْ كَأَوْلَادِ الِابْنِ عِنْدَ عَدَمِ أَوْلَادِ الصُّلْبِ فَإِنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ مَعَ الذَّكَرِ مِنْ بَنِي الْأَعْيَانِ شَيْئًا كَمَا لَا يَرِثُ أَوْلَادُ الِابْنِ مَعَ الِابْنِ حَتَّى أَنَّ الْأُخْتَ لِأَبٍ لَا تَرِثُ مَعَ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَلَا تَصِيرُ عَصَبَةً مَعَ الْبِنْتِ إذَا كَانَ مَعَهَا أَخٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ بَلْ يَكُونُ النِّصْفُ لِلْبِنْتِ وَالْبَاقِي لِلْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَلَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ لِأَبٍ، وَإِنْ كَانَ بَنُو الْأَعْيَانِ إنَاثًا مُفْرَدَاتٍ فَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِبَنِي الْعَلَّاتِ إذَا كُنَّ إنَاثًا مُفْرَدَاتٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلَطِينَ فَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ يُنْظَرُ لِلْإِنَاثِ مِنْهُمْ إلَى الْمُقَاسَمَةِ وَإِلَى السُّدُسِ فَلَهُنَّ شَرُّهُمَا، وَإِنْ كَانَ بَنُو الْأَعْيَانِ بِنْتَيْنِ مِنْ الْإِنَاثِ فَصَاعِدًا فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ، وَلَا شَيْءَ لِلْأَخَوَاتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ فَيَعْصِبُهُنَّ فِيمَا بَقِيَ.
وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْبَاقِي لِلذَّكَرِ خَاصَّةً وَهُوَ نَظِيرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَسَائِلِ الْإِضْرَارِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي أَوْلَادِ الِابْنِ مَعَ بَنَاتِ الصُّلْبِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَبِ شَيْئًا إلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي تَوْرِيثِهِمْ مَعَ الْجَدِّ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا نُبَيِّنُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ مَعَ الِابْنِ شَيْئًا لِأَنَّ شَرْطَ تُورَثِيهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ هَالِكًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] وَمَنْ لَهُ ابْنٌ فَلَيْسَ بِهَالِكٍ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي تَوْرِيثِهِمْ مَعَ الْبَنَاتِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الْإِنَاثِ الْمُفْرَدَاتِ مِنْهُمْ دُونَ الذُّكُورِ حَتَّى إنَّ مَنْ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَةً أَوْ ابْنَتَيْنِ وَأَخًا لِأَبٍ وَأُمٍّ، أَوْ لِأَبٍ فَلِلْأَخِ مَا بَقِيَ نِصْفًا كَانَ، أَوْ ثُلُثًا، وَذَلِكَ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ فَقَدْ قَالَ ﵇ «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا أَبْقَتْ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» وَأَقْرَبُ رَجُلٍ ذَكَرٍ هُوَ
стр. 5914
الْأَخُ فَأَمَّا إذَا كَانَ مَعَ الِابْنَةِ، أَوْ الِابْنَتَيْنِ أُخْتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ، أَوْ لِأَبٍ فَعَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ مَا بَقِيَ لِلْأُخْتِ نِصْفًا كَانَ، أَوْ ثُلُثًا.
وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَأَصْلُهُ أَنَّ الْأَخَوَاتِ يَصِرْنَ عَصَبَةً مَعَ الْبَنَاتِ عِنْدَ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ لَا يَصِرْنَ عَصَبَةً وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِيمَا إذَا اخْتَلَطَ الذُّكُورُ بِالْإِنَاثِ مِنْ الْإِخْوَةِ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْبَاقِيَ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ مَذْهَبِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْبَاقِيَ كُلَّهُ لِلذَّكَرِ فَالْأُخْتُ تَصِيرُ عَصَبَةً مَعَ الْبِنْتِ سَوَاءٌ كَانَتْ لِأَبٍ وَأُمٍّ، أَوْ لِأَبٍ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَ الْأُخْتِ لِأَبٍ أَخٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ بِأَنْ تَرَكَ بِنْتًا وَأَخًا لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأُخْتًا لِأَبٍ فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِلْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَلَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ لِأَبٍ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ هُنَاكَ ابْنَةٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأَخٌ وَأُخْتٍ لِأَبٍ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْبَاقِيَ كُلَّهُ لِلذَّكَرِ وَالْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْبَاقِيَ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَعِنْدَنَا الْبَاقِي كُلُّهُ لِلْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَحُجَّتُهُ مَا رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵁ قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ فَرِيضَةٍ فِيهَا ابْنَةٌ وَأُخْتٌ فَقَالَ لِلِابْنَةِ النِّصْفُ، وَلَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ فَقُلْت قَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ لِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ مَا بَقِيَ فَغَضِبَ وَقَالَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٧٦] قَالَ الزُّهْرِيُّ فَلَمْ أَفْهَمْ مُرَادَ ابْنِ عَبَّاسٍ حَتَّى سَأَلْت عَنْهُ عَطَاءً فَقَالَ مُرَادُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا جَعَلَ لِلْأُخْتِ النِّصْفَ بِشَرْطِ عَدَمِ الْوَلَدِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا النِّصْفَ مَعَ الْوَلَدِ فَإِنَّ اسْمَ الْوَلَدِ حَقِيقَةً لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى جَمِيعًا.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَجَبَ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ بِالْوَلَدِ اسْتَوَى فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَلَمَّا حَجَبَ الزَّوْجَ عَنْ النِّصْفِ إلَى الرُّبُعِ وَالْمَرْأَةَ إلَى الثُّمُنِ مِنْ الرُّبُعِ بِالْوَلَدِ اسْتَوَى فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى. فَكَذَلِكَ هُنَا شُرِطَ عَدَمُ الْوَلَدِ لِتَوْرِيثِ الْأُخْتِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ نَصِيبِ صَاحِبِ الْفَرِيضَةِ يَسْتَحِقُّهُ الْعَصَبَةُ بِالنِّسْبَةِ وَالْأَخُ عَصَبَةٌ. فَأَمَّا الْأُخْتُ فَلَيْسَتْ بِعَصْبَةٍ لِأَنَّهَا عِنْدَ الِانْفِرَادِ لَا تَكُونُ عَصَبَةً فَعَرَفْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَصَبَةٍ فِي نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ عَصَبَةً بِغَيْرِهَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ عَصَبَةً وَالِابْنَةُ لَيْسَتْ بِعَصَبَةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ عَصَبَةً مَعَهَا.
وَلَوْ صَارَ عَصَبَةً مَعَهَا لَشَارَكَهَا فِي الْمِيرَاثِ وَبِالْإِجْمَاعِ لَا يُشَارِكُهَا فِي نَصِيبِهَا فَعَرَفْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَصَبَةٍ أَصْلًا إلَّا أَنْ يُخَالِطَهَا ذَكَرٌ فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ عَصَبَةً بِالذَّكَرِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وَمَعْنَاهُ ابْنٌ بِدَلِيلِ مَا عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] فَإِنَّ مَعْنَاهُ بِالِاتِّفَاقِ
стр. 5915
إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ابْنٌ حَتَّى إنَّ الْأَخَ يَرِثُ مَعَ الِابْنَةِ فَإِنْ قِيلَ هُمَا شَرْطَانِ ذُكِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَادِثَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَإِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَحَدِهِمَا الذَّكَرُ لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّانِي الذَّكَرُ قُلْنَا لَا كَذَلِكَ بَلْ الْكُلُّ شَرْطٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ ذُكِرَ أَوَّلًا إذَا كَانَ الْأَخُ هُوَ الْمَيِّتُ يُجْعَلُ لِلْمَيِّتِ النِّصْفُ، ثُمَّ قُلْت الْمَسْأَلَةُ بِجَعْلِ الْأُخْتِ هِيَ الْمَيِّتَ وَالْأَخِ هُوَ الْوَارِثَ وَجَعْلِ لَهُ جَمِيعَ الْمَالِ فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الشَّرْطَ وَاحِدٌ وَهُوَ عَدَمُ الْوَلَدِ، ثُمَّ الْمُرَادُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ الذَّكَرُ دُونَ الْأُنْثَى فَكَذَلِكَ الْمُرَادُ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ وَالسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ سُئِلَ عَنْ ابْنَةٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ فَقَالَ لِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ مَا بَقِيَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَقَالَ قَدْ ضَلَلْت إذًا، وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ» فَفِي هَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْأُخْتَ عَصَبَةٌ مَعَ الْبِنْتِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ حَالَةَ الِانْفِرَادِ حَالَ الْأُخْتِ أَقْوَى مِنْ حَالِ الِاخْتِلَاطِ بِالْإِخْوَةِ لِأَنَّ حَالَةَ الِاخْتِلَاطِ حَالُ مُزَاحَمَةٍ وَحَالَ الِانْفِرَادِ حَالُ عَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ. فَإِذَا كَانَتْ هِيَ لَا تُحْجَبُ عَنْ الْمِيرَاثِ فِي حَالَةِ الِاخْتِلَاطِ بِالْإِخْوَةِ فَلَأَنْ لَا تُحْجَبَ فِي حَالَةِ الِانْفِرَادِ كَانَ أَوْلَى وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ وُجُودَ عَيْنِ الْوَلَدِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ حِرْمَانَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَإِنَّمَا يَحْجُبُونَ بِفَرِيضَةِ الِابْنَةِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ لِلْأَخَوَاتِ الْمُفْرَدَاتِ لِأَبَوَيْنِ السُّدُسَ مَعَ الِابْنَةِ الْوَاحِدَةِ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَجْبُ الْأَخَوَاتِ بِفَرِيضَةِ الْبَنَاتِ لَكَانَتْ تَثْبُتُ الْمُزَاحَمَةُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الِابْنَةِ الْوَاحِدَةِ فِي فَرِيضَةِ الْبَنَاتِ كَبَنَاتِ الِابْنِ فَإِنَّهُنَّ يُزَاحِمْنَ الِابْنَةَ الْوَاحِدَةَ فِي فَرِيضَةِ الْبَنَاتِ فَيَكُونُ لَهُنَّ السُّدُسُ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَجْبَ الْأَخَوَاتِ بِفَرِيضَةِ الْبَنَاتِ فِيمَا وَرَاءَ فَرِيضَةِ الِابْنَةِ انْعَدَمَ الْحَجْبُ فَيَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ لَهُنَّ بِخِلَافِ بَنَاتِ الِابْنِ مَعَ الِابْنَتَيْنِ لِأَنَّ حَجْبَهُنَّ بِوُجُودِ الْبَنَاتِ لَا بِفَرِيضَةِ الْبَنَاتِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْبَنَاتِ الْمِيرَاثَ يَنْبَنِي عَلَى الْقُرْبِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْوِلَادَةِ فَوَلَدُ الرَّجُلِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ وَلَدِ ابْنِهِ وَوَلَدُ ابْنِهِ أَقْرَبُ مِنْ وَلَدِ جَدِّهِ كَمَا أَنَّ الْأَبَ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ الْجَدِّ وَالْأَخَوَاتُ وَلَدُ الْأَبِ وَالْعُصُوبَةُ تُسْتَحَقُّ بِالْوِلَادَةِ لَا بِالْأَبِ فِي الْجُمْلَةِ فَعِنْدَ الْحَاجَةِ يَثْبُتُ حُكْمُ الْعُصُوبَةِ لِوَلَدِ الْأَبِ ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى، وَقَدْ تَحَقَّقَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ فِي حَقِّ الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ لِأَنَّهُنَّ صِرْنَ مَحْجُوبَاتٍ عَنْ فَرِيضَةِ الْبَنَاتِ. فَإِذَا كَانَ هُنَاكَ ذَكَرٌ مَعَهُنَّ فَجَعْلُهُنَّ عَصَبَةً بِالذَّكَرِ أَوْلَى وَإِذَا لَمْ يَكُنْ يَجْعَلُهُنَّ عَصَبَةً فِي اسْتِحْقَاقِ مَا وَرَاءِ فَرِيضَةِ الْبَنَاتِ بِخِلَافِ فَرِيضَةِ بَنَاتِ الِابْنِ فَالْحَاجَةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَى ذَلِكَ فِي حَقِّهِنَّ فَإِنَّهُنَّ لَا يُحْجَبْنَ عَنْ فَرِيضَةِ
стр. 5916
الْبَنَاتِ بِخِلَافِ الْأَخَوَاتِ لِأُمٍّ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِالْأُمِّ، وَلَا تَأْثِيرِ لِقَرَابَتِهَا فِي الْعُصُوبَةِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الذَّكَرَ هُوَ الَّذِي يُدْلِي بِقَرَابَتِهَا يُوَضِّحُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ كَلَالَةً مُبْهَمَةً لِتَوْرِيثِ أَوْلَادِ الِابْنِ وَمَنْ لَهُ ابْنَةٌ فَلَيْسَ بِكَلَالَةٍ مُطْلَقًا وَشَرَطَ تَوْرِيثَ أَوْلَادِ الْأَبِ كَلَالَةً مُقَيَّدَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ﴾ [النساء: ١٧٦] أَيْ وَلَدٌ ذَكَرٌ بِدَلِيلِ آخِرِ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١٧٦] فَالشَّرْطُ هُنَاكَ عَدَمُ وَلَدٍ ذَكَرٍ بِالِاتِّفَاقِ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّرْطَ هُنَاكَ نَصًّا بَلْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فِي أَوَّلِ الْآيَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ لَهُ ابْنَةٌ فَهُوَ كَلَالَةٌ مَعْنًى وَلَيْسَ بِكَلَالَةٍ صُورَةً فَإِنَّ الْكَلَالَةَ مَنْ يَكُونُ مُنْقَطِعَ النَّسَبِ، وَلَا نَسَبَ لِأَحَدِهِمْ فَإِنَّ الْإِخْوَةَ لَا يُنْسَبُونَ إلَى أَخِيهِمْ وَأَوْلَادُ الْبِنْتِ لَا يُنْسَبُونَ إلَى أَبِ أُمِّهِمْ، وَإِنَّمَا يُنْسَبُونَ إلَى أَبِ أَبِيهِمْ فَلِكَوْنِهِ كَلَالَةً مَعْنًى قُلْنَا يَرِثُهُ الْأَخَوَاتُ لِأَبٍ وَأُمٍّ، أَوْ لِأَبٍ وَلِكَوْنِهِ غَيْرَ كَلَالَةٍ صُورَة قُلْنَا لَا يَرِثُهُ الْأَخَوَاتُ لِأُمٍّ إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ، وَإِنْ كَانُوا يَنَزَّلُونَ مَنْزِلَةَ الْأَوْلَادِ فِي الْإِرْثِ فَلَا يَنَزَّلُونَ مَنْزِلَتَهُمْ فِي الْحَجْبِ حَتَّى إنَّهُمْ لَا يَحْجُبُونَ الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ وَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَا يَحْجُبُ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ بِخِلَافِ الْأَوْلَادِ لِأَنَّ الْحَجْبَ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْقَلَ فِيهِ الْمَعْنَى فَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ، وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ فِي الْأَوْلَادِ خَاصَّةً بِخِلَافِ الْإِرْثِ فَإِنَّهُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى وَهُوَ الْقُرْبُ عَلَى مَا قَرَّرْنَا.
