Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى الْقَتْلِ بِعَيْنِهِ، وَلَا رُخْصَةَ فِي الْإِعَانَةِ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ.
قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «مَنْ أَعَانَ فِي دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبًا عَلَى عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى» .
٢٩٤٦ - وَلَوْ قَالُوا: دُلَّنَا عَلَى سَيْفٍ نَقْتُلْهُ بِهِ وَإِلَّا قَتَلْنَاك لَمْ يَكُنْ آثِمًا فِي الدَّلَالَةِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
لِأَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِقَتْلٍ، وَهُوَ لَوْ لَمْ يَدُلَّهُمْ قَدَرُوا عَلَى قَتْلِهِ. بِحَجَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْقَتْلِ بِمَنْزِلَةِ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ مِنْ وَجْهٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا دَلَّ عَلَى قَتْلِ صَيْدٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَزَاءِ مَا عَلَى الْقَاتِلِ؟
٢٩٤٧ - وَإِنْ لَمْ يَدُلَّهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ كَانَ مَأْجُورًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ فِعْلٍ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَتْلِ مِنْ وَجْهٍ.
٢٩٤٨ - وَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَبُوا السَّيْفَ مِنْهُ لِيُقَاتِلُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مَأْجُورًا، وَإِنْ أَعْطَاهُمْ حِينَ هَدَّدُوهُ بِالْقَتْلِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا إنْ أَعْطَيْتنَا سَيْفَك خَلَّيْنَا سَبِيلَ هَذَا الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ نَجَاةِ مُسْلِمٍ آخَرَ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ نَجَاتُهُ كَانَ أَوْلَى
стр. 1437
قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ أَسْرَاهُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْهُمْ أُسَرَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ كَلَامٌ نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ جَائِزٌ، ثُمَّ رَدُّ الْأَسِيرِ عَلَيْهِمْ أَمَرُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ دَفْعِ السِّلَاحِ إلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَ يَجُوزُ رَدُّ الْأَسِيرِ عَلَيْهِمْ لِاسْتِنْقَاذِ الْمُسْلِمِ، فَدَفَعَ السِّلَاحَ إلَيْهِمْ بِهَذَا يَكُونُ أَجْوَزَ.
٢٩٥٠ - وَلَوْ هَرَبَ مِنْهُمْ أَسِيرٌ فَقَالُوا لِأَسِيرٍ آخَرَ يَعْرِفُ مَكَانَهُ: دُلَّنَا عَلَيْهِ لِنَقْتُلَهُ وَإِلَّا قَتَلْنَاك، لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ.
لِأَنَّ الدَّلَالَةَ الْمُمْكِنَةَ مِنْ الْقَتْلِ بِمَنْزِلَةِ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ مِنْ وَجْهٍ، كَمَا فِي حَقِّ الصَّيْدِ. ثُمَّ فِي هَذَا ظُلْمُ الْأَسِيرِ الْهَارِبِ.
لِأَنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ إلَّا بِدَلَالَتِهِ فَهُوَ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ يُمَكِّنُهُمْ مِنْ قَتْلِهِ. وَلَا رُخْصَةَ فِي ظُلْمِ الْمُسْلِمِ بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَلَوْ كَانُوا حَاصَرُوا حِصْنًا لِلْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا لِأَسِيرٍ فِي أَيْدِيهِمْ دُلَّنَا عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُؤْتَى مِنْ قِبَلِهِ الْحِصْنُ، أَوْ عَلَى مَدْخَلِ الْمَاءِ الَّذِي يَشْرَبُونَ مِنْهُ، أَوْ لَنَقْتُلَنَّك، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ظَفِرُوا بِالْحِصْنِ، وَقَتَلُوا مَنْ فِيهِ، أَوْ كَانَ عَلَى ذَلِكَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ. فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ) .
لِأَنَّهُمْ يُمَكِّنُهُمْ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِرْقَاقِ ذَرَارِيِّهِمْ، وَارْتِكَابِ الْحَرَامِ مِنْ نِسَائِهِمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ لَنَقْتُلَنَّك أَوْ لِتُمَكِّنَنَا مِنْ فُلَانَةَ نَزْنِي بِهَا، وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا إلَّا بِدَلَالَتِهِ، أَنَّهُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهَا فَكَذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ.
وَأَكْبَرُ الرَّأْيِ كَالْيَقِينِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ.
стр. 1438
وَلَوْ أَخَذُوا أَسِيرًا فَقَالُوا: إنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْصِبَهُ فَنَرْمِيَهُ فَدُلَّنَا عَلَى قَوْسٍ وَنِشَابٍ نَرْمِيهِ بِهَا حَتَّى نَقْتُلَهُ، أَوْ لَنَقْتُلَنَّك، فَدَلَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا لَهُ وَاسِعٌ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
لِأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ وَهُمْ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ قَتْلِهِ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَلَا يَكُونُ هُوَ بِدَلَالَتِهِ مُمَكِّنًا إيَّاهُمْ مِنْ قَتْلِهِ.
٢٩٥٢ - إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَسِيرُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ سِوَى النُّشَّابِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى الْقَوْسِ وَالنُّشَّابِ.
لِأَنَّهُ يُمَكِّنُهُمْ مِنْ قَتْلِهِ بِدَلَالَتِهِ. وَأُوَضِّحُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ بِالدَّلَالَةِ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ فَإِنَّ مَنْ رَأَى صَيْدًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ عَلَى الطَّرِيقِ إلَيْهِ حَتَّى ذَهَبَ فَقَتَلَهُ كَانَ عَلَى الدَّالِ الْجَزَاءُ.
٢٩٥٣ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَرْمِيَهُ بِنُشَّابَةٍ وَلَيْسَ مَعَهُ ذَلِكَ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ عَلَى قَوْسٍ وَنُشَّابٍ، أَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ فَرَمَاهُ فَقَتَلَهُ بِهِ، كَانَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ. وَلَوْ أَرَادَ قَتْلَ صَيْدٍ فَقَالَ الْمُحْرِمُ نَاوِلْنِي حَرْبَتِي، بَعْدَ مَا رَكِبَ فَرَسَهُ فَنَاوَلَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُحْرِمِ شَيْءٌ.
لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ بِدُونِ هَذِهِ الْمُنَاوَلَةِ، وَلَكِنَّهُ آثِمٌ فِيمَا صَنَعَ؛ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ صُورَةَ الْإِعَانَةِ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ، وَلَا رُخْصَةَ لِلْمُحْرِمِ فِي ذَلِكَ.
стр. 1439
وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَعَارَ مِنْ مُحْرِمٍ سِكِّينًا فَذَبَحَ الصَّيْدَ بِهِ.
لِأَنَّ الصَّيْدَ فِي يَدِهِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ ذَبْحِهِ بِدُونِ هَذَا السِّكِّينِ، وَلَكِنَّهُ آثِمٌ فِي صُنْعِهِ، لِوُجُودِ صُورَةِ الْإِعَانَةِ مِنْهُ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 1440
[بَابُ مَا يَسَعُ الرَّجُلُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَهْوَى إلَى الْهَلَاك]
١٥١ - بَابُ مَا يَسَعُ الرَّجُلُ الْمُسْلِم أَنْ يَفْعَلَ أَيَّهمَا شَاءَ
٢٩٥٥ - وَإِذَا أَحْرَقَ الْمُشْرِكُونَ سَفِينَةً مِنْ سَفَائِنِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ﵄ مَنْ فِي السَّفِينَةِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ صَبَرَ عَلَى النَّارِ حَتَّى يَحْتَرِقَ، وَإِنْ شَاءَ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَغْرَقَ.
لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ هَلَاكِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَلَهُ غَرَضٌ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَالنَّارُ يَكُونُ أَسْرَعَ لِهَلَاكِهِ، وَلَكِنْ فِيهِ زِيَادَةُ الْأَلَمِ مِنْ حَيْثُ تَفْرِيقِ الْأَعْضَاءِ، وَالْمَاءُ أَبْطَأُ لِهَلَاكِهِ وَلَكِنْ فِيهِ زِيَادَةُ الْغَمِّ وَطَبَائِعُ النَّاسِ فِي هَذَا مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ أَلَمَ الْجَرْحِ وَسُرْعَةَ الِاسْتِرَاحَةِ عَلَى غَمِّ الْمَاءِ وَبُطْءِ الْهَلَاكِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ غَمَّ الْمَاءِ عَلَى أَلَمِ الْجِرَاحَةِ، فَلَهُ أَنْ يَمِيلَ إلَى أَيِّ الْجَانِبَيْنِ شَاءَ.
٢٩٥٦ - وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ هَذَا عَلَى وُجُوهٍ؛ إنْ كَانَ يَطْمَعُ فِي النَّجَاةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَيَخَافُ الْهَلَاكَ فَلَهُ الْخِيَارُ.
لِأَنَّهُ إنْ صَبَرَ فَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ تَحْصِيلَ النَّجَاةِ الَّتِي يَطْمَعُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ إنْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ، فَإِنَّمَا يَقْصِدُ تَحْصِيلَ النَّجَاةِ بِفِعْلِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ.
стр. 1441
٢٩٥٧ - وَإِنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْهَلَاكِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ يَرْجُو النَّجَاةَ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصْنَعَ مَا يَرْجُو فِيهِ النَّجَاةَ.
لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِدَفْعِ سَبَبِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ بِحَسَبِ الْوُسْعِ مَنْهِيٌّ عَنْ قَتْلِ نَفْسِهِ.
٢٩٥٨ - وَإِنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْهَلَاكِ فِيهِمَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ.
