← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

لِأَنَّهُ أَضَافَ الْجِهَادَ أَوْ الْغَزْوَ إلَى الْمَالِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي هَذَا الْوَجْهِ فَهَذَا رَجُلٌ جَعَلَ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَكَانَ صَدَقَةً؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْأَخْذِ لِلَّهِ، وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ لِلَّهِ لَا يَكُونُ إلَّا صَدَقَةً عَلَى عِبَادِهِ. ٤١٨٦ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ فَاغْزُ بِهِ عَنِّي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ رُدَّ ذَلِكَ الْمَالُ عَلَى الْمُعْطِي، أَوْ عَلَى وَرَثَتِهِ. ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْغَزْوِ عَنْهُ، وَالْغَزْو عَنْهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ مِنْ مَالِهِ، وَيَكُونَ الْغَازِي نَائِبًا عَنْهُ فِي الْإِنْفَاقِ، فَبَقِيَ الْمَالُ عَلَى مِلْكِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ انْقَطَعَ أَمْرُهُ فَيُرَدُّ الْمَالُ إلَى وَرَثَتِهِ. فَإِنْ اشْتَرَى بِذَلِكَ الْمَالِ سِلَاحًا أَوْ كُرَاعًا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَخَذَ جَمِيعَ مَا اشْتَرَى؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَزْوِ أَمْرٌ بِشِرَاءِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْغَزْوِ، وَالشِّرَاءُ وَقَعَ لِلْآمِرِ فَيَكُونُ لَهُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ غَزَا وَفَضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَضْلٌ رُدَّ إلَيْهِ فَدَلَّ أَنَّ الشِّرَاءَ وَقَعَ لَهُ. ٤١٨٧ - وَلَوْ اشْتَرَى بِهِ مَتَاعًا أَوْ سِلَاحًا ثُمَّ بَدَا لِلْمُعْطِي أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ وَيَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُعْطِيَهُ غَيْرَهُ.

стр. 2032

٤١٨٨ - فَإِنْ قَالَ الْمُعْطِي: رُدَّ عَلَيَّ مَالِي وَلَك مَا اشْتَرَيْت، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَا اشْتَرَى؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَى وَكِيلٌ لَهُ فِي الشِّرَاءِ، فَالْمُشْتَرِي وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ. ٤١٨٩ - وَلَوْ قَالَ الْمُعْطِي أُعْطِيك مَالَك وَلِي مَا اشْتَرَيْت الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ لَهُ بِالشِّرَاءِ وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَحْبِسُ مَا اشْتَرَى عَنْ الْمُوَكِّلِ. وَلَوْ قَالَ لَهُ خُذْ هَذَا الْمَالَ فَجَاهِدْ بِهِ أَوْ اُغْزُ بِهِ، فَاشْتَرَى بِهِ الْمُعْطِي مَتَاعًا أَوْ سِلَاحًا أَوْ كُرَاعًا لِيَغْزُوَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْمَالِ: إنَّمَا أَعْطَيْتُك لِتَغْزُوَ عَنِّي فَرُدَّ عَلَيَّ الْمَتَاعَ، وَقَالَ الْمُعْطَى: أَعْطَيْته لِنَفْسِي صِلَةً أَوْ قَرْضًا فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَى الْمَتَاعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَتَاعَ وَالسِّلَاحَ وَالْكُرَاعَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَجَاهِدْ بِهِ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْجِهَادِ عَنْ الْمُعْطَى، وَيُحْتَمَلُ الْجِهَادُ عَنْ الْمُعْطِي، وَهُوَ الْمُجْمَلُ فَكَانَ الْبَيَانُ إلَيْهِ. وَلِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ الْمُعْطِي لَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمَالِ عَنْ مِلْكِهِ، وَمَا ادَّعَاهُ الْمُعْطَى يُوجِبُ زَوَالَهُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى بَدَلٍ أَوْ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ، فَهُوَ يَدَّعِي أَكْبَرَ الْأَمْرَيْنِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. ٤١٩٠ - وَإِذَا حَبَسَ الرَّجُلُ فَرَسَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَدَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ جَائِزٌ لَوْ قَالَ: إنْ اسْتَغْنَيْت

стр. 2033

أَوْ حَضَرَتْك الْوَفَاةُ فَادْفَعْهُ إلَى غَيْرِك حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمُحْبِسَ هَكَذَا شَرَطَ وَشَرْطُهُ مُعْتَبَرٌ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا جَعَلَ وَقْفًا عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ إنْ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ فَيُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ جَازَ مِنْ الْوَاقِفِ هَذَا الشَّرْطُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، ٤١٩١ - فَإِنْ مَاتَ صَاحِبُ الْفَرَسِ الَّذِي جَعَلَهُ حَبِيسًا لَمْ يَكُنْ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، وَكَانَ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الزَّوَالَ قَدْ تَمَّ فَلَا يَصِيرُ مِيرَاثًا. ٤١٩٢ - فَإِنْ مَاتَ الَّذِي أَعْطَاهُ إيَّاهُ صَارَ حَبِيسًا عَلَى مَنْ أَعْطَاهُ الْمَيِّتُ، أَوْ عَلَى مَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِ حَبِيسًا، لَيْسَ لِصَاحِبِهِ الَّذِي حُبِسَ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ وُجِدَ. ٤١٩٣ - فَإِنْ اسْتَغْنَى الَّذِي جَعَلَهُ صَاحِبُهُ حَبِيسًا فِي يَدِهِ، أَوْ تَرَكَ الْجِهَادَ فَرَجَعَ إلَى أَهْلِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ يَكُونُ حَبِيسًا، لِلشَّرْطِ الَّذِي وُجِدَ مِنْ الْمُحْبِسِ، فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ ثُمَّ بَدَا لِلْأَوَّلِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْجِهَادِ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْحَبِيسَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ

стр. 2034

لِأَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا كَانَ أَوْلَى بِهِ مِنْ الثَّانِي؛ لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَلَمَّا سَلَّمَهُ إلَى الثَّانِي فَقَدْ زَالَتْ يَدُهُ وَصَارَ الْيَدُ لِلثَّانِي، فَكَانَ هُوَ أَوْلَى بِإِمْسَاكِهِ مِنْ الْأَوَّلِ. ٤١٩٤ - فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْفَرَسِ شَرَطَ لِلْأَوَّلِ أَنَّهُ إنْ جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ ثُمَّ احْتَاجَ إلَيْهِ أَوْ رَجَعَ إلَى الْغَزْوِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ. (كَانَ هَذَا الشَّرْطُ جَائِزًا) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْفَرَسِ هَكَذَا شَرَطَ فَيُرَاعَى شَرْطُهُ كَمَا فِي الْوَقْفِ إذَا جَعَلَهُ عَلَى أَوْلَادِ فُلَانٍ، فَإِنْ اسْتَغْنَوْا فَهُوَ لِفُلَانٍ فَإِنْ احْتَاجَ الْأَوْلَادُ دَخَلُوا فِي الْوَقْفِ ثَانِيًا جَازَ، وَكَانَ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي شَرَطَهُ، كَذَلِكَ هَا هُنَا. ٤١٩٥ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَبَسَ فَرَسًا أَوْ أَرْضًا أَوْ جَعَلَهَا وَقْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ هِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى صَاحِبِهَا الَّذِي حَبَسَهَا، أَوْ عَلَى وَرَثَتِهِ إنْ هَلَكَ أَوْ جَعَلَ حَبِيسًا عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، عَلَى أَنَّهُمْ إنْ هَلَكُوا رَجَعَ الْحَبِيسُ عَلَى الَّذِي حَبَسَهَا، كَانَ هَذَا حَبْسًا بَاطِلًا، لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إنْ شَاءَ، وَإِنْ مَاتَ كَانَ ذَلِكَ مِيرَاثًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَبِّدْ الْحَبْسَ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ التَّأْبِيدَ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْوَقْفِ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّأْبِيدُ مِنْ شَرْطِهِ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ، فَيُعْتَبَرُ بِالصَّدَقَةِ الْمَمْلُوكَةِ، وَالصَّدَقَةُ الْمَمْلُوكَةُ لَا يَجُوزُ تَوْقِيتُهَا، فَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ الْمَوْقُوفَةُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَجُوزُ الْوَقْفُ مُؤَقَّتًا وَمُؤَبَّدًا؛ لِأَنَّ فِي هَذَا تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ، وَقَدْ جَازَ مُؤَبَّدًا، فَلَأَنْ يَجُوزَ مُؤَقَّتًا أَوْلَى.

стр. 2035

أَلَا تَرَى) أَنَّ الْإِجَارَةَ تَجُوزُ مُؤَقَّتَةً وَلَا تَجُوزُ مُؤَبَّدَةً، ثُمَّ التَّأْبِيدُ لَمَّا لَمْ يُبْطِلْ الْوَقْفَ، فَالتَّوْقِيتُ أَوْلَى أَلَّا يُبْطِلَهَا. ٤١٩٦ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَبَسَ فَرَسًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا، وَدَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ حَبَسَهُ عَلَيْهِ، عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ، لَا يَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهِ وَلَا إلَى وَرَثَتِهِ، فَهَذَا جَائِزٌ مُسْتَقِيمٌ؛ لِأَنَّهُ أَبَّدَهُ، وَالْحَبْسُ مُؤَبَّدًا جَائِزٌ. ٤١٩٧ - فَإِذَا أَخَذَ صَاحِبُ الْحَبِيسِ الْفَرَسَ فَلَمْ يَغْزُ سَنَتَهُ تِلْكَ فَدَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ يَغْزُو عَلَيْهِ أَعَارَهُ إيَّاهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَغْنَى حَيْثُ لَمْ يَغْزُ تِلْكَ السَّنَةَ، فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ مَنَافِعَ الْفَرَسِ فِي بَابِ الْغَزْوِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْفَرَسَ مَا دَامَ هُوَ حَيًّا يَغْزُو، فَلَهُ أَنْ يُمَلِّكَ تِلْكَ الْمَنَافِعَ غَيْرَهُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُحْبَسَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ أَقَلَّ حَالًا مِنْ الْمُسْتَعِيرِ، وَالْمُسْتَعِيرُ لِلدَّابَّةِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ رُكُوبَ نَفْسِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُعِيرَ غَيْرَهُ، فَهَا هُنَا أَوْلَى. وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ لِأَنَّ مَقْصُودَ صَاحِبِ الْفَرَسِ حُصُولُ الثَّوَابِ لَهُ، وَإِذَا غَزَا الثَّانِي بِبَدَلٍ لَا يَحْصُلُ لِلْمُحْبِسِ ثَوَابٌ فِي الْأَجْرِ؛ وَلِأَنَّهُ مَلَكَ مَنَافِعَ هَذَا الْفَرَسِ بِغَيْرِ بَدَلٍ، فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُمَلِّكَ غَيْرَهُ بِبَدَلٍ.

