← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فَسَوَاءٌ فَاتَ الْوَصْفُ بِصُنْعِ مُكْتَسِبٍ أَوْ لَا بِصُنْعِ أَحَدٍ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الْفِدَاءِ، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ الْمُبْتَدَأِ فَإِنَّ الْوَصْفَ يَأْخُذُ حَظًّا مِنْ الثَّمَنِ فِي الشِّرَاءِ إذَا صَارَ مَقْصُودًا بِالتَّنَاوُلِ. ٢٧١٢ - وَلَوْ أَنَّ الْوَكِيلَ أَقَالَ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى الْمُوَكِّلِ. لِأَنَّ بِأَخْذِهِ عَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ، فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُخْرِجَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِعَقْدٍ يُنْشِئُهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَالْإِقَالَةُ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ الْمُبْتَدَأِ. - وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَدْفَعَهُ إلَى مَوْلَاهُ بِالثَّمَنِ فَهَذَا جَائِزٌ، وَالْوَكِيلُ هُوَ الْمُؤَاخَذُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْ الْمَوْلَى بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ. . وَهَذَا الْحُكْمُ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَظْهَرُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ يُزِيلُ مِلْكَهُ بِعِوَضٍ، فَهَذَا التَّصَرُّفُ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ الْمُبْتَدَأِ وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى هُوَ إعَادَةٌ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بِالْفِدَاءِ. - وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ بَاعَ الْعَبْدَ مِنْ إنْسَانٍ بِجَارِيَةٍ وَلَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى حَضَرَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِمَّنْ فِي يَدِهِ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ نَقْضِ التَّصَرُّفِ، فَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الثَّانِي، وَالْجَارِيَةُ

стр. 1332

لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَيَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهَا، كَالشَّفِيعِ ثُمَّ يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي الْآخَرِ، لِفَوَاتِ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ، فَتَبْقَى الْجَارِيَةُ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي الْآخَرِ، وَقِيمَتُهَا لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، وَعُهْدَةُ الْمَوْلَى عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، وَإِنْ كَانَ حَضَرَ بَعْدَ التَّقَابُضِ، أَوْ بَعْدَ مَا قَبَضَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الْجَارِيَةَ أَخَذَهُ بِقِيمَتِهَا مِنْ الْمُشْتَرِي الْآخَرِ وَعُهْدَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ الْجَارِيَةُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ. لِأَنَّ الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا بَاقٍ قَدْ انْتَهَى بِقَبْضِ الْعَبْدِ. ٢٧١٥ - فَإِنْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ بِالْجَارِيَةِ عَيْبًا رَدَّهَا عَلَى الْمُشْتَرِي الْآخَرِ، وَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ الَّتِي أَخَذَهَا لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ. لِأَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فِي قِيمَةِ الْجَارِيَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ الْمَوْلَى مِنْهُ أَخَذَهُ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ، وَلَوْ رَدَّ الْجَارِيَةَ بِالْعَيْبِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ مِنْ الْمُشْتَرِي الْآخَرِ وَاسْتَرَدَّ الْعَبْدَ ثُمَّ حَضَرَ الْمَوْلَى كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ، فَإِنَّ مُنَاقَضَتَهُمَا الْبَيْعَ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْمَوْلَى عَنْ الْأَخْذِ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ إذَا كَانَ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي. فَعَرَفْنَا أَنَّ حَقَّهُ فِي قِيمَةِ الْجَارِيَةِ، وَالْمُشْتَرِي قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ إلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ. وَنَظِيرُ هَذَا الشُّفْعَةُ. وَقَدْ بَيَّنَّا هُنَاكَ أَنَّ بَدَلَ الدَّارِ كَانَتْ جَارِيَةً قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ، فَيَأْخُذُهُ بِتَحْوِيلٍ إلَى قِيمَةِ الْجَارِيَةِ، وَكَذَلِكَ بَدَلُ الْجَارِيَةِ بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ الدَّارَ قِيمَتَهَا فَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.

стр. 1333

- وَإِنْ كَانَ رَدَّ الْجَارِيَةَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَوْلَى الْعَبْدَ، وَاسْتَرَدَّ الْعَبْدَ ثُمَّ حَضَرَ الْمَوْلَى، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ. لِأَنَّ الْبَيْعَ الثَّانِيَ حِينَ اُنْتُقِضَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَهَذَا بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ فَإِنَّ هُنَاكَ لَوْ جَعَلْنَا الْبَيْعَ الَّذِي جَرَى بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَطَلَ حَقُّ الشَّفِيعِ، وَهُمَا لَا يَمْلِكَانِ إبْطَالَ حَقِّ الشَّفِيعِ بَعْدَ مَا ثَبَتَ حَقُّهُ فِي الْأَخْذِ، وَهَا هُنَا حَقُّ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ لَا يَبْطُلُ، وَإِنْ جَعَلْنَا الْبَيْعَ الثَّانِيَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ هُوَ الَّذِي وَجَدَ الْعَيْبَ بِالْعَبْدِ فَرَدَّهُ، عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قُلْنَا. ٢٧١٧ - وَلَوْ تَقَايَلَا أَخَذَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ إنْ شَاءَ. لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فِي حَقِّهِ كَالْبَيْعِ الْمُبْتَدَأِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ يَثْبُتُ لَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُضَ تَصَرُّفًا فَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ بِآخِرِ الْأَثْمَانِ. ٢٧١٨ - وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ قَبَضَ الْعَبْدَ وَلَمْ يَرَهُ، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَوْلَى، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدِهِ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ. لِأَنَّهُ صَادَفَهُ فِي يَدِهِ، فَإِنْ أَخَذَهُ فَالْمُشْتَرِي الْآخَرُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ سَلَّمَ الْجَارِيَةَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، وَكَانَتْ لَهُ الْقِيمَةُ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ الْمَوْلَى، وَإِنْ شَاءَ

стр. 1334

سَلَّمَ الْقِيمَةَ إلَيْهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْجَارِيَةَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ، وَفِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ الْجَارِيَةُ تُسَلَّمُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، فَيَكُونُ قِيمَتُهَا لِلْمُشْتَرِي الْآخَرِ. لِأَنَّ فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ قَدْ كَانَ هُوَ مَالِكًا رَاضِيًا بِالْعَقْدِ، إلَّا أَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الرَّدِّ لِلْجَهْلِ بِأَوْصَافِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ حِينَ أَخَذَهُ الْمَوْلَى مِنْ يَدِهِ، فَيَسْقُطُ خِيَارُهُ. وَأَمَّا خِيَارُ الشَّرْطِ فَقَدْ كَانَ مَانِعًا خُرُوجَ الْجَارِيَةِ مِنْ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ خِيَارَهُ فِيهَا خِيَارُ الْبَائِعِ فَهُوَ يَعْدَمُ رِضَاهُ بِتَمْلِيكِ الْجَارِيَةِ عَلَيْهِ، فَبَعْدَمَا أَخَذَ الْعَبْدَ مِنْ يَدِهِ يَبْقَى هُوَ عَلَى خِيَارِهِ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَى الْعَقْدَ فِي الْجَارِيَةِ وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْعَقْدَ فِيهَا، وَرَدَّ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ بِأَخْذِ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ الْعَبْدَ تَعَيَّنَ حَقُّ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فِي قِيَمِهِ الْجَارِيَةِ. ٢٧١٩ - وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ فَالْجَارِيَةُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ. لِأَنَّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ سَقَطَ خِيَارُهُ، وَيَتِمُّ الْبَيْعُ فِيهَا، فَيَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ لِلْمُشْتَرِي الْآخَرِ. ٢٧٢٠ - وَلَوْ كَانَا تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى رَدَّ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ الْعَبْدَ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ أَوْ خِيَارِ الْعَيْبِ ثُمَّ حَضَرَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ مِنْ الْعَدُوِّ. لِأَنَّ بِالرَّدِّ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ قَدْ انْتَقَضَ الْبَيْعُ الثَّانِي مِنْ الْأَصْلِ، فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.