لِأَنَّهُ إنْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ صَارَ هَالِكًا بِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَإِنْ صَبَرَ صَارَ هَالِكًا بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَلَأَنْ يَهْلَكَ بِفِعْلِ غَيْرِهِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَهْلَكَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ ظَالِمًا لَوْ قَالَ لِإِنْسَانٍ: لَتَقْتُلَن نَفْسَك أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، لِهَذَا الْمَعْنَى.
وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵁، يَقُولُ: الِاسْتِدَامَةُ فِيمَا يُسْتَدَامُ كَالْإِنْشَاءِ، فَالْمُقَامُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَيْهِ النَّارُ مِنْ فِعْلِهِ كَمَا أَنَّ إلْقَاءَ نَفْسِهِ فِي الْمَاءِ مِنْ فِعْلِهِ، وَلَيْسَ هَذَا نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ تَيَقُّنَهُ فِيمَا هَدَّدَهُ بِهِ الْمُكْرِهُ لَيْسَ كَتَيَقُّنِهِ فِيمَا يَفْعَلُ بِنَفْسِهِ، فَقَدْ يُهَدِّدُ الْمُكْرِهُ ثُمَّ لَا يُحَقِّقُ، وَهَا هُنَا تَيَقُّنُهُ فِي الْهَلَاكِ فِي الْجَانِبَيْنِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ.
٢٩٥٩ - وَاسْتَشْهَدَ مُحَمَّدٌ ﵀ بِرَجُلٍ يَدْخُلُ فِي بَيْتٍ إلَى جَانِبِهِ بَيْتٌ، فَوَقَعَ الْحَرِيقُ فِي الْبَيْتَيْنِ، وَهُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْهَلَاكِ إنْ ثَبَتَ فِي الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَوْ وَثَبَ إلَى الْبَيْتِ
стр. 1442
الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الثَّبَاتُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى الْبَيْتِ الْآخَرِ.
فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: الْخِلَافُ فِي الْفَصْلَيْنِ وَاحِدٌ، وَمِنْ عَادَةِ مُحَمَّدٍ ﵀ الِاسْتِشْهَادُ بِالْمُخْتَلِفِ عَلَى الْمُخْتَلِفِ لِإِيضَاحِ الْكَلَامِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا، وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁، أَنَّ جِهَةَ الْهَلَاكِ هَا هُنَا وَاحِدَةٌ فِي الْبَيْتَيْنِ، وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي التَّحَوُّلِ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمَرْءِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذَا كَانَ مُفِيدًا لَهُ فَائِدَةً، فَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ السَّفِينَةِ فَجِهَةُ الْهَلَاكِ مُخْتَلِفَةٌ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ النَّارِ، وَفِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ لَهُ فَائِدَةٌ فَأَثْبَتْنَاهُ.
٢٩٦٠ - وَلَوْ أَنَّ مُشْرِكًا طَعَنَ مُسْلِمًا بِرُمْحٍ فَأَنْفَذَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَمْشِيَ فِي الرُّمْحِ إلَيْهِ لِيَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ فَإِنْ كَانَ يَخَافُ الْهَلَاكَ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَيَرْجُو النَّجَاةَ إنْ خَرَجَ مِنْ الرُّمْحِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ.
لِأَنَّ الْمَشْيَ إلَيْهِ فِي الرُّمْحِ إعَانَةٌ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، وَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ بِجَهْدِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ النَّيْلُ مِنْ عَدُوِّهِ.
٢٩٦١ - وَإِنْ اسْتَوَى الْجَانِبَانِ عِنْدَهُ فِي التَّيَقُّنِ بِالْهَلَاكِ فِيهِمَا، أَوْ رَجَاءِ النَّجَاةِ فِيهِمَا، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَزِيدُ فِي جِرَاحَتِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْشِيَ إلَيْهِ فِي الرُّمْحِ حَتَّى يَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ، وَإِنْ شَاءَ خَرَجَ مِنْ الرُّمْحِ.
стр. 1443
لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الرُّمْحِ مِنْ أَيِّ الْجَانِبَيْنِ شَاءَ، وَفَرَّقَ مُحَمَّدٌ ﵀ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا سَبَقَ.
٢٩٦٢ - وَقَالَ: لَيْسَ هُنَاكَ فِي إلْقَاءِ نَفْسِهِ مَعْنَى النَّيْلِ مِنْ الْعَدُوِّ، وَهَا هُنَا فِي الْمَشْيِ إلَيْهِ فِي الرُّمْحِ مَعْنَى النَّيْلِ مِنْ الْعَدُوِّ وَالظَّفَرِ بِهِ، وَهَذَا الْقَصْدُ يُبِيحُ لَهُ الْإِقْدَامَ، وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ فِيهِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ.
لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ فِيهِ، وَغَالِبُ الرَّأْيِ كَالْيَقِينِ فِي مِثْلِهِ.
٢٩٦٣ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا حَمَلَ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ وَحْدَهُ فَإِنْ كَانَ يَطْمَعُ أَنْ يَظْفَرَ بِهِمْ أَوْ يَنْكَأَ فِيهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِفِعْلِهِ النَّيْلَ مِنْ الْعَدُوِّ.
٢٩٦٤ - وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، وَبَشَّرَ بَعْضَهُمْ بِالشَّهَادَةِ حِينَ اسْتَأْذَنَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَطْمَعْ فِي نِكَايَةٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ هَذَا الصَّنِيعُ.
لِأَنَّهُ يُتْلِفُ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا نِكَايَةٍ فِيهِ لِلْمُشْرِكِينَ.
стр. 1444
٢٩٦٥ - وَفِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْقَوْمَ يَقْتُلُونَهُ وَأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّقُ جَمْعُهُمْ بِسَبَبِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ هُنَاكَ مُسْلِمُونَ مُعْتَقِدُونَ لِمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنَّ فِعْلَهُ يَنْكِي فِي قُلُوبِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا لَا يُظْهِرُونَ ذَلِكَ، وَهَا هُنَا الْقَوْمُ كُفَّارٌ لَا يَعْتَقِدُونَ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ وَفِعْلُهُ لَا يَنْكِي فِي بَاطِنِهِمْ، فَيُشْتَرَطُ النِّكَايَةُ ظَاهِرًا لِإِبَاحَةِ الْإِقْدَامِ.
٢٩٦٦ - وَإِنْ كَانَ لَا يَطْمَعُ فِي نِكَايَةٍ وَلَكِنَّهُ يُجْزِئُ بِذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُظْهِرَ بِفِعْلِهِ النِّكَايَةَ فِي الْعَدُوِّ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى طَمَعٍ مِنْ النِّكَايَةِ بِفِعْلِهِ جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ يَطْمَعُ فِي النِّكَايَةِ فِيهِمْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي إرْهَابِ الْعَدُوِّ وَإِدْخَالِ الْوَهَنِ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَفْضَلُ وُجُوهِ النِّكَايَةِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ وَاحِدٍ يَبْذُلُ نَفْسَهُ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ.
٢٩٦٧ - وَلَوْ أَنَّ رَاكِبَ السَّفِينَةِ حِينَ انْتَهَى النَّارُ إلَيْهِ فَوَجَدَ مَسَّهَا وَحَرَارَتِهَا لَمْ يَجِدْ مَحِيصًا إلَّا أَنْ يَرْمِيَ بِنَفْسِهِ فِي الْمَاءِ، فَرَمَى بِنَفْسِهِ، كَانَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي سَعَةٍ.
стр. 1445
لِأَنَّ هَذَا الْآنَ مَدْفُوعٌ مِنْ إلْقَاءِ النَّارِ فِي السَّفِينَةِ، وَالْأَوَّلُ يَكُونُ مُلْقِيًا نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ لَا مَدْفُوعَ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مَدْفُوعًا قَبْلَ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ فِعْلُ الدَّافِعِ، وَهُنَاكَ مَا اتَّصَلَ بِهِ فِعْلُ الدَّافِعِ، وَهَا هُنَا قَدْ اتَّصَلَ بِهِ فِعْلُهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أُوقِدَتْ لَهُ نَارٌ وَقِيلَ لَهُ: لَنَضْرِبَنَّك بِالسِّيَاطِ حَتَّى نَقْتُلَك أَوْ تُلْقِيَ نَفْسَك فِي النَّارِ حَتَّى تَحْتَرِقَ لَمْ يَسَعْهُ إلْقَاءُ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانُوا ضَرَبُوهُ بِالسِّيَاطِ فَبَلَغَ مِنْ جَزَعِهِ وَاضْطِرَابِهِ أَنْ يَسْقُطَ فِي النَّارِ رَجَوْت أَنْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ.
لِأَنَّهُ مَدْفُوعُ الضَّارِبِ هَا هُنَا، وَلِأَنَّ أَلَمَ السَّوْطِ قَدْ أَصَابَهُ، وَمَا أَصَابَهُ أَلَمُ النَّارِ بَعْدُ، فَهُوَ إنَّمَا يَفِرُّ مِنْ أَلَمٍ قَدْ أَصَابَهُ، فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ.
٢٩٦٨ - وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: " لَفِتْنَةُ السَّوْطِ أَشَدُّ مِنْ فِتْنَةِ السَّيْفِ، إنَّ الرَّجُلَ لَيُضْرَبُ بِالسَّوْطِ حَتَّى يَرْكَبَ الْخَشَبَةَ.
يَعْنِي إذَا أُرِيدَ صَلْبُهُ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 1446
[بَابُ قِتَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَهْلَ الشِّرْكِ مَعَ أَهْلِ الشِّرْكِ]
٢٩٦٩ - قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الشِّرْكِ مَعَ أَهْلِ الشِّرْكِ.