стр. 2036

أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ يَمْلِكُ أَنْ يُعِيرَ وَلَا يَمْلِكُ الْإِجَارَةَ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. ٤١٩٨ - فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ يَغْزُو عَلَيْهِ بِأَجْرٍ فَرَكِبَهُ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ، فَعَطِبَ فِي يَدِهِ مِنْ رُكُوبِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ، إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُؤَاجِرَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُسْتَأْجِرَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ فِي الْفَرَسِ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُؤَاجِرَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ مَلَكَهُ مِنْ الِابْتِدَاءِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ آجَرَ فَرَسَ نَفْسِهِ، وَمَنْ آجَرَ فَرَسَ نَفْسِهِ فَعَطِبَ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ لَمْ يَضْمَنْ الْمُسْتَأْجِرِ، كَذَلِكَ هَا هُنَا. ٤١٩٩ - وَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَأْجِرُ الْقِيمَةَ رَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْمُؤَاجِرِ. لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ، وَالْمَغْرُورُ يَرْجِعُ عَلَى الْغَارِّ بِمَا غَرَّهُ. ثُمَّ يَشْتَرِي الْقَاضِي بِالْقِيمَةِ فَرَسًا آخَرَ فَيَجْعَلُهُ حَبِيسًا عَلَى الَّذِي كَانَ آجَرَهُ. ؛ لِأَنَّ الْفَرَسَ الثَّانِيَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَوَّلِ، وَالْفَرَسُ الْأَوَّلُ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ حَبِيسًا عَلَى الَّذِي آجَرَهُ، فَكَذَلِكَ الثَّانِي يَكُونُ حَبِيسًا عَلَيْهِ. وَيَتَقَدَّمُ إلَيْهِ فِيهِ أَلَّا يُؤَاجِرَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَاطَى مَا لَا يَحِلُّ.

стр. 2037

فَلِلْقَاضِي أَنْ يَنْصَحَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَتَكُونُ الْأُجْرَةُ لِلْمُؤَاجِرِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ، وَالْأَجْرُ يَكُونُ لِلْعَاقِدِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَا يَكُونُ أَشْقَى حَالًا مِنْ الْغَاصِبِ، وَالْغَاصِبُ لَوْ آجَرَ الْمَغْصُوبَ وَسَلَّمَ كَانَ الْأَجْرُ لِلْغَاصِبِ، كَذَا هَا هُنَا. وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْكُلَهُ الْمُؤَاجِرُ وَلَكِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَفَادَهُ مِنْ كَسْبٍ خَبِيثٍ، فَسَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ، كَمَا فِي الْغَاصِبِ. ٤٢٠٠ - وَلَوْ قَتَلَ الْفَرَسَ غَيْرُ الَّذِي حُبِسَ عَلَيْهِ، أَوْ رَكِبَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَعَطِبَ تَحْتَهُ، كَانَ ضَامِنًا بِقِيمَتِهِ، يَأْخُذُهَا الَّذِي حُبِسَ عَلَيْهِ فَيَشْتَرِي بِهَا فَرَسًا آخَرَ، فَيَكُونُ حَبِيسًا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي حُبِسَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ أَقَلَّ حَالًا مِنْ الْمُودِعِ، وَلَوْ كَانَتْ وَدِيعَةٌ فِي يَدِهِ فَقَتَلَهُ غَيْرُهُ كَانَ لِلْمُودِعِ حَقُّ الْخُصُومَةِ وَأَخْذُ الْقِيمَةِ، كَذَا هَا هُنَا. ٤٢٠١ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَرَسٌ حَبِيسٌ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ دَفَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَرَسَ الَّذِي فِي يَدِهِ إلَى صَاحِبِهِ، عَلَى أَنْ يَغْزُوَ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْ يُعْطِيَ الْآخَرَ فَرَسَهُ، كَانَ هَذَا شَرْطًا فَاسِدًا (لَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا شَرَطَا ذَلِكَ شَرْطًا بَيْنَهُمَا صَارَتْ مُبَادَلَةَ الْمَنَافِعِ بِالْمَنَافِعِ، وَمُبَادَلَةُ الْمَنَافِعِ بِالْمَنَافِعِ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ) كَبَيْعِ السُّكْنَى بِالسُّكْنَى.

стр. 2038

٤٢٠٢ - وَلَيْسَ لِلَّذِي حُبِسَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَاجِرَهُ إجَارَةً جَائِزَةً وَلَا فَاسِدَةً، فَإِنْ عَطِبَ أَحَدُهُمَا ضَمِنَ الْقِيمَةَ فَكَانَ الْأَمْرُ فِيهِ كَمَا وَصَفْنَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ. ٤٢٠٣ - وَإِنْ سَلِمَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْرُ مِثْلِ الْفَرَسِ الَّذِي أَعْطَاهُ صَاحِبُهُ. ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ، وَفِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَيَتَصَدَّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْأَجْرِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ. ٤٢٠٤ - وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَفَعَ فَرَسَهُ إلَى صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ اشْتَرَطَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَغَزَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْفَرَسِ الَّذِي أَعْطَاهُ صَاحِبُهُ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ. لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُرْ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ لَمْ يَصِرْ مُبَادَلَةُ الْمَنْفَعَةِ بِالْمَنْفَعَةِ لِتَصِيرَ إجَارَةً، وَلَكِنَّهُ يُجْعَلُ مَحْضَ إعَارَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ لِلَّذِي حُبِسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيرَهُ لِيَغْزُوَ بِهِ. ٤٢٠٥ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ خَيْلًا لَهُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدَفَعَهَا إلَى وَكِيلٍ لَهُ يَكُونُ هُوَ الَّذِي يُوَزِّعُهَا بَيْنَ الْغُزَاةِ إذَا غَزَوْا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ رَدَّهَا إلَيْهِ، فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ الْإِزَالَةَ مِنْ يَدِهِ إلَى يَدِ قَيِّمِ الْحَبْسِ فَيَجُوزُ، كَمَا لَوْ وَقَفَ أَرْضًا أَوْ دَارًا وَأَخْرَجَهَا إلَى قَيِّمٍ جَازَ ذَلِكَ، لِمَا أَنَّ التَّسْلِيمَ قَدْ وُجِدَ، وَلِهَذَا قَالَ

стр. 2039

أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّ التَّسْلِيمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ وَكِيلُهُ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِأَمْرِهِ، كَمَا شَرَطَ هُوَ، فَكَانَتْ يَدُهُ كَيَدِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّسْلِيمِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا قُلْنَا. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُوَزِّعَهَا بَيْنَ الْغُزَاةِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا إبَاحَةٌ وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ، وَكُلُّ قُرْبَةٍ كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ اسْتَوَى فِيهَا الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ كَالسِّقَايَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ خَانًا لِنُزُولِ النَّاسِ فِيهِ، أَوْ مَقْبَرَةً يُقْبَرُ فِيهَا مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ (فَإِنَّهُ يَسْكُنَ خَانَهُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَيُقْبَرُ فِي مَقْبَرَتِهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ) . ٤٢٠٦ - فَإِنْ دَفَعَ الْوَكِيلُ إلَى رَجُلٍ فَرَسًا فَقَالَ: ارْكَبْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِي هَذَا الْغَزْوِ ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَى الْوَكِيلِ، فَهُوَ مُسْتَعِيرٌ، وَالْمُسْتَعِيرُ إذَا شَرَطَ رُكُوبَ نَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ، كَذَلِكَ هَا هُنَا. ٤٢٠٧ - وَإِنْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ فَقَالَ: خُذْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَرْكَبُهُ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ مِمَّنْ يَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ وَقَعَتْ مُطْلَقَةً فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ بِنَفْسِهِ، وَأَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ، كَمَا فِي عَارِيَّةِ الدَّابَّةِ إذَا وَقَعَتْ مُطْلَقَةً.

стр. 2040

وَلَوْ أَعْطَى رَجُلًا فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَعْطَى الْآخَرَ فَرَسًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ الرَّجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: أُعْطِيك فَرَسِي لِتَغْزُوَ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي فَرَسَك أَغْزُو عَلَيْهِ، فَأَخَذَاهُمَا فَغَزَوَا عَلَيْهِمَا، فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا. وَإِنْ عَطِبَ الْفَرَسَانِ يَضْمَنَانِ، إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا، وَلَا يَضْمَنَانِ شَيْئًا. فَوَجْهُ الْقِيَاسِ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا لَمَّا شَرَطَا ذَلِكَ الشَّرْطَ فِيمَا بَيْنَهُمَا صَارَتْ مُبَادَلَةَ الْمَنْفَعَةِ بِالْمَنْفَعَةِ فَتَصِيرُ فِي حُكْمِ الْإِجَارَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُحْبِسُ رَجُلَيْنِ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ حَالُ الَّذِي حَبَسَ فَلَا يَكُونُ إجَارَةً؛ لِأَنَّهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَكَانَتْ الْأَفْرَاسُ كُلُّهَا مِلْكًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ حَالُهُ لِزَوَالِ الْأَفْرَاسِ عَنْ مِلْكِهِ، وَاعْتُبِرَ حَالُ الْقَيِّمِ فِيهَا كَانَ هُوَ أَيْضًا وَاحِدًا، فَلَا يَقَعُ فِيهِ مَعْنَى الْإِجَارَةِ إذْ الرَّجُلُ لَا يُؤَاجِرُ بَعْضَ أَفْرَاسِهِ بِبَعْضٍ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْفَرَسَانِ لِرَجُلَيْنِ فَقَدْ وُجِدَتْ صُورَةُ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْفَرَسَيْنِ لِمَالِكَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَكَانَ لَهُ حُكْمُ الْإِجَارَةِ فَلَمْ يَجُزْ. ٤٢٠٩ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّهُمَا آجَرَا الْفَرَسَيْنِ بِدَرَاهِمَ، فَآجَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَرَسَهُ بِدَرَاهِمَ يَغْزُو عَلَيْهِ، كَانَا ضَامِنَيْنِ (لِأَنَّ هَذِهِ الْإِجَارَةَ بِأَدَاءِ دَرَاهِمَ مِنْ مَالِهِمَا وَلَيْسَتْ بِمَالِ صَاحِبِ الْفَرَسَيْنِ، فَقَدْ وَقَعَتْ إجَارَةُ مِلْكِ الْغَيْرِ (بِمِلْكِ الْغَيْرِ، فَوُجِدَ مَعْنَى الْإِجَارَةِ فِيهِ) .

