← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الشِّعْرِ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ غَضَبٌ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، بِأَنْ يَهْجُوَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَوْ يَفْخَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ، وَيَزِيدُ فِي نَشَاطِ الْمُبَارِزِينَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ بِشَرْطِ أَلَّا يُؤْذِيَ أَحَدًا، فَإِنْ أَذَى الْمُسْلِمَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﵌، يَوْمَ الْخَنْدَقِ كَانُوا يَحْفِرُونَ وَيَرْتَجِزُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، لَا يَغْضَبُ الْيَوْمَ أَحَدٌ مِنْ شَيْءٍ يَرْتَجِزُ بِهِ رَجُلٌ لَا يُرِيدُ بِهِ بَأْسًا، مَا لَمْ يَكُنْ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَوْ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ فَإِنَّهُمَا يَجِدَانِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا كَثِيرًا، وَنَهَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌، أَنْ يَقُولَا شَيْئًا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، يُبَاشِرُ الْحَفْرَ بِنَفْسِهِ حَتَّى بَاشَرَ بِهِ النَّاسُ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إلَّا خَيْرُ الْآخِرَةِ ... فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ وَكَانَ يَحْمِلُ مَكَاتِيلَ التُّرَابِ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ يَقُولُ: النَّطْرُونِيُّ الْجِمَالُ لَا جِمَالُ خَيْبَرَ ... هَذِهِ أَبَرَّ رَبُّنَا وَأَطْهَرَ » فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمِثْلِهِ مِمَّا يَزِيدُ فِي نَشَاطِ الْمُجَاهِدِينَ:

стр. 1402

وَلَوْ رَمَى رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا وَاقِفًا فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ مُسْلِمٌ قَدْ جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مُكْرَهًا، وَالرَّامِي لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، أَوْ يَعْلَمُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ بِالرَّمْيَةِ، أَوْ تَعَمَّدَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَهَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّامِي فِيهِ دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ) . لِأَنَّهُ قَدْ حَلَّ لَهُ الرَّمْيُ إلَى صَفِّ الْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مُوجِبًا عَلَيْهِ تَبَعَةً. ٢٨٦٠ - إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مُسْلِمًا بِعَيْنِهِ قَدْ جَاءَ بِهِ الْعَدُوُّ مُكْرَهًا فَتَعَمَّدَهُ بِالرَّمْيِ، وَهُوَ يَعْلَمُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الْقَوَدُ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ عَمَدٌ مَحْضٌ، وَالْعَمْدُ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ، وَهَذَا قِيَاسٌ يُؤَيِّدُهُ النَّصُّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» . ٢٨٦١ - وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ، وَالرَّمْيُ إلَى صَفِّهِمْ مُبَاحٌ، فَكَوْنُهُ فِي مَوْضِعِ إبَاحَةِ الْقَتْلِ يَصِيرُ بِهِ شُبْهَةٌ فِي إسْقَاطِ الْقَوَدِ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ. ٢٨٦٢ - وَلَكِنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ. لِأَنَّ الدِّيَةَ تَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، وَقَدْ أَتْلَفَ نَفْسًا مُتَقَوِّمَةً. ٢٨٦٣ - وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. لِأَنَّ فِعْلَهُ عَمْدٌ.

стр. 1403

وَإِنْ انْقَطَعَ وَتَرُ الرَّامِي فَرَجَعَ السَّهْمُ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مَالَتْ الرَّمْيَةُ فَأَصَابَتْ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْقِتَالِ، فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالْكَفَّارَةُ. لِأَنَّهُ قَتَلَهُ خَطَأً، وَفِي الْخَطَأِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ بِالنَّصِّ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنْوَاعَ الْخَطَأِ. ٢٨٦٥ - فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَعَمَّدَهُ بِالرَّمْيَةِ حِينَ رَآهُ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ يَظُنُّهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ، وَهَذَا عَمْدٌ فِي الْحَقِيقَةِ. لِأَنَّهُ قَصَدَ شَخْصًا بِعَيْنِهِ وَأَصَابَهُ، فَأَمَّا ظَنُّهُ فَلَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِفِعْلِهِ، وَلَكِنَّهُ خَطَأٌ شَرْعًا عَرَفْنَاهُ بِالسُّنَّةِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّ سُيُوفَ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفَتْ عَلَى الْيَمَانِ أَبِي حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَتَلُوهُ، فَجَعَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، الدِّيَةَ فَتَرَكَ ذَلِكَ لَهُمْ حُذَيْفَةُ» . ٢٨٦٦ - فَلَوْ رَمَوْا أَهْلَ الْحِصْنِ بِالْمَنْجَنِيقِ فَأَصَابُوا مُسْلِمًا فِي الْحِصْنِ تَاجِرًا أَوْ أَسِيرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ أَعْلَمَهُمْ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ فِيهِمْ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الرَّمْيَ مُبَاحٌ لَهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ. ٢٨٦٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَّنُوا عَلَى مَطْمُورَةٍ وَفِيهَا مُسْلِمٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَمَاتَ الْمُسْلِمُ فِيمَنْ مَاتَ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ التَّدْخِينَ مُبَاحٌ لَهُمْ.

стр. 1404

إلَّا أَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَى قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ فِيهَا بِغَيْرِ تَدْخِينٍ فَالْأَوْلَى أَنَّهُمْ لَا يُدَخِّنُونَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِالتَّدْخِينِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا بِذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا أَرَادُوا بِهِ الْمُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِعْلًا مُبَاحًا لَهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بِخِلَافِ فِعْلِ الْخَاطِئِ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ، بِشَرْطِ أَنْ يُتَحَرَّزَ عَنْ إصَابَةِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ. ٢٨٦٩ - وَلَوْ رَجَعَ حَجَرُ الْمَنْجَنِيقِ عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُمْ فَفِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ. ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ يُمْكِنُ التَّحَرُّرُ عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ. ٢٨٧٠ - وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الَّذِينَ يَمُدُّونَ الْحِبَالَ دُونَ الَّذِينَ يُمْسِكُونَ الْمَنْجَنِيقَ، وَاَلَّذِي يُمْسِكُ الْحَجَرَ وَيُسَدِّدُهُ لَهُمْ. لِأَنَّ الرُّمَاةَ هُمْ الَّذِينَ يَمُدُّونَ الْحِبَالَ، فَإِنْ مَضَى الْحَجَرُ يَكُونُ بِقُوَّتِهِمْ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ مَضَى، لَا بِفِعْلِ الْمُسَدِّدِ لِلْحَجَرِ، وَفِعْلُ الَّذِي يَمْسِكُ الْمَنْجَنِيقَ. ٢٨٧١ - وَإِنْ وَقَعَ الْحَجَرُ عَلَى الَّذِينَ رَمَوْا بِهَا فَقَتَلَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ، يُرْفَعُ عَنْهُمْ حِصَّةٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى إذَا كَانُوا عِشْرِينَ رَجُلًا فَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ إلَّا نِصْفَ عُشْرِهَا. لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ مَعَهُمْ فَبِحِصَّتِهِ يَسْقُطُ، وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ جَرَحَ نَفْسَهُ وَجَرَحَهُ قَوْمٌ.

стр. 1405

وَعَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ. لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ جَزَاءُ الْفِعْلِ وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْوَصْفَ بِالتَّجَزِّي بِخِلَافِ الدِّيَةِ ثُمَّ بَيَّنَ: ٢٨٧٣ - أَنَّهُمْ إذَا تَتَرَّسُوا بِأَطْفَالٍ لِلْمُسْلِمِ فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَرْمِيَ إلَيْهِمْ وَإِنْ أَصَابَ الطِّفْلَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ لَا يَتَعَمَّدُ بِالرَّمْيِ الْمُسْلِمَ، وَإِنَّمَا يَتَعَمَّدُ بِهِ الْعَدُوَّ. ٢٨٧٤ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَغْرَمُونَ فِي هَذِهِ الدِّيَاتِ، أَوْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ فِيهَا الْكَفَّارَاتُ مَا أَقْدَمُوا عَلَى الْقِتَالِ فِي هَذَا، فَكَيْفَ يُقَاتِلُ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيمَا أَصَابَ الْكَفَّارَةُ، فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهَا كَانَ عَاصِيًا، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى مُذْنِبًا مَأْخُوذًا بِذَنْبِهِ، إلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَفِي هَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْمُخْطِئَ يَكُونُ آثِمًا، بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّهُ لَا إثْمَ عَلَى الْمُخْطِئِ اسْتِدْلَالًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] . فَإِنَّا نَقُولُ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُخْطِئِ بَيَانٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ فِي فِعْلِهِ آثِمٌ وَالْمُرَادُ بِالنَّصِّ الْآخَرِ رَفْعُ الْجُنَاحِ عَنْهُ بَعْدَ التَّكْفِيرِ، وَمَا شُرِعَتْ الْكَفَّارَةُ إلَّا سَتَّارَةً لِلذَّنْبِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ الْخَطَأِ فِي الْجُمْلَةِ مُمْكِنٌ،

