← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

الْإِسْلَامَ عَلَى الزَّوْجِ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا إذَا أَبَى، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ فِي الْمُقَامِ لَا يَتْبَعُ امْرَأَتَهُ. ٣٦٦٦ - قَالَ: وَلَوْ ذَهَبَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ عَرْضِ الْقَاضِي عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَقَدْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَهَذِهِ فُرْقَةٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَعْتَمِدُ الْمِلَّةَ وَلَا مِلَّةَ لِلْمُرْتَدِّ، وَقَدْ قَرَّرَنَا هَذَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى فَصْلِ الْمُهَاجِرَةِ وَقَالَ: ٣٦٦٧ - إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، وَهُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَلِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَلِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ، وَلَا عِصْمَةَ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَالْمُسْلِمِ، وَفِي الْحُكْمِ بِوُقُوعِ طَلَاقِهِ عَلَيْهَا إثْبَاتُ مَعْنَى الْعِصْمَةِ بَيْنَهُمَا، وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: ٣٦٦٨ - وَلَوْ كَانَ أَسْلَمَ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَعَ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ، وَيَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْعِصْمَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَاسَ هَذَا بِالْمُرْتَدِّ اللَّاحِقِ بِدَارِ الْحَرْبِ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ، وَلَوْ رَجَعَ مُسْلِمًا، أَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَعَ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ ٣٦٦٩ -

стр. 1752

وَلَوْ كَانَ الْحَرْبِيُّ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، ثُمَّ طَلَّقَ الْمُهَاجِرَةَ الَّتِي تَعْتَدُّ مِنْهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ بَعْدُ فَكَانَ حَالُهُ وَحَالُ مَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ صُورَةً سَوَاءً، أَلَا تَرَى أَنَّ امْرَأَةً حُرَّةً لَوْ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَاشْتَرَتْهُ بَعْدَ مَا دَخَلَ بِهَا فَقَدْ فَسَدَ النِّكَاحُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا وَهُوَ عَبْدٌ لَهَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا عِصْمَةَ بِسَبَبِ النِّكَاحِ بَيْنَ الْمَمْلُوكِ وَبَيْنَ الْمَالِكَةِ ٣٦٧٠ - وَإِنْ أَعْتَقَتْهُ أَوْ بَاعَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَعَ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ - وَلَوْ كَانَتْ الْمُهَاجِرَةُ حَامِلًا فَلِزَوْجِهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا ثَابِتَ النَّسَبِ، فَكَانَ حَالُهَا كَحَالِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا حَبِلَتْ مِنْ مَوْلَاهَا، وَهُنَاكَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا وَلَكِنْ لَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا كَيْ لَا يَصِيرَ جَامِعًا مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ، فَهَذَا مِثْلُهُ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمَسْبِيَّةِ ٣٦٧٢ - وَلَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَخَرَجَ إلَيْنَا وَتَرَكَ زَوْجَتَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ إذَا كَانَتْ حَامِلًا، وَهَذِهِ لَا عِدَّةَ

стр. 1753

عَلَيْهَا، وَلَكِنْ فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ ثَابِتُ النَّسَبِ، إلَّا أَنَّ نَسَبَ وَلَدِهَا لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ إلَى عِدَّةِ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْحُكْمِ ٣٦٧٣ - وَلَوْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِمُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ، فَهَذَا فِي حُكْمِ الْعِدَّةِ، وَمَا لَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِخُرُوجِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَدْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا وَهِيَ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ مُخَاطَبَةٌ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ٣٦٧٤ - قَالَ: حَرْبِيَّةٌ أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَتْ وَخَرَجَ زَوْجُهَا مَعَهَا بِأَمَانٍ فَهِيَ امْرَأَتُهُ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ، أَوْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ الْإِسْلَامَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَجْهٍ كَالذِّمِّيِّ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ حَرْبِيٌّ، حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَلِكَوْنِهِ حَرْبِيًّا قُلْنَا: الْفُرْقَةُ تَقَعُ بَيْنَهُمَا بِمُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ، وَلِكَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ مِنْ وَجْهٍ، قُلْنَا: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ إبَاءِ الْإِسْلَامِ، وَبِأَيِّ الْوَجْهَيْنِ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ ٣٦٧٥ - وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ وَقَعَ عَلَيْهَا طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ كَالذِّمِّيِّ مِنْ وَجْهٍ

стр. 1754

أَلَا تَرَى - أَنَّهُ لَوْ خَلَعَهَا قَبْلَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا السُّلْطَانُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ ثَلَاثًا، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْخُلْعِ ثَلَاثًا، وَقَعَ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، فَكَذَلِكَ بَعْدَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ تِلْكَ فُرْقَةٌ بِطَلَاقٍ ٣٦٧٦ -، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ خَرَجَتْ وَحْدَهَا، ثُمَّ خَرَجَ الزَّوْجُ بَعْدَهَا، مُسْتَأْمَنًا فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ بَقِيَ الزَّوْجُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ خُرُوجِهَا فَانْقَطَعَتْ الْعِصْمَةُ بِهِ بَيْنَهُمَا، وَصَارَ بِحَالٍ يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، فَمَا لَمْ يَصِرْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ، وَهَا هُنَا حِينَ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ كَانَ هُوَ مَعَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي حَالَةٍ مِنْ الْحَالَاتِ بِحَالٍ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، فَلِهَذَا قُلْنَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1755

[بَابُ تَزْوِيجِ الْأَسِيرِ وَالْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ] ِ ٣٦٧٧ - قَالَ ﵀: وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كِتَابِيَّةً مِنْهُمْ؛ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَبْقَى لَهُ نَسْلٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَفِيهِ تَعْرِيضُ وَلَدِهِ لِلرِّقِّ، فَإِنَّهَا لَوْ سُبِيَتْ، وَهِيَ حُبْلَى مِنْهُ، صَارَ مَا فِي بَطْنِهَا رَقِيقًا، وَرُبَّمَا يَتَخَلَّقُ أَوْلَادُهُ بِأَخْلَاقِ الْكُفَّارِ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ لَيْسَتْ لِمَعْنًى فِي عَيْنِ النِّكَاحِ فِي مَحَلِّهِ أَوْ شَرْطِهِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ بَعْدَ أَنْ كَانَ بِشُهُودٍ مُسْلِمِينَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، يَسْتَوِي إنْ كَانَ الشُّهُودُ مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ. فَإِنْ كَانَ يَخْشَى الْعَنَتَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ الزِّنَا فَرْضٌ، وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِالنِّكَاحِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَهُ إلَّا أَنْ يَخْشَى الْعَنَتَ عَلَى نَفْسِهِ، فَهَذَا مِثْلُهُ. ٣٦٧٨ - وَلَوْ أَسَرُوا حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً فَلَا بَأْسَ لِهَذَا الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ عَلَى نَفْسِهِ

стр. 1756

لِأَنَّهَا حُرَّةٌ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَلَمْ يَمْلِكُوهَا بِالِاسْتِرْقَاقِ، فَيَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا فِي دَارِهِمْ، كَمَا يَجُوزُ فِي دَارِنَا ٣٦٧٩ - فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَهُ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَهُ، وَإِلَّا أَنْ يَخْشَى الْعَنَتَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُمْ بِالْإِحْرَازِ مَلَكُوهَا، حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا كَانَتْ أَمَةً لَهُمْ، فَوَلَدُهُ مِنْهَا يَكُونُ عَبْدًا لَهُمْ، وَفَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا تَزَوَّجَ فِيهِمْ بِغَيْرِ شُهُودٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ يَخْشَى الْعَنَتَ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَجِدْ شُهُودًا مُسْلِمِينَ، عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ هُنَاكَ لِانْعِدَامِ شَرْطِ الْجَوَازِ، وَهُوَ الشُّهُودُ وَذَلِكَ مَنْعٌ لِمَعْنًى فِي عَيْنِ النِّكَاحِ، أَوْ لِمَعْنًى فِي الْمَحَلِّ، بِأَنْ كَانَ لَا يَجِدُ إلَّا مَجُوسِيَّةً أَوْ وَثَنِيَّةً، وَهُنَاكَ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا سَوَاءٌ كَانَ يُخْشَى عَلَيْهِ الْعَنَتُ أَوْ لَا يُخْشَى، فَأَمَّا هَا هُنَا الْمَنْعُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ وَلَدِهِ لِلرِّقِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالنِّكَاحِ شَرْطًا وَلَا مَحَلًّا، فَإِذَا ظَهَرَ مَا هُوَ الْأُولَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْهُ قُلْنَا يَجُوزُ النِّكَاحُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ ٣٦٨٠ - وَإِنْ كَانُوا أَسَرُوا مُكَاتَبَةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ ثُمَّ زَوَّجُوهَا مِنْ هَذَا الْمُسْلِمِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهَا بِالْإِحْرَازِ، وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَوَلِيُّ الْمُكَاتَبَةِ مَوْلَاهَا ٣٦٨١ - فَإِذَا أَذِنَ لَهَا مَوْلَاهَا فِي التَّزَوُّجِ بِكِتَابٍ كَتَبَهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَالْكِتَابُ مِمَّنْ نَأَى كَالْخِطَابِ مِمَّنْ دَنَا

