Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
لِأَنَّ وُجُوبَ الْخُمُسِ فِي الْغَنِيمَةِ لِإِظْهَارِ شَرَفِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ كَسْبٌ حَصَلَ بِأَشْرَفِ الْجِهَاتِ.
- وَإِنْ كَانَ أَمِيرُ الثَّغْرِ هُوَ الَّذِي بَعَثَ السَّرِيَّةَ لِقَطْعِ الْخَشَبِ، وَأَخَذَ الْمِلْحِ، وَنَفَّلَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ تَنْفِيلِهِ مَا يَصِحُّ مِنْ الْأَمِيرِ الْأَعْظَمِ. لِأَنَّهُ حِينَ فَوَّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرَ الثَّغْرِ فَقَدْ أَقَامَهُ فِي ذَلِكَ مَقَامَ نَفْسِهِ، فَيَصِحُّ مِنْهُ مَا يَصِحُّ مِنْ الْأَمِيرِ الْأَعْظَمِ، مَا لَمْ يَنْهَهُ عَنْ التَّنْفِيلِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَا إذَا خَصَّ الْإِمَامُ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ بِالتَّنْفِيلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ ذَلِكَ فَقَالَ:
٢٣٧٩ - فِي الْجُمْلَةِ لَوْ خَصَّ وَلَدَهُ أَوْ وَالِدَهُ بِالتَّنْفِيلِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْهُ، كَمَا لَوْ خَصَّ أَجْنَبِيًّا آخَرَ، وَهَذَا لِتَبَايُنِ الْمِلْكِ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ، فَإِذَا كَانَ يَصِحُّ مِنْهُ التَّنْفِيلُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، إذَا عَمَّ بِهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَهَا هُنَا أَوْلَى. لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ فِيمَا يَحْصُلُ لِوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ دُونَ مَنْفَعَتِهِ فِيمَا يَحْصُلُ لَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ.
٢٣٨٠ - «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَشْجَعَ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﵌، فَشَكَا إلَيْهِ الْحَاجَةَ فَقَالَ: اصْبِرْ، ثُمَّ ذَهَبَ فَأَصَابَ مِنْ الْعَدُوِّ غَنِيمَةً، وَأَتَى بِهَا النَّبِيَّ ﵌،
стр. 1192
فَطَيَّبَهَا لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] » الْآيَةُ. فَهَذَا أَصْلُ عُلَمَائِنَا فِيمَا يُصِيبُهُ الْوَاحِدُ وَالْمَثْنَى مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إذَا دَخَلُوا عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ، بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْمَنَعَةِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْوَاحِدُ بَعَثَهُ الْإِمَامُ، ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ لِلْمُصَابِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ، فَالْآخِذُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ. وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَكُونُ لِلْمُصَابِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّ الْآخِذَ يَخْتَصُّ بِهِ. وَإِنْ أَخَذُوا جَمِيعًا فَذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، لَا يُفَضَّلُ فِيهِ الْفَارِسُ عَلَى الرَّاجِلِ. لِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالْغَنِيمَةِ، كَالْخُمُسِ، وَهَذَا لَيْسَ بِغَنِيمَةٍ، بَلْ هُوَ إحْرَازُ الْمُبَاحِ عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ، لَا عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ.
٢٣٨١ - وَلَوْ أَخَذَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى صَاحِبِهِ يَحْفَظُهُ لَهُ، فَأَمْسَكَهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ، فَهُوَ لِلْآخِذِ.
لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِهِ حِينَ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ، ثُمَّ حَفِظَ صَاحِبُهُ لَهُ بِأَمْرِهِ كَحِفْظِهِ لَهُ بِنَفْسِهِ، إلَى أَنْ أَخْرَجَهُ.
٢٣٨٢ - وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ غَلَبَهُ فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ فَهُوَ لِلَّذِي أَخْرَجَهُ.
стр. 1193
لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْلِكْهُ بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يَصِيرَ بِالْأَخْذِ مُحْرِزًا، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ إحْرَازُهُ بِالْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَذَلِكَ إنَّمَا وُجِدَ مِنْ الْغَاصِبِ الَّذِي انْتَزَعَهُ مِنْهُ، غَيْرَ أَنِّي أَكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَقْهَرَ عَلَيْهِ صَاحِبَهُ بَعْدَمَا أَخَذَهُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ سَبَقَتْ إلَيْهِ، وَلِيَدِ الْمُسْلِمِ حُرْمَةٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.
وَلِأَنَّهُ أَحْرَزَهُ بِالدِّينِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِحْرَازَ بِالدِّينِ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْآثِمِ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمِلْكِ وَالتَّقَوُّمِ.
٢٣٨٣ - فَإِنْ جَاءَ نَاسٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ أَخْذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَغَلَبَهُمْ الْمُسْلِمُونَ، حَتَّى دَفَعُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ لِلَّذِينَ أَخَذُوهُ أَيْضًا. لِأَنَّ الْآخِذَ قَدْ صَارَ أَحَقَّ بِهِ، بِذَلِكَ الْأَخْذِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِالْقِتَالِ الَّذِي اُبْتُلُوا بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: حِينَ قَاتَلُوا عَنْهُ فَلِمَاذَا لَا يُجْعَلُونَ فِي حُكْمِ أَهْلِ مَنَعَةٍ، حَتَّى يَكُونَ لِمُصَابِهِمْ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ. قُلْنَا: لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ وَقَعَ اتِّفَاقًا، لَا قَصْدًا، فَلَا يَصِيرُونَ بِهِ قَاهِرِينَ حُكْمًا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَتَوْا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ نِيَامًا فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَخَذَ، وَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ، فَهَذَا مِثْلُهُ. يُوَضِّحُهُ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيمَا أَصَابُوا بِالْقِتَالِ، دَفْعًا عَنْهُ، إذَا اُبْتُلُوا بِهِ وَعَدَمُ الْقِتَالِ، وَكَذَلِكَ فِيمَا أَصَابَ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ لَحِقَهُمْ جُنْدُ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بَعْدَ مَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ الْمَالَ فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى مَا أَصَابَ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، فَيُقْسَمُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ
стр. 1194
أَهْلِ الْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا كَالْمَدَدِ لَهُمْ، حِينَ الْتَحَقُوا بِهِمْ، فَيُشَارِكُونَ فِيمَا أَصَابُوا، إذْ الْجُنْدُ قَدْ دَخَلُوا غُزَاةً، فَأَمَّا مَا أَصَابَ أَهْلُ الْجُنْدِ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقَ بِهِمْ اللُّصُوصُ فَلَا شَرِكَةَ فِيهِ مَعَهُمْ لِلُّصُوصِ إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا مَعَهُمْ، دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا غُزَاةً حِينَ دَخَلُوا فَلَا يَصِيرُونَ بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ لِلْجَيْشِ، بَلْ حَالُهُمْ فِيمَا أَصَابَ الْجَيْشُ كَحَالِ مَنْ كَانَ تَاجِرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ أَسِيرًا أَوْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْتَحَقَ بِالْجَيْشِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا شَرِكَةَ لِهَؤُلَاءِ فِي الْمُصَابِ إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا. وَأَمَّا وُجُوبُ الْخُمُسِ فِي الْكُلِّ فَلِأَنَّهُ صَارَ مُحْرَزًا بِقُوَّةِ الْجَيْشِ فَيَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى إعْزَازِ الدِّينِ.
٢٣٨٤ - وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرًا دَخَلُوا أَوَّلًا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِمْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَقَدْ نَهَى الْإِمَامُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ لَحِقَا بِهِمْ قَبْلَ الْإِصَابَةِ تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْمُصَابِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا مَعَهُمْ. لِأَنَّهُمْ مُتَلَصِّصُونَ، حِينَ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، فَلَا يَصِيرُونَ مَدَدًا لِلْجَيْشِ مَا لَمْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَدَدَ الْجَيْشِ غُزَاةٌ، وَهُمْ لَيْسُوا بِغُزَاةٍ حُكْمًا، حِين دَخَلُوا مُتَلَصِّصِينَ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهِمْ أَنْ يَصِيرُوا غُزَاةً حَقِيقَةً وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ.
٢٣٨٥ - وَإِنْ كَانُوا لَحِقُوهُمْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ شَارَكُوهُمْ فِيمَا أَصَابُوا.
стр. 1195
لِأَنَّهُمْ بِنَفْسِ الدُّخُولِ صَارُوا غُزَاةً الْآنَ، فَكَانُوا مَدَدًا لِلْجَيْشِ يُشَارِكُونَهُمْ فِيمَا أَصَابُوا، قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقُوا بِهِمْ.
- وَلَوْ أَسْلَمَ قَوْمٌ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ الْتَحَقُوا بِالْعَسْكَرِ، فَحَالُهُمْ وَحَالُ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ. لِأَنَّهُمْ حِينَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ مُرْتَدِّينَ، فَقَدْ صَارُوا أَهْلَ حَرْبٍ، فَبَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ أَسْلَمُوا وَالْتَحَقُوا بِالْجَيْشِ، لَا يَكُونُونَ غُزَاةً، بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ لِلْجَيْشِ، مَا لَمْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ دَفْعًا عَمَّا أَصَابُوا.
- وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَأَصَابُوا شَيْئًا، ثُمَّ لَحِقَهُمْ قَوْمٌ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ أَيْضًا، وَلَكِنْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَالْتَقَوْا بَعْدَ مَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَصِيرُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، بَعْدَ مَا الْتَقَوْا، فَمَا أَصَابَ الْمُتَلَصِّصُونَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَقُوا، أَوْ بَعْدَ مَا الْتَقَوْا، يَكُونُ لَهُمْ خَاصَّةً، وَلَا خُمُسَ فِيهِ. لِأَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ مَا أَصَابَهُمْ بِالِالْتِقَاءِ، فَهَؤُلَاءِ إذَا لَمْ يَصِيرُوا بِهِمْ أَهْلَ مَنَعَةٍ فَيَبْقَى الْحُكْمُ فِيمَا أَصَابُوا عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقُوا بِهِمْ، فَكُلُّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الَّذِينَ الْتَحَقُوا بِهِمْ أَهْلَ مَنَعَةٍ، فَقَدْ تَغَيَّرَ صِفَةُ إصَابَتِهِمْ وَإِحْرَازِهِمْ بِالِالْتِحَاقِ بِهِمْ.