стр. 2041

٤٢١٠ - وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ الْأَوَّلِ الَّذِي دُفِعَتْ إلَيْهِ الْخَيْلُ أَنْ يُؤَاجِرَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْخُيُولِ لِلْغَزْوِ، وَإِنْ آجَرَهَا كَانَ ضَامِنًا، لِمَا قُلْنَا: إنَّ الْإِجَارَةَ تُبْطِلُ مَعْنَى الثَّوَابِ، وَاَلَّذِي حَبَسَ قَصَدَ بِهِ الثَّوَابَ، فَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى نَفَقَةٍ فَرَأَى أَنْ يُؤَاجِرَهَا لِبَعْضِ مَنَافِعِ النَّاسِ غَيْرِ الْجِهَادِ بِمِقْدَارِ نَفَقَتِهَا حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَى مَنْ يَغْزُو عَلَيْهَا، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. ؛ لِأَنَّ الْحَالَ حَالُ الضَّرُورَةِ، وَمَنْفَعَةُ الْأُجْرَةِ تَرْجِعُ إلَى الدَّابَّةِ، فَكَانَ هَذَا أَرْفَقَ بِالدَّابَّةِ، فَيَجُوزُ وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ: إذَا جَعَلَ الرَّجُلُ خَانًا وَقْفًا لِمَارَّةِ الطَّرِيقِ، فَاحْتَاجَ إلَى الْمَرَمَّةِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْقَيِّمِ أَنْ يُؤَاجِرَ مَنَازِلَ الْخَانِ بِمِقْدَارِ مَا يَحْتَاجُ إلَى الْمَرَمَّةِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا ٤٢١١ -، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْمُرَ الْقَاضِي الْوَكِيلَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ وَلِيُّ كُلِّ مَالٍ أُعِدَّ لِلْمُسْلِمِينَ، كَمَا هُوَ وَلِيُّ كُلِّ غَائِبٍ. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَ هَذَا الْوَكِيلُ أَيْضًا بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُصْلِحُ الدَّابَّةَ، وَقَدْ وُجِدَ الرِّضَاءُ مِنْ الْمَالِكِ دَلَالَةً فِي كُلِّ مَا يُصْلِحُ الدَّابَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى حَبِيسًا إلَّا بَعْدَ السَّعْيِ فِي إصْلَاحِهِ. ٤٢١٢ - فَإِنْ كَانَ الَّذِي حَبَسَهَا شَرَطَ لَهُ حِينَ وَكَّلَهُ بِهَا وَدَفَعَهَا إلَيْهِ، أَنْ يُؤَاجِرَهَا فِي نَفَقَتِهَا، فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَأَحْرَى أَنْ يُجَوِّزَ إجَازَةَ الْوَكِيلِ

стр. 2042

لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ صَرِيحُ الْأَمْرِ بِالْإِجَارَةِ، وَالصَّرِيحُ أَقْوَى مِنْ الدَّلَالَةِ. وَإِنْ شَاءَ آجَرَهَا بِنَفَقَتِهَا، وَلَا يَسْتَأْمِرُ فِي ذَلِكَ الْقَاضِيَ لِمَا قُلْنَا: إنَّهُ مَأْذُونٌ مِنْ جِهَةِ الَّذِي حَبَسَ دَلَالَةً، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْمَارِ الْقَاضِي. ٤٢١٣ - وَإِذَا أَعْطَى الرَّجُلُ فَرَسًا يُجْعَلُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنْ اسْتَغْنَى أَوْ مَاتَ دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ حَتَّى يَكُونَ حَبِيسًا أَبَدًا، فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْحَبِيسِ أَنْ يَرْكَبَهُ فِي حَوَائِجِهِ فِي الْمِصْرِ فِي الْقِيَاسِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ فِي حَوَائِجِهِ فِي الْمِصْرِ، وَمَا حَوْلَ الْمِصْرِ مِنْ شُهُودِ الْجِنَازَةِ وَالتَّشْيِيعِ وَنَحْوِهِ. فَوَجْهُ الْقِيَاسِ فِيهِ وَهُوَ أَنَّ الْمَالِكَ أَذِنَ لَهُ بِالرُّكُوبِ فِي الْحُرُوبِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الرُّكُوبِ فِي حَوَائِجِهِ [فَوَجَبَ أَلَّا يَجُوزَ لَهُ الرُّكُوبُ فِي حَوَائِجِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ] كَمَا لَوْ رَكِبَهُ وَأَرَادَ بِهِ سَفَرًا، وَكَمَا لَوْ أَعَارَ فَرَسَهُ لِيَرْكَبَهُ فِي طَرِيقٍ، كَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ فِي طَرِيقٍ آخَرَ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الرُّكُوبِ يَنْفَعُ الْفَرَسَ وَلَا يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّ رُبَّ فَرَسٍ إذَا رُبِطَ فِي الْمَرْبِطِ وَلَا يُرْكَبُ عَلَيْهِ يُصِيبُهُ مَرَضٌ وَيُفْسِدُ سَيْرَهُ، وَفِي رُكُوبِهِ فِي الْأَحَايِينِ مَنْفَعَةٌ لَهُ وَرِيَاضَةٌ، وَالْمَالِكُ كَانَ كَالرَّاضِي فِي كُلِّ مَا يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلَى الْفَرَسِ. وَلِأَنَّا لَوْ قُلْنَا: بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَلِيلُ الرُّكُوبِ فِي غَيْرِ الْغَزْوِ أَدَّى إلَى مَنْعِ النَّاسِ عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الْأَفْرَاسِ، إذْ لَا يَرْغَبُونَ إلَيْهَا مَتَى عَلِمُوا أَنَّ النَّفَقَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ وَقَلِيلُ الرُّكُوبِ وَكَثِيرُهُ فِي غَيْرِ الْغَزْوِ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ.

стр. 2043

وَمَا أَدَّى إلَى الضِّيقِ وَالْحَرَجِ وَتَنْفِيرِ النَّاسِ عَنْهُ كَانَ حُكْمُهُ سَاقِطًا. وَلِأَنَّ الْمَالِكَ لَمَّا حَبَسَهُ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الَّذِي حَبَسَهُ عَلَيْهِ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ قَلِيلِ الرُّكُوبِ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْغَزْوِ، يَكُونُ كَالرَّاضِي بِرُكُوبِهِ ذَلِكَ الْقَدْرَ فِي غَيْرِ الْغَزْوِ، وَكَانَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ وَلَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ بِالشَّيْءِ الْكَثِيرِ. وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ لَيْسَ بِثَابِتٍ لَهُ لِمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلتُّجَّارِ مِنْ ذَلِكَ، فَصَارَ كَالْمَأْذُونِ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى دَلَالَةً، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْإِذْنُ إفْصَاحًا وَصَرِيحًا، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. وَلَا يَرْكَبُهُ خَارِجًا مِنْ الْمِصْرِ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ. وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ الرُّكُوبِ، وَالْقَلِيلُ هُوَ الْمُسْتَحْسَنُ دُونَ الْكَثِيرِ. ٤٢١٤ - فَإِنْ رَكِبَهُ لِيَسْقِيَهُ أَوْ لِيَشْتَرِيَ لَهُ عَلَفًا أَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ عَلَفًا لَهُ، أَوْ بَعْضَ الْمَنَافِعِ لِلْفَرَسِ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ. لِأَنَّ مَنْفَعَةَ هَذَا الرُّكُوبِ تَرْجِعُ إلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَكُونُ بِهِ بَأْسٌ فِي الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ. ٤٢١٥ - وَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ اشْتَرَى فَرَسًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَكِبَهُ لِيَسْقِيَهُ أَوْ لِيَحْمِلَ طَعَامَهُ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ

стр. 2044

لِمَا أَنَّ ذَلِكَ الرُّكُوبَ لِمَنْفَعَةِ الدَّابَّةِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْبِرِّ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ مَسْأَلَةَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ، وَقَدْ جَعَلَ الْجَوَابَ هَا هُنَا جَوَابًا وَاحِدًا فِي الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ جَمِيعًا. ٤٢١٦ - وَإِنْ كَانَ يَرْكَبُهُ لِيُرْعِبَ بِهِ الْعَدُوَّ فِي الْمِصْرِ أَوْ خَارِجَ الْمِصْرِ أَوْ كَانَ يَرَى أَنَّ لَهُمْ عُيُونًا فِي الثَّغْرِ فَرَكِبَهُ لِذَلِكَ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الرُّكُوبَ مِنْ الْجِهَادِ. ٤٢١٧ - وَكَذَلِكَ السَّيْفُ يُجْعَلُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ تَقَلُّدُهُ إيَّاهُ يُفْسِدُ السَّيْفَ أَوْ يَضُرُّ بِهِ أَوْ بِحَمَائِلِهِ فَلَا يَلْبَسُهُ؛ لِأَنَّ لُبْسَهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ لَيْسَ مِنْ الْجِهَادِ فِي شَيْءٍ. وَإِنْ كَانَ لُبْسُهُ لَا يَضُرُّهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. ؛ لِأَنَّهُ قَلِيلُ مَنْفَعَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ. كَمَا قُلْنَا فِي رُكُوبِ الْفَرَسِ إذَا كَانَ قَلِيلًا. ٤٢١٨ - وَإِنْ كَانَ يَلْبَسُهُ لِيُرْهِبَ بِهِ الْعَدُوَّ، أَوْ كَانَ لَهُمْ عُيُونٌ فِينَا تَرَى، فَتَقَلَّدَ السَّيْفَ، وَلَبِسَ السِّلَاحُ لِيُرْهِبَ بِهِ الْعَدُوَّ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إرْهَابَ الْعَدُوِّ مِنْ أَمْرِ الْجِهَادِ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ لَا بَأْسَ بِهِ. وَإِنْ جَعَلَ نَبْلًا وَقَوْسًا حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يُعْجِبْنِي أَنْ

стр. 2045

يَرْمِيَ صَاحِبُهَا بِالنَّبْلِ وَالْقَوْسِ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ، وَإِنْ كَانَ يَتَعَلَّمُ بِذَلِكَ الرَّمْيِ وَهُوَ مِمَّا يَتَقَوَّى بِهِ الْعَدُوُّ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُفْسِدُ النَّبْلَ وَالْقَوْسَ، وَالرَّمْيُ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ لَيْسَ مِنْ الْجِهَادِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إفْسَادُهُ فِي غَيْرِ أَمْرِ الْجِهَادِ. بِخِلَافِ مَا إذَا رَكِبَ الْفَرَسَ الْحَبِيسَ فِي حَوَائِجِهِ فِي الْمِصْرِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الرُّكُوبَ مِمَّا لَا يُفْسِدُهُ بَلْ يُصْلِحُهُ، حَتَّى إذَا كَانَ رُكُوبُهُ يُفْسِدُهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ رَكِبَهُ لِتَعَلُّمِ الْفُرُوسِيَّةِ، أَوْ رَكِبَهُ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ فِي حَوَائِجِهِ. ٤٢١٩ - وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ فَرَسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَسَمِعَ الرَّجُلُ بِعَلَفٍ رَخِيصٍ يُبَاعُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْمِصْرِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ فِي الْمِصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ فِي بَعْضِ قُرَاهُ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا. لِأَنَّ هَذَا مِنْ مَنَافِعِ الدَّابَّةِ، وَلَوْ رَكِبَهُ فِي حَاجَتِهِ فِي الْمِصْرِ لَا بَأْسَ بِهِ، فَمَا ظَنُّك إذَا كَانَ رُكُوبُهُ لِمَنْفَعَةِ الدَّابَّةِ. وَإِنْ كَانَ مَوْضِعًا بَعِيدًا يُسَافِرُ عَلَيْهِ لَمْ يُعْجِبْنِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُسَافَرَةَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَلَا تَجُوزُ.

