← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

لِأَنَّ الْإِذْنَ ثَبَتَ لَهُ دَلَالَةً، وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْهُ إفْصَاحًا، وَلَا قِوَامَ لِلدَّلَالَةِ مَعَ النَّصِّ. ٤٣٢٢ - وَلَوْ كَانَ الْخَلِيفَةُ بَعَثَ عَلَى الْجُنْدِ أَمِيرًا وَعَلَى الْمَقَاسِمِ غَيْرَهُ كَانَتْ الْمَقَاسِمُ إلَى الَّذِي بُعِثَ عَلَى الْمَقَاسِمِ دُونَ الْأَمِيرِ. إلَّا أَنَّهُ لَوْ نَهَاهُ عَنْ الْقِسْمَةِ عَمِلَ نَهْيُهُ، فَإِذَا فَوَّضَ أَمْرَ الْقِسْمَةِ إلَى غَيْرِهِ عَمِلَ تَفْوِيضُهُ؛ وَهَذَا لِأَنَّ أَمْرَ الْقِسْمَةِ يَحْتَاجُ إلَى الْحِفْظِ، وَالْأَمَانَةِ، وَأَمْرُ الْجِهَادِ يَحْتَاجُ إلَى الْجُرْأَةِ وَالشَّجَاعَةِ، فَلَهُ أَنْ يُفَرِّقَ الْوِلَايَةَ فَيَجْعَلُ أَمْرَ الْقِسْمَةِ إلَى أَحْسَنِهِمْ وَأَحْفَظِهِمْ لِلْمَغْنَمِ، وَأَمْرَ الْجِهَادِ إلَى أَجْرَئِهِمْ وَأَشْجَعِهِمْ. ٤٣٣٣ - إلَّا أَنْ يُشْرِكَهُ الْخَلِيفَةُ فِي ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ الْقِسْمَةُ إلَيْهِمَا جَمِيعًا. لِأَنَّهُ خَصَّ الْأَمِيرَ بِأَمْرِ الْحَرْبِ، وَعَمَّهُمَا فِي أَمْرِ الْقِسْمَةِ، فَيُرَاعَى تَفْوِيضُهُ الْخَلِيفَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَمَنْ كَانَ إلَيْهِ الْقِسْمَةُ فَرَأَى أَنْ يَبِيعَ قَبْلَ أَنْ يَقْسِمَ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ. لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَتَهَيَّأُ قِسْمَةُ الْعَيْنِ؛ لِتَعَذُّرِ التَّعْدِيلِ بَيْنَ الْأَنْصِبَاءِ، فَتَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى بَيْعِهَا وَقِسْمَةِ أَثْمَانِهَا فَصَارَ الْبَيْعُ مِنْ تَوَابِعِ الْقِسْمَةِ، فَكُلُّ مَنْ فَوَّضَ إلَيْهِ الْقِسْمَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ صَارَ الْبَيْعُ الَّذِي هُوَ تَبَعُ الْقِسْمَةِ مُفَوَّضًا إلَيْهِ، كَمَا أَنَّهُ إذَا فَوَّضَ إلَيْهِ أَمْرَ الْحَرْبِ عَلَى الْإِجْمَالِ صَارَ أَسْبَابُهُ وَتَوَابِعُهُ مُفَوَّضًا إلَيْهِ. ٤٣٢٤ - وَإِنْ كَانَ أَمْرُ الْقِسْمَةِ إلَى الْأَمِيرِ فَرَأَى أَنْ يَقْتُلَ

стр. 2102

الْمُقَاتِلَةَ وَلَا يَقْسِمَهُمْ، وَكَانَ يَرَى ذَلِكَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَبَعْدَ مَا يُخْرِجُهُمْ. لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ التَّصَرُّفَ مِنْ حَيْثُ الْبَيْعُ وَالْقِسْمَةُ فَكَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْقَتْلُ أَيْضًا، مَا لَمْ يَأْتِ بِهِمْ الْخَلِيفَةُ. لِأَنَّهُ إذَا أَتَى بِهِمْ الْخَلِيفَةُ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْإِمْرَةِ؛ لِأَنَّ إمَارَتَهُ مُؤَقَّتَةٌ مَا دَامَ مُفَارِقًا عَنْ الْخَلِيفَةِ، فَإِذَا اتَّصَلَ بِالْخَلِيفَةِ فَقَدْ انْتَهَتْ إمَارَتُهُ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَذَا كَأَمِيرِ الْجُنْدِ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ فَكَانَ؛ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي السَّرِيَّةِ مَا دَامَ مُفَارِقًا لِأَمِيرِ الْجُنْدِ، فَإِذَا عَادَ وَاتَّصَلَ بِالْجُنْدِ لَمْ يَبْقَ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي أَمْرِ السَّرِيَّةِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا. ٤٣٢٥ - وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَمْلِكُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مَا دَامَ الْمُشْتَرَى فِي يَدِهِ، فَإِذَا سَلَّمَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ لَمْ يَبْقَ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ، لِمَا أَنَّ وَكَالَتَهُ قَدْ انْتَهَتْ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. وَإِنْ كَانَ الَّذِي إلَيْهِ الْمَقَاسِمُ غَيْرَ أَمِيرِ الْجُنْدِ فَلَيْسَ لِلَّذِي إلَيْهِ الْمَقَاسِمُ أَنْ يَقْتُلَ الْمُقَاتِلَةَ. لِأَنَّهُ فُوِّضَ إلَيْهِ أَمْرُ الْمَقَاسِمِ، وَلَمْ يُفَوَّضْ إلَيْهِ أَمْرُ الْقِتَالِ، وَالْقَتْلُ مِنْ الْقِتَالِ فَلَا يَمْلِكُهُ صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ. ٤٣٢٦ - فَلَوْ كَانَتْ الْمَقَاسِمُ إلَى غَيْرِ أَمِيرِ الْجُنْدِ فَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ فِيهَا نَاسٌ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، فَأَرَادَ الْأَمِيرُ قَتْلَهُمْ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْقِتَالِ عَلَى حَالِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُمْ الْأَمِيرُ

стр. 2103

؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْأُسَرَاءِ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِنْ الْقِتَالِ وَقَدْ فُوِّضَ إلَيْهِ أَمْرُ الْقِتَالِ، وَإِنْ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَبَقِيَتْ الْأُسَرَاءُ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَخَافُونَهُمْ أَوْ يَخَافُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ الْعَدُوُّ فَيَكُونُ الْأُسَرَاءُ مَعَهُمْ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّ الْحَرْبَ مَا دَامَ بَاقِيًا يُجْعَلُ كَأَنَّ الْقِتَالَ بَاقٍ. وَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ فِي حَالَةِ الْمُقَاتَلَةِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. ٤٣٢٧ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَخَافُونَهُمْ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّهُمْ قَدْ صَارُوا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَثَبَتَ حَقُّ الْقِسْمَةِ لِصَاحِبِ الْمَقَاسِمِ، فَلَيْسَ لِلْأَمِيرِ قَتْلُهُمْ. وَإِنْ قَتَلَهُمْ الْأَمِيرُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ لَا أَمَانَ لَهُمْ، وَلَوْ قَتَلَهُمْ غَيْرُ الْأَمِيرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَالْأَمِيرُ أَوْلَى أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ مُسِيءٌ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّهُ قَتَلَ، وَالْقَتْلُ غَيْرُ حَلَالٍ لَهُ. ٤٣٢٨ - وَإِنْ كَانَ إلَيْهِ الْقِسْمَةُ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ فِيهِمْ تَدْبِيرٌ مِنْ أَمْرِ الْقِسْمَةِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ كَمَا يَكُونُ لِلْخَلِيفَةِ.

стр. 2104

يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ أُتِيَ بِأُسَرَاءَ فَعَفَا عَنْهُمْ إلَّا وَاحِدًا أُخْبِرَ أَنَّهُ أَثْخَنَ فِي الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُ. قَالَ: ٤٣٢٩ - وَلَوْ أَنَّ وَالِيًا عَلَى ثَغْرٍ مِنْ الثُّغُورِ وَجَّهَ سَرِيَّةً إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ فِيهَا مُقَاتِلَةٌ، فَأَخْرَجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَيْسَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ مِنْ الْقِسْمَةِ شَيْءٌ بَعْدَ مَا يَخْرُجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ إمَارَتَهُ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُفَارِقًا عَنْ الْأَمِيرِ، فَإِذَا اتَّصَلَ بِأَمِيرِ الثَّغْرِ فَقَدْ انْتَهَتْ إمَارَتُهُ، فَلَا يَتَصَرَّفُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا كَأَمِيرِ الْجُنْدِ الَّذِي بَعَثَهُ الْخَلِيفَةُ عَلَى الْجُنْدِ، إذَا انْتَهَى إلَى الْخَلِيفَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ أَمْرِ الْقِسْمَةِ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، ثُمَّ أَمِيرُ الثَّغْرِ إنْ شَاءَ قَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَقَسَمَ الْبَاقِي، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ الْقَتْلَ، وَقَسَمَ الْكُلَّ. ٤٣٣٠ - وَإِنْ كَانَ أَمِيرَ الثَّغْرِ لَمْ يَنْهَ صَاحِبَ السَّرِيَّةِ حِينَ أَرْسَلَهُ إلَى دَارِ الشِّرْكِ عَنْ الْقِسْمَةِ، فَرَأَى أَنْ يَقْسِمَ مَا أَصَابَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَقَسَمَهُ وَعَزَلَ الْخُمُسَ فَذَلِكَ جَائِزٌ. لِأَنَّهُ وَالٍ مَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ السَّرِيَّةِ فِيمَا أَصَابُوا حَقٌّ، فَجَازَ لَهُ الْقِسْمَةُ. ٤٣٣١ - وَإِنْ رَأَى أَنْ يَقْتُلَ الْمُقَاتِلَةَ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ. لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إلَيْهِ فَكَانَ الْقَتْلُ إلَيْهِ.

