← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

فَإِذَا أَبَى الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَرْضَوْا إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةَ رَسُولِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، ثُمَّ يَفِيَ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى النَّقْضِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ أَيْضًا، بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ، عَلَى مَا قَالَ ﵌: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» . ٣٥٩٠ - وَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: تُؤَمِّنُونَ مِنَّا كَذَا وَكَذَا إنْسَانًا، بِمَا لَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْتِعَةِ، يَخْتَارُهُمْ الْبِطْرِيقُ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّ عَقْدَ الْأَمَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ، وَفِيمَا يُبْنَى عَلَى الضِّيقِ يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ لِإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، كَالْبَيْعِ فَفِيمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ أَوْلَى، ثُمَّ بَيَّنَ وَثِيقَةَ هَذِهِ الْمُوَادَعَةِ كَيْفَ تُكْتَبُ فَقَالَ فِيمَا بَيَّنَ. ٣٥٩١ - عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ فُلَانٍ الْبِطْرِيقِ، فَإِنْ اتَّهَمَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَحْلَفُوهُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى ﵇، وَجَعَلَهُ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَجَعَلَهُ وَأُمَّهُ آيَةً لِلْعَالَمَيْنِ.

стр. 1717

أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا قَالَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزْدَدْ شَيْئًا، وَلَمْ يَأْخُذْ لِنَفْسِهِ شَيْئًا سِوَى الْمَشْرُوطِ؛ أَمَّا الِاسْتِحْلَافُ فَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيمَا يُعَيِّنُ، وَالْمُتَّهَمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِينًا شَرْعًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ الْيَمِينِ، فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ أَمِينًا شَرْعًا، ثُمَّ الْمَقْصُودُ بِالِاسْتِحْلَافِ النُّكُولُ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ إذَا غَلَّظَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ وَلَا وَجْهَ لِلتَّغْلِيظِ بِالِاسْتِحْلَافِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْبَغِي أَنْ يُغَلِّظَ فِي الِاسْتِحْلَافِ بِاَللَّهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَيَكْتُبَ ذَلِكَ فِي الْوَثِيقَةِ، حَتَّى لَا يُنْسَبَ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْغَدْرِ، إذَا عَرَضُوا عَلَيْهِ الْيَمِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. فَإِنْ فَتَحُوا الْحِصْنَ عَلَى هَذَا ثُمَّ قَالَ الْبِطْرِيقُ: أَنَا لَا أَخْتَارُ أَحَدًا مِنْهُمْ، أَوْ لَا أُوثِرَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي ذَلِكَ، أَوْ مَاتَ الْبِطْرِيقُ، أَوْ هَرَبَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ ثُمَّ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ تَنَاوَلَ بَعْضَهُمْ بِيَقِينٍ، وَلَا يُعْرَفُونَ بِأَعْيَانِهِمْ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى اخْتَلَطَ الْمُسْتَأْمَنُ بِغَيْرِ الْمُسْتَأْمِنِ لَمْ يَحِلَّ التَّعَرُّضُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، لِاجْتِمَاعِ مَعْنَى الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يَغْلِبُ الْحَظْرُ ٣٥٩٢ -. وَإِنْ حَضَرَ الْبِطْرِيقُ فَإِنْ اخْتَارَ مِنْ الْمَتَاعِ شَيْئًا كَثِيرًا فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، إنْ اتَّهَمَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَصِفَةُ الْيَمِينِ كَمَا شُرِطَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﵌ «الشَّرْطُ

стр. 1718

أَمْلَكُ» . ثُمَّ إنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ تَنَاوَلَهُمْ الْأَمَانُ مِمَّنْ يُعَيِّنُهُمْ الْبِطْرِيقُ مَعَ أَمْوَالِهِمْ فَالْمَالُ اسْمٌ لِكُلِّ مُتَمَوِّلٍ مُبْتَذَلٍ يُتَمَلَّكُ، وَذَلِكَ مَا يُدَّخَرُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ الْمَالَ الْمُعَيَّنَ وَهَذَا يَكُونُ عَلَى جِنْسِ النُّقُودِ، الْمَضْرُوبُ وَالْمَصُوغُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، إلَّا مَا يَكُونُ مُمَوَّهًا بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ، فَإِنَّ التَّمْوِيهَ لَوْنُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا عَيْنُهُمَا، وَهُوَ مُسْتَهْلَكٌ لَا يَتَخَلَّصُ، وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِهِ حُكْمَ الرِّبَا، وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ. وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطُوا الْمَالَ الصَّامِتَ فَهُوَ وَاشْتِرَاطُ الْمَالِ الْعَيْنِ سَوَاءٌ. وَهَذَا بِخِلَافِ حُكْمِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ فَاسْمُ الْمَالِ عِنْدَ ذِكْرِ الصَّدَقَةِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مَالَ الزَّكَاةِ، يَعْنِي إذَا قَالَ: مَالِي صَدَقَةٌ، وَذَلِكَ اسْتِحْسَانٌ أَخَذْنَا بِهِ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى إيجَابِ الصَّدَقَةِ وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي الْأَمَانِ فَيُؤْخَذُ فِيهِ بِالْقِيَاسِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مُتَمَوِّلٍ صِفَتُهُ مَا ذَكَرْنَا. ٣٥٩٣ - قَالَ: وَإِنْ كَانُوا اشْتَرَطُوا الْمَتَاعَ، وَالْمَتَاعُ مَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَوَانِي، فَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ فِي الْمَتَاعِ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ

стр. 1719

لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ يَكُونُ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِ الْعَيْنِ، فَلَا يَكُونُ الْمَتَاعُ إلَّا أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالسَّرِيرُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَتَاعِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا فَأَمَّا الْجَوَاهِرُ وَاللَّآلِئُ فَلَيْسَ بِمَتَاعٍ؛ لِأَنَّ هَذَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْحُلِيِّ، وَالْحُلِيُّ غَيْرُ الْمَتَاعِ. وَكَذَلِكَ مَا يَكُونُ مِنْ الْأَسْلِحَةِ فَهُوَ مِنْ الْمَتَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَمْتَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ اسْمٌ أَخَصُّ مِنْ اسْمِ الْمَتَاعِ، فَإِنَّ اسْمَ السِّلَاحِ لَيْسَ بِاسْمِ الْعَيْنِ، وَلَكِنَّ التَّسْمِيَةَ بِهِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالْخَاتَمُ لَيْسَ مِنْ الْمَتَاعِ. لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحُلِيِّ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ خَاتَمُ الْفِضَّةِ لَيْسَ مِنْ الْحُلِيِّ؟ قُلْنَا: مُرَادُهُ فِي حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ أَنَّهُ يَحِلُّ لِلذُّكُورِ لُبْسُهُ، فَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْحُلِيِّ، كَمَا يَتَنَاوَلُ خَاتَمَ الذَّهَبِ، وَاسْمُ الْحُلِيِّ اسْمُ الْعَيْنِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ اسْمِ الْمَتَاعِ، وَكُلُّ مَا تَنَاوَلَهُ هَذَا الِاسْمُ يَكُون دَاخِلًا فِي اسْمِ الْمَتَاعِ. ٣٥٩٤ - وَإِنْ كَانُوا شَرَطُوا السِّلَاحَ فَالسِّلَاحُ كُلُّ مَا يُقَاتَلُ بِهِ؛ السَّيْفُ وَالْبَيْضَةُ وَالدِّرْعُ وَالتُّرْسُ وَالْقَوْسُ وَالنُّشَّابُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، مِمَّا يَكُونُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ السِّلَاحِ، فَأَمَّا السِّكِّينُ فَهُوَ مِنْ الْمَتَاعِ لَا مِنْ السِّلَاحِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسْتَمْتَعُ بِهِ فِي الْحَوَائِجِ سِوَى الْقِتَالِ

стр. 1720

فَأَمَّا الْخَنْجَرُ وَالنَّيْزَكُ فَهُوَ مِنْ السِّلَاحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا إلَّا فِي الْقِتَالِ ٣٥٩٥ -. وَالْجِبَابُ وَالْأَقْبِيَةُ الْمَحْشُوَّةُ وَأَقْبِيَةُ اللُّبُودِ مِنْ الْمَتَاعِ لَا مِنْ السِّلَاحِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْحَرْبِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ السِّلَاحِ بِمَنْزِلَةِ الخفتانات. وَكَذَلِكَ أَقْبِيَةُ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ مِنْ الْمَتَاعِ لَا مِنْ السِّلَاحِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يُلْبَسُ إلَّا فِي الْحَرْبِ وَالْأَعْلَامُ وَالطَّرَّادَاتُ وَالْجَوَاشِنِ مِنْ السِّلَاحِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عُرْفُ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِيمَا يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ مِنْ الِاسْمِ، أَصْلُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: إنَّ صَاحِبًا لَنَا أَوْجَبَ بَدَنَةً، أَفَتُجْزِئُهُ الْبَقَرَةُ؟ فَقَالَ: مِمَّ صَاحِبُكُمْ؟ فَقَالَ: مِنْ بَنِي رَبَاحٍ. فَقَالَ: وَمَتَى اقْتَنَتْ بَنُو رَبَاحٍ الْبَقَرَةَ؟ إنَّمَا وَهِمَ صَاحِبُكُمْ، الْإِبِلَ. ٣٥٩٦ - فَإِنْ اشْتَرَطُوا الْكُرَاعَ مَعَ السِّلَاحِ فَالْكُرَاعُ اسْمُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، فَأَمَّا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ فَلَيْسَ مِنْ الْكُرَاعِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَهَا الْأَنْعَامُ. وَقَالَ : ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] . وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ الْكُرَاعَ مَا يَكُونُ لِمَنْفَعَةِ الرُّكُوبِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ

стр. 1721

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] . فَأَمَّا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ فَقَدْ تَكُونُ لِلرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ عَلَيْهَا وَقَدْ تَكُونُ لِلْأَكْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ٣٥٩٧ - فَإِنْ اشْتَرَطُوا السِّلَاحَ وَالْخَيْلَ فَاسْمُ الْخَيْلِ يَتَنَاوَلُ الْعِرَابَ وَالْبَرَاذِينَ وَالْإِنَاثَ وَالذُّكُورَ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يُسْهَمُ لِلْعِرَابِ وَالْبَرَاذِينِ فِي الْغَنِيمَةِ دُونَ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، اسْتِدْلَالًا بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَإِنْ اشْتَرَطُوا الْمَاشِيَةَ لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ. لِأَنَّ اسْمَ الْمَاشِيَةِ غَيْرُ اسْمِ الْكُرَاعِ، فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ اسْمُ الْمَاشِيَةِ مَا لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْكُرَاعِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، لِأَنَّهَا تُسَامُ غَالِبًا، وَأَصْحَابُ السَّوَائِمِ يُقَالُ لَهُمْ أَصْحَابُ الْمَوَاشِي. ٣٥٩٨ - وَإِنْ اشْتَرَطُوا السِّلَاحَ فَكَانَ فِي بَعْضِ السِّلَاحِ فِضَّةٌ أَوْ ذَهَبٌ أَوْ جَوْهَرٌ فَذَلِكَ تَبَعٌ لِلسِّلَاحِ، فَالتَّبَعُ يُسْتَحَقُّ بِاسْتِحْقَاقِ الْأَصْلِ فَأَمَّا السُّرُوجُ وَاللُّجُمُ فَهِيَ مِنْ الْمَتَاعِ لَا مِنْ السِّلَاحِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَمْتَعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ عَادَةً، وَكَذَلِكَ الْأَكُفُّ وَالْجِلَالُ، وَأَمَّا التَّجَافِيفُ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْلِحَةِ لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي حَالَةِ الْحَرْبِ ٣٥٩٩ -

стр. 1722

وَلَوْ صَالَحُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالْحَلْقَةُ فَاسْمُ الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ يَتَنَاوَلُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، التِّبْرُ وَالْمَصُوغُ وَالْمَضْرُوبُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، بِمَنْزِلَةِ اسْمِ الْمَالِ الْعَيْنِ وَالصَّامِتِ، فَإِنْ كَانَ مَصُوغًا قَدْ رُكِّبَ فِيهِ جَوْهَرٌ فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ الْجَوْهَرُ؛ لِأَنَّ اسْمَ الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ لَا يَتَنَاوَلُهُ، وَاسْتِحْقَاقُهُمْ بِاعْتِبَارِ هَذَا الِاسْمِ ٣٦٠٠ - وَإِنْ كَانَ قَدَحًا مُضَبَّبًا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلِلْمُسْلِمِينَ مَا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَصْلُ الْقَدَحِ ٣٦٠١ - فَإِنْ كَانَ نَزْعُ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِالْقَدَحِ نُزِعَ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِالْقَدَحِ فَالْخِيَارُ لَهُمْ إنْ شَاءُوا رَضُوا بِالنَّزْعِ، وَإِنْ شَاءُوا أَعْطَوْا الْمُسْلِمِينَ قِيمَةَ الذَّهَبِ مَصُوغًا مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَقِيمَةَ الْفِضَّةِ مَصُوغَةً مِنْ الدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُمْ. ٣٦٠٢ - وَخِيَارُ التَّمَلُّكِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى دَفْعِ الضَّرَرِ يَثْبُتُ لِصَاحِبِ الْأَصْلِ، إلَّا أَنَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى التَّقْوِيمِ يُقَوَّمُ بِخِلَافِ الْجِنْسِ.

стр. 1723

لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلصَّنْعَةِ وَالْجَوْدَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ. فَأَمَّا الْحَلْقَةُ فَهِيَ اسْمٌ لِلسِّلَاحِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌، «صَالَحَ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى أَنْ يُجْلِيَهُمْ، وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ سِوَى الْحَلْقَةِ» ، ثُمَّ أَخَذَ الْأَسْلِحَةَ مِنْهُمْ بِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ ٣٦٠٣ - وَإِنْ صَالَحُوا عَلَى أَنْ يَتْرُكَ لَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مَتَاعَ بُيُوتِهِمْ فَهَذَا عَلَى الْفِرَاشِ وَالْوَسَائِدِ وَالسُّتُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يُبْتَذَلُ فِي الْبُيُوتِ مِنْ الْأَمْتِعَةِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ثِيَابٍ غَيْرِ مُقَطَّعَةٍ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَتَاعَ الْبَيْتِ اسْمٌ خَاصٌّ لِمَا هُوَ مُبْتَذَلٌ فِي الْبُيُوتِ اسْتِعْمَالًا، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الثِّيَابِ، الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُقَطَّعَةٍ، وَمَلْبُوسُ بَنِي آدَمَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لَيْسَ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ فِي شَيْءٍ ٣٦٠٤ - وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ الثِّيَابُ فَذَلِكَ اسْمٌ لِمَلْبُوسِ بَنِي آدَمَ، مِمَّا يَكُونُ مِنْ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالْقَزِّ وَالْحَرِيرِ (أَلَا تَرَى) أَنَّ بَائِعَ هَذَا كُلِّهِ يُسَمَّى ثَوَّابًا. ٣٦٠٥ - فَأَمَّا السُّتُورُ وَالْأَنْمَاطُ وَالْحِجَالُ فَهُوَ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ دُونَ الثِّيَابِ

стр. 1724

لِأَنَّهَا لَا يَلْبَسُهَا النَّاسُ عَادَةً، وَإِنَّمَا يَسْتَمْتِعُونَ بِهَا فِي الْبُيُوتِ قَالَ: وَالْبَزُّ وَالثِّيَابُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ خَاصَّةً. وَهَذَا بِنَاءً عَلَى عَادَتِهِمْ بِالْكُوفَةِ، فَإِنَّ الْبَزَّازَ فِيهِمْ مَنْ يَبِيعُ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ خَاصَّةً فَأَمَّا بَائِعُ الْخَزِّ والمرعزي وَالصُّوفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى بَزَّازًا، فَأَمَّا فِي دِيَارِنَا فَاسْمُ الْبَزِّ يَتَنَاوَلُ الثِّيَابَ الْمُتَّخَذَةَ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ، لِأَنَّ بَائِعَ ذَلِكَ يُسَمَّى بَزَّازًا فِينَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ بِلَادٍ الْبَزُّ عِنْدَهُمْ الصُّوفُ أَوْ غَيْرُهُ فَيَكُونُ الصُّلْحُ عَلَى مَا هُوَ عِنْدَهُمْ. وَهَذَا الْأَصْلُ الَّذِي قُلْنَا إنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَا يَتَعَارَفُهُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ٣٦٠٦ - فَإِنْ شَرَطَ الْمَحْصُورُونَ فِي الْمُوَادَعَةِ الْأَمَانَ لِلْمُقَاتِلَةِ مِنْهُمْ، لَمْ يَسْلَمْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ وَلَا مِنْ نِسَائِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَحْصُورَ مَقْهُورٌ، فَمَقْصُودُهُ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ تَحْصِيلُ النَّجَاةِ لِنَفْسِهِ، وَفِي مِثْلِهِ لَا يَتْبَعُهُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ إلَّا ثِيَابُ بَدَنِهِ، وَالطَّعَامُ الَّذِي يَأْكُلُهُ فِي الْحَالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُسَلَّمُ لَهُ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ النَّجَاةُ لَهُ إلَّا بِهَذَا ٣٦٠٧ - ثُمَّ الْمُقَاتِلَةُ كُلُّ مَنْ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ، وَالْبُلُوغُ قَدْ يَكُونُ بِالْعَلَامَةِ كَالِاحْتِلَامِ وَالْإِحْبَالِ وَقَدْ يَكُونُ بِالسِّنِّ، وَفِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رِحْمهمَا اللَّه تَعَالَى