[فَصْلٌ فِي مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ]
فَإِنْ سُئِلْت عَنْ ثَلَاثَةِ إخْوَةٍ مُتَفَرِّقِينَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلَاثُ إخْوَةٍ مُتَفَرِّقُونَ فَقُلْ هَذَا مَيِّتٌ تَرَكَ أَخَوَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأَرْبَعَ أَخَوَاتٍ لِأَبٍ وَأَرْبَعَ إخْوَةٍ لِأُمٍّ لِأَنَّ أَخَ أَخِيهِ لِأَبٍ وَأُمٍّ مِثْلُهُ أَخٌ لِلْمَيِّتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَإِخْوَةٌ لِأَبٍ لِلْمَيِّتِ كَذَلِكَ وَإِخْوَةٌ لِأُمٍّ لِلْمَيِّتِ كَذَلِكَ. فَأَمَّا أَخٌ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأَخُوهُ هُمَا أَخَوَا الْمَيِّتِ لِأَبٍ وَأَخُوهُ لِأُمٍّ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمَيِّتِ فَحَصَلَ لِلْمَيِّتِ أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأَرْبَعُ إخْوَةٍ لِأَبٍ وَأَرْبَعُ إخْوَةٍ فَلِلْإِخْوَةِ لِأُمٍّ الثُّلُثُ وَالْبَاقِي لِلْأَخَوَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَلَا شَيْءَ لِلْإِخْوَةِ لِأَبٍ فَإِنْ قَالَ تَرَكَ ثَلَاثَ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ فَهُوَ فِي الْحَاصِلِ تَرَكَ أُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأَرْبَعَ أَخَوَاتٍ لِأَبٍ وَأَرْبَعَ أَخَوَاتٍ لِأُمٍّ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قُلْنَا فَلِلْأَخَوَاتِ لِأُمٍّ الثُّلُثُ وَلِلْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ الثُّلُثَانِ فَإِنْ قَالَ تَرَكَ ثَلَاثَ إخْوَةٍ مُتَفَرِّقِينَ وَثَلَاثَ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ مَعَ كُلِّ أَخٍ ثَلَاثُ إخْوَةٍ مُتَفَرِّقِينَ وَمَعَ كُلِّ أُخْتٍ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ فَهُوَ فِي الْحَاصِلِ تَرَكَ أَخَوَيْنِ وَأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأَرْبَعَ أَخَوَاتٍ لِأُمٍّ وَأَرْبَعَ إخْوَةٍ وَأَرْبَعَ أَخَوَاتٍ لِأَبٍ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي قُلْنَا فَيَكُونُ لِلْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِأُمٍّ الثُّلُثُ بَيْنَهُمْ
стр. 5917
بِالسَّوِيَّةِ وَالْبَاقِي بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ أَنَّ الثُّلُثَ الَّذِي هُوَ نَصِيبُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِأُمٍّ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قَالَ لِأَنَّهُمْ يُدْلُونَ بِالْأُمِّ فَيَكُونُ قِسْمَةُ هَذَا الْمِيرَاثِ بَيْنَهُمْ عَلَى نَحْوِ قِسْمَةِ مِيرَاثِ الْأُمِّ بَيْنَهُمْ وَمِيرَاثُ الْأُمِّ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
فَكَذَلِكَ مِيرَاثُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ، وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] وَالشَّرِكَةُ تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، ثُمَّ يُفَضَّلُ الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى فِي حَالَةِ الِاخْتِلَاطِ مِنْ حُكْمِ الْعُصُوبَةِ وَلَا تَأْثِيرَ لِقَرَابَةِ الْأُمِّ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعُصُوبَةِ بِهَا، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ الْمِيرَاثَ بِالْإِدْلَاءِ بِالْأُمِّ وَالْأُنْثَى قَدْ اسْتَوَتْ بِالذَّكَرِ فِي ذَلِكَ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ عَبْدًا بَيْنَهُمَا ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ اسْتَوَيَا فِي الْمِيرَاثِ عَنْهُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ فَإِنْ قَالَ تَرَكَ ابْنَ أَخٍ لِأَبٍ مَعَهُ ثَلَاثَةُ أَعْمَامٍ مُتَفَرِّقِينَ فَنَقُولُ أَمَّا عَمُّهُ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَهُوَ أَخٌ الْمَيِّتِ لِأَبٍ لِأَنَّهُ مِثْلُ أَبِيهِ وَأَبُوهُ أَخٌ لِلْمَيِّتِ لِأَبٍ وَأَمَّا عَمُّهُ لِأُمٍّ فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمَيِّتِ وَأَمَّا عَمُّهُ لِأَبٍ فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ أُمَّ الْمَيِّتِ فَهُوَ أَخٌ الْمَيِّتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ امْرَأَةً أُخْرَى غَيْرَ أُمِّ الْمَيِّتِ فَهُوَ أَخٌ الْمَيِّتِ لِأَبٍ فَفِي حَالِ تَرْكِ الْأَخَوَيْنِ لِأَبٍ وَابْنِ أَخٍ فَالْمَالُ كُلُّهُ لِلْأَخَوَيْنِ، وَفِي حَالِ تَرْكِ أَخٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأُخْتٍ لِأَبٍ فَالْمَالُ كُلُّهُ لِلْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَإِنْ قَالَ تَرَكَ ابْنَ الْأَخِ لِأَبٍ مَعَهُ ثَلَاثُ بَنِي أَعْمَامٍ مُتَفَرِّقِينَ قُلْنَا ابْنُ عَمِّهِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ مِثْلُهُ ابْنُ أَخٍ الْمَيِّتِ لِأَبٍ وَابْنُ عَمِّهِ لِأُمِّهِ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمَيِّتِ وَابْنُ عَمّه لِأَبِيهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ الْمَيِّتِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ عَمُّهُ لِأُمِّهِ فَإِنْ قَالَ السَّائِلُ وَلَيْسَ لِلْمَيِّتِ فَقُلْ حِينَئِذٍ ابْنُ عَمِّهِ لِأَبِيهِ إنْ كَانَ أَبُوهُ مِنْ أُمِّ الْمَيِّتِ فَهُوَ ابْنُ أَخِ الْمَيِّتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَيَكُونُ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ فَإِنْ كَانَ مِنْ امْرَأَةٍ أُخْرَى غَيْرِ أُمِّ الْمَيِّتِ فَإِنَّمَا تَرَكَ ثَلَاثَ بَنِي أَخٍ لِأَبٍ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ فَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ يَخْرُجُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. .
[بَابُ الْعَوْلِ]
(قَالَ ﵁) اعْلَمْ أَنَّ الْفَرَائِضَ ثَلَاثَةٌ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ وَفَرِيضَةٌ قَاصِرَةٌ وَفَرِيضَةٌ عَائِلَةٌ فَالْفَرِيضَةُ الْعَادِلَةُ هِيَ أَنْ تَسْتَوِيَ سِهَامُ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ بِسِهَامِ الْمَالِ بِأَنْ تَرَكَ أُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأُخْتَيْنِ لِأُمٍّ فَلِلْأُخْتَيْنِ لِأُمٍّ الثُّلُثُ وَلِلْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ الثُّلُثَانِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ سِهَامُ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ دُونَ سِهَامِ الْمَالِ وَهُنَاكَ عَصَبَةٌ فَإِنَّ الْبَاقِيَ مِنْ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ يَكُونُ
стр. 5918
لِلْعَصَبَةِ فَهُوَ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ وَأَمَّا الْفَرِيضَةُ الْقَاصِرَةُ أَنْ يَكُونَ سِهَامُ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ دُونَ سِهَامِ الْمَالِ وَلَيْسَ هُنَاكَ عَصَبَةٌ بِأَنْ تَرَكَ أُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأُمًّا فَلِلْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ الثُّلُثَانِ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَلَا عَصَبَةَ فِي الْوَرَثَةِ لِيَأْخُذَ مَا بَقِيَ فَالْحُكْمِ فِيهِ الرَّدِّ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي بَابِهِ وَالْفَرِيضَةُ الْعَائِلَةُ أَنْ يَكُونَ سِهَامُ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ أَكْثَرَ مِنْ سِهَامِ الْمَالِ بِإِنْ كَانَ هُنَاكَ ثُلُثَيْنِ وَنِصْفًا كَالزَّوْجِ مَعَ الْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، أَوْ نِصْفَيْنِ وَثُلُثًا كَالزَّوْجِ مَعَ الْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَمَعَ الْأُمِّ فَالْحُكْمُ فِي هَذَا الْعَوْلِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃ وَهُوَ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ يُنْكِرُ الْعَوْلَ فِي الْفَرَائِضِ أَصْلًا وَأَخَذَ بِقَوْلِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَزَيْنُ الْعَابِدِينَ وَأَوَّلُ مَنْ قَالَ بِالْعَوْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ ﵁ حِينَ وَقَعَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ أَعِيلُوا الْفَرَائِضَ وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مَنْ أَوَّلُ مَنْ أَعَالَ الْفَرَائِضَ فَقَالَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ أَتَى بِفَرِيضَةٍ فِيهَا ثُلُثَانِ وَنِصْفٌ، أَوْ نِصْفَانِ وَثُلُثٌ فَقَالَ لَا أَدْرِي مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ فَأُقَدِّمُهُ، وَلَا مَنْ أَخَّرَهُ اللَّهُ فَأُؤَخِّرُهُ وَأَعَالَ الْفَرِيضَةَ وَأُيَمُّ اللَّهِ لَوْ قَدَّمَ مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَخَّرَ مَنْ أَخَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا عَالَتْ فَرِيضَةٌ قَطُّ فَقِيلَ وَمَنْ الَّذِي قَدَّمَهُ اللَّهُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ مَنْ نَقَلَهُ اللَّهُ مِنْ فَرْضٍ مُقَدَّرٍ إلَى فَرْضٍ مُقَدَّرٍ فَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ نَقَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَرْضٍ مُقَدَّرٍ إلَى غَيْرِ فَرْضٍ مُقَدَّرٍ فَهُوَ الَّذِي أَخَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعَنْ عَطَاءٍ ﵀ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ فَقَالَ كَيْفَ يُصْنَعُ فِي الْفَرِيضَةِ الْعَائِلَةِ فَقَالَ أَدْخِلْ الضَّرَرَ عَلَى مَنْ هُوَ أَسْوَأُ حَالًا فَقِيلَ وَمَنْ الَّذِي هُوَ أَسْوَأُ حَالًا فَقَالَ الْبَنَاتُ وَالْأَخَوَاتُ فَقَالَ عَطَاءٌ ﵀ وَلَا يُغْنِي رَأْيُك شَيْئًا، وَلَوْ مِتَّ لَقُسِمَ مِيرَاثُك بَيْنَ وَرَثَتِك عَلَى غَيْرِ رَأْيِك فَغَضِبَ فَقَالَ قُلْ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالْعَوْلِ حَتَّى نُجْمَعَ، ثُمَّ نَبْتَهِلَ فَنَجْعَلَ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ إنَّ الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ عَدَدًا لَمْ يَجْعَلْ فِي مَالٍ نِصْفَيْنِ وَثُلُثًا. فَإِذَا ذَهَبَ هَذَا بِالنِّصْفِ، وَهَذَا بِالنِّصْفِ فَأَيْنَ مَوْضِعُ الثُّلُثِ فَقَالَ لِمَ تَقُلْ هَذَا فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ كَانَ رَجُلًا مَهِيبًا فَهِبْت حَتَّى قَالَ الزُّهْرِيُّ ﵀ لَوْلَا أَنَّهُ يُقَدَّمُ فِي الْعَوْلِ قَضَاءُ إمَامٍ عَادِلٍ وَرِعٍ لَمَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُبَاهَلَةِ يَعْنِي مَسْأَلَةَ الْعَوْلِ، ثُمَّ اشْتَبَهَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي فُصُولٍ فَمِنْهَا إذَا تَرَكَتْ زَوْجًا وَأُمًّا وَابْنَةً وَابْنَةَ ابْنٍ فَعَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ لِلزَّوْجِ الرُّبُعُ ثَلَاثَةٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ سَهْمَانِ وَلِلِابْنَةِ النِّصْفُ سِتَّةٌ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ فَتَعُولُ بِسَهْمٍ فَتَكُونُ الْقِسْمَةُ
стр. 5919
مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِيمَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ ضَرَرُ النُّقْصَانِ مِنْهُمْ فَقَالَ سُفْيَانُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَلَى مَذْهَبِهِ إنَّمَا يَدْخُلُ الضَّرَرُ عَلَى ابْنَةِ الِابْنِ خَاصَّةً فَتَأْخُذُ الِابْنَةُ فَرِيضَتَهَا سِتَّةً وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ سَهْمٌ وَالْبَاقِي وَهُوَ ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ مَقْسُومَةٌ بَيْنَ الِابْنَةِ وَابْنَةِ الِابْنِ أَرْبَاعًا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ لِلِابْنَةِ وَرُبُعُهُ لِابْنَةِ الِابْنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْتَقِلُ مِنْ فَرْضٍ مُقَدَّرٍ إلَى غَيْرِ فَرْضٍ مُقَدَّرٍ فَضَرَرُ النُّقْصَانِ يَدْخُلُ عَلَيْهِمَا فَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فَهُوَ قَوْلٌ بِالْعَوْلِ لِأَنَّ الْعَوْلَ لَيْسَ إلَّا هَذَا فَإِنَّ ثَلَاثَةً وَنِصْفًا لَا يَسَعُ لِأَرْبَعَةٍ فَتُضْرَبُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِيهَا بِجَمِيعِ حِصَّتِهَا فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا، وَهَذَا هُوَ الْعَوْلُ.
