Полный текст (2 212 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أَوْ مَنْ يَحْمِلُ السِّلَاحَ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ الَّذِي يَحْمِلُ السِّلَاحَ بَيْنَ يَدَيْ السُّلْطَانِ: مَسْلَحَةً. وَإِنَّمَا قَالَ عُمَرُ: " لَسْت بِخَيْرِ النَّاسِ، إظْهَارًا لِلتَّوَاضُعِ، فَقَدْ كَانَ هُوَ خَيْرَ النَّاسِ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ بَعْدَ وَفَاةِ الصِّدِّيقِ ﵁. وَهُوَ نَظِيرُ مَا يُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي حَالِ خِلَافَتِهِ: أَقِيلُونِي فَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ. وَقَدْ كَانَ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَإِنَّمَا جَعَلَ عُمَرُ ﵁ صَاحِبَ الصِّرْمَةِ خَيْرِ النَّاسِ لِأَنَّهُ بَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ نَفَعَ النَّاسَ. وَقَدْ قَالَ ﵇: «خَيْرُ النَّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ (٢٢ آ) فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَمِعَ هَيْعَةً طَارَ إلَيْهَا» .
ثُمَّ قَالَ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَإِنِّي أَجْفُو عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ الْعِلْمِ، فَعَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَك رَسُولُ اللَّهِ: فَقَالَ عُمَرُ: أَلَيْسَ تَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: عَلَيْك بِالْعَلَانِيَةِ وَإِيَّاكَ وَالسِّرَّ. عَلَيْك بِكُلِّ عَمَلٍ إذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ مِنْك لَمْ يَفْضَحْك، وَإِيَّاكَ وَكُلَّ عَمَلٍ إذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ مِنْك شَانَكَ وَفَضَحَك.
قَوْلُهُ: " أَجْفُو عَنْ أَشْيَاءَ؛ أَيْ أَجْهَلُ - وَلِهَذَا سُمِّيَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ الْقُرَى وَالْمَفَاوِزَ أَهْلَ الْجَفَاءِ؛ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ. فَبَيَّنَ لَهُ عُمَرُ ﵁ مِمَّا ذَكَرَهُ أَنَّهُ عَالِمٌ
стр. 37
وَلَيْسَ بِجَاهِلٍ] . فَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] وَالْمُرَادُ الْمُومِنُونَ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " عَلَيْك بِالْعَلَانِيَةِ "، أَيْ بِسُلُوكِ الطَّرِيقِ الْجَادَّةِ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّجَنُّبِ عَنْ الْمَذَاهِبِ الْبَاطِلَةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇: «عَلَيْكُمْ بِدِينِ الْعَجَائِزِ» .
وَالسِّرُّ: مَا لَا يَعْرِفُهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَلَيْك فِي الصُّحْبَةِ مَعَ النَّاسِ بِاتِّبَاعِ الْعَلَانِيَةِ وَالِاكْتِفَاءِ بِمَا يَظْهَرُ لَك مِنْ حَالِهِمْ، وَعَلَيْك فِي مُعَامَلَةِ نَفْسِك بِكُلِّ عَمَلٍ إذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ مِنْك لَمْ يُشِنْكَ، يَعْنِي لَا تَكُونُ سَرِيرَتُك مُخَالِفَةً لِعَلَانِيَتِك، وَمَا كُنْت تَمْتَنِعُ مِنْهُ إذَا كُنْت مَعَ النَّاسِ اسْتِحْيَاءً مِنْهُمْ فَامْتَنَعَ مِنْهُ إذْ خَلَوْت اسْتِحْيَاءً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ شَانَهُ اللَّهُ وَفَضَحَهُ.
٣٢ - خَتَمَ مُحَمَّدٌ ﵀ الْبَابَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا مَاتَ شَهِيدًا» . يَعْنِي لَهُ مِنْ الثَّوَابِ مَا لِلشَّهِيدِ لِأَنَّهُ بَذَلَ نَفْسَهُ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى، صَابِرًا عَلَى الْمُرَابَطَةِ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ. وَاَللَّهُ الْمُعِينُ.
стр. 38
[بَابُ وَصَايَا الْأُمَرَاءِ فِي بَعَثَ السَّرَايَا]
[بَابُ وَصَايَا الْأُمَرَاءِ]
٣٣ - رُوِيَ حَدِيثُ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ بِرِوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ إذَا بَعَثَ جَيْشًا أَوْ سَرِيَّةً قَالَ لَهُمْ: اُغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ» .
وَقَدْ بَدَأَ مُحَمَّدٌ ﵀ " السِّيَرَ الصَّغِيرَ " بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَوَائِدَ الْحَدِيثِ هُنَاكَ. ثُمَّ بَيَّنَ مَعْنَى قَوْلٍ ﵇ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ: «وَإِنْ أَرَادُوكُمْ أَنْ تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ فَلَا تُعْطُوهُمْ» . إنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ بَلْ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْإِخْفَارِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ. فَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ إعْطَاءُ ذِمَّةِ اللَّهِ لِلْكُفَّارِ، وَيَتَمَسَّكُ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ. فَمُقْتَضَى مُطْلَقِ النَّهْيِ حُرْمَةُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَذُكِرَ هَذَا اللَّفْظُ فِي حَدِيثٍ يَرْوِيهِ عَلِيٌّ ﵁ بِطَرِيقِ أَهْلِ الْبَيْتِ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّتِي، فَذِمَّتِي ذِمَّةُ اللَّهِ» وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُمْ عِنْدَنَا لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَهُوَ أَنَّهُمْ قَدْ يَحْتَاجُونَ إلَى النَّقْضِ (٢٢ ب) لِمَصْلَحَةٍ يَرَوْنَهَا فِي ذَلِكَ. وَإِنْ يَنْقُضُوا عُهُودَهُمْ فَهُوَ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ. وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَقَالَ:
стр. 39
«فَإِنَّكُمْ إنْ تَخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ آبَائِكُمْ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ تَعَالَى» .
وَالذِّمَّةُ هِيَ الْعَهْدُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الذِّمَّةُ لِلْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ مَحَلُّ الِالْتِزَامِ بِالْعَهْدِ. وَالْمُرَادُ بِذِمَمِهِمْ وَذِمَمِ آبَائِهِمْ الْحِلْفُ وَالْمُحَالَفَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَمَعْنَى الْإِخْفَارِ هُوَ نَقْضُ الْعَهْدِ يُقَالُ: خَفَرُوا إذَا عَاهَدُوا، وَأَخْفَرُوا إذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ. وَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ فِي الْعِلْمِ. وَذَلِكَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَأَيَّدَ مَا قُلْنَا قَوْلُهُ ﵇: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ وَمَنْ كُنْت خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ، وَقَالَ فِي تِلْكَ الْجُمْلَةِ: رَجُلٌ أُعْطَى ذِمَّتِي ثُمَّ خَفَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا وَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» ، فَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِإِعْطَاءِ ذِمَّتِهِ وَلَكِنْ يَحْرُمُ الْغَدْرُ، وَأُمَرَاءُ الْجُيُوشِ كَانُوا يُعْطُونَ الْأَمَانَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄. فَدَلَّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
٣٤ - ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى جَيْشٍ، فَخَرَجَ مَعَهُ يَمْشِي وَهُوَ يُوصِيهِ. فَقَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَنَا الرَّاكِبُ وَأَنْتَ
стр. 40
الْمَاشِي، فَإِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مَا أَنَا بِاَلَّذِي أَرْكَبُ وَلَا أَنْتَ بِاَلَّذِي تَنْزِلُ إنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. الْحَدِيثَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَغْتَنِمَ الْمَشْيَ فِي تَشْيِيعِ الْغُزَاةِ، عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ، كَمَا فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ ﵁. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» .
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: «مَا اجْتَمَعَ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ مُسْلِمٍ» .
