← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وَإِنْ اُسْتُتِيبَ الْمُرْتَدُّ فَتَابَ، ثُمَّ ارْتَدَّ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ أَبَدًا، وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَانَ عَلِيٌّ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يَقُولَانِ: يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا، فَإِنْ عَادَ يُقْتَلُ، لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧] الْآيَةَ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُسْتَهْزِئٌ غَيْرُ تَائِبٍ، وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] . ثُمَّ تَوْبَتُهُ بَعْدَ الثَّلَاثِ تُعْرَفُ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى ضَمِيرِهِ، وَإِنَّمَا يُعَبِّرُ عَمَّا فِي قَلْبِهِ لِسَانُهُ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧] . وَإِذَا تَابَ فَقَدْ ازْدَادَ إيمَانًا لَا كُفْرًا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يُقْتَلُ غِيلَةً وَلَا يُسْتَتَابُ إذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُسْتَهْزِئٌ، وَبِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الظَّاهِرِ جَائِزٌ فِيمَا لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ. ٣٨٨٤ - قَالَ: وَامْرَأَةُ الْمُرْتَدِّ تَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، سَوَاءٌ قُتِلَ بَعْدَ الرِّدَّةِ أَوْ لَمْ يُقْتَلْ، إلَّا عَلَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ

стр. 1857

- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّهُ يَقُولُ: إذَا قُتِلَ فَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ وَهَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِالرِّدَّةِ، ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ تِلْكَ الْفُرْقَةِ بِالْقَتْلِ بَعْدَ الرِّدَّةِ، فَلَا تَتَغَيَّرُ الْعِدَّةُ أَيْضًا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَبَانَ امْرَأَتَهُ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ قُتِلَ. ٣٨٨٥ - وَلَوْ أَصَابَ مَالًا أَوْ قَذَفَ إنْسَانًا قَبْلَ الرِّدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، ثُمَّ لَحِقَ بِالدَّارِ، ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا، أُخِذَ بِجَمِيعِ مَا صَنَعَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَصَابَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ بِاللَّحَاقِ صَارَ حَرْبِيًّا، وَالْحَرْبِيُّ إذَا أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَكُنْ مُؤَاخَذًا بِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَابَهُ فِي حَالِ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مُخَاطَبٌ عَلَى حَالِهِ، فَيَتَقَرَّرُ مُوجِبُهُ فِي ذِمَّتِهِ، إلَّا أَنَّ بِلَحَاقِهِ يَتَعَذَّرُ إقَامَتُهُ؛ لِأَنَّ يَدَ الْإِمَامِ لَا تَصِلُ إلَيْهِ، فَإِذَا وَصَلَتْ الْيَدُ إلَيْهِ كَانَ مُؤَاخَذًا بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

стр. 1858

[بَابٌ مَنْ ارْتَدَّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ نَقَضَ الْعَهْدَ مِنْ الْمُعَاهِدِينَ] ٣٨٨٦ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ بَلْدَةٍ ارْتَدُّوا حَتَّى صَارَتْ دَارُهُمْ دَارَ حَرْبٍ، ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ رِجَالُهُمْ وَيُسْبَى نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ، كَمَا فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِبَنِي حَنِيفَةَ حِينَ ارْتَدُّوا. فَإِنْ قَالَتْ النِّسَاءُ حِينَ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِنَّ: مَا ارْتَدَدْنَا قَطُّ، وَإِنَّا لَمُسْلِمَاتٌ عَلَى دِينِنَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُنَّ، لِتَمَسُّكِهِنَّ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَلَا يُسْبَيْنَ، وَأَوْلَادُهُنَّ الصِّغَارُ بِمَنْزِلَتِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ إذَا بَقِيَتْ مُسْلِمَةً فَالصَّغِيرُ يَكُونُ تَبَعًا لَهَا. إلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ بِالرِّدَّةِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا مُرْتَدَّةٌ، وَالْمُرْتَدُّ كَالْمُسْلِمِ فِي أَلَّا تَكُونَ شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ عَلَيْهِ حُجَّةً ٣٨٨٧ - وَشَهَادَةُ مَنْ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِنَّ بِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ قِيَاسًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لِلشَّاهِدِ، وَتُقْبَلُ اسْتِحْسَانًا

стр. 1859

لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَامَّةٌ، وَهِيَ لَا تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظَائِرُهُ ٣٨٨٨ - وَلَوْ قُلْنَ كُنَّا قَدْ ارْتَدَدْنَا، وَلَكِنْ أَسْلَمْنَا قَبْلَ أَنْ تَظْفَرُوا بِنَا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ الْآنَ يَدَّعِينَ إسْلَامًا حَادِثًا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُنَّ فِي ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ، بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَجُعِلَ كَأَنَّهُمْ لِلْحَالِ أَسْلَمُوا، فَكَذَلِكَ فِي الْمُرْتَدَّاتِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ نَقَضَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْعَهْدَ كَانَ الْجَوَابُ فِيهِمْ كَالْجَوَابِ فِي الْمُرْتَدِّينَ، إلَّا أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَيْهِنَّ بِنَقْضِ الْعَهْدِ هَا هُنَا مَقْبُولَةٌ؛ لِأَنَّهُنَّ ذِمِّيَّاتٌ وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ ارْتَدَّ فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَلَمَّا أُخِذَتْ امْرَأَتُهُ قَالَتْ: إنْ كَانَ عَلْقَمَةُ ارْتَدَّ فَإِنِّي لَمْ أَكْفُرْ بِاَللَّهِ فَخَلَّى سَبِيلَهَا وَسَبِيلَ وَلَدِهَا، ثُمَّ هَذَا إذَا عُلِمَ أَنَّ النِّسَاءَ فِي الْأَصْلِ كُنَّ مُسْلِمَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فَهُنَّ فَيْءٌ، وَأَوْلَادَهُنَّ. لِأَنَّهُنَّ وُجِدْنَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَمَنْ وُجِدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ حَرْبِيٌّ، مَا لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَصْلُ الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِنَّ سِيمَاءُ الْمُسْلِمَاتِ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ تَحْكِيمَ السِّيمَاءِ أَصْلٌ فِي بَابِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا وَقَعَ فِي قَلْبِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُنَّ صَادِقَاتٌ وَجَبَ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهِنَّ وَسَبِيلِ أَوْلَادِهِنَّ. ٣٨٨٩ - فَإِنْ كَانَ فِي حِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ صَبِيٌّ، وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا، أَوْ لَا يُعْلَمُ هَلْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ أَمْ لَا، فَقَالَتْ: هَذَا ابْنِي صُدِّقَتْ فِي إسْلَامِ الْوَلَدِ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ فَيْئًا؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ دِينِيٌّ فَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي مِثْلِهِ مَقْبُولٌ؛ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً

стр. 1860

٣٨٩٠ - وَلَكِنْ لَا يَتَوَارَثَانِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَهُوَ الْحَمِيلُ الَّذِي كَتَبَ فِيهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، إلَى شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أَنْ لَا يُوَرَّثَ الْحَمِيلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلَكِنْ يُجْعَلُ مُسْلِمًا لِكَوْنِهِ فِي يَدِ مُسْلِمٍ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ. ٣٨٩١ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَتْ: هُوَ ابْنُ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَوَدَعَتْنِيهِ، وَإِنْ قَالَتْ: هُوَ ابْنُ امْرَأَةٍ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ أَوَدَعَتْنِيهِ وَمَاتَتْ، وَهِيَ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ، لَمْ تُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ الْإِسْلَامِ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْهَا إخْبَارًا بِإِسْلَامِ الْوَلَدِ وَحُرِّيَّتِهِ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا لِكَوْنِهِ مَوْجُودًا فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ بَنَى مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، مَسَائِلَ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا. ٣٨٩٢ - أَنَّ مَنْ وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ، وَمَنْ وُجِدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ دَارُ أَمْنٍ، فَمَنْ وُجِدَ فِيهَا يَكُونُ آمِنًا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، فَيَكُونُ مَقْبُولَ الْقَوْلِ بِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ لَهُ، وَدَارُ الْحَرْبِ دَارُ سَبْيٍ وَاسْتِرْقَاقٍ فَمَنْ وُجِدَ فِيهَا يَكُونُ فَيْئًا، إلَّا أَنْ يُثْبِتَ سَبَبَ الْأَمْنِ وَالْعِصْمَةِ لِنَفْسِهِ بِالْبَيِّنَةِ ٣٨٩٣ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الدَّارِ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَحَارَبُوا، فَلَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: مَا نَقَضْنَا الْعَهْدَ فِيمَنْ

стр. 1861

نَقَضَ، فَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْعَهْدِ مَعْلُومًا لَهُمْ قَبْلَ النَّقْضِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّ مَا عُرِفَ ثُبُوتُهُ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ حَتَّى يُعْلَمَ مَا يُزِيلُهُ. ٣٨٩٤ - فَإِنْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، بِأَنَّهُمْ قَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ ثَبَتَ بِالْحُجَّةِ سَبَبُ نَقْضِهِمْ الْعَهْدَ، فَإِنْ قَالُوا: أَكْرَهُونَا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ مَعْنًى خَفِيًّا لِيُغَيِّرُوا بِهِ حُكْمَ مَا ظَهَرَ بِحُجَّةٍ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ٣٨٩٥ - فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ قَالُوا: لَنَقْتُلَنَّكُمْ أَوْ لَتُقَاتِلُونَ مَعَنَا كَانُوا أَحْرَارًا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، فَيَخْرُجُ قِتَالُهُمْ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَلِيلَ الرِّضَاءِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ مَا صَنَعُوا بِإِكْرَاهٍ. ٣٨٩٦ - وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ كَانُوا قَالُوا: هَذَا لَهُمْ فِي دَارِهِمْ لَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْدِرُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ، فَالْإِكْرَاهُ لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِذَهَابِ الْإِكْرَاهِ عَنْهُمْ

