Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
الْمُسْلِمُ الْمُسْتَأْمَنُ هُوَ الْمُحْرِزُ لِنَفْسِهِ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا هُمْ الَّذِينَ نَزَلُوا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، ثُمَّ ارْتَحَلُوا مِنْهُ وَرُبَّمَا كَانَ هُوَ نَائِمًا لَمْ يَشْعُرْ بِمَجِيئِهِمْ، وَلَا بِذَهَابِهِمْ، فَيَكُونُ هُوَ عَلَى أَمَانِهِ عَلَى حَالِهِ.
٢٤٦٢ - وَإِنْ كَانَ الْعَسْكَرُ نَزَلُوا بِالْقُرْبِ مِنْ الْقَرْيَةِ فَذَهَبَ هُوَ إلَى الْعَسْكَرِ فَقَدْ انْتَهَى الْأَمَانُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّهُ الْآنَ أَحْرَزَ نَفْسَهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَمَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ حَتَّى إذَا عَادَ إلَيْهِمْ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ وَيَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَارَ مَعَهُمْ أَيَّامًا أَوْ قَاتَلَ مَعَهُمْ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْمُشْرِكُونَ لَا يَعْلَمُونَ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ خَارِجًا مِنْ أَمَانِهِمْ، فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ فِي عَسْكَرِهِمْ بِخُرُوجِهِ إلَيْهِمْ.
٢٤٦٣ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَتَلُوا رِجَالَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ حَمَلُوهُ كُرْهًا فَأَدْخَلُوهُ فِي عَسْكَرِهِمْ، فَلَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ مُسْلِمٌ خَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَرَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَفِي الْقِيَاسِ لَا أَمَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ لِأَنَّهُ صَارَ مُحْرَزًا بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ، فَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ عَهْدِ الْمُشْرِكِينَ، كَمَا لَوْ حَمَلُوهُ كُرْهًا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ:
٢٤٦٤ - الْمَوْضِعُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْعَسْكَرُ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ الْحَرْبِ، وَالْمُسْتَأْمَنُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ،
стр. 1227
إلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ فِعْلٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى نَبْذِ الْأَمَانِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ حِينَ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الْعَسْكَرِ.
لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ إنْ كَانَ بِوَعِيدِ التَّلَفِ، لَا يَبْقَى لَهُ فِعْلٌ أَصْلًا، وَإِنْ كَانَ بِتَهْدِيدٍ دُونَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى رِضَاهُ بِهِ، حَتَّى يُجْعَلَ دَلِيلًا عَلَى نَبْذِ الْأَمَانِ مِنْهُ.
٤٢٤٦٥ - فَأَمَّا إذَا أُخْرِجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَالْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ فِي أَمَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ قَطُّ.
أَرَأَيْت لَوْ أَقَامَ فِي أَهْلِهِ سَنَةً، لَا يَدَعُونَهُ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، أَكَانَ يَبْقَى فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ؟ هَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ. فَكَذَلِكَ إذَا أَخْرَجُوهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ خَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، مَا لَمْ يُجَدِّدْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَمَانًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1228
[بَابُ مَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ أَهْلُ الشِّرْكِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يُصِيبُهُ الْمُسْلِمُونَ]
١٣٠ - بَابُ مَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ أَهْلُ الشِّرْكِ فَيُحْرِزُونَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يُصِيبُهُ الْمُسْلِمُونَ
٢٤٦٦ - قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَنَا بِطَرِيقِ الْقَهْرِ بَعْدَ مَا يَتِمُّ الْإِحْرَازُ بِدَارِهِمْ، فَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ غَنِيمَةٌ لَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ، إلَّا أَنَّ الْمُسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ إذَا وَجَدَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ.
لِأَنَّهُ صَارَ مَظْلُومًا، فَكَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ بِنُصْرَتِهِ، وَدَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهُ، فَإِنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ السُّكْنَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا بِأَنْ يَدْفَعَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، فَكَانَ دَفْعُ هَذَا الظُّلْمِ عَلَى الْغُزَاةِ الَّذِينَ يَذُبُّونَ عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَيَأْخُذُونَ الْكِفَايَةَ عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا وَقَعَ الْمَالُ فِي أَيْدِيهِمْ فَنَقُولُ: قَبْلَ الْقِسْمَةِ الْحَقُّ لِعَامَّتِهِمْ، وَدَفْعُ الظُّلْمِ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ أَيْضًا، وَذَلِكَ فِي رَدِّ الْمَالِ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ رَدُّهُ مَجَّانًا، وَأَمَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَقَدْ تَعَيَّنَ الْمِلْكُ فِيهِ، لِمَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، وَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهُ بِتَسْلِيمِ مِلْكِ نَفْسِهِ إلَيْهِ، إلَّا أَنَّ حَقَّ الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ كَانَ فِي الْمَالِيَّةِ، حَتَّى كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبِيعَ الْغَنَائِمَ، وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ بَيْنَهُمْ، وَحَقُّ
стр. 1229
الْمَأْسُورِ مِنْهُ كَانَ فِي الْعَيْنِ، فَيَجِبُ مُرَاعَاةُ الْحَقَّيْنِ، وَذَلِكَ بِإِيصَالِ عَيْنِ الْمِلْكِ إلَيْهِ، إذَا وَصَلَ إلَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مَا هُوَ حَقُّهُ، وَهُوَ الْمَالِيَّةُ إنْ شَاءَ. وَلِأَنَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ الثَّابِتُ لِلْغَانِمَيْنِ حَقٌّ لَا مِلْكٌ، وَالثَّابِتُ لِلْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ حَقٌّ أَيْضًا، فَيَتَرَجَّحُ حَقُّهُ بِالسَّبْقِ، فَيَأْخُذُهُ مَجَّانًا، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ الثَّابِتُ لِمَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مِلْكٌ، وَلِلْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ حَقٌّ، وَالْحَقُّ، وَإِنْ كَانَ سَابِقًا، فَإِنَّهُ لَا يُعَارِضُ الْمِلْكَ الْمُسْتَقِرَّ شَرْعًا، فَيَجِبُ مُرَاعَاتُهَا وَذَلِكَ فِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ.
٢٤٦٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ إلَيْهِمْ فَاشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ، وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ وَلَوْ وَهَبُوهُ مِنْهُ وَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِقِيمَتِهِ إنْ شَاءَ لِلْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ رَوَاهَا فِي الْكِتَابِ، مِنْهَا حَدِيثُ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ قَالَ: «أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ نَاقَةً لِمُسْلِمٍ، فَابْتَاعَهَا مِنْهُمْ مُسْلِمٌ، فَارْتَفَعُوا إلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ ﵇: أَعْطِهِ ثَمَنَهَا الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ وَإِلَّا فَخَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ» .
ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ٢٤٦٨ - إنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ إذَا وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ.
وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْآخِذِ مَجَّانًا، وَلَكِنْ إذَا أَعْطَاهُ قِيمَتَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا:
стр. 1230
أَنَّهُ لَا يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَلَا بَعْدَهَا، وَلَا يُؤْخَذُ بِهَذَا لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْكِبَارُ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ. وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهِ قُسِمَ أَوْ لَمْ يُقْسَمْ إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَبِهِ نَأْخُذُ.
فَإِنَّهُ مَا لَمْ يَثْبُتْ حَقُّ الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ، وَطَرِيقُ ثُبُوتِ حَقِّهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، وَبَعْدَ مَا يَثْبُتُ حَقُّهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مَجَّانًا، وَبَعْدَهَا بِالْقِسْمَةِ إنْ أَحَبَّ، فَكَانَ مُرَادُ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ إذَا رَغِبَ فِي أَدَاءِ الْقِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ.
٢٤٧٠ - وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَالْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ نُفُوسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ مَعْصُومَةٌ مُتَقَوِّمَةٌ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ، وَلِهَذَا لَا يَسْتَرِقُونَ إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ كَالْإِحْرَازِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَالْحُكْمُ فِي أَمْوَالِهِمْ إذَا وَقَعَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهَا كَالْحُكْمِ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ.
٢٤٧١ - وَذُكِرَ عَنْ مَكْحُولٍ فِي رَجُلٍ مِنْ الْعَدُوِّ قَالَ لِلْجَيْشِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: أَرَأَيْتُمْ إنْ أَنَا جِئْتُكُمْ بِمُسْلِمٍ أَتُعْطُونَنِي فِدَاءَهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ، فَمَاتَ الْحَرْبِيُّ فِي الْعَسْكَرِ فَقَالَ: يُدْفَعُ فِدَاءُ ذَلِكَ الْمُسْلِمِ إلَى أَوْلِيَاءِ الْكَافِرِ، وَهَذَا لِأَنَّهُمْ خُلَفَاؤُهُ، فَكَمَا أَنَّ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نَفِيَ لَهُ بِمَا شَرَطْنَا، فَنُعْطِيهِ الْفِدَاءَ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ يَدْفَعُ مَنْ الْتَزَمَ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ إلَى وَرَثَتِهِ. وَذُكِرَ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِي
стр. 1231
الْمُسْلِمِ يَشْتَرِي مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ قَالَ: ثَمَنُهُ يَكُونُ دَيْنًا عَلَى الْحُرِّ لَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ إذَا اشْتَرَاهُ بِأَمْرِهِ.
لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُسْتَرَقُّ، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْعَقْدُ شِرَاءً فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ فَدَى بِهِ الْمُسْلِمَ.
