Полный текст (2 212 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
وَالْفَرْقُ) بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: وَجَدْتهمْ أُسَرَاءَ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ جَعَلُوهُمْ تَبَعًا لِأَنْفُسِهِمْ عَبِيدًا، وَهَذَا مِنْهُ شَهَادَةٌ لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَرْبِيِّينَ وَأَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرُوا، وَهِيَ شَهَادَةٌ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَتُقْبَلُ، إذَا كَانَ عَدْلًا، وَلَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ فَاسِقًا أَوْ ذِمِّيًّا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِيمَا إذَا قَالَ: جِئْت بِهِمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَيُصَدَّقُ فِيهِ عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا، ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ مُسْلِمًا، لِلْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّا، وَأَمَّا أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ فَلَا يَكُونُونَ فَيْئًا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ صَارَ فِي يَدِهِ تَبَعًا فَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهِ، أَوْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُونَ أَحْرَارًا بِحُكْمِ السِّيمَاءِ، لَا بِقَوْلِ الْفَاسِقِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ.
٤٤٠٢ - وَلَوْ أَخَذَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ سِيمَاءُ يُعْرَفُونَ بِهَا مِنْ لِبَاسٍ وَلَا خِضَابٍ وَلَا قِرَاءَةِ قُرْآنٍ فَشَهِدَ لَهُمْ بِمَا ادَّعَوْا مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُمْ، أَوْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَوْ قَوْمٌ مُسْتَأْمَنُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَكَانُوا فَيْئًا.
لِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ مِنْهُمْ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَفِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ شَهَادَةٌ مَرْدُودَةٌ.
٤٤٠٣ - فَإِنْ جَاءَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ مَشْهُودٌ مَعْرُوفٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ الْعَوَامُّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَيَقَعُ فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ حَقٌّ فَالْقَوْمُ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.
стр. 2137
لِأَنَّ الْإِشْهَادَ بِخَبَرِ الْعَوَامّ يُوجِبُ مِنْ الْعِلْمِ أَكْثَرَ مِمَّا تُوجِبُهُ السِّيمَاءُ وَالْعَلَامَةُ.
لِأَنَّ الْعَوَامَّ مِنْهُمْ لَا يَتَوَاطَئُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَالسِّيمَاءُ قَدْ تَخْتَلِفُ، ثُمَّ بِالسِّيمَاءِ يَحْكُمُ بِكَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ فَبِالشُّهْرَةِ أَوْلَى.
أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمًا غَرِيبًا لَوْ نَزَلَ فِي قَوْمٍ مُسْلِمِينَ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ لَمْ يَسَعْ لِأَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَسَبِهِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ مَعَارِفُهُ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَأَخْبَرُوا بِذَلِكَ أَهْلَ مَحَلَّتِهِ حَتَّى صَارَ مَعْرُوفًا مَشْهُورًا وَوَقَعَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنَّهُ صَادِقٌ وَسِعَ لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى نَسَبِهِ لِاشْتِهَارٍ وَقَعَ بِخَبَرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ إذَا اُشْتُهِرَ بِقَوْلِهِمْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ.
٤٤٠٤ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَسَرَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ سِيمَاءُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَا أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَادَّعَوْا أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، أَوْ أَهْلُ ذِمَّةٍ، فَلَمْ يُصَدَّقُوا بِذَلِكَ، وَلَمْ يَدَّعُوا ذَلِكَ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ الْإِمَامُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَقْسِمْهُمْ وَلَمْ يَبِعْهُمْ حَتَّى شَهِدَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَدْلٌ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، أَوْ أَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ صُدِّقَ بِشَهَادَتِهِ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَشَهَادَتُهُ بِذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ.
لِأَنَّ نَفْسَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَجْعَلُهُ مِلْكًا لِرَجُلٍ خَاصٍّ فَلَمْ يَتَأَكَّدْ ذَلِكَ الْحَقُّ الثَّابِتُ الْعَامُّ، فَالشَّهَادَةُ وَقَعَتْ عَلَى إسْلَامِهِ وَالْحَقُّ فِيهِ لِلْجَمَاعَةِ، فَتُقْبَلُ كَمَا تُقْبَلُ إذَا وَقَعَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
стр. 2138
٤٤٠٥ - فَإِنْ بَاعَهُمْ أَوْ قَسَمَهُمْ ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَهِدَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ.
لِأَنَّهُ صَارَ مِلْكًا خَاصًّا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ فَلَا يَبْطُلُ مِلْكُهُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ.
٤٤٠٦ - وَإِذَا شَهِدُوا بَعْدَ الْبَيْعِ أَوْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَالْقِسْمَةُ.
لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الْبَيْعَ وَالْقِسْمَةَ جَرَى فِيهِ وَهُوَ حُرٌّ فَكَانَ بَاطِلًا.
٤٤٠٧ - فَإِنْ تَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ عُوِّضَ ذَلِكَ الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ قِيمَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَعُوِّضَ الْمُشْتَرِي مِثْلَ الثَّمَنِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ وَلَا يُقْبَلُ فِي هَذَا شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ الَّذِي اشْتَرَاهُ ذِمِّيًّا.
لِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَقَعَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهَا لَوْ قُبِلَتْ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ بِالثَّمَنِ.
٤٤٠٨ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَادَّعَى أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ آمَنَهُ وَهُوَ فِي الْحِصْنِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ فَسُئِلَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ عَمَّا ادَّعَى مِنْ الْأَمَانِ فَأَقَرَّ أَنَّهُ آمَنَهُ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ غَيْرُ الَّذِي آمَنَهُ عَلَى الْأَمَانِ.
стр. 2139
لِأَنَّ الَّذِي آمَنَهُ يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَهُوَ الْعَقْدُ الَّذِي عَقَدَهُ، فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ وَيَبْقَى بَعْدَ مُجَرَّدِ دَعْوَى الْحَرْبِيِّ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَلَا يُصَدَّقُ.
٤٤٠٩ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ وَيُخَلَّى سَبِيلُهُ، وَهَا هُنَا إذَا شَهِدَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ غَيْرُ الَّذِي آمَنَهُ عَلَى الْأَمَانِ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلَانِ عَدْلَانِ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمَانَ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَرْبِيًّا، فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ وَإِنْ أُومِنَ فَهُوَ حَرْبِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَارِضٌ يَمْنَعُ حُكْمَ هَذَا السَّبَبِ وَيُبْطِلُهُ فَلَا يُبْطِلُ حُكْمَ السَّبَبِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، فَأَمَّا الْإِسْلَامُ يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَلَمَّا ادَّعَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَقَدْ أَنْكَرَ سَبَبَ قِيَامِ الرِّقِّ فِيهِ وَكَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ فَشَهَادَةُ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ شَهَادَةٌ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ.
٤٤١٠ - فَإِنْ شَهِدَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَهُمْ عَبِيدٌ أَوْ مَحْدُودُونَ فِي قَذْفٍ وَهُمْ عُدُولٌ غَيْرُ فُسَّاقٍ أُمْضِيَتْ شَهَادَتُهُمْ.
لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الْكَثِيرَةَ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِمْ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، لِأَنَّهُمْ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ لَفَشَا سِرُّهُمْ، فَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ يُوجِبُ الْعِلْمَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ فَيُحْكَمُ بِهِ كَمَا يُحْكَمُ بِالسِّيمَاءِ الَّتِي تُوجِبُ الْعِلْمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ.
٤٤١١ - فَإِذَا قُسِمَ أَوْ بِيعَ فَإِذَا وَجَبَ فِيهِ مِلْكٌ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ مُسْلِمِينَ عَدْلَيْنِ.
стр. 2140
لِمَا مَرَّ.
٤٤١٢ - وَإِذَا وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَيْسَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا سِيمَاءُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ ذِمِّيٌّ، وَشَهِدَ لَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ، أَنَّهُ مُسْلِمٌ كَانَ الرَّجُلُ الْمَأْخُوذُ فَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا وَلَا ذِمِّيًّا.
لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ الْمَأْخُوذُ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ الشَّاهِدُ، وَاَلَّذِي شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ فَقَدْ كَذَّبَهُ فِيهِ الْمَأْخُوذُ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَا الْإِسْلَامُ وَلَا الذِّمَّةُ فَبَقِيَ حَرْبِيًّا يُسْتَرَقُّ.
٤٤١٣ - وَلَوْ شَهِدَ لَهُ الْمُسْلِمُ الْعَدْلُ أَنَّهُ ذِمِّيٌّ، وَقَالَ الْمَأْخُوذُ: أَنَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ وَلَسْت كَمَا قَالَ الشَّاهِدُ، فَالْقِيَاسُ فِي هَذَا أَنَّهُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ فِي الِاسْتِحْسَانِ أَجْعَلُهُ مُسْلِمًا وَلَا أَسْبِيهِ.
فَوَجْهُ الْقِيَاسِ فِيهِ أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي السَّبَبِ، فَمَا ادَّعَاهُ الْمَأْخُوذُ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الشَّاهِدُ، فَلَمْ يَثْبُتْ وَمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ الشَّاهِدُ لَمْ يَدَّعِهِ الْمَأْخُوذُ، فَلَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَيَكُونُ فَيْئًا دَلِيلُهُ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنٌ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ، لِأَنَّ الذِّمِّيَّ قَدْ يُسْلِمُ بَعْدَ الذِّمَّةِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ كَانَ ذِمِّيًّا كَمَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ، ثُمَّ أَسْلَمَ فِي الْحَالِ، فَلَمَّا كَانَ التَّوْفِيقُ مُمْكِنًا يُوَفِّقُ، فَأَمَّا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي التَّوْفِيقُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لِأَنَّ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ ذِمَّةً فَاعْتُبِرَ التَّكَاذُبُ فِي السَّبَبِ، وَلِأَنَّ فِي الْإِسْلَامِ ذِمَّةً وَزِيَادَةً لِأَنَّ الذِّمَّةَ هِيَ الْعَهْدُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «مَنْ أَخْفَرَ ذِمَّةَ مُسْلِمٍ كَانَ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا» غَيْرَ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَعْلَى الذِّمَّتَيْنِ، فَإِنَّ شَاهِدَهُ قَدْ شَهِدَ بِبَعْضِ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي.