стр. 1406

وَكُلُّ هَذَا التَّقْرِيرِ مِنَّا لِبَيَانِ أَنَّ الْفِعْلَ مَتَى كَانَ مُبَاحًا مُطْلَقًا لَا يَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا مُوجِبًا لِلدِّيَةِ وَلَا الْكَفَّارَةِ. ٢٨٧٥ - وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَجْعَلَ السُّمَّ فِي السِّلَاحِ. لِأَنَّ السِّلَاحَ الْمَسْمُومَ يَكُونُ أَعْمَلَ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَقْتَلَ لَهُمْ إذَا وَقَعَ بِهِمْ، فَكَانَ هَذَا مِنْ مُكَايَدَةِ الْحَرْبِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا يَرْجِعُ إلَى مُكَايَدَةِ الْحَرْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِلْمُسْلِمِ. ٢٨٧٦ - وَكَذَلِكَ الْأَسِنَّةُ يَجْعَلُ فِي رُءُوسِهَا الْمُشَاقَةُ عَلَيْهَا النَّفْطُ، وَفِيهَا النِّيرَانُ، لِيَطْعَنَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَحْتَرِقُوا، فَإِنَّ هَذَا مِنْ مُكَايَدَةِ الْحَرْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ قَطْعَ الْأَشْجَارِ وَتَخْرِيبَ الْأَبْنِيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَاَلَّذِي زَادَ هَا هُنَا. ٢٨٧٧ - أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ فِيمَا يَمُرُّونَ بِهِ مِنْ الطَّرِيقِ، وَإِنْ كَانُوا لَا يُحَاصِرُونَ أَحَدًا إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ طَرِيقًا مَعْرُوفًا، يَمُرُّ بِهِ الْغُزَاةُ كُلَّ سَنَةٍ، فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُغَوِّرُوا مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْمِيَاهِ، وَلَا يَقْطَعُوا مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ) . لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ أَوْ بِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّنْ يَمُرُّ بَعْدَهُمْ فِي هَذَا الطَّرِيقِ غَازِيًا، فَلِلتَّحَرُّزِ عَنْ

стр. 1407

هَذَا الضَّرَرِ يُكْرَهُ لَهُمْ ذَلِكَ، فَأَمَّا مَا سِوَاهُ مِمَّا فِيهِ كَبْتٌ وَغَيْظٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ. ٢٨٧٨ - وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْمَلَ لَهُمْ السِّلَاحَ وَلَا التَّجَافِيفَ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَرْبِ. لِأَنَّ حَمْلَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَكْرُوهٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَشَدَّ الْكَرَاهَةِ، فَكَذَلِكَ عَمَلُ ذَلِكَ لَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ. ٢٨٧٩ - وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ وَالْأَسِيرُ. لِأَنَّهُمَا مُخَاطَبَانِ بِكَسْرِ شَوْكَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَمَمْنُوعَانِ مِمَّا فِيهِ تَقْوِيَةُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ. ٢٨٨٠ - فَإِنْ أَكْرَهُوهُمَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِحَبْسٍ أَوْ قَيْدٍ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. لِأَنَّهُمَا لَا يَخَافَانِ التَّلَفَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا، وَالضَّرُورَةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِالتَّهْدِيدِ بِمَا فِيهِ خَوْفُ الْهَلَاكِ. ٢٨٨١ - وَإِنْ هَدَّدُوهُمَا بِالْقَتْلِ أَوْ الضَّرْبِ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ عَلَى النَّفْسِ، أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَا.

стр. 1408

لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ، وَعِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ يَسَعُ لِلْمُسْلِمِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ إجْرَاءُ كَلِمَةِ الشِّرْكِ عَلَى اللِّسَانِ، فَلَأَنْ يَسَعَ لَهُ عَمَلُ السِّلَاحِ لَهُمْ كَانَ أَوْلَى. ٢٨٨٢ - وَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْعَلَ حَتَّى يُقْتَلَ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ لَهُ. لِأَنَّهُ أَظْهَرَ بِفِعْلِهِ الصَّلَابَةَ فِي الدِّينِ، وَمُبَاشَرَةَ مَا فِيهِ غَيْظٌ لِلْمُشْرِكِينَ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ اكْتِسَابِ مَا فِيهِ إدْخَالُ الْوَهَنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِثَوَابِهِ، كَمَا إذَا تَحَرَّزَ عَنْ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الشِّرْكِ عَلَى اللِّسَانِ حَتَّى يُقْتَلَ. ٢٨٨٣ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ فَكَانَ إذَا عَمِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعُوهُ مِنْ إخْرَاجِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُجْبِرُوهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ بِثَمَنٍ وَلَا غَيْرِ ثَمَنٍ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَصْنَعَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ يُخْرِجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صَنِيعِهِ هَذَا تَقْوِيَةُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا إذَا خَافَ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ ذَلِكَ مَعَ نَفْسِهِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ لِيَتَّجِرَ فِيهِ، وَيَحِلُّ لَهُ إدْخَالُ ذَلِكَ مَعَ نَفْسِهِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَهُ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ. ٢٨٨٤ - وَلَوْ أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُ مَعْدِنَ حَدِيدٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ، وَيَسْتَخْرِجَ مِنْهُ الْحَدِيدَ، إذَا كَانَ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِثَمَنٍ أَوْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ.

стр. 1409

لِأَنَّ الْحَدِيدَ أَصْلُ السِّلَاحِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي عَمَلِ السِّلَاحِ. ٢٨٨٥ - وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَخْرِجَهُ، ثُمَّ يُخْرِجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْرِجَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، أَوْ يَكُونَ فِي إخْرَاجِ مَا يَخْرُجُ رِفْقًا بَيِّنًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ إنَّمَا يَقْصِدُ بِفِعْلِهِ تَوْفِيرَ النَّفْعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، دُونَ الْإِضْرَارِ بِهِمْ، وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ وَلَوْ أَصَابُوا دَوَابَّ فَعَجَزُوا عَنْ إخْرَاجِهَا فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوهَا ثُمَّ يُحَرِّقُوهَا بِالنَّارِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْقِرُوا شَيْئًا مِنْهَا عَقْرًا، وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى ذَبْحِهَا مِنْ بَقَرَةٍ وَلَا رَمَكَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. لِأَنَّ ذَلِكَ مُثْلَةٌ، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌، عَنْ ذَلِكَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ. ٢٨٨٦ - إلَّا أَنْ يُعْجِزَهُمْ الثَّوْرُ أَوْ الرَّمَكَةُ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْقِرُوهَا بِالرَّمْيِ. لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ عَجْزُهُمْ عَنْ ذَبْحِهَا، وَفِي تَرْكِهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُشْرِكَيْنِ، فَلِهَذَا لَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْقِرُوهَا.

стр. 1410

وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ جَعْفَرًا، الطَّيَّارَ ﵁ يَوْمَ مُؤْتَةَ لَمَّا أَيِسَ مِنْ نَفْسِهِ تَرَجَّلَ وَعَقَرَ جَوَادَهُ، وَجَعَلَ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ، فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَرَجَّلَ فَيُقَاتِلَ وَيَسْتَقْتِلَ. لِأَنَّهُ بِهَذَا الصَّنِيعِ يَرَى الْمُشْرِكُونَ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْفِرَارَ مِنْهُمْ بِحَالٍ، وَفِي هَذَا كَسْرُ شَوْكَتِهِمْ، وَهُوَ مِنْ مُكَايَدَةِ الْحَرْبِ، قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. مِنْهُمْ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ حَمِيُّ الدُّبْرِ ﵁ حَيْثُ اسْتَقْبَلَ يَوْمَ الرَّجِيعِ يَوْمَ بَنِي لِحْيَانَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ حَمِيَّ الدُّبْرِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَيْقَنَ أَنَّهُمْ قَاتَلُوهُ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي حَمَيْت دِينَك بِجَهْدِي فَاحْمِ لَحْمِي، فَلَمَّا قُتِلَ أَرْسَلَ اللَّهُ الدُّبْرَ حَتَّى حَمَتْ لَحْمَهُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَقْرَبَ مِنْهُ لِيَجُزَّ رَأْسَهُ، فَقَالُوا: اصْبِرُوا حَتَّى يَدْخُلَ اللَّيْلُ، فَإِنَّ الدُّبْرَ تَذْهَبُ بِاللَّيْلِ، فَلَمَّا دَخَلَ اللَّيْلُ طَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَسُمِّيَ حَمِيَّ الدُّبْرِ لِهَذَا. وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو السَّاعِدِيُّ ﵁ اسْتَقْبَلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ حَتَّى قُتِلَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَرَجَّلَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَقْتِلَ لِيُقْتَلَ أَوْ لِيَظْفَرَ بِهِمْ، وَأَنْ يَكْسِرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، وَأَنْ يَذْبَحَ فَرَسَهُ إنْ أَمْكَنَهُ ذَبْحُهُ فَلَا بَأْسَ بِعَقْرِهِ ثُمَّ يَمْضِي حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَظْفَرَ.