٢٤٧٢ - فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِيمَا أَدَّى، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ فَهُوَ دَيْنٌ لَهُ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُ كَالْمُسْتَقْرِضِ مِنْهُ حِينَ أَمَرَهُ بِأَنْ يُؤَدِّيَ فِدَاءَهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ دَيْنًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَضَى الدَّيْنَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَيْهِ، وَالْمَدِينُ كَالْمَأْسُورِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ فِيمَا هُوَ مُشْبِهٌ بِالْأَسْرِ فَفِي حَقِيقَتِهِ أَوْلَى.
٢٤٧٣ - فَأَمَّا الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ إذَا أَبَقَ إلَيْهِمْ فَأَخَذُوهُ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ، قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، بِخِلَافِ الْفَرَسِ إذَا عَادَ إلَيْهِمْ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا يُقَالُ الْجَوَابُ فِيهِمَا سَوَاءٌ، يَأْخُذُهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُفَرِّقُ فَيَقُولُ: الْآبِقُ لَا يَكُونُ مُحْرِزًا أَبَدًا لِثُبُوتِ يَدٍ مُحْتَرَمَةٍ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الدَّابَّةِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
стр. 1232
أَنَّهُ كَتَبَ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ كَانَتْ الْأَمَةُ خُمِّسَتْ وَقُسِّمَتْ فَسَبِيلُهَا وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُخَمَّسْ وَلَمْ تُقَسَّمْ فَارْدُدْهَا عَلَى أَهْلِهَا.
وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ: تَأْوِيلُهُ أَنَّهَا أَبَقَتْ، فَلَمْ تَدْخُلْ دَارَ الْحَرْبِ حَتَّى خَرَجُوا إلَيْهَا فَأَحْرَزُوهَا وَذَكَرَ: أَنَّ غُلَامًا لِابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَبَقَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ إلَى الْعَدُوِّ وَعَادَ فَرَسٌ لَهُ فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ خَالِدٌ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ.
وَهُمَا يَقُولَانِ: بِهَذَا التَّقْيِيدِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ بَعْدَ الْقِسْمَةِ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ مَجَّانًا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ؟ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ: فِي الْعَبْدِ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ مُحْرِزِينَ لَهُ، فَعَرَفْنَا بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ لَوْ جَاءَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَيْضًا مَجَّانًا. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 1233
[بَابُ مَا يُحْرِزُهُ الْعَدُوُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِمَّا يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ]
١٣١ - بَابُ مَا يُحْرِزُهُ الْعَدُوُّ مِمَّا يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ، بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ ٢٤٧٥ - وَإِذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إبْرِيقِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِمُسْلِمٍ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ وَزْنِهِ لِصِيَاغَتِهِ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ وَجَدَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِقِيمَتِهِ إنْ شَاءَ، فَإِنْ كَانَ ذَهَبًا أَخَذَهُ بِقِيمَتِهِ دَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَ فِضَّةً أَخَذَهَا بِقِيمَتِهَا دَنَانِيرَ لِلْأَصْلِ الْمَعْرُوفِ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْجَوْدَةِ وَالصَّنْعَةِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا، عَلَى مَا قَالَ ﵊: «جَيِّدُهَا وَرَدِيُّهَا سَوَاءٌ» .
وَحَقُّ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مَرْعِيٌّ فِي الصَّنْعَةِ كَمَا هُوَ فِي الْأَصْلِ، فَلِوَا اشْتَغَلْنَا بِالتَّقْوِيمِ بِجِنْسِ الْإِبْرِيقِ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُ الصَّنْعَةِ أَصْلًا، فَيَفُوتُ حَقُّهُ فِيهِ مَجَّانًا وَذَلِكَ لَا وَجْهَ لَهُ. فَقُلْنَا تَقُومُ بِخِلَافِ الْجِنْسِ، لِتَظْهَرَ قِيمَةُ الصَّنْعَةِ، فَيَتَوَفَّرُ عَلَيْهِ تَمَامُ الْمَالِيَّةِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَسَرَ قُلْبًا لِإِنْسَانٍ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ، لِهَذَا الْمَعْنَى، فَإِنْ قَضَى الْقَاضِي لَهُ بِالْقِيمَةِ، أَوْ اصْطَلَحَا
стр. 1234
عَلَيْهِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، وَلَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى افْتَرَقَا فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا يَنْقُضُهُ افْتِرَاقُهُمَا.
لِأَنَّ مَا يُعْطِيهِ مِنْ الْقِيمَةِ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ عَيْنِ الْإِبْرِيقِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ يُعِيدُ الْإِبْرِيقَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُشْتَرِيًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا رَدَّهُ بِالْعَيْبِ عَلَى بَائِعِهِ، وَلَوْ أَرَادَ بَيْعَهُ مُرَابَحَةً بَاعَهُ عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، دُونَ مَا أَخَذَهُ بِهِ. وَلَوْ كَانَ مَوْهُوبًا فِي يَدِهِ كَانَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ. وَلَوْ كَانَ عَبْدًا فِي عُنُقِهِ جِنَايَةٌ خُوطِبَ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ.
فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَتَمَلَّكْهُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ ابْتِدَاءً وَلَكِنَّهُ يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بِمَا يُفْدِيهِ بِهِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْمُصَارَفَةِ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَشْتَرِطَ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ إبْرِيقًا عَلَى رَجُلٍ فَقَضَى عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ، ثُمَّ افْتَرَقَا قَبْلَ الْقَبْضِ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْقَضَاءَ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ الْغَاصِبُ الْمُسْتَهْلِكُ يَتَمَلَّكُ لَكِنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ ثَبَتَ شَرْطًا لِلْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ بِهَا فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ هُنَاكَ مَعْنَى الْمُصَارَفَةِ بَيْنَهُمَا فَلَأَنْ لَا يَتَحَقَّقَ هَا هُنَا وَهُوَ لَا يَتَمَلَّكُهُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ أَصْلًا وَإِنَّمَا يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، كَانَ أَوْلَى.
٢٤٧٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبُوا الْإِبْرِيقَ لِمُسْلِمٍ فَأَخْرَجَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ بِخَمْرٍ فَأَخْرَجَهُ.
لِأَنَّ هَذَا الشِّرَاءَ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا مُعْتَبَرًا، وَإِنَّمَا كَانَ أَخَذَ الْإِبْرِيقَ مِنْهُمْ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا أَخْرَجَهُ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ إنْ شَاءَ، كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.
стр. 1235
٢٤٧٧ - وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْهُمْ الْإِبْرِيقَ بِالْخَمْرِ نَصْرَانِيًّا أَوْ مُسْلِمًا اشْتَرَاهُ بِثَوْبٍ، وَأَخْرَجَهُ، فَلِصَاحِبِهِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَةِ الْخَمْرِ مِنْ النَّصْرَانِيِّ، وَبِقِيمَةِ الثَّوْبِ مِنْ الْمُسْلِمِ.
لِأَنَّ هَذَا الشِّرَاءَ كَانَ صَحِيحًا، فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ بِمِثْلِ مَا أَعْطَاهُ الْمُشْتَرِي، وَالثَّوْبُ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَيَكُونُ مِثْلَ الْقِيمَةِ، وَالْمُسْلِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ فَلِعَجْزِهِ عَنْ تَسْلِيمِ الْمِثْلِ يَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَوَّمَ الثَّوْبُ وَالْخَمْرُ بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْإِبْرِيقِ، فَيَأْخُذُهُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِثْلَ وَزْنِ الْإِبْرِيقِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ يَتَمَلَّكُهُ بِمَا يُؤَدَّى ابْتِدَاءً، وَلَكِنْ يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بِمَا يُعْطَى مِنْ الْفِدَاءِ، بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي يَفْدِيهِ مِنْ الْأَرْشِ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ، كَمَا كَانَ، لَا أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِمَا يُؤَدِّي مِنْ الْفِدَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ سَلَامَتُهُ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ الْمُبَادَلَةُ أَصْلًا لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مَعْنَى الرِّبَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْإِبْرِيقُ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَوْ نَصْرَانِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ مِنْ جِنْسِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمِثْلِ مَا أَدَّى، وَإِنْ كَانَ أَضْعَافَ وَزْنِهِ.
لِأَنَّهُ فِدَاءٌ وَلَيْسَ بِشِرَاءٍ، ثُمَّ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الرِّبَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَمَا لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا غَرِمَ فِيهِ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يَقُولُوا بِهَذَا فِيمَا إذَا اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ بِخَمْرٍ فَأَخْرَجَهُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْخَمْرَ لَا يَتَقَوَّمُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِقِيمَةِ مَا أَدَّى مِنْ الْخَمْرِ، فَلِهَذَا أَخَذَهُ بِقِيمَةِ الْإِبْرِيقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي نَصْرَانِيًّا فَإِنَّ الْخَمْرَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِ، فَأَمَّا مَا أَعْطَى مِنْ الدَّرَاهِمِ هَا هُنَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. قَالَ:
стр. 1236
وَهَذَا بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ.
وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ إذَا اشْتَرَى دَارًا بِعَبْدٍ، وَفِي الدَّارِ صَفَائِحُ مِنْ فِضَّةٍ، أَوْ سَلَاسِلُ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالْقِيمَةِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ هُنَاكَ بَيْنَ الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي حُكْمُ الرِّبَا، وَحُكْمُ الصَّرْفِ فِي حِصَّةِ الصَّفَائِحِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الزِّيَادَاتِ.