стр. 2105

فَإِنْ نَهَاهُ أَمِيرُ الثَّغْرِ عَنْ الْقِسْمَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْسِمَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ أَحَدًا. لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ مِنْ جِهَةِ الْوَالِي فَلَا يَتَعَدَّى أَمْرَهُ، إلَّا أَنْ يَخَافَ الْأُسَرَاءَ، فَحِينَئِذٍ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ، كَمَا يَقْتُلُهُمْ فِي حَالَةِ الْمُحَارَبَةِ. ٤٣٣٢ - وَلَوْ أَنَّ جُنْدًا دَخَلَ أَرْضَ الْحَرْبِ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ، فَوَجَّهَ السَّرَايَا حِينَ دَخَلَ أَرْضَ الْحَرْبِ، وَلَمْ يُنَفِّلْهُمْ شَيْئًا، فَأَصَابَتْ السَّرَايَا غَنَائِمَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أُمَرَاءِ السَّرَايَا أَنْ يَقْسِمُوا شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْغَنَائِمِ حَتَّى يَأْتُوا بِهَا إلَى الْعَسْكَرِ. لِأَنَّ الْعَسْكَرَ رِدْءٌ لِلسَّرِيَّةِ، فَلَهُمْ شَرِكَتُهُمْ فِيمَا يُصِيبُونَ، وَأَمِيرُ السَّرِيَّةِ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى السَّرِيَّةِ، وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْجُنْدِ، فَلَوْ جَازَ قِسْمَةُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْعَسْكَرِ مِنْ غَيْرِ وِلَايَةٍ لَهُ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ السَّرِيَّةِ الَّتِي تَدْخُلُ أَرْضَ الْإِسْلَامِ إذَا أَصَابُوا غَنَائِمَ فَقَسْمُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ مَا أَصَابُوا بَيْنَ السَّرِيَّةِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا شَرِكَةَ لِغَيْرِ السَّرِيَّةِ فِيمَا أَصَابُوا، فَتَصَرُّفُ الْأَمِيرِ لَا يَعْدُو السَّرِيَّةَ إلَى غَيْرِهِمْ، وَلَهُ وِلَايَةٌ عَلَى السَّرِيَّةِ فَجَازَتْ قِسْمَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ. ٤٣٣٣ - فَإِنْ كَانَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ أَمَرَ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَ مَا أَصَابُوا وَيَقْسِمَ بَيْنَ السَّرِيَّةِ مَا أَصَابُوا فَفَعَلَ ذَلِكَ جَازَ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ إذَا قَسَمُوا فِيهِ نَصِيبٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِالْقِسْمَةِ فَقَدْ جَعَلَ مَا أَصَابُوا لِلسَّرِيَّةِ خَاصَّةً، وَقَطَعَ حَقَّ الْعَسْكَرِ عَمَّا أَصَابُوا، ثُمَّ هَذَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ جُعْلًا فَإِنَّهُ فَصْلٌ يَسَعُ فِيهِ

стр. 2106

اجْتِهَادُ الرَّأْيِ. فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ، يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَابُ لِلسَّرِيَّةِ خَاصَّةً، فَالْأَمِيرُ حَيْثُ أَمَرَ بِالْقِسْمَةِ فَإِنَّمَا أَمَرَ مُتَأَوِّلًا لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَأَمْرُ الْأَمِيرِ مَتَى صَادَفَ فَصْلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ نَفَذَ أَمْرُهُ، وَإِنْ قَطَعَ حَقَّ الْعَسْكَرِ عَمَّا أَصَابُوا إذْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ، فَجَازَ قِسْمَةُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ. ٤٣٣٤ - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ بَعَثَ سَرَايَا وَنَفَلَهُمْ أَنْفَالًا فَقَالَ لِسَرِيَّةٍ مِنْهُمْ: مَنْ أَصَابَ رَأْسًا فَهُوَ لَهُ، وَقَالَ لِسَرِيَّةٍ أُخْرَى: لَكُمْ الرُّبُعُ بَعْدَ الْخُمُسِ مِمَّا أَصَبْتُمْ، وَقَالَ لِسَرِيَّةٍ أُخْرَى: مَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ رَأْسًا فَلَهُ نِصْفُهُ فَخَرَجُوا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ فِيهَا مُقَاتِلَةٌ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ أَنْ يَقْتُلَ مِنْهُمْ أَحَدًا. لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا أَصَابُوا نَفْلٌ، لَمْ يَكُنْ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ نَفْلٌ أَوْلَى أَلَّا يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ. ٤٣٣٥ - فَإِذَا انْتَهَوْا بِهِمْ إلَى الْمُعَسْكَرِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَمِيرِ الْعَسْكَرِ أَنْ يَقْتُلَ مِنْهُمْ أَحَدًا. لِأَنَّهُ بِنَفْسِ الْإِصَابَةِ قَدْ ثَبَتَ فِيهِ النَّفَلُ لِأَصْحَابِ النَّفْلِ، وَالنَّفَلُ حَقٌّ خَاصٌّ لِأَهْلِهِ، لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ، فَصَارَ النَّفَلُ كَحَقِّ الْغَانِمِينَ فِي الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَلَيْسَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا لَا يَقْتُلُ أَحَدًا مِنْهُمْ لِحَقِّ النَّفْلِ.

стр. 2107

٤٣٣٦ - إلَّا أَنْ يَخَافَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ نَظَرَ الْجُنْدَ قَدْ أَقْبَلَ يُرِيدُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيَخَافُ أَنَّهُ إنْ أَتَاهُ ذَلِكَ الْجُنْدُ كَانَ الْأُسَرَاءُ عَوْنًا عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ. لِأَنَّ فِي هَذَا مَصْلَحَةً وَنَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ وَحَالَةُ الْمُحَارَبَةِ سَوَاءً. ٤٣٣٧ - وَلَوْ أَنَّ جُنْدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ وَعَلَيْهِمْ أَمِيرٌ مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ، فَدَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ، وَخَلَّفُوا مَدَائِنَ كَثِيرَةً مِنْ مَدَائِنِ الْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلُوا عَلَى مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِهِمْ فَدَعَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَجَابُوهُمْ إلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَقْبَلُونَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إذَا أَسْلَمُوا. لِأَنَّ الْقِتَالَ إنَّمَا شُرِعَ لِقَبُولِ الْإِسْلَامِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] فَإِذَا أَسْلَمُوا يَجِبُ الْقَبُولُ مِنْهُمْ، ثُمَّ الْأَمِيرُ يَدَعُهُمْ فِي أَرْضِهِمْ، وَيَسْتَعْمِلُ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَحْكُمُ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْمَدِينَةَ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَمِيرٍ بَيْنَهُمْ يُجْرِي فِيهِمْ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ إذَا انْصَرَفَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْجُنْدُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْأَمِيرَ يَدَعُهُمْ وَمَا اخْتَارُوا

стр. 2108

لِأَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَسَاءُوا فِي الِاخْتِيَارِ فَيَتْرُكُهُمْ وَسُوءَ اخْتِيَارِهِمْ وَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى التَّحْوِيلِ. لِأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ فِي مَدِينَةِ الْإِسْلَامِ فَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى التَّحْوِيلِ. وَلَا يَدَعُ عِنْدَهُمْ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَخَافَةً عَلَيْهِ أَلَّا تَطِيبَ نَفْسُهُ. لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا عَلَى التَّلَفِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْرِيضُهُ عَلَى التَّلَفِ إلَّا بِرِضَاهُ. ٤٣٣٨ - فَإِنْ أَبَوْا الْإِسْلَامَ فَدَعَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ فَأَجَابُوا إلَى ذَلِكَ وَأَبَوْا التَّحَوُّلَ مِنْ دَارِهِمْ، وَقَالُوا: أَعْطُونَا الْعَهْدَ عَلَى أَنْ نَكُونَ فِي مَوْضِعِنَا لَا نَبْرَحُ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ إذَا أَقَامُوا مَعَهُمْ يَقْوُونَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَكَانُوا مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَجْعَلَهُمْ الْأَمِيرُ ذِمَّةً وَيَجْعَلَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَحْكُمُ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ وَيَجْعَلُ مَعَ الْأَمِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقْوَى عَلَى الْمُقَامِ مَعَهُمْ فِي دَارِهِمْ. لِأَنَّ قَبُولَ الْفُرْقَةِ وَاجِبٌ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . وَهَذِهِ ذِمَّةٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَمِيرَ يُجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ، وَبِإِجْرَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ يَصِيرُونَ ذِمَّةً، وَمَدِينَتُهُمْ تَصِيرُ مَدِينَةَ الْإِسْلَامِ، فَيُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ.

стр. 2109

٤٣٣٩ - وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَوْضِعُ لَمْ يَقْوَ مَنْ تُرِكَ فِيهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَحْكُمُوا فِيهَا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَسَعْ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجِيبُوهُمْ إلَى هَذَا وَلَكِنَّهُمْ يَجْعَلُونَهُمْ ذِمَّةً إذَا خَرَجُوا بِعِيَالَتِهِمْ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ دَارَ الشِّرْكِ إنَّمَا تَصِيرُ دَارَ الْإِسْلَامِ بِإِجْرَاءِ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا، وَأَهْلُ الشِّرْكِ إنَّمَا يَصِيرُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِإِجْرَاءِ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ عَجَزَ الْأَمِيرُ عَنْ إجْرَاءِ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، فَكَانُوا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُوَادِعِينَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَهْلُ الْحَرْبِ مَتَى طَلَبُوا مُوَادَعَتَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُوَادَعَتُهُمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ ظَاهِرًا، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لَا يَجِبُ قَبُولُ هَذِهِ الذِّمَّةِ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمُوا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ مِنْ الْإِمَامِ، فَإِذَا أَسْلَمُوا صَارُوا مُسْلِمِينَ، فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ الْأَمِيرُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ يَخْلُفُ فِيهِمْ رَجُلًا يُجْرِي فِيهِمْ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ، إنْ قَدَرُوا وَإِلَّا يَتْرُكُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، «وَقَدْ أَسْلَمَ أَهْلُ نَجْرَانَ وَأَهْلُ الْيَمَامَةِ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، قَوْمٌ كَثِيرٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَتَرَكَهُمْ عَلَى ذَلِكَ» . ٤٣٤٠ - فَإِنْ أَجَابُوا إلَى التَّحَوُّلِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْبَوْا عَلَيْهِمْ وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ يَظْفَرُونَ بِهِمْ. لِأَنَّهُمْ فِي الْحَالِ مُمْتَنِعُونَ، فَلَمْ يَصِيرُوا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ فَيَجِبُ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَالْكَفُّ عَنْهُمْ.

