← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

الَّذِي يَتَحَقَّقُ النَّظَرُ فِيهِ لِلصَّبِيِّ لَا يَكُونُ الْوَصِيُّ مُتَطَوِّعًا فِي الْفِدَاءِ، وَهُوَ قِيَاسُ الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ. فَإِنْ نَقَصَ سِعْرُ الْعَبْدِ بَعْدَمَا أَخَذَهُ الْوَصِيُّ حَتَّى صَارَ يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ الْعَبْدُ لِلْغُرَمَاءِ، وَلَيْسَ عَلَى الْوَصِيِّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى النَّظَرِ لِلصَّبِيِّ كَانَ ظَاهِرًا يَوْمَئِذٍ فَنَفَذَ تَصَرُّفُهُ لِلصَّبِيِّ، ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِمَا حَدَثَ مِنْ نُقْصَانِ السِّعْرِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَمَا أَخَذَهُ الْوَصِيُّ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَصِيِّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهَذَا مِثْلُهُ. ٣٩٥٦ - وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْغَرِيمِ أَخٌ لِلصَّبِيِّ غَائِبٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْوَصِيُّ حَتَّى فَدَاهُ بِالْمِائَةِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ، ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ، فَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَدَاهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي نِصْفِ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ فِي النِّصْفِ أَحْيَا مِلْكَ الْغَائِبِ بِمِلْكِ الصَّغِيرِ، وَكَانَ مُتَطَوِّعًا فِيهِ. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ أَحْيَا مِلْكَ الصَّغِيرِ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحِيطًا، فَالتَّرِكَةُ كُلُّهَا تَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْوَارِثِ. (أَلَا تَرَى) أَنْ لِلْوَارِثِ أَنْ يَسْتَخْلِصَ التَّرِكَةَ لِنَفْسِهِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ الْوَارِثَيْنِ أَنْ يَسْتَخْلِصَ الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ بِأَدَاءِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ

стр. 1892

٣٩٥٧ - وَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَدَاهُ بِأَمْرِ الْقَاضِي، [فَإِنَّ الْقَاضِيَ] يَقُولُ لِلْغَائِبِ: إنْ شِئْت فَادْفَعْ نِصْفَ الْفِدَاءِ وَيَكُونُ الْعَبْدُ بَيْنَك وَبَيْنَ الصَّغِيرِ نِصْفَيْنِ، وَإِلَّا رَدَدْنَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِيمَا يُؤَدِّي مِنْ الْفِدَاءِ بِأَمْرِ الْقَاضِي، وَهَذَا التَّصَرُّفُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ حَظٌّ لِلصَّبِيِّ فَذَلِكَ لَا يَفُوتُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إذَا كَبِرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْمِائَةِ إنْ شَاءَ، فَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِي نِصْفِ الْفِدَاءِ عَنْ أَخِيهِ. ٣٩٥٨ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ اشْتَرَاهُ بِمِائَتِي دِرْهَمٍ، وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ تِسْعُمِائَةٍ، فَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَهُ لِلصَّبِيِّ بِالْمِائَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِلصَّبِيِّ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ إلَّا مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَفِيهِ مِنْ الْخُسْرَانِ عَلَى الصَّبِيِّ مَا لَا يَخْفَى. ٣٩٥٩ - فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْوَصِيُّ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي الْفِدَاءِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا نَظَرَ لِلصَّبِيِّ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ، فَإِنْ بِيعَ الْعَبْدُ بِضِعْفِ ثَمَنِهِ كَانَ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ لِلصَّبِيِّ، وَكَانَ الْوَصِيُّ مُتَطَوِّعًا فِي الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الْأَخْذِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْأَخْذُ بِصِفَةِ النَّظَرِ لَهُ يَوْمَئِذٍ، فَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِمَا يَحْدُثُ مِنْ الزِّيَادَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. ٣٩٦٠ - وَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَدَاهُ بِأَمْرِ الْقَاضِي، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ

стр. 1893

الدَّيْنُ مَعْلُومًا لِلْقَاضِي حِينَ أَمَرَ بِهِ، فَالْوَصِيُّ هَا هُنَا غَيْرُ مُتَطَوِّعٍ فِي الْفِدَاءِ، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ يُخَيِّرُ الْغَرِيمَ، فَإِنْ شَاءَ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْفِدَاءِ بِقَدْرِ دَيْنِهِ، وَذَلِكَ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْفِدَاءِ، وَإِلَّا رَدَّ الْعَبْدَ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، فَإِنْ رَضِيَ الْغَرِيمُ بِذَلِكَ يُسَلِّمُ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي، وَبِيعَ الْعَبْدُ، فَأَخَذَ الْغَرِيمُ دَيْنَهُ، وَكَانَ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ لِلصَّغِيرِ ٣٩٦١ - فَإِنْ نَقَصَ الْعَبْدُ فِي بَدَنٍ أَوْ سِعْرٍ، فَلَمْ يُبَعْ إلَّا بِقَدْرِ الدَّيْنِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، لَمْ يَرْجِعْ الصَّبِيُّ عَلَى الْغَرِيمِ بِشَيْءٍ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الْأَخْذِ، ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ الزِّيَادَةِ أَوْ النُّقْصَانِ بَعْدَ ذَلِكَ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْفِدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِشَيْءٍ. وَشَبَّهَ هَذَا بِمَا لَوْ شَجَّ عَبْدٌ مِنْ التَّرِكَةِ رَجُلًا مُوضِحَةً وَفِيهَا دَيْنٌ، فَحُكْمُ الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ كَحُكْمِ فِدَاءِ الْمَأْسُورِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

стр. 1894

[بَابٌ أَسْرُ عَبْدِ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَبَعْدَهَا] ٣٩٦٢ - قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا أَسَرَ الْمُشْرِكُونَ عَبْدًا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ ثُمَّ إنَّ مَوْلَاهُ ارْتَدَّ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ الْعَبْدَ الْمَأْسُورَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَهُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَصَابَهُ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِحَاقَ الْمُرْتَدِّ بِدَارِ الْحَرْبِ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ قَضَاءُ الْقَاضِي فِي حُكْمِ الْغَيْبَةِ، وَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ قَضَاءُ [الْقَاضِي] بِحُكْمِ الْغَيْبَةِ، فَهُوَ كَالْمَوْتِ، فَكَمَا أَنَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ وَرَثَتُهُ يَخْلُفُونَهُ فِي أَخْذِ الْعَبْدِ الْمَأْسُورِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ إنْ أَسَرَ الْمُشْرِكُونَ الْعَبْدَ قَبْلَ رِدَّتِهِ أَوْ بَعْدَ رِدَّتِهِ، قَبْلَ لَحَاقِهِ أَوْ بَعْدَ لَحَاقِهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِهِ. ٣٩٦٣ - وَلَوْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، ثُمَّ وَقَعَ عَبْدُهُ فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ وَجَدَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ، بِمَنْزِلَةِ

стр. 1895

الْغَائِبِ إذَا رَجَعَ. وَإِنْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ مُرْتَدًّا عَلَى حَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى أَسَرَ الْعَدُوُّ عَبْدَهُ، وَوَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِنْ وَجَدَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ، حَتَّى يُنْظَرَ أَيُسْلِمُ أَمْ يُقْتَلُ، فَإِنْ أَسْلَمَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَإِنْ قُتِلَ كَانَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفَاتُ الْمُرْتَدِّ، إلَّا أَنَّهُ يُصَحِّحُ قَبُولَهُ الْهِبَةَ، وَالْأَخْذُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُعِيدُهُ إلَى مِلْكِهِ مَجَّانًا، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَقُولُ بِنُفُوذِ تَصَرُّفَاتِهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ حَتَّى قُتِلَ، فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. ٣٩٦٤ - فَإِنْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُرْتَدًّا، بَعْدَمَا قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، فَلَمْ يُسْلِمْ حَتَّى وَقَعَ عَبْدُهُ الْمَأْسُورُ فِي الْغَنِيمَةِ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي، مَا لَمْ يُسْلِمْ فَيَكُونُ حَقُّ الْأَخْذِ لِوَرَثَتِهِ لَا لَهُ، حَتَّى إذَا وَجَدُوهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ إنْ أَحَبُّوا، فَإِنْ أَدَّوْا الْقِيمَةَ مِنْ مَالٍ وَرِثُوهُ مِنْ الْمُرْتَدِّ، ثُمَّ أَسْلَمَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ أَيْضًا وَيُعْطِيَهُمْ الْقِيمَةَ الَّتِي غَرِمُوا فِيهِ

стр. 1896

لِأَنَّهُمْ أَعَادُوهُ بِالْأَخْذِ إلَى مِلْكِهِ الْأَوَّلِ. وَلَكِنَّهُمْ مَا كَانُوا مُتَبَرِّعِينَ فِيمَا أَدَّوْا مِنْ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِهِ اسْتِخْلَاصَ الْمِلْكِ لِأَنْفُسِهِمْ. ٣٩٦٥ - فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا أَعْطَوْا الْقِيمَةَ مِنْ مَالِي، فَأَنَا لَا أُعْطِيهِمْ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا أَعْطَوْهُ مُسْتَهْلَكٌ، وَحَقُّهُ لَا يَعُودُ فِي الْمُسْتَهْلَكِ، فَكَانَ إعْطَاءُ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالٍ آخَرَ لَهُمْ سَوَاءً. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى الْعَبْدَ مِنْ الْعَدُوِّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ، وَأَدَّى الثَّمَنَ مِنْ مَالِ وَرِثَهُ مِنْ الْمُرْتَدِّ، ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْلِمًا، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ أَوْ يَدَعُ. ٣٩٦٦ - وَلَوْ سَلَّمَ الْوَرَثَةُ الْعَبْدَ لِمَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْلِمًا فَأَرَادَ الْأَخْذَ بِالْقِيمَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ صَارُوا كَالْمُسْتَهْلِكِينَ لِهَذَا الْحَقِّ بِالتَّسْلِيمِ، وَفِي الْمُسْتَهْلَكِ لَا يَعُودُ حَقُّ الْمُرْتَدِّ. وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْوَرَثَةِ عَلَى الْمِيرَاثِ مِنْ الْمُرْتَدِّ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْوَرَثَةَ لَوْ اشْتَرَوْهُ مِنْ الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ بِمِلْكٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلَ التَّسْلِيمِ مِنْهُمْ، فَعِنْدَ التَّصْرِيحِ أَوْلَى. ٣٩٦٧ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَخَذُوا الْمُرْتَدَّ وَعَبْدَهُ الْمَأْسُورَ جَمِيعًا، قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَأَسْلَمَ الْمَوْلَى، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ.