стр. 1725

التَّقْدِيرُ فِيهِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَلَى مَا رَوَاهُ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ ٣٦٠٨ - فَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَحْتَلِمْ، وَهُوَ ابْنُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَهُوَ مِنْ الذُّرِّيَّةِ دُونَ الْمُقَاتِلَةِ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ. لِأَنَّ الْمُقَاتِلَةَ مَنْ لَهُ بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ، إذَا أَرَادَ الْقِتَالَ، وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَالصِّغَارِ بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ، فَلَا يَكُونُونَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَإِنْ بَاشَرُوا قِتَالًا، بِخِلَافِ الْعَادَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ لَا يُقَاتِلُ مِنْ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ لَهُ بِنْيَةً صَالِحَةً لِلْقِتَالِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُبَاشِرُ الْقِتَالَ لِمَعْنًى ٣٦٠٩ - وَذَوَوْا الْأَعْذَارِ مِنْ الْعُمْيَانِ وَالزَّمْنَى وَمَقْطُوعِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ إنْ كَانُوا يُبَاشِرُونَ الْقِتَالَ فَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ، وَإِنْ كَانُوا لَا يُبَاشِرُونَ ذَلِكَ فَلَيْسُوا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ، وَإِنَّمَا خَرَجُوا عَنْ ذَلِكَ بِحُلُولِ الْآفَةِ فَإِنْ لَمْ تُعْجِزْهُمْ الْآفَةُ عَنْ الْقِتَالِ كَانُوا مُقَاتِلَةً بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ. وَالْمَرِيضُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ بِنْيَةً صَالِحَةً لِلْقِتَالِ، وَمَا حَلَّ عَارِضٌ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ، فَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُقَاتِلُ فِي الْحَالِ، بِخِلَافِ الْعُمْيَانِ، فَإِنَّ مَا حَلَّ بِهِمْ لَيْسَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ، فَإِذَا أَعْجَزَهُمْ عَنْ الْقِتَالِ خَرَجُوا مِنْ أَنْ يَكُونُوا مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ. ٣٦١٠ -

стр. 1726

وَمَنْ كَانَ فِي الْحِصْنِ مِنْ الرِّجَالِ الزَّارِعِينَ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوا قَطُّ فَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ بِنْيَةً صَالِحَةً لِلْقِتَالِ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ذَكَرْتُمْ قَبْلَ هَذَا أَنَّ هَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْعُسَفَاءِ لَا يُقْتَلُونَ. قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ لَا يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُمْ، إذَا كَانَ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَهُمُّهُمْ أَمْرُ الْحَرْبِ أَصْلًا وَلَكِنْ مَعَ هَذَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، لِكَوْنِهِمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَتَأْوِيلُ هَذَا فِي قَوْمٍ مِنْ الزَّارِعِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُقَاتِلِينَ وَلِهَذَا كَانُوا مَعَهُمْ فِي الْحِصْنِ فَلِهَذَا جَعَلَهُمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ ٣٦١١ - وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يُطِيقُ الْقِتَالَ وَلَا رَأْيَ لَهُ فِي الْحَرْبِ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَعْمَى وَالْمُقْعَدِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ رَأْسَ الْحِصْنَ وَيَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُبَاشِرُ الْقِتَالَ، وَلِهَذَا جَازَ قَتْلُهُ إذَا أُسِرَ فَيَتَنَاوَلُهُ الْأَمَانُ أَيْضًا. وَأَمَّا الْعَبِيدُ فَفِي الْقِيَاسِ هُمْ لَيْسُوا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ إذَا وَقَعَ الْأَمَانُ لِلْمُقَاتِلَةِ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ مَا بِهِ يَكُونُ الْقِتَالُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: ٣٦١٢ - إنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ يُقَاتِلُ مَعَ مَوْلَاهُ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُقَاتِلُ مَعَ مَوْلَاهُ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، فَكَانَ فَيْئًا وَهُوَ دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فِي

стр. 1727

الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَأْذُونِ فِي الْقِتَالِ وَغَيْرِ الْمَأْذُونِ فِي صِحَّةِ الْأَمَانِ مِنْهُ، إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: صِحَّةُ الْأَمَانِ لَا يَعْتَمِدُ كَوْنُهُ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، فَإِنَّ أَمَانَ الْمَرْأَةِ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ أَمَانُ ذَوِي الْآفَاتِ صَحِيحٌ، وَلَيْسُوا مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ، وَلَكِنَّ وَجْهَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَمْلُوكَ لَهُ بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ، إلَّا أَنَّهُ وَقَعَتْ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِتَالِ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ الثَّابِتِ فِيهِ لِغَيْرِهِ، فَتَنْعَدِمُ هَذِهِ الْحَيْلُولَةُ بِوُجُودِ الْإِذْنِ لَهُ فِي الْقِتَالِ حُكْمًا، فَقُلْنَا: إذَا كَانَ يُقَاتِلُ مَعَ مَوْلَاهُ فَهُوَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ بِاعْتِبَارِ الْبِنْيَةِ الصَّالِحَةِ لِلْقِتَالِ، وَإِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُ مَعَ مَوْلَاهُ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ بِاعْتِبَارِ الْحَيْلُولَةِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَمْلِكُ الْعَبِيدَ قَدْ جَعَلَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِلْقِتَالِ فَهُمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا. قَالَ: (أَلَا تَرَى) أَنَّ عَامَّةَ عَجَمِ أَهْلِ خُرَاسَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَبِيدٌ لِمُلُوكِهِمْ يَبِيعُونَهُمْ وَيَحْكُمُونَ فِيهِمْ مَا شَاءُوا، وَبِهِمْ يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ، فَمَنْ كَانَ مِنْ الْعَبِيدِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَة فَهُوَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ ٣٦١٣ - وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي بَعْضِ مَنْ فِي الْحِصْنِ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هُمْ أَحْرَارٌ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: هُمْ عَبِيدٌ كَانُوا فِي خِدْمَةِ الْمَوَالِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ لِتَمَسُّكِهِمْ بِالْأَصْلِ فَإِنْ قِيلَ: حَاجَتُهُمْ إلَى إثْبَاتِ الْأَمَانِ لَهُمْ وَالتَّمَسُّكِ بِالْأَصْلِ يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِبْقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، لَا لِإِثْبَاتِ

стр. 1728

اسْتِحْقَاقَ مَا لَمْ يُعْرَفْ. قُلْنَا: التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ لَا يُثْبِتُ الْأَمَانَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُ كَوْنَهُمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، ثُمَّ ثُبُوتُ الْأَمَانِ لِلْمُقَاتِلَةِ بِالنَّصِّ لَا بِالظَّاهِرِ، وَإِنْ اتَّفَقَ الْقَوْمُ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: كَانُوا يُقَاتِلُونَ مَعَنَا، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كَانُوا عَبِيدًا فِي خِدْمَةِ الْمُوَالَى، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِهِمْ مَا يُوجِبُ الْحَيْلُولَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقِتَالِ، وَهُوَ الرِّقُّ، فَالظَّاهِرُ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّمَا يَشْهَدُ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُمْ فَيْءٌ، إلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَا قَالَ الْمُشْرِكُونَ. وَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ إلَّا شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ٣٦١٤ - وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ الْغَالِبُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ لِلْمَلِكِ، وَهُمْ الَّذِينَ يَلُونَ الْقِتَالَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَفِي الْقِيَاسِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ فَيْءٌ لِمَا ذَكَرْنَا وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ فَيَأْمَنُونَ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا خَدَمًا لِمَوَالِيهِمْ وَيُقْبَلُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ فِي هَذَا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ فِيهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَأَمَّا كُلُّ بَلَدٍ مِثْلِ

стр. 1729

الرُّومِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّا يَكُونُ الْغَالِبُ فِيهِ أَنَّ الْأَحْرَارَ هُمْ الْمُقَاتِلَةُ، فَعَبِيدُهُمْ لَيْسُوا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ حَتَّى يُعْلَمَ مِنْهُمْ الْقِتَالُ، لِلْبِنَاءِ عَلَى الظَّاهِرِ فِي كُلِّ فَصْلٍ ٣٦١٥ - وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى الْأَمَانِ لِلْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيِّهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، ثُمَّ قَالَتْ الْمُقَاتِلَةُ لِجَيِّدِ الْمَتَاعِ وَخِيَارِ السَّبْيِ: هَذَا مَتَاعُنَا وَهَؤُلَاءِ ذَرَارِيّنَا، فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُمْ مَعَ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ إثْبَاتُ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ قَبُولُ قَوْلِهِمْ فِي ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ مَا يُخْبِرُ بِهِ الْمَرْءُ عَنْ نَفْسِهِ مِمَّا يَكُونُ فِي بَاطِنِهِ، وَفِي أَمَانِ الْمُقَاتِلَةِ يَدْخُلُ الْجَرْحَى، وَإِنْ أَصَابَتْهُمْ الْجِرَاحَةُ فِي هَذَا الْقِتَالِ كَيْفَمَا كَانَتْ الْجِرَاحَاتُ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحَاتُ إنَّمَا أَصَابَتْهُمْ قَبْلَ هَذَا فَإِنْ كَانَتْ تَحْتَمِلُ الْبُرْءَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ أَيْضًا، بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحْتَمِلُ الْبُرْءَ مِنْ ذَلِكَ نَحْوَ قَطْعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَهُمْ فَيْءٌ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَصْحَابَ رَأْيٍ يَصْدُرُ أَهْلُ الْحِصْنِ عَنْ رَأْيِهِمْ فِي الْقِتَالِ، فَلِهَذَا أَحْضَرُوهُمْ لِلْبَأْسِ، فَيَكُونُونَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ حِينَئِذٍ ٣٦١٦ - وَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: آمِنُونَا عَلَى أَنْ نَخْتَارَ مِنْ السَّبْيِ كَذَا وَكَذَا رَأْسًا، فَإِذَا لَيْسَ فِي الْحِصْنِ سِوَى ذَلِكَ الْعَدَدِ فَهُمْ آمِنُونَ، سَوَاءٌ قَالُوا فِي الصُّلْحِ: وَلَكُمْ مَا بَقِيَ، أَوْ لَمْ يَقُولُوا؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ لَهُمْ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْعَدَدِ، فَكَانَ حَالُهُمْ كَحَالِ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ مَعَ الْعَصَبَاتِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ بَعْدَ حَقِّ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ فَلَا شَيْءَ