стр. 1335

- وَلَوْ لَمْ يَفْسَخْ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ الْعَقْدَ حَتَّى حَضَرَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ فَأَخَذَ الْعَبْدَ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ فَإِنَّ الْقِيمَةَ تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، وَعَلَيْهِ رَدُّ الْجَارِيَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي الْآخَرِ إنْ كَانَ قَبَضَهَا مِنْهُ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ قَدْ انْتَقَضَ لِفَوَاتِ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ خِيَارٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ قَضَى الْقَاضِي لِلْمَوْلَى بِالْعَبْدِ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ، ثُمَّ رَأَى بِهِ عَيْبًا حَادِثًا بَعْدَ مَا قَبَضَهُ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، فَرَدَّهُ، فَلَا سَبِيلَ لِلْمُشْتَرِي الْآخَرِ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ بِنَفْسِ الْقَضَاءِ بِهِ لِلْمَوْلَى بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ قَدْ انْتَقَضَ الْبَيْعُ الثَّانِي فِيمَا بَيْنَهُمَا، فَلَا يَعُودُ إلَّا بِالتَّجْدِيدِ، وَهُوَ نَظِيرُ الشُّفْعَةِ فِي هَذَا الْفَصْلِ، فَإِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي لِلشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ يَتَضَمَّنُ نَقْضَ الْبَيْعِ فِيمَا بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي حَتَّى لَا يَعُودَ، وَإِنْ رَدَّهُ الشَّفِيعُ بِالْعَيْبِ. ٢٧٢٢ - وَلَوْ كَانَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ وَكَّلَ رَجُلًا بِأَخْذِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ بِالثَّمَنِ فَقَالَ الْوَكِيلُ لِلْمُشْتَرِي: أَعْطِهِ فُلَانًا بِالثَّمَنِ، وَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَالثَّمَنُ عَلَى الْآمِرِ هَا هُنَا، دُونَ الْوَكِيلِ. لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ هَا هُنَا سَفِيرًا لَا عَاقِدًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: أَعْطِنِيهِ. ٢٧٢٣ - وَلَوْ قَالَ أَعْطِهِ فُلَانًا بِالثَّمَنِ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَك الثَّمَنَ، أَوْ أَعْطِهِ إيَّاهُ بِثَمَنِهِ مِنْ مَالِي، فَالثَّمَنُ لَازِمٌ لِلْوَكِيلِ. لِأَنَّ إضَافَةَ الْعَقْدِ إلَى مَالِ نَفْسِهِ أَوْ اشْتِرَاطَ الضَّمَانِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى نَفْسِهِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ. أَمَّا بَيَانُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى نَفْسِهِ فِي

стр. 1336

الْوَكِيلِ بِالصُّلْحِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: صَالِحْ فُلَانًا مِنْ هَذِهِ الدَّارِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، عَلَى أَنِّي لَهَا ضَامِنٌ، أَوْ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي، كَانَ الْمَالُ عَلَى الْوَكِيلِ دُونَ الْآمِرِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: صَالِحْنِي. وَأَمَّا بَيَانُ كَوْنِهِ أَقْوَى، فَفِي الْوَكِيلِ بِالْخُلْعِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: اخْلَعْهَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي، أَوْ عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَهَا، كَانَ الْمَالُ عَلَى الْوَكِيلِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْوَكِيلِ هَا هُنَا لَا يَجِبُ الْمَالُ عَلَيْهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ اشْتِرَاطَ الضَّمَانِ، أَوْ إضَافَةَ الْعَقْدِ إلَى مَالِهِ، يَكُونُ أَقْوَى مِنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى نَفْسِهِ فِي وُجُوبِ الْبَدَلِ عَلَيْهِ، وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ عَلَى الْآمِرِ شَيْءٌ. - وَإِذَا أَخَذَ الْعَدُوُّ إبْرِيقَ فِضَّةٍ لِرَجُلٍ وَزْنُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُمْ مُسْلِمٌ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ لِجَوْدَتِهِ وَصِنَاعَتِهِ، فَلِمَالِكِهِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ أَعْطَى فِي فِدَائِهِ هَذَا الْمِقْدَارَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَوْلَى الْقَدِيمَ إنَّمَا يَأْخُذُهُ بِمَا أَعْطَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فِي فِدَائِهِ، فَيَكُونُ هَذَا مُسْتَقِيمًا. لِأَنَّهُ لَا يَتَمَلَّكُهُ ابْتِدَاءً بِعِوَضٍ، وَإِنَّمَا يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بِالْفِدَاءِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مَعْنَى الرِّبَا فِي هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ. ٢٧٢٥ - وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ ثَبَتَ أَنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ لِيَأْخُذَهُ بِهِ. لِأَنَّ الْوَكِيلَ قَامَ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ.

стр. 1337

- وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ لَمْ يُنْتَقَضْ الْأَخْذُ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ فِدَاءٌ، وَلَيْسَ بِشِرَاءٍ مُبْتَدَأٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ. ٢٧٢٧ - فَإِنْ أَعْطَى الْوَكِيلُ الْفِدَاءَ مِنْ مَالِهِ وَقَبَضَهُ، فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْمُوَكِّلِ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُ الْفِدَاءَ، وَإِنْ هَلَكَ بَعْدَ الْمَنْعِ فِي يَدِ الْوَكِيلِ هَلَكَ بِجَمِيعِ الْفِدَاءِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْوَكِيلَ بَعْدَ مَا مَنَعَهُ قَامَ فِي ذَلِكَ مَقَامَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ. وَأَوْضَحَ هَذَا بِرَجُلٍ وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أَرْضًا فِيهَا نَخْلٌ بِكُرٍّ مِنْ تَمْرٍ، فَاشْتَرَى الْوَكِيلُ وَنَقَدَ الْكُرَّ مِنْ مَالِهِ، وَقَبَضَهُ ثُمَّ مَنَعَهُ مِنْ الْآمِرِ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ الْكُرَّ فَأَثْمَرَتْ فِي يَدِ الْوَكِيلِ كُرًّا، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَقْبِضَهُ مَعَ التَّمْرِ بِكُرٍّ دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مَعْنَى الرِّبَا بَيْنَهُمَا بِالزِّيَادَةِ الَّتِي حَدَثَتْ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ قَامَ فِي ذَلِكَ مَقَامَ الْبَائِعِ، وَلَوْ أَثْمَرَتْ كُرًّا فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَثْمَرَتْ فِي يَدِ الْوَكِيلِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْوَكِيلُ رَأَى بِالْمَبِيعِ عَيْبًا فَرَضِيَ بِهِ، وَأَبَى الْمُوَكِّلُ أَنْ يَرْضَى بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ بِالْكُرِّ، وَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ الرِّبَا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُبَايَعَةٍ تَجْرِي بَيْنَهُمَا ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا فِي الْمُعَاوَضَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَوْ رَأَى الْعَيْبَ بِالْأَرْضِ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ كَانَ قَدْ رَدَّ أَرْضًا وَنَخْلًا وَكُرًّا مِنْ تَمْرٍ بِكُرٍّ مِنْ تَمْرٍ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَهَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا أَثْمَرَتْ

стр. 1338

فِي يَدِ الْبَائِعِ، قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْوَكِيلُ، فَأَمَّا إذَا أَثْمَرَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ حَقُّ الرَّدِّ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْحَادِثَةَ بَعْدَ الْقَبْضِ تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ. وَأَوْضَحَ هَذَا أَيْضًا بِمَا لَوْ كَانَ الْوَكِيلُ اشْتَرَى لِلْآمِرِ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ خَطَأً فِي يَدِ الْبَائِعِ، أَوْ فِي يَدِ الْوَكِيلِ فَالْجَوَابُ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي النَّخِيلِ إذَا أَثْمَرَتْ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ لَا يَتَمَكَّنُ بِسَبَبِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ حَقِيقَةُ الرِّبَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِي الْبَيْعِ الْمُسْتَقْبَلِ. وَعَلَى هَذَا أَيْضًا مَسْأَلَةُ الْإِبْرِيقِ لَوْ رَأَى الْوَكِيلُ الْعَيْبَ بِهِ فَأَبَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ ثُمَّ أَبَى الْآمِرُ أَنْ يَرْضَى بِهِ، فَالْإِبْرِيقُ لِلْوَكِيلِ بِمَا أَدَّى بِهِ مِنْ الْفِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا لَيْسَ بِعَقْدٍ مُبْتَدَأٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ حُكْمُ الرِّبَا.

стр. 1339

[بَابُ مَا يُكْرَهُ إدْخَالُهُ دَارَ الْحَرْبِ وَمَا لَا يُكْرَهُ] ٢٧٢٨ - قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلَ الْمُسْلِمُ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ مَا شَاءَ، إلَّا الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ وَالسَّبْيَ، وَأَلَّا يَحْمِلَ إلَيْهِمْ شَيْئًا أَحَبُّ إلَيَّ. لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَنْدُوبٌ أَنْ يُسْتَبْعَدَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ ﵌ «لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ» . وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» . وَفِي حَمْلِ الْأَمْتِعَةِ إلَيْهِمْ لِلتِّجَارَةِ نَوْعُ مُقَارَبَةٍ مَعَهُمْ، فَالْأَوْلَى أَلَّا يَفْعَلَ وَلِأَنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِمَا يَحْمِلُ إلَيْهِمْ مِنْ مَتَاعٍ أَوْ طَعَامٍ، وَيَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. ٢٧٢٩ - وَالْأَوْلَى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْ اكْتِسَابِ سَبَبِ الْقُوَّةِ لَهُمْ، إلَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ الْحَنَفِيَّ أَسْلَمَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵌، فَقَطَعَ الْمِيرَةَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانُوا يَمْتَارُونَ، فَكَتَبُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌، يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي حَمْلِ الطَّعَامِ إلَيْهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ» وَأَهْلُ مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ كَانُوا حَرْبًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌،

