Полный текст (6 278 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.
стр. 6196
يَكْتُبَ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ وَلَا يُسَمِّيَ شَيْئًا فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَحْضُرَ صَاحِبُ دَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ وَارِثٍ فَيُضَمِّنَهُ مَا سَمَّى أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَى الْوَرَثَةِ، وَإِذَا كَتَبَ بَرَاءَتَهُ مِنْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ فَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ أَنْ يُضَمِّنُوهُ شَيْئًا فَهَذَا أَوْثَقُ لَلْوَصِيِّ وَلَكِنَّ الْأَوْثَقَ لِلْوَارِثِ أَنْ يُسَمِّيَ ذَلِكَ فَرُبَّمَا يُخْفِي الْوَصِيُّ بَعْضَ التَّرِكَةِ، فَإِذَا كَتَبُوا لَهُ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَبِيلٌ عَلَى مَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْجِنَايَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا سَمَّوْا مَا وَصَلَ إلَيْهِمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُخَاصِمُوا فِيمَا يَظْهَرُ فِي يَدِهِ مِنْ التَّرِكَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَذُكِرَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ لِيُحِلَّهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ لَمْ يَأْمُرْهُ الزَّوْجُ بِذَلِكَ وَلَا الْمَرْأَةُ قَالَ: هَذَا مَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَبِهِ نَأْخُذُ؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا مُطْلَقًا، وَالنِّكَاحُ سُنَّةٌ مَرْغُوبٌ فِيهَا، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ ارْتِفَاعَ الْحُرْمَةِ بَيْنَهُمَا لِيَمْنَعَهُمَا بِذَلِكَ عَلَى ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ وَيُوصِلَهُمَا إلَى مُرَادِهِمَا بِطَرِيقٍ حَلَالٍ فَتَكُونَ إعَانَةٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَادِمٌ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ خُصُوصًا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَلَوْ امْتَنَعَ الثَّانِي مِنْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِيُحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ رُبَمَا يَحْمِلُهَا النَّدَمُ أَوْ فَرْطُ مَيْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ مُحَلِّلٍ فَهُوَ يَسْعَى إلَى إتْمَامِ مُرَادِهِمَا عَلَى وَجْهٍ يَنْدُبَانِ إلَيْهِ فِي الشَّرْعِ فَيَكُونُ مَأْجُورًا فِيهِ، وَفِي نَظِيرِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَقَالَ نَادِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثَرَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْحِلَّ يَحْصُلُ بِدُخُولِ الزَّوْجِ الثَّانِي بِهَا، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنْ يُحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا بِهَذَا الشَّرْطِ بِأَنْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ لَهُ: تَزَوَّجْنِي فَحَلِّلْنِي أَوْ قَالَ لَهُ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ: تَزَوَّجْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ فَحَلِّلْهَا لِي أَوْ قَالَ الثَّانِي لِلْمَرْأَةِ: أَتَزَوَّجُكِ فَأُحَلِّلُكِ لِلْأَوَّلِ فَهَذَا مَكْرُوهٌ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» وَقَالَ ﵇ «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ قَالُوا بَلَى قَالَ هُوَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فَيُحَلِّلُهَا لِزَوْجٍ كَانَ لَهَا قَبْلَهُ» وَلَكِنْ مَعَ هَذَا يَجُوزُ النِّكَاحُ وَيَثْبُتُ الْحِلُّ لِلْأَوَّلِ بِدُخُولِ الثَّانِي بِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَنْهِيَّ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ النِّكَاحِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ وَالدُّخُولُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ يُحِلُّهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ هَذَا النِّكَاحُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّوْقِيتِ لِلنِّكَاحِ وَالتَّوْقِيتُ مُفْسِدٌ لِلنِّكَاحِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً شَهْرًا، وَإِذَا فَسَدَ النِّكَاحُ الثَّانِي فَالدُّخُولُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يُوجِبُ الْحِلَّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ النِّكَاحُ جَائِزٌ، وَلَكِنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَهْدِمُ الشَّرْطَ وَلَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ
стр. 6197
إلَّا أَنَّهُمَا لَوْ قَصَدَا الِاسْتِهْجَانَ عِوَضًا بِالْحِرْمَانِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْحِلُّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ قَتَلَ مُورِثَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.
وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ إنْ خَطَبْت فُلَانَةَ أَوْ تَزَوَّجْتهَا فَأَجَازَتْ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَلَهُ أَنْ يَخْطُبَهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ إذَا دَخَلَ حَرْفُ أَوْ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ فَيَكُونُ الثَّابِتُ أَحَدَهُمَا، وَتَتَحَلَّلُ الْيَمِينُ بِوُجُوبِ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ، فَإِنْ خَطَبَهَا أَوَّلًا انْحَلَّتْ الْيَمِينُ وَهِيَ لَيْسَتْ فِي نِكَاحِهِ فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا شَيْءٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَمِينَ فَلَا تَطْلُقُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ إنْ قَبَّلْتهَا أَوْ تَزَوَّجْتهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَقَبَّلَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ تَطْلُقْ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَهَا ثُمَّ بَلَغَهَا فَأَجَازَتْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ هُنَا شَرْطُ التَّزَوُّجِ وَإِتْمَامُ ذَلِكَ بِإِجَازَتِهَا وَهِيَ عِنْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ فِي نِكَاحِهِ فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ قَبَّلْتهَا أَوْ تَزَوَّجْتهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ يُقَبِّلَهَا وَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ قَالَ إنْ خَطَبْت فُلَانَةَ فَهِيَ كَذَا أَوْ كُلُّ امْرَأَةٍ خَطَبْتهَا فَهِيَ كَذَا أَنَّ يَمِينَهُ لَا تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ الْخِطْبَةَ غَيْرُ الْعَقْدِ، وَهِيَ تَسْبِقُ الْعَقْدَ فَلَا يَكُونُ هُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ مُضِيفًا الطَّلَاقَ إلَى الْمِلْكِ، وَهَذَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنْ عَقَدَ يَمِينَهُ بِلِسَانِ الْفَارِسِيَّةِ فَقَالَ: " أكر فُلَانَة رَابِحُوا همه مَا هُوَ دى لَهُ بَحْرَاهُمْ "، فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ يُفْهِمُ غَيْرَ الْخِطْبَةِ لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ أَيْضًا هَكَذَا الْعُرْفُ بِخُرَاسَانَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ فَأَمَّا فِي هَذِهِ الدِّيَارِ، فَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ التَّزَوُّجَ فَيَنْعَقِدُ الْيَمِينُ إذَا كَانَ مُرَادُهُ هَذَا وَيَقَعُ الطَّلَاقُ إذَا تَزَوَّجَهَا.
رَجُلٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ بِالْكُوفَةِ امْرَأَةً فَزَوَّجَهُ وَكِيلٌ لَهُ بِالْكُوفَةِ فَهُوَ حَانِثٌ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالنِّكَاحِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ حَتَّى لَا يَسْتَغْنِيَ عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ فَمُبَاشَرَةُ الْوَكِيلِ لَهُ كَمُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ فِي حَقِّ الْحِنْثِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي شَيْئًا بِالْكُوفَةِ فَاشْتَرَى لَهُ وَكِيلُهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي الشِّرَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ وَيَتَعَلَّقُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِهِ ثُمَّ الْحِيلَةُ فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ: أَنْ تُوَكِّلَ الْمَرْأَةُ وَكِيلًا يُزَوِّجُهَا مِنْهُ ثُمَّ يَخْرُجَ الْوَكِيلُ وَالزَّوْجُ إلَى الْحِيرَةِ أَوْ غَيْرِهَا بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَا مِنْ أَبْيَاتِ الْكُوفَةِ ثُمَّ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ فَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا بِالْكُوفَةِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُقِيمَ بِالْكُوفَةِ إذَا خَرَجَ مِنْ أَبْيَاتِ الْكُوفَةِ عَلَى قَصْدِ السَّفَرِ كَانَ مُسَافِرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فَعَرَفْنَا أَنَّ التَّزَوُّجَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَكُونُ تَزْوِيجًا بِالْكُوفَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ تَوْكِيلَهَا لِئَلَّا تُبْتَلَى بِالْخُرُوجِ مَعَ غَيْرِ الْمَحْرَمِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
رَجُلٌ قَالَ لِعَبْدِهِ قَدْ أَذِنْت لَك أَنْ تَتَزَوَّجَ كُلَّ أَمَةٍ تَشْتَرِيهَا فَاشْتَرَى الْعَبْدُ أَمَةً فَتَزَوَّجَهَا بِبَيِّنَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَا اشْتَرَاهَا صَارَتْ مَمْلُوكَةً لِلْمَوْلَى
стр. 6198
وَقَدْ أَقَامَهُ الْمَوْلَى مُقَامَ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ زَوَّجَ بِنَفْسِهِ أُمَّتَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ جَازَ فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي رَجُلٍ لَهُ جَارِيَةٌ تَخْرُجُ فِي حَوَائِجِهِ، وَهُوَ يَطَؤُهَا فَحَمَلَتْ وَوَلَدَتْ وَسِعَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ، وَأَنْ يَبِيعَهُ مَعَهَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَدَعُهَا تَخْرُجُ لَمْ يَسَعْهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا، وَلَا يَطْلُبُ وَلَدَهَا لَمْ يَسَعْهُ ذَلِكَ إذَا حَبَسَهَا وَمَنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ، وَهَذَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، فَأَمَّا فِي الْحُكْمِ لَا يَلْزَمُهُ النَّسَبُ إلَّا بِالدَّعْوَى إلَّا أَنَّهُ إذَا حَصَّنَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا أَوْ لَا يَعْزِلُ فَعَلَيْهِ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْبِنَاءِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَذُكِرَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ لِي جَارِيَةً أَطَؤُهَا وَأَعْزِلُ عَنْهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ نَشَدْتُك بِاَللَّهِ: هَلْ كُنْتَ تَعُودُ إلَى جِمَاعِهَا قَبْلَ أَنْ تَبُولَ؟ قَالَ نَعَمْ فَمَنَعَهُ مِنْ أَنْ يَنْفِيَهُ فَهُوَ عِنْدَنَا عَلَى الَّتِي قَدْ حَصَّنَتْ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ يُتَوَهَّمُ بَقَاءُ بَعْضِ الْمَنِيِّ فِي إحْلِيلِهِ فَبِالْمُعَاوَدَةِ يَصِلُ إلَيْهَا إذَا عَادَ فِي جِمَاعِهَا قَبْلَ الْبَوْلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إذَا أَتَى أَهْلَهُ وَاغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يَبُولَ ثُمَّ سَالَ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ يَلْزَمُهُ الِاغْتِسَالُ ثَانِيًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا فَصَبَّ الْمَاءَ مِنْ فَوْقُ فَرُبَّمَا يَعُودُ إلَى فَرْجِهَا فَتَحْبَلُ بِهِ؛ وَلِهَذَا لَا يَسَعُهُ نَفْيُ الْوَلَدِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْعَزْلِ قَالَ إذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ مِنْ مَاءٍ فَهُوَ خَالِقُهَا، وَإِنْ صَبَبْتُمْ ذَلِكَ عَلَى صَخْرَةٍ فَاعْزِلُوا أَوْ لَا تَعْزِلُوا».
وَإِذَا غَابَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فَأَرَادَ الثَّانِي مِنْهُمَا أَنْ يُبْطِلَ الشَّرِكَةَ فَالْحِيلَةُ لَهُ: أَنْ يُرْسِلَ رَسُولًا إلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدْ فَارَقَهُ وَنَقَضَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الشَّرِكَةِ، فَإِذَا بَلَغَ الرَّسُولُ ذَلِكَ فَقَدْ انْقَضَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِنَقْضِ الشَّرِكَةِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِعِلْمِ صَاحِبِهِ لِيَنْدَفِعَ الضَّرَرُ عَنْهُ وَالْغَرَرُ عَنْ شَرِيكِهِ بِذَلِكَ وَعِبَارَةُ الرَّسُولِ فِي إعْلَامِهِ كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ، وَهَذَا فِي كُلِّ عَقْدٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ نَحْوُ عَزْلِ الْوَكِيلِ وَالْحَجْرِ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَفَسْخِ الْمُضَارَبَةِ وَنَقْضِ وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ إذَا كَانَ الْأَسْفَلُ غَائِبًا فَأَرَادَ الْأَعْلَى أَنْ يَنْقُضَ وَلَاءَهُ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَدْ نَقَضَ مُوَالَاتَهُ فَيَكُونُ تَبْلِيغُ الرَّسُولِ إيَّاهُ كَتَبْلِيغِ الْمُرْسِلِ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ الْأَسْفَلُ فَلَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ الْأَعْلَى، وَإِنْ شَاءَ فَعَلَ كَذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ إلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْمُوَالَاةِ مَعَ الْأَوَّلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
стр. 6199
[بَابُ الْأَيْمَانِ]
(قَالَ ﵀) وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِ فُلَانٍ شَيْئًا وَلَيْسَ لِفُلَانٍ يَوْمَئِذٍ ثَوْبٌ ثُمَّ اشْتَرَى ثَوْبًا فَلَبِسَهُ الْحَالِفُ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى لُبْسِ ثَوْبٍ مُضَافٍ إلَى فُلَانٍ فَيُعْتَبَرُ وُجُودُ الْإِضَافَةِ عِنْدَ اللُّبْسِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامَ فُلَانٍ بِشَرْطِ وُجُودِ الْإِضَافَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الَّذِي دَعَاهُ إلَى الْيَمِينِ لَيْسَ مَعْنًى فِي الثَّوْبِ وَالطَّعَامِ بَلْ لِمَعْنًى لَحِقَهُ مِنْ جِهَةِ فُلَانٍ وَبِذَلِكَ الْمَعْنَى إنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ اتِّحَادِ الْفِعْلِ فِيهِ لِكَوْنِهِ مُضَافًا إلَى فُلَانٍ وَقْتَ اتِّحَادِ الْفِعْلِ لَا وَقْتَ الْيَمِينِ وَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الدَّارِ وَقَالَ: الدَّارُ لَا يُسْتَحْدَثُ الْمِلْكُ فِيهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ فَلَا يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ إلَّا مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي مِلْكِ فُلَانٍ عِنْدَ يَمِينِهِ فَأَمَّا الثَّوْبُ وَالطَّعَامُ فَيُسْتَحْدَثُ الْمِلْكُ فِيهِمَا فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ مَا كَانَ فِي مِلْكِ فُلَانٍ عِنْدَ وُجُودِ الْفِعْلِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَكْسُو فُلَانًا فَوَهَبَ لَهُ ثَوْبًا صَحِيحًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَصْنَعَ مِنْهُ قَمِيصًا حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَسَاهُ فَهَذَا اللَّفْظُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ تَمْلِيكَ الثَّوْبِ مِنْهُ لَا إلْبَاسَ الثَّوْبِ إيَّاهُ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ تَتَأَدَّى بِكِسْوَةِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، وَذَلِكَ بِالتَّمْلِيكِ دُونَ الْإِلْبَاسِ وَيُقَالُ فِي الْعَادَةِ كَسَا الْأَمِيرُ فُلَانًا إذَا مَلَكَهُ سَوَاءٌ لَبِسَهُ فُلَانٌ أَوْ لَمْ يَلْبَسْهُ، فَقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الْكِسْوَةِ عَلَى مَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ اللُّبْسُ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّمْلِيكُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ قَمِيصًا لِفُلَانٍ فَلَبِسَ قَمِيصًا لِعَبْدِهِ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ قَالَ الْحَاكِمُ ﵀: يَحْنَثُ، وَهَذَا خِلَافُ مَا مَضَى فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ قَالَ: وَلَكِنْ عِنْدِي أَنَّ الْجَوَابَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ وَنَوَاهُ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ كَسْبَهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ كَسْبَهُ فَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ أَوْ عِنْدَ عَدَمِ الدَّيْنِ عَلَى الْعَبْدِ فَلَا خِلَافَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ إنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَكْسُو فُلَانًا فَكَسَا عَبْدَهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ مَا مَلَكَ الثَّوْبَ مِنْ فُلَانٍ، وَإِنَّمَا مَلَكَهُ عَبْدُهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِلْمَوْلَى عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ مِنْ عَبْدِهِ حُكْمًا، وَذَلِكَ لَيْسَ شَرْطَ حِنْثِهِ ثُمَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ عِنْدَهُ لَوْ وَهَبَ لِعَبْدِ أَخِيهِ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهِ، وَلَمْ يُجْعَلْ كَهِبَتِهِ لِأَخِيهِ فَكَذَلِكَ إذَا كَسَا عَبْدَ فُلَانٍ لَا يُجْعَلُ فِي حُكْمِ الْحِنْثِ كَأَنَّهُ كَسَا فُلَانًا
стр. 6200
وَهُمَا يَقُولَانِ فِي حُكْمِ الرُّجُوعِ هِبَتُهُ لِعَبْدِ أَخِيهِ كَهِبَتِهِ لِأَخِيهِ لِاعْتِبَارِ أَنَّ الْخُصُومَةَ فِي الرُّجُوعِ تَكُونُ مَعَ الْمَوْلَى، وَهُوَ قَرِيبٌ لَهُ فَرُجُوعُهُ يُؤَدِّي إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَهُنَا شَرْطُ حِنْثِهِ نَفْسُ الْكِسْوَةِ لَا مَعْنًى يَنْبَنِي عَلَيْهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مَعَ الْعَبْدِ دُونَ الْمَوْلَى.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْقَبُولَ وَالرَّدَّ فِيهِ يُعْتَبَرُ مَعَ الْعَبْدِ دُونَ الْمَوْلَى؟ وَعَلَى هَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا فَبَاعَ مِنْ عَبْدِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَهَذَا فِي الْبَيْعِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ مِنْ وَكِيلِ فُلَانٍ لَمْ يَحْنَثْ فَكَيْفَ يَحْنَثُ إذَا بَاعَ مِنْ عَبْدِ فُلَانٍ وَالْعَبْدُ فِي الشِّرَاءِ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ لَا لِمَوْلَاهُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ هَذَا الثَّوْبَ مِنْ فُلَانٍ بِثَمَنٍ فَبَاعَهُ بِجَارِيَةٍ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ اسْمٌ لِلنَّقْدِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِثَمَنٍ لَا يَتَنَاوَلُ بَيْعَ الْمُقَابَضَةِ، فَإِنَّ فِي بَيْعِ الْمُقَابَضَةِ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَائِعًا مِنْ وَجْهٍ مُشْتَرِيًا مِنْ وَجْهٍ وَالْبَيْعُ بِثَمَنٍ مَا يَكُونُ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي مِنْ فُلَانٍ ثَوْبًا فَأَمَرَ رَجُلًا فَاشْتَرَى لَهُ مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْآمِرِ؟ قَالُوا: وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَالِفُ مِمَّنْ يُبَاشِرُ الشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُبَاشِرُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِيَمِينِهِ مَنْعَ نَفْسِهِ عَمَّا لَا يُبَاشِرُهُ عَادَةً، وَفِي الْيَمِينِ مَقْصُودُ الْحَالِفِ مُعْتَبَرٌ، وَحُكِيَ أَنَّ الرَّشِيدَ سَأَلَ مُحَمَّدًا ﵀ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: أَمَّا أَنْتَ فَنَعَمْ يَعْنِي إذَا كَانَ لَا يُبَاشِرُ الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَهُ حَانِثًا بِشِرَاءِ وَكِيلِهِ لَهُ، وَإِنْ وَهَبَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ الثَّوْبَ لِلْحَالِفِ عَلَى شَرْطِ الْعِوَضِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ فَالشِّرَاءُ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ، وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ إلَّا بِالْقَبْضِ ثُمَّ بِالْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ إنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْبَيْعِ بَعْدَ اتِّصَالِ الْقَبْضِ بِهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَهُوَ جَعْلُ الشَّرْطِ نَفْسَ الْعَقْدِ وَبِنَفْسِ الْعَقْدِ لَا يَصِيرُ هُوَ مُشْتَرِيًا، وَلَا صَاحِبُهُ بَائِعًا مِنْهُ، فَلِهَذَا لَمْ يَحْنَثْ
قَالَ: وَسَأَلْت أَبَا يُوسُفَ ﵀ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا فِي دَارٍ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَسَكَنَ مَعَهُ فِي دَارِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَقْصُورَةٍ عَلَى حِدَةٍ قَالَ: لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَكُونَا فِي مَقْصُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَهُوَ رِوَايَةُ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَهَذِهِ ثَلَاثُ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَسْكُنَا فِي مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي دَارٍ مِنْهَا لَا يَحْنَثُ بِدُونِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُسَاكَنَةَ عَلَى مِيزَانِ الْمُفَاعَلَةِ فَتَقْتَضِي وُجُودَ الْفِعْلِ مِنْهُمَا فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ وَكُلُّ دَارٍ مَسْكَنٌ عَلَى حِدَةٍ فَلَمْ يَجْمَعْهُمَا مَسْكَنٌ وَاحِدٌ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَسْكُنَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي بَيْتٍ مِنْهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ حَانِثًا فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّارِ مَسْكَنٌ وَاحِدٌ وَيُسَمَّى فِي الْعُرْفِ سَاكِنًا مَعَ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