стр. 1862

٣٨٩٧ - وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَصْلَ الذِّمَّةِ لِلَّذِينَ قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ كَانُوا فَيْئًا، إلَّا أَنْ يُقِيمُوا بَيِّنَةً عَلَى أَصْلِ الذِّمَّةِ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ وُجِدُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ. ٣٨٩٨ - وَإِنْ رَآهُمْ الْمُسْلِمُونَ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ، وَمَعَهُمْ السُّيُوفُ قَدْ شَهَرُوهَا، إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا أَحَدًا، فَقَالُوا: أَكْرَهُونَا عَلَى ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّ مَا ظَهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، فَإِنَّ مِثْلَهُ لَوْ ظَهَرَ مِنْ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِإِيمَانِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ مِنْ الْمُعَاهِدِ. ٣٨٩٩ - وَإِنْ قَالَ قَدْ كُنْتُ نَقَضْتُ الْعَهْدَ مَعَهُمْ، وَلَكِنْ كُنْتُ رَجَعْتُ عَنْ ذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِزَوَالِ مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِ الذِّمَّةِ لَهُ، ثُمَّ ادَّعَى أَمْرًا حَادِثًا لَا يُعْرَفُ سَبَبُهُ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ. ٣٩٠٠ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ رَأَوْا رَجُلًا مِنْ النَّصَارَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَتَّجِرُ وَلَا يَعْرِفُونَ، ثُمَّ فَتَحُوا مَدِينَةً مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَوَجَدُوهُ فِيهَا، فَقَالَ أَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أُسِرَ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ كُنْتُ تَاجِرًا فِيهِمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ

стр. 1863

(أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ حِينَ رَأَوْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَوْ أَرَادُوا التَّعَرُّضَ لَهُ فَقَالَ: أَنَا ذِمِّيٌّ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ فَكَذَلِكَ إذَا وَجَدُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُمْ: أَنَا ذِمِّيٌّ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذُوهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُمْ بَعْدَمَا أَخَذُوهُ. وَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَكُونُوا رَأَوْهُ قَبْلَ هَذَا، إلَّا أَنَّهُ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ ذِمِّيٌّ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. ٣٩٠١ - وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ فِي جَمِيعِ هَذَا، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ أَهْلِ الْكُفْرِ فَقَالَ: أَكْرَهُونِي حَتَّى تَزَيَّيْتُ بِهَذَا الزِّيِّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَصْلُ الْإِسْلَامِ لَهُ أَوْ الذِّمَّةِ، بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَا يَرْتَفِعُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الزِّيِّ لِأَنَّ مَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ، فَإِنَّ مَنْ بَقِيَ بَيْنَ قَوْمٍ يُخَالِفُونَهُ فِي الطَّرِيقِ قَدْ يَتَزَيَّا بِزِيِّهِمْ تُقْيَةً؛ فَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ٣٩٠٢ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ صَالَحُوا وَصَارُوا ذِمَّةً وَقَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى نِسَائِهِمْ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ تَبَعٌ لِلرِّجَالِ، وَلِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَقْبَلُونَ الذِّمَّةَ لِيَسْكُنُوا فِي مَسَاكِنِهِمْ وَسُكْنَاهُمْ إنَّمَا تَكُونُ بِالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ

стр. 1864

فَإِنْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ إنَّا نَأْخُذُ الْعَهْدَ لِأَنْفُسِنَا دُونَ نِسَائِنَا، كَانَ نِسَاؤُهُمْ فَيْئًا إلَّا مَنْ دَخَلَ مِنْهُنَّ فِي الْعَهْدِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ إذَا لَمْ يُوجَدُ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِ، فَلِهَذَا يُسْتَرَقُّ النِّسَاءُ. وَأَمَّا الصِّغَارُ مِنْ الْأَوْلَادِ فَهُمْ تَبَعٌ لِلْآبَاءِ الَّذِينَ أَخَذُوا الْعَهْدَ، وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ. ٣٩٠٣ - وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَنَا بِأَمَانٍ، ثُمَّ غَلَبَ أَهْلُ الشِّرْكِ عَلَى تِلْكَ الدَّارِ حَتَّى صَارَتْ دَارَ حَرْبٍ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، فَوَجَدُوا ذَلِكَ فِيهِمْ، فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى هَذِهِ الدَّارِ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الَّتِي كَانَ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْهَا فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ قَدْ اُنْتُقِضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، حِينَ حَصَلَ هُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَهْلُهَا يُوَافِقُونَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ كَانَ رَجَعَ إلَى دَارِهِ لَكَانَ يَنْتَهِي بِهِ الْأَمَانُ، وَقَدْ صَارَ هَذَا الْمَوْضِعُ فِي حُكْمِ دَارِهِ حِينَ غَلَبَ عَلَيْهِ أَهْلُ الشِّرْكِ ٣٩٠٤ - وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِأَنْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ أَهْلِ الرُّومِ، وَاَلَّذِينَ ظَهَرُوا عَلَى هَذِهِ الدَّارِ قَوْمٌ مِنْ التُّرْكِ، فَإِنْ كَانُوا أَسَرُوهُ وَمَنَعُوهُ مِنْ الْخُرُوجِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَالِهِ، حَتَّى إذَا ظَفَرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ كَانَ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ مَا وَصَلَ إلَى مَأْمَنِهِ، وَإِنَّمَا يَنْتَهِي الْأَمَانُ بِهَذَا، وَلِأَنَّهُ أَسِيرٌ فِيهِمْ، فَكَأَنَّهُمْ أَسَرُوهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ

стр. 1865

٣٩٠٥ - فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ غَلَبُوا لَمْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَقَامَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ اخْتِيَارًا، فَهَذَا نَقْضٌ مِنْهُ لِلْعَهْدِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْمُقَامِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالرَّاضِي بِالْمُقَامِ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ لَا يَكُونُ فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، إذَا كَانُوا أَمَّنُوهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ فِيهِمْ وَاشْتَرَى الْمَسْكَنَ ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ كَانَ فَيْئًا، كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ. ٣٩٠٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنًا مِنْ الرُّومِ فِي دَارِنَا بَدَا لَهُ فَخَرَجَ إلَى التُّرْكِ بِأَمَانٍ أَوْ بِغَيْرِ أَمَانٍ، كَانَ مُبْطِلًا لِلْأَمَانِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ إلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ إنْ أَسَرُوهُ أَوْ لَمْ يَأْسِرُوهُ فَالْجَوَابُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِاخْتِيَارِهِ. ٣٩٠٧ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الرُّومِ سَأَلَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْخُلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَيَتَّجِرَ، ثُمَّ يَخْرُجَ إلَى التُّرْكِ، فَيَأْتِيَ بِالْأَمْتِعَةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيَتَّجِرُ فِيهَا، فَأَعْطَوْهُ الْأَمَانَ عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ آمِنٌ مَا لَمْ يَدْخُلْ بِلَادَ التُّرْكِ، فَإِذَا دَخَلَهَا فَلَا أَمَانَ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مَا لَمْ يَرْجِعْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا أَعْطَوْهُ الْأَمَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا فِي دَارِ التُّرْكِ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَالُوا لَهُ: أَنْتَ آمِنٌ إذَا دَخَلْت دَارَ الْإِسْلَامِ إلَى أَنْ تَعُودَ إلَيْهَا وَتَرْجِعَ إلَى دَارِك، فَحِينَئِذٍ هَذَا تَصْرِيحٌ بِإِعْطَاءِ الْأَمَانِ لَهُ فِي دَارِ التُّرْكِ

стр. 1866

٣٩٠٨ - ثُمَّ إنْ نَبَذَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ فِي دَارِ التُّرْكِ فَنَبْذُهُمْ بَاطِلٌ، وَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى بِلَادِهِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا نَبَذُوا إلَيْهِ فِي دَارٍ هُوَ مُسْتَأْمَنٌ فِيهَا، فَكَانَ هَذَا وَنَبْذُهُمْ إلَيْهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءً، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ النَّبْذَ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ تَبْلِيغِ الْمُسْتَأْمَنِ مَأْمَنَهُ وَإِعَادَتِهِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. .