стр. 2110

فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ تَرَكُوا فِيهَا قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَوَوْا عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا أَعَانَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ فَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ نَكُونُ ذِمَّةً لَكُمْ وَتَخْلُفُونَ قَوْمًا نُقَاتِلُ مَعَهُمْ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا؛ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي هَذَا تَعْرِيضًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْهَلَاكِ إذْ أَهْلُ الذِّمَّةِ كُفَّارٌ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَغْدِرُوا بِهِمْ، وَيَقْتُلُوهُمْ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى إجْرَاءِ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِرِضَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَانَ أَهْلُ الذِّمَّةِ هُمْ الَّذِينَ يُجْرُونَ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ لَا يُجْرِيهَا إلَّا الْمُسْلِمُونَ. ٤٣٤١ - فَإِنْ طَلَبَ أَهْلُ الرِّدَّةِ الْمُوَادَعَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنْظُرُوا فِي أَمْرِهِمْ فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُوَادِعُوهُمْ؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّهُ قَالَ: هَلَّا حَبَسْتُمُوهُ فِي بَيْتٍ وَطَيَّنْتُمْ عَلَيْهِ بَابًا، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَإِنْ ثَبَتَ فِي الْوَاحِدِ ثَبَتَ فِي الْجَمَاعَةِ. ٤٣٤٢ - وَأَهْلُ الْبَغْيِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ إذَا طَلَبُوا إلَى الْمُسْلِمِينَ الْمُوَادَعَةَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ حَتَّى يَنْظُرُوا فِي أَمْرِهِمْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُوَادِعَهُمْ أَهْلُ الْعَدْلِ. لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ فَهُمْ أَوْلَى بِالْمُوَادَعَةِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى ذَلِكَ خَرَاجًا.

стр. 2111

لِأَنَّ الْخَرَاجَ يُشْبِهُ الْجِزْيَةَ وَهُمْ مُسْلِمُونَ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ خَرَاجٌ. ٤٣٤٣ - فَإِنْ أَخَذُوا مِنْهُمْ الْخَرَاجَ يُوقَفُ ذَلِكَ حَتَّى إذَا تَابُوا رُدَّ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ مَالَ أَهْلِ الْبَغْيِ لَا يُغْنَمُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَدَّ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ مَالَهُمْ حَتَّى يَلَغَهُ الْكَلْبُ - فَإِنْ قُتِلُوا رُدَّ إلَى وَرَثَتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا كَانَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ. ٤٣٤٤ - فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ أَهْلُ الْبَغْيِ، وَلَمْ يَتُوبُوا، حَتَّى اسْتَهْلَكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْضَ تِلْكَ الْأَمْوَالِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ ضَامِنٌ. لِأَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ مُوَادِعُونَ فَمَالُهُمْ فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. . ٤٣٤٥ - وَلَوْ كَانَ الْكُفَّارُ مُوَادِعِينَ فَأَتْلَفَ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَالَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَمِنَ، فَهَاهُنَا أَوْلَى أَنْ يَضْمَنَ، وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مُوَادِعِينَ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَإِنَّهُ إذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ مُسْتَهْلِكٌ وَهُمْ عَلَى حَرْبِهِمْ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ نَفْسَهُ لَا يَضْمَنُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَتْلَفَ مَالَهُ لَا يَضْمَنُ. ٤٣٤٦ - فَإِنْ لَمْ يَسْتَهْلِكْهُ حَتَّى وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا فَتَفَرَّقُوا ثُمَّ تَابُوا ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ ضَمِنَ لِلْمَالِكِ أَوْ لِلْوَرَثَةِ.

стр. 2112

لِأَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ غَيْرِ مُحَارِبٍ فِي حَالَةِ الِاسْتِهْلَاكِ فَيَضْمَنُ بِالِاسْتِهْلَاكِ كَمَا فِي سَائِرِ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . ٤٣٤٧ - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْجُنْدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ افْتَتَحُوا حِصْنًا مِنْ حُصُونِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ الْحِصْنِ مَطْمُورَةٌ فِيهَا قَوْمٌ يُقَاتِلُونَ، فَأَسْلَمُوا، فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَاهِرِينَ لَهُمْ فَهُمْ فَيْءٌ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُمْ، يُخَمَّسُونَ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَصَابَهُمْ. لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ مَقْهُورِينَ فَقَدْ صَارُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ إسْلَامِهِمْ، فَإِسْلَامُهُمْ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ. فَلَا يُقْتَلُونَ. لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، وَالْإِسْلَامُ يُحْرِزُهُمْ عَنْ الْقَتْلِ، وَلَا يُحْرِزُهُمْ عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ. ٤٣٤٨ - فَإِنْ كَانُوا مُمْتَنِعِينَ فِي الْمَطْمُورَةِ وَلَا يُوصَلُ إلَيْهِمْ إلَّا بِالْقِتَالِ، وَأَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ سَيَظْفَرُونَ بِهِمْ، فَأَسْلَمُوا فَهُمْ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا مُمْتَنِعِينَ فَلَمْ يَصِيرُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، فَهَؤُلَاءِ أَسْلَمُوا قَبْلَ ثُبُوتِ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، فَكَانُوا أَحْرَارًا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُسْتَرَقُّ. ٤٣٤٩ - وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْحِصْنِ حُوصِرُوا فَأَسْلَمُوا وَهُمْ مَحْصُورُونَ فَهُمْ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.

стр. 2113

وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْمَطْمُورَةِ إذَا دَعَوْا الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً لَهُمْ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ، وَسِعَ الْمُسْلِمِينَ أَلَّا يُعْطُوهُمْ ذِمَّةً. لِأَنَّهُمْ صَارُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَجَرَى عَلَيْهِمْ السَّبْيُ، وَمَنْ طَلَبَ الذِّمَّةَ بَعْدَ مَا جَرَى عَلَيْهِ السَّبْيُ فَإِنَّهُ لَا يُجَابُ إلَى ذَلِكَ. ٤٣٥٠ - وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ إنْ شَاءُوا أَنْ يَجْعَلُوهُمْ فَيْئًا وَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَوْا الذَّرَارِيَّ وَإِنْ كَانُوا مُمْتَنِعِينَ وَيَرَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُمْ سَيَظْفَرُونَ بِهِمْ لَا يَنْبَغِي لِأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمْنَعَهُمْ عَنْ ذَلِكَ بَلْ يَجْعَلُهُمْ أَحْرَارًا ذِمَّةً. لِأَنَّهُمْ لَوْ سَأَلُوا الذِّمَّةَ قَبْلَ الِاسْتِغْنَامِ لَمْ يُمْنَعُوا، لَمَّا أَنَّ الذِّمَّةَ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا. قَالَ: ٤٣٥١ - وَإِنْ حَاصَرَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ أَهْلَ مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الْعَدُوِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نُسْلِمُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ نَصِيرُ ذِمَّةً وَلَا نَبْرَحُ مَنَازِلَنَا، فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقْوُونَ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا مَعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقْوَى عَلَى قِتَالِ مَنْ يَحْضُرُ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَيَحْكُمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَعَلَ ذَلِكَ الْأَمِيرُ.

стр. 2114

لِأَنَّ إجْرَاءَ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِهِمْ مُمْكِنٌ، وَالدَّارُ تَصِيرُ دَارَ الْمُسْلِمِينَ بِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَجْعَلُهَا الْإِمَامُ دَارَ إسْلَامٍ وَيَجْعَلُ الْقَوْمَ أَهْلَ ذِمَّةٍ. ٤٣٥٢ - فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَقْوُونَ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا فِي دَارِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُقَاتِلُ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يُجِيبُوا الذِّمِّيِّينَ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَخْرُجُوا عَنْ تِلْكَ الدَّارِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِمَا قُلْنَا: إنَّ هَذَا لَيْسَ بِذِمَّةٍ مِنْهُمْ إنَّمَا هَذَا طَلَبُ الْمُوَادَعَةِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُوَادِعُوهُمْ. ٤٣٥٣ - وَأَمَّا الَّذِينَ أَسْلَمُوا مَعَهُمْ فَهُمْ أَحْرَارٌ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْمُقَامِ بِبِلَادِهِمْ. لِأَنَّ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ لَا يُجْبَرُ عَلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِ إلَى دَارِ غَيْرِهِ. ٤٣٥٤ - فَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُونَ دَعُوا مَعَنَا قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُونَ قُوَّةً لَنَا عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مَنْ يُتْرَكُ مَعَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَقْوُونَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ دَارَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.

стр. 2115

٤٣٥٥ - وَإِنْ كَانَ مَنْ يُتْرَكُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَقْوُونَ إلَّا بِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَإِنْ خَافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْهُمْ أَنْ يَرْتَدُّوا فَيَقْتُلُوا الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخَلِّفَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافَ عِدَّةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ - وَإِنْ عَلِمَ حَقِيقَةَ إسْلَامِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَنَّهُمْ مُنَاصِرُونَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يَجْعَلَ مَعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقْوَى بِهِمْ وَيَقْوُونَ بِهِ، وَيُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا يَحْكُمُ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ؛ لِمَا قُلْنَا إنَّ الْإِمَامَ مَتَى أَمْكَنَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْمَدِينَةَ دَارًا لِلْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَعَلَ، وَقَدْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً مِمَّنْ يَقُومُ بِبِلَادِهِ. لِأَنَّ الْمَدِينَةَ صَارَتْ دَارًا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنْ سَأَلَ الذِّمَّةَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَحُكْمَ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَتْ إجَابَتُهُ إلَيْهِ. ٤٣٥٦ - وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ فِي جَمِيعِ مَا سَأَلُوا أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً فَإِنْ طَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِالْخُرُوجِ مَعَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَرَأَى قِتَالَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يَظْفَرُوا بِهِمْ فَقَاتَلَهُمْ وَظَفِرَ بِهِمْ فَخَمَّسَهُمْ، وَقَسَمَ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ جَازَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ قَاتَلَهُمْ وَهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ لَا أَمَانَ لَهُمْ. وَلَكِنَّ الْأَمِيرَ أَخْطَأَ حِينَ لَمْ يَقْبَلْ الذِّمَّةَ.