стр. 6201
فِي بَيْتٍ وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّارِ مَقَاصِيرُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَقْصُورَةٍ عَلَى حِدَةٍ وَمُحَمَّدٌ ﵀ يَقُولُ: هُنَا الدَّارُ مَسْكَنٌ وَاحِدٌ وَالْمَقَاصِيرُ فِيهَا كَالْبُيُوتِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يُتَّخَذُ الْمَرَافِقُ كَالْمَطْبَخِ وَالْمَرْبِطِ؟ فَعَرَفْنَا أَنَّ جَمِيعَهَا فِي السُّكْنَى مَسْكَنٌ وَاحِدٌ وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ كُلُّ مَقْصُورَةٍ مَسْكَنٌ عَلَى حِدَةٍ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ السَّارِقَ مِنْ بَعْضِ الْمَقَاصِيرِ لَوْ أَخَذَ فِي صَحْنِ الدَّارِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ كَانَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَإِنَّ سَاكِنَ إحْدَى الْمَقْصُورَتَيْنِ لَوْ سَرَقَ مِنْ الْمَقْصُورَةِ الْأُخْرَى مَتَاعَ صَاحِبِهِ كَانَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ؟ فَكَانَتْ الْمَقَاصِيرُ فِي دَارٍ بِمَنْزِلَةِ الدُّورِ فِي مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ الْبُيُوتِ فَكُلُّ بَيْتٍ مِنْ الدَّارِ لَيْسَ بِمَسْكَنٍ عَلَى حِدَةٍ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْكُلَّ حِرْزٌ وَاحِدٌ حَتَّى إنَّ السَّارِقَ مِنْ بَيْتٍ إذَا أَخَذَ فِي صَحْنِ الدَّارِ وَمَعَهُ مَتَاعٌ لَمْ يُقْطَعْ وَالضَّيْفُ الَّذِي هُوَ مَأْذُونٌ بِالدُّخُولِ فِي إحْدَى الْبَيْتَيْنِ إذَا سَرَقَ مِنْ الْبَيْتِ الْآخَرِ لَمْ يُقْطَعْ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْكُلَّ مَسْكَنٌ وَاحِدٌ هُنَاكَ
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فِي دَارٍ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: لَا يَحْنَثُ وَجَعَلَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ فِي الدَّارِ كَالدُّخُولِ فِي مَحَلَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ، وَإِنَّمَا الدُّخُولُ عَلَى الْغَيْرِ فِي الْعُرْفِ بِأَنْ يَدْخُلَ بَيْتًا هُوَ فِيهِ أَوْ مَقْصُورَةً هُوَ فِيهَا عَلَى قَصْدِ زِيَارَتِهِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَمَشَايِخُنَا ﵏ قَالُوا: فِي عُرْفِ دِيَارِنَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَمَا يَجْلِسُ فِي بَيْتِهِ لِيَزُورَهُ النَّاسُ يَجْلِسُ فِي دَارِهِ لِذَلِكَ فَكَانَ ذَلِكَ مَقْصُودًا بِيَمِينِهِ قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي دِهْلِيزٍ لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ، وَمُرَادُهُ مِنْ ذَلِكَ دِهْلِيزٌ إذَا رَدَّ الْبَابَ يَبْقَى خَارِجًا فَإِمَّا كُلُّ مَوْضِعٍ إذَا رَدَّ الْبَابَ يَبْقَى دَاخِلًا، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَجْلِسُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَزُورَهُ النَّاسُ فِيهِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَّا بِإِذْنِهِ؟ بِخِلَافِ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ خَارِجَ الْبَابِ فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَصِلَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ بِدُونِ إذْنِهِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَرْطَ حِنْثِهِ، وَلَا يُسَمَّى دُخُولًا عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ مَنْزِلًا وَحَلَفَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُ عَلَى الْحَالِفِ الْأَوَّلِ مَنْزِلًا فَدَخَلَا مَعًا لَمْ يَحْنَثْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاخِلَ الْمَنْزِلِ وَلَكِنْ مَعَ صَاحِبِهِ لَا عَلَى صَاحِبِهِ فَالدُّخُولُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ عِنْدَ الدُّخُولِ لِقَاءَهُ وَإِكْرَامَهُ بِالزِّيَارَةِ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ هُوَ مَعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاخِلًا عَلَى صَاحِبِهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَنْ يُجْعَلَ دَاخِلًا عَلَى صَاحِبِهِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ
стр. 6202
مَنْزِلَ فُلَانٍ بِقَدَمِهِ يَعْنِي بِذَلِكَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ عَلَى أَرْضِ مَنْزِلِهِ فَدَخَلَهُ وَعَلَيْهِ خُفَّانِ أَوْ نَعْلَانِ أَوْ رَاكِبًا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْعُرْفِ دُخُولُهُ مَنْزِلَهُ فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ دَاخِلٌ سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا أَوْ حَافِيًا أَوْ مُنْتَعِلًا، وَإِنْ نَوَى حَقِيقَةَ وَضْعِ الْقَدَمِ، فَإِنَّمَا نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَطَأُ الشَّيْءَ بِقَدَمَيْهِ حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إذَا دَخَلَهَا رَاكِبًا أَوْ مُنْتَعِلًا، وَمَنْ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ عُومِلَ بِنِيَّتِهِ
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ دَخَلْتِ دَارَ أَبِيك إلَّا بِإِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ فِي أَنْ لَا يَحْنَثَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: قَدْ أَذِنْت لَك فِي دُخُولِ هَذِهِ الدَّارِ كُلَّمَا شِئْت فَتَدْخُلُ كُلَّمَا شَاءَتْ، وَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الدُّخُولَ بِإِذْنِهِ مُسْتَثْنًى مِنْ يَمِينِهِ، وَالْإِذْنُ بِكَلِمَةِ كُلَّمَا يَتَنَاوَلُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَا لَمْ يُوجَدْ النَّهْيُ فَهِيَ كُلُّ مَرَّةٍ إنَّمَا تَدْخُلُ بِإِذْنِهِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الدُّخُولِ فَحِينَئِذٍ إذَا دَخَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ دُخُولًا بِغَيْرِ إذْنِهِ
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ خَرَجْتِ مِنْ بَيْتِي، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَخَرَجَتْ مِنْ الْبَيْتِ إلَى الْحُجْرَةِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِخَارِجَةٍ مِنْ الْبَيْتِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ لَا تُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ؟ بِقَوْلِهِ ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]، وَلِأَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ هَذَا أَنْ لَا يَرَاهَا النَّاسُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِالْخُرُوجِ إلَى السِّكَّةِ لَا بِالْخُرُوجِ إلَى الْحُجْرَةِ؛ لِأَنَّ الْحُجْرَةَ مِنْ حِرْزِهِ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ لِمَنْزِلِهِ
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتَهُ فَدَخَلَ حُجْرَتَهُ قِيلَ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ مَا دَخَلَ بَيْتَهُ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ فِي دَارٍ لَمْ يَحْنَثْ قَالُوا: وَفِي عُرْفِ دِيَارِنَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ فَاسْمُ الْبَيْتِ يَتَنَاوَلُ السُّفْلَ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ بَاتَ فِي حُجْرَتِهِ إذَا قِيلَ لَهُ: أنذيت الْبَلْدَةَ اللَّيْلَةَ يَسْتَجِيرُ أَنْ يَقُولَ فِي بَيْتِي؟
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْخُذُ مَالَهُ عَلَى فُلَانٍ إلَّا جَمِيعًا فَأَخَذَ حَقَّهُ جَمِيعًا إلَّا دِرْهَمًا وَهَبَهُ لِلْمَطْلُوبِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ عَلَى فُلَانٍ مُتَفَرِّقًا، فَإِنَّهُ لَمَّا اسْتَثْنَى الْأَخْذَ جُمْلَةً وَاحِدَةً عَرَفْنَا أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْأَخْذُ مُتَفَرِّقًا، فَإِذَا وَهَبَ لَهُ الْبَعْضَ أَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الْبَعْضِ فَلَمْ يُوجَدْ الْأَخْذُ مُتَفَرِّقًا فَلَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَخَذَ جَمِيعَ حَقِّهِ فَوَجَدَ فِيهِ دِرْهَمًا مُتَفَرِّقًا لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَسْتَبِدَّ لَهُ فَإِنْ اسْتَبَدَّ لَهُ حِينَئِذٍ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ قَبْلَ الِاسْتِبْدَالِ لَمْ يُوجَدْ أَخْذُ جَمِيعِ الْحَقِّ مُتَفَرِّقًا، وَإِنَّمَا الْمَوْجُودُ أَخْذُ بَعْضِ حَقِّهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ شَرْطَ حِنْثِهِ فَأَمَّا بَعْدَ الِاسْتِبْدَالِ، فَقَدْ أَخَذَ جَمِيعَ الْحَقِّ مُتَفَرِّقًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ السَّتُّوقَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ وَبِقَبْضِهِ لَا يَصِيرُ قَابِضًا، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بِهِ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ لَمْ يَجُزْ فَحِينَ اسْتَبْدَلَهُ، فَقَدْ وُجِدَ الْآنَ قَبْضُ مَا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ، وَقَدْ كَانَ قَبَضَ بَعْضَهُ فِي الِابْتِدَاءِ فَعَرَفْنَا
стр. 6203
أَنَّهُ وَجَدَ أَخْذَ جَمِيعِ الْحَقِّ مُتَفَرِّقًا حَتَّى لَوْ وَجَدَ الْكُلَّ سُتُّوقًا فَاسْتَبْدَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ مَا أَخَذَ حَقَّهُ مُتَفَرِّقًا
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَقَاضَى فُلَانًا فَلَزِمَهُ فَلَمْ يَتَقَاضَاهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْمُلَازَمَةَ غَيْرُ التَّقَاضِي فَالتَّقَاضِي يَكُونُ بِاللِّسَانِ وَالْمُلَازَمَةُ تَكُونُ بِالْبَدَنِ وَالْمُلَازَمَةُ غَيْرُ التَّقَاضِي فِي عُرْفِ النَّاسِ وَمَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ
وَلَوْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ لِيُعْطِيَهُ حَقَّهُ دِرْهَمًا دُونَ دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ بَعْضَ حَقِّهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ إعْطَاءُ جَمِيعِ حَقِّهِ مُتَفَرِّقًا، فَإِنَّ قَوْلَهُ دِرْهَمًا دُونَ دِرْهَمٍ عِبَارَةٌ عَنْ التَّفَرُّقِ عَادَةً، وَهُوَ بِإِعْطَاءِ بَعْضِ الْحَقِّ إنَّمَا أَعْطَاهُ حَقَّهُ مُتَفَرِّقًا
وَلَوْ حَلَفَ الطَّالِبُ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا لَهُ عَلَيْهِ فَنَامَ الطَّالِبُ أَوْ غَفَلَ فَهَرَبَ الْمَطْلُوبُ لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدَ يَمِينِهِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَا فَارَقَ الْمَطْلُوبَ إنَّمَا الْمَطْلُوبُ فَارَقَهُ حِينَ هَرَبَ مِنْهُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُفَارِقُهُ فَأَمَرَهُ السُّلْطَانُ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهُ وَحَال بَيْنَهُ وَبَيْنَ لُزُومِهِ فَذَهَبَ الْمَطْلُوبُ، وَلَمْ يَقْدِرْ الطَّالِبُ عَلَى إمْسَاكِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ مَا فَارَقَهُ إنَّمَا الْمَطْلُوبُ هُوَ الَّذِي هَرَبَ مِنْهُ وَفِعْلُ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ فِعْلًا لَهُ وَلِكَوْنِهِ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ عَجَزَ عَنْ إمْسَاكِهِ وَبِهَذَا لَا يَصِيرُ مُفَارِقًا لَهُ
وَلَوْ قَالَ كُلُّ شَيْءٍ أُبَايِعُ بِهِ فُلَانًا، فَهُوَ صَدَقَةٌ ثُمَّ بَايَعَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُزِيلُ مِلْكَهُ، فَإِنَّمَا أَضَافَ النَّذْرَ بِالصَّدَقَةِ إلَى حَالِ زَوَالِ مِلْكِهِ عَمَّا بَايَعَ غَيْرَهُ بِهِ وَالْمُضَافُ إلَى وَقْتٍ كَالْمُنْشَأِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَبَعْدَ مَا زَالَ مِلْكُهُ بِالْبَيْعِ عَنْ الْعَيْنِ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذَا الْعَيْنِ لَمْ يَصِحَّ نَذْرُهُ فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يُجْعَلْ هَذَا اللَّفْظُ الْتِزَامًا لِلتَّصَدُّقِ بِيَمِينِهِ قُلْنَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ، فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَمْ يَقُلْ قِيمَتُهُ صَدَقَةٌ وَالْمُلْتَزِمُ لِلتَّصَدُّقِ بِالْعَيْنِ لَا يَكُونُ مُلْتَزِمًا لِلتَّصَدُّقِ بِالثَّمَنِ
وَلَوْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ أَنْ لَا يُعْطِيَ الطَّالِبَ شَيْئًا ثُمَّ أَمَرَ الْمَطْلُوبُ رَجُلًا فَأَعْطَاهُ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ هُوَ الْمُعْطِي، فَإِنَّ الدَّافِعَ رَسُولٌ مِنْ جِهَتِهِ بِالتَّسْلِيمِ إلَى فُلَانٍ فَيَصِيرُ الْمُعْطِي فُلَانًا.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ صَدَقَتَهُ إلَى إنْسَانٍ لِيُفَرِّقَهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ ثُمَّ إنَّ الدَّافِعَ لَمْ يُحْضِرْ النِّيَّةَ عِنْدَ التَّصَدُّقِ جَازَ إذَا وُجِدَتْ النِّيَّةُ مِمَّنْ أَمَرَهُ بِالصَّدَقَةِ وَجُعِلَ كَأَنَّهُ هُوَ الْمُعْطِي فَهَذَا مِثْلُهُ فَإِنْ حَلَفَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ يَدِهِ إلَى يَدِهِ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ حِنْثِهِ إعْطَاءً مُقَيَّدًا بِصِفَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِالْمُنَاوَلَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ مِنْ يَدِهِ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْمُعْطِي، وَهُوَ الْمُبَاشِرُ لِلْإِعْطَاءِ فِيهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَإِذَا صَرَّحَ فِي يَمِينِهِ بِالْإِعْطَاءِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ لَا يَحْنَثُ بِمَا دُونَهُ، وَإِذَا أَطْلَقَ اللَّفْظَ يُعْتَبَرُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ سَوَاءٌ أَعْطَاهُ بِيَدِهِ أَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ فَأَعْطَاهُ
وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ مَا عَلَيْهِ دِرْهَمًا فَمَا فَوْقَهُ فَأَعْطَاهُ حَقَّهُ كُلَّهُ دَنَانِيرَ، وَإِنَّمَا عَنَى الدَّرَاهِمَ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي يَمِينِهِ بِالدَّرَاهِمِ، وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مَا صَرَّحَ
стр. 6204
بِهِ خُصُوصًا إذَا تَأَيَّدَ ذَلِكَ بِنِيَّتِهِ، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَمْتَنِعُ مِنْ إعْطَاءِ الدَّرَاهِمِ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ إعْطَاءِ الدَّنَانِيرِ لِمَالِهِ مِنْ الْمَقْصُودِ فِي الصَّرْفِ وَالتَّقْيِيدِ إذَا كَانَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ
وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ أَكَلْت عِنْدَك طَعَامًا أَبَدًا، فَهُوَ كُلُّهُ حَرَامٌ يَنْوِي بِذَلِكَ الْعَيْنَ فَأَكَلَهُ عِنْدَهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْحَرَامَ مَا أَكَلَهُ وَبَعْدَمَا أَكَلَهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَجْعَلَهُ حَرَامًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ وَصْفَ الشَّيْءِ بِأَنَّهُ حَرَامٌ بِطَرِيقِ أَنَّهُ مَحَلٌّ لِإِيقَاعِ الْفِعْلِ الْحَرَامِ فِيهِ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْأَكْلِ وَتَحْرِيمُ الْحَلَالِ إنَّمَا يَكُونُ يَمِينًا إذَا صَادَفَ مَحَلَّهُ فَأَمَّا إذَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ كَانَ لَغْوًا، وَمِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ بَعْدَمَا أَكَلَهُ حَرَامٌ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ انْفَصَلَ عَنْهُ كَانَ حَرَامًا؟ فَيَقُولُ هُوَ صَادَفَ مَحَلَّهُ فِي كَلَامِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينٌ فَتَحْرِيمُ الْحَرَامِ يَمِينٌ حَتَّى إذَا قَالَ: هَذَا الْخَمْرُ عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَوَى بِهِ الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا فَعَرَفْنَا أَنَّ الطَّرِيقَ هُوَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ أَصْلًا
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَذُوقُ طَعَامًا لِفُلَانٍ فَأَكَلَ طَعَامًا لَهُ وَلِآخَرَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَاقَ طَعَامَ فُلَانٍ وَالطَّعَامُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُزْءٌ مِنْهُ وَالذَّوْقُ يَتِمُّ بِذَلِكَ الْجُزْءِ كَالْأَكْلِ يَتِمُّ بِهِ
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامَ فُلَانٍ فَأَكَلَ طَعَامًا لَهُ وَلِآخَرَ كَانَ حَانِثًا فِي يَمِينِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَ فُلَانٍ فَلَبِسَ ثَوْبًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ أَوْ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ فَرَكِبَ دَابَّةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ الَّذِي هُوَ مَمْلُوكٌ لِفُلَانٍ لَا يُسَمَّى ثَوْبًا، وَلَا دَابَّةً وَعَلَى هَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لُقْمَةً لِفُلَانٍ فَأَكَلَ طَعَامًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ كُلَّ لُقْمَةٍ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فُلَانٍ، وَإِنَّمَا جَعَلَ شَرْطَ حِنْثِهِ أَكْلَ لُقْمَةِ فُلَانٍ خَاصَّةً، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الشَّرَابَ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ بِهَذَا غَيْرَ الْخَمْرِ فَإِنْ شَرِبَ غَيْرَهَا لَمْ يَحْنَثْ يَعْنِي غَيْرَهَا مِمَّا لَا يُسْكِرُ فَأَمَّا مَا يُشْرَبُ لِلسُّكْرِ وَالتَّلَهِّي بِهِ إذَا شَرِبَ شَيْئًا مِنْهُ كَانَ حَانِثًا؛ لِأَنَّ الشَّرَابَ فِي النَّاسِ إذَا أُطْلِقَ يُرَادُ بِهِ الْمُسْكِرُ وَالْإِنْسَانُ إنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ السُّكْرِ فَيَتَنَاوَلُ مُطْلَقَ لَفْظِهِ مَا يُسْكِرُ وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ حَقِيقَةِ لَفْظِهِ بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى لَا يَحْنَثَ بِشُرْبِ الْمَاءِ أَوْ اللَّبَنِ، وَهُوَ شَرَابٌ فَالشَّرَابُ حَقِيقَةً مَا يُشْرَبُ
وَلَوْ حَلَفَ لَا يُزَايِلُ حَرَامًا فَشَرِبَ خَمْرًا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ الْفُجُورُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَيَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ دَلِيلَ الْعُرْفِ يَغْلِبُ عَلَى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي بَنَفْسَجًا يَنْصَرِفُ إلَى دُهْنِ الْبَنَفْسَجِ دُونَ الْوَرَقِ وَالْبَنَفْسَجُ لِلْوَرَقِ حَقِيقَةً فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعُرْفَ يُعْتَبَرُ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ، وَإِنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ يَتَقَيَّدُ
стр. 6205
بِمَقْصُودِ الْحَالِفِ
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ أَمْسَيْت قَبْلَ أَنْ أُطْعَمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ قَالَ إنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَلَمْ يُطْعَمْ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ دُخُولُ اللَّيْلِ، وَذَلِكَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنَّ الْإِمْسَاءَ قَبْلَ الْإِصْبَاحِ، فَإِنَّمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِآخَرَ كَيْفَ أَصْبَحْت فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَكَيْف أَمْسَيْت فِي آخِرِ النَّهَارِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الصَّائِمَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ مِنْ الصَّبَاحِ إلَى الْمَسَاءِ وَيَنْتَهِي ذَلِكَ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ؟ فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَلَمْ يَطْعَمْ، فَقَدْ أَمْسَى قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ فَيَحْنَثَ فِي يَمِينِهِ
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الْجَمَلَ فَكَبِرَ حَتَّى صَارَ مُسِنًّا فَأَكَلَهُ حَنِثَ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْأَيْمَانِ مِنْ الْجَامِعِ وَغَيْرِهِ أَنَّ فِي الْحَيَوَانِ الْعَيْنُ لَا تَتَبَدَّلُ بِتَبَدُّلِ الْوَصْفِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ وَكَلَّمَهُ بَعْدَ مَا شَبَّ أَوْ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الشَّابَّ فَكَلَّمَهُ بَعْدَ مَا شَاخَ حَنِثَ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الرُّطَبَ فَأَكَلَهُ بَعْدَ مَا صَارَ ثَمَرًا لَمْ يَحْنَثْ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
[بَابٌ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ]
(قَالَ ﵀) امْرَأَةٌ حَامِلٌ تُرِيدُ أَنْ تَهَبَ مَهْرَهَا لِزَوْجِهَا عَلَى أَنَّهَا إنْ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا كَانَ الزَّوْجُ بَرِيئًا مِنْ الْمَهْرِ، وَإِنْ سَلِمَتْ عَادَ الْمَهْرُ عَلَى زَوْجِهَا، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْ الزَّوْجِ ثَوْبًا لَمْ تَرَهُ بِأَنْ كَانَ فِي مِنْدِيلٍ فَتَشْتَرِيهِ بِجَمِيعِ مَهْرِهَا أَوْ نِصْفِهِ فَإِنْ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا بَرِئَ الزَّوْجُ، وَإِنْ سَلِمَتْ مِنْ عِلَّتِهَا رَدَّتْ الثَّوْبَ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَعَادَ الْمَهْرُ عَلَى زَوْجِهَا، وَهَذَا يَسْتَقِيمُ إذَا بَقِيَ الثَّوْبُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ وَبِهِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ مِنْ الْأَصْلِ فَيَعُودُ الْمَهْرُ عَلَيْهِ، كَمَا كَانَ، وَلَكِنَّ الثَّوْبَ قَدْ يَتَعَيَّبُ عِنْدَهَا أَوْ يَهْلَكُ فَيَتَعَذَّرُ رَدُّهُ فَالسَّبِيلُ أَنْ تَشْتَرِيَ الثَّوْبَ وَتُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَقْبِضَهُ مِنْ الزَّوْجِ حَتَّى لَا يَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا الرَّدُّ إذَا سَلِمَتْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ
