Полный текст (6 278 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
فَحِينَ اُسْتُحِقَّتْ حِصَّةُ أَحَدِهِمَا فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ نِصْفَ مَا أَخَذَهُ عِوَضًا عَمَّا هُوَ مُسْتَحَقٌّ، وَبَدَلُ الْمُسْتَحَقِّ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ، وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْقَابِضِ فِيهِ بِالْبَيْعِ ثُمَّ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهِ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ فَيَرُدُّ نِصْفَ قِيمَتِهِ لِهَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَاعَ رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ قَدْ بَطَلَتْ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا فَقَدْ بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا النِّصْفُ الَّذِي هُوَ فِي يَدِ الْآخَرِ فَرَجَعَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ بِنِصْفِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَحَقَّ إلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ أُعِيدَتْ الْقِسْمَةُ عَلَى مَا بَقِيَ نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ بِاسْتِحْقَاقِ بَيْتٍ وَاحِدٍ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ كَانَ لَهُمَا فِي الدَّارِ شَرِيكًا فِي الْبِنَاءِ وَالْقِسْمَةُ لَا تَصِحُّ بِدُونِ رِضَاهُ؛ لِأَنَّ فِيمَا يَخُصُّ الْبَيْتَ الْقِسْمَةُ تَبْطُلُ فَلَوْ بَقِيَتْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ تَضَرَّرَ بِهِ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَفَرَّقُ نَصِيبُهُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَالْقِسْمَةُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَلِهَذَا تُعَادُ الْقِسْمَةُ عَلَى مَا بَقِيَ نِصْفَيْنِ.
وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَاقْتَسَمَاهَا فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا الثُّلُثَ مِنْ مُقَدَّمِهَا بِجَمِيعِ نَصِيبِهِ وَأَخَذَ الْآخَرُ الثُّلُثَيْنِ مِنْ مُؤَخَّرِهَا بِنَصِيبِهِ، وَبَاعَ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ نِصْفُ الثُّلُثِ قَالَ: يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ بِرُبُعِ قِيمَةِ الثُّلُثَيْنِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الثُّلُثَيْنِ، وَيَكُونُ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ فَإِنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَصْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ أَنَّ بِاسْتِحْقَاقِ نِصْفِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَقِيَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ فَإِنَّ ابْنَ سِمَاعَةَ ﵀ كَتَبَ إلَى مُحَمَّدٍ ﵀ يَسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَكَتَبَ إلَيْهِ فِي جَوَابِهِ أَنَّ قَوْلَهُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ بِاسْتِحْقَاقِ نِصْفِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَنْبَنِي عَلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَوْ لَمْ يَبِعْ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ لَكَانَتْ الْقِسْمَةُ تَبْقَى وَيَتَخَيَّرُ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ رَدَّ مَا بَقِيَ فَتَبْطُلُ الْقِسْمَةُ فِي الْكُلِّ، وَإِنْ شَاءَ أَمْضَى الْقِسْمَةَ وَرَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِرُبُعِ الثُّلُثَيْنِ، فَإِذَا بَاعَ نَصِيبَهُ فَقَدْ تَعَذَّرَ نَقْضُ الْقِسْمَةِ لِإِخْرَاجِهِ نَصِيبَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ صَاحِبُ الثُّلُثِ عَلَيْهِ بِمَا يَخُصُّ بِهِ الْمُسْتَحِقَّ مِنْ الثُّلُثَيْنِ وَلَوْ اسْتَحَقَّ جَمِيعَ نَصِيبِهِ رَجَعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الثُّلُثَيْنِ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ نَصِيبِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِرُبُعِ قِيمَةِ الثُّلُثَيْنِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ الْقِسْمَةُ تَبْطُلُ بِظُهُورِ شَرِيكٍ ثَالِثٍ لَهُمَا فِي الدَّارِ، وَلَكِنَّ إخْرَاجَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ كَانَ صَحِيحًا فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ
стр. 6162
نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ نِصْفُ قِيمَةِ الثُّلُثَيْنِ، وَيَكُونُ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عَلَى أَصْلِ الشَّرِكَةِ.
وَلَوْ كَانَ عِشْرُونَ جَرِيبَ أَرْضٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ نِصْفَيْنِ فَاقْتَسَمَا فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةَ عَشَرَ جَرِيبًا تُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَخَذَ الْآخَرُ خَمْسَةَ أَجْرِبَةٍ تُسَاوِي أَلْفَ حِصَّتِهِ فَبَاعَ صَاحِبُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ مَا فِي يَدِهِ وَاسْتَحَقَّ نِصْفَ مَا فِي يَدِ الْآخَرِ قَالَ: يَرُدُّ صَاحِبُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ رُبُعَ قِيمَةِ مَا كَانَ فِي يَدِهِ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَحَقَّ جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ مَا فِي يَدِهِ فَإِنَّ بَدَلَ الْمُسْتَحَقِّ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ فَكَانَ بَيْعُهُ نَافِذًا فِيهِ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَهُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِرُبُعِ قِيمَةِ مَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ الْبَائِعُ كَانَ نِصْفُهُ لَهُ بِقَدِيمِ مِلْكِهِ، وَأَخَذَ نِصْفَهُ مِنْ نَصِيبِ شَرِيكِهِ عِوَضًا عَمَّا سَلَّمَ لِصَاحِبِهِ مِنْ نَصِيبِهِ فِي الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْأَجْرِبَةِ، وَقَدْ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْخَمْسَةَ شَائِعًا فِيمَا كَانَ لِلْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَفِيمَا أَخَذَهُ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ فَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِرُبُعِ قِيمَةِ مَا فِي يَدِهِ.
وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ خَمْسَةَ عَشَرَ جَرِيبًا بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا فَأَخَذَ صَاحِبُ الثُّلُثِ سَبْعَةَ أَجْرِبَةٍ بِحِصَّةٍ قِيمَتُهَا خَمْسُمِائَةٍ، وَأَخَذَ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ ثَمَانِيَةَ أَجْرِبَةٍ بِحِصَّةٍ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَبَاعَ صَاحِبُ الثُّلُثِ وَاسْتَحَقَّ نِصْفَ مَا فِي يَدِ صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ وَبَاعَ مَا بَقِيَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ بِثُلُثِ قِيمَةِ مَا كَانَ فِي يَدِهِ وَذَلِكَ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ، وَقَدْ سَلَّمَ لَهُ مِمَّا كَانَ فِي يَدِهِ خَمْسَمِائَةٍ فَجُمْلَةُ ذَلِكَ سِتُّمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ، وَإِنَّمَا سَلَّمَ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ وَثُلُثًا وَبِالِاسْتِحْقَاقِ تَبَيَّنَ أَنَّ قِيمَةَ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا كَانَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَإِذَا سَلَّمَ لِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ مَا يُسَاوِي ثُلُثَيْ الْأَلْفِ وَلِلْآخَرِ مَا يُسَاوِي ثُلُثَ الْأَلْفِ اسْتَقَامَتْ الْقِسْمَةُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اسْتَحَقَّ جَمِيعَ مَا فِي يَدِ صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ رَجَعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِثُلُثَيْ قِيمَةِ مَا كَانَ فِي يَدِهِ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَهُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ ذَلِكَ، وَهُوَ ثُلُثُ قِيمَةِ مَا كَانَ فِي يَدِهِ وَلِأَنَّ مَا أَخَذَهُ صَاحِبُ الثُّلُثِ، فَإِنَّمَا سَلَّمَ ثُلُثَهُ لَهُ بِقَدِيمِ مِلْكِهِ وَثُلُثَيْهِ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ، وَقَدْ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْعِوَضِ فَرَجَعَ بِمَا هُوَ عِوَضُ الْمُسْتَحِقِّ، وَهُوَ ثُلُثُ قِيمَةِ مَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْفُصُولِ إذَا كَتَبَ الْكَاتِبُ بَيْنَهُمَا كِتَابَ الْقِسْمَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ كَيْفِيَّةَ الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمَا إنْ وَقَعَتْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ، وَإِنْ كَانَتْ بِتَرَاضِيهِمَا بَيَّنَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقِسْمَةِ بِقَضَاءٍ أَوْ غَيْرِ قَضَاءٍ حَتَّى إنَّ فِي الْقِسْمَةِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي إذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا تُرَدُّ الْقِسْمَةُ، وَالْقِسْمَةُ بِالتَّرَاضِي لَا تُرَدُّ لِمَكَانِ الْعَيْبِ فَلِهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ صِفَةَ الْقِسْمَةِ فِيمَا بَيْنَهُمَا.
وَإِذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ عِنْدَ أَحَدِهِمَا
стр. 6163
فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: اقْسِمْ مَا عِنْدَكَ فَأَعْطِنِي حِصَّتِي فَأَعْطَاهُ حِصَّتَهُ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ تَمَّتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَتَمَامُهَا بِدَفْعِ نَصِيبِ صَاحِبِهِ إلَيْهِ وَإِمْسَاكِهِ حِصَّةَ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ أَخْذِهِ ابْتِدَاءً بِحُكْمِ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ فِيمَا يُسْتَدَامُ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْسَانِ، وَإِنْ قَالَ خُذْ حِصَّتَك وَدَعْ مَا بَقِيَ حَتَّى أَقْبِضَهَا فَأَخَذَ حِصَّتَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قِسْمَةً حَتَّى لَوْ هَلَكَ مَا بَقِيَ كَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ صَاحِبِهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَا تَتِمُّ بِالْوَاحِدِ فَإِنَّ تَمَامَهَا بِالْحِيَازَةِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَكَانَ شَرْطُ سَلَامَةِ الْمَقْبُوضِ لِلْقَابِضِ أَنْ يُسَلِّمَ مَا بَقِيَ لِلْآخَرِ، فَإِذَا هَلَكَ فَقَدْ انْعَدَمَ الشَّرْطُ، فَكَانَ مَا هَلَكَ مِنْ النَّصِيبَيْنِ، وَمَا بَقِيَ مِنْ النَّصِيبَيْنِ.
وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ لِقَوْمٍ وَأَحَدُهُمْ شَاهِدٌ، وَالْآخَرُونَ غُيَّبٌ، فَأَرَادَ الشَّاهِدُ أَنْ يُسْكِنَهَا إنْسَانًا أَوْ يُؤَاجِرَهَا إيَّاهُ فَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى - لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُعِيرًا أَوْ مُؤَجِّرًا نَصِيبَ شُرَكَائِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ وَكَمَا لَا يَتَصَرَّفُ فِي عَيْنِ مِلْكِهِمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ لَا يَتَصَرَّفُ فِي مَنْفَعَةِ مِلْكِهِمْ أَيْضًا، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ بِالْإِسْكَانِ وَالْإِجَارَةِ إلَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَالْقِسْمَةُ لَا تَتِمُّ بِالْوَاحِدِ، وَأَمَّا فِي الْقَضَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ خَصْمٌ يُخَاصِمُهُ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ لَا لِإِنْشَائِهَا، وَإِذَا لَمْ يَحْضُرْ خَصْمٌ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ صَاحِبَ الْيَدِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا فِي يَدِهِ بِالْإِسْكَانِ وَالْإِجَارَةِ، وَلَكِنَّهُ إذَا عَلِمَ حَقِيقَةَ الْحَالِ أَفْتَاهُ بِالْكَفِّ عَنْ ذَلِكَ كَمَا يُفْتِيهِ بِهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْكُنَهَا بِنَفْسِهِ فَفِي الْقِيَاسِ يُمْنَعُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا مَنْفَعَةَ نَصِيبِ شُرَكَائِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ شَرْعًا.
(أَلَا تَرَى) لَوْ كَانُوا حَضَرُوا مَنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانُوا غُيَّبًا لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُمْ بِغَيْبَتِهِمْ، فَكَانَ هُوَ مَمْنُوعًا مِنْ ذَلِكَ شَرْعًا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُرَخَّصُ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ رَضُوا جَمِيعَ الدَّارِ فِي يَدِهِ وَلَيْسَ فِي سُكْنَاهُ إلَّا إثْبَاتُ الْيَدِ إلَيْهِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ لَا يَضْمَنُ الْعَقَارَ بِالْيَدِ لَا يَضْمَنُهُ بِالسُّكْنَى أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِي سُكْنَاهُ مَنْفَعَةً لِشُرَكَائِهِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ فَإِنَّهَا تَخْرَبُ، وَإِذَا سَكَنَهَا إنْسَانٌ كَانَتْ عَامِرَةً فَفِي هَذَا التَّصَرُّفِ مَنْفَعَةٌ لِشُرَكَائِهِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ بِالْإِسْكَانِ يُثْبِتُ يَدَ غَيْرِهِ عَلَى الدَّارِ، وَلَمْ يَرْضَ بِهِ شُرَكَاؤُهُ فَرُبَّمَا لَا يَتَمَكَّنُونَ إذَا حَضَرُوا مِنْ إرْجَاعِهِ وَاسْتِرْدَادِ أَنْصِبَائِهِمْ، وَإِنْ أَجَرَهَا الْحَاضِرُ، وَأَخَذَ الْآخَرُ حِصَّةَ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ تَطِيبُ لَهُ، وَحِصَّةُ نَصِيبِ شُرَكَائِهِ لَا تَطِيبُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ يُؤَاجِرُ فِي حِصَّتِهِمْ فَلَا يَطِيبُ لَهُ الْأَجْرُ وَلَكِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ، وَيُعْطِي ذَلِكَ شُرَكَاءَهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَ الْخُبْثِ كَانَ لِمُرَاعَاةِ حَقِّهِمْ فَيَرْتَفِعُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ
стр. 6164
، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ.
وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ الْأَرْضَ لِيَزْرَعَهَا كَتَبَ إنَّك أَطْعَمْتنِي أَرْضَ كَذَا لِأَزْرَعَ فِيهَا مَا بَدَا لِي مِنْ غَلَّةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ إذَا كَتَبَ عَارِيَّةً فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَكْتُبَ أَطْعَمْتَنِي، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّهُ بِالْإِعَارَةِ يُجْعَلُ لَهُ مَنْفَعَةُ الْأَرْضِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالْعَارِيَّةُ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَمَا أَنَّ اسْتِعْمَالَ هَذَا اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِ غَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يُوضَعْ لِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ نَظِيرُ إعَارَةِ الدَّارِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: لَوْ كَتَبَ أَعَرْتنِي كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ الِانْتِفَاعَ بِهَا مِنْ حَيْثُ السُّكْنَى، وَإِذَا كَتَبَ أَطْعَمْتنِي كَانَ الْمَفْهُومُ التَّمَكُّنَ مِنْ الزِّرَاعَةِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَا يُطْعَمُ عَيْنُهَا، وَإِنَّمَا يُطْعَمُ مَا يَكُونُ مِنْهَا، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالزِّرَاعَةِ، وَإِذَا كَانَتْ الْإِعَارَةُ لِلسُّكْنَى فَلَفْظُ الْإِعَارَةِ أَقْرَبُ فِي بَيَانِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَإِذَا كَانَتْ الْإِعَارَةُ لِلزِّرَاعَةِ فَلَفْظُ الطُّعْمَةِ أَقْرَبُ إلَى بَيَانِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي كُلِّ فَصْلٍ مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ: وَخَرَاجُهَا عَلَى رَبِّهَا؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ النَّامِيَةِ، وَجَوَابُهُ يَعْتَمِدُ التَّمَكُّنَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ وَبِالْإِعَارَةِ لَا يَزُولُ تَمَكُّنُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُسْتَعِيرُ بِتَسْلِيطِ الْمُعِيرِ فَهُوَ كَانْتِفَاعِ الْمُعِيرِ بِهَا بِنَفْسِهِ، فَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ أَدَاءَ الْخَرَاجِ؛ فَبِهَذَا الشَّرْطِ يُخْرِجُهُ مِنْ الطُّعْمَةِ، وَتَكُونُ إجَارَةً فَاسِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ خَرَاجَهَا، وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، فَإِذَا شَرَطَهُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ فَكَأَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ عِوَضًا عَنْ الْمَنْفَعَةِ فَيَصِيرُ الْعَقْدُ بِهِ إجَارَةً، وَفَسَادُهَا لِجَهَالَةِ الْخَرَاجِ قَبْلَ هَذَا فِي الْأَرَاضِي الصُّلْحِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ خَرَاجُ الْحَمَاحِمِ وَالْأَرَاضِي جُمْلَةً ثُمَّ يُقْسِمُ عَلَى الْحَمَاحِمِ وَالْأَرَاضِي فَعِنْدَ قِلَّةِ الْحَمَاحِمِ تَزْدَادُ حِصَّةُ الْأَرْضِ، وَعِنْدَ كَثْرَةِ الْحَمَاحِمِ تُنْتَقَصُ فَأَمَّا خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ يَكُونُ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ، وَقِيلَ: بَلْ الْمُرَادُ الْجَهَالَةُ فِي رَوَادِفِ الْخَرَاجِ فَإِنَّ وُلَاةَ الْجَوْرِ أَلْحَقُوا بِالْخَرَاجِ رَوَادِفَ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ يَزْدَادُ، وَيُنْتَقَصُ وَلِإِفْسَادِ هَذَا الْعَقْدِ عِلَّةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْخَرَاجَ فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْأَرْضِ، فَكَأَنَّهُ شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْإِجَارَةِ، وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِغَلَّةِ أَرْضِهِ، فَالْخَرَاجُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْغَلَّةِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ بِاعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ، وَالْمُوصَى لَهُ هُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ دُونَ الْوَارِثِ، وَبِهِ فَارَقَ الْإِعَارَةَ وَلِأَنَّ لِلْخَرَاجِ تَعَلُّقًا بِالْغَلَّةِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ إنْ مَنَعَ الْخَرَاجَ لَمْ تَطِبْ لَهُ الْغَلَّةُ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَلَّةِ لِيُؤَدِّيَ الْخَرَاجَ وَالْمُوصَى لَهُ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْغَلَّةِ فَيَكُونُ الْخَرَاجُ عَلَيْهِ، وَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِ الْخَرَاجِ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ زَرَعُوا الْأَرْضَ
стр. 6165
وَاصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُمْ الْخَرَاجُ، فَإِذَا لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ زِرَاعَتِهَا أَوْلَى لَا يَلْزَمُهُ الْخَرَاجُ.
وَإِذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا مُدَّةً مَعْلُومَةً فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مُضِيِّهَا، وَلَمْ يَسْتَحْصِدْ الزَّرْعَ تُرِكَ الزَّرْعُ فِيهَا إلَى وَقْتِ الْإِدْرَاكِ اسْتِحْسَانًا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْإِجَارَاتِ قَالَ: وَجَعَلَ الْمُسْتَأْجِرُ آخَرَ مَا تَرَكَ فِيهِ، وَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا ﵏ فَإِنَّ الْعَقْدَ قَدْ انْفَسَخَ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ثُمَّ يَبْقَى الزَّرْعُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَدَفْعُ الضَّرَرِ وَاجِبٌ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِصَاحِبِهَا أَجْرُ الْمِثْلِ فِي مُدَّةِ التَّرْكِ وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ حِصَّةُ هَذِهِ الْمُدَّةِ مِنْ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ ابْتِدَاءُ عَقْدِ الْإِجَارَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِمْ إبْقَاؤُهُ بَعْدَ ظُهُورِ السَّبَبِ الْمُفْسِدِ، وَهُوَ الْمَوْتُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الشَّيْءِ أَهْوَنُ مِنْ ابْتِدَائِهِ، وَإِذَا بَقِيَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّمَا يَجِبُ بِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى فِيهِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا كَرْمٌ أَوْ رَطْبَةٌ لَمْ يُتْرَكْ وَقُطِعَ؛ لِأَنَّهُ لِانْتِهَاءِ ذَلِكَ مُدَّةٌ مَعْلُومَةٌ، وَتَطُولُ مُدَّتُهَا فَفِي إبْقَاءِ الْعَقْدِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ إضْرَارٌ بِوَارِثِ الْمُؤَجِّرِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ لِإِدْرَاكِ الزَّرْعِ نِهَايَةً مَعْلُومَةً، وَهِيَ مُدَّةٌ لَا تَطُولُ عَادَةً.
وَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً ثُمَّ جَعَلَ عَلَيْهَا سَرْجًا وَأَجَّرَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَهَا طَابَ لَهُ الْفَضْلُ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْأَجْرِ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي بِإِزَاءِ مَنْفَعَةِ مَا زَادَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ رِبْحٌ إلَّا عَلَى ضَمَانِهِ، وَقَبْلَ الزِّيَادَةِ إنَّمَا كَانَ لَا يَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ؛ لِأَنَّهُ رِبْحٌ حَصَلَ لَا عَلَى ضَمَانِهِ، فَإِذَا انْعَدَمَ هَذَا الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِ الزِّيَادَةِ كَانَ الْفَضْلُ طَيِّبًا لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ بَيْتًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَجَرَ نِصْفَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَّا دَانِقًا وَمُرَادُهُ: أَجَّرَ نِصْفًا مُعَيَّنًا مِنْهُ أَوْ نِصْفًا شَائِعًا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى جَوَازَ إجَارَةِ الْمُشَاعِ، وَإِنَّمَا يَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا يَتَحَقَّقُ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الدَّانِقُ حِصَّةَ النِّصْفِ الْآخَرِ لِيَكُونَ مِائَةَ دِرْهَمٍ إلَّا دَانِقًا حِصَّةَ الَّذِي أَجَرَهُ وَلَا يُقَالُ: قَدْ كَانَ بِمُقَابَلَةِ كُلِّ نِصْفٍ مِنْ الْبَيْتِ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ نِصْفُ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِاعْتِبَارِ تَنْصِيصِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بَلْ بِاعْتِبَارِ الْمُعَاوَضَةِ وَالْمُسَاوَاةِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَجَرَ فِيهِ النِّصْفَ فَقَطْ، وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْخُبْثَ الَّذِي يُمْكِنُ فِي إجَارَةِ الشَّيْءِ بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَهُ بِهِ يَسِيرٌ فَيَنْعَدِمُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْإِمْكَانِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ زَادَ مِنْ عِنْدِهِ شَيْئًا قَلِيلًا ثُمَّ أَجَرَهُ بِأَضْعَافٍ مِمَّا اسْتَأْجَرَهُ طَابَ لَهُ الْفَضْلُ فَكَذَلِكَ إذَا أَجَرَ بَعْضَهُ بِمَا دُونَ الْأَجْرِ الْأَوَّلِ وَالنُّقْصَانُ يَسِيرٌ قُلْنَا يَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَجَرَهُ بِالدَّنَانِيرِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يَتَصَدَّقُ
стр. 6166
بِالْفَضْلِ وَأَشَارَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْخُبْثِ ضَعِيفٌ هُنَا وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ فِي الْحَقِيقَةِ جِنْسَانِ فَبِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ يَنْعَدِمُ رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَوَجْهُ مَا ذُكِرَ هُنَا أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ فِي الصُّورَةِ جِنْسَانِ، وَفِي الْحُكْمِ جِنْسٌ وَاحِدٌ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي شِرَاءِ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ جُعِلَا كَجِنْسٍ وَاحِدٍ فَكَذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَ يُجْعَلَانِ كَجِنْسٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا سَوَاءٌ، وَهُوَ أَنَّ الرِّبْحَ يَحْصُلُ لَا عَلَى ضَمَانِهِ، وَإِنْ أَجَرَ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةٍ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ جِنْسَ الْبَدَلَيْنِ مُخْتَلِفٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ عَوْدِ رَأْسِ الْمَالِ إلَيْهِ.
وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ رَجُلًا يَحْمِلُ لَهُ دَنَّ خَلٍّ فَعَثَرَ الْحَمَّالُ فَانْكَسَرَ الْحَمْلُ قَدْ بَيَّنَّا فِي الْإِجَارَاتِ أَنَّ الْحَمَّالَ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ، وَأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الِانْكِسَارِ يَكُونُ بِجِنَايَةِ يَدِهِ فَيَكُونُ ضَامِنًا إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ ﵀ وَصَاحِبُ الدَّنِّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَحْمُولٍ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مَحْمُولًا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي انْكَسَرَ فِيهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ مَا حَمَلَ وَلَوْ تَعَمَّدَ كَسْرَهُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَنَا.
وَقَالَ زُفَرُ يُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ مَحْمُولًا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كُسِرَ فِيهِ وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ بِحِسَابِ مَا حَمَلَ وَذَكَرَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ ﵀ أَنَّ قِيَاسَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ هَكَذَا؛ لِأَنَّ أَجِيرَ الْمُشْتَرَكِ عِنْدَهُ أَمِينٌ لَا يَضْمَنُ بِاعْتِبَارِ الْقَبْضِ، فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ بِاعْتِبَارِ جِنَايَتِهِ عِنْدَ الْكَسْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ قِيمَتِهِ عِنْدَ تَقَرُّرِ سَبَبِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَسْبِقُ سَبَبَهُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إذَا اخْتَارَ صَاحِبُ الدَّنِّ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَحْمُولٍ لَمْ يُضَمِّنْهُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْقَبْضِ، وَلَا بِاعْتِبَارِ جِنَايَتِهِ أَيْضًا، وَلَكِنْ تُفَرَّقُ عَلَيْهِ الصَّفْقَةُ حِينَ كَسَرَهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَغَيَّرَ عَلَيْهِ شَرْطَ عَقْدِهِ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ فِي مِقْدَارِ مَا يَحْمِلُهُ فَيُسْقِطُ حِصَّةَ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ وَيُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَحْمُولٍ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَفْسَخُ الْعَقْدَ فِي مِقْدَارِ مَا يَحْمِلُهُ، وَذَلِكَ مُتَلَاشٍ غَيْرُ قَائِمٍ؟ قُلْنَا: بَلْ هُوَ قَائِمٌ حُكْمًا بِبَقَاءِ بَدَلِهِ فَإِنَّ الْحَمَّالَ ضَامِنٌ قِيمَتَهُ مَحْمُولًا إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ الْفَسْخُ عِنْدَ تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْعَيْنِ يَجُوزُ فَسْخُهُ عَلَى بَدَلِ الْعَيْنِ إذَا كَانَ قَائِمًا كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ مَاتَ الْآخَرُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ عَلَى الْقِيمَةِ فِي الْمَنْقُولِ كَتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَوْ انْكَسَرَ مِنْ غَيْرِ عَمَلِهِ بِأَنْ أَصَابَهُ حَجَرٌ مِنْ مَكَان أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ حَائِطٌ أَوْ كَسَرَهُ رَجُلٌ، وَهُوَ عَلَى رَأْسِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا هُوَ ضَامِنٌ إذَا تَلِفَ بِمَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ
стр. 6167
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِهِ، وَإِنْ قَالَ رَبُّ الدَّنِّ عَبَرَ فَانْكَسَرَ، وَقَالَ الْحَمَّالُ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَانْكَسَرَ أَوْ قَالَ كَانَ مُنْكَسِرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَمَّالِ وَلَهُ الْأَجْرُ إلَى حَيْثُ انْكَسَرَ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ سَبَبَ وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُودَعِ يَدَّعِي عَلَيْهِ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ الِاسْتِهْلَاكَ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، وَأَمَّا الْأَجْرُ إلَى حَيْثُ انْكَسَرَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّنِّ صَارَ مُسْتَوْفِيًا ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيُقَرِّرُ عَلَيْهِ حِصَّتَهُ مِنْ الْأَجْرِ ثُمَّ مَاتَ، وَلَمْ يُخْلِفْ بَدَلًا فَلَا يُمْكِنُ فَسْخُ الْعَقْدِ فِيهِ بِاعْتِبَارِ تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ؛ فَلِهَذَا كَانَ لِلْحَمَّالِ الْأَجْرُ حَيْثُ انْكَسَرَ.
وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ ثَوْبًا إلَى صَبَّاغٍ يَصْبُغُهُ فَصَبَغَهُ فَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: أَمَرْتُك أَنْ تَصْبُغَهُ أَحْمَرَ وَقَالَ الصَّبَّاغُ: أَمَرْتنِي أَنْ أَصْبُغَهُ أَسْوَدَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مُسْتَفَادٌ مِنْ جِهَتِهِ، وَفِيهِ خِلَافُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْإِجَارَاتِ، فَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الثَّوْبِ قُوِّمَ الثَّوْبُ أَبْيَضَ وَقُوِّمَ مَصْبُوغًا بِذَلِكَ الصِّبْغِ فَأَعْطَاهُ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِيهِ وَلِأَنَّهُ وَافَقَ فِي أَصْلِ الصِّبْغِ، وَإِنْ خَالَفَ فِي الصِّفَةِ وَلِأَنَّ الصِّبْغَ عَيْنٌ اتَّصَلَ بِهِ فَلَا يُسَلَّمُ لَهُ مَجَّانًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ بِثَوْبِ إنْسَانٍ وَأَلْقَتْهُ فِي صَبْغِ غَيْرِهِ أَوْ غَصَبَ ثَوْبًا وَصَبَغَهُ وَاخْتَارَ رَبُّ الثَّوْبِ أَخْذَ الثَّوْبِ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِيهِ.
وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ دَابَّةً مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى الْكُوفَةِ فَلَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِهَا إلَى أَيِّ نَوَاحِيهَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْكُوفَةَ اسْمٌ لِلْبَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ، وَجَوَانِبُ الْبَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ كَمَكَانٍ وَاحِدٍ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي عَقْدِ السَّلَمِ إذَا شَرَطَ إبْقَاءَ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِالْكُوفَةِ جَازَ الْعَقْدُ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ إذَا اسْتَأْجَرَهَا إلَى الْكُوفَةِ جَازَ الْعَقْدُ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى أَيِّ نَوَاحِيهَا شَاءَ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ فَإِنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ يَبْلُغُ عَلَيْهَا إلَى مَنْزِلِهِ فِي الْعَادَةِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى الرَّيِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِهَا إلَى أَيِّ نَوَاحِيهَا شَاءَ، وَالْكِرَاءُ إلَى الرَّيِّ فَاسِدٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: هُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ إلَى مَدِينَتِهَا دُونَ نَوَاحِيهَا، وَقَدْ رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إلَى مَدِينَتِهَا بِالِاسْتِحْسَانِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ الرَّيَّ اسْمٌ لِوِلَايَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى مَدَائِنَ وَنَوَاحِيَ فَلَا يَجُوزُ الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ الَّتِي تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنَّمَا يُطْلَقُ هَذَا الِاسْمُ عَلَى مَدِينَتِهَا فِي الْعُرْفِ وَالثَّابِتُ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ وَلَوْ سَمَّى مَدِينَةً مِنْ مَدَائِنِهَا كَانَ جَائِزًا، وَكَذَلِكَ خُرَاسَانُ وَالشَّامُ وَالْعِرَاقُ إنْ سَمَّى مِنْهَا مَكَانًا مَعْلُومًا جَازَ الْعَقْدُ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَسَدَ الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ الَّتِي تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَنَظِيرُ هَذَا فِي دِيَارِنَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى كَاشْغَرَ جَازَ الْعَقْدُ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلْبَلْدَةِ خَاصَّةً، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا مِنْ كَاشْغَرَ إلَى فَرْغَانَةَ لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ
стр. 6168
مُشْتَمِلٌ عَلَى بِلَادٍ مُتَبَاعِدَةٍ فَتُمْكِنُ فِيهِ جَهَالَةٌ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا إلَى أُوزْجَنْدَ جَازَ الْعَقْدُ، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْجَرَهَا مِنْ أُوزْجَنْدَ إلَى سَمَرْقَنْدَ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْبَلْدَةِ أَوْ إنْ اسْتَأْجَرَهَا إلَى بُخَارَى فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ مَشَايِخُ بُخَارَى ﵏ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَإِنَّ بُخَارَى مِنْ كَرْمِينِيَةَ إلَى قَرِيرٍ وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى مَوَاضِعَ مُتَبَايِنَةٍ بِمَنْزِلَةِ الرَّيِّ فَتَمَكَّنَ فِيهِ جَهَالَةٌ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا.
وَلَوْ تَكَارَى دَابَّتَيْنِ يَحْمِلُ عَلَيْهِمَا إلَى الْمَدَائِنِ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَأَكْرَى أَحَدَهُمَا بِتِسْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا بِمِثْلِ ذَلِكَ الشَّرْطِ طَابَ لَهُ الْفَضْلُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ خَاصَّةً بِحِصَّةِ هَذِهِ الدَّابَّةِ فَلَا يَظْهَرُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي رِبْحٌ مَا لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ أَكْرَى أَحَدَهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ الْأَجْرِ كُلِّهِ يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ وَبِشَيْءٍ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ بِإِزَاءِ الدَّابَّةِ الثَّانِيَةِ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ ذَلِكَ رِبْحًا مَا لَمْ يَضْمَنْ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي مَعَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَيَتَصَدَّقُ بِذَلِكَ الْفَضْلِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلَيْنِ يَبْنِيَانِ لَهُ حَائِطًا، فَعَمِلَهُ أَحَدُهُمَا، وَمَرِضَ الْآخَرُ وَهُمَا شَرِيكَانِ فَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا أَجْرَ لِلَّذِي لَمْ يَعْمَلْ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأَجْرِ بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُمَا قَبِلَا الْعَقْدَ جَمِيعًا ثُمَّ الَّذِي أَقَامَ الْعَمَلَ فِي نَصِيبِهِ مُسْلِمٌ لِمَا الْتَزَمَهُ، وَفِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ نَائِبٌ عَنْهُ فَقَامَ مَقَامَهُ فَيَكُونُ الْأَجْرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظَائِرَهُ فِي الْإِجَارَاتِ وَذَكَرْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالشَّرِكَةِ هَذَا فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَحْمِلُ لَهُ طَعَامًا مَعْلُومًا إلَى مَكَان مَعْلُومٍ عَلَى دَوَابِّهِ هَذِهِ فَحَمَلَهُ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الدَّوَابِّ فَلَهُ الْأَجْرُ كُلُّهُ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إنَّمَا تَتَنَاوَلُ مَنَافِعَ الدَّوَابِّ الَّتِي عَيَّنَهَا، وَلَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ ذَلِكَ، وَفِي حَقِّ غَيْرِ تِلْكَ الدَّوَابِّ يُجْعَلُ الْعَقْدُ كَأَنْ لَيْسَ فَكَأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِحَمْلِ طَعَامِهِ عَلَى دَوَابِّهِ فَلَا أَجْرَ لَهُ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ قَبِلَ عَمَلَ الْحَمْلِ فِي ذِمَّتِهِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ، وَقَدْ أَوْفَى مَا قَبِلَهُ سَوَاءٌ حَمَلَ الطَّعَامَ عَلَى تِلْكَ الدَّوَابِّ أَوْ عَلَى غَيْرِهَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى تَعْيِينِ تِلْكَ الدَّوَابِّ فِي تَصْحِيحِ الْعَقْدِ بَعْدَ إعْلَامِ مِقْدَارِ الطَّعَامِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَحْمِلُ لَهُ طَعَامًا مَعْلُومًا إلَى مَكَان مَعْلُومٍ كَانَ الْعَقْدُ جَائِزًا، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الدَّوَابَّ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ فِي عَيْنِ تِلْكَ الدَّوَابِّ مَقْصُودٌ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ حَمْلُ الطَّعَامِ، فَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ تَعْيِينِ الدَّوَابِّ لِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ كَانَ لَهُ الْأَجْرُ بِإِقَامَةِ الْعَمَلِ الْمَشْرُوطِ، وَهُوَ حَمْلُ الطَّعَامِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِهِ بِنَفْسِهِ فَحَمَلَهُ عَلَى دَوَابِّهِ أَوْ عَبِيدِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَذَهَبَ مَعَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ ذَلِكَ الْمَكَانَ فَلَهُ الْأَجْرُ اسْتِحْسَانًا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حَمْلُ
стр. 6169
الطَّعَامِ، وَقَدْ أَوْفَاهُ كَمَا الْتَزَمَ، وَلَيْسَ هُوَ بِمُخَالِفٍ؛ لِأَنَّهُ مَا فَارَقَ الطَّعَامَ حِينَ ذَهَبَ مَعَهُ، وَلَا أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَطَ لَهُ طَرِيقًا فَحَمَلَهُ فِي طَرِيقٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ صَاحِبِ الطَّعَامِ قَدْ حَصَلَ حِينَ أَوْصَلَ الطَّعَامَ إلَى الْمَكَانِ الْمَشْرُوطِ فِي أَيِّ الطَّرِيقَيْنِ حَمَلَهُ، وَإِنْ حَمَلَهُ فِي الْبَحْرِ ضَمِنَهُ إنْ غَرِقَ؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَهُ لِلتَّلَفِ فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ رَاكِبِ الْبَحْرِ أَنَّهُ عَلَى شَرَفِ الْهَلَاكِ مَعَ مَا مَعَهُ، وَإِنْ سَلَّمَ لَهُ الْأَجْرَ اسْتِحْسَانًا، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ طَرِيقَانِ فِي الْبَرِّ أَحَدُهُمَا: آمِنٌ وَالْآخَرُ مَخُوفٌ فَحَمَلَهُ فِي الطَّرِيقِ الْمَخُوفِ، فَإِنْ تَلِفَ كَانَ ضَامِنًا، وَإِنْ سَلِمَ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ اسْتِحْسَانًا، فَكَذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّ الْبَحْرَ بِمَنْزِلَةِ الطَّرِيقِ الْمَخُوفِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُودَعِ أَنْ يُسَافِرَ الْوَدِيعَةِ فِي طَرِيقِ الْبَحْرِ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا فِي الطَّرِيقِ الْمَخُوفِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلَيْنِ يَحْمِلَانِ لَهُ طَعَامًا مِنْ الْفُرَاتِ إلَى أَهْلِهِ فَحَمَلَهُ كُلَّهُ أَحَدُهُمَا، وَهُمَا شَرِيكَانِ فِي الْعَمَلِ فَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَجْرِ بِاعْتِبَارِ تَقَبُّلِ الْعَمَلِ، وَقَدْ بَاشَرَاهُ أَوْ بَاشَرَهُ أَحَدُهُمَا بِوَكَالَةٍ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى شَرِكَةِ الْعِنَانِ عَلَى الْوَكَالَةِ ثُمَّ هُوَ فِي إقَامَةِ الْعَمَلِ نَائِبٌ عَنْ صَاحِبِهِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِي الْعَمَلِ فَلِلْعَامِلِ نِصْفُ الْأَجْرِ فِي نِصْفِ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَبِلَ حَمْلَ نِصْفِ الطَّعَامِ بِنِصْفِ الْأَجْرِ، وَقَدْ حَمَلَهُ وَلَا أَجْرَ لَهُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْحَمْلِ ضَامِنًا لِنِصْفِ الْأَجْرِ بِمَنْزِلَةِ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ لَوْ حَمَلَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ غَيْرُ نَائِبٍ عَنْ الْآخَرِ هُنَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ بَيْنَهُمَا عَقْدُ شَرِكَةٍ فَلَمْ يَجْعَلْهُ نَائِبًا عَنْ نَفْسِهِ فَيَكُونُ هُوَ فِي ذَلِكَ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَذْهَبَ إلَى مَكَانِ كَذَا فَيَجِيءَ بِأَهْلِهِ كُلِّهِمْ، وَهُمْ خَمْسَةٌ، فَذَهَبَ وَجَاءَ بِهِمْ فَلَهُ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ، وَقَدْ أَوْفَى الْعَمَلَ الْمَشْرُوطَ عَلَيْهِ بِكَمَالِهِ فَلَهُ الْأَجْرُ كُلُّهُ، فَإِنْ وَجَدَ بَعْضَهُمْ قَدْ مَاتَ فَجَاءَ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ فَلَهُ أَجْرُ ذَهَابِهِ، وَلَهُ الْأَجْرُ بِحِسَابِ مَنْ جَاءَ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ فِي الذَّهَابِ أَقَامَ مَا الْتَزَمَ مِنْ الْعَمَلِ عَلَى نَحْوِ مَا الْتَزَمَهُ فَاسْتَوْجَبَ أَجْرَ الذَّهَابِ، وَمَا يَكُونُ مِنْ الْأَجْرِ الْمُسَمَّى، فَإِنَّهُ يَتَوَزَّعُ عَلَى حِصَّةِ مَنْ جَاءَ بِهِمْ، وَمَنْ مَاتُوا فَيَلْزَمُهُ بِحِصَّةِ مَنْ جَاءَ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ بَعْضَ هَذَا الْعَمَلِ دُونَ الْبَعْضِ فَيَكُونُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ مَا أَقَامَ مِنْ الْعَمَلِ، وَإِنْ وَجَدَهُمْ كُلَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا فَعَادَ بِنَفْسِهِ فَلَهُ أَجْرُ ذَهَابِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الذَّهَابِ أَقَامَ مَا لَزِمَهُ بِالْعَقْدِ كَمَا الْتَزَمَهُ، وَفِي الرُّجُوعِ هُوَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ بِالْعَوْدِ إلَى وَطَنِهِ لَيْسَ بِعَامِلٍ لِلْمُسْتَأْجِرِ حِينَ لَمْ يَأْتِ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِهِ؛ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَجْرُ الذَّهَابِ خَاصَّةً؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَذْهَبُ لِتَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْمُسْتَأْجِرِ فَكَانَ عَامِلًا لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي رُجُوعِهِ وَحْدَهُ تَحْصِيلُ شَيْءٍ مِنْ مَقْصُودِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلَمْ يَكُنْ عَامِلًا لَهُ فِي ذَلِكَ.
стр. 6170
فَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى أَنْ يَذْهَبَ بِكِتَابٍ لَهُ إلَى مَكَانِ كَذَا فَيَدْفَعَهُ إلَى فُلَانٍ، فَذَهَبَ بِهِ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ أَوْ تَحَوَّلَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَرَدَّ الْكِتَابَ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ الْكِتَابَ فَلَهُ الْأَجْرُ بِحِسَابِ ذَهَابِهِ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِيَذْهَبَ بِالْكِتَابِ إلَى فُلَانٍ وَيَأْتِيَهُ بِالْجَوَابِ، فَإِذَا ذَهَبَ بِهِ، وَلَمْ يَرُدَّ الْكِتَابَ، وَلَمْ يَأْتِهِ بِالْجَوَابِ فَهُوَ فِي الذَّهَابِ عَامِلٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ سَاعٍ فِي تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ وَلَيْسَ بِعَامِلٍ فِي الرُّجُوعِ فَيَسْتَحِقُّ حِصَّةَ الذَّهَابِ مِنْ الْأَجْرِ، وَإِنْ رَدَّ الْكِتَابَ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْمَقْصُودِ حِينَ رَدَّ كِتَابَهُ إلَيْهِ فَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا لَهُ فِي الذَّهَابِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَهُ أَجْرُ الذَّهَابِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْكِتَابِ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ، وَإِنَّمَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِاعْتِبَارِ ذَهَابِهِ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ ذَهَبَ فَقَدْ تَقَرَّرَ حَقُّهُ فِي أَجْرِ الذَّهَابِ فَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ بِعَوْدِهِ رَدَّ الْكِتَابَ أَوْ لَمْ يَرُدَّهُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: هُوَ لَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِمُجَرَّدِ الذَّهَابِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْكِتَابِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْكِتَابَ فِي أَهْلِهِ، وَذَهَبَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ فَكَذَلِكَ إذَا رَدَّ الْكِتَابَ مَعَهُ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُضْطَرِبٌ.
وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ لَهُ طَعَامًا إلَى مَكَانِ كَذَا فَيَدْفَعَهُ إلَى فُلَانٍ فَوَجَدَ فُلَانًا قَدْ مَاتَ فَرَجَعَ بِالطَّعَامِ إلَى الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ فَلَا أَجْرَ لَهُ عِنْدَنَا وَقَالَ زُفَرُ ﵀ لَهُ الْأَجْرُ، وَهُوَ غَاصِبٌ فِي رَدِّ الطَّعَامِ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ ضَامِنٌ إنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَمَلَ الطَّعَامَ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَقَدْ أَوْفَى الْعَمَلَ الْمَشْرُوطَ، وَمَا كَانَ الْبَدَلُ بِمُقَابَلَتِهِ فَتَقَرَّرَ حَقُّهُ فِي الْأَجْرِ وَانْتَهَى الْعَقْدُ نِهَايَتَهُ ثُمَّ هُوَ فِي الرُّجُوعِ بِالطَّعَامِ غَاصِبٌ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ فَيَكُونُ ضَامِنًا لَهُ إنْ هَلَكَ وَبِغَصْبِهِ لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ فِيمَا تَقَرَّرَ مِنْ الْأَجْرِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْبَدَلُ بِمُقَابَلَةِ حَمْلِ الطَّعَامِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَقَدْ فَسَخَ ذَلِكَ حِينَ رَجَعَ بِالطَّعَامِ، وَفَوَّتَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُشْتَرِي.