стр. 2116

لِأَنَّ قَبُولَ الذِّمَّةِ وَاجِبٌ فَقَدْ تَرَكَ مَا هُوَ الْوَاجِبُ فَيَكُونُ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ. ٤٣٥٧ - وَإِذَا دَعَوْا إلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَهَذَا لَا يُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْبَى عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ الْقِتَالَ شُرِعَ؛ لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ، فَلَا مَعْنَى لِرَدِّ الْإِسْلَامِ وَالْقِتَالُ شُرِعَ لِأَجْلِهِ. فَإِنْ أَبَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَسْلَمُوا ثُمَّ قَاتَلُوا وَظَفِرَ عَلَيْهِمْ خَلَّى سَبِيلَهُمْ وَسُلِّمَتْ لَهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَبَطَلَ مَا كَانَ حُكِمَ فِيهِمْ مِنْ سَبْيٍ أَوْ قِسْمَةٍ. لِأَنَّهُمْ لَمَّا أَسْلَمُوا صَحَّ إسْلَامُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فَقَدْ قَاتَلُوهُمْ وَهُمْ مُسْلِمُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْمُسْلِمُ لَا يُسْتَرَقُّ وَلَا يُسْتَغْنَمُ مَالُهُ، فَيَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَمَا أَرَاقُوا مِنْ دِمَائِهِمْ. ٤٣٥٨ - وَإِنْ كَانُوا دَعَوْا إلَى أَنْ يُسْلِمُوا وَيَكُفَّ عَنْهُمْ فَأَبَى الْأَمِيرُ أَنْ يُجِيبَهُمْ إلَى ذَلِكَ فَقَاتَلَهُمْ وَلَمْ يُسْلِمُوا فَأَصَابَهُمْ فَقَدْ أَخْطَأَ فِيمَا صَنَعَ؛ لِمَا قُلْنَا أَنَّهُمْ لَوْ طَلَبُوا الذِّمَّةَ وَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُمْ، فَإِذَا طَلَبُوا الْإِسْلَامَ أَوْلَى أَنْ يَكُفَّ عَنْهُمْ، وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فَدَمُهُ مَوْضُوعٌ وَمَا اُسْتُهْلِكَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ. لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَصَابُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ وَهُمْ كُفَّارٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ إلَّا إرَادَةُ الْإِسْلَامِ وَبِالْإِرَادَةِ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا، فَدَمُ الْكَافِرِ وَضَمَانُ مَالِهِ مَوْضُوعٌ. ٤٣٥٩ - وَأَمَّا مَا بَقِيَ مِنْهُمْ وَمِنْ أَمْوَالِهِمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا رَدَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إلَيْهِمْ، وَكَانُوا أَحْرَارًا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.

стр. 2117

لِأَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوا أَنْ يُسْلِمُوا وَيَكُفَّ عَنْهُمْ فَقَدْ حَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُقَاتَلَتَهُمْ وَأَسْرَهُمْ، فَلَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَسْرَهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُمْ بِالْأَسْرِ، فَبَقُوا أَحْرَارًا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ. ٤٣٦٠ - بِخِلَافِ مَا إذَا طَلَبُوا الذِّمَّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَقَسَمَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُرَدُّونَ أَحْرَارًا تُوضَعُ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ. لِأَنَّ هُنَاكَ سَأَلُوا الْبَقَاءَ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْكُفْرُ سَبَبٌ لِإِبَاحَةِ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ فِي الْأَصْلِ، فَالْإِمَامُ إنَّمَا سَبَاهُمْ وَمَنَعَهُمْ الذِّمَّةَ فِي مَوْضِعٍ يَسَعُ فِيهِ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ، فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَجَازَ سَبْيُهُ، فَلَا يُرَدُّ، فَأَمَّا هَا هُنَا سَأَلُوا مِنْ الْإِمَامِ الْكَفَّ عَنْهُمْ لِيُسْلِمُوا وَالْإِسْلَامُ عَاصِمٌ فَحُرْمَةُ السَّبْيِ هَا هُنَا أَقْوَى وَآكَدُ فَلَا يَسَعُ فِيهِ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ. فَإِذَا أَسْلَمُوا فَقَدْ ظَهَرَ خَطَأُ الْإِمَامِ بِيَقِينٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَ عَنْ خَطَئِهِ وَيَرُدَّهُمْ أَحْرَارًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَصْدَ إلَى الْإِسْلَامِ مُعْتَبَرٌ بِحَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ، وَالْمُسْلِمُ حَقِيقَةً إنْ حَارَبَ الْمُسْلِمَ لَا يُسْبَى، فَكَذَلِكَ إذَا قَصَدَ الْإِسْلَامَ. وَأَمَّا الْقَصْدُ إلَى الذِّمَّةِ مُعْتَبَرٌ بِحَقِيقَةِ الذِّمَّةِ، وَالذِّمِّيُّ حَقِيقَةً إذْ حَارَبَهُ الْمُسْلِمُ فِي فِئَةٍ مُمْتَنِعَةٍ يُسْبَى وَيُسْتَرَقُّ، فَكَذَلِكَ إذَا اُعْتُبِرَ الْقَصْدُ بِالْحَقِيقَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 2118

[بَابُ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الْمُسْلِمُ عَلَى إسْلَامِ الْكَافِرِ] ٢٠٨ - بَابُ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الْمُسْلِمُ عَلَى إسْلَامِ الْكَافِرِ قَالَ مُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ٤٣٦١ - إذَا سَبَى الْمُسْلِمُونَ سَبْيًا مِنْ الرُّومِ فَشَهِدَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حُرًّا وَعَبْدًا وَمَحْدُودًا فِي قَذْفٍ أَوْ امْرَأَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ رَضِيَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ هَذَا الْأَسِيرَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَوَصَفَ الشَّاهِدُ إسْلَامَهُ صَلَّى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُ. لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَقَوْلُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي أُمُورِ الدِّينِ مَقْبُولٌ، كَمَا يُقْبَلُ فِي الْأَخْبَارِ عَنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ، وَكَمَا يُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَكَمَا يُقْبَلُ فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌. ٤٣٦٢ - يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ ذِي لَقْوَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ «اسْتَغْفَرَ لِلنَّجَاشِيِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حِينَ أَتَاهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ قَدْ صَدَّقَ بِهِ» . ثُمَّ قَالَ فِي الْكِتَابِ:

стр. 2119

٤٣٦٣ - وَوَصَفَ الشَّاهِدُ إسْلَامَهُ قَالَ: هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ، إنْ كَانَ الشَّاهِدُ فَقِيهًا لَا يُسْتَفْسَرُ، بَلْ يَجْرِي عَلَى إبْهَامِهِ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الشَّاهِدُ جَاهِلًا فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَفْسَرَ، فَإِنْ فَسَّرَ الشَّاهِدُ وَوَصَفَ إسْلَامَهُ عَلَى الْمِقْدَارِ الْمَفْرُوضِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ. وَلَوْ كَانَ حَيًّا فَشَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ لَمْ يَكُنْ حُرًّا بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ حَتَّى يَشْهَدَ مُسْلِمَانِ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا فِي الْحُقُوقِ، وَذَكَرَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. ٤٣٦٤ - أَنَّ الْإِمَامَ إذَا فَتَحَ حِصْنًا فَشَهِدَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ لِوَاحِدٍ أَنَّهُ كَانَ حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ قَالَ: إنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ أَوْ يُبَاعَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ شَهِدَ بَعْدَ مَا قَسَمَ أَوْ بِيعَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. فَقَدْ قَسَمَ الْجَوَابَ ثَمَّةَ وَأَطْلَقَ الْجَوَابَ هَا هُنَا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَا ذَكَرَ هَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ شَهِدَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَمَّا إذَا أُشْهِدَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ قَبْلَ الْبَيْعِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، فَإِذَا حُمِلَ عَلَى هَذَا صَارَتْ الْمَسْأَلَتَانِ عَلَى رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالثَّانِيَةُ تَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْأُولَى، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْأَعْمَشُ يَقُولُ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافُ رِوَايَتَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ، إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَفِي الْبَابِ الثَّانِي إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ تُقْبَلُ، فَالْوَجْهُ لِمَا ذَكَرَ هَا هُنَا وَهُوَ أَنَّهُ بِالْأَسْرِ ثَبَتَ فِيهِ حَقُّ الْغَانِمِينَ، وَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ إبْطَالُ

стр. 2120

حَقِّ الْغَانِمِينَ، فَلَا يَبْطُلُ إلَّا بِالشَّهَادَةِ الَّتِي تَبْطُلُ بِهَا الْحُقُوقُ فِي الْأَحْكَامِ، كَمَا أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ الْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ وَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ مِلْكُ الْمُشْتَرِي، وَلَا الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ فِي الشَّهَادَةِ الْقَائِمَةِ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ إنَّهَا مَقْبُولَةٌ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، غَيْرُ مَقْبُولَةٍ فِي حَقِّ التَّوْرِيثِ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَكَذَلِكَ هَا هُنَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَاحِدِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَا يُقْبَلُ فِي إبْطَالِ الْأَسْرِ، وَالْوَجْهُ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ، وَإِنْ ثَبَتَ فِيهِ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَسْرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ يَحِقُّ لِرَجُلٍ خَاصٍّ، بَلْ الْحَقُّ فِيهِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ بِشَهَادَتِهِ لَيْسَ يُبْطِلُ حَقًّا خَاصًّا لِرَجُلٍ مُعَيَّنٍ، فَجُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، فَيُقْبَلُ إذْ حُرْمَةُ الِاسْتِرْقَاقِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ مِلْكًا خَالِصًا لِرَجُلٍ مُعَيَّنٍ، فَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا يُقْبَلُ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلِأَنَّ قَوْلَ هَذَا الرَّجُلِ لَا يَكُونُ أَقَلَّ حَالًا مِنْ السِّيمَاءِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يُجْعَلُ فَيْئًا فَبِقَوْلِ الْمُسْلِمِ الْعَدْلِ أَوْلَى، فَأَمَّا الْفَاسِقُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي مِثْلِ هَذَا وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُسْتَغْفَرُ لَهُ بِشَهَادَتِهِ، لِأَنَّ الْفَاسِقَ يَتَبَيَّنُ فِي نَبَئِهِ - وَإِنْ كَانَ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَهَذَا فَصْلٌ يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الطَّحْطَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّ الْوَاحِدَ إذَا شَهِدَ رُؤْيَةَ هِلَالِ رَمَضَانَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا، لِأَنَّ لَهُ حَظًّا مِنْ هَذِهِ الشَّهَادَةِ، فَلَا يَكُونُ مُتَّهَمًا فَيُقْبَلُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ فَأَخْبَرَهُ مُسْلِمٌ أَنَّ عَلَيْك الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ فَاسِقًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.