стр. 1897

لِأَنَّهُ حِينَ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ كَانَ هُوَ حَرْبِيًّا مَأْسُورًا، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الْأَخْذُ فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَثْبُتُ لِوَرَثَتِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَقْضِ بِلَحَاقِهِ بَعْدُ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ. وَإِنْ أَسْلَمَ الْمَوْلَى لَا يَثْبُتُ لَهُ الْحَقُّ فِيهِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ لَحِقَ بِعَبْدٍ لَهُ إلَى دَارِ الشِّرْكِ مُرْتَدًّا مِثْلَهُ فَأُسِرَا جَمِيعًا كَانَ الْعَبْدُ فَيْئًا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ سَبِيلٌ، فَهَذَا أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَ تَمَلُّكُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ هُنَا وَالْمَأْسُورُ قَبْلَ لَحَاقِهِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ أَخْذَهُ، وَلَمْ يَجِئْ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا حَتَّى أُخِذَ أَسِيرًا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِلَحَاقِهِ كَمَا كَانَ يَقْضِي مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْسَرَ؛ لِأَنَّ بِالْأَسْرِ لَا يَخْرُجُ هُوَ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَرْبِيًّا، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ كَالْمَيِّتِ عِنْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ حَرْبِيًّا. ٣٩٦٨ - فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي لَهُمْ بِمِيرَاثِهِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَبْدَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ جَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِمِيرَاثِهِ أَوْ بِعَبْدِهِ، فَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِوَرَثَتِهِ عَلَى أَخْذِ الْعَبْدِ سَبِيلٌ هَا هُنَا. أَمَّا لَهُ فَلِأَنَّهُ كَانَ حَرْبِيًّا حِينَ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا لِوَرَثَتِهِ فَلِأَنَّهُمْ إنْ أَخَذُوهُ أَعَادُوهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، فَكَانَ هُوَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ هَا هُنَا. بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَأْتِ هُوَ مُسْلِمًا، فَإِنَّ الْوَرَثَةَ هُنَاكَ.

стр. 1898

يَأْخُذُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَثْبُتَ لَهُمْ الْحَقُّ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَوْ كَانُوا أَخَذُوهُ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا، ثُمَّ جَاءَ هُوَ مُسْلِمًا كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَعَادُوهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، فَهَذَا مِمَّا هُوَ قَائِمٌ مِنْ تَرِكَتِهِ فِي أَيْدِيهِمْ. إلَّا أَنَّهُ يُعْطِيهِمْ مَا غَرِمُوا فِيهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا مُتَبَرِّعِينَ فِيمَا أَدَّوْا. . ٣٩٦٩ - وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ جَاءَ مُسْلِمًا قَبْلَ وُقُوعِ الْعَبْدِ فِي الْغَنِيمَةِ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ وَقَعَ فِي الْقِسْمَةِ كَانَ هُوَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْحَقُّ فِيهَا، فَيُمَكَّنُ مِنْ إعَادَتِهِ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بِالْأَخْذِ. ٣٩٧٠ - وَلَوْ أَخَذَ الْمَوْلَى مَعَ الْعَبْدِ فَحَبَسَهُ الْإِمَامُ حَتَّى يَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ، فَجَاءَ وَرَثَتُهُ يَطْلُبُونَ الْعَبْدَ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَضَى بِلَحَاقِهِ فَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُ؛ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ بِقَضَاءِ الْقَاضِي مَا لَمْ يُسْلِمْ. فَإِنْ أَخَذُوهُ وَبَاعُوهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ أَوْ جَاءَ مُسْلِمًا بَعْدَ هَذَا التَّصَرُّفِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي

стр. 1899

لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُسْتَهْلِكِينَ بِالْبَيْعِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَقَّ الْمُرْتَدِّ لَا يَعُودُ فِي الْمُسْتَهْلَكِ. ٣٩٧١ - وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْمُرْتَدِّ مُرْتَدَّةٌ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَا سَبِيلَ لَهَا عَلَى مَالِهَا وَلَا عَلَى عَبْدِهَا الْمَأْسُورِ، إنْ كَانَ أُسِرَ مَعَهَا أَوْ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَ أُسِرَتْ فَقَدْ صَارَتْ فَيْئًا، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهَا فِي حُكْمِ الْمِلْكِ، أَسْلَمَتْ أَوْ لَمْ تُسْلِمْ، فَكَانَ حَقُّ الْأَخْذِ لِوَرَثَتِهَا. فَإِنْ جَاءَتْ مُسْلِمَةً، وَلَمْ تُؤْسَرْ، فَحَالُهَا كَحَالِ الْمُرْتَدِّ فِي جَمِيعِ مَا بَيَّنَّا؛ لِأَنَّهَا بَقِيَتْ حُرَّةً، كَمَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ يَبْقَى حُرًّا، سَوَاءٌ جَاءَ مُسْلِمًا أَوْ أَسِيرًا فَأَسْلَمَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1900

[بَابٌ شُفْعَةُ الْمُرْتَدِّ] ٣٩٧٢ - وَإِذَا بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ دَارِ الْمُرْتَدِّ، أَوْ كَانَ الْبَيْعُ قَبْلَ رِدَّتِهِ، ثُمَّ ارْتَدَّ فَلَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ حَتَّى لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ جَاءَ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، فَعَلِمَ الْبَيْعَ، وَطَلَبَ الشُّفْعَةَ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا؛ لِأَنَّ اللَّحَاقَ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْقَضَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْغَيْبَةِ، وَالْغَائِبُ عَلَى شُفْعَتِهِ إذَا حَضَرَ، وَإِنْ قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَلَا شُفْعَةَ لِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تُورَثُ. وَإِنَّمَا كَانَ الْبَيْعُ قَبْلَ وُجُوبِ الْحَقِّ لِوَرَثَتِهِ، وَلَا شُفْعَةَ لِلْمُرْتَدِّ إذَا جَاءَ مُسْلِمًا. لِأَنَّ الْقَاضِيَ حِينَ قَضَى بِلَحَاقِهِ فَقَدْ جَعَلَ دَارِهِ مِلْكًا لِوَرَثَتِهِ وَذَلِكَ يُزِيلُ جَوَازَهُ فَتَبْطُلُ بِهِ شُفْعَتُهُ. ٣٩٧٣ - قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَدُّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ تُبَاعُ الدَّارُ الَّتِي لَهُ فِيهَا الشُّفْعَةُ، ثُمَّ كَانَ الْبَيْعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَجَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الدَّارَ بِيعَتْ وَهُوَ حَرْبِيٌّ لَا أَمَانَ لَهُ، وَلَا شُفْعَةَ لِلْحَرْبِيِّ فِيمَا يُبَاعُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ

стр. 1901

أَلَا تَرَى) أَنَّهُ بَعْدَ اللَّحَاقِ لَوْ بَاعَ دَارِهِ الَّتِي بِهَا يَطْلُبُ الشُّفْعَةَ أَوْ وَكَّلَ بِبَيْعِهَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، فَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمِلْكِ. فَإِنْ طَلَبَ وَرَثَتُهُ أَنْ يَأْخُذُوا بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي لَهُمْ بِمِيرَاثِهِ، وَيَقْضِي لَهُمْ بِالشُّفْعَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ عِنْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُمْ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ لَحَاقِ الْمُرْتَدِّ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَظَهَرَ أَنَّ بَيْعَ الدَّارِ كَانَ بَعْدَمَا وَجَبَ الْحَقُّ لَهُمْ، فَكَانَ لَهُمْ الشُّفْعَةُ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فِيمَنْ اشْتَرَى دَارًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ، ثُمَّ بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ دَارِهِ، ثُمَّ أَسْقَطَ خِيَارَهُ وَعَلِمَ بِالْبَيْعِ فَطَلَبَ الشُّفْعَةَ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: هُنَاكَ الْمُشْتَرِي كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمُشْتَرَى، وَهَا هُنَا الْوَرَثَةُ مَا كَانُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ اسْتِحْقَاقَ الشُّفْعَةِ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ لَا بِاعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ مِنْ التَّصَرُّفِ، وَفِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمِلْكُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لِمَنْ يَطْلُبُ الشُّفْعَةَ وَقْتَ الْبَيْعِ، وَلَكِنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ كَانَ تَامًّا، وَحَقُّ الْغَيْرِ كَانَ مُنْقَطِعًا، ثُمَّ هُنَاكَ اسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ بِهَا إذَا تَمَّ الْمِلْكُ لَهُ فِيهَا، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَوْ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ، وَلَهُ وَرَثَةٌ أَحْرَارٌ، ثُمَّ بِيعَتْ دَارٌ إلَى جَنْبِ دَارِهِ، فَلَمْ يَعْلَمُوا بِالْبَيْعِ حَتَّى أُدِّيَتْ الْمُكَاتَبَةُ، ثُمَّ عَلِمُوا بِهِ كَانَ لَهُمْ الشُّفْعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ عِنْدَ الْبَيْعِ. ٣٩٧٤ - وَإِذَا بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ دَارِ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ.