стр. 1867

[بَابٌ أَسْرُ الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مَوْلَاهُ أَوْ لَا يَرْجِعُ] ٣٩٠٩ - قَالَ: الْعَبْدُ الْمَأْسُورُ إذَا مَاتَ مَوْلَاهُ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ فَحَضَرَ وَرَثَتُهُ بَعْدَمَا وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ وَجَدُوهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدُوهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَ مُورَثِهِمْ، وَهَذَا الْأَخْذُ إعَادَةٌ إلَى قَدِيمِ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْفِدَاءِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْفِدَاءِ لِلْعَبْدِ الْجَانِي مِنْ الْجِنَايَةِ، وَالْوَرَثَةُ يَقُومُونَ فِي ذَلِكَ مَقَامَ الْمُورَثِ. ٣٩١٠ - وَهَذَا بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ إذَا مَاتَ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ حَقُّ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَلَا يَقُومُونَ فِي ذَلِكَ مَقَامَهُ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ بِاعْتِبَارِ الْجِوَارِ، وَاَلَّذِي كَانَ لِلْمُورَثِ مِنْ الْجِوَارِ قَدْ زَالَ بِمَوْتِهِ، وَجِوَارُ الْوَارِثِ حَادِثٌ، فَلَا يَكُونُ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ. فَأَمَّا هَا هُنَا حَقُّ الْأَخْذِ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ الْقَدِيمِ، وَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِمَوْتِ الْمُورَثِ، وَالْوَرَثَةُ يَخْلُفُونَهُ فِي ذَلِكَ الْمِلْكِ، لَوْ كَانَ قَائِمًا، فَكَذَلِكَ فِي حَقٍّ ثَابِتٍ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْمِلْكِ. ٣٩١١ - وَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَأْخُذُوا جَمِيعًا أَوْ يَدَعُوا

стр. 1868

لِأَنَّهُمْ بِالْأَخْذِ يُعِيدُونَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ، حَتَّى إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِيعَ فِيهِ، وَهُوَ فِي حَيَاتِهِ، لَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ. ٣٩١٢ - وَإِنْ أَبَى بَعْضُهُمْ أَنْ يَفْدِيَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَحْنُ نَفْدِيهِ بِالْقِيمَةِ، فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ يَكُونُونَ مُتَطَوِّعِينَ فِي الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَعُودُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ، فَيَكُونُ مِيرَاثًا بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَهُمْ تَبَرَّعُوا بِالْفِدَاءِ فِي نَصِيبِ مَنْ أَبَى مِنْهُمْ، إذْ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُلْزِمُوهُمْ دَيْنًا شَاءُوا أَوْ أَبَوْا، فَكَانَ هَذَا نَظِيرَ الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ. ٣٩١٣ - وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهِمْ مُوصًى لَهُ بِالثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُ الْوَرَثَةِ فِي التَّرِكَةِ بِمَالِهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ، فَهَذَا كَأَحَدِ الْوَرَثَةِ فِي حُكْمِ الْفِدَاءِ. ٣٩١٤ - وَمَنْ حَضَرَ مِنْ مُوصٍ أَوْ وَارِثٍ أَوْ مُوصًى لَهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَفْدِيَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ غَابَ عَامَّةُ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ خَصْمٌ عَنْ الْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا يُعِيدُهُ بِالْأَخْذِ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ، وَالْحَاضِرُ خَصْمٌ فِي ذَلِكَ عَنْ الْمَيِّتِ، كَمَا فِي الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ. ٣٩١٥ - وَإِنْ حَضَرَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ خَاصَّةً فَجَحَدَ الَّذِي وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِهِ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ لِلْمَيِّتِ، فَأَقَامَ الْمُوصَى لَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَكَانَ خَصْمًا لَهُ

стр. 1869

لِأَنَّهُ شَرِيكُ الْوَرَثَةِ فِي التَّرِكَةِ فَيَكُونُ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ كَأَحَدِهِمْ. ٣٩١٦ - وَإِذَا فَدَاهُ بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ وَأَخَذَهُ أَعْطَاهُ الْقَاضِي الثُّلُثَ مِنْ الْعَبْدِ، وَجَعَلَ الثُّلُثَيْنِ مَحْبُوسًا لِلْوَرَثَةِ إلَى أَنْ يَحْضُرُوا فَيَأْخُذُوا، فَإِنْ حَضَرُوا وَجَحَدُوا وَصِيَّةَ الْمُوصَى لَهُ لَمْ يَلْتَفِتْ الْقَاضِي إلَى جُحُودِهِمْ. لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِهِ كَانَ خَصْمًا لِلْمُوصَى لَهُ عَنْ الْوَرَثَةِ فِي إثْبَاتِ الْوَصِيَّةِ عَلَيْهِ، فَهُوَ وَمَا لَوْ أَثْبَتَهُ عَلَى الْوَرَثَةِ سَوَاءٌ. ٣٩١٧ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي حَضَرَ غَرِيمًا مِنْ غُرَمَاءِ الْمَيِّتِ لَمْ يَكُنْ خَصْمًا لِمَنْ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِهِ. لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ دَيْنِهِ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ. ٣٩١٨ - وَمَنْ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِهِ لَيْسَ بِخَصْمٍ فِي ذَلِكَ عَنْ الْمَيِّتِ. فَأَمَّا الْمُوصَى لَهُ يُثْبِتُ حَقَّ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي وَقَعَ فِي يَدِهِ، بِمَنْزِلَةِ الْوَارِثِ، فَلِهَذَا كَانَ خَصْمًا لَهُ. وَإِنْ أَقَرَّ الَّذِي وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِهِ أَنَّهُ غَرِيمُ الْمَيِّتِ لَمْ يَأْمُرْهُ الْقَاضِي بِدَفْعِ الْعَبْدِ إلَيْهِ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ بِإِقْرَارِهِ لَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ ٣٩١٩ - وَلَكِنْ إنْ حَضَرَ وَارِثٌ أَوْ وَصِيٌّ فَأَبَى أَنْ يَفْدِيَ، فَأَرَادَ الْغَرِيمُ أَنْ يَفْدِيَهُ جَعَلَ الْقَاضِي الْوَارِثَ أَوْ الْوَصِيَّ خَصْمًا لِلْغَرِيمِ، حَتَّى يَثْبُتَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ.

стр. 1870

لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي إثْبَاتِ الدَّيْنِ بِالْبَيِّنَةِ، ثُمَّ كَانَ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَفْدِيَهُ حَتَّى يُبَاعَ لَهُ فِي الدَّيْنُ. ٣٩٢٠ - وَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ حِينَ حَضَرَ أَقَرَّ لَهُ بِالدَّيْنِ لَمْ يَنْتَفِعْ الْغَرِيمُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ لَهُ: هَاتِ بَيِّنَةً عَلَى دَيْنِك، وَلَا يَخْرُجُ الْوَصِيُّ مِنْ خُصُومَتِهِ بِإِقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّظَرِ وَالْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ، فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا بَطَلَ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أَصْلًا. ٣٩٢١ - فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِالدَّيْنِ أَحَدَ الْوَرَثَةِ كَانَ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَفْدِيَهُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ فِي نَصِيبِهِ. ٣٩٢٢ - ثُمَّ إذَا أَخَذَ الْعَبْدَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَعْزِلُ نَصِيبَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ حَتَّى يَقْدَمُوا فَيُقِرُّوا أَوْ يُنْكِرُوا، وَيَبِيعُ حِصَّةَ الْوَارِثِ الْمُقِرِّ لِلْغَرِيمِ فِي دَيْنِهِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ، وَالدَّيْنُ الثَّابِتُ بِإِقْرَارِهِ فِي حِصَّتِهِ كَالثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ. ٣٩٢٣ - فَإِنْ حَضَرَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ فَأَقَرَّ بِالدَّيْنِ، وَوَقَعَ الْعَبْد فِي سَهْمِهِ لِوَصِيَّتِهِ فَلَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْقِيمَةِ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْإِقْرَارِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ كَالثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ

стр. 1871

٣٩٢٤ - فَإِنْ حَضَرَ الْوَرَثَةُ فَجَحَدُوا وَصِيَّتَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ، وَيُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: أَدُّوا لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ الْفِدَاءِ وَخُذُوا الْعَبْدَ؛ لِأَنَّهُ فِي مِقْدَارِ الثُّلُثِ إنَّمَا أَدَّى الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يَفْدِيَ مِلْكَهُ فَلَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِي ذَلِكَ، فَأَمَّا فِي الثُّلُثَيْنِ إنَّمَا أَدَّى الْفِدَاءَ عَلَى أَنَّهُ يَفْدِي مِلْكَ الْوَرَثَةِ، فَكَانَ مُتَطَوِّعًا فِي ذَلِكَ. ٣٩٢٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْوَصِيَّةَ بِالْعَبْدِ لَهُ. وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ الْوَرَثَةُ يَأْخُذُونَ الْعَبْدَ هُنَاكَ إذَا أَعْطَوْهُ جَمِيعَ الْفِدَاءِ إنْ أَحَبُّوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي الْكُلِّ هَا هُنَا يَفْدِي مِلْكَ نَفْسِهِ، فَالْعَبْدُ كُلُّهُ لَهُ وَصِيَّةٌ بِزَعْمِهِ إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ مُتَطَوِّعًا فِي شَيْءٍ مِنْ الْفِدَاءِ. ٣٩٢٦ - وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ أَوْ الْمُوصَى لَهُ إنَّمَا حَضَرَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَيْهِمْ إلَّا بِحُجَّةٍ ٣٩٢٧ - ثُمَّ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَعَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمُورَثِ، وَكَانَا مِيرَاثًا عَنْهُ. وَلَوْ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِ رَجُلٍ فِي مَرَضِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ فَسَلَّمَهُ لَهُ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ وَارِثَ الْمَيِّتِ أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِيهِ مُحَابَاةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَكَذَلِكَ إنْ سَلَّمَهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ الْمُحَابَاةَ لَا تَظْهَرُ فِي هَذَا الْفَصْلِ