٣٥ - وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ بَعْدَ هَذَا حَدِيثَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِطَرِيقٍ آخَرَ أَنَّهُ أَتَى بِرَاحِلَتِهِ لِيَرْكَبَ. فَقَالَ: بَلْ أَمْشِي، فَقَادُوا رَاحِلَتَهُ وَهُوَ يَمْشِي، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ وَأَمْسَكَهُمَا بِإِصْبَعَيْهِ رَغْبَةً أَنْ تَغَبَّرَ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ «هَذَا اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﵇، فَإِنَّهُ حِينَ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ شَيَّعَهُ وَمَشَى مَعَهُ مِيلًا أَوْ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ» . وَنَظِيرُ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ «أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي فِي طَرِيقِ الْحَجِّ وَنَجَائِبُهُ تُقَادُ إلَى جَنْبِهِ. فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَرْكَبُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﵇؟ فَقَالَ: لَا. إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﵇ يَقُولُ: مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ تَمَسَّهُمَا نَارُ جَهَنَّمَ» (٢٣ آ) . فَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُشَيِّعُ الْحَاجَّ أَوْ الْغُزَاةَ أَنْ يَفْعَلَ كَمَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ -
стр. 41
ثُمَّ قَالَ: إنِّي مُوصِيك بِعَشْرٍ فَاحْفَظْهُنَّ: (١) إنَّك سَتَلْقَى أَقْوَامًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ فِي الصَّوَامِعِ، فَذَرْهُمْ وَمَا فَرَّغُوا لَهُ أَنْفُسَهُمْ.
وَبِهِ يَسْتَدِلُّ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ﵄ فِي أَنَّ أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ لَا يُقْتَلُونَ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ قَالَ: سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ قَتْلِ أَصْحَابِ الصَّوَامِعِ فَرَأَى قَتْلَهُمْ حَسَنًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا إذَا كَانُوا يَنْزِلُونَ إلَى النَّاسِ وَيَصْعَدُ النَّاسُ إلَيْهِمْ فَيَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِمْ فِي الْقِتَالِ يُقْتَلُونَ، فَأَمَّا إذَا أَغْلَقُوا أَبْوَابَ الصَّوَامِعِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ. وَهُوَ الْمُرَادُ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ لِتَرْكِهِمْ الْقِتَالَ أَصْلًا. وَهَذَا لِأَنَّ الْمُبِيحَ لِلْقَتْلِ شَرُّهُمْ مِنْ حَيْثُ الْمُحَارَبَةُ، فَإِذَا أَغْلَقُوا الْبَابَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ انْدَفَعَ شَرُّهُمْ مُبَاشَرَةً وَتَسْبِيبًا. فَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُمْ رَأْيٌ فِي الْحَرْبِ وَهُمْ يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِمْ فَهُمْ مُحَارِبُونَ تَسْبِيبًا فَيُقْتَلُونَ.
(٢) قَالَ: وَسَتَلْقَى أَقْوَامًا قَدْ حَلَقُوا أَوْسَاطَ رُءُوسِهِمْ، فَافْلِقُوهَا بِالسَّيْفِ. وَالْمُرَادُ الشَّمَامِسَةُ، وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْعَلَوِيَّةِ فِينَا. وَهُمْ أَوْلَادُ هَارُونَ ﵇. فَقَدْ أَشَارَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِطَرِيقٍ آخَرَ: وَتَرَكُوا شُعُورًا كَالْعَصَائِبِ. يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِمْ فِي الْقِتَالِ وَيَحُثُّونَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ، قَتْلُهُمْ أَوْلَى مِنْ قَتْلِ غَيْرِهِمْ.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَقَالَ: فَاضْرِبُوا مَقَاعِدَ الشَّيَاطِينِ مِنْهَا بِالسُّيُوفِ أَيْ فِي أَوْسَاطِ رُءُوسِهِمْ الْمَحْلُوقَةِ. وَاَللَّهِ لَأَنْ
стр. 42
أَقْتُلَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَ سَبْعِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] وَالْمُرَادُ بِمَقَاعِد الشَّيَاطِينِ شَعْرُ رُءُوسِهِمْ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي الرَّأْسِ، كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ: اضْرِبُوا الرَّأْسَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ فِي الرَّأْسِ.
(٣) قَالَ: وَلَا تَقْتُلَنَّ مَوْلُودًا. وَمَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَهُوَ مَوْلُودٌ، لَكِنَّ الْمُرَادَ هُوَ الصَّبِيُّ، سَمَّاهُ مَوْلُودًا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْوِلَادَةِ. وَالْمُرَادُ بِهِ إذَا كَانَ لَا يُقَاتِلُ. فَسَّرَهُ فِي الطَّرِيقِ الْآخَرِ فَقَالَ: لَا تَقْتُلَنَّ صَغِيرًا ضَرْعًا. (٤) قَالَ: وَلَا امْرَأَةً. وَالْمُرَادُ بِهِ إذَا كَانَتْ لَا تُقَاتِلُ، عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فَقَالَ: هَاهْ، مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ، أَدْرِكْ خَالِدًا فَقُلْ لَهُ: لَا تَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً وَلَا عَسِيفًا» .
(٥) قَالَ: وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَانِيًا. يَعْنِي إذَا كَانَ لَا يُقَاتِلُ، وَلَا رَأَى لَهُ فِي ذَلِكَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ يُقَاتِلُ أَوْ يَكُونُ لَهُ رَأْيٌ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَمَرَ بِقَتْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ. وَكَانَ ذَا رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ» ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْفَعُوا الظَّعْنَ إلَى عَلْيَاءِ بِلَادِهِمْ. وَأَنْ يَلْقَى الرِّجَالُ الْعَدُوَّ بِسُيُوفِهِمْ عَلَى مُتُونِ الْخَيْلِ. فَلَمْ يَقْبَلُوا رَأْيَهُ. وَقَاتَلُوا مَعَ أَهَالِيِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ انْهِزَامِهِمْ. وَفِيهِ يَقُولُ (٢٣ ب) دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ:
أَمَرْتُهُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرِجِ اللِّوَى ... فَلَمْ يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ حَتَّى ضُحَى الْغَدِ
стр. 43
فَلَمَّا عَصَوْنِي كُنْت مِنْهُمْ وَقَدْ أَرَى ... غَوَايَتَهُمْ وَأَنَّنِي غَيْرُ مُهْتَدٍ
فَلَمَّا كَانَ ذَا الرَّأْيِ فِي الْحَرْبِ قَتَلَهُ النَّبِيُّ ﵇
قَالَ: (٦ - ٨) وَلَا تَعْقِرَنَّ شَجَرًا بَدَا ثَمَرُهُ، وَلَا تَحْرِقَنَّ نَخْلًا وَلَا تَقْطَعَنَّ كَرْمًا. وَبِظَاهِرِ الْحَدِيثِ اسْتَدَلَّ الْأَوْزَاعِيُّ فَقَالَ: لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِمَّا يَرْجِعُ إلَى التَّخْرِيبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فَسَادٌ، ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ، وَلِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَذْكُرُ هَذَا فِي وَصَايَاهُ لِأُمَرَاءِ السَّرَايَا» .
ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَقَالَ فِيهِ: إلَّا شَجَرًا يَضُرُّكُمْ، أَيْ يَحُولُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ قِتَالِ الْعَدُوِّ. وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَبِرَ بِمَلَكُوتِ الْأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إلَى مُلْكِ آلِ دَاوُد وَأَهْلِ فَارِسَ. فَقَالَ ذَلِكَ النَّبِيُّ: أَمَّا أَهْلُ دَاوُد فَهُمْ أَهْلٌ لِمَا أَكْرَمْتهمْ بِهِ، فَمَنْ أَهْلُ فَارِسَ؟ فَقَالَ: إنَّهُمْ عَمَّرُوا بِلَادِي فَعَاشَ فِيهَا عِبَادِي» . وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ السَّعْيَ فِي الْعِمَارَةِ مَحْمُودٌ تَبَيَّنَ أَنَّ السَّعْيَ فِي التَّخْرِيبِ مَذْمُومٌ. وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَمَّا جَازَ قَتْلُ النُّفُوسِ، وَهُوَ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ فَمَا دُونَهُ مِنْ تَخْرِيبِ الْبُنْيَانِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ لَأَنْ يَجُوزَ أَوْلَى.
стр. 44
وَبَيَانُ هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] .
وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي " الْكِتَابِ " بَعْدَ هَذَا: أَنَّهُ عَلِمَ بِإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّ الشَّامَ تُفْتَحُ وَتَصِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَنَهَاهُمْ عَنْ التَّخْرِيبِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ. عَلَى مَا بَيَّنَهُ بَعْدَ هَذَا. وَهُوَ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَيْضًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى حِصْنِ ثَقِيفٍ وَفِيهِ مِنْ التَّخْرِيبِ مَا لَا يَخْفَى.
(٩ - ١٠) قَالَ: وَلَا تَذْبَحَنَّ بَقَرَةً وَلَا شَاةً، وَلَا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاشِي إلَّا لِأَكْلٍ. لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ نَهَى عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ إلَّا لِأَكْلِهِ» . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْغَانِمِينَ تَنَاوُلُ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَأَنَّ ذَبْحَ الْمَأْكُولِ لِلْأَكْلِ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ. ثُمَّ مُحَمَّدٌ ﵀ أَعَادَ هَذَا الْحَدِيثَ بِطَرِيقٍ آخَرَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَلَا تَغُلَّنَّ. وَفِيهِ بَيَانُ حُرْمَةِ الْغُلُولِ، وَهُوَ اسْمٌ لِأَخْذِ بَعْضِ الْغَانِمِينَ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ سِرًّا لِنَفْسِهِ سِوَى الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] وَقَالَ ﵇: «الْغُلُولُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ» .
стр. 45
قَالَ: وَلَا تَجْبُنَنَّ. وَهَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] أَيْ وَلَا تَضْعُفُوا عَنْ الْقِتَالِ وَإِظْهَارِ الْغُزَاةِ الْجُبْنَ لِضَعْفِهِمْ عَنْ الْقِتَالِ.
قَالَ: وَلَا (٢٤ آ) تُفْسِدَنَّ وَلَا تَعْصِيَنَّ. قِيلَ مَعْنَاهُ: وَلَا تَعْصِينِي فِيمَا أَمَرْتُك بِهِ، فَفَائِدَةُ الْوَصِيَّةِ إنَّمَا تَظْهَرُ بِالطَّاعَةِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إنْ كُنْت تَطْلُبُ النُّصْرَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَعْصِهِ.
٣٦ - ثُمَّ أَعَادَ مُحَمَّدٌ ﵀ الْحَدِيثَ بِطَرِيقٍ ثَالِثٍ بِرِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: لَمَّا جَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ الْجُيُوشَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ جُيُوشٌ عَلَى بَعْضِهَا أَمَّرَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ، وَعَلَى بَعْضِهَا يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَلَى بَعْضِهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَخْرُجُوا وَيَجْتَمِعُوا فِي بِيَارِ بَنِي شُرَحْبِيلَ، وَهِيَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِأَنْ يُعَسْكِرُوا خَارِجًا مِنْ الْبَلْدَةِ فِي مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ لِيَجْتَمِعُوا فِيهِ، لِأَنَّ ارْتِحَالَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بَعْدَ مَا اجْتَمَعُوا فِيهِ أَيْسَرُ مِنْ ارْتِحَالِهِمْ مِنْ بُيُوتِهِمْ جُمْلَةً.
ثُمَّ أَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَصَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ، ثُمَّ قَامَ فِيهِمْ
стр. 46
فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إنَّكُمْ تَنْطَلِقُونَ إلَى أَرْضِ الشَّامِ وَهِيَ أَرْضٌ سَبِعَةٌ (بِالسِّينِ) .
وَفَسَّرُوهُ بِكَثْرَةِ السِّبَاعِ الْمُؤْذِيَةِ فِيهَا، وَهُوَ تَصْحِيفُ شُبْعَةٍ أَيْ كَثِيرَةُ النِّعَمِ بِهَا يَشْبَعُ الْمَرْءُ مِنْ كَثْرَةِ مَا يَرَى مِنْ النِّعَمِ، فَكَأَنَّهُ رَغَّبَهُمْ فِي التَّوَجُّهِ إلَيْهَا فَقَالَ إنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ مِنْ الْجُوعِ وَاللَّأْوَاءِ بِالْمَدِينَةِ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَرْضِ الْمُخَصَّبَةِ. قَالَ: وَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُمْ، وَمُمَكِّنٌ لَكُمْ حَتَّى تَتَّخِذُوا فِيهَا مَسَاجِدَ فَلَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّكُمْ إنَّمَا تَأْتُونَهَا تَلَهِّيًا.
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ سَمَاعًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ مَعْرُوفٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: «إنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَى كُنُوزِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ» . وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ إنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ التَّخْرِيبِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ لِعِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَصِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا كَرِهَ أَنْ يَأْتُوهَا تَلَهِّيًا لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا لِلْجِهَادِ، وَالْجِهَادُ مِنْ الدِّينِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَذَرْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠] .
قَالَ: وَإِيَّاكُمْ وَالْأَشَرَّ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ لِتَأْشَرُنَّ. وَالْأَشَرُّ: نَوْعُ طُغْيَانٍ يَظْهَرُ لِمَنْ اسْتَغْنَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧] . فَلِهَذَا أَقْسَمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُمْ يُبْتَلَوْنَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يُصِيبُونَ مِنْ الْأَمْوَالِ مَعَ نَهْيِهِ إيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ الْحَدِيثُ إلَى آخِرِهِ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ، إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ إذَا أَنَا انْصَرَفْت مِنْ مُقَامِي هَذَا فَارْكَبُوا ظُهُورَكُمْ، ثُمَّ صُفُّوا إلَيَّ صَفًّا وَاحِدًا حَتَّى آتِيكُمْ. وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ إذَا عَرَضَ الْجَيْشَ.
стр. 47
قَالَ: فَمَرَّ عَلَى أَوَّلِهِمْ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِمْ، يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اقْبِضْهُمْ بِمَا قَبَضْت بِهِ بَنِي إسْرَائِيل (٢٤ ب) بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ. انْطَلَقُوا مَوْعِدُكُمْ اللَّهُ. [وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ هَذَا أَنَّهُ حَثَّهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا لَا عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ، فَإِنَّ تَسْلِيمَ النَّفْسِ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ بِهِ يَتِمُّ، وَدَعَا لَهُمْ بِالشَّهَادَةِ فِي قَوْلِهِ: " اللَّهُمَّ اقْبِضْهُمْ بِمَا قَبَضْت بِهِ بَنِي إسْرَائِيلَ "] .
[وَقِيلَ] مُرَادُهُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: «فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ» . وَقَدْ كَانَ يَكْثُرُ ذَلِكَ بِالشَّامِ. فَسَأَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَهُمْ دَرَجَةَ الشَّهَادَةِ إنْ اُبْتُلُوا بِذَلِكَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ لِغَيْرِهِ بِالشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ دُعَاءً بِالْمَوْتِ صُورَةً فَهُوَ دُعَاءٌ بِالْحَيَاةِ مَعْنًى. وَبَيَّنَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ هَذَا آخِرُ الْعَهْدِ بِلِقَائِهِمْ. فَأَمَّا إنْ كَانَ مُرَادُهُ الْإِخْبَارَ بِقُرْبِ أَجَلِهِ أَوْ الْإِخْبَارَ بِأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْقَاهُمْ قَبْلَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بِالشَّامِ. وَجَمَعَتْ لَهُمْ الرُّومُ جُمُوعًا عَظِيمَةً مِنْ مَدَائِنِ الشَّامِ. فَحُدِّثَ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ ﵁. فَأَرْسَلَ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَهُوَ بِالْعِرَاقِ، أَنْ انْصَرِفْ بِثَلَاثَةِ آلَافِ فَارِسٍ فَأَمِدَّ بِهِمْ إخْوَانَك بِالشَّامِ. ثُمَّ قَالَ: الْعَجَلَ الْعَجَلَ. فَوَاَللَّهِ لَقَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الشَّامِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ رُسْتَاقٍ عَظِيمٍ مِنْ الْعِرَاقِ.
стр. 48
وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنَّهُ إذَا بَلَغَهُ كَثْرَةُ جَمْعِ الْأَعْدَاءِ عَلَى جَيْشٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمُدَّهُمْ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ، وَأَنْ يَحُثَّ الْمَدَدَ عَلَى التَّعْجِيلِ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ بِوُصُولِهِمْ إلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَنْهَزِمُوا. فَالْمُنْهَزِمُ لَا يَرُدُّهُ شَيْءٌ.