стр. 1757

٣٦٨٢ - فَإِنْ دَخَلَ مَوْلَاهَا دَارَهُمْ بِأَمَانٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَطَأَ مُدَبَّرَتَهُ وَأُمَّ وَلَدِهِ إذَا خَلَا بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ الْحَرْبِيُّ وَطِئَهَا؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ ٣٦٨٣ - فَإِنْ وَطِئَهَا الْحَرْبِيُّ فَلَيْسَ لِمَوْلَاهَا أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ اجْتِمَاعُ رَجُلَيْنِ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، إلَّا أَنْ يَتْرُكَ الْحَرْبِيُّ وَطْأَهَا فَحِينَئِذٍ لِلْمَوْلَى أَنْ يَطَأَهَا إذَا اسْتَبْرَأَ رَحِمُهَا، فَأَمَّا الْمُكَاتَبَةُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأهَا، كَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الْأَسْرِ؛ لِأَنَّهَا بِالْكِتَابَةِ صَارَتْ كَالْخَارِجَةِ عَنْ مِلْكِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّجَهَا إيَّاهُ الْحَرْبِيَّ؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ حَقِيقَةً، فَلَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ٣٦٨٤ - بِخِلَافِ الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَهُنَاكَ إذَا زَوَّجَهَا الْحَرْبِيَّ مِنْهُ جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَطَؤُهَا بِالْمِلْكِ لَا بِالنِّكَاحِ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَ التَّزَوُّجِ كَانَ وَطْؤُهَا حَلَالًا لَهُ ٣٦٨٥ - وَلَوْ أَسَرُوا امْرَأَتَهُ وَهِيَ حُرَّةٌ أَوْ أَمَةٌ، ثُمَّ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَطَأَهَا لِبَقَاءِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فِي الْحُرَّةِ صَحِيحٌ وَأَمَّا فِي الْأَمَةِ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْلُوكَةً لَهُمْ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا كَانَتْ لَهُمْ، وَالْمَمْلُوكَةُ تَبَعٌ لِمَوْلَاهُ فَقَدْ صَارَتْ بِهَذَا الطَّرِيقِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ، وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا مُوجِبٌ لِلْفُرْقَةِ

стр. 1758

بَيْنَهُمَا، قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا لِكَوْنِهَا مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً، وَذَلِكَ لَا يُنْتَقَضُ بِتَمَلُّكِهِمْ إيَّاهَا بِالْإِحْرَازِ، كَمَا لَا يُنْتَقَضُ بِتَمَلُّكِهِمْ إيَّاهَا بِالشِّرَاءِ وَالْإِدْخَالِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَكَمَا لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا هُنَاكَ، لَا يَفْسُدُ هَا هُنَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْلَاهَا الْحَرْبِيُّ قَدْ وَطِئَهَا، فَحِينَئِذٍ لَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ ٣٦٨٦ - وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَوَطِئَهَا الْحَرْبِيُّ لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْحَرْبِيِّ فِي مَعْنَى الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، فَالتَّأْوِيلُ الْبَاطِلُ مِنْهُمْ مُعْتَبَرٌ بِالتَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ فِي الْحُكْمِ ٣٦٨٧ - وَعَلَى هَذَا لَوْ وَطِئَهَا الْحَرْبِيُّ، ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مُنْذُ وَطِئَهَا الْحَرْبِيُّ فَإِنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ يَثْبُتُ مِنْ الزَّوْجِ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِوَطْءِ الْحَرْبِيِّ إيَّاهَا، فَيُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً بَائِنَةً ٣٦٨٨ - وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْبِيَّةُ أَمَةً لِمُسْلِمٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَوْلَاهَا إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالْإِحْرَازِ فَيَكُونُ هُوَ وَاطِئًا مِلْكَ غَيْرِهِ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ بِحَالٍ

стр. 1759

٣٦٨٩ - بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ، فَإِنْ زَوَّجَهَا الْحَرْبِيُّ مِنْهُ جَازَ النِّكَاحُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا لِلْمُسْلِمِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ زَوَّجَهُ أَمَةً أُخْرَى لَهُ مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً ٣٦٩٠ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَزَوَّجَ أَمَةً مِنْ إمَائِهِمْ فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الذَّرَارِيّ، فَالصِّغَارُ مِنْ أَوْلَادِهِ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِ أَبِيهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَمْلُوكِينَ لِمَوْلَى الْأُمِّ، وَقَدْ قُتِلَ أَوْ هَرَبَ حِينَ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ، فَصَارُوا مُحْرِزِينَ أَنْفُسَهُمْ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَمْلُوكُ الْمُسْلِمُ لِلْحَرْبِيِّ إذَا أَحْرَزَ نَفْسَهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ كَانَ حُرًّا كَالْمُرَاغَمِ ٣٦٩١ - وَأَمَّا الْكِبَارُ مِنْ أَوْلَادِهِ فَمُرْتَدُّونَ؛ لِأَنَّهُمْ وَصَفُوا الْكُفْرَ بَعْدَ الْبُلُوغِ ٣٦٩٢ - وَقَدْ كَانُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِ الْأَبِ، فَصَارُوا مُرْتَدِّينَ أَرِقَّاءَ لِمَنْ أَحَرَزَهُمْ، رِجَالَهُمْ أَوْ نِسَاءَهُمْ، لِأَنَّ مَعَ رِدَّتِهِمْ لَا يَتَحَقَّقُ إحْرَازُ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْمَوَالِي فَلَا يُعْتَقُونَ، وَيُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُقْتَلُونَ؛ لِأَنَّهُ مَا وُجِدَ مِنْهُمْ الْإِسْلَامَ بَعْدَ كَمَالِ حَالِهِمْ بِالْبُلُوغِ، وَمَنْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ تَبَعًا لِلْأَبَوَيْنِ لَا يُقْتَلُ إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا لِمَعْنَى الشُّبْهَةِ، وَأَمَّا أُمُّهُمْ فَهِيَ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهَا، وَإِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ فَهُوَ رَقِيقٌ مَعَهَا؛ لِأَنَّ مَا فِي الْبَطْنِ جُزْءٌ مِنْ

стр. 1760

أَجْزَائِهَا، فَيَكُونُ رَقِيقًا تَبَعًا لَهَا، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأَبِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ إحْرَازُ نَفْسِهِ مَا دَامَ مَخْفِيًّا فِي بَطْنِهَا ٣٦٩٣ - وَلَوْ كَانَ تَزَوَّجَ حُرَّةً مِنْهُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، إلَّا فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الْكِبَارَ مِنْ أَوْلَادِهِ هَا هُنَا أَحْرَارٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمْ انْفَصَلُوا مِنْ حُرَّةٍ فَكَانُوا أَحْرَارًا بِحُرِّيَّتِهَا، وَلَكِنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ ٣٦٩٤ - فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ رَجُلًا فَهُوَ لَا يَصِيرُ رَقِيقًا بِالسَّبْيِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ امْرَأَةً فَقَدْ صَارَتْ أَمَةً بِالسَّبْيِ، وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدَّاتِ، وَلَا يَكُونُ تَزَوَّجُ الْمُسْلِمِ إيَّاهَا أَمَانًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَوْ آمَنَهَا نَصًّا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ بِالدَّلَالَةِ. ٣٦٩٥ - وَلَيْسَ لِلْأَوْلَادِ أَنْ يُوَالُوا أَحَدًا، وَلَا يَعْقِلُ عَنْهُمْ بَيْتُ الْمَالِ إنْ لَمْ يُوَالُوا أَحَدًا. لِأَنَّ لَهُمْ عَشِيرَةً، وَهُمْ قَوْمُ أَبِيهِمْ، فَيَعْقِلُونَ عَنْهُمْ وَيَرِثُونَهُمْ، وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ أَحَدًا ٣٦٩٦ - وَلَوْ كَانُوا سَبَوْا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً ثُمَّ زَوَّجُوهَا مِنْ هَذَا الْحَرْبِيِّ. فَهَذَا وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ، إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا تَكُونُ هِيَ وَلَا مَا فِي بَطْنِهَا فَيْئًا

стр. 1761

لِأَنَّهَا حُرَّةٌ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، فَلَا تُمْلَكُ بِالسَّبْيِ. وَالْأُولَى حُرَّةٌ حَرْبِيَّةٌ فَمُلِكَتْ بِالسَّبْيِ ٣٦٩٧ - وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً مُسْلِمَةً، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَوْلَادُهَا أَرِقَّاءُ هَا هُنَا، لَا يُعْتَقُونَ بِالسَّبْيِ، الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ قَائِمٌ فِيهِمْ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْعِتْقِ لَهُمْ بِطَرِيقِ الْمُرَاغَمَةِ، فَقُلْنَا: إنْ وَجَدَهُمْ الْمَأْسُورُ مِنْهُ أَخَذَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُمْ بِالْقِيمَةِ ٣٦٩٨ - فَإِنْ كَانَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ ذِمِّيًّا أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِمْ بَعْدَ مَا يَأْخُذُوهُمْ؛ لِأَنَّ الصِّغَارَ مِنْهُمْ مُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِ أَبِيهِمْ، وَالذِّمِّيُّ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ إذَا حَصَلَ فِي مِلْكِهِ، وَالْكِبَارُ مِنْهُمْ مُرْتَدُّونَ، وَلِلْمُرْتَدِّ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا الْفَصْلِ، لِكَوْنِهِ مُجْبَرًا عَلَى الْعَوْدِ إلَى الْإِسْلَامِ. ٣٦٩٩ - وَلَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ الْمَأْسُورَةُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا الْمُسْلِمُ، وَلَكِنْ مَوْلَاهَا الْحَرْبِيَّ وَطِئَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَهِيَ حُرَّةٌ، لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مُسْلِمَةٌ أَوْ ذِمِّيَّةٌ، وَقَدْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِلْحَرْبِيِّ، فَإِذَا سَقَطَ حَقُّ الْحَرْبِيِّ عَنْهَا كَانَتْ حُرَّةً. ٣٧٠٠ - وَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ بِمَنْزِلَتِهَا إنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً.

стр. 1762

لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُحْرِزِينَ أَنْفُسَهُمْ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَهُمْ أَنْ يُوَالُوا مَنْ أَحَبُّوا؛ لِأَنَّ أَبَاهُمْ لَا وَلَاءَ لَهُ وَلَا عَشِيرَةَ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ. ٣٧٠١ - فَإِنْ كَبِرُوا كُفَّارًا مُحَارَبِينَ لِلْمُسْلِمِينَ قُلْنَا: إنْ كَانَتْ أُمُّهُمْ مُسْلِمَةً فَهُمْ مُرْتَدُّونَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ تَبَعًا لَهَا، فَإِذَا بَلَغُوا مُرْتَدِّينَ أُجْبِرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانُوا أَحْرَارًا، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُمْ ذِمِّيَّةً فَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ تَبَعًا لَهَا، وَقَدْ صَارُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ حِينَ حَارَبُوا الْمُسْلِمِينَ. ٣٧٠٢ - فَإِنْ قَالَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ: أَنَا أَحَقُّ بِالْأَمَةِ لِأَنَّهَا أُسِرَتْ مِنْ يَدَيَّ وَمِلْكِي لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ كَانَ مَلَكَهَا، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ، وَقَدْ اسْتَوْلَدَهَا [فَلَا يَبْقَى لِلْمَالِكِ الْقَدِيم فِيهَا حَقّ الْأَخْذ بِحَالٍ] ، (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ كَانَ أَعْتَقَهَا نَفَذَ عِتْقُهُ فِيهَا، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَوْلَدَهَا. ٣٧٠٣ - وَلَوْ كَانَ مَوْلَاهَا الْقَدِيمُ إنَّمَا زَوَّجَهَا مِنْ الْحَرْبِيِّ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَالْأَمَةُ وَأَوْلَادُهَا لِلْمَأْسُورِ مِنْهُ هَا هُنَا

стр. 1763

لِأَنَّهَا إنَّمَا وَلَدَتْ مِنْ زَوْجٍ لَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَقِيَامُ حَقِّ الْمَأْسُورِ مِنْهُ فِيهَا وَفِي أَوْلَادِهَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْعِتْقِ لَهُمْ بِطَرِيقِ الْمُرَاغَمَةِ، وَالْإِحْرَازِ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ، وَمَنْ كَبُرَ مِنْ أَوْلَادِهَا فَكَانَ عَلَى دَيْنِ أَبِيهِ ٣٧٠٤ - فَإِنْ كَانَتْ هِيَ مُسْلِمَةً فَهِيَ مُجْبَرَةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهَا ٣٧٠٥ - فَإِذَا بَلَغَ كَافِرًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ، وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً لَمْ يُجْبَرْ هَذَا الْوَلَدُ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ مَوْلُودٌ بَيْنَ كَافِرَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ٣٧٠٦ - وَلَوْ كَانَتْ الْمَأْسُورَةُ حُرَّةً وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَهِيَ وَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَالْأَوْلَادُ يَتْبَعُونَ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَقَدْ عَرَفْت الْجَوَابَ أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا فِي حُكْمِ النِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ، حَتَّى إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ الْوَلَدُ مِثْلَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ مُسْلِمًا كَانَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهُ ٣٧٠٧ - وَمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ كَافِرًا فَالْحُكْمُ فِيهِ مَا هُوَ الْحُكْمُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي حُكْمِ الِاسْتِرْقَاقِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدِّينَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 1764

[بَابُ إثْبَاتِ النَّسَبِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ السَّبَايَا] ٣٧٠٨ - قَالَ ﵀: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ سَبَوْا مُسْلِمَةً حُرَّةً أَوْ مَمْلُوكَةً أَوْ ذِمِّيَّةً حُرَّةً أَوْ مَمْلُوكَةً فَاشْتَرَاهَا مِنْ السَّابِي رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، فَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً حُرَّةً فِي الْأَصْلِ فَهِيَ حُرَّةٌ عَلَى حَالِهَا؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْمُتَأَكِّدَةَ فِي دَارِنَا لَا نَاقِضَ لَهَا، وَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهَا. وَالنَّسَبُ ثَابِتٌ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا عَلَى وَجْهِ الْمِلْكِ بِشُبْهَةٍ، فَتَأْوِيلُهُمْ الْبَاطِلُ بِمَنْزِلَةِ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ فِي الْحُكْمِ وَلَا صَدَاقَ عَلَيْهِ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ حَرْبِيًّا حِينَ اسْتَوْفَى ذَلِكَ الْجُزْءَ، فَكَمَا لَا يَغْرَمُ شَيْئًا إذَا اسْتَهْلَكَهَا لَا يَغْرَمُ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا شَيْئًا أَيْضًا. وَإِنْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْأَصْلِ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى مَوْلَاهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهَا بِالْإِحْرَازِ.

стр. 1765

وَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ تَبَعًا لَهَا إنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً، وَذِمِّيَّيْنِ تَبَعًا لَهَا إنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً، وَلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اسْتَوْلَدَهَا بِتَأْوِيلِ الْمِلْكِ، وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْ أَبِيهِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْأَبِ مِنْ قِيمَةِ الْأَوْلَادِ هَا هُنَا شَيْءٌ، لِلطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا فِي الْعُقْرِ، فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَهَذَا لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَانَ مُحَارَبًا حِينَ اسْتَوْلَدَهَا، وَذَلِكَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِاسْتِهْلَاكِ جُزْءٍ مِنْهَا، فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ مُسْتَهْلِكًا لِلْوَلَدِ بِحُكْمِ الْغُرُورِ. فَإِنْ قِيلَ: الْمَغْرُورُ إنَّمَا يَضْمَنُ قِيمَةَ الْوَلَدِ وَقْتَ الْخُصُومَةِ، وَعِنْدَ الْخُصُومَةِ الْقَوْمُ مُسْلِمُونَ أَوْ أَهْلُ الذِّمَّةِ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنْ إنَّمَا يَضْمَنُ وَقْتَ الْخُصُومَةِ بِسَبَبِ الِاسْتِيلَادِ الْمُتَقَدِّمِ، وَذَلِكَ السَّبَبُ تَحَقَّقَ مِنْهُ حِينَ كَانَ حَرْبِيًّا. غَيْرُ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ، فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ أَسْلَمُوا ٣٧٠٩ - وَإِنْ كَانَتْ مُكَاتَبَةً فَالْجَوَابُ فِيهَا وَفِي أَوْلَادِهَا أَنَّهَا تُرَدُّ مُكَاتَبَةً عَلَى حَالِهَا؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ لَا تُمْلَكُ بِالْأَسْرِ، وَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ بِحُكْمِ الْغُرُورِ، وَلَيْسَ عَلَى الْأَبِ مِنْ الْعُقْرِ وَلَا مِنْ قِيمَةِ الْأَوْلَادِ شَيْءٌ لِمَا قُلْنَا، وَلِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ غَرِمَ قِيمَةَ الْوَلَدِ هَا هُنَا إنَّمَا يَغْرَمُ لَهَا، وَهِيَ إنَّمَا تَسْعَى لِتَحْصِيلِ الْحُرِّيَّةِ لِنَفْسِهَا وَأَوْلَادِهَا فَفِي هَذَا تَحْصِيلُ بَعْضِ مَقْصُودِهَا ٣٧٠٧ - وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهِيَ أُمُّ الْوَلَدِ لِمَنْ اسْتَوْلَدَهَا، وَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ

стр. 1766

لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالْإِحْرَازِ، وَقَدْ مَلَكَهَا الْمُشْتَرِي مِنْهُمْ بِالشِّرَاءِ، فَصَحَّ اسْتِيلَادُهُ، ثُمَّ تَقَرَّرَ مِلْكُهُ فِيهَا بِالْإِسْلَامِ، فَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ. ٣٧١٠ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْلَدُ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، إلَّا أَنَّهَا تَخْرُجُ إلَى الْعِتْقِ بِالسِّعَايَةِ؛ لِأَنَّهَا مُسْلِمَةٌ، وَالْمُسْلِمَةُ لَا تُتْرَكُ فِي مِلْكِ الذِّمِّيِّ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إخْرَاجُهَا مِنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ لِأَجْلِ الِاسْتِيلَادِ، فَيَجِبُ إخْرَاجُهَا مِنْ مِلْكِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِسْعَاءِ فِي قِيمَتِهَا وَالْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدِّينَ إذَا غَلَبُوا عَلَى دَارِهِمْ، وَفِي أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ وَغَلَبُوا عَلَى دَارِهِمْ، بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا. ٣٧١١ - وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَهْلِ الْبَغْيِ، إذَا كَانُوا سَبَوْا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْفُصُولِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لِأَنَّ التَّأْوِيلَ الْفَاسِدَ فِي حَقِّ أَهْلِ الْبَغْيِ إذَا انْضَمَّ إلَى الْمَنَعَةِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ فِي الْحُكْمِ ٣٧١٢ - وَالْأَصْل فِيهِ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ قَالَ: وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، كَانُوا مُتَوَافِرِينَ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا قَوَدَ فِي دَمٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، وَلَا حَدَّ فِي فَرْجٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، وَلَا ضَمَانَ فِي مَالٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ فَيُرَدُّ عَلَى أَهْلِهِ، وَلِهَذَا قُلْنَا هَا هُنَا: إذَا كَانَتْ الْمَسْبِيَّةُ أَمَةً وَجَبَ رَدُّهَا عَلَى مَوْلَاهَا إذَا تَابَ أَهْلُ الْبَغْيِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ،

стр. 1767

لِأَنَّهُمْ مَا مَلَكُوهَا وَلَمْ تَصِرْ هِيَ أُمَّ وَلَدٍ لِمَنْ اسْتَوْلَدَهَا، وَأَهْلُ الْحَرْبِ مَلَكُوهَا بِالْإِحْرَازِ فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِمَنْ اسْتَوْلَدَهَا ٣٧١٣ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ لُصُوصِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرِ الْمُتَأَوِّلِينَ أَخَذُوا النِّسَاءَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَنَقُولُ: لَا حُكْمَ لِلْمَنَعَةِ إذَا تَجَرَّدَتْ عَنْ التَّأْوِيلِ، كَمَا لَا حُكْمَ لِلتَّأْوِيلِ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْمَنَعَةِ، فَالْوَاطِئُ بِهَذَا الطَّرِيقِ يَكُونُ زَانِيًا، مُسْتَوْجِبًا لِلْحُدُودِ، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ أَصْلًا، بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵌، «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» . ثُمَّ الْوَلَدُ يَكُونُ تَبَعًا لِلْأُمِّ عَلَى صِفَةِ أُمِّهِ مَمْلُوكًا لِمَنْ هُوَ مَالِكٌ لِلْأُمِّ، بِخِلَافِ جَمِيعِ مَا سَبَقَ. وَأَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقَ بِالِاسْتِهْلَاكِ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ اسْتَهْلَكُوا الْأَمْوَالَ هَا هُنَا كَانُوا ضَامِنِينَ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَقَدْ ذُكِرَ بَعْدَ هَذَا بَابٌ قَدْ اسْتَقْصَيْنَا شَرْحَهُ مِمَّا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1768

[بَابُ الْحُدُودِ فِي دَارِ الْحَرْب] قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمَبْسُوطِ: ٣٧١٤ - أَنْ الْمُسْلِمَ إذَا ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بِهِ مُسْتَوْجِبًا لِلْعُقُوبَةِ، لِانْعِدَامِ الْمُسْتَوْفِي فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ وِلَايَةِ الْإِمَامِ حِينَ بَاشَرَ ذَلِكَ، وَلَوْ ارْتَكَبَ ذَلِكَ فِي الْعَسْكَرِ فَلَيْسَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوَّضْ إلَيْهِ إقَامَةُ الْحُدُودِ، وَإِنَّمَا فُوِّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرُ الْحَرْبِ ٣٧١٥ - إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةُ غَزَا بِنَفْسِهِ، أَوْ أَمِيرَ الْعِرَاقِ، فَحِينَئِذٍ لَهُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ فِي عَسْكَرِهِ، كَمَا يُقِيمُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ الْحَدُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَإِنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ أَلَا يَجْلِدَنَّ أَمِيرُ الْجَيْشِ وَلَا سَرِيَّةٍ أَحَدًا حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الدَّرْبِ قَافِلًا، لِئَلَّا يَلْحَقَهُ حَمِيَّةُ الشَّيْطَانِ فَيَلْتَحِقُ بِالْكُفَّارِ. ٣٧١٦ - وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ تُقَامَ الْحُدُودُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ

стр. 1769

مَخَافَةَ أَنْ تَلْحَقَهُمْ الْحَمِيَّةُ فَيَلْحَقُوا بِالْكُفَّارِ، فَإِنْ تَابُوا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ وَرَائِهِمْ ٣٧١٧ - ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ الْكِلَابِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «إذَا هَرَبَ الرَّجُلُ، وَقَدْ قَتَلَ أَوْ زَنَى أَوْ سَرَقَ، إلَى الْعَدُوِّ ثُمَّ أَخَذَ أَمَانًا عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ مَا فَرَّ مِنْهُ وَإِذَا قَتَلَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ أَوْ زَنَى أَوْ سَرَقَ ثُمَّ أَخَذَ أَمَانًا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا أَحْدَثَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ» فَهُوَ الْأَصْلُ لِعُلَمَائِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِي اعْتِبَارِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُرْتَكَبُ فِيهَا السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِي دَارِنَا إذَا ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ إلَّا مَا فِيهِ حَقُّ الْعِبَادِ مِنْ قِصَاصٍ، أَوْ حَدِّ قَذْفٍ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ يُقَامُ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَيْهِ إلَّا حَدُّ الْخَمْرِ كَمَا فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1770

[بَابُ مَا يَجِبُ مِنْ النُّصْرَةِ لِلْمُسْتَأْمَنَيْنِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ] ِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: ٣٧١٨ - الْأَصْلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْصُرَ الْمُسْتَأْمَنِينَ مَا دَامُوا فِي دَارِنَا، وَأَنْ يُنْصِفَهُمْ مِمَّنْ يَظْلِمُهُمْ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ تَحْتَ وِلَايَتِهِ، مَا دَامُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَكَانَ حُكْمُهُمْ كَحُكْمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ٣٧١٩ - إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الذِّمِّيِّ بِقَتْلِ الْمُسْتَأْمَنِ، وَلَا عَلَى الْمُسْلِم لِانْعِدَامِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّ صِفَةِ الْحَقْنِ وَعَلَيْهِ يُبْتَنَى حُكْمُ الْقِصَاصِ، فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ إذَا قَتَلَ مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِنَا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَيَسْتَوْفِيهِ وَارِثُ الْمَقْتُولِ إذَا كَانَ مَعَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَطَعَ طَرَفَهُ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِوُجُودِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي صِفَةِ الْحَقْنِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ بَقِيَ فِي دَمِ الْمُسْتَأْمَنِ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ، لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ مُمَكَّنٌ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ عَلَى كُلِّ

стр. 1771

حَالٍ. قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، لَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ، وَكَمَا أَنَّ مَعْنَى الْمُحَارَبَةِ مُبِيحٌ فَنَفْسُ الْكُفْرِ مُهْدِرٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَضْمَنُ قَاتِلُهُمْ شَيْئًا مِنْ كَفَّارَةٍ، وَلَا دِيَةٍ لِوُجُودِ الْمُهْدِرِ ٣٧٢٠ - ثُمَّ الذِّمِّيُّ إذَا قَتَلَ ذِمِّيًّا يَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ كَوْنَ كُفْرِهِ مُهْدِرًا، فَلَمْ يُورِثْ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي حَقِّهِ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى الْمُحَارَبَةِ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ لَا يُورِثُ شُبْهَةً، وَلَكِنْ لِتَحَقُّقِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي صِفَةِ الْحَقْنِ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى بَعْضِهِمْ بِقَتْلِ الْبَعْضِ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ دَارٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مِنْ أَهْلِ دَارَيْنِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ عَلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ نُصْرَتَهُمْ مَا دَامُوا فِي دَارِنَا، وَفِي هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ دَارٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مِنْ أَهْلِ دَارَيْنِ ٣٧٢١ - وَلَوْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ دَخَلُوا إلَيْنَا بِأَمَانٍ لِيَجْتَازُوا إلَى أَرْضٍ أُخْرَى فَيُقَاتِلُوا أَهْلَهَا، ثُمَّ أَغَارَ عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَهْلُ حَرْبٍ آخَرِينَ فَأَسَرُوهُمْ فَلَيْسَ عَلَيْنَا نُصْرَتُهُمْ، وَإِنْ قَدَرْنَا عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ صَارُوا مِنَّا دَارًا، وَقَدْ الْتَزَمُوا حُكْمَ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ ٣٧٢٢ - فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ نُصْرَتُهُمْ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ نُصْرَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُونَ فَهُمْ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّهُمْ لِلْحَالِ فِي دَارِنَا بِأَمَانٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْنَا نُصْرَتُهُمْ