وَالشَّاهِدُ إذَا شَهِدَ بِبَعْضِ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي تُقْبَلُ
стр. 2141
شَهَادَتُهُ، بِمِقْدَارِ مَا شَهِدَ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا ثَبَتَ بِشَهَادَتِهِ الذِّمَّةُ، فَبَعْدَ ذَلِكَ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ الذِّمَّةِ، إذْ الذِّمِّيُّ قَدْ يُسْلِمُ بَعْدَ الذِّمَّةِ، فَلِهَذَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ اسْتِحْسَانًا.
٤٤١٤ - وَلَوْ قَالَ: أَنَا ذِمِّيٌّ، وَلَسْت بِمُسْلِمٍ، فَشَهِدَ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ مُسْلِمَانِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ جَعَلْته مُسْلِمًا.
لِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْإِسْلَامُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ، فَجُحُودُهُ بَعْدَ مَا ثَبَتَ الْإِسْلَامُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ رِدَّةٌ مِنْهُ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ فَيُقَاسُ بِسَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ، فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ حُرٌّ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْإِسْلَامِ قُتِلَ.
قَالَ: ٤٤١٥ -
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أُخِذَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ بَقَرٌ وَغَنَمٌ وَرَمَكٌ يَسُوقُهَا قَوْمٌ، فَقَالَ: هَذَا كُلُّهُ لِي، وَهَؤُلَاءِ أُجَرَائِي قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ دَخَلُوا مَعِي مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.
لِأَنَّ هَذِهِ السَّائِمَةَ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ، وَالْقَوْمُ لَمَّا صَدَّقُوهُ فَقَدْ أَقَرُّوا أَنَّهُمْ فِي يَدِ هَذَا الْمُسْلِمِ، وَأَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ السَّائِمَةِ فِي يَدِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُسْلِمَ الْمُسْتَأْمَنَ إذَا ادَّعَى أَنَّ مَا فِي يَدِهِ لَهُ صُدِّقَ فِي ذَلِكَ.
٤٤١٦ - وَإِنْ كَذَّبَهُ الَّذِينَ ذَلِكَ فِي أَيْدِيهِمْ فَقَالُوا: نَحْنُ ذِمَّةٌ كَمَا قَالَ وَجَمِيعُ مَا فِي أَيْدِينَا لَنَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ وَهُمْ ذِمَّةٌ.
стр. 2142
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ شَهِدَ لَهُمْ بِالذِّمَّةِ، فَتَثْبُتُ الذِّمَّةُ بِشَهَادَتِهِ وَإِنْ أُثْبِتَتْ الذِّمَّةُ وَقَدْ أَنْكَرُوا الْإِجَازَةَ لَمْ يَصِرْ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ السَّائِمَةِ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ، فَتَكُونُ السَّائِمَةُ لَهُمْ.
٤٤١٧ - وَلَوْ قَالَ الْمُسْلِمُ الْمَعْرُوفُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسُوقُونَ السَّائِمَةَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ اسْتَأْجَرْتهمْ لِيَسُوقُوهَا وَهِيَ كُلُّهَا لِي وَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ الَّذِينَ مَعَهُمْ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ ذَلِكَ فِي يَدِهِ إلَّا بِقَوْلِهِمْ فَجَمِيعُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَيْءٌ، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْأُجَرَاءَ لَا يَصِيرُونَ آمَنِينَ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ، لِأَنَّ الْأَمَانَ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ وَلَوْ صُرِّحَ لَهُمْ بِالْأَمَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَبِعَقْدِ الْإِجَارَةِ أَوْلَى، لَا يَثْبُتُ لَهُمْ الْأَمَانُ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ الْأَمَانُ صَارُوا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَالسَّائِمَةُ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ تَصِيرُ فَيْئًا مَعَهُمْ.
٤٤١٨ - فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَدَيْهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِمْ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ فَهُوَ لَهُ.
لِأَنَّهُ إذَا عَرَفَ ذَلِكَ كَانَتْ يَدُهُمْ يَدَ هَذَا الْمُسْلِمِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ فِي يَدِ هَذَا الْمُسْلِمِ، وَالْمُسْلِمُ لَا يَغْنَمُ مَا فِي يَدِهِ أَيْضًا.
٤٤١٩ - وَاَلَّذِينَ يَسُوقُونَ ذَلِكَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ أُجَرَاءُ لَهُ.
стр. 2143
لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ يَتَضَمَّنُ لَهُمْ الْأَمَانَ، وَالْأَمَانُ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ
فَإِنْ أَخْرَجَهُمْ الْمُسْلِمُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ صَارُوا آمِنِينَ.
لِأَنَّ صَرِيحَ الْأَمَانِ يَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَكَذَلِكَ يَثْبُتُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 2144
[بَابُ الدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ]
٢١٠ - بَابُ الدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ [لَمْ يُذْكَرْ هَذَا الْبَابُ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ] قَالَ مُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ:
٤٤٢٠ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بَلَغَهُمْ الْإِسْلَامُ وَلَمْ يَدْرُوا كَيْفَ هُوَ فَغَزَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَدُعُوا إلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَأَبَى الْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجِيبَهُمْ إلَى ذَلِكَ حَتَّى قَاتَلَهُمْ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ، فَإِذْ أَسْلَمُوا خَلَّى سَبِيلَهُمْ وَسَلَّمَ لَهُمْ أَمْوَالَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ وَأَرَاضِيَهُمْ.
لِأَنَّ الْقِتَالَ شُرِعَ لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ، عَلَى مَا قَالَ ﵌: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَهَؤُلَاءِ لَمَّا سَأَلُوهُ الْإِسْلَامَ فَقَدْ رَغِبُوا فِيهِ، فَكَانَ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَصِفَ لَهُمْ الْإِسْلَامَ قَبْلَ الْمُقَاتَلَةِ حَتَّى يُسْلِمُوا فَإِذَا قَاتَلَهُمْ وَلَمْ يَصِفْ لَهُمْ الْإِسْلَامَ فَقَدْ أَخْطَأَ فِيهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ خَطَئِهِ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَسْلَمُوا صَارُوا كَأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ فَبَقُوا أَحْرَارًا كَمَا كَانُوا.
٤٤٢١ - وَإِنْ أَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا جُعِلُوا ذِمَّةً.
стр. 2145
لِأَنَّهُمْ وَقَعُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ آمِنِينَ، لِأَنَّ قِتَالَهُمْ حَرَامٌ عَلَى الْإِمَامِ، لَمَّا دُعُوا إلَى الْإِسْلَامِ فَلَا يُجْعَلُونَ فَيْئًا وَلَكِنْ يُجْعَلُونَ ذِمَّةً.
٤٤٢٢ - فَإِنْ أَخْطَأَ الْإِمَامُ فَسَبَاهُمْ وَخَمَّسَهُمْ وَقَسَمَهُمْ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ خَطَئِهِ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ.
لِمَا قُلْنَا: إنَّهُ أَخْطَأَ حَيْثُ سَبَاهُمْ وَهُمْ رَاغِبُونَ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْخَطَأُ لَا يُسْتَدَامُ وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ عَنْهُ.
٤٤٢٣ - فَإِنْ أَسْلَمُوا خَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَأَبْطَلَ الْقِسْمَةَ فِيهِمْ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا الْإِسْلَامَ جَازَتْ قِسْمَتُهُمْ، وَلَا يَجْعَلُهُمْ ذِمَّةً بَعْدَ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْأَمَانَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ صَرِيحًا، لِيَمْنَعَهُمْ الْأَمَانُ مِنْ الْقِسْمَةِ، إنَّمَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ حُكْمًا بِطَلَبِهِمْ الْإِسْلَامَ، وَلَمَّا أَبَوْا الْإِسْلَامَ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ طَلَبَهُمْ لَمْ يَكُنْ طَلَبَ رَغْبَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا كَانَ طَلَبُهُمْ دَفْعَ الْقِتَالِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَنَزَلُوا مَنْزِلَةَ قَوْمٍ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ، غَزَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَمْ يَطْلُبُوا مِنَّا الْإِسْلَامَ، فَيَعْرِضُ الْإِسْلَامُ عَلَيْهِمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَهُمْ أَحْرَارٌ، وَإِنْ أَبَوْا الْإِسْلَامَ جُعِلُوا ذِمَّةً، فَإِنْ قَسَمَهُمْ الْإِمَامُ جَازَتْ قِسْمَةُ الْإِمَامِ، لَمَّا أَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ لَيْسَ لَهُمْ صَرِيحُ الْأَمَانِ فَنَفَذَ حُكْمُ الْإِمَامِ لِلِاجْتِهَادِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.
٤٤٢٤ - فَإِنْ جَهِلَ الْإِمَامُ فَقَتَلَ مُقَاتَلَتَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
стр. 2146
لِأَنَّ قَتْلَهُمْ وَهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ لَا أَمَانَ لَهُمْ، فَلَا يَكُونُ فِي قَتْلِهِمْ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ أَسَرَ الْمُسْلِمُونَ قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأَرَادَ الْإِمَامُ قَتْلَهُمْ فَقَالُوا: نَحْنُ نُسْلِمُ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ، حَتَّى يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ، فَإِنْ قَتَلَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي قَتْلِهِمْ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَسَاءَ فِيمَا صَنَعَ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.
٤٤٢٥ - وَلَوْ قَتَلَهُمْ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا فَإِنْ كَانَ قَتَلَهُمْ بَعْدَ مَا أَخْرَجَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ضَمِنَ قِيمَتَهُمْ، فَيَكُونُونَ فَيْئًا لِمَنْ أَصَابَهُمْ.
لِأَنَّهُ يَقُومُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
إلَّا أَنَّهُ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ.
لِأَنَّهُ قَتَلَ عَنْ رَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ، وَلَمْ يَقْتُلْ جُزَافًا.
٤٤٢٦ - فَإِنْ قَتَلَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُ قَتْلِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ التَّقَوُّمَ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُوجَدْ.