لِأَنَّ الْفِئَتَيْنِ حِزْبُ الشَّيْطَانِ، وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ هُمْ الْخَاسِرُونَ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَنْضَمَّ إلَى إحْدَى الْفِئَتَيْنِ فَيَكْثُرُ سَوَادُهُمْ وَيُقَاتِلُ دَفْعًا عَنْهُمْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشِّرْكِ هُوَ الظَّاهِرُ، وَالْمُسْلِمُ إنَّمَا يُقَاتِلُ لِنُصْرَةِ أَهْلِ الْحَقِّ، لَا لِإِظْهَارِ حُكْمِ الشِّرْكِ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ أَحَدًا مِنْ الْخَوَارِجِ، مَعَ قَوْمٍ آخَرِينَ مِنْ الْخَوَارِجِ، إذَا كَانَ حُكْمُ الْخَوَارِجِ هُوَ الظَّاهِرُ.
لِأَنَّ إبَاحَةَ الْقِتَالِ مَعَ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنْ رَجَعُوا إلَى أَمْرِ اللَّهِ وَلَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْقِتَالِ إذَا كَانَ حُكْمُ الْخَوَارِجِ هُوَ الظَّاهِرُ.
٢٩٧٠ - وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُ الْمُسْلِمُونَ، مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ مَعَ الْخَوَارِجِ، الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ الْآنَ لِدَفْعِ فِتْنَةِ الْكُفْرِ، وَإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، فَهَذَا قِتَالٌ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَالْقِتَالُ هُنَاكَ لِإِظْهَارِ مَا هُوَ مَائِلٌ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَهَا هُنَا لِإِثْبَاتِ أَصْلِ الطَّرِيقِ.
٢٩٧١ - ثُمَّ إنَّمَا يُبَاحُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ مِنْهُمْ،
стр. 1447
فَأَمَّا إذَا آمَنُوا قَوْمًا ثُمَّ غَدَرُوا بِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُ الْقِتَالُ مَعَهُمْ لِأَهْلِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْأَمَانِ وَاجِبٌ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، يَكْتُبُ فِي كُلِّ عَهْدٍ وَفَاءً لَا غَدْرَ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ الْمَنْعُ لِأَهْلِ الْعَدْلِ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْمَحِلِّ حَتَّى يَجُوزَ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُمْ قَوْمًا آخَرِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنُوهُمْ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْقِتَالِ مَعْنَى الْغَدْرِ، بَلْ فِيهِ إظْهَارُ الْإِسْلَامِ.
٢٩٧٢ - وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْحَرْبِ لِأُسَرَاءَ فِيهِمْ قَاتِلُوا مَعَنَا عَدُوَّنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ لَا يَخَافُونَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ مَعَهُمْ.
لِأَنَّ فِي هَذَا الْقِتَالِ إظْهَارَ الشِّرْكِ، وَالْمُقَاتِلُ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ فَلَا رُخْصَةَ فِي ذَلِكَ إلَّا عَلَى قَصْدِ إعْزَازِ الدِّينِ، أَوْ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ. فَإِذَا كَانُوا يَخَافُونَ أُولَئِكَ الْآخَرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ الْآنَ شَرَّ الْقَتْلِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
فَإِنَّهُمْ يَأْمَنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَأْمَنُونَ الْآخَرِينَ إنْ وَقَعُوا فِي أَيْدِيهِمْ، فَحَلَّ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
٢٩٧٣ - وَإِنْ قَالُوا: قَاتِلُوا مَعَنَا عَدُوَّنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَإِلَّا قَتَلْنَاكُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا دَفْعًا لَهُمْ.
لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ الْآنَ أَشَرَّ الْقَتْلِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
стр. 1448
وَقَتْلُ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ لَهُمْ حَلَالٌ، وَلَا بَأْسَ بِالْإِقْدَامِ عَلَى مَا هُوَ حَلَالٌ، عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ، وَرُبَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ كَمَا فِي تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ.
٢٩٧٤ - وَإِنْ قَالُوا لَهُمْ قَاتِلُوا مَعَنَا الْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا قَتَلْنَاكُمْ لَمْ يَسَعْهُمْ الْقِتَالُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِعَيْنِهِ. فَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ التَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: اُقْتُلْ هَذَا الْمُسْلِمَ وَإِلَّا قَتَلْتُك.
٢٩٧٥ - فَإِنْ هَدَّدُوهُمْ يَقِفُوا مَعَهُمْ فِي صَفِّهِمْ وَلَا يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ رَجَوْت أَنْ يَكُونُوا فِي سَعَةٍ.
لِأَنَّهُمْ الْآنَ لَا يَصْنَعُونَ بِالْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، فَهَذَا لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَظَالِمِ.
٢٩٧٦ - وَأَكْبَرُ مَا فِيهِ أَنْ يَلْحَقَ الْمُسْلِمِينَ هَمٌّ لِكَثْرَةِ سَوَادِ الْمُشْرِكِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِوَعِيدٍ مُتْلِفٍ، فَإِنْ كَانُوا لَا يَخَافُونَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقِفُوا مَعَهُمْ فِي صَفٍّ، وَإِنْ أَمَرُوهُمْ بِذَلِكَ.
لِأَنَّ فِيهِ إرْهَابَ الْمُسْلِمِينَ وَإِلْقَاءَ الرُّعْبِ وَالْفَشَلِ فِيهِمْ، وَبِدُونِ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ لَا يَسَعُ الْمُسْلِمَ الْإِقْدَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ.
стр. 1449
وَلَوْ قَالُوا لِلْأُسَرَاءِ: قَاتِلُوا مَعَنَا عَدُوَّنَا مِنْ أَهْلِ حَرْبٍ آخَرِينَ، عَلَى أَنْ نُخَلِّيَ سَبِيلَكُمْ إذَا انْقَضَتْ حَرْبُنَا لَوْ وَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ.
لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ بِهَذَا الْأَسْرِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَكُونُ هَذَا دُونَ مَا إذَا كَانُوا يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ، فَكَمَا يَسَعُهُمْ الْإِقْدَامُ هُنَاكَ، فَكَذَلِكَ يَسَعُهُمْ هَا هُنَا.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسَعُهُمْ هَذَا وَفِيهِ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؟ لِأَنَّهُمْ إذَا ظَفِرُوا بِعَدُوِّهِمْ فَآمَنُوا جَانِبَهُمْ أَقْبَلُوا عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَرُبَّمَا يَأْخُذُونَ مِنْهُمْ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ فَيَتَقَوَّوْنَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
قُلْنَا: ذَلِكَ مَوْهُومٌ، وَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ الْآنَ مِنْ النَّجَاةِ عَنْ أَسْرِ الْمُشْرِكِينَ بِهَذَا الْقِتَالِ مَعْلُومٌ، فَيَتَرَجَّحُ هَذَا الْجَانِبُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ طَلَبُوا مِنْ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُفَادِيَهُمْ بِأَعْدَادِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَوْ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ لِتُخَلِّصَهُمْ بِهِ مِنْ الْأَسْرِ وَإِنْ كَانُوا يَتَقَوَّوْنَ، بِمَا يَأْخُذُونَ، عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
٢٩٧٨ - وَلَوْ قَالُوا أَعِينُونَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقِتَالٍ أَوْ بِتَكْثِيرِ سَوَادٍ عَلَى أَنْ نُخَلِّيَ سَبِيلَكُمْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ هَذَا.
لِأَنَّهُ لَا رُخْصَةَ لَهُمْ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ. وَلَا فِي إلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ، مَا لَمْ تَتَحَقَّقْ الضَّرُورَةُ بِخَوْفِ الْهَلَاكِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هَا هُنَا.
٢٩٧٩ - وَلَوْ قَالُوا: قَاتِلُوا مَعَنَا عَدُوَّنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ نُخَلِّيَكُمْ فِي بِلَادِنَا وَلَا نَدَعَكُمْ تَرْجِعُونَ إلَى أَهْلَيْكُمْ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ.
стр. 1450
لِأَنَّهُمْ إنْ كَانُوا آمَنِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا يَخَافُونَ مِنْ جَانِبِهِمْ تَلَفَ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا مَحْبُوسِينَ فِي بِلَادِهِمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونُوا فِي سُجُونِهِمْ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهَيْنِ يَلْحَقُهُمْ هَمٌّ بِالِانْقِطَاعِ عَنْ أَهَالِيِهِمْ، وَعَنْ إخْوَانِهِمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا لِإِظْهَارِ حُكْمِ الشِّرْكِ، بِدُونِ مَنْفَعَةٍ ظَاهِرَةٍ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
٢٩٨٠ - وَإِنْ كَانُوا فِي ضُرٍّ وَبَلَاءٍ، يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْهَلَاكَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ الْمُشْرِكِينَ، إذَا قَالُوا نَخْرُجُكُمْ مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ لَهُمْ فِي هَذَا الْقِتَالِ غَرَضًا صَحِيحًا، وَهُوَ دَفْعُ الْبَلَاءِ وَالضُّرِّ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ.