وَإِنْ اسْتَوْدَعَ الطَّعَامَ رَجُلًا فِي تِلْكَ الْبِلَادِ فَهَلَكَ الطَّعَامُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ فِي الدَّفْعِ إلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَمِينِ فِي ذَلِكَ الطَّعَامِ مَا لَمْ يَدْفَعْهُ إلَى فُلَانٍ وَالْمُودِعُ إذَا أَوْدَعَ الْوَدِيعَةَ رَجُلًا آخَرَ كَانَ ضَامِنًا إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْمُودَعِ الثَّانِي، وَإِذَا صَارَ ضَامِنًا كَانَ هَذَا، وَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَ الطَّعَامَ سَوَاءٌ وَلِصَاحِبِهِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي حَمَلَهُ مِنْهُ وَلَا أَجْرَ لَهُ أَوْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي اسْتَوْدَعَهُ وَلَهُ الْأَجْرُ، وَهَذَا نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الدَّنِّ إذَا تَعَمَّدَ كَسْرَهُ، وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ هُنَا فِي أَنَّهُ اعْتَبَرَ الْقِيمَةَ وَالطَّعَامَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ يُضَمِّنُهُ مِثْلَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي حَمَلَهُ مِنْهُ وَلَا أَجْرَ لَهُ أَوْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي اسْتَوْدَعَهُ، وَلَهُ الْأَجْرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدَدِيًّا مُتَقَارِبًا مِنْ الطَّعَامِ كَالْبِطِّيخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ
стр. 6171
غَيْرَ أَنَّهُ إنْ انْتَهَى إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ فَوَجَدَ صَاحِبَهُ قَدْ مَاتَ فَرَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَأَمَرَ بِبَيْعِهِ أَوْ يَدْفَعُهُ إلَى رَجُلٍ آخَرَ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَهُ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ النَّظَرِ فِي مَالِ الْغَائِبِ، وَفِعْلُهُ بِأَمْرِ الْقَاضِي، وَفِعْلُهُ بِأَمْرِ صَاحِبِ الطَّعَامِ سَوَاءٌ، وَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِأَمْرِ صَاحِبِ الطَّعَامِ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا وَلَهُ الْأَجْرُ فَكَذَلِكَ إذَا فَعَلَ بِأَمْرِ الْقَاضِي قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ صِدْقَهُ فِيمَا يَقُولُ: وَلِأَنَّهُ قَدْ الْتَزَمَ حِفْظَهُ فَيُوَلِّيهِ الْقَاضِي مَا تَوَلَّى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نُصِبَ الْقَاضِي لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ لَا لِإِنْشَائِهَا، وَلَيْسَ هُنَا خَصْمٌ لِمَنْ فِي يَدِهِ الطَّعَامُ؛ فَلِهَذَا لَا يَنْظُرُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ لَهُ.
وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: مَنْ جَاءَنِي بِمَتَاعِي مِنْ مَكَانِ كَذَا فَلَهُ دِرْهَمٌ فَذَهَبَ رَجُلٌ فَلَمْ يَجِدْ الْمَتَاعَ ثُمَّ جَاءَ فَلَا أَجْرَ لَهُ أَمَّا إذَا ذَهَبَ فَجَاءَ بِالْمَتَاعِ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى عِنْدَنَا وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ لَهُ الْمُسَمَّى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ فَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَقِّنَا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ النَّسْخِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: هَذَا اسْتِئْجَارُ الْمَجْهُولِ، وَاسْتِئْجَارُ الْمَجْهُولِ بَاطِلٌ إلَّا أَنَّهُ إذَا حَمَلَهُ إنْسَانٌ بَعْدَ مَا سَمِعَ كَلَامَهُ، فَإِنَّمَا جَاءَ بِهِ عَلَى جِهَةِ تِلْكَ الْإِجَارَةِ، وَقَدْ رَضِيَ الْقَائِلُ بِذَلِكَ فَيَسْتَوْجِبُ أَجْرَ الْمِثْلِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ جِهَةَ الشَّيْءِ بِمَنْزِلَةِ حَقِيقَتِهِ فَأَمَّا إذَا ذَهَبَ فَلَمْ يَجِدْ الْمَتَاعَ فَرَجَعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَجْرُ بِخِلَافِ مَا إذَا خَاطَبَ بِهِ إنْسَانًا بِعَيْنِهِ فَهُنَاكَ يَسْتَحِقُّ أَجْرَ الذَّهَابِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا حِينَ خَاطَبَهُ بِعَيْنِهِ فَكَانَ هُوَ فِي الذَّهَابِ عَامِلًا لِلْمُسْتَأْجِرِ سَاعِيًا فِي تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ فَيَسْتَحِقُّ أَجْرَ الذَّهَابِ، وَهُنَا الْعَقْدُ مَا انْعَقَدَ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَبَيْنَ الذَّاهِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطِبْهُ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ انْعِقَادُ الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ مَجِيئِهِ بِالْمَتَاعِ، وَإِذَا لَمْ يَجِئْ بِالْمَتَاعِ لَمْ يَكُنْ عَامِلًا لَهُ فِي الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ فَلِهَذَا لَا يَسْتَوْجِبُ شَيْئًا مِنْ الْأَجْرِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عِشْرِينَ ثَوْبًا رَبْطِيًّا فَحَمَلَ عَلَيْهَا هَرَوِيًّا فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ لَمْ يَضْمَنْ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ فِي الضَّرَرِ عَلَى الدَّابَّةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّبْطِيِّ وَالْهَرَوِيِّ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مِنْ الْقِيمَةِ مَا يَكُونُ مُقَيَّدًا دُونَ مَا لَا يُقَيَّدُ كَمَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ التَّعْيِينِ مَا يَكُونُ مُقَيَّدًا دُونَ مَا لَا يُقَيَّدُ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا هَذِهِ الْأَثْوَابَ الرَّبْطِيَّةَ فَحَمَلَ عَلَيْهَا مِثْلَهَا مِنْ الثِّيَابِ الرَّبْطِيَّةِ فَعَطِبَتْ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا فَكَذَلِكَ هُنَا.
وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ دَابَّةً، وَنَقَدَهُ الْكِرَاءَ ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِالْكِرَاءِ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُكَارِي، وَلَمْ يَرْكَبْ الرَّجُلُ فَعَلَى الْكَفِيلِ أَنْ يَرُدَّ الْكِرَاءَ؛ لِأَنَّهُ كَفِيلٌ لِلْمُسْتَكْرِي عَنْ الْمُكَارِي مَا وَجَبَ رَدُّهُ مِنْ الْكِرَاءِ الْمَقْبُوضِ وَحِينَ أَفْلَسَ الْمُكَارِي، وَلَمْ يَجِدْ الْمُسْتَكْرِي الدَّابَّةَ لِيَرْكَبَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَى الْمُكَارِي رَدُّ جَمِيعِ الْكِرَاءِ، وَقَدْ كَفَلَ الْكَفِيلُ
стр. 6172
بِذَلِكَ فَكَانَ مُطَالَبًا بِهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْكَفَالَةِ إلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ صَحِيحٌ، فَإِنْ رَضِيَ مِنْ الْكَفِيلِ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَكَارَا إلَيْهِ فَحَمَلَهُ وَأَنْفَقَ أَكْثَرَ مِنْ الْكِرَاءِ لَمْ يَرْجِعْ الْكَفِيلُ عَلَى الْمُكَارِي إلَّا بِالْكِرَاءِ الَّذِي قَبَضَ مِنْ الْمُسْتَكْرِي؛ لِأَنَّهُ مَا ضَمِنَ عَنْهُ إلَّا ذَلِكَ الْقَدْرَ فَهُوَ فِي الزِّيَادَةِ مُتَبَرِّعٌ، فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالْكِرَاءِ الْمَقْبُوضِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مَا نَقَدَ عَنْهُ الْكِرَاءَ، وَإِنَّمَا أَوْفَى عَنْهُ مَا الْتَزَمَ مِنْ الْحَمْلِ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ وَالْمُكَارِي مَا أَمَرَهُ أَنْ يَكْفُلَ عَنْهُ ذَلِكَ فَكَانَ هُوَ فِي إيفَاءِ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مُتَبَرِّعٍ أَوْ كَفِيلٍ بِغَيْرِ الْأَمْرِ قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ فَإِنَّهُ بِمَا أَوْفَى مِنْ الْحَمْلِ أَسْقَطَ عَنْ نَفْسِهِ ضَمَانَ الْكِرَاءِ كَمَا أَنَّهُ بِأَدَاءِ الْمَقْبُوضِ يُسْقِطُ عَنْ نَفْسِهِ ضَمَانَ الْكِرَاءِ، وَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا بَلْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِيُسْقِطَ بِهِ الضَّمَانَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمَّا أَمَرَهُ بِالْكَفَالَةِ بِالْكِرَاءِ عَنْهُ فَقَدْ أَقَامَهُ مُقَامَ نَفْسِهِ فِي إيفَاءِ مَا الْتَزَمَهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُوَفِّيَ عَنْهُ الْكِرَاءَ، وَبَيْنَ أَنْ يُوَفِّيَ بِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْحَمْلِ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ بِهِ مُطَالَبَةَ الْمُسْتَكْرِي إيَّاهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ الْمُكَارِي، وَلَمْ يَحْمِلْهُ فَعَلَى الْكَفِيلِ أَنْ يَرُدَّ الْكِرَاءَ؛ لِأَنَّ بِمَوْتِ الْمُكَارِي قَدْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، وَلَزِمَهُ رَدُّ الْمَقْبُوضِ مِنْ الْكِرَاءِ فَإِنَّهُ كَفَلَ الْكَفِيلَ بِذَلِكَ.
وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَشْهُرًا مَعْلُومَةً يُؤَدِّبُ ابْنَهُ، وَيَقُومُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ بِطَرِيقِ الْعُرْفِ، وَهُوَ عَمَلٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَى الْمُؤَدِّبِ إقَامَتُهُ عُرْفًا وَلَا دِينًا وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى مِثْلِهِ صَحِيحٌ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ بِخِلَافِ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ دِينًا؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى خِلَافَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُلُّ مُسْلِمٍ مَأْمُورٌ بِهِ دِينًا.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيُجَصِّصَ لَهُ حَائِطًا أَوْ لِيُطَيِّنَ لَهُ سَطْحًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ طِينًا وَلَا جِصًّا مَعْلُومًا فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ جَهَالَةَ ذَلِكَ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ، فَإِنَّ عَمَلَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ، وَكُلُّ نَوْعٍ مِنْهُ مُتَعَارَفٌ فَكَانَ الْعَمَلُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَجْهُولًا؛ فَلِهَذَا فَسَدَ الْعَقْدُ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ إنْ عَمِلَ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى الْعَمَلَ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَلَا يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَقُولُ: أَنَا مَا رَضِيتُ بِجَمِيعِ الْمُسَمَّى بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْعَمَلِ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ غِلْظَةً مِنْ الْجِصِّ أَوْ الطِّينِ كَذَا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ صَارَ مَعْلُومًا بِبَيَانِ الْغِلْظَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفْضِي إلَى تَمَكُّنِ الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَنْقُدُ لَهُ الدَّرَاهِمَ كُلَّ أَلْفٍ بِكَذَا أَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى كُلِّ شَهْرٍ بِكَذَا يَنْقُدُ لَهُ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى ذَلِكَ مُتَعَارَفٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي عَقَدَ عَلَى مَنَافِعَ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ لِيُقِيمَ بِتِلْكَ الْمَنَافِعِ عَمَلًا مَقْصُودًا
стр. 6173
فِي النَّاسِ.
وَإِذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ كِبَارًا غُيَّبًا وَلَيْسَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَلَا وَصِيَّةَ فَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَبِيعَ الرَّقِيقَ وَالْمَتَاعَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْحِفْظِ إلَى أَنْ يَحْضُرَ الْغَائِبُ، وَبَيْعُ الْمَنْقُولِ مِنْ الْحِفْظِ فَإِنَّ حِفْظَ الثَّمَنِ رُبَّمَا يَكُونُ أَيْسَرَ مِنْ حِفْظِ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ نَظَرًا لِلْغَائِبِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ نَهَوْهُ عَنْ الْبَيْعِ فَبَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ لِأَجْلِ النَّظَرِ لَهُمْ إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ نَصًّا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ فَهُنَاكَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ نَظَرًا لِلَّذِي أَقَامَهُ مُقَامَ الْمَيِّتِ فَنَهْيُ الْوَرَثَةِ إيَّاهُ عَنْ الْبَيْعِ لَا يَصِحُّ.
وَإِذَا كَانَ الْوَارِثُ صَغِيرًا، وَلِلْمَيِّتِ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ بِصَكٍّ فَقَالَ الْمَطْلُوبُ لِلْوَصِيِّ: حُطَّ عَنِّي النِّصْفَ لِأُعْطِيَك النِّصْفَ وَادْفَعْ إلَيَّ الصَّكَّ، وَكَانَ فِيهِ شُهُودٌ لَا يَشْهَدُونَ إلَّا أَنْ يَرَوْا الصَّكَّ وَيَعْلَمُوا أَنَّهُ حَطَّ لِلْيَتِيمِ فِي الْحَالِ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُ الْوَصِيَّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إتْوَاءَ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ يَعْنِي فِي رَدِّ الصَّكِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَطَّ الدَّيْنِ عَنْهُ بَاطِلٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ وَاجِبًا بِعَقْدِهِ فَلَا يَتْوَى بِهِ حَقُّ الْيَتِيمِ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ الشُّهُودُ لَا يَشْهَدُونَ مَا لَمْ يَرَوْا الصَّكَّ فَفِي دَفْعِ الصَّكِّ إلَيْهِ إتْوَاءُ مَالِ الْيَتِيمِ حَتَّى إذَا كَانَتْ الشُّهُودُ يَشْهَدُونَ بِغَيْرِ صَكٍّ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إتْوَاءُ مَالِهِ بَلْ فِيهِ نَظَرٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَسْتَوْفِي نِصْفَ حَقِّهِ فِي الْحَالِ ثُمَّ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا بَقِيَ فَيَسْتَوْفِيهِ، وَحَطُّهُ بَاطِلٌ إذَا أَثْبَتَ الْمَدْيُونُ ذَلِكَ بِالْحُجَّةِ.
وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ فِي دَارِهِ دَعْوَى فَرَأَى الْوَصِيُّ أَنْ يُصَالِحَهُ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ إنْ لَمْ يُصَالِحْهُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يُصَالِحَهُ؛ لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مَا اسْتَوْجَبَ الْمُدَّعِي شَيْئًا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ»، وَمَا يَخَافُهُ الْوَصِيُّ مَوْهُومٌ فَلَيْسَ كُلُّ مُدَّعٍ يَكُونُ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى دَعْوَاهُ، وَلَا كُلُّ شَاهِدٍ يَرْغَبُ فِي حُضُورِ مَجْلِسِ الْقَاضِي لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَبَعْدَ الْأَدَاءِ رُبَّمَا تَظْهَرُ عَدَالَتُهُ، وَرُبَّمَا لَا تَظْهَرُ، وَلَوْ أَدَّى شَيْئًا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَوْهُومِ كَانَ مُخْرِجًا مَالَهُ عَنْ مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يَحْصُلُ بِمُقَابَلَتِهِ، وَلَا مَنْفَعَةَ تَحْصُلُ لَهُ حَقِيقَةً وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ هَذِهِ الْوِلَايَةُ، وَإِنْ جَاءَ الْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ عُدُولٍ يَعْرِفُهُمْ الْوَصِيُّ، وَكَانَ الصُّلْحُ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ فِي رَأْيِ الْوَصِيِّ وَسِعَهُ أَنْ يُصَالِحَهُ؛ لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ حَقَّ الْمُدَّعِي قَدْ ثَبَتَ ظُهُورُهُ بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَفِي هَذَا تَحْصِيلُ الْمَالِ مِنْ الْوَصِيِّ لِلْيَتِيمِ أَوْ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا نُصِبَ الْوَصِيُّ لِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ ﵀ كَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْأَجَلُّ ﵁ يَقُولُ: هَذَا إذَا عَلِمَ الْوَصِيُّ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ مِنْ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُجِبْ إلَى الصُّلْحِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ رَغِبَ فِيهِ الْمُدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَا يَرْغَبُ فِي الصُّلْحِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَالِحَهُ قَبْلَ إقَامَةِ
стр. 6174
الْبَيِّنَةِ إذَا عَلِمَ أَنَّ لَهُ شُهُودًا يَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِهَذَا التَّأْخِيرِ يَنْعَدِمُ تَمَكُّنُهُ مِنْ تَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْوَصِيِّ أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إلَى وَقْتٍ يَفُوتُهُ.
وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ دَخَلَ فِيهِ رَقِيقُهُ وَدُورُهُ وَكُلُّ عَيْنٍ وَدَيْنٍ هُوَ مِنْ كَسْبِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالُهُ فَالْمَالُ يَصِيرُ مُضَافًا إلَى الْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ كَسْبُهُ قَالَ ﵇: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَمَالَهُ» الْحَدِيثَ وَالْإِضَافَةُ إلَيْهِ تَبْقَى مَا بَقِيَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَأَمَّا بَعْدَ أَخْذِ الْمَوْلَى الْمَالَ مِنْهُ لَا يَبْقَى مُضَافًا إلَيْهِ شَرْعًا وَعُرْفًا فَلَا يَكُونُ الْمَقْبُوضُ مِنْهُ فِيمَا سَمَّى مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ قَدْ زَوَّجَهَا إيَّاهُ مَوْلَاهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي كِتَابَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِتَصَرُّفِهِ صَارَ قَابِضًا الْأَمَةَ مِنْهُ فَالْتَحَقَتْ بِغَيْرِهَا مِمَّا قَبَضَهُ مِنْهُ.
(فَإِنْ قِيلَ) أَلَيْسَ إنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا زَوَّجَ الْأَمَةَ الْمَبِيعَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَصِيرُ قَابِضًا لَهَا بِتَصَرُّفِهِ فَكَيْفَ يَصِيرُ الْمَوْلَى هُنَا قَابِضًا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ إنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ قَابِضًا هُنَاكَ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لِلْبَائِعِ فِيهَا يَدٌ مُسْتَحِقَّةٌ، وَالْمُشْتَرِي مَمْنُوعٌ مِنْ قَبْضِهَا مَا لَمْ يُؤَدِّ الثَّمَنَ، وَإِنْ تَعَيَّبَتْ بِالنِّكَاحِ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يُؤَثِّرْ هَذَا الْعَيْبُ فِي عَيْنِهَا لَمْ يُجْعَلْ قَابِضًا بِهِ، وَهُنَا مَا كَانَ لِلْعَبْدِ فِي هَذِهِ الْأَمَةِ يَدٌ مُسْتَحِقَّةٌ وَلَا كَانَ الْمَوْلَى مَمْنُوعًا مِنْ قَبْضِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا فَجَعَلْنَاهُ قَابِضًا لَهَا بِالتَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّ بِالتَّزْوِيجِ الْتَزَمَ تَسْلِيمَهَا إلَى الزَّوْجِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِيَدِهِ فِيهَا، وَإِذَا أَنْفَقَ الْمُفَاوِضُ عَلَى نَفْسِهِ أَفْضَلَ مِنْ نَفَقَةِ صَاحِبِهِ، وَكَانَتْ تَطِيبُ نَفْسُ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ، وَكَانَ لِصَاحِبِهِ دَيْنٌ عَلَى الَّذِي أَنْفَقَ لَمْ تَفْسُدْ الْمُفَاوَضَةُ اسْتِحْسَانًا حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَيْهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ أَنَّهُ مَتَى فَضَلَ أَحَدُهُمَا بِمَالٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ الْمَالِ فِي الشَّرِكَةِ تَفْسُدُ بِهَا الْمُفَاوَضَةُ، وَإِنْ فَضَلَ بِمَالٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ الْمَالِ فِي الشَّرِكَةِ لَا تَصْلُحُ بِهَا الْمُفَاوَضَةُ اسْتِحْسَانًا، وَالدَّيْنُ الَّذِي وَجَبَ لِأَحَدِهِمَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ الْمَالِ فِي الشَّرِكَةِ، فَإِذَا قَبَضَهُ فَقَدْ صَارَ نَقْدًا صَالِحًا أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالٍ فِي الشَّرِكَةِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ وَرِثَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ دَارًا أَوْ رَقِيقًا فِي الْقِيَاسِ تَفْسُدُ الْمُفَاوَضَةُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَفْسُدُ حَتَّى يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَيَصِيرَ مَالًا يَعْنِي حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ نَقْدًا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَإِنَّ مَا وَرِثَ أَحَدُهُمَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا لَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا، وَلَكِنَّ الدَّارَ وَالرَّقِيقَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالٍ فِي الشَّرِكَةِ فَلَا تَفْسُدُ الْمُفَاوَضَةُ حَتَّى يَصِيرَ ثَمَنُهُ نَقْدًا فِي يَدِهِ فَحِينَئِذٍ تَفْسُدُ الْمُفَاوَضَةُ لِانْعِدَامِ شَرْطِ الصِّحَّةِ، وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَالِ الَّذِي يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالٍ فِي الشَّرِكَةِ.