стр. 2046

أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ جَازَ مِثْلُ هَذَا لَجَازَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ بَعْضَ الْكُوَرِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ مِصْرِهِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُ، وَهَذَا أَقْبَحُ. ٤٢٢٠ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُونَ فِيهِ عَلَى الْعَلَفِ إلَّا مِنْ مَسِيرَةِ أَيَّامٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْكَبَهُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ عَلَفَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ الضَّرُورَةِ وَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْكَبَهُ أَيْضًا رَاجِعًا مَعَ الْعَلَفِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ ذَاهِبًا لِمَا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى حِفْظِ الدَّابَّةِ فَلَأَنْ يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ رَاجِعًا أَيْضًا مَعَ الْعَلَفِ، فَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى حِفْظِ الدَّابَّةِ وَالْحَمْلُ أَوْلَى. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَمِّلَهُ مِنْ الْعَلَفِ مَا لَا يُطِيقُ إذَا رَكِبَ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِهْلَاكٌ لِلدَّابَّةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي دَابَّةِ نَفْسِهِ، فَفِي دَابَّةِ الْحَبِيسِ أَوْلَى. ٤٢٢١ - وَإِذَا أَعْطَى الرَّجُلُ سَيْفًا حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى السَّيْفِ حِلْيَةٌ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لِلْحِلْيَةِ؛ لِأَنَّ الْحِلْيَةَ تَبَعٌ لِلسَّيْفِ، وَالسَّيْفُ حَبِيسٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ، فَالْحِلْيَةُ مِثْلُهُ،

стр. 2047

فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ، وَلَكِنْ يَسْتَعْمِلُهُ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ بِحِلْيَتِهِ، كَمَا أَذِنَ لَهُ. ٤٢٢٢ - فَإِنْ احْتَاجَ السَّيْفُ إلَى مَرَمَّةٍ، فَإِنَّ مَرَمَّتَهُ عَلَيْهِ وَلَا يَعْرِضُ لِحِلْيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِهِ، فَكَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُسْتَعِيرِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْفَرَسَ لَوْ كَانَ حَبِيسًا فِي يَدِهِ وَاحْتَاجَ إلَى النَّفَقَةِ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَعْرِضُ لِلْفَرَسِ بِإِجَارَتِهِ، كَذَلِكَ هَا هُنَا، فَمَرَمَّةُ السَّيْفِ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِلْحِلْيَةِ. ٤٢٢٣ - فَإِنْ كَانَ السَّيْفُ إنَّمَا أَعْطَاهُ وَكِيلًا لَهُ يَدْفَعُهُ إلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَى الْوَكِيلِ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَيْضًا أَنْ يَعْرِضَ لِحِلْيَتِهِ بِصَدَقَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ الدَّفْعَ إلَى مَنْ يَغْزُو، وَلَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ التَّصَدُّقَ، فَلَا يَتَعَدَّى أَمْرَ مُوَكِّلِهِ. ٤٢٢٤ - فَإِنْ احْتَاجَ السَّيْفُ إلَى مَرَمَّةٍ فِي إصْلَاحِهِ، وَإِصْلَاحِ جَفْنِهِ، فَرَأَى الْوَكِيلُ أَنْ يُصْلِحَهُ مِنْ حِلْيَتِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَيَأْخُذُ مِنْ حِلْيَتِهِ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمَرَمَّةِ فَيُرَمِّمُهُ بِذَلِكَ، وَيَدَعُ مَا بَقِيَ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى مَرَمَّةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ السَّيْفِ لَيْسَتْ لِلْوَكِيلِ لِيَكُونَ إصْلَاحُهُ مِنْ مَالِهِ،

стр. 2048

فَيَكُونُ إصْلَاحُهُ مِنْ السَّيْفِ كَالْفَرَسِ إذَا احْتَاجَ إلَى نَفَقَةٍ فَإِنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَنَافِعِهِ بِأَنْ يُؤَاجِرَهُ فَيَصْرِفَ غَلَّتَهُ إلَى نَفَقَتِهِ. وَكَذَلِكَ الْأَرَاضِي الْمَوْقُوفَةُ مَرَمَّتُهَا فِي غَلَّتِهَا، وَلَيْسَ هُنَاكَ غَلَّةٌ سِوَى الْحِلْيَةِ فَيُصْلِحُهُ مِنْ الْحِلْيَةِ. ٤٢٢٥ - فَإِنْ كَانَ إذَا نَزَعَ بَعْضَ الْحِلْيَةِ اُنْتُزِعَتْ كُلُّهَا وَأَجْرَى لِلْمَرَمَّةِ بَعْضَهَا رَمَّمَ السَّيْفَ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ثُمَّ لِيُمْسِكْ الْفَضْلَ عِنْدَهُ، وَلَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ حَتَّى إذَا احْتَاجَ إلَى مَرَمَّةٍ فَيَرُمُّهُ بِهَا. لِأَنَّ الْحِلْيَةَ مَا جُعِلَتْ لِلصَّدَقَةِ وَإِنَّمَا جُعِلَتْ فِي الْغَزْوِ فَلَا تُصْرَفُ إلَّا فِي أَمْرِ الْغَزْوِ. ٤٢٢٦ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ فَرَسًا لَهُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدَفَعَهُ إلَى وَكِيلٍ لَهُ يَدْفَعُهُ إلَى بَعْضِ مَنْ يَخْرُجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَحَطِمَ الْفَرَسُ أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَغْزُوَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ فِي الْمِصْرِ أَوْ لِلْعَجَلَةِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَهُ الْوَكِيلُ، وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ فَرَسًا آخَرَ يَغْزُوَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبِعْهُ لَهَلَكَ الْفَرَسُ، فَانْقَطَعَتْ صَدَقَةُ الَّذِي حَبَسَ فَكَانَ لَهُ اسْتِبْدَالُهُ لِيُبْقِيَ صَدَقَتَهُ. وَأَمْرُ الْوَكِيلِ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ السَّعْيَ فِي إصْلَاحِهِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ فِي ذَلِكَ

стр. 2049

٤٢٢٧ - فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ الَّذِي يَبِيعُ بِهِ لَا يَبْلُغُ ثَمَنَ فَرَسٍ يَغْزُو عَلَيْهِ [فِي سَبِيلِ اللَّهِ] فَإِنْ كَانَ يَطْمَعُ أَنْ يُصَابَ فَرَسُ وَقْفٍ حَتَّى يُصَابَ فَرَسٌ يُغْزَى عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إدَامَةُ هَذِهِ الصَّدَقَةِ بِشِرَاءِ فَرَسٍ آخَرَ فَيُوقَفُ وَلَا يُعَطَّلُ. ٤٢٢٨ - وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصَابُ بِهِ فَرَسٌ بِأَنْ قَلَّ ذَلِكَ جِدًّا رَدَّ الْفَرَسَ عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي كَانَ حَبَسَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ حَبِيسًا لِيُغْزَى عَلَيْهِ لَا لِلتَّمْلِيكِ وَالصَّدَقَةِ. ٤٢٢٩ - وَإِذَا صَارَ بِحَالٍ لَا يُغْزَى عَلَيْهِ عَادَ إلَى مِلْكِ الَّذِي حَبَسَ كَالْعَوَارِيِّ، وَهَذَا عَلَى قِيَاسِ مَا قَالَ بِهِ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رَجُلٍ جَعَلَ فِي أَرْضِهِ مَسْجِدًا وَصَلَّى فِيهِ النَّاسُ، ثُمَّ ضَرَبَ مَا حَوْلَهُ وَاُتُّخِذَتْ مَزَارِعُ، وَضُرِبَ الْمَسْجِدُ، فَإِنْ كَانَ يَطْمَعُ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ أَهْلُهُ وَيُصَلُّوا فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يَعُودُ مِلْكًا لِصَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَطْمَعُ فِي ذَلِكَ عَادَ مِلْكًا، عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَبِيعَهُ، أَوْ يَجْعَلَهُ مَزْرَعَةً، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَلِوَرَثَتِهِ ذَلِكَ؛ لِمَا أَنَّهُ جَعَلَهُ لِلصَّلَاةِ لَا لِلصَّدَقَةِ، فَإِذَا صَارَ بِحَالٍ لَا يُصَلَّى فِيهِ لَا يُتَصَدَّقُ بِهِ، وَلَكِنْ يَعُودُ مِلْكًا، فَكَذَلِكَ أَمْرُ الْفَرَسِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُرَدُّ الْفَرَسُ إلَى صَاحِبِهِ، وَلَكِنْ يَتَصَدَّقُ بِهِ، كَمَا لَا يَعُودُ الْمَسْجِدُ مِلْكًا إذَا كَانَ لَا يُصَلَّى فِيهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2050