стр. 1411

لِأَنَّ فِي هَذَا كُلِّهِ تَحْقِيقُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ مَا أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الْآيَةَ. ٢٨٨٨ - وَلَوْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ حِصْنٍ، وَهُوَ عَلَى طَرِيقِهِمْ الْمَعْرُوفِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْطَعُوا أَشْجَارَهُمْ، وَيُغَوِّرُوا مِيَاهَهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَكُونُوا مُحَاصِرِينَ أَحَدًا فَالْأَوْلَى لَهُمْ أَلَّا يَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ الْمَعْرُوفَةِ. لِكَيْلَا يَتَضَرَّرَ بِهِ أَمْثَالُهُمْ أَوْ هُمْ بَعْدَ هَذَا، فَأَمَّا إذَا كَانُوا مُحَاصِرِينَ لِلْعَدُوِّ فَهَذَا الصَّنِيعُ يَكْسِرُ شَوْكَتَهُمْ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى أَنْ يُعْطُوا بِأَيْدِيهِمْ، وَالْمَنْفَعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِمَّا يُخَافُ مِنْ الضَّرَرِ فِي وَقْتٍ آخَرَ، فَلِهَذَا لَا بَأْسَ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ. وَلَوْ أَخَذَ أَهْلُ الْحَرْبِ أَسِيرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ مُحَاصِرُونَ حِصْنًا مِنْ حُصُونِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا لَهُ: دُلَّنَا عَلَى مَوْضِعٍ نَفْتَحُ مِنْهُ هَذَا الْحِصْنَ، وَهُوَ يَعْرِفُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ يَحِلُّ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا، لِمَا فِيهِ مِنْ إعَانَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هَدَّدُوهُ بِالْقَتْلِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ يُفْتَحُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَظَفِرُوا بِالْحِصْنِ فَقَتَلُوا الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَوْا الذُّرِّيَّةَ فَلَيْسَ يَسْعَهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ. لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ هَلَاكَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَجْعَلَ رُوحَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وِقَايَةً لِرُوحِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْقَتْلِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْمَقْصُودَ بِالْقَتْلِ، وَإِنْ

стр. 1412

كَانَ ذَلِكَ شَخْصًا وَاحِدًا، فَلَأَنْ لَا يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَفِيهِ هَلَاكُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ أَوْلَى. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ جَاءُوا فِي طَلَبِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ فَقَالُوا: دُلَّنَا عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَتَلْنَاك، وَأَكْبَرُ الرَّأْي مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ دَلَّهُمْ عَلَيْهِ قَتَلُوهُ، فَإِنَّهُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ قَالَ: ٢٨٨٩ - لِأَنَّ فِي هَذَا مَظْلِمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَظْلِمَ مُسْلِمًا فِي بَدَنِهِ بِمَا يُهْلِكُهُ، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ التَّلَفَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَكِنْ إنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَقْتُلُونَهُ وَلَكِنَّهُمْ يَأْسِرُونَهُ فَيَتَخَدَّمُونَهُ أَوْ يَأْخُذُونَ مَالًا مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ هُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ إذَا خَافَ الْقَتْلَ عَلَى نَفْسِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَكْرَهُوهُ عَلَى إتْلَافِ مَالِ مُسْلِمٍ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى يُقْتَلَ فَذَلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِهِ؛ لِأَنَّهُ تَحَرَّزَ عَمَّا فِيهِ مَظْلِمَةُ الْمُسْلِمِ، وَأَظْهَرَ الصَّلَابَةَ فِي الدِّينِ، وَمَا يَغِيظُ الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ. ٢٨٩٠ - وَلَوْ أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى طَرِيقِ الْحِصْنِ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ دَلَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ الطَّرِيقِ يَكُونُ فِيهِ نَوْعُ وَهَنٍ بِشَوْكَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ الْمُسْلِمِينَ يَنْتَصِفُونَ مِنْهُمْ، وَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَدُلَّهُمْ إذَا خَافَ التَّلَفَ عَلَى نَفْسِهِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الدَّلَالَةِ هَلَاكُ الْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا فِيهِ زِيَادَةُ شُغْلٍ أَوْ هَمٍّ

стр. 1413

يَلْحَقُهُمْ بِسَبَبِ دَلَالَتِهِ، فَيَكُونُ هُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يَفْعَلَهُ عِنْدَ خَوْفِ الْهَلَاكِ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالُوا لَهُ: دُلَّنَا عَلَى سِلَاحٍ نُقَاتِلُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا قَتَلْنَاك، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ ظَفِرُوا بِالْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ يَسَعُهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُ أَنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِهَذَا السِّلَاحِ، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يَنْتَصِفُونَ مِنْهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَدُلَّهُمْ إذَا خَافَ الْقَتْلَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ الْمُثْلَةَ. وَإِنْ كَانَ لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ كَانَ أَفْضَلَ لَهُ. ٢٨٩١ - وَإِنْ قِيلَ لَهُ: لَنَقْتُلَنَّك أَوْ لَتَسْجُدَنَّ لِلْمَلِكِ إذَا رَأَيْته، فَإِنْ سَجَدَ كَانَ فِي سَعَةٍ، وَإِنْ أَبَى حَتَّى يُقْتَلَ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ. لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسْجُدَ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا أَمَرُوهُ بِالسُّجُودِ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُ كَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَمَرُوهُ بِإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الشِّرْكِ عَلَى اللِّسَانِ، أَوْ السُّجُودِ لِلصَّلِيبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُرَخَّصُ لَهُ فِيهِ، عِنْدَ خَوْفِ الْهَلَاكِ، وَإِنْ كَانَ لَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الصَّلَابَةِ فِي الدِّينِ، فَإِنْ أَمَرُوهُ بِالسُّجُودِ لَهُ عَلَى وَجْهِ التَّحِيَّةِ، لَا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ، فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَفْعَلَ وَلَا يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ. لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ السُّجُودِ قَدْ كَانَ مُبَاحًا فِي شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] . فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَمَرُوهُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ إذَا خَافَ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ، فَهَذَا مِثْلُهُ.

стр. 1414

٢٨٩٢ - وَإِنْ كَانَ الْحِصْنُ الَّذِي أَكْرَهُوهُ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى طَرِيقِ فَتْحِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، وَكَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ عِنْدَهُ أَنَّهُمْ يُسْبَوْنَ وَيُسْتَرَقُّونَ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ أَيْضًا. لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَظَالِمِ، وَالسَّبْيُ وَالِاسْتِرْقَاقُ إتْلَافٌ حُكْمِيٌّ، فَيَكُونُ نَظِيرَ الْقَتْلِ الَّذِي هُوَ إتْلَافٌ حَقِيقَةً. ٢٨٩٣ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحِصْنُ إلَّا الْأَمْوَالَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ إذَا خَافَ التَّلَفَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَكْرَهُوهُ عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ عَلَى مَا طُلِبَ مِنْهُ بِالْإِكْرَاهِ، إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا حَضَرُوهُ لِيَفْعَلُوا بِهِ مَا هَدَّدُوهُ بِهِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يُحْضِرُوهُ لِذَلِكَ فَلَيْسَ يَسَعُهُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ آمِنٌ فِي الْحَالِ، وَالرُّخْصَةُ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ عِنْدَ تَحَقُّقِ خَوْفِ الْهَلَاكِ. ٢٨٩٤ - ثُمَّ أَكْبَرُ الرَّأْيِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ، وَمَا يَصِيرُ مَعْلُومًا لِلْمُكْرَهِ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ مِمَّا يَخَافُ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ، فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَيَقِّنِ بِهِ سَوَاءٌ هَدَّدُوهُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُهَدِّدُوهُ، حَتَّى إذَا رَآهُمْ يَقْتُلُونَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ الْأُسَرَاءِ فِي مِثْلِ هَذَا وَقَدْ كَانُوا تَقَدَّمُوا إلَيْهِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ، وَإِنْ لَمْ يُهَدِّدُوهُ بِالْقَتْلِ نَصًّا.

стр. 1415

لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لَهُ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ. ٢٨٩٥ - قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ أَنْ يَتَعَلَّمَ بِهَا الرَّجُلُ الرَّمْيَ. لِأَنَّ فِي ذَلِكَ كَسْرُ شَوْكَةِ الْعَدُوِّ وَإِدْخَالُ الْوَهَنِ عَلَيْهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْدُوبٌ إلَى كُلِّ مَا يَكُونُ فِيهِ نِكَايَةٌ فِي الْعَدُوِّ. ٢٨٩٦ - وَكَذَلِكَ الْحُسْبَانُ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُلُ لِيَرْمِيَ بِهِ الْعَدُوَّ. وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ مَنْ كَرِهَ الرَّمْيَ بِالْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ، وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا، وَلَكِنَّهُ شَاذٌّ فِيمَا تَعُمُّهُ الْبَلْوَى وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] . وَمِنْ الْقُوَّةِ الرَّمْيُ بِالْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ. فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا مِنْ أَمْرِ الْعَجَمِ، يَنْبَغِي لِلْغَازِي أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِي الْقِتَالِ مَا هُوَ مِنْ أَمْرِ الْعَرَبِ. قُلْنَا: فَالْمَنْجَنِيقُ مِنْ أَمْرِ الْعَجَمِ، وَقَدْ نَصَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ عَلَى الطَّائِفِ حِينَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِهِ سَلْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاِتِّخَاذُ الْخَنْدَقِ مِنْ أَمْرِ الْعَجَمِ، وَقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِإِشَارَةِ سَلْمَانَ ﵁ فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ مُكَايَدَةِ الْحَرْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْعَجَمِ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَوْ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ. ٢٨٩٧ - وَمَنْ قَتَلَ شَهِيدًا وَعَلَيْهِ الْحَرِيرُ أَوْ الدِّيبَاجُ قَدْ كَانَ