стр. 1902

لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي دَارِنَا بِأَمَانٍ فَهُوَ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَالذِّمِّيِّ. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ حَتَّى رَجَعَ إلَى دَارِهِ، ثُمَّ عَادَ مُسْتَأْمَنًا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ فَقَدْ صَارَ كَحَرْبِيٍّ لَمْ يَدْخُلْ فِي دَارِنَا حَتَّى الْآنَ، وَلَا شُفْعَةَ لِلْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ابْتِدَاءً وَلَا بَقَاءَ، وَكَذَلِكَ لَوْ بِيعَتْ الدَّارُ بَعْدَمَا رَجَعَ هُوَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ لِهَذَا الْمَعْنَى. ٣٩٧٥ - قَالَ: وَلَوْ بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ دَارِ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ لَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَطَلَبَ أَخْذَهَا بِالشُّفْعَةِ، فَلَهُ ذَلِكَ. فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، لَا شُفْعَةَ لَهُ حَتَّى يُسْلِمَ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ كَمَا بَيَّنَّا. ٣٩٧٦ - وَلَوْ عَلِمَ بِالْبَيْعِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَلَمْ يُسْلِمْ، وَلَمْ يَطْلُبْ عِنْدَ ذَلِكَ الشُّفْعَةَ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، لِتَرْكِ الطَّلَبِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ بِأَنْ يُسْلِمَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1903

[بَابٌ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ] ٣٩٧٧ - وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَحَبِلَتْ مِنْهُ هُنَاكَ وَوَلَدَتْ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْوَلَدِ صَغِيرًا فَإِنَّهُ فَيْءٌ وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَصْلُ الْإِسْلَامِ لِأَبَوَيْهِ، وَالْوَلَدُ تَابِعٌ لِأَبَوَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَصْلُ الْإِسْلَامِ بِنَفْسِهِ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا سُبِيَ، فَهَذَا مِثْلُهُ فَإِنْ وُلِدَ لِوَلَدِهِمَا وَلَدٌ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ كَانَ فَيْئًا، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْإِسْلَامِ إنَّمَا كَانَ لِجَدِّهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النَّافِلَةَ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ الْجَدِّ؛ فَلِهَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ سَائِرِ الْكُفَّارِ. ٣٩٧٨ - قَالَ: وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِمَالِهِ، ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ، فَهُوَ فَيْءٌ وَلَا يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَالُ حَرْبِيٍّ، وَحَقُّ الْوَرَثَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْمَالِ الَّذِي خَلَفَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَا لَحِقَ بِهِ مَعَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ

стр. 1904

٣٩٧٩ - وَإِنْ كَانَ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَخَذَ مَالًا مِنْ مَالِهِ وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ، رَدَدْنَاهُ إلَى الْوَرَثَةِ كَمَا يُرَدُّ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنْ رَجَعَ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَلَا سَبِيلَ لِلْوَرَثَةِ عَلَى هَذَا الْمَالِ، وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ كَانَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَأْخُذُوهُ إذَا وَجَدُوهُ فِي الْغَنِيمَةِ، قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَكِنْ أَطْلَقَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْجَوَابَ وَقَسَّمَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. فَإِنْ كَانَ عَوْدُهُ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَاللَّحَاقُ الْأَوَّلُ فِي حُكْمِ الْغَيْبَةِ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ اللَّحَاقُ الثَّانِي، وَالْمَالُ فِيهِ مَعَهُ، وَكَأَنَّهُ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بِمَا لَهُ. وَأَمَّا إذَا قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَقَدْ صَارَ الْمَالُ مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ، وَهُوَ حَرْبِيٌّ خَرَجَ، فَاسْتَوْلَى عَلَى مَالِ الْوَرَثَةِ وَأَحْرَزَهُ، وَلَوْ اسْتَوْلَى غَيْرُهُ عَلَى هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَالْمُكَاتَبُ الْمُرْتَدُّ اللَّاحِقُ بِدَارِ الْحَرْبِ إذَا اكْتَسَبَ مَالًا ثُمَّ أُخِذَ مَعَ مَالِهِ فَقُتِلَ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي كِتَابَتَهُ، وَمَا بَقِيَ مِيرَاثٌ لِوَرَثَتِهِ بِخِلَافِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ حَقٌّ لِمَوْلَاهُ، وَبَعْدَ لَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ الْكِتَابَةُ بَاقِيَةٌ، فَإِذَا كَانَ الْمَوْتُ الْحَقِيقِيُّ لَا يُبْطِلُ الْكِتَابَةَ فَالْمَوْتُ الْحُكْمِيُّ أَوْلَى، وَقِيَامُ حَقِّ الْمَوْلَى فِي كَسْبِهِ يَمْنَعُ كَوْنَهُ فَيْئًا؛ فَلِهَذَا كَانَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَفِي دَارِ الْحَرْبِ سَوَاءً. فَأَمَّا الْحَرْبِيُّ فَقَدْ صَارَ حَرْبِيًّا حِينَ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَكْتَسِبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ كَانَ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ ٣٩٨٠ -

стр. 1905

وَلَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ إنْ رَجَعَ إلَيْنَا مُرَاغَمًا، أَوْ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ أَسِيرًا فَهُوَ حُرٌّ، لِإِحْرَازِهِ نَفْسَهُ. وَإِنْ خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فِي تِجَارَةٍ لِمَوْلَاهُ لَمْ يُعْتَقْ؛ لِأَنَّهُ مَا قَصَدَ إحْرَازَ نَفْسِهِ عَنْ مَوْلَاهُ، وَلَكِنَّهُ لَا يُتْرَكُ يَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِإِسْلَامِهِ، بَلْ يَبِيعُهُ الْإِمَامُ، وَيَقِفُ ثَمَنَهُ حَتَّى يَجِيءَ مَوْلَاهُ فَيَأْخُذَهُ ٣٩٨١ - وَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ الْعَبْدُ، وَلَكِنْ خَرَجَ مُرَاغَمًا لِمَوْلَاهُ لِيَكُونَ ذِمَّةً لَنَا، كَانَ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِزًا لِنَفْسِهِ عَنْ مَوْلَاهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَالذِّمَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْإِسْلَامِ فِي حُصُولِ الْإِحْرَازِ بِهَا. وَإِنْ خَرَجَ بِأَمَانٍ كَانَ عَبْدًا لِمَوْلَاهُ، لَا يَقْبَلُ مِنْهُ الذِّمَّةَ، وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِلْوَفَاءِ بِالْأَمَانِ. ٣٩٨٢ - وَبَعْدَمَا قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِ الْمُرْتَدِّ يَعْتِقُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرَهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَالْمُؤَجَّلُ مِنْ الدُّيُونِ عَلَيْهِ يَصِيرُ حَالًّا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ فَمَا يَثْبُتُ مِنْ الْحُكْمِ إذَا مَاتَ حَقِيقَةً يَثْبُتُ هَا هُنَا. ٣٩٨٣ - وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَوْ أَمَةٌ

стр. 1906

مُسْلِمَةٌ فَطَاوَعَاهُ فِي الْخُرُوجِ، أَوْ أَجْبَرَهُمَا لَمْ يُعْتَقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَكَانَا مَمْلُوكَيْنِ لَهُ. وَقِيلَ: هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بِحُرِّيَّتِهِمَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ، لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ بِاللَّحَاقِ صَارَ حَرْبِيًّا لَا أَمَانَ لَهُ. وَقِيلَ: بَلْ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا، وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُفَرِّقُ وَيَقُولُ: هُنَاكَ الْمُسْتَأْمَنُ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى إزَالَةِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ عَنْ مِلْكِهِ، وَلَكِنْ كَانَتْ الْإِزَالَةُ بِالْبَيْعِ لِحُرْمَةِ الْأَمَانِ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ بِلَحَاقِهِ تَمَّ الزَّوَالُ الَّذِي كَانَ مُسْتَحَقًّا. فَأَمَّا هَذَا الْمُرْتَدُّ لَمْ يَكُنْ مُجْبَرًا عَلَى إزَالَةِ هَذَا الْعَبْدِ عَنْ مِلْكِهِ قَبْلَ أَنْ يُلْحِقَ بِهِ دَارَ الْحَرْبِ، فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ أَيْضًا إنْ أَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ، لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا وَلَهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ عَبْدُهُ. فَإِنْ أُخِذَ الْمُرْتَدُّ وَمَمْلُوكُهُ مَعَهُ مُسْلِمٌ فَالْمَمْلُوكُ حُرٌّ؛ لِأَنَّ إحْرَازَهُ نَفْسَهُ سَبَقَ إحْرَازَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ، كَوْنُ يَدِهِ فِي نَفْسِهِ أَقْوَى. ٣٩٨٤ - وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْمُرْتَدِّ الْمُرْتَدَّةُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الرَّقِيقِ. وَإِنَّمَا الْفَرْقُ فِي نَفْسِهَا فَالْمُرْتَدَّةُ تَكُونُ فَيْئًا بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ. وَلَوْ دَعَا الْمُرْتَدُّ مَمْلُوكَهُ إلَى الرِّدَّةِ فَأَجَابَهُ إلَيْهَا، ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمَا، فَالْمَمْلُوكُ فَيْءٌ. لِأَنَّهُ صَارَ مُحْرِزًا نَفْسَهُ هَا هُنَا، فَإِنَّهُ حَرْبِيٌّ، وَلَكِنَّهُ إنْ كَانَ عَبْدًا يُقْتَلُ إنْ أَبَى الْإِسْلَامَ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَمْ تُقْتَلْ، وَلَكِنَّهَا تُحْبَسُ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ الْمُرْتَدَّةِ. . ٣٩٨٥ -