[بَابُ الْعُشُورِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ] ٢٠٣ - بَابُ الْعُشُورِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ٤٢٣٠ - رَوَى مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي صَخْرَةَ الْمُحَارِبِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: بَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مُصَدِّقًا إلَى عَيْنِ التَّمْرِ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُصَلِّينَ، يَعْنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ أَمْوَالِهِمْ رُبْعَ الْعُشْرِ، وَمِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا اخْتَلَفُوا بِهَا لِلتِّجَارَةِ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَمِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرَ. اعْلَمْ أَنَّا اتَّبَعْنَا الْأَثَرَ فِي هَذَا فَقُلْنَا يَأْخُذُ الْعَاشِرُ مِنْ الْمُسْلِمِ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ رُبْعُ الْعُشْرِ، وَمِنْ الذِّمِّيِّ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَمِنْ الْحَرْبِيِّ الْعُشْرَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَكَذَا أَمَرَ عَاشِرَهُ بِأَخْذِ الْعُشْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَشْهَدٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ بَعَثَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ مُصَدِّقًا فِي الْعُشُورِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تُقَلِّدُنِي الْمَكْسَ مِنْ عَمَلِك، «فَقَالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: قَدْ قَلَّدْتُك مَا قَلَّدَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﵌ قَلَّدَنِي أُمُورَ الْعُشُورِ، أَمَرَنِي

стр. 2051

أَنْ آخُذَ مِنْ الْمُسْلِمِ رُبْعَ الْعُشْرِ، وَمِنْ الذِّمِّيِّ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَمِنْ الْحَرْبِيِّ الْعُشْرَ كُلَّهُ» . فَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَعَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ. ٤٢٣١ - وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَاشِرَ هُوَ الَّذِي أَقَامَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، عَلَى الدَّرْبِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ مَنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ بِمَالِهِ وَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ وَجَعَلَ نَفَقَتَهُ مِنْهُ، فَإِنَّمَا سَمَّاهُ عَاشِرًا؛ لِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَدَارُهُ عَلَى الْعُشْرِ، وَإِنَّمَا أَثْبَتَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَقَّ الْأَخْذِ لِلْعَاشِرِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ فِي حِمَايَةِ الْإِمَامِ وَرِعَايَتِهِ؛ لِأَنَّ أَمْنَ الطَّرِيقِ بِالْإِمَامِ، فَصَارَ هَذَا الْمَالُ آمِنًا بِرِعَايَةِ الْإِمَامِ وَحِمَايَتِهِ، فَأَثْبَتَ حَقَّ الْأَخْذِ لِلْإِمَامِ كَالسَّوَائِمِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمَفَاوِزِ، كَانَ أَخَذَ زَكَاتهَا إلَى الْإِمَامِ، لِمَا أَنَّهَا فِي حِمَايَةِ الْإِمَامِ وَرِعَايَتِهِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. وَإِنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِأَخْذِ رُبْعِ الْعُشْرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ زَكَاةٌ عَلَى مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» وَالزَّكَاةُ لِمَا تَبَيَّنَ رُبْعُ الْعُشْرِ. فَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَإِنَّمَا أُمِرَ بِأَخْذِ نِصْفِ الْعُشْرِ مِنْهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ وَيُؤْخَذُ مِنْ الْكَافِرِ، فَوَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ. كَمَا فِي النَّصْرَانِيِّ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ الْمُضَاعَفَةُ وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ فَإِنَّمَا أُمِرَ بِأَخْذِ الْعُشْرِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا الْعُشْرَ، فَأَمَرَ بِأَخْذِ الْعُشْرِ مِنْهُمْ إذْ الْأَمْرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْكُفَّارِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُجَازَاةِ، حَتَّى أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا الْخُمْسَ أَخَذْنَا مِنْهُمْ الْخُمْسَ، وَإِنْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا نِصْفَ

стр. 2052

الْعُشْرِ أَخَذْنَا مِنْهُمْ نِصْفَ الْعُشْرِ وَإِنْ كَانُوا لَا يَأْخُذُونَ مِنَّا شَيْئًا فَنَحْنُ لَا نَأْخُذُ مِنْهُمْ شَيْئًا. الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ عَاشِرَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَتَبَ إلَى عُمَرَ ﵁ كَمْ نَأْخُذُ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الْحَرْبِ؟ فَقَالَ: كَمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا؟ فَقَالَ: هُمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا الْعُشْرَ، فَقَالَ: خُذْ مِنْهُمْ الْعُشْرَ، فَقَدْ جَعَلَ الْأَمْرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مَبْنِيًّا عَلَى الْمُجَازَاةِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُ كَمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا، أَوْ لَا نَعْلَمُ أَيَأْخُذُونَ مِنَّا أَوْ لَا يَأْخُذُونَ، أَخَذْنَا مِنْهُمْ الْعُشْرَ أَيْضًا. فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لِعَشَّارِهِ خُذُوا مِنْهُمْ مَا يَأْخُذُونَ مِنَّا فَإِنْ أَعْيَاكُمْ ذَلِكَ فَخُذُوا مِنْهُمْ الْعُشْرَ. وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ الْحَرْبِيَّ يَنْزِلُ مِنْ الذِّمِّيِّ مَنْزِلَةَ الذِّمِّيِّ مِنْ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْحَرْبِيِّ عَلَيْهِ لَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْحَرْبِيِّ، كَمَا أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الذِّمِّيِّ، ثُمَّ الذِّمِّيُّ يُؤْخَذُ مِنْهُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ، فَكَذَلِكَ الْحَرْبِيُّ يُؤْخَذُ مِنْهُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ نِصْفُ الْعُشْرِ فَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَرْبِيِّ ضِعْفُ ذَلِكَ وَهُوَ الْعُشْرُ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: ٤٢٣٢ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْت أَنَسَ بْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: أَرَادَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنْ يَسْتَعْمِلَنِي عَلَى الْأُبُلَّةِ فَقُلْت: تُقَلِّدُنِي عَلَى الْمَكْسِ مِنْ عَمَلِك؟ فَقَالَ: أَمَا تَرْضَى مِنْ أَمْرِ النَّاسِ مَا أَمَرَنِي بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، مِنْ أُمُورِ النَّاسِ فَقَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَأَمَرَنِي أَنْ

стр. 2053

آخُذَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَمِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَمِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ دِرْهَمًا. اعْلَمْ بِأَنَّ الْمَكْسَ هُوَ فِعْلُ الْعَاشِرِ، وَالْمَكَّاسُ هُوَ الْعَاشِرُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ مَكَّاسًا؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ أَمْوَالَ النَّاسِ بِأَخْذِ الْعُشُورَ مِنْهُمْ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُمَاكَسَةِ. وَالْمَكَّاسُ لَا يَأْخُذُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَالُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. ٤٢٣٣ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُسْلِمِ. - أَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ زَكَاةٌ عَلَى مَا قُلْنَا وَلَا زَكَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ كَانَ بِاسْمِ الزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَكَاةً فِي الْحَقِيقَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِهِ النِّصَابُ. (دَلِيلُهُ) أَخْذُ الصَّدَقَةِ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ مَالِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كَامِلًا، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. ٤٢٣٤ - وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ فَإِنَّمَا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِنْ أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْقَلِيلِ، فَكَذَلِكَ لَا نَأْخُذُ مِنْهُمْ حَتَّى أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِنَا مِنْ قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ فَكَذَلِكَ نَأْخُذُ مِنْهُمْ مِنْ قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 2054

[بَابُ الْجِزْيَةِ] ٢٠٤ - بَابُ الْجِزْيَةِ ٤٢٣٥ - عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - قَالَ: إذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ وَأَقَامَ بِأَرْضِهِ فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ خَرَاجٌ. (اعْلَمْ) بِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَرَادَ بِهَذَا الْخَرَاجِ خَرَاجَ الرَّأْسِ فَلَسْنَا نَقُولُ بِهِ، بَلْ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ، وَهُوَ مِنْ دَارِ الْمُوَادَعَةِ، فَإِنَّ خَرَاجَ الرَّأْسِ يَسْقُطُ عَنْهُ، سَوَاءٌ أَقَامَ بِأَرْضِهِ أَوْ هَاجَرَ إلَيْنَا. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: بِأَنَّ الْخَرَاجَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ وَإِنْ أَسْلَمَ، مَا لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِهِ خَرَاجَ الْأَرْضِ فَقَدْ قُلْنَا بِهِ، فَإِنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فَأَمْسَكَ أَرْضَهُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي عَنْهَا الْخَرَاجَ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا الْعُشْرُ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْعُشْرُ إذَا أَسْلَمَ أَهْلُ بَلَدِهِ طَوْعًا، وَعِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ يُؤَدِّي الْعُشْرَ وَلَا يُؤَدِّي الْخَرَاجَ. وَإِنْ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَتَرَكَ أَرْضَهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، ﵁ قَالَ: لَمْ تُفْتَحْ قَرْيَةٌ بِالْمَغْرِبِ عَلَى صُلْحٍ إلَّا ثَلَاثَ قُرًى، الْإِسْكَنْدَرِيَّة وكفرطيس وَفِلَسْطِينَ. وسلطاس، وَكَانَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثِ قُرًى أُخِذَ مَالُهُ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ قُرًى خُلِّيَ سَبِيلُهُ وَمَالُهُ لَهُ.

стр. 2055

اعْلَمْ) بِأَنَّا لَا نَأْخُذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَلْ نَقُولُ: كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَالُهُ، وَيُتْرَكُ فِي أَرْضِهِ يُؤَدِّي عَنْهَا الْخَرَاجَ، سَوَاءٌ أُخِذَتْ الْقَرْيَةُ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، فَإِذَا دِهْقَانَةُ نَهْرِ الْمَلِكِ أَسْلَمَتْ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ سَعْدٌ وَعَمَّارٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَنْ ادْفَعْ إلَيْهَا أَرْضَهَا فَتُؤَدِّي عَنْهَا الْخَرَاجَ، وَسَوَادُ الْكُوفَةِ إنَّمَا أُخِذَ عَنْوَةً نَهْر الْمُلْك وَغَيْرُهُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 2056

[بَابُ عُشُورِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ] ٢٠٥ - بَابُ عُشُورِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ ٤٢٣٦ - قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إذَا مَرَّ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ بِمَالٍ يَبْلُغُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا أَوْ بِشَيْءٍ قِيمَتُهُ ذَلِكَ أَخَذَ مِنْهُ عُشْرَ مَا مَرَّ بِهِ، لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَثَرِ فَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ دَيْنٌ أَوْ قَالَ: لَيْسَ هَذَا الْمَالُ لِي لَمْ يُصَدَّقْ وَأَخَذَ مِنْهُ الْعُشْرَ. لِأَنَّ الْأَمْرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ عَلَى الْمُجَازَاةِ، وَهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ تُجَّارَنَا فِي مِثْلِ هَذَا فَنَحْنُ لَا نُصَدِّقُ تُجَّارَهُمْ. ٤٢٣٧ - بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ إذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ بِمَالٍ وَقَالَ: لَيْسَ لِي، أَوْ قَالَ عَلَيَّ دَيْنٌ، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ. لِأَنَّ الْأَمْرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ لَيْسَ عَلَى الْمُجَازَاةِ وَلَكِنَّهُ عَلَى حُكْمِ الشَّرْعِ وَالْإِسْلَامِ، وَمِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْمُسْلِمَ يُصَدَّقُ لِمَا أَنَّهُ يُنْكِرُ وُجُوبَ الْحَقِّ فِي مَالِهِ فَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ يُصَدَّقُ. وَكَذَلِكَ إذَا مَرَّ بِهِ مُكَاتَبٌ أَوْ عَبْدٌ بِمَالٍ أَخَذَ مِنْهُ الْعُشْرَ. لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْ عَبِيدِنَا وَمُكَاتَبِينَا، فَنَحْنُ نَأْخُذُ مِنْ عَبِيدِهِمْ وَمُكَاتَبِيهِمْ