٢٩٨١ - وَلَوْ أَنَّهُمْ خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ لِيَرْجِعُوا إلَى دَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَظَفِرُوا بِمَالٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذُوهَا سِرًّا مِنْهُمْ، فَيُخْرِجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
لِأَنَّهُمْ أُسَرَاءُ فِي أَيْدِيهِمْ مَا لَمْ يَخْرُجُوا، وَإِنَّ خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ فَلَيْسَ فِي أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ وَقَتْلِ نُفُوسِهِمْ إنْ تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ غَدْرٌ بِأَمَانٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا هُوَ إصَابَةٌ مِنْ الْحَلَالِ، فَحَالُهُمْ فِي ذَلِكَ كَحَالِ الْمُتَلَصِّصِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ. حَتَّى إذَا أَخْرَجُوا ذَلِكَ فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ خُمِّسَ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا تَمَّ إحْرَازُهُمْ لِذَلِكَ بِالْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
стр. 1451
٢٩٨٢ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ هَذَا الْمَالُ أَصَابُوهُ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَهُمْ، وَخَفِيَ عَلَى الَّذِينَ كَانُوا أُسَرَاءَ فِي أَيْدِيهِمْ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ فَيَسْتَوِي إنْ كَانَ مَا أَصَابُوهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ لِلْمُشْرِكَيْنِ، وَلَمْ يَتِمَّ إحْرَازُ الْمُسْلِمِينَ لَهَا إلَّا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
٢٩٨٣ - فَإِنْ كَانُوا قَدْ قَالُوا لَهُمْ: تُقَاتِلُونَ مَعَنَا عَدُوَّنَا عَلَى أَنْ تُسَلِّمُوا الْغَنَائِمَ كُلَّهَا لَنَا، وَلَا تَأْخُذُوا مِنْهَا شَيْئًا، عَلَى أَنْ نُخَلِّي سَبِيلَكُمْ، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.
لِأَنَّ أَكْبَرَ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ بِهَذَا الشَّرْطِ يَلْتَحِقُ الْمُصَابُ بِأَمْوَالِهِمْ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذُوا أَمْوَالَهُمْ إذَا تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا يُمْتَنَعُ أَخْذُ الْمَالِ الْمُبَاحِ إذَا كَانَ فِيهِ غَدْرُ الْأَمَانِ.
٢٩٨٤ - وَإِنْ كَانُوا قَالُوا لَهُمْ: نُخَلِّي سَبِيلَكُمْ إلَى بِلَادِكُمْ، عَلَى أَلَّا تَأْخُذُوا مِنْ أَمْوَالِنَا شَيْئًا، فَأَجَابُوهُمْ إلَى ذَلِكَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا.
لِأَنَّهُمْ شَرَطُوا تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ. «وَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ»
стр. 1452
كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَإِنْ قِيلَ: فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى شَرَطُوا ذَلِكَ لَهُمْ أَيْضًا، ثُمَّ قُلْتُمْ: يَسَعُهُمْ إخْفَاءُ مَا أَخَذُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْآخَرِينَ حَتَّى يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
قُلْنَا: هُنَاكَ إنَّمَا شَرَطُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُسَلِّمُوا غَنَائِمَهُمْ، وَإِنَّمَا غَنَائِمُهُمْ مَا كَانُوا هُمْ الَّذِينَ أَخَذُوهُ مِنْ الْعَدُوِّ، فَأَمَّا مَا أَخَذَهُ الْأُسَرَاءُ مِنْ الْعَدُوِّ فَلَيْسَ مِنْ غَنَائِمِ الَّذِينَ قَاتَلُوهُمْ مَعَهُمْ.
لِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنَائِمِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ فِي مَنَعَتِهِمْ أَنَّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْإِخْفَاءِ مُخَالَفَةُ شَرْطٍ مُفْصِحٍ لَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَّ أَنَّ مُخَالَفَةَ الشَّرْطِ الْمُفْصِحِ بِهِ لَا يَصِحُّ لَهُمْ.
٢٩٨٥ - وَإِنْ كَانُوا أُسَرَاءَ فِي أَيْدِيهِمْ فَقَالَ: لَوْ كَانُوا فِي سِجْنٍ مِنْ سُجُونِهِمْ فَقَالُوا: نُؤْمِنُكُمْ عَلَى أَنْ نُخْرِجَكُمْ فَتَكُونُوا فِي بِلَادِنَا عَلَى أَلَّا نَدَعَكُمْ تَرْجِعُونَ إلَى بِلَادِكُمْ، وَلَا تَقْتُلُوا مِنَّا أَحَدًا، وَلَا تَأْخُذُوا مِنَّا مَالًا، سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً، فَرَضِيَ الْأُسَرَاءُ بِذَلِكَ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفُوا بِهَذَا الشَّرْطِ.
لِأَنَّهُمْ فِيمَا الْتَزَمُوا بِالشَّرْطِ نَصًّا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِيهِمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ آمَنُوا بِقَبُولِ ذَلِكَ مِنْ الْقَتْلِ وَالْحَبْسِ وَالْعَذَابِ.
فَإِنْ وَجَدُوا بَعْدَ هَذَا عَبْدًا أَصَابُوهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَسَعْ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالُهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِ كَانَ لَهُمْ.
стр. 1453
٢٩٨٦ - وَلَوْ وَجَدُوا حُرَّةً مَأْسُورَةً أَوْ مُدَبَّرَةً لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يَأْخُذُوهَا فَيَخْرُجُوهَا.
لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَمْ يَمْلِكُوهَا، وَإِنَّمَا شَرَطُوا عَلَيْهِمْ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ.
٢٩٨٧ - وَلَوْ وَجَدُوا كُرَاعًا أَوْ سِلَاحًا أَخَذُوهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لَمْ يَسَعْهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
٢٩٨٨ - وَلَوْ قَالُوا لِلْأُسَرَاءِ: اُخْرُجُوا إلَى بِلَادِكُمْ، فَأَنْتُمْ آمِنُونَ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ الْأُسَرَاءُ شَيْئًا، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلَهُمْ الْأُسَرَاءُ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ، وَيَأْخُذُوا أَمْوَالَهُمْ.
لِأَنَّ الْأُسَرَاءَ مَا الْتَزَمُوا لَهُمْ شَيْئًا بِالشَّرْطِ، وَاشْتِرَاطُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَيْهِمْ لَا يُلْزِمُهُمْ شَيْئًا مِمَّا لَمْ يَلْتَزِمُوهُ.
٢٩٨٩ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا جَاءَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِيَدْخُلُوا دَارَ الْحَرْبِ فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ: اُدْخُلُوا، وَأَنْتُمْ آمِنُونَ، فَدَخَلُوا وَلَمْ يَشْتَرِطُوا لَهُمْ شَيْئًا.
لِأَنَّ هُنَاكَ مَجِيئُهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْمَانِ بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِالِاشْتِرَاطِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَّا يَغْدِرُوا بِهِمْ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى فِي حَقِّ الْأُسَرَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَقْهُورِينَ فِي أَيْدِيهِمْ لَا مُسْتَأْمَنِينَ.
стр. 1454
وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْحَرْبِ لِلْأُسَرَاءِ فِيهِمْ: قَاتِلُوا مَعَنَا عَدُوَّنَا عَلَى أَنْ نُخَلِّيَ سَبِيلَكُمْ لِتَرْجِعُوا إلَى بِلَادِكُمْ، وَعَلَى أَنَّ مَا أَصَبْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَكُمْ، وَمَا أَصَبْنَا نَحْنُ مِنْ شَيْءٍ لَمْ تَعْرِضُوا فِيهِ لَنَا، ثُمَّ تَمَكَّنَ الْأُسَرَاءُ مِنْ أَخْذِ مَا أَصَابَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ سِرًّا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُ.
لِأَنَّهُمْ شَرَطُوا لَهُمْ ذَلِكَ، وَالْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ وَاجِبٌ.
٢٩٩١ - فَإِنْ سَلَّمَ أَهْلُ الْحَرْبِ لِلْأُسَرَاءِ مَا أَصَابُوهُ، فَأَخْرَجُوهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَهُوَ لَهُمْ خَاصَّةً لَا خُمْسَ فِيهِ، وَالْفَارِسُ وَالرَّاجِلُ فِيهِ سَوَاءٌ.
لِأَنَّهُمْ أَصَابُوهُ وَحُكْمُ الشِّرْكِ هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهِمْ، فَتَمَّ إحْرَازُهُمْ لَهُ فِي دَارِ الشِّرْكِ، حِينَ سَلَّمَ لَهُمْ الْعَدُوُّ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ مَا أَصَابُوا فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ فَهُوَ مِنْ وَجْهٍ كَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ هُمْ الَّذِينَ أَصَابُوهُ ثُمَّ سَلَّمُوهُ لَهُمْ بِطِيبَةِ أَنْفُسِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَالٍ وَهَبُوهُ لَهُمْ.
٢٩٩٢ - وَلَا يَكُون لِذَلِكَ الْمَالِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُ صَارَ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجُوهُ إلَى مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
- وَلَوْ كَانَ الْمُصِيبُ بَعْضَهُمْ كَانَ ذَلِكَ لِمَنْ أَصَابَهُ خَاصَّةً.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْإِحْرَازِ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ هَا هُنَا، وَغَيْرُ الْمُصِيبِ فِي هَذَا
стр. 1455
بِالْإِحْرَازِ وَسَبَبُ تَمَامِ الْحَقِّ الْإِصَابَةُ مَعَ تَسْلِيمِ الْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ لِلْمُصِيبِ، وَلَا شَرِكَةَ لِلْآخَرِينَ فِي هَذَا السَّبَبِ.
٢٩٩٣ - وَلَوْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ شَرَطُوا أَنَّ مَا أَصَابَهُ إنْسَانٌ مِنْ الْأُسَرَاءِ فَهُوَ بَيْنَ جَمِيعِ الْأُسَرَاءِ، وَرَضِيَ الْأُسَرَاءُ بِذَلِكَ، فَهَذَا الْمُصَابُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَإِنْ أَصَابَهُ بَعْضُهُمْ.
لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ إنَّمَا سَلَّمُوهُ لِجَمَاعَتِهِمْ، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَالٍ وَهَبُوهُ لَهُمْ جَمِيعًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَقَبَضَهُ بَعْضُهُمْ بِرِضَاءِ الْجَمَاعَةِ مِنْهُمْ.
٢٩٩٤ - وَلَوْ كَانُوا شَرَطُوا عَلَيْهِمْ أَنَّ مَا أَصَبْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ فَلَكُمْ نِصْفُهُ، وَلَنَا نِصْفُهُ، وَاقْتَسَمُوا مَا أَصَابُوهُ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ الْأُسَرَاءُ إلَى دَارِنَا فَجَمِيعُ مَا أَصَابُوهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا خُمْسَ فِيهِ.
لِأَنَّهُمْ تَمَكَّنُوا مِنْ إخْرَاجِهِ بِتَسْلِيمِ الْمُشْرِكِينَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا الْغَنِيمَةُ اسْمٌ لِمَالٍ مَأْخُوذٍ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ، وَذَلِكَ يَنْتَفِي إذَا سَلَّمَ الْمُشْرِكُونَ لَهُمْ ذَلِكَ.
٢٩٩٥ - فَأَمَّا مَا أَخْرَجَتْهُ الْأُسَرَاءُ هُنَا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِ أَهْلِ الْحَرْبِ، مِمَّا لَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ أَخَذُوهُ مِنْهُمْ. فَإِنَّ ذَلِكَ يُخَمَّسُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ هَذَا مُصَابٌ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَلَمْ يَتِمَّ سَبَبُ حَقِّهِمْ فِيهِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 1456
إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا أَخَذَ الْأُسَرَاءُ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِ أَهْلِ الْحَرْبِ، مِمَّا غَدَرُوا فِيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُخَمَّسُ.
لِأَنَّ الْأَخْذَ لَمْ يَكُنْ حَلَالًا لَهُمْ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِرَدِّهِ عَلَى سَبِيلِ الْفَتْوَى، بِمَنْزِلَةِ مَا أَخَذَهُ الْمُسْتَأْمَنُونَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ.
٢٩٩٧ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ أَرْسَلُوا الْأُسَرَاءَ خَاصَّةً أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الْحَرْبِ آخَرِينَ، وَجَعَلُوا الْأَمِيرَ مِنْ الْأُسَرَاءِ، وَجَعَلُوا لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَسَلَّمُوا لَهُمْ الْغَنَائِمَ يُخْرِجُونَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَا بَأْسَ بِالْقِتَالِ عَلَى هَذَا إذَا خَافُوهُمْ أَوْ لَمْ يَخَافُوا.
لِأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جِهَادًا مِنْهُمْ.
٢٩٩٨ - ثُمَّ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا إذَا أَخْرَجُوهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ الْمُصَابَ لَمَّا أَخَذَ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ هَا هُنَا، فَتَأَكَّدَ الْحَقُّ فِيهِ، يَكُونُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُوَادِعِينَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ لَوْ طَلَبَ إلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَدْخُلُوا بِلَادَهُمْ جُنْدًا لَيُغِيرُوا عَلَى أَهْلِ حَرْبٍ آخَرِينَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
стр. 1457
٢٩٩٩ - وَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ الَّذِينَ بَعَثُوا الْأُسَرَاءَ لِقِتَالِ عَدُوِّهِمْ شَرَطُوا أَنَّ الْمُصَابَ لَهُمْ دُونَ الْأُسَرَاءِ أَوْ نِصْفَ الْمُصَابِ لَهُمْ وَالْأُسَرَاءُ لَا يَخَافُونَهُمْ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ.
لِأَنَّ فِيهِ إعَانَتَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَصَابُوا كُرَاعًا أَوْ سِلَاحًا أَخَذُوا مِنْهُمْ الْمَشْرُوطَ فَتَقْوَوْا بِهِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ.
إلَّا أَنْ يَكُونُوا شَرَطُوا لَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوهُمْ فَيَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلُوا.
لِأَنَّ هَذَا فِي الْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ مُفَادَاتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِمَا يُعْطُونَهُمْ مِنْ السَّبْيِ وَالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ.
٢٣٠٠ - ثُمَّ إذَا خَرَجُوا بِالْبَقِيَّةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ خُمِّسَ ذَلِكَ، وَقُسِّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُمْ أَصَابُوهُ وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ هُوَ الظَّاهِرُ فِيهِمْ، وَبِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ يَتَأَكَّدُ حَقُّهُمْ فِيهِ، لَا بِتَسْلِيمِ الْمُشْرِكِينَ لَهُمْ، ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ مَا كَانُوا مَعَهُمْ حِينَ أَصَابُوا ذَلِكَ، وَكَانَتْ مَنَعَتُهُمْ حِينَ أَصَابُوا مَنَعَةَ الْمُسْلِمِينَ.
٣٠٠١ - وَلَوْ كَانُوا شَرَطُوا لِلْأُسَرَاءِ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ وَالسَّبْيَ، وَلَهُمْ مَا سِوَى ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ بِقِتَالِ الْأُسَرَاءِ عَلَى هَذَا بَأْسٌ
стр. 1458
أَيْضًا، بِمَنْزِلَةِ مُفَادَاتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِالْمَالِ، فَإِنْ كَانُوا قَالُوا لَهُمْ: ذَلِكَ لَكُمْ عَلَى أَلَّا تُخْرِجُوهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا تَخْرُجُوا أَنْتُمْ أَيْضًا، فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا عَلَى هَذَا، إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِأَنْ يَخَافُوهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
لِأَنَّ فِي هَذَا الْقِتَالِ تَحْصِيلَ مَنْفَعَةِ الْمَالِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَلَيْسَ بِمُقَابِلَتِهِ مَعْنَى الْخَلَاصِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَسَعُ الْقِتَالُ عَلَى هَذَا إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ.
стр. 1459
[بَابُ مَا لَا يَكُونُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ وَبَيْعِ الْخُمُورِ]
ِ ٣٠٠٢ - ذُكِرَ عَنْ تَوْبَةَ بْنِ نَمِرً الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «لَا خِصَاءَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا كَنِيسَةَ» . وَفِيهِ لُغَتَانِ خِصَاءَ وَإِخْصَاءَ وَالْحَدِيثُ مَرْوِيٌّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ، وَفِي تَفْسِيرِهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا النَّهْيُ عَنْ إخْصَاءِ بَنِي آدَمَ، بِصِيغَةِ النَّفْيِ. وَهُوَ أَبْلَغُ مَا يَكُونُ مِنْ النَّهْيِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ بِالنَّصِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] .
قِيلَ: هُوَ إخْصَاءُ بَنِي آدَمَ، وَإِنَّمَا يَأْمُرُ الشَّيْطَانُ بِمَا هُوَ مِنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، ثُمَّ هُوَ مُثْلَةٌ. وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌، عَنْ الْمُثْلَةِ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ» .
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ التَّبَتُّلُ، وَهُوَ أَنْ يُحَرِّمَ الرَّجُلُ غَشَيَانَ النِّسَاءِ، فَيَجْعَلُ نَفْسَهُ بِمَنْزِلَةِ الرُّهْبَانِ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ النِّسَاءَ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ عَنْ ذَلِكَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ
стр. 1460
مَعَ أَصْحَابِهِ حِينَ هَمُّوا بِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَنِيسَةِ إحْدَاثُ الْكَنَائِسِ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ﵀ حِينَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌.
٣٠٠٣ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، قَالَ: أَمْنَعُ أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ إحْدَاثِ شَيْءٍ مِنْ الْكَنَائِسِ فِي الْبِلَادِ الْمَفْتُوحَةِ مِنْ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا، وَلَا أَهْدِمُ شَيْئًا مِمَّا وَجَدْته قَدِيمًا فِي أَيْدِيهِمْ، مَا لَمْ أَعْلَمُ أَنَّهُمْ أَحْدَثُوا ذَلِكَ بَعْدَ مَا صَارَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ تَغْيِيرَ مَا وُجِدَ قَدِيمًا لَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لِذَلِكَ، وَتَمْكِينُهُمْ مِنْ إحْدَاثِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ صَارَ مُعَدًّا لِإِقَامَةِ أَعْلَامِ الْإِسْلَامِ فِيهِ، كَتَمْكِينِ الْمُسْلِمِ مِنْ الثَّبَاتِ عَلَى الشِّرْكِ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ.
٣٠٠٤ - فَإِنْ طَلَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنْ يَصِيرُوا ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، يُجْرَى عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ، عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا عَنْ رِقَابِهِمْ وَأَرَاضِيهمْ شَيْئًا مَعْلُومًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُجِيبَهُمْ إلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ يَنْتَهِي بِهِ الْقِتَالُ كَالْإِسْلَامِ، فَكَمَا أَنَّهُمْ لَوْ طَلَبُوا عَرْضَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ يَجِبُ إجَابَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ إذَا طَلَبُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُمْ يَلْتَزِمُونَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، ثُمَّ رُبَّمَا
стр. 1461
يَرَوْنَ مَحَاسِنَ الشَّرِيعَةِ وَيُسْلِمُونَ، فَكَانَ هَذَا فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ إلَى الدِّينِ بِأَرْفَقِ الطَّرِيقِينَ.
٣٠٠٥ - وَقَدْ أَجَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَهْلَ نَجْرَانَ إلَى هَذَا حِينَ طَلَبُوا مِنْهُ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ فِي سَنَةٍ أَوْ عَلَى أَلْفٍ وَمِائَتِي حُلَّةٍ.