- وَمَا أَصَابَ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، قَبْلَ الِالْتِقَاءِ
стр. 1196
وَبَعْدَهُ، فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ، كَمَا كَانَ الْحُكْمُ فِي مُصَابِهِمْ قَبْلَ الِالْتِقَاءِ. لِأَنَّ اللُّصُوصَ لَا يَصِيرُونَ فِي حُكْمِ الْمَدَدِ لَهُمْ، حِينَ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُمْ بِهَذَا الِالْتِقَاءِ.
٢٣٨٩ - وَإِنْ كَانُوا حِينَ اجْتَمَعُوا صَارُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، وَقَدْ أَصَابُوا غَنَائِمَ، قَبْلَ أَنْ يَلْتَقُوا وَبَعْد مَا الْتَقَوْا، خُمِّسَ مَا أَصَابَ الْفَرِيقَانِ، وَكَانَ مَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، قَبْلَ أَنْ يَلْتَقُوا، بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ، وَمَا أَصَابُوا بَعْدَ مَا الْتَقَوْا، فَهُوَ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ الْإِحْرَازَ فِي جَمِيعِ الْمُصَابِ وُجِدَ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ حِينَ صَارُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ، فَيَجِبُ الْخُمُسُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
٢٣٩٠ - إلَّا أَنَّ فِيمَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ قَبْلَ الِالْتِقَاءِ لَا يَكُونُ الْفَرِيقُ الْآخَرُ فِي حُكْمِ الْمَدَدِ لَهُمْ إذْ لَا مَنَعَةَ لِكُلِّ فَرِيقٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، فَلِهَذَا يُقْسَمُ مَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ بَيْنَهُمْ خَاصَّةً، وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا، بَعْدَمَا اجْتَمَعُوا، فَإِنْ لَقُوا قِتَالًا بَعْدَمَا اجْتَمَعُوا. اشْتَرَكُوا فِي جَمِيعِ مَا أَصَابُوا، لِوُجُودِ الْقِتَالِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ، عَلَى وَجْهِ الدَّفْعِ عَمَّا
стр. 1197
أَصَابَهُ الْفَرِيقُ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ دُخُولُ الْفَرِيقَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهَذَا وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ، إلَّا فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ مَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ قَبْلَ الِالْتِقَاءِ يَكُونُ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا، هَا هُنَا عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ هَا هُنَا قَدْ اسْتَوَى الْحُكْمُ فِي مُصَابِ كُلِّ فَرِيقٍ قَبْلَ الِالْتِقَاءِ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ حَالُ تَأَكُّدِ الْحَقِّ بِالْإِحْرَازِ، وَهُمْ أَهْلُ مَنَعَةٍ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَدْ تَمَّ الْإِحْرَازُ بِقُوَّتِهِمْ، فَيُخَمَّسُ الْكُلُّ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ، وَهُنَاكَ قَدْ اخْتَلَفَ حُكْمُ مُصَابِ كُلِّ فَرِيقٍ. لِأَنَّ مَا أَصَابَ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ لَهُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فَلَا شَرِكَةَ فِيهِ لِلْمُتَلَصِّصِينَ، مَا لَمْ يُقَاتِلُوا عَنْهُ، وَمَا أَصَابَ الْمُتَلَصِّصُونَ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ، وَلَا شَرِكَةَ فِيهِ لِلَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَيْضًا، مَا لَمْ يُقَاتِلُوا دَفْعًا عَنْهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ الْكُلُّ غَنِيمَةً، وَتَمَّ الْإِحْرَازُ فِي الْكُلِّ بِقُوَّتِهِمْ.
٢٣٩١ - وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَالْآخَرُ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُ لَا يُشَارِكُونَ أَهْلَ الْمَنَعَةِ فِيمَا أَصَابُوا، قَبْلَ الِالْتِقَاءِ، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا بَعْدَ مَا الْتَحَقُوا بِهِمْ، وَأَهْلُ الْمَنَعَةِ يُشَارِكُونَ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، فِيمَا أَصَابُوا، وَإِنْ لَمْ يَلْقَوْا قِتَالًا بَعْدَ ذَلِكَ.
стр. 1198
لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُحْرِزِينَ لِذَلِكَ بِمَنَعَتِهِمْ، فَصَارَ أَهْلُ الْمَنَعَةِ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ لَهُمْ، وَفِي الْأَوَّلِ، الْمُتَلَصِّصُونَ مَا صَارُوا مُحْرِزِينَ بِمَنَعَةِ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ إذْ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ.
٢٣٩٢ - وَلَوْ كَانَ الَّذِينَ لَهُمْ الْمَنَعَةُ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَاَلَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ دَخَلُوا بِإِذْنِهِ، اشْتَرَكُوا فِي جَمِيعِ مَا أَصَابُوا. لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ بِنَفْسِ الدُّخُولِ صَارُوا غُزَاةً، أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ وَالْآخَرُ بِاعْتِبَارِ إذْنِ الْإِمَامِ، فَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ كَالْمَدَدِ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ، فِيمَا أَصَابُوهُ.
٢٣٩٣ - وَلَوْ دَخَلَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَالْتَقَوْا، بَعْدَ مَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ شَيْئًا، فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ جَمِيعُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ، سَوَاءٌ صَارُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ بِالِاجْتِمَاعِ، أَوْ لَمْ يَصِيرُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ. لِأَنَّ إذْنَ الْإِمَامِ قَدْ جَمَعَهُمْ، وَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ غَازِيًا، بِنَفْسِ الدُّخُولِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَيَكُونُ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ، فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ الِالْتِقَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: إصَابَةُ كُلِّ فَرِيقٍ هَا هُنَا وَإِحْرَازُهُ لَمْ تَكُنْ بِمَنَعَةِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ فِي ذَلِكَ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُمْ بِاعْتِبَارِ إذْنِ الْإِمَامِ صَارُوا غُزَاةً، فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَالْغُزَاةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْضُهُمْ مَدَدٌ لِلْبَعْضِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَيْشَ لَوْ كَانُوا دَخَلُوا وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ الْتَحَقَ بِهِمْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ كَانَ مَدَدًا لَهُمْ، يُشَارِكُهُمْ فِي الْمُصَابِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ
стр. 1199
مَنَعَةٌ بِنَفْسِهِ؟ بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، فَذَلِكَ مَا سَبَقَ. وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ أَهْلَ مَنَعَةٍ، وَقَدْ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَالْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ جَمِيعُ مَا أَصَابُوا، وَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ هَا هُنَا بِاعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ صَارُوا غُزَاةً، كَمَا دَخَلُوا، وَقَدْ صَارَ بَعْضُهُمْ مَدَدًا لِلْبَعْضِ بِالِالْتِقَاءِ، وَإِنَّمَا تَمَّ الْإِحْرَازُ فِي الْمُصَابِ بِهِمْ جَمِيعًا.
فَكَانُوا شُرَكَاءَ فِي الْمُصَابِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 1200
[بَابُ مَا يُصِيبُهُ الْأُسَرَاءُ وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ]
١٢٨ - بَابُ مَا يُصِيبُهُ الْأُسَرَاءُ وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ٢٣٩٤ - قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَسِيرَ إذَا انْفَلَتَ فَلَحِقَ بِالْجَيْشِ الَّذِي دَخَلَ مَعَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا فَهُوَ شَرِيكُهُمْ، فِيمَا أَصَابُوا حَالَ كَوْنِهِ مَأْسُورًا.
لِأَنَّهُ انْعَقَدَ لَهُ مَعَهُمْ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ، حِينَ دَخَلَ مَعَهُمْ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ، وَشَارَكَهُمْ فِي إتْمَامِ الْإِحْرَازِ، فَمَا اعْتَرَضَ مِنْ الْأَسْرِ بَيْنَ ذَلِكَ يَصِيرُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَرِضَ، وَهُوَ فِي الْعَسْكَرِ، زَمَانًا، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ دُخُولُهُ فِي الِابْتِدَاءِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لِأَنَّهُ غَازٍ حِينَ دَخَلَ مَعَهُمْ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مَعَهُمْ تَاجِرًا، ثُمَّ تَرَكَ التِّجَارَةَ وَقَاتَلَ مَعَهُمْ، فَأُسِرَ أَوْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالْتَحَقَ بِهِمْ يُرِيدُ الْقِتَالَ فَأُسِرَ، ثُمَّ انْفَلَتَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِنَّهُ يُشَارِكُهُمْ فِيمَا أَصَابُوا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْإِذْنُ مِنْ الْإِمَامِ لَهُ فِي الْقِتَالِ، إذَا الْتَحَقَ بِهِمْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ.
٢٣٩٥ - فَإِنْ خَرَجَ ذَلِكَ الْعَسْكَرُ وَهُوَ مَأْسُورٌ، ثُمَّ انْفَلَتَ وَالْتَحَقَ بِعَسْكَرٍ آخَرَ وَقَدْ أَصَابُوا غَنَائِمَ لَمْ يُشَارِكْهُمْ، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُ مَعَهُمْ.
стр. 1201
لِأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ مَعَهُمْ، حَتَّى الْآنَ، فَيَكُونُ حَالُهُ فِي حَقِّهِمْ كَحَالِ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْتَحَقَ بِالْعَسْكَرِ، وَهُوَ لَا يَصِيرُ مَدَدًا لَهُمْ بِنَفْسِ الِالْتِحَاقِ بِهِمْ، لِأَنَّ قَصْدَهُ النَّجَاةُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُمْ دَفْعًا عَنْ الْمُصَابِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلَ كَوْنِهِ قَاصِدًا إلَى أَنْ يَكُونَ مَدَدًا لَهُمْ.