стр. 1772

وَدَفْعُ ظُلْمِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا عَنْهُمْ، وَاَلَّذِينَ ظَلَمُوهُمْ هُنَاكَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَلَا تَحْتَ وِلَايَتِنَا، فَلَا يَجِبُ عَلَيْنَا دَفْعُ ظُلْمِهِمْ عَنْهُمْ وَهَذَا لِأَنَّ لِدَارِ الْإِسْلَامِ دَارًا مُعَادِيَةً وَهِيَ دَارُ الْحَرْبِ، فَمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْمُقَامِ فِيهَا بِدَفْعِ ظُلْمِ أَهْلِ دَارِ الْمُعَادِيَةِ عَنْهُ، فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَهُوَ إنَّمَا دَخَلَ دَارَنَا مُجْتَازًا أَوْ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ، ثُمَّ لِيَعُودَ إلَى دَارِهِ، فَفِي تَحْصِيلِ هَذَا الْمَقْصُودِ لَا حَاجَةَ إلَى دَفْعِ ظُلْمِ أَهْلِ دَارِ الْمُعَادِيَةِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ الْحَاجَةُ إلَى دَفْعِ ظُلْمِ مَنْ فِي دَارِنَا عَنْهُ، وَمَا يَثْبُتُ مِنْ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ فَثُبُوتُهُ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ. ٣٧٢٣ - وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّ الَّذِينَ ظَهَرُوا عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ فَأَحْرَزُوهُمْ بِدَارِهِمْ لَوْ أَسْلَمُوا كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ وَاَلَّذِينَ ظَهَرُوا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَحْرَزُوهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا كَانُوا أَحْرَارًا، وَكَذَلِكَ لَوْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ مِمَّا أَخَذُوا مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ فَيَكُونُ لَنَا تَمَلُّكُهُمْ عَلَيْهِمْ بِالْإِحْرَازِ، وَلَا يُمْلِكُ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ بِالْإِحْرَازِ بَلْ يَكُونُونَ أَحْرَارًا نَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِي وُجُوبِ الْقِيَامِ بِنُصْرَتِهِمْ كَالْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِينَ ٣٧٢٤ - وَاَلَّذِي يُقَرِّرُ مَا قُلْنَا أَنَّ الَّذِينَ ظَهَرُوا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ

стр. 1773

لَوْ مَرُّوا بِأَهْلِ مَنَعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُومُوا بِاسْتِنْقَاذِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، لَا يَسْعَهُمْ إلَّا ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانُوا إنَّمَا ظَهَرُوا عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا ثُمَّ مَرُّوا بِهِمْ عَلَى قَوْمٍ مُمْتَنِعِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ الْقِيَامُ بِاسْتِنْقَاذِهِمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ ٣٧٢٥ - وَلَوْ كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ لِاسْتِنْقَاذِ الْمُسْتَأْمَنِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَهُنَاكَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ وَيُقَاتِلُوا عَنْ ذَرَارِيِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ، كَمَا يُقَاتِلُونَ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا حَالُ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا كَحَالِ الْمُوَادِعِينَ ٣٧٢٦ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ وَادَعَ أَهْلَ بَلْدَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، بِمَالٍ أَوْ بِغَيْرِ مَالٍ، ثُمَّ قَصَدَهُمْ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ بِظُلْمٍ فَعَلَى الْإِمَامِ دَفْعُ ذَلِكَ عَنْهُمْ. وَلَوْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ عَلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْفَعَ ظُلْمَهُمْ عَنْهُمْ فَبِهِ يَتَّضِحُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُوَادَعِينَ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا فِي فَصْلٍ وَهُوَ أَنَّهُ: ٣٧٢٧ - لَوْ قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُوَادَعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ فِي دَارِ

стр. 1774

الْمُوَادَعَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَلَوْ قَتَلَ الْمُسْتَأْمَنُ مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِنَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِأَنَّ أَهْلَ دَارِ الْمُوَادَعَةِ مَا لَزِمُوا شَيْئًا مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُمْ وَادَعُونَا عَلَى أَلَّا تُجْرَى عَلَيْهِمْ أَحْكَامُنَا، فَكَانَتْ دَارُهُمْ دَارَ حَرْبٍ عَلَى حَالِهَا، وَالْقَتْلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ، فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُونَ فَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ مَا دَامُوا فِي دَارِنَا فِيمَا فِيهِ حَقُّ الْعِبَادِ، وَالْقِصَاصُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ٣٧٢٨ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَهُمْ مَنَعَةٌ دَخَلُوا دَارَنَا بِأَمَانٍ فَشَرَطُوا عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَهُمْ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلَ الذِّمَّةِ فَعَلَيْنَا الْوَفَاءُ لَهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ، حَتَّى إذَا أَغَارَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْحَرْبِ فَعَلَيْنَا الْقِيَامُ بِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ لِقَوْلِهِ ﵌: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» وَهَذَا؛ لِأَنَّ الِالْتِزَامَ بِسَبَبِ الْأَمَانِ الْتِزَامٌ بِالشَّرْطِ، فَيُنْظَرُ إلَى الشَّرْطِ كَيْفَ كَانَ ٣٧٢٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَادَعُونَا عَلَى مَالٍ مَعْلُومٍ بِهَذَا الشَّرْطِ فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفِيَ لَهُمْ بِالْمَشْرُوطِ عَلَيْهِمْ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَالِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِمْ.

стр. 1775

لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا ذَلِكَ بِمُقَابَلَةِ الْحِمَايَةِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ حِمَايَتِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ، كَمَا لَا يَأْخُذُ مِنْ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ الزَّكَاةَ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ، إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ حِمَايَتِهِمْ بِأَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْبَغْيِ ٣٧٣٠ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُونَ فِي دَارِنَا قَوْمًا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُمْ مِنْ الظُّلْمِ مَا يَدْفَعُهُ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، حَتَّى إذَا ظَهَرَ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ رَدُّوهُمْ أَحْرَارًا، وَإِنْ كَانُوا أَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ فَوَجَدُوا ذَلِكَ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ يَأْخُذُونَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْحُرِّيَّةُ الْمُتَأَكِّدَةُ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَا تُنْتَقَضُ بِالْقَهْرِ ٣٧٣١ - وَكَذَلِكَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ عَنْهُ، وَفِي الْأَوَّلِ هُمْ كَانُوا مُمْتَنِعِينَ بِمَنَعَتِهِمْ لَا بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ، وَإِنْ كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنَّا فَلَمْ تَكُنْ حُرِّيَّتُهُمْ مُتَأَكِّدَةً بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلِهَذَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهِمْ مَا بَيَّنَّا

стр. 1776

٣٧٣٢ - وَلَوْ أَنَّ الَّذِينَ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَرُّوا بِهِمْ عَلَى مَنَعَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ عَلَيْهِمْ الْقِيَامُ بِنُصْرَتِهِمْ وَتَخْلِيصُهُمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ، كَمَا فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1777

[بَابُ دُخُولِ الْإِمَامِ دَارَ الْحَرْبِ مَعَ الْعَسْكَرِ] ِ إذَا دَخَلَ مَعَهُ عَسْكَرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ ٣٧٣٣ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ دَخَلَ دَارِ الْحَرْبِ مَعَ الْعَسْكَرِ فَدَخَلَ مَعَهُ عَسْكَرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَهُ مَنْعَةٌ بِأَمَانٍ، فَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا بِغَيْرِ أَمْرِ الْإِمَامِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَيْهِمْ نُصْرَتُهُمْ، إلَّا أَنْ يَشَاءُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَمَانِ الْمُطْلَقِ الْتَزَمُوا تَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ، وَمَا الْتَزَمُوا الدَّفْعَ عَنْهُمْ ٣٧٣٤ - وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْقِتَالِ مَعَهُمْ أَوْ التِّجَارَةِ أَوْ لِمُدَاوَاةِ الْجَرْحَى فَعَلَيْهِمْ نُصْرَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ حِينَ أَمَرَهُمْ بِالدُّخُولِ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ الْتَزَمَ حِفْظَهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَحْفَظُ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِ الْقِيَامُ بِنُصْرَةِ الْمُسْلِمِينَ إذَا قَصَدَهُمْ الْعَدُوُّ وَعَلَى هَذَا قَالَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ إذَا أَخَذَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ فَأَحْرَزُوهُمْ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ كَانُوا فَيْئًا وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي كَانُوا أَحْرَارًا عَلَى حَالِهِمْ.