فَإِنْ صُولِحُوا عَلَى هَذَا وَأَرَاضِيهِمْ مِثْلُ أَرْضِ الشَّامِ مَدَائِنُ وَقُرًى فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ دُورِهِمْ وَأَرَاضِيهِمْ، وَلَا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَيْهِمْ مَنَازِلَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ عَهْدٍ وَصُلْحٍ، وَقَدْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﵌، يَوْمَ خَيْبَرَ لَا أُحِلُّ لَكُمْ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ الْمُعَاهَدِينَ. وَلِأَنَّهُمْ قَبِلُوا الذِّمَّةَ لِتَكُونَ أَمْوَالُهُمْ وَحُقُوقُهُمْ كَأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَحُقُوقِهِمْ.
٣٠٠٦ - فَإِنْ أَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا مِصْرًا فِي الْمَوَاتِ مِنْ تِلْكَ الْأَرَاضِيِ الَّتِي لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا تَعَرُّضٌ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْلَاكِهِمْ، وَقَدْ صَارَتْ دِيَارُهُمْ مِنْ جُمْلَةِ دِيَارِ الْإِسْلَامِ، بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهَا. فَالرَّأْيُ إلَى الْإِمَامِ فِي الْمَوَاتِ مِنْ الْأَرَاضِيِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
٣٠٠٧ - قَالَ ﵌: «أَلَا إنَّ عَادِيَ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي» .
стр. 1462
فَإِنْ كَانَ قُرْبَ ذَلِكَ الْمِصْرِ الَّذِي اتَّخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَوَاتِ مِنْ الْأَرَاضِيِ قُرًى لِأَهْلِ الذَّمَّةِ فَعَظُمَ الْمِصْرُ حَتَّى جَاوَزَ تِلْكَ الْقُرَى، فَقَدْ صَارَتْ مِنْ جُمْلَةِ الْمِصْرِ، لِإِحَاطَةِ الْمِصْرِ بِجَوَانِبِهَا، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِي تِلْكَ الْقُرَى كَنَائِسُ أَوْ بِيَعٌ أَوْ بُيُوتُ نِيرَانٍ تُرِكَتْ عَلَى حَالِهَا.
لِأَنَّهُمْ أَهْلُ صُلْحٍ، قَدْ اسْتَحَقُّوا بِهِ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، بِصَيْرُورَةِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِصْرًا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ فِي أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ أَمْلَاكِهِمْ وَإِزْعَاجِهِمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ بِعَقْدِ الصُّلْحِ.
٣٠٠٩ - وَلَكِنْ إنْ أَرَادُوا إحْدَاثَ بِيعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ جُمْلَةِ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ يَصِحُّ فِيهِ الْجُمَعُ وَالْأَعْيَادُ وَتُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ وَفِي تَمْكِينِهِمْ مِنْ إحْدَاثِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ إدْخَالُ الْوَهَنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ تَمْكِينُهُمْ مِنْ الْمُعَارَضَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ صُورَةً، وَهَذَا مُرَادُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، بِقَوْلِهِ: وَلَا كَنِيسَةَ.
يُوضِحُهُ أَنَّ مَا كَانَتْ لَهُمْ مِنْ الْكَنَائِسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَدْ تَأَكَّدَ حَقُّهُمْ فِيهَا بِالتَّقْرِيرِ، بَعْدَ مَا صَارَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ دَارَ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِمَا أُحْدِثَ
стр. 1463
مِنْ الْحَالِ، وَهُوَ تَصْيِيرُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادُوا الْإِحْدَاثَ وَهُوَ نَظِيرُ حُكْمٍ فِي حَادِثَةٍ أَمْضَاهُ الْقَاضِي بِاجْتِهَادٍ، ثُمَّ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَبْنِي مِثْلَ تِلْكَ الْحَادِثَةِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ عَلَى مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ الرَّأْيِ فِيهِ.
٣٠١٠ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا يَبِيعُونَ الْخُمُورَ وَالْخَنَازِيرَ عَلَانِيَةً فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، بَعْدَ مَا صَارَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِصْرًا.
لِأَنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ يُنْشِئُونَهُ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ بَيْعِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ فِي أَمْصَار الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ إدْخَالِ ذَلِكَ فِي الْأَمْصَارِ عَلَى وَجْهِ الشُّهْرَةِ وَالظُّهُورِ.
هَكَذَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄: وَلِأَنَّ هَذَا فِسْقٌ، وَفِي إظْهَارِ الْفِسْقِ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ، وَمَا صَالَحْنَاهُمْ عَلَى أَنْ يَسْتَخِفُّوا بِالْمُسْلِمِينَ.
٣٠١١ - وَكَذَلِكَ إنْ حَضَرَ لَهُمْ عِيدٌ يُخْرِجُونَ فِيهِ صَلِيبَهُمْ فَلْيَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي كَنَائِسِهِمْ الْقَدِيمَةِ، فَأَمَّا أَنْ يُخْرِجُوا ذَلِكَ مِنْ الْكَنَائِسِ حَتَّى يُظْهِرُوهُ فِي الْمِصْرِ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ لِيُخْرِجُوهُ خَفِيًّا مِنْ كَنَائِسِهِمْ حَتَّى إذَا أَخْرَجُوهُ مِنْ الْمِصْرِ إلَى غَيْرِ الْمِصْرِ فَلْيَصْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبُّوا، يَعْنِي إذَا جَاوَزُوا أَفَنِيَّةَ الْمِصْرِ.
стр. 1464
لِأَنَّ فِنَاءَ الْمِصْرِ كَجَوْفِهِ فِي حُكْمِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ فِيهِ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِي نَوَادِرِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَخَرَجَ مَعَ النَّاسِ إلَى بَعْضِ أَفْنِيَةِ الْمِصْرِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ بِهِمْ، وَهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ ذَلِكَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُظْهِرُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ، لَكَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى صُورَةِ الْمُعَارَضَةِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ فِنَاءَ الْمِصْرِ فِي هَذَا كَجَوْفِ الْمِصْرِ.
٣٠١٢ - وَكَذَلِكَ ضَرْبَ النَّاقُوسِ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْهُ إذَا كَانُوا يَضْرِبُونَهُ فِي جَوْفِ كَنَائِسِهِمْ الْقَدِيمَةِ، فَإِنْ أَرَادُوا الضَّرْبَ بِهَا خَارِجًا فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكُوا لِيَفْعَلُوا ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُعَارَضَةِ أَذَانِ الْمُسْلِمِينَ فِي الصُّورَةِ، فَأَمَّا كُلُّ قَرْيَةٍ أَوْ مَوْضِعٍ لَيْسَ بِمِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ جَمِيعِ ذَلِكَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهَا عَدَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ نُزُولٌ.
لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَوْضِعِ إعْلَامِ الدِّينِ مِنْ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ فِيهِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ بَلْخِي رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا: إنَّمَا أَجَابُوا بِهَذَا هَا هُنَا وَفِي الْمَبْسُوطِ بُنِيَ عَلَى حَالِ قُرَاهُمْ بِالْكُوفَةِ، فَإِنَّ عَامَّةَ مَنْ يَسْكُنُهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالرَّوَافِضُ فَأَمَّا فِي دِيَارِنَا فَهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقُرَى، كَمَا يُمْنَعُونَ مِنْهُ فِي الْأَمْصَارِ؛ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ جَمَاعَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَجُلُوسِ الْوَاعِظِينَ وَالْمُدَرِّسِينَ بِمَنْزِلَةِ الْأَمْصَارِ، وَاسْتَدَلُّوا بِلَفْظٍ ذَكَرَهُ هُنَا فَقَالَ.
٣٠١٣ - فَأَمَّا الْمِصْرُ الَّذِي الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِثْلُ الْحِيرَةِ وَغَيْرِهَا لَيْسَتْ فِيهَا جُمُعَةٌ وَلَا حُدُودٌ تُقَامُ، فَإِنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ ذَلِكَ فِيهَا.
стр. 1465
وَمَشَايِخُ دِيَارِنَا يَقُولُونَ: لَا يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ ذَلِكَ فِي الْقُرَى عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِلَفْظٍ ذَكَرَهُ هَا هُنَا فَقَالَ: الْقُرَى الَّتِي أَهْلُهَا مُسْلِمُونَ إلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَمْصَارٍ، فِيهَا جُمَعٌ وَحُدُودٌ، إذَا اشْتَرَى قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهَا مَنَازِلَ وَاِتَّخَذُوا فِيهَا الْكَنَائِسَ وَالْبِيَعَ، وَأَعْلَنُوا فِيهَا بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْمَنْعَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَوْضِعُ إقَامَةِ مَعَالِمِ الدِّينِ فِيهِ مِنْ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَتَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَنْفِيذَ الْأَحْكَامِ يَخْتَصُّ بِالْأَمْصَارِ دُونَ الْقُرَى، وَهَكَذَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي أَدَبِ الْقَاضِي بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّ الْقُرَى فِي ذَلِكَ كَالْأَمْصَارِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ.
٣٠١٤ - فَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ ذَلِكَ فِي الْمِصْرِ، وَمَا يَكُونُ مِنْ فِنَاءِ الْمِصْرِ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقُرَى الَّتِي يَكُونُ أَكْثَرُ السُّكَّانِ بِهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَأَمَّا فِي الْقُرَى الَّتِي يَسْكُنُهَا الْمُسْلِمُونَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
٣٠١٥ - وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فِي أَصْلِ الصُّلْحِ أَنْ يُقَاسِمُوهُمْ مَنَازِلَهُمْ فِي مَدَائِنِهِمْ وَأَمْصَارِهِمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
لِأَنَّ اشْتِرَاطَ هَذَا الْمِلْكِ عَلَيْهِمْ كَاشْتِرَاطِ مَالٍ آخَرَ، فَيَجُوزُ إذَا كَانَ مَعْلُومًا.