стр. 2121

[بَابُ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ] ٢٠٩ - بَابُ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ ٤٣٦٥ - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ أَوْ كَانَ فِيهِمْ أَسِيرًا أَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَدْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَوَجَدَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ عَبِيدِي وَإِمَائِي اشْتَرَيْتهمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ فَإِنْ صَدَّقَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ بِمَا قَالَ فَهُمْ رَقِيقُهُ كَمَا قَالَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمَانَ بِالْإِيمَانِ أَعْلَى حَالًا مِنْ الْأَمَانِ بِالِاسْتِئْمَانِ. ٤٣٦٦ - وَلَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ آمَنَهُ الْإِمَامُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْحِصْنَ فَقَالَ الَّذِي أُومِنَ هَؤُلَاءِ عَبِيدِي وَإِمَائِي، وَصَدَّقُوهُ بِذَلِكَ كَانَ آمِنًا بِجَمِيعِ مَا قَالَ، فَهَا هُنَا أَوْلَى، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُمْ لَمَّا صَدَّقُوهُ فَقَدْ ظَهَرَ لَهُ الْيَدُ فِيهِمْ، لِأَنَّ أَقْصَى مَا يَظْهَرُ مِنْ ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَى الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ أَنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِهِ، يَخْدُمَانِهِ وَيُقِرَّانِ لَهُ بِالْيَدِ، وَقَدْ وَجَدَ هَذِهِ الصِّفَةَ هَا هُنَا فَصَارُوا

стр. 2122

فِي يَدِهِ، وَالْيَدُ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، فَكَانُوا مِلْكًا لَهُ وَمِلْكُ الْمُسْلِمِ لَا يُسْبَى وَلَا يُسْتَغْنَمُ. ٤٣٦٧ - وَإِنْ كَذَّبُوهُ بِمَا قَالَ فَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا جَحَدُوا دَعْوَاهُ لَمْ يَصِيرُوا فِي يَدِهِ فَقَدْ ادَّعَى شَيْئًا لَا دَلِيلَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ يَدٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَمْ يُصَدَّقْ، وَإِذَا لَمْ يُصَدَّقْ فَهَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ حَرْبِيُّونَ، وَلَا أَمَانَ لَهُمْ فَيُسْبَوْنَ، وَلَا شَيْءَ لِهَذَا الْمُسْتَأْمَنِ أَوْ الْمُسْلِمِ مَعَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ يُخَمِّسُونَ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَصَابُوا ذَلِكَ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ هَذَا الْمُسْتَأْمَنَ أَوْ الْمُسْلِمَ لَمْ يَدْخُلْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ دَارَ الْحَرْبِ لِلْغَزْوِ، وَإِنَّمَا هُوَ لَاحِقٌ بِهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَسِيرَ أَوْ الْمُسْتَأْمَنَ إذَا لَحِقَ بِالْجُنْدِ فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيمَا كَانُوا أَصَابُوا مِنْ الْغَنَائِمِ مِنْ قَبْلُ، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ شَرِيكَهُمْ فِيمَا أَصَابُوا فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. ٤٣٦٨ - وَإِنْ صَدَّقَهُ بَعْضُهُمْ وَكَذَّبَهُ بَعْضُهُمْ فَاَلَّذِينَ صَدَّقُوهُ عَبِيدٌ لَهُ وَأَمَّا الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَهُمْ فَيْءٌ. لِأَنَّ الْبَعْضَ مُعْتَبَرٌ بِالْكُلِّ وَالْكُلُّ لَوْ صَدَّقُوهُ كَانُوا عَبِيدًا لَهُ، وَلَوْ كَذَّبُوهُ جَمِيعًا كَانُوا فَيْئًا كُلُّهُمْ فَإِذَا وَجَدَ التَّصْدِيقَ مِنْ الْبَعْضِ وَالتَّكْذِيبَ مِنْ الْبَعْضِ رَدَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ إلَى أَصْلِهِ. ٤٣٦٩ - وَكَذَلِكَ مَا وَجَدَ فِي يَدِهِ مِنْ مَالٍ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ بَقَرٍ فَقَالَ: هَذَا لِي اتَّجَرْت فِي هَذِهِ الْبِلَادِ، فَأَصَبْته فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ وَهُوَ لَهُ.

стр. 2123

لَمَّا قُلْنَا: إنَّ الْيَدَ دَلِيلٌ عَلَى الْمِلْكِ فِي الْحَرْبِيِّ الَّذِي أُومِنَ عَلَى مَالِهِ فَهَذَا أَوْلَى، فَلَأَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ دَلِيلًا عَلَى مِلْكِهِ أَوْلَى. ٤٣٧٠ - وَلَوْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَسِيرًا مُسْلِمًا أَوْ مُسْلِمًا مُسْتَأْمَنًا أَوْ مُسْلِمًا قَدْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَقَدْ وُجِدَ مَعَهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَسَبْيٌ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَذَلِكَ لَيْسَ فِي يَدِهِ أَوْ لَا يَدْرِي أَفِي يَدِهِ ذَلِكَ أَمْ لَا فَادَّعَى أَنَّهُ لَهُ وَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَذَلِكَ جَمِيعًا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَصَابُوهُ. لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا وَجَدُوهُمْ فَقَدْ صَارُوا فَيْئًا لَهُمْ فِي الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدَّقُ الْمُدَّعِي عَلَى مَا ادَّعَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ. ٤٣٧١ - فَإِذَا كَانُوا عَنْهُ غَائِبِينَ لَيْسُوا فِي يَدِهِ أَوْ لَمْ يَدْرِ أَنَّهُمْ فِي يَدِهِ أَوْ لَا وَلَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ فَلَمْ يُصَدَّقْ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَهُ أَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي يَدِهِ يَوْمَ افْتَتَحَ الْحِصْنَ، أَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ الْمَنْزِلَ الَّذِي وَجَدَ ذَلِكَ فِيهِ مَنْزِلُهُ، قُبِلَتْ شَهَادَةُ شُهُودِهِ فِي ذَلِكَ وَرُدَّ ذَلِكَ كُلُّهُ إلَيْهِ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ وَلَوْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ مُعَايَنَةً أَوْ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي يَدِهِ مُعَايَنَةً وَصَدَّقُوهُ بِذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَصِرْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَيْئًا، فَكَذَلِكَ إذَا أَثْبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، ثُمَّ هَذَا الْجَوَابُ يَسْتَقِيمُ فِي الْمُسْتَأْمَنِ

стр. 2124

وَالْأَسِيرِ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ، فَأَمَّا فِي الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَدِهِ يَوْمَ فَتْحِ الْحِصْنِ فَكَذَلِكَ يَسْتَقِيمُ الْجَوَابُ، عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ أَنَّهُ يَرُدُّ الْمَالَ إلَيْهِ فَأَمَّا إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ لَهُ فَإِنَّ الْجَوَابَ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ يَرُدُّ إلَيْهِ مُسْتَقِيمٌ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الْجَوَابُ وَيَكُونُ فَيْئًا؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِلْكًا لَهُ وَهُوَ فِي يَدِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ يَكُونُ فَيْئًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ فَيْئًا فَيَكُونُ كَمَالِ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ وَهَا هُنَا لَمْ نَعْرِفْ أَنَّهُ فِي يَدِ هَذَا الْمُسْلِمِ وَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِلْكُهُ بِالْبَيِّنَةِ فَيَكُونُ فَيْئًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يَكُونُ فَيْئًا. ٤٣٧٢ - فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ كَانُوا فِي يَدِهِ حِينَ افْتَتَحَ الْحِصْنَ أَوْ فِي مَنْزِلِهِ، وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهُمْ عَبِيدُهُ وَإِمَاؤُهُ وَهُمْ يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لَهُ وَإِمَاءَهُ، وَقَالُوا: كُنَّا أَحْرَارًا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ وَكَانُوا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يُثْبِتُوا لِلْمُدَّعِي إلَّا مُجَرَّدَ الْيَدِ، وَالْيَدُ فِي بَنِي آدَمَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَمْلُوكٌ، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى الْمِلْكِ لِذِي الْيَدِ بَعْدَ مَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مَمْلُوكًا فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ صَبِيٌّ صَغِيرٌ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ رَجُلٌ بَالِغٌ، فَزَعَمَ ذُو الْيَدِ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَقَالَ الصَّبِيُّ: لَا بَلْ أَنَا حُرُّ الْأَصْلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّبِيِّ أَنَّهُ حُرٌّ، وَلَوْ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ عَبْدٌ وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَنَا عَبْدُ فُلَانٍ لِرَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ ذِي الْيَدِ، وَفُلَانٌ يَدَّعِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي الْعَبْدُ فِي يَدِهِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ عَقِبَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ رَأَيْته فِي يَدِ غَيْرِك، وَسِعَك أَنْ تَشْهَدَ بِالْمِلْكِ لَهُ، مَا خَلَا الْعَبْدَ

стр. 2125

وَالْأَمَةَ، فَإِذَا لَمْ تَدُلَّ الْيَدُ عَلَى الْمِلْكِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ إنَّا أَحْرَارٌ، وَصَارُوا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، قَالَ: ٤٣٧٣ - وَلَا يُقْبَلُ فِي هَذَا إلَّا شَهَادَةُ الْعُدُولِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ تُبْطِلُ حَقَّ الِاسْتِغْنَامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُقْبَلُ عَلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ إلَّا شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ. ٤٣٧٤ - وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ يُوجَدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنًا أَوْ أَسِيرًا فَيَدَّعِي مِثْلَ مَا يَدَّعِي الْمُسْلِمُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْت لَك، مَا صَدَّقَ فِيهِ الْمُسْلِمَ صَدَّقَ فِيهِ الذِّمِّيَّ وَمَا لَا فَلَا. لِأَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ مَعْصُومٌ عَنْ الِاسْتِغْنَامِ كَمَالِ الْمُسْلِمِ، فَيَسْتَوِي الْجَوَابُ فِي الذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِ جَمِيعًا. ٤٣٧٥ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمَ أَوْ الذِّمِّيَّ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ امْرَأَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ فَسَأَلُوهُ عَنْهَا فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَتِي تَزَوَّجْتهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى النِّكَاحِ وَالنِّكَاحُ يَثْبُتُ بِالتَّصَادُقِ، وَالْمَرْأَةُ فَيْءٌ صَدَّقَتْهُ عَلَى النِّكَاحِ أَوْ كَذَّبَتْهُ. لِأَنَّ تَزْوِيجَهُ لَوْ كَانَ ظَاهِرًا عِيَانًا لَمْ يُخَلِّصْهَا مِنْ السَّبْيِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا أَوْلَى. قَالَ: وَلَا يَكُونُ تَزْوِيجُهُ إيَّاهَا أَمَانًا لَهَا؛