стр. 1872

لِأَنَّهُ بِهَذَا التَّسْلِيمِ لَا يُمْلِكُهُ شَيْئًا، إنَّمَا يُبْطِلُ حَقًّا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ بِالْمَالِ بِحَالٍ، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ، وَتَسْلِيمُ الْمَرِيضِ شُفْعَتَهُ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ يَكُونُ صَحِيحًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَهَذَا مِثْلُهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ سَاوَمَهُ بِالْعَبْدِ بَيْعًا مُسْتَقْبَلًا لِأَنَّ هَذَا دَلِيلُ التَّسْلِيمِ مِنْهُ فَيَكُونُ كَالتَّصْرِيحِ بِالتَّسْلِيمِ، كَمَا فِي الشُّفْعَةِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قُلْتُمْ إنَّ الْأَخْذَ بِالْقِيمَةِ بِمَنْزِلَةِ الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَلَا يَصِحَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَرِيضِ فِي حَقِّ وَارِثِهِ، فَلَا تَسْلَمُ لَهُ الْمُحَابَاةُ الَّتِي تَكُونُ بِاعْتِبَارِهِ. قُلْنَا: هَذَا إذَا كَانَ بِتَصَرُّفِهِ يُمْلِكُ الْوَارِثَ مَالًا، وَهُوَ هَا هُنَا لَيْسَ يُمْلِكُ الْوَارِثَ شَيْئًا، فَقَدْ مَلَكَ الْوَارِثُ الْعَبْدَ بِالشِّرَاءِ، أَوْ بِوُقُوعِهِ فِي سَهْمِهِ، فَلِهَذَا صَحَّ تَسْلِيمُهُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْإِبْرَاءِ عَنْ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ، وَالْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْعَبْدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْ الْمَرِيضِ مَعَ وَارِثِهِ، كَمَا يَصِحُّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ مَا قُلْنَا أَنَّ مَنْ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ إسْقَاطِ حَقِّ الْأَخْذِ بِالْإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ، فَلَا يَصِيرُ بِهِ ضَامِنًا شَيْئًا، فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ هَذَا الْحَقَّ ضَعِيفٌ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَسْقُطَ الْحَقُّ بِتَصَرُّفِ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَسْقُطَ بِإِسْقَاطِ الْمَرِيضِ ٣٩٢٨ - وَلَوْ مَاتَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَمِيرَاثُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْإِمَامُ نَائِبٌ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ عُرِفَ حَالُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ عَرَفَهُ بَعْد الْقِسْمَةِ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ. وَإِنْ وَجَدَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ، فَالْأَوْلَى

стр. 1873

لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَظِّ لِلْمُسْلِمِينَ. فَأَمَّا إذَا وَجَدَهُ فِي يَدِ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ فَحَقُّ الْأَخْذِ إنَّمَا يَكُونُ بِقِيمَتِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الْمَالِيَّةِ دُونَ الْعَيْنِ، فَلَا يَسْتَقِلُّ بِأَخْذِهِ، إلَّا أَنْ يَرَى أَنَّ فِيهِ حَظًّا لِلْمُسْلِمِينَ. ٣٩٢٩ - وَلَوْ أَنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ وَجَدَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ، فَلَمْ يَطْلُبْهُ حَتَّى مَضَى زَمَانٌ، ثُمَّ جَاءَ يَطْلُبُ أَخْذَهُ بِالثَّمَنِ، فَلَهُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ فَإِنَّ الشَّفِيعَ إذَا لَمْ يَطْلُبْ بَعْدَمَا عَلِمَ بِالْبَيْعِ تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّ سُكُوتَ الشَّفِيعِ إنَّمَا جُعِلَ تَسْلِيمًا دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي بِالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، فَلَوْ لَمْ يَجْعَلَ سُكُوتَهُ تَسْلِيمًا تَعَطَّلَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ؛ فَلِهَذَا جَعَلْنَاهُ تَسْلِيمًا، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ هَا هُنَا، فَإِنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ يَأْخُذُهُ مِمَّنْ يَجِدُهُ فِي يَدِهِ، وَلَا يَنْقُضُ شَيْئًا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْقِسْمَةَ لِيَأْخُذَهُ مَجَّانًا، فَلَا حَاجَةَ هَا هُنَا إلَى أَنْ يَجْعَلَ سُكُوتَهُ تَسْلِيمًا. ٣٩٣٠ - وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَأْسُورُ لِصَبِيٍّ صَغِيرٍ، لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ، فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ، فَسَلَّمَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ حَقَّ الصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ، جَازَ التَّسْلِيمُ.

стр. 1874

فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَلَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، عَلَى قِيَاسِ الشُّفْعَةِ، فَإِنَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا بِهَذَا التَّسْلِيمِ لَا يُخْرِجُ مِنْ مِلْكِ الصَّبِيِّ شَيْئًا، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ اشْتَرَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ فَأَرَادَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ لِلصَّبِيِّ بِالثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَبْنِ الشَّدِيدِ عَلَى الصَّبِيِّ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَى لَهُ عَبْدًا يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ. إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، وَهَا هُنَا لَا يَكُونُ آخِذًا لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْأَخْذِ لِنَفْسِهِ هَا هُنَا بِغَيْرِ رِضَا الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، فَإِنَّهُ بِالْأَخْذِ يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ الْمِلْكِ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ الْمِلْكُ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِلصَّبِيِّ، فَلِهَذَا لَا يُجْعَلُ آخِذًا لِنَفْسِهِ. ٣٩٣١ - وَإِنْ ظَهَرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أُرَاضِي الْمُسْلِمِينَ فَصَارَتْ دَارَ شِرْكٍ، ثُمَّ غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا فَمَنْ حَضَرَ مِنْ أَصْحَابِهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَمَنْ حَضَرَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهَا بِقِيمَتِهَا إنْ أَحَبَّ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ مَالُ الْمُسْلِمِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ فَإِنْ بَنَاهَا مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا.

стр. 1875

لِأَنَّ الْبِنَاءَ اسْتِهْلَاكٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْبِنَاءَ، لِيَأْخُذَ، كَمَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ سَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ. وَإِنَّمَا هَذَا نَظِيرُ مَوْهُوبٍ لَهُ يَبْنِي فِي الْأَرْضِ الْمَوْهُوبَةِ، ثُمَّ يُرِيدُ الْوَاهِبُ الرُّجُوعَ فِيهَا، فَهُنَاكَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ اسْتِهْلَاكٌ فَهَذَا مِثْلُهُ. ٣٩٣٢ - وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي مُشْتَرِي الْأَرْضِ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ، إذَا بَنَاهَا، فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ أَوْجَبُ مِنْ حَقِّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ هَا هُنَا، فَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي لَهُ بِالْأَخْذِ لِأَجْلِ الْبِنَاءِ، ثُمَّ هَدَمَ الْبَانِي بِنَاءَهُ حَتَّى عَادَ كَمَا كَانَ فَلِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالْفِدَاءِ هَا هُنَا. لِأَنَّ الْمَانِعَ كَانَ هُوَ الْبِنَاءَ، وَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَخْذِ، بِمَنْزِلَةِ الْوَاهِبِ يُرِيدُ الرُّجُوعَ فِيهَا بَعْدَمَا رَفَعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْبِنَاءَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ إنَّمَا بَنَى فِيهَا أَهْلُ الْحَرْبِ حِينَ أَحْرَزُوهَا؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ الْقَدِيمَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ فِيمَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ، وَهَذَا الْبِنَاءُ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ قَطُّ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ أَخْذِ الْبِنَاءِ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَخْذُ الْأَرْضِ بِدُونِ الْبِنَاءِ، فَإِنْ هَدَمَ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ الْبِنَاءَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ بِقِيمَتِهَا لِزَوَالِ الْمَانِعِ. ٣٩٣٣ - وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مَبْنِيَّةً حِينَ أَخَذَهَا الْمُشْرِكُونَ فَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لِمَالِكِهَا الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِقِيمَتِهَا مَبْنِيَّةً يَوْمَ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ

стр. 1876

لِأَنَّهَا كَانَتْ لَهُ فِي الْأَصْلِ بِبِنَائِهَا، فَلَهُ أَنْ يُعِيدَهَا بِالْأَخْذِ إلَى مِلْكِهِ كَمَا كَانَتْ. فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا حَتَّى جَعَلَهَا مِمَّنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ مَسْجِدًا لِلْمُسْلِمِينَ فَصَلَّوْا فِيهَا، وَلَمْ يَزِدْ فِيهَا بُنْيَانًا، أَوْ كَانَتْ أَرْضًا فَجَعَلَهَا صَدَقَةً مَوْقُوفَةً لِلْمَسَاكِينِ، أَوْ جَعَلَهَا مَقْبَرَةً، أَوْ جَعَلَهَا خَانًا لِلْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا الْأَوَّلُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا؛ لِأَنَّهَا تَحَرَّزَتْ عَنْ مِلْكِ الْعِبَادِ بِمَا أَحْدَثَ فِيهَا مِنْ التَّصَرُّفِ، فَكَانَ هَذَا قِيَاسَ الْعَبْدِ إذَا أَعْتَقَهُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَالِكَ الْقَدِيمَ يَأْخُذُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُضَ التَّصَرُّفَ، وَبِدُونِ نَقْضِ التَّصَرُّفِ هَا هُنَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهَا بِالْقِيمَةِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَصِرْ فِي مِلْكِ أَحَدٍ حَتَّى يَأْخُذَهَا مِنْهُ بِالْقِيمَةِ، وَبِهِ فَارَقَ الشُّفْعَةَ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي، فَإِذَا نَقَضَ تَصَرُّفَهُ رَجَعَتْ إلَى مِلْكِهِ، كَمَا كَانَتْ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ، فَإِنْ خَرِبَ مَا حَوْلَ الْمَسْجِدِ وَانْتَقَلَ عَنْهُ أَهْلُهُ فَقَدْ رَجَعَ إلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ، عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهُ يَزُولُ الْمَانِعُ، فَكَانَ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالْقِيمَةِ. ٣٩٣٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ فَرَسًا فَجَعَلَهَا مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ حَبِيسًا، ثُمَّ حَضَرَ مَالِكُهُ الْأَوَّلُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْوَقْفُ فِي الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ فِيمَا فِيهِ الْعَادَةُ. فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْوَقْفُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ وَلَا يُخْرِجُ الْعَيْنَ مِنْ مِلْكِ صَاحِبِهِ، فَكَانَ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ خَاصَّةً