стр. 2057

٤٢٣٨ - فَإِنْ كَانُوا لَا يَأْخُذُونَ مِنْ عَبِيدِنَا وَمُكَاتَبِينَا فَلَا نَأْخُذُ أَيْضًا مِنْ عَبِيدِهِمْ وَمُكَاتَبِيهِمْ. وَإِنْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ عَبِيدِنَا أَوْ مُكَاتَبِينَا نَأْخُذُ مِنْهُمْ أَيْضًا. لِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤْخَذُ لِحِفْظِ الطَّرِيقِ، وَالْمُكَاتَبُ يَحْتَاجُ إلَى حِفْظِ الطَّرِيقِ كَالْحُرِّ سَوَاءٌ؛ وَلِأَنَّ الْمَوْلَى قَدْ رَضِيَ بِأَخْذِ الْعُشْرِ مِنْ عَبْدِهِ حَيْثُ بَعَثَهُ إلَيْنَا لِلتِّجَارَةِ. ٤٢٣٩ - وَإِذَا مَرَّ الْحَرْبِيُّ عَلَى الْعَاشِرِ بِرَقِيقٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ، أَوْ مَرَّ بِجَوَارٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِي، صُدِّقَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْعُشْرُ. لِأَنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا فَهُمْ أَحْرَارٌ وَلَا عُشْرَ فِي الْأَحْرَارِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَقَدْ صَارُوا أَحْرَارًا بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا كَافِرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يُعْتَقُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَارِ قَهْرٍ. ٤٢٤٠ - وَإِنْ مَرَّ الْحَرْبِيُّ بِمَالِ التِّجَارَةِ وَقَالَ: لَا أُرِيدُ بِهِ التِّجَارَةَ، أَوْ قَالَ: هُوَ مَالُ صَبِيٍّ فَإِنَّ الْعَاشِرَ يُعَشِّرُهُ. لِأَنَّهُمْ لَا يُصَدِّقُونَنَا فِي ذَلِكَ فَنَحْنُ لَا نُصَدِّقُهُمْ بِذَلِكَ. ٤٢٤١ - وَإِنْ كَانُوا هُمْ لَا يَأْخُذُونَ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْمَالِ فَلَا تَأْخُذُ مِنْهُمْ أَيْضًا، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَوْ لَا يَأْخُذُونَ أَخَذْنَا مِنْهُمْ؛

стр. 2058

لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّ النِّصَابَ كَامِلٌ. ٤٢٤٢ - وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانِ تَاجِرٍ فَعَشَرَهُ عَاشِرُ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى عَاشِرٍ آخَرَ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَعْشِرْهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ حَتَّى تَمْضِيَ، فَإِذَا مَضَتْ تِلْكَ السَّنَةُ عَشَرَهُ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ يَتَرَدَّدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَحُكْمُ ذَلِكَ الْأَمَانِ بَاقٍ، وَلَمْ يَنْتَهِ حُكْمُ ذَلِكَ الْخُرُوجِ، فَصَارَ كَالذِّمِّيِّ يَتَرَدَّدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالذِّمِّيُّ لَا يَعْشِرُهُ الْعَاشِرُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنْ مَرَّ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِرَارًا، فَكَذَلِكَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مِنْ الْحَرْبِيِّ. يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الرُّومِ مَرَّ عَلَى عَاشِرِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَعَهُ فَرَسٌ قِيمَتُهُ عِشْرُونَ أَلْفًا فَطَلَبَ مِنْهُ الْعَاشِرُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا فَأَبَى، فَلَمْ يَأْخُذْ الْفَرَسَ، وَأَخَذَ الْعُشْرَ ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهِ رَاجِعًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْعُشْرَ ثَانِيًا فَأَبَى، فَجَاءَ مُتَظَلِّمًا إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَوَجَدَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَدْخُلْ الْمَسْجِدَ وَوَقَفَ عَلَى بَابِهِ، وَقَالَ هُوَ الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ، وَأَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَتَى الشَّيْخُ الْحَنِيفِيُّ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، كُفِيت. فَظَنَّ النَّصْرَانِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى كَلَامِهِ، فَرَجَعَ كَالْآيِسِ، فَلَمَّا أَتَى الْعَاشِرَ سَبَقَهُ كِتَابُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَلَّا يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا فَأَخْبَرَهُ الْعَاشِرُ بِالْكِتَابِ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَتَعَجَّبَ النَّصْرَانِيُّ مِنْ عَدْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَأَسْلَمَ. ٤٢٤٣ - وَلَوْ مَرَّ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ فَعَشَرَهُ، ثُمَّ دَخَلَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ الْغَدِ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ رَجَعَ بِمَالِهِ ذَلِكَ مُسْتَأْمَنًا عَشَرَهُ الْعَاشِرُ مَرَّةً أُخْرَى.

стр. 2059

لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَقَدْ انْقَطَعَ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَمَانِ، وَانْتَهَى حُكْمُ ذَلِكَ الْخُرُوجِ، فَإِنَّمَا دَخَلَ بِأَمَانٍ جَدِيدٍ فَصَارَ كَأَنَّهُ دَخَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، أَوْ نَزَلَ مَنْزِلَهُ حَرْبِيٌّ آخَرُ، فَلِهَذَا يَعْشِرُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. ٤٢٤٤ - فَإِنْ كَانَ أُولَئِكَ الْحَرْبِيُّونَ الَّذِينَ اسْتَأْمَنُوا لَا يَعْشِرُونَ الْمُسْلِمِينَ إذَا دَخَلُوا إلَيْهِمْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ، وَإِنْ دَخَلَ وَخَرَجَ مِرَارًا، لَمْ يَعْشِرُوا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. لَمَّا قُلْنَا إنَّ الْأَمْرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ عَلَى الْمُجَازَاةِ وَالْمُكَافَأَةِ. ٤٢٤٥ - وَإِنْ خَرَجَ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ وَمَعَهُ خَمْرٌ أَوْ خَنَازِيرُ عَشَرَ الْخَمْرَ وَلَمْ يَعْشِرْ الْخَنَازِيرَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَ عُشْرَ الْخَمْرِ دَرَاهِمَ يُقَوَّمُ قِيمَتُهُ ثُمَّ يُعْطِيهِ قِيمَةَ الْعُشْرِ دَرَاهِمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ دَرَاهِمُ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ الْخَمْرِ مَا يُعْطِيهِ قِيمَةَ الْعُشْرِ دَرَاهِمَ، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَعْشِرُ الْخَمْرَ وَلَا الْخَنَازِيرَ. وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَالْعَاشِرُ مُسْلِمٌ فَصَارَ كَأَنَّهُ مَرَّ عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَكَمَا إذَا مَرَّ بِخِنْزِيرٍ وَنَزَلَ الذِّمِّيُّ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَةَ مُسْلِمٍ مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ تَجَمَّدَ؛ وَلِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ يَجْرِيَانِ مَجْرًى وَاحِدًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، ثُمَّ أَجْمَعْنَا أَنَّهُ لَا يَعْشِرُ الْخِنْزِيرَ فَكَذَلِكَ لَا يَعْشِرُ الْخَمْرَ، وَالْحُجَّةُ لَنَا فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. جَمَعَ عُمَّالَهُ بِالْمَوْسِمِ وَقَالَ لَهُمْ:

стр. 2060

مَاذَا تَأْخُذُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِمَّا يَمُرُّونَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ الْخَمْرِ؟ فَقَالُوا نِصْفَ الْعُشْرِ. ٤٥٥٥ - فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا نِصْفَ الْعُشْرِ مِنْ أَثْمَانِهَا. وَلِأَنَّ الْخَمْرَ أَقْرَبُ إلَى الْمَالِيَّةِ مِنْ الْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَالًا لَنَا فِي الِابْتِدَاءِ حِينَ كَانَ عَصِيرًا، وَيَصِيرُ مَالًا فِي الِانْتِهَاءِ بِأَنْ يَصِيرَ خَلًّا. وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَلَمْ يَكُنْ مَالًا لَنَا فِي الِابْتِدَاءِ، وَلَا يَصِيرُ مَالًا فِي الِانْتِهَاءِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ حُرْمَةُ الْخَمْرِ أَخَفَّ، فَجَازَ أَنْ يُؤْخَذَ الْعُشْرُ مِنْ الْخَمْرِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْخِنْزِيرِ. وَلِأَنَّ الْعَاشِرَ إنَّمَا يَأْخُذُ قِيمَةَ الْخَمْرِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَعْرِفُونَ قِيمَةَ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُمْسِكُهَا؛ الصَّالِحُ مِنْهُمْ وَالطَّالِحُ، فَأَمَّا الصَّالِحُ فَيُمْسِكُهَا لِلتَّخْلِيلِ، وَأَمَّا الطَّالِحُ لِلشُّرْبِ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْمُسْلِمُونَ قِيمَتَهَا فَيُؤْخَذُ عُشْرُ قِيمَتِهَا لِقَوْلِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا الْخِنْزِيرُ لَا يُمْسِكُهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَعْرِفُ الْمُسْلِمُونَ قِيمَتَهَا، وَإِنَّمَا يَعْرِفُ الْكُفَّارُ، وَقَوْلُ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ مَقْبُولٍ، فَلَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِمْ، وَلِأَنَّ الْخَمْرَ مِثْلِيٌّ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِثْلُهُ إلَّا أَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمَلُّكِ الْخَمْرِ، فَإِذَا أَخَذَ الْقِيمَةَ فَقَدْ أَعْرَضَ عَنْ الْخَمْرِ، فَيَجُوزُ. وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَمِثْلُهُ قِيمَتُهُ، فَإِذَا أَخَذَ الْقِيمَةَ صَارَ كَأَنَّهُ أَخَذَ الْعَيْنَ، وَالْمُسْلِمُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْخِنْزِيرَ وَلَا بَدَلَهُ؛ وَلِأَنَّ الْخَمْرَ مَالٌ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلِلْإِمَامِ فِيهَا حِمَايَةٌ مُعْتَبَرَةٌ؛ لِأَنَّ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهَا يَدًا مُعْتَبَرَةً، فَصَارَتْ فِي يَدِ الْإِمَامِ وَحِمَايَتِهِ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْأَمْوَالِ، فَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ فِيهِ حِمَايَةٌ مُعْتَبَرَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَثْبُتُ لَهُ يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ عَلَى الْخِنْزِيرِ