стр. 2126

لِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَوْ أَفْصَحَ لَهَا بِالْأَمَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَجُزْ أَمَانُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كَذَا هَا هُنَا لَا تَصِيرُ بِالتَّزْوِيجِ آمِنَةً فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى. ٤٣٧٦ - فَإِنْ كَانَ مَعَهَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَوْلَادِي مِنْهَا وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ، فَالْأَوْلَادُ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُسْلِمًا فَهُمْ مُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ ذِمِّيًّا فَهُمْ ذِمِّيُّونَ بِذِمَّتِهِ. لِأَنَّ الْأَوْلَادَ فِي يَدِهَا فَلَمَّا صَدَّقَتْهُ عَلَى دَعْوَاهُ فَقَدْ صَارَتْ هِيَ وَالْأَوْلَادُ الَّذِينَ فِي يَدِهَا فِي يَدِ الزَّوْجِ، وَإِذَا أَثْبَتَ الْيَدَ لِلزَّوْجِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا فِي يَدِهِ فَيَكُونُ حُرًّا، لِأَنَّهُ وَلَدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ حُرَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ حُرٌّ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ، وَالْمَرْأَةَ وَإِنْ كَانَتْ حَرْبِيَّةً فَهِيَ حُرَّةٌ إلَى أَنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا، وَإِذَا وَلَدَتْ حُرَّةً كَانَ هَذَا الْوَلَدُ حُرًّا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا تَبَعًا لِأَبِيهِ وَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ لَا يُسْتَرَقُّ. ٤٣٧٧ - وَإِنْ كَانَتْ حُبْلَى فَهِيَ وَمَا فِي بَطْنِهَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَصَابُوهَا. لِأَنَّ الْوَلَدَ مَا دَامَ فِي بَطْنِهَا فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَبَعْضٌ مِنْ أَبْعَاضِهَا يُفْصَلُ عَنْهَا بِالْمِقْرَاضِ ثُمَّ هِيَ إذَا صَارَتْ فَيْئًا فَالْوَلَدُ الَّذِي هُوَ بَعْضُهَا يَصِيرُ فَيْئًا تَبَعًا لَهَا. فَإِذَا وُلِدَ فَإِنْ كَانَ أَبُوهُ مُسْلِمًا كَانَ مُسْلِمًا؛

стр. 2127

لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُنَافِي الرِّقَّ وَالسَّبْيَ فَيَكُونُ عَبْدًا لِمَنْ أَصَابَهُ. وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَهُوَ ذِمِّيٌّ أَيْضًا. وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَعْرُوفَةً أَنَّهَا فِي يَدِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ أَوْ وَجَدَهَا الْمُسْلِمُونَ أَمَةً وَمَعَهَا أَوْلَادُهَا صِغَارٌ فَقَالَ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ: هِيَ امْرَأَتِي وَهَؤُلَاءِ وَلَدِي وَكَذَّبَتْهُمَا بِمَا قَالَا، وَقَالَتْ: هَؤُلَاءِ وَلَدِي وَلَسْت لِهَذَا الْمُدَّعِي بِزَوْجَةٍ وَلَا هَؤُلَاءِ أَوْلَادٌ لَهُ فَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يَثْبُتُ لِتَكْذِيبِهَا. ٤٣٧٨ - ثُمَّ الْقِيَاسُ أَنَّ الْأَوْلَادَ فَيْءٌ مَعَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الْأَوْلَادُ أَوْلَادُ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ وَالْمَرْأَةُ فَيْءٌ. فَوَجْهُ الْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَوْلَادَ فِي حِجْرِهَا وَفِي يَدِهَا وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَثْبُتْ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهَا يَدٌ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ يَدٌ عَلَى الْأَوْلَادِ الَّذِينَ فِي يَدِهَا، فَقَدْ ادَّعَى الْأَوْلَادَ وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ يَدٌ فَلَا يُصَدَّقُ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ عَرَفَ كَوْنَ الْمَرْأَةِ فِي يَدِهِ وَكَوْنَهَا فِي يَدِهِ يُوجِبُ كَوْنَ الْأَوْلَادِ فِي يَدِهِ. ٤٣٧٩ - وَإِذَا صَارُوا فِي يَدِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي حُرِّيَّةِ الْأَوْلَادِ وَالنَّسَبِ، فَكَانَ تَكْذِيبُهَا بِمَنْزِلَةِ تَصْدِيقِهَا إذْ أَمْرُ الْحُرِّيَّةِ أَوْسَعُ وَأَسْهَلُ.

стр. 2128

أَلَا تَرَى) أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ صَبِيٌّ صَغِيرٌ فَقَالَ هَذَا لَقِيطٌ الْتَقَطْته قُبِلَ قَوْلُهُ وَكَانَ حُرًّا، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ تَحْرِيرَهُ وَإِعْتَاقَهُ وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِسَعَةِ أَمْرِ الْحُرِّيَّةِ. ٤٣٨٠ - وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ وَلَدُهُ مِنْهَا، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ أَنَّهَا فِي يَدِ الْمُسْلِمِ وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. لِمَا قُلْنَا: إنَّ الْيَدَ فِيهَا غَيْرُ دَالَّةٍ عَلَى الرِّقِّ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى أَنَّهَا أَمَتُهُ وَأَنْكَرَتْ هِيَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا أَنَّهَا حُرَّةٌ فَكَانَتْ فَيْئًا. ٤٣٨١ - وَكَذَلِكَ إذَا أَنْكَرَتْ أُمُومِيَّةَ الْوَلَدِ فَالْأَوْلَادُ أَوْلَادُهُ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ فِي الِاسْتِحْسَانِ. لِمَا قُلْنَا: إنَّهُ عُرِفَ لَهُ يَدٌ فِيهَا فَكَانَ يُثْبِتُ بِذَلِكَ يَدَهُ عَلَى الْأَوْلَادِ الَّذِينَ فِي يَدِهَا فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهَا. ٤٣٨٢ - وَإِنْ صَدَّقَتْهُ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُسْلِمِ وَلَا تَكُونُ فَيْئًا وَالْأَوْلَادُ أَحْرَارٌ. لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى بَعْدَ ظُهُورِ يَدِهِ فِيهَا أَنَّهَا أَمَتُهُ وَصَدَّقَتْهُ فِي ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَلَمْ تَكُنْ فَيْئًا فَلَأَنْ يُصَدَّقَ عَلَى أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ أَوْلَى.

стр. 2129

٤٣٨٣ - فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ أَوْ لَا يَدْرِي أَكَانَتْ فِي يَدِهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ، فَقَالَ: هَذِهِ زَوْجَتِي أَوْ أُمُّ وَلَدِي وَهَذِهِ الْوَلَدُ الَّذِينَ فِي يَدِهَا وَلَدِي فَإِنْ أَقَرَّتْ بِذَلِكَ كَانُوا وَلَدَهُ، وَثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ وَكَانُوا أَحْرَارًا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ الْأَوْلَادَ يَحْتَاجُونَ إلَى ثُبُوتِ نَسَبٍ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِتَصْدِيقِ ذِي الْيَدِ وَإِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ فَهُمْ ذِمِّيُّونَ أَوْ مُسْلِمُونَ فَلَا يُسْتَرَقُّونَ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ ادَّعَى النِّكَاحَ كَانَتْ فَيْئًا. لِأَنَّ النِّكَاحَ الظَّاهِرَ لَا يَمْنَعُ السَّبْيَ وَالِاسْتِرْقَاقَ فَهَا هُنَا أَوْلَى أَلَّا يَمْنَعَ. ٤٣٨٤ - وَإِنْ أَقَرَّتْ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا فِي الِاسْتِحْسَانِ. لِأَنَّ أُمُومِيَّةَ الْوَلَدِ تَثْبُتُ تَبَعًا لِلنَّسَبِ وَالنَّسَبُ قَدْ ثَبَتَ فَثَبَتَتْ أُمُومِيَّةُ الْوَلَدِ تَبَعًا لَهُ وَأُمُّ الْوَلَدِ لَا تُسْبَى. وَإِنْ كَذَّبَتْهُ بِمَا قَالَ كَانَتْ الْمَرْأَةُ وَوَلَدُهَا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ ادَّعَى وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا وَفِي أَوْلَادِهَا يَدٌ ظَاهِرَةٌ وَذُو الْيَدِ كَذَّبَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ كَمَا لَا تُقْبَلُ مَتَى وَقَعَتْ الدَّعْوَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. ٤٣٨٥ - إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ فَالْأَوْلَادُ أَحْرَارٌ وَكَانَتْ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَتَكُونُ الزَّوْجَةُ فَيْئًا.