стр. 1877

فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ فَيُمْنَعُ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ مِنْ الْأَخْذِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ التَّصَرُّفِ، وَلِهَذَا لَا يَنْقُضُ الْقِسْمَةَ وَلَا بَيْعَ مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ لِتَفَاوُتٍ يَكُونُ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ، إلَّا أَنَّ بَعْدَ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ هُوَ مُحْتَمِلٌ لِلنَّقْلِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ، فَكَانَ حَقُّهُ فِي الْأَخْذِ بَاقِيًا، وَبَعْدَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي بَيَّنَّا لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلتَّمَلُّكِ بِعِوَضٍ وَلَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا أَنْ يَعُودَ مَحَلًّا لِلْمِلْكِ، وَالتَّمَلُّكُ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ إذَا كَاتَبَهُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، فَلَيْسَ لِمَالِكِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ كَانَ لِمَالِكِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ. وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَهُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ رَهْنًا عِنْدَ إنْسَانٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ حَتَّى يَفْتَكَّهُ الرَّاهِنُ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِالْمَرْهُونِ حَقٌّ لَازِمٌ لِلْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ افْتَكَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِالْقِيمَةِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ. ٣٩٣٥ - وَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ: أَنَا أُؤَدِّي الدَّيْنَ وَآخُذُهُ بِالْقِيمَةِ، أُجْبِرَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى ذَلِكَ، لِوُصُولِ كَمَالِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ إلَيْهِ، وَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِي أَدَاءِ الدَّيْنِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ مِنْهُ.

стр. 1878

لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُجْبَرًا عَلَى أَدَائِهِ وَلَا مُحْتَاجًا إلَيْهِ، فَقَدْ كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَصْبِرَ إلَى أَنْ يَفْتَكَّهُ الرَّاهِنُ ثُمَّ يَأْخُذَهُ. ٣٩٣٦ - فَلَوْ آجَرَهُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مِنْ رَجُلٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَقَبَضَ الْأَجْرَ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ، فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْإِجَارَةَ، وَيَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تُنْقَضُ بِالْأَعْذَارِ، وَثُبُوتُ حَقِّ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ فِي الْأَخْذِ عُذْرٌ يُنْقَضُ بِهِ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنْقَضُ بِهِ سَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ، فَإِنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الْمُشْتَرِي فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ يَكُونُ عُذْرًا فِي نَقْضِ الْإِجَارَةِ دُونَ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، بِمَنْزِلَةِ حَقِّ الْبَائِعِ فِي الِاسْتِرْدَادِ بِفَسَادِ الْبَيْعِ يَكُونُ عُذْرًا فِي نَقْضِ الْإِجَارَةِ، دُونَ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ. ٣٩٣٧ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الظُّهُورُ نَاقَةً لِمُسْلِمٍ فَجَعَلَهَا مَنْ وَقَعْت فِي سَهْمِهِ بَدَنَةً، وَقَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا أَوْ جَعَلَهَا أُضْحِيَّةً، ثُمَّ حَضَرَ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ لَمْ يَزُلْ بِهَذَا التَّصَرُّفِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ بَاعَهَا جَازَ بَيْعُهُ فِيهَا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَقْفِ وَالْحَبْسِ، فَقَدْ زَالَ مِلْكُهُ هُنَاكَ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَّ خَطَأُ مَنْ يُجَوِّزُ الِاسْتِبْدَالَ بِالْوَقْفِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ وَالْبَدَنَةِ، فَإِذَا أَخَذَهَا بِالْقِيمَةِ اشْتَرَى الَّذِي وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ بَدَنَةً فَجَعَلَهَا مَكَانَ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِي حَقِّهِ عِوَضٌ عَمَّا أُوجِبَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَحُكْمُ الْعِوَضِ حُكْمُ الْمُعَوَّضِ فِي الْوَقْفِ بِخِلَافِهِ. ٣٩٣٨ -

стр. 1879

وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ عَبْدًا فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ بِأَكْثَرَ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ، كَانَ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُوصَى لَهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبَرُّعٌ بِالْعَيْنِ بَعْدَ الْوَفَاءِ، فَيَكُونُ قِيَاسُ مَا لَوْ تَبَرَّعَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ بِالْهِبَةِ مِنْهُ، وَهُنَاكَ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْقِيمَةِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. ٣٩٣٩ - وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ الْآخِذُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْوَارِثِ بِالثَّمَنِ، الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ الْمُورَثُ؛ لِأَنَّ الْوِرَاثَةَ خِلَافَةٌ، وَالْمِلْكُ الثَّابِتُ لِلْوَارِثِ هُوَ الْمِلْكُ الَّذِي كَانَ لِلْمُورَثِ، وَلِهَذَا يُرَدُّ بِالْعَيْبِ عَلَى بَائِعِ مُورَثِهِ، وَيَصِيرُ مَغْرُورًا فِيمَا اشْتَرَاهُ مُورَثُهُ، ثُمَّ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُورَثِ بِالثَّمَنِ، فَكَذَلِكَ مِنْ الْوَارِثِ، فَأَمَّا الْمُوصَى لَهُ فَإِنَّمَا يَتَمَلَّكُ الْعَيْنَ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، وَلِهَذَا لَا يُرَدُّ عَلَى بَائِعِ الْمُوصِي بِالْعَيْبِ، وَلَا يَصِيرُ مَغْرُورًا فِيمَا اشْتَرَاهُ الْمُوصِي. قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ لَمْ يُوصِ بِرَقَبَتِهِ لِأَحَدٍ وَلَكِنَّهُ أَوْصَى بِخِدْمَتِهِ أَوْ بِغَلَّتِهِ لِرَجُلٍ فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ وَلَا بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ فِيهِ حَقًّا لَازِمًا، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْوَارِثُ بَيْعَهُ وَلَا إبْطَالَ حَقِّهِ، فَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَخْذِ مِنْ الْوَارِثِ لِقِيَامِ الْحَقِّ لِلْمُوصَى لَهُ فِيهِ. وَلَا مِنْ الْمُوصَى لَهُ

стр. 1880

لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْعَيْنَ، وَحَقُّ الْأَخْذِ بِالْبَدَلِ إنَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْعَيْنَ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَالْمُوصَى لَهُ هُنَاكَ مَالِكٌ لِلْعَيْنِ فَلِذَا أَمْكَنَهُ الْأَخْذُ بِالْقِيمَةِ. فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بِالْغَلَّةِ أَوْ الْخِدْمَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْوَارِثِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ قَدْ بَطَل بِالْمَوْتِ، وَزَالَ الْمَانِعُ مِنْ الْأَخْذِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ. ٣٩٤٠ - وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَأْسُورُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَحَضَرَ أَحَدُهُمَا وَغَابَ الْآخَرُ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهُ مِمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ الْقَدِيمِ، وَقَدْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالِكًا لِلنِّصْفِ، وَاعْتِبَارُ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ اعْتِبَارٌ صَحِيحٌ. فَإِنْ حَضَرَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: آخُذُ وَقَالَ الْآخَرُ: أُسَلِّمُ، فَلِلَّذِي أَرَادَ الْأَخْذَ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهُ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْيًا فِي نَصِيبِهِ، فَكَمَا لَا يَمْلِكُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَخْذَ إبْطَالَ خِيَارِ شَرِيكِهِ، لَا يَمْلِكُ الَّذِي يُسَلِّمُ إبْطَالَ خِيَارِ شَرِيكِهِ. وَلَيْسَ لِلَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ أَنْ يَقُولَ: إنَّكُمْ تُفْسِدُونَ عَلَيَّ الْعَبْدَ وَتُلْحِقُونَ بِي ضَرَرَ تَبْعِيضِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ مُقَدَّمٌ عَلَى وُجُوبِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، وَلِهَذَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ شَاءَ أَوْ أَبَى.