وَمِنْ هَذِهِ الْفُصُولِ إذَا تَرَكَتْ زَوْجًا وَأُمًّا وَأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأُخْتَيْنِ لِأُمٍّ فَعَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ثَلَاثَةٌ مِنْ سِتَّةٍ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ سَهْمٌ وَلِلْأُخْتَيْنِ لِأُمِّ الثُّلُثُ سَهْمَانِ وَلِلْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ الثُّلُثَانِ أَرْبَعَةٌ فَتَعُولُ بِأَرْبَعَةٍ وَالْقِسْمَةُ مِنْ عَشَرَةٍ وَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ سُفْيَانُ ﵀ عَلَى قَوْلِهِ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلْأُخْتَيْنِ لِأُمٍّ الثُّلُثُ، وَلَا شَيْءَ لِلْأُخْتَيْنِ لِأُمٍّ وَأَبٍ لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ ضَرَرُ الْحِرْمَانِ بِضَرَرِ النُّقْصَانِ فَكَمَا أَنَّ ضَرَرَ النُّقْصَانِ عَلَى قَوْلِهِ عَلَى الْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ دُونَ الْأُخْتَيْنِ لِأُمٍّ. فَكَذَلِكَ ضَرَرُ الْحِرْمَانِ وَقَالَ طَاوُسٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ الثُّلُثُ الْبَاقِي بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ لِأُمٍّ وَالْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ بِالسَّوِيَّةِ لِيَدْخُلَ الضَّرَرُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْقَوْلِ بِالتَّشْرِيكِ، ثُمَّ حُجَّةُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْكَلَامُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي وَهْمِ أَحَدٍ مِنْ الْعُقَلَاءِ يُوهِمُ نِصْفَيْنِ وَثُلُثًا، أَوْ ثُلُثَيْنِ وَنِصْفًا فِي مَالٍ وَاحِدٍ فَكَانَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَالِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ هُوَ إلَى بَيَانِ مَنْ يَكُونُ أَوْلَى بِإِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ فَقَالَ أَصْحَابُ الْفَرَائِضِ يُقَدَّمُونَ عَلَى الْعَصَبَاتِ كَمَا قَالَ ﵇ «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا» الْحَدِيثَ فَهُوَ يَنْتَقِلُ مِنْ فَرْضٍ مُقَدَّرٍ إلَى غَيْرِ فَرْضٍ مُقَدَّرٍ فَهُوَ صَاحِبُ فَرْضٍ مِنْ وَجْهٍ وَعَصَبَةٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَكُونُ إدْخَالُ ضَرَرِ النُّقْصَانِ عَلَيْهِ أَوْلَى وَعَلَى الْحَرْفِ الْآخَرِ قَالَ يَدْخُلُ الضَّرَرُ عَلَى مَنْ يَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا وَهُمْ الْأَخَوَاتُ وَالْبَنَاتُ أَمَّا الْأَخَوَاتُ فَلَا يُشْكِلُ لِأَنَّهُنَّ يَسْقُطْنَ بِالْأَبِ وَالْجَدِّ عَلَى الِاخْتِلَافِ وَبِالِابْنِ وَيَصِرْنَ عَصَبَةً إذَا خَالَطَهُنَّ ذَكَرٌ وَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ وَالْأُمُّ لَا يَسْقُطُونَ بِحَالٍ وَكَذَلِكَ الْبَنَاتُ فَإِنَّهُنَّ يَصِرْنَ عَصَبَةً إذَا خَالَطَهُنَّ ذَكَرٌ وَالْعَصَبَةُ مُؤَخَّرٌ عَنْ صَاحِبِ الْفَرِيضَةِ.