стр. 1907

وَلَوْ لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِأُمِّ وَلَدِهِ أَوْ مُدَبَّرَتِهِ أَوْ مُكَاتَبَةٍ لَهُ مُسْلِمَةٍ، كَرْهًا أَوْ مُطَاوَعَةً، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَهُنَّ حَرَائِرُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ جَرَى فِيهِنَّ الْعِتْقُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَمَةَ الَّتِي لَمْ يَجْرِ فِيهَا الْعِتْقُ إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَانَتْ حُرَّةً، فَاَلَّتِي جَرَى فِيهَا الْعِتْقُ أَوْلَى. وَإِنْ كَانَ حِينَ أَدْخَلَهُنَّ دَعَاهُنَّ إلَى دِينِهِ فَارْتَدَدْنَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهُنَّ فَيْءٌ، وَمَا جَرَى فِيهِنَّ مِنْ الْعَتَاقِ لَا يُبْطِلُ عَنْهُنَّ الْفَيْءَ؛ لِأَنَّ حَالَهُمْ الْآنَ لَا يَكُونُ أَعْلَى مِنْ حَالِ الْحُرَّةِ الْمُرْتَدَّةِ، وَالْحُرَّةُ الْمُرْتَدَّةُ تُسْبَى. ٣٩٨٦ - وَلَوْ كَانَ لَحِقَ مَعَهُ مُدَبَّرٌ أَوْ مُكَاتَبٌ فَارْتَدَّا مَعَهُ، أَوْ بَعْدَ مَا أَدْخَلَهُمَا ثُمَّ سُبِيَا مَعَهُ، فَإِنَّ الْمَوْلَى يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَإِنْ أَبَى قُتِلَ وَعَتَقَ مُدَبَّرُهُ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ كَانَ مُعَلَّقًا بِمَوْتِهِ، وَقَدْ وُجِدَ. وَعِتْقُ مُكَاتَبِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى قَدْ سَقَطَ عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ حِينَ قُتِلَ. وَلَمْ يَصِرْ ذَلِكَ فَيْئًا لِلْغَانِمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ، وَالدَّيْنُ لَا يَكُونُ فَيْئًا، فَيَسْقُطُ عَنْ الْمُكَاتَبِ أَصْلًا، وَبَرَاءَتُهُ عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ تُوجِبُ عِتْقَهُ.

стр. 1908

وَإِنْ أَسْلَمَ الْمَوْلَى كَانَ حُرًّا، وَيُعْرَضُ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ الْإِسْلَامُ، فَإِنْ أَبَيَا قُتِلَا، وَإِنْ أَسْلَمَا فَهُمَا عَلَى حَالِهِمَا لِمَوْلَاهُمَا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَالْمُكَاتَبَةَ فِي الْمَنْعِ مِنْ التَّمَلُّكِ بِالِاسْتِرْقَاقِ كَالْحُرِّيَّةِ، ثُمَّ الْحُرُّ الْمُرْتَدُّ لَا يُمْلَكُ بِالسَّبْيِ، فَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ وَالْمُدَبَّرُ. ٣٩٨٨ - وَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ عَلَى حَالِهِمَا فَهُمَا حُرَّانِ حِينَ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمَا، أَسْلَمَ الْمَوْلَى أَوْ قُتِلَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْقِنَّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ يُعْتَقُ، فَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ أَوْلَى. ٣٩٨٩ - وَلَوْ لَحِقَتْ الْمُرْتَدَّةُ بِمُدَبَّرٍ أَوْ مُكَاتَبٍ لَهَا، وَهُمَا مُسْلِمَانِ فَالْمَوْلَاةُ فَيْءٌ إنْ أَسْلَمَتْ أَوْ لَمْ تُسْلِمُ، وَهُمَا حُرَّانِ؛ لِأَنَّهُمَا أَحْرَزَا أَنْفُسَهُمَا عَنْهَا. ٣٩٩٠ - وَلَوْ كَانَا ارْتَدَّا مَعَهَا فَهُمَا حُرَّانِ أَيْضًا، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي الْمُرْتَدَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَاةَ هُنَا قَدْ صَارَتْ أَمَةً بِالسَّبْيِ، فَكَأَنَّهَا مَاتَتْ، وَالْمُرْتَدُّ لَمْ يَصِرْ عَبْدًا بِالسَّبْيِ فَيَكُونُ عَبِيدُهُ عَلَى حَالِهِمْ، وَوِزَانُ الْمُرْتَدَّةِ الْمُرْتَدُّ إذَا قُتِلَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمَا يُعْتَقَانِ هُنَاكَ. ٣٩٩١ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ بَلْدَةٍ ارْتَدُّوا وَصَارَتْ دَارَهُمْ دَارَ حَرْبٍ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَأَسْلَمُوا، فَالرِّجَالُ أَحْرَارٌ وَالنِّسَاءُ مِنْ

стр. 1909

الْحَرَائِرِ أَوْ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُكَاتِبَاتُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، أَمَّا مَنْ حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَتَكُونُ فَيْئًا بِالسَّبْيِ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَأَمَّا الْمَمَالِيكُ الرِّجَالُ الْمُرْتَدُّونَ فَهُمْ عَلَى حَالِهِمْ مُدَبَّرُونَ وَمُكَاتَبُونَ؛ لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ السَّبْيُ بِخِلَافِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ. وَإِنْ كَانَ الرَّقِيقُ لَمْ يَرْتَدُّوا فَهُمْ أَحْرَارٌ كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُحْرِزِينَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَوَالِيهِمْ. فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَبْدًا أَوْ أَمَةً لَمْ يَجْرِ فِيهِ عَتَاقٌ فَلَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ. وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْمُرَاغَمَ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِأَحَدٍ فَأَمَّا الْمُدَبَّرُونَ وَأُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ فَوَلَاؤُهُمْ لِمَوَالِيهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَرَى فِيهِمْ عَتَاقُهُ، وَكَانُوا مُسْتَحَقِّينَ لِلْوَلَاءِ بِذَلِكَ، وَالْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ لَا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ. يُوَضِّحُهُ: أَنَّ الْمُرْتَدِّينَ بِمَنْزِلَةِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَجْرِي عَلَى رِجَالِهِمْ السَّبْيُ، وَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا السَّيْفُ أَوْ الْإِسْلَامُ، وَهَذَا الْحُكْمُ ثَبَتَ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْمُدَبَّرَاتِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُكَاتَبُ كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ. . ٣٩٩٢ -

стр. 1910

وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُرْتَدِّينَ أَوْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ سَبَوْا جَوَارِيَ مُسْلِمَاتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاقْتَسَمُوهُنَّ، ثُمَّ اسْتَوْلَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَارِيَةً أَوْ دَبَّرَهَا أَوْ كَاتَبَهَا ثُمَّ أَسْلَمُوا كُنَّ إمَاءً لَهُنَّ عَلَى حَالِهِنَّ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُنَّ بِالْإِحْرَازِ فَالْجَوَارِي كُلُّهُنَّ حَرَائِرُ؛ لِأَنَّهُنَّ أَحْرَزْنَ أَنْفُسَهُنَّ عَلَى مَوَالِيهِنَّ، وَقَدْ كَانَ الْمُوَالِي أَهْلَ الْحَرْبِ فَتَمْلِكُ أَنْفُسَهُنَّ بِالْإِحْرَازِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِنَّ حَقٌّ لِلْمَأْسُورِ مِنْهُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالْكِتَابَةِ مِنْ الْمَوَالِي، فَيَتِمُّ إحْرَازُهُنَّ لِأَنْفُسِهِنَّ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا مُدَبَّرِينَ أَوْ مُكَاتَبِينَ لِنِسَاءٍ مُرْتَدَّاتٍ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَيَاتِ صِرْنَ فَيْئًا، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِنَّ. ٣٩٩٣ - وَلَوْ كَانَ الرَّقِيقُ ارْتَدُّوا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَمَنْ كَانَ مِنْهُنَّ أَمَةً لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ فَهِيَ فَيْءٌ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَبْدًا فَإِنْ كَانَ لِامْرَأَةِ مُرْتَدَّةٍ أَوْ مُشْرِكَةٍ عَرَبِيَّةٍ فَهُمْ أَحْرَارٌ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمُوا وَإِلَّا قُتِلُوا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مَنْفِيٌّ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ. وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَبْدًا لِرَجُلٍ مُرْتَدٍّ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ بَعْدَ مَا يُقْتَلُ مَوْلَاهُ فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ أَبَى قُتِلَ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمَوْلَى وَالْعَبْدُ أَيْضًا وَهُوَ مُدَبَّرٌ أَوْ مُكَاتَبٌ فَهُوَ مَمْلُوكٌ لِمَوْلَاهُ عَلَى حَالِهِ، وَحَالُهُمْ الْآنَ كَحَالِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا مَعَ الْمَوَالِي فِي جَمِيعِ مَا بَيَّنَّا. . ٣٩٩٤ -