стр. 1416

لَبِسَهُ لِلْقِتَالِ، عَلَى قَوْلِ مَنْ يُرَخِّصُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُنْزَعَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَلَا يُتْرَكَ شَيْءٌ مِنْهُ فِي كَفَنِهِ. لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الشَّهِيدَ يُدْفَنُ فِي ثِيَابِهِ، وَلَكِنْ يُنْزَعُ السِّلَاحُ، وَهَذَا إنَّمَا لَبِسَهُ لِيَكُونَ سِلَاحًا لَهُ، فَإِنَّهُ لَا رُخْصَةَ فِي لُبْسِهِ إلَّا عَلَى وَجْهِ السِّلَاحِ، فَكَمَا يُنْزَعُ عَنْهُ السِّلَاحُ بَعْدَ مَا يَسْتَشْهِدُ فَكَذَلِكَ يُنْزَعُ عَنْهُ الْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1417

[بَابُ مَا يَحِلُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِمَّا لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ] ٢٨٩٨ - قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِلْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُمْ بِأَيِّ وَجْهِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ الْغَدْرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُدَلِّسَ لَهُمْ الْعَيْبَ فِيمَا يَبِيعُهُ مِنْهُمْ، مِمَّا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَا يَجُوزُ. لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْغُرُورِ. وَلَا بَأْسَ لِلْأَسِيرِ وَالْمُسْلِمِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنْ يُدَلِّسَ لَهُمْ الْعَيْبَ فِيمَا يَبِيعُهُ مِنْهُمْ. لِأَنَّ لَهُمَا أَنْ يَأْخُذَا أَمْوَالَهُمْ بِغَيْرِ طِيبَةِ أَنْفُسِهِمْ. ٢٨٩٩ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِيهِمْ بَاعَهُمْ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ إلَى سَنَةٍ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى دَارِنَا ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ أَوْ خَرَجَ مِنْ عَامِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَأَخَذَ الدَّرَاهِمَ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ. لِأَنَّ حَالَهُمَا بَعْدَ الرُّجُوعِ كَحَالِهِمَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْمُعَامَلَةِ. ٢٩٠٠ - وَلَوْ اخْتَصَمَا فِي ذَلِكَ فِي دَارِنَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ. لِأَنَّ أَصْلَ الْمُعَامَلَةِ لَمْ يَكُنْ فِي دَارِنَا.

стр. 1418

وَاَلَّذِي خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ لَمْ يَلْتَزِمْ حُكْمَ الْإِسْلَامِ مُطْلَقًا، فَإِنْ كَانَ أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمَّةً ثُمَّ اخْتَصَمَا أَبْطَلَ الْقَاضِي ذَلِكَ الْبَيْعَ، وَأَمَرَ بِرَدِّ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى مَنْ أَعْطَاهُ. لِأَنَّ إسْلَامَهُ الطَّارِئَ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْقَبْضِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ كَالْمُقَارِنِ لِلْعَقْدِ، بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ يَبِيعُ الْخَمْرَ لِلذِّمِّيِّ فِي دَارِنَا ثُمَّ يُسَلِّمُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ. أَوْ الْمُسْلِمُ يَبِيعُ الْمُسْلِمَ عَصِيرًا فَيَتَخَمَّرُ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يُقْبَضْ يَجِبُ تَرْكُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. ٢٩٠٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُسْلِمُ مَا شَرَطَ لَهُ الْحَرْبِيُّ. لِأَنَّ الْبُقْعَةَ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِحُكْمِ عَقْدِ الرِّبَا، فَيُجْعَلُ هَذَا وَمَا لَوْ كَانَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْعَقْدِ سَوَاءً بِخِلَافِ خُرُوجِهَا إلَى دَارِنَا فَإِنَّ هُنَاكَ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي تِلْكَ الْمُعَامَلَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَسْمَعُ الْخُصُومَةَ فِيهَا فَيَأْمُرُهُ بِالرَّدِّ فِيمَا لَمْ يَتِمَّ الْقَبْضُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌، قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: أَلَا إنَّ كُلَّ رِبًا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا يُوضَعُ هُوَ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» . وَإِنَّمَا بَدَأَ بِعَمِّهِ لِيُتَبَيَّنَ أَنَّ أَوَامِرَهُ لَيْسَتْ عَلَى نَهْجِ أَوَامِرِ الْمُلُوكِ، فَإِنَّهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا يَتْرُكُونَ الْأَقَارِبَ وَيُخَاطِبُونَ الْأَجَانِبَ،

стр. 1419

وَهُوَ بَدَأَ بِمَنْ هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهِ، وَهُوَ عَمُّهُ، فَمَنَعَهُ مِنْ قَبْضِ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا قَبَضَهُ بِشَيْءٍ. ٢٩٠٣ - وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وَقْتِ إسْلَامِ الْعَبَّاسِ ﵁، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَسْلَمَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُخِذَ أَسِيرًا يَوْمَ بَدْرٍ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌، فِي الرُّجُوعِ إلَى مَكَّةَ فَأَذِنَ لَهُ، فَكَانَ يُرْبِي بِمَكَّةَ إلَى زَمَنِ الْفَتْحِ. وَقَدْ نَزَلَتْ حُرْمَةُ الرِّبَا قَبْلَ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌، قَالَ لِلسَّعِيدَيْنِ يَوْمَ خَيْبَرَ: أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا» . وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] . نَزَلَتْ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَتَيْنِ ثُمَّ لَمْ يُبْطِلْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، يَوْمَ الْفَتْحِ شَيْئًا مِنْ مُعَامَلَاتِهِ، إلَّا مَا لَمْ يَتِمَّ بِالْقَبْضِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَجُوزُ عَقْدُ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّ الْبُقْعَةَ إذَا صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ بِحُكْمِ ذَلِكَ الْعَقْدِ. ٢٩٠٤ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ بَاعَ الْحَرْبِيَّ خَمْرًا وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ، وَقَبَضَ الثَّمَنَ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَالثَّمَنُ سَالِمٌ لِلْمُسْلِمِ.

стр. 1420

لِأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ ثَبَتَ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ بَعْدَ مَا قَبَضَ الْحَرَامَ وَانْتَهَى حُكْمُ الْعَقْدِ فِيهِ. ٢٩٠٥ - وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِ الْخَمْرِ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ رَدُّ الثَّمَنِ. لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَرُدُّ وَالْحَرَامُ غَيْرُ مَقْبُوضٍ. ٢٩٠٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَبَضَ الْخَمْرَ وَلَمْ يَقْبِضْ الْمُسْلِمُ الثَّمَنَ حَتَّى أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالثَّمَنِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الذِّمِّيُّ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ حَتَّى أَسْلَمَ. لِأَنَّ الْعَقْدَ هُنَاكَ كَانَ صَحِيحًا بَيْنَهُمَا، فَكَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا مُسْتَحَقًّا لِلْمُسْلِمِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ، وَالْإِسْلَامُ لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبْضِهِ؛ وَهَا هُنَا أَصْلُ الْعَقْدِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، فَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مِنْ الْمُسْلِمِ أَخْذًا لِمُبَاحٍ مِنْ مَالِهِمْ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِشَيْءٍ. ٢٩٢٠٧ - وَلَوْ كَانَ قَبَضَ الثَّمَنَ وَأَعْطَى بَعْضَ الْخَمْرِ ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَبِحِصَّةِ الْمَقْبُوضِ مِنْ الْخَمْرِ يُسَلَّمُ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ، رَدُّ حِصَّةِ مَا لَمْ يَقْبِضْ مِنْ الْخَمْرِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ. فَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَسْلَمَ إلَى الْحَرْبِيِّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي مِائَةِ دِينَارٍ إلَى سَنَةٍ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ قَبَضَ النِّصْفَ ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، فَبِحِصَّةِ

стр. 1421

الْمَقْبُوضِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ يَكُونُ سَالِمًا لَهُ، وَعَلَيْهِ رَدُّ مَا بَقِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ قَبْضُ مَا بَقِيَ بِحُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، فَعَلَيْهِ رَدُّ حِصَّتِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ انْقَطَعَ الْمُسْلِمُ فِيهِ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ. ٢٩٠٨ - وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنَيْنِ أَوْ أَسِيرَيْنِ كَانَ بَاطِلًا مَرْدُودًا. لِأَنَّهُمَا يَلْتَزِمَانِ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَكَان. ٢٩٠٩ - فَإِنْ جَرَى بَيْنَ اللَّذَيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. عِنْدَ مُحَمَّدٍ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁: هَذَا وَمَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ سَوَاءٌ، إلَّا فِي حُكْمِ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّ عِصْمَةَ الْمَالِ بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ تَثْبُتُ فِي حَقِّ الْآثَارِ فَأَمَّا فِي الْأَحْكَامِ يُعْتَبَرُ الْإِحْرَازُ بِالدَّارِ وَلَمْ يُوجَدْ. ٢٩١٠ - وَلَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِنَا بَاشَرَا هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ ثُمَّ اخْتَصَمَا إلَى الْقَاضِي فَإِنَّهُ يُبْطِلُ ذَلِكَ. لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ فِي دَارِنَا، وَالْقَاضِي يُبْطِلُ عُقُودَ الرِّبَا الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا اخْتَصَمُوا إلَيْهِ فِيهَا، فَكَذَلِكَ يُبْطِلُ عُقُودَ الْمُسْتَأْمَنِينَ، إلَّا أَنَّهُ يُجِيزُ مَا يَكُونُ بَيْنَهُمْ مِنْ بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ. لِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِمْ. وَالْمُسْتَأْمَنُونَ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.