стр. 1340

فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُونَ إلَى بَعْضِ مَا فِي دِيَارِهِمْ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَمْتِعَةِ، فَإِذَا مَنَعْنَاهُمْ مَا فِي دِيَارِنَا فَهُمْ يَمْنَعُونَ أَيْضًا مَا فِي دِيَارِهِمْ. ٢٧٣٠ - وَإِذَا دَخَلَ التَّاجِرُ إلَيْهِمْ لِيَأْتِيَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنْ دِيَارِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَحْمِلَ إلَيْهِمْ بَعْضَ مَا يُوجَدُ فِي دِيَارِنَا، فَلِهَذَا رَخَّصْنَا لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ، إلَّا الْكُرَاعَ وَالسَّبْيَ وَالسِّلَاحَ. فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ إلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ، وَقَتْلِ مُقَاتِلَتِهِمْ، لِدَفْعِ فِتْنَةِ مُحَارَبَتِهِمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا رُخْصَةَ فِي تَقْوِيَتِهِمْ عَلَى مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ. ٢٧٣١ - وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ ثَبَتَ فِي السَّبْيِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُقَاتِلَ بِنَفْسِهِ أَوْ يَكُونَ مِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ، وَتَقْوِيَتُهُمْ بِالْمُقَاتِلِ فَوْقَ تَقْوِيَتِهِمْ بِآلَةِ الْقِتَالِ. ٢٧٣٢ - وَكَذَلِكَ الْحَدِيدُ الَّذِي يُصْنَعُ مِنْهُ السِّلَاحُ. لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ لِذَلِكَ فِي الْأَصْلِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وَالْمَصْنُوعُ مِنْهُ وَغَيْرُ الْمَصْنُوعِ فِي كَرَاهِيَةِ الْحَمْلِ إلَيْهِمْ سَوَاءٌ، وَهَذَا

стр. 1341

لِأَنَّ الْحَدِيدَ أَصْلُ السِّلَاحِ، وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ فِيمَا يَحْصُلُ مِنْ أَصْلٍ يَكُونُ ثَابِتًا فِي الْأَصْلِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا كَسَرَ بَيْضَ الصَّيْدِ يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ كَمَا يَلْزَمُهُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ. ٢٧٣٣ - وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ الْحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ بَيْعَ السِّلَاحِ فِي الْفِتَنِ، وَهَكَذَا نَقُولُ، فَإِنَّ بَيْعَ السِّلَاحِ فِي أَيَّامِ الْفِتْنَةِ اكْتِسَابُ سَبَبِ تَهْيِيجِهَا، وَقَدْ أُمِرْنَا بِتَسْكِينِهَا. قَالَ ﵌ «الْفِتْنَةُ نَائِمَةٌ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَيْقَظَهَا» فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا فِي زَمَانِ الْفِتْنَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ فَلَأَنْ يُكْرَهَ حَمْلُهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِلْبَيْعِ مِنْهُمْ كَانَ أَوْلَى. ٢٧٣٤ - وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ أَمْوَالَهُمْ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ. لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ لَا تَصِيرُ مَعْصُومَةً بِدُخُولِهِ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ، وَلَكِنَّهُ ضَمِنَ بِعَقْدِ الْأَمَانِ أَلَّا يَخُونَهُمْ، فَعَلَيْهِ التَّحَرُّزُ عَنْ الْخِيَانَةِ، وَبِأَيِّ سَبَبٍ طَيَّبَ أَنْفُسَهُمْ حِينَ أَخَذَ الْمَالَ، فَإِنَّمَا أَخَذَ الْمُبَاحَ عَلَى وَجْهٍ مَنَعَهُ عَنْ الْغَدْرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ طَيِّبًا لَهُ، الْأَسِيرُ وَالْمُسْتَأْمَنُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، حَتَّى لَوْ بَاعَهُمْ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ بَاعَهُمْ مَيْتَةً بِدَرَاهِمَ، أَوْ أَخَذَ مَالًا مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْقِمَارِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ طَيِّبٌ لَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ ﵄، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْأَسِيرِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْمَنِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵁ وَلَكِنَّا

стр. 1342

نَقُولُ: الْمُسْتَأْمَنُ إنَّمَا يُفَارِقُ الْأَسِيرَ فِي الْأَخْذِ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ، فَأَمَّا فِي الْأَخْذِ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ فَهُوَ كَالْأَسِيرِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَلَّا يَغْدِرَ بِهِمْ، وَلَا غَدْرَ فِي هَذَا. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ «بِحَدِيثِ مُخَاطَرَةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، مَعَ أَهْلِ مَكَّةَ فِي غَلَبَةِ الرُّومِ مَعَ أَهْلِ فَارِسَ، حَتَّى قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ زِدْهُ فِي الْخَطَرِ وَأَبْعِدْ فِي الْأَجَلِ» . فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَائِزًا مَعَهُمْ لَمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌. ٢٧٣٥ - «وَلَمَا قَمَرَهُمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَأَخَذَ الْخَطَرَ فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ» . فَبِظَاهِرِهِ يَسْتَدِلُّ سُفْيَانُ فَيَقُولُ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَهُ طَيِّبًا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَّصَدُّقِ. ٢٧٣٦ - وَلَكِنَّا نَقُولُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا لَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، أَنْ يُقَامِرَهُمْ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ مَا أَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ) . فَعَرَفْنَا بِهَذَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا، وَلَكِنْ نَدَبَهُ إلَى التَّصَدُّقِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا أَظْهَرَ مِنْ صِدْقِهِ. ٢٧٣٧ - وَاسْتَدَلَّ «بِمُصَارَعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ ابْنَ رُكَانَةَ حِينَ كَانَ بِمَكَّةَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِثُلُثِ

стр. 1343

غَنَمِهِ» ، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «ثُمَّ لَمَّا صَرَعَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ قَالَ مَا وَضَعَ أَحَدٌ جَنْبِي قَطُّ، وَمَا أَنْتَ صَرَعَتْنِي فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ الْغَنَمَ عَلَيْهِ» فَبِظَاهِرِهِ يَسْتَدِلُّ سُفْيَانُ فَيَقُولُ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ طَيِّبًا مَا رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا مَا دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، وَإِنَّمَا رَدَّ الْغَنَمَ عَلَيْهِ تَطَوُّلًا مِنْهُ عَلَيْهِ. وَكَثِيرًا مَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُؤَلِّفُهُمْ بِهِ حَتَّى يُؤْمِنُوا. ٢٧٣٨ - وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا بِحَدِيثِ «بَنِي قَيْنُقَاعِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵌ حِينَ أَجْلَاهُمْ قَالُوا: إنَّ لَنَا دُيُونًا لَمْ تَحِلَّ بَعْدُ، فَقَالَ: تَعَجَّلُوا أَوْ ضَعُوا» «وَلَمَّا أَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ قَالُوا: إنَّ لَنَا دُيُونًا عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ضَعُوا أَوْ تَعَجَّلُوا» . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ دَيْنٌ إلَى أَجَلٍ فَوَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ بِشَرْطِ أَنْ يُعَجِّلَ بَعْضَهُ، لَمْ يَجُزْ، كَرِهَ ذَلِكَ عُمَرُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عُمَرَ ﵃. ثُمَّ جَوَّزَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فِي حَقِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ حَرْبٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلِهَذَا أَجْلَاهُمْ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَالْمُسْلِمِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. ٢٧٣٩ - قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي عَسْكَرِهِمْ وَالْمُشْرِكُونَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُبَايِعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، إلَّا بِمَا يَجُوزُ بَيْنَ

стр. 1344

الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَا ذَكَرْنَا إذَا كَانُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ فِي مَنْعَةِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَهَذَا وَمَا لَوْ كَانَا فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ. وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: هَذَا الْجَوَابُ غَلَطٌ، فَإِنَّ جَوَازَ الْأَخْذِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا عِصْمَةَ لِمَالِهِمْ، وَفِي هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ فِي مَنَعَتِهِمْ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْحَرْبِيُّ فِي مَنَعَةِ الْمُشْرِكِينَ، إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، اعْتَمَدَ فِيمَا أَجَابَ بِهِ الْمَوْضِعَ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ الْمُعَامَلَةُ، فَقَالَ: - إنْ كَانَا جَمِيعًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَجْرِي فِيهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ يَجُوزُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي مَوْضِعٍ يَجْرِي فِيهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ،. وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «فَإِنَّ نَوْفَلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ لَمَّا قُتِلَ فِي الْخَنْدَقِ سَأَلَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ جِيفَتَهُ بِمَالٍ يُعْطُونَهُ الْمُسْلِمِينَ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﵌، عَنْ ذَلِكَ وَكَرِهَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «إنَّهُ خَبِيثُ الدِّيَةِ خَبِيثُ الْجِيفَةِ، فَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ» ، وَإِنَّمَا كُرِهَ هَذَا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﵀؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْخَنْدَقِ كَانَ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى مَا قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى فِيهِ كَبْتًا وَغَيْظًا لَهُمْ، إنْ لَمْ تَثْبُتْ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّهُ خَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ. فَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِهَانَةِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِمْ، أَوْ لِئَلَّا يُنْسَبَ إلَى الْمُسْلِمِينَ مَا لَا يَلِيقُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَقَدْ كَانَ ﵇ يَقُولُ: «بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» وَذَكَرَ حَدِيثَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ

стр. 1345

أَنَّهُ «اشْتَرَى يَوْمَ خَيْبَرَ تِبْرًا بِذَهَبٍ، فَقَالَ ﵌ إنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ فَرَدَّهُ» ، وَبِظَاهِرِهِ يَسْتَدِلُّ سُفْيَانُ فَيَقُولُ: إنَّمَا أَمَرَهُ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ فِي عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ مَنْ يَكْرَهَ هَذَا إنَّمَا يَكْرَهُهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مَا كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَسَعْدٌ يَوْمَ خَيْبَرَ مَا كَانَ فِي أَمَانٍ مِنْ الْيَهُودِ، وَلَكِنْ كَانَ مُحَارِبًا لَهُمْ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُعَامَلَةِ كَانَتْ فِي مَنْعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1346