стр. 1881

وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ وَاحِدًا وَمَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا أَخْذَ النِّصْفِ بِغَيْرِ رِضَا مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمِلْكِ هُنَاكَ لِلْمُورَثِ، وَالْوَرَثَةُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ، وَهُوَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَانَ لَا يَمْلِكُ أَخْذَ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، وَلَكِنْ إمَّا أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ يُسَلِّمَ الْكُلَّ، فَكَذَلِكَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي إذَا سَلَّمَ أَحَدُ الْوَارِثِينَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْلِيمًا مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُورَثُ حَيًّا فَسَلَّمَ النِّصْفَ وَسَكَتَ عَنْ النِّصْفِ الثَّانِي. قُلْنَا: لَا فَرْقَ، فَهُنَاكَ لَوْ قَالَ الْمُورَثُ: أُسَلِّمُ النِّصْفَ عَلَى أَنْ آخُذَ النِّصْفَ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَسْلِيمًا مِنْهُ، كَمَا لَا يَكُونُ تَسْلِيمُ أَحَدِ الْوَارِثَيْنِ هَا هُنَا تَسْلِيمًا فِي حَقِّ الْآخَرَ، إلَّا أَنَّ هُنَاكَ الْمُورَثَ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ التَّسْلِيمِ فِي الْكُلِّ، فَيُجْعَلُ تَسْلِيمُهُ الْبَعْضَ مُطْلَقًا كَتَسْلِيمِ الْكُلِّ، كَمَا فِي الشُّفْعَةِ، وَهَا هُنَا أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ لَا يَمْلِكُ التَّسْلِيمَ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ، فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ تَسْلِيمِ الْمُورَثِ النِّصْفَ، بِشَرْطِ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ. ٣٩٤١ - وَلَوْ غَلَبَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى دَارِهِمْ، ثُمَّ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَهَدَمَ بَعْضَ بِنَائِهَا، ثُمَّ حَضَرَ صَاحِبُهَا الَّذِي كَانَتْ لَهُ، فَأَرَادَ أَخْذَهَا، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا وَيَأْخُذُ الْبَعْضَ إنْ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ. لِأَنَّ الْبَعْضَ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ كَالْأَصْلِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ قَبْلَ أَنْ يَنْقُضَ مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ الْبِنَاءَ كَانَ لَهُ

стр. 1882

أَنْ يَأْخُذَ الْأَصْلَ وَالْبِنَاءَ جَمِيعًا، فَهَذَا مِثْلُهُ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْقِيمَةِ بِهَدْمِ مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُعْطِيهِ مِنْ الْقِيمَةِ فِدَاءٌ لِمِلْكِهِ، وَالْفِدَاءُ يَكُونُ بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ، فَلَا يَسْقُطُ مِنْهُ شَيْءٌ بِنُقْصَانٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ بِفِعْلٍ مُكْتَسَبٍ، أَوْ لَا بِفِعْلٍ مُكْتَسَبٍ. ٣٩٤٢ - وَكَذَا لَوْ اسْتَهْلَكَ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ الْبَعْضَ لَمْ يُنْتَقَضْ شَيْءٌ، مِنْ الْفِدَاءِ عَنْ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا هَدَمَ الْبِنَاءَ ثُمَّ حَضَرَ الشَّفِيعُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى النَّقْضِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ الْأَرْضَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ يَخْتَصُّ بِالْعَقَارِ دُونَ الْمَنْقُولِ، وَالنَّقْضُ مَنْقُولٌ. ثُمَّ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَتَمَلَّكُ الْمَأْخُوذَ بِالثَّمَنِ ابْتِدَاءً، وَالْبِنَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ، فَإِذَا فَاتَ بِصُنْعٍ مُكْتَسَبٍ يَسْقُطُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ عَنْ الشَّفِيعِ، فَأَمَّا الْمَالِكُ الْأَوَّلُ هَا هُنَا بِالْأَخْذِ يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بِالْفِدَاءِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْفِدَاءَ يُقَابِلُ الْأَصْلَ دُونَ الْوَصْفِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ مَكَانَ الدَّارِ أَرْضٌ فِيهَا نَخْلٌ قَائِمٌ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ بِقِيمَةِ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ يَوْمَ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ الرَّجُلِ، فَإِنْ كَانَ مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ قَدْ

стр. 1883

أَكَلَ الثَّمَرَ أَوْ بَاعَهُ، أَوْ قَلَعَ النَّخْلَ أَوْ بَاعَهُ، عَلَى أَنْ يَقْلَعَ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّ مَا يُعْطِيهِ مِنْ قِيمَةِ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ فِدَاءٌ بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ، فَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْهُ بِفَوَاتِ الْوَصْفِ وَالْبَيْعِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ النَّخْلَ وَالثَّمَرَ مِنْ الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ إنْ شَاءَ، بِخِلَافِ الشَّفِيعِ، فَالشُّفْعَةُ تَخْتَصُّ بِالْعَقَارِ دُونَ الْمَنْقُولِ، وَلِلشَّفِيعِ وِلَايَةُ نَقْضِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي مَا بَقِيَ حَقُّهُ، فَلِهَذَا قُلْنَا: إذَا حَضَرَ قَبْلَ أَنْ يَقْلَعَ الْمُشْتَرِي النَّخْلَ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ، وَيَأْخُذَ الْكُلَّ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ. ٣٩٤٣ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى أَسَرَهُ الْعَدُوُّ، ثُمَّ وَقَعَ فِي سَهْمِ مُسْلِمٍ، فَحَضَرَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، فَالْبَائِعُ أَحَقُّ بِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْأَسْرِ كَانَتْ الْيَدُ لَهُ. وَكَانَ هُوَ أَحَقَّ بِحَبْسِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ. وَهَذَا لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي ضَمَانِ مِلْكِ الْبَائِعِ وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ كَانَ هَالِكًا عَلَى مِلْكِهِ، فَإِذَا أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ قُلْنَا؛ هُوَ لَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِيمَا أَدَّى مِنْ الْقِيمَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى إحْيَاءِ حَقِّهِ إلَّا بِذَلِكَ، فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ مِنْهُ أَوْ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ

стр. 1884

لِأَنَّهُ لَزِمَهُ زِيَادَةٌ فِي الثَّمَنِ لَمْ يَرْضَ بِالْتِزَامِهَا. فَإِنْ أَبَى الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْأَسْرَ كَانَ عَلَى مِلْكِهِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُعِيدَهُ بِالْأَخْذِ إلَى مِلْكِهِ كَمَا كَانَ ثُمَّ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَدْ سَلِمَ لَهُ. فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: أَنَا آخُذُ الْعَبْدَ مِنْهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الْحَبْسِ، حِينَ أَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ فِي الِابْتِدَاءِ، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ لِيَحْبِسَهُ بِالثَّمَنِ. ٣٩٤٤ - وَلَوْ مَاتَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ الْعَبْدُ وَتَرَكَ ابْنًا صَغِيرًا، وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ، ثُمَّ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ وَجَدَهُ الْوَصِيُّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ لِلصَّبِيِّ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يَأْخُذُهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْوَارِثَ هَا هُنَا بِالْأَخْذِ يَقُومُ مَقَامَ الْمُورَثِ، وَأَنَّ هَذَا الْحَقَّ لَا يَسْقُطُ بِمَوْتِ الْمُورِثِ بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ، ثُمَّ الْوَصِيُّ قَائِمٌ مَقَامَ أَبِ الصَّبِيِّ إنْ كَانَ قَائِمًا، فَإِنْ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ، وَلَيْسَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ، وَلِلصَّبِيِّ مَالٌ وَرِثَهُ مِنْ أُمِّهِ، فَالْقِيمَةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ فَيُؤَدَّى فِي مَالِهِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْوَصِيِّ فِي ذَلِكَ عُهْدَةٌ كَمَا لَا يَكُونُ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْأَخْذِ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ فِي هَذَا عُهْدَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا

стр. 1885

بِمَنْزِلَةِ الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ، وَهُنَاكَ يَكُونُ الْوَكِيلُ نَائِبًا مَحْضًا، فَلَا يَلْزَمُهُ الْعُهْدَةُ، فَهَذَا مِثْلُهُ. بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ، فَالْوَصِيُّ أَوْ الْوَكِيلُ إذَا أَخَذَا بِالشُّفْعَةِ يَلْزَمُهُمَا الْعُهْدَةُ، وَتَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمَا الْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ ثُمَّ يَرْجِعَانِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ تَمَلُّكٌ بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ ابْتِدَاءً فِي حَقِّ الشَّفِيعِ. ٣٩٤٥ - فَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ ضَمِنَ الْقِيمَةَ لِلَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ كَانَ مُطَالَبًا بِهِ بِحُكْمِ الضَّمَانِ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، لِقِيَامِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ فِي إلْزَامِ الدَّيْنِ إيَّاهُ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْأَخْذِ إذَا ضَمِنَ الْقِيمَةَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِي ذَلِكَ، لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إلْزَامِ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ تَنَاوَلَهُ الْأَمْرُ، فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ دَيْنٌ لِنَفْسِهِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِالضَّمَانِ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْأَمْرِ، فَإِنْ فَدَى الْوَصِيُّ الْعَبْدَ لِلصَّبِيِّ بِالْقِيمَةِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ، ثُمَّ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَيْنٍ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ مُحِيطٍ بِمَالِيَّةِ الْعَبْدِ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ لَهُ الْعَبْدُ فِي دَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ إعَادَةٌ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمُورَثِ، وَحَقُّ الْغَرِيمِ فِيهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْوَارِثِ

стр. 1886

ثُمَّ يَكُونُ الْوَصِيُّ مُتَطَوِّعًا فِي الْفِدَاءِ، يَغْرَمُ لِلصَّبِيِّ مَا أَدَّاهُ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَّ أَنَّهُ مَا أَخَذَهُ لِلصَّبِيِّ هَا هُنَا. فَإِنَّ اسْتِغْرَاقَ التَّرِكَةِ بِالدَّيْنِ يَمْنَعُ مِلْكَ الْوَارِثِ، فَلِهَذَا كَانَ ضَامِنًا لِلصَّبِيِّ مَا أَدَّى مِنْ مَالِهِ، وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ ظَاهِرًا، فَأَخَذَهُ الْوَصِيُّ وَأَدَّى الْفِدَاءَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَهُنَاكَ هُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي الْفِدَاءِ، وَيُبَاعُ الْعَبْدُ لِلْغَرِيمِ بِدَيْنِهِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. وَشَبَّهَ هَذَا بِمَا لَوْ جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً فَفَدَاهُ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، بِأَنْ رَأَى فِيهِ النَّظَرَ لَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، وَالْمَعْنَى يَجْمَعُ الْفَصْلَيْنِ، فَالْحُكْمُ فِيهَا سَوَاءٌ كَمَا بَيَّنَّا. ثُمَّ لَا يَكُونُ الْوَصِيُّ بِالتَّطَوُّعِ فِي الْفِدَاءِ نَظِيرَ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ، فَهُنَاكَ لِمَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهَا هُنَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي، وَهُوَ قَدْ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى التَّسْلِيمِ إلَى الْمُوصِي بِقِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ إلَى وَصِيِّهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. ٣٩٤٦ - وَإِنْ لَمْ يَفْدِ الْوَصِيُّ الْعَبْدَ لِلصَّبِيِّ حَتَّى رَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي فَأَمَرَهُ الْقَاضِي أَنْ يَفْدِيَهُ، أَوْ كَانَ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي فَدَاهُ، أَوْ أَمِينٌ مِنْ أُمَنَائِهِ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ الدَّيْنُ فَالْغُرَمَاءُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءُوا أَدَّوْا الْقِيمَةَ إلَى الصَّبِيِّ، ثُمَّ يُبَاعُ الْعَبْدُ لَهُمْ فِي دَيْنِهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا ذَلِكَ رَدَّ الْعَبْدَ إلَى مَنْ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْقِيمَةَ فَيُرَدُّ عَلَى الصَّبِيِّ