٢٣٩٦ - وَلَوْ أَنَّهُ حِينَ انْفَلَتَ قَتَلَ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَخَذَ مَالَهُ، وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ لَهُ، وَلَا خُمُسَ فِيهِ، بِمَنْزِلَةِ حَرْبِيٍّ أَسْلَمَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ وَهَذَا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ اللِّصِّ فِيمَا أَخَذَهُ، لِأَنَّ قَصْدَهُ النَّجَاةُ مِنْهُمْ دُونَ الْقِتَالِ عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ، فَإِنَّهُ مَقْهُورٌ، لَا مَنَعَةَ لَهُ فِيهِمْ.
٢٣٩٧ - فَإِذَا كَانَ الْأُسَرَاءُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا خَمَّسَ جَمِيعَ مَا أَصَابُوا، وَكَانَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ، الْآخِذُ مِنْهُ وَغَيْرُ الْآخِذِ فِيهِ سَوَاءٌ، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ كُلُّ فَرِيقٍ أَهْلَ مَنَعَةٍ قَبْلَ أَنْ يَلْتَقُوا، أَوْ حِينَ اجْتَمَعُوا صَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ.
لِأَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَقَدْ أَحْرَزُوا الْمَالَ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى إعْزَازِ الدِّينِ فِيمَا أَصَابُوا، فَلِهَذَا يَكُونُ غَنِيمَةً.
٢٣٩٨ - وَلَوْ تَمَكَّنَ الْأُسَرَاءُ مِنْ قَتْلِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، غِيلَةً وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ.
لِأَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ لَهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ هُمْ مَقْهُورُونَ مَظْلُومُونَ، فَلَهُمْ أَنْ يَنْتَصِفُوا مِنْ بَعْضِ مَنْ ظَلَمَهُمْ، إذَا تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ.
стр. 1202
٢٣٩٩ - فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ ثُمَّ خَرَجُوا إلَى دَارِنَا، وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ، فَكُلُّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً، وَإِنْ اشْتَرَكَ فِي الْأَخْذِ رَجُلَانِ: فَارِسٌ وَرَاجِلٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ.
لِأَنَّ الْمُصَابَ لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ حِينَ لَمْ يَصِيرُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، بَعْدَ مَا تَجَمَّعُوا.
٢٤٠٠ - فَإِنْ كَانَ الْآخِذُ أَعْطَاهُ صَاحِبَهُ لِيَحْمِلَهُ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ.
لِأَنَّ يَدَ مَنْ أَخْرَجَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِ الْآخِذِ حِينَ ائْتَمَنَهُ.
٢٤٠١ - وَإِنْ غَلَبَهُ عَلَيْهِ وَأَخْرَجَهُ فَهُوَ لِلَّذِي أَخْرَجَهُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا.
٢٤٠٢ - وَلَوْ كَانَ الْأُسَرَاءُ فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ مَا حَصَلَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ، وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا فَعَلُوا ذَلِكَ، وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ، ثُمَّ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ خَرَجُوا فَإِنَّهُ يُخَمِّسُ جَمِيعَ الْمُصَابِ.
لِأَنَّهُ مُحْرِزٌ بِالدَّارِ بِقَوْمٍ هُمْ أَهْلُ مَنَعَةٍ فَيَكُونُ غَنِيمَةً.
٢٤٠٣ - ثُمَّ مَا أَصَابَ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ فَهُوَ مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُمْ أَحْرَزُوا ذَلِكَ بِمَنَعَةِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، وَكَانَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ كَالْمَدَدِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَنَعَتِهِمْ.
стр. 1203
وَلَا شَرِكَةَ لِلَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ مَعَ أَصْحَابِ الْمَنَعَةِ فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ الِالْتِقَاءِ.
لِأَنَّهُمْ مَا أَحْرَزُوا ذَلِكَ بِمَنَعَتِهِمْ، إذْ لَا مَنَعَةَ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ حَتَّى يَجْعَلُوا كَالْمَدَدِ لَهُمْ فِيمَا أَصَابُوا.
٢٤٠٥ - إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا بَعْدَ مَا اجْتَمَعُوا، فَحِينَئِذٍ يُشَارِكُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمُصَابِ.
لِأَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا فِي الْقِتَالِ دَفْعًا عَنْ جَمِيعِ الْمُصَابِ، فَإِنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِصَابَةِ.
٢٤٠٦ - وَهَذَا إذَا كَانَ الَّذِينَ لَقَوْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَقَاتَلُوهُمْ، أَهْلَ مَنَعَةٍ. فَإِنْ كَانُوا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ لَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِهَذَا الْقِتَالِ.
لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لِلدَّفْعِ إنَّمَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْحُكْمُ إذَا قَاتَلُوا مَنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ اسْتِنْقَاذُ الْمَالِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا إذَا لَقِيَهُمْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا يُتَوَهَّمُ إذَا لَقِيَهُمْ أَهْلُ مَنَعَةٍ.
٢٤٠٧ - وَإِنْ كَانَ الْفَرِيقَانِ حِينَ أَصَابُوا مَا أَصَابُوا لَا مَنَعَةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَمَّا الْتَقَوْا صَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةُ، فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي جَمِيعِ مَا أَصَابُوا.
لِأَنَّ بِالِالْتِقَاءِ لَمَّا تَغَيَّرَ حَالُهُمْ بِمَا حَدَثَ لَهُمْ مِنْ الْمَنَعَةِ صَارَ هَذَا فِي الْحُكْمِ وَمَا لَوْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عِنْدَ الْإِصَابَةِ سَوَاءٌ وَهَذَا؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ صَارَ مَدَدًا لِلْبَعْضِ.
стр. 1204
وَصَارَ كُلُّ فَرِيقٍ مُتَمَكِّنًا مِنْ إحْرَازِ مَا أَصَابَهُ بِقُوَّةِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، حِينَ صَارُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ بَعْدَ مَا تَجَمَّعُوا، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.
٢٤٠٨ - وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَرْسَلَ إلَى كُلِّ فَرِيقٍ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَيَأْخُذُوا الْأَمْوَالَ فَفَعَلُوا، وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، وَلَمْ يَلْتَقُوا حَتَّى خَرَجَ كُلُّ فَرِيقٍ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ يُخَمَّسُ وَيُقْسَمُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُمْ صَارُوا غُزَاةً حِينَ بَلَغَهُمْ إذْنُ الْإِمَامِ، بِمَنْزِلَةِ قَوْمٍ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَهَذَا لِأَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَنْصُرَهُمْ، إذَا عَلِمَ بِحَالِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، فَكَانُوا قَاهِرِينَ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى.
٢٤٠٩ - وَكَذَلِكَ إنْ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَصَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ، أَوْ لَمْ تَصِرْ، أَوْ كَانَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَالْآخَرُ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ.
لِأَنَّ إذْنَ الْإِمَامِ قَدْ جَمَعَهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوا ابْتِدَاءً، عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ كَانُوا شُرَكَاءَ فِي الْمُصَابِ، إذَا الْتَقَوْا، فَكَذَلِكَ إذَا فَعَلُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، ثُمَّ الْتَقَوْا بَعْدَ ذَلِكَ.
٢٤١٠ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ قَوْمًا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فِي طَلَبِ الْغَنِيمَةِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ أُسَرَاءُ، وَقَوْمٌ أَسْلَمُوا، وَقَدْ أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ حِينَ اجْتَمَعُوا لَمْ يَصِرْ لَهُمْ
стр. 1205
مَنَعَةٌ أَيْضًا، ثُمَّ لَقُوا قِتَالًا، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَجَمِيعُ مَا أَصَابَ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ يُخَمَّسُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُمْ قَاهِرُونَ، بِاعْتِبَارِ إذْنِ الْإِمَامِ.
٢٤١١ - وَمَا أَصَابَ الْفَرِيقَ الْآخَرَ فَهُوَ لَهُمْ خَاصَّةً، الْفَارِسُ وَالرَّاجِلُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَلَا شَرِكَةَ لِغَيْرِ الْآخِذِ فِيهِ مَعَ الْآخِذِ.
لِأَنَّهُمْ لُصُوصٌ، إذْ لَيْسَ لَهُمْ إذْنٌ مِنْ الْإِمَامِ، وَلَا مَنَعَةَ بِهَا يَصِيرُونَ قَاهِرِينَ قَبْلَ الِالْتِقَاءِ وَلَا بَعْدَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يُجْعَلْ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْمَنَعَةِ حَتَّى يَكُونُوا مَدَدًا لَهُمْ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ أَهْلَ الْمَنَعَةِ إنَّمَا صَارُوا مَدَدًا لَهُمْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ أَحْرَزُوا مَا أَصَابُوا بِقُوَّتِهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ هَا هُنَا، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فِيمَا أَصَابَ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، لِوُجُودِ الْإِذْنِ حُكْمًا، وَهَذَا مَقْصُورٌ عَلَى مُصَابِهِمْ، لَا يَتَعَدَّى إلَى مُصَابِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ.
٢٤١٢ - فَأَمَّا إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَحُكْمُ الْغَنِيمَةِ فِيمَا أَصَابُوا بِاعْتِبَارِ مَنَعَتِهِمْ حِسًّا، فَيَتَعَدَّى مِنْ ذَلِكَ إلَى مَا أَصَابَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ حِينَ أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَتِهِمْ، فَإِذَا كَانُوا بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ أَهْلَ مَنَعَةٍ يُخَمَّسُ جَمِيعُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ، لَقُوا قِتَالًا أَوْ لَمْ يَلْقَوْا.
لِأَنَّ بِالِالْتِقَاءِ قَدْ تَغَيَّرَ حَالُهُمْ فَقَدْ صَارُوا بِهِ أَهْلَ مَنَعَةٍ وَلِهَذَا تَغَيَّرَ الْحُكْمُ فِيمَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ.
стр. 1206
وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، وَالْفَرِيقُ الْآخَرُ لَهُمْ مَنَعَةُ، فَإِنَّهُ يُشَارِكُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي جَمِيعِ الْمُصَابِ، بَعْدَ مَا يَرْفَعُ الْخُمُسَ مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ غُزَاةٌ، بِاعْتِبَارِ الْإِذْنِ، وَالْآخَرُونَ غُزَاةٌ بِاعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ، فَكَانَ حَالُهُمْ بَعْدَ الِالْتِقَاءِ كَحَالِ قَوْمٍ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَالْتَحَقُوا بِالْعَسْكَرِ، بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ، فَيُشَارِكُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمُصَابِ.
٢٤١٤ - فَإِنْ كَانَتْ الْمَنَعَةُ لِلَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ خَاصَّةً، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ أَهْلَ الْمَنَعَةِ يُشَارِكُونَ الْأُسَرَاءَ فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ الِالْتِقَاءِ، بَعْدَ مَا يَرْفَعُ مِنْهُ الْخُمُسَ.
لِأَنَّهُمْ أَحْرَزُوا ذَلِكَ بِمَنَعَتِهِمْ، وَلَا شَرِكَةَ لِلْأُسَرَاءِ فِيمَا أَصَابَ أَهْلُ الْمَنَعَةِ، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا مَعَهُمْ.
٢٤١٥ - وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مَنَعَةٌ فَإِنَّهُ يُشَارِكُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِيمَا أَصَابُوا.
لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ بِمَنَعَتِهِمْ صَارُوا مَدَدًا لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ، وَفِي مُصَابِ أَهْلِ الْمَنَعَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ وُجُودِ الْإِذْنِ مِنْ الْإِمَامِ وَعَدَمِ الْإِذْنِ، كَمَا لَوْ كَانُوا دَخَلُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 1207
[بَابُ الْمُسْتَأْمَنِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ ثُمَّ يُخْرِجُونَهَا]
٢٤١٦ - قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ إذَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِمْ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ فَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِنَا أَمَرَ بِرَدِّهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ.
لِأَنَّهُ أَخْفَرَ ذِمَّةَ نَفْسِهِ، لَا ذِمَّةَ الْإِمَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
٢٤١٧ - «أَنَّهُ صَحِبَ قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَوَجَدَ مِنْهُمْ غَفْلَةً فَقَتَلَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، فَجَاءَ بِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُخَمِّسَ؛ فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُجْبِرْهُ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ عَلَى وَرَثَتِهِمْ» . فَهُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْجِنْسِ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ مُسْلِمًا أَوْ مُعَاهِدًا أَوْ بِأَمَانٍ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً عُدُولًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَقَرَّ ذُو الْيَدِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَجْبُرُهُ بِالرَّدِّ وَلَا يُفْتِيهِ عَلَى ذَلِكَ.
стр. 1208
لِأَنَّهُ حِينَ أَخَذَ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْمَتَاعِ أَمَانٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي نَفْسِهِ، وَلَا فِي مَالِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ أَلَّا يَغْدِرَ بِهِمْ حِينَ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ حُكْمِ الْإِمَامِ فَلَا يُجْبِرُهُ عَلَى الرَّدِّ، بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ السَّبَبِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ فَقَأَ عَيْنَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، أَوْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْهُمْ، أَوْ اسْتَهْلَكَ مَالًا، ثُمَّ خَرَجَ هَارِبًا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَخَاصَمَهُ فِي ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي لَهُ بِشَيْءٍ، فَكَذَلِكَ إذَا أَخْرَجَ مَالًا لَهُمْ.
٢٤١٨ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُونَ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ أَهْلَ مَنَعَةٍ، فَأَخْرَجُوا مَا أَخَذُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهَذَا وَالْوَاحِدُ إذَا أَخْرَجَهُ سَوَاءٌ.
لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِمَنَعَةِ أَنْفُسِهِمْ لَا بِمَنَعَةِ الْإِمَامِ.
٢٤١٩ - فَإِنْ كَانُوا حِينَ اجْتَمَعُوا، وَصَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ، نَابَذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ ثُمَّ لَحِقُوا بِعَسْكَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ غَنِمُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ أَصَابُوا غَنَائِمَ أُخْرَى أَيْضًا، بَعْدَ مَا الْتَحَقُوا بِهِمْ فَجَمِيعُ مَا أَصَابَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ قَبْلَ الِالْتِقَاءِ يُخَمَّسُ، وَالْبَاقِي لَهُمْ خَاصَّةً دُونَ التُّجَّارِ.
стр. 1209
لِأَنَّ التُّجَّارَ لَا يَصِيرُونَ مَدَدًا لَهُمْ، وَلَا فِي حُكْمِ الْغُزَاةِ، بِمُجَرَّدِ الِالْتِقَاءِ، مَا لَمْ يُقَاتِلُوا دَفْعًا عَمَّا أَصَابُوا.
٢٤٢٠ - وَمَا أَصَابُوا بَعْدَ الِالْتِقَاءِ فَهُوَ بَيْنَ الْكُلِّ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِصَابَةِ، وَالْإِحْرَازِ.
٢٤٢١ - وَمَا أَصَابَ التُّجَّارُ فِي أَمَانِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُؤْمَرُونَ بِرَدِّهِ عَلَى أَهْلِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبَرُوا عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ.
لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُحْرِزِينَ لِذَلِكَ، بِاعْتِبَارِ مَنَعَتِهِمْ لَا بِاعْتِبَارِ مَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَكَانَ إخْرَاجُهُمْ ذَلِكَ إلَى مَنَعَةِ الْجَيْشِ، وَإِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ.
٢٤٢٢ - إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَقَاتَلُوا دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ التُّجَّارُ يُشَارِكُونَ الْجَيْشَ فِي جَمِيعِ مَا أَصَابُوا، وَيَأْخُذُ الْإِمَامُ مَا أَصَابَ التُّجَّارُ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ مَوْقُوفًا، حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهُ فَيَأْخُذَهُ.
لِأَنَّ الْإِحْرَازَ هَا هُنَا حَصَلَ بِقُوَّةِ الْعَسْكَرِ، وَبِقِتَالِهِمْ دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ، فَبَقِيَتْ وِلَايَةُ الْإِمَامِ فِيهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْخُوذًا عَلَى وَجْهِ الْغَدْرِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ، بِقِسْمَةِ الْإِمَامِ بَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَالتُّجَّارِ، بَعْدَ مَا يَرْفَعُ الْخُمُسَ مِنْ ذَلِكَ وَإِذَا ثَبَتَ وِلَايَةُ الْإِمَامِ فِيهِ، فَعَلَيْهِ إزَالَةُ الْغَدْرِ بِإِيصَالِهِ إلَى صَاحِبِهِ.
стр. 1210
أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِينَ أَخَذَ مِنْهُمْ تِلْكَ الْأَمْوَالَ لَوْ جَاءُوا إلَى الْعَسْكَرِ، وَلَهُمْ مَنَعَةٌ، فَقَالُوا: نُرِيدُ قِتَالَكُمْ أَوْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ التُّجَّارِ حَتَّى نَقْتُلَهُمْ، وَنَأْخُذَ أَمْوَالَنَا لَمْ يَسَعْنَا أَنْ نَدَعَ أَهْلَ الْحَرْبِ يُقَاتِلُونَهُمْ، وَلَكِنْ يَلْزَمُنَا نُصْرَةُ التُّجَّارِ، بِأَنْ نَأْخُذَ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا غَدَرُوا فِيهِ، وَنَرُدَّهُ عَلَى أَهْلِهِ، وَنَمْنَعَهُمْ مِنْ قَتْلِ التُّجَّارِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الَّذِينَ جَاءُوا لِلِاسْتِنْقَاذِ قَوْمًا سِوَى أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ.
٢٤٢٣ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُونَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَعَلَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ أَنْ يَرُدُّوا مَا أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُونَ عَلَى أَهْلِهِ.
لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا مُحْرِزِينَ لِذَلِكَ بِمَنَعَتِهِمْ، وَإِنَّمَا صَارُوا مُحْرِزِينَ لَهُ بِقُوَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ حَقُّهُمْ فِيهِ لَوْ كَانَ غَنِيمَةً، وَإِنْ لَمْ يَلْقَوْا قِتَالًا بَعْدَ مَا الْتَحَقُوا بِهِمْ.
٢٤٢٤ - فَعَرَفْنَا أَنَّ وِلَايَةَ الْإِمَامِ قَدْ ثَبَتَتْ فِي هَذَا الْمَالِ حِينَ كَانَ مُحْرَزًا بِقُوَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ عَلَى أَهْلِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ إلَيْهِمْ، وَلَكِنَّهُ يَكْتُبُ إلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَدْخُلَ بِأَمَانٍ فَيَأْخُذَهُ.
لِأَنَّهُ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، فَهُوَ نَظِيرُ الثَّوْبِ إذَا هَبَّتْ بِهِ الرِّيحُ وَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِ إنْسَانٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَى صَاحِبِهِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهُ حَتَّى يَجِيءَ فَيَأْخُذَهُ مِنْهُ.
стр. 1211
وَلَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَهْلُ الْحَرْبِ لَا يَعْلَمُونَ بِهِ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَعْرِضُوا لَهُ، وَظَنُّوا أَنَّهُ عَلَى الْأَمَانِ الْأَوَّلِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُمْ، وَيَأْخُذَ مَا بَدَا لَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِأَنَّ بِوُصُولِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَدْ انْتَهَى حُكْمُ الْأَمَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، سَوَاءٌ عَلِمُوا بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِذَا دَخَلَ إلَيْهِمْ بِغَيْرِ اسْتِئْمَانٍ جَدِيدٍ كَانَ حَالُهُ وَحَالُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ قَبْلَ هَذَا سَوَاءٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا بِذَلِكَ قَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا مَالَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا لَا يَثْبُتُ لَهُمْ أَمَانٌ مِنْ جِهَتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا كَانَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْخُرُوجِ، لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَائِمٌ مَا لَمْ يَعْلَمُوا بِخُرُوجِهِ.
قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهُمْ بِخُرُوجِهِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ أَلَّا يَغْفُلُوا عَنْهُ، حَتَّى لَا يُشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ خُرُوجُهُ، وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الْأَمَانِ بِالْخُرُوجِ هُوَ مُحَارِبٌ لَهُمْ، وَالْحَرْبُ خَدْعَةٌ، فَظَنُّهُمْ أَنَّهُ عَلَى الْأَمَانِ الْأَوَّلِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَصْنَعَ بِهِمْ مَا يَصْنَعُهُ الْمُحَارِبُ.