وَإِنَّمَا قَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ الشَّامَ عَلَى الْعِرَاقِ لِأَنَّ الشَّامَ بَلْدَةٌ مُبَارَكَةٌ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْمُرْسَلِينَ. قَالَ: فَأَقْبَلَ خَالِدٌ مُغِذًّا جَوَادًا بِمِنْ مَعَهُ.
يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: " مُغِذًّا " أَيْ مُسْرِعًا مُنْقَادًا لِمَا أَتَى مِنْ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ، يُقَالُ: أَغَذَّ الْقَوْمُ إذَا أَسْرَعُوا السَّيْرَ. ثُمَّ شَقَّ الْأَرْضَ حَتَّى خَرَجَ إلَى ضُمَيْرٍ وذنبة فَوَجَدَ الْمُسْلِمِينَ مُعَسْكِرِينَ بِالْجَابِيَةِ.
قَالَ: فَتَسَامَعَ بِخَالِدٍ أَعْرَابُ الْعَرَبِ الَّذِي كَانُوا فِي مَمْلَكَةِ الرُّومِ فَفَزِعُوا لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا بِالْجَلَادَةِ. وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﵇ سَيْفَ اللَّهِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ قَائِلُهُمْ: شِعْرٌ
أَلَا فَأَصْبِحِينَا قَبْلَ خَيْلِ أَبِي بَكْرِ ... لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وَمَا نَدْرِي
وَقِصَّةُ هَذَا مَذْكُورَةٌ فِي الْمَغَازِي أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْبَيْتِ كَانَ رَجُلًا مِنْ
стр. 49
عُظَمَاءِ الْمُرْتَدِّينَ أَتَتْهُ جَارِيَتُهُ بِقَصْعَةٍ فِيهَا شَرَابٌ. فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إلَى حَائِطٍ وَذَكَرَ هَذَا الْبَيْتَ. ثُمَّ جَعَلَ يَشْرَبُ، فَاتَّفَقَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ خَالِدٍ تَسَوَّرَ الْحَائِطَ فَلَمَّا سُمِعَ ضُرِبَ عَلَى عَاتِقِهِ ضَرْبَةً نَدَرَ مِنْهَا رَأْسُهُ فِي الْقَصْعَةِ. قَالَ: فَنَزَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى الْأُمَرَاءِ الثَّلَاثَةِ. وَسَارَتْ الرُّومُ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ وَحَلَبَ وَقِنَّسْرِينَ وَحِمْصَ وَحَمَاةَ وَخَرَجَ هِرَقْلُ كَارِهًا لِمَسِيرِهِمْ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ أَرْضِ الرُّومِ.
وَسَارَ بَاهَانُ فِي الْهَرْمِينِيَّةِ إلَى النَّاسِ بِمَنْ كَانَ مَعَهُ، وَهِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومُ، وَبَاهَانُ صَاحِبُ جَيْشِهِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا عَنْ آخِرِهِمْ. وَاجْتَمَعَ أُمَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي خِبَاءٍ يُبْرِمُونَ أَمْرَ الْحَرْبِ بَيْنَهُمْ، وَعِنْدَهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ قُضَاعَةُ قَدْ بَعَثُوهُ فَاجْتَسَّ لَهُمْ أَمْرَ الْقَوْمِ، ثُمَّ جَاءَهُمْ فَخَلَوْا بِهِ. أَيْ بَعَثُوهُ جَاسُوسًا. وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَنْ يَبْعَثَ (٢٥ آ) جَاسُوسًا يَأْتِيهِ بِمَا يَعْزِمُ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ مِنْ الرَّأْيِ، وَأَنْ يَخْلُوَ بِهِ إذَا رَجَعَ لِكَيْ لَا يَشْتَهِرَ هُوَ، وَلِكَيْ لَا يَقِفَ جَمِيعُ الْجَيْشِ عَلَى مَا قَصَدَهُ الْعَدُوُّ، فَلَا يَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجُبْنِهِمْ. قَالَ: فَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَاهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: وَعَلَيْك السَّلَامُ. لَا تَقْرَبْنَا.
стр. 50
وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَّهِمُونَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَحْسُنْ إسْلَامُهُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا كُنْت أَرَى أَنَّ أَعِيشَ حَتَّى أَكُونَ بِحَضْرَةِ قَوْمٍ مِنْ قُرَيْشٍ يُبْرِمُونَ أَمْرَ حَرْبِهِمْ وَأَنَا بَيْنَهُمْ وَلَا يُحْضِرُونِي أَمْرَهُمْ. وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَهُمْ بِالرَّأْيِ فِي الْحَرْبِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَلْ لَكُمْ فِي رَأْيِ شَيْخِكُمْ، فَإِنَّ لَهُ رَأْيًا فِي الْحَرْبِ، قَالُوا: نَعَمْ. فَدَعَوْهُ فَدَخَلَ. فَقَالُوا: أَشِرْ عَلَيْنَا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَنْتُمْ الْأُمَرَاءُ، فَقَالُوا: مَا بِنَا غِنًى عَنْ رَأْيِك، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: كَأَنِّي أَرَى فِي الْمَرْجِ تَلًّا عَظِيمًا، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنِّي أَرَى أَنْ تَرْتَحِلُوا حَتَّى تَجْعَلُوا ذَلِكَ التَّلَّ خَلْفَ ظُهُورِكُمْ، ثُمَّ تُؤَمِّرُوا عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى خَيْلٍ، وَتَجْعَلُوا مَعَهُ كُلَّ نَابِضٍ بِوِتْرٍ - أَيْ رَامٍ عَنْ قَوْسٍ - فَإِنَّ لِي بِهِ خَبَرًا - أَيْ عِلْمًا بِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ - فَإِذَا نَادَى بِلَالٌ النِّدَاءَ الْأَوَّلَ لِصَلَاةِ الْغَدَاةِ فَلْيَخْرُجْ عِكْرِمَةُ، وَتِلْكَ الرُّمَاةُ مَعَهُ، فَلْيَصِفْ أُولَئِكَ الرُّمَاةُ عِنْدَ صُدُورِ خُيُولِهِمْ، فَإِنْ هَاجَهُمْ هَيْجٌ مِنْ اللَّيْلِ كَانُوا مُسْتَعِدِّينَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا رَأْيٌ حَسَنٌ أَشَارَ بِهِ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ كَانَ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ سَبَبًا لِانْهِزَامِ الْمُشْرِكِينَ لَوْلَا مَا ظَهَرَ مِنْ عِصْيَانِ الرُّمَاةِ وَهُوَ طَلَبُهُمْ الْغَنِيمَةَ، عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ، وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] .