وَهَذَا لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَتَمَلَّكُ الدَّارَ ابْتِدَاءً، بِمَا يُؤَدِّي مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شِرَاءً مُبْتَدَأً، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِدَاءٌ يَفْدِي بِهِ صَاحِبُ الْإِبْرِيقِ مِلْكَهُ الْأَوَّلَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ يَأْخُذُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُضَ شَيْئًا مِنْ الْعُقُودِ، حَتَّى لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ ذَلِكَ الْعَقْدَ، بِخِلَافِ الشَّفِيعِ فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ تَصَرُّفَاتِ الْمُشْتَرِي.
٢٤٧٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ عَبْدًا فَفَقَأَ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَيْنَيْهِ كَانَ لِمَالِكِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إنْ شَاءَ. وَلَوْ هَدَمَ الْمُشْتَرِي بِنَاءَ الدَّارِ الَّتِي فِيهَا الشُّفْعَةُ فَإِنَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُرَابَحَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.
فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا يُعْطِي الشَّفِيعُ يَكُونُ ثَمَنًا، وَمَا يُعْطِي الْمَالِكُ الْقَدِيمُ يَكُونُ فِدَاءً فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَاذَا قُلْتُمْ فِي مَسْأَلَةِ أَوَّلِ الْبَابِ: إنَّهُ يُصَارُ إلَى التَّقْوِيمِ، بِخِلَافِ الْجِنْسِ إذَا كَانَ هَذَا فِدَاءً، وَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ؟ قُلْنَا: لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ مَالِيَّةُ الصَّنْعَةِ عِنْدَ التَّقْوِيمِ بِالْجِنْسِ، إذْ لَا قِيمَةَ لَهُ، فَلِلْحَاجَةِ إلَى إظْهَارِ مَالِيَّةِ الصَّنْعَةِ صِرْنَا إلَى التَّقْوِيمِ، بِخِلَافِ الْجِنْسِ لَا لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَادَلَةٌ، فَأَمَّا فِي تَقْوِيمِ الثَّوْبِ وَالْخَمْرِ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي نَصْرَانِيًّا لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ، فَلِهَذَا جَوَّزْنَا تَقْوِيمَهُ بِجِنْسِ الْإِبْرِيقِ.
стр. 1237
وَلَوْ أَسَرَ الْعَدُوُّ عَبْدًا لِذِمِّيٍّ فَدَخَلَ إلَيْهِمْ ذِمِّيٌّ فَاشْتَرَاهُ بِأَرْطَالٍ مِنْ خَمْرٍ وَأَخْرَجَهُ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمِثْلِهَا.
لِأَنَّ الْخَمْرَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَهُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِمْ، كَالْعَصِيرِ وَالْخَلِّ فِي حَقِّنَا.
٢٤٨٠ - فَإِنْ قَضَى الْقَاضِي لَهُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَأْخُذْهُ حَتَّى أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُنْتَقَضْ الْقَضَاءُ وَكَانَ عَلَى صَاحِبِهِ قِيمَةُ الْخَمْرِ يَأْخُذُهُ بِهِ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا فِدَاءً فَلَا يَبْطُلُ بِالْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
٢٤٨١ - بِخِلَافِ شِرَاءِ الْعَبْدِ بِالْخَمْرِ ابْتِدَاءً، وَأَخْذِ الدَّارِ بِالشُّفْعَةِ بِالْخَمْرِ، وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ الْقَضَاءُ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْخَمْرِ.
لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِتَسْلِيمِهِ بَاقٍ، وَقَدْ عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمُ فَالْمُسْلِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ هُوَ الْمُسْلِمُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمَلُّكِ الْخَمْرِ فَلِهَذَا يَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ.
٢٤٨٢ - وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي لِصَاحِبِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُ الثَّمَنَ فَلَهُ ذَلِكَ.
لِأَنَّ مِلْكَهُ إنَّمَا حَيِيَ بِمَا أَدَّى الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْعَبْدَ بِهِ بِمَنْزِلَةِ
стр. 1238
رَادِّ الْآبِقِ يَحْبِسُهُ بِالْجُعْلِ لِهَذَا الْمَعْنَى لَا لِأَنَّ الْمَوْلَى يَتَمَلَّكُ ابْتِدَاءً بِمَا يُعْطِيهِ مِنْ الْجُعْلِ.
٢٤٨٣ - فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ بَطَلَ الْفِدَاءُ عَنْ صَاحِبِهِ.
لِأَنَّهُ كَانَ يَفْدِي لِتَسْلِيمِ الْعَبْدِ لَهُ وَلَمْ يُسْلِمْ.
٢٤٨٤ - وَإِنْ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إنْ شَاءَ، سَوَاءٌ كَانَ ذَهَابُ الْعَيْنِ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي.
وَهَذَا لِأَنَّ الْفِدَاءَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْأَصْلِ لَا لِلْأَوْصَافِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ الْجَانِيَ إذَا ذَهَبَتْ عَيْنُهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ مَوْلَاهُ شَيْءٌ مِنْ الْفِدَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ قَبْلَ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ أَوْ بَعْدَهُ.
٢٤٨٥ - وَإِنْ قَتَلَهُ الْمُشْتَرِي فَقَدْ بَطَلَ الْفِدَاءُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْقَاتِلِ.
لِأَنَّ قَتْلَهُ إيَّاهُ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي وَقَبْلَهُ سَوَاءٌ، فَإِنَّهُ مَا بَقِيَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ قِيمَتِهِ بِالْجِنَايَةِ، كَالْبَائِعِ إذَا قَتَلَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْعَبْدَ كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمُشْتَرِي، وَكَانَ مَا يُعْطِي فِي حَقِّ الْمَوْلَى فِدَاءً وَفِي حَقِّ الْمُشْتَرِي هُوَ يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْ الْعَبْدِ بِعِوَضٍ يَأْخُذُهُ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ
стр. 1239
يَقْتُلُ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهَذَا بِخِلَافِ رَادِّ الْآبِقِ إذَا قَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ بِجَعْلٍ، أَوْ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ إذَا قَتَلَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ بَعْدَ مَا اخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ.
لِأَنَّ هُنَاكَ الْقَاتِلُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِرَقَبَةِ الْعَبْدِ قَطُّ، حَتَّى يَبْقَى ضَمَانُ مِلْكِهِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَهَا هُنَا الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ كَانَ مَالِكًا لَهُ، فَيَبْقَى ضَمَانُ مِلْكِهِ، بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ يَدِهِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ وُجُوبَ ضَمَانِ الْقِيمَةِ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ.
٢٤٨٦ - وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْهُمْ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهَا وَوَلَدَهَا بِالثَّمَنِ.
لِأَنَّ الْوَلَدَ جُزْءٌ مِنْهَا وَفِي الْفِدَاءِ يُجْعَلُ تَبَعًا لَهَا.
٢٤٨٧ - فَإِنْ قَتَلَ الْمُشْتَرِي وَلَدَهَا أَوْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بَعْدَهُ كَانَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَ الْأُمَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إنْ شَاءَ.
لِأَنَّ الْوَلَدَ تَبَعٌ فِي حُكْمِ الْفِدَاءِ، فَبِفَوَاتِهِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، بِمَنْزِلَةِ فَوَاتِ سَائِرِ الْأَطْرَافِ.
٢٤٨٨ - وَإِذَا مَاتَتْ الْأُمُّ وَبَقِيَ الْوَلَدُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، يَأْخُذُ الْوَلَدَ، بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إنْ شَاءَ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَأْخُذُهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إذَا قُسِمَ عَلَى قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا الْفِدَاءِ الْأُمُّ دُونَ الْوَلَدِ، فَلَا يُمْكِنُ إبْقَاءُ جَمِيعِ الْفِدَاءِ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَصْلِ،
стр. 1240
فَلَا بُدَّ مِنْ تَوَزُّعِ الْفِدَاءِ عَلَى قِيمَتِهَا، لِمَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ فِي الْوَلَدِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَسْرِي إلَيْهِ مِلْكُ الْأَصْلِ، وَحَقُّ الْأَخْذِ فِي الْأَصْلِ ثَابِتٌ لَهُ، بِاعْتِبَارِهِ مَلَكَهُ، فَكَذَلِكَ فِي الْوَلَدِ. وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: لَمَّا بَقِيَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ الْوَلَدِ بَقِيَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوَزُّعَ عَلَى الْأَصْلِ وَالتَّبَعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ فَلِهَذَا أَوْجَزْنَا فِي الْبَيَانِ هَا هُنَا.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا بَابًا قَدْ بَيَّنَّا شَرْحَ مَسَائِلِهِ فِي الْجَامِعِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 1241
[بَابُ الْعَبْدِ الْمَأْسُورِ يَشْتَرِيهِ رَجُلٌ ثُمَّ يُقِرُّ بِهِ لِغَيْرِ مَوْلَاهُ]
٢٤٨٩ - وَإِذَا اشْتَرَى الْعَبْدَ الْمَأْسُورَ مِنْ الْعَدُوِّ مُسْلِمٌ فَأَخْرَجَهُ، ثُمَّ لَمْ يَأْخُذْهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِالثَّمَنِ حَتَّى أَقَرَّ الْمُشْتَرِي لِآخَرَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ، وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ وَكَذَّبَهُ مَوْلَى الْعَبْدِ فَإِنَّ الْمُقَرَّ لَهُ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ، وَمَوْلَاهُ الْمَعْرُوفُ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ.
لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ ثَابِتٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ الظَّاهِرِ، قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ، وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ أَقَرَّ بِذَلِكَ الْحَقِّ بِعَيْنِهِ لِآخَرَ، وَإِقْرَارُهُ فِيمَا يَكُونُ حَقًّا لَهُ صَحِيحٌ، فَأَمَّا فِيمَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ لِلْغَيْرِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ هَذَا الْحَقِّ مَعَ قِيَامِ مِلْكِهِ فِي الْعَبْدِ فَلَا يَمْلِكُ تَحْوِيلَهُ إلَى غَيْرِهِ.