رَجُلٌ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ دَارًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ إنْ فَعَلَ اشْتَرَاهَا الْآمِرُ مِنْهُ بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ فَخَافَ الْمَأْمُورُ إنْ اشْتَرَاهَا أَنْ لَا يَرْغَبَ الْآمِرُ فِي شِرَائِهَا قَالَ: يَشْتَرِي الدَّارَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِيهَا وَيَقْبِضُهَا ثُمَّ يَأْتِيهِ الْآمِرُ فَيَقُولُ لَهُ قَدْ أَخَذْتهَا مِنْك بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ فَيَقُولُ الْمَأْمُورُ هِيَ لَك بِذَلِكَ، وَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَقْبِضَهَا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الشَّرْطِ لِجَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ عِنْدَهُمَا وَالْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الْخِيَارِ يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمُشْتَرَى بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ هَلْ يَمْلِكُهُ
стр. 6206
مَعَ شَرْطِ الْخِيَارِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّمَا قَالَ الْآمِرُ: يَبْدَأُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمُشْتَرَى فَيَقُولُ: أَخَذْت مِنْك بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ لَهُ لَوْ بَدَأَ قَالَ: بِعْتهَا مِنْك رُبَّمَا لَا يَرْغَبُ الْآمِرُ فِي شِرَائِهَا وَيَسْقُطُ خِيَارُ الْمَأْمُورِ بِذَلِكَ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي أَنْ يَبْدَأَ الْآمِرُ حَتَّى إذَا قَالَ الْمَأْمُورُ: هِيَ لَك بِذَلِكَ، ثُمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَرْغَبْ الْآمِرُ فِي شِرَائِهَا يُمَكِّنُ الْمَأْمُورَ مِنْ رَدِّهَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَيَنْدَفِعُ الضَّرَرُ عَنْهُ بِذَلِكَ
رَجُلٌ حَلَفَ يُعْتِقُ كُلَّ مَمْلُوكٍ يَمْلِكُهُ إلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُعْتِقَ وَيَجُوزَ عَنْ ظِهَارِهِ قَالَ يَقُولُ الرَّجُلُ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَتَقَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ هُنَا، وَإِنْ كَانَ يَثْبُتُ لِلْآمِرِ، فَإِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ تَصْحِيحِ الْعِتْقِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِطَرِيقِ الْإِضْمَارِ وَالْمَقْصُودُ بِالْإِضْمَارِ تَصْحِيحُ الْكَلَامِ فَفِيمَا يَرْجِعُ إلَى تَصْحِيحِ الْكَلَامِ يَظْهَرُ حُكْمُ الْمُضْمَرِ، وَلَا يَظْهَرُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَلَا يَصِيرُ شَرْطُ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ الْأُولَى مَوْجُودًا بِهَذَا اللَّفْظِ فَيَقَعُ الْعِتْقُ عَنْ الظِّهَارِ، كَمَا أَوْجَبَهُ بِالْكَلَامِ الثَّانِي وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَصِيرُ رِوَايَةً فِي فَصْلٍ، وَهُوَ مَنْ قَالَ لِعَبْدِ الْغَيْرِ: مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ قَالَ: إنْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي ثُمَّ اشْتَرَاهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الظِّهَارِ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ صَارَ مُسْتَحَقًّا بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ، وَلَا يَمْلِكُ إبْدَالَهُ بِغَيْرِهِ فَعِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ إنَّمَا يُعْتَقُ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ نِيَّةُ الظِّهَارِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَكَلَّفَ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَقَالَ: يَقُولُ الرَّجُلُ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى كَذَا، وَلَوْ كَانَ هُوَ يُمْكِنُهُ إعْتَاقُهُ عَنْ ظِهَارِهِ لَقَالَ: إنَّهُ يَقُولُ لِهَذَا الْمَمْلُوكِ: إنْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي ثُمَّ يَشْتَرِيهِ فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْ هَكَذَا عَرَفْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُعْتَقَ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ خَاصَّةً
امْرَأَةٌ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَلَهَا عَلَيْهِ دَيْنٌ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَحَلَفَ مَا لَهَا عَلَيْهِ حَقٌّ فَأَرَادَتْ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ وَأَنْكَرَتْ أَنْ تَكُونَ عِدَّتُهَا قَدْ انْقَضَتْ تُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ نَفَقَةً بِقَدْرِ دَيْنِهَا قَالَ يَسَعُهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَوْ ظَفِرَتْ بِجِنْسِ حَقِّهَا كَانَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ فَكَذَلِكَ إنْ تَمَكَّنَتْ مِنْ الْأَخْذِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا الزَّوْجَ، وَإِنْ كَانَ يُعْطِيهَا بِطَرِيقِ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ فَهِيَ إنَّمَا تَسْتَوْفِي بِحِسَابِ دَيْنِهَا وَلَهَا حَقُّ اسْتِيفَاءِ مَالِ الزَّوْجِ بِحِسَابِ دَيْنِهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْهُ فَإِنْ حَلَّفَهَا الْقَاضِي عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَحَلَفَتْ تَعْنِي بِهِ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ وَسِعَهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا مَتَى كَانَتْ مَظْلُومَةً تُعْتَبَرُ نِيَّتُهَا، فَإِذَا حَلَفَتْ مَا انْقَضَتْ عِدَّتِي تَعْنِي بِهِ عِدَّةَ عُمْرِهَا وَسِعَهَا ذَلِكَ
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ مَالًا مُضَارَبَةً إلَى رَجُلٍ وَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ الْمُضَارِبُ ضَامِنًا لَهُ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقْرِضَهُ رَبُّ الْمَالِ الْمَالَ إلَّا دِرْهَمًا
стр. 6207
ثُمَّ يُشَارِكَهُ بِذَلِكَ الدِّرْهَمِ فِيمَا أَقْرَضَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَا فَمَا رَزَقَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى كَذَا، وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ بِالْقَبْضِ يَصِيرُ ضَامِنًا لِلْمُسْتَقْرَضِ مُتَمَلِّكًا ثُمَّ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا مَعَ التَّفَاوُتِ فِي رَأْسِ الْمَالِ صَحِيحٌ فَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ عَلَى مَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁ الرِّبْحُ عَلَى مَا اشْتَرَطَا وَالْوَضِيعَةُ عَلَى الْمَالِ وَيَسْتَوِي إنْ عَمَلًا جَمِيعًا أَوْ عَمِلَ بِهِ أَحَدُهُمَا فَرَبِحَ، فَإِنَّ الرِّبْحَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، وَإِنْ شَاءَ أَقْرَضَ الْمَالَ كُلَّهُ لِلْمُضَارِبِ ثُمَّ يَدْفَعُهُ الْمُسْتَقْرِضُ إلَى الْمُقْرِضِ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ ثُمَّ يَدْفَعُهُ الْمُقْرِضُ إلَى الْمُسْتَقْرِضِ بِضَاعَةً فَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّ دَفْعَهُ إلَى صَاحِبِ الْمَالِ بِضَاعَةً كَدَفْعِهِ إلَى أَجْنَبِيٍّ آخَرَ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ الرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْعَامِلِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ صَاحِبُ الْمَالِ، وَهُوَ فِي عَمَلِهِ فِي مِلْكِهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ نَائِبًا عَنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْمُضَارَبَةِ فَهَذِهِ الْحِيلَةُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ خَاصَّةً فَالْمَالُ كُلُّهُ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ عَلَى جِهَةِ الْقَرْضِ ثُمَّ هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمَالِ، وَالرِّبْحُ عَلَى شَرْطِ الْمُضَارَبَةِ فَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ الْحِيلَةُ هِيَ الْأَوْلَى
قَالَ: وَسَأَلْت أَبَا يُوسُفَ ﵀ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي دَارًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَخَافَ أَنْ يَأْخُذَهَا جَارُهَا بِالشُّفْعَةِ فَاشْتَرَاهَا بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ مِنْ صَاحِبِهَا ثُمَّ أَعْطَاهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ أَوْ أَلْفِ دِرْهَمٍ قَالَ: هُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُصَادَقَةٌ بِالثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ لِحَدِيثِ «ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: أَلَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَيَّ بَأْسٌ أَنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ وَرُبَّمَا أَبِيعُهَا بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ مَكَانَهَا دَنَانِيرَ؟ فَقَالَ ﵇: لَا بَأْسَ إذَا افْتَرَقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا عَمَلٌ» فَإِنْ حَلَّفَهُ الْقَاضِي مَا دَالَسْتَ وَلَا دَلَّسْت فَحَلَفَ كَانَ صَادِقًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ عِبَارَةٌ عَنْ الْغُرُورِ وَالْخِيَانَةِ، وَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ يَمِينٌ اشْتَرَاهَا كَذَلِكَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ لِرَجَاءِ النُّكُولِ أَوْ الْإِقْرَارِ، وَهُوَ لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ فَالسَّبِيلُ أَنْ يَأْمُرَ بَعْضَ أَصْدِقَائِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لَهُ كَذَلِكَ وَيُشْهِدَ عَلَى الْوَكَالَةِ وَيَجْعَلَهُ جَائِزَ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ اشْتَرَاهَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ خُصُومَةٌ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ مَا دَامَتْ فِي يَدِهِ، فَهُوَ خَصْمٌ لِلشَّفِيعِ إلَّا أَنْ يُشْهِدَ عَلَى تَسْلِيمِهَا لِلْآمِرِ ثُمَّ يُودِعَهَا الْآمِرُ مِنْهُ أَوْ يُعِيرَهَا
رَجُلٌ أَحَبَّ أَنْ يَشْتَرِيَ دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَإِنْ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفٍ، وَلَوْ اسْتَحَقَّ الدَّارَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْبَائِعِ إلَّا بِعَشَرَةِ آلَافٍ قَالَ يَشْتَرِيهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَيَنْقُدُهُ تِسْعَةَ آلَافٍ
стр. 6208
وَتِسْعِينَ دِرْهَمًا وَدِينَارًا، فَإِنَّمَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ فَإِنْ رَغِبَ فِيهَا الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفٍ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا اُسْتُحِقَّتْ بَطَلَ عَقْدُ الصَّرْفِ لِوُجُودِ الِافْتِرَاقِ قَبْلَ قَبْضِ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ، وَلَا يَرْجِعُ إلَّا بِمَا أَدَّى وَقَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ الصَّرْفُ صَحِيحٌ فَلَا يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الدَّارَ إلَّا بِعِشْرِينَ أَلْفٍ، وَلَوْ أَعْطَاهُ بِالْبَاقِي مَكَانَ الدِّينَارِ ثَوْبًا أَوْ مَتَاعًا رَجَعَ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ بِعِشْرِينَ أَلْفٍ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الدَّارِ لَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ فِي الثَّوْبِ وَالْمَتَاعِ فَيَكُونُ قَابِضًا مِنْهُ عِشْرِينَ أَلْفٍ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الدَّارِ فَأَمَّا عَقْدُ الصَّرْفِ يَبْطُلُ بِاسْتِحْقَاقِ الدَّارِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا رَدُّ الْمَقْبُوضِ، فَلَوْ لَمْ يُسْتَحَقَّ وَوَجَدَ بِالدَّارِ عَيْبًا رَدَّهَا بِعِشْرِينَ أَلْفٍ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الثَّمَنَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا قَبْلَ الْقَبْضِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ وُجُوهَ الْحِيَلِ لِإِبْطَالِ الشُّفْعَةِ أَوْ لِتَقْلِيلِ رَغْبَةِ الشَّفِيعِ فِي الْأَخْذِ، وَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ قَبْلَ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ هُوَ مَكْرُوهٌ أَشَدَّ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ مَشْرُوعَةٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الشَّفِيعِ فَاَلَّذِي يَحْتَالُ لِإِسْقَاطِهَا بِمَنْزِلَةِ الْقَاصِدِ إلَى الْإِضْرَارِ بِالْغَيْرِ، وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ: إنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ الْتِزَامِ هَذَا الْحَقِّ مَخَافَةَ أَنْ لَا يُمْكِنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ إذَا الْتَزَمَهُ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا كَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ كَيْفَ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ وَالْحَجِّ؟ فَهَذَا دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ لَا الْإِضْرَارُ بِالْغَيْرِ؛ لِأَنَّ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ عَنْ التَّصَرُّفِ أَوْ تَمَلُّكِ الدَّارِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ إضْرَارٌ بِهِ، وَهُوَ إنَّمَا قَصَدَ دَفْعَ هَذَا الضَّرَرِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْحِيلَةُ لِمَنْعِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَاسْتَدَلَّ أَبُو يُوسُفَ ﵀ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَمَالِي قَالَ: أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ مِنْهَا كَانَ هَذَا مَكْرُوهًا، وَإِنَّمَا تَصَدَّقَ بِالدِّرْهَمِ حَتَّى يَتِمَّ الْحَوْلُ وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ نِصَابٌ فَلَا يَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ، وَلَا أَحَدٌ يَقُولُ بِأَنَّ هَذَا يَكُونُ مَكْرُوهًا أَوْ يَكُونُ هُوَ فِيهِ آثِمًا
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ دَارًا لِغَيْرِهِ وَكَتَبَ فِي الصَّكِّ وَنَقَدَ فُلَانٌ فُلَانًا الثَّمَنَ كُلَّهُ مِنْ مَالِ فُلَانٍ الْآمِرِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ لَا يَرْضَى بِهَذَا لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ فَرُبَّمَا يَجِيءُ الْآمِرُ فَيَقُولُ: قَدْ أَخَذْت مَالِي وَأَقْرَرْت بِذَلِكَ حِينَ أَشْهَدْت عَلَى الصَّكِّ، وَلَمْ آمُرْ فُلَانًا بِالشِّرَاءِ لِي فَيَسْتَرِدَّ مَالَهُ، وَلَا يَقْدِرُ هُوَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِيُطَالِبَهُ بِثَمَنِ الدَّارِ، وَإِنْ لَمْ يَكْتُبْ هَذَا فَفِيهِ نَوْعُ ضَرَرٍ عَلَى الْآمِرِ، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي الْآمِرَ بِالْمَالِ وَيَقُولَ نَقَدْت الثَّمَنَ مِنْ مَالِي فَالْحِيلَةُ أَنْ يَكْتُبَ: وَقَدْ نَقَدَ فُلَانٌ فُلَانًا الثَّمَنَ. وَلَا يَكْتُبَ مِنْ مَالِ مَنْ هُوَ، فَإِذَا خَتَمَ الشُّهُودُ كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْبَيْعِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ فَقَطْ ثُمَّ يُقِرُّ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ مَا نَقَدَهُ مِنْ
стр. 6209
الثَّمَنِ إنَّمَا هُوَ مِنْ مَالِ الْآمِرِ فَيَكُونُ إقْرَارُهُ حُجَّةً عَلَيْهِ لِلْآمِرِ فَيَنْدَفِعُ الضَّرَرُ عَنْهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
[بَابُ الِاسْتِحْلَافِ]
(قَالَ ﵀) وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَغِيبَ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: كُلُّ جَارِيَةٍ تَشْتَرِيهَا فَهِيَ حُرَّةٌ حَتَّى تَرْجِعَ إلَى الْكُوفَةِ، وَمِنْ رَأْيِهِ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: إذَا حَلَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَقُولُ: نَعَمْ فَيُرِيهَا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي طَلَبَتْ، وَهُوَ يَعْنِي بَنِي تَغْلِبَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَوْ يَنْوِي بِقَلْبِهِ وَاحِدَ الْأَنْعَامِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ نَعَمْ وَالْأَنْعَامُ هِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] الْآيَةَ، فَإِذَا عَنَى هَذَا لَمْ يَكُنْ حَالِفًا فَإِنْ أَبَتْ إلَّا أَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ: كُلُّ جَارِيَةٍ أَشْتَرِيهَا فَهِيَ حُرَّةٌ، قَالَ: فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ وَلْيَعْنِ بِذَلِكَ كُلَّ سَفِينَةٍ جَارِيَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] وَالْمُرَادُ السُّفُنُ، فَإِذَا عَنَى ذَلِكَ عَمِلَ بِنِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهَا ظَالِمَةٌ لَهُ فِي هَذَا الِاسْتِحْلَافِ وَنِيَّةُ الْمَظْلُومِ فِيمَا يُحَلَّفُ عَلَيْهِ مُعْتَبَرَةٌ، وَإِنْ حَلَّفَتْهُ بِطَلَاقِ كُلِّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا عَلَيْهَا فَلْيَقُلْ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك فَهِيَ طَالِقٌ، وَهُوَ يَنْوِي بِذَلِكَ كُلَّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَى رَقَبَتِك فَيُعْمَلُ بِنِيَّتِهِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَلَا يَحْنَثُ إذَا تَزَوَّجَ عَلَى غَيْرِ رَقَبَتِهَا فَإِنْ كَانَ إنَّمَا عَنَى أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ عَلَى إطْلَاقِك فَهَذِهِ النِّيَّةُ تَعْمَلُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَحْنَثُ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً أُخْرَى، وَكَذَلِكَ إنْ عَنَى بِقَوْلِهِ فَهِيَ طَالِقٌ مِنْ الْوَثَاقِ فَنِيَّتُهُ صَحِيحَةٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَأَطَؤُهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَعَنَى الْوَطْءَ بِقَدَمِهِ، فَهُوَ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏: يَنْبَغِي أَنْ يَدِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَالْوَطْءُ يَكُونُ بِالْقَدَمِ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّا نَقُولُ الْوَطْءُ مَتَى أُضِيفَ إلَى النِّسَاءِ، فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْجِمَاعِ دُونَ الْوَطْءِ بِالْقَدَمِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ الْوَطْءُ بِالْقَدَمِ إذَا ذُكِرَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُضَافٍ إلَى النِّسَاءِ، فَلِهَذَا لَا يَدِينُ هُنَا فِي الْقَضَاءِ، وَهُوَ مَدِينٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى
رَجُلٌ اتَّهَمَ جَارِيَةً أَنَّهَا سَرَقَتْ لَهُ مَالًا فَقَالَ: أَنْتِ حُرَّةٌ إنْ لَمْ تَصْدُقِينِي وَخَافَ الْمَوْلَى أَنْ لَا تَصْدُقَهُ فَتَعْتِقُ فَمَا الْحِيلَةُ فِيهِ قَالَ: تَقُولُ الْجَارِيَةُ: قَدْ سَرَقْته ثُمَّ تَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: لَمْ أَسْرِقْهُ فَيَتَيَقَّنُ أَنَّهَا صَدَقَتْهُ فِي إحْدَى الْكَلَامَيْنِ، وَلَا تُعْتَقُ، وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ بَدَأْتُك بِالْكَلَامِ وَقَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ ذَلِكَ: وَإِنْ ابْتَدَأْتُك
стр. 6210
بِالْكَلَامِ فَجَارِيَتِي حُرَّةٌ فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَبْدَأَ الزَّوْجُ بِالْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ كَلَّمَتْهُ بَعْدَ كَلَامِهِ حِينَ خَاطَبَتْهُ بِيَمِينِهَا فَلَا يَكُونُ الزَّوْجُ مُبْتَدِئًا لَهَا بِالْكَلَامِ بَعْدَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يُكَلِّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ مَعًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ إذَا حَلَفَ رَجُلَانِ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ إنْ ابْتَدَأْتُك بِالْكَلَامِ فَالْتَقَيَا وَسَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ مَعًا لَمْ يَحْنَثْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَدِئَ بِالشَّيْءِ مَنْ يَسْبِقُ غَيْرَهُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإِذَا اقْتَرَنَ كَلَامُهُ بِكَلَامِ صَاحِبِهِ لَمْ يَكُنْ مُبْتَدِئًا
رَجُلٌ قَالَ: وَاَللَّهِ أَمَّا أَنَا لَا أَجْلِسُ فَمَا أَقُومُ حَتَّى أُقَامَ يَعْنِي حَتَّى يُقَوِّيَنِي اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَيُقِيمَنِي، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَهُوَ صَادِقٌ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةُ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] فَلَا يَقُومُ أَحَدٌ مَا لَمْ يُقِمْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَغْنِي فِي شَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِهِ وَحَرَكَاتِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذَا حَلَفَ لَيَأْتِيَنَّهُ غَدًا إلَّا أَنْ لَا يَسْتَطِيعَ، وَهُوَ يَعْنِي بِذَلِكَ الْقَضَاءَ وَالْقَدَرَ، فَإِنَّهُ تَعْمَلُ نِيَّتُهُ، وَلَا يَكُونُ حَانِثًا فِي يَمِينِهِ بِحَالٍ
وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ إنْ ذُقْت طَعَامًا حَتَّى أَضْرِبَك فَأَنِفَتْ الْأَمَةُ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَهَبَهَا لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ ثُمَّ يَتَنَاوَلَ الطَّعَامَ فَلَا يَحْنَثَ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا لِوَلَدِهِ بِنَفْسِ الْهِبَةِ، فَإِنَّمَا يُوجَدُ الشَّرْطُ وَهِيَ لَيْسَتْ فِي مِلْكِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ
قَالَ: وَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ امْرَأَةٍ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: اخْلَعْنِي فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ سَأَلْتنِي الْخُلْعَ إنْ لَمْ أَخْلَعْك فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: جَارِيَتِي حُرَّةٌ إنْ لَمْ أَسْأَلْك قَبْلَ اللَّيْلِ وَجَاءَ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: سَلِيهِ الْخُلْعَ فَقَالَتْ لِزَوْجِهَا: أَسْأَلُك أَنْ تَخْلَعَنِي فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لِزَوْجِهَا: قُلْ قَدْ خَلَعْتُك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ تُعْطِيهَا لِي فَقَالَ لَهَا الزَّوْجُ ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَهَا قُولِي لَا أَقْبَلُهُ فَقَالَتْ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ قُومَا، فَقَدْ بَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ بِرِّهَا فِي الْيَمِينِ أَنْ تَسْأَلَهُ الْخُلْعَ، وَقَدْ سَأَلَتْهُ وَشَرْطَ بِرِّ الزَّوْجِ أَنْ يَخْلَعَهَا بَعْدَ سُؤَالِهَا، وَقَدْ فَعَلَ، فَإِنَّمَا عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ خَاصَّةً، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا شَيْءٌ حِينَ رَدَّتْ الْخُلْعَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَصِيرُ رِوَايَةً فِيمَا إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: اخْلَعْنِي فَقَالَ الزَّوْجُ خَلَعْتُك عَلَى كَذَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ الْفُرْقَةُ مَا لَمْ تَقُلْ الْمَرْأَةُ قَبِلْت بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَتْ: اخْلَعْنِي عَلَى كَذَا فَقَالَ: قَدْ فَعَلْت، فَإِنَّهُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَذْكُرْ الْبَدَلَ كَانَ كَلَامُهَا سُؤَالًا لِلْخُلْعِ لَا أَحَدَ شَطْرَيْ الْعَقْدِ إلَّا أَنَّ فِي النِّكَاحِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَ الْبَدَلَ وَبَيْنَ أَنْ لَا
стр. 6211
يَذْكُرَ، فَإِنَّ وُجُوبَ الْمَهْرِ يَسْتَغْنِي عَنْ التَّسْمِيَةِ هُنَاكَ، وَلَا يَعْتَمِدُ الرِّضَى وَوُجُوبُ الْبَدَلِ فِي الْخُلْعِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ وَبِاعْتِبَارِ تَمَامِ الرِّضَا، فَلِهَذَا فَرَّقْنَا بَيْنَ مَا إذَا ذَكَرَ الْبَدَلَ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَذْكُرْهُ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ ﵀ فِي كِتَابِ الْحِيَلِ نَظِيرَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ فَقَالَ: إنَّ بَعْضَ مَنْ كَانَ يَتَأَذَّى مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ كَلَامٌ فَامْتَنَعَتْ مِنْ جَوَابِهِ فَقَالَ: إنْ لَمْ تُكَلِّمِينِي اللَّيْلَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَسَكَتَتْ وَامْتَنَعَتْ مِنْ كَلَامِهِ فَخَافَ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَطَافَ عَلَى الْعُلَمَاءِ ﵏ فِي اللَّيْلِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ حِيلَةً فَجَاءَ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: هَلْ أَتَيْت أُسْتَاذَك فَجَعَلَ يَعْتَذِرُ إلَيْهِ وَيَقُولُ لَا فَرَجَ لِي إلَّا مِنْ قِبَلِك فَذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَقُلْ لِلَّذِينَ حَوْلَهَا مِنْ أَقَارِبِهَا اُدْعُوهَا فَمَاذَا أَصْنَعُ بِكَلَامِهَا، فَإِنَّهَا أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ التُّرَابِ وَأَسْمَعُهَا مِنْ هَذَا بِمَا تَقْدِرُ فَجَاءَ وَقَالَ ذَلِكَ حَتَّى ضَجِرَتْ وَقَالَتْ بَلْ أَنْتَ كَذَا وَكَذَا فَصَارَتْ مُكَلِّمَةً لَهُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَخَرَجَ مِنْ يَمِينِهِ وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ أَوْرَدَهَا فِي مَنَاقِبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَ إنَّهُ قَالَ لِلرَّجُلِ ارْجِعْ إلَى بَيْتِك حَتَّى آتِيك فَأَتَشَفَّعَ لَك فَرَجَعَ الرَّجُلُ إلَى بَيْتِهِ وَجَاءَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي أَثَرِهِ فَصَعِدَ مِئْذَنَةَ مَحَلَّتِهِ وَأَذَّنَ فَظَنَّتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ فَقَالَتْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانِي مِنْك فَجَاءَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إلَى الْبَابِ وَقَالَ قَدْ بَرَّتْ يَمِينُك وَأَنَا الَّذِي أَذَّنْت أَذَانَ بِلَالٍ ﵁ فِي نِصْفِ اللَّيْلِ
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ أَخَوَيْنِ تَزَوَّجَا أُخْتَيْنِ فَزُفَّتْ امْرَأَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى زَوْجِ أُخْتِهَا فَلَمْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ حَتَّى أَصْبَحُوا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَ: لِيُطَلِّقْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً ثُمَّ يَتَزَوَّجْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمَرْأَةَ الَّتِي دَخَلَ بِهَا، وَفِي مَنَاقِبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ذُكِرَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حِكَايَةٌ أَنَّهَا وَقَعَتْ لِبَعْضِ الْأَشْرَافِ بِالْكُوفَةِ وَكَانَ قَدْ جَمَعَ الْعُلَمَاءَ ﵏ لِوَلِيمَتِهِ، وَفِيهِمْ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَكَانَ فِي عِدَادِ الشَّبَابِ يَوْمَئِذٍ فَكَانُوا جَالِسِينَ عَلَى الْمَائِدَةِ إذْ سَمِعُوا وَلْوَلَةَ النِّسَاءِ فَقِيلَ: مَاذَا أَصَابَهُنَّ فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ غَلِطُوا فَأَدْخَلُوا امْرَأَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَدَخَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاَلَّتِي أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَقَالُوا: إنَّ الْعُلَمَاءَ عَلَى مَائِدَتِكُمْ فَسَلُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلُوا فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵀ فِيهَا قَضَى عَلِيٌّ ﵁ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ الْمَهْرُ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الْعِدَّةُ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَنْكُثُ بِأُصْبُعِهِ عَلَى طَرَفِ الْمَائِدَةِ كَالْمُتَفَكِّرِ فِي شَيْءٍ فَقَالَ لَهُ مَنْ إلَى جَانِبِهِ أَبْرِزْ مَا عِنْدَك هَلْ عِنْدَك شَيْءٌ آخَرُ فَغَضِبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ
стр. 6212
- ﵀ فَقَالَ هَلْ: يَكُونُ عِنْدَهُ بَعْدَ قَضَاءِ عَلِيٍّ ﵁ يَعْنِي فِي الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: عَلَيَّ بِالزَّوْجَيْنِ فَأَتَى بِهِمَا فَسَارَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّهُ هَلْ تُعْجِبُك الْمَرْأَةُ الَّتِي دَخَلْت بِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ ثُمَّ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: طَلِّقْ امْرَأَتَك تَطْلِيقَةً فَطَلَّقَهَا ثُمَّ زَوَّجَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمَرْأَةَ الَّتِي دَخَلَ بِهَا وَقَالَ قُومَا إلَى أَهْلِكُمَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ سُفْيَانُ ﵀ مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْت؟ فَقَالَ: أَحْسَنَ الْوُجُوهِ وَأَقْرَبَهَا إلَى الْأُلْفَةِ وَأَبْعَدَهَا عَنْ الْعَدَاوَةِ أَرَأَيْت لَوْ صَبَرَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ أَمَا كَانَ يَبْقَى فِي قَلْبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ بِدُخُولِ أَخِيهِ بِزَوْجَتِهِ؟ وَلَكِنِّي أَمَرْت كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ دُخُولٌ، وَلَا خَلْوَةٌ، وَلَا عِدَّةٌ عَلَيْهَا مِنْ الطَّلَاقِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِمَّنْ وَطِئَهَا وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ وَعِدَّتُهُ لَا تَمْنَعُ نِكَاحَهُ وَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ زَوْجَتِهِ وَلَيْسَ فِي قَلْبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ فَعَجِبُوا مِنْ فِطْنَةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَحُسْنِ تَأَمُّلِهِ، وَفِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ بَيَانُ فِقْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي خَتَمَ بِهَا الْكِتَابَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
[كِتَابُ الْكَسْبِ]
كِتَابُ الْكَسْبِ (قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ ﵀) وَإِذْ قَدْ أَجَبْتُكُمْ إلَى مَا سَأَلْتُمُونِي مِنْ إمْلَاءِ شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ عَلَى حَسَبِ الطَّاقَةِ، وَقَدْرِ الْفَاقَةِ بِالْآثَارِ الْمَشْهُورَةِ وَالْإِشَارَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي تَصْنِيفَاتِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ﵀ لِإِظْهَارِ وَجْهِ التَّأْثِيرِ وَبَيَانِ طَرِيقِ التَّقْدِيرِ رَأَيْت أَنَّ أُلْحِقَ بِهِ إمْلَاءَ شَرْحِ كِتَابِ الْكَسْبِ الَّذِي يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ﵀، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ تَصْنِيفَاتِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ذَلِكَ أَبُو حَفْصٍ، وَلَا أَبُو سُلَيْمَانَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْحَاكِمُ ﵀ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَفِيهِ مِنْ الْعُلُومِ مَا لَا يَسَعُ جَهْلُهَا، وَلَا التَّخَلُّفُ عَنْ عَمَلِهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا حَثُّ الْمُفْلِسِينَ عَلَى مُشَارَكَةِ الْمُكْتَسِبِينَ فِي الْكَسْبِ لِأَنْفُسِهِمْ وَالتَّنَاوُلُ مِنْ كَدِّ يَدِهِمْ لَكَانَ يَحِقُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ إظْهَارُ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ ﵀ بَيَّنَ بَعْضَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْإِيثَارِ فِيهِ فَنَذْكُرُ مَا ذَكَرَهُ تَبَرُّكًا بِالْمَسْمُوعِ مِنْهُ وَنُلْحِقُ بِهِ مَا تَكَلَّمَ فِيهِ أَهْلُ الْأُصُولِ ﵏، وَمَا يَجُودُ بِهِ الْخَاطِرُ مِنْ الْمَعَانِي وَالْإِشَارَاتِ فَنَقُولُ الِاكْتِسَابُ فِي عُرْفِ اللِّسَانِ تَحْصِيلُ الْمَالِ بِمَا حَلَّ مِنْ الْأَسْبَابِ وَاللَّفْظُ فِي الْحَقِيقَةِ يُسْتَعْمَلُ
стр. 6213
فِي كُلِّ بَابٍ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] أَيْ بِجِنَايَتِكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَقَدْ سَمَّى جِنَايَةَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ كَسْبًا وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا فِي آيَةِ السَّرِقَةِ ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] أَيْ بَاشَرَا بِارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ فَعَرَفْنَا أَنَّ اللَّفْظَ مُسْتَعْمَلٌ فِي كُلِّ بَابٍ وَلَكِنْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُفْهَمُ مِنْهُ اكْتِسَابُ الْمَالِ ثُمَّ بَدَأَ مُحَمَّدٌ ﵀ الْكِتَابَ بِقَوْلِهِ طَلَبُ الْكَسْبِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ وَقَالَ: طَلَبُ الْكَسْبِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ الْفَرِيضَةُ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ وَقَالَ ﵇ «طَلَبُ الْحَلَالِ كَمُقَارَعَةِ الْأَبْطَالِ، وَمَنْ مَاتَ دَائِبًا فِي طَلَبِ الْحَلَالِ مَاتَ مَغْفُورًا» وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُقَدِّمُ دَرَجَةَ الْكَسْبِ عَلَى دَرَجَةِ الْجِهَادِ فَيَقُولُ لَأَنْ أَمُوتَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ رَجُلٍ أَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ ابْتَغَى مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ الَّذِينَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ بِقَوْلِهِ ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] الْآيَةَ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَافَحَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ﵁، فَإِذَا يَدَاهُ قَدْ اكْتَبَتَا فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَضْرِبُ بِالْمَرِّ وَالْمِسْحَاةِ لِأُنْفِقَ عَلَى عِيَالِي فَقَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَقَالَ كَفَّانِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ تَعَالَى».
وَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ الْمَرْءَ بِاكْتِسَابِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ يَنَالُ مِنْ الدَّرَجَاتِ أَعْلَاهَا، وَإِنَّمَا يَنَالُ ذَلِكَ بِإِقَامَةِ الْفَرِيضَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى إقَامَةِ الْفَرْضِ إلَّا بِهِ فَحِينَئِذٍ كَانَ فَرْضًا بِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ بِقُوَّةِ بَدَنِهِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ بِالْقُوتِ عَادَةً، وَلِتَحْصِيلِ الْقُوتِ طُرُقُ الِاكْتِسَابِ أَوْ التَّغَالُبُ بِالِانْتِهَابِ وَالِانْتِهَابُ يَسْتَوْجِبُ الْعِقَابَ، وَفِي التَّغَالُبِ فَسَادٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ فَعَيَّنَ جِهَةَ الِاكْتِسَابِ لِتَحْصِيلِ الْقُوتِ فَقَالَ ﵇ «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ بَطْنَتُهُ فَلْيُحْسِنْ إلَيْهَا» يَعْنِي الْإِحْسَانَ بِأَنْ لَا يَمْنَعَهَا قَدْرَ الْكِفَايَةِ، وَإِنَّمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِالْكَسْبِ، كَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ إلَّا بِالطَّهَارَةِ، وَلَا بُدَّ لِذَلِكَ مِنْ كُوزٍ يَسْتَقِي بِهِ الْمَاءَ أَوْ دَلْوٍ أَوْ رِشًا يَنْزَحُ بِهِ الْمَاءَ مِنْ الْبِئْرِ، وَكَذَلِكَ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ إلَّا بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِثَوْبٍ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِالِاكْتِسَابِ عَادَةً وَمَا لَا يَتَأَتَّى إقَامَةُ الْفَرْضِ إلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا فِي نَفْسِهِ ثُمَّ الْكَسْبُ طَرِيقُ الْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالتَّمَسُّكِ بِهُدَاهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وَبَيَانُهُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ اكْتَسَبَ أَبُونَا آدَم ﵇ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧] أَيْ تَتْعَبْ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي تَفْسِيرِهِ لَا تَأْكُلْ خُبْزًا بِزَيْتٍ حَتَّى تَعْمَلَ عَمَلًا إلَى الْمَوْتِ
стр. 6214
وَفِي الْآثَارِ «أَنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا أُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِالْحِنْطَةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا فَزَرَعَهَا وَسَقَاهَا وَحَصَدَهَا وَدَرَسَهَا وَطَحَنَهَا وَخَبَزَهَا فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ حَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ وَقَالَ: إنَّ رَبَّك يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إنْ صُمْت بَقِيَّةَ الْيَوْمِ غَفَرْت لَك خَطِيئَتَك وَشَفَّعْتُك فِي أَوْلَادِك فَصَامَ وَكَانَ حَرِيصًا عَلَى تَنَاوُلِ ذَلِكَ الطَّعَامِ لِيَنْظُرَ يَجِدُ لَهُ مِنْ الطَّعْمِ مَا كَانَ يَجِدُ لِطَعَامِ الْجَنَّةِ» فَمِنْ ثَمَّةَ حَرَصَ الصَّائِمُونَ بَعْدَ الْعَصْرِ عَلَى تَنَاوُلِ الطَّعَامِ.
، وَكَذَا نُوحٌ ﵇ كَانَ نَجَّارًا يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِدْرِيسُ ﵇ كَانَ خَيَّاطًا وَإِبْرَاهِيمُ ﵇ كَانَ بَزَّارًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «عَلَيْكُمْ بِالْبَزْرِ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ بَزَّارًا» يَعْنِي الْخَلِيلَ ﵇ «وَدَاوُد ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهِ» عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ مُتَنَكِّرًا فَيَسْأَلُ عَنْ سِيرَةِ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ حَتَّى اسْتَقْبَلَهُ جِبْرِيلُ ﵇ يَوْمًا عَلَى صُورَةِ شَابٍّ فَقَالَ لَهُ كَيْفَ تَعْرِفُ دَاوُد أَيُّهَا الْفَتَى فَقَالَ نِعْمَ الْعَبْدُ دَاوُد إلَّا أَنَّ فِيهِ خَصْلَةً قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: إنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ مَنْ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهِ فَرَجَعَ دَاوُد ﵇ إلَى مِحْرَابِهِ بَاكِيًا مُتَضَرِّعًا يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ عَلِّمْنِي كَسْبًا تُغْنِينِي بِهِ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ فَعَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى صَنْعَةَ الدِّرْعِ وَلَيَّنَ لَهُ الْحَدِيدَ حَتَّى كَانَ الْحَدِيدُ فِي يَدِهِ كَالْعَجِينِ فِي يَدِ غَيْرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠] وَقَالَ ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] فَكَانَ يَصْنَعُ الدِّرْعَ وَيَبِيعُ كُلَّ دِرْعٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ وَيَتَصَدَّقُ»، وَسُلَيْمَانُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه يَصْنَعُ الْمَكَايِيلَ مِنْ الْخُوصِ فَيَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ، وَزَكَرِيَّا ﵇ كَانَ نَجَّارًا، وَعِيسَى ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ غَزْلِ أُمِّهِ وَرُبَّمَا كَانَ يَلْتَقِطُ السُّنْبُلَةَ فَيَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ نَوْعُ اكْتِسَابٍ.
وَنَبِيُّنَا ﷺ كَانَ يَرْعَى فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ قَالَ لِأَصْحَابِهِ ﵃ يَوْمًا كُنْت رَاعِيًا لِعُقْبَةَ بْنِ مُعَيْطٍ وَمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إلَّا وَكَانَ رَاعِيًا»، وَفِي حَدِيثِ «السَّائِبِ بْنِ شَرِيكٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَرِيكِي وَكَانَ خَيْرُ شَرِيكٍ لَا يُدَارِي وَلَا يُمَارِي» أَيْ: لَا يُلَاحِي، وَلَا يُخَاصِمُ فَقِيلَ: فَبِمَاذَا كَانَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَكُمَا فَقَالَ: فِي الْأُدْمِ وَازْدَرَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَلَى مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ لِيُعْلِمَ أَنَّ الْكَسْبَ طَرِيقُ الْمُرْسَلِينَ ﵈.
ثُمَّ الْكَسْبُ نَوْعَانِ: كَسْبٌ مِنْ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ وَكَسْبٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ فَالْكَاسِبُ لِنَفْسِهِ هُوَ الطَّالِبُ لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْمُبَاحِ وَالْكَاسِبُ عَلَى نَفْسِهِ هُوَ الْبَاغِي لِمَا عَلَيْهِ فِيهِ جُنَاحٌ نَحْوَ مَا يَكُونُ مِنْ السَّارِقِ وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنْهُ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ
стр. 6215
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١] وَقَالَ ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إثْمًا﴾ [النساء: ١١٢] الْآيَةَ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ﵏ أَنَّ النَّوْعَ الْأَوَّلَ مِنْ الْكَسْبِ مُبَاحٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ هُوَ فَرْضٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ جُهَّالِ أَهْلِ التَّقَشُّفِ وَحَمَاقَى أَهْلِ التَّصَوُّفِ: إنَّ الْكَسْبَ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِمَنْزِلَةِ تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ وَقَالُوا: إنَّ الْكَسْبَ يَنْفِي التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ يُنْقِصُ مِنْهُ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالتَّوَكُّلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] فَمَا يَتَضَمَّنُ نَفْيَ مَا أُمِرْنَا بِهِ مِنْ التَّوَكُّلِ يَكُونُ حَرَامًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَنْفِي التَّوَكُّلَ قَوْلُهُ ﵇ «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ التَّوَكُّلِ لَرُزِقْتُمْ، كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ يَغْدُو خِمَاصًا وَيَرُوحُ بِطَانًا» وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وَفِي هَذَا حَثٌّ عَلَى تَرْكِ الِاشْتِغَالِ بِالْكَسْبِ وَبَيَانُ أَنَّ مَا قُدِّرَ لَهُ مِنْ الْمَوْعُودِ يَأْتِيهِ لَا مَحَالَةَ.
وَقَالَ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢] الْآيَةَ، وَالْخِطَابُ وَإِنْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ، فَقَدْ أُمِرُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَتَرْكِ الِاشْتِغَالِ بِالْكَسْبِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وَفِي الِاشْتِغَالِ بِالْكَسْبِ تَرْكُ مَا خُلِقَ الْمَرْءُ لِأَجْلِهِ وَأُمِرَ بِهِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ «مَا أُوحِيَ إلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ وَأَكُونَ مِنْ الْمُتَاجِرِينَ، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إلَيَّ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] الْآيَةَ» وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ وَالْكَسْبَ بَلْ الْمُرَادُ تِجَارَةَ الْعَبْدِ مَعَ رَبِّهِ بِبَذْلِ النَّفْسِ فِي طَاعَتِهِ وَالِاشْتِغَالِ بِعِبَادَتِهِ فَذَلِكَ يُسَمَّى تِجَارَةً وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] الْآيَةَ، وَقَالَ ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١] الْآيَةَ، وَالْمُرَادُ هَذَا النَّوْعُ، وَهُوَ بَذْلُ النَّفْسِ لِنَيْلِ الثَّوَابِ بِالْجِهَادِ وَأَنْوَاعُ الطَّاعَةِ.