وَإِذَا خَلَعَ امْرَأَتَهُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ وَقَبْلَ خُلْعِهَا ضَمِنَ أَبُوهَا بِالْمَهْرِ وَضَمِنَ لِلزَّوْجِ مَا أَدْرَكَهُ فِيهِ جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ، وَتُؤَاخِذُ الِابْنَةُ الزَّوْجَ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ
стр. 6175
فَيَرْجِعُ بِهِ الزَّوْجُ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِالْخُلْعِ يُفِيدُ وُجُودَ الْقَبُولِ مِنْ الضَّامِنِ لِلدَّرَكِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيُقَرَّرُ نِصْفُ مَالِهَا عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ وِلَايَةٌ عَلَى إسْقَاطِ حَقِّهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يُقَابِلُهُ فَتَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَيَرْجِعُ بِهِ الزَّوْجُ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ مَا أَدْرَكَهُ فِيهِ مِنْ الدَّرَكِ فِي حَقِّهَا، وَإِضَافَةُ الْكَفَالَةِ إلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ بِهَذَا الطَّرِيقِ صَحِيحٌ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ يَقُولُ: الْخُلْعُ لَا يَقَعُ إلَّا بِالْمَهْرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهَا، وَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يَخْلَعَهَا مِنْ زَوْجِهَا عَلَى مَالِهَا بَلْ هُوَ فِي ذَلِكَ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ، فَإِنَّمَا يَجْعَلُهَا عَلَى مَالٍ يَلْزَمُهُ فِي ذِمَّتِهِ فَكَأَنَّهُ خَلَعَهَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْمَهْرِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ قِصَاصًا بِالْمَهْرِ فَفِيمَا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الزَّوْجِ، وَهُوَ النِّصْفُ الَّذِي رَجَعَتْ الِابْنَةُ بِهِ عَلَى الزَّوْجِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْأَبِ فَيُطَالِبَهُ بِذَلِكَ بِسَبَبِ الْخُلْعِ مَعَ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْمُقَاصَّةَ لَمْ تَقَعْ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَلَمْ يَسْتَفِدْ الزَّوْجُ الْبَرَاءَةَ إلَّا بِأَدَاءِ الْمَالِ فَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْأَبِ بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: قَدْ بَارَأْتُكِ بِمَا لَكِ عَلَيَّ مِنْ الْمَهْرِ فَقَبِلَتْ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ وَالْمُبَارَأَةَ يُسْتَعْمَلَانِ اسْتِعْمَالًا وَاحِدًا وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي الْمَعْنَى وَالْحُكْمِ وَلَوْ قَالَ خَالَعْتُكِ بِمَا لَكِ عَلَيَّ مِنْ الْمَهْرِ فَقَبِلَتْ جَازَ فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: بَارَأْتُكِ، وَلَوْ خَلَعَهَا عَلَى حُكْمِهِ ثُمَّ حَكَمَ بِشَيْءٍ لَمْ تَرْضَ بِهِ الْمَرْأَةُ فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْ حُكْمِهِ، وَمِنْ الْمَهْرِ الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى مَجْهُولٌ، وَهُوَ مَا يَحْكُمُ بِهِ فَإِنَّهُ مَجْهُولُ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ، وَالْخُلْعُ عَلَى بَدَلٍ مَجْهُولٍ يُوجِبُ عَلَيْهَا رَدَّ الْمَقْبُوضِ مِنْ الْمَهْرِ كَمَا لَوْ خَلَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا حَكَمَ عَلَى نَفْسِهِ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ حَقِّهِ، وَذَلِكَ نَافِذٌ مِنْهُ، فَإِنْ حَكَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا حَكَمَ عَلَيْهَا بِالزِّيَادَةِ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا هَذِهِ الْوِلَايَةُ؛ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ الْأَقَلُّ، وَلَوْ خَلَعَهَا عَلَى أَنَّ لَهُ عَلَيْهَا أَقَلَّ مَهْرٍ يَتَزَوَّجُ عَلَيْهِ فَالْخُلْعُ جَائِزٌ، وَلَهُ عَلَيْهَا الْمَهْرُ الَّذِي أَخَذَتْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ سَمَّى فِي الْخُلْعِ مَالًا مَجْهُولَ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ فَلَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ، وَلَكِنْ ثَبَتَ حُكْمُ الْغُرُورِ بِهِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهَا رَدَّ الْمَقْبُوضِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ أَنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ مَا لَمْ تُزَوِّجْ نَفْسَهَا وَلَا يَلْزَمُهَا بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا، وَرُبَّمَا لَا يَرْغَبُ أَوْ لَا يَبْقَى إلَى أَوَانِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَإِذَا أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ فِي حَقٍّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَسَأَلَ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ وَعَدَالَتِهِمْ وَبِتَوْكِيلِهِ وَكِيلًا بِالْقِيَامِ مَقَامَهُ بِالْمُطَالَبَةِ وَالْقَبْضِ إلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ فَلَهُ فِعْلُهُ بَعْدَ مَا يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِهِ هَذَا شَيْئًا وَلَا يَعْلَمُ وَكِيلًا، وَلَا رَسُولًا لَهُ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكْتُبُ لَهُ بِذَلِكَ نَظَرًا مِنْهُ لِلْمُدَّعِي، وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَفِي الِاسْتِحْلَافِ
стр. 6176
بِهَذِهِ الصِّفَةِ نَظَرٌ مِنْهُ لِلْغَائِبِ، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بِهَذَا النَّظَرِ لِغَيْبَتِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ لَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِلْمُدَّعِي أَيْضًا فَرُبَّمَا يَدَّعِي الْخَصْمُ عِنْدَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ أَوْفَاهُ الْمَالَ وَيَطْلُبُ يَمِينَهُ، وَمِنْ رَأْيِ ذَلِكَ الْقَاضِي أَنْ لَا يَقْضِيَ بِالْمَالِ مَا لَمْ يَحْلِفْ عَلَى قِيَاسِ مَسْأَلَةِ الْغَيْبِ فَيَتَعَذَّرُ عَلَى وَكِيلِهِ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ؛ فَلِهَذَا يَسْتَحْلِفُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَكْتُبُ ذَلِكَ الِاسْتِحْلَافَ فِي كِتَابِهِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ النَّظَرِ فِيهِ، وَلَا يَسْتَحْلِفُ الطَّالِبَ لَقَدْ شَهِدَتْ شُهُودُك بِحَقٍّ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ لَوْ كَانَ حَاضِرًا وَطَلَبَ اسْتِحْلَافَهُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُجِبْهُ إلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْخَصْمَ لَوْ كَانَ حَاضِرًا وَطَلَبَ يَمِينَهُ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا أَجَابَهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ قَاضِيًا لَا يُجِيزُ الْكِتَابَ إلَّا عَلَى ذَلِكَ يَعْنِي إنْ كَانَ يَرَى رَأْيَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي اسْتِحْلَافِ الطَّالِبِ لَقَدْ شَهِدَتْ شُهُودُك بِحَقٍّ فَقَالَ الطَّالِبُ: اسْتَحْلِفْنِي وَاكْتُبْ لِي بِيَمِينِي اسْتَحْلَفَهُ بِاَللَّهِ لَقَدْ شَهِدَتْ شُهُودُك بِحَقٍّ فَإِنَّ الْمَالَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ يَكْتُبُ لَهُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهَذَا إذَا كَانَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ يَرَى ذَلِكَ، فَإِنَّ فِي هَذَا الِاسْتِحْلَافِ نَظَرًا لِلطَّالِبِ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ وَكِيلًا وَلَا يَحْضُرَ مَجْلِسَ ذَلِكَ الْقَاضِي لِيَسْتَحْلِفَهُ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ إلَّا بِهَذَا، وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ لَهُ، فَإِذَا طَلَبَ مِنْهُ مَا فِيهِ نَظَرٌ لَهُ أَجَابَهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ، وَلَوْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ شَهَادَتَهُ وَحَالَهُ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلطَّالِبِ فَرُبَّمَا يَكُونُ شَاهِدُهُ الْآخَرُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فِي مَجْلِسِهِ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ فَيُجِيبُهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ حَتَّى إذَا ثَبَتَ الْكِتَابُ عِنْدَهُ وَجَاءَ بِشَاهِدِهِ الْآخَرِ فَشَهِدَ لَهُ قَضَى بِحَقِّهِ لِتَمَامِ الْحُجَّةِ.
وَإِذَا أَسْلَمَتْ مُدَبَّرَةُ الذِّمِّيِّ فَاسْتَسْعَتْ فِي قِيمَتِهَا فَعَجَزَتْ عَنْ السِّعَايَةِ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي قَوَّمَهَا، وَاسْتَسْعَاهَا لَمْ يَرُدَّهَا وَأَجْبَرَهَا عَلَى السِّعَايَةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْقَضَاءِ قَائِمٌ، وَهُوَ إسْلَامُهَا مَعَ كُفْرِ الْمَوْلَى فَلَا يُعْتَبَرُ عَجْزُهَا بِمَنْزِلَةِ مُعْتَقِ الْبَعْضِ إذَا اسْتَسْعَاهُ الْقَاضِي فِيمَا بَقِيَ مِنْ قِيمَةِ الشَّرِيكِ السَّاكِتِ فَعَجَزَ عَنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَوْلَى هُوَ الَّذِي صَالَحَهَا عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ فَضْلٌ عَلَى الْقِيمَةِ فَيُبْطِلَ الْقَاضِي الْفَضْلَ وَيُجْبِرَهَا عَلَى السِّعَايَةِ فِي الْقِيمَةِ، وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يُفِيدُ، وَلَا يَنْقُضُ شَيْئًا لِيُعِيدَ مِثْلَهُ فِي الْحَالِ، وَإِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى مِقْدَارِ الْقِيمَةِ فَلَيْسَ فِي نَفْسِ هَذَا الصُّلْحِ فَائِدَةٌ لَهَا فَلَا يَشْتَغِلُ الْقَاضِي بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَلَى الْقِيمَةِ فَفِي نَقْضِهِ فَائِدَةٌ لَهَا، وَهُوَ سُقُوطُ الزِّيَادَةِ عَنْهَا وَعَجْزُهَا يُسْقِطُ عَنْهَا مَا الْتَزَمَتْ لِمَوْلَاهَا بِاخْتِيَارِهَا لِعَجْزِ الْمُكَاتَبَةِ عَنْ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ فَلِهَذَا
стр. 6177
يَبْطُلُ هَذَا الصُّلْحُ عِنْدَ عَجْزِهَا، وَيَجْبُرُهَا عَلَى السِّعَايَةِ فِي الْقِيمَةِ لِإِسْلَامِهَا مَعَ إصْرَارِ مَوْلَاهَا عَلَى الْكُفْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[كِتَابُ الْحِيَلِ]
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ ﵀ إمْلَاءً اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كِتَابِ الْحِيَلِ أَنَّهُ مِنْ تَصْنِيفِ مُحَمَّدٍ ﵀ أَمْ لَا كَانَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيُّ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَيَقُولُ: مَنْ قَالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ﵀ صَنَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ الْحِيَلَ فَلَا تُصَدِّقْهُ، وَمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، فَإِنَّمَا جَمَعَهُ وَرَّاقُو بَغْدَادَ.
وَقَالَ: إنَّ الْجُهَّالَ يَنْسُبُونَ عُلَمَاءَنَا ﵏ إلَى ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْيِيرِ، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِمُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ سَمَّى شَيْئًا مِنْ تَصَانِيفِهِ بِهَذَا الِاسْمِ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَوْنًا لِلْجُهَّالِ عَلَى مَا يَتَقَوَّلُونَ وَأَمَّا أَبُو حَفْصٍ ﵀ كَانَ يَقُولُ: هُوَ مِنْ تَصْنِيفِ مُحَمَّدٍ ﵀، وَكَانَ يَرْوِي عَنْهُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فَإِنَّ الْحِيَلَ فِي الْأَحْكَامِ الْمُخْرِجَةِ عَنْ الْإِمَامِ جَائِزَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَعَسِّفِينَ لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ تَأَمُّلِهِمْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ مِنْ الْكِتَابِ - قَوْله تَعَالَى - ﴿: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] هَذَا تَعْلِيمُ الْمَخْرَجِ لِأَيُّوبَ ﵇ عَنْ يَمِينِهِ الَّتِي حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ زَوْجَتَهُ مِائَةً، فَإِنَّهُ حِينَ قَالَتْ: لَهُ لَوْ ذَبَحْتَ عَنَاقًا بِاسْمِ الشَّيْطَانِ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ أَوْرَدَهَا أَهْلُ التَّفْسِيرِ ﵏ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجِهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠] إلَى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] وَذَلِكَ مِنْهُ حِيلَةٌ، وَكَانَ هَذَا حِيلَةً لِإِمْسَاكِ أَخِيهِ عِنْدَهُ حِينَئِذٍ لِيُوقِفَ إخْوَتَهُ عَلَى مَقْصُودِهِ.
وَقَالَ ﷻ حِكَايَةً عَنْ مُوسَى ﵇ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩]، وَلَمْ يَقُلْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ سَلَامَتَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ مَخْرَجٌ صَحِيحٌ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ لِعُرْوَةِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي شَأْنِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَلَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁ فِي ذَلِكَ قَالَ ﵇ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ»، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ اكْتِسَابُ حِيلَةٍ وَمَخْرَجٍ مِنْ الْإِثْمِ بِتَقْيِيدِ الْكَلَامِ بِلَعَلَّ «وَلَمَّا أَتَاهُ رَجُلٌ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ ثَلَاثًا أَنْ لَا يُكَلِّمَ أَخَاهُ قَالَ لَهُ: طَلِّقْهَا وَاحِدَةً، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَكَلِّمْ أَخَاكَ ثُمَّ تَزَوَّجْهَا».
وَهَذَا تَعْلِيمُ الْحِيلَةِ وَالْآثَارُ فِيهِ كَثِيرَةٌ، مَنْ تَأَمَّلَ أَحْكَامَ الشَّرْعِ وَجَدَ الْمُعَامَلَاتِ كُلَّهَا
стр. 6178
بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ امْرَأَةً إذَا سَأَلَ فَقَالَ: مَا الْحِيلَةُ لِي حَتَّى أَصِلَ إلَيْهَا؟ يُقَالُ لَهُ تَزَوَّجْهَا، وَإِذَا هَوِيَ جَارِيَةً فَقَالَ: مَا الْحِيلَةُ لِي حَتَّى أَصِلَ إلَيْهَا؟ يُقَالُ لَهُ: اشْتَرِهَا، وَإِذَا كَرِهَ صُحْبَةَ امْرَأَتِهِ فَقَالَ: مَا الْحِيلَةُ لِي فِي التَّخَلُّصِ مِنْهَا قِيلَ لَهُ طَلِّقْهَا.
وَبَعْدَ مَا طَلَّقَهَا إذَا نَدِمَ وَسَأَلَ الْحِيلَةَ فِي ذَلِكَ قِيلَ لَهُ رَاجِعْهَا؟ وَبَعْدَ مَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا إذَا تَابَتْ مِنْ سُوءِ خُلُقِهَا وَطَلَبَا حِيلَةَ قِيلَ لَهُمَا الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ، وَيَدْخُلَ بِهَا فَمَنْ كَرِهَ الْحِيَلَ فِي الْأَحْكَامِ، فَإِنَّمَا يَكْرَهُ فِي الْحَقِيقَةِ أَحْكَامَ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ مِثْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ قِلَّةِ التَّأَمُّلِ.
فَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَا يَتَخَلَّصُ بِهِ الرَّجُلُ مِنْ الْحَرَامِ أَوْ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْحَلَالِ مِنْ الْحِيَلِ فَهُوَ حَسَنٌ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ أَنْ يَحْتَالَ فِي حَقٍّ لِرَجُلٍ حَتَّى يُبْطِلَهُ أَوْ فِي بَاطِلٍ حَتَّى يُمَوِّهَهُ أَوْ فِي حَقٍّ حَتَّى يُدْخِلَ فِيهِ شُبْهَةً فَمَا كَانَ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَمَا كَانَ عَلَى السَّبِيلِ الَّذِي قُلْنَا أَوَّلًا فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فَفِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ مَعْنَى التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَفِي النَّوْعِ الثَّانِي مَعْنَى التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: بَدَأَ الْكِتَابُ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَقَالَ ﵇ لِلسَّائِلِ لَا أَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى أُخْبِرَكَ بِهَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا أَخْرَجَ إحْدَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْمَسْجِدِ أَخْبَرَهُ بِالْآيَةِ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَ الرِّجْلَ الْأُخْرَى» فَأَهْلُ الْحَدِيثِ ﵏ يَرْوُونَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ فَإِنَّهُمْ يَرْوُونَ «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ إذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعَاهُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ جَاءَ فَقَالَ ﵇ مَا مَنَعَك أَنْ تُجِيبَنِي إذْ دَعَوْتُك أَمَا تَدْرِي قَوْلَ اللَّهِ - تَعَالَى - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] قَالَ: كُنْت فِي الصَّلَاةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْك السَّلَامُ، فَقَالَ ﵇ أَلَا أُنَبِّئُك بِسُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ مِثْلُهَا فَقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ ﵇ لَا أَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى أُخْبِرَك بِهَا ثُمَّ شَغَلَهُ وَفْدٌ عَنِّي فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْرُجَ جَعَلْت أَمْشِي مَعَهُ، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: لَعَلَّهُ نَسِيَ يَمِينَهُ فَلَمَّا أَخْرَجَ إحْدَى رِجْلَيْهِ فَقُلْت: السُّورَةُ الَّتِي وَعَدْتَنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ﵇ مَاذَا تَقْرَأُ فِي صَلَاتِك قُلْت: أُمَّ الْقُرْآنِ قَالَ ﵇ نَعَمْ إنَّهَا هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيت لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ مِثْلُهَا».
وَفَائِدَةُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﵇ أَخْبَرَهُ بَعْدَ إخْرَاجِ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ خُلْفِ الْوَعْدِ فَإِنَّ الْوَعْدَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ -
стр. 6179
كَالْعَهْدِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْحِنْثِ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ لَعَلَّهُ نَسِيَ يَمِينَهُ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ كَانَ حَلَفَ لَهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ خَارِجًا بِإِخْرَاجِ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ، وَلَا دَاخِلًا بِإِدْخَالِ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏: مَنْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الدَّارِ فَأَخْرَجَتْ إحْدَى رِجْلَيْهَا لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْخُرُوجَ انْتِقَالٌ مِنْ الدَّاخِلِ إلَى الْخَارِجِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِخْرَاجِ الْقَدَمَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا وُجُوهَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ ثُمَّ مُرَادُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ تَفْضِيلِ آيَةٍ أَوْ سُورَةٍ عَلَى غَيْرِهَا هُوَ الثَّوَابُ عِنْدَ التِّلَاوَةِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَلَامُ اللَّهِ - تَعَالَى - غَيْرُ مُحْدَثٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَ السُّوَرِ وَالْآيِ فِي هَذَا وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْقَارِئَ يَنَالُ الثَّوَابَ عَلَى قِرَاءَةِ سُورَةٍ مَا لَا يَنَالُهُ عَلَى قِرَاءَةِ سُورَةٍ أُخْرَى بَيَانُهُ أَنَّهُ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ يَسْتَحِقُّ مِنْ الثَّوَابِ مَا لَا يَسْتَحِقُّ بِقِرَاءَةِ تَبَّتْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِي قِرَاءَةِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالْإِقْرَارُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَفِي قِرَاءَةِ سُورَةِ تَبَّتْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهَا مَا بَيَّنَّا مِنْ الْمَعَانِي الْأُخْرَى، وَمَا نُقِلَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْآثَارِ مِنْ نَحْوِ مَا رُوِيَ أَنَّ «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَكَأَنَّمَا خَتَمَ الْقُرْآنَ، وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَافِرُونَ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ رُبُعَ الْقُرْآنِ» تَأْوِيلُهُ مَا بَيَّنَّا وَأَيَّدَ مَا قُلْنَا: اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ ﵏ عَلَى تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ لِلْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَاجِبًا وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ فَرْضًا.
وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ مَا يُغْنِي الْمُسْلِمَ عَنْ الْكَذِبِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَعَارِيضِ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْكَذِبِ فَإِنَّ الْكَذِبَ حَرَامٌ لَا رُخْصَةَ فِيهِ، وَاَلَّذِي يَرْوِي حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْكَذِبِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي الرَّجُلِ يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَالرَّجُلِ يَكْذِبُ لِامْرَأَتِهِ وَالْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ» تَأْوِيلُهُ فِي اسْتِعْمَالِ مَعَارِيضِ الرِّجَالِ الْكَلَامَ فَإِنَّ صَرِيحَ الْكَذِبِ لَا يَحِلُّ هُنَا كَمَا لَا يَحِلُّ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ.
وَاَلَّذِي يُرْوَى أَنَّ الْخَلِيلَ ﵇ كَذَبَ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ إنْ صَحَّ، فَتَأْوِيلُ هَذَا: أَنَّهُ ذَكَرَ كَلَامًا عَرَّضَ فِيهِ مَا خَفِيَ عَنْ السَّامِعِ مُرَادُهُ، وَأَضْمَرَ فِي قَلْبِهِ خِلَافَ مَا أَظْهَرَهُ فَأَمَّا الْكَذِبُ الْمَحْضُ مِنْ جُمْلَةِ الْكَبَائِرِ، وَالْأَنْبِيَاءُ ﵈ كَانُوا مَعْصُومِينَ عَنْ ذَلِكَ وَمَنْ جَوَّزَ عَلَيْهِمْ الْكَذِبَ فَقَدْ أَبْطَلَ الشَّرَائِعَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِمْ، وَإِذَا جَازَ عَلَيْهِمْ الْكَذِبُ فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ جَازَ فِي جَمِيعِ مَا أَخْبَرُوا بِهِ.
وَبُطْلَانُ هَذَا الْقَوْلِ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ اسْتِعْمَالُ الْمَعَارِيضِ، وَقَالَ
стр. 6180
ابْنُ عَبَّاسٍ مَا يَسُرُّنِي بِمَعَارِيضِ الْكَلَامِ حُمْرُ النَّعَمِ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ أَنَّ بِمَعَارِيضِ الْكَلَامِ يَتَخَلَّصُ الْمَرْءُ مِنْ الْإِثْمِ، وَيَحْصُلُ مَقْصُودُهُ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ الْمَعَارِيضِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] الْآيَةَ فَقَدْ جَوَّزَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْمَعَارِيضَ، وَنَهَى عَنْ التَّصْرِيحِ بِالْخِطْبَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥].
ثُمَّ بَيَانُ اسْتِعْمَالِ الْمَعَارِيضِ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَيِّدَ الْمُتَكَلِّمُ كَلَامَهُ بِلَعَلَّ وَعَسَى كَمَا قَالَ ﵇ «فَلَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ»، وَلَمْ يَكُنْ أَمَرَ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذِبًا مِنْهُ لِتَقْيِيدِ كَلَامِهِ بِلَعَلَّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُضْمِرُ فِي لَفْظِهِ مَعْنًى سِوَى مَا يُظْهِرُهُ وَيَفْهَمُهُ السَّامِعُ مِنْ كَلَامِهِ، وَبَيَانُهُ فِيمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِتِلْكَ الْعَجُوزِ: إنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا الْعَجَائِزُ فَجَعَلَتْ تَبْكِي فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُونَ» أَخْبَرَهَا بِلَفْظٍ أَضْمَرَ فِيهِ سِوَى مَا فَهِمَتْ مِنْ كَلَامِهِ فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ ﵁ قَالَ خَطَبَ عَلِيٌّ ﵁ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا قَتَلْت عُثْمَانَ وَلَا كَرِهْت قَتْلَهُ، وَمَا أَمَرْت وَلَا نَهَيْت فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ فَقَالَ لَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلًا فَلَمَّا كَانَ فِي مَقَامٍ آخَرَ فَقَالَ مَنْ كَانَ سَائِلِي عَنْ قَتْلِ عُثْمَانَ ﵁ فَاَللَّهُ قَتَلَهُ، وَأَنَا مَعَهُ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ﵀ هَذِهِ كَلِمَةٌ قُرَشِيَّةٌ ذَاتُ وُجُوهٍ أَمَّا قَوْلُهُ مَا قَتَلْتُ عُثْمَانَ ﵁ فَهُوَ صِدْقٌ حَقِيقَةً وَلَا كَرِهْت قَتْلَهُ أَيْ كَانَ قَتْلُهُ بِقَضَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَنَالَ دَرَجَةَ الشَّهَادَةِ فَمَا كَرِهْت لَهُ هَذِهِ الدَّرَجَةَ، وَمَا كَرِهْت قَضَاءَ اللَّهِ وَقَدَرَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَاَللَّهُ قَتَلَهُ وَأَنَا مَعَهُ مَقْتُولٌ أُقْتَلُ كَمَا قُتِلَ عُثْمَانُ ﵁ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ يُسْتَشْهَدُ بِقَوْلِهِ «وَإِنَّ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مَنْ خَضَّبَ بِدَمِك هَذِهِ مِنْ هَذِهِ وَأَشَارَ إلَى عُنُقِهِ وَلِحْيَتِهِ».