стр. 1887

لِأَنَّ الْمُؤَدِّيَ لِلْفِدَاءِ هَا هُنَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُتَطَوِّعًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ حَكَمَ بِهِ الْقَاضِي لِلصَّغِيرِ، فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ إلَّا بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ لَهُ، وَحُكْمُهُ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَدِّي لِلْفِدَاءِ مُتَطَوِّعًا فِيهِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ٣٩٤٧ - فَلَوْ كَانَ الْوَصِيُّ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ لِلصَّبِيِّ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي، ثُمَّ ظَهَرَ دَيْنٌ يَكُونُ مِثْلَ نِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يُبَاعُ فَيَسْتَوْفِي الْغَرِيمُ دَيْنَهُ، وَمَا فَضَلَ مِنْ الثَّمَنِ فَهُوَ لِلصَّبِيِّ، إرْثٌ لَهُ مِنْ أَبِيهِ، أَوْ يَكُونُ الْوَصِيُّ مُتَطَوِّعًا فِيمَا أَعْطَى مِنْ الْقِيمَةِ. لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ هَذَا لَيْسَ فِيهِ نَظَرٌ لِلصَّبِيِّ، فَإِنَّهُ يَفْدِي جَمِيعَ الْعَبْدِ بِقِيمَتِهِ، وَلَا يُسَلِّمُ لِلصَّبِيِّ مِنْهُ إلَّا النِّصْفَ، وَإِذَا لَمْ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ عَلَى الصَّبِيِّ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ مُتَطَوِّعًا فِي الْفِدَاءِ. ٣٩٤٨ - فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ لِلْغُرَمَاءِ إنْ شِئْتُمْ فَالْتَزِمُوا مِنْ الْفِدَاءِ بِقَدْرِ حِصَصِكُمْ، حَتَّى أَبِيعَ الْعَبْدَ فِي دَيْنِكُمْ وَإِلَّا رَدَدْت عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ هُنَاكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُتَطَوِّعًا فِي الْفِدَاءِ، فَإِنْ فَدَى بِأَمْرِ الْقَاضِي، وَذَلِكَ حُكْمٌ مِنْهُ، فَإِنَّمَا يَنْفُذُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ بِشَرْطِ النَّظَرِ لَهُ، فَإِنْ قَالَ الْغُرَمَاءُ: لَا نَفْدِي، فَالْعَبْدُ مَرْدُودٌ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، إلَّا أَنْ يَرَى الْقَاضِي النَّظَرَ لِلصَّبِيِّ فِي أَنْ يَجْعَلَ الْفِدَاءَ مِنْ قِبَلِهِ، بِأَنْ كَانَ حَدَثَ فِي الْعَبْدِ زِيَادَةٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ قِيمَتِهِ بَعْدَمَا وَقَعَ فِي سَهْمِ الرَّجُلِ، فَحِينَئِذٍ يَجْعَلُ الْفِدَاءَ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ. ٣٩٤٩ -

стр. 1888

وَإِنْ كَانَ الَّذِي فَدَى بِهِ الْقَاضِي الْعَبْدَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، وَالدَّيْنُ يُحِيطُ بِتَرِكَتِهِ، فَقَالَتْ الْغُرَمَاءُ: لَا نَرْضَى أَنْ نَفْدِيَ الْعَبْدَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّا نَأْخُذُ الْفِدَاءَ قَضَاءً مِنْ دَيْنِنَا، كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي التَّرِكَةِ لَهُمْ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا أَمْضَى الْحُكْمَ عَلَى مُرَادِهِمْ، سَوَاءٌ كَانَ فِيمَا اخْتَارُوا مَنْفَعَةٌ لَهُمْ أَوْ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ. وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَفْدِيَ الْعَبْدَ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ اسْتِغْرَاقَ التَّرِكَةِ بِالدَّيْنِ يَمْنَعُ مِلْكَ الْوَارِثِ. ٣٩٥٠ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَسَرُوا الْعَبْدَ مِمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، ثُمَّ وَقَعَ فِي سَهْمِ مُسْلِمٍ، فَحَضَرَ مَوْلَاهُ الْأَوَّلُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّ الْأَسْرَ الثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى مِلْكِ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، فَيَكُونُ حَقُّ الْأَخْذِ لِلْمَأْسُورِ مِنْهُ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّ الْأَوَّلِ فِي مِلْكِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَفْدِ ذَلِكَ الْمِلْكُ يَأْخُذُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهُ بِالْقِيمَةِ، وَلَا سَبِيلَ لِلْمَوْلَى الْأَوَّلِ عَلَى أَخْذِهِ. ٣٩٥١ - وَإِذَا أَخَذَهُ الْمَأْسُورُ مِنْهُ بِالْقِيمَةِ كَانَ لِلْمَوْلَى الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتَيْنِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ بِمَا أَدَّى مِنْ الْقِيمَةِ أَحْيَا مِلْكَهُ، وَكَانَ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ

стр. 1889

فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِيهِ، فَلِهَذَا يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ بِالْقِيمَةِ الْأُولَى، وَبِمَا أَدَّاهُ الْآنَ إنْ شَاءَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانَ الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مُشْتَرٍ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ، ثُمَّ أُسِرَ مِنْهُ ثَانِيًا، فَهُوَ نَظِيرُ الْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، لَا يَكُونُ لِلْمَوْلَى الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ بِالثَّمَنِ الثَّانِي مِمَّنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ يَدَعُ. ٣٩٥٢ - فَإِنْ طَلَبَ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ أَخْذَهُ مِمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ بِالْقِيمَةِ، أَوْ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَقَضَى لَهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ، أَوْ سَلَّمَهُ لَهُ بِدُونِ الْقَضَاءِ، ثُمَّ قَالَ: لَا أُعْطِيهِ حَتَّى تُعْطِيَنِي مَا وَجَبَ لِي عَلَيْهِ فَذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ حَيٌّ فِيهِ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ الْفِدَاءِ لَهُ، فَيَكُونُ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ ذَلِكَ الْفِدَاءَ، وَلَا يَكُونُ هَذَا دُونَ رَدِّ الْآبِقِ، وَهُوَ يَسْتَوْجِبُ الْحَبْسَ بِالْجُعْلِ الْوَاجِبِ لَهُ، فَهَاهُنَا أَوْلَى. ٣٩٥٣ - فَإِنْ بَاعَهُ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْ إنْسَانٍ آخَرَ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فَلِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ، وَإِنْ كَانَ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فَلِأَنَّ الْمَبِيعَ مَضْمُونٌ فِي يَدِهِ مَنْ فِي يَدِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي يُوجِبُ لَهُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ لَزِمَهُ رَدُّ ذَلِكَ الْفِدَاءِ، وَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، أَوْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ فَسْخِ الْبَيْعِ، بِحُكْمِ الْإِقَالَةِ أَوْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَهَذَا أَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا هَا هُنَا أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ مِمَّنْ فِي يَدِهِ يَجُوزُ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ فَسْخِ الْبَيْعِ،

стр. 1890

فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ هُنَاكَ فِي يَدِهِ بَعْدَمَا عَادَ إلَى أَصْلِ مِلْكِ الْبَائِعِ، كَمَا أَنَّ هَا هُنَا هُوَ مَضْمُونٌ بِالْفِدَاءِ بَعْدَمَا عَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ، ثُمَّ هُنَاكَ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِمَّنْ فِي يَدِهِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا؛ وَلِهَذَا لَوْ وَجَدَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ عَيْبًا حَادِثًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ قَبْلَ قَبْضِهِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، وَبَعْدَ قَبْضِهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ إذَا وَجَدَ بِهِ عَيْبًا حَادِثًا بَعْدَمَا انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي. ٣٩٥٤ - وَلَوْ أَنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ أَخَذَهُ بِالْفِدَاءِ وَلَمْ يَكُنْ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ قَطُّ فَلَمَّا رَآهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ. لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ بِالْأَخْذِ يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ يَخْتَصُّ بِالشِّرَاءِ الْمُبْتَدَأِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ تَغَيُّرٌ عَنْ الْحَالِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي يَدِهِ، وَإِنْ كَانَ تَغَيَّرَ إلَى نُقْصَانٍ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِالْفِدَاءِ لِيُعِيدَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ كَمَا كَانَ، وَبَعْدَ التَّغَيُّرِ يَتَمَكَّنُ الْخَلَلُ فِي مَقْصُودِهِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ لِهَذَا. ٣٩٥٥ - وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَأْسُورُ يُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَخْرَجَهُ وَقَدْ مَاتَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ، وَتَرَكَ ابْنًا صَغِيرًا وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ خَمْسُمِائَةٍ، فَحَضَرَ الْغُرَمَاءُ وَالْوَصِيُّ، فَأَبَى الْغُرَمَاءُ أَنْ يَفْدُوهُ، فَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْمِائَةِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ. لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً ظَاهِرَةً لَهُ، فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ بِالْأَلْفِ، وَيَقْضِي دَيْنَ الْمَيِّتِ بِخَمْسِمِائَةٍ، فَيَبْقَى لِلصَّغِيرِ خَمْسُمِائَةٍ بِالْمِائَةِ الَّتِي أَعْطَاهَا الْوَصِيُّ، وَفِي الْمَوْضِعِ.