وَكَذَا قَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى آخِذَ الْمَالِ لِارْتِكَابِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ فِي الدِّينِ بَائِعًا نَفْسَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] وَقَالَ ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٩] وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ «النَّاسُ غَادِيَانِ بَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا وَمُشْتَرٍ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا»، وَإِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يَشْتَغِلُوا بِالْكَسْبِ فَالْقَوْلُ مَعَ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ ﵃ كَانُوا يَلْزَمُونَ الْمَسْجِدَ فَلَا يَشْتَغِلُونَ بِالْكَسْبِ وَمُدِحُوا عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَعْلَى الصَّحَابَةِ ﵃ لَمْ يَشْتَغِلُوا بِالْكَسْبِ وَهُمْ الْأَئِمَّةُ السَّادَةُ وَالْقُدْوَةُ الْقَادَةُ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْآيَةَ، وَقَالَ ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿إلَّا أَنْ
стр. 6216
تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْآيَةَ فَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْآيَاتِ تَنْصِيصٌ عَلَى الْحِلِّ، وَفِي بَعْضِهَا نَدْبٌ إلَى الِاشْتِغَالِ بِالتِّجَارَةِ فَمَنْ يَقُولُ بِحُرْمَتِهَا إنَّمَا يُخَاطِبُنَا بِمَا يَفْهَمُهُ وَلَفْظُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ حَقِيقَةٌ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ بِطَرِيقِ الِاكْتِسَابِ وَالْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَةٍ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا إلَى نَوْعٍ مِنْ الْمَجَازِ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ، كَمَا فِيمَا اسْتَشْهَدُوا بِهِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]، فَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَجَازُ، وَلَمَّا لَمْ يُوجَدْ مِثْلُ ذَلِكَ هُنَا فَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى حَقِيقَتِهِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةَ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] وَالْمُرَادُ التِّجَارَةُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] يَعْنِي التِّجَارَةَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِ أَيْدِيكُمْ، وَإِنَّ أَخِي دَاوُد كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ» وَالْمُرَادُ الْإِشَارَةُ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧].
وَأَقْوَى مَا تَعْتَمِدُهُ أَنَّ الِاكْتِسَابَ طَرِيقُ الْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، وَقَدْ قَرَّرْنَا ذَلِكَ، وَلَا مَعْنَى لِمُعَارَضَتِهِمْ إيَّانَا فِي ذَلِكَ بِيَحْيَى وَعِيسَى ﵉، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ عِيسَى ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ غَزْلِ أُمِّهِ ﵂ ثُمَّ يَقُولُ إنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ فِي هَذَا لَيْسَ كَغَيْرِهِمْ، فَقَدْ بُعِثُوا لِدَعْوَةِ النَّاسِ إلَى دِينِ الْحَقِّ وَإِظْهَارِ ذَلِكَ لَهُمْ فَكَانُوا مَشْغُولِينَ بِمَا بُعِثُوا لِأَجْلِهِ، وَلَمْ يَشْتَغِلُوا عَامَّةَ أَوْقَاتِهِمْ بِالْكَسْبِ لِهَذَا، وَقَدْ اكْتَسَبُوا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِيُبَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ بِهِ الْمَرْءُ وَأَنَّهُ لَا يَنْفِي التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا ظَنَّهُ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ، وَقَدْ بَيَّنَ هَذَا عُمَرُ ﵁ فِي حَدِيثِهِ حَيْثُ مَرَّ بِقَوْمٍ مِنْ الْقُرَّاءِ فَرَآهُمْ جُلُوسًا قَدْ نَكَسُوا رُءُوسَهُمْ فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: هُمْ الْمُتَوَكِّلُونَ فَقَالَ: كَلًّا، وَلَكِنَّهُمْ الْمُتَآكِلُونَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ، أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَنْ الْمُتَوَكِّلُونَ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي يُلْقِي الْحَبَّ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يَتَوَكَّلُ عَلَى رَبِّهِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ وَاكْتَسِبُوا لِأَنْفُسِكُمْ.
وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ الْكِبَارَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ كَانُوا لَا يَكْتَسِبُونَ دَعْوَى بَاطِلٌ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ كَانَ بَزَّارًا وَعُمَرُ ﵁ كَانَ يَعْمَلُ فِي الْأُدْمِ وَعُثْمَانُ كَانَ تَاجِرًا يُجْلَبُ إلَيْهِ الطَّعَامُ فَيَبِيعُهُ وَعَلِيٌّ ﵁ كَانَ يَكْسِبُ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ أَجَّرَ نَفْسَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ حَتَّى أَجَّرَ نَفْسَهُ مِنْ يَهُودِيٍّ «وَقَالَ لِلْوَازِنِ: زِنْ وَارْجَحْ، فَإِنَّ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ هَكَذَا نَزِنُ»، «وَبَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَعْبًا وَحِلْسًا مِنْ يَزِيدَ». «وَاشْتَرَى نَاقَةً مِنْ أَعْرَابِيٍّ وَأَوْفَاهُ ثَمَنَهَا ثُمَّ جَحَدَ الْأَعْرَابِيُّ وَقَالَ: هَلُمَّ شَاهِدٌ قَالَ ﵇: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ فَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁: أَنَا أَشْهَدُ لَك
стр. 6217
بِأَنَّك أَوْفَيْت الْأَعْرَابِيَّ ثَمَنَ النَّاقَةِ فَقَالَ ﵇: كَيْفَ تَشْهَدُ لِي وَلَمْ تَكُنْ حَاضِرًا؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّا نُصَدِّقُك فِيمَا تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ أَفَلَا نُصَدِّقُك فِيمَا تُخْبِرُ بِهِ مِنْ إيفَاءِ ثَمَنِ النَّاقَةِ، فَقَالَ ﵇ مَنْ شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ فَحَسْبُهُ»، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] فَالْمُرَادُ الْمَطَرُ الَّذِي يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ فَيَحْصُلُ بِهِ النَّبَاتُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى رِزْقًا عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ يَا ابْنَ آدَمَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْزُقُك وَيَرْزُقُ رِزْقَك وَيَرْزُقُ رِزْقَ رِزْقِك يَعْنِي يُنْزِلُ الْمَطَرَ مِنْ السَّمَاءِ رِزْقًا لِلنَّبَاتِ ثُمَّ النَّبَاتُ رِزْقُ الْأَنْعَامِ وَالْأَنْعَامُ رِزْقٌ لِبَنِي آدَمَ، وَلَئِنْ حَمَلْنَا الْآيَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا فَنَقُولُ: فِي السَّمَاءِ رِزْقُنَا، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَكِنْ أَمَرَ بِاكْتِسَابِ السَّبَبِ لِيَأْتِيَنَا ذَلِكَ الرِّزْقُ عِنْدَ الِاكْتِسَابِ.
بَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ ﵇ فِيمَا يُؤْثَرُ عَنْ رَبِّهِ : «عَبْدِي حَرِّكْ يَدَك أُنْزِلْ عَلَيْك الرِّزْقَ»، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَرْيَمَ بِهَزِّ النَّخْلَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهُزِّي إلَيْك﴾ [مريم: ٢٥] الْآيَةَ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْزُقَهَا مِنْ غَيْرِ هَزٍّ مِنْهَا، كَمَا كَانَ يَرْزُقُهَا فِي الْمِحْرَابِ فَقَالَ ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧] الْآيَةَ، وَإِنَّمَا أَمَرَهَا بِذَلِكَ لِيَكُونَ بَيَانًا لِلْعِبَادِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ لَا يَدَعُوا اكْتِسَابَ السَّبَبِ، وَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الرَّزَّاقُ، وَهَذَا نَظِيرُ الْخَلْقِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لَا مِنْ سَبَبٍ، وَلَا فِي سَبَبٍ كَمَا خَلَقَ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه، وَقَدْ يَخْلُقُ لَا مِنْ سَبَبٍ، وَلَا فِي سَبَبٍ كَمَا خَلَقَ عِيسَى ﵇، وَقَدْ يَخْلُقُ مِنْ سَبَبٍ فِي سَبَبٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ﴾ [الحجرات: ١٣] الْآيَةَ، ثُمَّ الِاشْتِغَالُ بِالنِّكَاحِ وَطَلَبُ الْوَلَدِ لَا يَنْفِي يَقِينَ الْعَبْدِ بِأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَكَذَا أَمْرُ الرِّزْقِ لِيُعْلِمَ أَنَّ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ حَقِيقَةَ التَّوَكُّلِ فِي تَرْكِهِ الْكَسْبَ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي «قَوْلِهِ لِلسَّائِلِ الَّذِي قَالَ: أُرْسِلُ نَاقَتِي وَأَتَوَكَّلُ فَقَالَ ﵇ لَا بَلْ اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ».
وَنَظِيرُ هَذَا الدُّعَاءِ، فَقَدْ أُمِرْنَا بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا قُدِّرَ لِأَحَدٍ، فَهُوَ يَأْتِيهِ لَا مَحَالَةَ ثُمَّ أَحَدٌ لَا يَتَطَرَّقُ بِهَذَا إلَى تَرْكِ السُّؤَالِ وَالدُّعَاءِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْأَنْبِيَاءُ ﵈ كَانُوا يَسْأَلُونَ الْجَنَّةَ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، وَقَدْ وَعَدَهُمْ ذَلِكَ، وَهُوَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَكَانُوا يَأْمَنُونَ الْعَاقِبَةَ ثُمَّ كَانُوا يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى ذَلِكَ فِي دُعَائِهِمْ وَكَذَا أَمْرُ الشِّفَاءِ فَالشَّافِي هُوَ اللَّهُ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْمُدَاوَاةِ قَالَ ﵇ «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مَا خَلَقَ دَاءً إلَّا وَخَلَقَ لَهُ دَوَاءً إلَّا السَّامُّ أَوْ قَالَ الْهَرَمُ»، وَقَدْ «فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ دَاوَى مَا أَصَابَهُ مِنْ الْجِرَاحَةِ فِي وَجْهِهِ» ثُمَّ اكْتِسَابُ السَّبَبِ بِالْمُدَاوَاةِ لَا يَنْفِي التَّيَقُّنَ
стр. 6218
بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الشَّافِي فَكَذَا اكْتِسَابُ سَبَبِ الرِّزْقِ بِالتَّحَرُّكِ لَا يَنْفِي التَّيَقُّنَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الرَّازِقُ وَالْعَجَبُ مِنْ الصُّوفِيَّةِ أَنَّهُمْ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَنَاوُلِ طَعَامِ مَنْ أَطْعَمَهُمْ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ وَرِبْحِ تِجَارَتِهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ الِاكْتِسَابُ حَرَامًا لَكَانَ الْمَالُ الْحَاصِلُ بِهِ حَرَامَ التَّنَاوُلِ؛ لِأَنَّ مَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ بِارْتِكَابِ الْحَرَامِ يَكُونُ حَرَامًا.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ بَيْعَ الْخَمْرِ لِلْمُسْلِمِ لَمَّا كَانَ حَرَامًا كَانَ تَنَاوُلُ ثَمَنِهَا حَرَامًا وَحَيْثُ لَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْ التَّنَاوُلِ عَرَفْنَا أَنَّ قَوْلَهُمْ مِنْ نَتِيجَةِ الْجَهْلِ وَالْكَسَلِ ثُمَّ الْمَذْهَبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ﵏ أَنَّ الْكَسْبَ بِقَدْرِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَرِيضَةٌ وَقَالَتْ الْكَرَّامِيَّةُ بَلْ هُوَ مُبَاحٌ بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا فِي كُلِّ وَقْتٍ أَوْ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَتَفَرَّغَ أَحَدٌ عَنْ أَدَاءِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ لِيَشْتَغِلَ بِغَيْرِهَا مِنْ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالثَّانِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَا يَكُونُ فَرْضًا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ شَرْعًا يَكُونُ مُضَافًا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِإِضَافَةِ الْكَسْبِ إلَى وَقْتٍ مَخْصُوصٍ ثُمَّ لَا يَخْلُوا إمَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا لِرَغْبَةِ النَّاسِ إلَيْهِ أَوْ لِلضَّرُورَةِ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الرَّغْبَةَ ثَابِتَةٌ فِي جَمِيعِ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ الْأَمْوَالِ وَأَحَدٌ لَا يَقُولُ يُفْتَرَضُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ تَحْصِيلُ جَمِيعِ ذَلِكَ وَالثَّانِي بَاطِلٌ أَيْضًا، فَإِنَّ مَا يُفْتَرَضُ لِلضَّرُورَةِ إنَّمَا يُفْتَرَضُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ وَبَعْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ يَعْجِزُ عَنْ الْكَسْبِ فَكَيْفَ تَتَأَخَّرُ فَرِيضَتُهُ إلَى حَالِ عَجْزِهِ؟
وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُفْتَرَضَ جَمِيعُ أَنْوَاعِهِ أَوْ نَوْعٌ مَخْصُوصٌ مِنْهُ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ مَا اشْتَغَلُوا بِالْكَسْبِ فِي عَامَّةِ أَوْقَاتِهِمْ وَكَذَا أَعْلَامُ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْأَخْيَارِ، وَلَا يُظَنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِ مَا هُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ وَالثَّانِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُ النَّاسِ بِتَخْصِيصِهِ بِهَذَا الْفَرِيضَةِ بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْكَسْبَ لَيْسَ بِفَرْضٍ أَصْلًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَصْلُهُ فَرْضًا لَكَانَ الِاسْتِكْثَارُ مِنْهُ مَنْدُوبًا إلَيْهِ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعِبَادَاتِ وَالِاسْتِكْثَارُ مِنْهُ مَذْمُومٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: ٢٠] إلَى قَوْلِهِ ﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٠] وَبِهَذَا الْحَرْفِ يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَلَبِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ أَصْلَهُ لَمَّا كَانَ فَرْضًا كَانَ الِاسْتِكْثَارُ مِنْهُ مَنْدُوبًا إلَيْهِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وَالْأَمْرُ حَقِيقَةٌ لِلْوُجُوبِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِنْفَاقُ مِنْ الْمَكْسُوبِ إلَّا بَعْدَ الْكَسْبِ وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى إقَامَةِ الْفَرْضِ إلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] الْآيَةَ يَعْنِي الْكَسْبَ وَالْأَمْرُ حَقِيقَةٌ لِلْوُجُوبِ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَمَكْحُولٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُمَا قَالَا الْمُرَادُ
стр. 6219
طَلَبُ الْعِلْمِ قُلْنَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْسِيرِ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ قَالَ «طَلَبُ الْكَسْبِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ هِيَ الْفَرِيضَةُ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ وَتَلَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]» فَلَا يُتْرَكُ ذَلِكَ بِقَوْلِ مَكْحُولٍ وَمُجَاهِدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَالظَّاهِرُ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا بِدَلِيلِ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ [الجمعة: ١١] الْآيَةَ وَكَانُوا انْفَضُّوا بِذَلِكَ فِي حَالِ خُطْبَتِهِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَأُمِرُوا بِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْأَمْرُ بَعْدَ النَّهْيِ يُفِيدُ الْإِبَاحَةَ.
قُلْنَا: الْأَمْرُ حَقِيقَةٌ لِلْإِيجَابِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ هُوَ الْإِبَاحَةُ وَالرُّخْصَةُ لَقَالَ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ فِي بَابِ طَرِيقِ الْحَجِّ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى الْعِيَالِ مِنْ الزَّوْجَاتِ وَالْأَوْلَادِ وَالْمُعْتَدَّاتِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ إلَّا بِتَحْصِيلِ الْمَالِ بِالْكَسْبِ وَمَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ يَكُونُ وَاجِبًا وَالْمَعْقُولُ يَشْهَدُ لَهُ، فَإِنَّ فِي الْكَسْبِ نِظَامُ الْعَالَمِ وَاَللَّهُ تَعَالَى حَكَمَ بِبَقَاءِ الْعَالَمِ إلَى حِينِ فِنَائِهِ وَجَعَلَ سَبَبَ الْبَقَاءِ وَالنِّظَامِ كَسْبَ الْعِبَادِ، وَفِي تَرْكِهِ تَخْرِيبَ نِظَامِهِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ
فَإِنْ قِيلَ: فَبَقَاءُ هَذَا النِّظَامِ يَتَعَلَّقُ التَّسَافُدِ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَأَحَدٌ لَا يَقُولُ: بِفَرْضِيَّةِ ذَلِكَ.
قُلْنَا: نَعَمْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ الْبَقَاءَ بِتَسَافُدِ الْحَيَوَانَاتِ وَرَكَّبَ الشَّهْوَةَ فِي طِبَاعِهِمْ وَتِلْكَ الشَّهْوَةُ تَحْمِلُهُمْ عَلَى مُبَاشَرَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ لِكَيْ لَا يَمْتَنِعُوا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الطَّبْعَ دَاعٍ إلَى اقْتِضَاءِ الشَّهْوَةِ.
فَأَمَّا الِاكْتِسَابُ فِي الِابْتِدَاءِ فَكَدٌّ وَتَعَبٌ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ بَقَاءُ نِظَامِ الْعَالَمِ، فَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ أَصْلَهُ فَرْضًا لَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَنْ آخِرِهِمْ عَلَى تَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي طَبْعِهِمْ مَا يَدْعُوا إلَى الْكَدِّ وَالتَّعَبِ فَجَعَلَ الشَّرْعُ أَصْلَهُ فَرْضًا لِكَيْ لَا يَجْتَمِعُوا عَلَى تَرْكِهِ فَيَحْصُلَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَجَمِيعُ مَا ذَكَرُوا مِنْ التَّقْسِيمَاتِ يَبْطُلُ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي قَوْلِهِ طَلَبُ الْكَسْبِ فَرِيضَةٌ، كَمَا أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ.
فَإِنَّ هَذِهِ التَّقْسِيمَاتِ تَأْتِي فِي الْعِلْمِ وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ أَصْلُهُ فَرْضًا بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِكَ طَلَبُ الْكَسْبِ وَكَانَ مَعْنَى الْفَرِيضَةِ مَا بَيَّنَّا مِنْ بَقَاءِ نِظَامِ الْعَالَمِ بِهِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ عَلَى قَصْدِ التَّكَاثُرِ وَالتَّفَاخُرِ، وَإِنَّمَا ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الِاسْتِكْثَارَ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَقَالَ ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ﴾ [الحديد: ٢٠]
ثُمَّ يَنْبَنِي عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ بَعْدَ مَا اكْتَسَبَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ هَلْ الِاشْتِغَالُ بِالِاكْتِسَابِ أَفْضَلُ أَمْ التَّفَرُّغُ لِلْعِبَادَةِ؟ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ﵏: الِاشْتِغَالُ بِالْكَسْبِ أَفْضَلُ، وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا ﵏ عَلَى أَنَّ التَّفَرُّغَ لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَنْفَعَةَ الِاكْتِسَابِ أَعَمُّ، فَإِنَّ مَا يَكْتَسِبُهُ الزَّارِعُ تَصِلُ مَنْفَعَتُهُ إلَى الْجَمَاعَةِ عَادَةً، وَاَلَّذِي يَشْتَغِلُ بِالْعِبَادَةِ
стр. 6220
إنَّمَا يَنْفَعُ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ يُحَصِّلُ النَّجَاةَ لِنَفْسِهِ وَيُحَصِّلُ الثَّوَابَ لِجِسْمِهِ وَمَا كَانَ أَعَمَّ نَفْعًا.