٣٠١٦ - فَإِنْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فِي مُدَايَنهمْ وَقُرَاهُمْ، وَفِيهَا الْكَنَائِسُ وَبَيْعُ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ عَلَانِيَةً، وَتَزْوِيجُ الْمَحَارِمِ،
стр. 1466
فَكُلُّ مَوْضِعٍ صَارَ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ تُجْمَعُ فِيهِ الْجُمَعُ، وَتُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ، فَإِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ فِيهِ وَإِظْهَارِ شَيْءٍ مِمَّا كَانُوا يُظْهِرُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
لِأَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ قَدْ صَارَ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، بِمَا أَحْدَثُوا مِنْ السُّكْنَى فِيهِ بَعْدَ الصُّلْحِ، فَهُوَ فِي الْحُكْمِ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ، مِمَّا جَعَلُوهُ مِصْرًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَكُلُّ حُكْمٍ ذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ فَهُوَ الْحُكْمُ هَا هُنَا.
٣٠١٧ - فَإِنْ انْهَدَمَتْ كَنِيسَةٌ مِنْ كَنَائِسِهِمْ الْقَدِيمَةِ فَلَهُمْ أَنْ يَبْنُوهَا كَمَا كَانَتْ.
لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ قَدْ كَانَ مُقَرَّرًا لِمَا كَانُوا أَعَدُّوهُ لَهُ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِانْهِدَامِ الْبِنَاءِ، فَإِذَا بَنَوْهُ كَمَا كَانَ فَالْبِنَاءُ الثَّانِي مِثْلُ الْأَوَّلِ.
٣٠١٨ - وَإِنْ قَالُوا: نُحَوِّلُهُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْمِصْرِ، فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْمَوْضِعَ الْآخَرَ قَدْ صَارَ مُعَدًّا لِإِظْهَارِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهِ، فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ أَنْ يَجْعَلُوهُ مُعَدًّا بَعْدَ ذَلِكَ لِإِظْهَارِ حُكْمِ الشِّرْكِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بِعِوَضٍ يَجْعَلُونَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ إذَا طَلَبَ أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ الثَّبَاتِ عَلَى الرِّدَّةِ بِمَالٍ يُعْطَى لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يُجَابُ إلَى ذَلِكَ بِحَالٍ.
أَرَأَيْت لَوْ أَرَادُوا أَنْ يُحَوِّلُوهُ إلَى مَوْضِعٍ كَانَ مَسْجِدًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي وَقْتٍ
стр. 1467
مِنْ الْأَوْقَاتِ عَلَى أَنْ يَبْنُوا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِلْمُسْلِمِينَ مَسْجِدًا أَجْوَدَ مِمَّا كَانَ مِنْهُ وَأَوْسَعَ، أَكَانَ يَحِلُّ إجَابَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ،؟ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ.
٣٠١٩ - وَلَوْ ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَعَلَى أَرْضِهِمْ، فَرَأَى أَنْ يَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ ﵁ بِأَهْلِ سَوَادِ الْكُوفَةِ فَهُوَ جَائِزٌ مُسْتَقِيمٌ لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا شَاوَرَ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، وَحَاجَّهُمْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ مِنْ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلِهِ إلَّا نَفَرًا يَسِيرًا مِنْهُمْ خَالَفُوهُ وَلَمْ يُحْمَدُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى دَعَا عَلَيْهِمْ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ: اكْفِنِي بِلَالًا وَأَصْحَابَهُ " فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ، ثُمَّ لَا يُمْنَعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ بِنَاءِ بِيعَةٍ: أَوْ كَنِيسَةٍ وَلَا مِنْ إظْهَارِ بَيْعِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ فِي قُرَاهُمْ وَأَمْصَارِهِمْ.
لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِأَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْحُدُودُ وَالْجُمَعُ.
وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي الْأَرَاضِيِ الَّتِي وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَظْفَرَ بِهِمْ، فَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَرَاضِيِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَوَاضِعَ إقَامَةِ أَعْلَامِ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ، مِنْ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَالْحُدُودِ.
٣٠٢٠ - فَإِنْ مَصَّرَ الْإِمَامُ فِي أَرَاضِيِهِمْ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا مَصَّرَ عُمَرُ ﵁ الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ فَاشْتَرَى بِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ دُورًا وَسَكَنُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ.
стр. 1468
لِأَنَّا إنَّمَا قَبِلْنَا مِنْهُمْ عَقْدَ الذِّمَّةِ لِيَقِفُوا عَلَى مَحَاسِنِ الدِّينِ، فَعَسَى أَنْ يُؤْمِنُوا وَاخْتِلَاطُهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ فِي السُّكْنَى مَعَهُمْ يُحَقِّقُ هَذَا الْمَعْنَى.
قَالَ ﵁: وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ ﵀ يَقُولُ: هَذَا إذَا قَلُّوا وَكَانَ بِحَيْثُ لَا يَتَعَطَّلُ بَعْضُ جَمَاعَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَتَقَلَّلُ الْجَمَاعَةُ بِسُكْنَاهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَأَمَّا إذَا كَثُرُوا عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ بَعْضِ الْجَمَاعَاتِ أَوْ تَقْلِيلِهَا مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَأُمِرُوا بِأَنْ يَسْكُنُوا نَاحِيَةً لَيْسَ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةٌ، وَهَذَا مَحْفُوظٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ.
٣٠٢١ - فَإِنْ اشْتَرَوْا دُورًا لِلسُّكْنَى فَأَرَادُوا أَنْ يَتَّخِذُوا دَارًا مِنْهَا كَنِيسَةً أَوْ بِيعَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهَا لِصَلَاتِهِمْ مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ.
لِمَا فِي إحْدَاثِ ذَلِكَ مِنْ صُورَةِ الْمُعَارَضَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ لِلْجَمَاعَاتِ وَفِيهِ ازْدِرَاءٌ بِالدِّينِ وَاسْتِخْفَافٌ بِالْمُسْلِمِينَ.
٣٠٢٢ - وَكَذَلِكَ يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ بَيْعِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ وَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فِي هَذَا الْمِصْرِ.
لِأَنَّ فِي هَذَا الْإِظْهَارِ مَعْنَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَمَقْصُودُهُمْ يَحْصُلُ بِدُونِ الْإِظْهَارِ.
٣٠٢٣ - وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُؤَاجِرَهُمْ بَيْتًا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ صُورَةِ الْإِعَانَةِ إلَى مَا يَرْجِعُ إلَى
стр. 1469
الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ آجَرَهُمْ فَأَظْهَرُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الدَّارِ مَنَعَهُمْ صَاحِبُ الْبَيْتِ وَغَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ، عَلَى سَبِيلِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ، وَلَا يَفْسَخُ عَقْدَ الْإِجَارَةِ بِهَذَا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَجَّرَ بَيْتَهُ مِنْ مُسْلِمٍ فَكَانَ يَجْمَعُ النَّاسَ فِيهِ عَلَى الشَّرَابِ أَوْ يَبِيعُ الْمُسْكِرَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَا تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ لِأَجَلِهِ.
لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ هَذَا لَيْسَ لِمَعْنًى يَتَّصِلُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ.
٣٠٢٤ - وَإِنْ اتَّخَذَ فِيهِ مُصَلًّى لِنَفْسِهِ خَاصَّةً لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ السُّكْنَى، وَقَدْ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِالْإِجَارَةِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِمَّا فِيهِ صُورَةُ الْمُعَارَضَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي إظْهَارِ أَعْلَامِ الدِّينِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْنِيَهُ كَنِيسَةً يَجْتَمِعُونَ فِيهَا لِصَلَاتِهِمْ.
٣٠٢٥ - فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْبَيْتَ صَوْمَعَةً يَتَخَلَّى فِيهَا أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ يُشْتَهَرُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اتِّخَاذِ الْكَنِيسَةِ لِجَمَاعَتِهِمْ.
٣٠٢٦ - فَإِنْ صَارَتْ بَلْدَةً مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ يُجْمَعُ فِيهِ الْجُمَعُ، وَيُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ، وَلَهُمْ فِيهِ
стр. 1470
كَنِيسَةٌ قَدِيمَةٌ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَمْصَارِ الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا أَهْلَهَا قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ هُنَاكَ تُتْرَكُ لَهُمْ الْكَنَائِسُ الْقَدِيمَةُ وَيُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ بَعْدَ مَا صَارَتْ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَا هُنَا يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ، وَلَا يَتْرُكُ لَهُمْ الْكَنَائِسَ الْقَدِيمَةَ أَيْضًا، إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ.
لِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ قَسَّمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ لَمْ يَتْرُكْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ الْكَنَائِسِ، فَكَذَلِكَ إذَا جَعَلَهُمْ ذِمَّةً، وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ إظْهَارِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فِي هَذَا الْمِصْرِ قَدْ تَقَرَّرَ حِينَ فُتِحَ عَنْوَةً وَيَثْبُتُ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ؛ الرَّأْيُ إلَى الْإِمَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ لَا فِي إبْطَالِ حَقِّهِمْ، وَفِي الْأَوَّلِ مَا تَقَرَّرَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ فِي تِلْكَ الْأَرَاضِيِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا أَثْبَتَ الْإِمَامُ ذَلِكَ بِالصُّلْحِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ عَقْدُ الصُّلْحِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ هَا هُنَا يَضَعُ الْجِزْيَةَ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ وَالْخَرَاجُ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ، وَهُنَاكَ لَا يُلْزِمُهُمْ مِنْ الْمَالِ عَنْ نُفُوسِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ إلَّا مِقْدَارَ مَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ.