فَإِذَا كُنَّ أَسْوَأَ حَالًا كَانَ إدْخَالُ الضَّرَرِ وَالنُّقْصَانِ عَلَيْهِنَّ أَوْلَى وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْمُسَاوَاةَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَ حَقِّهِ إنْ اتَّسَعَ الْمَحَلُّ وَيَضْرِبُ كُلُّ
стр. 5920
وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ حَقِّهِ عِنْدَ ضِيقِ الْمَحَلِّ كَالْغُرَمَاءِ فِي التَّرِكَةِ وَبَيَانُ الْمُسَاوَاةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَسْتَحِقُّ فَرِيضَةً ثَابِتَةً لَهُ بِالنَّصِّ يُوَضِّحُهُ أَنَّ إيجَابَ اللَّهِ تَعَالَى يَكُونُ أَقْوَى مِنْ إيجَابِ الْعَبْدِ وَمَنْ أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِالثُّلُثِ وَلِآخَرَ بِالرُّبُعِ وَلِآخَرَ بِالسُّدُسِ ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الثُّلُثِ بِجَمِيعِ حَقِّهِ وَمُرَادُ الْمُوصِي أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا سُمِّيَ لَهُ عِنْدَ سَعَةِ الْمَحَلِّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَيَضْرِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا سُمِّيَ لَهُ عِنْدَ ضِيقِ الْمَحَلِّ لِعَدَمِ الْإِجَازَةِ. فَكَذَلِكَ لَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْفَرِيضَةِ نِصْفَيْنِ وَثُلُثًا عَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ أَخْذُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا سُمِّيَ لَهُ عِنْدَ سَعَةِ الْمَحَلِّ وَالضَّرْبُ بِهِ عِنْدَ ضِيقِ الْمَحَلِّ، وَفِيمَا قُلْنَاهُ عَمَلٌ بِالنُّصُوصِ كُلِّهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَفِيمَا قَالَهُ عَمَلٌ بِبَعَضِ النُّصُوصِ وَإِبْطَالٌ لِلْبَعْضِ، وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ إلَّا أَنَّ مَنْ يَذُبُّ عَنْهُ يَقُولُ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ التَّعْيِينُ فِي بَعْضِ النُّصُوصِ دُونَ الْبَعْضِ وَالتَّعْيِينُ فِيمَا قُلْتُمْ فِي جَمِيعِ النُّصُوصِ فَنَقُولُ الطَّرِيقُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي إدْخَالِ النُّقْصَانِ عَلَى بَعْضِ الْمُسْتَحِقِّينَ بِمَا اعْتَمَدَهُ مِنْ الْمَعْنَى غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمْ فِي حَالَةٍ أُخْرَى سِوَى حَالَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَهَذَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَثْبَتَ دَيْنَهُ فِي التَّرِكَةِ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَأَثْبَتَ آخَرُ دَيْنَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ اسْتَوَيَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ شَهَادَةُ الرَّجُلِ أَقْوَى مِنْ شَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ، ثُمَّ الْعُصُوبَةُ أَقْوَى أَسْبَابِ الْإِرْثِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ الْحِرْمَانُ وَالنُّقْصَانُ لِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْعُصُوبَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.
وَلَوْ جَازَ إدْخَالُ النُّقْصَانِ عَلَى بَعْضِهِمْ لَكَانَ الْأَوْلَى بِهِ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ لِأَنَّ سَبَبَ تَوْرِيثِهِمَا لَيْسَ بِقَائِمٍ عِنْدَ التَّوْرِيثِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ فَيَكُونُ أَضْعَفَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ وَالْعَجَبُ أَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَى الْأَخَوَاتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ دُونَ الْأَخَوَاتِ لِأُمٍّ وَهُنَّ أَسْوَأُ حَالًا.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُنَّ يَسْقُطْنَ بِالْبَنَاتِ وَبِالْجَدِّ بِالِاتِّفَاقِ بِخِلَافِ الْأَخَوَاتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَعَرَفْنَا أَنَّ الطَّرِيقَ مَا أَخَذَ بِهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ. ﵏
ثُمَّ بَيَانُ الْفَرِيضَةِ الْعَائِلَةِ أَنْ نَقُولَ أَصْلُ مَا يُخْرَجُ بِهِ مِنْهُ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ سِتَّةٌ، ثُمَّ تَعُولُ مَرَّةً بِنِصْفِ سَهْمٍ وَمَرَّةً بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ سَهْمٍ وَمَرَّةً بِسَهْمٍ وَمَرَّةً بِسَهْمٍ وَنِصْفٍ وَمَرَّةً بِسَهْمَيْنِ وَمَرَّةً بِسَهْمَيْنِ وَنِصْفٍ وَمَرَّةً بِثَلَاثَةٍ وَمَرَّةً بِأَرْبَعَةٍ فَاَلَّتِي تَعُولُ بِنِصْفِ سَهْمٍ صُورَتُهَا امْرَأَةٌ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجًا وَابْنَةً وَأَبَوَيْنِ فَلِلْأَبَوَيْنِ السُّدُسَانِ سَهْمَانِ وَلِلِابْنَةِ النِّصْفُ ثَلَاثَةٌ وَلِلزَّوْجِ الرُّبُعُ سَهْمٌ وَنِصْفٌ فَتَعُولُ بِنِصْفِ سَهْمٍ وَاَلَّتِي تَعُولُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ سَهْمٍ صُورَتُهَا رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ امْرَأَةً وَابْنَتَيْنِ وَأَبَوَيْنِ فَلِلْأَبَوَيْنِ السُّدُسَانِ سَهْمَانِ وَلِلِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَانِ أَرْبَعَةٌ وَلِلْمَرْأَةِ الثُّمُنُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ
следующие страницы →