[بَابُ مَنْ يُكْرَهُ قَتْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِمْ] ٢٧٤١ - قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ النِّسَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَا الصِّبْيَانُ وَلَا الْمَجَانِينُ وَلَا الشَّيْخُ الْفَانِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] وَهَؤُلَاءِ لَا يُقَاتِلُونَ، «وَحِينَ اسْتَعْظَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، قَتْلَ النِّسَاءِ أَشَارَ إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ: هَاهْ، مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ، أَدْرِكْ خَالِدًا وَقُلْ لَهُ، لَا تَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً وَلَا عَسِيفًا» وَلِأَنَّ الْكُفْرَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْجِنَايَاتِ فَهُوَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ، جَلَّ وَعَلَا، وَجَزَاءُ مِثْلِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ يُؤَخَّرُ إلَى دَارِ الْجَزَاءِ، فَأَمَّا مَا عُجِّلَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ مَشْرُوعٌ لِمَنْفَعَةٍ تَعُودُ إلَى الْعِبَادِ، وَذَلِكَ دَفْعُ فِتْنَةِ الْقِتَالِ، وَيَنْعَدِمُ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُقَاتِلُ، بَلْ مَنْفَعَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي إبْقَائِهِمْ لِيَكُونُوا أَرِقَّاءَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ قَاتَلَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُمْ بَاشَرُوا السَّبَبَ الَّذِي بِهِ وَجَبَ قِتَالُهُمْ، وَإِذَا كَانَ يُبَاحُ قَتْلُ مَنْ لَهُ بِنْيَةٌ

стр. 1347

صَالِحَةٌ لِلْمُحَارَبَةِ يُتَوَهَّمُ الْقِتَالُ مِنْهُ، فَلَأَنْ يُبَاحَ قَتْلُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْقِتَالِ كَانَ أَوْلَى. ٢٧٤٢ - وَإِنْ قَتَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنْسَانًا ثُمَّ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتُلُوهُ. لِأَنَّ قَتْلَهُ إنَّمَا أُبِيحَ لِدَفْعِ قِتَالِهِ، وَقَدْ انْدَفَعَ حِينَ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُخَاطَبًا فَلَا يَكُونُ فِعْلُهُ جِنَايَةً يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْعُقُوبَةَ جَزَاءً عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْبَهِيمَةِ، فَإِنَّهَا إذَا صَالَتْ عَلَى إنْسَانٍ يُبَاحُ قَتْلُهَا دَفْعًا، ثُمَّ إذَا أَخَذَتْ وَانْدَفَعَ قَصْدُهَا لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهَا. - وَأَمَّا الْمَرْأَةُ وَالشَّيْخُ الْفَانِي فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمَا بَعْدَ مَا أَخَذَا؛ لِأَنَّهُمَا مُخَاطَبَانِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَسْتَوْجِبَ الْعُقُوبَةَ جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِمَا. وَقَدْ تَحَقَّقَ الْفِعْلُ الْمُوجِبُ لِعُقُوبَةِ الْقَتْلِ مِنْهُمَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا يُقْتَلَانِ قِصَاصًا؟ فَكَذَلِكَ يُقْتَلَانِ جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِمَا. - وَمَنْ قَتَلَ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ قَبْلَ وُجُودِ الْقِتَالِ مِنْهُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ. لِأَنَّ وُجُوبَهُمَا بِاعْتِبَارِ الْعِصْمَةِ وَالتَّقَوُّمِ فِي الْمَحَلِّ، وَذَلِكَ بِالدَّيْنِ أَوْ بِالدَّارِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا حَرُمَ قَتْلُهُمْ لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَتْلِ، وَهِيَ الْمُحَارَبَةُ، لَا لِوُجُودِ عَاصِمٍ أَوْ مُقَوِّمٍ فِي نَفْسِهِ، فَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ -

стр. 1348

فِي حَدِيثٍ بِقَوْلِهِ: «هُمْ مِنْهُمْ» يَعْنِي أَنَّ ذَرَارِيَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْهُمْ، فِي أَنَّهُ لَا عِصْمَةَ لَهُمْ وَلَا قِيمَةَ لِذِمَّتِهِمْ. قَالَ: «وَالْعَسِيفُ الَّذِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌، عَنْ قَتْلِهِ الْأَجِيرُ» ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَرَّاثِ، يَعْنِي مَنْ لَا يَكُونُ مِنْ هِمَّتِهِ الْقِتَالُ وَإِنَّمَا هِمَّتُهُ مِنْ الْقِتَالِ اكْتِسَابُ الْمَالِ فَقَطْ، بِإِجَارَةِ النَّفْسِ بِخِدْمَةِ الْغَيْرِ، أَوْ الِاشْتِغَالِ بِالْحِرَاثَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ لِانْعِدَامِ الْقِتَالِ مِنْهُ، وَاَلَّذِي رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: اُقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ» ، فَالْمُرَادُ بِالشُّيُوخِ الْبَالِغُونَ وَبِالشَّرْخِ الصِّبْيَانُ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِحْيَاءِ الِاسْتِرْقَاقُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] فَأَمَّا الشَّيْخُ الْفَانِي الَّذِي لَا يَكُونُ مِنْهُ الْقِتَالُ، وَلَا يُعِينُ الْمُقَاتِلِينَ بِالرَّأْيِ، وَلَا يُرْجَى لَهُ نَسْلٌ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَبَيَانُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌، نَهَى أَنْ يَقْتُلَ الْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ فَإِنْ أَعَانَتْ الْمَرْأَةُ الْمُقَاتِلِينَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهَا. هَكَذَا نُقِلَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فَأَنْكَرَ قَتْلَهَا، وَقَالَ: مَنْ قَتَلَهَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْدَفْتهَا خَلْفِي فَأَرَادَتْ قَتْلِي فَقَتَلْتهَا، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌، فَدُفِنَتْ» . - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ تُعْلِنُ شَتْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهَا، لِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَقَالَ: إنِّي سَمِعْت امْرَأَةً مِنْ يَهُودَ وَهِيَ تَشْتُمُك، وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ

стр. 1349

اللَّهِ إنَّهَا لَمُحْسِنَةٌ إلَيَّ فَقَتَلْتهَا فَأَهْدَرَ النَّبِيُّ ﵌، دَمَهَا» . وَاسْتَدَلَّ «بِحَدِيثِ عُمَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ فَإِنَّهُ لَمَّا سَمِعَ عَصْمَاءَ بِنْتَ مَرْوَانَ تُؤْذِي النَّبِيَّ ﵌ وَتَعِيبُ الْإِسْلَامَ، وَتُحَرِّضُ عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَتَذْكُرُ فِي ذَلِكَ شِعْرًا، وَهُوَ هَذَا: بِاسْتِ بَنِي مَالِكٍ وَالنَّبِيتِ ... وَعَوْفٍ وَبِاسْتِ بَنِي الْخَزْرَجِ أَطَعْتُمْ أَتَاوَى مِنْ غَيْرِكُمْ ... فَلَا مِنْ مُرَادٍ وَلَا مَذْحِجِ تَرْجُونَهُ بَعْدَ قَتْلِ الرُّءُوسِ ... كَمَا يُرْتَجَى مَرَقُ الْمُنْضَجِ أَلَا أَنِفٌ يَبْتَغِي عِزَّةً ... فَيَقْطَعُ مِنْ أَمَلِ الْمُرْتَجِي - وَذَلِكَ بَعْدَ مَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إلَى بَدْرٍ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّ لَك عَلَيَّ نَذْرًا إنْ رَدَدْت رَسُولَ اللَّهِ ﵌، إلَى الْمَدِينَةِ لَأَقْتُلَنَّهَا. . . الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَتَلَهَا لَيْلًا ثُمَّ أَصْبَحَ وَصَلَّى الصُّبْحَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ -

стр. 1350

فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ قَالَ: أَقَتَلْتَ ابْنَةَ مَرْوَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ ثُمَّ، الْتَفَتَ إلَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ: إذَا أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إلَى رَجُلٍ نَصَرَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَانْظُرُوا إلَى عُمَيْرٍ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: اُنْظُرُوا إلَى هَذَا الْأَعْمَى الَّذِي أَسْرَى فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: لَا تَقُلْ الْأَعْمَى، وَلَكِنَّهُ الْبَصِيرُ» الْحَدِيثَ. وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ «زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ حِينَ قَتَلَ أُمَّ قِرْفَةَ، وَهِيَ كَانَتْ مِمَّنْ تُحَرِّضُ عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهَا جَهَّزَتْ ثَلَاثِينَ رَاكِبًا مِنْ وَلَدِهَا، ثُمَّ قَالَتْ: سِيرُوا حَتَّى تَدْخُلُوا الْمَدِينَةَ فَتَقْتُلُوا مُحَمَّدًا، فَبَلَعَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ، ﵌، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَذِقْهَا ثُكْلَهُمْ، فَقَتَلَهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَبَعَثَ بِدِرْعِهَا إلَى النَّبِيِّ ﵌، فَنُصِبَ بَيْنَ رُمْحَيْنِ بِالْمَدِينَةِ» . وَرُوِيَ أَنَّهُ قَتَلَهَا قَيْسُ بْنُ الْمُسَحَّرِ أَسْوَأَ قِتْلَةٍ عَلَّقَ فِي رِجْلَيْهَا حَبْلَيْنِ ثُمَّ رَبَطَهَا بِبَعِيرَيْنِ فَأَرْسَلَهُمَا فَشَقَّاهَا شَقًّا حَتَّى تَقُولَ الْعَرَبُ عَلَى سَبِيلِ الْمَثَلِ فِي ذَلِكَ: لَوْ كُنْت أَعَزَّ مِنْ أُمِّ قِرْفَةَ.