٤٤٢٧ - وَلَوْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَاصَرَهُمْ الْمُسْلِمُونَ دَعَوْا إلَى الْإِسْلَامِ فَأَجَابَهُمْ الْإِمَامُ إلَى ذَلِكَ فَقَالُوا: أَنْظِرُونَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ إنْ شَاءَ أَنْظَرَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُنْظِرْهُمْ.
стр. 2147
لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَوْ اسْتَنْظَرَ الْإِمَامَ أَنْظَرَهُ الْإِمَامُ إنْ شَاءَ فَهَا هُنَا أَوْلَى.
٤٤٢٨ - فَإِنْ لَمْ يُنْظِرْهُمْ حَتَّى قَاتَلَهُمْ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَسَبَاهُمْ وَخَمْسهمْ وَقَسَمَهُمْ فَذَلِكَ لَهُ جَائِزٌ.
لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا أَجَابَهُمْ إلَى أَنْ يَصِفَ لَهُمْ الْإِيمَانَ فَقَدْ فَعَلَ مَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا اُسْتُمْهِلُوا بَعْدَ إجَابَةِ الْإِمَامِ لَهُمْ بِالتَّفْرِيطِ جَاءَ مَنْ قِبَلَهُمْ، فَلَا يَمْنَعُ الْإِمَامُ تَفْرِيطَهُمْ مِنْ مُقَاتَلَتِهِمْ، فَجَازَ لِلْإِمَامِ قِتَالُهُمْ فَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ جَازَ لَهُمْ قِسْمَتُهُمْ.
لِأَنَّهُمْ وَقَعُوا فِي أَيْدِينَا وَقِتَالُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ حَلَالٌ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ حُكْمُ الْأَمَانِ فَحَلَّ لَهُ الْقِسْمَةُ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُمْ طَلَبُوا مِنَّا مَا بِهِ حَقْنُ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ اسْتِمْهَالٍ فَإِذَا لَمْ يُجِبْهُمْ الْإِمَامُ إلَى ذَلِكَ فَالنَّقْصُ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ، فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَرْجِعَ عَمَّا قَضَى وَيَرُدَّهُمْ أَحْرَارًا إنْ أَسْلَمُوا وَإِلَّا جَعَلَهُمْ ذِمَّةً.
٤٤٢٩ - فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ قَدْ عُرِضَ ذَلِكَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ، وَعَرَفُوا إلَى مَا يَدْعُونَ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَحَاصَرُوهُمْ قَالُوا لَهُمْ: نَحْنُ نُسْلِمُ فَاعْرِضُوا عَلَيْنَا الْإِسْلَامَ حَتَّى نُجِيبَكُمْ إلَيْهِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا يُسْلِمُونَ فَيَكْفِيهِ مُؤْنَةُ الْقِتَالِ.
стр. 2148
فَإِنْ أَبَى الْمُسْلِمُونَ وَأَمِيرُهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وَقَاتَلُوهُمْ وَأَسَرُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا فَهَذَا جَائِزٌ لَهُمْ.
لِأَنَّهُمْ قَدْ عَرَّفُوا الْإِمَامَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَهُمْ أَنْ يُسْلِمُوا فِي الْحَالِ قَبْلَ الْعَرْضِ عَلَيْهِمْ.
- فَإِذَا لَمْ يُسْلِمُوا فَالتَّقْصِيرُ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِمْ، فَلَمْ يُحَرَّمْ قَتْلُهُمْ وَسَبْيُهُمْ، لِتَقْصِيرٍ مِنْ جِهَتِهِمْ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ.
لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الْإِسْلَامَ مِنْ قَبْلُ، [وَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُسْلِمُوا مِنْ غَيْرِ عَرْضٍ] فَالتَّقْصِيرُ وُجِدَ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلِهَذَا حُرِّمَ قَتْلُهُمْ وَسَبْيُهُمْ.
٤٤٣٢ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا فِي قَاصِيَةٍ مِنْ الْأَرْضِ لَمْ يَبْلُغْهُمْ الْإِسْلَامُ، وَلَمْ يُدْعَوْا إلَيْهِ أَتَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَسَعْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ.
لِمَا رَوَيْنَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﵌ كَانَ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً قَالَ لَهُمْ: إذَا حَاصَرْتُمْ حِصْنًا أَوْ مَدِينَةً فَادْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ» ، وَلِأَنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ لِمَاذَا يُقَاتَلُونَ، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ رُبَّمَا يَنْقَادُونَ لِلْإِسْلَامِ، وَلَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْقِتَالِ.
٤٤٣٣ - فَإِنْ قَاتَلَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ فَقَدْ أَخْطَأَ الْمُسْلِمُونَ فِي ذَلِكَ،
стр. 2149
لِمَا قُلْنَا: إنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ الدُّعَاءُ إلَى الْإِسْلَامِ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ فَإِنْ أَسْلَمُوا خَلَّى سَبِيلَهُمْ.
لِأَنَّهُمْ غَيْرُ رَاغِبِينَ عَنْ الْإِسْلَامِ فَصَارُوا كَأَنَّهُمْ وَقَعُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا، فَيَجِبُ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهِمْ وَرَدُّ أَمْوَالِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ.
٤٤٣٤ - فَإِنْ أَبَوْا الْإِسْلَامَ جَعَلَهُمْ ذِمَّةً يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ، وَلَمْ يَرُدَّهُمْ حَرْبًا بَعْدَ مَا ظَفِرَ بِهِمْ.
لِمَا قُلْنَا: إنَّ الْإِمَامَ قَاتَلَهُمْ، وَالْقِتَالُ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ، فَصَارُوا فِي عِصْمَةٍ وَأَمَانٍ فَلَا يُغْنَمُونَ.
٤٤٣٥ - فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ قِسْمَتَهُمْ أَوْ قَتْلَ مُقَاتِلَتِهِمْ فَفَعَلَ ذَلِكَ. ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ يَرَى مَا صَنَعَ بَاطِلًا
أَجَازَ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْإِمَامَ حَكَمَ فِيهِمْ بِالْقِسْمَةِ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ، وَلِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ وَكَوْنُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ سَبَبٌ يَحِلُّ لِحِلِّ قِتَالِهِمْ وَسَبْيِهِمْ إلَّا بِعَارِضٍ، وَذَلِكَ الْعَارِضُ هُوَ الِاسْتِخْبَارُ وَالِاسْتِفْهَامُ، وَهَذَا الْعَارِضُ مَعْدُومٌ، فَقَدْ اُسْتُحِلَّ قِتَالُهُمْ، وَسَبَبُ الِاسْتِحْلَالِ قَائِمٌ، فَكَانَ هَذَا مَوْضِعَ الِاجْتِهَادِ فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ فَلَا يُنْقَضُ بَعْدَ ذَلِكَ.
٤٤٣٦ - ثُمَّ لَا يَجِبُ ضَمَانُ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَضْمَنُ دِيَاتِ الْقَتْلَى قَبْلَ الدَّعْوَةِ.
стр. 2150
لِأَنَّهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِدِينِ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَيَضْمَنُ الدِّيَةَ، إلَّا أَنَّا نَقُولُ: بِأَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا دِينًا بَاطِلًا، وَاعْتِقَادُ الدِّينِ الْبَاطِلِ كُفْرٌ، فَكَانَ كَافِرًا فَلَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ شَيْءٌ، ثُمَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِثْلُ دِيَةِ الْكِتَابِيِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ مِثْلُ دِيَةِ الْمَجُوسِ، لِأَنَّهُ أَقَلُّ الدِّيَاتِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَصَارَ الْحَرْبِيُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ صِنْفٌ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ، وَلَمْ يُسْلِمُوا؛ أَيْ لَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى يُجِيبُوا، فَهَؤُلَاءِ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ الدَّعْوَةَ فَإِنْ قَتَلَهُمْ وَسَبَاهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ وَرَأَى ذَلِكَ صَوَابًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُرَدُّ، وَإِنْ أَسْلَمُوا، وَقَوْمٌ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ، أَوْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ وَلَمْ يَعْرِفُوا مَا تَفْسِيرُهُ، فَسَأَلُوا الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُخْبِرُوهُمْ بِدِينِهِمْ فَيُتَابِعُوهُمْ عَلَيْهِ فَهَؤُلَاءِ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ وَيَأْسِرَهُمْ حَتَّى يُفْهِمَهُمْ، فَإِنْ أَسَرَهُمْ ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمُوا فَإِنَّهُ يَرُدُّ تِلْكَ الْقِسْمَةَ، وَقَوْمٌ قَدْ دُعُوا إلَى الْإِسْلَامِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَعَلِمُوا مَا يُدْعَوْنَ إلَيْهِ، فَسَأَلُوا الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُجِيبُوهُمْ، فَالْأَفْضَلُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْعُوهُمْ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى قَاتَلُوهُمْ وَأَسَرُوهُمْ جَازَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُرَدُّونَ أَحْرَارًا بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهِمْ وَإِنْ أَسْلَمُوا.
٤٤٣٧ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغْهُمْ الْإِسْلَامُ وَلَا الدَّعْوَةُ أَتَوْا الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِهِمْ يُقَاتِلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ لِيَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ وَسَبَوْا وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَهَذَا جَائِزٌ يُخَمَّسُ ذَلِكَ وَيُقْسَمُ مَا بَقِيَ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُ.
стр. 2151
لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ شَهَرَ سَيْفًا عَلَى مُسْلِمٍ حَلَّ لِلْمَشْهُورِ عَلَيْهِ سَيْفُهُ قَتْلُهُ لِلدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ، فَهَا هُنَا أَوْلَى، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَوْ اشْتَغَلُوا بِالدَّعْوَةِ إلَى الْإِسْلَامِ فَرُبَّمَا يَأْتِي السَّبْيُ وَالْقَتْلُ عَلَى حَرَمِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَلَا يَجِبُ الدُّعَاءُ.
٤٤٣٨ - بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا يَغْزُونَ فِي بِلَادِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَدْعُوهُمْ.
لِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ دَفْعًا وَإِنَّمَا يُقَاتِلُونَ لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ.
وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنَّهُمْ قَدْ سَمِعُوا بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَظَفِرُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ فَإِنْ أَسْلَمُوا خَلَّى سَبِيلَهُمْ.