تَوْضِيحُهُ وَهُوَ أَنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الْأَخْذِ لِلْمَأْسُورِ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ وَمِلْكِ الْمُقَرِّ لَهُ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ خَاصَّةً.
لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَكُونُ حُجَّةً إلَّا فِي حَقِّ الْمُقِرِّ فَأَمَّا مِلْكُ الْمَوْلَى الْمَعْرُوفِ فَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ وَفِي حَقِّ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، فَلَا يَثْبُتُ لِلْمُقَرِّ لَهُ مُزَاحَمَةُ الْمَوْلَى الْمَعْرُوفِ بِاعْتِبَارِ مِلْكٍ لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّهِ.
стр. 1242
٢٤٩٠ - فَإِذَا لَمْ يَرْغَبْ الْمَوْلَى الْمَعْرُوفُ فِي أَخْذِهِ فَلِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ.
لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ فِي حَقِّ الْمُقَرِّ ثَابِتٌ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى الْمَعْرُوفِ لِكَوْنِهِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ بِتَسْلِيمِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ.
٢٤٩١ - وَإِنْ أَخَذَهُ الْمَوْلَى الْمَعْرُوفُ بِالثَّمَنِ فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ مِنْ قِيمَةٍ وَلَا ثَمَنٍ.
لِأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ يَدِهِ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ لَا بِاخْتِيَارِهِ.
٢٤٩٢ - وَلَوْ أَزَالَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ سَبِيلٍ، فَإِذَا أَخَذَ مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ أَوْلَى.
وَهَذَا لِأَنَّهُ بِالشِّرَاءِ مِنْ الْعَدُوِّ قَدْ مَلَكَهُ مِلْكًا صَحِيحًا، وَالثَّمَنُ الَّذِي أَعْطَاهُ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ أَيْضًا مِلْكًا صَحِيحًا، فَمَا أَخَذَ مِنْ الثَّمَنِ الْآنَ بَدَلُ مَا أَدَّى فَيَكُونُ سَالِمًا لَهُ، وَمَا أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ فَقَدْ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُضَمِّنَهُ شَيْئًا.
٢٤٩٣ - وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَقَرَّ أَنَّهُ عَبْدٌ لِهَذَا الرَّجُلِ دَبَّرَهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهُوَ مُدَبَّرٌ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَلَا شَيْءَ لِلْمَوْلَى الْمَعْرُوفِ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ.
لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ هَا هُنَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَهُوَ يَمْلِكُ أَنْ يَمْلِكَهُ ابْتِدَاءً بِالْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ، فَيَمْلِكُ الْإِقْرَارَ لَهُ بِالْمِلْكِ أَيْضًا.
٢٤٩٤ - ثُمَّ قَدْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ مُدَبَّرٌ، وَلَوْ دَبَّرَهُ الْمُشْتَرِي
стр. 1243
ابْتِدَاءً صَحَّ تَدْبِيرُهُ، فَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ مُدَبَّرٌ لِغَيْرِهِ، وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ كَانَ مُدَبَّرًا أَيْضًا، وَبَعْدَ مَا صَارَ مُدَبَّرًا لَا يَبْقَى لِلْمَوْلَى الْمَعْرُوفِ حَقُّ أَخْذِهِ بِالثَّمَنِ، كَمَا لَوْ دَبَّرَهُ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ بِهَذَا الْإِقْرَارِ مَا أَبْطَلَ عَلَى الْمَوْلَى الْمَعْرُوفِ مِلْكًا هُوَ مُتَقَوِّمٌ لِحَقِّهِ فَلَا يَضْمَنُ لَهُ شَيْئًا.
٢٤٩٥ - قَالَ: وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الشُّفْعَةَ، يَعْنِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لِلدَّارِ إذَا أَقَرَّ بِأَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى فُلَانٍ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ الشَّفِيعِ فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ.
لِأَنَّ لِلشَّفِيعِ وِلَايَةَ نَقْصِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي بِالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، فَلَا يَكُونُ إقْرَارُهُ صَحِيحًا فِي حَقِّهِ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اتَّخَذَ الدَّارَ مَسْجِدًا، فَأَمَّا الْمَوْلَى الْقَدِيمُ فَلَيْسَ لَهُ حَقُّ إبْطَالِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي بِالْأَخْذِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ حَقَّهُ، أَوْ يَأْخُذَهُ، فَإِقْرَارُهُ بِأَنَّهُ مُدَبَّرٌ لِغَيْرِهِ يَكُونُ صَحِيحًا فِي حَقِّهِ أَيْضًا، بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا إذَا أَقَرَّ بَعْدَ الْقَبْضِ أَنَّ الْعَبْدَ مُدَبَّرٌ لِفُلَانٍ وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ، إلَّا أَنَّ هُنَاكَ الْبَائِعُ يُضَمِّنُ الْمُشْتَرِيَ الْقِيمَةَ بِاعْتِبَارِ قَبْضِهِ، هَا هُنَا الْمَوْلَى الْقَدِيمُ لَا يُضَمِّنُ الْمُشْتَرِيَ شَيْئًا.
لِأَنَّهُ مَا قَبَضَهُ مِنْهُ وَلَا تَمَلَّكَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاشَرَ التَّدْبِيرَ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
стр. 1244
٢٤٩٦ - وَلَوْ قَالَ الْمُقِرُّ لَهُ قَدْ كَانَ عَبْدِي وَلَمْ أُدَبِّرْهُ قَطُّ فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَأْخُذَهُ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ مُدَبَّرًا مَوْقُوفَ الْحَالِ.
لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ أَقَرَّ أَنَّهُ مُدَبَّرٌ، وَالْمَوْلَى الْمَعْرُوفُ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالشِّرَاءِ وَأَنَّ إقْرَارَهُ فِيهِ نَافِذٌ.
٢٤٩٧ - وَكَذَلِكَ الْمُقَرُّ لَهُ فَيَصِيرُ مُدَبَّرًا بِاتِّفَاقِهِمْ، ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: يَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِهِ فَيَبْقَى مُدَبَّرًا مَوْقُوفَ الْحَالِ فَإِذَا مَاتَ الْمُقِرُّ لَهُ عَتَقَ.
لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ أَقَرَّ بِأَنَّ عِتْقَهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِمَوْتِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَالْمُقَرُّ لَهُ كَانَ مُقِرًّا بِأَنَّ إقْرَارَ الْمُشْتَرِي فِيهِ نَافِذٌ، فَعِنْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ لَهُ يَحْصُلُ الِاتِّفَاقُ مِنْهُمْ عَلَى حُرِّيَّتِهِ.
٢٤٩٨ - فَإِنْ لَمْ يَمُتْ الْمُقَرُّ لَهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى تَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي أَخَذَهُ مُدَبَّرًا لَهُ.
لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَهُوَ الْوَلَاءُ الثَّابِتُ بِالتَّدْبِيرِ، فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِتَكْذِيبِهِ.
٢٤٩٩ - وَلَكِنَّهُ إذَا صَدَّقَهُ بَعْدَ التَّكْذِيبِ فَهُوَ وَمَا لَوْ صَدَّقَهُ ابْتِدَاءً فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى تَصْدِيقِهِ حَتَّى جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً فَجِنَايَتُهُ تَتَوَقَّفُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
стр. 1245
لِأَنَّ مُوجِبَ جِنَايَةِ الْمُدَبَّرِ عَلَى مَوْلَاهُ وَلَا يَدْرِي مَنْ الْمَوْلَى مِنْهُمَا. وَالْقَضَاءُ عَلَى الْمَجْهُولِ بِالْقِيمَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ وَلَكِنْ اسْتَحْسَنَ مُحَمَّدٌ فَقَالَ: يَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، لِأَنَّ كَسْبَهُ مَمْلُوكٌ لِمَوْلَاهُ، وَأَرْشُ جِنَايَتِهِ عَلَى مَوْلَاهُ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكَسْبَ لَهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَمَّا كَانَ أَحَقَّ بِكَسْبِهِ كَانَ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا قَضَيْنَا بِالْأَقَلِّ فِي كَسْبِهِ فَقَدْ قَضَيْنَا عَلَى مَوْلَاهُ بِيَقِينٍ.
وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرْنَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ، جَارِيَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِصَاحِبِهِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ ثَمَّةَ.
٢٥٠٠ - فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ كَانَ الْأَرْشُ مَوْقُوفًا لِتَوَقُّفِ الْمِلْكِ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى نَفَقَةٍ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى كَسْبٍ لِمَرَضٍ، أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ.
لِأَنَّهُ مَالُ مَوْلَاهُ بِيَقِينٍ، وَنَفَقَةُ الْمَمْلُوكِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ الْكَسْبِ عَلَى مَوْلَاهُ، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ وَلَا أَرْشَ لَهُ فَنَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعَمَلِ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ حُرٍّ مَرِيضٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ، وَلَيْسَ لَهُ قَرِيبٌ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ.