стр. 1422

وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَلَّمَهُ الْحَرْبِيُّ مِنْ حِصْنِهِ، وَعَامَلَهُ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ الْفَاسِدَةِ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. لِأَنَّ مُرَاعَاةَ جَانِبِ مَنْ هُوَ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ مُفْسِدٌ لِهَذَا الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ إذَا فَسَدَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ فَذَلِكَ يَكْفِي لِإِفْسَادِهِ. ٢٩١٢ - وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ مَشَايِخِنَا يَقُولُونَ بِالْجَوَازِ هَا هُنَا، لِأَنَّ مَالَ الْحَرْبِيِّ مُبَاحٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، هَهُنَا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ، إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ اعْتَبَرَ الْمَكَانَ، وَجَعَلَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ خَرَجَ الْحَرْبِيُّ بِأَمَانٍ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ عَامَلَ الْمُسْلِمَ بِذَلِكَ، فَكَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ إذَا كَانَا فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمَشَايِخُ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ حِينَ خَرَجَ بِأَمَانٍ إلَيْنَا فَقَدْ صَارَ مَالُهُ لَهُ مَعْصُومًا مُحْتَرَمًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي مَنَعَتِهِ فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِمَالِهِ هُنَاكَ. ٢٩١٣ - وَلَوْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَسَرُوا أَمَةً مُسْلِمَةً فَأَحْرَزُوهَا، ثُمَّ قَدَرَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يَسْرِقَهَا فَيُخْرِجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.

стр. 1423

لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالْإِحْرَازِ حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً كَانَتْ مَمْلُوكَةً فَهُوَ فِي هَذِهِ السَّرِقَةِ يَغْدِرُ بِهِمْ، الْغَدْرُ حَرَامٌ. ٢٩١٤ - وَلَوْ رَغِبُوا فِي بَيْعِهَا مِنْهُ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنْهُمْ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مَعْنَى الْغَدْرِ. وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا الْفَصْلَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى أَبِي يُوسُفَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إنْ جَوَّزَ هَذَا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَقُولَ بِالْجَوَازِ أَيْضًا فِيمَا سَبَقَ مِنْ الْعُقُودِ، فَإِنْ قَالَ: لَا أُجَوِّزُ هَذَا وَأَكْرَهُهُ لِلْمُسْلِمِ فَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مُسْلِمَةً فِي يَدِ حَرْبِيٍّ، يُوَاقِعُهَا حَرَامًا، مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَنْ يَفْدِيَهَا بِخَمْرٍ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ. ٢٩١٥ - وَبَعْدَ مَا يَشْتَرِيهَا بِخَمْرٍ إذَا أَخْرَجَهَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ، حَتَّى يُنَفِّذَ عِتْقَهُ فِيهَا، وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا مِنْهُ بِقِيمَتِهَا إنْ شَاءَ. لِأَنَّهُ تَمَلَّكَهَا بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، لَا بِجِهَةِ الْبَيْعِ، فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَهَبُوهَا لَهُ فَأَخْرَجَهَا. ٢٩١٦ - وَبِهَذَا تَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَجْرِي فِي دَارِ الْحَرْبِ وَبَيْنَ مَا يَجْرِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، وَمَعَهُ تِلْكَ الْجَارِيَةُ، فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ فِي دَارِنَا أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِخَمْرٍ.

стр. 1424

٢٩١٧ - وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ رَفَعَ إلَى الْقَاضِي أَبْطَلَ ذَلِكَ الْبَيْعَ، وَرَدَّ الْجَارِيَةَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ ثُمَّ أَجْبَرَهُ عَلَى بَيْعِهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهَا مُسْلِمَةٌ، فَلَا يَتْرُكُهَا فِي مِلْكِ الْكَافِرِ، وَلَا يَتْرُكُهُ يَعُودُ بِهَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ أَمَتُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. ٢٩١٨ - وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَهُمْ مَنَعَةٌ دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ اسْتَأْمَنَ إلَيْهِمْ مُسْلِمٌ وَعَامَلَهُمْ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي دَارِهِمْ مَوْجُودٌ فِي مَنَعَتِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ أَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةُ الْأَخْذِ لِلْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ التَّحَرُّزُ عَنْ غَدْرِ الْأَمَانِ، فَهُوَ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ يَكْتَسِبُ سَبَبَ التَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ، وَبِهَذَا الْقَدْرِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَصَحَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمَشَايِخُ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ نُزُولِهِمْ هَا هُنَا لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ دَارِ الْحَرْبِ، وَمَعَ ذَلِكَ جَازَ لِلْمُسْلِمِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ لِبَقَاءِ الْإِبَاحَةِ فِي مَالِهِمْ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْحَرْبِيُّ فِي مَنَعَتِهِ، وَالْمُسْلِمُ الَّذِي عَامَلَهُ بِهِ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. ٢٩١٩ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ دَارٍ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ وَادَعُوا أَهْلَ الْإِسْلَامِ فَدَخَلَ إلَيْهِمْ مُسْلِمٌ وَبَايَعَهُمْ الدِّرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ. لِأَنَّ بِالْمُوَادَعَةِ لَمْ تَصِرْ دَارُهُمْ دَارَ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَخْذُ

стр. 1425

مَالِهِمْ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ غَدْرِ الْمُوَادَعَةِ، فَإِذَا اسْتَرْضَاهُمْ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ فَقَدْ انْعَدَمَ مَعْنَى الْغَدْرِ وَلِهَذَا طَابَ لَهُ مَا أَخَذَ. ٢٩٢٠ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُوَادِعِينَ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ كَانَ آمِنًا بِهَا، ثُمَّ إنْ عَامَلَ مُسْلِمًا بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُبْطِلُهَا. لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي دَارِنَا لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْتَأْمَنِ أَيْضًا. ٢٩٢١ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا دَخَلَ إلَى هَؤُلَاءِ الْمُوَادِعِينَ، أَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَبَايَعَهُمْ مَتَاعًا إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يُعَجِّلُوا لَهُ وَيَضَعَ عَنْهُمْ الْبَعْضَ. فَذَلِكَ جَائِزٌ. لِأَنَّ حُرْمَةَ هَذَا التَّصَرُّفِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِمَعْنَى الرِّبَا، مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ مُبَادَلَةً لِأَصْلِ الدَّرَاهِمِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الرِّبَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَتَجُوزُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ «بَنِي النَّضِيرِ حِينَ أَجْلَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، وَقَالُوا: إنَّ لَنَا دُيُونًا عَلَى النَّاسِ لَمْ تَحِلَّ بَعْدُ، فَقَالَ: ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا» . وَإِنَّمَا جَوَّزَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ حَرْبٍ، فَعَرَفْنَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ تَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِنَا. ٢٩٢٢ - فَإِنْ اصْطَلَحُوا عَلَى هَذَا، وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُمْ مَا عَجَّلُوا لَهُ حَتَّى أَسْلَمَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، أَوْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، فَقَدْ بَطَلَ هَذَا التَّصَرُّفُ، وَكَانَ الْمَالُ كُلُّهُ عَلَيْهِ إلَى أَجَلِهِ لِمَا بَيَّنَّا.

стр. 1426

لِأَنَّ مَا اعْتَرَضَ مِنْ الْإِسْلَامِ قَبْلَ تَمَامِ الْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ يُجْعَلُ كَالْمُقْرَنِ بِحَالَةِ الْعَقْدِ. ٢٩٢٣ - وَإِنْ كَانَ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُطَّ النِّصْفَ، عَلَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُ النِّصْفَ، ثُمَّ أَعْطَاهُ الْحَرْبِيُّ ثُلُثَ مَالِهِ وَبَقِيَ السُّدُسُ ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فَقَدْ بَطَلَ الصُّلْحُ كُلُّهُ، وَعَلَى الْمُسْلِمِ رَدُّ مَا قَبَضَ فَيَكُونُ جَمِيعُ مَا لَهُ عَلَى الْحَرْبِيِّ إلَى أَجَلِهِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ بَيْعِ الْخَمْرِ. لِأَنَّ ذَاكَ مُبَادَلَةٌ ابْتِدَاءً مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَيَنْتَهِي حُكْمُهُ فِي مِقْدَارِ مَا وُجِدَ فِيهِ التَّقَابُضُ، وَهَذَا الصُّلْحُ لَيْسَ بِمُبَادَلَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَكِنَّهُ يُعَجِّلُ لَهُ نِصْفَ الْمَالِ عَلَى أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ النِّصْفَ فَلَا يَتِمُّ الصُّلْحُ حَتَّى يُوجَدَ كَمَالُ الشَّرْطِ، وَهُوَ قَبْضُ النِّصْفِ الْبَاقِي بِكَمَالِهِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ حَتَّى أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ بَطَلَ الصُّلْحُ كُلُّهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَيْنِ لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ مَالٌ فَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ صَاحِبُ الْمَالِ نِصْفَ الْمَالِ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ مَا بَقِيَ مِنْهُ الْيَوْمَ، ثُمَّ عَجَّلَ لَهُ الْيَوْمَ بَعْضَ مَا بَقِيَ دُونَ الْبَعْضِ حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ بَطَلَ الصُّلْحُ كُلُّهُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِجَمِيعِ حَقِّهِ. لِأَنَّ إبْرَاءَهُ إيَّاهُ عَنْ الْبَعْضِ كَانَ بِشَرْطِ تَعْجِيلِ مَا بَقِيَ مِنْهُ فِي الْيَوْمِ، فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ الشَّرْطُ بَطَلَ الْإِبْرَاءُ، وَكَانَ جَمِيعُ مَا لَهُ عَلَيْهِ بِحَالِهِ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 1427