لِأَنَّهُمْ وَقَعُوا فِي أَيْدِينَا بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا مُحَارَبَةٍ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ إبَاءُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا.
٤٤٣٩ - فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا حُبِسُوا فِي السِّجْنِ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا وَلَا يُقْتَلُونَ.
لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ بِأَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ لِقَوْلِهِ ﵌: «لَا يَجْتَمِعُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ» .
وَلَا وَجْهَ إلَى أَنْ يُقْتَلُوا؛ لِأَنَّهُمْ وَقَعُوا فِي أَيْدِينَا لَا عَلَى وَجْهِ الْمُحَارَبَةِ فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فَلَمْ يَبْقَ وَجْهٌ إلَّا الْحَبْسُ.
стр. 2152
فَإِنْ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ لَمْ يَجْرِ عَلَى ذَرَارِيِّهِمْ سَبْيٌ وَصَارَتْ أَمْوَالُهُمْ مَوَارِيثَ لِوَرَثَتِهِمْ.
لِأَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِينَ وَأَمْوَالُ الْمُسْتَأْمَنِينَ وَذَرَارِيُّهُمْ لَا تُسْتَغْنَمُ.
٤٤٤١ - فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ حِينَ أَبَوْا الْإِسْلَامَ أَنْ يَقْتُلَ الْمُقَاتِلَةَ وَيَسْبِيَ الذُّرِّيَّةَ وَيَقْسِمَ الْأَرَضِينَ وَالْأَمْوَالَ فَفَعَلَ جَازَ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ وَقَعُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ وَلَا أَمَانَ لَهُمْ قَصْدًا، فَكَانَ هَذَا مَوْضِعَ اجْتِهَادٍ فِي قَتْلِ مُقَاتِلَتِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ جَازَ.
٤٤٤٢ - وَكَذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ لَحِقُوا بِنِسَاءٍ مُرْتَدَّاتٍ فَوُلِدَ لَهُمْ أَوْلَادٌ، ثُمَّ مَاتَ الْمُرْتَدُّونَ وَبَقِيَ أَوْلَادُهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، لَا يَعْرِفُونَ الْإِسْلَامَ، لَمْ يَسَعْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ.
لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ إبَاءُ الْإِسْلَامِ.
٤٤٤٣ - فَإِنْ قَاتَلُوهُمْ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ وَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ عُرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمُوا سُلِّمَتْ لَهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ.
لِأَنَّهُمْ غَيْرُ رَاغِبِينَ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَصَارُوا كَمَا لَوْ أَسْلَمُوا قَبْلَ السَّبْيِ وَالْأَخْذِ.
٤٤٤٤ - فَإِنْ أَبَوْا حُبِسُوا لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِجَعْلِهِمْ ذِمَّةً.
стр. 2153
لِأَنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ وَالْمُرْتَدُّ لَا يُضْرَبُ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ.
وَلَا يُقْتَلُونَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصِفُوا الْإِسْلَامَ بِأَنْفُسِهِمْ.
فَلَا يُقْتَلُونَ عَلَى رِدَّتِهِمْ.
٤٤٤٥ - وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ قَتْلَهُمْ وَسَبْيَ ذَرَارِيِّهِمْ وَقِسْمَةَ مَا لَهُمْ فَفَعَلَ ذَلِكَ جَازَ.
لِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ الِاجْتِهَادِ عَلَى مَا قُلْنَا: إنَّهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ وَلَا أَمَانَ لَهُمْ صَرِيحًا.
٤٤٤٦ - وَكَذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ دَعَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوا إلَيْهِ.
فَقَاتَلُوهُمْ وَحَصَرُوهُمْ، فَقَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا، فَنَزَلُوا، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْرِضُونَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ أَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا أُجْبِرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ وَحُبِسُوا حَتَّى يُسْلِمُوا.
لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْقَتْلِ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَلَى أَمَانٍ وَلَا وَجْهَ لِضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ.
لِأَنَّهُمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ.
وَلَا وَجْهَ لِرَدِّهِمْ إلَى حِصْنِهِمْ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُتْرَكُوا لِيَعُودُوا إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَيَكُونُوا حَرْبًا لَنَا فَلَمْ يَبْقَ وَجْهٌ إلَّا الْحَبْسُ.
стр. 2154
فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَرِثَ مَالَهُ وَرَثَتُهُ.
لِأَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِينَ.
٤٤٤٧ - وَإِنْ رَأَى إمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ الْجِزْيَةَ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ هَذَا خَطَأً.
لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَدْخَلًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلَى أَنْ قَالَ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَلَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصٌ وَلِأَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَهْلُ دِينٍ وَاحِدٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ وَنِحَلُهُمْ.
٤٤٤٨ - وَكَذَلِكَ أَوْلَادُ الْمُرْتَدِّينَ إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً جَازَ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ الِاجْتِهَادِ.
٤٤٤٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ الْإِمَامَ رَأَى سَبْيَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ فَخَمَّسَهُمْ وَقَسَمَهُمْ جَازَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِوَالٍ آخَرَ أَنْ يُبْطِلَ مَا وَضَعَ.
لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ، وَلِأَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنْ يَجُوزَ اسْتِرْقَاقُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ.
٤٤٥٠ - وَكَذَلِكَ إنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَخْمِسهُمْ وَيَقْسِمَهُمْ فَفَعَلَ جَازَ ذَلِكَ.
وَلَيْسَ لِوَالٍ آخَرَ أَنْ يُبْطِلَهُ لِمَا قُلْنَا: إنَّ هَذَا مِمَّا يَسَعُ فِيهِ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 2155
[بَابٌ مَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ نُصْرَتُهُ وَبِمَنْ يَبْدَءُونَ]
٢١١ - بَابٌ مَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ نُصْرَتُهُ وَبِمَنْ يَبْدَءُونَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ:
٤٤٥١ - إذَا دَخَلَ الْعَسْكَرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَرْضَ الْحَرْبِ فَأُخْبِرُوا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَتَوْا بَعْضَ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بَعْضَ ثُغُورِهِمْ، فَإِنْ خَافَ الْعَسْكَرُ عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ أَلَّا يُطِيقُوا الْعَدُوَّ الَّذِي أَتَاهُمْ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْفِرُوا إلَيْهِمْ وَيَدْعُوا غَزْوَهُمْ.
لِأَنَّهُمْ إذَا خَافُوا عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ فَإِنَّهُ يُفْرَضُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَنْفِرَ إلَيْهِمْ وَيَنْصُرَهُمْ، وَدُخُولُهُمْ دَارَ الْحَرْبِ لِلْعَدُوِّ نَافِلَةٌ لَهُمْ أَوْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَفَرْضُ الْعَيْنِ لَا يُتْرَكُ بِالنَّافِلَةِ، أَوْ بِمَا هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ نَفَرُوا إلَى أَهْلِ الثَّغْرِ يَحْصُلُ فِيهِ شَيْئَانِ اثْنَانِ: قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ، وَنَجَاةُ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَوْ مَضَوْا عَلَى غَزْوِهِمْ لَا يَحْصُلُ فِيهِ إلَّا قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِمَا يَحْصُلُ فِيهِ نَجَاةُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ أَوْلَى.
٤٤٥٢ - وَإِنْ كَانُوا لَا يَخَافُونَ عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ، أَوْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّ الْقَوْمَ يَنْتَصِفُونَ مِنْهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْضُوا عَلَى غَزْوِهِمْ وَيَدَعُوهُمْ.
стр. 2156
لِأَنَّهُ مَا مِنْ عَسْكَرٍ يَخْرُجُونَ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ إلَّا وَيَتَوَهَّمُ أَنَّ الْعَدُوَّ يَمِيلُونَ إلَى بَعْضِ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ هَذَا لَا يُمْنَعُونَ عَنْ الْخُرُوجِ، فَكَذَلِكَ لَا يَمِيلُونَ عَنْ الْمُضِيِّ فِيهِ إذْ لَوْ لَمْ يَمْضُوا لِهَذَا الْمَعْنَى يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ الْجِهَادِ أَصْلًا، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ مَضَوْا فِي وَجْهِهِمْ تَحْصُلُ النِّكَايَةُ عَلَى الْعَدُوِّ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَإِنَّ أَهْلَ الثُّغُورِ رُبَّمَا يَظْفَرُونَ بِمَنْ أَتَاهُمْ، وَالْعَسْكَرُ كَذَلِكَ بِاَلَّذِينَ قَصَدُوهُمْ، وَكُلَّمَا كَانَتْ النِّكَايَةُ بِالْعَدُوِّ أَكْثَرَ كَانَ ذَلِكَ أَحْسَنَ.
٤٤٥٣ - وَإِنْ كَانُوا يَخَافُونَ عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ إنْ لَمْ يُعِنْهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَكَانَ قُرْبُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنْ أَعَانُوهُمْ يَنْتَصِفُونَ مِنْ الْعَدُوِّ أَوْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّ أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ يَقْصِدُونَهُمْ، كَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ الْمُضِيِّ إلَى غَزْوِهِمْ.
لِمَا قُلْنَا: إنَّ فِيهِ النِّكَايَةَ بِهِمْ مِنْ وَجْهَيْنِ.
٤٤٥٤ - وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّ أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَنْصُرُونَهُمْ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ غَزْوِهِمْ.
لِمَا قُلْنَا.
وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ هَا هُنَا، لِأَنَّ الْقَلْبَ حَكَمَ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِالظَّاهِرِ، وَالدَّلِيلُ الظَّاهِرُ مَعْدُومٌ هَا هُنَا فَكَانَ الْقَلْبُ حَكَمًا فِيهِ.