стр. 2061

(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْخِنْزِيرَ لَا تُورَثُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهِ يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ لَمْ يَثْبُتْ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِ يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ، وَلَا يَصِيرُ فِي حِمَايَتِهِ، فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ بِغَيْرِ حِمَايَةٍ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ لَا يَعْشِرُونَ أَهْلَ ذِمَّتِنَا إذَا دَخَلُوا عَلَيْهِمْ بِالْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ لَمْ نَعْشِرْهُمْ فِيمَا أَدْخَلُوا مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لَيْسَ بِمَالٍ؛ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا لِأَهْلِ الذَّمَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَعْشِرُوا أَهْلَ ذِمَّتِنَا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ عَفَوْا عَمَّنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَالِ، فَنَعْفُوا عَنْهُمْ أَيْضًا عُشْرَ هَذَا النَّوْعِ، إذْ عُشْرُهُمْ عُشْرُ مُجَازَاةٍ. ٤٢٤٦ - فَإِنْ كَانُوا لَا يَعْشِرُونَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا دَخَلُوا بِهِ مِنْ مَالٍ، وَيَعْشِرُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ، عَشَرْنَاهُمْ كَمَا يَعْشِرُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَ يَعْشِرُونَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَعْشِرُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَشَرْنَاهُمْ أَيْضًا. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْفُوا عَنْ مَالٍ دُونَ مَالٍ، فَإِنَّ كُلَّ مَالٍ يَمُرُّ الْوَاحِدُ مِنَّا بِهِ عَلَى عَاشِرِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَعْشِرُونَ ذَلِكَ الْمَالَ مَتَى مَرَّ بِهِ أَهْلُ دِينِنَا عَلَى عَاشِرِهِمْ، إلَّا أَنَّهُمْ عَفَوْا عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ دَارِ السَّلَامِ دُونَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، وَهُمْ طَائِفَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ أُخْرَى حَتَّى لَا نَعْشِرَهُمْ مِثْلَ مَا وَجَدُوا مِنَّا فَعَشَرْنَاهُمْ جَمِيعًا، حَتَّى إذَا وَجَدْنَا مِنْهُمْ طَائِفَتَيْنِ، وَوَجَدُوا مِنَّا طَائِفَتَيْنِ، فَعَشَرُوا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى عَشَرْنَا أَيْضًا تِلْكَ الطَّائِفَةَ مِنْهُمْ دُونَ الْأُخْرَى، نَحْوَ إنْ عَشَرُوا رِجَالَنَا وَلَمْ يَعْشِرُوا نِسَاءَنَا، فَكَذَلِكَ نَحْنُ نَعْشِرُ رِجَالَهُمْ وَلَا نَعْشِرُ نِسَاءَهُمْ.

стр. 2062

وَكُلُّ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَرْبِيِّ مِنْ الْعُشْرِ فَإِنَّهُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ لِلْمُقَاتِلَةِ دُونَ مَوْضِعِ الصَّدَقَاتِ. وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ الصَّدَقَةَ طُهْرَةٌ لِصَاحِبِهَا، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الطُّهْرَةِ، فَيُوضَعُ عُشْرُهُ مَوْضِعَ مَالِ الصَّدَقَةِ. قَالَ: ٤٢٤٨ - وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَمَعَهُ مَالٌ يَتَّجِرُ بِهِ أَوْ لَيْسَ مَعَهُ مَالٌ، فَاتَّجَرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَصَابَ مَالًا، فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَمَرَّ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَأْخُذْ الْعَاشِرُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْعَاشِرَ إنَّمَا يَجْبِي صَدَقَةَ مَالٍ كَانَ فِي حِمَايَةِ الْإِمَامِ وَرِعَايَتِهِ، حَتَّى تَكُونَ الْجِبَايَةُ بِإِزَاءِ الْحِمَايَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يَعْشِرُ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا عَلَى الْعَاشِرِ لِحَاجَتِهَا إلَى الْحِفْظِ وَالْحِمَايَةِ، وَلَا يَعْشِرُهَا مَنْ اتَّجَرَ فِي مِصْرِهِ لِاسْتِغْنَائِهَا عَنْ حِفْظِهِ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ حِمَايَةٌ وَلَا رِعَايَةٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا يَعْشِرُ الْأَمْوَالَ الَّتِي لَا حِمَايَةَ وَلَا رِعَايَةَ لَهُ فِيهَا. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي عَسْكَرِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى عَسْكَرِ أَهْلِ الْعَدْلِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِزَكَاةِ مَا مَضَى؛ لِمَا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمَالُ فِي حِمَايَةِ الْإِمَامِ وَلَا رِعَايَتِهِ فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ هَهُنَا؛ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى -، فَفِي مَوْضِعٍ لَا يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَأْخُذُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ كَمَا لَا يَأْخُذُ بِسَائِرِ حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - الَّتِي لَزِمَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، نَحْوَ

стр. 2063

حَدِّ الزِّنَا وَحَدِّ السَّرِقَةِ وَحَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَحَدِّ الشُّرْبِ، إلَّا أَنَّ الْمُسْلِمَ يُؤْمَرُ بِأَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَلَا يُجْبَرُ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ فَهُوَ آثِمٌ؛ لِأَنَّهُ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ، فَيَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَمَتَى وَجَبَ يُؤْمَرُ بِالْأَدَاءِ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَكَالْبَاغِي إذَا خَرَجَ إلَى أَهْلِ الْعَدْلِ، فَإِنَّهُ يُفْتِي بِأَنْ يُزَكِّيَ مَالَهُ فِيمَا مَضَى فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. ٤٢٤٩ - وَمَا عَرَفْت مِنْ الْجَوَابِ فِي الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ جَوَابُك فِي الْأَسِيرِ إذَا اتَّجَرَ فَأَصَابَ مَالًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِهِ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّهُ لَا يَعْشِرُ، وَلَكِنَّهُ يُفْتَى بِأَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ. ٤٢٥٠ - وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَإِنَّ الْعَاشِرَ لَا يَعْشِرُهُ إلَّا أَنَّهُ إنْ عَلِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَنَّ عَلَيْهِ زَكَاةَ مَالِهِ، وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ، لَزِمَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ عَلَيْهِ زَكَاةً فِي مَالِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ شَيْءٍ مِنْ الزَّكَاةِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ بَعْدَ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مِنْ الشَّرَائِعِ وَالشَّرَائِعُ لَا تَلْزَمُ إلَّا بَعْدَ السَّمَاعِ، وَلَمْ يَبْلُغْ الْخِطَابُ سَمْعَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. ٤٢٥١ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَسْلَمَ وَلَهُ مَالٌ كَثِيرٌ

стр. 2064

مِنْ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ، وَمَالِ السَّائِمَةِ، فَعَلِمَ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْمَالِ، فَمَكَثَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ خَرَجَ بِمَالِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَهُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ، فَإِنَّ الْعَاشِرَ يَعْشِرُ مَالَهُ، وَالْمُصَدِّقُ يَأْخُذُ صَدَقَةَ سَوَائِمِهِ؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ انْعَقَدَ عَلَى مَالِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْأَدَاءِ، وَيَصِيرُ آثِمًا إذَا لَمْ يُؤَدِّ فَحَسَبِ الْوُجُوبِ قَدْ وُجِدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْوُجُوبُ وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْعِبْرَةُ بِحَالِ الْوُجُوبِ، وَفِي حَالِ الْوُجُوبِ الْمَالُ فِي حِمَايَةِ الْإِمَامِ وَرِعَايَتِهِ فِي مَوْضِعٍ يَجْرِي حُكْمُ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ الْعُشْرَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْحَوْلَ إذَا انْعَقَدَ عَلَى النِّصَابِ ثُمَّ انْتَقَصَ، ثُمَّ تَمَّ فِي آخِرِ الْحَوْلِ فَإِنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ، وَاعْتُبِرَ فِيهِ حَالُ تَمَامِ الْحَوْلِ، الَّتِي هِيَ حَالُ الْوُجُوبِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ النُّقْصَانُ الَّذِي كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، فَكَذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ كَيْنُونَةُ الْمَالِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ وَيُعْتَبَرُ حَالُ تَمَامِ الْحَوْلِ. وَهَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْأَسِيرِ أَوْ الْمُسْتَأْمَنِ إذَا خَرَجَ بِمَالِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَتَمَّ الْحَوْلُ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ زَكَاةُ ذَلِكَ الْحَوْلِ. ٤٢٥٢ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا مَرَّ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ بِمَالِهِ مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ بِهِ أَرْضَ الْحَرْبِ

стр. 2065

لِلتِّجَارَةِ، فَقَالَ لِلْعَاشِرِ: إنَّمَا أَصَبْته مُنْذُ أَشْهُرٍ، وَلَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ صَدَّقَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ عُشْرًا؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ وُجُوبَ الْحَقِّ فِي مَالِهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. ٤٢٥٣ - فَإِنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَاشْتَرَى بِهِ وَبَاعَ حَتَّى تَمَّ الْحَوْلُ عَلَى مِلْكِهِ، وَهُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمَرَّ بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ الْعُشْرَ لِمَا مَضَى؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ حَالَ وَالْمَالُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَوَقْتُ الْوُجُوبِ وَقْتُ تَمَامِ الْحَوْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَالُ وَقْتَ الْوُجُوبِ فِي مَوْضِعٍ يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ. ٤٢٥٤ - وَإِنْ كَانَ أَقَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ تَمَامَ الْحَوْلِ مُنْذُ مِلْكِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَتَمَّ الْحَوْلُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ عَشَرَهُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ وَقْتَ وُجُوبِ الْحَقِّ فِي حِمَايَةِ الْإِمَامِ، وَفِي مَوْضِعٍ يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ. ٤٢٥٥ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْلِمًا مَرَّ عَلَى عَاشِرٍ بِمَالٍ فَكَتَمَهُ إيَّاهُ، وَقَدْ حَالَ الْحَوْلُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ أَيْضًا فَكَتَمَهُ إيَّاهُ، وَقَدْ حَالَ الْحَوْلُ الثَّانِي، ثُمَّ مَرَّ بِهِ