[بَابُ مَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ الْأَسِيرِ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْحَرْبِ أَنْ يُجِيبَهُمْ إلَيْهِ] ٢٩٢٤ - وَإِذَا قُرِّبَ الْأَسِيرُ لِلْقَتْلِ فَقِيلَ لَهُ مُدَّ عُنُقَك فَمَدَّ عُنُقَهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَدِّ الْعُنُقِ إعَانَةٌ مِنْهُ لَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا إذْنٌ مِنْهُ لَهُمْ فِي قَتْلِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَدَّ عُنُقَهُ أَوْ لَمْ يَمُدَّهُ وَرُبَّمَا يَكُونُ امْتِثَالُ أَمْرِهِمْ سَبَبًا لِعَطْفِ قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ، حَتَّى يَحْمِلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ قَتْلِهِ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ أَرْوَحَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ قَتَلُوهُ قِتْلَةً أَخْبَثَ مِنْ قَتْلِهِمْ إيَّاهُ إذَا مَدَّ عُنُقَهُ، فَلِهَذِهِ الْوُجُوهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَمُدَّ عُنُقَهُ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ قَتْلَهُ. ٢٩٢٥ - وَإِنْ لَمْ يَمُدَّ عُنُقَهُ لَمْ يَزِيدُوا عَلَى أَنْ يَمُدُّوا عُنُقَهُ ثُمَّ يَقْتُلُونَهُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَمُدَّ لَهُمْ عُنُقَهُ. لِأَنَّ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الْإِذْنِ لَهُمْ فِي قَتْلِهِ، وَلَا رُخْصَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ، فَلَا يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا عِنْدَ غَرَضٍ صَحِيحٍ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ إذَا كَانَ يَطْمَعُ فِي عَطْفِ قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، أَوْ كَانَ يَخَافُ أَنْ يَقْتُلُوهُ قِتْلَةً هِيَ أَخْبَثُ مِنْهَا إذَا مَدَّ عُنُقَهُ، فَحِينَئِذٍ إنْ شَاءَ مَدَّ عُنُقَهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَمُدَّ عُنُقَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُرَخَّصٌ لَهُ فِيهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ شَاءَ تَرَخَّصَ بِالرُّخْصَةِ، وَإِنْ شَاءَ تَمَسَّكَ بِالْعَزِيمَةِ

стр. 1428

٢٩٢٦ - وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادُوا قَطْعَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، فَنَاوَلَهُمْ ذَلِكَ الْعُضْوَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسَعُهُ إنْ كَانَ يَفْعَلُهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ صَحِيحٌ لَمْ يَسَعْهُ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا لَهُ: الْبَسْ ثِيَابَك حَتَّى نَقْتُلَك، فَلَبِسَ ثِيَابَهُ يَطْلُبُ بِهَا السِّتْرَ لَمْ يَكُنْ بِهِ مُعِينًا عَلَى نَفْسِهِ. لِأَنَّ لُبْسَ الثِّيَابِ لَيْسَ مِنْ الْقَتْلِ فِي شَيْءٍ، وَلَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِيمَا صَنَعَ، وَهُوَ أَلَّا تَنْكَشِفَ عَوْرَتَهُ إذَا قَتَلُوهُ. ٢٩٢٧ - قَالَ بَلَغَنَا أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ أَبَى أَنْ يُبَايِعَ أُلْبِسَ ثِيَابَ شَعْرٍ فَلَبِسَهُ فَلَمَّا ضُرِبَ وَلَمْ يُقْتَلْ قَالَ: أَمَّا إنِّي لَوْ ظَنَنْت أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ قَتْلِي مَا لَبِسْته. فَقَدْ لَبِسَهُ بِأَمْرِهِمْ حِينَ ظَنَّ أَنَّهُ يُقْتَلُ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّبْسِ إعَانَةٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. ٢٩٢٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ انْتَهَوْا إلَيْهِ، وَهُوَ فِي بَيْتٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: اُخْرُجْ إلَيْنَا حَتَّى نَضْرِبَ عُنُقَك، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ إذَا كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَنَّهُ يَخَافُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ أَنْ يُمَثِّلُوا بِهِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ إلَيْهِمْ لَيْسَ فِيهِ مِنْ اسْتِهْلَاكِ النَّفْسِ شَيْءٌ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ فِرَارًا عَنْ الْمُثْلَةِ، وَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ.

стр. 1429

وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادُوا صَلْبَهُ فَأَمَرُوهُ أَنْ يَصْعَدَ الْخَشَبَةَ فَصَعِدَهَا. لِأَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ غَرَضًا صَحِيحًا، وَهُوَ دَفْعُ أَلَمِ الضَّرَبَاتِ الْمُتَوَالِيَاتِ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ دَفْعُ مَا يَخَافُهُ مِنْ الْمُثْلَةِ بِهِ، أَوْ أَنْ يَقْتُلُوهُ قِتْلَةً هِيَ أَخْبَثُ مِنْ الصَّلْبِ. ٢٩٣٠ - وَلَكِنْ هَذَا إذَا كَانَتْ الْخَشَبَةُ بِحَيْثُ لَا يَخَافُ التَّلَفَ مِنْ صُعُودِهَا، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَخَافُ التَّلَفَ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصْعَدَهَا. لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَاتِلًا نَفْسَهُ بِالصُّعُودِ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْخَشَبَةِ، وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ بِحَالٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . ٢٩٣١ - وَلَوْ أَوْقَدُوا نَارًا فَقَالُوا لَهُ: اطْرَحْ نَفْسَك فِيهَا، وَرُبَّمَا نَجَا مِنْهَا، وَرُبَّمَا لَمْ يَنْجُ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَاتِلًا نَفْسَهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، وَلَا أَنْ يُعِينَ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ جِهَةُ الِامْتِنَاعِ حَتَّى يَصِيرَ مَقْتُولًا بِفِعْلِهِمْ إنْ قَتَلُوهُ. ٢٩٣٢ - إلَّا أَنْ يَكُونُوا هَدَّدُوهُ بِنَوْعٍ مِنْ الْقَتْلِ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ طَرْحِ نَفْسِهِ فِي النَّارِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هُوَ فِي سَعَةٍ أَنْ يَطْرَحَ نَفْسَهُ فِيهَا.

стр. 1430

لِأَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ الْفِرَارُ عَنْ أَلَمِ السِّيَاطِ الْمُتَوَالِيَةِ، أَوْ عَنْ الْمُثْلَةِ فَيُرَخَّصُ لَهُ فِي ذَلِكَ. ٢٩٣٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرُوهُ بِأَنْ يُغْرِقَ نَفْسَهُ فِي مَاءِ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. وَلَوْ قُدِّمَ لِيُضْرَبَ عُنُقُهُ فَضَرَبُوهُ بِسَيْفٍ سُوءٍ فَقَالَ لَهُمْ: خُذُوا سَيْفِي هَذَا فَاقْتُلُونِي بِهِ لَمْ يَسَعْهُ ذَلِكَ، وَهُوَ آثِمٌ فِي مَقَالَتِهِ. لِأَنَّهُ كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُ نَفْسِهِ بِحَالٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ أَمْرَهُ إيَّاهُ بِالْقَتْلِ أَمْرٌ بِالْمَعْصِيَةِ وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ. ٢٩٣٤ - وَلَكِنْ لَوْ لَمْ يَقُلْ اُقْتُلُونِي بِهِ وَلَكِنْ قَالَ: سَيْفِي أَجْوَدُ مِنْ هَذَا السَّيْفِ وَأَمْضَى فِيمَا تُرِيدُونَ، وَيُرِيدُ بِذَلِكَ الِاسْتِرَاحَةَ رَجَوْت أَنْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ. لِأَنَّهُ مَا أَمَرَهُمْ بِقَتْلِ نَفْسِهِ نَصًّا، وَلَهُ فِيمَا قَالَ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ الِاسْتِرَاحَةُ مِمَّا يَلْحَقُهُ إذَا أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يُطْلِقْ الْجَوَابَ فِيهِ بَلْ عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ. لِأَنَّ فِي مُنَاوَلَةِ السِّلَاحِ إيَّاهُمْ نَوْعَ إعَانَةٍ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ مَدِّ الْعُنُقِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ وَصُعُودِ الْخَشَبَةِ. ٢٩٣٥ - وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادُوا شَقَّ بَطْنِهِ فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ اضْرِبُوا عُنُقِي لَمْ يَسَعْهُ هَذَا. لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ.