стр. 1911

وَلَوْ اشْتَرَى الْمُرْتَدُّ أَمَةً حَرْبِيَّةً فَاسْتَوْلَدَهَا، ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهَا فَهِيَ تَكُونُ فَيْئًا؛ لِأَنَّ مَا جَرَى فِيهَا مِنْ الْعَتَاقَةِ لَا يَقْوَى إذَا كَانَتْ حَرْبِيَّةً، وَلَا يَكُونُ حَالُهَا أَقْوَى مِنْ حَالِ حُرِّيَّةٍ أَصْلِيَّةٍ، وَالْحُرَّةُ الْأَصْلِيَّةُ تُسْتَرَقُّ إذَا كَانَتْ حَرْبِيَّةً، فَأُمُّ الْوَلَدِ أَوْلَى. فَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ فَهِيَ حُرَّةٌ حِينَ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مُحْرِزَةً نَفْسَهَا عَلَى مَوْلَاهَا. ٣٩٩٥ - وَلَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ أَسِيرٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَمَةً حَرْبِيَّةً وَوَلَدَ ابْنًا فَهُوَ مُسْلِمٌ عَبْدٌ لِمَوْلَى الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا، وَيَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ. فَإِنْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَالِابْنُ عَبْدٌ لِمَوْلَاهُ عَلَى حَالِهِ. لِأَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَالْإِسْلَامُ سَبَبٌ لِتَقْرِيرِ مِلْكِهِ. ٣٩٩٦ - وَإِنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَالِابْنُ حُرٌّ مِنْ عَشِيرَةِ أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُحْرِزًا نَفْسَهُ عَلَى مَوْلَاهُ بِمَنْعِهِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ حُرًّا.

стр. 1912

ثُمَّ إنْ كَانَ الْأَبُ عَرَبِيًّا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ أَحَدًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا فَلَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ أَحَبَّ. وَلَوْ كَانَ أَبُوهُ حَرْبِيًّا فَأَسَرَهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَعْتَقَهُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ فَإِنَّ وَلَاءَهُ يَتَحَوَّلُ عَنْهُ. وَهَذَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ أَنَّ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ أَقْوَى مِنْ وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ، وَأَنَّ الْأَبَ يَجُرُّ وَلَاءَ الْوَلَدِ إذَا أُعْتِقَ إلَى مَوَالِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَلَدِ وَلَاءُ عَتَاقَةٍ مَقْصُودَةٍ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاغَمَ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ «بِحَدِيثِ عَبِيدِ أَهْلِ الطَّائِفِ فَإِنَّهُمْ حِينَ خَرَجُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ. ﵌، مُسْلِمِينَ فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، ثُمَّ جَاءَ مَوَالِيهِمْ فَطَلَبُوا رَدَّهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: أُولَئِكَ عُتَقَاءُ اللَّهِ تَعَالَى» . وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّهُ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِمْ لِأَحَدٍ، وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌، رَدَّ وَلَاءَهُمْ إلَى مَوَالِيهِمْ. فَالْمُرَادُ وَلَاءُ الْمَوْلَاةِ لَهُمْ أَنْ يُوَالُوا مَنْ أَحَبُّوا وَيَكُونُ وَلَاؤُهُمْ لِمَوَالِيهِمْ الَّذِينَ وَالُوهُمْ. ٣٩٩٧ - وَإِذَا أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ وَسَلَّمَهُ، فَهُوَ حُرٌّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ، إلَّا أَنَّ هُنَاكَ أَبْهَمَ الْجَوَابَ وَهَا هُنَا فَسَّرَ، فَقَالَ: بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ لَا يُعْتَقُ، وَلَكِنْ إذَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي فَحِينَئِذٍ يُعْتَقُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ خُرُوجُهُ مِنْ يَدِهِ لِيُعْتَقَ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ بِالتَّسْلِيمِ

стр. 1913

لَا بِالْعَقْدِ فَإِنَّ الْعَقْدَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ حُكْمِيٌّ، وَدَارُ الْحَرْبِ لَيْسَتْ بِدَارِ أَحْكَامٍ كَدَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ هُنَا أَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا وَبَيْنَ مَا إذَا كَانَ حَرْبِيًّا فَقَالَ: الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَإِذَا أَصَابَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ فِي يَدِ مَنْ هُوَ أَهْلُ دَارِنَا فَكَأَنَّهُ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ حُرًّا، بِمَنْزِلَةِ الْمُرَاغَمِ، وَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي حَرْبِيًّا فَلَوْ لَمْ يَصِرْ فِي يَدِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا يُعْتَقُ. وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ السِّيَرِ الصَّغِيرِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ مَتَى زَالَ عَنْ مِلْكِ مَوْلَاهُ الْحَرْبِيِّ يَزُولُ إلَى الْحُرِّيَّةِ، وَقَدْ تَمَّ زَوَالُهُ عَنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَالْأَصَحُّ مَا ذُكِرَ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا كَانَ حَرْبِيًّا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ، وَقَدْ كَانَ هُوَ مَمْلُوكًا فِي مِلْكِ الْبَائِعِ فَكَذَلِكَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي. ٣٩٩٨ - وَلَوْ لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِعَبْدٍ ذِمِّيٍّ لَهُ طَائِعًا أَوْ كَارِهًا فَوَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمَا فَالْعَبْدُ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لِلذِّمِّيِّ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لِلْمُسْلِمِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا عَتَقَ بِإِحْرَازِهِ نَفْسَهُ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ ذِمِّيًّا. وَإِنْ نَقَضَ مَعَ مَوْلَاهُ الْعَهْدَ كَانَ هُوَ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ لَهُ فِي مِلْكِ الْحَرْبِيِّ، فَإِذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ كَانَ فَيْئًا. ٣٩٩٩ - فَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْعَبْدِ مُدَبَّرٌ أَوْ مُكَاتَبٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ

стр. 1914

فَإِنْ لَمْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ حَتَّى وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ فَهَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ فَإِنْ نَقَضُوا الْعَهْدَ فَهُمْ فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَقَضُوا الْعَهْدَ صَارُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا ارْتَدُّوا مَعَ الْمَوَالِي لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَوْ كَانَ حُرًّا لَا يَكُونُ فَيْئًا، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا، وَالنَّاقِضُ لِلْعَهْدِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَوْ كَانَ فَيْئًا إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ بَعْدَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا. ٤٠٠٠ - وَلَوْ أَنَّ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ أَبَقَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا أَوْ مُسْلِمًا فَاسْتَعْبَدُوهُ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَهُمْ رَقِيقٌ لِمَوْلَاهُمْ عَلَى حَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِعُرْضَةٍ لِلتَّمَلُّكِ بِسَائِرِ الْأَسْبَابِ، فَكَذَلِكَ بِالْقَهْرِ وَإِذَا لَمْ يَمْلِكْهُمْ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ رَجُلًا يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، فَإِنْ أَسْلَمَ دُفِعَ إلَى مَوْلَاهُ وَإِلَّا قُتِلَ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ أُنْثَى أَجْبَرُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ تُقْتَلْ. وَإِنْ كَانَ الْآبِقُ عَبْدًا فَفِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ. ٤٠٠١ - وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ وَارْتَدَّ مَعَهُ عَبْدٌ لَهُ فَلَحِقَا جَمِيعًا بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَعْتَقَ الْمُرْتَدُّ عَبْدَهُ هَذَا أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ كَاتَبَ أُمَّهُ فَاسْتَوْلَدَهَا، ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، فَالْمَمْلُوكُ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا حَرْبِيَّيْنِ، وَإِعْتَاقُ الْحَرْبِيِّ عَبْدَهُ الْحَرْبِيَّ بَاطِلٌ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ

стр. 1915

مِنْ يَدِهِ، فَكَذَلِكَ التَّدْبِيرُ وَالْكِتَابَةُ وَالِاسْتِيلَادُ فِيهِ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْعِتْقِ، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عُرْضَةً لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ. ٤٠٠٢ - وَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ أَسَرُوا عَبْدًا فَأَحْرَزُوهُ، فَصَارَ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ فَأَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ، ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ مَوْلَاهُ، كَانَ حُرًّا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ عَلَى حَالِهِ بَعْدَ الْأَسْرِ، وَقَدْ صَارَ مُحْرِزًا نَفْسَهُ بِمَنْعِهِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ حُرًّا. ٤٠٠٣ - وَإِنْ لَمْ يَقَعْ الظُّهُورُ عَلَيْهِ حَتَّى ارْتَدَّ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَمَا أَمْضَى فِيهِ مَوْلَاهُ مَا أَمْضَاهُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ الْحَرْبِيِّ وَتَدْبِيرَهُ فِي عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ صَحِيحٌ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاسْتِرْقَاقِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ، فَكَانَ مَا جَرَى فِيهِ مِنْ الْعَتَاقِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَفِي دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءً فِي مَنْعِ جَرَيَانِ السَّبْيِ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ سَبْيٌ كَانَ حُرًّا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ إنْ سُبِيَ مَعَهُ مَوْلَاهُ أَوْ لَمْ يُسْبَ، فَكَأَنَّهُ خَرَجَ مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ فَكَانَ حُرًّا. ٤٠٠٤ - وَلَوْ كَانَ إنَّمَا أَمْضَى فِيهِ الْمَوْلَى مَا أَمْضَاهُ بَعْدَ ارْتِدَادِ الْعَبْدِ فَجَمِيعُ مَا أَمْضَى فِيهِ بَاطِلٌ، وَهُوَ فَيْءٌ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ

стр. 1916

لِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ صَارَ حَرْبِيًّا، وَإِعْتَاقُ الْحَرْبِيِّ عَبْدَهُ الْحَرْبِيَّ بَاطِلٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنَّمَا لَا يُسْتَرَقُّ مِنْ رِجَالِ الْمُرْتَدِّينَ مَنْ لَهُ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ حُرَّ الْأَصْلِ فَهُوَ مَحَلٌّ لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ؛ لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُ لَمْ تَتَأَكَّدْ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا لَا يُنْقَضُ بِالِاسْتِرْقَاقِ الْحُرِّيَّةُ الْمُتَأَكِّدَةُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ. ٤٠٠٥ - وَلَوْ كَانَ عَبِيدُ الْمُرْتَدِّينَ قَهَرُوا مَوَالِيَهُمْ وَاسْتَعْبَدُوهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ فَهُمْ أَحْرَارٌ كُلُّهُمْ، أَمَّا الْمَوَالِي فَلِأَنَّهُمْ كَانُوا أَحْرَارَ الْأَصْلِ، وَلَوْ سَبَاهُمْ غَيْرُ عَبِيدِهِمْ فَكَذَلِكَ إذَا أَسَرَهُمْ عَبِيدُهُمْ، وَأَمَّا الْعَبِيدُ فَلِأَنَّهُمْ حِينَ قَهَرُوا مَوَالِيَهُمْ وَغَلَبُوا عَلَى الدَّارِ صَارُوا أَحْرَارًا بِمَنْزِلَةِ الْمُرَاغِمِينَ لِمَوَالِيهِمْ، وَهَذَا بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا قَهَرَهُمْ عَبِيدُهُمْ وَغَلَبُوا عَلَى دَارِهِمْ. لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ عُرْضَةُ التَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ إذَا أَسَرَهُمْ غَيْرُ عَبِيدِهِمْ، فَكَذَلِكَ إذَا أَسَرَهُمْ عَبِيدُهُمْ كَانُوا أَرِقَّاءَ لَهُمْ، وَكَانَ الْعَبِيدُ أَحْرَارًا لِقَهْرِهِمْ مَوَالِيَهُمْ وَإِحْرَازِهِمْ أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِمْ. ٤٠٠٦ - قَالَ: وَلَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ ثُمَّ ارْتَدَّ وَكَانَ أَسْرُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُسْلِمٌ، ثُمَّ ارْتَدَّ فَأَعْتَقَهُ فَإِنَّ عِتْقَهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ صَارَ حَرْبِيًّا

стр. 1917

فَإِنْ خَلَّى سَبِيلَهُ حِينَ أَعْتَقَهُ صَارَ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَوْلَاهُ، وَمَوْلَاهُ غَيْرُ قَاهِرٍ لَهُ فَهُوَ حُرٌّ الْآنَ؛ لِأَنَّهُ تَمَّ خُرُوجُهُ مِنْ مَوْلَاهُ، وَإِنَّمَا كَانَ لَا يَحْكُمُ بِعِتْقِهِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ لِكَوْنِهِ مُعْتَقًا لَهُ بِلِسَانِهِ مُسْتَرَقًّا بِيَدِهِ، وَقَدْ زَالَ هَذَا الْمَعْنَى. فَإِنْ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمَا فَالْمَوْلَى فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ مَحَلٌّ لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ. وَأَمَّا الْعَبْدُ فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَفَذَ الْعِتْقُ فِيهِ وَهُوَ مُرْتَدٌّ، وَلِلْمُرْتَدِّ حُكْمُ الْمُسْلِمِ فِي أَنَّهُ لَا يُتَمَلَّكُ بِالْقَهْرِ، فَإِنْ أَسْلَمَ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ أَبَى قُتِلَ. ٤٠٠٧ - وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْهُ الْمَوْلَى مِنْ يَدِهِ حِينَ أَعْتَقَهُ، ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمَا فَالْمَوْلَى فَيْءٌ كَمَا بَيَّنَّا، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنْ كَانَ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ فَيْءٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُ لَمْ تَثْبُتْ حِينَ لَمْ يُخْرِجْهُ الْمَوْلَى مِنْ يَدِهِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ. ٤٠٠٨ - وَإِنْ كَانَ مَأْسُورًا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ وَجَدَهُ مَوْلَاهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَهَا أَخَذَهُ بِقِيمَتِهِ إنْ أَحَبَّ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ الْحَرْبِيِّ إيَّاهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ كَانَ بَاطِلًا حِينَ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ. ٤٠٠٩ -

стр. 1918

قَالَ: وَإِنْ أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ الْحَرْبِيَّ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ تَمَّ خُرُوجُهُ مِنْ يَدِهِ فَصَارَ حُرًّا ثُمَّ يَتَأَكَّدُ حُرِّيَّتُهُ بِإِسْلَامِهِ ٤٠١٠ - وَإِنْ قَهَرَهُ مَوْلَاهُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَخَاصَمَهُ الْعَبْدُ إلَى مَلِكِهِمْ فَحُكِمَ بِعِتْقِهِ وَمَنَعَ مَوْلَاهُ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ أَيْضًا، وَإِنْ حُكِمَ بِرِقِّهِ، وَرَأَى الْعِتْقَ بَاطِلًا فَهُوَ عَبْدٌ لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا حُكِمَ مِلْكُهُمْ بِعِتْقِهِ فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ مُحْرِزًا نَفْسَهُ عَلَى مَوْلَاهُ بِقُوَّةِ مِلْكِهِمْ فَيَتَأَكَّدُ بِهِ عِتْقُهُ. ٤٠١١ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَهُمْ عَبِيدٌ مُسْلِمُونَ فَارْتَدُّوا، ثُمَّ هَرَبُوا مِنْهُمْ إلَى دَارِ حَرْبٍ أُخْرَى، فَكَانُوا فِيهَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ مَوَالِيهِمْ فَهُمْ أَحْرَارٌ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا كَالْمُرَاغِمِينَ، فَإِنَّهُ كَمَا يَتِمُّ إحْرَازُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ يَتِمُّ إحْرَازُهُ نَفْسَهُ بِدَارِ حَرْبٍ أُخْرَى، عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ أَهْلُ دُورٍ بِاخْتِلَافِ الْمَنَعَاتِ لَهُمْ. ٤٠١٢ - فَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ كَانُوا أَحْرَارًا، يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمُوا وَإِلَّا قُتِلُوا؛ لِأَنَّ قَبْلَ هَذَا الْأَسْرِ كَانُوا أَحْرَارًا، وَالرِّجَالُ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ الْأَحْرَارِ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ سَبْيٌ بِقَهْرِ الْمُسْلِمِينَ إيَّاهُمْ.

стр. 1919

٤٠١٣ - وَلَوْ لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارٍ أُخْرَى وَلَكِنْ سَبَاهُمْ أَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ وَأَحْرَزُوهُمْ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ كَانُوا فَيْئًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَمَالِيكَ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ فَلَا يَكُونُونَ مُحْرِزِينَ أَنْفُسَهُمْ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. ٤٠١٤ - وَلَوْ أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ الْمُسْتَأْمَنُ فِيهِمْ عَبْدًا حَرْبِيًّا فَهُوَ حُرُّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَكُونُ مُسْتَرِقًّا لِمُعْتَقِهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَمَا لَا يَنْفُذُ الْعِتْقُ مِنْ الْحَرْبِيِّ فِي عَبْدِهِ الْحَرْبِيِّ لَا يَنْفُذُ مِنْ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ جَانِبَ الْمُعْتَقِ، وَيَقُولُ: هُوَ عُرْضَةٌ لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ فِي الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَنْفُذُ فِيهِ الْعِتْقُ. ٤٠١٥ - وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ قُلْنَا: إنْ كَانَ الْعَبْدُ حَرْبِيَّ الْأَصْلِ فَهُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ، كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْوَلَاءُ الثَّابِتُ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِيهِ لِلسَّابِي؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ، وَثُبُوتُ النَّسَبِ مِنْ الْمُسْلِمِ لَا يَمْنَعُ تَمَلُّكَ الْحَرْبِيِّ بِالْقَهْرِ فَالْوَلَاءُ أَوْلَى. وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُرْتَدًّا فِي الْأَصْلِ فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ بَعْدَمَا نَفَذَ فِيهِ الْعِتْقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ بِالْقَهْرِ. وَإِنْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَوَلَاؤُهُ لِمَوْلَاهُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ كَانَ نَافِذًا فِيهِ عِنْدَهُ، وَالْوَلَاءُ