تَوْضِيحُهُ أَنَّ هُنَاكَ بِالصُّلْحِ تَقَرَّرَ حَقُّهُمْ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ بِنَاءً عَلَى حَقِّهِمْ الْمُتَقَرَّرِ، فَيَصِيرُ الْحَقُّ الثَّابِتُ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ مَانِعًا لَهُمْ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ، وَلَا يَصِيرُ مُوجِبًا لِلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ
стр. 1471
فِيمَا تَقَرَّرَ حَقُّهُمْ فِيهِ، وَهَا هُنَا اعْتَرَضَ حَقُّهُمْ عَلَى الْحَقِّ الثَّابِتِ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ بِاعْتِبَارِ رَأْيٍ رَآهُ الْإِمَامُ فِي الْمَنِّ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ الرَّأْيُ مُقَيَّدٌ بِالنَّظَرِ، وَفِيمَا لَا نَظَرَ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ يُعْتَبَرُ تَقَدُّمُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَانَ هَذَا نَظِيرُ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا يُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِحَالٍ لِلْمَعْنَى الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ.
٣٠٢٧ - إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَهْدِمَ أَبْنِيَةَ الْكَنَائِسِ الْقَدِيمَةِ لَهُمْ، وَلَكِنْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَيَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يَجْعَلُوهَا مَسَاكِنَ يَسْكُنُونَهَا.
لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ، وَلَمَّا جَعَلَهُمْ ذِمَّةً فَقَدْ أَظْهَرَ الْحُرْمَةَ وَالْعِصْمَةَ لِأَمْلَاكِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِالتَّخْرِيبِ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِيهَا لِتَعَبُّدِهِمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الشِّرْكِ فِي مَوْضِعٍ ثَبَتَ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فِي إظْهَارِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهِ.
٣٠٢٨ - فَإِنْ عَطَّلَ الْمُسْلِمُونَ هَذَا الْمِصْرَ حَتَّى تَرَكُوا إقَامَةَ الْحُدُودِ وَالْجُمَعِ فِيهَا، فَلِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَتَّخِذُوا فِيهَا مَا أَرَادُوا مِنْ الْكَنَائِسِ، وَأَنْ يُظْهِرُوا بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِيهَا.
لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى قَدْ ارْتَفَعَ.
стр. 1472
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُمْنَعُونَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَهَا الْإِمَامُ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، يُقِيمُ فِيهَا الْجُمَعَ وَالْأَعْيَادَ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَا تَرَكَ ذَلِكَ) .
لِأَنَّ الْمَانِعَ صُورَةُ الْمُعَارَضَةِ.
٣٠٢٩ - قَالَ: وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ كَنِيسَةً وَلَا بِيعَةً وَلَا بَيْتَ نَارٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَظْهَرَ فِيهَا بَيْعُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ.
لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ يُبْنَى عَلَى سُكْنَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهَا، وَهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ اسْتِدَامَةِ السُّكْنَى فِي أَرْضِ الْعَرَبِ، كَرَامَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَإِنَّهُ مَوْضِعُ وِلَادَتِهِ وَمَنْشَئِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِقَوْلِهِ: «لَا يَجْتَمِعُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ دِينَانِ» .
وَقَالَ: «لَئِنْ بَقِيت لَأُخْرِجَنَّ بَنِي نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» . ثُمَّ أَجَلَاهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، إلَى الشَّامِ، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَكَذَلِكَ أَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ وَيَهُودَ وَادِي الْقُرَى وَغَيْرَهُمْ مِمَّنْ كَانَ يَسْكُنُ أَرْضَ الْعَرَبِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، حَتَّى لَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالشَّامِ وَبَعْضُهُمْ بِالْعِرَاقِ. فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ اسْتِدَامَةِ السُّكْنَى لِحُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَالْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ فِي الْمَنْعِ مِنْ تِلْكَ الْكَنَائِسِ وَإِظْهَارِ بَيْعِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ فِيهَا أَظْهَرُ.
٣٠٣٠ - وَإِذَا دَخَلَهَا مُشْرِكٌ تَاجِرًا عَلَى أَنْ يَتْجُرَ وَيَرْجِعَ
стр. 1473
إلَى بِلَادِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يُطِيلَ فِيهَا الْمُكْثَ حَتَّى يَتَّخِذَ فِيهَا مَسْكَنًا.
لِأَنَّ حَالَهُمْ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ مَعَ الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ كَحَالِهِمْ فِي الْمُقَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ، وَهُنَاكَ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ التِّجَارَةِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُونَ مِنْ إطَالَةِ الْمُقَامِ، فَكَذَلِكَ حَالُهُمْ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ حَتَّى إذَا أَرَادَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَنْزِلَ أَرْضَ الْعَرَبِ، مِثْلَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالرَّبَذَةِ وَوَادِي الْقُرَى، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَرْضَ الْعَرَبِ مِنْ عُذَيْبٍ إلَى مَكَّةَ طُولًا وَمِنْ عَدَنَ أَبَيْنَ إلَى أَقْصَى حُجْرَ بِالْيَمَنِ بِمُهْرَةَ عَرْضًا.
٣٠٣١ - وَكُلُّ مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ يُجْمَعُ فِيهَا الْجُمَعُ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ أَنْ يُدْخِلَ فِيهَا خَمْرًا وَلَا خِنْزِيرًا ظَاهِرًا، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ وَقَالَ: إنَّمَا مَرَرْت مُجْتَازًا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَلِّلَ الْخَمْرَ أَوْ قَالَ: لَيْسَ هَذَا لِي، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا دَيِّنًا لَا يُتَّهَمُ عَلَى ذَلِكَ خُلِّيَ سَبِيلُهُ.
لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ يَشْهَدُ عَلَى صِدْقِهِ فِي خَبَرِهِ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ، خُصُوصًا فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ.
٣٠٣٢ - وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِتَنَاوُلِ ذَلِكَ أُهْرِيقَتْ خَمْرُهُ وَذُبِحَ خِنْزِيرُهُ وَأُحْرِقَ بِالنَّارِ.
стр. 1474
لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَصْدَهُ كَانَ ارْتِكَابَ الْحَرَامِ، وَفِعْلُهُ الَّذِي ظَهَرَ عَلَى قَصْدِ ارْتِكَابِ الْحَرَامِ حَرَامٌ، فَيَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. وَإِنْ رَأَى أَنْ يُؤَدِّبَهُ بِأَسْوَاطٍ وَيَحْبِسَهُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ فَعَلَ.
لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْجِبَ التَّعْزِيرِ بِارْتِكَابِ مَا لَا يَحِلُّ، وَهُوَ إظْهَارُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِي مِصْرِ الْمُسْلِمِينَ.
٣٠٣٣ - وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْإِنَاءِ بِالْكَسْرِ وَالتَّمْزِيقِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْسِدَهُ عَلَى مَالِكِهِ إذْ التَّعْزِيرُ بِإِيلَامٍ فِي الْبَدَنِ لَا بِإِفْسَادٍ فِي الْمَالِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي بَابِ إحْرَاقِ رَحْلِ الْغَالِّ.
٣٠٣٤ - وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ إنْسَانٌ ضَمِنَ قِيمَةَ مَا أَفْسَدَهُ.
لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مُتَقَوِّمًا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِوَجْهٍ حَلَالٍ.
٣٠٣٥ - إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ رَأْيِ الْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عُقُوبَةً لِمَا صَنَعَ صَاحِبُهُ. فَحِينَئِذٍ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا صَنَعَ، وَلَا عَلَى مَنْ أَمَرَهُ بِهِ.
стр. 1475
لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ حُكْمٌ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي إحْرَاقِ رَحْلِ الْغَالِّ، وَحُكْمُ الْإِمَامِ فِي الْمُجْتَهِدَاتِ نَافِذٌ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: تَأْوِيلُ هَذَا فِي إنَاءٍ يُشْرَبُ فِيهِ الْخَمْرُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَجُوزُ إفْسَادُهُ، عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ أَمَرَ بِكَسْرِ الدِّنَانِ وَشَقِّ الزِّقَاقِ» . وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ الْإِمَامُ وَغَيْرُ الْإِمَامِ فِي هَذَا سَوَاءً، كَمَا فِي إرَاقَةِ الْخَمْرِ وَإِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلزَّجْرِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ عَلَى تَحْقِيقِ مَعْنَى الزَّجْرِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ حُكْمًا نَافِذًا.
٣٠٣٦ - فَإِنْ أَخَذَ الزِّقَّ وَالدَّابَّةَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا ذَلِكَ الشَّرَابُ فَبَاعَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ.
لِأَنَّهُ بَاعَ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ وَالْإِمَامُ فِي هَذَا كَغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ فِي أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي بَيْعِ الْمَالِ عَلَى مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ.
٣٠٣٧ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَدْخَلَهُ ذِمِّيًّا فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا يُرَدُّ عَلَيْهِ مَتَاعُهُ وَتَقَدَّمَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ إنْ عَادَ أَدَّبَهُ.
لِأَنَّ هَذَا مِمَّا قَدْ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ، وَالْجَهْلُ فِي مِثْلِهِ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ التَّأْدِيبِ.
٣٠٣٨ - فَإِنْ عَادَ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ أَوْ كَانَ عَالِمًا فِي
следующие страницы →