٢٤٢٦ - وَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّ الْأَمَانَ يَنْتَهِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ بِوُصُولِهِ إلَى مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا يَنْتَهِي بِخُرُوجِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ أَخَذُوهُ حِينَ عَادَ إلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ: أَيْنَ كُنْت؟ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدُ، أَوْ قَالُوا
стр. 1212
لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا مُسْتَأْمَنٌ فِيكُمْ، فَتَرَكُوهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ بَعْدَ هَذَا.
لِأَنَّ الَّذِي كَلَّمَهُمْ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِئْمَانِ الْجَدِيدِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ حَتَّى الْآنَ فَلَمَّا أَخَذُوهُ قَالَ: أَنَا مُسْتَأْمَنٌ فِيكُمْ، كَانَ مُسْتَأْمَنًا إذَا خَلَّوْا سَبِيلَهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَغْدِرَ بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ.
٢٤٢٧ - وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ خَرَجَ إلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، قَدْ بَعَثَهُمْ الْإِمَامُ طَلِيعَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ بِشَيْءٍ.
لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ الْأَوَّلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ بَاقٍ، مَا لَمْ يُنَابِذْهُمْ أَوْ يَلْتَحِقْ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْأَمَانِ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُمْ.
٢٤٢٨ - فَإِنْ اجْتَمَعَ الْمُسْتَأْمَنُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي مَكَان، حَتَّى صَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ، ثُمَّ لَمْ يَنْبِذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، حَتَّى تَفَرَّقُوا كَمَا كَانُوا، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُمْ بِشَيْءٍ.
لِأَنَّهُمْ عَلَى الْأَمَانِ الْأَوَّلِ حِينَ لَمْ يَنْبِذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ. فَإِنْ قِيلَ لِمَاذَا لَا يُجْعَلُ مَا حَدَثَ لَهُمْ مِنْ الْمَنَعَةِ بِمَنْزِلَةِ مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَمَانِ. قُلْنَا: لِأَنَّ انْتِهَاءَ الْأَمَانِ بِاعْتِبَارِ مَنَعَةِ الْمُحَارِبِينَ
стр. 1213
لِأَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْمُسْتَأْمَنُونَ مَا دَخَلُوا مُحَارِبِينَ، فَبِالْجَمْعِ لَا يَصِيرُونَ مُحَارِبِينَ مَا لَمْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.
٢٤٢٩ - وَكَذَلِكَ إنْ اجْتَمَعُوا مَعَ قَوْمٍ مِنْ الْأُسَرَاءِ، وَمِنْ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَهُمْ مَنَعَةٌ إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْبِذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ بِالْمُحَارَبَةِ.
لِأَنَّ الْأُسَرَاءَ مَقْهُورُونَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا مَا كَانُوا مُحَارِبِينَ لَهُمْ، فَلَا يَصِيرُونَ مُحَارِبِينَ فِي الظَّاهِرِ، بِمُجَرَّدِ الْمَنَعَةِ، مَا لَمْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ بِالْمُحَارَبَةِ، وَلَا يَنْتَهِي أَمَانُ الْمُسْتَأْمَنِينَ بِالْتِحَاقِهِمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَنَعَةِ.
٢٤٣٠ - وَإِنْ كَانَ الْأُسَرَاءُ قَدْ نَبَذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ بِالْمُحَارَبَةِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ إذَا عَادُوا إلَيْهِمْ أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ.
لِأَنَّهُمْ الْتَحَقُوا بِأَهْلِ مَنَعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، هُمْ مُحَارِبُونَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، وَحُكْمُ الْأَمَانِ يَنْتَهِي بِذَلِكَ. كَمَا لَوْ الْتَحَقُوا بِالْعَسْكَرِ.
٢٤٣١ - فَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلِمُوا بِهِمْ، فَقَالُوا لَهُمْ حِينَ رَجَعُوا: لِمَ آتَيْتُمُوهُمْ؟ فَقَالُوا: خَرَجْنَا إلَى عَسْكَرِهِمْ تُجَّارًا، وَآتَيْنَاهُمْ لِنَنْهَاهُمْ عَمَّا صَنَعُوا، فَتَرَكُوهُمْ بِمَا قَالُوا، لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ بِشَيْءٍ.
стр. 1214
لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِئْمَانِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ أَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى الْأَمَانِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا تَرَكُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْأَمَانِ، وَكَذَلِكَ هَذَا الْجَوَابُ فِيمَا إذَا خَرَجُوا إلَى عَسْكَرٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْهِمْ فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ خَرَجُوا لِلتِّجَارَةِ أَوْ لِحَاجَةٍ.
٢٤٣٢ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ أَصَابُوا شَيْئًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، ثُمَّ تَجَمَّعُوا، فَصَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ، وَنَبَذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَهُمْ، ثُمَّ قَاتَلُوهُمْ، أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى أَصَابُوا غَنَائِمَ فَأَخْرَجُوهَا، فَإِنَّ مَا أَصَابُوا بَعْدَ النَّبْذِ يُخَمَّسُ وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ، وَمَا أَصَابُوا قَبْلَ النَّبْذِ فَهُوَ لِمَنْ أَصَابَ وَلَا خُمُسَ فِيهِ.
لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْغَدْرِ، وَإِنَّمَا أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَتِهِمْ، لَا بِمَنَعَةِ الْإِمَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَيُفْتِيهِمْ الْإِمَامُ بِالرَّدِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ.
٢٤٣٣ - وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْمُسْتَأْمَنِينَ أُسَرَاءُ أَوْ قَوْمٌ أَسْلَمُوا مِنْهُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا خَمَّسَ الْإِمَامُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَقَسَمَ الْبَاقِيَ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا حِينَ أَخَذُوا وَهُوَ حَلَالٌ لَهُمْ، ثُمَّ أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَةٍ وَقُوَّةٍ فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ. فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُونَ فَإِنَّمَا أَخَذُوا مَا أَخَذُوا قَبْلَ النَّبْذِ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ حَرَامٌ، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فِي ذَلِكَ الْمَأْخُوذِ بِمَا حَدَثَ لَهُمْ مِنْ الْمَنَعَةِ.
стр. 1215
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَحْرَزُوا ذَلِكَ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ أَخَذَهُ الْإِمَامُ فَيَرُدُّهُ عَلَى أَهْلِهِ، وَلَمْ يَقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ. وَالْأُسَرَاءُ لَوْ أَحْرَزُوا مَا أَخَذُوا بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ قُسِمَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَيْشِ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَتِهِمْ، إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَثْبُتُ لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ عَلَى الرَّدِّ وَهَا هُنَا لَا يَثْبُتُ.
٢٤٣٤ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُونَ لَحِقُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ بِقَوْمٍ لُصُوصٍ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، وَقَدْ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَصِيرُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ بَعْدَ مَا اجْتَمَعُوا، فَالْحُكْمُ فِيمَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ بَعْدَ الِالْتِقَاءِ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ حَتَّى أَنَّ مَا أَصَابَ اللُّصُوصُ فَهُوَ لِمَنْ وَلِيَ الْأَخْذَ مِنْهُمْ خَاصَّةً، وَمَا أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُونَ أُمِرُوا بِرَدِّهِ مِنْ غَيْرَ جَبْرٍ. فَإِنْ صَارُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ حِينَ اجْتَمَعُوا فَنَبَذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يُخَمِّسُ مَا أَصَابَ اللُّصُوصُ.
لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ وَالْأَخْذُ حَلَالٌ لَهُمْ، وَأَحْرَزُوهُ وَهُمْ قَاهِرُونَ، بِمَا حَدَثَ لَهُمْ مِنْ الْمَنَعَةِ فَيُخَمِّسُ مَا أَصَابُوا، وَيَقْسِمُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ، عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ فِي ذَلِكَ حَقُّ الشَّرِكَةِ مَعَهُمْ، وَلَمْ يُقَاتِلُوا دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ، بَعْدَ مَا الْتَحَقُوا بِهِمْ قُلْنَا: لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِزًا بِمَنَعَةٍ حَدَثَتْ لَهُمْ، وَبِاعْتِبَارِهَا أَخْذُ حُكْمِ الْغَنِيمَةِ، فَكَانَ هَذَا أَكْثَرَ تَأْثِيرًا مِنْ قِتَالِهِمْ دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ.
٢٤٣٥ - فَأَمَّا مَا أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُونَ فَإِنَّهُمْ يُؤْمَرُونَ بِرَدِّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبَرُوا عَلَى ذَلِكَ.
стр. 1216
لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا، وَالْأَخْذُ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَصِيرُ غَنِيمَةً بِالْإِخْرَاجِ، وَمَا أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَثْبُتُ لِلْإِمَامِ فِيهِ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ عَلَى الرَّدِّ.
٢٤٣٦ - وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَنْبِذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ حَتَّى خَرَجُوا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يُخَمَّسْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ أَصَابُوهُ عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ، وَأَخْرَجُوهُ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُظْهِرُوا الْقِتَالَ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِهِمْ، وَاعْتِبَارُ الْمَنَعَةِ لِإِظْهَارِ الْقِتَالِ، وَإِذَا لَمْ يُظْهِرُوهُ كَانَ هَذَا وَمَا لَمْ يَصِيرُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ بَعْدَ الِالْتِقَاءِ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ، وَإِذَا لَمْ يَصِرْ مَا أَصَابَ اللُّصُوصُ غَنِيمَةً فَهُوَ لِلْآخِذِ خَاصَّةً، وَلَا شَرِكَةَ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا الْفَرْقَ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ لَوْ رَجَعُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ كَانُوا عَلَى الْأَمَانِ الْأَوَّلِ، لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِأَهْلِ الْحَرْبِ بِشَيْءٍ، وَبَعْدَ مَا نَبَذُوا إلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ، لَوْ رَجَعُوا إلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْمَانٍ جَدِيدٍ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ.
٢٤٣٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُونَ حِينَ اجْتَمَعُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، وَاَلَّذِينَ لَحِقُوا بِهِمْ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ.
لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ مَا كَانُوا مُحَارِبِينَ لَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ، فَلَا يَنْتَهِي حُكْمُ ذَلِكَ الْأَمَانِ مِنْهُمْ مَا لَمْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، أَوْ يَصِلُوا إلَى أَهْلِ مَنَعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 1217
وَإِنْ كَانَتْ الْمَنَعَةُ لِلُّصُوصِ دُونَ الْمُسْتَأْمَنِينَ فَلُحُوقُ الْمُسْتَأْمَنِينَ بِهِمْ بِمَنْزِلَةِ لِحُقُوقِهِمْ بِعَسْكَرٍ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
لِأَنَّ اللُّصُوصَ مُحَارِبُونَ لِلْمُشْرِكَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَدُخُولُهُمْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَبِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ سَوَاءٌ.
٢٤٣٩ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُونَ أَهْلَ مَنَعَةٍ، حِينَ اجْتَمَعُوا قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقُوا بِاللُّصُوصِ الَّذِينَ لَهُمْ مَنَعَةٌ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ هَا هُنَا لَا يَأْخُذُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ مَا كَانُوا أَخَذُوهُ، وَلَكِنَّهُ يُفْتِيهِمْ بِالرَّدِّ فِيهِ.
لِأَنَّهُمْ مَا أَخَذُوهُ بِمَنَعَةِ اللُّصُوصِ وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ بِمَنَعَةِ أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يَثْبُتُ وِلَايَةُ الْإِمَامِ فِي أَخْذِ ذَلِكَ مِنْهُمْ. وَفِي الْأَوَّلِ إنَّمَا أَخَذُوهُ بِمَنَعَةِ اللُّصُوصِ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَحُكْمُهُمْ كَحُكْمِ الْعَسْكَرِ.
٢٤٤٠ - فَإِنْ لَقُوا قِتَالًا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ مَا كَانُوا أَخَذُوا فَيَرُدُّهُ إلَى أَهْلِهِ.
لِأَنَّ اللُّصُوصَ حِينَ قَاتَلُوا دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ فَقَدْ ثَبَتَ لِلْإِمَامِ فِيهِ الْوِلَايَةُ كَمَا يَثْبُتُ لَهُ عِنْدَ قِتَالِ الْعَسْكَرِ دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ.
٢٤٤١ - فَإِنْ الْتَحَقَ الْمُسْتَأْمَنُونَ، وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ، بِقَوْمٍ مِنْ
стр. 1218
الْمُسْلِمِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ، وَبَعْدَ الِاجْتِمَاعِ لَمْ يَصِيرُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ أَيْضًا، فَإِنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ يُؤْمَرُونَ بِرَدِّ مَا كَانُوا أَصَابُوا مِنْ غَيْرِ جَبْرٍ، وَيُخَمَّسُ مَا أَصَابَ الْفَرِيقُ الْآخَرُونَ وَالْبَاقِي لَهُمْ خَاصَّةً دُونَ الْمُسْتَأْمَنِينَ.
لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ بَعْدَ مَا الْتَحَقُوا بِهِمْ كَانُوا عَلَى أَمَانِهِمْ لَوْ رَجَعُوا، وَإِنَّمَا خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُمْ مَا صَارُوا مَدَدًا لِلَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَلَا صَارُوا مُحَارِبِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
٢٤٤٢ - وَكَذَلِكَ إنْ صَارُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ، إلَّا أَنْ يَنْبِذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ فَحِينَئِذٍ يُشَارِكُونَهُمْ فِيمَا أَصَابُوا، قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقُوا بِهِمْ، وَبَعْدَ مَا نَبَذُوا جَمِيعًا.
لِأَنَّ الْأَمَانَ قَدْ انْتَبَذَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَقَدْ حَدَثَتْ لَهُمْ الْمَنَعَةُ بِالْتِحَاقِهِمْ بِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْقِتَالِ دَفْعًا عَنْ الْمُصَابِ، أَوْ أَقْوَى مِنْهُ. ٢٤٤٣ - فَأَمَّا مَا أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُونَ فَإِنَّهُمْ يُفْتُونَ فِيهِ بِالرَّدِّ مِنْ غَيْرِ جَبْرٍ.
لِأَنَّهُ مَا أَحْرَزُوا ذَلِكَ بِمَنَعَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ وِلَايَةُ الْإِمَامِ
٢٤٤٤ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ الْتَحَقُوا بِقَوْمٍ أُسَرَاءَ، أَوْ أَسْلَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَهْلَ مَنَعَةٍ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُنَابِذُوا
стр. 1219
أَهْلَ الْحَرْبِ، فَمَا أَصَابَ الْأُسَرَاء قَبْل أَنْ يَلْتَحِق بِهِمْ الْمُسْتَأْمَنُونَ يُخَمَّس، وَالْبَاقِي لَهُمْ خَاصَّة.
لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ، وَالْأَخْذُ حَلَالٌ لَهُمْ.
٢٤٤٥ - وَالْمُسْتَأْمَنُونَ بِالِالْتِحَاقِ بِهِمْ مَا صَارُوا مَدَدًا لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ، وَلَا حَدَثَتْ لَهُمْ الْمَنَعَةُ بِالْتِحَاقِهِمْ بِهِمْ، فَقَدْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ قَبْلَ ذَلِكَ.
٢٤٤٦ - وَكَذَلِكَ مَا أَصَابُوا بَعْدَمَا الْتَحَقَ بِهِمْ الْمُسْتَأْمَنُونَ.
لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصِيرُوا مُحَارِبِينَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ حِينَ لَمْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ اللُّصُوصِ فِي ذَلِكَ فِي اخْتِصَاصِهِمْ بِالْمُصَابِ، لِمَعْنًى فِقْهِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمَانَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ يَبْقَى بَعْدَ مَا الْتَحَقُوا بِهِمْ، إذَا كَانُوا لَمْ يُنَابِذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، وَمَعَ بَقَاءِ الْأَمَانِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلُوا كَالرِّدْءِ وَالْمَدَدِ لَهُمْ، فِيمَا أَصَابُوا، فَلِهَذَا لَا يُشَارِكُهُمْ الْمُسْتَأْمَنُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَا أَصَابُوا غَنِيمَةً بِاعْتِبَارِ مَنَعَتِهِمْ حَتَّى يُخَمِّسَ، وَيُقْسِمَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
٢٤٤٧ - وَإِنْ كَانُوا قَدْ نَابَذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَمَا أَصَابُوهُمْ وَالْمُسْتَأْمَنُونَ بَعْدَ النَّبْذِ فَهُوَ فَيْءٌ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا.
لِأَنَّ أَمَانَ الْمُسْتَأْمَنِينَ حِينَ انْتَهَى بِالْوُصُولِ إلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ الْتَحَقُوا بِمَنَعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، هُمْ مُقَاتِلُونَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، مُنَابِذُونَ، فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الرِّدْءِ لَهُمْ فِيمَا أَصَابُوا بَعْدَ الِالْتِحَاقِ بِهِمْ.
стр. 1220
٢٤٤٨ - وَمَا أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُونَ قَبْلَ الِالْتِحَاقِ بِهِمْ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُهُ فَيَرُدُّهُ عَلَى أَهْلِهِ.
لِأَنَّهُمْ أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَةِ قَوْمٍ مِنْ غُزَاةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَثْبُتُ لِلْإِمَامِ فِيهِ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ عَلَى الرَّدِّ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ الْأُسَرَاءُ مَا كَانُوا غُزَاةً عَلَى الْإِطْلَاقِ، حِينَ لَمْ يُنَابِذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، فَلَا يَثْبُتُ لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ فِيمَا أَصَابَهُ الْمُسْتَأْمَنُونَ، وَإِنْ أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَتِهِمْ؛ وَلَكِنَّهُ يُفْتِيهِمْ بِالرَّدِّ.
٢٤٤٩ - وَإِنْ صَارَ الْمُسْتَأْمَنُونَ أَهْلَ مَنَعَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقُوا بِالْأُسَرَاءِ الَّذِينَ نَابَذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يُجْبِرُهُمْ عَلَى رَدِّ مَا أَخَذُوا.
لِأَنَّهُمْ أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَةِ أَنْفُسِهِمْ، لَا بِمَنَعَةِ الْغُزَاةِ، وَفِي مِثْلِهِ لَا يَثْبُتُ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ لِلْإِمَامِ فِي الرَّدِّ، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا، فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ لِلْإِمَامِ فِيهِ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ، بِقِتَالِ الْغُزَاةِ لِلدَّفْعِ عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ، فَيَأْخُذُهُ وَيَرُدُّهُ عَلَى أَهْلِهِ.
٢٤٥٠ - وَإِذَا أَخَذَ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَالَ حَرْبِيٍّ عَلَى سَبِيلِ الْغَدْرِ فَأَخْرَجَهُ، ثُمَّ أُسِرَ الْحَرْبِيُّ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْمَالِ، فَالْمَالُ لِلْمُسْلِمِ الَّذِي كَانَ أَخَذَهُ، وَقَدْ طَابَ لَهُ الْآنَ.
لِأَنَّ الْمَالَ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ حِينَ أَخْرَجَهُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ لَا يَطِيبُ لَهُ لِبَقَاءِ حَقِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، حِينَ أُسِرَ وَصَارَ عَبْدًا بَطَلَ حَقُّهُ، فَزَالَ الْمَانِعُ مِنْ الطِّيبَةِ لِلْآخِذِ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْآسِرُ يَخْلُفُ الْمَأْسُورَ فِيمَا هُوَ حَقُّهُ كَمَا يَخْلُفُهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ.
стр. 1221
قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنْ فِيمَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ، وَالْمَالُ الَّذِي هُوَ مَمْلُوكٌ لِلْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ فَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ حَقُّ الْأَسِيرِ فِيهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا لَوْ أَدَانَ مُسْلِمًا دَيْنًا فِي دَارِنَا ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَأُسِرَ بَطَلَ الدَّيْنُ عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فَيْئًا.
