Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
أَرْضِ الْعَدُوِّ فَقَدْ شَرَطَ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ الثَّغْرَ يَصِيرُ مِلْكًا لَهُ.
وَعِنْدَنَا هُوَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ رَأْسَ الْمَغْزَاةِ، لِمَا قُلْنَا: إنَّ هَذِهِ صَدَقَةُ تَمْلِيكٍ، وَصَدَقَةُ التَّمْلِيكِ تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّرْطُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لِوُقُوعِ الْمِلْكِ فِيهِ لِلْغَازِي وَلَكِنْ كَانَ لِلْمَنْعِ مِنْ الصَّرْفِ إلَى حَوَائِجِهِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الثَّغْرَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى حَوَائِجِهِ، أَوْ يُخْلِفَهُ لِعِيَالِهِ، فَإِذَا بَلَغَ الثَّغْرَ لَا يُمْكِنُهُ الصَّرْفُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْجِهَادِ، فَإِنَّمَا شُرِطَ هَذَا الشَّرْطُ لِيَكُونَ مَانِعًا لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْجِهَادِ
- وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ جَعَلَ فَرَسًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَضَاعَ الْفَرَسُ عِنْدَ صَاحِبِهِ، فَأَرَادَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «لَا تَرْجِعْ فِي صَدَقَتِك، فَإِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ» ، مَعْنَى قَوْلِهِ ضَاعَ الْفَرَسُ عِنْدَ صَاحِبِهِ أَيْ بَاعَهُ صَاحِبُهُ أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَقَوْلُهُ: جَعَلَ فَرَسًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ جَعَلَ فَرَسَهُ حَبِيسًا، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِفَرَسِهِ عَلَى رَجُلٍ لِيَغْزُوَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إذْ جَعَلَهُ حَبِيسًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، ثُمَّ قَوْلُهُ:
стр. 1997
فَأَرَادَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «لَا تَرْجِعْ فِي صَدَقَتِك» هَذَا دَلِيلٌ لِبَعْضِ النَّاسِ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ عَلَى رَجُلٍ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، حَتَّى قَالَ: يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵌ نَهَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ شِرَاءَهُ رُجُوعًا فِي الصَّدَقَةِ، وَالرُّجُوعُ فِي الصَّدَقَةِ حَرَامٌ.
وَعِنْدَنَا لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبْدَالٌ وَلَيْسَ بِرُجُوعٍ، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ نَهَى لِمَكَانِ الْمُحَابَاةِ أَيْ إذَا عَلِمَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُتَصَدِّقَ هُوَ الَّذِي يَشْتَرِيهِ فَرُبَّمَا يُحَابِيهِ فِي الثَّمَنِ، فَيَصِيرُ قَدْرُ الْمُحَابَاةِ يُشْبِهُ الرُّجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ، فَيُكْرَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُحَابِي الْمُتَصَدِّقَ لِمَكَانِ الصَّدَقَةِ، لَا يَكُونُ رُجُوعًا فِي الصَّدَقَةِ، وَلَا يُشْبِهُ الرُّجُوعَ فَلَا يُكْرَهُ.
- وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُذَيْلِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا حَمَلَ عَلَى بَعِيرٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ عَلَى شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: إذَا جَاوَزْت وَادِيَ الْقُرَى أَوْ نَحْوَهَا مِنْ طَرِيقِ مِصْرَ فَاصْنَعْ بِهِ مَا بَدَا لَك فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
стр. 1998
هَذَا مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَمْلِيكٌ مُؤَقَّتٌ، أَيْ إذَا بَلَغْت وَادِيَ الْقُرَى وَجَاوَزْته فَهُوَ مِلْكٌ لَك، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِآخَرَ: إذَا جَاءَ غَدٌ فَهَذِهِ الدَّارُ صَدَقَةٌ لَك.
وَإِذَا كَانَ تَمْلِيكًا بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْوَادِي لَا يَمْلِكُهُ فِي الْحَالِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَمْلِيكًا فِي الْحَالِ، إلَّا أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مِنْهُ لِلْمَنْعِ عَنْ الصَّرْفِ إلَى حَوَائِجِهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِي الْخُرُوجِ بِهِ إلَى الْغَزْوِ، فَيَكُونُ لِهَذَا الشَّرْطِ حُكْمُ الْمَشُورَةِ.
وَرُوِيَ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، إذَا بَلَغْت وَادِيَ الْقُرَى فَشَأْنُك، وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي رَجُلٍ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ عَطَاءٌ: طَاعَةُ اللَّهِ كُلُّهَا سَبِيلُهُ.
وَلَكِنْ لَوْ كَانَ سُمِّيَ غَزْوًا كَانَ كَمَا قَالَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُعْطِيَ أَهْلَ الْحَاجَةِ مِمَّنْ يَغْزُو بِهِ سَبِيلَ اللَّهِ وَلَا يُعْطِيَ الْغَنِيَّ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " ثُلْثَيْ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِبَارَةٌ عَنْ التَّصَدُّقِ، فَيَكُونُ مَوْضِعُهُ الْفُقَرَاءَ كَمَا هُوَ السَّبِيلُ فِي سَائِرِ الصَّدَقَاتِ. .
- وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنْ الْقَارَّةِ مِنْ كِنَانَةَ تُوُفِّيَ أَحَدُهُمَا وَأَوْصَى بِدَنَانِيرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لِأَخِيهِ الْغَزْوُ مِنْ عَامِهِ فَحَجَّ بِهِ، فَلَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ. - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
стр. 1999
فَذَكَر ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَنْفِقْهَا عَلَى نَفْسِك، فَإِنَّك لَنْ تُنْفِقَ عَلَى نَفْسِك دِرْهَمًا إلَّا كُتِبَ بِكَذَا وَكَذَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هَذَا إذَا كَانَ أَخُوهُ مُحْتَاجًا، وَلَيْسَ بِوَارِثٍ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْفِقَهَا عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ كَفَقِيرٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ.
فَأَمَّا إذَا كَانَ غَنِيًّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْفِقَهَا عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ، وَالصَّدَقَةُ مَحَلُّهَا الْفُقَرَاءُ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ وَارِثًا فَلَا يُنْفِقُهَا عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ وَقَدْ قَالَ ﵌: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. .
стр. 2000
[بَابٌ الْحَبِيسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]
قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
٤١٤٩ - لَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْبِسَ الرَّجُلُ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولَ: ذَلِكَ حَبِيسٌ عَلَى مَنْ غَزَا، وَيَدْفَعَهُ إلَى رَجُلٍ يَقُومُ بِذَلِكَ، وَيُعْطِيهِ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْقُرْبِ، وَمِنْ وُقُوفِ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ نَحْوَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵃. وَمِنْ التَّابِعِينَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ (رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ حَبَسُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) .
ثُمَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُشْكِلُ، فَإِنَّ عِنْدَهُ وَقْفَ الْمَنْقُولِ جَائِزٌ، سَوَاءٌ جَرَى الْعُرْفُ فِيهِ أَوْ لَمْ يَجْرِ، كَوَقْفِ غَيْرِ الْمَنْقُولِ، وَكَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقْفَ الْمَنْقُولِ بَاطِلٌ إلَّا مَا جَرَى الْعُرْفُ فِيهِ، وَهُوَ قَدْ جَرَى الْعُرْفُ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَالتَّابِعِينَ، بِحَبْسِ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُ حَبْسُ
стр. 2001
الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، الْحَبْسُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّ مِلْكَهُ لَا يَزُولُ بِالْحَبْسِ، حَتَّى إنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ إنْ شَاءَ، وَإِنْ مَاتَ يُورَثُ عَنْهُ فَيَكُونُ الْحَبْسُ عَلَى مَعْنَى الْعَارِيَّةِ، وَإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ كَسَائِرِ الْوُقُوفِ عَلَى مَذْهَبِهِ.
ثُمَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِيرُ حَبْسًا إلَّا بِالتَّسْلِيمِ، وَهُوَ إلَى قَيِّمٍ؛ إلَى مُتَوَلِّي الْغُزَاةِ أَوْ بِنَصْبِ وَاحِدٍ يَقُومُ بِهِ، فَيُسَلِّمُهُ إلَى رَجُلٍ يُرِيدُ الْغَزْوَ، فَيَدْفَعُهُ إلَيْهِ أَوْ إلَى قَيِّمِ الْأَوْقَافِ فَيُزِيلُ يَدَهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ التَّسْلِيمَ شَرْطٌ فِي الْوُقُوفِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَوْقَافِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ التَّسْلِيمُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْوَقْفِ، وَلَكِنْ الْإِشْهَادُ يَكْفِي، فَكَذَلِكَ التَّسْلِيمُ فِي الْحَبْسِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
ثُمَّ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ كَانَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ تَبَرُّعَاتِ الصَّحِيحِ تُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ أَوْ أَوْصَى بَعْدَ مَوْتِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ كَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ. .
стр. 2002
قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: ٤١٥٠ - وَإِذَا جَعَلَ الرَّجُلُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسِمَهُ حَبِيسًا لِفُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ حَتَّى إنْ ضَلَّ أَوْ سَرَقَهُ سَارِقٌ رُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ، وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌، كَانَ يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَاتِ بِيَدِهِ» .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ وَسَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ حَبَسَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ بَعِيرٍ وَثَلَاثَمِائَةِ فَرَسٍ مَوْسُومًا فِي أَفْخَاذِهِنَّ حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ أَنَّهُ حُمِلَ الْخَيْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ عِنْدِهِ، وَقَدْ وُسِمَتْ فِي أَفْخَاذِهِنَّ عُدَّةُ اللَّهِ؛ وَلِأَنَّ السِّمَةَ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا إيلَامُ الْحَيَوَانِ فَفِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهَا سِمَةٌ لَا يَقْصِدُ أَحَدٌ غَصْبَهَا، وَلَا يَرْغَبُ فِي سَرِقَتِهَا.
- وَلَوْ ضَلَّتْ عُرِفَتْ بِالسِّمَةِ، فَتُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَا بَأْسَ بِإِيلَامِ الْحَيَوَانِ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، خُصُوصًا إذَا كَانَ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هَذَا عَلَى قَوْلِهِمَا، لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْإِشْعَارَ فِي بَابِ الْمَنَاسِكِ لَا يُكْرَهُ فَكَذَلِكَ السِّمَةُ - وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْإِشْعَارُ يُكْرَهُ، فَكَذَلِكَ السِّمَةُ مَكْرُوهَةٌ؛ لِأَنَّهَا مِثْلُهُ.