стр. 1920

لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ يَتَأَكَّدُ حُكْمُ ذَلِكَ الْوَلَاءِ بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ أَحَدًا. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ عِتْقُ مَوْلَاهُ إيَّاهُ بَاطِلًا. فَإِنَّمَا أَعْتَقَ حِينَ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَلَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ أَحَبَّ. وَهَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْفُذْ فِيهِ الْعِتْقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِمَوْلَاهُ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ نَفَذَ فِيهِ الْعِتْقُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَلَاؤُهُ لِمَوْلَاهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فِي ثُبُوتِ الْوَلَاءِ بِهَذَا الْعِتْقِ، لَا فِي أَصْلِ نُفُوذِ الْعِتْقِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ ٤٠١٦ - فَأَمَّا الْحَرْبِيُّ إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ الْحَرْبِيَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَذَلِكَ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْوَلَاءِ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ إذَا أَسْلَمَ. خِلَافًا لِمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ، وَإِذَا كَانَ النَّسَبُ يَثْبُتُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ. وَهُمَا يَقُولَانِ الْوَلَاءُ بِالْعِتْقِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَأَحْكَامُ الْإِسْلَامِ لَا تَجْرِي فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَلِلنَّاسِ مَوَالٍ أَعْتَقُوهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانُوا مَوَالِيَ لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ. قُلْنَا: أُولَئِكَ عَتَقُوا قَبْلَ تَبَايُنِ الدَّارِ، وَقَبْلَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ حُكْمٌ غَيْرُ حُكْمِ الْكَافِرِينَ، فَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ تَفَرَّقَتْ الدَّارُ، وَصَارَ لِأَهْلِ كُلِّ دَارٍ حُكْمٌ عَلَى حِدَةٍ، فَمَا كَانَ مِنْ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الْوَلَاءُ بِالْعِتْقِ، لَا يَثْبُتُ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ. ٤٠١٧ - قَالَ: وَلَوْ كَانَ لِلْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُدَبَّرَةٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ حَرْبِيَّةٌ فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمَا لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فَيْئًا؛ لِأَنَّ الرِّقَّ فِيهَا بَاقٍ لِلْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَعْتَقَهُمَا فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِمَا رِقٌّ لِمُسْلِمٍ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ، وَكَانُوا فَيْئًا بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْحَرَائِرِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.

стр. 1921

قَالَ: وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَهُ مَمَالِيكُ مُرْتَدُّونَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُدَبَّرًا فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِمَوْتِ الْمَوْلَى، وَالْمُدَبَّرُ بَعْدَمَا عَتَقَ لَا يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُونَ بِالْقَهْرِ. وَأَمَّا الْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ فَهُمَا فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمَا عَتَقَتَا بِمَوْتِهِ أَيْضًا، فَكَانَ حَالُهُمَا كَحَالِ الْحُرَّةِ الْمُرْتَدَّةِ. ٤٠١٩ - قَالَ: وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ مُسْلِمٌ، ثُمَّ رَجَعَ الْعَبْدُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ، فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ حَقَّ وَرَثَتِهِ لَمْ يَثْبُتْ فِي هَذَا الْعَبْدِ، وَقَدْ صَارَ الْمَوْلَى حَرْبِيًّا. وَعِنْدَ الْحَرْبِيِّ إذَا خَرَجَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ كَانَ حُرًّا. فَإِنْ خَرَجَ يَتَلَصَّصُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّهُ مَرَاغِمُ لِمَوْلَاهُ غَيْرُ مُحَارَبٍ لِلْمُسْلِمِينَ [جَهْرًا] ٤٠٢٠ - وَإِنْ كَانَ خَرَجَ لِيُقَاتِلَ الْمُسْلِمِينَ فَظَهَرُوا عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ مَرَاغِمُ لِمَوْلَاهُ. وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا فَهُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ

стр. 1922

لِأَنَّ قِتَالَهُ الْمُسْلِمِينَ نَقْضٌ مِنْهُ لِلْعَهْدِ، وَقَدْ كَانَ عَتَقَ بِالْمُرَاغَمَةِ فَهُوَ حَرْبِيٌّ، فَيَكُونُ فَيْئًا لِمَنْ أَخَذَهُ. وَإِنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهِمَا حَتَّى رَجَعَا إلَى مَوْلَاهُمَا ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ كَانَا عَبْدَيْنِ لِمَوْلَاهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَا كَانَا مُرَاغِمَيْنِ لَهُ حِينَ عَادَا إلَيْهِ. ٤٠٢١ - وَإِنْ خَرَجَا بِأَمَانٍ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُمَا لَا يُتْرَكَانِ لِيَرْجِعَا إلَى مَوْلَاهُمَا، وَلَكِنَّهُمَا يُبَاعَانِ فَيَتَوَقَّفُ أَثْمَانُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَا خَرَجَا مُرَاغِمَيْنِ لَهُ، وَلِأَجْلِ الْأَمَانِ يَجِبُ مُرَاعَاةُ حُرْمَةِ مَالِيَّةِ الْحَرْبِيِّ فِيهِمَا. ٤٠٢٢ - وَإِذَا خَرَجَ الْعَبْدُ الْحَرْبِيُّ بِأَمَانٍ مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ فَقَدْ عَتَقَ بِالْمُرَاغَمَةِ، وَهُوَ ذِمَّةٌ لَنَا [لِأَنَّهُ] قَصَدَ إحْرَازَ نَفْسِهِ بِدَارِنَا، وَذَلِكَ دَلِيلُ رِضَاهُ بِأَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَنَا، وَإِنْ خَرَجَ لِصًّا أَوْ مُقَاتِلًا فَظَفِرْنَا بِهِ فَهُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ لَا أَمَانَ لَهُ، فَإِذَا حَصَلَ فِي دَارِنَا فَهُوَ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1923

[بَابٌ مَا تَجُوزُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ وَمَا لَا تَجُوزُ] - قَالَ ﵁: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ مَالُ الْأَسِيرِ وَلَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ بَيَانُ خَبَرِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَفْقُودِ. . ٤٠٢٤ - وَإِذَا كَانَ لَا يُوقَفُ عَلَى أَثَرِهِ فَإِنْ جَاءَ وَرَثَتُهُ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ ارْتَدَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ إلَّا شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ إسْلَامَهُ كَانَ مَعْلُومًا، وَشَهَادَةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِ بِمَا هُوَ دُونَ الرِّدَّةِ، فَبِالرِّدَّةِ أَوْلَى. ٤٠٢٥ قَالَ: فَإِذَا شَهِدَ بِذَلِكَ مُسْلِمَانِ قَضَى الْقَاضِي بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ. لِأَنَّهُ كَالْمَيِّتِ حُكْمًا عِنْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي. ٤٠٢٦ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ جَاءَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا فَأَنْكَرَ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ الشَّاهِدَانِ مِنْ الرِّدَّةِ لَمْ يُبْطِلْ الْقَاضِي قَضَاءَهُ بِإِنْكَارِهِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِالْحُجَّةِ عَلَى مَنْ هُوَ خَصْمٌ

стр. 1924

وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُ إنْكَارَهُ هَذَا إسْلَامًا مُسْتَقْبَلًا مِنْهُ، فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَلَا مَالَهُ إلَّا مَا كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِ وَارِثِهِ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدِّ الْمَعْرُوفِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانَ الْمُسْلِمِ ذِمِّيٌّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ، إلَّا أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ هَا هُنَا مَقْبُولَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى الذِّمِّيِّ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَإِنْ سَمِعَ الْقَاضِي الشَّهَادَةَ بِرِدَّةِ الْأَسِيرِ فَلَمْ يَقْضِ بِهَا حَتَّى جَاءَ مُسْلِمًا وَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ ارْتَدَّ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَالُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَتَّصِلْ قَضَاءُ الْقَاضِي بِلَحَاقِ الْمُرْتَدِّ بِدَارِ الْحَرْبِ لَا يَصِيرُ الْمَالُ لِوَرَثَتِهِ. ٤٠٢٨ فَإِذَا جَاءَ مُسْلِمًا كَانَ الْمَالُ عَلَى حَالِهِ إنْ كَانَ ارْتَدَّ أَوْ لَمْ يَرْتَدَّ، وَيَسْأَلُ عَنْ الشَّاهِدَيْنِ فَإِنْ عُدِّلَا أَبَانَ مِنْهُ امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ وَلَا يَحْكُمُ بِعِتْقِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ بَلْ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلرِّدَّةِ حُكْمُ الْمَوْتِ إذَا اتَّصَلَ بِهَا قَضَاءُ الْقَاضِي. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِالْفُرْقَةِ هَا هُنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فَقَدْ قَضَى بِرِدَّتِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ عِتْقَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ. قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَالْمُرْتَدُّ وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ لَا يُعْتَقُ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ مَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، وَهَا هُنَا الْقَاضِي لَا يَقْضِي إلَّا بِالْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ.