وَقَدْ كَانَ عَلِيٌّ ﵁ اُبْتُلِيَ بِصُحْبَةِ قَوْمٍ عَلَى هِمَمٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَقَدْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ الْمُوَجَّهِ، وَمِنْهُ مَا يُرْوَى عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا قَتَلَ الزَّنَادِقَةَ نَظَرَ إلَى الْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ بَيْتَهُ فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَدَخَلْت عَلَيْهِ فَقُلْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَاذَا فَنِيَتْ بِهِ الشِّيعَةُ مُنْذُ الْيَوْمِ أَرَأَيْت نَظَرَك إلَى الْأَرْضِ ثُمَّ رَفْعَك إلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَوْلَك صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَشَيْءٌ عَهِدَ إلَيْك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْ شَيْءٌ رَأَيْته فَقَالَ عَلِيٌّ هَلْ عَلَيَّ مِنْ بَأْسٍ أَنْ أَنْظُرَ إلَى الْأَرْضِ فَقُلْت لَا فَقَالَ وَهَلْ عَلَيَّ مِنْ بَأْسٍ أَنْ أَنْظُرَ إلَى السَّمَاءِ فَقُلْت لَا فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ مِنْ بَأْسٍ أَنْ أَقُولَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَقُلْت لَا فَقَالَ فَإِنِّي رَجُلٌ مُكَابِدٌ، وَإِنَّمَا أَشَارَ إلَى
стр. 6181
الْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى مَا يُضْمِرُهُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ يَضَعُ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ وَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ مُوَجَّهٍ لِذَلِكَ.
وَمِنْهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ إذَا دَخَلَهُ رِيبَةٌ مِنْ كُلِّ فَرِيقٍ جَعَلَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ وَيَقُولُ: مَا كَذَبْت وَلَا كِدْت يُوهِمُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَهُ بِحَالِهِمْ فَيُظْهِرُونَ لَهُ مَا فِي بَاطِنِهِمْ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَغْسِلُ شَعْرِي حَتَّى أَفْتَحَ مِصْرَ وَأَتْرُكَ الْبَصْرَةَ كَجَوْفِ حِمَارٍ مَيِّتٍ وَأَعْرُكَ أُذُنَ عَمَّارٍ عَرْكَ الْأَدِيمِ، وَأَسُوقَ الْعَرَبَ بِعَصَايَ فَذَكَرُوا لِابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ ذَلِكَ فَقَالَ إنَّ عَلِيًّا يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ لَا يَصْدُرُ، وَهَا غُرَّةُ هَامَتِهِ عَلَى مِثْلِ الطَّشْتِ لَا شَعْرَ عَلَيْهَا، فَأَيُّ شَعْرٍ يَغْسِلُهُ بِهَذِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْكِبَارَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ مَعَارِيضَ الْكَلَامِ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ ﵏ عَلَى مَا حُكِيَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ كُنْت عِنْدَ إبْرَاهِيمَ ﵀ وَامْرَأَتُهُ تُعَاتِبُهُ فِي جَارِيَتِهِ وَبِيَدِهِ مِرْوَحَةٌ فَقَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنَّهَا لَهَا فَلَمَّا خَرَجْنَا قَالَ عَلَى مَاذَا شَهِدْتُمْ قُلْنَا شَهِدْنَا عَلَى أَنَّكَ جَعَلْتَ الْجَارِيَةَ لَهَا فَقَالَ: أَمَا رَأَيْتُمُونِي أُشِيرُ إلَى الْمِرْوَحَةِ إنَّمَا قُلْت لَكُمْ اشْهَدُوا أَنَّهَا لَهَا، وَأَنَا أَعْنِي الْمِرْوَحَةَ الَّتِي كُنْت أُشِيرُ إلَيْهَا وَكَانُوا يُعَلِّمُونَ غَيْرَهُمْ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵀ فِي رَجُلٍ أَخَذَهُ رَجُلٌ فَقَالَ إنَّ لِي مَعَك حَقًّا قَالَ لَا فَقَالَ احْلِفْ لِي بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَقَالَ: احْلِفْ وَاعْنِ مَسْجِدَ حَيِّك، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ هَذَا عَلَى أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵀ عَلِمَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مُبْطِلٌ، وَإِنَّمَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَرِيءٌ فَعَلَّمَهُ الْحِيلَةَ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ - تَعَالَى - يَعْنِي مَسْجِدَ حَيِّهِ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا بُيُوتُ اللَّهِ - تَعَالَى - أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ قَالَ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨].
وَلَكِنْ فِيهِ بَعْضُ الشُّبْهَةِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الرَّجُلُ بَرِيئًا عَنْ الْحَقِّ مَا كَانَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَوْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ النِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَرِيئًا مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ الْحَقَّ وَلَا كَانَ يَحِلُّ لِإِبْرَاهِيمَ أَنْ يُعَلِّمَهُ هَذَا لِيَمْنَعَ بِهِ الْحَقَّ، وَمَا كَانَ يَنْفَعُهُ هَذِهِ النِّيَّةُ فَإِنَّ الْحَالِفَ إنْ كَانَ ظَالِمًا فَالْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ مَنْ يَسْتَحْلِفُهُ لَا عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ، وَلَا يُعْتَبَرُ بِنِيَّتِهِ عَلَى مَا بَيَّنْته فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ الشُّبْهَةِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ ﵀ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ إنَّ فُلَانًا أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ مَكَانَ كَذَا وَأَنَا لَا أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَكَيْفَ الْحِيلَةُ لِي؟ فَقَالَ: قُلْ وَاَللَّهِ لَا أُبْصِرُ إلَّا مَا بَصَّرَنِي بِهِ غَيْرِي، وَفِي رِوَايَةٍ إلَّا مَا سَدَّدَ لِي غَيْرِي يَعْنِي إلَّا مَا بَصَّرَك رَبُّك فَيَقَعُ عِنْدَ السَّامِعِ أَنَّ فِي بَصَرِهِ ضَعْفًا يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَطْلُبُ مِنْهُ فَلَا يَسْتَوْجِسُ بِامْتِنَاعِهِ، وَهُوَ يُضْمِرُ فِي نَفْسِهِ مَعْنًى صَحِيحًا فَلَا تَكُونُ يَمِينُهُ كَاذِبَةً.
وَبَيَانُهُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ
стр. 6182
اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ مُوَابَأَةُ النَّاسِ فِيمَا لَا يَأْثَمُ بِهِ» وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَاهِلَةَ عَيُونًا فَرَأَى بَغْلَةً لِشُرَيْحٍ ﵀ فَأَعْجَبَتْهُ فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ أَمَا إنَّهَا إذَا رَبَضَتْ لَمْ تَقُمْ حَتَّى تُقَامَ أَيْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُقِيمُهَا بِقُدْرَتِهِ، وَقَالَ الرَّجُلُ: أُفٍّ أُفٍّ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَمَّا أَبْصَرَ الْبَغْلَةَ فَأَعْجَبَتْهُ رَبَضَتْ مِنْ سَاعَتِهَا فَقَالَ شُرَيْحٌ مَا قَالَ فَلَمَّا قَالَ الرَّجُلُ: أُفٍّ أُفٍّ قَامَتْ.
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، وَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَيْنِ السُّوءِ»، وَمِنْهُ يُقَالُ إنَّ الْعَيْنَ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ فَأَرَادَ شُرَيْحٌ أَنْ يَرُدَّ عَيْنَهُ بِأَنْ يُحَقِّرَهَا فِي عَيْنِهِ، وَقَالَ مَا قَالَ وَأَضْمَرَ فِيهِ مَعْنًى صَحِيحًا، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يُقِيمُهَا بِقُدْرَتِهِ وَذُكِرَ عَنْ النَّزَّالِ بْنِ سِيدَةَ قَالَ جَعَلَ حُذَيْفَةُ يَحْلِفُ لِعُثْمَانَ ﵄ عَلَى أَشْيَاءَ بِاَللَّهِ مَا قَالَهَا، وَقَدْ سَمِعْنَاهُ يَقُولُهَا، فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْنَاك تَحْلِفُ لِعُثْمَانَ عَلَى أَشْيَاءَ مَا قُلْتهَا، وَقَدْ سَمِعْنَاك قُلْتهَا فَقَالَ: إنِّي أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مَخَافَةَ أَنْ يَذْهَبَ كُلُّهُ وَإِنَّ حُذَيْفَةَ ﵁ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُثْمَانَ ﵁ بَعْضُ الْمُدَارَاةِ فَكَانَ يَسْتَعْمِلُ مَعَارِيضَ الْكَلَامِ فِيمَا يُخْبِرُهُ بِهِ وَيَحْلِفُ لَهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَشْكَلَ عَلَى السَّامِعِ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنِّي أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ يَعْنِي أَسْتَعْمِلُ مَعَارِيضَ الْكَلَامِ عَلَى سَبِيلِ الْمُدَارَاةِ أَوْ كَأَنَّهُ كَانَ يَحْلِفُ مَا قَالَهَا، وَيَعْنِي مَا قَالَهَا فِي هَذَا الْمَكَانِ أَوْ فِي شَهْرِ كَذَا أَوْ يَعْنِي الَّذِي فَإِنَّ مَا قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الَّذِي فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ الْمَعَارِيضِ وَبَيَانُهُ فِيمَا ذُكِرَ عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵀ قَالَ لِي رَجُلٌ: إنِّي أَنَالُ مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا فَيَبْلُغُهُ عَنِّي فَكَيْفَ أَعْتَذِرُ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ إبْرَاهِيمُ وَاَللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَيَعْلَمُ مَا قُلْت لَك مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ أَيْ أَضْمِرْ فِي قَلْبِك الَّذِي مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ لَيَعْلَمُ الَّذِي قُلْت لَك مِنْ حَقِّك مِنْ شَيْءٍ.
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ غَرَّارٍ ﵀ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي إبْرَاهِيمَ ﵀، وَهُوَ خَائِفٌ مِنْ الْحَجَّاجِ فَكُنَّا إذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ يَقُولُ لَنَا: إنْ سُئِلْتُمْ عَنِّي وَحَلَفْتُمْ فَاحْلِفُوا بِاَللَّهِ مَا تَدْرُونَ أَيْنَ أَنَا وَلَا لَكُمْ عِلْمٌ بِمَكَانِي وَلَا فِي أَيْ مَوْضِعٍ أَنَا وَاعْنُوا أَنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيْ مَوْضِعٍ أَنَا فِيهِ قَاعِدٌ أَوْ قَائِمٌ فَتَكُونُونَ قَدْ صَدَقْتُمْ وَأَتَاهُ رَجُلٌ فِي الدِّيوَانِ فَقَالَ إنِّي اعْتَرَضْت عَلَى دَابَّةٍ، وَقَدْ نَفَقَتْ وَهُمْ يُرِيدُونَ يُحَلِّفُونَنِي أَنَّهَا الدَّابَّةُ الَّتِي اعْتَرَضْت عَلَيْهَا فَكَيْفَ أَحْلِفُ فَقَالَ ارْكَبْ دَابَّةً وَاعْتَرِضْ عَلَيْهَا عَلَى بَطْنِك رَاكِبًا ثُمَّ احْلِفْ لَهُمْ أَنَّهَا الدَّابَّةُ الَّتِي اعْتَرَضْت عَلَيْهَا فَيَفْهَمُونَ الْغَرَضَ وَأَنْتَ تَعْنِي اعْتَرَضْت عَلَيْهَا عَلَى بَطْنِك وَيُحْكَى عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵀ أَنَّهُ كَانَ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَكِبَ رَشَادًا وَأَرَادَ فَرَسَ الْبُخْتِ وَقَالَ
стр. 6183
لِجَارِيَتِهِ قُولِي: إنَّ الشَّيْخَ قَدْ رَكِبَ وَرُبَّمَا يَقُولُ لَهَا: اضْرِبِي قَدَمَكِ عَلَى الْأَرْضِ وَقُولِي: لَيْسَ الشَّيْخُ هُنَا أَيْ تَحْتَ قَدَمِي.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَحْلِفَ بِاَللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا وَمُرَادُهُ بِهَذَا الْمُبَالَغَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يَقُولَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَقَالَ «﵇ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ» فَالْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ كَاذِبًا أَوْ صَادِقًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الرُّخْصَةَ فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ كَاذِبًا، فَإِنَّ الْكَذِبَ حَرَامٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَكِّدَهُ بِالْيَمِينِ فَكَيْفَ يُرَخِّصُ فِيهِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِالْيَمِينِ وَقَدْ أَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فِي خَبَرِهِ، فَهُوَ مُعَظِّمٌ اسْمَ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي حَلِفِهِ، وَيَرْوُونَ فِيهِ حَدِيثًا عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ حَلَفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَكَانَ كَاذِبًا فِي يَمِينِهِ فَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى نَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمَانِ أَنَّهُ غَفَرَ لَهُ ذَلِكَ بِتَوْحِيدِهِ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ.
وَذُكِرَ عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵀ قَالَ الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ إذَا كَانَ مَظْلُومًا، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَعَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ وَبِهِ نَأْخُذُ، وَيَقُولُ: الْمَظْلُومُ يَتَمَكَّنُ مِنْ دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ شَرْعًا فِي وَإِنَّمَا يَحْلِفُ لَهُ لِيَدْفَعَ الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ فَتُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ فِي ذَلِكَ، وَالظَّالِمُ مَأْمُورٌ شَرْعًا بِالْكَفِّ عَنْ الظُّلْمِ وَاتِّصَالِ الْحَقِّ إلَى الْمُسْتَحِقِّ فَلَا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ فِي الْيَمِينِ، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا كَانَ مُحِقًّا فَالْيَمِينُ مَشْرُوعَةٌ لِحَقِّهِ يَمْتَنِعُ الظَّالِمُ عَنْ الْيَمِينِ لِحَقِّهِ فَيَخْرُجُ مِنْ حَقِّهِ أَوْ يَهْلَكُ إنْ حَلَفَ كَاذِبًا كَمَا أَهْلَكَ حَقَّهُ فَيَكُونُ إهْلَاكًا بِمُقَابَلَةِ إهْلَاكٍ بِمَنْزِلَةِ الْقِصَاصِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ هَذَا إذَا اعْتَبَرْنَا نِيَّةَ الْمُسْتَحْلِفِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْحَالِفُ مَظْلُومًا فَالْيَمِينُ مَشْرُوعَةٌ لِحَقِّهِ، وَهَذَا رُجْحَانُ جَانِبِ الصِّدْقِ فِي حَقِّهِ، وَانْقِطَاعُ مُنَازَعَةِ الْمُدَّعِي مَعَهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ فَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْحَالِفِ فِي ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ فِي الْيَمِينِ عِلْمُهُ أَيْضًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ﵀ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَلَا يَسْتَثْنِي فَالْإِثْمُ وَالْبِرُّ فِيهِمَا عَلَى عِلْمِهِ يَعْنِي إذَا حَلَفَ، وَعِنْدَهُ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ لَمْ يَكُنْ آثِمًا فِي يَمِينِهِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ يَمِينِ اللَّغْوِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ ظَالِمًا حِينَ كَانَ لَا يَعْلَمُ خِلَافَ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَاعْتَبَرْنَا مَا عِنْدَهُ، وَإِذَا كَانَ يَعْلَمُ خِلَافَ ذَلِكَ فَهُوَ ظَالِمٌ فِي يَمِينِهِ فَيَكُونُ آثِمًا وَيُعْتَبَرُ فِيهِ نِيَّةُ مَا عِنْدِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْإِجَارَةِ]
(قَالَ ﵀) رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ مِنْ رَجُلٍ دَارًا سِنِينَ مَعْلُومَةً فَخَافَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يَغْدِرَ
стр. 6184
بِهِ رَبُّ الدَّارِ فَلْيُسَمِّ لِكُلِّ سَنَةٍ مِنْ هَذِهِ السِّنِينَ أَجْرًا أَوْ يَجْعَلْ لِلسَّنَةِ الْأَخِيرَةِ أَجْرًا كَثِيرًا وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ خَافَ أَنْ تُنْقَضَ الْإِجَارَةُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ بِمَوْتِ رَبِّ الدَّارِ أَوْ بِأَنْ يَلْحَقَهُ دَيْنٌ فَادِحٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُذْرِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ مَقْصُودُهُ إلَّا السُّكْنَى فِي آخِرِ الْمُدَّةِ فَالْحِيلَةُ مَا ذُكِرَ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْأَجْرَ لِلسِّنِينَ الْمُتَقَدِّمَةِ شَيْئًا قَلِيلًا حَتَّى إذَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ قَبْلَ حُصُولِ مَقْصُودِهِ لَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْأَجْرِ مَا يَتَضَرَّرُ بِهِ، وَيُمْنَعُ رَبُّ الدَّارِ مِنْ الْفَسْخِ لِلْعُذْرِ كَيْ لَا يَفُوتَهُ مُعْظَمُ الْأَجْرِ بِالسُّكْنَى فِي السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَجْعَلَ الْعَقْدَ فِي صَفْقَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَعَلَ الْكُلَّ صَفْقَةً وَاحِدَةً، وَفَرَّقَ التَّسْمِيَةَ فَرُبَّمَا يَذْهَبُ بَعْضُ الْقُضَاةِ إلَى رَأْيِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ﵀ وَيُوَزِّعُ الْمُسَمَّى عَلَى جَمِيعِ الْمُدَّةِ بِالْحِصَّةِ، فَلَا يُنْظَرُ إلَى تَفْرِيقِ التَّسْمِيَةِ مَعَ اتِّحَادِ الصَّفْقَةِ وَعِنْدَ اخْتِلَافِ الصَّفْقَةِ يَأْمَنُ مِنْ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الدَّارِ مِنْ مَرَمَّتِهَا، وَيَخَافُ أَنْ لَا يَرُدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ رَبُّ الدَّارِ إنْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مِقْدَارِ مَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَهُ فَيَضُمَّ ذَلِكَ إلَى أَجْرِ الدَّارِ فِي السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ وَيُقِرَّ رَبُّ الدَّارِ أَنِّي اسْتَسْلَفْت مِنْهُ هَذَا الْمِقْدَارَ مِنْ أَجْرِ السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ حَتَّى إذَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا أَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَسْلَفَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ خَافَ أَنْ يُحَلِّفَهُ رَبُّ الدَّارِ أَنَّهُ سَلَّمَ إلَيْهِ شَيْئًا كَمَا هُوَ رَأْيُ بَعْضِ الْقُضَاةِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ شَيْئًا بِذَلِكَ الْقَدْرِ حَتَّى إذَا حَلَفَ لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا فِي يَمِينِهِ، فَإِنْ كَانَ رَبُّ الدَّارِ هُوَ الَّذِي يَخَافُ أَنْ يُنْكِرَ الْمُسْتَأْجِرُ بَعْضَ السِّنِينَ، وَيُعْذَرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ يُفْسَخُ الْعَقْدُ بِعُذْرٍ فَالسَّبِيلُ أَنْ يَجْعَلَ أَكْثَرَ الْأُجْرَةِ لِلسَّنَةِ الْأُولَى حَتَّى لَا يَفْسَخَ الْمُسْتَأْجِرُ بَعْدَ مُضِيِّهَا الْعَقْدَ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ أَكْثَرُ الْأُجْرَةِ، وَإِنْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ صَاحِبُ الدَّارِ.
وَإِنْ خَافَ أَنْ يَغِيبَ الْمُسْتَأْجِرُ وَيَمْتَنِعَ أَهْلُهُ مِنْ رَدِّ الدَّارِ إلَيْهِ إذَا طَلَبَهُ لِوَقْتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَاجِرَهَا مِنْ أَهْلِهِ، وَيَضْمَنَ لَهُ الزَّوْجُ رَدَّهَا لِلْوَقْتِ الَّذِي يُسَمِّيهِ فَيُؤْخَذُ بِهِ حِينَئِذٍ عَلَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَجَرَهَا مِنْ الْأَهْلِ فَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَيْهِ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، وَيَصِيرُ الزَّوْجُ مُلْتَزِمًا رَدَّهَا بِالضَّمَانِ أَيْضًا فَيُطَالِبُهُ بِهِ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ قَالَ: وَفِي هَذَا بَعْضُ الشُّبْهَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ رَدُّ الدَّارِ إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَمْنَعَ الْآجِرَ إذَا جَاءَ لِيَأْخُذَهَا، وَمِثْلُ هَذَا لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ بِرَدِّ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمُودِعِ هَذَا وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ إنَّمَا تَصِحُّ بِمَا هُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْأَصِيلِ، وَالرَّدُّ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَكَيْفَ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ الزَّوْجُ أَنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ تَسْلِيمَ الدَّارِ إلَيْهِ فِي وَقْتِ كَذَا بِحَقٍّ لَازِمٍ صَحِيحٍ فَيَكُونُ مُؤَاخَذًا بِإِقْرَارِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا كَذِبٌ لَا رُخْصَةَ فِيهِ فَالْأَحْوَطُ
стр. 6185
أَنْ يَأْخُذَ الزَّوْجُ الدَّارَ مِنْهَا بَعْدَ رِضَاهَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِيلَاءِ لِيَصِيرَ بِهِ ضَامِنًا رَدَّ الدَّارِ عَلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ وَعَلَى مَالِكِ الدَّارِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ أَنْ يُقِرَّ بِذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ الشُّهُودِ، وَيَكُونُ لِرَبِّ الدَّارِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِتَسْلِيمِ الدَّارِ إلَيْهِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يُؤَاجِرَ الدَّارَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ إنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يُوَكِّلُ رَبَّ الدَّارِ فِي الْخُصُومَةِ مَعَ أَهْلِهِ لِاسْتِرْدَادِ الدَّارِ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ كُلَّمَا عَزَلَهُ فَهُوَ وَكِيلٌ بِهِ، فَإِذَا غَابَ الْمُسْتَأْجِرُ كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ أَهْلَ الْمُسْتَأْجِرِ بِرَدِّ الدَّارِ عَلَيْهِ بِحُكْمِ وَكَالَةِ الْمُسْتَأْجِرِ فِي وَقْتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ غَيْرَ مَلِيءٍ بِالْأَجْرِ فَيَنْبَغِي لِلْآجِرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِأَجْرِ الدَّارِ مَا سَكَنَهَا أَبَدًا أَوْ يُسَمَّى كُلُّ شَهْرِ لِلضَّامِنِ فَتَكُونُ هَذِهِ كَفَالَةً بِمَالٍ مَعْلُومٍ، وَهُوَ مُضَافٌ إلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ فَيَكُونُ صَحِيحًا، وَيَأْخُذُ الْكَفِيلُ بِهَا إذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْإِفْلَاسِ وَدَيْنِ الْأُجْرَةِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، فَكَمَا أَنَّ طَرِيقَ التَّوَثُّقِ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ الْكَفَالَةُ فَكَذَلِكَ فِي الْأُجْرَةِ.
رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ دَارًا لَا بِنَاءَ فِيهَا فَأَذِنَ لَهُ رَبُّ الدَّارِ أَنْ يَبْنِيَهَا وَيَحْسِبَ لَهُ رَبُّ الدَّارِ مَا أَنْفَقَ فِي الْبِنَاءِ مِنْ الْأَجْرِ، فَإِنْ بَيَّنَهُ وَبَيَّنَ كَذَا كَذَا دِرْهَمًا فَهُوَ جَائِزٌ قِيلَ: هَذَا الْجَوَابُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمَا، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ دَيْنٌ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ الْآلَاتِ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَا يُجَوِّزُ هَذِهِ الْوَكَالَةَ عَلَى مَا قَالَ فِي الْبُيُوعِ إذَا قَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ لِلْمَدْيُونِ: سَلِّمْ مَالِي عَلَيْك فِي كَذَا وَاشْتَرِ لِي بِمَالِي عَلَيْك عَبْدًا وَالْأَصَحُّ: أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالصَّرْفِ إلَى مَحَلٍّ مَعْلُومٍ، وَهُوَ بِنَاءُ الدَّارِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ فِي الْإِجَارَاتِ إذَا أَمَرَ صَاحِبُ الْحَمَّامِ الْمُسْتَأْجِرَ بِمَرَمَّةِ الْحَمَّامِ بِبَعْضِ الْأُجْرَةِ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ دَابَّةً وَغُلَامًا إلَى مَكَانِ مَعْلُومٍ وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُنْفِقَ بَعْضَ الْأُجْرَةِ فِي عَلَفِ الدَّابَّةِ وَنَفَقَةِ الْغُلَامِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فَهَذَا مِثْلُهُ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ مَا أَنْفَقَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَدَّعِي صَرْفَ الزِّيَادَةِ إلَى الْبِنَاءِ فِيمَا أَنْفَقَ، وَرَبُّ الدَّارِ يُنْكِرُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى تَسْلِيمَ ذَلِكَ إلَى رَبِّ الدَّارِ فَأَنْكَرَهُ رَبُّ الدَّارِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ رَبُّ الدَّارِ أَشْهَدَ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مُصَدَّقٌ فِيمَا يَقُولُ: إنَّهُ أَنْفَقَ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ أَشْهَدَ عَلَى مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ فَإِنَّ الْأَجْرَ دَيْنٌ مَضْمُونٌ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْأَمِينِ فِي الشَّرْعِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الضَّامِنِ، فَإِذَا شَهِدَ عَلَى تَصْدِيقِ الضَّامِنِ كَانَ الْإِشْهَادُ بَاطِلًا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّارِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ عِنْدَ الْإِجَارَةِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مُصَدَّقٌ فِيمَا يَدَّعِي إنْفَاقَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ لَمْ يُصَدَّقْ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَحَدَ أَنْ يَكُونَ بَنَى فِيهَا
стр. 6186
وَقَالَ دَفَعْتهَا إلَيْهِ، وَهَذَا الْبِنَاءُ فِيهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ اسْتِيفَاءَ شَيْءٍ مِنْ الْأَجْرِ وَالْبِنَاءُ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ فَاتِّفَاقُهُمَا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ مِلْكٌ لَهُ لَا مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَأْجِرِ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْبِنَاءَ لَهُ لَا مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَأْجِرِ أَيْضًا، فَإِذَا ادَّعَى الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَنَى هَذَا الْبِنَاءَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ مَا ادَّعَاهُ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يُصَدَّقَ فِي النَّفَقَةِ عَجَّلَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ النَّفَقَةِ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَبْضِهِ ثُمَّ يَدْفَعُهُ رَبُّ الدَّارِ إلَيْهِ، وَيُوَكِّلُهُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى دَارِهِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْتَأْجِرِ حِينَئِذٍ فِي نَفَقَةِ مِثْلِهِ، وَفِي هَذَا الْهَلَاكِ إذَا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّ بِالتَّعْجِيلِ مَلَكَ الْأَجْرَ الْمَقْبُوضَ وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْهُ ثُمَّ إذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ لِيُنْفِقَهُ فِي دَارِهِ كَانَ أَمِينًا فِي ذَلِكَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ فِي الْمُحْتَمَلِ مَعَ الْيَمِينِ كَالْمُودَعِ يَدَّعِي رَدَّ الْوَدِيعَةِ أَوْ هَلَاكَهَا إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا يُصَدَّقُ فِي نَفَقَةِ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا يُكَذِّبُهُ فِي ذَلِكَ الْمِقْدَارِ، وَفِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يُكَذِّبُهُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ كَالْوَصِيِّ يَدَّعِي الْإِنْفَاقَ عَلَى الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ يُصَدَّقُ فِي نَفَقَةِ مِثْلِهِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ.
وَإِذَا خَافَ رَبُّ الدَّارِ أَنْ يَتْبَعَهُ الْمُسْتَأْجِرُ فِي رَدِّ الدَّارِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَأَجَرَهَا مِنْهُ سَنَةً مِنْ يَوْمِهِ عَلَى أَنَّ أُجْرَتَهَا بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ تَكُونُ كُلَّ يَوْمٍ دِينَارًا فَيَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ يَكُونُ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبِلِ وَإِضَافَةُ الْإِجَارَةِ إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبِلِ صَحِيحٌ فَبَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ لَا يَمْتَنِعُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ رَدِّ الدَّارِ مَخَافَةَ أَنْ يَلْزَمَهُ كُلَّ يَوْمٍ دِينَارٌ، فَإِنْ قَالَ الْمُسْتَأْجِرُ: أَنَا لَا آمَنُ أَنْ يَغِيبَ رَبُّ الدَّارِ بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ فَلَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَرُدَّهَا عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُنِي كُلَّ يَوْمٍ دِينَارٌ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يَجْعَلَا بَيْنَهُمَا عَدْلًا وَيَسْتَأْجِرَ الْمُسْتَأْجِرُ الدَّارَ مِنْ الْعَدْلِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ حَتَّى إذَا مَضَتْ السَّنَةُ، وَتَغَيَّبَ رَبُّ الدَّارِ يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ رَدِّهَا عَلَى الْعَدْلِ فَلَا يَلْزَمُهُ الدِّينَارُ بِاعْتِبَارِ كُلِّ يَوْمٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا فَلُزُومُ الْعَقْدِ يَكُونُ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا تَمَّ الشَّهْرُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي يَهِلُّ فِيهَا الْهِلَالُ فَالْحِيلَةُ: أَنْ يُمْضِيَهُ قَبْلَ الْفَسْخِ لِيَلْزَمَ الْعَقْدُ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ الدَّاخِلِ، فَإِذَا خَافَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يَبْعَثَ الْأَجْرَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي يُهِلُّ فِيهَا الْهِلَالُ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَجْعَلَا بَيْنَهُمَا عَدْلًا حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ فَسْخِ الْإِجَارَةِ مَعَ الْعَدْلِ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ مَنْ يَقُولُ إذَا أَدَّى الْأَجْرَ فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، وَمِنْ عَزْمِهِ الْفَسْخُ عِنْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ فَسَخْت الْعَقْدَ بَيْنِي وَبَيْنَك، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْفَسْخِ بِالشَّرْطِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُ: فَسَخْت الْإِجَارَةَ بَيْنِي وَبَيْنَك رَأْسَ الشَّهْرِ فَتَكُونُ هَذِهِ
стр. 6187
إضَافَةَ الْفَسْخِ إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبِلِ، وَلَا تَكُونُ تَعْلِيقًا بِالشَّرْطِ، وَكَمَا تَصِحُّ إضَافَةُ الْإِجَارَةِ إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ إضَافَةُ الْفَسْخِ إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبِلِ، وَهَذَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ.
وَإِذَا اكْتَرَى الرَّجُلُ إبِلًا لِمَتَاعٍ لَهُ إلَى مِصْرَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَإِنْ قَصَرَ عَنْهَا إلَى الرَّمْلَةِ فَالْكِرَاءُ سَبْعُونَ دِينَارًا فَإِنَّ قَصَرَ عَنْ الرَّمْلَةِ إلَى أَذْرَعَاتٍ فَالْكِرَاءُ سِتُّونَ دِينَارًا فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ لِجَهَالَةِ مِقْدَارِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَجَهَالَةِ الْأَجْرِ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْعَقْدِ وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الْبَرَاءَةَ مِنْ بَعْضِ الْأَجْرِ بِالشَّرْطِ وَلَوْ عَلَّقَ الْبَرَاءَةَ مِنْ جَمِيعِ الْأَجْرِ بِشَرْطٍ فِيهِ حَظْرٌ لَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ فَكَذَلِكَ إذَا عَلَّقَ الْبَرَاءَةَ مِنْ بَعْضِ الْأَجْرِ، فَإِنْ حَمَلَهُ إلَى مِصْرَ فَفِي الْقِيَاسِ لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَجِبُ الْمِائَةُ الدِّينَارِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُفْسِدَ قَدْ زَالَ، وَهُوَ نَظِيرُ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَاتِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ أَوْ ثَوْبًا لِلُّبْسِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ يَرْكَبُ وَمَنْ يَلْبَسُ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا، وَلَوْ رَكِبَهَا أَوْ لَبِسَهُ حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ وَجَبَ الْمُسَمَّى اسْتِحْسَانًا لِانْعِدَامِ الْمُفْسِدِ، وَهُوَ الْجَهَالَةُ قَالَ: وَالْحِيلَةُ لَهُمَا فِي ذَلِكَ حَتَّى لَا يَفْسُدَ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا إلَى أَذْرَعَاتَ بِخَمْسِينَ دِينَارًا، وَيَسْتَأْجِرَ مِنْ أَذْرَعَاتَ إلَى الرَّمْلَةِ بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَيَسْتَأْجِرَ مِنْ الرَّمْلَةِ إلَى مِصْرَ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا، فَإِذَا بَلَغَ أَذْرَعَاتَ، فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ أَنْ لَا يَذْهَبَ إلَى الرَّمْلَةِ كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَى الرَّمْلَةِ فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْإِبِلِ أَنْ يَمْتَنِعَ، وَكَذَلِكَ مِنْ الرَّمْلَةِ إلَى مِصْرَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْإِبِلِ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْإِبِلِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَذْهَبَ بِنَفْسِهِ مَاشِيًا، وَإِنْ أَبَى فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ وَصَاحِبُ الْمَتَاعِ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَتَاعَهُ بِأَذْرَعَاتٍ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَى الرَّمْلَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ.
وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُؤَاجِرَ أَرْضًا لَهُ فِيهَا زَرْعٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا حِيلَةٌ إلَّا خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ أَنْ يَبِيعَهُ الزَّرْعَ ثُمَّ يُؤَاجِرَهُ الْأَرْضَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ جَوَازِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ، وَإِذَا بَاعَهُ الزَّرْعَ ثُمَّ أَجَرَ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يَرَى زَرْعَهُ فِيهَا، وَإِذَا لَمْ يَبِعْهُ الزَّرْعَ لَا يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَهِيَ مَشْغُولَةٌ بِزَرْعِ الْآخَرِ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّسْلِيمُ إلَّا بِقَلْعِ زَرْعِهِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ عَلَيْهِ؛ فَلِهَذَا كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ فِي الْأَرْضِ أَشْجَارٌ أَوْ بِنَاءٌ فَأَرَادَ أَنْ يُؤَاجِرَهَا مِنْهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْأَشْجَارَ وَالْبِنَاءَ مِنْهُ أَوَّلًا ثُمَّ يُؤَاجِرَهُ الْأَرْضَ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّهُ يَبِيعُ الْأَشْجَارَ
стр. 6188
بِطَرِيقِهَا إلَى بَابِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَابٌ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ طَرِيقًا مَعْلُومًا لَهَا مِنْ جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ الْأَرْضِ حَتَّى يَصِحَّ الشِّرَاءُ ثُمَّ يُؤَاجِرَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِجَارَةِ تَنْبَنِي عَلَى صِحَّةِ الشِّرَاءِ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الطَّرِيقَ فِي الشِّرَاءِ فَسَدَ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَوْ قَبَضَهَا كَانَ الرَّدُّ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ مَا لَمْ يَكُنْ الشِّرَاءُ صَحِيحًا فَشَرَطَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الطَّرِيقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْوَكَالَةِ]
(قَالَ ﵁) رَجُلٌ وَكَّلَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً لَهُ بِعَيْنِهَا بِكَذَا دِرْهَمًا فَلَمَّا رَآهَا الْوَكِيلُ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ، فَإِنْ اشْتَرَاهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ، أَوْ أَقَلَّ فَهُوَ مُشْتَرٍ لِلْآمِرِ، وَإِنْ نَوَى الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ، أَوْ صَرَّحَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَثِلٌ أَمْرَ الْمُوَكِّلِ فِيمَا بَاشَرَهُ مِنْ الْعَقْدِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ عَزْلَ نَفْسِهِ فِي مُوَافَقَةِ أَمْرِ الْآمِرِ، فَيَكُونُ مُشْتَرِيًا لِلْآمِرِ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى لَهُ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ اشْتَرَاهَا بِدَنَانِيرَ كَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَ الْآمِرِ فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَعْدَ قَبُولِ الْوَكَالَةِ تَامُّ الْوِلَايَةِ فِي تَصَرُّفِهِ فَيَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ لِمَا تَعَذَّرَ تَنْفِيذُهُ عَلَى الْآمِرِ، وَلَا يَكُونُ آثِمًا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْوَكَالَةِ لَا يُلْزِمُهُ الشِّرَاءَ لِلْآمِرِ لَا مَحَالَةَ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْوَكَالَةَ، وَأَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الشِّرَاءِ أَصْلًا، وَلَا يَكُونُ آثِمًا فِي اكْتِسَابِهِ هَذِهِ الْحِيلَةَ لِيَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ، وَلَا يُقَالُ: إذَا اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى لَهُ فَفِي حِصَّةِ مَا سَمَّى لَهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرِيًا لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِشِرَاءِ جَمِيعِهَا بِالْمُسَمَّى مِنْ الثَّمَنِ لَا بِشِرَاءِ بَعْضِهَا وَلِأَنَّ الْوَكِيلَ بِشِرَاءِ الْجَارِيَةِ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَ نِصْفَهَا لِلْآمِرِ، فَإِنَّ مَقْصُودَ الْأَمْرِ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لَهُ، وَلَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا، فَإِنْ اشْتَرَاهَا بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَهُوَ لِلْآمِرِ، وَإِنْ نَوَاهَا لِنَفْسِهِ أَوْ اشْتَرَاهَا بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ أَوْ بِعَرْضٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ مُشْتَرٍ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ يَنْصَرِفُ إلَى الشِّرَاءِ بِالنَّقْدِ فَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالشِّرَاءِ فَكَأَنَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ، فَإِنْ أَمَرَ الْوَكِيلُ رَجُلًا آخَرَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِلْوَكِيلِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ اشْتَرَاهَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ كَانَ مُشْتَرِيًا لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْوَكِيلِ الثَّانِي بِمَحْضَرٍ مِنْ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ كَفِعْلِ الْأَوَّلِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ بِمُطْلَقِ التَّوْكِيلِ يَنْفُذُ هَذَا التَّصَرُّفُ عَلَى الْآمِرِ، فَإِنْ اشْتَرَاهَا بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ
стр. 6189
غَيْرَهُ لِيَشْتَرِيَهَا بِمَحْضَرٍ مِنْهُ، وَإِذَا فَعَلَ لَا يَنْفُذُ شِرَاؤُهُ عَلَى الْآمِرِ فَيَكُونُ مُخَالِفًا أَمْرَ الْمُوَكِّلِ فِي هَذَا الْعَقْدِ عَلَيْهِ خَاصَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ الْأَوَّلُ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِيهَا بِرَأْيِكَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ شِرَاءُ الْوَكِيلِ الْآخَرِ لِلْآمِرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَثِلٌ أَمْرَ الْآمِرِ فِي هَذَا التَّوْكِيلِ فَإِنَّهُ مَتَى فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى رَأْيِ الْوَكِيلِ عَلَى الْعُمُومِ يَمْلِكُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ بِهِ، وَيَكُونُ فِعْلُ الْوَكِيلِ الثَّانِي كَفِعْلِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ، فَيَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ إذَا اشْتَرَاهَا بِالنَّقْدِ.
وَلَوْ كَانَ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ جَارِيَةٍ بِعَيْنِهَا فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا لِنَفْسِهِ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْمُوَكِّلِ تَفْوِيضَ الْآمِرِ إلَى رَأْيِهِ فِي بَيْعِهَا عَلَى الْعُمُومِ وَيَقُولُ لَهُ: مَا صَنَعْت فِي ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَكَّلَ الْوَكِيلُ رَجُلًا آخَرَ يَبِيعُهَا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَكِيلِ فَيَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ لَيْسَ الْوَكِيلَ الْأَوَّلَ وَلَكِنَّهُ وَكِيلُ صَاحِبِ الْجَارِيَةِ فَقَدْ قَالَ لَهُ صَاحِبُهَا: مَا صَنَعْت مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَالتَّوْكِيلُ مِنْ صَنِيعِهِ فَيَصِيرُ الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ صَاحِبُ الْجَارِيَةِ بِبَيْعِهَا فَيَنْفُذُ بَيْعُهُ إيَّاهَا مِنْ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ أَبَى صَاحِبُ الْجَارِيَةِ أَنْ يُفَوِّضَ الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ عَلَى الْعُمُومِ فَالسَّبِيلُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ ثُمَّ يَسْتَقِيلَهُ الْعَقْدَ فَتَنْفُذَ الْإِقَالَةُ عَلَى الْوَكِيلِ خَاصَّةً أَوْ يَطْلُبَ مِنْ الْمُشْتَرِي أَنْ يُوَلِّيَهُ الْعَقْدَ فِيهَا أَوْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ ابْتِدَاءً وَلَا يَأْثَمُ بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ لَا يَدَعَ الِاسْتِقْصَاءَ فِي ثَمَنِهَا فِي الْبَيْعِ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا قَدْ ائْتَمَنَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ كَمَا قَالَ ﵇ «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ فِي أَنْ لَا يَدَعَ الِاسْتِقْصَاءَ فِي ثَمَنِهَا.
فَلَوْ اشْتَرَاهَا الْوَكِيلُ لِلْآمِرِ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ وَقَبَضَهَا ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى الْآمِرِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ رَدِّهَا بِكَوْنِهَا فِي يَدِهِ وَالْوَكِيلُ بِالْعَقْدِ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا رَدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي انْفَسَخَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ مِنْ الْأَصْلِ وَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَقَدْ بَقِيَ هُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ مَا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الْآمِرِ فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَاشْتَرَاهَا، وَهُوَ عَالِمٌ بِعَيْبِهَا لَمْ يَكُنْ الشِّرَاءُ إلَّا لِلْآمِرِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى وَكَالَتِهِ مَا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الْآمِرِ إلَّا أَنَّهُ عَالِمٌ بِعَيْبِهَا، وَهُوَ فِي الِابْتِدَاءِ لَوْ عَلِمَ بِعَيْبِهَا، وَاشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ كَانَ الشِّرَاءُ لِلْآمِرِ فَكَذَلِكَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ.
وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَكُونُ خَصْمًا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ ذَلِكَ فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ لِيَبِيعَهُ بِحَضْرَتِهِ فَيَنْفُذَ ذَلِكَ عَلَى الْآمِرِ عِنْدَنَا، وَخُصُومَةُ الْمُشْتَرِي فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَا تَكُونُ مَعَ الْوَكِيلِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ مَعَ عَاقِدِهِ، فَإِنْ أَبَى الْمُشْتَرِي إلَّا بِأَنْ يَضْمَنَ
стр. 6190
الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ الدَّرْكَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتَحَرَّزَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ الدَّرْكِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا وَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا فَلَا خُصُومَةَ لَهُ بِالْعَيْبِ مَعَ الضَّامِنِ لِلدَّرْكِ، وَإِذَا رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الضَّامِنِ لِلدَّرْكِ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ لَيْسَ يُدْرَكُ.
وَإِذَا خَلَعَ الْأَبُ ابْنَتَهُ مِنْ زَوْجِهَا بِمَالِهَا عَلَى الزَّوْجِ مِنْ الصَّدَاقِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَلَمْ تَطْلُقْ الْبِنْتُ سَوَاءٌ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ فَإِنَّهُ يَجُوزُ خُلْعُ الْأَبِ عَلَى ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ، كَمَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ الْأَبِ ابْنَهُ الصَّغِيرَ بِمَالِ الِابْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَسْأَلَةَ فِي النِّكَاحِ فَإِنَّ فِي الْخُلْعِ الْمَرْأَةَ تَلْتَزِمُ مَالًا بِإِزَاءِ مَا لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهَا بِالْخُلْعِ شَيْءٌ مُتَقَوِّمٌ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ هَذِهِ الْوِلَايَةُ عَلَى ابْنَتِهِ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً فَهِيَ فِي الْخُلْعِ كَأَجْنَبِيٍّ إلَّا أَنْ يَضْمَنَ الدَّرْكَ لِلزَّوْجِ فَحِينَئِذٍ يَنْفُذُ الْخُلْعُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي الشُّرُوطِ.
وَإِذَا خَافَ الْوَكِيلُ بِشِرَاءِ مَتَاعٍ مِنْ بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ يَبْعَثُ بِالْمَتَاعِ مَعَ غَيْرِهِ أَوْ يَسْتَوْدِعُ الْمَالَ غَيْرَهُ فَيَصِيرُ ضَامِنًا فَالْحِيلَةُ لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يَسْتَأْذِنَ رَبَّ الْمَالِ فِي أَنْ يَعْمَلَ بِرَأْيِهِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي الْعَمَلِ بِرَأْيِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَصْنَعَ ذَلِكَ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ بِالتَّصَرُّفِ وَيَدْفَعَ الْمَالَ إلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُوَكِّلَ أَجَازَ صَنِيعَهُ عَلَى الْعُمُومِ، وَالتَّوْكِيلُ مِنْ صَنِيعِهِ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَى الْمُوَكِّلِ، كَأَنَّهُ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الصُّلْحِ]
(قَالَ ﵀) رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَصَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى مِائَةٍ يُؤَدِّيهَا إلَيْهِ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَيُبْطِلُهُ غَيْرُنَا يَعْنِي شَرِيكًا وَابْنَ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَإِنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ: هَذَا تَعْلِيقُ الْتِزَامِ الْمَالِ بِالْحَظْرِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: إنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ مِائَتَا دِرْهَمٍ يَعْنِي إنْ لَمْ يُؤَدِّ الْمِائَةَ فِي نُجُومِهَا، وَلَا يَدْرِي أَيُؤَدِّي أَمْ لَا يُؤَدِّي وَتَعْلِيقُ الْتِزَامِ الْمَالِ بِالْحَظْرِ لَا يَجُوزُ فَالْفِقْهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَحُطَّ رَبُّ الْمَالِ عَنْهُ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ عَاجِلًا ثُمَّ يُصَالِحَهُ مِنْ الْمِائَتَيْنِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ يُؤَدِّيهَا إلَيْهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَهْرِ كَذَا عَلَى أَنَّهُ إنْ أَخَّرَهَا عَنْ هَذَا الْوَقْتِ فَلَا صُلْحَ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا.
وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ يُؤَدِّيهَا إلَيْهِ فِي سَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ أُخْرَى فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ وَشَرْطَانِ فِي عَقْدٍ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَعْلِيقَ الْتِزَامِ الْمَالِ بِالْحَظْرِ، وَهُوَ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ الْأَلْفَ فِي السَّنَةِ، وَإِنْ أَرَادَ الْحِيلَةَ فِي ذَلِكَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ ثُمَّ يُصَالِحَهُ مِنْهَا عَلَى
стр. 6191
أَلْفِ دِرْهَمٍ يُؤَدِّيهَا إلَيْهِ فِي سَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا صُلْحَ بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا عَلَى بَدَلٍ مُسَمًّى، وَيَكُونُ الصُّلْحُ صَحِيحًا عَلَى مَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الصُّلْحِ يَنْبَنِي عَلَى التَّوَسُّعِ، وَمِثْلُ هَذَا الصُّلْحِ يَصِحُّ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ فَبَيْنَ الْمَوْلَى وَمُكَاتَبِهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ يَصِحُّ فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُؤَدِّ الثَّمَنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا كَانَ جَائِزًا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ الصُّلْحُ عَلَى شَرْطٍ أَوْلَى.
رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ دَارًا فِي يَدِ ابْنِهِ وَامْرَأَتِهِ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ فَصَالَحَهُ الِابْنُ وَالْمَرْأَةُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ إقْرَارٍ مِنْهُمَا كَانَتْ الْمِائَةُ عَلَيْهِمَا أَثْمَانًا وَالدَّارُ بَيْنَهُمَا أَثْمَانًا؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْإِنْكَارِ إنَّمَا يَجُوزُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ إسْقَاطُ دَعْوَى الْمُدَّعِي حَقَّهُ وَخُصُومَةٌ تَلْزَمُهُ لِبَعْضِ الْمَصَالِحِ وَلِهَذَا جَازَ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ كَانَ مِنْهُ تَمْلِيكًا مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِذَا صَحَّ أَنَّهُ إسْقَاطٌ بَقِيَتْ الدَّارُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الصُّلْحِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّعْوَى، وَقَدْ كَانَتْ أَثْمَانًا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الدَّارَ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَمَانِيَةٍ ثَبَتَ أَنَّ الْمَالَ عَلَيْهِمَا يَتَوَزَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِمُطْلَقِ قَبُولِ الْعَقْدِ إنَّمَا يَجِبُ الْمَالُ عَلَى مَنْ يَنْتَفِعُ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْمَالِ بِقَدْرِ مَا يَنَالُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ صَالَحَاهُ بَعْدَ إقْرَارِهِمَا بِهَا لَهُ، وَأَرَادَا بِالْإِقْرَارِ تَصْحِيحَ الصُّلْحِ فَالْمِائَةُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ، وَالدَّارُ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا أَقَرَّا أَنَّهَا لِلْمُدَّعِي ثُمَّ صَالَحَاهُ فَكَأَنَّهُمَا اشْتَرَيَا الدَّارَ بِالْمِائَةِ وَظَهَرَ بِإِقْرَارِهِمَا أَنَّ الدَّارَ لَمْ تَكُنْ مِيرَاثًا بَيْنَهُمَا وَبِمُطْلَقِ الشِّرَاءِ يَقَعُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِيَيْنِ فِي الْمَنْزِلِ نِصْفَيْنِ، وَيَكُونُ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، فَإِنْ أَرَادَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَثْمَانًا فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقِرَّا لِلْمُدَّعِي بِالدَّارِ ثُمَّ يُصَالِحَهُمَا مِنْهَا عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ ثُمُنُ الدَّارِ وَلِلِابْنِ سَبْعَةُ أَثْمَانِهَا، فَإِذَا صَرَّحَا بِذَلِكَ كَانَ الْمِلْكُ فِي الدَّارِ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا صَرَّحَا بِهِ، وَالثَّمَنُ كَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَيَاهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا ثُمُنُهَا، وَلِلْآخَرِ سَبْعَةُ أَثْمَانِهَا.
رَجُلٌ ادَّعَى فِي دَارِ رَجُلٍ دَعْوَى فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْهَا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْإِنْكَارِ مَبْنِيٌّ عَلَى زَعْمِ الْمُدَّعِي؛ وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى دَارٍ كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ، وَفِي زَعْمِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ يَسْتَوْفِي مِنْ الدَّارِ مِائَةَ ذِرَاعٍ بِمِلْكِهِ الْقَدِيمِ إلَّا أَنْ يَتَمَلَّكَهَا عَلَى ذِي الْيَدِ ابْتِدَاءً فَيَكُونُ صَحِيحًا، فَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ دَارٍ أُخْرَى لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَازَ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ بِعِوَضٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى مِائَةَ ذِرَاعٍ مِنْ دَارٍ، وَذَلِكَ فَاسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ جَائِزٌ عِنْدَهُمَا.
مَرِيضٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مَالًا، وَلَهُ بِهِ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَصَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى دَرَاهِمَ يَسِيرَةٍ وَأَقَرَّ الْمَرِيضُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ
стр. 6192
لَهُ عَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ شَيْءٌ ثُمَّ مَاتَ جَازَ إقْرَارُهُ فِي الْقَضَاءِ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْ وَرَثَتِهِ بَيِّنَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِذَلِكَ الْمَالِ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ يُقِرُّ بِذَلِكَ فَيَتَمَكَّنُ فِي هَذَا الصُّلْحِ مُحَابَاةً، وَهُوَ يُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ، وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ، فَإِقْرَارُهُ بِمَا يَتَضَمَّنُ بَرَاءَةَ الْأَجْنَبِيِّ مُعْتَبَرٌ بِإِقْرَارِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ فَكَذَلِكَ إقْرَارُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ شَيْءٌ يَكُونُ صَحِيحًا وَبَعْدَ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ مِنْهُ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى مِنْ وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ، وَهُوَ لَوْ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ مَالًا مُطْلَقًا عَلَيْهِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، وَلَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ فَكَذَلِكَ الْوَرَثَةُ إذَا ادَّعَوْا ذَلِكَ.
رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ حَالٌّ فَصَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُنَجِّمَهُ نُجُومًا عَلَيْهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ عَلَى أَنَّهُمَا إنْ أَخَّرَا نَجْمًا عَنْ مَحَلِّهِ، فَالْمَالُ عَلَيْهِمَا حَالٌّ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ بِالْمَالِ كَفِيلًا كَانَ الْكَفِيلُ مُطَالَبًا بِهِ كَالْأَصِيلِ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلَيْنِ مَالٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ فَنَجَّمَهُ عَلَيْهِمَا نُجُومًا عَلَى أَنَّهُمَا لَوْ أَخَّرَا نَجْمًا عَنْ مَحَلِّهِ فَالْمَالُ عَلَيْهِمَا حَالٌّ وَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ تَنْجِيمَ الْمَالِ عَلَيْهِمَا صُلْحٌ فَقَدْ عَلَّقَ بُطْلَانَ الصُّلْحِ بِعَامِ الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ، فَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ إنَّمَا أَخَذَ مِنْ الْمَطْلُوبِ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَفِّ بِهِ عِنْدَ كُلِّ نَجْمٍ فَالْكَفِيلُ ضَامِنٌ لِجَمِيعِ الْمَالِ عَلَى النُّجُومِ الَّتِي سَمَّيَا فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ ﵏ يَعْنِي ابْنَ أَبِي لَيْلَى لَا يُجَوِّزُ تَعْلِيقَ الْمَالِ بِالْمَالِ بِحَظْرِ عَدَمِ الْمُوَافَاةِ بِالنَّفْسِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ، فَالْفِقْهُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يَضْمَنَ الْكَفِيلُ الْمَالَ عَلَى أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ نَجْمٍ بِدَفْعِ الْمَطْلُوبِ عِنْدَ مَحَلِّهِ إلَى الطَّالِبِ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ إيفَاءَ الْمَطْلُوبِ يُوجِبُ بَرَاءَةَ الْكَفِيلِ فَاشْتِرَاطُ بَرَاءَتِهِ عِنْدَ إيفَاءِ الْكَفِيلِ شَرْطٌ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ فَيَكُونُ صَحِيحًا.
رَجُلٌ صَالَحَ غَرِيمًا لَهُ عَلَى أَنْ يُؤَجِّلَهُ بِمَا عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يَضْمَنَ لَهُ فُلَانٌ الْمَالَ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا صُلْحَ بَيْنَهُمَا، وَالْمَالُ حَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا آمَنُ أَنْ يُبْطِلَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَعْنِي بِهِ أَنْ يُبْطِلَهُ عَلَى طَرِيقِ الْقِيَاسِ فَإِنَّ الصُّلْحَ قِيَاسُ الْبَيْعِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَإِذَا شَرَطَ فِي الْبَيْعِ ضَمَانَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ كَانَ ذَلِكَ مُبْطِلًا لِلْبَيْعِ فَكَذَلِكَ الصُّلْحُ فَالْفِقْهُ فِي ذَاكَ أَنْ يَكُونَ الْكَفِيلُ حَاضِرًا فَيَضْمَنَهُ؛ لِأَنَّ عَلَى طَرِيقِ الْقِيَاسِ إنَّمَا لَا يَصِحُّ هَذَا الْعَقْدُ لِبَقَاءِ الْغَرَرِ فِيهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَضْمَنُ الْكَفِيلُ الْمَالَ أَوْ لَا يَضْمَنُ، فَإِذَا ضَمِنَهُ فَقَدْ انْعَدَمَ مَعْنَى الْغُرُورِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فَالْفِقْهُ فِيهِ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى مَا ذَكَرْت عَلَى أَنَّ فُلَانًا إنْ ضَمِنَ هَذَا الْمَالَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ كَذَا فَالصُّلْحُ تَامٌّ وَإِلَّا فَلَا صُلْحَ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ بِهَذِهِ كَانَ تَمَامُ الصُّلْحِ بِقَدْرِ مَا ضَمِنَ فُلَانٌ، وَلَا يَبْقَى غَرَرٌ إذَا ضَمِنَ
стр. 6193
فُلَانٌ فَالصُّلْحُ بَيْنَهُمَا صَحِيحٌ.
وَإِذَا كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ إلَى كَذَا فَالْمَالُ عَلَيْهِ وَأَخَذَ الْكَفِيلُ مِنْ الْمَطْلُوبِ رَهْنًا لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ مُوجَبَ الرَّهْنِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ، وَمَا وَجَبَ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مَالُهُ، وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَالْكَفَالَةُ بِالْمَالِ مُتَعَلِّقَةٌ بِعَدَمِ الْمُوَافَاةِ بِالنَّفْسِ فَكَيْفَ يَصِحُّ الرَّهْنُ مِنْ غَيْرِ دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْحِيلَةَ فِي ذَلِكَ فَالْوَجْهُ أَنْ يَبْدَأَ بِضَمَانِ الْمَالِ فَيَقُولَ: أَنَا ضَامِنٌ لِمَا لَكَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ، فَإِنْ وَافَيْت بِهِ إلَى كَذَا مِنْ الْأَجَلِ، فَأَنَا بَرِيءٌ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْتَهِنَ مِنْهُ رَهْنًا بِمَا ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ كَمَا وَجَبَ الْمَالُ لِلطَّالِبِ عَلَى الْكَفِيلِ وَجَبَ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَيَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ مِنْهُ بِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَا إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فَقَطْ، وَأَرَادَ الْكَفِيلُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَطْلُوبِ رَهْنًا وَلَا إشْكَالَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا فَإِنَّ صِحَّةَ الْكَفَالَةِ لَا تَسْتَدْعِي دَيْنًا وَاجِبًا، وَصِحَّةُ الرَّهْنِ تَسْتَدْعِي ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِالدَّرْكِ، وَتَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِالدَّرْكِ ثُمَّ الْحِيلَةُ فِي هَذَا: أَنْ يُقِرَّ الْمَطْلُوبُ أَنَّ هَذَا الْكَفِيلَ ضَمِنَ عَنْهُ مَالًا لِرَجُلٍ مِنْ النَّاسِ بَاشَرَهُ وَلَا يُسَمِّيَ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَلَا مِقْدَارَ الْمَالِ ثُمَّ يُعْطِيَهُ رَهْنًا بِذَلِكَ فَيَكُونَ صَحِيحًا فِي الْحُكْمِ، وَيَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَطْلُوبِ فِي مِقْدَارِ ذَلِكَ الْمَالِ، فَيُمَكَّنَ بِأَدَائِهِ مِنْ إخْرَاجِ الرَّهْنِ، فَإِنْ قَالَ الْكَفِيلُ: مَقْصُودِي لَا يَتِمُّ بِهَذَا وَرُبَمَا يَقُولُ: الْمَطْلُوبُ بَعْدَ كَفَالَتِي بِالنِّصْفِ أَنَّ الْمَالَ دِرْهَمٌ فَيُعْطِينِي ذَلِكَ وَيَسْتَرِدَّ النِّصْفَ فَالسَّبِيلُ أَنْ يَجْعَلَا بَيْنَهُمَا عَدْلًا ثِقَةً يَثِقَانِ بِهِ، وَيَكُونَ ارْتِهَانُ الْكَفِيلِ مِنْ ذَلِكَ الْعَدْلِ بِأَمْرِ الْمَطْلُوبِ فَلَا يَسْتَرِدُّ مِنْهُ الرَّهْنَ قَبْلَ بَرَاءَتِهِ عَنْ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ.
رَجُلٌ أَخَذَ مِنْ غَرِيمِهِ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ يَوْمَ كَذَا فَالْكَفِيلُ ضَامِنٌ لِنَفْسِ فُلَانٍ غَرِيمٌ آخَرُ لِلطَّالِبِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَنَا يَعْنِي قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَلَا آمَنُ أَنْ يُبْطِلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ﵏ يَعْنِي أَنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ هَذَا لَا يَجُوزُ، فَالْفِقْهُ فِيهِ أَنْ يَكْفُلَ بِنَفْسِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ وَافَى بِفُلَانٍ أَحَدُهُمَا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِ كَذَا فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْكَفَالَةِ الْأُخْرَى فَيَكُونُ جَائِزًا عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْبَرَاءَةَ عَلَى الْكَفَالَتَيْنِ بِالْمُوَافَاةِ وَبِنَفْسِ أَحَدِهِمَا، وَكَمَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ عَنْ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ بِالْمُوَافَاةِ بِالْمَالِ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ عَنْ الْكَفَالَتَيْنِ بِالْمُوَافَاةِ بِنَفْسِ أَحَدِهِمَا، وَلَوْ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ يَوْمَ غَدٍ فَمَا عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْ الْمَالِ فَهُوَ عَلَى الْكَفِيلِ فَلَمْ يُوَافِ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْمَالِ وَالنَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِالنَّفْسِ كَفَالَةً مُطْلَقَةً فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِتَسْلِيمِ النَّفْسِ وَعَلَّقَ الْكَفَالَةَ بِالْمَالِ بِحَظْرِ عَدَمِ الْمُوَافَاةِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ: لَا آمَنُ أَنْ
стр. 6194
يُبْرِئَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَلَا يُعْرَفُ مَنْ هَذَا الْقَائِلُ، وَلَهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَالُ دُونَ النَّفْسِ وَبَعْدَ مَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَتَمَكَّنَ الطَّالِبُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْمَالِ مِنْ الْكَفِيلِ لَا تَبْقَى الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ فِي مَعْنَى تَوْقِيتِ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي حَصَلَ عَدَمُ الْمُوَافَاةِ فِيهِ فَشَرَطَ الْكَفَالَةَ بِالْمَالِ، فَلَا تَبْقَى الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتِهَا ثُمَّ الْفِقْهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُضَمِّنَّهُ الْمَالَ وَالنَّفْسَ عَلَى أَنَّهُ إنْ وَافَاهُ بِنَفْسِهِ لِوَقْتِ كَذَا فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يُوَافِهِ بِهِ لِذَلِكَ الْأَجَلِ فَالنَّفْسُ وَالْمَالُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَفَلَ لَهُ كَفَالَةً مُطْلَقَةً.
[مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ]
(مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ) قَالَ: وَإِذَا خَافَ الْوَصِيُّ جَهْلَ بَعْضِ الْقُضَاةِ فِي أَنْ يَسْأَلَهُ عَمَّا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ ثُمَّ يَسْأَلَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا أَنْفَقَ وَعَمِلَ، وَإِنَّمَا سَمَّى هَذَا جَهْلًا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ حُكْمِ الشَّرْعِ فَالْوَصِيُّ أَمِينٌ، وَالْقَوْلُ فِي الْمُحْتَمَلِ قَوْلُ الْأَمِينِ، وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فِي قَبُولِ الْوِصَايَةِ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَيِّتِ فَكَمَا لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُوصِيَ عَمَّا تَرَكَهُ مِنْ الْمَالِ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ الْوَصِيَّ عَمَّا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ الْمَالِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْقُضَاةِ كَانَ جَهْلًا، وَلَكِنْ رَأَى بَعْضُ الْقُضَاةِ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وَيَعُدُّوهُ مِنْ الِاحْتِيَاطِ فَبَيَّنَ الْحِيلَةَ لِلْوَصِيِّ فِي ذَلِكَ بِأَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ فِي قَبْضِ التَّرِكَةِ وَبَيْعِهَا وَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يَشْهَدُ الْوَصِيُّ عَلَى نَفْسِهِ بِوُصُولِ شَيْءٍ إلَيْهِ وَلَا يُبَاشِرُهَا بِنَفْسِهِ بَلْ يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِالْبَيْعِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ فَلَا يَكُونُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ تَرِكَةُ الْمَيِّتِ وَلَا عَمِلَ فِي التَّرِكَةِ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ مَا قَضَيْت دَيْنًا وَلَا وَصَلَ إلَيْك تَرِكَةٌ وَلَا أَمَرْت بِشَيْءٍ مِنْهَا يُبَاعُ وَلَا وَكَّلْت بِهِ، فَإِذَا كَانَ الْوَصِيُّ، وَضَعَ التَّرِكَةَ مَوَاضِعَهَا عَلَى حُقُوقِهَا فَهُوَ مَظْلُومٌ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ فَيَسَعُهُ أَنْ يَحْلِفَ وَيَنْوِيَ غَيْرَ مَا اسْتَحْلَفَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَظْلُومًا فَيَمِينُهُ مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا لِيَتَمَكَّنَ بِهَا مِنْ دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ وَالْخَصَّافُ ﵀ تَوَسَّعَ فِي كِتَابِهِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَقَالَ: يَنْوِي مَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي وَقْتِ كَذَا لِوَقْتٍ غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي فَعَلَ فِيهِ أَوْ فِي مَكَانِ كَذَا لِمَكَانٍ غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي فَعَلَ فِيهِ أَوْ مَعَ إنْسَانٍ غَيْرِ الَّذِي عَامَلَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ نِيَّةَ التَّخْصِيصِ فِيمَا ثَبَتَ بِمُقْتَضَى الْكَلَامِ صَحِيحَةٌ كَمَا تَصِحُّ فِي الْمَلْفُوظِ فَإِنَّ الْمُقْتَضِي عِنْدَهُ كَالْمَنْصُوصِ فِي أَنَّ لَهُ عُمُومًا فَتَجُوزُ نِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِيهِ، وَكَانَ يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِمَسْأَلَةِ الْمُسَاكَنَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا مُحَمَّدٌ ﵀ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ إذَا حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا، وَهُوَ يَنْوِي مُسَاكَنَتَهُ فِي بَيْتِهِ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِنِيَّتِهِ، وَالْمَكَانُ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ فَصَحَّتْ نِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِيهِ.
وَقَالَ فِي الْجَامِعِ: إذَا حَلَفَ لَا يَخْرُجُ وَنَوَى
стр. 6195
السَّفَرَ صَحَّتْ نِيَّتُهُ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَخْرُجُ إلَيْهِ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ وَصَحَّ نِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِيهِ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى: إذَا أَقَرَّ بِنَسَبِ غُلَامٍ صَغِيرٍ فَجَاءَتْ أُمُّ الصَّغِيرِ بَعْدَ مَوْتِهِ تَطْلُبُ مِيرَاثَ الزَّوْجَاتِ فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالنَّسَبِ يَقْتَضِي الْفِرَاشَ بَيْنَ الْمُقِرِّ وَبَيْنَ أُمِّ الصَّغِيرِ، فَجُعِلَ الثَّابِتُ بِمُقْتَضَى كَلَامِهِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ وَأَنَّ نِيَّةَ التَّخْصِيصِ فِيمَا ثَبَتَ بِمُقْتَضَى الْكَلَامِ لَا تَكُونُ صَحِيحَةً حَتَّى إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ أَوْ لَا يَشْرَبُ وَنَوَى طَعَامًا بِعَيْنِهِ أَوْ شَرَابًا بِعَيْنِهِ لَمْ تُعْتَبَرْ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ فِعْلُ الْأَكْلِ، فَأَمَّا الْمَأْكُولُ ثَابِتٌ بِمُقْتَضَى كَلَامِهِ وَثُبُوتُ الْمُقْتَضَى لِلْحَاجَةِ إلَى تَصْحِيحِ الْكَلَامِ؛ وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ فِي مَوْضِعٍ يَصِحُّ الْكَلَامُ بِدُونِهِ، وَالثَّابِتُ بِالْحَاجَةِ لَا يَعْدُو مَوْضِعَ الْحَاجَةِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ الْعُمُومِ لِلْمُقْتَضَى، وَلَا إلَى جَعْلِهِ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِيمَا وَرَاءَ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُسَاكَنَةِ فَهُنَاكَ نِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِي الْمَكَانِ لَا تَعْمَلُ عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ الْمُسَاكَنَةَ فِي بَيْتٍ بِعَيْنِهِ لَا يُعْمَلُ بِنِيَّتِهِ، وَلَكِنْ إنَّمَا يُعْمَلُ بِنِيَّتِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى إكْمَالِ الْمَنْصُوصِ فَالْمُسَاكَنَةُ تَكُونُ تَارَةً فِي بَلَدِهِ وَتَارَةً فِي مَحِلِّهِ وَتَارَةً فِي دَارٍ وَأَيًّا مَا كَانَ مِنْ الْمُسَاكَنَةِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ فَهُوَ إنَّمَا نَوَى صِفَةَ الْكَمَالِ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ؛ فَلِهَذَا يُعْمَلُ بِنِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْخُرُوجِ لَا نَقُولُ بِنِيَّتِهِ فِي تَخْصِيصِ الْمَكَانِ حَتَّى لَوْ نَوَى الْخُرُوجَ إلَى بَغْدَادَ لَا يُعْمَلُ بِنِيَّتِهِ، فَإِذَا نَوَى السَّفَرَ، فَإِنَّمَا نَوَى نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ أَنْوَاعٌ شَرْعًا خُرُوجٌ لِلسَّفَرِ وَلِمَا دُونَ السَّفَرِ، وَإِنَّمَا اخْتِلَافُهُمَا بِاخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِنِيَّتِهِ فِي تَنَوُّعِ الْخُرُوجِ فِي لَفْظِهِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْفِعْلِ كَذِكْرِ الْمَصْدَرِ، وَفِي مَسْأَلَةِ النَّسَبِ الْفِرَاشُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثَبَتَ بِمُقْتَضَى كَلَامِهِ، وَلَكِنْ مَا ثَبَتَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ يَثْبُتُ حُكْمُهُ، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ كَالْبَيْعِ الثَّابِتِ فِي قَوْلِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ يَثْبُتُ حُكْمُهُ، وَهُوَ مِلْكُ الْبَدَلَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ كَالْبَيْعِ الْمُصَرَّحِ بِهِ إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ شَيْئًا هُوَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ أَوْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى تَخْصِيصِ مَا فِي لَفْظِهِ حَتَّى يَكُونَ عَامِلًا وَأَسْهَلُ طَرِيقٍ قَالُوا فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْأَيْمَانِ: إنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَالَ لَهُ: قُلْ وَاَللَّهِ؛ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: هُوَ اللَّهُ فَدَغَمَ الْهَاءَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَفْطِنُ بِهِ الْقَاضِي ثُمَّ يَمْضِي فِي كَلَامِهِ إلَى آخِرِهِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ يَمِينًا وَلَا يَأْثَمُ بِهِ إذَا كَانَ مَظْلُومًا.