стр. 1891

الَّذِي يَتَحَقَّقُ النَّظَرُ فِيهِ لِلصَّبِيِّ لَا يَكُونُ الْوَصِيُّ مُتَطَوِّعًا فِي الْفِدَاءِ، وَهُوَ قِيَاسُ الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ. فَإِنْ نَقَصَ سِعْرُ الْعَبْدِ بَعْدَمَا أَخَذَهُ الْوَصِيُّ حَتَّى صَارَ يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ الْعَبْدُ لِلْغُرَمَاءِ، وَلَيْسَ عَلَى الْوَصِيِّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى النَّظَرِ لِلصَّبِيِّ كَانَ ظَاهِرًا يَوْمَئِذٍ فَنَفَذَ تَصَرُّفُهُ لِلصَّبِيِّ، ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِمَا حَدَثَ مِنْ نُقْصَانِ السِّعْرِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَمَا أَخَذَهُ الْوَصِيُّ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَصِيِّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهَذَا مِثْلُهُ. ٣٩٥٦ - وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْغَرِيمِ أَخٌ لِلصَّبِيِّ غَائِبٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْوَصِيُّ حَتَّى فَدَاهُ بِالْمِائَةِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ، ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ، فَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَدَاهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي نِصْفِ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ فِي النِّصْفِ أَحْيَا مِلْكَ الْغَائِبِ بِمِلْكِ الصَّغِيرِ، وَكَانَ مُتَطَوِّعًا فِيهِ. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ أَحْيَا مِلْكَ الصَّغِيرِ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحِيطًا، فَالتَّرِكَةُ كُلُّهَا تَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْوَارِثِ. (أَلَا تَرَى) أَنْ لِلْوَارِثِ أَنْ يَسْتَخْلِصَ التَّرِكَةَ لِنَفْسِهِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ الْوَارِثَيْنِ أَنْ يَسْتَخْلِصَ الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ بِأَدَاءِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ

стр. 1892

٣٩٥٧ - وَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَدَاهُ بِأَمْرِ الْقَاضِي، [فَإِنَّ الْقَاضِيَ] يَقُولُ لِلْغَائِبِ: إنْ شِئْت فَادْفَعْ نِصْفَ الْفِدَاءِ وَيَكُونُ الْعَبْدُ بَيْنَك وَبَيْنَ الصَّغِيرِ نِصْفَيْنِ، وَإِلَّا رَدَدْنَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِيمَا يُؤَدِّي مِنْ الْفِدَاءِ بِأَمْرِ الْقَاضِي، وَهَذَا التَّصَرُّفُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ حَظٌّ لِلصَّبِيِّ فَذَلِكَ لَا يَفُوتُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إذَا كَبِرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْمِائَةِ إنْ شَاءَ، فَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِي نِصْفِ الْفِدَاءِ عَنْ أَخِيهِ. ٣٩٥٨ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ اشْتَرَاهُ بِمِائَتِي دِرْهَمٍ، وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ تِسْعُمِائَةٍ، فَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَهُ لِلصَّبِيِّ بِالْمِائَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِلصَّبِيِّ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ إلَّا مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَفِيهِ مِنْ الْخُسْرَانِ عَلَى الصَّبِيِّ مَا لَا يَخْفَى. ٣٩٥٩ - فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْوَصِيُّ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي الْفِدَاءِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا نَظَرَ لِلصَّبِيِّ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ، فَإِنْ بِيعَ الْعَبْدُ بِضِعْفِ ثَمَنِهِ كَانَ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ لِلصَّبِيِّ، وَكَانَ الْوَصِيُّ مُتَطَوِّعًا فِي الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الْأَخْذِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْأَخْذُ بِصِفَةِ النَّظَرِ لَهُ يَوْمَئِذٍ، فَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِمَا يَحْدُثُ مِنْ الزِّيَادَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. ٣٩٦٠ - وَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَدَاهُ بِأَمْرِ الْقَاضِي، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ

стр. 1893

الدَّيْنُ مَعْلُومًا لِلْقَاضِي حِينَ أَمَرَ بِهِ، فَالْوَصِيُّ هَا هُنَا غَيْرُ مُتَطَوِّعٍ فِي الْفِدَاءِ، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ يُخَيِّرُ الْغَرِيمَ، فَإِنْ شَاءَ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْفِدَاءِ بِقَدْرِ دَيْنِهِ، وَذَلِكَ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْفِدَاءِ، وَإِلَّا رَدَّ الْعَبْدَ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، فَإِنْ رَضِيَ الْغَرِيمُ بِذَلِكَ يُسَلِّمُ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي، وَبِيعَ الْعَبْدُ، فَأَخَذَ الْغَرِيمُ دَيْنَهُ، وَكَانَ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ لِلصَّغِيرِ ٣٩٦١ - فَإِنْ نَقَصَ الْعَبْدُ فِي بَدَنٍ أَوْ سِعْرٍ، فَلَمْ يُبَعْ إلَّا بِقَدْرِ الدَّيْنِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، لَمْ يَرْجِعْ الصَّبِيُّ عَلَى الْغَرِيمِ بِشَيْءٍ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الْأَخْذِ، ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ الزِّيَادَةِ أَوْ النُّقْصَانِ بَعْدَ ذَلِكَ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْفِدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِشَيْءٍ. وَشَبَّهَ هَذَا بِمَا لَوْ شَجَّ عَبْدٌ مِنْ التَّرِكَةِ رَجُلًا مُوضِحَةً وَفِيهَا دَيْنٌ، فَحُكْمُ الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ كَحُكْمِ فِدَاءِ الْمَأْسُورِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

стр. 1894

[بَابٌ أَسْرُ عَبْدِ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَبَعْدَهَا] ٣٩٦٢ - قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا أَسَرَ الْمُشْرِكُونَ عَبْدًا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ ثُمَّ إنَّ مَوْلَاهُ ارْتَدَّ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ الْعَبْدَ الْمَأْسُورَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَهُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَصَابَهُ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِحَاقَ الْمُرْتَدِّ بِدَارِ الْحَرْبِ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ قَضَاءُ الْقَاضِي فِي حُكْمِ الْغَيْبَةِ، وَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ قَضَاءُ [الْقَاضِي] بِحُكْمِ الْغَيْبَةِ، فَهُوَ كَالْمَوْتِ، فَكَمَا أَنَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ وَرَثَتُهُ يَخْلُفُونَهُ فِي أَخْذِ الْعَبْدِ الْمَأْسُورِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ إنْ أَسَرَ الْمُشْرِكُونَ الْعَبْدَ قَبْلَ رِدَّتِهِ أَوْ بَعْدَ رِدَّتِهِ، قَبْلَ لَحَاقِهِ أَوْ بَعْدَ لَحَاقِهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِهِ. ٣٩٦٣ - وَلَوْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، ثُمَّ وَقَعَ عَبْدُهُ فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ وَجَدَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ، بِمَنْزِلَةِ

стр. 1895

الْغَائِبِ إذَا رَجَعَ. وَإِنْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ مُرْتَدًّا عَلَى حَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى أَسَرَ الْعَدُوُّ عَبْدَهُ، وَوَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِنْ وَجَدَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ، حَتَّى يُنْظَرَ أَيُسْلِمُ أَمْ يُقْتَلُ، فَإِنْ أَسْلَمَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَإِنْ قُتِلَ كَانَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفَاتُ الْمُرْتَدِّ، إلَّا أَنَّهُ يُصَحِّحُ قَبُولَهُ الْهِبَةَ، وَالْأَخْذُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُعِيدُهُ إلَى مِلْكِهِ مَجَّانًا، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَقُولُ بِنُفُوذِ تَصَرُّفَاتِهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ حَتَّى قُتِلَ، فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. ٣٩٦٤ - فَإِنْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُرْتَدًّا، بَعْدَمَا قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، فَلَمْ يُسْلِمْ حَتَّى وَقَعَ عَبْدُهُ الْمَأْسُورُ فِي الْغَنِيمَةِ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي، مَا لَمْ يُسْلِمْ فَيَكُونُ حَقُّ الْأَخْذِ لِوَرَثَتِهِ لَا لَهُ، حَتَّى إذَا وَجَدُوهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ إنْ أَحَبُّوا، فَإِنْ أَدَّوْا الْقِيمَةَ مِنْ مَالٍ وَرِثُوهُ مِنْ الْمُرْتَدِّ، ثُمَّ أَسْلَمَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ أَيْضًا وَيُعْطِيَهُمْ الْقِيمَةَ الَّتِي غَرِمُوا فِيهِ
следующие страницы →