стр. 1925

وَهُوَ مَا يَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ عِتْقَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ. . ٤٠٢٩ - فَأَمَّا الذِّمِّيُّ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِنَقْضِ الْعَهْدِ فَرَجَعَ بِغَيْرِ اسْتِئْمَانٍ جَدِيدٍ، وَقَالَ: لَمْ أَنْقُضْ الْعَهْدَ، فَإِنْ ظَهَرَتْ عَدَالَةُ الشُّهُودِ عِنْدَ الْقَاضِي جَعَلَهُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ تَبِينُ امْرَأَتُهُ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ لَا مَحَالَةَ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ نَقْضِهِ الْعَهْدَ وَتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، فَكَانَ هَذَا مِنْهُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ لَا مَحَالَةَ، ثُمَّ هُوَ حَرْبِيٌّ فِي دَارِنَا لَا أَمَانَ لَهُ فَيَكُونُ فَيْئًا وَمَا لَهُ لِوَرَثَتِهِ. ٤٠٣٠ وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِأَمَانٍ مُسْتَقْبَلٍ فَالْقَاضِي يَقْضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ لِثُبُوتِ نَقْضِ الْعَهْدِ بِالْحُجَّةِ عِنْدَهُ، وَلَكِنْ يَرُدُّ مَالَهُ عَلَيْهِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ نَقْضُ الْعَهْدِ مِنْهُ مَعْلُومًا، ثُمَّ عَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُقَسِّمَ الْقَاضِي مِيرَاثَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَلَا يَحْكُمُ هَا هُنَا بِعِتْقِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ بِدُونِ الْمَوْتِ، بِخِلَافِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ. . ٤٠٣١ - قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ مُسْلِمَانِ عَلَى الْأَسِيرِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ غَائِبٌ وَلَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، كَمَا لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالْمَالِ.

стр. 1926

وَلَكِنْ يَسَعُ لِلْمَرْأَةِ فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَعْتَدَّ فَتَتَزَوَّجَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ يَقْضِي الْقَاضِي بِهَا بِالْفُرْقَةِ، لَوْ كَانَ الْخَصْمُ حَاضِرًا، فَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ فَتَتَزَوَّجَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا. ٤٠٣٢ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ قَدِمَ الْأَسِيرُ فَأَنْكَرَ الطَّلَاقَ، فَإِنْ أَعَادَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَنْفَذَ الْقَاضِي عَلَيْهِ الطَّلَاقَ، وَأَجَازَ نِكَاحَهَا وَإِلَّا رَدَّهَا عَلَى الْأَسِيرِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْفُرْقَةِ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْإِعَادَةِ، فَإِنَّهَا قَامَتْ عَلَى غَيْرِ خَصْمٍ. قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ الشَّاهِدَانِ بِأَنَّهُ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَى خَصْمٍ، فَالْوَرَثَةُ خَصْمٌ هَا هُنَا، كَمَا فِي فَصْلِ الرِّدَّةِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ. ٤٠٣٣ وَإِنْ شَهِدَ عَدْلٌ وَاحِدٌ بِمَوْتِهِ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ، وَلَكِنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتَدَّ وَتَتَزَوَّجَ ثُمَّ ذَكَرَ فُصُولًا فِيمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ مَعَ الْمَوْتِ وَالنَّسَبِ وَالنِّكَاحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذِهِ الْفُصُولِ. . ٤٠٣٤ - قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ عَلَى الْأَسِيرِ وَاحِدٌ أَنَّهُ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهَا، فَلَيْسَ لِامْرَأَتِهِ أَنْ تَعْتَدَّ وَتَتَزَوَّجَ عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ

стр. 1927

بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الرِّوَايَتَيْنِ. ٤٠٣٥ وَإِنْ شَهِدَ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ النِّكَاحِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فَكَذَلِكَ مَا يُزِيلُهُ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هَذَا وَشَهَادَتُهُ بِالْمَوْتِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ شَهِدَ بِحِلِّ التَّزَوُّجِ لَهَا، وَذَلِكَ خَبَرٌ دِينِيٌّ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فِي أَمْرِ الدِّينِ، مَا لَمْ يَحْضُرْ خَصْمٌ يَجْحَدُهُ، بِخِلَافِ الرِّدَّةِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مُسْتَنْكَرٌ. فَأَمَّا الْإِخْبَارُ بِالطَّلَاقِ لَيْسَ بِخَبَرٍ مُسْتَنْكَرٍ، وَلِأَنَّ رِدَّةَ الرَّجُلِ يَتَعَلَّقُ بِهَا اسْتِحْقَاقُ الْقَتْلِ فَلَا يَكُونُ خَبَرُ الْوَاحِدِ حُجَّةً فِيهَا، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ، أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِهِ إلَّا فِي حُكْمِ اسْتِحْلَالِ الْقَتْلِ خَاصَّةً، وَكَمَا أَنَّ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ لَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ فَكَذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَبِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرَّجُلِ. . ٤٠٣٦ - وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى الذِّمِّيِّ بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَهُوَ يَجْحَدُ أَنْ يَكُونَ نَقَضَهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَقْتُلُهُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُهُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ فِيمَا سِوَى الْقَتْلِ مِنْ الْأَحْكَامِ، حَتَّى يَجْعَلَهُ فَيْئًا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ حُجَّةٌ فِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، لَا فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَمَا لَوْ شَهِدُوا بِالسَّرِقَةِ. . ٤٠٣٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَنَّهُ أَسْلَمَ

стр. 1928

ثُمَّ ارْتَدَّ، وَهُوَ يَجْحَدُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ لَا يُقْتَلُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِي الْحُجَّةِ. قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ ذِمِّيَّانِ عَلَى ذِمِّيٍّ أَنَّهُ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ لَمْ تَقْبَلْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ، وَالْمُرْتَدُّ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ فِي أَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ الْمُسْلِمَيْنِ عَلَيْهِ لَا تَكُونُ حُجَّةً، وَإِذَا كَانَ فِي زَعْمِ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لَهُمَا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِمَا أَصْلًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

стр. 1929

[بَابٌ الْمُرْتَدُّ يُصِيبُ الْحَدَّ وَغَيْرَهُ] ١٨٦ - بَابٌ الْمُرْتَدُّ يُصِيبُ الْحَدَّ وَغَيْرَهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁: ٤٠٣٨ الْأَصْلُ أَنَّ مَا لَا يُنَافِي الْكُفْرَ وُجُوبُهُ ابْتِدَاءً لَا يُنَافِي بَقَاءَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَمَا يُنَافِي الْكُفْرَ وُجُوبُهُ ابْتِدَاءً مِنْ الْعُقُوبَاتِ يُنَافِي بَقَاءَهُ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَاتِ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَأَقْوَى الشُّبْهَةِ الْمُنَافِي، فَكَمَا أَنَّ اقْتِرَانَهُ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ يُنَافِي وُجُوبَهُ فَاعْتِرَاضُهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ يُنَافِي نَحْوَ هَذَا وَبَعْدَ انْعِدَامِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ لَا يَبْقَى وَاجِبًا، إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: إذَا أَصَابَ الْمُسْلِمُ مَالًا أَوْ شَيْئًا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ أَوْ حَدًّا أَقَرَّ بِهِ ثُمَّ ارْتَدَّ أَوْ أَصَابَهُ، وَهُوَ مُرْتَدٌّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَحَارَبَ الْمُسْلِمِينَ زَمَانًا، ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا فَهُوَ مَأْخُوذٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ لَا يُنَافِي وُجُوبَ هَذِهِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ، بِاكْتِسَابِ أَسْبَابِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ إذَا أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ مُسْتَوْجِبًا هَذِهِ الْحُقُوقَ لِمَا فِيهَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، فَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ إذَا أَصَابَ ذَلِكَ ٤٠٣٩ وَلَوْ أَصَابَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَسْلَمَ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْضُوعٌ عَنْهُ

стр. 1930

لِأَنَّهُ أَصَابَهُ وَهُوَ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْحَرْبِيُّ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا كَانَ أَصَابَهُ حَالَ كَوْنِهِ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵌: " الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ "، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّأْوِيلَ الْبَاطِلَ فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ يُلْحَقُ بِالتَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ فِي الْأَحْكَامِ، فَكَمَا أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَسْتَوْجِبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ الْحَرْبِيُّ لَا يَسْتَوْجِبُ ذَلِكَ، وَالْمُرْتَدُّ بَعْدَ اللَّحَاقِ حَرْبِيٌّ. . ٤٠٤٠ - وَمَا أَصَابَ الْمُسْلِمُ مِنْ حَدٍّ لِلَّهِ فِي زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ ثُمَّ ارْتَدَّ أَوْ أَصَابَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا فَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْضُوعٌ عَنْهُ لِأَنَّ كَوْنَهُ حَرْبِيًّا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحُدُودِ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ بِارْتِكَابِ سَبَبِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، كَمَا فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ فَيَمْنَعُ الْبَقَاءَ إذَا اعْتَرَضَ أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ يَضْمَنُ الْمَالَ فِي السَّرِقَةِ. ٤٠٤١ وَإِنْ أَصَابَ دَمًا فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَحَالُهُ فِي ذَلِكَ كَحَالِ الْمُسْتَأْمَنِ لِأَنَّ مَا كَانَ فِيهِ حَقُّ الْعِبَادِ فَهُوَ مَأْخُوذٌ بِهِ. ٤٠٤٢ وَمَا أَصَابَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ مِنْ الْقَتْلِ خَطَأً فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ أَصَابَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ، وَفِي مَالِهِ إنْ أَصَابَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ لِأَنَّ التَّعَاقُلَ بِاعْتِبَارِ التَّنَاصُرِ، وَأَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَنْصُرُ الْمُرْتَدَّ. فَإِنْ الْتَزَمَ الْمُسْلِمُ حَدَّ الْخَمْرِ وَالسُّكْرِ، ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِذَلِكَ.
следующие страницы →