стр. 1778

٣٧٣٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْرَزُوا مَتَاعَهُمْ ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَإِنْ أَسْلَمَ أَهْلُ الْحَرْبِ الَّذِينَ أَسَرُوهُمْ كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ فِي الْفَصْلَيْنِ. وَهَذَا مُشْكِلٌ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ كَانُوا أَحْرَارًا كَمَا بَيَّنَّا، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي إذَا أَسْلَمَ الَّذِينَ أَخَذُوهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا أَيْضًا، كَمَا لَوْ أَسَرُوا الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلَ الذِّمَّةِ ثُمَّ أَسْلَمُوا، وَلَكِنَّ الْجَوَابَ أَنْ نَقُولَ: هَذَا حُكْمٌ ثَبَتَ بِاعْتِبَارِ الْتِزَامِ الْإِمَامِ، فَإِنَّمَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَفِي حَقِّ مَنْ كَانَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ حِينَ الْتَزَمَ، وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا مَا كَانُوا تَحْتَ وِلَايَتِهِ يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ مَلَكُوهُمْ بِالْإِحْرَازِ فَإِذَا أَسْلَمُوا كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ، لِقَوْلِهِ ﵌: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ» ٣٧٣٦ - وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُمْ الْإِمَامُ بِالدُّخُولِ وَلَكِنَّهُمْ سَأَلُوهُ أَنْ يَدْخُلُوا لِيَتَّجِرُوا مَعَ الْعَسْكَرِ فَحَالُهُمْ كَحَالِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا لِمَنْفَعَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَالْإِمَامُ بِمُجَرَّدِ الْإِذْنِ لَا يَكُونُ مُلْتَزِمًا نُصْرَتَهُمْ، كَمَا لَا يَكُونُ مُلْتَزِمًا ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْأَمَانِ ٣٧٣٧ - وَاَلَّذِي دَخَلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَعَلَيْهِ أَلَّا يَغْدِرَ بِهِمْ، وَأَلَّا يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْوَفَاءَ لَهُمْ بِحَسَبِ مَا يَفُونَ لَهُ، بِخِلَافِ الْأَسِيرِ فِيهِمْ ثُمَّ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْمَنِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ أَوْ يَأْخُذَ مَالُهُمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ الْأَسِيرَ بِذَلِكَ.

стр. 1779

لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ مِنْ وَجْهٍ كَأَنَّهُ فِعْلُ الْآمِرِ. ٣٧٣٨ - وَإِنْ كَانَ (هَذَا) الْمُسْتَأْمَنُ مُفْتِيًا فَاسْتَفْتَاهُ الْأَسِيرُ أَيَحِلُّ لِي أَنْ أَقْتُلَهُمْ وَآخُذَ مَالَهُمْ؟ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الْإِفْتَاءِ بَيَانَ حُكْمِ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَهُوَ بِعَقْدِ الْأَمَانِ مَا الْتَزَمَ الِامْتِنَاعَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ أَلَا تَرَى - أَنَّ الْمُحْرِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الصَّيْدَ، وَلَا أَنْ يَأْمُرَ بِهِ الْحَلَالَ ثُمَّ لَوْ كَانَ مُفْتِيًا فَاسْتَفْتَاهُ حَلَالٌ أَيَحِلُّ لِي قَتْلُ الصَّيْدِ مُطْلَقًا؟ كَانَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَهُ بِذَلِكَ. فَعَرَفْنَا أَنَّ الْإِفْتَاءَ لَيْسَ بِأَمْرٍ. ٣٧٣٩ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَادَعُوا الْمُسْلِمِينَ بِخَرَاجٍ مَعْلُومٍ كُلَّ سَنَةٍ، عَلَى أَلَّا يُجْرِيَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَهُمْ، وَعَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَسَبَوْا نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُمْ الْمُسْلِمُونَ بَعْد ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الِاسْتِنْقَاذُ فِي سِنِي الْمُوَادَعَةِ رَدُّوهُمْ أَحْرَارًا كَمَا كَانُوا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ سِنِي الْمُوَادَعَةِ كَانُوا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا نُصْرَتَهُمْ فِي سِنِي الْمُوَادَعَةِ لَا بَعْدَهَا، وَعَلَيْهِمْ الْوَفَاءُ بِمَا الْتَزَمُوا خَاصَّةً ٣٧٤٠ - وَعَلَى هَذَا لَوْ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ثُمَّ وَقَعَتْ

стр. 1780

فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ سِنِي الْمُوَادَعَةِ لَمْ يَجِبْ رَدُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِي سِنِي الْمُوَادَعَةِ فَإِنْ وَجَدُوهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدُوهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِالْقِيمَةِ إنْ أَحَبُّوا، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَوْ أَسْلَمَ أَهْلُ الْحَرْبِ فِي سِنِي الْمُوَادَعَةِ أَوْ بَعْدَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ رَدُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَا مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْتِزَامِ الْأَمَانِ بِالْمُوَادَعَةِ لَمْ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ، إذَا لَمْ يَكُونُوا تَحْتَ وِلَايَتِهِ يَوْمئِذٍ - ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرْنَا لَوْ أَنَّ الْعَدُوَّ قَاتَلَهُمْ فِي سِنِي الْمُوَادَعَةِ وَعَجَزَ الْإِمَامُ عَنْ نُصْرَتِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الْخَرَاجِ الْمَشْرُوطِ، وَلَوْ كَانَ أَخَذَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا أَعْطَوْهُ، إلَّا إنْ اسْتَنْقَذَ ذَلِكَ مِنْ أَيْدِيهمْ فِي سِنِي الْمُوَادَعَةِ، فَأَمَّا إذَا أَسْلَمَ الَّذِينَ قَهَرُوهُمْ فَعَلَى الْإِمَامِ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ أَيْضًا، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ الْخَرَاجَ عَلَى النُّصْرَةِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ النُّصْرَةِ حِسًّا أَوْ حُكْمًا كَانَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 1781

[بَابُ الْوَقْتِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْمَنُ فِيهِ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ] بَابُ بَيَانِ الْوَقْتِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْمَنُ فِيهِ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ وَالْوَقْتِ الَّذِي لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الرُّجُوعِ ٣٧٤٢ - قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ تَابِعَةٌ لِلزَّوْجِ فِي الْمُقَامِ، وَالزَّوْجَ لَا يَكُونُ تَابِعًا لِامْرَأَتِهِ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمُسْتَأْمَنَةُ فِي دَارِنَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا صَارَتْ ذِمِّيَّةً، لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ إذَا تَزَوَّجَ ذِمِّيَّةً وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأَتِهِ إلَيْنَا بِأَمَانٍ ثُمَّ صَارَ الزَّوْجُ ذِمِّيًّا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا مُسْتَقِرٌّ بَعْدَ إسْلَامِهِ ٣٧٤٣ - بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ وَهِيَ مَجُوسِيَّةٌ فَالنِّكَاحُ هَا هُنَا غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ بَيْنَهُمَا، فَأَمَّا إذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهَا أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ كَانَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَبِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ هَا هُنَا بِمُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَصِرْ ذِمِّيَّةً

стр. 1782

لِأَنَّهَا لَوْ صَارَتْ ذِمِّيَّةً لَمْ تَقَعْ الْفُرْقَةُ بِإِبَاءِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي كَمَا لَوْ كَانَا ذِمِّيَّيْنِ فِي الِابْتِدَاءِ. ٣٧٤٤ - وَعَلَى هَذَا لَوْ تَزَوَّجَ مُسْتَأْمَنٌ مُسْتَأْمَنَةً فِي دَارِنَا ثُمَّ صَارَ الرَّجُلُ ذِمِّيًّا كَانَتْ ذِمِّيَّةً مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الَّذِي بَاشَرَاهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ دُونَ نِكَاحٍ بَاشَرَاهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ إلَيْنَا بِأَمَانٍ ثُمَّ تَبِعَهُ صَاحِبُهُ بِأَمَانٍ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا قَائِمٌ، فَلَمْ تَتَبَايَنْ بِهِمَا الدَّارُ حُكْمًا ٣٧٤٥ - وَإِنْ دَخَلَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ بِأَمَانٍ فَهَذَا وَمَا لَوْ دَخَلَا مَعًا فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْرِيعِ سَوَاءٌ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي أَسْلَمَتْ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْفُصُولِ فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّهَا إنْ طَالَبَتْهُ بِالصَّدَاقِ فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَهَا أَنْ تَمْنَعَهُ مِنْ الرُّجُوعِ حَتَّى يُوَفِّيَهَا مَهْرَهَا، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ مَعْرُوفٍ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَا يُطَالَبُ بِمُوجِبِ الْمُعَامَلَةِ الْمَوْجُودَةِ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهُوَ مُطَالَبٌ بِمُوجِبِ الْمُعَامَلَةِ الْمَوْجُودَةِ مِنْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَوُجُوبُ الصَّدَاقِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِذَا كَانَ