وَإِذَا أَرَادَ الْوَصِيُّ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْوَرَثَةِ أَمْوَالَهُمْ، وَيَكْتُبَ عَلَيْهِمْ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ أَيُّهُمَا أَوْثَقُ لَهُ أَنْ يُسَمِّيَ مَا جَرَى عَلَى يَدِهِ، وَمَا أَعْطَاهُمْ أَوْ لَا يُسَمِّي قَالَ: الْأَوْثَقُ لَهُ أَنْ
стр. 6196
يَكْتُبَ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ وَلَا يُسَمِّيَ شَيْئًا فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَحْضُرَ صَاحِبُ دَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ وَارِثٍ فَيُضَمِّنَهُ مَا سَمَّى أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَى الْوَرَثَةِ، وَإِذَا كَتَبَ بَرَاءَتَهُ مِنْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ فَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ أَنْ يُضَمِّنُوهُ شَيْئًا فَهَذَا أَوْثَقُ لَلْوَصِيِّ وَلَكِنَّ الْأَوْثَقَ لِلْوَارِثِ أَنْ يُسَمِّيَ ذَلِكَ فَرُبَّمَا يُخْفِي الْوَصِيُّ بَعْضَ التَّرِكَةِ، فَإِذَا كَتَبُوا لَهُ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَبِيلٌ عَلَى مَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْجِنَايَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا سَمَّوْا مَا وَصَلَ إلَيْهِمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُخَاصِمُوا فِيمَا يَظْهَرُ فِي يَدِهِ مِنْ التَّرِكَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَذُكِرَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ لِيُحِلَّهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ لَمْ يَأْمُرْهُ الزَّوْجُ بِذَلِكَ وَلَا الْمَرْأَةُ قَالَ: هَذَا مَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَبِهِ نَأْخُذُ؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا مُطْلَقًا، وَالنِّكَاحُ سُنَّةٌ مَرْغُوبٌ فِيهَا، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ ارْتِفَاعَ الْحُرْمَةِ بَيْنَهُمَا لِيَمْنَعَهُمَا بِذَلِكَ عَلَى ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ وَيُوصِلَهُمَا إلَى مُرَادِهِمَا بِطَرِيقٍ حَلَالٍ فَتَكُونَ إعَانَةٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَادِمٌ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ خُصُوصًا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَلَوْ امْتَنَعَ الثَّانِي مِنْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِيُحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ رُبَمَا يَحْمِلُهَا النَّدَمُ أَوْ فَرْطُ مَيْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ مُحَلِّلٍ فَهُوَ يَسْعَى إلَى إتْمَامِ مُرَادِهِمَا عَلَى وَجْهٍ يَنْدُبَانِ إلَيْهِ فِي الشَّرْعِ فَيَكُونُ مَأْجُورًا فِيهِ، وَفِي نَظِيرِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَقَالَ نَادِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثَرَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْحِلَّ يَحْصُلُ بِدُخُولِ الزَّوْجِ الثَّانِي بِهَا، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنْ يُحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا بِهَذَا الشَّرْطِ بِأَنْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ لَهُ: تَزَوَّجْنِي فَحَلِّلْنِي أَوْ قَالَ لَهُ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ: تَزَوَّجْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ فَحَلِّلْهَا لِي أَوْ قَالَ الثَّانِي لِلْمَرْأَةِ: أَتَزَوَّجُكِ فَأُحَلِّلُكِ لِلْأَوَّلِ فَهَذَا مَكْرُوهٌ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» وَقَالَ ﵇ «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ قَالُوا بَلَى قَالَ هُوَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فَيُحَلِّلُهَا لِزَوْجٍ كَانَ لَهَا قَبْلَهُ» وَلَكِنْ مَعَ هَذَا يَجُوزُ النِّكَاحُ وَيَثْبُتُ الْحِلُّ لِلْأَوَّلِ بِدُخُولِ الثَّانِي بِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَنْهِيَّ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ النِّكَاحِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ وَالدُّخُولُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ يُحِلُّهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ هَذَا النِّكَاحُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّوْقِيتِ لِلنِّكَاحِ وَالتَّوْقِيتُ مُفْسِدٌ لِلنِّكَاحِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً شَهْرًا، وَإِذَا فَسَدَ النِّكَاحُ الثَّانِي فَالدُّخُولُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يُوجِبُ الْحِلَّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ النِّكَاحُ جَائِزٌ، وَلَكِنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَهْدِمُ الشَّرْطَ وَلَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ
стр. 6197
إلَّا أَنَّهُمَا لَوْ قَصَدَا الِاسْتِهْجَانَ عِوَضًا بِالْحِرْمَانِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْحِلُّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ قَتَلَ مُورِثَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.
وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ إنْ خَطَبْت فُلَانَةَ أَوْ تَزَوَّجْتهَا فَأَجَازَتْ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَلَهُ أَنْ يَخْطُبَهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ إذَا دَخَلَ حَرْفُ أَوْ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ فَيَكُونُ الثَّابِتُ أَحَدَهُمَا، وَتَتَحَلَّلُ الْيَمِينُ بِوُجُوبِ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ، فَإِنْ خَطَبَهَا أَوَّلًا انْحَلَّتْ الْيَمِينُ وَهِيَ لَيْسَتْ فِي نِكَاحِهِ فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا شَيْءٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَمِينَ فَلَا تَطْلُقُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ إنْ قَبَّلْتهَا أَوْ تَزَوَّجْتهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَقَبَّلَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ تَطْلُقْ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَهَا ثُمَّ بَلَغَهَا فَأَجَازَتْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ هُنَا شَرْطُ التَّزَوُّجِ وَإِتْمَامُ ذَلِكَ بِإِجَازَتِهَا وَهِيَ عِنْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ فِي نِكَاحِهِ فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ قَبَّلْتهَا أَوْ تَزَوَّجْتهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ يُقَبِّلَهَا وَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ قَالَ إنْ خَطَبْت فُلَانَةَ فَهِيَ كَذَا أَوْ كُلُّ امْرَأَةٍ خَطَبْتهَا فَهِيَ كَذَا أَنَّ يَمِينَهُ لَا تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ الْخِطْبَةَ غَيْرُ الْعَقْدِ، وَهِيَ تَسْبِقُ الْعَقْدَ فَلَا يَكُونُ هُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ مُضِيفًا الطَّلَاقَ إلَى الْمِلْكِ، وَهَذَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنْ عَقَدَ يَمِينَهُ بِلِسَانِ الْفَارِسِيَّةِ فَقَالَ: " أكر فُلَانَة رَابِحُوا همه مَا هُوَ دى لَهُ بَحْرَاهُمْ "، فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ يُفْهِمُ غَيْرَ الْخِطْبَةِ لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ أَيْضًا هَكَذَا الْعُرْفُ بِخُرَاسَانَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ فَأَمَّا فِي هَذِهِ الدِّيَارِ، فَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ التَّزَوُّجَ فَيَنْعَقِدُ الْيَمِينُ إذَا كَانَ مُرَادُهُ هَذَا وَيَقَعُ الطَّلَاقُ إذَا تَزَوَّجَهَا.
رَجُلٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ بِالْكُوفَةِ امْرَأَةً فَزَوَّجَهُ وَكِيلٌ لَهُ بِالْكُوفَةِ فَهُوَ حَانِثٌ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالنِّكَاحِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ حَتَّى لَا يَسْتَغْنِيَ عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ فَمُبَاشَرَةُ الْوَكِيلِ لَهُ كَمُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ فِي حَقِّ الْحِنْثِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي شَيْئًا بِالْكُوفَةِ فَاشْتَرَى لَهُ وَكِيلُهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي الشِّرَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ وَيَتَعَلَّقُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِهِ ثُمَّ الْحِيلَةُ فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ: أَنْ تُوَكِّلَ الْمَرْأَةُ وَكِيلًا يُزَوِّجُهَا مِنْهُ ثُمَّ يَخْرُجَ الْوَكِيلُ وَالزَّوْجُ إلَى الْحِيرَةِ أَوْ غَيْرِهَا بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَا مِنْ أَبْيَاتِ الْكُوفَةِ ثُمَّ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ فَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا بِالْكُوفَةِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُقِيمَ بِالْكُوفَةِ إذَا خَرَجَ مِنْ أَبْيَاتِ الْكُوفَةِ عَلَى قَصْدِ السَّفَرِ كَانَ مُسَافِرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فَعَرَفْنَا أَنَّ التَّزَوُّجَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَكُونُ تَزْوِيجًا بِالْكُوفَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ تَوْكِيلَهَا لِئَلَّا تُبْتَلَى بِالْخُرُوجِ مَعَ غَيْرِ الْمَحْرَمِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
رَجُلٌ قَالَ لِعَبْدِهِ قَدْ أَذِنْت لَك أَنْ تَتَزَوَّجَ كُلَّ أَمَةٍ تَشْتَرِيهَا فَاشْتَرَى الْعَبْدُ أَمَةً فَتَزَوَّجَهَا بِبَيِّنَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَا اشْتَرَاهَا صَارَتْ مَمْلُوكَةً لِلْمَوْلَى
стр. 6198
وَقَدْ أَقَامَهُ الْمَوْلَى مُقَامَ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ زَوَّجَ بِنَفْسِهِ أُمَّتَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ جَازَ فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي رَجُلٍ لَهُ جَارِيَةٌ تَخْرُجُ فِي حَوَائِجِهِ، وَهُوَ يَطَؤُهَا فَحَمَلَتْ وَوَلَدَتْ وَسِعَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ، وَأَنْ يَبِيعَهُ مَعَهَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَدَعُهَا تَخْرُجُ لَمْ يَسَعْهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا، وَلَا يَطْلُبُ وَلَدَهَا لَمْ يَسَعْهُ ذَلِكَ إذَا حَبَسَهَا وَمَنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ، وَهَذَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، فَأَمَّا فِي الْحُكْمِ لَا يَلْزَمُهُ النَّسَبُ إلَّا بِالدَّعْوَى إلَّا أَنَّهُ إذَا حَصَّنَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا أَوْ لَا يَعْزِلُ فَعَلَيْهِ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْبِنَاءِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَذُكِرَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ لِي جَارِيَةً أَطَؤُهَا وَأَعْزِلُ عَنْهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ نَشَدْتُك بِاَللَّهِ: هَلْ كُنْتَ تَعُودُ إلَى جِمَاعِهَا قَبْلَ أَنْ تَبُولَ؟ قَالَ نَعَمْ فَمَنَعَهُ مِنْ أَنْ يَنْفِيَهُ فَهُوَ عِنْدَنَا عَلَى الَّتِي قَدْ حَصَّنَتْ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ يُتَوَهَّمُ بَقَاءُ بَعْضِ الْمَنِيِّ فِي إحْلِيلِهِ فَبِالْمُعَاوَدَةِ يَصِلُ إلَيْهَا إذَا عَادَ فِي جِمَاعِهَا قَبْلَ الْبَوْلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إذَا أَتَى أَهْلَهُ وَاغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يَبُولَ ثُمَّ سَالَ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ يَلْزَمُهُ الِاغْتِسَالُ ثَانِيًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا فَصَبَّ الْمَاءَ مِنْ فَوْقُ فَرُبَّمَا يَعُودُ إلَى فَرْجِهَا فَتَحْبَلُ بِهِ؛ وَلِهَذَا لَا يَسَعُهُ نَفْيُ الْوَلَدِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْعَزْلِ قَالَ إذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ مِنْ مَاءٍ فَهُوَ خَالِقُهَا، وَإِنْ صَبَبْتُمْ ذَلِكَ عَلَى صَخْرَةٍ فَاعْزِلُوا أَوْ لَا تَعْزِلُوا».
وَإِذَا غَابَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فَأَرَادَ الثَّانِي مِنْهُمَا أَنْ يُبْطِلَ الشَّرِكَةَ فَالْحِيلَةُ لَهُ: أَنْ يُرْسِلَ رَسُولًا إلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدْ فَارَقَهُ وَنَقَضَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الشَّرِكَةِ، فَإِذَا بَلَغَ الرَّسُولُ ذَلِكَ فَقَدْ انْقَضَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِنَقْضِ الشَّرِكَةِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِعِلْمِ صَاحِبِهِ لِيَنْدَفِعَ الضَّرَرُ عَنْهُ وَالْغَرَرُ عَنْ شَرِيكِهِ بِذَلِكَ وَعِبَارَةُ الرَّسُولِ فِي إعْلَامِهِ كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ، وَهَذَا فِي كُلِّ عَقْدٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ نَحْوُ عَزْلِ الْوَكِيلِ وَالْحَجْرِ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَفَسْخِ الْمُضَارَبَةِ وَنَقْضِ وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ إذَا كَانَ الْأَسْفَلُ غَائِبًا فَأَرَادَ الْأَعْلَى أَنْ يَنْقُضَ وَلَاءَهُ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَدْ نَقَضَ مُوَالَاتَهُ فَيَكُونُ تَبْلِيغُ الرَّسُولِ إيَّاهُ كَتَبْلِيغِ الْمُرْسِلِ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ الْأَسْفَلُ فَلَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ الْأَعْلَى، وَإِنْ شَاءَ فَعَلَ كَذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ إلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْمُوَالَاةِ مَعَ الْأَوَّلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
стр. 6199
[بَابُ الْأَيْمَانِ]
(قَالَ ﵀) وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِ فُلَانٍ شَيْئًا وَلَيْسَ لِفُلَانٍ يَوْمَئِذٍ ثَوْبٌ ثُمَّ اشْتَرَى ثَوْبًا فَلَبِسَهُ الْحَالِفُ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى لُبْسِ ثَوْبٍ مُضَافٍ إلَى فُلَانٍ فَيُعْتَبَرُ وُجُودُ الْإِضَافَةِ عِنْدَ اللُّبْسِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامَ فُلَانٍ بِشَرْطِ وُجُودِ الْإِضَافَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الَّذِي دَعَاهُ إلَى الْيَمِينِ لَيْسَ مَعْنًى فِي الثَّوْبِ وَالطَّعَامِ بَلْ لِمَعْنًى لَحِقَهُ مِنْ جِهَةِ فُلَانٍ وَبِذَلِكَ الْمَعْنَى إنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ اتِّحَادِ الْفِعْلِ فِيهِ لِكَوْنِهِ مُضَافًا إلَى فُلَانٍ وَقْتَ اتِّحَادِ الْفِعْلِ لَا وَقْتَ الْيَمِينِ وَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الدَّارِ وَقَالَ: الدَّارُ لَا يُسْتَحْدَثُ الْمِلْكُ فِيهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ فَلَا يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ إلَّا مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي مِلْكِ فُلَانٍ عِنْدَ يَمِينِهِ فَأَمَّا الثَّوْبُ وَالطَّعَامُ فَيُسْتَحْدَثُ الْمِلْكُ فِيهِمَا فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ مَا كَانَ فِي مِلْكِ فُلَانٍ عِنْدَ وُجُودِ الْفِعْلِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَكْسُو فُلَانًا فَوَهَبَ لَهُ ثَوْبًا صَحِيحًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَصْنَعَ مِنْهُ قَمِيصًا حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَسَاهُ فَهَذَا اللَّفْظُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ تَمْلِيكَ الثَّوْبِ مِنْهُ لَا إلْبَاسَ الثَّوْبِ إيَّاهُ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ تَتَأَدَّى بِكِسْوَةِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، وَذَلِكَ بِالتَّمْلِيكِ دُونَ الْإِلْبَاسِ وَيُقَالُ فِي الْعَادَةِ كَسَا الْأَمِيرُ فُلَانًا إذَا مَلَكَهُ سَوَاءٌ لَبِسَهُ فُلَانٌ أَوْ لَمْ يَلْبَسْهُ، فَقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الْكِسْوَةِ عَلَى مَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ اللُّبْسُ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّمْلِيكُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ قَمِيصًا لِفُلَانٍ فَلَبِسَ قَمِيصًا لِعَبْدِهِ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ قَالَ الْحَاكِمُ ﵀: يَحْنَثُ، وَهَذَا خِلَافُ مَا مَضَى فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ قَالَ: وَلَكِنْ عِنْدِي أَنَّ الْجَوَابَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ وَنَوَاهُ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ كَسْبَهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ كَسْبَهُ فَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ أَوْ عِنْدَ عَدَمِ الدَّيْنِ عَلَى الْعَبْدِ فَلَا خِلَافَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ إنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَكْسُو فُلَانًا فَكَسَا عَبْدَهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ مَا مَلَكَ الثَّوْبَ مِنْ فُلَانٍ، وَإِنَّمَا مَلَكَهُ عَبْدُهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِلْمَوْلَى عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ مِنْ عَبْدِهِ حُكْمًا، وَذَلِكَ لَيْسَ شَرْطَ حِنْثِهِ ثُمَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ عِنْدَهُ لَوْ وَهَبَ لِعَبْدِ أَخِيهِ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهِ، وَلَمْ يُجْعَلْ كَهِبَتِهِ لِأَخِيهِ فَكَذَلِكَ إذَا كَسَا عَبْدَ فُلَانٍ لَا يُجْعَلُ فِي حُكْمِ الْحِنْثِ كَأَنَّهُ كَسَا فُلَانًا
стр. 6200
وَهُمَا يَقُولَانِ فِي حُكْمِ الرُّجُوعِ هِبَتُهُ لِعَبْدِ أَخِيهِ كَهِبَتِهِ لِأَخِيهِ لِاعْتِبَارِ أَنَّ الْخُصُومَةَ فِي الرُّجُوعِ تَكُونُ مَعَ الْمَوْلَى، وَهُوَ قَرِيبٌ لَهُ فَرُجُوعُهُ يُؤَدِّي إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَهُنَا شَرْطُ حِنْثِهِ نَفْسُ الْكِسْوَةِ لَا مَعْنًى يَنْبَنِي عَلَيْهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مَعَ الْعَبْدِ دُونَ الْمَوْلَى.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْقَبُولَ وَالرَّدَّ فِيهِ يُعْتَبَرُ مَعَ الْعَبْدِ دُونَ الْمَوْلَى؟ وَعَلَى هَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا فَبَاعَ مِنْ عَبْدِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَهَذَا فِي الْبَيْعِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ مِنْ وَكِيلِ فُلَانٍ لَمْ يَحْنَثْ فَكَيْفَ يَحْنَثُ إذَا بَاعَ مِنْ عَبْدِ فُلَانٍ وَالْعَبْدُ فِي الشِّرَاءِ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ لَا لِمَوْلَاهُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ هَذَا الثَّوْبَ مِنْ فُلَانٍ بِثَمَنٍ فَبَاعَهُ بِجَارِيَةٍ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ اسْمٌ لِلنَّقْدِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِثَمَنٍ لَا يَتَنَاوَلُ بَيْعَ الْمُقَابَضَةِ، فَإِنَّ فِي بَيْعِ الْمُقَابَضَةِ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَائِعًا مِنْ وَجْهٍ مُشْتَرِيًا مِنْ وَجْهٍ وَالْبَيْعُ بِثَمَنٍ مَا يَكُونُ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي مِنْ فُلَانٍ ثَوْبًا فَأَمَرَ رَجُلًا فَاشْتَرَى لَهُ مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْآمِرِ؟ قَالُوا: وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَالِفُ مِمَّنْ يُبَاشِرُ الشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُبَاشِرُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِيَمِينِهِ مَنْعَ نَفْسِهِ عَمَّا لَا يُبَاشِرُهُ عَادَةً، وَفِي الْيَمِينِ مَقْصُودُ الْحَالِفِ مُعْتَبَرٌ، وَحُكِيَ أَنَّ الرَّشِيدَ سَأَلَ مُحَمَّدًا ﵀ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: أَمَّا أَنْتَ فَنَعَمْ يَعْنِي إذَا كَانَ لَا يُبَاشِرُ الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَهُ حَانِثًا بِشِرَاءِ وَكِيلِهِ لَهُ، وَإِنْ وَهَبَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ الثَّوْبَ لِلْحَالِفِ عَلَى شَرْطِ الْعِوَضِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ فَالشِّرَاءُ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ، وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ إلَّا بِالْقَبْضِ ثُمَّ بِالْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ إنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْبَيْعِ بَعْدَ اتِّصَالِ الْقَبْضِ بِهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَهُوَ جَعْلُ الشَّرْطِ نَفْسَ الْعَقْدِ وَبِنَفْسِ الْعَقْدِ لَا يَصِيرُ هُوَ مُشْتَرِيًا، وَلَا صَاحِبُهُ بَائِعًا مِنْهُ، فَلِهَذَا لَمْ يَحْنَثْ
قَالَ: وَسَأَلْت أَبَا يُوسُفَ ﵀ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا فِي دَارٍ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَسَكَنَ مَعَهُ فِي دَارِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَقْصُورَةٍ عَلَى حِدَةٍ قَالَ: لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَكُونَا فِي مَقْصُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَهُوَ رِوَايَةُ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَهَذِهِ ثَلَاثُ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَسْكُنَا فِي مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي دَارٍ مِنْهَا لَا يَحْنَثُ بِدُونِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُسَاكَنَةَ عَلَى مِيزَانِ الْمُفَاعَلَةِ فَتَقْتَضِي وُجُودَ الْفِعْلِ مِنْهُمَا فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ وَكُلُّ دَارٍ مَسْكَنٌ عَلَى حِدَةٍ فَلَمْ يَجْمَعْهُمَا مَسْكَنٌ وَاحِدٌ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَسْكُنَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي بَيْتٍ مِنْهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ حَانِثًا فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّارِ مَسْكَنٌ وَاحِدٌ وَيُسَمَّى فِي الْعُرْفِ سَاكِنًا مَعَ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
следующие страницы →