٤٤٥٥ - وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلُوا أَرْضَ الْحَرْبِ
стр. 2157
مُتَفَرِّقِينَ كُلُّ عَسْكَرٍ مِنْ نَاحِيهِ فَبَلَغَ أَحَدُ الْعَسْكَرَيْنِ أَنَّ الْعَدُوَّ تَفَرَّقُوا فِرْقَتَيْنِ، فَأَتَى فَرِيقٌ مِنْهُمْ ثَغْرًا مِنْ ثُغُورِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْهُ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَتَى فَرِيقٌ مِنْهُمْ الْعَسْكَرَ الْآخَرَ لِلَّذِينَ دَخَلُوا مَعَهُمْ، وَخَافُوا عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا إنْ لَمْ يُعِينُوهُمْ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ هَذَا الْعَسْكَرُ بِحَالِ لَوْ تَفَرَّقُوا فِرْقَتَيْنِ فَتَذْهَبُ فِرْقَةٌ إلَى الْعَسْكَرِ الْآخَرِ وَفِرْقَةٌ إلَى الثَّغْرِ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ يَنْتَصِفُونَ مِنْ عَدُوِّهِمْ تَفَرَّقُوا فِرْقَتَيْنِ، فَيَأْتِي كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ حَتَّى يُعِينُوهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ.
لِأَنَّ فِيهِ النِّكَايَةَ لِكُلِّ عَدُوٍّ، وَالنَّجَاةَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ.
٤٤٥٦ - وَإِنْ كَانُوا لَوْ تَفَرَّقُوا فَرِيقَيْنِ لَمْ يُغْنُوا شَيْئًا فِيمَا يَظُنُّونَ، فَإِنَّهُمْ لَا يَتَفَرَّقُونَ وَلَكِنْ يَأْتُونَ أَهْلَ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيُعِينُوهُمْ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الثَّغْرِ.
لِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَيْهِمْ أَشَدُّ وَهُمْ مِنْ الْمَدَدِ أَبْعَدُ، فَإِنَّ أَهْلَ الثَّغْرِ رُبَّمَا يُعِينُهُمْ الْمُسْلِمُونَ أَوْ يَنْحَازُونَ إلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْعَسْكَرُ الَّذِينَ أَتَاهُمْ الْعَدُوُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُعِينُهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَا يَجِدُونَ مَلْجَأً يَنْحَازُونَ إلَيْهِ، فَكَانَ الْعَسْكَرُ الْآخَرُ أَوْلَى بِالْإِعَانَةِ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الثَّغْرِ.
٤٤٥٧ - وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَنَّهُمْ لَا يَنْتَصِفُونَ مِنْ عَدُوِّهِمْ أَتَوْا أَهْلَ الثَّغْرِ وَتَرَكُوهُمْ.
стр. 2158
لِأَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى إعَانَتِهِمْ، وَأَهْلَ الثَّغْرِ يَحْتَاجُونَ إلَى الْإِعَانَةِ وَالنُّصْرَةِ فَالْمِيلُ إلَيْهِمْ أَوْلَى.
٤٤٥٨ - وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا لَا يَنْتَصِفُونَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، إلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ الْآخَرِ إلَى أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ أَقْرَبُ، وَالْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يُعِينُونَهُمْ أَقْرَبُ إلَيْهِمْ، وَأَهْلُ الثَّغْرِ أَبْعَدُ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَبَ عَلَى أَهْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ أَنْ يُعِينُوا أَهْلَ الثَّغْرِ.
لِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ أَشَدُّ، وَالْمَدَدَ مِنْهُمْ أَبْعَدُ فَإِعَانَتُهُمْ أَوْجَبُ عَلَيْهِمْ.
٤٤٥٩ - وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ أَنْ قَدْ اسْتَوَيَا فِي الْفَرِيقَيْنِ يَعْنِي: الْخَوْفُ عَلَيْهِمَا وَالرَّجَاءُ لَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى أَهْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ أَنْ يُعِينُوا أَقْرَبَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ.
لِأَنَّ عَدُوَّهُمْ أَقْرَبُ الْعَدُوَّيْنِ مِنْ هَذَا الْعَسْكَرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِ الْأَقْرَبِ مِنْ الْعَدُوِّ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ أَتَوْا أَقْرَبَ الْفَرِيقَيْنِ رُبَّمَا يَهْزِمُونَ ذَلِكَ الْعَدُوَّ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ إلَى الْفَرِيقِ الْآخَرِ فَيَنْصُرُونَهُمْ فَيَكُونُ فِيهِ النِّكَايَةُ بِالْعَدُوَّيْنِ جَمِيعًا.
٤٤٦٠ - وَإِنْ كَانَ الْأَبْعَدُونَ الْخَوْفُ عَلَيْهِمْ أَشَدُّ كَانُوا أَوْلَى
стр. 2159
بِالنُّصْرَةِ مِنْ الْأَقْرَبِينَ، وَإِنْ كَانُوا فِي الْقُرْبِ مِنْهُمْ عَلَى السَّوَاءِ، وَالْخَوْفُ عَلَيْهِمْ سَوَاءٌ، أَتَوْا أَهْلَ الثَّغْرِ.
لِأَنَّ الضَّرَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي هَلَاكِ أَهْلِ الثَّغْرِ أَكْثَرُ فَكَانَ الذَّبُّ عَنْ حَرَمِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا فِيهِ إعْزَازٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى.
٤٤٦١ - وَلَوْ أَنَّ عَسَاكِرَ ثَلَاثَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلُوا أَرْضَ الْعَدُوِّ، وَدَخَلَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ نَاحِيَةً مِنْ النَّوَاحِي، فَأَتَى الْعَدُوُّ عَسْكَرَيْنِ مِنْ تِلْكَ الْعَسَاكِرِ، وَتَرَكُوا الْعَسْكَرَ الثَّالِثَ، فَأُخْبِرَ الْعَسْكَرُ الثَّالِثُ بِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ الثَّالِثِ أَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرَيْنِ يَنْتَصِفُونَ مِنْ الْعَدُوِّ مَضَوْا عَلَى غَزْوِهِمْ.
لِأَنَّ الْعَسْكَرَيْنِ الْآخَرَيْنِ لَا يَحْتَاجَانِ إلَى إعَانَتِهِمَا.
٤٤٦٢ - وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ يَنْتَصِفُ، وَالْآخَرَ لَا يَنْتَصِفُ أَتَوْا الْفَرِيقَ الْآخَرَ الَّذِي لَا يَنْتَصِفُ.
لِمَا قُلْنَا: إنَّ فِيهِ نِكَايَةً لِلْعَدُوِّ وَنَجَاةَ الْمُسْلِمِينَ.
٤٤٦٣ - وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ لَا يَنْتَصِفُونَ مِمَّنْ أَتَاهُمْ، وَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ يُغْنُوا شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْعَسْكَرَيْنِ أَقْرَبَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَتَوْا الْعَسْكَرَ الْآخَرَ وَتَرَكُوهُمْ.
стр. 2160
لِمَا قُلْنَا: إنَّ الْخَوْفَ عَلَيْهِمْ أَكْبَرُ.
٤٤٦٤ - وَإِذَا كَانَ حَالُ الْعَسْكَرَيْنِ حَالًا وَاحِدَةً أَتَوْا أَقْرَبَ الْعَسْكَرَيْنِ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ الْعَسْكَرُ الْآخَرُ يَهْلَكُ.
لِأَنَّ عَدُوَّ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ أَقْرَبُ مِنْهُمْ.
٤٤٦٥ - فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَلِيلًا وَالْآخَرُونَ كَثِيرًا بُدِئَ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ وَلَمْ يُنْظَرْ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ.
لِأَنَّ حَقَّ الْأَقْرَبِ أَوْجَبُ.
٤٤٦٦ - إلَّا إنْ كَانَ هَذَا يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ إضْرَارًا شَدِيدًا وَيَخَافُونَ أَنْ يَهْلَكَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ وَيَذِلُّونَ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا أَتَوْا الْكَثِيرَ.
لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا أَكْثَرُ وَأَعَمُّ.
٤٤٦٧ - وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ أَكْثَرَ وَالْأَبْعَدُونَ أَقَلَّ لَا يَكُونُ الْأَبْعَدُ أَوْلَى بِالنُّصْرَةِ وَلَكِنَّ الْأَقْرَبِينَ أَوْلَى.
لِأَنَّ رُبَّ قَلِيلٍ يَنْتَصِفُونَ مِنْ كَثِيرٍ، وَرُبَّ كَثِيرٍ لَا يَنْتَصِفُونَ مِنْ قَلِيلٍ فَحَقُّ النُّصْرَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
стр. 2161
[بَابٌ مَتَى يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا]
٢١٢ - بَابٌ: مَتَى يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا؟ قَالَ مُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ:
٤٤٦٨ - إذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَاشْتَرَى أَرْضَ خَرَاجٍ فَوُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ فِيهَا كَانَ ذِمِّيًّا.
اعْلَمْ بِأَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ إذَا اشْتَرَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَرْضَ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا حَتَّى يَزْرَعَهَا، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرٌ أَوْ خَرَاجٌ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ يَصِيرُ ذِمِّيًّا وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّ شِرَاءَ الْأَرْضِ لِلْقَرَارِ فَصَارَ بِالشِّرَاءِ رَاضِيًا بِالْمُقَامِ فِي دَارِنَا فَصَارَ ذِمِّيًّا.
إلَّا أَنَّا نَقُولُ: لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا، لِأَنَّ الشِّرَاءَ قَدْ يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلزِّرَاعَةِ، فَلَا يَصِيرُ رَاضِيًا بِالْمُقَامِ فِي دَارِنَا مَا لَمْ يَزْرَعْ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَرَاجُ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ ذِمِّيَّةً فِي دَارِنَا لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا، وَالتَّزَوُّجُ لِلْقَرَارِ، فَلَأَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا بِشِرَاءِ الْأَرْضِ كَانَ أَوْلَى، فَإِذَا أُخِذَ مِنْهُ خَرَاجُ أَرْضٍ صَارَ ذِمِّيًّا يُوضَعُ عَلَيْهِ خَرَاجُ رَأْسِهِ وَلَمْ يُتْرَكْ أَنْ يَخْرُجَ إلَى دَارِهِ.
لِأَنَّ خَرَاجَ الْأَرْضِ لَا يَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلُ دَارِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَحُكْمُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجْرِي إلَّا عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ
стр. 2162
الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا وُضِعَ عَلَى هَذَا الْمُسْتَأْمَنِ خَرَاجٌ، فِي أَرْضِهِ يَصِيرُ مَنْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا صَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ ذِمِّيًّا.
وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ فِي الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ إنَّمَا يُوضَعُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ اُسْتُؤْنِفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.
٤٤٦٩ - أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ مَتَى اتَّخَذَ دَارِهِ مَزْرَعَةً وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا الْعُشْرُ، وَالذِّمِّيُّ لَوْ اتَّخَذَ دَارِهِ بُسْتَانًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ، فَلَمَّا وُضِعَ عَلَى هَذَا الْمُسْتَأْمَنِ خَرَاجُ أَرْضِهِ فَقَدْ وُضِعَ عَلَيْهِ مَا يُوضَعُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، فَصَارَ بِذَلِكَ ذِمِّيًّا.
ثُمَّ قَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ: إذَا وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ كَانَ ذِمِّيًّا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا نُبِّهَ، عَلَى ذَلِكَ، وَبُيِّنَ لَهُ أَنَّا نَأْخُذُ مِنْك خَرَاجَ أَرْضِك إنْ لَمْ تَبِعْهَا، وَلَمْ تَرْجِعْ إلَى بِلَادِك.
لِأَنَّهُ لَا يُجْعَلُ ذِمِّيًّا إلَّا بِرِضَاءٍ مِنْهُ، فَإِذَا لَمْ يُزِلْ الْأَرْضَ عَنْ مِلْكِهِ بَعْدَ مَا بُيِّنَ لَهُ صَارَ ذَلِكَ دَلِيلَ الرِّضَاءِ مِنْهُ بِكَوْنِهِ ذِمِّيًّا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَعْنَى إذَا وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ كَانَ ذِمِّيًّا، إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ ذِمِّيًّا، لِأَنَّ كَوْنَهُ ذِمِّيًّا إنَّمَا يَتَفَرَّعُ عَنْ خَرَاجِ أَرْضِهِ، فَمَا لَمْ يَجِبْ الْحَقُّ فِي أَرْضٍ لَمْ يَتَفَرَّعْ عَنْ صَيْرُورَتِهِ ذِمِّيًّا.
٤٤٧٠ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَاشْتَرَى أَرْضًا
стр. 2163
مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَبَاعَهَا قَبْلَ أَنْ يَجِبَ خَرَاجُهَا لَمْ يَكُنْ بِشِرَاءِ الْأَرْضِ ذِمِّيًّا.
لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِوُجُوبِ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ، وَالْخَرَاجُ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ فَلَا يَصِيرُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ ذِمِّيًّا.
٤٤٧١ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَاسْتَأْجَرَ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَزَرَعَهَا فَخَرَاجُ الْأَرْضِ عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَيْسَ عَلَى الزَّارِعِ مِنْ الْخَرَاج شَيْءٌ.
٤٤٧٢ - لِأَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ بِإِزَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَالْمَنْفَعَةُ فِي الْحَقِيقَةِ حَصَلَتْ لِرَبِّ الْأَرْضِ، لِأَنَّ الْبَدَلَ حَصَلَ لَهُ فَكَانَ الْخَرَاجُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ زَرَعَهَا الْحَرْبِيُّ وَأَدَّى أَجْرَهَا إلَى الَّذِي اسْتَأْجَرَهَا مِنْهُ وَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنْ صَاحِبِهَا لَمْ يَكُنْ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا بِالزِّرَاعَةِ.
لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْخَرَاجُ، وَلَكِنَّ الْإِمَامَ لَا يَدَعُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَتَّى يَزْرَعَ، لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالزِّرَاعَةِ مُكْثٌ وَمُقَامٌ فِي دَارِنَا، وَالْحَرْبِيُّ يُمْتَنَعُ أَنْ يُطِيلَ
стр. 2164
السَّفَرَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهُ إذَا قَضَى حَاجَتَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ نَأْمُرُهُ بِالرَّجْعَةِ إلَى بِلَادِهِ فَإِنْ أَطَالَ الْمُكْثَ بِهَا، وَالْإِمَامُ لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ عِلْمَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ، وَيُخْبِرَهُ أَنَّهُ إنْ أَقَامَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ يَقْدَمُ إلَيْهِ أَخَذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَامَ حَتَّى تَمَّتْ السَّنَةُ أَخَذَ الْإِمَامُ مِنْهُ خَرَاجَ رَأْسِهِ، وَجَعَلَهُ ذِمِّيًّا، وَلَا يَدَعُهُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى بِلَادِهِ، وَقَدْ تَمَّ الْكَلَامُ فِيهِ مِنْ قَبْلُ.
٤٤٧٣ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ اسْتَأْجَرَ مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا - خَرَاجُهَا مُقَاسَمَةُ نِصْفِ مَا يَخْرُجُ - فَزَرَعَهَا الْحَرْبِيُّ بِبَذْرِهِ.
فَإِنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَرَاجَ الْأَرْضِ يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا يَجِبُ عَلَى الْمَزَارِعِ فِي الْخَارِجِ.
لِأَنَّ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعُشْرِ، وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ عُشْرٍ وَزَرَعَهَا فَإِنَّ الْعُشْرَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا يَجِبُ عَلَى الزُّرَّاعِ فِي الْخَارِجِ.
٤٤٧٤ - فَإِنْ أَخَذَ الْإِمَامُ خَرَاجَهَا مِمَّا أَخْرَجَتْ، وَحَكَمَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِالِاتِّفَاقِ.
أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا فَلَا إشْكَالَ، فَإِنَّ الْخَرَاجَ عِنْدَهُمَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَالْحَرْبِيُّ هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ، فَقَدْ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمٌ مِنْ
стр. 2165
أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ حِينَ أَخَذَ الْإِمَامُ مِنْهُ الْخَرَاجَ، فَصَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَيَصِيرُ ذِمِّيًّا.
وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَلِأَنَّ الْخَرَاجَ وَإِنْ كَانَ يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، وَلَكِنْ لَمَّا حَكَمَ بِهِ الْإِمَامُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَأَخَذَ مِنْ الْخَارِجِ، فَقَدْ قَضَى فِي مَوْضِعٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَنَفَذَ قَضَاؤُهُ وَصَارَ الْحَقُّ عَلَيْهِ فَصَارَ ذِمِّيًّا بِالِاتِّفَاقِ.
٤٤٧٥ - وَلَوْ اشْتَرَى الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ وَخَرَاجُهَا مُقَاسَمَةُ النِّصْفِ مِمَّا يَخْرُجُ أَوْ الثُّلُثِ، فَآجَرَهَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِيَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ، فَأَخْرَجَتْ طَعَامًا، فَأَخَذَ الْإِمَامُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ نِصْفَ مَا أَخْرَجَتْ، وَرَأَى الْإِمَامُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَزَارِعِ فِيمَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا.
لِأَنَّ الْخَرَاجَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي أَرْضِهِ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِهِ.
٤٤٧٦ - وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَقُّ لَا إلَى مِلْكِ الْأَرْضِ.
لِأَنَّ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَأُخِذَ مِنْهُ هُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ، فَيَصِيرُ بِالْحُكْمِ ذِمِّيًّا، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمَالِكُ لِلْأَرْضِ أَوْ غَيْرُهُ.
٤٤٧٧ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهَا مِنْهُ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا صَارَ الْمُسْتَأْجِرُ ذِمِّيًّا.
لِأَنَّهُ جَرَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي زَرْعِهِ.
٤٤٧٨ - وَلَوْ لَمْ يُؤَاجِرْهَا الْحَرْبِيُّ، وَلَكِنَّهُ أَعَارَهَا عَارِيَّةً، فَإِنْ
стр. 2166
كَانَ الْخَرَاجُ خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ، كَانَ الْخَرَاجُ فِي الزَّرْعِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
٤٤٧٩ - وَلَوْ غَصَبَهَا إيَّاهُ غَاصِبٌ فَزَرَعَهَا، وَخَرَاجُهَا الْمُقَاسَمَةُ، فَأَخْرَجَتْ زَرْعًا كَثِيرًا، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لَمْ تَنْقُصْ شَيْئًا، فَالْخَرَاجُ يُؤْخَذُ مِنْ الْخَارِجِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
لِأَنَّ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعُشْرِ، وَالْعُشْرُ عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّ الْمَنَعَةَ حَصَلَتْ لَهُ فَكَذَلِكَ الْخَرَاجُ عَلَيْهِ [وَلَا يَصِيرُ صَاحِبُهَا الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا لِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي أَرْضِهِ إنَّمَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ] .
٤٤٨٠ - وَإِنْ كَانَتْ الزِّرَاعَةُ نَقَصَتْ الْأَرْضَ.
فَإِنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
٤٤٨١ - الْخَرَاجُ يُؤْخَذُ مِنْ الْخَارِجِ، وَالنُّقْصَانُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَالْأُجْرَةُ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ غَصَبَهَا كَانَ الْخَرَاجُ فِي الْخَارِجِ وَالنُّقْصَانُ لِرَبِّ الْأَرْضِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نُقْصَانُ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ الْأُجْرَةِ لِلْأَرْضِ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِيمَا إذَا كَانَ الْخَرَاجُ خَرَاجَ وَظِيفَةٍ، فَيَكُونُ الْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، فَيَصِيرُ صَاحِبُهَا الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا.
стр. 2167
وَإِنْ كَانَ خَرَاجُهَا دَرَاهِمَ فَاغْتَصَبَهَا مُغْتَصِبٌ فَزَرَعَهَا فَلَمْ يُنْقِصْهَا الزَّرْعُ شَيْئًا فَخَرَاجُهَا عَلَى الْغَاصِبِ.
لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَمْ يَسْتَفِدْ مَنْفَعَةً مِنْ الزِّرَاعَةِ، وَلَمْ يَرْضَ أَيْضًا بِتَعْطِيلِ مَنَافِعِ الْأَرْضِ فَإِنَّ الْأَرْضَ أُخِذَتْ مِنْهُ غَصْبًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ.