стр. 1351

«وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، يَوْمَ الْفَتْحِ بِقَتْلِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ لِمَا كَانَتْ تَفْعَلُ مِنْ التَّحْرِيضِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى أَسْلَمَتْ، وَاسْتَثْنَى مِمَّنْ آمَنَهُمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ قَيْسًا وَابْنَ خَطَلٍ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمَا» . لِأَنَّهُمَا كَانَا يُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌. - «وَأَمَرَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ بِقَتْلِ كَالسَّلْجَمِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ قَتَلَتْ خَلَّادَ بْنَ سُوَيْدٍ أَمَرَهَا بِذَلِكَ زَوْجُهَا حَتَّى لَا يَتْرُكَ بَعْدَهُ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ بُنَانَةُ تَسْأَلُنِي شَيْئًا، وَهِيَ تَضْحَكُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ وَتَقُولُ: يُقْتَلُ سَرَاةُ بَنِي قُرَيْظَةَ إلَى أَنْ نَوَّهَ إنْسَانٌ بِاسْمِهَا، فَقَالَتْ: أَنَا، وَاَللَّهِ أُقْتَلُ، وَهِيَ تَضْحَكُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: وَيْحِك إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ لَا يَقْتُلُ النِّسَاءَ، قَالَتْ: نَعَمْ وَإِنَّمَا قَتَلْت زَوْجِي حِينَ أَمَرَنِي فَدَلَّيْت الرَّحَى عَلَى خَلَّادِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقَتَلْته، ثُمَّ أُخْرِجَتْ فَقُتِلَتْ» ٢٧٤٩ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «لَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، بِخَيْبَرَ أَهْدَتْ إلَيْهِ

стр. 1352

زَيْنَبُ بِنْتُ أَخِ مَرْحَبٍ شَاةً مَصْلِيَّةً فَأَكَلَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ وَأَخَذَ الذِّرَاعَ وَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الذِّرَاعَ لَتُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ ثُمَّ دَعَا زَيْنَبَ وَقَالَ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت؟ فَقَالَتْ: نِلْت مِنْ قَوْمِي مَا نِلْت، قَتَلْت أَبِي وَعَمِّي وَزَوْجِي فَقُلْت إنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَتُخْبِرُهُ الشَّاةُ بِمَا صَنَعْت، وَإِنْ كَانَ مَلِكًا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ مِمَّا أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَعَفَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌» . ٢٧٥٠ - أَهْلُ الْمَغَازِي يَخْتَلِقُونَ فِيهِ، فَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَات أَنَّ النَّبِيَّ ﵌، قَتَلَهَا، وَأَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ عَفَا عَنْهَا، كَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ بَعْدَ الصُّلْحِ، وَبَعْدَ مَا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، بِخَيْبَرَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهَا نَقْضًا لِلْعَهْدِ وَلَا مُحَارَبَةً مَعَ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَاذَا لَمْ يَقْتُلْهَا قِصَاصًا بِبِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى وُجُوبَ الْقِصَاصِ بِالْقَتْلِ بِالسُّمِّ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ مَنْ يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ الدِّيَةَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا يُوجِبُهُ عِنْدَ الِاتِّحَادِ، فَإِذَا تَنَاوَلَهُ بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ عَلَى مَنْ نَاوَلَهُ دِيَةُ وَلَا قِصَاصٌ، وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ أَكَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَلِهَذَا لَمْ يُوجِبْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، قِصَاصًا وَلَا دِيَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1353

[بَابُ الِاسْتِعَانَةِ بِأَهْلِ الشِّرْكِ وَاسْتِعَانَةِ الْمُشْرِكِينَ بِالْمُسْلِمِينَ] ٢٧٥١ - وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَعِينَ الْمُسْلِمُونَ بِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَى أَهْلِ الشِّرْكِ إذَا كَانَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهِمْ. «لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌، اسْتَعَانَ بِيَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ» ، «وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَانُوا خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ رُكْبَانًا وَمُشَاةً إلَى خَيْبَرَ، يَنْظُرُونَ لِمَنْ يَكُونُ الدَّبَرَةُ فَيُصِيبُونَ مِنْ الْغَنَائِمِ، حَتَّى خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي إثْرِ الْعَسْكَرِ، كُلَّمَا مَرَّ بِتُرْسٍ سَاقِطٍ، أَوْ رُمْحٍ أَوْ مَتَاعٍ مِنْ مَتَاعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، حَمَلَهُ حَتَّى أَوْقَرَ جَمَلَهُ» «وَخَرَجَ صَفْوَانُ، وَهُوَ مُشْرِكٌ، وَمَعَهُ، امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا النَّبِيُّ ﵌، حَتَّى شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﵌، حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، وَهُوَ مُشْرِكٌ» ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ، وَمَا ذَلِكَ إلَّا نَظِيرُ الِاسْتِعَانَةِ بِالْكِلَابِ، عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِقَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ» ، وَاَلَّذِي رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌، يَوْمَ أُحُدٍ رَأَى كَتِيبَةً حَسْنَاءَ

стр. 1354

قَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقِيلَ: يَهُودُ بَنِي فُلَانٍ، حُلَفَاءُ ابْنِ أُبَيٍّ فَقَالَ: إنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمَنْ لَيْسَ عَلَى دِينِنَا» تَأْوِيلُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، وَكَانُوا يُقَاتِلُونَ تَحْتَ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَعِنْدَنَا إذَا كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ. - وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي سَبَبِ رُجُوعِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ، فَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ، ﵌، لَمَّا لَمْ يَأْخُذْ بِرَأْيِهِ حِينَ أَشَارَ إلَيْهِ بِأَلَّا يَخْرُجَ مِنْ الْمَدِينَةِ غَاظَهُ ذَلِكَ، فَانْصَرَفَ وَقَالَ: أَطَاعَ الصِّبْيَانَ، وَخَالَفَنِي فِيمَا نَصَحْت لَهُ. ٢٧٥٣ - وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌، رَدَّهُ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فَيُقَاتِلَ مَعَهُ، فَقَالَ: لَا، إنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ» ، وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَهُ سَبْعُمِائَةٍ مِنْ يَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ مِنْ حُلَفَائِهِ، فَخَشِيَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ إنْ أَحَسُّوا بِهِمْ زَلَّةَ قَدَمٍ، فَلِهَذَا رَدَّهُمْ. وَعِنْدَنَا إذَا رَأَى الْإِمَامُ الصَّوَابَ فِي أَلَّا يَسْتَعِينَ بِالْمُشْرِكِينَ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُمْ. ٢٧٥٤ - ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الزُّبَيْرِ، - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، حِينَ كَانَ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ فَنَزَلَ بِهِ عَدُوُّهُ فَأَبْلَى يَوْمَئِذٍ مَعَ النَّجَاشِيِّ بَلَاءً حَسَنًا. فَكَانَ لِلزُّبَيْرِ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ بِهَا مَنْزِلَةٌ حَسَنَةٌ، فَبِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ يَسْتَدِلُّ مَنْ يُجَوِّزُ قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ تَحْتَ رَايَتِهِمْ، وَلَكِنْ تَأْوِيلُ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ عِنْدَنَا:

стр. 1355

أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّجَاشِيَّ كَانَ مُسْلِمًا يَوْمَئِذٍ، كَمَا رُوِيَ، فَلِهَذَا اسْتَحَلَّ الزُّبَيْرُ الْقِتَالَ مَعَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ مَلْجَأٌ غَيْرُهُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، قَالَتْ: لَمَّا اطْمَأْنَنَّا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فَكُنَّا فِي خَيْرِ دَارٍ، عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، نَعْبُدُ رَبَّنَا إلَى أَنْ سَارَ إلَى النَّجَاشِيِّ عَدُوٌّ لَهُ، فَمَا نَزَلَ بِنَا قَطُّ أَمْرٌ عَظِيمٌ مِنْهُ، قُلْنَا: إنْ ظَهَرَ عَلَى النَّجَاشِيِّ لَمْ يَعْرِفْ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ، فَأَخْلَصْنَا الدُّعَاءَ إلَى أَنْ يُمَكِّنَ اللَّهُ النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ قُلْنَا: مَنْ رَجُلٌ يَعْلَمُ لَنَا عِلْمَ الْقَوْمِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: أَنَا فَنَفَخَ قِرْبَةً ثُمَّ رَكِبَهَا حَتَّى عَبَرَ النَّهْرَ، وَالْتَقَى الْقَوْمَ، وَحَضَرَ الزُّبَيْرُ مَعَهُمْ، وَجَعَلْنَا نُخْلِصُ الدُّعَاءَ إلَى أَنْ طَلَعَ الزُّبَيْرُ فِي النِّيلِ يُلِيحُ بِثَوْبِهِ، أَلَا أَبْشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَظْهَرَ النَّجَاشِيَّ، وَمَكَّنَ لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَأَهْلَك عَدُوَّهُ، قَالَتْ: فَأَقَمْنَا عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ. فَبِهَذَا الْحَدِيثِ تَبَيَّنَ صِحَّةُ التَّأْوِيلِ الَّذِي قُلْنَا.) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1356

[بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ] ٢٧٥٥ - قَالَ: وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ الدِّيبَاجَ وَالْحَرِيرَ الْمُصْمَتَ فِي الْحَرْبِ وَلَمْ يَرَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، بِذَلِكَ بَأْسًا فِي الْحَرْبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ، وَرَوَى حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﵌، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الْحَرْبِ» فَبِظَاهِرِهِ أَخَذَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: تَأْوِيلُهُ الْمُلْحَمُ وَهُوَ مَا يَكُونُ سَدَاهُ غَيْرَ حَرِيرٍ وَلُحْمَتُهُ حَرِيرٌ، وَهَذَا لَا بَأْسَ بِلُبْسِهِ فِي الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ يُكْرَهُ لُبْسُهُ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ، فَأَمَّا مَا يَكُونُ سَدَاهُ حَرِيرًا وَلُحْمَتُهُ غَيْرَ حَرِيرٍ فَلَا بَأْسَ بِلُبْسِهِ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِ الْحَرْبِ، وَعَلَيْهِ أَيْضًا يُحْمَلُ حَدِيثُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَلْمُقُ الدِّيبَاجَ يَلْبَسُهُ دَارَ الْحَرْبِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ حَرِيرًا مُصْمَتًا فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ

стр. 1357

الْوَلِيدَ بْنَ أَبِي هِشَامٍ كَتَبَ إلَى ابْنِ مُحَيْرِيزٍ يَسْأَلُهُ عَنْ يَلَامِقِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الْحَرْبِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنْ كُنْ أَشَدَّ مَا كُنْت فِي الْحَرْبِ كَرَاهِيَةً لِمَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، عِنْدَ التَّعَرُّضِ لِلشَّهَادَةِ» .

стр. 1358

[بَابُ الْمُكْرَهِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ] ِ وَذَكَرَ حَدِيثَ عَطَاءٍ فِي الرَّجُلِ يُكْرَهُ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ قَالَ: إنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى يُقْتَلَ أَصَابَ خَيْرًا، وَإِنْ أَكَلَ وَشَرِبَ فَهُوَ فِي عُذْرٍ، وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهَذَا، بَلْ نَقُولُ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَدَعَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ عِنْدَ خَوْفِ الْقَتْلِ، وَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ اُضْطُرَّ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ، وَأَبُو يُوسُفَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، أَخَذَ بِقَوْلِ عَطَاءٍ، وَجَعَلَ ذَلِكَ قِيَاسَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الشِّرْكِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّ الْحُرْمَةَ تَنْكَشِفُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] . وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ التَّحْرِيمِ إبَاحَةٌ، وَبَعْدَمَا انْكَشَفَتْ الْحُرْمَةُ اُلْتُحِقَ هَذَا بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ تَنَاوُلِهِ حَتَّى يُقْتَلَ كَانَ آثِمًا، بِخِلَافِ الْكُفْرِ فَإِنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَنْكَشِفُ، وَلَكِنْ يُرَخَّصُ لَهُ فِي إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ مَعَ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ، فَهُوَ بِالِامْتِنَاعِ يَكُونُ مُتَمَسِّكًا

стр. 1359

بِالْعَزِيمَةِ، وَفِي الْإِجْرَاءِ يَكُونُ مُرَخَّصًا بِالرُّخْصَةِ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْعَزِيمَةِ أَفْضَلُ، إلَّا أَنَّ فِي الْكِتَابِ لَمْ يُطْلِقْ الْجَوَابَ فِي تَأْثِيمِهِ، وَلَكِنْ قَالَ: خِفْت أَنْ يَأْثَمَ. لِأَنَّ هَذَا الْمُكْرَهَ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمُبْتَلَى بِالْمَخْمَصَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا صُنْعَ لِأَحَدٍ مِنْ الْعِبَادِ فِيمَا حَلَّ، مِنْ الْعُذْرِ وَهَا هُنَا خَوْفُ الْهَلَاكِ إنَّمَا حَصَلَ بِصُنْعِ الْعِبَادِ، وَفِيمَا يَكُونُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَسْتَوِي مَا فِيهِ صُنْعُ الْعِبَادِ بِمَا لَا صُنْعَ لِلْعِبَادِ فِيهِ، ثُمَّ فِي الِامْتِنَاعِ بَعْدَ إكْرَاهِ الْمُشْرِكِينَ إظْهَارٌ لِلصَّلَابَةِ فِي الدِّينِ، وَمَا فِيهِ مُغَايَظَةُ الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي صَاحِبِ الْمَخْمَصَةِ، فَلِهَذَا صَحَّ الْجَوَابُ هَا هُنَا، بِقَوْلِهِ: خِفْت أَنْ يَأْثَمَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 1360

[بَابُ مَنْ يُكْرَهُ قَتْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَنْ لَا يُكْرَهُ] ُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ إنَّمَا يُقْتَلُ مِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ دُونَ مَنْ لَا يُقَاتِلُ، فَذَكَرَ فِي جُمْلَةِ مَنْ لَا يُقَاتِلُ أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ وَالسَّيَّاحِينَ فِي الْجِبَالِ، الَّذِينَ لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ. ٢٧٥٨ - وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، قَالَ: سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ قَتْلِ أَصْحَابِ الصَّوَامِعِ وَالرُّهْبَانِ، فَرَأَى قَتْلَهُمْ حَسَنًا، لِأَنَّهُمْ فَرَغُوا أَنْفُسَهُمْ لِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ فَيَفْتَتِنُ النَّاسُ بِهِمْ، فَيَدْخُلُونَ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] وَتَأْوِيلُ تِلْكَ الرِّوَايَةِ فِيمَا إذَا كَانُوا يُخَالِطُونَ النَّاسَ، إمَّا خُرُوجًا إلَيْهِمْ أَوْ إذْنًا لَهُمْ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا يَحُثُّونَهُمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَالصَّبْرِ عَلَى دِينِهِمْ، فَأَمَّا إذَا كَانُوا فِي دَارٍ أَوْ كَنِيسَةٍ قَدْ طَيَّنُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ، وَتَرَهَّبُوا فِيهِ فَإِنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ مِنْ جَانِبِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ بِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ وَلَا رَأْيٍ، وَلَا يُقْتَلُ مِنْهُمْ الْأَعْمَى، وَالْمُقْعَدُ، وَلَا يَابِسُ الشِّقِّ، وَلَا مَقْطُوعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ وَلَا مَقْطُوعُ الْيَدِ الْيُمْنَى خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ الْأَمْنُ مِنْ قِتَالِهِمْ، وَمُرَادُهُ مِنْ هَذَا إذَا كَانُوا لَا يُقَاتِلُونَ بِمَالٍ وَلَا بِرَأْيٍ.

стр. 1361

- وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ فِي الشَّيْخِ الْفَانِي إذَا كَانَ ذَا رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ دُونَ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُسْرَى أَوْ أَقْطَعَ أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ فَهُوَ مِمَّنْ يُقَاتِلُ، لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْقِتَالِ فِي الْغَالِبِ تَكُونُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى. فَأَمَّا إذَا كَانَتْ صَحِيحَةً مِنْهُ فَهُوَ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ، كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ فَيُقْتَلُ. - وَالْأَخْرَسُ وَالْأَصَمُّ وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ يُقْتَلُ. لِأَنَّهُ مِمَّنْ يُقَاتِلُ، وَلَهُ بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ، وَاعْتِقَادُهُ يَحْمِلُهُ عَلَى الْقِتَالِ فَيُقْتَلُ دَفْعًا لِشَرِّهِ. - وَمَنْ قَتَلَ أَحَدًا مِنْهُمْ مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ سِوَى الِاسْتِغْفَارِ. لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ وَإِنْ وَقَعَ الْيَأْسُ مِنْ قِتَالِهِ. - وَالْقِسِّيسُونَ وَالشَّمَامِسَةُ وَالسَّيَّاحُونَ الَّذِينَ يُخَالِطُونَ النَّاسَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ. لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ، إمَّا بِرَأْيِهِمْ أَوْ بِنَفْسِهِمْ إنْ تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ فَيَجُوزُ قَتْلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَرَ مِنْهُمْ الْقِتَالَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ حَقِيقَةَ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ

стр. 1362

عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَمَكَانٍ، فَالْبِنْيَةُ الصَّالِحَةُ لِذَلِكَ مَعَ السَّبَبِ الْحَامِلِ عَلَيْهِ يُقَامُ مَقَامَهُ، مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ يَمْنَعُهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَتْ بِهِمْ قُوَّةٌ عَلَى أَسْرِهِمْ أَنْ يَدْعُوا الصِّبْيَانَ وَالنِّسَاءَ حَتَّى يُخْرِجُوهُمْ إلَى دَارِنَا، لِمَا فِيهِ مِنْ الْكَبْتِ وَالْغَيْظِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ يَصِيرُونَ خَوَلًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ مَنْفَعَةِ الْمُشْرِكِينَ عَنْهُمْ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﵌، فِي قَوْلِهِ: «وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ» . فَأَمَّا الشَّيْخُ الْفَانِي الَّذِي لَا يُرْجَى لَهُ نَسْلٌ وَلَا مَنْفَعَةَ عِنْدَهُ، سِوَى أَنْ يُفَادَى فَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوهُ وَأَسَرُوهُ، وَإِنْ شَاءُوا تَرَكُوهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِأَسْرِهِ لَيْسَ إلَّا تَحْصِيلُ الْمَالِ بِالْمُفَادَاةِ، وَهُمْ بِالْخِيَارِ فِيمَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ مِنْ الْأَمْوَالِ، إنْ شَاءُوا أَخَذُوهُ، وَإِنْ شَاءُوا تَرَكُوهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ دَفْعُ فِتْنَةِ الْكُفْرِ، فَأَمَّا اكْتِسَابُ الْمَالِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ شَرْعًا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكُوا الْمَعْتُوهَ إذَا قَدَرُوا عَلَى إخْرَاجِهِ؛ لِأَنَّهُ يُرْجَى إقَامَتُهُ، وَلِأَنَّهُ يُولَدُ لَهُ وَفِي تَرْكِهِ عَوْنٌ لِلْمُشْرِكِينَ، كَمَا فِي تَرْكِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِلَّذِينَ لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ مِنْ الْمُتَرَهِّبِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى لِمِثْلِهِمْ نَسْلٌ، حَتَّى يَكُونَ فِي ذَلِكَ عَوْنٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وَذَوُو الْآفَاتِ الَّذِينَ لَا يَقْتُلُونَ يُؤْسَرُونَ وَيُخْرَجُونَ إلَى دِيَارِنَا؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ قُوَّةً لِلْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُمْ يُصِيبُونَ النِّسَاءَ فَيُلَقِّحُونَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا ظَفِرُوا بِهِمْ فَكُلُّ مَنْ جَازَ قَتْلُهُ مِنْهُمْ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَسْرُهُ وَإِخْرَاجُهُ. - ثُمَّ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ لِلْإِمَامِ فِيهِمْ رَأْيٌ إنْ شَاءَ اسْتَرَقَّهُمْ،

стр. 1363

وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ وَكُلُّ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ إذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى إخْرَاجِهِ بِأَنْ كَانُوا جَرِيدَةَ خَيْلٍ، فَلْيَدَعُوهُ وَلَا يَعْرِضُوا لَهُ. لِأَنَّ قَتْلَهُ مُحَرَّمٌ شَرْعًا لَا لِمَنْفَعَةِ أَسْرِهِ وَاسْتِرْقَاقِهِ، فَبِالْعَجْزِ عَنْ الْأَسْرِ لَا يَصِيرُ الْقَتْلُ الَّذِي هُوَ مُحَرَّمٌ مُبَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَا يَقْدِرُونَ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُمْ تَرْكُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ إخْرَاجِهِ، لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَتَقَوَّى بِهِ الْمُشْرِكُونَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ بَنِي آدَمَ. - فَأَمَّا الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَالْمَتَاعُ فَإِنْ شَاءُوا أَخْرَجُوهُ وَإِنْ شَاءُوا تَرَكُوهُ. لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْقِتَالِ عَادَةً. أَلَا تَرَى أَنَّ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِينَ حَمْلُهَا إلَيْهِمْ لِلتِّجَارَةِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ. - وَإِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِي دَارِنَا إذَا اكْتَسَبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُمْنَعُ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ مَعَ نَفْسِهِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْخِيَارُ لَهُمْ فِي الْمَالِ فَكَذَلِكَ فِي الْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ، الَّتِي لَا يُرْجَى لَهَا وَلَدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا سِوَى الْفِدَاءِ بِالْمَالِ، وَلِهَذَا جَازَ لِلْمُسْلِمِينَ إذَا أَسَرُوهَا، أَوْ شَيْخًا فَانِيًا أَنْ يُفَادُوهُمَا بِمَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُمَا وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كَوْنِهِمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مِنْ ذَوِي الْآفَاتِ وَغَيْرِهِمْ إذَا بَاشَرَ الْقِتَالَ، أَوْ حَرَّضَ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ يُطَاعَ

стр. 1364

فِيهِمْ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِ كَسْرَ شَوْكَتِهِمْ وَتَفَرُّقَ جَمْعِهِمْ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ، حَتَّى أَنَّ مَلِكَ الْقَوْمِ لَوْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ شَيْخًا فَانِيًا، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْكَبْتِ وَالْغَيْظِ لَهُمْ، وَفِيهِ تَفْرِيقُ مَنَعَتِهِمْ، وَلَوْ أَنَّ رَاهِبًا أَوْ سَيَّاحًا دَلَّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَلِمَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعَانَ الْمُشْرِكِينَ بِمَا صَنَعَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ شَيْخٍ لَهُ رَأْيٌ فِي الْقِتَالِ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ مِثْلِهِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ قُتِلَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ ذَا رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ. - وَإِذَا لَقِيَ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْمُشْرِكَ فِي الْقِتَالِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] . وَلَيْسَ مِنْ الْمُصَاحَبَةِ بِالْمَعْرُوفِ الْقَصْدُ إلَى قَتْلِهِ، «وَإِنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ اسْتَأْذَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﵌، فِي قَتْلِ أَبَوَيْهِمَا فَنَهَاهُمَا، وَقَدْ كَانَ أَبُو عَامِرٍ مُشْرِكًا مُحَارِبًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَابْنُ أُبَيٍّ مُنَافِقًا بَيِّنَ النِّفَاقِ» ، قَدْ شَهِدَ اللَّهُ تَعَالَى بِكُفْرِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلِابْنِ الْقَصْدُ إلَى قَتْلِ أَبِيهِ الْمُشْرِكِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَبَ كَانَ سَبَبًا لِإِيجَادِهِ فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَكْتَسِبَ سَبَبَ إعْدَامِهِ وَكَانَ مُنْعِمًا عَلَيْهِ فِي التَّرْبِيَةِ، فَيُكْرَهُ لَهُ إظْهَارُ كُفْرَانِ النِّعْمَةِ بِالْقَصْدِ إلَى قَتْلِهِ. ٢٧٦٧ - وَبَيَانُ هَذَا فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه

стр. 1365

حِينَ قَالَ لَهُ أَبُوهُ: ﴿لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] فَأَمَّا إذَا هَمَّ الْأَبُ بِقَتْلِ ابْنِهِ، وَصَارَ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ، إلَّا بِقَتْلِهِ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ. لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ لَا يَقْصِدُ كُفْرَانَ النِّعْمَةِ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ إحْيَاءَ نَفْسِهِ بِسَبَبِ دَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْهَا، وَذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَالْفَرْقَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. - وَلَوْ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِالسَّبْيِ وَالْمُعْتَقِ الَّذِي كَانَ يُقَاتِلُ مَعَهُمْ، وَقَدْ قَتَلَ بَعْضَهُمْ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُمَا بَعْدَ الْأَسْرِ. لِأَنَّهُ قَدْ انْدَفَعَ قِتَالُهُمَا بِالْأَسْرِ. - فَإِنْ كَانُوا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى إخْرَاجِهِمَا وَهُمْ يَخَافُونَ إنْ خَلَّوْا سَبِيلَهُمَا أَنْ يَعُودَا إلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْأَمْنُ عَنْ قِتَالِهِمْ.

стр. 1366

- وَهُمَا فِي ذَلِكَ كَالْجَمَلِ الصَّئُولِ إذَا أَخَذَهُ رَجُلٌ فَمَنَعَهُ مِنْ الصِّيَالِ، وَهُوَ يَخَافُ إنْ خَلَّى سَبِيلَهُ أَنْ يَعُودَ لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُ وَيَغْرَمَهُ لِصَاحِبِهِ) ، كَمَا فِي حَالِ صِيَالِهِ، وَهَذَا، لِأَنَّ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ قَدْ ظَهَرَ أَثَرُهُ فِيمَا مَضَى، فَيَتَأَيَّدُ هَذَا الظَّنُّ بِذَلِكَ الظَّاهِرِ، وَيُجْعَلُ كَالْقَائِمِ فِي الْحَالِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُرَاهِقَ لَوْ كَانَ مَلِكَ الْقَوْمِ فَظَفِرُوا بِهِ وَعَجَزُوا عَنْ إخْرَاجِهِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ. لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ خَوْفَ الْهَلَاكِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بِاعْتِبَارِ غَالِبِ الرَّأْيِ، وَفِيمَا لَا يُمْكِنْ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى غَالِبِ الرَّأْيِ. - فَإِنْ كَانُوا يَأْمَنُونَهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَكِنْ لَا يَأْمَنُونَهُمَا إنْ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ غَيْرُهُمْ أَنْ يُقَاتِلَا بِهِمْ أَوْ يَقْتُلَا بَعْضَهُمْ خَلَّوْا سَبِيلَهُمَا. لِأَنَّهُمْ آمَنُوا جَانِبَهُمَا، وَدُخُولُ سَرِيَّةٍ أُخْرَى بَعْدَهُمْ مَوْهُومٌ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ، أَوْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْدَمُوا عَلَى قَتْلٍ حَرَامٍ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَوْهُومِ. - وَلَوْ أَنَّ رَاهِبًا نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ إلَى بَعْضِ مَدَائِنِهِمْ فَأَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ فِي الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: إنَّمَا خَرَجْت هَارِبًا مِنْكُمْ خَوْفًا عَلَى نَفْسِي فَلَهُمْ أَلَّا يُصَدِّقُوهُ وَيَقْتُلُوهُ.