стр. 51
قَالَ: فَقَبِلُوا ذَلِكَ مِنْ رَأْيِ أَبِي سُفْيَانَ - لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ قَدْ نَصَحَهُمْ - وَأَقْبَلَتْ خَيْلٌ مِنْ الرُّومِ عَظِيمَةٌ تُرِيدُ بَيَاتَهُمْ فَسَمِعُوا رُغَاءَ الْإِبِلِ، فَلَمْ يَشُكُّوا أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ هَرَبَتْ وَأَقْبَلُوا عَبَادِيدَ أَيْ مُتَفَرِّقِينَ. يُقَالُ: طَيْرٌ عَبَادِيدُ إذَا كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ، وَسَابَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ تَعْبِيَةٍ، فَوَجَدُوا خَيْلَ عِكْرِمَةَ وَالرُّمَاةَ مُسْتَعِدِّينَ لَمْ تَعْلَمْ الرُّومُ بِهِمْ فَحَمَلُوا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، فَلَمْ يَزَلْ اللَّهُ يَنْصُرُهُمْ بِقَتْلِهِمْ، حَتَّى إذَا كَادَتْ الشَّمْسُ تَطْلُعُ وَلَّوْا هَارِبِينَ إلَى عَسْكَرِهِمْ عِنْدَ الْوَاقُوصَةِ. وَانْصَرَفَ عِكْرِمَةُ وَأَصْحَابُهُ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ. فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْفَتْحِ، ثُمَّ قَاتَلُوهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ بَاهَانُ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ اُخْرُجْ إلَيَّ حَتَّى أُكَلِّمَك. فَبَرَزَ خَالِدٌ وَبَيْنَهُمَا تُرْجُمَانُ. فَقَالَ بَاهَانُ لِخَالِدٍ: هَلُمَّ إلَى أَمْرٍ نَعْرِضُهُ عَلَيْكُمْ: تَنْصَرِفُونَ وَنَحْمِلُ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ رَاجِلًا وَنُوَقِّرُ لَكُمْ ظُهُورَكُمْ - وَفِي رِوَايَةٍ: وَنُوَفِّرُ لَكُمْ طَعَامًا وَإِدَامًا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ - وَنَأْمُرُ لَكُمْ بِدَنَانِيرَ، خَمْسَةً خَمْسَةً. فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّكُمْ فِي أَرْضٍ قَلِيلَةِ الْخَيْرِ، وَإِنَّمَا حَمَلَكُمْ عَلَى الْمَسِيرِ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: مَا حَمَلَنَا عَلَى الْمَسِيرِ مَا ذَكَرْت مِنْ شِدَّةِ الْعَيْشِ فِي بِلَادِنَا، وَلَكِنْ قَاتَلَنَا مَنْ
стр. 52
وَرَاءَنَا فِي الْأُمَمِ فَشَرِبْنَا دِمَاءَهُمْ، فَحُدِّثْنَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَوْمٍ أَحْلَى دَمًا مِنْ الرُّومِ، فَأَقْبَلْنَا إلَيْكُمْ لِنَشْرَبَ دِمَاءَكُمْ. فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فَقَالُوا: حَقٌّ وَاَللَّهِ مَا حُدِّثْنَا عَنْهُمْ - يَعْنُونَ مَا أُخْبِرْنَا بِهِ - أَنَّهُمْ لَا يَنْصَرِفُونَ إلَّا بِقَبُولِ الدِّينِ أَوْ الْجِزْيَةِ أَوْ الِانْقِيَادِ لَهُمْ شِئْنَا أَوْ أَبَيْنَا.
٣٧ - ثُمَّ اسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ ﵀ عَلَى جَوَازِ قَطْعِ النَّخِيلِ وَتَخْرِيبِ الْبُيُوتِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] الْآيَةَ قَالَ الزُّهْرِيُّ: هُوَ جَمْعُ أَنْوَاعِ النَّخْلِ مَا خَلَا الْعَجْوَةَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: اللِّينَةُ النَّخْلَةُ الْكَرِيمَةُ، وَالشَّجَرَةُ الَّتِي هِيَ طَيِّبَةُ الثَّمَرَةِ.
وَنُزُولُ الْآيَةِ فِي قِصَّةِ بَنِي النَّضِيرِ، «فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵇ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَكُونُوا عَلَيْهِ وَلَا لَهُ. ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَعِينُ بِهِمْ فِي دِيَةِ الْكُلَابِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -. فَقَالُوا: اجْلِسْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ حَتَّى نُطْعِمَك وَنُعْطِيَك مَا تُرِيدُ. ثُمَّ خَلَا بِهِمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ فَقَالَ: لَا تَقْدِرُونَ عَلَى قَتْلِهِ فِي وَقْتٍ يَكُونُ عَلَيْكُمْ أَهْوَنَ مِنْهُ الْآنَ. فَهَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇. وَجَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﵇. فَقَامَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمَدِينَةِ» .
وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١] . ثُمَّ سَارَ إلَيْهِمْ فَحَاصَرَهُمْ وَقَالَ: اُخْرُجُوا مِنْ جِوَارِي، عَلَى أَنْ تَأْتُوا كُلَّ عَامٍ فَتَجِدُوا ثِمَارَكُمْ، فَقَالُوا: لَا نَفْعَلُ. فَحَاصَرَهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. وَكَانُوا قَدْ سَدُّوا دُرُوبَ أَزِقَّتِهِمْ، وَجَعَلُوا يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ
стр. 53
مِنْ وَرَاءِ الْجُدُرِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر: ١٤] . فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ الْحَرْبِ. وَكُلَّمَا نَقَبُوا جِدَارَ بَيْتٍ مِنْ جَانِبٍ لِيَدْخُلُوا نَقَبُوا هُمْ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَر لِيَخْرُجُوا إلَى بَيْتٍ آخِر، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢] فَلَمَّا لَحِقَهُمْ مِنْ الْعُسْرِ مَا لَحِقَهُمْ، وَلَمْ يَأْتِهِمْ أَحَدٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، وَقَدْ كَانُوا وَعَدُوا لَهُمْ ذَلِكَ - أَيْ الْمُنَافِقِينَ وَعَدُوا بَنِي النَّضِيرِ النُّصْرَةَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] .
وَقَدْ كَانَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِقَطْعِ النَّخِيلِ فَقُطِعَتْ. وَكَانَ الْعَذْقُ أَحَبَّ إلَى أَحَدِهِمْ مِنْ الْوَصِيفِ. «فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَيْسَ لَنَا مُقَامٌ بَعْدَ النَّخِيلِ. فَنَادَوْهُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَدْ كُنْت تَنْهَى عَنْ الْفَسَادِ فَمَا لِلنَّخِيلِ تُقَطِّعُ وَتُحَرِّقُ؟ أَتُؤَمِّنَنَا عَلَى دِمَائِنَا وَذَرَارِيِّنَا وَعَلَى مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ إلَّا الْحَلْقَةَ - يَعْنِي السِّلَاحَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَفَتَحُوا الْحُصُونَ، وَأَجْلَاهُمْ عَلَى مَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ أَبَا لَيْلَى الْمَازِنِيَّ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ أَبَا لُبَابَةَ عَلَى قَطْعِ نَخِيلِهِمْ. وَكَانَ أَبُو لَيْلَى يَقْطَعُ الْعَجْوَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ يَقْطَعُ اللَّوْنَ. فَقِيلَ لِأَبِي لَيْلَى: لِمَ قَطَعْت الْعَجْوَةَ؟ قَالَ: لِأَنَّهَا كَانَتْ أَغْيَظَ لَهُمْ. وَقِيلَ لِابْنِ سَلَامٍ: لِمَ قَطَعْت اللَّوْنَ؟ قَالَ: عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ نَبِيَّهُ وَمُغَنِّمُهُ أَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْت إبْقَاءَ الْعَجْوَةِ وَهِيَ خِيَارُ أَمْوَالِهِمْ. فَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] الْآيَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ: نَادَى الْيَهُودَ مِنْ فَوْقِ الْحُصُونِ: تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُونَ لَا تُفْسِدُونَ (٢٦ آ) ، وَأَنْتُمْ تَعْقِرُونَ النَّخْلَ، وَاَللَّهُ مَا أَمَرَ بِهَذَا، فَاتْرُكُوهَا
стр. 54
لِمَنْ يَغْلِبُ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: صَدَقُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَعْقِرُهَا كَبْتًا وَغَيْظًا لَهُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] رِضَاءً بِمَا قَالَ الْفَرِيقَانِ.
٣٨ - وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ عَهِدَ أَنْ يُغِيرَ عَلَى أُبْنَى. صَبَاحًا ثُمَّ يُحَرِّقَ» . وَفِي رِوَايَةٍ: أَبْيَاتٍ صَبَاحًا. وَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ كَانَ قُتِلَ أَبُوهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. وَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ مَوْجِدَةً شَدِيدَةً عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَرَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ رَجُلٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِمْ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيَشِنُّ الْغَارَةَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يُحَرِّقُ. وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَنَفَذَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ جَيْشَهُ كَمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵇.