٤٤٨٣ - كَمَا لَا يَجِبُ إذَا غَرِقَتْ الْأَرْضُ بِالْمَاءِ وَعَجَزَ عَنْ زِرَاعَتِهَا، ثُمَّ إذَا أُخِذَ الْغَاصِبُ بِخَرَاجِهَا لَمْ يَصِرْ صَاحِبُهَا الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا، وَإِنْ أَخَذَ خَرَاجَ أَرْضِهِ.
لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ إنَّمَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَصِيرُ بِهِ ذِمِّيًّا.
٤٤٨٤ - فَإِنْ كَانَ الزَّارِعُ نَقَصَهَا شَيْئًا يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ مِثْلَ الْخَرَاجِ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ يَأْخُذُ ذَلِكَ النُّقْصَانَ، وَيُؤَدِّي مِنْهُ الْخَرَاجَ وَيَكُونُ الْفَضْلُ لَهُ إنْ كَانَ.
لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ النَّفْعُ مِنْ جِهَةِ الزِّرَاعَةِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ زَرَعَهَا بِنَفْسِهِ أَوْ آجَرَهَا مِنْ غَيْرِهِ.
وَيَصِيرُ صَاحِبُهَا الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا.
لِأَنَّ خَرَاجَ أَرْضِهِ أُخِذَ مِنْهُ.
٤٤٨٥ - وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ أَقَلَّ مِنْ الْخَرَاجِ كَانَ قَدْرَ النُّقْصَانِ مِنْ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ وَفَضْلُ الْخَرَاجِ عَلَى الْغَاصِبِ.
стр. 2168
لِأَنَّ الْخَرَاجَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْمُغْتَصَبِ مِنْهُ حُكْمًا بِمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ النَّفْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْخَرَاجِ، وَحِينَ رَجَعَ إلَيْهِ مِثْلُ الْخَرَاجِ أَوْ أَكْثَرُ أُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ كُلُّهُ، فَإِذَا رَجَعَ إلَيْهِ مِنْ النَّفْعِ مِثْلُ بَعْضِ الْخَارِجِ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ، وَكَانَ الْفَضْلُ عَلَى الْغَاصِبِ.
وَذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْمُزَارَعَةِ الْكَبِيرَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُؤْخَذُ الْخَرَاجُ كُلُّهُ مِنْ الْمُغْتَصَبِ مِنْهُ، قَلَّ النُّقْصَانُ أَوْ كَثُرَ.
وَذَكَرَ فِي الْمُزَارَعَةِ الصَّغِيرَةِ الْجَوَابَ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْخَرَاجُ كُلُّهُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ مَنَافِعِ أَرْضِهِ بَدَلًا، فَصَارَ كَأَنَّهُ آجَرَ أَرْضَهُ بِمَا أُخِذَ، وَلَوْ آجَرَ أَرْضَهُ كَانَ الْخَرَاجُ عَلَيْهِ، وَفِي الْأَجْرِ بِالْخَرَاجِ أَوْ لَمْ يَفِ فَكَذَلِكَ مَا هَاهُنَا.
٤٤٨٦ - ثُمَّ إذَا أُخِذَ جَمِيعُ الْخَرَاجِ مِنْ الْحَرْبِيِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَوْ بَعْضُهُ يَصِيرُ ذِمِّيًّا.
لِأَنَّهُ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ بِأَخْذِ بَعْضِهِ كَمَا يَجْرِي عَلَيْهِ بِأَخْذِ كُلِّهِ.
٤٤٨٧ - وَلَوْ زَرَعَهَا الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ أَوْ الْغَاصِبُ أَوْ الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ الْمُسْتَعِيرُ فَأَصَابَ زَرْعَهَا آفَةٌ فَاصْطَلَمَتْهُ مِنْ غَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ خَرَاجُ تِلْكَ السَّنَةِ، وَلَمْ يَصِرْ الْمُسْتَأْمَنُ صَاحِبُ الْأَرْضِ ذِمِّيًّا.
لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْخَرَاجُ فَلَمْ يَصِرْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَلَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا.
стр. 2169
وَإِذَا اشْتَرَى الْمُسْتَأْمَنُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَزَرَعَهَا أَوْ مَكَثَتْ فِي يَدِهِ سَنَةً أَوْ أَقَلَّ فَوَجَبَ فِيهَا الْخَرَاجُ، فَقَدْ صَارَ الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا حِينَ وَجَبَ فِي أَرْضِهِ الْخَرَاجُ، وَهُوَ لَزِمَهُ وَأُخِذَ.
لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِحُكْمِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ بِالْأَخْذِ فِيمَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا.
٤٤٨٩ - ثُمَّ إذَا أُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ يُؤْخَذُ مِنْهُ خَرَاجُ رَأْسِهِ بَعْدَ سَنَةٍ مُسْتَقْبِلَةٍ مِنْ يَوْمِ أُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ فِي خَرَاجِ رَأْسِهِ لِمَا مَضَى مِنْ الشُّهُورِ وَالْأَرْضُ فِي يَدِهِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ التَّقْدِيمِ إلَيْهِ لَوْ أَطَالَ الْمُكْثَ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ: ارْجِعْ إلَى بِلَادِك، فَإِنَّك إنْ أَقَمْتَ سَنَةً بَعْدَ يَوْمِك هَذَا أَخَذْتُ مِنْك الْخَرَاجَ فَأَقَامَ سَنَةً صَارَ ذِمِّيًّا، وَأُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ فِي تَمَامِ تِلْكَ السَّنَةِ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ فِي فَصْلِ التَّقَدُّمِ إنَّمَا يَأْخُذُ الْإِمَامُ مِنْهُ خَرَاجَ رَأْسِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْطِ فَإِذَا شَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى سَنَةٍ أَخَذَ مِنْهُ كَمَا شَرَطَ، وَيَصِيرُ مَا شَرَطَ عَلَيْهِ كَمَا صَالَحَهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ عَلَى مُقَامِهِ فِي دَارِنَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَلِلْإِمَامِ ذَلِكَ مِنْهُ لَهُ فِي الِابْتِدَاءِ أَلَّا يُؤْمِنَّهُ وَأَلَّا يَدَعَهُ يَخْرُجُ إلَى الْإِسْلَامِ إلَّا بِمَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ.
فَلِهَذَا يَأْخُذُ مِنْهُ الْخَرَاجَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ، وَأَمَّا صَيْرُورَتُهُ ذِمِّيًّا مِنْ جِهَةِ خَرَاجِ أَرْضِهِ لَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْطِ وَلَكِنْ يَثْبُتُ حُكْمًا.
وَلَوْ لَمْ يَجِبْ فِي أَرْضِهِ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا فَإِنَّمَا يَأْخُذُ مِنْهُ خَرَاجَ رَأْسِهِ إذَا مَضَتْ سَنَةٌ
стр. 2170
مِنْ يَوْمِ يَصِيرُ ذِمِّيًّا، يَأْخُذُ مِنْهُ الْخَرَاجَ فَمَا لَمْ يَمْضِ سَنَةٌ كَامِلَةٌ عَلَى ذِمَّتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ الْخَرَاجَ.
٤٤٩٠ - وَلَوْ قَالَ لَهُ الْإِمَامُ: إنْ أَقَمْتَ سَنَةً بَعْدَ يَوْمِك هَذَا أَخَذْتُ مِنْك مِائَةَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ جَعَلْتُكَ بَعْدَ ذَلِكَ ذِمِّيًّا، آخُذُ مِنْك فِي رَأْسِ كُلِّ سَنَةٍ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا فَإِنْ أَقَامَ سَنَةً بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ أُخِذَ مِنْهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ.
لِمَا قُلْنَا: إنَّ مَا يَأْخُذُ مِنْهُ الْإِمَامُ فِي التَّقَدُّمِ إلَيْهِ إنَّمَا يَأْخُذُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْطِ، وَالصُّلْحُ هَكَذَا جَرَى فِيمَا بَيْنَهُمَا وَهُوَ رَاضٍ بِهِ حِينَ أَقَامَ سَنَةً بَعْدَ الصُّلْحِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ بِحُكْمِ الصُّلْحِ، وَيَصِيرُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ عِنْدَ تَمَامِ الصُّلْحِ أُجْرَةً لِسُكْنَاهُ فِي دَارِنَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ.
٤٤٩١ - وَنَظِيرُ ذَلِكَ رَجُلٌ أَجَّرَ دَارًا لَهُ شَهْرًا فَقَالَ لَهُ قَبْلَ مُضِيِّ الشَّهْرِ: لَا تُقِمْ فِي دَارِي مِنْ الشَّهْرِ [الدَّاخِلِ شَيْئًا] وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَقَامَ الشَّهْرَ الدَّاخِلَ فَأَجَّرَ الدَّارَ عَلَيْهِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، لِمَا أَنَّ الْأُجْرَةَ تَجِبُ بِالشُّرُوطِ [وَالْمَشْرُوطُ لِلشَّرْطِ الدَّاخِلِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا] وَقَدْ رَضِيَ بِهَذَا الْمَشْرُوطِ حَيْثُ أَقَامَ فِيهَا فِي الشَّهْرِ الدَّاخِلِ، فَكَانَ الْحُكْمُ كَمَا شَرَطَ.
стр. 2171
فَكَذَلِكَ خَرَاجُ الرَّأْسِ فِي التَّقْدِيمِ إلَيْهِ يَجِبُ بِالشَّرْطِ.
وَقَدْ رَضِيَ بِالْمَشْرُوطِ حَيْثُ أَقَامَ سَنَةً فَكَانَ الْحُكْمُ كَمَا شَرَطَ.
وَقَدْ انْتَزَعَ أَصْحَابُنَا مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْأَلَةً أُخْرَى، قَالُوا جَمِيعًا: لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَصَبَ دَارًا مِنْ رَجُلٍ فَأَرَادَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ تَخْوِيفَ الْغَاصِبِ حَتَّى يَرُدَّ إلَيْهِ الدَّارَ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِرَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ إلَى الْغَاصِبِ فَيُشْهِدُهُمَا عَلَى الْغَاصِبِ فَيَقُولُ لَهُ: إنْ رَدَدْت الدَّارَ إلَيَّ وَإِلَّا أَخَذْتُ مِنْك كُلَّ شَهْرٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مَثَلًا، فَإِنَّ الْإِشْهَادَ صَحِيحٌ.