، فَهُوَ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ ﵇ «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ»، وَلِهَذَا كَانَ الِاشْتِغَالُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ ذَلِكَ أَعَمُّ، وَلِهَذَا كَانَتْ الْإِمَارَةُ وَالسَّلْطَنَةُ بِالْعَدْلِ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ، كَمَا اخْتَارَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَعَمُّ نَفْعًا وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ «الْعِبَادَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ» وَقَوْلُهُ ﵇ «الْجِهَادُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي طَلَبِ الْحَلَالِ لِلْإِنْفَاقِ عَلَى الْعِيَالِ» وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بِالْكَسْبِ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ مِنْ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَالصَّدَقَةِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَالْإِحْسَانِ إلَى الْأَقَارِبِ وَالْأَجَانِبِ، وَفِي التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ لَا يَتَمَكَّنُ إلَّا مِنْ أَدَاءِ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ مَا اشْتَغَلُوا بِالْكَسْبِ فِي عَامَّةِ الْأَوْقَاتِ، وَلَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّ اشْتِغَالَهُمْ بِالْعِبَادَةِ فِي عُمْرِهِمْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ اشْتِغَالِهِمْ بِالْكَسْبِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمْ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَعْلَى مَنَاهِجِ الدِّينِ طَرِيقُ الْمُرْسَلِينَ ﵈ وَكَذَا النَّاسُ فِي الْعَادَةِ إذَا أَحْرَجَهُمْ أَمْرٌ يَحْتَاجُونَ إلَى دَفْعِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ يَشْتَغِلُونَ بِالْعِبَادَاتِ لَا بِالْكَسْبِ وَالنَّاسُ إنَّمَا يَتَقَرَّبُونَ إلَى الْعُبَّادِ دُونَ الْمُكْتَسِبِينَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الِاكْتِسَابَ يَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ جَمِيعًا فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ الْقَوْلُ بِتَقْدِيمِهِ عَلَى مَا لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً وَهِيَ الْعِبَادَةُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ قَالَ أَحْمَزُهَا» أَيْ أَشَقُّهَا عَلَى الْبَدَنِ، وَإِنَّمَا أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْمَرْءَ يَنَالُ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ بِمَنْعِ النَّفْسِ هَوَاهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] الْآيَةَ
وَالِاشْتِغَالُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي الِانْتِهَاءِ وَالدَّوَامُ فِي الْعِبَادَاتِ فَأَمَّا الْكَسْبُ فَفِيهِ بَعْضُ التَّعَبِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَلَكِنَّهُ فِيهِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ فِي الِانْتِهَاءِ وَتَحْصِيلُ مُرَادِ النَّفْسِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ مَا يَكُونُ بِخِلَافِ هَوَى النَّفْسِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، فَهُوَ أَفْضَلُ، وَلَا يَدْخُلُ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا النِّكَاحُ، فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ بِالنِّكَاحِ أَفْضَلُ عِنْدَنَا مِنْ التَّخَلِّي لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَأُمَّةِ رَسُولِهِ ﵇ وَتَحْقِيقِ مُبَاهَاةِ رَسُولِ اللَّهِ بِهِمْ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ هُنَا فَكَانَ التَّفَرُّغُ لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلَ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالْكَسْبِ بَعْد مَا يُحَصِّلُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ
، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَنْبَنِي عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ ﵏ وَهِيَ أَنَّ صِفَةَ الْفَقْرِ أَعْلَى أَمْ صِفَةَ الْغِنَى
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ صِفَةَ الْفَقْرِ أَعْلَى وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: صِفَةُ الْغِنَى أَعْلَى، وَقَدْ أَشَارَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي كِتَابِ
стр. 6221
الْكَسْبِ فِي مَوْضِعَيْنِ إلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ مَذْهَبِنَا فَقَالَ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ قَنَعُوا بِمَا يَكْفِيهِمْ وَعَمَدُوا إلَى الْفُضُولِ فَوَجَّهُوهَا لِأَمْرِ آخِرَتِهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَقَالَ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ وَمَا زَادَ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْمَرْءُ، وَلَا يُحَاسَبُ أَحَدٌ عَلَى الْفَقْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا لَا يُحَاسَبُ الْمَرْءُ عَلَيْهِ يَكُونُ أَفْضَلَ مِمَّا يُحَاسَبُ الْمَرْءُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ فَضَّلَ الْغِنَى فَاحْتَجَّ وَقَالَ: الْغِنَى نِعْمَةٌ وَالْفَقْرُ بُؤْسٌ وَنِقْمَةٌ وَمِحْنَةٌ، وَلَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ أَنَّ النِّعْمَةَ أَفْضَلُ مِنْ النِّقْمَةِ وَالْمِحْنَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَالَ فَضْلًا فَقَالَ ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وَمَا هُوَ فَضْلُ اللَّهِ، فَهُوَ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَسُمِّيَ الْمَالُ خَيْرًا فَقَالَ ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وَهَذَا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ عِنْدِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُد مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ: ١٠] يَعْنِي الْمُلْكَ وَالْمَالَ حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ مِائَةُ سُرِّيَّةٍ فَتَمَنَّى مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، وَلَا يُظَنُّ بِأَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ ﵈ أَنَّهُ سَأَلَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الدَّرَجَةَ الدُّنْيَا دُونَ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْأَيْدِي ثَلَاثَةٌ يَدُ اللَّهِ ثُمَّ الْيَدُ الْمُعْطِيَةُ ثُمَّ الْيَدُ الْمُعْطَاةُ وَهِيَ السُّفْلَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ ﵇ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى» وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْيَدُ الْمُعْطِيَةُ وَقَالَ ﵇ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ «﵁ إنَّك إنْ تَدَعْ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ لِعَائِشَةَ ﵂ فِي مَرَضِهِ إنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إلَيَّ غِنًى أَنْتِ وَأَعَزَّهُمْ عَلَيَّ فَقْرًا أَنْتِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صِفَةَ الْغِنَى أَعْلَى مِنْ صِفَةِ الْفَقْرِ قَالَ ﵇ «كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا» وَقَالَ ﵇ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْفَقْرِ إلَّا إلَيْك» وَقَالَ ﵇ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْبُؤْسِ وَالتَّبَاؤُسِ» الْبُؤْسُ: الْفَقْرُ وَالتَّبَاؤُسُ: التَّمَسْكُنُ وَلَا يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَتَعَوَّذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ
وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْفَقْرَ أَسْلَمُ لِلْعِبَادِ وَأَعْلَى الدَّرَجَاتِ لِلْعَبْدِ مَا يَكُونُ أَسْلَمَ لَهُ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَسْلَمُ بِالْفَقْرِ مِنْ طُغْيَانِ الْغِنَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كَلًّا إنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] الْآيَةَ، وَقَالَ ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ١١] الْآيَةَ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الطُّغْيَانِ الْأَغْنِيَاءُ يَعْنِي الَّذِينَ ادَّعَوْا مَا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْبَشَرِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْفُقَرَاءِ وَقَعَ فِي ذَلِكَ فَدَلَّ أَنَّ الْفَقْرَ أَسْلَمُ ثُمَّ صِفَةُ الْغِنَى مِمَّا تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ وَيَدْعُو إلَيْهِ الطَّبْعُ وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى اقْتِضَاءِ الشَّهَوَاتِ، وَلَا يُتَوَصَّلُ بِالْفَقْرِ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَعْلَى الدَّرَجَاتِ مَا يَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ اقْتِضَاءِ الشَّهَوَاتِ
стр. 6222
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤] الْآيَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇ «حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» وَقَالَ ﵇ «الْفَقْرُ أَزْيَنُ بِالْمُؤْمِنِ مِنْ الْعِدَاءِ الْجَيِّدِ عَلَى جَيِّدِ الْفَرَسِ» وَقَالَ ﵇ «إنَّ فُقَرَاءَ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ»، وَفِي الْآثَارِ «إنَّ آخِرَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ دُخُولًا الْجَنَّةَ سُلَيْمَانُ ﵇ لِمُلْكِهِ» «وَقَالَ ﵇ يَوْمًا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵄ مَا أَبْطَأَك عَنِّي يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إنَّك آخِرُ أَصْحَابِي لُحُوقًا بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَقُولُ مَا حَبَسَك عَنِّي فَتَقُولُ: الْمَالُ، كُنْت مُحَاسِبًا مَحْبُوسًا حَتَّى الْآنَ» وَكَانَ هُوَ مِنْ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ، وَقَدْ قَاسَمَ اللَّهَ مَالَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَتَصَدَّقَ بِالنِّصْفِ وَأَمْسَكَ النِّصْفَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَكَانَ مَالُهُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ فَتَصَدَّقَ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ كَانَ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِينَارٍ فَتَصَدَّقَ بِنِصْفِهَا، وَفِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ كَانَ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفِ دِينَارٍ فَتَصَدَّقَ بِنِصْفِهَا، وَفِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ كَانَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فَتَصَدَّقَ بِنِصْفِهَا وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ ﵇ فِي حَقِّهِ مَا قَالَ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ صِفَةَ الْفَقْرِ أَفْضَلُ.
وَقَالَ ﵇ «عُرِضَ عَلَيَّ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَاسْتَفْتَيْت أَخِي جِبْرِيلَ ﵇ بِذَلِكَ فَأَشَارَ إلَيَّ بِالتَّوَاضُعِ فَقُلْت: أَكُونُ عَبْدًا أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا، فَإِذَا جُعْت صَبَرْت، وَإِذَا شَبِعْت شَكَرْت» وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ»، وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ لِنَفْسِهِ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَأَنَّ الْأَفْضَلَ لَنَا مَا سَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أَنَا حَظُّكُمْ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنْتُمْ حَظِّي مِنْ الْأُمَمِ» فَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا التَّمَسُّكُ بِهَذَا.
وَيَتَبَيَّنُ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا تَعَوَّذَ مِنْ الْفَقْرِ الْمُطْلَقِ، وَإِنَّمَا تَعَوَّذَ مِنْ الْفَقْرِ الْمُنْسِي عَلَى مَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ فَقْرٍ مُنْسٍ، وَمِنْ غِنًى يُطْغِي» إلَّا أَنَّهُ قَيَّدَ السُّؤَالَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَمُرَادُهُ ذَلِكَ أَيْضًا وَلَكِنْ مَنْ سَمِعَ اللَّفْظَ مُطْلَقًا نَقَلَهُ، كَمَا سَمِعَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَنْبَنِي عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى
اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ، وَهُوَ أَنَّ الشُّكْرَ عَلَى الْغِنَى أَفْضَلُ أَمْ الصَّبْرُ عَلَى الْفَقْرِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ﵏ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقَاوِيلَ فَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي جَوَابِهَا لِتَعَارُضِ الْآثَارِ وَقَالَ إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ تَوَقَّفَ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ لِتَعَارُضِ الْآثَارِ فِيهِمْ وَقَالَ إذًا فَيُقْتَدَى بِهِ وَيُتَوَقَّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ لِتَعَارُضِ الْآثَارِ
стр. 6223
أَيْضًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُمَا سَوَاءٌ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﵇ «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كَالْجَائِعِ الصَّابِرِ»، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى فِي كِتَابِهِ عَلَى عَبْدَيْنِ وَأَثْنَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِعْمَ الْعَبْدُ أَحَدُهُمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ فَشَكَرَ، وَهُوَ دَاوُد قَالَ اللَّهُ ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ﴾ [ص: ٣٠] الْآيَةَ وَالْآخَرُ اُبْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَهُوَ أَيُّوبُ ﵇ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] الْآيَةَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الشُّكْرُ عَلَى الْغِنَى أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ ﵇ «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ نِعْمَةٍ» وَقَالَ ﵇ «لَوْ أَنَّ جَمِيعَ الدُّنْيَا صَارَتْ لُقْمَةً فَتَنَاوَلَهَا عَبْدٌ وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَانَ بِمَا أَتَى بِهِ خَيْرًا مِمَّا أُوتِيَ» يَعْنِي لِمَا فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَتَبَيَّنَ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ الصَّبْرِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُد شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]، وَهَذَا يَعُمُّ جَمِيعَ الطَّاعَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا يَعُمُّ جَمِيعَ الطَّاعَاتِ، فَهُوَ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْفَقْرِ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْفَقْرِ أَفْضَلُ قَالَ ﵇ «الصَّبْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ» وَقَالَ ﵇ «الصَّبْرُ مِنْ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ»، وَلِأَنَّ فِي الْفَقْرِ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ وَالصَّبْرُ عَلَى الِابْتِلَاءِ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ، يُعْتَبَرُ هَذَا بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الِابْتِلَاءِ، فَإِنَّ الصَّبْرَ عَلَى أَلَمِ الْمَرَضِ يَكُونُ أَعْظَمَ فِي الثَّوَابِ مِنْ الشُّكْرِ عَلَى صِحَّةِ الْبَدَنِ، وَكَذَلِكَ الصَّبْرُ عَلَى الْعَمَى أَفْضَلُ مِنْ الشُّكْرِ عَلَى الْبَصَرِ «قَالَ ﵇ فِيمَا يُؤْثَرُ عَنْ رَبِّهِ مَنْ أَخَذْت كَرِيمَتَهُ وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا جَزَاءَ لَهُ عِنْدِي إلَّا الْجَنَّةَ أَوْ قَالَ الْجَنَّةُ وَالرُّؤْيَةُ»، وَهَذَا الْفِقْهُ، وَهُوَ أَنَّ لِلْمُؤْمِنِ ثَوَابًا فِي نَفْسِ الْمُصِيبَةِ قَالَ ﵇ «يُؤْجَرُ الْمُؤْمِنُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الشَّوْكَةِ تُشَاكِهِ فِي رِجْلِهِ»
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ «أَنَّ مَاعِزًا ﵁ حِينَ أَصَابَهُ حَرُّ الْحِجَارَةِ هَرَبَ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ نَوْعَ اضْطِرَابٍ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ: لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ تَوْبَتُهُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَوَسِعَتْهُمْ» فَعَرَفْنَا أَنَّ نَفْسَ الْمُصِيبَةِ لِلْمُؤْمِنِ ثَوَابٌ، وَفِي الصَّبْرِ عَلَيْهَا ثَوَابٌ أَيْضًا فَأَمَّا نَفْسُ الْغِنَى فَلَا ثَوَابَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الثَّوَابُ فِي الشُّكْرِ عَلَى الْغِنَى وَمَا يُنَالُ بِهِ الثَّوَابُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ يَكُونُ أَعْلَى مِمَّا يُنَالُ فِيهِ الثَّوَابُ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَكَمَا أَنَّ فِي الشُّكْرِ عَلَى الْغِنَى ثَنَاءً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَفِي الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ كَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦] الْآيَةَ.
وَحُكِيَ أَنَّ غَنِيًّا وَفَقِيرًا تَنَاظَرَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ: أَنَا أَفْضَلُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَقْرَضَ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ فَقَالَ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [الحديد: ١١] الْآيَةَ وَقَالَ الْفَقِيرُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا اسْتَقْرَضَ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ، وَقَدْ يَسْتَقْرِضُ مِنْ الْخَبِيثِ وَغَيْرِ الْخَبِيثِ، وَلَا يُسْتَقْرَضُ إلَّا الْأَجَلُّ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْغَنِيَّ يَحْتَاجُ إلَى الْفَقِيرِ، وَلَا يَحْتَاجُ الْفَقِيرُ إلَى الْغَنِيِّ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ يَلْزَمُهُ
стр. 6224
أَدَاءُ حَقِّ الْمَالِ، فَلَوْ اجْتَمَعَ الْفُقَرَاءُ عَنْ آخِرِهِمْ عَلَى أَنْ لَا يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُجْبَرُوا عَلَى الْأَخْذِ وَيُحْمَدُونَ شَرْعًا عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْأَخْذِ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْأَغْنِيَاءُ مِنْ إسْقَاطِ الْوَاجِبِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَاَللَّهُ تَعَالَى يُوصِلُ الْفُقَرَاءَ كِفَايَتَهُمْ عَلَى حَسَبِ مَا ضَمِنَ لَهُمْ فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَغْنِيَاءَ هُمْ الَّذِينَ يَحْتَاجُونَ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْفُقَرَاءُ لَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِمْ بِخِلَافِ مَا ظَنَّهُ مَنْ يَعْتَبِرُ الظَّاهِرَ وَلَا يَتَأَمَّلُ فِي الْمَعْنَى، وَيَتَّضِحُ بِمَا قَرَّرْنَا أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنْ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ
ثُمَّ الْكَسْبُ عَلَى مَرَاتِبَ فَمِقْدَارُ مَا لَا بُدَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْهُ يَعْنِي مَا يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ يُفْتَرَضُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ اكْتِسَابُهُ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى إقَامَةِ الْفَرَائِضِ إلَّا بِهِ وَمَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إقَامَةِ الْفَرَائِضِ يَكُونُ فَرْضًا فَإِنْ لَمْ يَكْتَسِبْ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ، وَعِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» «وَقَالَ ﵇ لِابْنِ خُنَيْسٍ ﵁ فِيمَا يَعِظُهُ لُقْمَةٌ تَسُدُّ بِهَا جَوْعَتَك وَخِرْقَةٌ تُوَارِي بِهَا سَوْأَتَك فَإِنْ كَانَ لَك كِنٌّ يَكُنُّك فَحَسَنٌ، وَإِنْ كَانَ لَك دَابَّةٌ تَرْكَبُهَا بَخٍ بَخٍ»
وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالِاكْتِسَابُ بِقَدْرِ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ إنْ كَانَ غَنِيًّا قَالَ ﵇ «الدَّيْنُ مَقْضِيٌّ وَبِالِاكْتِسَابِ يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ»
وَكَذَا إنْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ مِنْ زَوْجَةٍ وَأَوْلَادٌ صِغَارٌ، فَإِنَّهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الْكَسْبُ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِمْ غَنِيًّا؛ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى زَوْجَتِهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] مَعْنَاهُ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ وَهَكَذَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الْآيَةَ، وَقَالَ ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ﴾ [الطلاق: ٧] الْآيَةَ.
وَإِنَّمَا يُتَوَصَّلُ إلَى إيفَاءِ هَذَا الْمُسْتَحَقِّ بِالْكَسْبِ وَقَالَ ﷺ «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَمُونُ» فَالتَّحَرُّزُ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَآثِمِ فَرْضٌ، وَقَالَ ﵇ «إنَّ لِنَفْسِك عَلَيْك حَقًّا، وَإِنَّ لِأَهْلِك عَلَيْك حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»، وَلَكِنَّ هَذَا فِي الْفَرْضِيَّةِ دُونَ الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ ﵇ «ثُمَّ مَنْ تَعُولُ» فَإِنْ اكْتَسَبَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ مَا يَدَّخِرُهُ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، فَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ادَّخَرَ قُوتَ عِيَالِهِ لِسَنَةٍ بَعْدَ مَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْ ذَلِكَ» عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ ﵁ أَنْفِقْ بِلَالًا وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إقْلَالًا» وَالْمُتَأَخِّرُ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ كَبِيرَانِ مُعْسِرَانِ، فَإِنَّهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الْكَسْبُ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِمَا؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمَا مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ بَعْدَ عُسْرَتِهِ إذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْكَسْبِ «قَالَ ﵇ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَتَاهُ وَقَالَ أُرِيدُ الْجِهَادَ مَعَك أَلَك أَبَوَانِ قَالَ نَعَمْ قَالَ ﵇ -
стр. 6225
ارْجِعْ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» يَعْنِي اكْتَسِبْ وَأَنْفِقْ عَلَيْهِمَا، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَلَيْسَ مِنْ الْمُصَاحَبَةِ بِالْمَعْرُوفِ تَرْكُهُمَا يَمُوتَانِ جُوعًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْكَسْبِ، وَلَكِنَّ هَذَا دُونَ مَا سَبَقَ فِي الْفَرْضِيَّةِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعِي دِينَارٌ فَقَالَ ﵇ أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك فَقَالَ مَعِي آخَرُ فَقَالَ ﵇ أَنْفِقْهُ عَلَى عِيَالِك قَالَ مَعِي آخَرُ قَالَ ﵇ أَنْفِقْهُ عَلَى وَالِدَيْك» الْحَدِيثَ فَأَمَّا غَيْرُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ فَلَا يُفْتَرَضُ عَلَى الْمَرْءِ الْكَسْبُ لِلْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا تُسْتَحَقُّ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ إلَّا بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْيَسَارِ، وَلَكِنَّهُ يُنْدَبُ إلَى الْكَسْبِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ لِمَا فِيهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فِي الشَّرْعِ قَالَ ﵇ لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُحِبُّ الْمَالَ فَيَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ وَيُكْرِمُ بِهِ ضَيْفَهُ وَيَبَرُّ بِهِ صَدِيقَهُ «وَقَالَ ﵇ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ وَأَرْغَبُ لَك رَغْبَةً مِنْ الْمَالِ». . . الْحَدِيثَ، إلَى أَنْ قَالَ: «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ يَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ» وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ ﵇ «ثَلَاثٌ مُعَلَّقَاتٌ بِالْعَرْشِ النِّعْمَةُ وَالْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ تَقُولُ النِّعْمَةُ: كُفِرْت وَلَمْ أُشْكَرْ، وَتَقُولُ الْأَمَانَةُ: ضُيِّعْت وَلَمْ أُؤَدَّ، وَتَقُولُ الرَّحِمُ: قُطِعْت وَلَمْ أُوصَلْ» وَقَالَ ﵊ «صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمْرِ وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ تَرْفَعُ الْبَرَكَةَ مِنْ الْعُمْرِ» «قَالَ ﵇ فِيمَا يُؤْثَرُ عَنْ رَبِّهِ أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْت لَهَا اسْمًا مِنْ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْته وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْته»، وَفِي تَرْكِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ مَا يُؤَدِّي إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ فَيُنْدَبُ إلَى الِاكْتِسَابِ لِلْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ وَبَعْدَ ذَلِكَ الْأَمْرُ مُوَسَّعٌ عَلَيْهِ فَإِنْ شَاءَ اكْتَسَبَ وَجَمَعَ الْمَالَ، وَإِنْ شَاءَ أَبَى.
؛ لِأَنَّ السَّلَفَ ﵏ مِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ الْمَالَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَرَفْنَا أَنَّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ مُبَاحٌ أَمَّا الْجَمْعُ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا مُتَعَفِّفًا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَمَنْ طَلَبَهَا مُفَاخِرًا مُكَاثِرًا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَدَلَّ أَنَّ جَمْعَ الْمَالِ عَلَى طَرِيقِ التَّعَفُّفِ مُبَاحٌ وَكَانَ ﵇ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَوْسَعَ رِزْقِي عِنْدَ كِبَرِ سِنِّي وَانْقِضَاءِ عُمْرِي» وَكَانَ كَذَا، فَقَدْ اجْتَمَعَ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً حَلُوبَةً وَفَدَكُ وَسَهْمٌ بِخَيْبَرَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ.