стр. 1367

لِأَنَّهُمْ وَجَدُوهُ فِي مَوْضِعِ الِاخْتِلَاطِ بِالْمُقَاتَلَةِ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا لَا يُقْتَلُ مَنْ لَا يُخَالِطُ النَّاسَ فَمَنْ ظَهَرَ مِنْهُمْ خِلَافَ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ، وَهُوَ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْعُذْرِ لِنَفْسِهِ مِنْهُمْ فَلَا يُصَدَّقُ. - وَإِنْ وَقَعَ فِي قَلْبِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ صَادِقٌ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَلَّا يَقْتُلُوهُ، وَلَكِنْ يَأْخُذُونَهُ أَسِيرًا. لِأَنَّ غَالِبَ الرَّأْيِ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ فِيمَا بُنِيَ أَمْرُهُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَالْقَتْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَالْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِأَسْرِهِ. - وَمَنْ وَجَدُوهُ فِي كَنِيسَةٍ أَوْ دَيْرٍ، لَمْ يُطَيِّنْ الْبَابَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ النَّاسَ إذَا كَانُوا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ وَيَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِمْ فَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْكُفْرِ، وَفِي قَتْلِهِمْ كَسْرُ شَوْكَةِ الْمُشْرِكِينَ. ٢٧٧٥ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا رَاهِبًا فِي صَوْمَعَتِهِ فَسَأَلُوهُ عَنْ الطَّرِيقِ، أَوْ عَنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَيْنَ هُمْ؟ فَقَالَ: إنِّي أَعْرِفُ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي لَا أُخْبِرُكُمْ لِأَنِّي لَا أُخْبِرُ عَنْكُمْ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرَ بِعِبَارَتِهِ مَا لِأَجْلِهِ وَجَبَ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُ، وَهُوَ انْقِطَاعُهُ بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ الْمُخَالَطَةِ مَعَ النَّاسِ، وَالنَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ، وَالْمَيْلِ إلَى اكْتِسَابِ مَوَدَّتِهِمْ أَوْ عَدَاوَتِهِمْ، فَإِنْ دَلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَوَجَدُوهُ قَدْ خَانَهُمْ، وَاسْتَبَانَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ وَأَسْرِهِ.

стр. 1368

وَلِأَنَّهُ بِهَذِهِ الْخِيَانَةِ أَظْهَرَ الْمَيْلَ إلَى الْمُشْرِكِينَ، وَأَظْهَرَ الْعَدَاوَةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ دَلَّهُمْ عَلَى مَا فِيهِ هَلَاكُهُمْ بَعْدَ مَا طَلَبُوا مِنْهُ الدَّلَالَةَ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي يَكُونُ السُّلُوكُ فِيهِ سَبَبًا لِنَجَاتِهِمْ. - وَإِنْ رَأَى الْمُسْلِمُونَ رَاهِبًا فِي صَوْمَعَتِهِ حَبَشِيًّا، وَالْقَوْمُ رُومٌ، فَاسْتَنْكَرُوهُ فَلْيَسْأَلُوهُ عَنْ أَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ حَالُهُ، فَطَرِيقُ إزَالَةِ الِاشْتِبَاهِ السُّؤَالُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ثُمَّ فَائِدَةُ السُّؤَالِ قَبُولُ الْبَيَانِ مِنْ الْمَسْئُولِ عَنْهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ فِي كَلَامِهِ تُهْمَةٌ وَخِيَانَةٌ. ٢٧٧٧ - فَإِنْ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ نَصَارَى الْجَيْشِ تَرَهَّبْت هَا هُنَا صَدَّقُوهُ، بِقَوْلِهِ، وَلَمْ يَعْرِضُوا لَهُ. لِأَنَّ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مُحْتَمَلٌ. - وَإِنْ قَالَ: كُنْت عَبْدًا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكُنْت نَصْرَانِيًّا، فَتَرَهَّبْت هَا هُنَا، أَخَذُوهُ فَرَدُّوهُ عَلَى مَوْلَاهُ. لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ عَبْدٌ آبِقٌ، وَمَنْ تَمَكَّنَ مِنْ رَدِّ الْآبِقِ عَلَى مَوْلَاهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ. - وَإِنْ قَالَ: أَسَرَنِي أَهْلُ الْحَرْبِ فَأَعْتَقُونِي فَتَرَهَّبْت فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، وَلَكِنَّهُ يُؤْخَذُ فَيُرَدُّ عَلَى مَوْلَاهُ، لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالرِّقِّ

стр. 1369

وَالْمِلْكِ لِمَوْلَاهُ، ثُمَّ ادَّعَى مَا يُزِيلُهُ، فَلَا يُصَدَّقُ فِيهِ إلَّا لِحُجَّةٍ، كَالْعَبْدِ يَدَّعِي الْعِتْقَ عَلَى مَوْلَاهُ. ٢٧٨٠ - وَإِنْ قَالَ: كُنْت عَبْدًا مُسْلِمًا فَتَنَصَّرْت وَتَرَهَّبْت فَقَدْ أَقَرَّ بِالرِّدَّةِ، فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، فَإِنْ أَبَى قُتِلَ، وَإِنْ أَسْلَمَ رُدَّ عَلَى مَوْلَاهُ. وَإِذَا اقْتَتَلَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَوَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَوْمًا جَرْحَى، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُجْهِزُوا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَعِيشُونَ مَعَ تِلْكَ الْجِرَاحَاتِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مُقَاتِلَةٌ وَإِنَّمَا أَعْجَزَهُمْ إثْخَانُ الْجِرَاحَاتِ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ كَالْمَأْسُورِينَ، الْمَرْبُوطِينَ فِي أَيْدِينَا، وَإِنْ شَاءُوا تَرَكُوهُمْ حَتَّى يَذُوقُوا الْمَوْتَ، كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ. لِأَنَّ فِي كُلِّ جَانِبٍ لِلْمُسْلِمِينَ نَوْعَ شِفَاءِ الصُّدُورِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ «مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَإِنَّهُ بَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ مَرْحَبٌ. أَجْهِزْ عَلَيَّ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ: لَا، حَتَّى تَذُوقَ مِنْ الْمَوْتِ مِثْلَ مَا ذَاقَ أَخِي مَحْمُودٌ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَأَجْهَزَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌، سَلَبَهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ» ، وَلَوْ كَانَ فِي حَيَاةِ مَرْحَبٍ طَمَعٌ لَمَا قَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ: لَا، حَتَّى تَذُوقَ مِنْ الْمَوْتِ مِثْلَ مَا ذَاقَ أَخِي مَحْمُودٌ، وَمَا أَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، سَلَبَهُ دُونَ عَلِيٍّ،

стр. 1370

- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقَدْ أَجْهَزَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، ذَلِكَ فَامْتَنَعَ مُحَمَّدٌ مِنْ الْإِجْهَازِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، أَيْضًا، فَعَرَفْنَا أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ وَاسِعٌ. تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَسْرِهِ وَقِسْمَتِهِ فِي جُمْلَةِ مَنْ يَقْسِمُ مَا لَمْ يَمُتْ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ، وَلِلْإِمَامِ رَأْيٌ فِي قَتْلِ الْأَسِيرِ وَتَرْكِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ. - وَلَوْ وَجَدُوا مَرِيضًا فِي حِصْنٍ مِنْ حُصُونِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلُوهُ. لِأَنَّ الْمَرَضَ يُعْجِزُهُ عَنْ الْقِتَالِ، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَلِأَنَّ الْمَرَضَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ، فَلَا يَقَعُ بِهِ الْيَأْسُ عَنْ قِتَالِهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ. - إلَّا أَنْ يُحِيطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ لَا يَعِيشُ مَعَ هَذَا الْمَرَضِ، أَوْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَكْبَرُ الرَّأْيِ فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتُلُوهُ. لِأَنَّهُ وَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ قِتَالِهِ فَحَالُهُ الْآنَ كَحَالِ الشَّيْخِ الْفَانِي. - وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعَدْلِ يُقَاتِلُونَ أَهْلَ الْبَغْيِ فَظَفِرُوا مِنْهُمْ بِجَرْحَى فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ فِيهِ لَا يُلْجِئُونَ إلَيْهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُجْهَزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ. لِأَنَّ الْجَرِيحَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْأَسِيرِ، وَيُقْتَلَ أَسِيرُهُمْ وَيُتْبَعَ مُدْبِرُهُمْ إذَا بَقِيَتْ لَهُمْ فِيهِ، فَكَذَلِكَ يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ.
следующие страницы →