ثُمَّ السِّمَةُ وَإِنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ تَتَمَرَّغُ بِهَا الدَّابَّةُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ
стр. 2003
لِأَنَّ قَصْدَ صَاحِبِهَا بِالسِّمَةِ هُوَ الْمَعْرِفَةُ لَا التَّهَاوُنُ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى، فَلَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَهَذَا يُبَيِّنُ لَك الْجَوَابَ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ لَهُ خَاتَمٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى، فَإِنَّ جَوَابَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ، وَالْخَاتَمُ فِي أُصْبُعِهِ أَوْ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ مَعَهُ، بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْ أُصْبُعِهِ تَعْظِيمًا لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِيمَا ذُكِرَ هَا هُنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ، أَوْ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، وَهُوَ مُتَخَتِّمٌ بِذَلِكَ الْخَاتَمِ، وَلَكِنَّ جَوَابَ الْعُلَمَاءِ مَا بَيَّنَّاهُ.
- عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالْبَدَلِ بِالْحَبِيسِ مِنْ عِلَّةٍ بَأْسًا، وَيَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ. وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالْبَدَلِ بِالْحَبِيسِ بَأْسًا، وَيَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ إذَا مَرِضَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ عِلَّةٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِبْدَالُهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي حَبَسَهُ رَضِيَ بِحَبْسِهِ لَا بِاسْتِبْدَالِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِعِلَّةٍ فَإِنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مِمَّا يُتَوَهَّمُ زَوَالُهَا نَحْوُ الْمَرَضِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُبَدِّلَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عِنْدَهُ لَازِمٌ حَتَّى كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَبِيعَهُ، فَلَمَّا كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَبِيعَهُ وَالرُّجُوعُ فِيهِ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِبْدَالُ.
وَأَمَّا عِنْدَهُمَا الْحَبْسُ لَازِمٌ، وَلَوْ شَاءَ صَاحِبُهُ أَنْ يَبِيعَهُ بَعْدَ مَا مَرِضَ لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ.
стр. 2004
- وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَبِيعُوا شَيْئًا مِنْ حَبِيسِ الدَّوَابِّ وَلَا تَسْتَبْدِلُوهَا.
فَلَا يَجُوزُ اسْتِبْدَالُهَا إلَّا إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ بِحَيْثُ لَا يُتَوَهَّمُ زَوَالُهَا، بِأَنْ صَارَ بِحَالٍ لَا يُسْتَطَاعُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، أَوْ كَبِرَ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِأَنْ يُبَاعَ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ حَبِيسًا مَكَانَهُ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ يُغْزَى بِذَلِكَ الثَّمَنِ عَنْ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ صَاحِبِهِ هُوَ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، وَإِذَا صَارَ بِحَالٍ لَا يُسْتَطَاعُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ تَجُزْ الْمُبَادَلَةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَدَّى إلَى تَفْوِيتِ غَرَضِ صَاحِبِهِ، فَلَا يَكُونُ بِالْمُبَادَلَةِ بَأْسٌ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِاسْتِبْدَالِ الْوَقْفِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى وَلَدَيْهِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَلَمَّا خَرَجَ إلَى صِفِّينَ قَالَ: إنْ نَأْتِ بِهِمْ الدَّارَ بِيعُوهُ وَاقْسِمُوا ثَمَنَهُ بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ شَرْطُ الْبَيْعِ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْبَيْعِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 2005
[بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَبْسِ فِي الْحَيَاةِ وَالصِّحَّةِ]
٤١٥٤ - قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا أَوْصَى الرَّجُلُ فَقَالَ: ثُلُثُ مَالِي وَصِيَّةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ مَاتَ فَثُلُثُ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَمَا أَوْصَى؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَالْوَصِيَّةُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ جَائِزَةٌ، وَيُعْطَى الثُّلُثُ أَهْلَ الْحَاجَةِ.
لِأَنَّ الْمَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ صَدَقَةً، وَالصَّدَقَةُ مَصْرِفُهَا الْفُقَرَاءُ وَأَهْلُ الْحَاجَةِ.
٤١٥٥ - ثُمَّ يُعْطَى أَهْلُ الْحَاجَةِ مِمَّنْ يَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِمَا قُلْنَا: إنَّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُرَادُ بِهِ الْجِهَادُ، فَيُصْرَفُ إلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ الْغُزَاةِ وَالْمُجَاهِدِينَ، وَيُعْطَى كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا يُقَوِّيهِ؛ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ إذَا وَجَبَ فَإِنَّهُ لَا يُنْقِصُ مِنْ قُوتِ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّ الْغَنَاءَ لَا يَقَعُ بِدُونِهِ، وَلِهَذَا يَجِبُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنْ يُطْعِمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مِقْدَارَ قُوتِ يَوْمِهِ، وَذَلِكَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ الْحِنْطَةِ. فَإِنْ أَحَبُّوا زَادُوهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَحِلٌّ يَنْصَرِفُ الْجَمِيعُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ مَحِلًّا لِصَرْفِ الزِّيَادَةِ.
стр. 2006
أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ فَصُرِفَ الْكُلُّ إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُصْرَفَ إلَى الِاثْنَيْنِ. وَلَوْ دَفَعَ زَكَاةَ الْمَالِ كُلِّهِ إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ، فَثَبَتَ أَنَّ الْوَاحِدَ مَحَلٌّ لِصَرْفِ الْكُلِّ إلَيْهِ، فَكَانَ مَحَلًّا لِصَرْفِ الزِّيَادَةِ إلَيْهِ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْقُوتِ يَكُونُ مَا يَأْخُذُ لَهُ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَمْلِيكٌ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَتِلْكَ الصَّدَقَةُ شَرْطُ صِحَّتِهَا التَّمْلِيكُ، كَذَلِكَ هَا هُنَا، وَالصَّدَقَةُ تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ، فَإِذَا قَبَضَ صَارَتْ لَهُ. فَإِنْ خَلَّفَ لِنَفَقَةِ أَهْلِهِ مِنْ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ جَازَ، وَإِنْ قَضَى بِهَا حَوَائِجَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ.
لَكِنْ الْأَفْضَلُ أَنْ يَخْرُجَ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، تَحْصِيلًا لِمُرَادِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ خَرَجَ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ رَجَعَ وَفِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ.
لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ إلَى الْجِهَادِ كَانَ لَهُ، فَإِذَا رَجَعَ وَبَقِيَ فَضْلٌ بَعْدَ رُجُوعِهِ كَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فَضْلٌ عَنْ مِلْكِهِ، وَإِنْ مَاتَ يُورَثُ عَنْهُ.
٤١٥٦ - قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى مِنْهُ غَنِيًّا يَغْزُو بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
стр. 2007
لِمَا قُلْنَا: إنَّ الثُّلُثَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَدَقَةٌ، وَصَرْفُ الصَّدَقَةِ مَحَلُّهَا الْفُقَرَاءُ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، دَلِيلُهُ الزَّكَاةُ وَسَائِرُ الصَّدَقَاتِ. قَالَ:
٤١٥٧ - وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذَا جَعَلَ فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَيُمْسِكَ مَا يَقُوتُهُ، فَإِذَا أَفَادَ مَالًا تَصَدَّقَ بِمِثْلِ مَا كَانَ أَمْسَكَ. وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ: مَالِي فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ، يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِمَالِ الزَّكَاةِ مِنْ السَّوَائِمِ، وَمَالِ التِّجَارَةِ، وَلَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا سِوَاهُ مِنْ رَقِيقِهِ وَعَقَارِهِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَا ذَكَرَ هَا هُنَا جَوَابَ الْقِيَاسِ، وَمَا ذَكَرَ فِي الْهِبَةِ جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: اخْتِلَافُ الْجَوَابِ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ، فَمَوْضُوعُ مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ أَنَّهُ قَالَ: مَالِي صَدَقَةٌ فِي الْمَسَاكِينِ، فَالصَّدَقَةُ كَانَتْ فِي لَفْظِهِ نَصًّا، وَذِكْرُ الْمَالِ عِنْدَ إيجَابِ الصَّدَقَةِ يُرَادُ بِهِ مَالُ الزَّكَاةِ وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] . وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَالُ الزَّكَاةِ.
وَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ هَا هُنَا أَنَّهُ قَالَ: مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ ذِكْرُ الصَّدَقَةِ نَصًّا، وَلَيْسَ لِهَذَا الْإِيجَابِ أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِيُعْتَبَرَ بِهِ، فَيُصْرَفُ إلَى كُلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَالِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بِأَنَّ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ اخْتِلَافًا فِي الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ أَضَافَ الْإِيجَابَ إلَى مَالِهِ، فَيَنْصَرِفُ إلَى كُلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَالِ، وَاسْمُ الْمَالِ يَقَعُ عَلَى غَيْرِ مَالِ الزَّكَاةِ مِنْ الرَّقِيقِ وَالْعَقَارِ، قَالَ ﵌: «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» . ثُمَّ انْصَرَفَ ذَلِكَ إلَى أَنْوَاعِ مَالِ الْمَيِّتِ.
стр. 2008
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَوَصَيْت بِثُلُثِ مَالِي لِفُلَانٍ أَوْ لِلْمَسَاكِينٍ كَانَ لَهُ الثُّلُثُ مِنْ كُلِّ مَالٍ، فَإِذَا كَانَ اسْمُ الْمَالِ يَقَعُ عَلَيْهِ تَنَاوَلَهُ الْإِيجَابُ فَيَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ كِتَابِ الْهِبَةِ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْإِيجَابَ إيجَابُ الصَّدَقَةِ بِمَالِهِ، فَيُعْتَبَرُ بِإِيجَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِلصَّدَقَةِ فِي مَالِ عِبَادِهِ، وَذَلِكَ يَنْصَرِفُ إلَى مَالِ الزَّكَاةِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا (انْصَرَفَ إلَى مَالِ الزَّكَاةِ) ثُمَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُمْسِكُ مَا يَقُوتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُمْسِكْ قُوتَهُ لَاحْتَاجَ إلَى السُّؤَالِ.
وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلسُّؤَالِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ يَحِلُّ لَهُ التَّنَاوُلُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ؛ فَلَأَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ كَانَ أَوْلَى. فَإِذَا أَفَادَ مَالًا مِثْلَ مَا كَانَ أَمْسَكَ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ.
لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ صَارَ مَالَ الْفُقَرَاءِ. وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الصَّرْفَ إلَيْهِمْ، فَإِذَا أَتْلَفَهُ صَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَيَجِبُ قَضَاؤُهُ. ثُمَّ الْمَشَايِخُ قَالُوا فِي قَدْرِ قُوتِهِ الَّذِي يُمْسِكُ.
٤١٥٨ - فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ زَارِعًا يُمْسِكُ قُوتَ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ يَدَهُ لَا تَصِلُ إلَى مَا يَقُوتُهُ إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ تَاجِرًا يُمْسِكُ قُوتَ شَهْرٍ؛ لِأَنَّ التَّاجِرَ يَأْكُلُ مِنْ رِبْحِهِ، وَلَا يَرْبَحُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَلَكِنْ فِي الْغَالِبِ لَا يَمْضِي شَهْرٌ إلَّا وَيَرْبَحُ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مُعَامِلًا يُمْسِكُ قُوتَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي يَوْمٍ وَقَدْ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي يَوْمٍ. وَلَكِنْ فِي الظَّاهِرِ لَا يَمْضِي أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَّا وَيُسْتَعْمَلُ.