стр. 1431

٢٩٣٦ - وَلَكِنْ لَوْ لَمْ يَقُلْ: اضْرِبُوا، وَلَكِنْ قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَشُقُّوا بَطْنِي، فَإِنَّ هَذَا لَا يَنْبَغِي؛ لِأَنَّ ضَرْبَ الْعُنُقِ أَوْحَى وَأَجْمَلُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ. لِأَنَّهُ صَرَّحَ هَا هُنَا بِالنَّهْيِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْأَمْرِ بِضَرْبِ الْعُنُقِ. إنَّمَا أَخْبَرَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِمَّا هَمُّوا بِهِ، فَلِهَذَا كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوهُ كَانَ هُوَ آثِمًا فِي قَوْلِهِ: اضْرِبُوا عُنُقِي؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ آثِمًا فِي قَوْلِهِ: ضَرْبُ الْعُنُقِ أَوْحَى وَأَجْمَلُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: ضَرْبُ الْعُنُقِ أَوْحَى وَأَجْمَلُ، وَلَكِنْ اتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَصْنَعُوا بِي شَيْئًا مِنْ هَذَا. فَضَرَبُوا عُنُقَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إثْمٌ فِي مَقَالَتِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٢٩٣٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ غَيْرَ الْمَقْصُودِ بِالْقَتْلِ مِنْ الْأُسَرَاءِ هُوَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ فَإِنْ قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ، وَلَا تُمَثِّلُوا بِهِ. فَإِنَّ ضَرْبَ الْعُنُقِ يَأْتِي عَلَى مَا تُرِيدُونَ رَجَوْت أَلَا يَكُونَ آثِمًا، وَلَوْ قَالَ: اضْرِبُوا عُنُقَهُ كَانَ آثِمًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقَتْلِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ لَا رُخْصَةَ فِي التَّصْرِيحِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَلَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَا تَفْعَلُوا ذَلِكَ بِهِ يَوْمَكُمْ هَذَا، وَلَكِنْ افْعَلُوهُ غَدًا

стр. 1432

كَانَ آثِمًا فِي قَوْلِهِ: افْعَلُوهُ غَدًا، أَطَاعُوهُ فِي ذَلِكَ أَوْ عَصَوْهُ، وَلَوْ قَالَ: أَخِّرُوهُ إلَى الْغَدِ لَمْ يَكُنْ آثِمًا فِي ذَلِكَ. ٢٩٣٨ - وَلَوْ أَرَادُوا ضَرْبَ بَطْنِ الْأَسِيرِ بِالسَّيْفِ فَقَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَضْرِبُوا مَوْضِعَ الطَّعَامِ، وَلَكِنْ اضْرِبُوا الْعُنُقَ، كَانَ آثِمًا فِي قَوْلِهِ: اضْرِبُوا الْعُنُقَ. وَلَوْ قَالَ: الْقَتْلُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الطَّعَامِ أَجْمَلُ لَمْ يَكُنْ آثِمًا. وَلَوْ قَالَ لِلضَّارِبِ: ارْفَعْ يَدَك عَنْ مَوْضِعِ الطَّعَامِ أَوْ سَفِّلْ بِيَدِك عَنْ مَوْضِعِ الطَّعَامِ خِفْت أَنْ يَكُونَ آثِمًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لَا تَضْرِبْ مَوْضِعَ الطَّعَامِ. لِأَنَّ صِيغَةَ ذَلِكَ الْكَلَامِ نَهْيٌ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَصِيغَةَ هَذَا الْكَلَامِ أَمْرٌ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ سَفِّلْ يَدَك أَوْ ارْفَعْ يَدَك اضْرِبْهُ أَسْفَلَ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ فَوْقَ الطَّعَامِ، وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ صُورَةً وَلَا مَعْنًى، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ نَوْعُ تَخْفِيفٍ عَنْ الْمُسْلِمِ، وَكَانَ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ ذَلِكَ التَّخْفِيفَ فَبِهَذِهِ الْفُصُولِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يُرَاعِيَ عِبَارَتَهُ كَمَا يُرَاعِي مَعْنَى كَلَامِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ الْعَبَّاسَ ﵁، لَمَّا سُئِلَ فَقِيلَ: أَنْتَ أَكْبَرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، أَمْ رَسُولُ اللَّهِ، ﵌ أَكْبَرُ مِنْك؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﵌، أَكْبَرُ مِنِّي وَأَنَا أَسَنُّ مِنْهُ. وَحُكِيَ أَنَّ هَارُونَ رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّ أَسْنَانَهُ السُّفْلَى قَدْ سَقَطَتْ فَسَأَلَ بَعْضَ الْمُعَبِّرِينَ فَقَالَ: يَمُوتُ أَقَارِبُك فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ، وَدَعَا مُعَبِّرًا آخَرَ وَسَأَلَهُ فَقَالَ: عُمْرُك يَكُونُ أَطْوَلُ مِنْ عُمْرِ أَقَارِبِك فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ الصِّلَةَ. وَهُمَا فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يُرَاعِيَ عِبَارَتَهُ.

стр. 1433

وَإِذَا أُسِرَ الْأَسِيرُ وَابْنُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَرَادُوا قَتْلَهُمَا فَقَالَ الْأَبُ: قَدِّمُوا ابْنِي بَيْنَ يَدَيَّ حَتَّى أَحْتَسِبَهُ فَهُوَ آثِمٌ، فِي مَقَالَتِهِ، فَعَلُوا ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَفْعَلُوا. لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَوْ قَالَ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَحْتَسِبَ ابْنِي فَلَا تَقْتُلُونِي قَبْلَهُ، رَجَوْت أَلَّا يَأْثَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْأَمْرِ بِقَتْلِهِ وَلَا بِقَتْلِ ابْنِهِ. ٢٩٤٠ - وَلَوْ كَانَ الِابْنُ هُوَ الْقَائِلُ، اُقْتُلُونِي قَبْلَ قَتْلِ أَبِي كَانَ آثِمًا، وَلَوْ قَالَ: لَا تَقْتُلُوا أَبِي قَبْلِي فَإِنِّي أَخَافُ أَنِّي أَجْزَعُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي هَذَا إثْمٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادُوا ضَرْبَهُ أَوْ ضَرْبَ ابْنِهِ بِالسَّيْفِ فَقَالَ: اشْحَذُوا سَيْفَكُمْ لَمْ يَكُنْ آثِمًا بِذَلِكَ. وَلَوْ قَالَ: اشْحَذُوهُ ثُمَّ اُقْتُلُونِي بِهِ كَانَ آثِمًا. لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّحْذِ لَيْسَ فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْمَعْصِيَةِ شَيْءٌ، لَوْلَا مَا أَرَادُوا مِنْ مَعْنَى الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ قَتْلُ الْمُسْلِمِ، وَذَلِكَ فِي قَصْدِهِمْ لَا فِي لَفْظِهِ، فَأَمَّا فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ اُقْتُلُونِي تَصْرِيحٌ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1434

[بَابُ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ مَا يَسَعُهُ أَنْ يَفْعَلَهُ لَهُمْ إذَا أَكْرَهُوهُ وَمَا لَا يَسَعُهُ] ٢٩٤١ - وَلَوْ قَالُوا لِأَسِيرٍ مُسْلِمٍ: اُقْتُلْ لَنَا هَذَا الْأَسِيرَ الْمُسْلِمَ، أَوْ لَنَقْتُلَنَّك لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَقْتُلَهُ لِمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ: «لَيْسَ فِي الْقَتْلِ تَقِيَّةٌ» . وَلِأَنَّهُمْ أَمَرُوهُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَلَا طَاعَةَ لِلْمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَهُوَ بِالْإِقْدَامِ عَلَى الْقَتْلِ يَجْعَلُ رُوحَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْحُرْمَةِ وِقَايَةً لِرُوحِهِ، وَيَقْدَمُ عَلَى مَا هُوَ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ، وَلَا رُخْصَةَ فِي ذَلِكَ. ٢٩٤٢ - وَإِنْ قَالُوا اشْحَذْ لَنَا هَذَا السَّيْفَ حَتَّى نَقْتُلَ بِهِ هَذَا الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ، أَوْ لَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ الزِّيَادَةَ، فَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَأْمُرُونَ بِهِ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي إعَانَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُهَدِّدُوهُ بِالْقَتْلِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا أَمَرُوهُ بِهِ مَظْلِمَةٌ لِلْمُسْلِمِ، وَفِيهِ دَفْعُ شَرِّ الْقَتْلِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ لَهُمْ ذَلِكَ تَمَكَّنُوا مِنْ قَتْلِ الْأَسِيرِ بِغَيْرِ السَّيْفِ.

стр. 1435

وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا اُنْجُرْ لَنَا هَذِهِ الْخَشَبَةَ حَتَّى نُصَلِّبَ عَلَيْهَا هَذَا الْمُسْلِمَ أَوْ لَنَقْتُلَنَّكَ يَسَعُهُ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا أَمَرُوهُ بِهِ قَتْلُ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّهُمْ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ قَتْلِهِ بِوَجْهٍ آخَرَ. ٢٩٤٣ - إلَّا أَنَّهُ مَعَ هَذَا إنْ امْتَنَعَ حَتَّى يُقْتَلَ كَانَ مَأْجُورًا، لِمَا فِي امْتِنَاعِهِ مِنْ الْكَبْتِ وَالْغَيْظِ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا: أَمْسِكْ رَأْسَهُ حَتَّى نَضْرِبَ عُنُقَهُ وَإِلَّا قَتَلْنَاك كَانَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ إمْسَاكَ الرَّأْسِ لَيْسَ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الْجَوَابَ بِالِاسْتِثْنَاءِ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ تَعَرُّضًا لِلْمُسْلِمِ، بِخِلَافِ شَحْذِ السَّيْفِ وَنَجْرِ الْخَشَبَةِ فَلَيْسَ هُنَاكَ فِي فِعْلِهِ تَعَرُّضٌ لِلْمُسْلِمِ. ٢٩٤٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرُوهُ بِرَبْطِ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي فِعْلِهِ تَلَفُ نَفْسِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَى الْمَرْبُوطِ مِنْهُ لَوْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَلَا يَكُونُ أَمْرُهُمْ بِهَذَا أَعْظَمَ مِنْ أَمْرِهِمْ بِالْكُفْرِ، وَذَلِكَ يَسَعُهُ فِي الْإِكْرَاهِ، وَإِنْ كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ أَفْضَلَ، فَهَذَا مِثْلُهُ. ٢٩٤٥ - وَلَوْ كَانَتْ يَدُ الَّذِي يَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ضَعِيفَةً فَقِيلَ لَهُ: أَمْسِكْ بِيَدِك عَلَى يَدَيْهِ، حَتَّى نَضْرِبَهُ وَإِلَّا قَتَلْنَاك، لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا.