لِأَنَّ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ لَا يَكُونُ مَحَلَّ التَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ، بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ هُنَاكَ الدَّيْنُ كَانَ مِلْكَ الْأَسِيرِ فِي ذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ، وَهَا هُنَا الْمَالُ لَمْ يَكُنْ مِلْكَ الْأَسِيرِ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤْسَرْ حَتَّى رَجَعَ إلَى دَارِنَا فَطَلَبَ دَيْنَهُ أُجْبِرَ الْمَدِينُ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَهَا هُنَا لَوْ لَمْ يُؤْسَرْ حَتَّى خَرَجَ وَطَلَبَ ذَلِكَ الْمَالَ لَمْ يُجْبَرْ الْمُسْلِمُ عَلَى دَفْعِ شَيْءٍ إلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِ آخِذِهِ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَاذَا لَا يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ فِي ذَلِكَ الْحَقِّ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ، إذْ الرِّقُّ تَلَفٌ حُكْمًا؟ قُلْنَا: لِأَنَّ إثْبَاتَ التَّوْرِيثِ يَكُونُ بِالنَّصِّ لَا بِالرَّأْيِ. وَلِأَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا يَخْلُفُ الْمُوَرِّثَ فِيمَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ، وَبِالِاسْتِرْقَاقِ تَبَدَّلَتْ نَفْسُهُ، وَلَكِنْ لَمْ تَنْقَطِعْ حَاجَتُهُ، فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْوَارِثِ خَلَفًا لَهُ فِي أَمْلَاكِهِ وَحُقُوقِهِ.
٢٤٥١ - وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُؤْسَرْ الْحَرْبِيُّ وَلَكِنْ الْإِمَامَ غَلَبَ عَلَى تِلْكَ الْأَرْضِ، وَقَتَلَ صَاحِبَ الْمَالِ.
لِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ سَقَطَ بِمَوْتِهِ، وَلَمْ يَخْلُفْهُ فِي ذَلِكَ وَرَثَتُهُ، حِينَ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، فَصَارُوا أَرِقَّاءَ، فَإِنَّ رِقَّ الْوَارِثِ يَمْنَعُ هَذِهِ الْخِلَافَةَ كَرِقِّ الْمُوَرِّثِ وَالْمَانِعُ مِنْ الطِّيبِ لِلْآخِذِ قِيَامُ حَقِّ الْغَيْرِ فِيهِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ سُقُوطُهُ.
стр. 1222
٢٤٥٢ - وَلَوْ قُتِلَ الْحَرْبِيُّ وَلَمْ يَقَعْ الظُّهُورُ عَلَى دَارِهِ فَإِنَّ الْآخِذَ يُفْتَى بِرَدِّ الْمَالِ إلَى وَرَثَتِهِ.
لِأَنَّهُمْ خُلَفَاؤُهُ فِي حُقُوقِهِ وَأَمْلَاكِهِ، بَعْدَ مَا قُتِلَ، كَمَا يَخْلُفُونَهُ إذَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَقِيَامُ حَقِّهِمْ كَقِيَامِ حَقِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، فِي الْمَنْعِ مِنْ الطِّيبَةِ لِلْآخِذِ.
٢٤٥٣ - وَلَوْ كَانَ الْآخِذُ أَخْرَجَ الْمَالَ إلَى عَسْكَرٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ أَسَرُوا صَاحِبَ الْمَالِ فَهُوَ فَيْءٌ لَهُمْ مَعَ الْمَالِ يُخَمَّسُ. وَالْبَاقِي بَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، وَالْمُسْتَأْمَنُ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ حَقَّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ كَانَ يَثْبُتُ فِي هَذَا الْمَالِ بِاعْتِبَارِ الْإِحْرَازِ بِمَنَعَتِهِمْ. لَوْلَا قِيَامُ حَقِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكَانَ الْمُسْتَأْمَنِ أَسِيرٌ كَانَ الْمَالُ غَنِيمَةً لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ عَلَى الرَّدِّ فِيهِ، وَمَا كَانَ ذَلِكَ إلَّا بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ حَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فِيهِ، وَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ، وَهُوَ حَقُّ الْحَرْبِيِّ حِينَ أُسِرَ. وَلِأَنَّ هَذَا الْمَالَ لَمَّا كَانَ مُسْتَحَقَّ الرَّدِّ عَلَى الْأَسِيرِ فِي الْحُكْمِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَالٍ آخَرَ فِي يَدِهِ، فَيَكُونُ مَحَلَّ التَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ فَيْئًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ الْمَالُ غَيْرُ مُسْتَحَقِّ الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ بَلْ مِلْكُ الْآخِذِ فِيهِ هُوَ مُقَدَّمٌ فِي الْحُكْمِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ تَمَامَ اسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ بِأَسْرِ الْحَرْبِيِّ.
٢٤٥٤ - وَكَذَلِكَ إنْ قُتِلَ الْحَرْبِيُّ، وَوَقَعَ الظُّهُورُ عَلَى الدَّارِ،
стр. 1223
فَإِنْ لَمْ يَقَعْ الظُّهُورُ عَلَى الدَّارِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ ذَلِكَ الْمَالَ فَيَرُدُّهُ عَلَى وَرَثَةِ الْحَرْبِيِّ.
لِأَنَّهُمْ خُلَفَاؤُهُ فِي ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا هَذَا نَظِيرُ حَرْبِيٍّ مُسْتَأْمَنٍ فِي دَارِنَا أَوْدَعَ رَجُلًا مَالًا، ثُمَّ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَأُخِذَ أَسِيرًا، فَإِنَّ الْوَدِيعَةَ تَكُونُ فَيْئًا لِلَّذِينَ أَسَرُوهُ بِمَنْزِلَةِ نَفْسِهِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَالَ كَانَ مُسْتَحَقَّ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ فِي الْحُكْمِ، وَيَدُ الْمُودِعُ فِيهِ كَيَدِهِ فَيَثْبُتُ حُكْمُ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ حِينَ أُسِرَ.
٢٤٥٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ قُتِلَ فَظَهَرَ عَلَى الدَّارِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ الظُّهُورُ عَلَى الدَّارِ، وَالْمَالُ فِي يَدِ الْمُودِعِ عَلَى حَالِهِ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ وَارِثُهُ فَيَأْخُذَهُ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.
وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا يُحْرِزُهُ الْمُسْتَأْمَنُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ مَا يُحْرِزُهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ أَنَّ الْمَأْخُوذَ لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَأَعْتَقَهَا بَعْدَ مَا أَخْرَجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ نَفَذَ عِتْقُهُ فِيهَا، وَلَوْ أَعْتَقَهَا بَعْدَ مَا أَخْرَجَهَا إلَى الْعَسْكَرِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ فِيهَا.
فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ قِيَامُ مِلْكِهِ فِيهَا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَانْعِدَامِ مِلْكِهِ إذَا أَحْرَزَهَا بِالْعَسْكَرِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْقَهْرِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِي الْمَحَلِّ.
٢٤٥٦ - وَلَوْ أَنَّ الْأُسَرَاءَ تَجَمَّعُوا فَصَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ، فَأَخَذُوا أَمْوَالًا فَأَخْرَجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، خُمِسَ مَا أَصَابُوا.
لِأَنَّ الْأَخْذَ كَانَ مُبَاحًا لَهُمْ، وَكَانُوا قَاهِرِينَ عِنْدَ الْإِحْرَازِ، بِاعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ.
٢٤٥٧ - بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ، وَلَمْ يُنَابِذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ لَا يُخَمَّسُ مَا جَاءُوا بِهِ، وَلَكِنَّهُمْ يُفْتُونَ بِرَدِّهِ.
стр. 1224
لِأَنَّ الْأَخْذَ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ لِمَعْنَى الْغَدْرِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَالَ الْمَأْخُوذَ لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْأُسَرَاءِ، لَمْ يَخْرُجُوا حَتَّى غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تِلْكَ الدَّارِ، فَإِنَّهُ يُخَمِّسُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَيُمَثِّلُهُ فِي الْمُسْتَأْمَنِينَ لَوْ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَى الدَّارِ، وَالْمَالُ فِي أَيْدِيهِمْ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُنَابِذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْمَالَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ فِيهِ.
لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ مَا دَامُوا فِي أَمَانِهِمْ فَيَكُونُ الْمَالُ فِي أَيْدِيهِمْ، لِكَوْنِهِ فِي يَدِ صَاحِبِهِ، فَيَصِيرُ فَيْئًا إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ فِيهِ، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِغُزَاةٍ، بِخِلَافِ الْأُسَرَاءِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُحَارِبِينَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْغُزَاةِ فِي الْمَالِ الَّذِي أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلِهَذَا يُخَمَّسُ، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأُسَرَاءِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
٢٤٥٨ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُونَ حِينَ أَخَذُوا تِلْكَ الْأَمْوَالَ نَبَذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، فَقَاتَلُوهُمْ وَلَهُمْ مَنَعَةٌ، فَحَالُهُمْ الْآنَ كَحَالِ الْأُسَرَاءِ.
لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ أَمَانِهِمْ، صَارُوا مُحَارِبِينَ لَهُمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، وَصَارُوا ذِمَّةً قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُؤْمَرْ الْمُسْتَأْمَنُونَ بِرَدِّ الْمَالِ هَا هُنَا، وَفِي الْأَوَّلِ يُؤْمَرُونَ بِرَدِّ الْمَالِ.
٢٤٥٩ - وَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ عَسْكَرٌ آخَرُ فَالْتَحَقَ الْمُسْتَأْمَنُونَ بِهِمْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ.
стр. 1225
لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ إنَّمَا أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَتِهِمْ، لَا بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُنَابِذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ فَإِنَّ هُنَاكَ إنَّمَا أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَيَأْخُذُ الْإِمَامُ الْمَالَ، وَيَرُدُّهُ عَلَى أَهْلِهِ.
٢٤٦٠ - فَإِنْ كَانَ الْجَيْشُ الَّذِينَ دَخَلُوا ظَهَرُوا عَلَى الدَّارِ، وَقَتَلُوا صَاحِبَ الْمَالِ، أَوْ أَسَرُوهُ فَقَدْ صَارَ ذَلِكَ الْمَالُ فَيْئًا بَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى الدَّارِ وَلَكِنْ قَتَلُوا صَاحِبَ الْمَالِ لَمْ يَعْرِضُوا لِمَا أَخَذَ الْمُسْتَأْمَنُونَ، وَأُمِرُوا بِالرَّدِّ إلَى وَرَثَةِ صَاحِبِ الْمَالِ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْفَرْقَ.