стр. 2009
وَلَوْ قَالَ جَمِيعُ مَا أَمْلِكُ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا كَانَ يَمْلِكُ مِنْ مَالِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ يَنْصَرِفُ إلَى مَالِ الزَّكَاةِ.
وَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْهِبَةِ. ثُمَّ يُعْطِي مَالَهُ الْمُحْتَاجِينَ مِمَّنْ يَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ أَعْطَاهُ الْمَسَاكِينَ مِمَّنْ لَا يَغْزُو أَجْزَأَهُ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ لَا يَغْزُونَ طَاعَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ. ٤١٥٩ -
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُنَفِّذَ كَانَ مِيرَاثًا عَنْهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُنَفِّذُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَشَاءُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَنْذُورَةَ لَا تَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، وَلَا تَصِيرُ دَيْنًا فِي التَّرِكَةِ فَهَذَا أَوْلَى، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَصِيرُ مِلْكًا لِلْفُقَرَاءِ إلَّا بِالْقَبْضِ، فَمَا لَمْ يُقْبَضْ وَيُنَفَّذْ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، فَتَصِيرُ مِيرَاثًا عَنْهُ، ثُمَّ الْوَرَثَةُ مَلَكُوا الْمَالَ إرْثًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ التَّنْفِيذُ مِنْ مَالِهِمْ.
٤١٦٠ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ: اُغْزُوا عَنِّي غَزْوَةً، أَوْ قَالَ: اُغْزُوا عَنِّي بِثُلُثِ مَالِي، فَإِذَا قَالَ: اُغْزُوا عَنِّي غَزْوَةً وَأَعْطَى رَجُلًا نَفَقَةَ غَزْوَةٍ يَغْزُو بِهَا لَا يَمْلِكُ الَّذِي يَغْزُو بِهَا ذَلِكَ الْمَالَ.
стр. 2010
لِأَنَّهُ قَالَ: اُغْزُوا عَنِّي، وَالْغَزْوُ عَنْهُ إنَّمَا يَكُونُ إذَا غَزَا بِمَالِهِ، فَيُنْفِقُ مَالَهُ فِي الْغَزْوِ، وَلِيَصِلَ إلَيْهِ ثَوَابُ النَّفَقَةِ فِي الْغَزْوِ، فَلَوْ مَلَكَ الْغَازِي ذَلِكَ الْمَالَ لَكَانَ الْغَزْوُ عَنْ الْغَازِي لَا عَنْ الْآمِرِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَحِجُّوا عَنِّي رَجُلًا حَجَّةً مِنْ مَالِي، فَأَعْطَى رَجُلًا نَفَقَةَ الْحَجِّ، فَإِنَّ الْحَاجَّ لَا يَمْلِكُ تِلْكَ النَّفَقَةَ، وَلَكِنْ يَمْلِكُ الْإِنْفَاقَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ لَا غَيْرُ، حَتَّى يَقَعَ الْحَجُّ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.
وَلَكِنْ يُعْطَى أَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْ نَفَقَةِ الْغَزْوِ فَيَغْزُو عَنْهُ.
؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ مُتَيَقَّنٌ وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ مِلْكُ الْوَرَثَةِ فَلَا يَغْزُو مِنْ مَالِ الْوَرَثَةِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ يُعْطَى الْحَاجُّ أَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْ نَفَقَةِ الْحَجِّ (كَذَا هَذَا يُعْطَى أَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْ نَفَقَةِ الْغَزْوِ) ، وَلَا يُنْفِقُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ النَّفَقَةِ عَلَى أَهْلِهِ، وَلَا يُنْفِقُهَا إلَّا عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ النَّفَقَةَ لِيَصْرِفَهَا إلَى حَيْثُ شَاءَ. وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْإِنْفَاقِ فِي الْغَزْوِ عَنْهُ، فَلَا يُنْفِقُهَا فِي غَيْرِ مَا أُمِرَ، كَالْحَاجِّ عَنْ الْغَيْرِ لَا يُنْفِقُ الْمَالَ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. قَالَ: وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ رَاجِعًا. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْحَاجَّ عَنْ الْغَيْرِ يُنْفِقُ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.
стр. 2011
فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ رَدَّهُ عَلَى الْوَرَثَةِ.
؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ الْمَالَ بِالْقَبْضِ، إنَّمَا كَانَ لَهُ حَقُّ الصَّرْفِ إلَى نَفَقَةِ الْغَزْوِ، وَقَدْ انْقَضَى أَمْرُ الْغَزْوِ فَهَذَا فَضْلُ مَالِ الْمَيِّتِ فَيَرُدُّهُ إلَى وَرَثَتِهِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْحَاجَّ عَنْ الْغَيْرِ يَرُدُّ فَضْلَ النَّفَقَةِ إلَى وَرَثَةِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الْوَرَثَةُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ.
٤١٦١ - وَإِنْ قَالَ اُغْزُوا عَنِّي بِثُلُثِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أُعْطِيَ ثُلُثُهُ مَنْ يَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يُعْطَوْنَ نَفَقَاتِهِمْ وَيُشْتَرَى لَهُمْ الْخَيْلُ.
لِأَنَّهُ أَوْصَى بِجَمِيعِ ثُلُثِهِ فِي نَفَقَةِ الْغَزْوِ، فَيُصْرَفُ جَمِيعُ ذَلِكَ إلَيْهِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَوْصَى بِغَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يُعْطِي إلَّا نَفَقَةَ غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَشْتَرِي لَهُمْ الْخَيْلَ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْمَغْزُوِّ يَلْتَئِمُ بِالْخَيْلِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ بِثُلُثِ مَالِهِ يَشْتَرِي لِلْحَاجِّ بَعِيرًا يَرْكَبُهُ كَمَا أَنَّ سَفَرَ الْحَجِّ يُقْطَعُ بِالْبَعِيرِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. ثُمَّ يُعْطَوْنَ الثُّلُثَ كُلَّهُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَغْزُوا عَنْهُ.
لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْرَعُ لِتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ وَتَحْصِيلِ مُرَادِهِ، وَهَذَا وَالْحَجُّ سَوَاءٌ. فَإِذَا رَجَعُوا رَدُّوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ، حَتَّى يَبْعَثَ إلَى قَوْمٍ آخَرِينَ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ، لِمَا قُلْنَا: إنَّ سَبِيلَ هَذَا الثُّلُثِ أَنْ يَنْفُذَ فِي أَمْرِ الْغَزْوِ، فَيُصْرَفُ الْبَاقِي إلَيْهِ حَتَّى يَفْنَى كُلُّهُ فِي أَمْرِ الْغَزْوِ.
فَإِنْ لَمْ تَبْقَ نَفَقَةٌ وَبَقِيَتْ الْخَيْلُ بِيعَتْ، حَتَّى يُعْطِيَ أَثْمَانَهَا قَوْمًا يَغْزُونَ بِهَا.
стр. 2012
لِأَنَّ تِلْكَ الْخَيْلَ اُشْتُرِيَتْ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، فَتُصْرَفُ أَثْمَانُهَا إلَى حَيْثُ يُصْرَفُ الثُّلُثُ، فَإِنْ بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ نَفَقَاتِهِمْ شَيْءٌ رُدَّ حَتَّى يَغْزُوَ بِمَا بَقِيَ.
قَالَ: وَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ الَّذِي يُوصَى إلَيْهِ أَنْ يَغْزُوَ عَنْهُ غَزْوَةً مِنْ مَنْزِلِ الرَّجُلِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ غَزَا بِنَفْسِهِ غَزَا مِنْ مَنْزِلِهِ، فَكَذَلِكَ غَيْرُهُ إذَا غَزَا عَنْهُ يَغْزُو مِنْ مَنْزِلِهِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي بَابِ الْحَجِّ يَحُجُّ مِنْ مَنْزِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ لَا يَبْلُغُ نَفَقَةَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِ الْمُوصِي دَفَعَ ذَلِكَ الْوَصِيُّ إلَى رَجُلٍ يَغْزُو عَنْهُ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ النَّفَقَةَ، كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ سَوَاءٌ.
٤١٦٢ - قَالَ: وَإِنْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْوَصِيِّ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا مِنْ الْوَرَثَةِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ صَارَتْ وَصِيَّةً لَهُ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ لَا تَجُوزُ.
فَإِنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ كِبَارًا فَأَجَازُوا لِلْوَصِيِّ أَنْ يُعْطِيَهُ الْمُحْتَاجِينَ مِنْ الْوَرَثَةِ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ إنَّمَا لَا تَجُوزُ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا أَجَازُوا فَقَدْ أَبْطَلُوا حَقَّ أَنْفُسِهِمْ فَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ.
٤١٦٣ - وَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ مُحْتَاجًا فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ بَعْضَ الثُّلُثِ لِيَغْزُوَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا.
стр. 2013
لِأَنَّ قَوْلَ الْمُوصِي أَوْصَيْت بِثُلُثِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بِتَمْلِيكِ الْغَيْرِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ ضَعْهُ حَيْثُ شِئْت، وَلَوْ قَالَ لَهُ: (ضَعْهُ حَيْثُ شِئْت) كَانَ لَهُ أَنْ يَضَعَهُ فِي نَفْسِهِ وَفِي غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، وَإِنْ كَرِهَتْ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ فَذَلِكَ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ الرَّأْيَ وَالتَّدْبِيرَ إلَى الْوَصِيِّ لَا إلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُمْ مِنْ الثُّلُثِ، فَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمْ وَكَرَاهَتُهُمْ، كَمَا إذَا كَانَ الْآخِذُ أَجْنَبِيًّا.
وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَى ابْنَهُ أَوْ أَبَاهُ أَوْ مُكَاتَبَهُ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَفَهُ إلَى نَفْسِهِ جَازَ، فَكَذَلِكَ إذَا صَرَفَهُ إلَى هَؤُلَاءِ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ. وَإِنْ أَعْطَى عَبْدَهُ فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى مُحْتَاجًا جَازَ، وَإِنْ أَعْطَاهُ وَهُوَ غَنِيٌّ لَمْ يَجُزْ وَضَمِنَ الْمَالَ.
؛ لِأَنَّ الصَّرْفَ إلَى عَبْدِهِ كَالصَّرْفِ إلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لَهُ لَا لِلْعَبْدِ، وَلَوْ صَرَفَهُ إلَى نَفْسِهِ وَهُوَ فَقِيرٌ جَازَ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا لَمْ يَجُزْ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.
وَإِنْ أَعْطَاهُ غَنِيًّا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ غَنِيٌّ سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ أَجْزَأَهُ.
؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْطَاهُ زَكَاةَ مَالِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ غَنِيٌّ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَا يَجُوزُ فَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ فَإِنْ قِيلَ: الْوَصِيُّ إنَّمَا يُعْطِي عَنْ أَمْرِ الْمَيِّتِ، وَالْمَيِّتُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْوَضْعِ فِي الْفُقَرَاءِ، فَمَتَى وَضَعَهُ فِي غَيْرِهِمْ صَارَ وَاضِعًا بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَيَنْبَغِي أَلَّا يَجُوزَ عَنْ الْمَيِّتِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ السُّلَمِيَّ إنَّمَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ وَكِيلِ أَبِيهِ وَكَانَ أَبُوهُ عَنَى غَيْرَهُ حَيْثُ قَالَ: إيَّاكَ مَا أَرَدْت بِهَا. وَمَعَ ذَلِكَ أَجَازَ لَهُ
стр. 2014
رَسُولُ اللَّهِ ﵌، حَيْثُ قَالَ: «يَا يَزِيدُ لَك مَا نَوَيْت» ، فَثَبَتَ أَنَّ الْوَكِيلَ وَصَاحِبَ الْمَالِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
٤١٦٤ - وَلَوْ أَوْصَى الْمَيِّتُ أَنْ يَغْزُوَ لِي غَزْوَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرَادَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَغْزُو عَنْهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ لَهُ الْوَرَثَةُ. لِأَنَّ الْوَارِثَ وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ الْعَيْنَ يَحْصُلُ لَهُ فِيهَا مَنْفَعَةٌ، وَالْوَارِثُ مَحْجُورُ النَّفْعِ عَنْ مُوَرِّثِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَإِنْ أَجَازَ لَهُ الْوَرَثَةُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَغْزُو عَنْهُ، وَهُمْ كِبَارٌ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي، يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَغْزُوَ.
وَيَرُدَّ مَا بَقِيَ مِنْ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ حَقٌّ بَعْدَ الْإِجَازَةِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَغْزُوَ وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ غَنِيًّا.
٤١٦٥ - بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: ثُلُثِي وَصِيَّةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يُعْطَى الْوَارِثُ إنْ كَانَ غَنِيًّا، وَإِنْ أَجَازَهُ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ إنَّمَا يُدْفَعُ إلَيْهِ بَعْدَ الْإِجَازَةِ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ، وَالصَّدَقَةُ مَحَلُّهَا الْفُقَرَاءُ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، فَلَا يَصِيرُ الْغَنِيُّ مَحَلًّا لَهَا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَأَمَّا هَا هُنَا الْمَالُ لَيْسَ يُدْفَعُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ، وَإِنَّمَا يُدْفَعُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ، وَمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ يَسْتَوِي فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ. دَلِيلُهُ السِّقَايَةُ الْمَوْقُوفَةُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْغَنِيِّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، كَمَا يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ.
стр. 2015
أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَا فَضَلَ مِنْ النَّفَقَةِ يُرَدُّ إلَى الْوَرَثَةِ، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى مَا قُلْنَا.
٤١٦٦ - فَإِنْ غَزَا بِهَا الْوَارِثُ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ثُمَّ عَلِمْت الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَا غَزَا وَرَجَعَ، فَأَجَازُوا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَكَانَ ضَامِنًا لِمَا أَنْفَقَ حَتَّى يَغْزُوَ عَنْهُ غَزْوَةً أُخْرَى.
لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تُرَدُّ عَلَى الْمَوْقُوفِ، وَالْغَزْوَةُ قَدْ نَفَذَتْ عَنْ الْوَارِثِ وَلَمْ تَتَوَقَّفْ، فَلَا تُرَدُّ عَلَيْهَا الْإِجَازَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ صَغِيرًا فِيهِمْ لَمْ تَجُزْ غَزْوَتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ قَدْ عُدِمَتْ مِنْهُ. فَإِنْ كَبُرَ فَأَجَازَ لَمْ تَجُزْ أَيْضًا.
لِمَا قُلْنَا إنَّ الْغَزْوَةَ لَمْ تَتَوَقَّفْ، فَلَا تُرَدُّ عَلَيْهَا الْإِجَازَةُ. وَكَذَلِكَ إنْ أَوْصَى بِمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطَى أَحَدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ حَتَّى يُجِيزُوا كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُعْطَى الْمَالَ كَانَ وَصِيَّةً لِلْوَارِثِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
٤١٦٧ - وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يَغْزُوَ عَنْهُ غَزْوَةً فَغَزَا عَنْهُ الْوَصِيُّ وَلَيْسَ بِوَارِثٍ جَازَ ذَلِكَ، وَيَرُدُّ فَضْلَ النَّفَقَةِ.
؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إخْرَاجِ الْوَصِيِّ مِنْ الْوَصِيَّةِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ ضَعْهُ حَيْثُ شِئْت.
стр. 2016
قَالَ: فَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُغْزَى عَنْهُ غَزْوَةً فَأَغِزُّوا رَجُلًا يُرَابِطُ عَنْهُ، وَلَا يَدْخُلُ أَرْضَ الْعَدُوِّ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الرِّبَاطَ مِنْ الْغَزْوِ فَصَارَ كَأَنَّهُ أَغْزَى رَجُلًا دَخَلَ أَرْضَ الْعَدُوِّ. فَإِنْ قَالَتْ الْوَرَثَةُ: يُرَابِطُ يَوْمًا وَاحِدًا، وَقَالَ الْوَصِيُّ: يُرَابِطُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُجِيزُ مِنْ ذَلِكَ أَدْنَى الرِّبَاطِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ أَقَلُّ الرِّبَاطِ؛ لِأَنَّ مَا يَبْقَى بَعْدَ رُجُوعِهِ مَعَ الْغَازِي يُصْرَفُ لِلْوَرَثَةِ إرْثًا بَيْنَهُمْ، فَلَا يُقْطَعُ حَقُّهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ إلَّا بِيَقِينٍ، وَأَدْنَى الرِّبَاطِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْمَقَادِيرِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الشَّرِيعَةِ، كَمَا فِي مُدَّةِ السَّفَرِ وَمُدَّةِ الْخِيَارِ.
وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُسَمَّى مُرَابِطًا بِرِبَاطِ سَاعَةٍ أَوْ سَاعَتَيْنِ، وَيُسَمَّى مُرَابِطًا إذَا رَابَطَ أَيَّامًا، فَيَجِبُ أَنْ يُرَابِطَ عَنْ الْمَيِّتِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَيَّامِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَيَجِبُ رِبَاطُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، (لِهَذَا الْمَعْنَى) ؛ لِأَنَّ الْآثَارَ قَدْ اخْتَلَفَتْ فِي الرِّبَاطِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ ﵌ قَالَ: «مَنْ رَابَطَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ كَصِيَامِ الْعُمُرِ وَقِيَامِهِ» .
أَوْ قَالَ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، «وَمَنْ رَابَطَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَانَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، وَمَنْ رَابَطَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَانَ لَهُ كَذَا» ، فَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَارِثُ وَالْوَصِيُّ يُؤْخَذُ بِأَوْسَطِ الْأَعْدَادِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ، وَأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ، فَيُقْضَى بِهِ، لِقَوْلِهِ ﵌: «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا» .
стр. 2017
وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَوْصَى بِهَا مَنْزِلُهُ فِي الثَّغْرِ الَّذِي يُرَابِطُ فِيهِ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ إذَا غَزَا عَنْهُ رَجُلٌ يُرَابِطُ فِي الثَّغْرِ، وَلَا يَدْخُلُ أَرْضَ الْعَدُوِّ جَازَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَجُوزُ حَتَّى يُغْزِيَ عَنْهُ رَجُلًا يَدْخُلُ أَرْضَ الْعَدُوِّ، وَجْهُ الْقِيَاسِ فِيهِ مَا قُلْنَا: إنَّ الرِّبَاطَ مِنْ الْغَزْوِ، فَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ إذَا غَزَا رَجُلٌ يُرَابِطُ وَلَا يَدْخُلُ أَرْضَ الْعَدُوِّ، دَلِيلُهُ مَا إذَا كَانَ مَنْزِلُ الْمُوصِي فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الرِّبَاطِ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى بِأَنْ يُغْزَى عَنْهُ غَزْوَةٌ فَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِمَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الْغَزْوِ، وَالرَّجُلُ مَتَى رَابَطَ فِي مِصْرِ نَفْسِهِ وَفِي مَوْضِعِهِ لَمْ يُسَمَّ غَازِيًا عِنْدَ النَّاسِ.
وَإِنَّمَا يُسَمَّى إذَا دَخَلَ أَرْضَ الْعَدُوِّ، فَمَا لَمْ يَغْزُ عَنْهُ رَجُلٌ يَدْخُلُ أَرْضَ الْعَدُوِّ لَا يَثْبُتُ اسْمُ الْغَزْوِ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ فَأَمَّا إذَا سَافَرَ إلَى مِصْرٍ وَرَابَطَ فِيهِ يُسَمَّى غَازِيًا عِنْدَ النَّاسِ، فَإِذَا غَزَا عَنْهُ رَجُلٌ خَرَجَ إلَى الرِّبَاطِ فَقَدْ اسْتَحَقَّ اسْمَ الْغَزْوِ فَيَكْفِي ذَلِكَ. وَلِأَنَّ الْمُوصِيَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْزِلُهُ فِي مَوْضِعِ الرِّبَاطِ (وَهُوَ فِي مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ) فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ عَلَى الرِّبَاطِ وَعَلَى الدُّخُولِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ وَفِي مُجَاهَدَةِ الْكُفَّارِ، فَانْصَرَفَتْ وَصِيَّتُهُ إلَى النَّوْعَيْنِ مِنْ الْغَزْوِ عَلَى الرِّبَاطِ وَالْجِهَادِ فَمَتَى رَابَطَ عَنْهُ جَازَ، وَمَتَى دَخَلَ أَرْضَ الْعَدُوِّ وَجَاهَدَ جَازَ.
فَأَمَّا إذَا كَانَ مَنْزِلُهُ فِي مَوْضِعِ الرِّبَاطِ فَإِنَّ تَحَسُّرَهُ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ الْجِهَادِ أَكْثَرُ مِنْ تَحَسُّرِهِ عَلَى مَا يَفُوتُهُ مِنْ الرِّبَاطِ، فَتَعَيَّنَ الْجِهَادُ لِوَصِيَّتِهِ دُونَ الرِّبَاطِ، فَمَا لَمْ يُجَاهِدْ فِيهِ لَا يَجُوزُ.