٢٥٠١ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً شِرَاءً فَاسِدًا وَقَبَضَهَا، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهَا مُدَبَّرَةٌ لِفُلَانٍ، فَقَالَ فُلَانٌ: هِيَ جَارِيَتِي، وَلَيْسَتْ بِمُدَبَّرَتِي، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا أَمَةً لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِالتَّدْبِيرِ، فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ لَهُ، لِوُجُودِ التَّصْدِيقِ
стр. 1246
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهُ فِيهِ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْعَبْدَ الْمَأْسُورَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْمُقَرُّ لَهُ حِينَ أَنْكَرَ التَّدْبِيرَ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ السَّبْيَ جَرَى عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ مَلَكَهُ، وَأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ فِيهِ بِالتَّدْبِيرِ وَهُوَ يَمْلِكُهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِالثَّمَنِ لِمَا نَفَذَ فِيهِ مِنْ إقْرَارِ الْمُشْتَرِي، وَهَا هُنَا الْمُقَرُّ لَهُ يَقُولُ: الْعَبْدُ عَبْدِي وَالشِّرَاءُ مِنْ الْمُشْتَرِي كَانَ بَاطِلًا، فَإِقْرَارُهُ بِالتَّدْبِيرِ لَغْوٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكَهُ، فَلِهَذَا أَخَذَ الْأَمَةَ مِنْهُ بِحُكْمِ إقْرَارِهِ، فَتَكُونُ مَمْلُوكَةً لَهُ غَيْرَ مُدَبَّرَةٍ.
وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا بَابًا قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَسَائِلِهِ فِي الزِّيَادَاتِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 1247
[بَابٌ مِنْ الْفِدَاءِ لِلْعَبْدِ الْمَأْسُورِ مِنْ الْعَدُوِّ يَصْلُحُ وَفِيمَا لَا يَصْلُحُ]
١٣٣ - بَابٌ مِنْ الْفِدَاءِ فِيمَا يَصْلُحُ وَفِيمَا لَا يَصْلُحُ ٢٥٠٢ - الْمُشْتَرِي لِلْعَبْدِ الْمَأْسُورِ مِنْ الْعَدُوِّ إذَا أَخْرَجَهُ فَحَضَرَ مَوْلَاهُ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِشَيْءٍ لَهُ مِثْلٌ مِنْ جِنْسِهِ، فَلِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَهُ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِمَا لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، كَالثِّيَابِ وَالْأَمْتِعَةِ، فَلِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ.
لِأَنَّ الْمَوْلَى إنَّمَا يُعْطِي الْمُشْتَرِيَ مَا غَرِمَ فِيهِ، لِيَنْدَفِعَ بِهِ الضَّرَرُ وَالْخُسْرَانُ عَنْهُ، وَتَمَامُ ذَلِكَ بِالْمِثْلِ صُورَةً وَمَعْنًى، فَيَجِبُ مُرَاعَاةُ ذَلِكَ، إلَّا إذَا تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ صُورَةً، فَحِينَئِذٍ تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِي مَعْنَى الْمَالِيَّةِ، كَمَا فِي بَدَلِ الْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَهْلَكِ.
٢٥٠٣ - يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَوْلَى حِينَ رَغِبَ فِي أَخْذِهِ فَقَدْ أَجَازَ مَا صَنَعَهُ الْمُشْتَرِي، وَإِجَازَتُهُ فِي الِانْتِهَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ لَهُ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يَفْدِيَهُ بِمَالِ نَفْسِهِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الِابْتِدَاءِ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا لِمَعْنًى، وَهُوَ أَنَّ ذَوَاتَ الْأَمْثَالِ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، مِمَّا يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُ. فَالْمَوْلَى صَارَ كَالْمُسْتَقْرَضِ مِنْهُ، فَلِهَذَا يَغْرَمُ مِثْلَهُ، وَأَمَّا الثِّيَابُ وَالْأَمْتِعَةُ لَا يَجُوزُ فِيهَا الِاسْتِقْرَاضُ، وَهِيَ تَكُونُ مَضْمُونَةً بِالْقِيمَةِ، بِحُكْمِ الِاسْتِقْرَاضِ الْفَاسِدِ.
стр. 1248
٢٥٠٤ - فَإِنْ (اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ قِيمَتِهِ) فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي فَدَاهُ بِهِ مَعَ يَمِينِهِ.
لِأَنَّ الْمَوْلَى يَدَّعِي عَلَيْهِ ثُبُوتَ حَقِّ الْأَخْذِ لَهُ عِنْدَ أَدَاءِ الْأَقَلِّ، وَهُوَ يُنْكِرُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُؤَدِّ الْأَكْثَرَ الَّذِي ادَّعَاهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ. وَلِأَنَّ مَا فَدَاهُ بِهِ مِلْكُهُ، وَقَدْ كَانَ فِي يَدِهِ إلَى أَنْ دَفَعَهُ إلَى الْحَرْبِيِّ فَيَكُونُ هُوَ أَعْرَفُ بِقِيمَتِهِ مِنْ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ ذَلِكَ إلَى يَدِهِ قَطُّ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُجَازِفٌ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ قِيمَتِهِ.
٢٥٠٥ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الَّذِي فَدَاهُ بِهِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَاخْتَلَفَا فِي وَزْنِهِ أَوْ جُودَتِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي فَدَاهُ مَعَ يَمِينِهِ.
لِلْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا.
٢٥٠٦ - وَعَلَى الْمَوْلَى الْبَيِّنَةُ.
لِأَنَّهُ يَدَّعِي ثُبُوتَ حَقِّ أَخْذِ مِلْكِهِ بِمِقْدَارِ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَالْآخَرُ يُنْكِرُ، وَلَوْ أَنْكَرَ ثُبُوتَ الْحَقِّ لَهُ أَصْلًا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ بِالْبَيِّنَةِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَنْكَرَ ثُبُوتَ الْحَقِّ لَهُ عِنْدَ إحْضَارِ أَقَلِّ الْمَالَيْنِ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً، مُسْلِمَيْنِ أَوْ ذِمِّيَّيْنِ، وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ ذِمِّيٌّ، فَقَدْ أَثْبَتَ دَعْوَاهُ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى خَصْمِهِ، وَالْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَحَقُّ بِالْعَمَلِ بِهَا مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ.
٢٥٠٧ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي فَدَاهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ حَرْبِيًّا كَانَ أَوْ مُسْتَأْمَنًا فِينَا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ بِأَمَانٍ، فَلَيْسَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ.
стр. 1249
لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ فِي مِلْكِهِ قَائِمٌ مَقَامَ الْبَائِعِ، وَالْبَائِعُ وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ لَوْ خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، وَمَعَهُ ذَلِكَ الْعَبْدُ، لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ فَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي.
٢٥٠٨ - وَهَذَا لِأَنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الْأَخْذِ لَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ صَارَ مَظْلُومًا، وَأَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِي الْقِيَامَ بِنُصْرَتِهِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِيمَا إذَا كَانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا.
لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَلَا يَلْزَمُهُ نُصْرَةُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا.
٢٥٠٩ - بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَلَكِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ.
لِأَنَّ هَذَا الْعَبْدَ كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، فَلَا يُتْرَكُ الْحَرْبِيُّ لِيَرْجِعَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.
٢٥١٠ - وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا فَهُوَ غَيْرُ مُشْكِلٍ.
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَهُ مِنْ الْأَصْلِ، فَأَسْلَمَ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ، فَهَا هُنَا أَوْلَى أَنْ يُجْبَرَ عَلَى بَيْعِهِ.
٢٥١١ - وَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَرْبِيُّ الَّذِي اشْتَرَاهُ خَرَجَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا. وَمَعَهُ الْعَبْدُ لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ خَرَجَ الْبَائِعُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ -
стр. 1250
مَنْ «أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ» . إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ خَرَجَ ذِمِّيًّا وَالْعَبْدُ مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّهُ لَا يُتْرَكُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ فِي يَدِ كَافِرٍ يَسْتَعْبِدُهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِذْلَالِ بِالْمُسْلِمِ.
٢٥١٢ - وَإِنْ كَانَ الْمَأْسُورُ مِمَّنْ لَا يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ أَوْ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ، كَالْحُرِّ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، أَوْ خَرَجُوا إلَيْنَا بِأَمَانٍ.
لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُجْرَى عَلَيْهِ السَّبْيُ، وَلَا يَكُون مُحْرَزًا أَبَدًا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ مِلْكًا لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ أَيْضًا، وَلَكِنْ عَلَيْهِمْ إزَالَةُ يَدِ الظُّلْمِ عَنْهُ، فَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ مَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فِي الْمَالِ الَّذِي فَدَاهُ بِهِ، فِي جِنْسِهِ أَوْ مِقْدَارِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي فَدَاهُ بِهِ، لِمَا بَيَّنَّا فَإِنْ أَقَامَ الْمَوْلَى الْبَيِّنَةَ أُخِذَ بِبَيِّنَتِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُدَّعٍ لِلزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْنَى مُنْكِرًا، كَمَا بَيَّنَّا، وَلَكِنْ الدَّعْوَى ظَاهِرًا تَكْفِي لِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ، كَالْمُودَعِ يَدَّعِي رَدَّ الْوَدِيعَةِ، وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ. فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ.
стр. 1251
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵁ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ هَا هُنَا، لِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا حِينَ صَنَّفَ الْكِتَابَ.
وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ﵄.
فَكَذَلِكَ هَا هُنَا الْمَوْلَى الْقَدِيمُ بِمَنْزِلَةِ الشَّفِيعِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ هُنَاكَ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ بِبَيِّنَةٍ فَهَا هُنَا كَذَلِكَ.
٢٥١٣ - وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ فَدَاهُ بِثِيَابٍ مَعْلُومَةٍ، وَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهَا، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ، فَالْبَيِّنَةُ هَا هُنَا بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَلِكَ فِي الشُّفْعَةِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى بِهِ بِالدَّارِ (وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَإِنَّ) الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي.
أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ فِي الْفَصْلَيْنِ. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ الْمُشْتَرِيَ بِبَيِّنَتِهِ يُثْبِتُ فِعْلَ نَفْسِهِ، وَالْمَوْلَى الْقَدِيمُ بِبَيِّنَتِهِ يُثْبِتُ فِعْلَ الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِعْلُ الْمَرْءِ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ، لَا أَنْ يُثْبِتَ هُوَ فِعْلَ نَفْسِهِ بِالْبَيِّنَةِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ نَظِيرُ مَا قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ: إنَّهُ صَدَرَ مِنْ الْمُشْتَرِي إقْرَارَانِ وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِمَا عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي أَصْلِ الْفِعْلِ، وَهُوَ الْفِدَاءُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِمَا فَدَاهُ بِهِ مِنْ الثِّيَابِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي مِقْدَارِ الْقِيمَةِ، فَالْمُثْبِتُ لِلزِّيَادَةِ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ فِيهِ أَوْلَى.
стр. 1252
وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ كَانَ اشْتَرَاهُ بِمَا لَا يَحِلُّ مِنْ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُسْلِمًا فَلِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ.
لِأَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ شِرَاءً، وَإِنَّمَا كَانَ أَخْذَ مَالِ الْكَافِرِ بِطِيبَةِ نَفْسِهِ، فَكَأَنَّهُ وَهَبَهُ لَهُ.
٢٥١٥ - وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي ذِمِّيًّا فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِمَيْتَةٍ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ.
لِأَنَّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ فِي حَقِّهِمْ، كَمَا فِي حَقِّنَا، فَمَا جَرَى بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ شِرَاءً، لِأَنَّ الشِّرَاءَ اسْمٌ لِمُبَادَلَةِ مَالٍ بِمَالٍ.
٢٥١٦ - وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَمَا جَرَى بَيْنَهُمَا كَانَ شِرَاءً عَلَى حَقِيقَتِهِ.
لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِمْ.
٢٥١٧ - ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ ذِمِّيًّا أَخَذَهُ فِي الْخَمْرِ بِالْمِثْلِ، وَفِي الْخِنْزِيرِ بِالْقِيمَةِ. وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَخَذَهُ فِيهِمَا بِالْقِيمَةِ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ. وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الْخَمْرِ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلتَّسْلِيمِ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
٢٥١٨ - وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْأَسْرِ بَيْنَ نَصْرَانِيٍّ وَمُسْلِمٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ ذِمِّيٌّ مِنْ الْعَدُوِّ بِالْخَمْرِ، فَإِنَّ النَّصْرَانِيَّ يَأْخُذُ نِصْفَهُ بِمِثْلِ
стр. 1253
نِصْفِ ذَلِكَ الْخَمْرِ، وَالْمُسْلِمُ يَأْخُذُ نِصْفَهُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْخَمْرِ، اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ قَادِرٌ عَلَى أَدَاءِ الْمِثْلِ فِي نَصِيبِهِ، وَالْمُسْلِمُ عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ.
٢٥١٩ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ مُسْلِمًا أَخَذَهُ الْمَوْلَيَانِ بِقِيمَتِهِ.
لِأَنَّ الَّذِي جَرَى مِنْ الْمُسْلِمِ لَمْ يَكُنْ شِرَاءً، إذْ الْخَمْرُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ.
٢٥٢٠ - وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ مُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌّ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ مُسْلِمًا أَخَذَ نِصْفَهُ مِنْ الْمُسْلِمِ الْمُشْتَرِي بِنِصْفِ قِيمَتِهِ.
لِأَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْهُ فِي نَصِيبِهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْهَابِ دُونَ الشِّرَاءِ. وَأُخِذَ نِصْفُهُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْخَمْرِ. لِأَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْهُ فِي نَصِيبِهِ حَقِيقَةُ الشِّرَاءِ فَالْخَمْرُ مَالٌ فِي حَقِّهِ.
٢٥٢١ - وَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ نَصْرَانِيًّا أَخَذَ مِنْ الْمُسْلِمِ النِّصْفَ بِقِيمَتِهِ لِمَا بَيَّنَّا، وَمِنْ النَّصْرَانِيِّ النِّصْفَ بِمَا أَدَّى مِنْ الْخَمْرِ فِيهِ.
لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَدَاءِ الْمِثْلِ إلَيْهِ.
٢٥٢٢ - وَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ فِي الْأَصْلِ مَوْلَيَانِ مُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌّ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ بِالْخَمْرِ مُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌّ أَيْضًا، فَإِنَّ النِّصْفَ الَّذِي
стр. 1254
اشْتَرَاهُ الْمُسْلِمُ يَأْخُذُهُ الْمَوْلَيَانِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالشِّرَاءِ حَقِيقَةً، وَالنِّصْفُ الَّذِي اشْتَرَاهُ النَّصْرَانِيُّ فَالْمَوْلَى الْمُسْلِمُ يَأْخُذُ ذَلِكَ النِّصْفَ بِنِصْفِ قِيمَةِ مَا أَدَّى مِنْ الْخَمْرِ، وَالنَّصْرَانِيُّ يَأْخُذُ بِالْمِثْلِ.
لِأَنَّ كُلَّ نِصْفٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ كَامِلٍ، وَحُكْمُ الْجُزْءِ مُعْتَبَرٌ بِحُكْمِ الْكُلِّ فِي الْوَجْهَيْنِ.
٢٥٢٣ - فَإِنْ كَانَا اشْتَرَيَاهُ بِخَنَازِيرِ فَإِنَّهُمَا يَأْخُذَانِ النِّصْفَ مِنْ الْمُشْتَرِي الْمُسْلِمِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ.
لِأَنَّهُ مَا أَخَذَهُ بِالشِّرَاءِ حَقِيقَةً، بَلْ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ. - وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَأْخُذَانِهِ مِنْ النَّصْرَانِيِّ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْخَنَازِيرِ.
لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ ذَلِكَ النِّصْفَ بِالشِّرَاءِ حَقِيقَةً، وَالْخِنْزِيرُ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فِي حَقِّ أَحَدٍ.
٢٥٢٤ - وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُ الْمَوْلَيَيْنِ أَخْذَ حِصَّتِهِ مِنْ الْعَبْدِ دُونَ الْآخَرِ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا، لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْأَخْذِ ثَابِتٌ فِي النِّصْفِ بِاعْتِبَارِ قَدِيمِ مِلْكِهِ، فَإِنْ أَبْطَلَ أَحَدُهُمَا حَقَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَى الْآخَرِ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ.
لِأَنَّ إبْطَالَهُ غَيْرُ عَامِلٍ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 1255
[بَابٌ الْفِدَاءِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَاَلَّذِي لَا يَرْجِعُ]
١٣٤ - بَابٌ مِنْ الْفِدَاءِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَاَلَّذِي لَا يَرْجِعُ
٢٥٢٥ - وَلَوْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ اسْتَوْلَوْا عَلَى مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَأَحْرَزُوهُ بِعَسْكَرِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ جَيْشٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى اسْتَنْقَذُوهُ مِنْهُمْ، قَبْلَ أَنْ يُحْرِزُوهُ بِدَارِهِمْ، فَذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ.
لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِينَ لَمْ يَمْلِكُوهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، فَمَنْ وَصَلَ إلَى يَدِهِ كَانَ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ.
٢٥٢٦ - فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ حَتَّى قَسَمَهُ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُ فَقِسْمَتُهُ بَاطِلَةٌ، وَالْمَتَاعُ مَرْدُودٌ عَلَى أَهْلِهِ.
لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقِسْمَةَ لَمْ تُصَادِفْ مَحَلَّهَا، فَإِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ تَتَضَمَّنُ التَّمْلِيكَ مِنْ الْإِمَامِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يُصِيبُهُ، وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ التَّمْلِيكِ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ رِضَى صَاحِبِهِ.
٢٥٢٧ - وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ أَوْ صَارُوا ذِمَّةً.
لِأَنَّهُمْ غَاصِبُونَ فَيَتَأَكَّدُ عَلَيْهِمْ وُجُوبُ الرَّدِّ بِإِسْلَامِهِمْ.
стр. 1256
٢٥٢٨ - قَالَ ﵌: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» فَإِنْ عَلِمَ الْإِمَامُ الْحَالَ، وَرَأَى أَنَّ إحْرَازَهُمْ بِالْعَسْكَرِ يَكُونُ تَامًّا فَخَمَّسَهُ وَقَسَمَهُ مَعَ غَنَائِمِ الْمُشْرِكِينَ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ يَرَى ذَلِكَ غَيْرَ إحْرَازٍ جَازَ مَا صَنَعَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يُبْطِلْهُ.
لِأَنَّهُ أَمْضَى فَصْلًا مُخْتَلَفًا فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ.
٢٥٢٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً فَقَضَى بِأَنَّ ذَلِكَ سَالِمٌ لَهُمْ بِالِاجْتِهَادِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا قَضَاءٌ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَمْلِكُونَهُ وَإِنْ أَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَمْلِكُونَهُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ، وَأَحَدٌ لَا يَقُولُ يَمْلِكُونَهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ.