стр. 1436

لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى الْقَتْلِ بِعَيْنِهِ، وَلَا رُخْصَةَ فِي الْإِعَانَةِ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ. قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «مَنْ أَعَانَ فِي دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبًا عَلَى عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى» . ٢٩٤٦ - وَلَوْ قَالُوا: دُلَّنَا عَلَى سَيْفٍ نَقْتُلْهُ بِهِ وَإِلَّا قَتَلْنَاك لَمْ يَكُنْ آثِمًا فِي الدَّلَالَةِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. لِأَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِقَتْلٍ، وَهُوَ لَوْ لَمْ يَدُلَّهُمْ قَدَرُوا عَلَى قَتْلِهِ. بِحَجَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْقَتْلِ بِمَنْزِلَةِ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ مِنْ وَجْهٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا دَلَّ عَلَى قَتْلِ صَيْدٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَزَاءِ مَا عَلَى الْقَاتِلِ؟ ٢٩٤٧ - وَإِنْ لَمْ يَدُلَّهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ كَانَ مَأْجُورًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ فِعْلٍ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَتْلِ مِنْ وَجْهٍ. ٢٩٤٨ - وَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَبُوا السَّيْفَ مِنْهُ لِيُقَاتِلُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مَأْجُورًا، وَإِنْ أَعْطَاهُمْ حِينَ هَدَّدُوهُ بِالْقَتْلِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا إنْ أَعْطَيْتنَا سَيْفَك خَلَّيْنَا سَبِيلَ هَذَا الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ نَجَاةِ مُسْلِمٍ آخَرَ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ نَجَاتُهُ كَانَ أَوْلَى

стр. 1437

قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ أَسْرَاهُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْهُمْ أُسَرَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ كَلَامٌ نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ جَائِزٌ، ثُمَّ رَدُّ الْأَسِيرِ عَلَيْهِمْ أَمَرُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ دَفْعِ السِّلَاحِ إلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَ يَجُوزُ رَدُّ الْأَسِيرِ عَلَيْهِمْ لِاسْتِنْقَاذِ الْمُسْلِمِ، فَدَفَعَ السِّلَاحَ إلَيْهِمْ بِهَذَا يَكُونُ أَجْوَزَ. ٢٩٥٠ - وَلَوْ هَرَبَ مِنْهُمْ أَسِيرٌ فَقَالُوا لِأَسِيرٍ آخَرَ يَعْرِفُ مَكَانَهُ: دُلَّنَا عَلَيْهِ لِنَقْتُلَهُ وَإِلَّا قَتَلْنَاك، لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ. لِأَنَّ الدَّلَالَةَ الْمُمْكِنَةَ مِنْ الْقَتْلِ بِمَنْزِلَةِ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ مِنْ وَجْهٍ، كَمَا فِي حَقِّ الصَّيْدِ. ثُمَّ فِي هَذَا ظُلْمُ الْأَسِيرِ الْهَارِبِ. لِأَنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ إلَّا بِدَلَالَتِهِ فَهُوَ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ يُمَكِّنُهُمْ مِنْ قَتْلِهِ. وَلَا رُخْصَةَ فِي ظُلْمِ الْمُسْلِمِ بِهَذَا الطَّرِيقِ. وَلَوْ كَانُوا حَاصَرُوا حِصْنًا لِلْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا لِأَسِيرٍ فِي أَيْدِيهِمْ دُلَّنَا عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُؤْتَى مِنْ قِبَلِهِ الْحِصْنُ، أَوْ عَلَى مَدْخَلِ الْمَاءِ الَّذِي يَشْرَبُونَ مِنْهُ، أَوْ لَنَقْتُلَنَّك، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ظَفِرُوا بِالْحِصْنِ، وَقَتَلُوا مَنْ فِيهِ، أَوْ كَانَ عَلَى ذَلِكَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ. فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ) . لِأَنَّهُمْ يُمَكِّنُهُمْ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِرْقَاقِ ذَرَارِيِّهِمْ، وَارْتِكَابِ الْحَرَامِ مِنْ نِسَائِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ لَنَقْتُلَنَّك أَوْ لِتُمَكِّنَنَا مِنْ فُلَانَةَ نَزْنِي بِهَا، وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا إلَّا بِدَلَالَتِهِ، أَنَّهُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهَا فَكَذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ. وَأَكْبَرُ الرَّأْيِ كَالْيَقِينِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ.

стр. 1438

وَلَوْ أَخَذُوا أَسِيرًا فَقَالُوا: إنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْصِبَهُ فَنَرْمِيَهُ فَدُلَّنَا عَلَى قَوْسٍ وَنِشَابٍ نَرْمِيهِ بِهَا حَتَّى نَقْتُلَهُ، أَوْ لَنَقْتُلَنَّك، فَدَلَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا لَهُ وَاسِعٌ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. لِأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ وَهُمْ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ قَتْلِهِ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَلَا يَكُونُ هُوَ بِدَلَالَتِهِ مُمَكِّنًا إيَّاهُمْ مِنْ قَتْلِهِ. ٢٩٥٢ - إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَسِيرُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ سِوَى النُّشَّابِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى الْقَوْسِ وَالنُّشَّابِ. لِأَنَّهُ يُمَكِّنُهُمْ مِنْ قَتْلِهِ بِدَلَالَتِهِ. وَأُوَضِّحُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ بِالدَّلَالَةِ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ فَإِنَّ مَنْ رَأَى صَيْدًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ عَلَى الطَّرِيقِ إلَيْهِ حَتَّى ذَهَبَ فَقَتَلَهُ كَانَ عَلَى الدَّالِ الْجَزَاءُ. ٢٩٥٣ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَرْمِيَهُ بِنُشَّابَةٍ وَلَيْسَ مَعَهُ ذَلِكَ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ عَلَى قَوْسٍ وَنُشَّابٍ، أَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ فَرَمَاهُ فَقَتَلَهُ بِهِ، كَانَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ. وَلَوْ أَرَادَ قَتْلَ صَيْدٍ فَقَالَ الْمُحْرِمُ نَاوِلْنِي حَرْبَتِي، بَعْدَ مَا رَكِبَ فَرَسَهُ فَنَاوَلَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُحْرِمِ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ بِدُونِ هَذِهِ الْمُنَاوَلَةِ، وَلَكِنَّهُ آثِمٌ فِيمَا صَنَعَ؛ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ صُورَةَ الْإِعَانَةِ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ، وَلَا رُخْصَةَ لِلْمُحْرِمِ فِي ذَلِكَ.

стр. 1439

وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَعَارَ مِنْ مُحْرِمٍ سِكِّينًا فَذَبَحَ الصَّيْدَ بِهِ. لِأَنَّ الصَّيْدَ فِي يَدِهِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ ذَبْحِهِ بِدُونِ هَذَا السِّكِّينِ، وَلَكِنَّهُ آثِمٌ فِي صُنْعِهِ، لِوُجُودِ صُورَةِ الْإِعَانَةِ مِنْهُ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1440

[بَابُ مَا يَسَعُ الرَّجُلُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَهْوَى إلَى الْهَلَاك] ١٥١ - بَابُ مَا يَسَعُ الرَّجُلُ الْمُسْلِم أَنْ يَفْعَلَ أَيَّهمَا شَاءَ ٢٩٥٥ - وَإِذَا أَحْرَقَ الْمُشْرِكُونَ سَفِينَةً مِنْ سَفَائِنِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ﵄ مَنْ فِي السَّفِينَةِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ صَبَرَ عَلَى النَّارِ حَتَّى يَحْتَرِقَ، وَإِنْ شَاءَ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَغْرَقَ. لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ هَلَاكِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَلَهُ غَرَضٌ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَالنَّارُ يَكُونُ أَسْرَعَ لِهَلَاكِهِ، وَلَكِنْ فِيهِ زِيَادَةُ الْأَلَمِ مِنْ حَيْثُ تَفْرِيقِ الْأَعْضَاءِ، وَالْمَاءُ أَبْطَأُ لِهَلَاكِهِ وَلَكِنْ فِيهِ زِيَادَةُ الْغَمِّ وَطَبَائِعُ النَّاسِ فِي هَذَا مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ أَلَمَ الْجَرْحِ وَسُرْعَةَ الِاسْتِرَاحَةِ عَلَى غَمِّ الْمَاءِ وَبُطْءِ الْهَلَاكِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ غَمَّ الْمَاءِ عَلَى أَلَمِ الْجِرَاحَةِ، فَلَهُ أَنْ يَمِيلَ إلَى أَيِّ الْجَانِبَيْنِ شَاءَ. ٢٩٥٦ - وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ هَذَا عَلَى وُجُوهٍ؛ إنْ كَانَ يَطْمَعُ فِي النَّجَاةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَيَخَافُ الْهَلَاكَ فَلَهُ الْخِيَارُ. لِأَنَّهُ إنْ صَبَرَ فَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ تَحْصِيلَ النَّجَاةِ الَّتِي يَطْمَعُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ إنْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ، فَإِنَّمَا يَقْصِدُ تَحْصِيلَ النَّجَاةِ بِفِعْلِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ.
следующие страницы →