٤١٦٩ - نَظِيرُهُ أَنَّ الطَّوَافَ لِلْآفَاقِيِّ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ تَحَسُّرَهُ عَلَى مَا يَفُوتُهُ مِنْ الطَّوَافِ أَكْثَرُ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ مَكَّةَ، وَلَا يُمْكِنُهُ الطَّوَافُ إلَّا بِمَكَّةَ،
стр. 2018
فَكَانَ أَكْبَرُ هَمَّهُ هُوَ الطَّوَافُ، فَاشْتِغَالُهُ بِهِ أَوْلَى، فَإِنَّ الْمَكِّيَّ قَلَّمَا يَتَحَسَّرُ عَلَى مَا يَفُوتُهُ مِنْ الطَّوَافِ؛ فَإِنَّ الطَّوَافَ لَهُ مُمْكِنٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالصَّلَاةُ لَهَا رِفْعَةٌ عَظِيمَةٌ، فَكَانَتْ الصَّلَاةُ لَهُ أَفْضَلَ كَذَلِكَ هَا هُنَا.
٤١٧٠ - وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِثُلُثِهِ أَنْ يَغْزُوَ عَنْهُ فَرَأَى الْوَصِيُّ أَنْ يَدْفَعَ إلَى مَنْ يُرَابِطُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ إلَى مَنْ يَغْزُو إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَنَا عَلَى مَا رَأَى الْوَصِيُّ وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ الْوَرَثَةُ.
؛ لِأَنَّ مَصْرِفَ هَذَا كُلِّهِ إلَى الْغَزْوِ، وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْوَرَثَةِ مِنْهُ شَيْءٌ، (فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ رَأْيٌ وَلَا تَدْبِيرٌ، وَكَانَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَرَى، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: اُغْزُ عَنِّي غَزْوَةً، فَإِنَّ الثُّلُثَ كُلَّهُ لَا يُصْرَفُ إلَى الْجِهَادِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ فَضْلَ النَّفَقَةِ يُرَدُّ إلَى الْوَرَثَةِ، فَكَانَ لَهُمْ رَأْيٌ وَتَدْبِيرٌ حَتَّى لَا يُقْطَعَ حَقُّهُمْ فِي الْمِيرَاثِ.
٤١٧١ - وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِثُلُثِ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَضَعُهُ حَيْثُ أَحَبَّ، فَذَلِكَ إلَى الْوَصِيِّ، فَإِنْ جَعَلَهُ الْوَصِيُّ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ، أَوْ لِابْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، جَازَ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ.
؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ لَمْ يَقُلْ يَضَعُهُ حَيْثُ أَحَبَّ كَانَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَجْعَلَهُ لِنَفْسِهِ وَلِابْنِهِ، فَإِذَا قَالَ يَضَعُهُ حَيْثُ أَحَبَّ، وَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهِ الرَّأْيَ عَلَى الْعُمُومِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ.
٤١٧٢ - وَإِنْ جَعَلَهُ الْوَصِيُّ لِرَجُلٍ غَنِيٍّ، وَهُوَ يَعْرِفُ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.
стр. 2019
لِمَا قُلْنَا إنَّ الْمَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ صَدَقَةً، وَمَحَلُّ الصَّدَقَةِ الْفَقِيرُ دُونَ الْغَنِيِّ، وَقِيلَ لِلْوَصِيِّ ضَعْهُ فِيمَنْ أَحْبَبْت مِنْ الْفُقَرَاءِ. لِأَنَّ الدَّفْعَ لَمْ يَصِحَّ، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ، وَلَوْ لَمْ يَدْفَعْ يَصْرِفُهُ إلَى مَنْ شَاءَ مِنْ الْفُقَرَاءِ، كَذَلِكَ هَا هُنَا.
فَإِنْ قَالَتْ الْوَرَثَةُ قَدْ جَعَلَهُ الْمُوصِي فِي الْأَغْنِيَاءِ فَبَطَلَتْ، فَنَأْخُذُ الثُّلُثَ مِيرَاثًا، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ حِينَ وَضَعَهُ فِي الْأَغْنِيَاءِ، وَبِالْخِلَافِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْوِصَايَةِ. وَلَا خَرَجَ الْمَالُ عَنْ الْوَصِيَّةِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَضَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْفُقَرَاءِ.
٤١٧٣ - وَلَوْ جَعَلَهُ الْوَصِيُّ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ، وَهُمْ أَغْنِيَاءُ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ الْفُقَرَاءِ، (إلَّا أَنَّ الْوَصِيَّ لَوْ وَضَعَ فِيهِ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ لَمْ يَجُزْ) .
؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَنِيًّا أَجْنَبِيًّا لَا يَجُوزُ، فَإِذَا كَانَ وَارِثًا غَنِيًّا أَوْلَى أَلَّا يَجُوزَ.
٤١٧٤ - وَلَوْ أَنَّ الْوَصِيَّ جَعَلَهُ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ، وَهُمْ فُقَرَاءُ، لِيَغْزُوا بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ لِلْوَرَثَةِ أَتُجِيزُونَ مَا صَنَعَ الْوَصِيُّ فَإِنْ أَجَازُوهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ إذَا كَانَ فَقِيرًا فَهُوَ مَحَلُّ الصَّدَقَةِ، إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُ لِكَوْنِهِ وَصِيَّةً، وَالْوَصِيَّةُ تَجُوزُ لِلْوَارِثِ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهُ رَجَعَ إلَى الْمِيرَاثِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَجْعَلَهُ لِغَيْرِ الْوَرَثَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْفَصْلِ
стр. 2020
الْأَوَّلِ إذَا جَعَلَهُ الْمُوصِي لِغَنِيٍّ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْفَقِيرِ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ فِي ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْمَيِّتِ ثُلُثِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَقْتَضِي الْوَضْعَ فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ، فَهُوَ فِي الْوَضْعِ فِي الْأَغْنِيَاءِ غَيْرُ مَأْمُورٍ، وَفِي الْوَضْعِ فِي الْفُقَرَاءِ مَأْمُورٌ، فَمَتَى وَضَعَهُ فِي غَنِيٍّ فَإِنَّمَا وَضَعَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَيِّتِ، فَصَارَ مُخَالِفًا وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَضَعْ، فَلَهُ أَنْ يَضَعَهُ فِيمَنْ أُمِرَ بِالْوَضْعِ فِيهِ، فَأَمَّا إذَا وَضَعَهُ فِي وَارِثٍ فَقِيرٍ فَقَدْ وَضَعَهُ فِي مَحَلِّهِ، فَلَمْ يَصِرْ مُخَالِفًا؛ لِأَمْرِ الْمَيِّتِ، فَصَارَ دَفْعُهُ وَوَضْعُ الْمَيِّتِ فِيهِ سَوَاءً، وَالْمَيِّتُ لَوْ وَضَعَهُ فِيهِ كَانَتْ وَصِيَّةً لِلْوَارِثِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ إذَا لَمْ يُجِزْهَا الْوَرَثَةُ تَصِيرُ مِيرَاثًا، كَذَلِكَ هَا هُنَا.
٤١٧٥ - وَإِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ أَنْ يُجْعَلُ فَرَسُهُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ سِلَاحُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ يُجْعَلَ مُصْحَفُهُ حَبِيسًا يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ، أَوْ دَارٌ يَسْكُنُهَا الْغُزَاةُ، أَوْ يُؤَاجَرُ، فَيَكُونُ أَجْرُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ أَرْضٌ تُزْرَعُ فَتَكُونُ غَلَّتُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ أَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ عَبْدُهُ وَقْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ يَخْدُمُ الْغُزَاةَ أَوْ يُؤَاجَرَ فَتُقْسَمُ غَلَّتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إلَى رَبِّهِ، وَكَذَا حَبْسُ الْفَأْسِ وَالْقَدُومِ وَالْمَزَادِ والطنجير وَالشَّفْرَةِ فَهَذَا كُلُّهُ جَائِزٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ مِنْ الثُّلُثِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ دَارًا أَوْ عَقَارًا فَحَبْسٌ جَائِزٌ، وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مَنْقُولًا فَلَا يَجُوزُ حَبْسُهُ، إلَّا الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ
стр. 2021
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: الْحَبْسُ بَاطِلٌ فِي الْمَنْقُولِ وَغَيْرِ الْمَنْقُولِ إلَّا الْغَلَّةَ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ، نَحْوَ إنْ أَوْصَى بِغَلَّةِ عَبْدٍ أَوْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَتُعْطَى الْغَلَّةُ لِلْفُقَرَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
أَمَّا مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يُجِيزُ الْوَقْفَ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْقُرْبَةِ. وَكَذَلِكَ الْحَبْسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَائِزٌ. لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ مَوْجُودٌ فِيهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ حَفْصَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا سَبَّلَتْ مُصْحَفًا لَهَا.
وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلِأَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُ أَنَّ وَقْفَ الْمَنْقُولِ بَاطِلٌ فَكَذَلِكَ حَبْسُ الْمَنْقُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاطِلٌ، وَكَانَ يَقُولُ: الْقِيَاسُ أَلَّا يَجُوزَ وَقْفُ الْأَرَاضِي لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْطِيلِ الْمِلْكِ وَلَا تَمْلِيكَ مِنْ أَحَدٍ، إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ عَطَّلَ مِلْكَنَا عَنْ الْمَسَاجِدِ لِقُرْبَةٍ تَعَلَّقَتْ بِهَا، عَائِدٍ نَفْعُهَا إلَيْنَا مِنْ حَيْثُ الثَّوَابُ، فَجَوَّزْنَا فِي مِثْلِهِ فِي وَقْفِ الْأَرَاضِي؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْمَسَاجِدِ، فَإِنَّهَا تَبْقَى وَعَائِدُ نَفْعِهَا، كَالْمَسَاجِدِ، فَأَمَّا الْأَمْوَالُ الْمَنْقُولَةُ مَا وَجَدْنَا فِيهَا قُرْبَةً أَوْجَبَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - إلَّا قُرْبَةً تَقَعُ بِتَمْلِيكِ الْفَقِيرِ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إيجَابُ الْقُرْبَةِ مِنْ الْعَبْدِ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ إذْ إيجَابُ الْعَبْدِ (مِنْ الْقُرَبِ) مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ - تَعَالَى -.
فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ الْوَقْفَ وَالْحَبْسَ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ إذَا أَوْصَى بَعْدَ مَوْتِهِ إلَّا مَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْغَلَّةِ لَهَا أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُصْرَفَ غَلَّةُ بُسْتَانِهِ عَلَى
стр. 2022
الْفَقِيرِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، لِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ التَّمْلِيكِ، فَكَذَلِكَ حَبْسُ الْأَرَاضِي وَالْعَبْدِ وَالدَّارِ لِتَكُونَ غَلَّتُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ الْغَلَّةَ يُتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ مِمَّنْ يَغْزُو، فَتَصِيرُ مِلْكًا لِمَنْ يَأْخُذُهَا، يَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ.
فَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى تَمْلِيكِ الشَّيْءِ وَلَكِنْ فِيهِ انْتِفَاعٌ بِالْعَيْنِ، نَحْوَ سُكْنَى الدَّارِ وَرُكُوبِ الْفَرَسِ وَقِرَاءَةِ الْمُصْحَفِ وَلُبْسِ السِّلَاحِ وَخِدْمَةِ الْعَبِيدِ، لَا أَصْلَ فِي جَوَازِهِ فِي الشَّرْعِ إذَا وَقَعَ؛ لِأَقْوَامٍ مَجْهُولِينَ، فَإِنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبِيدِهِ لِقَوْمٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانُوا مَعْلُومِينَ جَازَ، وَهَا هُنَا وَقَعَ الْحَبْسُ؛ لِأَقْوَامٍ مَجْهُولِينَ فَلَا يَجُوزُ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ لَمْ يَكُنْ صَدَقَةً.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، فَلَا يَجُوزُ إذَا وَقَعَ لِقَوْمٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ. وَمَنْ أَخَذَ الْفَرَسَ الْحَبِيسَ لِيَرْكَبَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِهِ، وَالنَّفَقَةُ عَلَى مَنْ يَحْصُلُ لَهُ الْمَنْفَعَةُ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْعَبْدَ الْمُوصِي بِخِدْمَتِهِ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ مَا دَامَ يَخْدُمُهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِهِ، وَلَوْ اسْتَعَارَ فَرَسَهُ مِنْهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، فَكَذَلِكَ الْغَازِي نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ.
стр. 2023
وَكَذَلِكَ السِّلَاحُ يَكُونُ وَقْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ الثُّلُثِ، فَمَنْ أَخَذَهُ كَانَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ وَإِصْلَاحُهُ حَتَّى يَرُدَّهُ؛ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِهِ مَا لَمْ يَرُدَّهُ، فَإِذَا أَخَذَهُ غَيْرُهُ كَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَى الثَّانِي.
٤١٧٦ - فَإِنْ رَكِبَ الْوَصِيُّ الْفَرَسَ وَتَسَلَّحَ بِالسِّلَاحِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إذَا كَانَ الْوَصِيُّ غَيْرَ وَارِثٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُوصِي مَا يُوجِبُ خُرُوجَ هَذَا الْوَصِيِّ عَنْ الْوَصِيَّةِ، فَصَارَ هَذَا وَقَوْلُهُ ضَعْ فَرَسِي وَسِلَاحِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَيْثُ شِئْت سَوَاءً.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَهُ وَارِثًا لِلْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يَرْضَى جَمِيعُ الْوَرَثَةِ وَهُمْ كِبَارٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ وَصِيَّةً بِالْمَنْفَعَةِ لِلْوَارِثِ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ لِلْوَارِثِ لَا تَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
٤١٧٧ - فَإِنْ أَعْطَاهُ الْوَصِيُّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ بِغَيْرِ رِضَى بَقِيَّتِهِمْ فَنَفَقَ الْفَرَسُ تَحْتَهُ كَانَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُضَمِّنُوا قِيمَةَ الْفَرَسِ إنْ شَاءُوا الْوَصِيَّ الَّذِي أَعْطَى، وَإِنْ شَاءُوا الْوَارِثَ الَّذِي يَرْكَبُ.
؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ مُتَعَدٍّ فِي الدَّفْعِ، وَالْوَارِثَ مُتَعَدٍّ فِي الْقَبْضِ، فَيَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِتَعَدِّيهِ، كَمَا قُلْنَا فِي الْغَاصِبِ وَغَاصِبِ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ مِنْ الْغَاصِبِ.
فَأَيَّهُمَا ضَمَّنُوهُ الْقِيمَةَ أَمَرَ الْقَاضِي فَاشْتَرَى بِالْقِيمَةِ فَرَسًا آخَرَ، فَجُعِلَ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
стр. 2024
لِأَنَّ هَذَا بَدَلٌ عَنْ الْفَرَسِ، فَيُصْرَفُ إلَى فَرَسٍ آخَرَ لِيَقُومَ مَقَامَهُ، حَتَّى لَا تَنْقَطِعَ الصَّدَقَةُ عَنْ الْوَاقِفِ.
فَإِنْ ضَمِنَ الْوَارِثُ الْقِيمَةَ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْوَصِيِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
؛ لِأَنَّ الْفَرَسَ نَفَقَ بِفِعْلِهِ وَجِنَايَتِهِ، فَلَا يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى غَيْرِهِ، كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ مِنْ الْغَاصِبِ إذَا ضَمِنَ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ. وَإِنْ ضَمِنَ الْوَصِيُّ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْوَارِثِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ مَلَكَ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ كَمَا قُلْنَا فِي الْغَاصِبِ إذَا ضَمِنَ وَرَجَعَ بِهِ عَلَى غَاصِبِ الْغَاصِبِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ إذَا وَهَبَ الْغَصْبَ لِرَجُلٍ فَأَتْلَفَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ ثُمَّ ضَمِنَ الْغَاصِبُ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِشَيْءٍ، فَلِمَ يَرْجِعْ هُنَا؟ قُلْنَا: إذَا غَصَبَ الْغَاصِبُ أَوْ أَعَارَ فَقَدْ قَصَدَ أَنْ تَكُونَ الصِّلَةُ مِنْهُ لَا مِنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا مَلَكَ الْمَالَ بِالضَّمَانِ فَقَدْ تَمَّتْ الصِّلَةُ مِنْهُ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَأَمَّا هَا هُنَا إنَّمَا أَعَارَهُ لِيَكُونَ صِلَةً مِنْ الْمَيِّتِ لَا مِنْهُ، وَبِالضَّمَانِ لَمْ تَتِمَّ تِلْكَ الصِّلَةُ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ. وَنَظِيرُهُ رَجُلٌ أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَهَبَ مَالَ رَجُلٍ لِآخَرَ فَوَهَبَ، ثُمَّ إنَّ الْمُكْرَهَ ضَمِنَ لِصَاحِبِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالْمَالِ الْمَوْهُوبِ عَلَى الْمُوهَبِ لَهُ، لِمَا قُلْنَا: إنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِأَنْ تَكُونَ الصِّلَةُ مِنْهُ، إنَّمَا قَصَدَ بِأَنْ تَكُونَ الصِّلَةُ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ، فَإِذَا مَلَكَهُ رَجَعَ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.
стр. 2025
قَالَ: وَإِذَا أَوْصَى بِعَبْدٍ لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، يُدَاوِي الْجَرْحَى وَكَانَ طَبِيبًا، أَوْ يَسْقِي الْمَاءَ لِلْغُزَاةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ يُؤَاجَرُ فَيَصْرِفُ غَلَّتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذَا كُلُّهُ جَائِزٌ.
عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِمَا قُلْنَا إنَّ هَذَا مِنْ الْقُرَبِ. فَأَمَّا الْغَلَّةُ فَيُعْطَاهَا الْغُزَاةُ؛ لِأَنَّ الْغَلَّةَ صَدَقَةُ تَمْلِيكٍ، وَمَحَلُّ الصَّدَقَةِ الْفَقِيرُ دُونَ الْغَنِيِّ. وَأَمَّا الْمَاءُ فَيَسْقِي الْغُزَاةَ، مَنْ اسْتَسْقَاهُ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَكَذَلِكَ يَخْدُمُ الْغُزَاةَ، مَنْ اسْتَخْدَمَهُ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَدَقَةِ تَمْلِيكٍ بَلْ هِيَ إبَاحَةُ انْتِفَاعٍ، وَمَا كَانَ طَرِيقُهُ الْإِبَاحَةَ يَسْتَوِي فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، كَالْمَاءِ الْمَوْضُوعِ عَلَى الطَّرِيقِ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ شُرْبُهُ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ جَمِيعًا. وَكَذَلِكَ الْغَنِيُّ لَهُ أَنْ يَسْتَقِيَ الْمَاءَ مِنْ نَهْرِ الْغَيْرِ، وَمِنْ حَوْضِ الْغَيْرِ، كَالْفَقِيرِ سَوَاءٌ، وَأَفْضَلُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ يَقَعُ لَهُ الْكِفَايَةُ بِدُونِ ذَلِكَ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا فَيَخْدُمَهُ، وَالْفَقِيرُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ، فَكَانَ الْمُحْتَاجُ أَوْلَى بِالْخِدْمَةِ لَهُ.
٤١٧٩ - وَإِنْ جَعَلَ الْمَيِّتُ الْكُرَاعَ أَوْ السِّلَاحَ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا وَصَفْت لَك حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَإِذَا مَاتَ كَانَ مِيرَاثًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
لِأَنَّ الْوَقْفَ عِنْدَهُ بَاطِلٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُوصًى بِهِ، وَالْمُوصَى بِهِ هُوَ الْغَلَّةُ، وَقَدْ عُدِمَ هَا هُنَا فَبَطَلَ. وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُجِيزُ وَقْفَ الْمَنْقُولِ إلَّا فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَالْحَبِيسُ هُنَاكَ كُرَاعٌ وَسِلَاحٌ فَجَازَ عِنْدَهُمَا، إلَّا أَنَّ
стр. 2026
عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْإِخْرَاجُ مِنْ يَدِهِ شَرْطٌ بِأَنْ يَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ، لِيَكُونَ هُوَ الْقَيِّمُ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلَكِنْ الْإِشْهَادُ يَكْفِي، فَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إنَّ الْقَيِّمَ إنَّمَا يَقْبِضُهُ بِأَمْرِهِ، فَكَانَ يَدُ الْقَيِّمِ كَيَدِ الْوَاقِفِ، فَإِذَا كَانَتْ يَدُهُ كَيَدِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ دَارِهِ مَسْجِدًا فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مَسْجِدًا إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُمْ بِالصَّلَاةِ فِيهِ يَصِيرُ مَسْجِدًا.
وَلَا يُقَالُ: إنَّهُمْ يُصَلُّونَ بِإِذْنِهِ، فَيُجْعَلُ كَصَلَاتِهِ بِنَفْسِهِ بَلْ لَمْ يُجْعَلْ هَكَذَا فَكَذَلِكَ هَا هُنَا؛ وَلِأَنَّ الْأَمْوَالَ لَا تَبْقَى مَحْفُوظَةً إلَّا بِأَيْدِي الْعِبَادِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ يَدٍ مُسْتَحِقَّةٍ لِتَخَلُّفِ الْأُولَى، فَتَبْقَى فِي يَدِهِ مَحْفُوظَةً كَمَا جُعِلَتْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ صَارَتْ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِذَلِكَ كُلِّهِ الْقَيِّمُ وَوَلَدُهُ وَوَالِدُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ هَذَا فِي مَرَضِهِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ لِلْقَيِّمِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، فَإِذَا فَعَلَ فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ لِوَارِثِهِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ إذَا سَلَّمَ لَهُمْ ذَلِكَ الْقَيِّمُ الَّذِي وَلَّاهُ؛ لِأَنَّ مَا حَبَسَهُ فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ لَمْ يَكُنْ وَصِيَّةً.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ، وَيُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الدَّيْنِ، وَلَوْ أَرَادَ إبْطَالَهُ فِي حَيَاتِهِ لَمْ يَنْفُذْ، وَمَا لَمْ يَكُنْ وَصِيَّةً فَالْوَرَثَةُ وَغَيْرُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ.