стр. 1730

لِلْعَصَبَاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُمْ إذَا اشْتَرَطُوا الْأَمَانَ لِأَهْلِ بُيُوتِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا فِي أَبْوَابِ الْأَمَانِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: ٣٦١٧ - هَا هُنَا أَهْلُ بَيْتِ الرَّجُلِ مَنْ يَعُولُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ، مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ، وَمِمَّنْ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ. وَفِيمَا سَبَقَ قَالَ: أَهْلُ بَيْتِهِ قَرَابَتُهُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ الَّذِينَ يُنَاسِبُونَهُ إلَى أَقْصَى أَبٍ يُعْرَفُونَ بِهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَا هُنَا أَيْضًا هَذَا التَّفْسِيرَ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْبَيْتِ الْمَذْكُورِ بَيْتَ السُّكْنَى فَكُلُّ مَنْ يَعُولُهُ فِي بَيْتِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ بَيْتَ النَّسَبِ فَكُلُّ مَنْ يُنَاسِبُهُ إلَى أَقْصَى أَبٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ مُرَادُهُ بِذَلِكَ دَخَلَ الْفَرِيقَانِ فِي الْأَمَانِ، لِأَنَّ بَابَ الْأَمَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ، وَكُلُّ مَنْ تَرَدَّدَ حَالُهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ آمِنًا أَوْ لَا يَكُونَ فَهُوَ آمِنٌ، لِتَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ ٣٦١٨ - وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى الرِّجَالِ وَأَهْلَيْهِمْ) فَأَهْلُ الرَّجُلِ مَنْ يَعُولُهُ فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَفِي الْقِيَاسِ أَهْلُهُ زَوْجَتُهُ خَاصَّةً، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا إلَّا أَنَّ فِي اسْمِ الْأَهْلِ لَا يَدْخُلُ غَيْرُ عِيَالِهِ بِخِلَافِ اسْمِ أَهْلِ الْبَيْتِ ثُمَّ بَيَّنَ مُفَادَاةَ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ وَطَرِيقَ كَتْبِهِ الْوَثِيقَةَ فِي ذَلِكَ ٣٦١٩ -

стр. 1731

وَإِذَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مِائَةَ رَأْسٍ، وَيُعْطِيَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ مِائَةَ رَأْسٍ أَيْضًا، فَإِنْ نَظَرَ الْمُسْلِمُونَ إلَى مَا فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْأُسَرَاءِ فَإِذَا هُمْ لَا يُتِمُّونَ مِائَةَ رَأْسٍ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْقُضُوا الصُّلْحَ، وَلَكِنَّهُمْ يُعْطُونَهُمْ مِنْ الْأُسَرَاءِ بِعَدَدِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا جَرَى، وَالْبَعْضُ مُعْتَبَرٌ بِالْكُلِّ، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدَعُوا أَسِيرًا وَاحِدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُفَادُونَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَهُ ٣٦٢٠ - فَإِنْ خَبَّأَ الْمُشْرِكُونَ أَقْوِيَاءَ الْأُسَرَاءِ، وَأَظْهَرُوا الْمَشْيَخَةَ، وَأَهْلَ الزَّمَانَةِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ الْمُفَادَاةِ بِهِمْ. لِأَنَّ حُرْمَةَ هَؤُلَاءِ كَحُرْمَةِ الْأَقْوِيَاءِ، إذَا ظَهَرُوا، وَالْمُفَادَاةُ بِهِمْ لِحُرْمَةِ الْمُسْلِمِينَ. ٣٦٢١ - إلَّا أَنْ يَرْجُوَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُمْ إذَا أَبَوْا عَلَيْهِمْ أَنْ يُفَادُوا الْمَشْيَخَةَ أَظْهَرُوا مَا كَتَمُوا مِنْ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ الْمُفَادَاةِ بِمَا أَظْهَرُوا لِمَعْنَى النَّظَرِ، وَإِنْ أَبَوْا إظْهَارَ ذَلِكَ فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُفَادِيَ مَا أَظْهَرُوا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ تَوْهِينٌ بَيِّنٌ لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ وَجُرْأَةٌ عَلَيْهِمْ فَحِينَئِذٍ لِلْإِمَامِ أَلَّا يُفَادِيهِمْ لِدَفْعِ الْمَذَلَّةِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ

стр. 1732

أَلَا تَرَى - أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا لَا نَفَادِي رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا بِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ لِدَفْعِ التَّوْهِينِ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ ٣٦٢٢ - فَإِنْ طَلَبَ الرُّسُلُ الْأَمَانَ لِأَنْفُسِهِمْ عَلَى أَهْلَيْهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ عَلَى أَنْ يُمَكِّنُونَا مِنْ الْحِصْنِ فَأَمَّنَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا هُمْ لَا أَهْلَ لَهُمْ وَلَا مَالَ، فَهُمْ آمِنُونَ خَاصَّةً دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَ الْأَمَانِ يَكُونُ لِلْمَوْجُودِ دُونَ الْمَعْدُومِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْحِصْنِ شَيْءٌ لَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَهْلِينَ فَالْأَمَانُ فِي أَنْفُسِهِمْ صَادَفَ الْمَوْجُودَ، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ صَادَفَ الْمَعْدُومَ، ٣٦٢٣ - وَإِنْ ادَّعَوْا جَمِيعَ مَا فِي الْحِصْنِ مِنْ الْأَمْوَالِ أَنَّهَا لَهُمْ وَحَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ فَالْقَوْلُ لَهُمْ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ، ٣٦٢٤ - وَإِنْ أُمِّنُوا عَلَى ذَرَارِيِّهِمْ. قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ اسْمَ الذُّرِّيَّةِ يَتَنَاوَلُ الْأَوْلَادَ وَأَوْلَادَ الْأَوْلَادِ، وَأَوْلَادُ الْبَنِينَ وَأَوْلَادُ الْبَنَاتِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. أَلَا تَرَى - أَنَّ اللَّه تَعَالَى سَمَّى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﵇ وَاسْمُ النِّسَاءِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْأَزْوَاجَ خَاصَّةً. قَالَ

стр. 1733

اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَالْمُرَادُ الْأَزْوَاجُ خَاصَّةً ٣٦٢٥ - وَالنَّسْلُ بِمَنْزِلَةِ الذُّرِّيَّةِ، فَأَمَّا اسْمُ الْأَوْلَادِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا أَوْلَادَ الصُّلْبِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَهُمْ حَقِيقَةٌ، وَلِأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ مَجَازٌ، فَإِذَا صَارَتْ الْحَقِيقَةُ مُرَادًا [لَمْ يُطْلَقْ عَلَى الْمَجَازِ] ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِبَعْضِ مَنْ صَالَحَ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ فَوَلَدُ بَنِيهِ يَدْخُلُونَ الْآنَ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُهُ مَجَازًا، وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالْمَجَازِ إذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ. فَأَمَّا وَلَدُ الْبَنَاتِ فَلَيْسُوا مِنْ وَلَدِهِ وَفِي هَذَا الْفَصْلِ رِوَايَتَانِ أَيْضًا، قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَبْوَابِ الْأَمَانِ وَاسْمُ الْبَنِينَ فِي الْأَمَانِ يَتَنَاوَلُ الْمُخْتَلَطِينَ. فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الذُّكُورَ خَاصَّةً وَإِنَّمَا أَرَادَ الْقِيَاسَ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِبَنِي فُلَانٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي أَبْوَابِ الْأَمَانِ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي الْأَمَانِ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ، وَلَيْسَ فِي إدْخَالِ الْأُنْثَى مَعَ الذَّكَرِ فِيهِ بَخْسٌ لِحَقِّ الذَّكَرِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ

стр. 1734

وَفِي اسْمِ الْوَلَدِ يَدْخُلُ الْبَنُونَ وَالْبَنَاتُ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِالْوِلَادَةِ. ٣٦٢٦ - وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ أَرْضَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَمَرُّوا بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِتَخْرِيبِهَا وَتَحْرِيقِهَا وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْجَوَارِي فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ، بَلْ هُوَ أَهْوَنُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمَسَاكِنِ لِكَثْرَةِ مَا يُعْصَى اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَبُيُوتِ النِّيرَانِ، وَبَيْنَ الْمَسَاجِدِ، فَإِنَّ الْمَسْجِدَ مُصَلًّى لِلْمُسْلِمِينَ، مَبْنِيٌّ لِإِقَامَةِ الطَّاعَاتِ فِيهِ، فَكَانَ مُحْرَزًا مِنْ حَقِّ الْعِبَادِ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] . بِمَنْزِلَةِ الْكَعْبَةِ، فَلِهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ جُنُبٌ فِيهِ أَوْ يَطَأَ الرَّجُلُ فِيهِ امْرَأَتَهُ، أَوْ يَقْضِيَ فِيهِ حَاجَتَهُ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، فَأَمَّا هَذِهِ الْمَوَاضِعُ فَهِيَ مُعَدَّةٌ لِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا، فَكَانَ حُكْمُهَا وَحُكْمُ مَسَاكِنِهِمْ سَوَاءً ٣٦٢٧ - فَإِنْ طَلَبَ حَرْبِيٌّ الْأَمَانَ لِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَنَفْسِهِ عَلَى أَنْ يَدُلَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ فِيهَا أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَبَيَّنَ فِي الْكِتَابِ وَثِيقَةَ هَذِهِ الْمُوَادَعَةِ ثُمَّ قَالَ: ٣٦٢٨ - فَإِذَا دَلَّهُمْ عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا سَبْيٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ فَقَدْ