стр. 2130

لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. ٤٣٨٦ - فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ ظَهَرَ عَلَيْهِ كَانَ الْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِيمَا إذَا عَرَفَ أَنَّهَا فِي يَدِهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ سَوَاءٌ، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَالْأَوْلَادُ ثَابِتُو النَّسَبِ مِنْهُ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ تَكُونُ فَيْئًا وَإِنْ كَذَّبَتْهُ فَالْأَوْلَادُ أَحْرَارٌ وَهِيَ فَيْءٌ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ. لِأَنَّ الرِّقَّ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ مَعَ الْإِنْكَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ: ٤٣٨٧ - وَإِذَا وُجِدَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ الَّذِي وَصَفْت لَك رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ فَقَالَ: هَذَا عَبْدِي أَوْ أَمَتِي جِئْت بِهِمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَصَدَّقْته بِذَلِكَ الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ، فَهُوَ مُصَدَّقٌ عَلَى مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتهمْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَصَدَّقُوهُ فِي ذَلِكَ صُدِّقَ فَلَأَنْ يُصَدَّقَ هَا هُنَا أَوْلَى. وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّهُ يُسَاوِي الْمُسْلِمَ فِي عِصْمَةِ مَالِهِ فَكَذَلِكَ يُسَاوِيهِ فِي حُكْمِهِ. ٤٣٨٨ - فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَتِي جِئْت بِهَا مَعِي مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهَا. لِأَنَّ إقْرَارَ الرَّجُلِ جَائِزٌ بِأَرْبَعٍ، بِالْمَرْأَةِ وَالْأَبِ وَالِابْنِ وَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ، فَعَمِلَ

стр. 2131

إقْرَارَهُ بِأَنَّهَا امْرَأَتِي وَيَثْبُتُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا بِتَصَادُقِهِمَا وَإِذَا ثَبَتَ النِّكَاحُ بَقِيَتْ عَلَى الْحُرِّيَّةِ ضِمْنًا تَبَعًا لَهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِأَنَّهَا امْرَأَتُهُ. ٤٣٨٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ فَقَالَ: هَذِهِ ابْنَتِي أَوْ أُخْتِي أَوْ أُمِّي أَوْ عَمَّتِي أَوْ ذَاتُ رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنِّي، وَصَدَّقَتْهُ بِذَلِكَ، فَهِيَ حُرَّةٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا أَمَّا إذَا قَالَ: هَذِهِ ابْنَتِي فَلِأَنَّ النَّسَبَ قَدْ يَثْبُتُ فَصَارَتْ كَالِابْنَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَأَمَّا فِي ذَوَاتِ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ فَالْقَرَابَةُ الَّتِي تُدَّعَى لَا تَثْبُتُ لَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ لَا تَثْبُتُ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي دَارِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِنَّ. لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ اسْتَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ فَخَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: هَذِهِ أَخَوَاتِي وَعَمَّاتِي وَخَالَاتِي قُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِنَّ، وَصِرْنَ آمِنَاتٍ تَبَعًا لَهُ، لِمَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُنَّ لَا يَخْرُجْنَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا بِمَحْرَمٍ. ٤٣٩٠ - وَكَذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِ فِيهِنَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَيُجْعَلْنَ تَبَعًا لَهُ فِي الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُنَّ لَا يَخْرُجْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ. ٤٣٩١ - فَإِذَا كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا رَجُلٌ كَبِيرٌ فَقَالَ: هَذَا ابْنِي أَوْ شَيْخٌ، فَقَالَ: هَذَا أَبِي فَصَدَّقَهُ الرَّجُلُ بِذَلِكَ فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ. لِأَنَّ الْأُبُوَّةَ وَالْبُنُوَّةَ تَثْبُتُ بِتَصَادُقِهِمَا لِمَا قُلْنَا: إنَّ إقْرَارَ الرَّجُلِ بِالِابْنِ وَالْأَبِ

стр. 2132

جَائِزٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ جَائِزٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَإِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ ثَبَتَتْ الْحُرِّيَّةُ تَبَعًا لَهُ فَلَا يُسْتَرَقُّ لِمَا مَرَّ. ٤٣٩٢ - فَإِنْ قَالَ: هَذَا أَخِي أَوْ عَمِّي أَوْ خَالِي أَوْ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلَ مَعِي، أَوْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَةٌ فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ دَخَلَتْ مَعِي فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا صُدِّقَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، إذَا صَدَّقَهُ بِذَلِكَ الَّذِي مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي يَقُولُ: هَذَا لِلْمُسْلِمِينَ ذِمِّيًّا لَمْ يُصَدَّقْ. لِأَنَّ الذِّمِّيَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَوْ خَرَجَ بِرِجَالٍ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ إخْوَانِي وَأَعْمَامِي لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَلَمْ يَكُونُوا تَبَعًا لَهُ فِي الْأَمَانِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُ الذِّمِّيِّ لَا يُقْبَلُ فِيهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا يَكُونُونَ تَبَعًا لَهُ. ٤٣٩٣ - وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَلَا شَهَادَةَ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ فِي أُمُورِ دِينِنَا. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، فَأَمَّا قَوْلُ الْمُسْلِمِ: إنَّهُ عَمِّي، أَوْ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلَ مَعِي شَهَادَةً مِنْهُ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَقَوْلُ الْوَاحِدِ فِي أُمُورِ الدِّينِ مَقْبُولٌ. ٤٣٩٤ - فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي مَعَ الذِّمِّيِّ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ وَعَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي لِبَاسِهِ وَهَيْئَتِهِ صُدِّقَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلَمْ يَكُنْ فَيْئًا.

стр. 2133

لِأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الرَّجُلِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ إذَا كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ، وَوَقَعَ فِي الْقَلْبِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَإِذَا كَانَ مَعَ السِّيمَاءِ قَوْلُ الذِّمِّيِّ أَوْلَى أَنْ يُصَدَّقَ. ٤٣٩٥ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي مَعَ الذِّمِّيِّ لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلَكِنْ ادَّعَى أَنَّهُ ذِمَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَصَدَّقَهُ الذِّمِّيُّ بِمَا قَالَ لَمْ يُصَدَّقْ الذِّمِّيُّ. لِمَا قُلْنَا: إنَّ قَوْلَ الذِّمِّيِّ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ لَا يُقْبَلُ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا. ٤٣٩٦ - إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ زِيٌّ وَلِبَاسٌ غَيْرُ زِيِّ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلِبَاسِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يُعْرَفُونَ بِهِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ وَالظَّنِّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ خَلَّى سَبِيلَهُ وَلَمْ يُجْعَلْ فَيْئًا. لِمَا قُلْنَا: إنَّ هَذَا أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ. ٤٣٩٧ - وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ إذَا كَانَ عَدْلًا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِيهَا. لِأَنَّ هَذَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَمَا هُوَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَقَوْلُ الْعَبْدِ فِيهِ مَقْبُولٌ كَمَا يُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَفِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ. ٤٣٩٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مُسْلِمًا عَدْلًا شَهِدَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ، وَادَّعَى الْحَرْبِيُّ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ، صُدِّقَ الْمُسْلِمُ عَلَى ذَلِكَ، وَخَلَّى سَبِيلَ الْأَسِيرِ إذَا لَمْ يَجْرِ فِيهِ قِسْمَةٌ وَلَا بَيْعٌ، فَأَمَّا إذَا جَرَى فِيهِ قِسْمَةٌ أَوْ بَيْعٌ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ.

стр. 2134

لِأَنَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ هِيَ شَهَادَةٌ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ فِيهِ إبْطَالُ مِلْكِ الْمُسْلِمِ فَلَا يَبْطُلُ مِلْكُهُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ. قَالَ: ٤٣٩٩ - وَكُلُّ شَيْءٍ صُدِّقَ فِيهِ الْمُسْلِمُ الْمَعْرُوفُ أَوْ الذِّمِّيُّ الْمَعْرُوفُ فَالرَّجُلُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، يُصَدَّقُ فِيهِ؛ يَعْنِي فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالرَّقِيقِ. لِأَنَّهُ إذَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِالسِّيمَاءِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ الْمَعْرُوفِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا مَاتَ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ سَبْيٌ كَالْمُسْلِمِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا يُجْعَلُ كَالْمُسْلِمِ الْمَعْرُوفِ، وَكُلُّ شَيْءٍ صُدِّقَ فِيهِ الذِّمِّيُّ الْمَعْرُوفُ فَالْمُسْلِمُ الْمَعْرُوفُ مُصَدَّقٌ فِيهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ الْعَدْلَ لَا يَكُونُ أَعْلَى حَالًا مِنْ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَيْسَ بِعَدْلٍ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الذِّمِّيَّ الْعَدْلَ لَوْ أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، كَمَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْفَاسِقِ ثُمَّ لِمَا صُدِّقَ فِيهِ الذِّمِّيُّ الْعَدْلُ فَلَأَنْ يُصَدَّقَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَيْسَ بِعَدْلٍ أَوْلَى. ٤٤٠٠ - وَكُلُّ شَيْءٍ مِمَّا وَصَفْت لَك لَا يُصَدَّقُ فِيهِ الْمُسْلِمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، فَإِنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُصَدَّقُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا، حَتَّى لَوْ شَهِدَ الْفَاسِقُ أَنَّ هَذَا الْحَرْبِيَّ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ لَمْ يُصَدَّقْ فِيهِ، فَالذِّمِّيُّ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ. لِأَنَّ الْمُسْلِمَ الْفَاسِقَ أَعْلَى حَالًا مِنْ الذِّمِّيِّ الْعَدْلِ، فَلَمَّا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ فَلَأَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُ الذِّمِّيِّ أَوْلَى.

стр. 2135

وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ أَوْ كَانَ أَسِيرًا فِيهِمْ أَوْ أَسْلَمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَعْضِ تِلْكَ الْحُصُونِ، وَفِي يَدِهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ بَنِيَّ وَبَنَاتِي وَعَمَّاتِي وَخَالَاتِي، وَقَالَ: إنِّي وَجَدْتهمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يُسْلِمُوا فَهُمْ فَيْءٌ، وَلَا يَكُونُ ضَمُّهُ إيَّاهُمْ إلَيْهِ أَمَانًا لَهُمْ. لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا بِتَبَعٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَصِيرُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِهِ، فَبَقُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ لَا أَمَانَ لَهُمْ وَلَوْ ثَبَتَ لَهُمْ الْأَمَانُ ثَبَتَ بِالضَّمِّ إلَى نَفْسِهِ وَلَوْ صَرَّحَ لَهُمْ بِالْأَمَانِ لَا يَجُوزُ أَمَانُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَالضَّمُّ إلَى نَفْسِهِ أَوْلَى أَلَّا يُوجِبَ لَهُمْ أَمَانًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ. ٤٤٠١ - فَأَمَّا وَلَدُهُ الصَّغِيرُ فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَهُوَ مُسْلِمٌ مِثْلُهُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ سَبْيٌ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَهُوَ ذِمِّيٌّ مِثْلُهُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ سَبْيٌ. لِأَنَّهُ بِالضَّمِّ إلَى نَفْسِهِ صَارَ تَبَعًا لَهُ، وَبِالتَّبَعِيَّةِ ثَبَتَ الْإِسْلَامُ، وَالذِّمَّةُ فَلَا يُسْبَوْنَ، فَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُ: وَجَدْتهمْ أُسَرَاءَ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْحَرْبِ وَهُمْ مُسْلِمُونَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ عَدْلًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا فَهُوَ مُصَدَّقٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ كَانَ ذِمِّيًّا عَدْلًا لَمْ يُصَدَّقَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: جِئْت بِهِمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ، سَوَاءٌ كَانَ فَاسِقًا أَوْ ذِمِّيًّا.