٤١٨٠ - وَإِنْ مَاتَ الْقَيِّمُ فِي حَيَاةِ الَّذِي حَبَسَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْأَمْرُ فِيهِ إلَى مَنْ وَلَّاهُ الْقَيِّمُ.
ذَلِكَ لِأَنَّهُ هُوَ الْقَيِّمُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، فَالْقَائِمُ مَقَامَهُ يَكُونُ هُوَ الْقَيِّمُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَالْوَصِيُّ إذَا مَاتَ وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَإِنَّ الْوَصِيَّ الثَّانِيَ يَكُونُ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ،
стр. 2027
فَكَذَلِكَ هَا هُنَا وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَاضِي؛ إذَا فَوَّضَ الْقَضَاءَ إلَى غَيْرِهِ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّ الثَّانِيَ لَا يَكُونُ قَاضِيًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِمَامَ الَّذِي وَلَّى الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ كَانَ لَهُ وِلَايَةٌ بَعْدَ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ، وَلَمْ يَخْرُجْ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَيُوَلِّيَ غَيْرَهُ، فَلَمَّا كَانَتْ وِلَايَتُهُ بَاقِيَةً لَمْ يَجُزْ تَوْلِيَةُ الْقَاضِي غَيْرَهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَأَمَّا هَا هُنَا لَيْسَ لِلَّذِي حَبَسَ وِلَايَةٌ بَعْدَ مَا أُخْرِجَ مِنْ يَدِهِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَعْزِلَهُ وَيَسْتَبْدِلَ غَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَتْ الْوِلَايَةُ لِلْقَيِّمِ دُونَ الَّذِي حَبَسَ كَانَ لَهُ التَّفْوِيضُ إلَى غَيْرِهِ.
٤١٨١ - فَإِنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةٍ مِنْهُ لِأَحَدٍ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَجْعَلُ الْقَيِّمَ فِي ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ وَلَيْسَ لِلَّذِي حَبَسَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.
هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي كِتَابِهِ وَهِلَالٌ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ أَنَّ الَّذِي حَبَسَهُ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ، فَوَجْهُ تِلْكَ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَيِّمَ لَوْ وَلَّى غَيْرَهُ ثُمَّ مَاتَ جَازَتْ تَوْلِيَتُهُ، وَإِنَّمَا وَلَّاهُ لِوِلَايَةٍ مُسْتَفَادَةٍ مِنْ جِهَةِ الَّذِي حَبَسَ، فَلَمَّا جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ بِوِلَايَةٍ فَلَأَنْ يَجُوزَ لِلَّذِي حَبَسَ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ بِوِلَايَةِ نَفْسِهِ كَانَ أَوْلَى، وَالْوَجْهُ لِمَا ذَكَرْنَا هَا هُنَا، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا حَبَسَهُ وَسَلَّمَهُ إلَى الْقَيِّمِ فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَبِيسَ عَنْ مِلْكِهِ وَيَدِهِ، وَصَارَ هُوَ وَسَائِرُ الْأَجَانِبِ فِيهِ سَوَاءً.
وَكَمَا أَنَّ التَّدْبِيرَ لَيْسَ إلَى سَائِرِ الْأَجَانِبِ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ التَّدْبِيرُ إلَيْهِ.
٤١٨٢ - وَإِنْ جَعَلَهُ حَبِيسًا وَاشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الْقَيِّمُ فِيهِ فَهَذَا بَاطِلٌ فِي الْحُكْمِ
стр. 2028
لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقَيِّمُ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يُوجَدْ الْإِخْرَاجُ مِنْ يَدِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْحَبْسِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ الْإِخْرَاجُ مِنْ يَدِهِ وَالتَّسْلِيمُ إلَى غَيْرِهِ.
٤١٨٣ - وَإِنْ دَفَعَ ذَلِكَ إلَى قَيِّمٍ يَقُومُ بِهِ وَاشْتَرَطَ أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ الَّذِي حَبَسَ ذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ إلَى الَّذِي حَبَسَ ذَلِكَ، يَجْعَلُ فِيهِ مَنْ أَحَبَّ جَازَ مَا اشْتَرَطَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخْرَجَ عَنْ يَدِهِ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَيُرَاعَى شَرْطُهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ شَرْطًا آخَرَ؛ لِأَنَّ شُرُوطَ الْوَاقِفِ تُرَاعَى.
ثُمَّ هَذَا الشَّرْطُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ فَقَدْ تَمَّ الْوَقْفُ وَالْحَبْسُ، فَصَارَ هُوَ كَوَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ، فَكَانَ الْعَوْدُ إلَى يَدِهِ كَالْعَوْدِ إلَى يَدِ غَيْرِهِ لَا يُبْطِلُ الْحَبْسَ، فَالْعَوْدُ إلَى يَدِهِ مِثْلُهُ.
وَكَذَلِكَ إذَا شَرَطَ قَيِّمًا بَعْدَ قَيِّمٍ فَذَلِكَ إلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْقَيِّمِ الْأَوَّلِ أَنْ يَجْعَلَهَا إلَى غَيْرِ مَا شَرَطَ الَّذِي حَبَسَهَا؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ كَمَا رُوعِيَ فِي حَقِّ الْقَيِّمِ الْأَوَّلِ فَكَذَلِكَ يُرَاعَى فِي حَقِّ الْقَيِّمِ الثَّانِي، وَقَدْ وُجِدَ مِنْ وُقُوفِ السَّلَفِ هَكَذَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الشَّرْطِ جَائِزٌ فِي وِلَايَةِ السَّلْطَنَةِ وَالْإِمَارَةِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَنَّهُ بَعَثَ سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» ، وَكَانَ كَمَا قَالَ.
وَحُكِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ ابْنَ عَمِّهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ إخْوَتُهُ؛ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ:
стр. 2029
ثُمَّ بَعْدَهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ ثُمَّ أَنْتَ يَا هِشَامُ، ثُمَّ قَالَ: أَرَضِيت يَا أَصْلَعَ. فَلَمَّا جَازَ مِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ فِي وِلَايَةِ السَّلْطَنَةِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ أَوْلَى.
٤١٨٤ - وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ مَالًا فَقَالَ خُذْ هَذَا الْمَالَ فَجَاهِدْ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ قَالَ اُغْزُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَخَذَهُ الرَّجُلُ فَاشْتَرَى بِهِ مَتَاعًا وَكُرَاعًا وَسِلَاحًا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ الَّذِي أَعْطَى الْمَالَ إنْ كَانَ حَيًّا أَوْ وَرَثَتُهُ إنْ كَانَ مَيِّتًا: إنَّمَا أَعْطَاهُ الْمَالَ قَرْضًا لِيُجَاهِدَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَالَ الْمُعْطَى أَوْ وَرَثَتُهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ إيَّاهُ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى -، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْطَى فِي ذَلِكَ أَوْ وَرَثَتُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَجَاهِدْ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إضَافَةُ الْجِهَادِ إلَى فِعْلِ الْمُعْطِي لَا إلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِأَمْرٍ بِأَنْ يَأْتِيَ فِعْلَ الْجِهَادِ، وَإِذَا كَانَ الْجِهَادُ مُضَافًا إلَى فِعْلِهِ لَا إلَى الْمَالِ لَمْ يَصِرْ دَافِعًا لِلْمَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِيَصِيرَ صَدَقَةً، فَبَقِيَ قَوْلُهُ: خُذْ هَذَا الْمَالَ مُجَرَّدًا، وَهُوَ كَلَامٌ يَحْتَمِلُ الْقَرْضَ وَيَحْتَمِلُ الصَّدَقَةَ.
فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَبَرُّعٌ وَالْقَرْضُ أَقَلُّ التَّبَرُّعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْبَدَلَ، وَالصِّلَةُ لَا تُوجِبُ الْبَدَلَ فَحُمِلَ عَلَى الْأَقَلِّ؛ لِأَنَّ الْأَقَلَّ تَعَيَّنَ، وَهَذَا كَرَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَسَلَّمَهَا إلَى الزَّوْجِ مَعَ جِهَازِهَا، ثُمَّ مَاتَتْ الِابْنَةُ، فَقَالَ الزَّوْجُ: كَانَ الْمَالُ صِلَةً لَهَا فَلِي مِنْهُ الْمِيرَاثُ، وَقَالَ الْأَبُ: لَا بَلْ كُنْتُ أَعَرْتهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبِ لِمَا أَنَّ الْعَارِيَّةَ تَبَرُّعٌ وَالْهِبَةَ تَبَرُّعٌ، وَالْعَارِيَّةُ أَقَلُّهُمَا فَحُمِلَ عَلَى الْأَقَلِّ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.
فَإِنْ كَانَ الْمُعْطِي حَيًّا حَلَفَ أَلْبَتَّةَ بِاَللَّهِ مَا أَعْطَاهُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْقَرْضِ ثُمَّ أَخَذَ مَالَهُ
стр. 2030
لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ. وَحَلَفَتْ الْوَرَثَةُ عَلَى عِلْمِهِمْ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ صَاحِبَهُمْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ الْمَالَ.
؛ لِأَنَّهُمْ حَلَفُوا عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ يَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ.
٤١٨٥ - وَإِنْ تَصَادَقَا الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى لَهُ أَنَّ الْمُعْطِيَ أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَلَمْ يَنْوِ قَرْضًا وَلَا غَيْرَهُ فَالْمَالُ قَرْضٌ، وَلَا يَكُونُ صِلَةً لِمَا قُلْنَا: إنَّهُ أَقَلُّ التَّبَرُّعَيْنِ، وَكَانَ عَلَى الْأَقَلِّ حَتَّى يَثْبُتَ الْأَكْثَرُ، وَهَذَا فَصْلٌ يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ فَإِنَّهُ لَا رِوَايَةَ لَهُ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَاسْتَدَلَّ فِي الْكِتَابِ.
فَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَعْطَى رَجُلًا مَالًا فَقَالَ: حُجَّ بِهِ أَوْ أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك مَعَ عِيَالِك كَانَ ذَلِكَ قَرْضًا، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الصِّلَةَ، كَذَلِكَ هَا هُنَا، وَلَوْ قَالَ لَهُ: خُذْ هَذَا الْمَالَ فَهُوَ لَك فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَاتَ الَّذِي أَخَذَهُ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا، فَهُوَ لَهُ وَهُوَ مِيرَاثٌ لِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هُوَ لَك تَمْلِيكٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلْمِلْكِ، كَمَا إذَا قَالَ دَارِي لَك تَسْكُنُهَا كَانَ تَمْلِيكًا لِلرَّقَبَةِ، وَقَوْلُهُ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِبَارَةٌ عَنْ الصَّدَقَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ فَهُوَ لَك صَدَقَةٌ وَلَا يَكُونُ قَرْضًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ فِي الْغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قَالَ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ الْمَالُ صَدَقَةً
стр. 2031
لِأَنَّهُ أَضَافَ الْجِهَادَ أَوْ الْغَزْوَ إلَى الْمَالِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي هَذَا الْوَجْهِ فَهَذَا رَجُلٌ جَعَلَ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَكَانَ صَدَقَةً؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْأَخْذِ لِلَّهِ، وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ لِلَّهِ لَا يَكُونُ إلَّا صَدَقَةً عَلَى عِبَادِهِ.