٣٩ - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمَّا مَرَّ مِنْ أَوْطَاسٍ يُرِيدُ الطَّائِفَ بَدَا لَهُ قَصْرُ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُحَرَّقَ» . وَفِي ذَلِكَ قَالَ حَسَّانُ:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: فَقَدْ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ قَصْرِهِ وَلَيْسَ بِمُحَاصِرٍ لَهُ،
стр. 55
وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ لِأَنَّ فِيهِ كَبْتًا وَغَيْظًا لَهُ. فَقَدْ كَانَ هُوَ أَمِيرَ الْجَيْشِ فِي حِصْنِ الطَّائِفِ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
٤٠ - ثُمَّ قَالَ: «انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵇ إلَى الطَّائِفِ، فَأَمَرَ بِكُرُومِهِمْ أَنْ تُقَطَّعَ» . وَفِي ذَلِكَ قِصَّةٌ قَدْ ذُكِرَتْ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ ذَلِكَ وَقَالُوا: النَّخْلَةُ لَا تُثْمِرُ إلَّا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، وَكَيْفَ الْعَيْشُ بَعْدَ قَطْعِهَا؟ ثُمَّ أَظْهَرَ بَعْضُهُمْ الْجَلَادَةَ، فَنَادَوْا مِنْ فَوْقِ الْحِصْنِ: لَنَا فِي الْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَالشَّمْسِ خَلَفٌ مِمَّا تَقْطَعُونَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا إنْ لَوْ تَمَكَّنْت مِنْ الْخُرُوجِ فِي جُحْرِك. «وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ بِقَطْعِ نَخِيلِ خَيْبَرَ. حَتَّى مَرَّ عُمَرُ ﵁ بِاَلَّذِينَ يَقْطَعُونَ، فَهَمَّ أَنْ يَمْنَعَهُمْ، فَقَالُوا: أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵇. فَأَتَاهُ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: أَنْتَ أَمَرْت بِقَطْعِ النَّخِيلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَيْسَ وَعَدَك اللَّهُ خَيْبَرَ؟ قَالَ بَلَى، فَقَالَ عُمَرُ: إذًا تُقَطِّعُ نَخِيلَك وَنَخِيلَ أَصْحَابِك، فَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِيهِمْ بِالنَّهْيِ عَنْ قَطْعِ النَّخِيلِ» .
قَالَ الرَّاوِي: فَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ رَأَوْا السُّيُوفَ فِي نَخِيلِ النَّطَاةِ وَقِيلَ لَهُمْ: هَذَا مِمَّا قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇. وَالنَّطَاةُ: اسْمُ حِصْنٍ مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ. وَقَدْ كَانَتْ لَهُمْ سِتَّةُ حُصُونٍ: الشِّقُّ، وَالنَّطَاةُ، وَالْقُمُوصُ، وَالْكَتِيبَةُ وَالسُّلَالِمُ، وَالْوَطِيحَةُ.
٤١ - قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إلَى
стр. 56
خَلِيفَتِهِ بِالشَّامِ: اُنْظُرْ مَنْ قِبَلِك، فَمُرْهُمْ فَلْيَنْتَعِلُوا وَلْيَحْتَفُوا أَيْ يَمْشُوا أَحْيَانًا بِغَيْرِ نَعْلٍ، وَأَحْيَانًا فِي النِّعَالِ لِيَتَعَوَّدُوا ذَلِكَ كُلَّهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَلْيَنْتَعِلُوا. وَهُوَ صَحِيحٌ. جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ يُحِبُّ التَّيَامُنَ حَتَّى فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ» . يَعْنِي تَرْجِيلَ الشَّعْرِ أَوْ الْمُرَادُ بِالتَّرَجُّلِ النُّزُولُ عَنْ الدَّابَّةِ. وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِهَذَا لِلْإِشْفَاقِ عَلَيْهِمْ حَتَّى إذَا (٢٦ ب) اُبْتُلُوا بِالْمَشْيِ حُفَاةً فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ.
وَفِي قِصَّةِ الْغَارِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: فَنَظَرْت إلَى بَطْنِ قَدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ حِينَ دَخَلَ الْغَارَ، وَهُوَ يَقْطُرُ دَمًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَوَّدْ الْحِفْيَةَ، وَلِهَذَا اسْتَحَبُّوا الِاحْتِفَاءَ فِي الْمَشْيِ بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ. قَالَ: وَلْيَأْتَزِرُوا وَلْيَرْتَدُوا.
أَيْ لَا يَخْرُجُوا لِلصَّلَاةِ وَلِلنَّاسِ إلَّا فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ. فَالصَّلَاةُ إنْ كَانَتْ تُجْرَى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ إذَا تَوَشَّحَ بِهِ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ. وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالرِّدَاءِ لِأَنَّهُ زِيُّ الْعَرَبِ.
قَالَ: وَلِيُؤَدِّبُوا الْخَيْلَ. وَالْمُرَادُ بِهِ رِيَاضَةُ الْخَيْلِ لِتَكُونَ أَلْيَنَ عَطْفًا عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَوْ لِيُؤَدِّبُوا الْخَيْلَ عَلَى النِّفَارِ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «تُضْرَبُ الدَّابَّةُ عَلَى النِّفَارِ وَلَا تُضْرَبُ عَلَى الْعِثَارِ» . لِأَنَّ الْعِثَارَ قَدْ يَكُونُ مِنْ سُوءِ إمْسَاكِ الرَّاكِبِ لِلِّجَامِ، وَالنِّفَارُ مِنْ سُوءِ خُلُقِ الدَّابَّةِ فَتُؤَدَّبُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: وَلَا يَظْهَرُ لَهُمْ صَلِيبٌ.
стр. 57
مَعْنَاهُ: لَا تُمَكِّنُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ إظْهَارِ الصَّلِيبِ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُرُورِ بِهِ فِي الطُّرُقِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَمَا أَعْطَيْنَاهُمْ الذِّمَّةَ عَلَى أَنْ يَسْتَخِفُّوا بِالْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَلَا يُجَاوِرَنَّهُمْ الْخَنَازِيرُ. وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ إظْهَارِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ وَبَيْعِهَا فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ، وَلَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ إظْهَارِهَا، وَلَكِنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ الَّتِي وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِأَشَدَّ مِنْ شِرْكِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ. وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ.
قَالَ: وَلَا يَقْعُدُونَ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ.
وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَقْعُدَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمَائِدَةِ، وَلَكِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ عَلَى وَجْهِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ إنْ أَمْكَنَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَنْ لَا يَجُوزَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ ﵇ «فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ تُدَارُ الْكَأْسُ عَلَى مَوَائِدِهِمْ وَاللَّعْنَةُ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ» . قَالَ: وَلَا يَدْخُلَنَّ الْحَمَّامَ إلَّا بِإِزَارٍ. لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرِيضَةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ إلَّا بِإِزَارٍ، وَلَا يُدْخِلُ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ» .
قَالَ: وَإِيَّاكُمْ وَأَخْلَاقَ الْأَعَاجِمِ. يَعْنِي فِي التَّنَعُّمِ وَإِظْهَارِ التَّجَبُّرِ، وَمِمَّا يَكُونُ مُخَالِفًا لِأَخْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَعَاجِمِ، وَهُمْ الْمَجُوسُ. فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ النَّهْيُ عَمَّا هُوَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ
стр. 58
ثُمَّ بَيَّنَ مُحَمَّدٍ ﵀ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَإِنْ أَرَادُوا إظْهَارَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فَلْيَفْعَلُوهُ خَارِجًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ. يَعْنِي فِي الْقُرَى، لِأَنَّ الْمِصْرَ مَوْضِعُ أَعْلَامِ الدِّينِ فَفِي إظْهَارِ ذَلِكَ فِيهَا اسْتِخْفَافٌ بِالْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ فِي الْقُرَى. فَأَهْلُ الْقُرَى كَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ فَقَالَ: «هُمْ أَهْلُ الْكُفُورِ، هُمْ أَهْلُ الْقُبُورِ» . يُشِيرُ إلَى جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ تَعَاهُدِهِمْ لِأَمْرِ الدِّينِ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ (٢٧ آ) : وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ مُرَادَ مُحَمَّدٍ بِهَذَا الْجَوَابِ قُرَى الْكُوفَةِ، فَإِنَّ عَامَّةَ أَهْلِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالرَّوَافِضُ. فَأَمَّا فِي دِيَارِنَا يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ ذَلِكَ فِي الْقُرَى الَّتِي يَسْكُنُهَا الْمُسْلِمُونَ كَمَا يُمْنَعُونَ فِي الْأَمْصَارِ، فَإِنَّ الْقُرَى فِي دِيَارِنَا لَا تَخْلُو عَنْ مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ، وَعَنْ وَاعِظٍ يَعِظُهُمْ عَادَةً، وَذَلِكَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ أَيْضًا.