стр. 1735

وَفَّى بِمَا قَالَ فَهُوَ آمِنٌ، لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَشْرُوطِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ غَيْرُ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فَهُوَ فَيْءٌ، وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ بِالْعَقْدِ الدَّلَالَةَ عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا سَبْيٌ، وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ فِيهِمْ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمَانَ بِذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الدَّلَالَةُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ لَمْ يُسْتَفَدْ الْأَمَانُ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِيهِمْ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ فِي الْقَرْيَةِ سَبْيٌ سِوَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَالسَّبْيُ اسْمُ جَمْعٍ، وَأَدْنَى الْجَمْعِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ ٣٦٢٩ - وَإِنْ قَالَ: قَدْ كَانَ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ سَبْيٌ فَذَهَبُوا فَلَا أَمَانَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ إنَّمَا عُلِّقَ بِدَلَالَتِهِ عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا سَبْيٌ، وَهَذِهِ قَرْيَةٌ لَا سَبْيَ فِيهَا الْآنَ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَخْذِ السَّبْيِ بِدَلَالَتِهِ، وَبِاَلَّذِينَ كَانُوا فِيهَا فَذَهَبُوا قَبْلَ دَلَالَتِهِ لَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ ٣٦٣٠ - وَإِنْ كَانُوا أَمَّنُوهُ حِينَ دَخَلَ الْعَسْكَرَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: تُؤَمِّنُونِي عَلَى نَفْسِي وَأَهْلِي وَوَلَدِي عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، فَإِنْ لَمْ أُوَفِّ فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، ثُمَّ دَلَّهُمْ عَلَى قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا غَيْرُ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، فَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ فَيْءٌ وَهُوَ آمِنٌ؛ لِأَنَّ أَمَانَهُ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ هَذَا الشَّرْطِ، فَأَمَّا أَمَانُ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فَإِنَّمَا عَلَّقَهُ الْمُسْلِمُونَ بِدَلَالَتِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَلَا أَمَانَ لَهُمْ، وَبَقِيَ أَمَانُهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ قَبْلُ، لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا ثَبَتَ الْأَمَانُ لَهُ فَمَا لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ كَانَ آمِنًا، وَبِقَوْلِهِ فَلَا أَمَانَ

стр. 1736

بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ لَا يُوجَدُ تَبْلِيغُهُ إلَى مَأْمَنِهِ، فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ الْأَمَانُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ هُنَاكَ الْأَمَانَ لَهُ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ الدَّلَالَةِ عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا سَبْيٌ، كَمَا لِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، فَإِذَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ آمِنًا ٣٦٣١ - فَإِنْ كَانَ سَمَّى لِلْمُسْلِمِينَ عَدَدًا مِنْ السَّبْيِ يَدُلُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ، عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ وَفَّى بِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا أَمَانَ لَهُ، ثُمَّ إنْ دَلَّهُمْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ فَهُوَ فَيْءٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ أَمَانَهُ لَمْ يُوجَدْ ٣٦٣٢ - وَفِي الْقِيَاسِ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلُوهُ كَمَا قَبْلَ هَذَا الِاسْتِئْمَانِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ لِأَنَّهُ وَفَّى لَهُمْ بِبَعْضِ الْمَشْرُوطِ، وَلَوْ وَفَّى بِجَمِيعِ الْمَشْرُوطِ كَانَ آمِنًا مِنْ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ جَمِيعًا، فَوَفَاؤُهُ بِبَعْضِ الْمَشْرُوطِ يُورِثُ شُبْهَةً، وَالْقَتْلُ يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَهَذَا لِأَنَّ فِيمَا شُرِطَ عَلَيْهِ مَعْنَى الْعِوَضِ، بِاعْتِبَارِ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَعْنَى الشَّرْطِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، فَإِنْ اعْتَبَرْنَا مَعْنَى الشَّرْطِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لِأَنَّ الشَّرْطَ يُقَابِلُ الْمَشْرُوطَ جُمْلَةً، وَإِنْ اعْتَبَرْنَا مَعْنَى الْعِوَضِ كَانَ هُوَ آمِنًا، فَفِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ رَجَّحْنَا مَعْنَى الْعِوَضِ وَهُوَ الْقَتْلُ، وَفِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ رَجَّحْنَا اعْتِبَارَ مَعْنَى الشَّرْطِ فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُ. ثُمَّ بَيَّنَ الْوَثِيقَةَ فِي الْمُوَادَعَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِيهَا الرَّهْنُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَقَدْ اسْتَقْصَيْنَا بَيَانَ هَذِهِ الْفُصُولِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1737

[بَابٌ مِنْ نِكَاحِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ] ِ ٣٦٣٣ - وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَتَيْنِ فَنِكَاحُ الْأُولَى مِنْهُمَا صَحِيحٌ، وَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ إذَا أَسْلَمَتَا مَعَهُ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ وَقَتَادَةَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي عُقْدَتَيْنِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فَيَخْتَارُ أَيَّهمَا شَاءَ، وَيُفَارِقُ الْأُخْرَى ٣٦٣٤ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ ذِمِّيًّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَتَا مَعَهُ فَالْجَوَابُ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مُلْتَزِمٌ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَحُرْمَةُ الْجَمْعِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَقَعْ أَصْلُ نِكَاحِهِمَا صَحِيحًا، إذَا كَانَ الْمُبَاشِرُ مُلْتَزِمًا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْحَرْبِ فَهُمْ غَيْرُ مُلْتَزِمِينَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ

стр. 1738

وَكَانَ أَصْلُ النِّكَاحِ مِنْهُمَا صَحِيحًا، بِاعْتِبَارِ قُصُورِ الْخِطَابِ بِتَحْرِيمِ الْجَمْعِ عَنْهُمْ، فَإِذَا اعْتَرَضَتْ الْحُرْمَةُ فِي الْبَعْضِ بَعْدَ صِحَّةِ النِّكَاحِ وَجَبَ التَّخْيِيرُ لَا التَّفْرِيقُ، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ يُطَلِّقُ إحْدَى نِسَائِهِ الْأَرْبَعِ ثَلَاثًا بِغَيْرِ عَيْنِهَا، وَعَلَى هَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ٣٦٣٥ - إذَا تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ امْرَأَةً بِغَيْرِ صَدَاقٍ ثُمَّ أَسْلَمَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ وَقَدْ قَرَّرَ هَذَا الْكَلَامَ فِي الْكِتَابِ فَقَالَ: ٣٦٣٦ - اخْتِصَاصُ الِابْتِغَاءِ بِالْمَالِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، بِمَنْزِلَةِ حُرْمَةِ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ فَإِنَّهُ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، ثُمَّ لَا يَثْبُتُ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ الْآخَرُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، قَالَا: وُجُوبُ الِاعْتِرَاضِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِسَبَبِ الْجَمْعِ، فَالْجَمْعُ حَصَلَ لَهُمَا جَمِيعًا، وَالِاسْتِدَامَةُ عَلَى مَا يُسْتَدَامُ كَالْإِنْشَاءِ، فَيُجْعَلُ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا وُجِدَ مِنْهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بَطَلَ نِكَاحُهُمَا، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَتَيْنِ بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ. أَلَا تَرَى - أَنَّ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ أَثْبَتْنَا الْجِزْيَةَ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَكَمَا أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ غَيْرُ مُلْتَزِمِينَ لِحُرْمَةِ الْجَمْعِ فَأَهْلُ الذِّمَّةِ غَيْرُ مُلْتَزِمِينَ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا

стр. 1739

لَا يَتَعَرَّضُ الْإِمَامُ لَهُمْ، إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ قَبْلَ الْمُرَافَعَةِ إلَيْهِ؛ فَلِهَذَا سَوَّى أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ، رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، لِإِثْبَاتِ مَذْهَبِهِ بِآثَارٍ ذَكَرَهَا فِي الْكِتَابِ بِالْإِسْنَادِ. (فَمِنْهَا) حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، أَنَّ «غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵌: اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» . فَلَمَّا كَانَ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ طَلَّقَ نِسَاءَهُ وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ بَنِيهِ، فَدَعَاهُ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: طَلَّقْت نِسَاءَك وَقَسَّمْت مَالَك بَيْنَ بِنَيْكِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ فِيمَا يَسْتَرِقُ مِنْ السَّمْعِ سَمِعَ لِمَوْتِك فَقَذَفَهُ فِي نَفْسِك، فَلَعَلَّك أَلَّا تَمْكُثَ إلَّا قَلِيلًا. وَاَيْمُ اللَّهِ تَعَالَى إنْ لَمْ تُرَاجِعْ نِسَاءَك وَتَرْجِعْ فِي مَالِك، ثُمَّ مِتَّ لَأُوَرِّثَهُنَّ مِنْ مَالِك ثُمَّ لَأَمَرْتُ بِقَبْرِك أَنْ يُرْجَمَ كَمَا يُرْجَمُ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَظُنُّهُ فَعَلَ هَذَا فِي مَرَضِهِ. (وَرَوَى) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مَسْعُودِ بْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا. قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيَشَانِيِّ أَنَّ «الضَّحَّاكَ بْنَ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيَّ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَسْلَمْت وَعِنْدِي أُخْتَانِ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﵌، أَنْ أُفَارِقَ إحْدَاهُمَا» قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَفَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ الَّذِينَ كَانُوا بِصَنْعَاءَ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ

стр. 1740

٣٦٣٧ - قَالَ: الشَّيْخُ وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْآثَارِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْأَنْكِحَةِ كَانَتْ قَبْلَ نُزُولِ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ، وَمِثْلُهُ لَا يُوجَدُ فِي زَمَانِنَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: اخْتَرْ إحْدَاهُمَا أَوْ اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا بِتَجْدِيدِ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ، لَا لِلْإِمْسَاكِ لِحُكْمِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعَقْدِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، قَائِلٌ بِهَذَا. ثُمَّ ذَكَرَ إسْلَامَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَالْحَاصِلُ فِيهِ أَنَّهُ إنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَهِيَ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ جَائِزٌ، فَالْبَقَاءُ أَجْوَزُ ٣٦٣٨ - فَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي أَسْلَمَتْ، فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا عَلَى انْقِضَاءِ ثَلَاثِ حِيَضٍ؛ لِأَنَّ بَعْدَ صِحَّةِ النِّكَاحِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْرِيرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْفُرْقَةِ، وَإِسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمَا لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ، فَهُوَ سَبَبٌ لِتَقْرِيرِ الْمِلْكِ، وَكُفْرُ مَنْ أَصَرَّ مِنْهُمَا كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ هَذَا أَوَّلًا، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الْفُرْقَةِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا، فَقُلْنَا: بِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا عَلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ، لِأَنَّ لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ تَأْثِيرًا فِي الْفُرْقَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَلَوْ كَانَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَكَانَ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الْمُصِرِّ مِنْهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ

стр. 1741

وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إنْ أَبِي الْإِسْلَامَ، فَإِذَا تَعَذَّرَ عَرْضُ الْإِسْلَامِ بِسَبَبِ انْقِطَاعِ وِلَايَةِ الْإِمَامِ عَنْهَا أَقَمْنَا ثَلَاثَ حَيْضَاتٍ مَقَامَ ثَلَاثِ عُرْضَاتٍ فِي ذَلِكَ ٣٦٣٩ -، فَإِنْ خَرَجَ الَّذِي أَسْلَمَ مِنْهُمَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ ثَلَاثِ حِيَضٍ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا؛ لِأَنَّ مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْمَيِّتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] ٣٦٤٠ - وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي رَدِّ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، ابْنَتَهُ زَيْنَبَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، عَلَى أَبِي الْعَاصِ، فَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ ﵌ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَرَوَى عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ أَنَّهُ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ الرَّدُّ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا، وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ فَتَأْوِيلُهُ مَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ بَرَاءَةٌ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] . وَفِيمَا ذَكَرَ هَؤُلَاءِ بَيَانُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ بِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ

стр. 1742

وَأَنَّهُ لَا عِصْمَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَاَلَّذِي يَقُولُهُ الزُّهْرِيُّ: إنَّ نِسَاءً مِنْ قُرَيْشٍ أَسْلَمْنَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَهَرَبَ أَزْوَاجُهُنَّ ثُمَّ رَجَعُوا إلَى الْإِسْلَامِ، فَأَقَرَّهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، عِنْدَ أَزْوَاجِهِنَّ بِذَلِكَ النِّكَاحِ، عَلَى مَا يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ أُمِّ حَكِيمٍ امْرَأَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَحَدِيثِ امْرَأَةِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، فَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَدْ هَرَبُوا إلَى السَّاحِلِ، وَهِيَ مِنْ حُدُودِ مَكَّةَ، قَدْ صَارَتْ مَفْتُوحَةً بِفَتْحِ مَكَّةَ، فَلَمْ يُوجَدْ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِنَّ وَاَلَّذِي يُرْوَى أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فِي مُعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَزَوْجَتُهُ هِنْدُ مُشْرِكَةٌ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ أَنَّهُ مَتَى حَسُنَ إسْلَامُ أَبِي سُفْيَانَ؟ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَحْسُنْ إسْلَامُهُ يَوْمَئِذٍ وَإِنَّمَا أَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، بِشَفَاعَةِ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ ﵁. أَلَا تَرَى - إلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِلْعَبَّاسِ ﵁: إنَّ ابْنَ أَخِيك أَصْبَحَ فِي مُلْكٍ عَظِيمٍ، فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِمُلْكٍ وَإِنَّمَا هُوَ نُبُوَّةٌ قَالَ: أَوَ ذَاكَ؟ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ كَلَامَ مَنْ حَسُنَ إسْلَامُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ ٣٦٤١ - أَنَّ «أُمَيْمَةَ بِنْتَ بِشْرٍ فَرَّتْ إلَى النَّبِيِّ ﵌، وَهِيَ مُسْلِمَةٌ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِأَرْضِ الْكُفْرِ،

стр. 1743

فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا زَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ سُهَيْلَ بْنَ حُنَيْفٍ ثُمَّ قَدِمَ زَوْجُهَا بَعْدَ ذَلِكَ مُسْلِمًا فَلَمْ يَرُدَّهَا إلَيْهِ» وَفِي هَذَا دَلِيلُ أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، وَبِهِ يَسْتَدِلُّ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَى الْمُهَاجِرَةِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَرَى عَلَى الْمُهَاجِرَةِ الْعِدَّةَ، وَجَعَلَهَا فِي ذَلِكَ كَالْمَسْبِيَّةِ، لِأَنَّ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَانَ بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حُكْمًا، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا اعْتَدَّتْ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌. وَذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ٣٦٤٢ - قَالَ إذَا لَحِقَتْ الْمَرْأَةُ بِأَرْضِ الْحَرْب فَلَا تَعْتَدَّ بِهَا فِي نِسَائِك وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: إذَا لَحِقَتْ مُرْتَدَّةٌ عَنْ الْإِسْلَامِ، أَوْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً فَلَحِقَتْ نَاقِضَةً لِلْعَهْدِ، فَقَدْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، حِينَ صَارَتْ حَرْبِيَّةً، وَلَكِنْ لَا عِدَّةَ لَهَا هَا هُنَا؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَالْحَرْبِيَّةُ لَا تُخَاطَبُ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمُهَاجِرَةِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، هُمَا سَوَاءٌ فِي حُكْمِ الْعِدَّةِ، إلَّا أَنَّ الْمُهَاجِرَةَ إذَا كَانَتْ حَامِلًا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مَا لَمْ تَضَعْ حَمْلَهَا، لَا لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ لِأَنَّ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا ثَابِتَ النَّسَبِ، بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا حَبِلَتْ مِنْ مَوْلَاهَا فَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهَا:

стр. 1744

٣٦٤٣ - إنْ تَزَوَّجَتْ جَازَ النِّكَاحُ وَلَكِنْ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، لَكَيْ لَا يَكُونَ سَاقِيًا مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَسْبِيَّةِ إذَا كَانَتْ حَامِلًا فَتَزَوَّجَهَا مَوْلَاهَا. ٣٦٤٤ - وَإِذَا تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ امْرَأَةً وَابْنَتَهَا فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ عُقْدَتَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، إنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَنِكَاحُهُمَا فَاسِدٌ، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَتَيْنِ فَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الِاعْتِرَاضِ لِمَعْنَى الْجَمْعِ هَا هُنَا بِمَنْزِلَةِ نِكَاحِ الْأُخْتَيْنِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ نِكَاحُ الِابْنَةِ صَحِيحٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَنِكَاحُ الْأُمِّ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بِسَبَبِ الْجَمْعِ لَا تَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ عِنْدَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، كَمَا فِي حَقِّ الْأُخْتَيْنِ، فَكَانَ نِكَاحُ الْبِنْتِ صَحِيحًا تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ ٣٦٤٥ - وَبِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ عَلَى الِابْنَةِ تَحْرُمُ الْأُمُّ، وَبِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ لَا تَحْرُمُ الِابْنَةُ، فَلِهَذَا صَحَّ نِكَاحُ الْبِنْتِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَبَطَلَ نِكَاحُ الْأُمِّ وَهَذَا لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ نَظِيرُ حُرْمَةِ الرَّضَاعِ وَالنَّسَبِ، وَذَلِكَ يَثْبُتُ فِي دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ تَقَرُّرِ سَبَبِهِ، كَمَا يَثْبُتُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهَذَا مِثْلُهُ ٣٦٤٦ -، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِمَا فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍّ بِالِاتِّفَاقِ