وَأَمَّا الِامْتِنَاعُ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ فَطَرِيقٌ مُبَاحٌ أَيْضًا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لَتَمَنَّى إلَيْهِمَا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» وَقِيلَ هَذَا كَانَ مِمَّا يُتْلَى فِي الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ يُونُسَ مِنْ الرُّكُوعِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ ثُمَّ اُنْتُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ وَبَقِيَتْ رِوَايَتُهُ وَقَالَ ﵇ «تَبًّا لِلْمَالِ»، وَفِي رِوَايَةٍ لِصَاحِبِ
стр. 6226
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَقَالَ ﷺ «هَلَكَ الْمُكْثِرُونَ إلَّا مَنْ قَالَ بِمَالِهِ هَكَذَا وَهَكَذَا» يَعْنِي يَتَصَدَّقُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَقَالَ ﵇ «يَقُولُ الشَّيْطَانُ: لَنْ يَنْجُوَ مِنِّي صَاحِبُ الْمَالِ مِنْ إحْدَى ثَلَاثٍ: إمَّا أَنْ أُزَيِّنَهُ فِي عَيْنِهِ فَيَجْمَعَهُ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَإِمَّا أَنْ أُحَقِّرَهُ فِي عَيْنِهِ فَيُعْطِيَ فِي غَيْرِ حِلِّهِ، وَإِمَّا أَنْ أُحَبِّبَهُ إلَيْهِ فَيَمْنَعَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ» فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْجَمْعِ أَسْلَمُ، وَلَا عَيْبَ عَلَى مَنْ اخْتَارَ طَرِيقَ السَّلَامَةِ ثُمَّ بَيَّنَ مُحَمَّدٌ ﵀ أَنَّ الْكَسْبَ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْقُرَبِ وَالطَّاعَاتِ أَيَّ كَسْبٍ كَانَ حَتَّى قَالَ: إنَّ كَسْبَ فَتَّالِ الْحِبَالِ وَمُتَّخِذِ الْكِيزَانِ وَالْجِرَارِ وَكَسْبَ الْحَرَكَةِ فِيهِ مُعَاوَنَةٌ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالْقُرَبِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ إلَّا بِالطَّهَارَةِ وَيَحْتَاجُ ذَلِكَ إلَى كُوزٍ يُسْتَقَى بِهِ الْمَاءُ وَإِلَى دَلْوٍ وَرِشَاءٍ يُنْزَحُ بِهِ الْمَاءُ وَيَحْتَاجُ إلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ بِعَمَلِ الْحَرَكَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ أَسْبَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى إقَامَةِ الطَّاعَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ عَلِيٌّ ﵁ فِي قَوْلِهِ لَا تَسُبُّوا الدُّنْيَا فَنِعْمَ مَطِيَّةُ الْمُؤْمِنِ الدُّنْيَا إلَى الْآخِرَةِ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁ حِينَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ فَقَالَ: الصَّلَاةُ وَأَكْلُ الْخُبْزِ فَنَظَرَ إلَيْهِ الرَّجُلُ كَالْمُتَعَجِّبِ فَقَالَ: لَوْلَا الْخُبْزُ مَا عُبِدَ اللَّهُ تَعَالَى يَعْنِي بِأَكْلِ الْخُبْزِ يُقِيمُ صُلْبَهُ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الطَّاعَةِ.
ثُمَّ الْمَذْهَبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ﵏ أَنَّ الْمَكَاسِبَ كُلَّهَا فِي الْإِبَاحَةِ سَوَاءٌ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَقَشِّفَةِ مَا يَرْجِعُ إلَى الدَّنَاءَةِ مِنْ الْمَكَاسِبِ فِي عُرْفِ النَّاسِ لَا يَسَعُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِقَوْلِهِ ﵇ «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» وَقَالَ ﵇ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيُبْغِضُ سَفْسَافَهَا» وَالسَّفْسَافُ مَا يُدْنِي الْمَرْءَ وَيَبْخَسُهُ
وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «إنَّ مِنْ الذُّنُوبِ ذُنُوبًا لَا يُكَفِّرُهَا الصَّوْمُ، وَلَا الصَّلَاةُ قِيلَ: فَمَا يُكَفِّرُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْهُمُومُ فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ» وَقَالَ ﵇ «طَلَبُ الْحَلَالِ كَمُقَارَعَةِ الْأَبْطَالِ، وَمَنْ بَاتَ وَانِيًا مِنْ طَلَبِ الْحَلَالِ مَاتَ مَغْفُورًا لَهُ» وَقَالَ ﵇ «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الِاكْتِسَابُ لِلْإِنْفَاقِ عَلَى الْعِيَالِ» مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سِوَى التَّعَفُّفِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ السُّؤَالِ لَكَانَ مَنْدُوبًا إلَيْهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «السُّؤَالُ آخِرُ كَسْبِ الْعَبْدِ» أَيْ يَبْقَى فِي ذُلِّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ «وَقَالَ ﵇ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ أَوْ لِغَيْرِهِ مَكْسَبَةٌ فِيهَا نَقْصُ الْمَرْتَبَةِ خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْك أَوْ مَنَعُوك» ثُمَّ الْمَذَمَّةُ فِي عُرْفِ النَّاسِ لَيْسَتْ لِلْكَسْبِ بَلْ لِلْخِيَانَةِ وَخُلْفِ الْوَعْدِ وَالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ وَمَعْنَى الْبُخْلِ
ثُمَّ الْمَكَاسِبُ أَرْبَعَةٌ الْإِجَارَةُ وَالتِّجَارَةُ وَالزِّرَاعَةُ وَالصِّنَاعَةُ وَكُلُّ ذَلِكَ فِي الْإِبَاحَةِ
стр. 6227
سَوَاءٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ﵏ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الزِّرَاعَةُ مَذْمُومَةٌ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْئًا مِنْ آلَاتِ الْحِرَابَةِ فِي دَارِ قَوْمٍ فَقَالَ مَا دَخَلَ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إلَّا ذَلُّوا» «، وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٩] أَهُوَ التَّعَرُّبُ؟ قَالَ: لَا لَكِنَّهُ الزِّرَاعَةُ»، وَالتَّعَرُّبُ سُكْنَى الْبَادِيَةِ وَتَرْكُ الْهِجْرَةِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعَيْنِ وَاتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ذَلَلْتُمْ حَتَّى يُطْمَعَ فِيكُمْ
وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ازْدَرَعَ بِالْجُرُفِ» وَقَالَ ﵇ «اُطْلُبُوا الرِّزْقَ تَحْتَ خَبَايَا الْأَرْضِ» يَعْنِي الزِّرَاعَةَ وَقَالَ ﵇ «الزَّارِعُ يُتَاجِرُ رَبَّهُ»، وَقَدْ كَانَ لَهُ فَدَكُ وَسَهْمٌ بِخَيْبَرَ فَكَانَ قُوتَهُ فِي آخِرِ الْعُمْرِ مِنْ ذَلِكَ وَعُمَرُ ﵁ كَانَ لَهُ أَرْضٌ بِخَيْبَرَ يُدْعَى ثَمْغٌ، وَقَدْ كَانَ لِابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ مَزَارِعُ بِالسَّوَادِ يَزْرَعُونَهَا وَيُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا، وَكَانَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَيْضًا مَزَارِعُ بِالسَّوَادِ وَغَيْرِهِمَا وَتَأْوِيلُ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِيمَا إذَا اشْتَغَلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِالزِّرَاعَةِ وَأَعْرَضُوا عَنْ الْجِهَادِ حَتَّى يَطْمَعَ فِيهِمْ عَدُوُّهُمْ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ وَقَعَدْتُمْ عَنْ الْجِهَادِ وَذَلَلْتُمْ حَتَّى يُطْمَعَ فِيكُمْ فِيمَا إذَا اشْتَغَلَ بَعْضُهُمْ بِالْجِهَادِ وَبَعْضُهُمْ بِالزِّرَاعَةِ فَفِي عَمَلِ الْمَزَارِعِ مُعَاوَنَةٌ لِلْمُجَاهِدِ، وَفِي عَمَلِ الْمُجَاهِدِ دَفْعٌ عَنْ الزَّارِعِ، وَقَالَ ﷺ «الْمُؤْمِنُونَ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» ثُمَّ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا ﵏ فِي التِّجَارَةِ وَالزِّرَاعَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ التِّجَارَةُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المزمل: ٢٠] الْآيَةَ، وَالْمُرَادُ بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ التِّجَارَةُ فَقَدَّمَهُ فِي الذِّكْرِ عَلَى الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ سَنَامُ الدِّينِ وَسُنَّةُ الْمُرْسَلِينَ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ ﵁ لَأَنْ أَمُوتَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ رَحْلِي أَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ أَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُقْتَلَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالَ ﵇ «التَّاجِرُ الْأَمِينُ مَعَ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا ﵏ عَلَى أَنَّ الزِّرَاعَةَ أَفْضَلُ مِنْ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهَا أَعَمُّ نَفْعًا فَبِعَمَلِ الزِّرَاعَةِ تَحْصِيلُ مَا يُقِيمُ بِهِ الْمَرْءُ صُلْبَهُ وَيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ وَبِالتِّجَارَةِ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ وَلَكِنْ يَنْمُو الْمَالُ وَقَالَ ﵇ «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ هُوَ أَنْفَعُ لِلنَّاسِ» فَالِاشْتِغَالُ بِمَا يَكُونُ نَفْعُهُ أَعَمَّ يَكُونُ أَفْضَلَ، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ فِي الزِّرَاعَةِ أَطْهَرُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِمَّا يَكْتَسِبُهُ الزَّارِعُ النَّاسُ وَالدَّوَابُّ وَالطُّيُورُ وَكُلُّ ذَلِكَ صَدَقَةٌ لَهُ قَالَ ﵇ «مَا غَرَسَ مُسْلِمٌ شَجَرَةً فَتَنَاوَلَ مِنْهَا إنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ أَوْ طَيْرٌ إلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ»، وَفِي رِوَايَةٍ «وَمَا أَكَلَتْ الْعَافِيَةُ مِنْهَا فَهِيَ لَهُ صَدَقَةٌ» وَالْعَافِيَةُ هِيَ الطُّيُورُ الطَّالِبَةُ لِأَرْزَاقِهَا الرَّاجِعَةُ إلَى أَوْكَارِهَا، وَإِذَا كَانَ
стр. 6228
فِي عَادَةِ النَّاسِ ذَمُّ الْكَسْبِ الَّذِي يَنْعَدِمُ فِيهِ التَّصْدِيقُ كَعَمَلِ الْحِيَاكَةِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ التَّعَاوُنِ عَلَى إقَامَةِ الصَّلَاةِ عَرَفْنَا أَنَّ مَا يَكُونُ التَّصْدِيقُ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ الْكَسْبِ، فَهُوَ أَفْضَلُ فَأَمَّا تَأْوِيلُ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ، فَقَدْ رَوَى مَكْحُولٌ وَمُجَاهِدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا: الْمُرَادُ الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَبِهِ نَقُولُ إنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ
فَقَدْ أَشَارَ مُحَمَّدٌ ﵀ إلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ طَلَبُ الْكَسْبِ فَرِيضَةٌ، كَمَا أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ فَتَشْبِيهُ هَذَا بِذَاكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ أَعْلَى دَرَجَةً مِنْ غَيْرِهِ وَبَيَانُ فَرْضِيَّةِ طَلَبِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ ﵇ «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» وَالْمُرَادُ عِلْمُ الْحَلَالِ عَلَى مَا قِيلَ: أَفْضَلُ الْعِلْمِ عِلْمُ الْحَلَالِ وَأَفْضَلُ الْعَمَلِ حِفْظُ الْحَالِ وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ مَا يَحْتَاجُ الْمَرْءُ فِي الْحَالِ لِأَدَاءِ مَا لَزِمَهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ عَيْنًا عِلْمُهُ كَالطَّهَارَةِ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ فَإِنْ أَرَادَ التِّجَارَةَ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ مَا يَتَحَرَّزُ بِهِ عَنْ الرِّبَا وَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ زَكَاةِ جِنْسِ مَالِهِ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ الْأَدَاءِ، وَإِنْ لَزِمَهُ الْحَجُّ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ مَا يُؤَدِّي بِهِ الْحَجَّ هَذَا مَعْنَى عِلْمِ الْحَالِ
وَهَذَا عِلْمٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِبَقَاءِ الشَّرِيعَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْبَقَاءُ بَيْنَ النَّاسِ يَكُونُ بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ فَيُفْتَرَضُ التَّعْلِيمُ وَالتَّعَلُّمُ جَمِيعًا، وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي بَيَانِ فَرِيضَةِ الْكَسْبِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ الَّذِينَ لَا يُعَلِّمُونَ، وَلَا يَتَعَلَّمُونَ لِيَرْتَفِعَ الْعِلْمُ بِهِمْ وَقَالَ «إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْقُلُوبِ وَلَكِنْ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ»، فَإِذَا قَبَضَ الْعُلَمَاءَ اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، وَاَلَّذِي يُؤَيِّدُ هَذَا كُلَّهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك﴾ [التوبة: ٦] الْآيَةَ، وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُفْتَرَضُ تَعْلِيمُ الْكَافِرِ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ فَتَعْلِيمُ الْمُؤْمِنِ أَوْلَى وَبَيَانُ قَوْلِنَا أَنَّهُ مِنْ آكَدِ الْفَرَائِضِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ شُغِلَ جَمِيعَ عُمْرِهِ بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ كَانَ مُفْتَرَضًا فِي الْكُلِّ، وَلَوْ شُغِلَ جَمِيعَ عُمْرِهِ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ كَانَ مُشْتَغِلًا فِي الْبَعْضِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إقَامَةَ الْفَرْضِ أَعْلَى دَرَجَةً مِنْ أَدَاءِ النَّفْلِ قَالَ، وَكَمَا أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ فَأَدَاءُ الْعِلْمِ إلَى النَّاسِ فَرِيضَةٌ؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَ صَاحِبِ الْعِلْمِ بِالْعَمَلِ مَعْرُوفٌ وَالْعَمَلُ بِخِلَافِهِ مُنْكَرٌ فَالتَّعْلِيمُ يَكُونُ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيًا عَنْ الْمُنْكَرِ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] الْآيَةَ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي فَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ مَنْ يَعْلَمُ حُكْمًا أَوْ حُكْمَيْنِ هَلْ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ أَمْ لَا؟ فَعَلَى قَوْلِ بَعْضِ مَشَايِخِنَا ﵏ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الَّذِينَ اشْتَهَرُوا بِالْعِلْمِ مِمَّنْ يَعْتَمِدُ النَّاسُ قَوْلَهُمْ، وَقَدْ أَشَارَ فِي هَذَا الْكِتَابِ إلَى الْقَوْلَيْنِ وَاللَّفْظُ الْمَذْكُورُ هُنَا
стр. 6229
يُوجِبُ التَّعْمِيمَ وَقَالَ بَعْدَ هَذِهِ فَعَلَى الْبُصَرَاءِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُبَيِّنُوا لِلنَّاسِ طَرِيقَ الْفِقْهِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَرْضِيَّةَ عَلَى الَّذِينَ اشْتَهَرُوا بِالْعِلْمِ خَاصَّةً
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الْآيَةَ، فَتَبَيَّنَ بِالْآيَتَيْنِ أَنَّ الْكِتْمَانَ حَرَامٌ وَأَنَّ ضِدَّهُ، وَهُوَ الْإِظْهَارُ لَازِمٌ فَيَتَنَاوَلُ ذَلِكَ كُلَّ مَنْ بَلَغَهُ عِلْمٌ، فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْكِتْمَانُ فِيمَا بَلَغَهُ فَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الْإِظْهَارُ وَقَالَ ﷺ «إذَا رَأَيْتُمْ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ طَعَنَ عَلَى أَوَّلِهَا فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيُظْهِرْهُ، فَإِنَّ كَاتِمَ الْعِلْمِ يَوْمَئِذٍ كَكَاتِمِ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ»، وَلِأَنَّ تَعْلِيمَ الْعِلْمِ بِمَنْزِلَةِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَعَلَى كُلٍّ أَدَاءُ الزَّكَاةِ مِنْ نِصَابِهِ وَصَاحِبُ النِّصَابِ وَصَاحِبُ الْمَنْصِبِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ فِي كُلِّ زَمَانٍ خُلَفَاءُ الرُّسُلِ ﵈ كَمَا قَالَ ﷺ «الْعُلَمَاءُ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ كَانَ هُوَ الْمُبَيِّنُ لِلنَّاسِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُ بِذَلِكَ وَقَالَ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ سِوَاهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ فَكَذَا فِي كُلِّ حِينٍ وَمَكَانٍ إنَّمَا يُفْتَرَضُ الْأَدَاءُ عَلَى الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْعَادَةِ إنَّمَا يَعْتَمِدُونَ قَوْلَ مَنْ اشْتَهَرَ بِالْعِلْمِ وَقَلَّمَا يَعْتَمِدُونَ قَوْلَ غَيْرِهِمْ وَرُبَّمَا يَسْتَخِفُّ بَعْضُهُمْ بِمَا يَسْمَعُهُ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَهِرْ بِالْعِلْمِ، فَلِهَذَا كَانَ الْبَيَانُ عَلَى الْمَشْهُورِينَ خَاصَّةً، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْحَسَنِ ﵁ أَدْرَكْت سَبْعِينَ بَدْرِيًّا كُلَّهُمْ قَدْ انْزَوَوْا، وَلَمْ يَشْتَغِلُوا بِتَعْلِيمِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِمْ، وَكَذَا عُلَمَاءُ التَّابِعِينَ ﵏ فَمِنْهُمْ مَنْ تَصَدَّى لِلْفَتْوَى وَالتَّعْلِيمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَانْزَوَى لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ الْخَلَلُ بِامْتِنَاعِهِ وَأَنَّ الْمَقْصُودَ حَاصِلٌ بِغَيْرِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ لِلْعِلْمِ ثَمَرَتَيْنِ الْعَمَلُ بِهِ وَالتَّعْلِيمُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَيَكْتَفِي بِثَمَرَةِ الْعَمَلِ بِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ وَاسِعٌ وَأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمَشْهُورِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَاصِلٌ.
(قَالَ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةً لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ مَخْرَجٌ مِنْ الْإِثْمِ) يَعْنِي أَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ ارْتِكَابِ الْإِثْمِ فَرْضٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣] الْآيَةَ، وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَى هَذَا التَّحَرُّزِ إلَّا بِالْعِلْمِ قَالَ، وَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ الْعِلْمَ لَمَا تَمَيَّزَ الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ وَالصَّوَابُ مِنْ الْخَطَأِ وَالْبَيِّنُ مِنْ الْخَفِيِّ يَعْنِي أَنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ أَصْلُ الدِّينِ، وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِالْعِلْمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ [الشورى: ٢٤] وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: ٨] وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُفْتَرَضُ عَلَى كُلِّ مُخَاطَبٍ التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَا أَحَقَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَبَيْنَ مَا مَحَاهُ اللَّهُ مِنْ الْبَاطِلِ وَكَذَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ التَّمَسُّكُ بِمَا هُوَ
стр. 6230
صَوَابٌ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ الْخَطَأِ بِجَهْدِهِ وَطَرِيقُ التَّوَصُّلِ إلَى ذَلِكَ الْعِلْمُ
(قَالَ فَعَلَى الْعُلَمَاءِ إذَا مَا وَصَلَ إلَيْهِمْ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلنَّاسِ) يَعْنِي أَنَّ بَيَانَ الْمَسْمُوعِ مِنْ الْآثَارِ وَاجِبٌ عَلَى الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا مَقَالَةً فَوَعَاهَا، كَمَا سَمِعَهَا ثُمَّ أَدَّاهَا إلَى مَنْ سَمِعَهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» وَقَالَ ﷺ «تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيَسْمَعُ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْكُمْ» وَقَالَ ﷺ «أَلَا فَلْيُبَلَّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» ثُمَّ إنَّمَا يُفْتَرَضُ بَيَانُ مَا فِيهِ مَنْفَعَةُ النَّاسِ، وَهُوَ النَّاسِخُ مِنْ الْآثَارِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فَأَمَّا الْمَنْسُوخُ فَيَجِبُ رِوَايَتُهُ وَكَذَا الشَّاذُّ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ لِلنَّاسِ وَرُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى الْفِتْنَةِ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ الْفِتْنَةِ أَوْلَى وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ لَوْ حَدَّثْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْت لَرَمَيْتُمُونِي بِالْحِجَارَةِ وَأَنَّ مُعَاذًا ﵁ كَانَ عِنْدَهُ حَدِيثٌ فِي الشَّهَادَةِ وَكَانَ لَا يَرْوِيهِ إلَى أَنْ اُحْتُضِرَ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوْلَا مَا حَضَرَنِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا رَوَيْته لَكُمْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «، مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» فَكَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ رِوَايَتِهِ فِي صِحَّتِهِ لِكَيْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ ثُمَّ لَمَّا خَافَ الْفَوْتَ بِمَوْتِهِ رَوَاهُ لِأَصْحَابِهِ فَهَذَا أَصْلٌ لِمَا بَيَّنَّا.
(قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُفْتَرَضْ الْأَدَاءُ عَلَيْنَا لَمْ يُفْتَرَضْ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا؟ حَتَّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ إلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃) يَعْنِي أَنَّ النَّاسَ فِي نَقْلِ الْعِلْمِ سَوَاءٌ قَالَ ﷺ «يَنْقُلُ هَذَا الدِّينَ عَنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ» فَلَوْ جَوَّزْنَا لِلْمُتَأَخِّرِينَ تَرْكَ النَّقْلِ لَجَوَّزْنَا مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فَيُؤَدِّي هَذَا إلَى الْقَوْلِ بِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الرَّوَافِضُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ آيَاتٍ فِي شَأْنِ عَلِيٍّ ﵁ وَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ فِي فَضْلِهِ وَالتَّنْصِيصَ عَلَى إمَامَتِهِ غَيْرَ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَتَمُوا ذَلِكَ حَسَدًا مِنْهُمْ لَهُ، وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ ﵏ هَذَا كَذِبٌ وَزُورٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِأَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَكَيْفَ بِجَمَاعَتِهِمْ وَلَوْ كَانَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَاشْتَهَرَ وَلَكِنْ مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ الرَّوَافِضُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ فَمُحَمَّدٌ ﵁ بِهَذَا الِاسْتِشْهَادِ أَشَارَ إلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ - مَا تَرَكُوا نَقْلَ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَعَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي ذَلِكَ ثُمَّ الْفَرْضُ نَوْعَانِ فَرْضُ عَيْنٍ وَفَرْضُ كِفَايَةٍ فَفَرْضُ الْعَيْنِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إقَامَتُهُ نَحْوُ أَرْكَانِ الدِّينِ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ مَا إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَإِنْ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِهِ
стр. 6231
كَانُوا مُشْتَرَكِينَ فِي الْمَأْثَمِ كَالْجِهَادِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازُ الدِّينِ، فَإِذَا حَصَلَ هَذَا الْمَقْصُودُ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ، وَإِذَا قَعَدَ الْكُلُّ عَنْ الْجِهَادِ حَتَّى اسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى بَعْضِ الثُّغُورِ اشْتَرَكَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَأْثَمِ بِذَلِكَ وَكَذَا غُسْلُ الْمَيِّتِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَالدَّفْنُ كُلُّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ، وَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى ضَاعَ مَيِّتٌ بَيْنَ قَوْمٍ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَالِهِ كَانُوا مُشْتَرَكِينَ فِي الْمَأْثَمِ فَأَدَاءُ الْعِلْمِ إلَى النَّاسِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ إحْيَاءُ الشَّرِيعَةِ وَكَوْنُ الْعِلْمِ مَحْفُوظًا بَيْنَ النَّاسِ بِأَدَاءِ الْبَعْضِ، وَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى انْدَرَسَ شَيْءٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَانُوا مُشْتَرَكِينَ فِي الْمَأْثَمِ
(قَالَ وَمَا رَغَّبَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْفَضَائِلِ فَأَدَاؤُهُ إلَى النَّاسِ فَرِيضَةٌ) وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ مُبَاشَرَةَ فِعْلِ التَّطَوُّعَاتِ وَمَا نَدَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَلَا إثْمَ عَلَى مَنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ أَدَاءَ ذَلِكَ إلَى النَّاسِ فَرِيضَةٌ حَتَّى إذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ زَمَانٍ عَلَى تَرْكِ نَفْلٍ كَانُوا تَارِكِينَ لِفَرِيضَةٍ مُشْتَرَكِينَ فِي الْمَأْثَمِ؛ لِأَنَّ بِتَرْكِ النَّفْلِ يَنْدَرِسُ شَيْءٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَلَيْسَ فِي تَرْكِ الْأَدَاءِ مَعْنَى الِانْدِرَاسِ وَنَظِيرُ هَذَا أَنَّ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ صَلَّى التَّطَوُّعَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ كَانَ آثِمًا مُعَاتَبًا؛ لِأَنَّ فِي الْأَدَاءِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ تَغْيِيرَ حُكْمِ الشَّرْعِ وَلَيْسَ فِي تَرْكِ الْأَدَاءِ تَغْيِيرُ حُكْمِ الشَّرْعِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّطَوُّعَاتِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ قَطْعُ طَمَعِ الشَّيْطَانِ عَنْ وَسْوَسَتِهِ بِأَنْ يَقُولَ إذَا كَانَ هَذَا الْعَبْدُ يُؤَدِّي مَا لَيْسَ عَلَيْهِ كَيْفَ يَتْرُكُ أَدَاءَ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَيَنْقَطِعُ طَمَعُهُ عَنْ وَسْوَسَتِهِ بِهَذَا، وَهُوَ جَبْرٌ لِنُقْصَانِ الْفَرَائِضِ عَلَى مَا قَالَ ﷺ «إذَا تَمَكَّنَ فِي فَرِيضَةِ الْعَبْدِ نُقْصَانٌ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ اجْعَلُوا نَوَافِلَ عَبْدِي جَبْرًا لِنُقْصَانِ فَرِيضَتِهِ»، وَإِذَا كَانَ فِي التَّطَوُّعِ هَذَا الْمَقْصُودُ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْبَيَانِ فِيهِ حَتَّى يَنْدَرِسَ فَيَفُوتَ هَذَا الْمَقْصُودُ أَصْلًا فَعَرَفْنَا أَنَّ أَدَاءَهُ إلَى النَّاسِ فَرِيضَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَاشَرَةُ فِعْلِهِ فَرِيضَةً
(قَالَ وَلَيْسَ يَجِبُ عَلَى الْفَقِيهِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ إلَّا لِغَائِبٍ حَضَرَ خُرُوجَهُ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ فِي أَهْلِ مِصْرِهِ) يَعْنِي بِهَذَا أَنَّ أَصْلَ الْبَيَانِ وَاجِبٌ، وَلَكِنَّ الْوَقْتَ مُوَسَّعٌ، وَإِنَّمَا يَتَضَيَّقُ عِنْدَ خَوْفِ الْفَوْتِ كَمَا بَيَّنَّا فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ ﵁ وَاَلَّذِي أَتَاهُ كَانَ قَصْدُهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ مَا لَمْ يَشْتَهِرْ فِي مِصْرِهِ مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلنَّاسِ حَتَّى يُفْتِيَهُمْ بِذَلِكَ إذَا رَجَعَ إلَيْهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التوبة: ١٢٢] الْآيَةَ فَمَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الرُّجُوعِ كَانَ الْوَقْتُ فِي التَّعْلِيمِ وَاسِعًا عَلَى الْمُعَلِّمِ، وَإِذَا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ، فَقَدْ
стр. 6232
تَضَيَّقَ الْوَقْتُ فَلَا يَسَعُهُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَرْضٌ، وَلَكِنَّ الْوَقْتَ وَاسِعٌ، فَإِذَا بَلَغَ آخِرَ الْوَقْتِ تَضَيَّقَ فَلَا يَسَعُهُ التَّأْخِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا فِيمَا لَمْ يَشْتَهِرْ فِي أَهْلِ مِصْرٍ فَأَمَّا فِيمَا اشْتَهَرَ فِيهِمْ فَلَا حَاجَةَ وَلَا ضَرُورَةَ؛ لِأَنَّ الرَّاجِعَ يَتَمَكَّنُ مِنْ تَحْصِيلِ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ مِصْرٍ، وَأَهْلُ مِصْرٍ يَتَوَصَّلُونَ إلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ عُلَمَائِهِمْ دُونَ هَذَا الرَّاجِعِ إلَيْهِمْ وَالْمُؤْمِنُونَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ يَعْنِي إذَا تَأَلَّمَ بَعْضُ الْجَسَدِ تَأَلَّمَ الْكُلُّ، وَإِذَا نَالَ الرَّاحَةَ بَعْضُ الْجَسَدِ اشْتَرَكَ فِي ذَلِكَ الْأَعْضَاءُ، فَإِذَا كَانَ مَشْهُورًا فِي أَهْلِ مِصْرٍ لَا يَنْدَرِسُ بِامْتِنَاعِ هَذَا الْعَالِمِ مِنْ الْبَيَانِ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا فِيهِمْ فَتَرْكُ الْبَيَانِ يُؤَدِّي إلَى الِانْدِرَاسِ فِي حَقِّهِمْ فَكَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْبَيَانَ لِأَهْلِ مِصْرٍ حَتَّى يَنْدَرِسَ فَكَذَا لَا يَحِلُّ تَرْكُ الْبَيَانِ لِلَّذِي ارْتَحَلَ إلَيْهِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ لِهَذَا الْمَقْصُودِ، وَهُوَ غَيْرُ مَشْهُورٍ فِي أَهْلِ مِصْرٍ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ أَوْلَادَ آدَمَ ﵇ خَلْقًا لَا تَقُومُ أَبْدَانُهُمْ إلَّا بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَاللِّبَاسُ وَالْكِنُّ، أَمَّا الطَّعَامُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا﴾ [الأنبياء: ٨] الْآيَةَ وَقَالَ ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، وَأَمَّا الشَّرَابُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وَأَمَّا اللِّبَاسُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] الْآيَةَ، وَأَمَّا الْكِنُّ فَلِأَنَّهُمْ خُلِقُوا خَلْقًا لَا تُطِيقُ أَبْدَانُهُمْ مَعَهُ أَذَى الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَلَا تَبْقَى عَلَى شِدَّتِهِمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] فَيَحْتَاجُ إلَى دَفْعِ أَذَى الْحَرِّ وَالْبَرْدِ عَنْ نَفْسِهِ لِتَبْقَى نَفْسُهُ فَيُؤَدِّي بِهَا مَا تَحَمَّلَ مِنْ أَمَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِكِنٍّ فَصَارَ الْكِنُّ لِهَذَا بِمَعْنَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ
(قَالَ: وَقَدْ دَلَّهُمْ الْمَعَاشُ بِأَسْبَابٍ فِيهَا حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ) يَعْنِي أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَعَلُّمِ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي عُمْرِهِ، فَلَوْ اشْتَغَلَ بِذَلِكَ فَنِيَ عُمْرُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ وَمَا لَمْ يَتَعَلَّمْ لَا يُمْكِنُهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ تَعَلَّقَتْ بِهِ مَصَالِحُ الْمَعِيشَةِ فَيَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَعَلُّمَ نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَتَوَصَّلَ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ بِعِلْمِهِ فَيَتَوَصَّلُ غَيْرُهُ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ أَيْضًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ «الْمُؤْمِنُونَ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»
وَبَيَانُ هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] الْآيَةَ، يَعْنِي أَنَّ الْفَقِيرَ مُحْتَاجٌ إلَى مَالِ الْغَنِيِّ وَالْغَنِيَّ يَحْتَاجُ إلَى عَمَلِ الْفَقِيرِ فَهُنَا أَيْضًا الزَّارِعُ يَحْتَاجُ إلَى عَمَلِ النَّسَّاجِ لِيُحَصِّلَ اللِّبَاسَ لِنَفْسِهِ وَالنَّسَّاجُ يَحْتَاجُ إلَى عَمَلِ الزَّارِعِ لِيُحَصِّلَ الطَّعَامَ وَالْقُطْنَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ اللِّبَاسُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ
стр. 6233
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يُقِيمُ مِنْ الْعَمَلِ يَكُونُ مُعِينًا لِغَيْرِهِ فِيمَا هُوَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، فَإِنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ إقَامَةِ الْقُرْبَةِ بِهَذَا يَحْصُلُ فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وَقَالَ ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ» وَسَوَاءٌ أَقَامَ ذَلِكَ الْعَمَلَ بِعِوَضٍ شَرَطَهُ عَلَيْهِ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِذَا كَانَ قَصْدُهُ مَا بَيَّنَّا كَانَ فِي عَمَلِهِ مَعْنَى الطَّاعَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، فَإِذَا نَوَى الْعَامِلُ بِعَمَلِهِ التَّمَكُّنَ مِنْ إقَامَةِ الطَّاعَةِ أَوْ تَمْكِينِ أَخِيهِ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مُثَابًا عَلَى عَمَلِهِ بِاعْتِبَارِ نِيَّتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَنَاكِحَيْنِ إذَا قَصَدَا بِفِعْلِهِمَا ابْتِغَاءَ الْوَلَدِ وَتَكْثِيرَ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَأُمَّةَ الرَّسُولِ ﷺ كَانَ لَهُمَا الثَّوَابُ عَلَى عَمَلِهِمَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ فِي الْأَصْلِ وَلَكِنْ بِالنِّيَّةِ يَصِيرُ مَعْنَى الْقُرْبَةِ أَصْلًا وَيَصِيرُ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ تَبَعًا فَهَذَا مِثْلُهُ
(قَالَ: فَإِنْ تَرَكُوا الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ، فَقَدْ عَصَوْا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَلَفًا) يَعْنِي أَنَّ النَّفْسَ لَمَّا كَانَتْ لَا تَبْقَى عَادَةً بِدُونِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَالْمُمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ قَاتِلٌ نَفْسَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وَهُوَ مُعَرِّضٌ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وَبَعْدَ التَّنَاوُلِ، فَقَدْرُ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ يُنْدَبُ إلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ مِقْدَارَ مَا يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ يَضْعُفُ وَرُبَّمَا يَعْجِزُ عَنْ الطَّاعَةِ وَقَالَ ﷺ «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ»، وَلِأَنَّ اكْتِسَابَ مَا يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ يَكُونُ طَاعَةً، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَى الْإِتْيَانِ بِمَا هُوَ طَاعَةٌ وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَبُو ذَرٍّ ﵁ حِينَ سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَقَالَ: الصَّلَوَاتُ وَأَكْلُ الْخُبْزِ قَالَ: وَقَدْ نُقِلَ عَنْ مَسْرُوقٍ ﵁ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَنْ اُضْطُرَّ فَلَمْ يَأْكُلْ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ وَالْمُرَادُ تَنَاوُلُ الْمَيْتَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ الْحُرْمَةَ تَنْكَشِفُ فَيُلْحَقُ بِالْمُبَاحِ، وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْمَيْتَةِ هَذَا مَعَ حُرْمَتِهَا فِي غَيْرِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ فَمَا ظَنُّك فِي الطَّعَامِ الْحَلَالِ
(قَالَ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ فَرِيضَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] الْآيَةَ) وَالْمُرَادُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ خَصَّ الْمَسَاجِدَ بِالذِّكْرِ وَالنَّاسُ فِي الْأَسْوَاقِ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ؟ فَلَا فَائِدَةَ لِتَخْصِيصِ الْمَسَاجِدِ بِالذِّكْرِ سِوَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ سَتْرَ الْعَوْرَةِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ فَرْضًا، وَلَئِنْ كَانَ الْمُرَادُ سَتْرَ الْعَوْرَةِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَالْأَمْرُ حَقِيقَةٌ لِلْوُجُوبِ فَإِنْ كَانَ خَالِيًا فِي بَيْتِهِ، فَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَى السَّتْرِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا ذَكَرُوا عِنْدَهُ كَشْفَ الْعَوْرَةِ قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْت لَوْ كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا فَقَالَ ﷺ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحَى مِنْهُ»
(قَالَ وَعَلَى النَّاسِ اتِّخَاذُ
стр. 6234
الْأَوْعِيَةِ لِنَقْلُ الْمَاءِ إلَى النِّسَاءِ)؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَحْتَاجُ إلَى الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ وَالشُّرْبِ، وَإِنْ تَيَمَّمَتْ لِلْوُضُوءِ احْتَاجَتْ إلَى الْمَاءِ لِتَشْرَبَ، وَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَخْرُجَ تَسْتَقِي الْمَاءَ مِنْ الْأَنْهَارِ وَالْآبَارِ وَالْحِيَاضِ، فَإِنَّهَا أُمِرَتْ بِالْقَرَارِ فِي بَيْتِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] فَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَلْزَمَهُ حَاجَتَهَا كَالنَّفَقَةِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَهَا بِكَفِّهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَّخِذَ وِعَاءً لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتَأَتَّى إقَامَةُ الْمُسْتَحَقِّ إلَّا بِهِ يَكُونُ مُسْتَحَقًّا
(قَالَ وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا، فَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِتْمَامِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ [النحل: ٩٢] الْآيَةَ) وَهَذَا مَثَلٌ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ ابْتَدَأَ طَاعَةً ثُمَّ لَمْ يُتِمَّهَا فَيَكُونُ كَالْمَرْأَةِ الَّتِي تَغْزِلُ ثُمَّ تُنْقِضُ فَلَا تَكُونُ ذَاتَ غَزْلٍ، وَلَا ذَاتَ قُطْنٍ، وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالِاسْتِكْنَانِ حَتَّى مَاتَ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ دُخُولَ النَّارِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ قَصْدًا فَكَأَنَّهُ قَتَلَهَا بِحَدِيدَةٍ وَقَالَ ﷺ «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجِيءُ بِهَا نَفْسَهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» ثُمَّ تَأْوِيلُ اللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ وَأَضْمَرَ فِي كَلَامِهِ مَعْنًى صَحِيحًا، وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ الدُّخُولَ الَّذِي هُوَ تَحِلَّةُ الْقَسَمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] الْآيَةَ، وَالْمُرَادُ دَاخِلُهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ جَزَاءِ فِعْلِهِ يَعْنِي أَنَّ جَزَاءَ فِعْلِهِ دُخُولُ النَّارِ، وَلَكِنَّهُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى إنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ بِفَضْلِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ النَّارَ بِعَدْلِهِ، وَهَذَا نَظِيرُ مَا قِيلَ فِي بَيَانِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ إنْ جَازَاهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّهُ عَفُوٌّ كَرِيمٌ يَتَفَضَّلُ بِالْعَفْوِ، وَلَا يُخَلِّدُ أَحَدًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ
(قَالَ وَكُلُّ أَحَدٍ مَنْهِيٌّ عَنْ إفْسَادِ الطَّعَامِ، وَمِنْ الْإِفْسَادِ الْإِسْرَافُ) وَهَذَا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْقِيلِ وَالْقَالِ وَعَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَعَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ»، وَفِي الْإِفْسَادِ إضَاعَةُ الْمَالِ ثُمَّ الْحَاصِلُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْءِ فِيمَا اكْتَسَبَهُ مِنْ الْحَلَالِ الْإِفْسَادُ وَالسَّرَفُ وَالْخُيَلَاءُ وَالتَّفَاخُرُ وَالتَّكَاثُرُ، أَمَّا الْإِفْسَادُ فَحَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [القصص: ٧٧] الْآيَةَ، وَأَمَّا السَّرَفُ فَحَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] الْآيَةَ وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَاَلَّذِينَ إذَا أَنْفَقُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الْآيَةَ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَافَ وَالتَّقْتِيرَ حَرَامٌ وَأَنَّ الْمَنْدُوبَ إلَيْهِ مَا بَيْنَهُمَا، وَفِي الْإِسْرَافِ تَبْذِيرٌ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] ثُمَّ السَّرَفُ فِي الطَّعَامِ أَنْوَاعٌ فَمِنْ ذَلِكَ الْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَا مَلَأ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ» وَقَالَ ﷺ «يَكْفِي ابْنَ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ وَلَا يُلَامُ عَلَى كَفَافٍ»، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْكُلُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، وَلَا مَنْفَعَةَ فِي الْأَكْلِ فَوْقَ الشِّبَعِ بَلْ
стр. 6235
فِيهِ مَضَرَّةٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ إلْقَاءِ الطَّعَامِ فِي مَزْبَلَةٍ أَوْ شَرٍّ مِنْهَا، وَلِأَنَّ مَا يَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ حَاجَتِهِ مِنْ الطَّعَامِ فِيهِ حَقُّ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَسُدُّ بِهِ جَوْعَتَهُ إذَا أَوْصَلَهُ إلَيْهِ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَهُوَ فِي تَنَاوُلِهِ جَانٍ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ، وَلِأَنَّ الْأَكْلَ فَوْقَ الشِّبَعِ رُبَّمَا يُمْرِضُهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَجِرَاحَتِهِ نَفْسَهُ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا تَجَشَّأَ فِي مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ نَحِّ عَنَّا جُشَاءَك أَمَا عَلِمْت أَنَّ أَطْوَلَ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا» «، وَلَمَّا مَرِضَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ سَبَبِ مَرَضِهِ فَقِيلَ: إنَّهُ أَتْخَمَ، قَالَ: وَمِمَّ ذَاكَ؟ فَقِيلَ: مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ فَقَالَ ﷺ أَمَا إنَّهُ لَوْ مَاتَ لَمْ أَشْهَدْ جِنَازَتَهُ وَلَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ»، وَلَمَّا قِيلَ لِعُمَرَ ﵁: أَلَا تَتَّخِذُ لَك جَوَارِشًا؟ قَالَ: وَمَا يَكُونُ الْجَوَارِشُ؟ قِيلَ: هُوَ صِنْفٌ يَهْضِمُ الطَّعَامَ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فَوْقَ الشِّبَعِ؟ إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ ﵏ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ حَالَةً، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي الْأَكْلِ فَوْقَ الشِّبَعِ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِأَنْ يَأْتِيَهُ ضَيْفٌ بَعْدَ تَنَاوُلِهِ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ فَيَأْكُلَ مَعَ ضَيْفِهِ لِئَلَّا يَخْجَلَ وَكَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَصُومَ فِي الْغَدِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَنَاوَلَ بِاللَّيْلِ فَوْقَ الشِّبَعِ لِيَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ بِالنَّهَارِ، وَمِنْ الْإِسْرَافِ فِي الطَّعَامِ الِاسْتِكْثَارُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ وَالْأَلْوَانِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَدَّ ذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَقَالَ «تُدَارُ الْقِصَاعُ عَلَى مَوَائِدِهِمْ وَاللَّعْنَةُ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ» «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ فِي ضِيَافَةٍ فَأُتِيَتْ بِقَصْعَةٍ بَعْدَ قَصْعَةٍ فَقَامَتْ وَجَعَلْت تَقُولُ: أَلَمْ تَكُنْ الْأُولَى مَأْكُولَةً، وَإِنْ كَانَتْ فَمَا هَذِهِ الثَّانِيَةُ؟ وَفِي الْأُولَى مَا يَكْفِينَا قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا» إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِأَنْ يَمَلَّ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَسْتَكْثِرَ مِنْ الْمُبَاحَاتِ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ شَيْئًا فَيَجْتَمِعَ لَهُ مِقْدَارُ مَا يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ عَلَى مَا حُكِيَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَتَبَ إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يَشْكُو إلَيْهِ ثَلَاثًا: الْعَجْزَ عَنْ الْأَكْلِ وَعَنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْعِيِّ فِي الْكَلَامِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنْ اسْتَكْثِرْ مِنْ أَلْوَانِ الطَّعَامِ وَجَدِّدْ السَّرَارِيَّ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَانْظُرْ إلَى أُخْرَيَاتِ النَّاسِ فِي خُطْبَتِك، وَمِنْ الْإِسْرَافِ أَنْ تَضَعَ عَلَى الْمَائِدَةِ مِنْ أَلْوَانِ الطَّعَامِ فَوْقَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْآكِلُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مِقْدَارِ حَاجَتِهِ فِيهِ كَانَ حَقَّ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَدْعُوَ الْأَضْيَافَ قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ إلَى أَنْ يَأْتُوا عَلَى آخِرِ الطَّعَامِ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفْسِدٍ، وَمِنْ الْإِسْرَافِ أَنْ يَأْكُلَ وَسَطَ الْخُبْزِ وَيَدَعَ حَوَاشِيَهُ أَوْ يَأْكُلَ مَا انْتَفَخَ مِنْ الْخُبْزِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ
следующие страницы →