٤٢ - وَذُكِرَ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: إذَا كَثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ، وَلَا تَسُلُّوا السُّيُوفَ حَتَّى تَغْشَوْهُمْ» . وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " كَثَبُوكُمْ " قَرُبُوا مِنْكُمْ وَازْدَحَمُوا عَلَيْكُمْ. وَهُوَ أَدَبٌ حَسَنٌ. أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَدْفَعُوا الْعَدُوَّ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِالرَّمْيِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَهَذَا حِينَ كَانَ نَهَاهُمْ عَنْ الْقِتَالِ، عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ حِينَ دَخَلَ الْعَرِيشَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ لِلْمُنَاجَاةِ نَهَى النَّاسَ عَنْ الْقِتَالِ وَقَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ.
стр. 59
وَفِي قَوْلِهِ: وَلَا تَسُلُّوا السُّيُوفَ حَتَّى تَغْشَوْهُمْ، بَيَانٌ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْغَازِي أَنْ يَسُلَّ سَيْفَهُ حَتَّى يَصِيرَ مِنْ الْعَدُوِّ بِحَيْثُ تَصِلُ إلَيْهِ ضَرْبَتُهُ، لَا أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فِي الدِّينِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ مُكَايَدَةِ الْعَدُوِّ، فَبَرِيقُ السَّيْفِ مَخُوفٌ لِلْعَدُوِّ فِي أَوَّلِ مَا يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ إنَّ سَلَّ السَّيْفِ قَبْلَ أَنْ يَقْرَبَ مِنْ الْعَدُوِّ فَشَلٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] .
стр. 60
[بَابُ الْإِمَارَةِ]
٤٣ - قَالَ: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ أَنْ لَا يَبْعَثَهُمْ حَتَّى يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ بَعْضَهُمْ، وَإِنَّمَا يَجِبُ هَذَا «اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﵇ فَإِنَّهُ دَاوَمَ عَلَى بَعْثِ السَّرَايَا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ» . وَلَوْ جَازَ تَرْكُهُ لَفَعَلَهُ مَرَّةً تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ، وَلِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى اجْتِمَاعِ الرَّأْيِ وَالْكَلِمَةِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إذَا أَمَّرَ عَلَيْهِمْ بَعْضَهُمْ حَتَّى إذَا أَمَرَهُمْ بِشَيْءٍ أَطَاعُوهُ فِي ذَلِكَ، فَالطَّاعَةُ فِي الْحَرْبِ أَنْفَعُ مِنْ بَعْضِ الْقِتَالِ. وَلَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْإِمَارَةِ بِدُونِ الطَّاعَةِ. قَالَ ﵇: «مَنْ أَطَاعَنِي فَلْيُطِعْ أَمِيرِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» .
٤٤ - ثُمَّ اسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ ﵀ عَلَى مَا قُلْنَا بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ: «إذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَهُمْ» وَإِنَّمَا قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ أَفْضَلُهُمْ. ثُمَّ قَالَ: «إذَا أَمَّهُمْ فَهُوَ أَمِيرُهُمْ» ، فَذَلِكَ أَمِيرٌ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵇. وَبِنَحْوِ هَذَا الْحَدِيثِ اسْتَدَلَّ الصَّحَابَةُ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ -
стр. 61
وَقَالُوا: قَدْ اخْتَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ لِأَمْرِ دِينِكُمْ فَكَيْفَ لَا تَرْضَوْنَ [بِهِ] لِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَا رَجُلَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُؤَمَّرَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يَتَطَاوَعَا وَلَا يَخْتَلِفَا.
٤٥ - وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْكِتَابِ حَدِيثَ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَأَسْرَى مِنْ تَحْتِ اللَّيْلِ - أَيْ سَارَ - فَتَقَطَّعَ النَّاسُ - أَيْ تَفَرَّقُوا - فِي غَلَبَةِ النَّوْمِ فَمَالَتْ رَاحِلَتَا أَبِي بَكْرٍ (٢٧ ب) وَأَبِي عُبَيْدَةَ ﵄ بِهِمَا إلَى شَجَرَةٍ فَجَعَلَتَا تُصِيبَانِ مِنْهَا وَهُمَا نَائِمَانِ، فَاسْتَيْقَظَا وَقَدْ مَضَى النَّبِيُّ ﵇ وَأَصْحَابُهُ وَنَزَلُوا، فَلَمَّا كَانَا بِحَيْثُ يَسْمَعُهُمَا النَّبِيُّ نَادَاهُمَا: أَلَا هَلْ أَمَّرْتُمَا؟ قَالَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: أَلَا رَشَّدْتُمَا - أَيْ أَصَبْتُمَا الصَّوَابَ» - وَكَذَلِكَ الْمُسَافِرُونَ إذَا خَافُوا اللُّصُوصَ فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا لِيُطِيعُوهُ وَيَصْدُرُوا عَنْ رَأْيِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْقِتَالِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَخَافُوا ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ لَا يُؤَمِّرُوا أَحَدًا.
قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ عَلَى ذَلِكَ الْبَصِيرُ بِأَمْرِ الْحَرْب، الْحَسَنُ
стр. 62
التَّدْبِيرِ لِذَلِكَ، لَيْسَ مِمَّنْ يُقْحِمُ بِهِمْ فِي الْمَهَالِكِ، وَلَا مِمَّنْ يَمْنَعُهُمْ عَنْ الْفُرْصَةِ إذَا رَأَوْهَا، لِأَنَّ الْإِمَامَ نَاظِرٌ لَهُمْ، وَتَمَامُ النَّظَرِ أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ مَنْ جَرَّبَهُ بِهَذِهِ الْخِصَالِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْفُرْصَةِ يُفَوِّتُهُمْ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى إدْرَاكِهِ، عَلَى مَا قِيلَ: الْفُرْصَةُ خِلْسَةٌ. وَإِذَا اقْتَحَمَ فِي الْمَهَالِكِ مِنْ جُرْأَتِهِ لَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنْ مُتَابَعَتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ هُوَ بِقُوَّتِهِ وَرُبَّمَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مِثْلِ مَا قَدَرَ هُوَ فَيَهْلِكُونَ.
٤٦ - وَرَوَى فِي تَأْيِيدِ هَذَا حَدِيثَ عُمَرَ ﵁ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ إلَى عُمَّالِهِ: لَا تَسْتَعْمِلُوا الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ عَلَى جَيْشٍ مِنْ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ مِنْ الْهُلَّكِ يُقْدِمُ بِهِمْ.
وَالْبَرَاءُ أَخُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵄ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ كِبَارِ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ فِي الزُّهْدِ. وَفِي دَرَجَتِهِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ بِهِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ» .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْأَمْرَ اشْتَدَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ فَقِيلَ لِلْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ: أَلَا تَدْعُو؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ مَا قَالَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ امْنَحْنَا أَكْتَافَهُمْ. فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ فِي الْحَالِ. وَمَعَ هَذَا نَهَى عُمَرُ ﵁ عَنْ تَأْمِيرِهِ لِجُرْأَتِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْتَحِمُ الْمَهَالِكَ وَلَا يُبَالِي بِهِ.
стр. 63
وَيُحْكَى عَنْ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ مُقَرَّبِ الْبَرَامِكَةِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو مُسْلِمٍ عَنْ مَرْوَ أَنَّهُ قَالَ: اجْتَمَعَ عُظَمَاءُ الْعَجَمِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ صَاحِبَ جَيْشٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَشْرُ خِصَالٍ مِنْ خِصَالِ الْبَهَائِمِ: شُجَاعَةٌ كَشَجَاعَةِ الدِّيكِ، وَتَحَنُّنٌ كَتَحَنُّنِ الدَّجَاجَةِ يَعْنِي الشَّفَقَةَ، وَقَلْبٌ كَقَلْبِ الْأَسَدِ، وَغَارَةٌ كَغَارَةِ الذِّئْبِ، وَحَمْلَةٌ كَحَمْلَةِ الْخِنْزِيرِ، وَصَبْرٌ كَصَبْرِ الْكَلْبِ - أَيْ عَلَى الْجِرَاحَةِ - وَحِرْصٌ كَحِرْصِ الْكُرْكِيِّ، وَرَوَغَانٌ كَرَوَغَانِ الثَّعْلَبِ - أَيْ الْحِيَلِ - وَحَذَرٌ كَحَذَرِ الْغُرَابِ، وَسِمَنٌ كَسِمَنِ الدَّابَّةِ الَّتِي لَا تُرَى مَهْزُولَةً أَبَدًا، وَهِيَ تَكُونُ بِخُرَاسَانَ.