стр. 1745

لِأَنَّ الدُّخُولَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُحَرِّمُ الْأُخْرَى، بِسَبَبِ الْمُصَاهَرَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ ٣٦٤٧ - وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَ الِابْنَةَ، فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ عَلَى الِابْنَةِ يُوجِبُ حُرْمَةَ الْأُمِّ، وَالدُّخُولَ بِالْأُمِّ يُوجِبُ حُرْمَةَ الْبِنْتِ ٣٦٤٨ -، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الِابْنَةَ فَنِكَاحُ الْأُمِّ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ بِهَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الِابْنَةِ، ثُمَّ الْعَقْدُ عَلَى الِابْنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالْعَقْدُ الْفَاسِدُ عَلَى الِابْنَةِ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْأُمِّ ٣٦٤٩ -، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالِابْنَةِ فَنِكَاحُهَا صَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْأُمِّ إلَّا مُجَرَّدُ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الِابْنَةِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَةٍ فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الَّتِي دَخَلَ بِهَا، أُمًّا كَانَتْ أَوْ بِنْتًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى لِأَنَّ الدُّخُولَ بِمَنْ دَخَلَ بِهَا مُحَرِّمٌ لِلْأُخْرَى أُمًّا كَانَتْ أَوْ ابْنَةً. ٣٦٥٠ - وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَ الِابْنَةَ أَوَّلًا وَدَخَلَ بِهَا فَنِكَاحُهَا صَحِيحٌ وَنِكَاحُ الْأُمِّ بَاطِلٌ، لِأَجْلِ الْمُصَاهَرَةِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ

стр. 1746

الْعَقْدَ عَلَى الِابْنَةِ كَانَ صَحِيحًا، وَذَلِكَ يُوجِبُ حُرْمَةَ الْأُمِّ، وَقَدْ دَخَلَ بِالْأُمِّ، وَذَلِكَ يُوجِبُ حُرْمَةَ الِابْنَةِ. وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَ الْأُمَّ أَوَّلًا فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَنِكَاحُهَا صَحِيحٌ، وَإِنْ دَخَلَ بِالِابْنَةِ بَطَلَ نِكَاحُهُمَا جَمِيعًا، لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الِابْنَةِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لِمَعْنَى الْجَمْعِ، وَالدُّخُولُ بِالِابْنَةِ مُبْطِلٌ نِكَاحَ الْأُمِّ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الِابْنَةَ دُونَ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْأُمِّ مُجَرَّدُ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ عَلَى الْأُمِّ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الِابْنَةِ، فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ٣٦٥١ - قَالَ وَلَوْ تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ أَمَةً وَحُرَّةً ثُمَّ أَسْلَمُوا جَازَ نِكَاحُهُمَا فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي حَقِّهِمَا عِنْدَهُ، وَبَعْدَ الْإِسْلَامِ الْحَالُ حَالُ اسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ، وَاسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ عَلَى الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُذْكَرْ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَقِيلَ: الْجَوَابُ هَكَذَا عَلَى قَوْلِهِ، لِأَنَّ حُكْمَ الْخِطَابِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: بَلْ عِنْدَهُ يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَيُجْعَلُ كَالْمُجَدِّدِ لِلْعَقْدِ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، كَمَا فِي حَقِّ الْأُخْتَيْنِ. ٣٦٥٢ - قَالَ: وَإِذَا تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ فِي عُقْدَةٍ أَوْ عُقْدَتَيْنِ، ثُمَّ سُبِيَ وَسُبِينَ مَعَهُ، فَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَخْتَارُ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ

стр. 1747

لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الثِّنْتَيْنِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ بِمَنْزِلَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ فِي حَقِّ الْحُرِّ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، يَبْطُلُ نِكَاحُهُنَّ جَمِيعًا هَا هُنَا، أَمَا إنَّهُ إنْ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَهُوَ غَيْرُ مُشْكِلٍ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ يَتَزَوَّجُ خَمْسَ نِسْوَةٍ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يُسْلِمُ وَيُسْلِمْنَ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْفَصْلِ وَبَيْنَ مَا إذَا أَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَنَّ هُنَاكَ نِكَاحَ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ مَا وَقَعَ صَحِيحًا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا وَجَبَ الِاعْتِرَاضُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، يَتَعَيَّنُ الْفَسَادُ مَا لَمْ يَقَعْ صَحِيحًا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَهَا هُنَا نِكَاحُ الْأَرْبَعِ وَقَعَ صَحِيحًا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُ كَانَ حُرًّا حِينَ تَزَوَّجَهُنَّ فَلَمْ يَكُنْ الْبَعْضُ بِإِفْسَادِ نِكَاحِهَا بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ، فَلِهَذَا فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ ٣٦٥٣ - وَلَوْ تَزَوَّجَ حَرْبِيٌّ رَضِيعَتَيْنِ ثُمَّ أَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ ثُمَّ أَسْلَمُوا فَهَذَا وَمَا لَوْ كَانَتَا أُخْتَيْنِ حِينَ تَزَوَّجَهُمَا سَوَاءٌ، عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّا؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِالرَّضَاعِ ٣٦٥٤ - وَإِنْ كَانَتْ إنَّمَا أَرْضَعَتْهُمَا بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا فَقَدْ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا جَمِيعًا. وَبِهِ اسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، عَلَى مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: لَمَّا أَسْلَمُوا قَبْلَ الْإِرْضَاعِ فَحَالُهُمْ وَحَالُ مَا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ حِينَ تَزَوَّجَهُمَا سَوَاءٌ، وَالْمُسْلِمُ إذَا تَزَوَّجَ رَضِيعَتَيْنِ ثُمَّ أَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الْمُفْسِدَ وَهِيَ الْأُخْتِيَّةُ وُجِدَ فِيهِمَا جَمِيعًا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ ٣٦٥٥ -

стр. 1748

وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ أَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ وَلَوْ كَانَ تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ كَبِيرَةً وَرَضِيعَةً، وَلِلْكَبِيرَةِ لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ ثُمَّ أَسْلَمُوا فَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نِكَاحُهُمَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ صَارَ جَامِعًا بَيْنَهُمَا بَعْدَ مَا صَارَتَا أُمًّا وَابْنَةً، فَكَأَنَّهُ تَزَوَّجَهُمَا ابْتِدَاءً بَعْدَ الْإِرْضَاعِ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ نِكَاحُ الِابْنَةِ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ وُجِدَ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ عَلَى الِابْنَةِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ حُرْمَةَ الْأُمِّ، وَمُجَرَّدُ الْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْبِنْتِ. ٣٦٥٦ - وَلَوْ كَانَ الْإِرْضَاعُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بَطَلَ نِكَاحُهُمَا بِالِاتِّفَاقِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَزَوَّجَهُمَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ ثُمَّ أَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ فَقَدْ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِحُرْمَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ الزَّوْجُ ٣٦٥٧ - وَلَوْ كَانَتْ الْكَبِيرَةُ أَسْلَمَتْ وَحْدَهَا ثُمَّ أَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يَفْسُدُ نِكَاحُهَا، وَيَجُوزُ نِكَاحُ الْبِنْتِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ حَرْبِيٌّ حِينَ أَرْضَعَتْهَا، فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهَا قَبْلَ إسْلَامِهَا سَوَاءً ٣٦٥٨ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي أَسْلَمَ أَبُو الصَّغِيرَةِ ثُمَّ أَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ) فَقَدْ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا جَمِيعًا

стр. 1749

أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، لَا إشْكَالَ، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ فَلِأَنَّ الِابْنَةَ صَارَتْ مُسْلِمَةً بِإِسْلَامِ الْأَبِ، فَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا مَعَ أُمِّهَا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَبَطَلَ نِكَاحُهَا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَقَدْ بَطَلَ نِكَاحُ الْأُمِّ بِسَبَبِ الْعَقْدِ عَلَى الِابْنَةِ، فَلِهَذَا قَالَ: يَفْسُدُ نِكَاحُهُمَا جَمِيعًا. وَأَوْضَحَ هَذَا بِمَا لَوْ تَزَوَّجَ رَضِيعَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً فَأَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ، فَإِنَّ الْكَبِيرَةَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ صَارَتْ ابْنَةً لَهَا، وَقَدْ كَانَتْ فِي نِكَاحِهِ فِي وَقْتٍ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ، وَمُجَرَّدُ الْعَقْدِ عَلَى الِابْنَةِ يُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً فِي حَقِّ الْأُمِّ ٣٦٥٩ - وَلَوْ أَنَّ زَوْجَيْنِ مُسْتَأْمَنَيْنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَسْلَمَ الزَّوْجُ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأَرَادَتْ الرُّجُوعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَعْدَ إسْلَامِ الزَّوْجِ النِّكَاحُ مُسْتَدَامٌ بَيْنَهُمَا، فَهِيَ مُسْتَأْمَنَةٌ تَحْتَ مُسْلِمٍ فَتَصِيرُ ذِمِّيَّةً لِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْمَقَامِ تَابِعَةٌ لِزَوْجِهَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَزَوَّجَتْ بِمُسْلِمٍ ابْتِدَاءً ٣٦٦٠ - وَكَذَلِكَ إذَا صَارَ الزَّوْجُ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا كَالْمُسْلِمِ. ٣٦٦١ - إنْ جَحَدَتْ أَنْ تَكُونَ امْرَأَتَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَعَلَى الزَّوْجِ الْبَيِّنَةُ، وَلَا يُقْبَلُ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ شَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِ الزَّوْجِ وَالشُّهُودِ أَنَّهَا ذِمِّيَّةٌ، وَشَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى الذِّمِّيِّ لَا تَكُونُ حُجَّةً ٣٦٦٢ -، وَلَوْ كَانَتْ أَنْكَرَتْ النِّكَاحَ، قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الزَّوْجُ