٤١٨٦ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ فَاغْزُ بِهِ عَنِّي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ رُدَّ ذَلِكَ الْمَالُ عَلَى الْمُعْطِي، أَوْ عَلَى وَرَثَتِهِ.
؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْغَزْوِ عَنْهُ، وَالْغَزْو عَنْهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ مِنْ مَالِهِ، وَيَكُونَ الْغَازِي نَائِبًا عَنْهُ فِي الْإِنْفَاقِ، فَبَقِيَ الْمَالُ عَلَى مِلْكِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ انْقَطَعَ أَمْرُهُ فَيُرَدُّ الْمَالُ إلَى وَرَثَتِهِ. فَإِنْ اشْتَرَى بِذَلِكَ الْمَالِ سِلَاحًا أَوْ كُرَاعًا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَخَذَ جَمِيعَ مَا اشْتَرَى؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَزْوِ أَمْرٌ بِشِرَاءِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْغَزْوِ، وَالشِّرَاءُ وَقَعَ لِلْآمِرِ فَيَكُونُ لَهُ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ غَزَا وَفَضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَضْلٌ رُدَّ إلَيْهِ فَدَلَّ أَنَّ الشِّرَاءَ وَقَعَ لَهُ.
٤١٨٧ - وَلَوْ اشْتَرَى بِهِ مَتَاعًا أَوْ سِلَاحًا ثُمَّ بَدَا لِلْمُعْطِي أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ وَيَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُعْطِيَهُ غَيْرَهُ.
стр. 2032
٤١٨٨ - فَإِنْ قَالَ الْمُعْطِي: رُدَّ عَلَيَّ مَالِي وَلَك مَا اشْتَرَيْت، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَا اشْتَرَى؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَى وَكِيلٌ لَهُ فِي الشِّرَاءِ، فَالْمُشْتَرِي وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ.
٤١٨٩ - وَلَوْ قَالَ الْمُعْطِي أُعْطِيك مَالَك وَلِي مَا اشْتَرَيْت الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ لَهُ بِالشِّرَاءِ وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَحْبِسُ مَا اشْتَرَى عَنْ الْمُوَكِّلِ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ خُذْ هَذَا الْمَالَ فَجَاهِدْ بِهِ أَوْ اُغْزُ بِهِ، فَاشْتَرَى بِهِ الْمُعْطِي مَتَاعًا أَوْ سِلَاحًا أَوْ كُرَاعًا لِيَغْزُوَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْمَالِ: إنَّمَا أَعْطَيْتُك لِتَغْزُوَ عَنِّي فَرُدَّ عَلَيَّ الْمَتَاعَ، وَقَالَ الْمُعْطَى: أَعْطَيْته لِنَفْسِي صِلَةً أَوْ قَرْضًا فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَى الْمَتَاعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَتَاعَ وَالسِّلَاحَ وَالْكُرَاعَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَجَاهِدْ بِهِ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْجِهَادِ عَنْ الْمُعْطَى، وَيُحْتَمَلُ الْجِهَادُ عَنْ الْمُعْطِي، وَهُوَ الْمُجْمَلُ فَكَانَ الْبَيَانُ إلَيْهِ.
وَلِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ الْمُعْطِي لَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمَالِ عَنْ مِلْكِهِ، وَمَا ادَّعَاهُ الْمُعْطَى يُوجِبُ زَوَالَهُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى بَدَلٍ أَوْ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ، فَهُوَ يَدَّعِي أَكْبَرَ الْأَمْرَيْنِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
٤١٩٠ - وَإِذَا حَبَسَ الرَّجُلُ فَرَسَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَدَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ جَائِزٌ لَوْ قَالَ: إنْ اسْتَغْنَيْت
стр. 2033
أَوْ حَضَرَتْك الْوَفَاةُ فَادْفَعْهُ إلَى غَيْرِك حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمُحْبِسَ هَكَذَا شَرَطَ وَشَرْطُهُ مُعْتَبَرٌ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا جَعَلَ وَقْفًا عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ إنْ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ فَيُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ جَازَ مِنْ الْوَاقِفِ هَذَا الشَّرْطُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا،
٤١٩١ - فَإِنْ مَاتَ صَاحِبُ الْفَرَسِ الَّذِي جَعَلَهُ حَبِيسًا لَمْ يَكُنْ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، وَكَانَ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الزَّوَالَ قَدْ تَمَّ فَلَا يَصِيرُ مِيرَاثًا.
٤١٩٢ - فَإِنْ مَاتَ الَّذِي أَعْطَاهُ إيَّاهُ صَارَ حَبِيسًا عَلَى مَنْ أَعْطَاهُ الْمَيِّتُ، أَوْ عَلَى مَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِ حَبِيسًا، لَيْسَ لِصَاحِبِهِ الَّذِي حُبِسَ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ وُجِدَ.
٤١٩٣ - فَإِنْ اسْتَغْنَى الَّذِي جَعَلَهُ صَاحِبُهُ حَبِيسًا فِي يَدِهِ، أَوْ تَرَكَ الْجِهَادَ فَرَجَعَ إلَى أَهْلِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ يَكُونُ حَبِيسًا، لِلشَّرْطِ الَّذِي وُجِدَ مِنْ الْمُحْبِسِ، فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ ثُمَّ بَدَا لِلْأَوَّلِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْجِهَادِ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْحَبِيسَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ
стр. 2034
لِأَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا كَانَ أَوْلَى بِهِ مِنْ الثَّانِي؛ لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَلَمَّا سَلَّمَهُ إلَى الثَّانِي فَقَدْ زَالَتْ يَدُهُ وَصَارَ الْيَدُ لِلثَّانِي، فَكَانَ هُوَ أَوْلَى بِإِمْسَاكِهِ مِنْ الْأَوَّلِ.
٤١٩٤ - فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْفَرَسِ شَرَطَ لِلْأَوَّلِ أَنَّهُ إنْ جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ ثُمَّ احْتَاجَ إلَيْهِ أَوْ رَجَعَ إلَى الْغَزْوِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ. (كَانَ هَذَا الشَّرْطُ جَائِزًا) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْفَرَسِ هَكَذَا شَرَطَ فَيُرَاعَى شَرْطُهُ كَمَا فِي الْوَقْفِ إذَا جَعَلَهُ عَلَى أَوْلَادِ فُلَانٍ، فَإِنْ اسْتَغْنَوْا فَهُوَ لِفُلَانٍ فَإِنْ احْتَاجَ الْأَوْلَادُ دَخَلُوا فِي الْوَقْفِ ثَانِيًا جَازَ، وَكَانَ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي شَرَطَهُ، كَذَلِكَ هَا هُنَا.
٤١٩٥ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَبَسَ فَرَسًا أَوْ أَرْضًا أَوْ جَعَلَهَا وَقْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ هِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى صَاحِبِهَا الَّذِي حَبَسَهَا، أَوْ عَلَى وَرَثَتِهِ إنْ هَلَكَ أَوْ جَعَلَ حَبِيسًا عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، عَلَى أَنَّهُمْ إنْ هَلَكُوا رَجَعَ الْحَبِيسُ عَلَى الَّذِي حَبَسَهَا، كَانَ هَذَا حَبْسًا بَاطِلًا، لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إنْ شَاءَ، وَإِنْ مَاتَ كَانَ ذَلِكَ مِيرَاثًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَبِّدْ الْحَبْسَ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ التَّأْبِيدَ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْوَقْفِ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّأْبِيدُ مِنْ شَرْطِهِ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ، فَيُعْتَبَرُ بِالصَّدَقَةِ الْمَمْلُوكَةِ، وَالصَّدَقَةُ الْمَمْلُوكَةُ لَا يَجُوزُ تَوْقِيتُهَا، فَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ الْمَوْقُوفَةُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَجُوزُ الْوَقْفُ مُؤَقَّتًا وَمُؤَبَّدًا؛ لِأَنَّ فِي هَذَا تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ، وَقَدْ جَازَ مُؤَبَّدًا، فَلَأَنْ يَجُوزَ مُؤَقَّتًا أَوْلَى.
стр. 2035
أَلَا تَرَى) أَنَّ الْإِجَارَةَ تَجُوزُ مُؤَقَّتَةً وَلَا تَجُوزُ مُؤَبَّدَةً، ثُمَّ التَّأْبِيدُ لَمَّا لَمْ يُبْطِلْ الْوَقْفَ، فَالتَّوْقِيتُ أَوْلَى أَلَّا يُبْطِلَهَا.
٤١٩٦ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَبَسَ فَرَسًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا، وَدَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ حَبَسَهُ عَلَيْهِ، عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ، لَا يَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهِ وَلَا إلَى وَرَثَتِهِ، فَهَذَا جَائِزٌ مُسْتَقِيمٌ؛ لِأَنَّهُ أَبَّدَهُ، وَالْحَبْسُ مُؤَبَّدًا جَائِزٌ.
٤١٩٧ - فَإِذَا أَخَذَ صَاحِبُ الْحَبِيسِ الْفَرَسَ فَلَمْ يَغْزُ سَنَتَهُ تِلْكَ فَدَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ يَغْزُو عَلَيْهِ أَعَارَهُ إيَّاهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَغْنَى حَيْثُ لَمْ يَغْزُ تِلْكَ السَّنَةَ، فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ مَنَافِعَ الْفَرَسِ فِي بَابِ الْغَزْوِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْفَرَسَ مَا دَامَ هُوَ حَيًّا يَغْزُو، فَلَهُ أَنْ يُمَلِّكَ تِلْكَ الْمَنَافِعَ غَيْرَهُ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُحْبَسَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ أَقَلَّ حَالًا مِنْ الْمُسْتَعِيرِ، وَالْمُسْتَعِيرُ لِلدَّابَّةِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ رُكُوبَ نَفْسِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُعِيرَ غَيْرَهُ، فَهَا هُنَا أَوْلَى.
وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ لِأَنَّ مَقْصُودَ صَاحِبِ الْفَرَسِ حُصُولُ الثَّوَابِ لَهُ، وَإِذَا غَزَا الثَّانِي بِبَدَلٍ لَا يَحْصُلُ لِلْمُحْبِسِ ثَوَابٌ فِي الْأَجْرِ؛ وَلِأَنَّهُ مَلَكَ مَنَافِعَ هَذَا الْفَرَسِ بِغَيْرِ بَدَلٍ، فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُمَلِّكَ غَيْرَهُ بِبَدَلٍ.
следующие страницы →