стр. 2136

وَالْفَرْقُ) بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: وَجَدْتهمْ أُسَرَاءَ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ جَعَلُوهُمْ تَبَعًا لِأَنْفُسِهِمْ عَبِيدًا، وَهَذَا مِنْهُ شَهَادَةٌ لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَرْبِيِّينَ وَأَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرُوا، وَهِيَ شَهَادَةٌ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَتُقْبَلُ، إذَا كَانَ عَدْلًا، وَلَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ فَاسِقًا أَوْ ذِمِّيًّا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِيمَا إذَا قَالَ: جِئْت بِهِمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَيُصَدَّقُ فِيهِ عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا، ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ مُسْلِمًا، لِلْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّا، وَأَمَّا أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ فَلَا يَكُونُونَ فَيْئًا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ صَارَ فِي يَدِهِ تَبَعًا فَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهِ، أَوْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُونَ أَحْرَارًا بِحُكْمِ السِّيمَاءِ، لَا بِقَوْلِ الْفَاسِقِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ. ٤٤٠٢ - وَلَوْ أَخَذَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ سِيمَاءُ يُعْرَفُونَ بِهَا مِنْ لِبَاسٍ وَلَا خِضَابٍ وَلَا قِرَاءَةِ قُرْآنٍ فَشَهِدَ لَهُمْ بِمَا ادَّعَوْا مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُمْ، أَوْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَوْ قَوْمٌ مُسْتَأْمَنُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَكَانُوا فَيْئًا. لِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ مِنْهُمْ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَفِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ شَهَادَةٌ مَرْدُودَةٌ. ٤٤٠٣ - فَإِنْ جَاءَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ مَشْهُودٌ مَعْرُوفٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ الْعَوَامُّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَيَقَعُ فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ حَقٌّ فَالْقَوْمُ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.

стр. 2137

لِأَنَّ الْإِشْهَادَ بِخَبَرِ الْعَوَامّ يُوجِبُ مِنْ الْعِلْمِ أَكْثَرَ مِمَّا تُوجِبُهُ السِّيمَاءُ وَالْعَلَامَةُ. لِأَنَّ الْعَوَامَّ مِنْهُمْ لَا يَتَوَاطَئُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَالسِّيمَاءُ قَدْ تَخْتَلِفُ، ثُمَّ بِالسِّيمَاءِ يَحْكُمُ بِكَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ فَبِالشُّهْرَةِ أَوْلَى. أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمًا غَرِيبًا لَوْ نَزَلَ فِي قَوْمٍ مُسْلِمِينَ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ لَمْ يَسَعْ لِأَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَسَبِهِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ مَعَارِفُهُ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَأَخْبَرُوا بِذَلِكَ أَهْلَ مَحَلَّتِهِ حَتَّى صَارَ مَعْرُوفًا مَشْهُورًا وَوَقَعَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنَّهُ صَادِقٌ وَسِعَ لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى نَسَبِهِ لِاشْتِهَارٍ وَقَعَ بِخَبَرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ إذَا اُشْتُهِرَ بِقَوْلِهِمْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ. ٤٤٠٤ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَسَرَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ سِيمَاءُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَا أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَادَّعَوْا أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، أَوْ أَهْلُ ذِمَّةٍ، فَلَمْ يُصَدَّقُوا بِذَلِكَ، وَلَمْ يَدَّعُوا ذَلِكَ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ الْإِمَامُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَقْسِمْهُمْ وَلَمْ يَبِعْهُمْ حَتَّى شَهِدَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَدْلٌ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، أَوْ أَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ صُدِّقَ بِشَهَادَتِهِ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَشَهَادَتُهُ بِذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ. لِأَنَّ نَفْسَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَجْعَلُهُ مِلْكًا لِرَجُلٍ خَاصٍّ فَلَمْ يَتَأَكَّدْ ذَلِكَ الْحَقُّ الثَّابِتُ الْعَامُّ، فَالشَّهَادَةُ وَقَعَتْ عَلَى إسْلَامِهِ وَالْحَقُّ فِيهِ لِلْجَمَاعَةِ، فَتُقْبَلُ كَمَا تُقْبَلُ إذَا وَقَعَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ.

стр. 2138

٤٤٠٥ - فَإِنْ بَاعَهُمْ أَوْ قَسَمَهُمْ ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَهِدَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ. لِأَنَّهُ صَارَ مِلْكًا خَاصًّا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ فَلَا يَبْطُلُ مِلْكُهُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ. ٤٤٠٦ - وَإِذَا شَهِدُوا بَعْدَ الْبَيْعِ أَوْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَالْقِسْمَةُ. لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الْبَيْعَ وَالْقِسْمَةَ جَرَى فِيهِ وَهُوَ حُرٌّ فَكَانَ بَاطِلًا. ٤٤٠٧ - فَإِنْ تَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ عُوِّضَ ذَلِكَ الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ قِيمَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَعُوِّضَ الْمُشْتَرِي مِثْلَ الثَّمَنِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ وَلَا يُقْبَلُ فِي هَذَا شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ الَّذِي اشْتَرَاهُ ذِمِّيًّا. لِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَقَعَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهَا لَوْ قُبِلَتْ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ بِالثَّمَنِ. ٤٤٠٨ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَادَّعَى أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ آمَنَهُ وَهُوَ فِي الْحِصْنِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ فَسُئِلَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ عَمَّا ادَّعَى مِنْ الْأَمَانِ فَأَقَرَّ أَنَّهُ آمَنَهُ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ غَيْرُ الَّذِي آمَنَهُ عَلَى الْأَمَانِ.

стр. 2139

لِأَنَّ الَّذِي آمَنَهُ يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَهُوَ الْعَقْدُ الَّذِي عَقَدَهُ، فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ وَيَبْقَى بَعْدَ مُجَرَّدِ دَعْوَى الْحَرْبِيِّ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَلَا يُصَدَّقُ. ٤٤٠٩ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ وَيُخَلَّى سَبِيلُهُ، وَهَا هُنَا إذَا شَهِدَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ غَيْرُ الَّذِي آمَنَهُ عَلَى الْأَمَانِ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلَانِ عَدْلَانِ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمَانَ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَرْبِيًّا، فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ وَإِنْ أُومِنَ فَهُوَ حَرْبِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَارِضٌ يَمْنَعُ حُكْمَ هَذَا السَّبَبِ وَيُبْطِلُهُ فَلَا يُبْطِلُ حُكْمَ السَّبَبِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، فَأَمَّا الْإِسْلَامُ يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَلَمَّا ادَّعَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَقَدْ أَنْكَرَ سَبَبَ قِيَامِ الرِّقِّ فِيهِ وَكَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ فَشَهَادَةُ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ شَهَادَةٌ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ. ٤٤١٠ - فَإِنْ شَهِدَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَهُمْ عَبِيدٌ أَوْ مَحْدُودُونَ فِي قَذْفٍ وَهُمْ عُدُولٌ غَيْرُ فُسَّاقٍ أُمْضِيَتْ شَهَادَتُهُمْ. لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الْكَثِيرَةَ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِمْ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، لِأَنَّهُمْ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ لَفَشَا سِرُّهُمْ، فَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ يُوجِبُ الْعِلْمَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ فَيُحْكَمُ بِهِ كَمَا يُحْكَمُ بِالسِّيمَاءِ الَّتِي تُوجِبُ الْعِلْمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ. ٤٤١١ - فَإِذَا قُسِمَ أَوْ بِيعَ فَإِذَا وَجَبَ فِيهِ مِلْكٌ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ مُسْلِمِينَ عَدْلَيْنِ.

стр. 2140

لِمَا مَرَّ. ٤٤١٢ - وَإِذَا وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَيْسَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا سِيمَاءُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ ذِمِّيٌّ، وَشَهِدَ لَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ، أَنَّهُ مُسْلِمٌ كَانَ الرَّجُلُ الْمَأْخُوذُ فَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا وَلَا ذِمِّيًّا. لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ الْمَأْخُوذُ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ الشَّاهِدُ، وَاَلَّذِي شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ فَقَدْ كَذَّبَهُ فِيهِ الْمَأْخُوذُ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَا الْإِسْلَامُ وَلَا الذِّمَّةُ فَبَقِيَ حَرْبِيًّا يُسْتَرَقُّ. ٤٤١٣ - وَلَوْ شَهِدَ لَهُ الْمُسْلِمُ الْعَدْلُ أَنَّهُ ذِمِّيٌّ، وَقَالَ الْمَأْخُوذُ: أَنَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ وَلَسْت كَمَا قَالَ الشَّاهِدُ، فَالْقِيَاسُ فِي هَذَا أَنَّهُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ فِي الِاسْتِحْسَانِ أَجْعَلُهُ مُسْلِمًا وَلَا أَسْبِيهِ. فَوَجْهُ الْقِيَاسِ فِيهِ أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي السَّبَبِ، فَمَا ادَّعَاهُ الْمَأْخُوذُ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الشَّاهِدُ، فَلَمْ يَثْبُتْ وَمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ الشَّاهِدُ لَمْ يَدَّعِهِ الْمَأْخُوذُ، فَلَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَيَكُونُ فَيْئًا دَلِيلُهُ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنٌ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ، لِأَنَّ الذِّمِّيَّ قَدْ يُسْلِمُ بَعْدَ الذِّمَّةِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ كَانَ ذِمِّيًّا كَمَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ، ثُمَّ أَسْلَمَ فِي الْحَالِ، فَلَمَّا كَانَ التَّوْفِيقُ مُمْكِنًا يُوَفِّقُ، فَأَمَّا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي التَّوْفِيقُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لِأَنَّ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ ذِمَّةً فَاعْتُبِرَ التَّكَاذُبُ فِي السَّبَبِ، وَلِأَنَّ فِي الْإِسْلَامِ ذِمَّةً وَزِيَادَةً لِأَنَّ الذِّمَّةَ هِيَ الْعَهْدُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «مَنْ أَخْفَرَ ذِمَّةَ مُسْلِمٍ كَانَ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا» غَيْرَ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَعْلَى الذِّمَّتَيْنِ، فَإِنَّ شَاهِدَهُ قَدْ شَهِدَ بِبَعْضِ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي. وَالشَّاهِدُ إذَا شَهِدَ بِبَعْضِ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي تُقْبَلُ
следующие страницы →