قُلْنَا: الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْفَصْلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ هَلْ تَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ بِالْقَهْرِ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ أَمْ لَا؟ (وَالْآخَرُ) أَنَّ الْإِحْرَازَ فِيمَا هُوَ مَحَلٌّ لِلتَّمْلِيكِ بِالْقَهْرِ هَلْ يَتِمُّ بِالْيَدِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ أَمْ لَا؟ فَإِذَا اجْتَهَدَ الْقَاضِي، وَاسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلَى أَنَّ مَالَ الْمُسْلِمِ مَحَلُّ التَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ، وَأَنَّ الْقَهْرَ يَتِمُّ بِالْإِحْرَازِ بِالْعَسْكَرِ، بِدُونِ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ، وَأَمْضَى الْحُكْمَ. كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ اجْتِهَادًا فِي مَوْضِعِهِ، فَيَكُونُ قَضَاؤُهُ نَافِذًا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْفُسَّاقِ، أَوْ عَلَى الْغَائِبِ، أَوْ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ بِالنِّكَاحِ عَلَى غَائِبٍ،
стр. 1257
فَإِنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْ يُجَوِّزُ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ يَقُولُ: لَيْسَ لِلْفُسَّاقِ شَهَادَةٌ وَلَا لِلنِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ شَهَادَةٌ فِي النِّكَاحِ.
وَلَكِنْ قِيلَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَصْلَيْنِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَيَنْفُذُ الْقَضَاءُ مِنْ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ فِيهِمَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَتْبَعُ الدَّلِيلَ لَا الْقَائِلَ بِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، لِأَنَّ هُنَاكَ الْقَاضِيَ مَا قَضَى بِالْقِسْمَةِ عَنْ اجْتِهَادِهِ، وَإِنَّمَا قَضَى بِذَلِكَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِأَنَّ هَذَا الْمَالَ مُصَابٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا صَارَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُ كَانَ قَضَاؤُهُ بَاطِلًا، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَحَرِّي فِي بَابِ الْقِبْلَةِ، إذَا تَبَيَّنَ خَطَأَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، وَاَلَّذِي لَمْ يَجْتَهِدْ، وَلَمْ يُشْتَبَهْ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ صَلَّى إلَى جِهَتِهِ. ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، وَهَذَا لِأَنَّ مُطْلَقَ الْفِعْلِ يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الصَّوَابِ، مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ الْخَطَأُ، وَمَا يُفْعَلُ عَنْ اجْتِهَادٍ وَنَظَرٍ يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الصَّوَابِ مَا أَمْكَنَ، وَالْإِمْكَانُ قَائِمٌ إذَا صَادَفَ قَضَاؤُهُ مَحَلًّا مُجْتَهَدًا فِيهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ رَقِيقٌ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ، فَبَاعَ الْقَاضِي رَقِيقَهُ وَقَضَى دَيْنَهُ، ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ لِبَعْضِهِمْ أَنَّ مَوْلَاهُ كَانَ دَبَّرَهُ فَإِنَّ بَيْعَ الْقَاضِي فِيهِ يَكُونُ بَاطِلًا.
٢٥٣٠ - وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي عَالِمًا بِتَدْبِيرِهِ فَاجْتَهَدَ وَأَبْطَلَ تَدْبِيرَهُ لِأَنَّهُ وَصِيُّهُ وَبَاعَهُ فِي [الدَّيْنِ] ثُمَّ وَلِيَ قَاضٍ آخَرُ يَرَى ذَلِكَ خَطَأً فَإِنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاءُ الْأَوَّلِ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْأَوَّلَ فَعَلَهُ عَنْ اجْتِهَادِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ أَيْضًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ.
стр. 1258
وَلِأَنَّ تَحْسِينَ الظَّنِّ بِالْقَاضِي وَاجِبٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] . وَأَحْسَنُ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ قَضَى بَعْدَ الْعِلْمِ عَنْ اجْتِهَادٍ فَلِذَا نَفَذَ قَضَاؤُهُ حَتَّى يُعْلَمَ خِلَافُ ذَلِكَ.
٢٥٣١ - وَلَوْ أَنَّ تَاجِرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلَ عَسْكَرَهُمْ فِي دَارِنَا وَفَدَى مَا أَصَابُوهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَالٍ وَأَخْرَجَهُ، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فِي الْفِدَاءِ الَّذِي أَدَّى بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا دَارَهُمْ، وَأَصَابُوا ذَلِكَ الْفِدَاءَ بِعَيْنِهِ، فَلَا سَبِيلَ لِلتَّاجِرِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ وَجَدَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ بَعْدَهَا.
لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ مَلَكُوا ذَلِكَ بِالْأَخْذِ مِلْكًا تَامًّا، حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً كَانَ سَالِمًا لَهُمْ، وَهَذَا لِأَنَّهُمْ مَا مَلَكُوا هَذَا الْمَالَ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهِ الْإِحْرَازُ بِالدَّارِ، وَلَكِنْ بِتَمْلِيكِ صَاحِبِ الْمَالِ إيَّاهُمْ ذَلِكَ طَوْعًا فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَشْتَرُونَهُ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَمْلِكُونَهُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى لِصَاحِبِهِ فِيهِ حَقٌّ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ مَا أَعْطَوْا بِمُقَابَلَتِهِ كَانَ مُسْتَحَقًّا لِمُسْلِمٍ، وَلَكِنَّ بَدَلَ الْمُسْتَحَقِّ مَمْلُوكٌ إذَا جَرَى السَّبَبُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ، فَإِذَا جَرَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ أَعْطَاهُمْ بِطِيبَةِ نَفْسِهِ يُجْعَلُ فِي حُكْمِ السَّلَامَةِ لَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وُهِبَهُ مِنْهُمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَتَلُوا مُسْلِمًا وَأَخَذُوا جِيفَتَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَأَعْطَوْهُمْ جُعْلًا لِيَأْخُذُوهُ فَيَدْفِنُوهُ، كَانَ ذَلِكَ سَالِمًا لَهُمْ إنْ أَسْلَمُوا
стр. 1259
أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، وَكَانَ غَنِيمَةً سَالِمَةً لِلْمُسْلِمِينَ إنْ ظَفِرُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِزُوهُ بِدَارِهِمْ، فَهَذَا مِثْلُهُ. قَالَ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَسَرُوا أَحْرَارًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَأَدْخَلُوهُمْ دَارَهُمْ، ثُمَّ جَاءَهُمْ أَهْلُ الْأُسَارَى فَافْتَدَوْهُمْ بِمَالٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَالَ يَكُونُ سَالِمًا لَهُمْ إذَا أَسْلَمُوا، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، وَيَكُونُ غَنِيمَةً سَالِمَةً لِلْمُسْلِمِينَ إذَا ظَهَرُوا عَلَيْهِ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُمْ هَا هُنَا أَحْرَزُوا الْمَالَ بِدَارِهِمْ.
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَعْنَى هَذَا لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ: إذَا وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ فَوَجَدَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، كَمَا فِي الْمَالِ الَّذِي أَخَذُوهُ قَهْرًا وَأَحْرَزُوهُ.
٢٥٣٢ - فَإِنْ قَالَ هَذَا الْقَائِلُ: فَأَنَا هَكَذَا أَقُولُ قُلْنَا: هُوَ بَعِيدٌ، فَإِنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَوْ خَافُوا أَهْلَ الْحَرْبِ أَنْ يَسْتَأْصِلُوهُمْ فَصَالَحُوهُمْ عَلَى أَلَّا يَغْزُوهُمْ سَنَةً، عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ أَلْفَ ثَوْبٍ هَرَوِيٍّ وَقَبَضُوهَا، وَانْقَضَتْ السَّنَةُ، ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمِينَ ظَفِرُوا بِهِمْ، وَغَنِمُوا تِلْكَ الثِّيَابَ بِأَعْيَانِهَا، فَإِنَّهَا تَكُونُ غَنِيمَةً لِمَنْ أَخَذَهَا، سَالِمَةً لَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ.
لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ بِطِيبَةِ أَنْفُسِ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مَا أُخِذَ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ.
٢٥٣٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ هَذَا الصُّلْحُ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ عَسْكَرِ الْمُشْرِكِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ جَاءَ مَدَدٌ
стр. 1260
لِلْمُسْلِمِينَ فَاسْتَنْقَذُوا الْمَالَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، قَبْلَ أَنْ يُحْرِزُوهُ بِدَارِهِمْ، كَانَ ذَلِكَ غَنِيمَةً لِمَنْ أَصَابَهُ. بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا.
فَعَرَفْنَا أَنَّ فِيمَا يَكُونُ مَأْخُوذًا بِطِيبِ نَفْسِ صَاحِبِهِ دَارُ الْإِسْلَامِ وَدَارُ الْحَرْبِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا جَازَ لِلْمُسْلِمِينَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّهُمْ يَخَافُونَ الِاسْتِئْصَالَ وَالْإِهْلَاكَ عَلَى النَّفْسِ وَالذَّرَارِيِّ فَيَجْعَلُونَ الْأَمْوَالَ فِدَاءً لِذَلِكَ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ نَدَبَ إلَى ذَلِكَ فَقَالَ ﵊ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: «اجْعَلْ مَالَك دُونَ نَفْسِك» . وَقَدْ هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِذَلِكَ، حِينَ أَحَسَّ الضَّعْفَ بِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ الْقُوَّةَ كَمَا قَالَهُ السَّعْدَانِ ﵄ امْتَنَعَ مِنْهُ فَصَارَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي الْجَوَازِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ.
٢٥٣٤ - وَلَوْ أَنَّهُمْ أَسَرُوا مُسْلِمًا فَافْتُدِيَ مِنْهُمْ بِسِلَاحِهِ أَوْ بِفَرَسِهِ، وَخَلَّوْا سَبِيلَهُ ثُمَّ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِعَيْنِ ذَلِكَ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَمْ يُحْرِزُوهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى الْأَسِيرِ، قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا مَجَّانًا، وَإِنْ كَانُوا أَحْرَزُوهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ إنْ أَحَبَّ.
لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَصَابُوا هَذَا الْمَالَ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، فَإِنَّ يَدَهُمْ الثَّابِتَةَ عَلَى الْأَسِيرِ تَكُونُ ثَابِتَةً عَلَى الْمَالِ الَّذِي مَعَ الْأَسِيرِ، فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْمُصَابِ بِالِاسْتِيلَاءِ مَقْصُودًا، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَيَدُهُمْ عَلَى الْفِدَاءِ هُنَاكَ مَا ثَبَتَتْ إلَّا بِطِيبِ نَفْسِ صَاحِبِ الْمَالِ.
стр. 1261
٢٥٣٥ - وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ حِينَ وَقَعَ هَذَا الْمَالُ فِي الْغَنِيمَةِ بَاعَهُ، وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْرِكُونَ أَحْرَزُوهُ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ، إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ بَاعَهُ حِفْظًا عَلَى صَاحِبِهِ.
لِأَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ، وَلَا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ صَاحِبُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ بَيْعُهُ نَافِذًا، بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي يَبِيعُ اللُّقَطَةَ، ثُمَّ يَأْتِي صَاحِبُهَا.
٢٥٣٦ - وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى أَيِّ طَرِيقٍ بَاعَهُ فَإِنَّ بَيْعَهُ يَكُونُ مَرْدُودًا.
لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ، لِتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَاعَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، حَتَّى يُعْلَمَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ قَالَ قَبْلَ هَذَا فِي بَيْعِ الْمُدَبَّرِ فِي الدَّيْنِ، بَعْدَ مَوْتِ مَوْلَاهُ: إذَا لَمْ يُعْلَمْ كَيْفَ بَاعَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيْعُهُ جَائِزًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ حَتَّى يُعْلَمَ خِلَافُهُ. فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْفَصْلَيْنِ رِوَايَتَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ فَقَالَ: هَا هُنَا بَيْعُ الْمَالِ لِلْحِفْظِ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَكُونُ مُسْتَحَقًّا عَلَى الْقَاضِي، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَعَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْهُ، فَأَمَّا بَيْعُ التَّرِكَةِ بِالدَّيْنِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْقَاضِي، إذَا طَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ. فَلِهَذَا حَمَلْنَا هُنَاكَ مُطْلَقَ بَيْعِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُسْتَحَقِّ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ إبْطَالِ التَّدْبِيرِ عَنْ اجْتِهَادٍ إذْ الْمُعَارَضَةُ لَا تَقَعُ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّ وَغَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ، وَهَا هُنَا اسْتَوَى الْجَانِبَانِ فَحَمَلْنَا مُطْلَقَ بَيْعِهِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ.
стр. 1262
فَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ بَعَثَ إلَى بَعْضِ أَهْلِهِ فَسَأَلَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِمَالٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِمَالِ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ مَالٍ الْأَسِيرِ فَدَخَلَ إلَيْهِمْ الْمَأْمُورُ بِأَمَانٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْمَالِ، فَهُوَ فَيْءٌ، وَلَا سَبِيلَ لِصَاحِبِهِ عَلَيْهِ.
لِأَنَّ الْمَال مَا وَصَلَ إلَى يَدِهِمْ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ هَا هُنَا بَلْ بِتَسْلِيمِ صَاحِبِهِ إلَيْهِمْ طَوْعًا.
٢٥٣٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا قَالُوا لَهُ: لَنَقْتُلَنَّك أَوْ لَتَفْدِيَن نَفْسَك.
لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَلَّا يَدْفَعَ الْمَالَ إلَيْهِمْ، حِينَ لَمْ يَكُنْ الْمَالُ مَعَهُ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُمْ مَا أَثْبَتُوا الْيَدَ عَلَى الْمَالِ قَهْرًا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَالُ مَعَهُ حِينَ أَسَرُوهُ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ دَفْعِ يَدِهِمْ عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ هُنَاكَ لَوْ صَبَرَ حَتَّى قَتَلُوهُ كَانَتْ يَدُهُمْ ثَابِتَةً عَلَى هَذَا الْمَالِ، وَهَا هُنَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ تَثْبُتْ يَدُهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمَأْمُورِ، الَّذِي أَمَرَهُ بِأَنْ يَفْدِيَهُ مِنْ مَالِهِ.
أَرَأَيْت لَوْ رُدَّ هَذَا الْفِدَاءُ بَعْدَ مَا وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، أَكَانَ يُرَدُّ عَلَى مَنْ أَدَّى أَوْ عَلَى مَنْ أَمَرَ بِهِ وَهُوَ الْأَسِيرُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعِيدٌ مِنْ الْفِقْهِ. وَلَوْ وَقَعَ مُسْلِمٌ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ يُقَاتِلُهُمْ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُمْ سِلَاحَهُ وَفَرَسَهُ وَيُؤَمِّنُوهُ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمِينَ أَصَابُوا ذَلِكَ الْمَالَ فَهُوَ فَيْءٌ
стр. 1263
لِأَنَّ يَدَهُمْ عَلَيْهِ مَا ثَبَتَتْ إلَّا بِإِعْطَاءِ الرَّجُلِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ أَعْطَى وَهُوَ مُقَاتِلٌ مُمْتَنِعٌ مِنْهُمْ، وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ تَكُنْ يَدُهُمْ ثَابِتَةً عَلَى نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ عَلَى مَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْأَسْرِ.
٢٥٣٩ - وَلَوْ حَاصَرَ الْمُشْرِكُونَ مَدِينَةً مِنْ مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ فَصَالَحُوهُمْ عَلَى أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ أَيَّامًا مُسَمَّاةً، عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ رَقِيقًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُسَمَّيْنَ، كَانُوا أَسَرُوهُمْ مِنْهُمْ، وَأُولَئِكَ الرَّقِيقُ عَبِيدٌ لِأُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَطَابَتْ أَنْفُسُ مَوَالِيهِمْ بِتَسْلِيمِهِمْ إلَيْهِمْ، ثُمَّ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ أَتَى الْمُسْلِمِينَ مَدَدٌ فَقَاتَلُوهُمْ وَظَهَرُوا عَلَى أُولَئِكَ الرَّقِيقِ فَهُمْ فَيْءٌ.
لِأَنَّ الْمَوَالِيَ أَعْطَوْهُمْ الْمُشْرِكِينَ بِطِيبَةِ أَنْفُسِهِمْ.
٢٥٤٠ - وَلَوْ كَانَ وَالِي الْمَدِينَةِ أَخَذَ أُولَئِكَ الرَّقِيقَ، بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ فَدَفَعَهُمْ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ ظَفِرَ بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ، قَبْلَ أَنْ يُحْرِزُوهُمْ بِدَارِهِمْ، رُدُّوا عَلَى مَوَالِيهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ رُدُّوا عَلَى مَوَالِيهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ إنْ أَحَبُّوا.
لِأَنَّهُمْ أُخِذُوا مِنْ الْمَوَالِي بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْآخِذُ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ فَيَدْفَعَهُ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْآخِذُ أَهْلَ الْحَرْبِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ.
стр. 1264
٢٥٤١ - فَإِنْ أَبَوْا أَخْذَهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُضَمِّنُوا الْأَمِيرَ قِيمَتَهُمْ.
لِأَنَّهُ غَصَبَهُمْ مِنْ الْمَوَالِي وَالْمَغْصُوبُ مَضْمُونٌ عَلَى الْغَاصِبِ بِالْقِيمَةِ، مَا لَمْ يَعُدْ بِهِ إلَى يَدِ مَوْلَاهُ، وَإِذَا ضَمِنَ قِيمَتَهُمْ فَقَدْ مَلَكَهُمْ بِالضَّمَانِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُمْ كَحُكْمِ مَا لَوْ كَانُوا مِلْكًا لَهُ، فَأَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ بِغَيْرِ رِضَاهُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ إنْ يَأْخُذَهُمْ بِالْقِيمَةِ. وَلَا يُقَالُ: هُوَ قَدْ سَلَّمَهُمْ طَوْعًا، فَيَنْبَغِي أَلَّا يَكُونَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَهُمْ طَوْعًا، عَلَى أَنْ يُتَمَلَّكُوا عَلَى الْمَوَالِي لَا عَلَيْهِ، فَبَعْدَ مَا اسْتَقَرَّ الْمِلْكُ لَهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الرِّضَى وَالطَّوَاعِيَةِ مِنْهُ، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ قَهْرًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ وَالْمُعِينُ.
стр. 1265
[بَابُ فِدَاءِ الْعَبْدِ الْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]
َ ٢٥٤٢ - رَجُلٌ غَصَبَ عَبْدًا ثُمَّ أَصَابَهُ الْمُشْرِكُونَ فَأَحْرَزُوهُ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ وَجَدَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ.
لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ.
٢٥٤٣ - فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسْتَوْلَى عَلَى ذَلِكَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مِنْهُ.
لِأَنَّهُ حَقُّ الْآخِذِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَهُ بِاعْتِبَارِ قَدِيمِ مِلْكِهِ.
٢٥٤٤ - فَإِنْ أَخَذَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ بَرِئَ الْغَاصِبُ مِنْ الضَّمَانِ.
لِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ عَادَ إلَى يَدِهِ مَجَّانًا.
٢٥٤٥ - وَإِنْ أَخَذَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ تِلْكَ الْقِيمَةَ.
لِأَنَّهُ مَا وَصَلَتْ يَدُهُ إلَى مَالِهِ إلَّا بَعْدَ أَدَاءِ مِثْلِهِ فِي الْمَالِيَّةِ. فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَالِيَّةَ الَّتِي كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَى الْغَاصِبِ لَمْ تُسَلَّمْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَيَكُونُ لَهُ حَقُّ
следующие страницы →