وَإِنْ أَقَامَ الْغَاصِبُ بَعْدَ هَذَا التَّقَدُّمِ إلَيْهِ فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ يَسْتَوْجِبُ هَذَا الْأَجْرَ الْمُسَمَّى عَلَى الْغَاصِبِ.
٤٤٩٣ - وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ حِينَ تَقَدَّمَ إلَيْهِ قَالَ لَهُ: إنْ أَقَمْتَ سَنَةً بَعْدَ يَوْمِك هَذَا كُنْت ذِمِّيًّا، وَآخُذُ مِنْك الْخَرَاجَ بَعْدَ سَنَةٍ أُخْرَى مُسْتَقْبِلَةٍ، فَأَقَامَ تِلْكَ السَّنَةَ، كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ خَرَاجٌ حَتَّى تَمْضِيَ سَنَةٌ بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ الْأُولَى.
لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا جَرَى مِنْ الْإِمَامِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ لِمَا شَرَطَ وَالْمُتَقَدِّمُ الْمَعْرُوفُ هَذَا.
٤٤٩٤ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا اشْتَرَى فِينَا أَرْضًا خَرَاجِيَّةً فَجَاءَ مُسْتَحِقٌّ وَاسْتَحَقَّهَا لِنَفْسِهِ وَأَدَّى خَرَاجَهَا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ ثُمَّ وَجَدَ الْقَاضِي الشُّهُودَ عَبِيدًا وَرَدَّ الْأَرْضَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ لَمْ يَكُنْ هُوَ ذِمِّيًّا.
стр. 2172
لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ، لَا بِمُجَرَّدِ شِرَاءِ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، وَهَا هُنَا قَدْ كَانَ هُوَ مَمْنُوعًا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَذِهِ الْأَرْضِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْخَرَاجُ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْخَرَاجِ بِاعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ.
٤٤٩٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَهَا مِنْهُ سُلْطَانٌ لَا يُقَاوِمُهُ الْمُسْتَأْمَنُ، وَلَوْ غَصَبَهَا مَنْ يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ إثْبَاتِ حَقِّهِ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ زَرَعَهَا فَالْمُسْتَأْمَنُ لَا يَكُونُ ذِمِّيًّا أَيْضًا.
لِأَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى الْغَاصِبِ إذَا زَرَعَهَا بِاعْتِبَارِ انْتِفَاعِهِ بِالْأَرْضِ فَلَا يَكُونُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ شَيْءٌ مِنْ خَرَاجِهَا.
٤٤٩٦ - وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ لَمْ يَزْرَعْهَا فَقَدْ صَارَ الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا.
لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ خَرَاجُهَا، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِرْدَادِهَا وَالِانْتِفَاعِ بِهَا، وَإِذَا لَزِمَهُ خَرَاجُهَا كَانَ ذِمِّيًّا، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ غَرَّقَهَا مَاءً وَقَدْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَنْ يَحْتَالَ بِذَلِكَ.
بِمُسَنَّاةٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ، فَعَلَيْهِ خَرَاجُهَا، وَكَانَ ذِمِّيًّا لِلْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا.
٤٤٩٧ - وَهَذَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي الْأَرْضِ نُقْصَانٌ بِزِرَاعَةِ الْغَاصِبِ، فَإِنْ كَانَتْ الزِّرَاعَةُ نَقَصَتْهَا كَانَ الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا.
لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ لِلْمُسْتَأْمَنِ، وَحُكْمُ الْخَرَاجِ أَنَّهُ إنْ كَانَ النُّقْصَانُ أَكْثَرَ فَالْخَرَاجُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ، وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ أَقَلَّ فَعَلَى الْغَاصِبِ الْخَرَاجُ دُونَ
стр. 2173
النُّقْصَانِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ النُّقْصَانِ مِنْ ذَلِكَ الْخَرَاجِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، وَالْفَضْلُ عَلَى الْغَاصِبِ، فَفِي الْوَجْهَيْنِ قَدْ لَزِمَ الْمُسْتَأْمَنَ بَعْضُ الْخَرَاجِ وَبِهِ يَصِيرُ الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا.
٤٤٩٨ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا سَقَى فِي هَذِهِ الْأَرْضِينَ مَاءً فَغَرَّقَهَا حَتَّى لَمْ يَسْتَطِعْ الْحَرْبِيُّ زِرَاعَتَهَا، وَنَقَصَ الْمَاءُ الْأَرْضَ، كَانَ لِلْحَرْبِيِّ أَنْ يَضْمَنَ الَّذِي سَقَى الْمَاءَ النُّقْصَانُ الْمُتَمَكِّنُ بِفِعْلِهِ، وَلَا يَكُونُ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا هَا هُنَا.
لِأَنَّهُ لَا خَرَاجَ فِي هَذِهِ الْأَرَاضِي لِأَحَدٍ هَا هُنَا فَمَا كَانَ أَحَدٌ يَتَمَكَّنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ فِيهَا.
٤٤٩٩ - وَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَزْرَعْ الْغَاصِبُ الْأَرْضَ أَيْضًا حَتَّى رَدَّهَا بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ لَمْ يَكُنْ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا.
لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ خَرَاجُهَا.
٤٥٠٠ - وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ حَرْبِيًّا مِثْلَ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَزَرَعَهَا وَنَقَصَتْهَا الزِّرَاعَةُ فَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ لِنُقْصَانِ الْأَرْضِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ الْخَرَاجُ مِثْلَ النُّقْصَانِ أَوْ أَقَلَّ فَصَاحِبُ الْأَرْضِ يَصِيرُ ذِمِّيًّا دُونَ الزَّارِعِ.
لِأَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ هَا هُنَا.
стр. 2174
وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ أَقَلَّ مِنْ الْخَرَاجِ فَقَدْ صَارَا ذِمِّيَّيْنِ.
لِأَنَّ بِقَدْرِ النُّقْصَانِ مِنْ الْخَرَاجِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، وَالْفَضْلُ عَلَى الزَّارِعِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْضُ الْخَرَاجِ.
٤٥٠٢ - وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ لَمْ تَنْقُصْهَا الزِّرَاعَةُ فَالْغَاصِبُ يَصِيرُ ذِمِّيًّا دُونَ صَاحِبِ الْأَرْضِ.
لِأَنَّ الْخَرَاجَ هَا هُنَا عَلَى الْغَاصِبِ كُلِّهِ.
٤٥٠٣ - وَلَوْ عَطَّلَهَا الْغَاصِبُ فَلَمْ يَزْرَعْهَا فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِرْدَادِهَا بِالْحُجَّةِ فَلَمْ يَفْعَلْ كَانَ الْخَرَاجُ عَلَيْهِ وَصَارَ ذِمِّيًّا، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا خَرَاجَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُمَا حَرْبِيَّانِ [فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -] عَلَى حَالِهِمَا
وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُ اشْتَرَى أَرْضًا عُشْرِيَّةً فَقَدْ صَارَتْ خَرَاجِيَّةً فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ مُضَاعَفًا.
وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ هِيَ عُشْرِيَّةٌ عَلَى حَالِهَا.
٤٥٠٤ - فَإِذَا زَرَعَهَا أَوْ تَمَكَّنَ مِنْ زِرَاعَتِهَا كَانَ ذِمِّيًّا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
стр. 2175
لِأَنَّهُ لَزِمَهُ الْخَرَاجُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ زَرَعَهَا كَانَ ذِمِّيًّا لِأَنَّ الْعُشْرَ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ النَّامِيَةِ كَالْخَرَاجِ وَلَكِنْ لَا يَجِبُ إلَّا بِحُصُولِ الْخَارِجِ حَقِيقَةً، وَمَا لَمْ يَلْزَمْهُ يَجِبُ فِي الْأَرَاضِيِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا.
٤٥٠٥ - وَإِنْ بَاعَهَا الْحَرْبِيُّ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ فِيهَا الْخَرَاجُ كَانَتْ أَرْضَ خَرَاجٍ لَا تَتَحَوَّلُ عَنْ ذَلِكَ.
هَكَذَا ذَكَرَ هَا هُنَا. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي الْعُشْرُ دُونَ الْخَرَاجِ.
فَالْوَجْهُ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنَّ مِلْكَ الْكَافِرِ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ الْأَرْضَ خَرَاجِيَّةً، وَحِينَ اشْتَرَاهَا فَقَدْ مَلَكَهَا، فَصَارَتْ خَرَاجِيَّةً بِمِلْكِهِ إيَّاهَا، فَقَدْ بَاعَهَا وَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ، وَالْمُسْلِمُ مَتَى اشْتَرَى مِنْ كَافِرٍ أَرْضًا خَرَاجِيَّةً بَقِيَتْ خَرَاجِيَّةً.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا بَاعَهَا قَبْلَ وُجُوبِ الْخَرَاجِ فِيهَا فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الْأَرْضِ حَقٌّ غَيْرُ الْعُشْرِ فَدَامَتْ عُشْرِيَّةً كَمَا كَانَتْ.
٤٥٠٦ - وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اعْتَرَضَ فِيهَا مِنْ مِلْكِ الْكَافِرِ، وَالْحَرْبِيُّ، لَا يَكُونُ ذِمِّيًّا.
لِأَنَّ الْأَرْضَ، وَإِنْ صَارَتْ خَرَاجِيَّةً، فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْ صَاحِبِهَا الْخَرَاجُ فَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُسْلِمِ فَلَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ حَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَكَّلَ مُسْلِمًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أَرْضًا فِي أَرْضِ الْعُشْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَاشْتَرَاهَا صَارَتْ خَرَاجِيَّةً فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَلَمْ يَصِرْ صَاحِبُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ذِمِّيًّا، وَإِنْ صَارَتْ الْأَرْضُ خَرَاجِيَّةً لِمَا أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَى صَاحِبِهَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ كَذَلِكَ هَا هُنَا.
٤٥٠٧ - وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْمُسْتَأْمَنَ اشْتَرَى أَرْضًا عُشْرِيَّةً آجَرَهَا
следующие страницы →