٢٤٦١ - وَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُ مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَنَزَلَ قَرْيَةً مِنْ قُرَاهُمْ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ عَسْكَرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُمْ مَنَعَةٌ، فَقَتَلُوا رِجَالَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، وَسَبَوْا مَنْ فِيهَا، وَلَمْ يَعْرِضُوا لِلْمُسْتَأْمَنِ بِشَيْءٍ فَهُوَ عَلَى أَمَانِهِ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لَهُمْ بِشَيْءٍ.
لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُوجِبُ انْتِهَاءَ الْأَمَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، فَإِنَّ الْقَرْيَةَ لَمْ تَصِرْ دَارَ الْإِسْلَامِ إذْ الْقُرَى تَتْبَعُ الْبَلْدَةَ. وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ حِينَ مَضَوْا وَتَرَكُوهَا فَقَدْ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِمْ أَنْ يُصَيِّرُوهَا دَارَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ
стр. 1226
الْمُسْلِمُ الْمُسْتَأْمَنُ هُوَ الْمُحْرِزُ لِنَفْسِهِ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا هُمْ الَّذِينَ نَزَلُوا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، ثُمَّ ارْتَحَلُوا مِنْهُ وَرُبَّمَا كَانَ هُوَ نَائِمًا لَمْ يَشْعُرْ بِمَجِيئِهِمْ، وَلَا بِذَهَابِهِمْ، فَيَكُونُ هُوَ عَلَى أَمَانِهِ عَلَى حَالِهِ.
٢٤٦٢ - وَإِنْ كَانَ الْعَسْكَرُ نَزَلُوا بِالْقُرْبِ مِنْ الْقَرْيَةِ فَذَهَبَ هُوَ إلَى الْعَسْكَرِ فَقَدْ انْتَهَى الْأَمَانُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّهُ الْآنَ أَحْرَزَ نَفْسَهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَمَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ حَتَّى إذَا عَادَ إلَيْهِمْ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ وَيَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَارَ مَعَهُمْ أَيَّامًا أَوْ قَاتَلَ مَعَهُمْ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْمُشْرِكُونَ لَا يَعْلَمُونَ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ خَارِجًا مِنْ أَمَانِهِمْ، فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ فِي عَسْكَرِهِمْ بِخُرُوجِهِ إلَيْهِمْ.
٢٤٦٣ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَتَلُوا رِجَالَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ حَمَلُوهُ كُرْهًا فَأَدْخَلُوهُ فِي عَسْكَرِهِمْ، فَلَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ مُسْلِمٌ خَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَرَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَفِي الْقِيَاسِ لَا أَمَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ لِأَنَّهُ صَارَ مُحْرَزًا بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ، فَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ عَهْدِ الْمُشْرِكِينَ، كَمَا لَوْ حَمَلُوهُ كُرْهًا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ:
٢٤٦٤ - الْمَوْضِعُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْعَسْكَرُ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ الْحَرْبِ، وَالْمُسْتَأْمَنُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ،
стр. 1227
إلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ فِعْلٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى نَبْذِ الْأَمَانِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ حِينَ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الْعَسْكَرِ.
لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ إنْ كَانَ بِوَعِيدِ التَّلَفِ، لَا يَبْقَى لَهُ فِعْلٌ أَصْلًا، وَإِنْ كَانَ بِتَهْدِيدٍ دُونَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى رِضَاهُ بِهِ، حَتَّى يُجْعَلَ دَلِيلًا عَلَى نَبْذِ الْأَمَانِ مِنْهُ.
٤٢٤٦٥ - فَأَمَّا إذَا أُخْرِجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَالْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ فِي أَمَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ قَطُّ.
أَرَأَيْت لَوْ أَقَامَ فِي أَهْلِهِ سَنَةً، لَا يَدَعُونَهُ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، أَكَانَ يَبْقَى فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ؟ هَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ. فَكَذَلِكَ إذَا أَخْرَجُوهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ خَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، مَا لَمْ يُجَدِّدْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَمَانًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1228
[بَابُ مَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ أَهْلُ الشِّرْكِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يُصِيبُهُ الْمُسْلِمُونَ]
١٣٠ - بَابُ مَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ أَهْلُ الشِّرْكِ فَيُحْرِزُونَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يُصِيبُهُ الْمُسْلِمُونَ
٢٤٦٦ - قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَنَا بِطَرِيقِ الْقَهْرِ بَعْدَ مَا يَتِمُّ الْإِحْرَازُ بِدَارِهِمْ، فَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ غَنِيمَةٌ لَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ، إلَّا أَنَّ الْمُسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ إذَا وَجَدَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ.
لِأَنَّهُ صَارَ مَظْلُومًا، فَكَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ بِنُصْرَتِهِ، وَدَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهُ، فَإِنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ السُّكْنَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا بِأَنْ يَدْفَعَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، فَكَانَ دَفْعُ هَذَا الظُّلْمِ عَلَى الْغُزَاةِ الَّذِينَ يَذُبُّونَ عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَيَأْخُذُونَ الْكِفَايَةَ عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا وَقَعَ الْمَالُ فِي أَيْدِيهِمْ فَنَقُولُ: قَبْلَ الْقِسْمَةِ الْحَقُّ لِعَامَّتِهِمْ، وَدَفْعُ الظُّلْمِ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ أَيْضًا، وَذَلِكَ فِي رَدِّ الْمَالِ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ رَدُّهُ مَجَّانًا، وَأَمَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَقَدْ تَعَيَّنَ الْمِلْكُ فِيهِ، لِمَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، وَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهُ بِتَسْلِيمِ مِلْكِ نَفْسِهِ إلَيْهِ، إلَّا أَنَّ حَقَّ الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ كَانَ فِي الْمَالِيَّةِ، حَتَّى كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبِيعَ الْغَنَائِمَ، وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ بَيْنَهُمْ، وَحَقُّ
стр. 1229
الْمَأْسُورِ مِنْهُ كَانَ فِي الْعَيْنِ، فَيَجِبُ مُرَاعَاةُ الْحَقَّيْنِ، وَذَلِكَ بِإِيصَالِ عَيْنِ الْمِلْكِ إلَيْهِ، إذَا وَصَلَ إلَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مَا هُوَ حَقُّهُ، وَهُوَ الْمَالِيَّةُ إنْ شَاءَ. وَلِأَنَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ الثَّابِتُ لِلْغَانِمَيْنِ حَقٌّ لَا مِلْكٌ، وَالثَّابِتُ لِلْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ حَقٌّ أَيْضًا، فَيَتَرَجَّحُ حَقُّهُ بِالسَّبْقِ، فَيَأْخُذُهُ مَجَّانًا، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ الثَّابِتُ لِمَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مِلْكٌ، وَلِلْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ حَقٌّ، وَالْحَقُّ، وَإِنْ كَانَ سَابِقًا، فَإِنَّهُ لَا يُعَارِضُ الْمِلْكَ الْمُسْتَقِرَّ شَرْعًا، فَيَجِبُ مُرَاعَاتُهَا وَذَلِكَ فِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ.
٢٤٦٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ إلَيْهِمْ فَاشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ، وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ وَلَوْ وَهَبُوهُ مِنْهُ وَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِقِيمَتِهِ إنْ شَاءَ لِلْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ رَوَاهَا فِي الْكِتَابِ، مِنْهَا حَدِيثُ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ قَالَ: «أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ نَاقَةً لِمُسْلِمٍ، فَابْتَاعَهَا مِنْهُمْ مُسْلِمٌ، فَارْتَفَعُوا إلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ ﵇: أَعْطِهِ ثَمَنَهَا الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ وَإِلَّا فَخَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ» .
ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ٢٤٦٨ - إنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ إذَا وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ.
وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْآخِذِ مَجَّانًا، وَلَكِنْ إذَا أَعْطَاهُ قِيمَتَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا:
стр. 1230
أَنَّهُ لَا يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَلَا بَعْدَهَا، وَلَا يُؤْخَذُ بِهَذَا لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْكِبَارُ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ. وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهِ قُسِمَ أَوْ لَمْ يُقْسَمْ إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَبِهِ نَأْخُذُ.
فَإِنَّهُ مَا لَمْ يَثْبُتْ حَقُّ الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ، وَطَرِيقُ ثُبُوتِ حَقِّهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، وَبَعْدَ مَا يَثْبُتُ حَقُّهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مَجَّانًا، وَبَعْدَهَا بِالْقِسْمَةِ إنْ أَحَبَّ، فَكَانَ مُرَادُ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ إذَا رَغِبَ فِي أَدَاءِ الْقِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ.
٢٤٧٠ - وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَالْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ نُفُوسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ مَعْصُومَةٌ مُتَقَوِّمَةٌ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ، وَلِهَذَا لَا يَسْتَرِقُونَ إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ كَالْإِحْرَازِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَالْحُكْمُ فِي أَمْوَالِهِمْ إذَا وَقَعَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهَا كَالْحُكْمِ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ.
٢٤٧١ - وَذُكِرَ عَنْ مَكْحُولٍ فِي رَجُلٍ مِنْ الْعَدُوِّ قَالَ لِلْجَيْشِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: أَرَأَيْتُمْ إنْ أَنَا جِئْتُكُمْ بِمُسْلِمٍ أَتُعْطُونَنِي فِدَاءَهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ، فَمَاتَ الْحَرْبِيُّ فِي الْعَسْكَرِ فَقَالَ: يُدْفَعُ فِدَاءُ ذَلِكَ الْمُسْلِمِ إلَى أَوْلِيَاءِ الْكَافِرِ، وَهَذَا لِأَنَّهُمْ خُلَفَاؤُهُ، فَكَمَا أَنَّ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نَفِيَ لَهُ بِمَا شَرَطْنَا، فَنُعْطِيهِ الْفِدَاءَ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ يَدْفَعُ مَنْ الْتَزَمَ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ إلَى وَرَثَتِهِ. وَذُكِرَ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِي
следующие страницы →