стр. 2066

عَلَى الْعَاشِرِ بَعْدَمَا حَالَ الْحَوْلُ الثَّالِثُ فَعَلِمَ بِهِ الْعَاشِرُ، وَعَلِمَ بِمَا كَانَ صَنَعَ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ، فَإِنَّ الْعَاشِرَ يَعْشِرُ الْأَمْوَالَ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ حَقُّ الْأَخْذِ لِلْعَاشِرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي الْمَالِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْحَقُّ مَتَى ثَبَتَ لَا يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ وَلَا بِالْكِتْمَانِ. ٤٢٥٦ - فَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ، قَبْلَ أَنْ يَعْشِرَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْعَاشِرِ أَنْ يَعْشِرَهُ إلَّا بِهَذِهِ الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ لِهَذَا الْحَوْلِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَقَدْ بَطَلَتْ عَنْهُ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَارْتَفَعَ ذَلِكَ الْأَمَانُ، وَصَارَ كَحَرْبِيٍّ آخَرَ حِينَ خَرَجَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْعَاشِرَ لَوْ عَشَرَهُ ثُمَّ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ وَمَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ فَإِنَّهُ يَعْشِرُهُ ثَانِيًا، فَكَمَا أَبْطَلَ دُخُولُهُ دَارَ الْحَرْبِ الْعُشْرَ الَّذِي كَانَ لَهُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَصَارَ فِي الْحُكْمِ كَحَرْبِيٍّ آخَرَ خَرَجَ، فَكَذَلِكَ يَبْطُلُ دُخُولُهُ دَارَ الْحَرْبِ مَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ، وَيَصِيرُ كَحَرْبِيٍّ آخَرَ خَرَجَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. ٤٢٥٧ - وَلَوْ أَنَّ الْحَرْبِيَّ وَالْمُسْتَأْمَنَ وَالْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ مَكَثُوا يَتَّجِرُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ لَا يَمُرُّونَ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ مَرُّوا عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْحَوْلِ الثَّالِثِ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْشِرُوا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، وَأَخْبَرَ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاةَ مَالِهِ

стр. 2067

مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، فَإِنَّ الْعَاشِرَ يَأْخُذُ مِنْهُ زَكَاةَ هَذَا الْحَوْلِ الثَّالِثِ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ زَكَاةَ الْحَوْلَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَاشِرَ إنَّمَا يَعْشِرُ الْمَالَ الَّذِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، إذَا كَانَ فِي حِمَايَتِهِ [فِي الْحَوْلِ الثَّالِثِ لَا فِي الْحَوْلَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ فَلِهَذَا لَا يَأْخُذُ لِمَا مَضَى مِنْ الْحَوْلَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَالَ الْحَوْلُ وَالْمَالُ فِي دَارِ الْحَرْبِ] وَوَقْتُ الْأَخْذِ بَاقٍ مَا لَمْ يَجِبْ الْحَقُّ فِي الْمَالِ ثَانِيًا، فَقَدْ مَضَى وَقْتُ أَخْذِ الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ وَجَاءَ وَقْتُ أَخْذِ الْوَاجِبِ الثَّانِي، فَمَتَى مَرَّ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا حَالَ الْحَوْلُ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ الْحَوْلُ الثَّانِي فَوَقْتُ الْأَخْذِ بَاقٍ فَعَشَرَهُ، وَمَتَى تَمَّ الْحَوْلُ وَالْمَالُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّ الْعَاشِرَ لَا يَعْشِرُ هَذَا الْمَالَ، وَإِنْ مَرَّ بِهِ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ الْحَوْلُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ حَالَ هُنَاكَ وَالْمَالُ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ أَبَدًا، وَأَمَّا الْمَالُ الَّذِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ فِي مَوْضِعٍ يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ الْإِمَامِ، فَلَهُ حَقُّ أَنْ يَعْشِرَهُ مَتَى مَرَّ بِهِ صَاحِبُهُ، قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ وَقْتُ الْوُجُوبِ لِلْحَوْلِ الثَّانِي. ٤٢٥٨ - فَأَمَّا السَّائِمَةُ مِنْ الصَّدَقَاتِ فَلَيْسَ عَلَى الْحَرْبِيِّ وَلَا عَلَى الذِّمِّيِّ فِيهَا صَدَقَةٌ

стр. 2068

لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عِبَادَةٌ فَلَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ. فَأَمَّا سَائِمَةُ الْمُسْلِمِ إذَا لَمْ يَأْخُذْ صَدَقَتَهَا سِنِينَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ أُخِذَتْ مِنْهُ زَكَاتُهَا لِلسِّنِينَ الْمَاضِيَةِ؛ لِأَنَّ أَخْذَهَا إلَى السُّلْطَانِ (لِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْحِمَايَةِ) ، فَيَأْخُذُ زَكَاةَ مَا مَضَى. وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَاشِرِ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ الْعُشْرَ - إلَّا لِلْحَوْلِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْعَاشِرَ إنَّمَا يَأْخُذُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي يَمُرُّ بِهِ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَالْمُرُورُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ لَمْ يُؤْخَذْ إلَّا فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ فَلَا يَأْخُذُ إلَّا لِلسَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَأَمَّا الْمُصَدِّقُ لَيْسَ يَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ لِحَقِّ الْمُرُورِ عَلَيْهِ بَلْ فِي سَائِمَةِ كُلِّ إنْسَانٍ فَيَأْخُذُ مِنْهَا الصَّدَقَةَ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ بِاعْتِبَارِ حَوَلَانِ الْحَوْلِ عَلَى السَّائِمَةِ وَقَدْ حَالَ عَلَى السَّائِمَةِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ فَيَأْخُذُ صَدَقَةَ كُلِّ حَوْلٍ. ٤٢٥٩ - فَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُ صَاحِبُ السَّائِمَةِ قَدْ أَدَّيْت صَدَقَتَهَا إلَى الْمَسَاكِينِ لِهَذِهِ السِّنِينَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ لِثَلَاثِ سِنِينَ. وَهَذَا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَأْخُذُ وَاحْتَجَّ، وَقَالَ: إنَّ الصَّدَقَةَ حَقُّ الْفُقَرَاءِ فَلَمَّا دَفَعَهَا إلَى الْفُقَرَاءِ فَقَدْ أَوْصَلَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَيَبْدَأُ كَمَا لَوْ دَفَعَ زَكَاةَ التِّجَارَةِ إلَى الْفُقَرَاءِ.

стр. 2069

إلَّا أَنَّا نَقُولُ إنَّ حَقَّ الْأَخْذِ إلَى الْمُصَدِّقِ فَلَا يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إلَى الْفُقَرَاءِ كَالْغَرِيمِ إذَا دَفَعَ الدَّيْنَ لَا يَبْرَأُ لِمَا أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لِلْوَصِيِّ كَذَا هُنَا. ٤٢٦٠ - فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمْ مُصَدِّقًا فِي تِلْكَ السِّنِينَ بِأَنْ شُغِلَ عَنْ ذَلِكَ لِحَرْبٍ أَوْ غَيْرِهَا فَأَدَّوْهَا لِمَا مَضَى، وَقَالُوا: قَدْ أَدَّيْنَاهَا حَيْثُ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْنَا مُصَدِّقًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ، وَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمْ مُصَدِّقًا فِي تِلْكَ السِّنِينَ، فَلَمْ يُوجَدْ الطَّلَبُ مِنْ الْإِمَامِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ الدَّفْعُ إلَى الْإِمَامِ، فَإِذَا أَدَّى بِنَفْسِهِ يَبْرَأُ كَزَكَاةِ الْمَالِ إذَا أَدَّاهَا الْمَالِكُ. قَالَ: ٤٢٦١ - وَالْحَرْبِيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ وَالذِّمِّيُّ وَالْمُسْلِمُ إذَا مَرُّوا بِعَاشِرٍ مِنْ عَشَّارِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا: قَدْ عَشَرَنَا عَاشِرٌ غَيْرُك فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَجَاءُوا بِالْبَرَاءَةِ، وَحَلَفُوا لَهُ عَلَى ذَلِكَ إنْ اتَّهَمَهُمْ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ شَيْئًا. لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِ، وَالْأَمِينُ مَتَى أَخْبَرَ بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ صُدِّقَ، ثُمَّ هَذَا فِي الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ قَالَا عَلَيْنَا دَيْنٌ يُصَدَّقَانِ.

стр. 2070

٤٢٦٢ - وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ لَوْ قَالَ عَلَيَّ دَيْنٌ لَا يُصَدَّقُ، وَإِذَا قَالَ عَشَرَنِي عَاشِرٌ غَيْرُك صُدِّقَ. لِأَنَّهُ تَأَيَّدَ قَوْلُهُ هَا هُنَا بِالْبَرَاءَةِ، فَجَازَ أَنْ يُصَدَّقَ فَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ لَمْ يَنْضَمَّ إلَى قَوْلِهِمْ مَا يُصَدِّقُهُ فَجَازَ أَلَّا يُصَدَّقَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، حَيْثُ أَتَاهُ ذَلِكَ الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ، وَقَالَ: إنَّ عُمَّالَك عَشَرُونِي فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: فَكَتَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَى عُمَّالِهِ لَا تَعْشِرُوا فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً، أَلَيْسَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَدْ صَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ حَيْثُ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ أَلَّا تَعْشِرُوا إلَّا مَرَّةً. ٤٢٦٣ - وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ مَالٌ لِلتِّجَارَةِ فَحَالَ عَلَيْهِ حَوْلٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَاتَّجَرَ فِيهِ حَوْلًا آخَرَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، فَمَرَّ بِهِ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَعْشِرْهُ لِلسَّنَةِ الْأُولَى وَلَا لِلسَّنَةِ الثَّانِيَةِ. أَمَّا السَّنَةُ الْأُولَى؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِ بِمَالِهِ فِي وَقْتِ الْأَخْذِ، فَلَا يَأْخُذُ، وَأَمَّا السَّنَةُ الثَّانِيَةُ: فَلِأَنَّ الْحَوْلَ قَدْ حَالَ عَلَى الْمَالِ وَالْمَالُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَاشِرَ لَا يَعْشِرُ الْمَالَ الَّذِي قَدْ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ. ٤٢٦٤ - فَإِنْ مَرَّ بِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْعَاشِرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَتَمَهُ الْمَالَ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ فَمَكَثَ حَوْلًا فِي دَارِ الْحَرْبِ،
следующие страницы →