стр. 1783

أَصْلُ الْعَقْدِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِمُوجِبِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَأْمَنٌ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْعَقْدِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِمُوجِبِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَتَحْبِسَهُ لِأَجْلِهِ ٣٧٤٦ - وَلَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ، وَهِيَ كِتَابِيَّةٌ، ثُمَّ أَنْكَرَتْ أَصْلَ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا، فَأَقَامَ الزَّوْجُ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى أَصْلِ النِّكَاحِ، أَوْ عَلَى إقْرَارِهَا بِهِ، فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَلْتَفِتْ الْقَاضِي إلَى هَذِهِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَأْمَنَةٌ فِي الظَّاهِرِ، فَإِنَّهَا مُنْكِرَةٌ لِلنِّكَاحِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَبِاعْتِبَارِ النِّكَاحِ تَصِيرُ ذِمِّيَّةً، فَهَذِهِ بَيِّنَةٌ تَقُومُ عَلَى مُسْتَأْمَنَةٍ، لِمُعَامَلَةٍ كَانَتْ بِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْقَاضِي لَا يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَإِنْ قِيلَ: الشُّهُودُ يَشْهَدُونَ عَلَيْهَا أَنَّهَا قَدْ صَارَتْ ذِمِّيَّةً لِكَوْنِهَا تَحْتَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ لِإِثْبَاتِ هَذَا الْحُكْمِ، قُلْنَا: هَذَا الْحُكْمُ إنَّمَا يَثْبُتُ ضِمْنًا بِثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمَشْهُودِ بِهِ، وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ لِلْقَضَاءِ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ، وَمَا يَثْبُتُ ضِمْنًا لِلشَّيْءِ فَثُبُوتُهُ بِثُبُوتِ الْأَصْلِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمُشْتَرِي لِلْجَارِيَةِ إذَا ادَّعَى عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهَا مَنْكُوحَةُ فُلَانٍ الْغَائِبِ، وَأَرَادَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ لِيَقْضِيَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَمْ يَسْمَعْ الْقَاضِي مِنْهُ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ، قَبْلَ حُضُورِ الزَّوْجِ لِهَذَا الْمَعْنَى

стр. 1784

٣٧٤٧ -. وَإِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ قَبِلَ الْقَاضِي بَيِّنَتَهُ، وَمَنَعَهَا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بِإِقْرَارٍ كَانَ مِنْهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَلَّا يَقْبَلَ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ أَيْضًا لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُلْزِمَ هُوَ الْعَقْدُ لَا الْإِقْرَارُ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَى مُسْلِمٌ عَلَيْهَا دَيْنًا بِسَبَبِ مُعَامَلَةٍ كَانَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا أَقَرَّتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِالْمُعَامَلَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ. قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، فَإِنَّ النِّكَاحَ مُسْتَدَامٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَمِنْ الْأَحْكَامِ مَا يَتَعَلَّقُ بِاسْتِدَامَتِهِ كَالنَّفَقَةِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَإِقْرَارُهَا بِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْمُعَامَلَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ. بِخِلَافِ الْمُدَايِنَةِ. أَلَا تَرَى - أَنَّهَا لَوْ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَقَامَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِهَا بِالنِّكَاحِ لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِالزَّوْجِ الثَّانِي، أَلَم يَكُنْ الْقَاضِي يُفَرِّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّانِي؟ أَرَأَيْت لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي خَاصَمَتْ فِي النَّفَقَةِ أَوْ زَعَمَتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَمَا كَانَ الْقَاضِي يَقْبَلُ مِنْهَا هَذِهِ الْبَيِّنَةَ؟ هَذَا كُلُّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِهِ لِلْفِقْهِ الَّذِي بَيَّنَّا ٣٧٤٨ - وَإِذَا أَطَالَ الْمُسْتَأْمَنُ الْمُقَامِ فِي دَارِنَا يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ الْإِمَامُ فِي الْخُرُوجِ، وَيُوَقِّتُ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقْتًا، وَلَا يُرْهِقُهُ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى الْإِضْرَارِ بِهِ

стр. 1785

لِأَنَّهُ نَاظِرٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَكَمَا يَمْنَعُهُ مِنْ إطَالَةِ الْمُقَامِ بِغَيْرِ خَرَاجٍ نَظَرًا مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ، لَمْ يُرْهِقْهُ فِي التَّوْقِيتِ نَظَرًا مِنْهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ ٣٧٤٩ - فَإِنْ اشْتَرَى أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ أَوْ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ فَزَرْعهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا خَرَاجٌ أَوْ عُشْرٌ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ - وَأَخَذَ مِنْهُ خَرَاجَ رَأْسِهِ أَيْضًا وَإِنَّمَا تُبْنَى هَذِهِ الْفُصُولُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّ عِنْدَهُ إذَا اشْتَرَى الْكَافِرُ أَرْضًا عُشْرِيَّةً بَقِيَتْ عُشْرِيَّةً عَلَى حَالِهَا، ثُمَّ ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِاعْتِبَارِ مَا بَاشَرَ مِنْ الصُّنْعِ، وَهُوَ شِرَاءُ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، فَإِنَّهُ دَلَالَةُ الرِّضَاءِ بِالْتِزَامِ الْخَرَاجِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي الْإِرْثِ وَالشِّرَاءِ سَوَاءٌ، وَفِي الْمِيرَاثِ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ شَاءَ أَوْ أَبَى، وَلَكِنْ إنَّمَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ خَرَاجُ أَرْضِهِ بِأَنْ زَرَعَهَا أَوْ تَمَكَّنَ مِنْ الزِّرَاعَةِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ شِرَاءِ الْأَرْضِ، قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ خَرَاجَ الرَّأْسِ فِي حُكْمِ التَّبَعِ لِخَرَاجِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ وِلَايَةَ الْمَنِّ لِلْإِمَامِ بَعْدَ فَتْحِ الْبَلْدَةِ عَنْوَةً بِاعْتِبَارِ مَنْفَعَةِ خَرَاجِ الْأَرْضِ، لَا بِاعْتِبَارِ مَنْفَعَةِ خَرَاجِ الرَّأْسِ، لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَدَامٍ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الذِّمِّيِّ بِمَوْتِهِ وَإِسْلَامِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْأَصْلَ خَرَاجُ الْأَرْضِ، وَثُبُوتُ التَّبَعِ بِثُبُوتِ الْأَصْلِ، فَإِذَا لَزِمَهُ خَرَاجُ الْأَرْضِ لَزِمَهُ خَرَاجُ الرَّأْسِ تَبَعًا، فَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا وَأَقَامَ حَتَّى زَرَعَهَا فَأَخَذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ كَانَ ذِمِّيًّا أَيْضًا، وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّ الْخَرَاجَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْآجِرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ، وَذَلِكَ جُزْءٌ مِنْ الْخَرَاجِ، بِمَنْزِلَةِ الْعُشْرِ فَيَكُونُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَالْعُشْرِ، فَأَمَّا خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ فَدَرَاهِمُ فِي ذِمَّةِ الْآجِرِ، تَجِبُ بِاعْتِبَارِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ.

стр. 1786

قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا عُشْرِيَّةً فَأَقَامَ حَتَّى زَرَعَهَا وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ هَا هُنَا، فَإِنَّ الْعُشْرَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَالْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ كُلّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَئُونَةُ الْأَرْضِ النَّامِيَةِ، فَكَمَا أَنَّ بِوُجُوبِ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ يَصِيرُ ذِمِّيًّا فَكَذَلِكَ بِوُجُوبِ الْعُشْرِ عَلَيْهِ قُلْنَا يَصِير ذِمِّيًّا ٣٧٥٠ - وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ إلَيْنَا بِأَمَانٍ وَمَعَهُ رَقِيقٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَأَسْلَمُوا أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِمْ، وَلَمْ يُتْرَكْ يَخْرُجُ بِهِمْ؛ لِأَنَّ حَالَهُمْ فِي هَذَا لَا يَكُونُ فَوْقَ حَالِ الذِّمِّيِّ، وَلَا يَصِيرُ هُوَ ذِمِّيًّا بِإِسْلَامِهِمْ، لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْمَمْلُوكِ فِي الْمَقَامِ، كَمَا لَا يَكُونُ الزَّوْجُ تَبَعًا لِامْرَأَتِهِ. فَإِنْ قَالُوا نَصِيرُ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ لَهَا أَنْ تَصِيرَ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ بِدُونِ الزَّوْجِ، وَفِي الْمَوْضِعَيْنِ لَا يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ مَنْفَعَةُ الْخَرَاجِ، إذْ لَا جِزْيَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ كَمَا لَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْمَرْأَةَ حُرَّةٌ تَسْتَبِدُّ بِمُبَاشَرَةِ الْعُقُودِ، فَتَصِحُّ مِنْهَا مُبَاشَرَةُ عَقْدِ الذِّمَّةِ، فَأَمَّا الْعَبْدُ مَمْلُوكٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ مُبَاشَرَةُ عَقْدِ الذِّمَّةِ، لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ الْمُرَاضَاةَ قَالَ ٣٧٥١ - وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ مَعَ امْرَأَتِهِ دَارَنَا بِأَمَانٍ، وَمَعَهُمَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، فَأَسْلَمَ أَحَدُهُمَا، فَالصِّغَارُ مِنْ الْأَوْلَادِ صَارُوا مُسْلِمِينَ تَبَعًا لِلَّذِي أَسْلَمَ مِنْهُمَا، وَأَمَّا الْكِبَارُ مِنْهُمْ لَا يَكُونُونَ مُسْلِمِينَ، وَلَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى دَارِ الْحَرْبِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا

стр. 1787

لِأَنَّ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ يَنْتَهِي بِالْبُلُوغِ عَنْ عَقْلٍ، وَلَا يَكُونُ لِلْوَالِدَيْنِ مَنْعُهُمْ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا لَا يَكُونُ لَهُمَا مَنْعُ سَائِرِ الْقَرَابَاتِ مِنْ ذَلِكَ ٣٧٥٢ - وَلَوْ صَارَ أَحَدُهُمَا ذِمِّيًّا كَانَ الصِّغَارُ مِنْ الْأَوْلَادِ تَبَعًا لَهُ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ فِيهِ الْتِزَامُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ وَالصَّغِيرُ فِي مِثْلِ هَذَا تَبَعُ خَيْرِ الْوَالِدَيْنِ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا مَجُوسِيَّيْنِ فَتَنَصَّرَ أَحَدُهُمَا كَانَ الصَّغِيرُ نَصْرَانِيًّا، يُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ تَبَعًا لَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا قَبِلَ أَحَدُهُمَا الذِّمَّةَ كَانَ الصَّغِيرُ ذِمِّيًّا تَبَعًا لَهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي قَبِلَتْ الذِّمَّةَ أَوْ الرَّجُلُ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَارْتَدَّ الزَّوْجُ وَلَحِقَ بِالصَّغِيرِ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ سُبِيَ لَمْ يَكُنْ فَيْئًا، وَجُعِلَ حُرًّا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِاعْتِبَارِ حَالِ أُمِّهِ، فَهَذَا قِيَاسُهُ - ٣٧٥٣ - وَلَوْ أَنَّ غُلَامًا صَغِيرًا خَرَجَ بِهِ أَخُوهُ أَوْ عَمُّهُ بِأَمَانٍ ثُمَّ أَسْلَمَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا فَالْغُلَامُ لَا يَكُونُ تَبَعًا لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُسْتَأْنَى بِهِ حَتَّى يَبْلُغَ فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَإِنْ شَاءَ الْتَزَمَ عَقْدَ الذِّمَّةِ فِينَا؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَالصَّغِيرُ لَا يَتْبَعُ أَخَاهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا أَدْخَلَهُ مِنْ أَدْخَلَهُ بِأَمَانٍ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صَيْرُورَتَهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا حَتَّى يُحْكَمَ لَهُ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا لِلدَّارِ، بِخِلَافِ الصَّغِيرِ إذَا سُبِيَ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ

стр. 1788

٣٧٥٤ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى أَنْ أَصِيرَ ذِمَّةً لَكُمْ أَنَا وَهَذَا الْغُلَامُ، فَآمَنُوهُ عَلَى ذَلِكَ صَارَا ذِمِّيَّيْنِ؛ لِأَنَّ لِمَنْ أَخْرَجَهُ وِلَايَةُ حِفْظِهِ، فَكَانَ لَهُ وِلَايَةُ عَقْدِ الذِّمَّةِ عَلَيْهِ أَيْضًا لِمَا فِيهِ مِنْ مَحْضِ الْمَنْفَعَةِ لِلصَّغِيرِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَبُولِ الْهِبَةِ وَالْقَبْضِ فِي ذَلِكَ ٣٧٥٥ -، وَلَوْ أَنَّ جَدَّ الصَّبِيِّ أَبٌ أَبِيهِ أَدْخَلَهُ إلَيْنَا بِأَمَانٍ ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا فَالْجَوَابُ كَذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ أَبُ الصَّغِيرِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ جَدِّهِ، فَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ جَدِّهِ، كَمَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ الْأَبِ، وَإِنَّمَا يُفَارِقُ الْجَدُّ الْأَبَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ، حُكْمِ الْإِسْلَامِ - وَحُكْمِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَحُكْمِ الْوَصِيَّةِ لِأَقْرِبَاءِ فُلَانٍ وَحُكْمِ جَرِّ الْوَلَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْجَدُّ كَالْأَبِ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا، وَالصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَإِنَّ الصَّغِيرَ لَوْ صَارَ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ الْجَدِّ الْأَدْنَى لَصَارَ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ الْجَدِّ الْأَعْلَى، فَيُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ حُكْمِ الرِّدَّةِ لِكُلِّ كَافِرٍ، لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ آدَمَ وَنُوحٍ ﵉. ٣٧٥٦ - فَإِنْ خَرَجَ بِالصَّغِيرِ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْتَأْمَنًا بَعْدَ إسْلَامِ الْجَدِّ، أَوْ خَرَجَ بِهِ أَخُوهُ، كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ، وَلَيْسَ لِلْجَدِّ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْجَدِّ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْمُخَالَفَةِ فِي الدِّينِ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَلِلْأَخِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَمَا جَاءَ بِهِ

стр. 1789

٣٧٥٧ - وَلَوْ جَاءَ أَخُوهُ لِيَأْخُذَهُ فَيَرُدَّهُ، وَأَبُوهُ حَيٌّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ الْأَبُ حَيًّا مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِنَا، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْأَخِ مَعَ قِيَامِ الْأَبِ. ٣٧٥٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ عَمُّهُ لِيَأْخُذَهُ وَأَخُوهُ حَيٌّ، فَالْعَمُّ فِي حُكْمِ الْوِلَايَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ مَعَ الْأَخِ، وَلَوْ خَرَجَتْ أُمُّهُ لِتَأْخُذَهُ، وَأَبُوهُ حَيٌّ أَوْ قَدْ مَاتَ، وَلَهُ أَخٌ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ أُمِّهِ كَانَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ مَا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْهَا، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ تَرُدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ٣٧٥٩ - فَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَمَا لَمْ تَحِضْ كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِحَضَانَتِهَا، فَلَهَا أَنْ تَرُدَّهَا، وَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ قَدْ اسْتَغْنَى فَلَيْسَ لِأُمِّهِ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَالْأَخُ أَحَقُّ بِهِ إذَا كَانَ الْأَبُ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَضَانَةِ تَنْتَهِي فِي حَقِّ الْغُلَامِ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ وَحْدَهُ ٣٧٦٠ - وَكَذَلِكَ إنْ حَاضَتْ الْجَارِيَةُ فَلَيْسَ لِلْأُمِّ أَنْ تَرْجِعَ بِهَا، وَلَكِنْ الرَّأْيُ إلَيْهَا إنْ شَاءَتْ رَجَعَتْ وَإِنْ شَاءَتْ صَارَتْ ذِمِّيَّةً، فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ قَدْ تَزَوَّجَتْ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ بِالصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَقَّ كَانَ لَهَا بِنَاءً عَلَى حَقِّ الْحَضَانَةِ وَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ بَعْدَمَا تَزَوَّجَتْ

стр. 1790

٣٧٦١ - وَإِنْ أَسْلَمَتْ الْأُمُّ أَوْ صَارَتْ ذِمِّيَّةً فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَقْرِبَاءِ الصَّغِيرِ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ صَارَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا تَبَعًا لَهَا، فَبِوُجُودِ الزَّوْجِ لَهَا لَا يَنْقَطِعُ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ إذَا سُبُوا جَمِيعًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فَإِنَّ الصَّبِيَّ يَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَسْلَمَ مِنْهُمَا مَمْلُوكًا لَيْسَ لَهُ مِنْ أَمْرِ الصَّغِيرِ شَيْءٌ فَكَذَلِكَ، إذَا كَانَتْ الْأُمُّ ذَاتَ زَوْجٍ ٣٧٦٢ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دَخَلُوا إلَيْنَا بِأَمَانٍ، ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ حَرْبٍ أُخْرَى لِيَكُونُوا مَعَهُمْ، يُقَاتِلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُمَكِّنُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ بِالْأَمَانِ الْتَزَمُوا تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ وَتَمْكِينَهُمْ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِهِمْ، فَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ كَانَ لَهُمْ حَقُّ الْمَنْعِ مِمَّا يُؤَدِّي إلَى الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ لَوْ جَاءُوا بِأَسْلِحَةٍ مِنْ دَارِهِمْ فَأَرَادُوا إدْخَالَ ذَلِكَ دَارَ حَرْبٍ أُخْرَى لِلْبَيْعِ فِيهَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا لَا يُمْنَعُونَ مِنْ الرُّجُوعِ بِهِمْ إلَى دَارِهِمْ، فَكَذَلِكَ حَالُ الْمُقَاتِلَةِ؛ لِأَنَّ آلَةَ الْقِتَالِ فِي مَعْنَى الضَّرَرِ دُونَ الْمُقَاتِلِ، وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْأَسْلِحَةِ قَدْ يَكْثُرُ وُجُودُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَيَعِزُّ وُجُودُهُ فِي دَارِ حَرْبٍ أُخْرَى
следующие страницы →