стр. 1750

أَوْ يَصِيرَ ذِمِّيًّا، لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي عَلَيْهِمَا بِشَيْءٍ، وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمَا مُسْتَأْمَنَانِ فَلَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ بِحُقُوقِ مُعَامَلَةٍ جَرَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَلْتَزِمَا حُكْمَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ إنَّمَا يَزْعُمُ أَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلِهَذَا لَا يَقْضِي بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ زَعْمِهِ ٣٦٦٣ -، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ كِتَابِيَّةً فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَعْرِضُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ وَإِلَّا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُمَا تَحْتَ وِلَايَتِهِ الْآنَ، فَيُمْكِنُ مِنْ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَى الَّذِي يَأْبَى مِنْهُمَا، وَبِنَاءُ التَّفْرِيقِ عَلَيْهِ ثُمَّ يَكُونُ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ هَا هُنَا بَعْدَ إسْلَامِ الزَّوْجِ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَا يَجُوزُ فَلَا تَصِيرُ ذِمِّيَّةً، إلَّا أَنَّ الْعِدَّةَ تَلْزَمُهَا لِحَقِّ الزَّوْجِ الْمُسْلِمِ فَلَا تَتَمَكَّنُ مِنْ الْخُرُوجِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، لِأَنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا حَامِلٌ وَوَلَدُهَا مُسْلِمٌ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ، فَلِهَذَا لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ٣٦٦٤ - وَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ زَوْجُهَا، وَلَكِنَّهُ صَارَ ذِمِّيًّا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا مُسْتَقِرٌّ هَا هُنَا، فَتَصِيرُ ذِمِّيَّةً تَبَعًا لِزَوْجِهَا ٣٦٦٥ - وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي أَسْلَمَتْ فَإِنَّهُ يَعْرِضُ

стр. 1751

الْإِسْلَامَ عَلَى الزَّوْجِ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا إذَا أَبَى، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ فِي الْمُقَامِ لَا يَتْبَعُ امْرَأَتَهُ. ٣٦٦٦ - قَالَ: وَلَوْ ذَهَبَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ عَرْضِ الْقَاضِي عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَقَدْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَهَذِهِ فُرْقَةٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَعْتَمِدُ الْمِلَّةَ وَلَا مِلَّةَ لِلْمُرْتَدِّ، وَقَدْ قَرَّرَنَا هَذَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى فَصْلِ الْمُهَاجِرَةِ وَقَالَ: ٣٦٦٧ - إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، وَهُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَلِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَلِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ، وَلَا عِصْمَةَ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَالْمُسْلِمِ، وَفِي الْحُكْمِ بِوُقُوعِ طَلَاقِهِ عَلَيْهَا إثْبَاتُ مَعْنَى الْعِصْمَةِ بَيْنَهُمَا، وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: ٣٦٦٨ - وَلَوْ كَانَ أَسْلَمَ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَعَ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ، وَيَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْعِصْمَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَاسَ هَذَا بِالْمُرْتَدِّ اللَّاحِقِ بِدَارِ الْحَرْبِ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ، وَلَوْ رَجَعَ مُسْلِمًا، أَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَعَ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ ٣٦٦٩ -

стр. 1752

وَلَوْ كَانَ الْحَرْبِيُّ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، ثُمَّ طَلَّقَ الْمُهَاجِرَةَ الَّتِي تَعْتَدُّ مِنْهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ بَعْدُ فَكَانَ حَالُهُ وَحَالُ مَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ صُورَةً سَوَاءً، أَلَا تَرَى أَنَّ امْرَأَةً حُرَّةً لَوْ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَاشْتَرَتْهُ بَعْدَ مَا دَخَلَ بِهَا فَقَدْ فَسَدَ النِّكَاحُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا وَهُوَ عَبْدٌ لَهَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا عِصْمَةَ بِسَبَبِ النِّكَاحِ بَيْنَ الْمَمْلُوكِ وَبَيْنَ الْمَالِكَةِ ٣٦٧٠ - وَإِنْ أَعْتَقَتْهُ أَوْ بَاعَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَعَ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ - وَلَوْ كَانَتْ الْمُهَاجِرَةُ حَامِلًا فَلِزَوْجِهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا ثَابِتَ النَّسَبِ، فَكَانَ حَالُهَا كَحَالِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا حَبِلَتْ مِنْ مَوْلَاهَا، وَهُنَاكَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا وَلَكِنْ لَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا كَيْ لَا يَصِيرَ جَامِعًا مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ، فَهَذَا مِثْلُهُ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمَسْبِيَّةِ ٣٦٧٢ - وَلَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَخَرَجَ إلَيْنَا وَتَرَكَ زَوْجَتَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ إذَا كَانَتْ حَامِلًا، وَهَذِهِ لَا عِدَّةَ

стр. 1753

عَلَيْهَا، وَلَكِنْ فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ ثَابِتُ النَّسَبِ، إلَّا أَنَّ نَسَبَ وَلَدِهَا لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ إلَى عِدَّةِ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْحُكْمِ ٣٦٧٣ - وَلَوْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِمُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ، فَهَذَا فِي حُكْمِ الْعِدَّةِ، وَمَا لَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِخُرُوجِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَدْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا وَهِيَ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ مُخَاطَبَةٌ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ٣٦٧٤ - قَالَ: حَرْبِيَّةٌ أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَتْ وَخَرَجَ زَوْجُهَا مَعَهَا بِأَمَانٍ فَهِيَ امْرَأَتُهُ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ، أَوْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ الْإِسْلَامَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَجْهٍ كَالذِّمِّيِّ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ حَرْبِيٌّ، حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَلِكَوْنِهِ حَرْبِيًّا قُلْنَا: الْفُرْقَةُ تَقَعُ بَيْنَهُمَا بِمُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ، وَلِكَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ مِنْ وَجْهٍ، قُلْنَا: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ إبَاءِ الْإِسْلَامِ، وَبِأَيِّ الْوَجْهَيْنِ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ ٣٦٧٥ - وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ وَقَعَ عَلَيْهَا طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ كَالذِّمِّيِّ مِنْ وَجْهٍ

стр. 1754

أَلَا تَرَى - أَنَّهُ لَوْ خَلَعَهَا قَبْلَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا السُّلْطَانُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ ثَلَاثًا، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْخُلْعِ ثَلَاثًا، وَقَعَ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، فَكَذَلِكَ بَعْدَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ تِلْكَ فُرْقَةٌ بِطَلَاقٍ ٣٦٧٦ -، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ خَرَجَتْ وَحْدَهَا، ثُمَّ خَرَجَ الزَّوْجُ بَعْدَهَا، مُسْتَأْمَنًا فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ بَقِيَ الزَّوْجُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ خُرُوجِهَا فَانْقَطَعَتْ الْعِصْمَةُ بِهِ بَيْنَهُمَا، وَصَارَ بِحَالٍ يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، فَمَا لَمْ يَصِرْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ، وَهَا هُنَا حِينَ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ كَانَ هُوَ مَعَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي حَالَةٍ مِنْ الْحَالَاتِ بِحَالٍ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، فَلِهَذَا قُلْنَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1755

[بَابُ تَزْوِيجِ الْأَسِيرِ وَالْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ] ِ ٣٦٧٧ - قَالَ ﵀: وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كِتَابِيَّةً مِنْهُمْ؛ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَبْقَى لَهُ نَسْلٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَفِيهِ تَعْرِيضُ وَلَدِهِ لِلرِّقِّ، فَإِنَّهَا لَوْ سُبِيَتْ، وَهِيَ حُبْلَى مِنْهُ، صَارَ مَا فِي بَطْنِهَا رَقِيقًا، وَرُبَّمَا يَتَخَلَّقُ أَوْلَادُهُ بِأَخْلَاقِ الْكُفَّارِ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ لَيْسَتْ لِمَعْنًى فِي عَيْنِ النِّكَاحِ فِي مَحَلِّهِ أَوْ شَرْطِهِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ بَعْدَ أَنْ كَانَ بِشُهُودٍ مُسْلِمِينَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، يَسْتَوِي إنْ كَانَ الشُّهُودُ مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ. فَإِنْ كَانَ يَخْشَى الْعَنَتَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ الزِّنَا فَرْضٌ، وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِالنِّكَاحِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَهُ إلَّا أَنْ يَخْشَى الْعَنَتَ عَلَى نَفْسِهِ، فَهَذَا مِثْلُهُ. ٣٦٧٨ - وَلَوْ أَسَرُوا حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً فَلَا بَأْسَ لِهَذَا الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ عَلَى نَفْسِهِ
следующие страницы →