٤٧ - قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: فَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ لَا بَصَرَ لَهُ بِذَلِكَ فَلْيَجْعَلْ مَعَهُ وَزِيرًا يُبَصِّرُهُ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩] ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ [طه: ٣٠] ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١] الْآيَةَ. فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ مَعَهُ وَزِيرًا فَلْيَدْعُ الْأَمِيرُ قَوْمًا مِنْ السَّرِيَّةِ يُبْصِرُونَ ذَلِكَ فَيُشَاوِرَهُمْ فَيَأْخُذَ بِقَوْلِهِمْ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يُشَاوِرُ الصَّحَابَةَ حَتَّى فِي قُوتِ أَهْلِهِ وَإِدَامِهِمْ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ» . قَالَ اللَّه تَعَالَى (٢٨ آ) ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
وَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: «مَا هَلَكَ قَوْمٌ عَنْ مَشُورَةٍ» . قَالَ: ثُمَّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ فَيُطِيعُونَهُ وَلَا يُخَالِفُونَهُ لِقَوْلِهِ ﵇: «لَا تَحِلُّ الْجَنَّةُ لِعَاصٍ. أَمَرَ بِأَنْ يُنَادَى بِهِ يَوْمَ خَيْبَرَ حِينَ نَهَاهُمْ عَنْ الْقِتَالِ، فَقِيلَ لَهُ: اُسْتُشْهِدَ فُلَانٌ. فَقَالَ ﵇:
стр. 64
أَبْعَدَ مَا نَهَيْتُ عَنْ الْقِتَالِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: لَا تَحِلُّ الْجَنَّةُ لِعَاصٍ» . فَمَعَ دَرَجَةِ الشَّهَادَةِ قَالَ فِي حَقِّهِ مَا قَالَ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْعِصْيَانَ فِيمَا لَا يُتَيَقَّنُ فِيهِ الْخَطَأُ مِنْ الْأَمِيرِ لَا يَحِلُّ بِحَالٍ.
стр. 65
[بَابُ مَبْعَثِ السَّرَايَا]
٤٨ - ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ حَدِيثَ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهِمْ. وَكَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ سَرِيَّةً بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ» . فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَاجَةِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْتَكِرَ لِلسَّعْيِ فِي حَاجَتِهِ، فَذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى تَحْصِيلِ مُرَادِهِ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: «الْبُكْرَةُ رَبَاحٌ أَوْ نَجَاحٌ» . وَلِأَجْلِ هَذَا اسْتَحَبُّوا الِابْتِكَارَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ. وَقِيلَ إنَّمَا يُنَالُ الْعِلْمُ بِبُكُورٍ كَبُكُورِ الْغُرَابِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ سَرِيَّةً يُنْدَبُ إلَى أَنْ يَبْعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ. وَقَدْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ لِذَلِكَ الْخَمِيسَ وَالسَّبْتَ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا سَبْتِهَا وَخَمِيسِهَا» .
стр. 66
- وَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ رَأَى رَجُلًا قَدْ عَقَلَ رَاحِلَتَهُ. فَقَالَ: مَا يَحْبِسُك؟ قَالَ: الْجُمُعَةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: الْجُمُعَةُ لَا تَحْبِسُ مُسَافِرًا، فَاذْهَبْ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْخُرُوجِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْغَزْوِ أَوْ لِلْحَجِّ أَوْ لِسَفَرٍ آخَرَ بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ الْمُتَقَشِّفَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلسَّفَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ شُبْهَةِ الْفِرَارِ عَنْ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ، لَكِنَّا نَقُولُ: الْخُرُوجُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَلَيْسَ فِيهِ فِرَارٌ عَنْ شَطْرِ الصَّلَاةِ. وَالْخُرُوجُ فِي رَمَضَانَ جَائِزٌ، فَقَدْ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَمَضَانَ» وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شُبْهَةُ الْفِرَارِ عَنْ أَدَاءِ الصَّوْمِ. ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ الْجُمُعَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَهُوَ مُسَافِرٌ بَعْدَ الزَّوَالِ. وَلَا جُمُعَةَ عَلَى الْمُسَافِرِ، فَكَيْفَ يَكُونُ سَفَرُهُ فِرَارًا عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ؟ .
وَكَمَا يُبَاحُ لَهُ الْخُرُوجُ قَبْلَ الزَّوَالِ يُبَاحُ لَهُ الْخُرُوجُ بَعْدَ الزَّوَالِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ فِي وُجُوبِ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ. وَإِذَا كَانَ هُوَ مُقِيمًا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الْجُمُعَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَغَيَّرُ بِالسَّفَرِ عِنْدَهُ. كَمَا يَجِبُ أَدَاءُ الظُّهْرِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَغَيَّرُ بِالسَّفَرِ عِنْدَهُ. فَأَمَّا عِنْدَنَا الْمُعْتَبَرُ آخَرُ الْوَقْتِ فِي حُكْمِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَغَيَّرُ. وَلِهَذَا لَوْ كَانَ مُسَافِرًا فِي آخِرِ الْوَقْتِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ يَلْزَمُهُ صَلَاةُ السَّفَرِ. فَفِي هَذَا الْيَوْمِ إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ عُمْرَانِ مِصْرِهِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَلَا بَأْسَ لَهُ بِالْمُسَافَرَةِ لِمَا قَبْلَ الزَّوَالِ (٢٨ ب) . وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ مِصْرِهِ حَتَّى يَمْضِيَ وَقْتُ الظُّهْرِ فَلْيَشْهَدْ الْجُمُعَةَ، لِأَنَّهَا تَلْزَمُ إذَا كَانَ فِي الْمِصْرِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ قَبْلَ أَدَائِهَا.
стр. 67
وَفِي الْكِتَابِ يَقُولُ: لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا التَّعْلِيلُ عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ، فَأَصْلُ الْفَرْضِ عِنْدَهُ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ الْجُمُعَةُ. وَقَدْ بَيَّنَّا الِاخْتِلَافَ هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَزُفَرُ ﵀ لَا يَعْتَبِرُ آخِرَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا يَعْتَبِرُ حَالَ تَضْيِيقِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ لِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ السَّبَبِيَّةَ لِلْوُجُوبِ تَتَعَيَّنُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ حَتَّى لَا تَسَعُ التَّأْخِيرَ عَنْهُ. وَلِهَذَا قَالَ: لَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ بِاعْتِرَاضِ الْحَيْضِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنْ مِصْرِهِ حَتَّى يَضِيقَ الْوَقْتُ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ.
قَالَ: وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ يَقُولُ: عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَوْعُ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنَّ اعْتِبَارَ آخِرِ الْوَقْتِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَنْفَرِدُ هُوَ بِأَدَائِهِ وَهُوَ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ، فَأَمَّا الْجُمُعَةُ لَا يَنْفَرِدُ هُوَ بِأَدَائِهَا بَلْ مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ. فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتَبِرَ وَقْتَ أَدَائِهِمْ حَتَّى إذَا كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْمِصْرِ قَبْلَ أَدَاءِ النَّاسِ الْجُمُعَةَ يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ شُهُودُ الْجُمُعَةِ. وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ تَتَقَرَّرُ عَلَى أَصْلِ زُفَرَ ﵀ فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ التَّمَكُّنَ مِنْ الْأَدَاءِ، وَلِهَذَا يُعَيِّنُ السَّبَبِيَّةَ فِي الْجُزْءِ الَّذِي يَتَضَيَّقُ عَقِيبَهُ وَقْتَ الْأَدَاءِ. فَأَمَّا عِنْدَنَا إنَّمَا تَتَعَيَّنُ السَّبَبِيَّةُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ.
٥٠ - قَالَ: وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: «خَيْرُ الْأَصْحَابِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشْرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةِ إذَا كَانَتْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً» .
стр. 68
قِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ «خَيْرُ الْأَصْحَابِ أَرْبَعَةٌ» يَعْنِي خَيْرَ أَصْحَابِي، فَيَكُونُ إشَارَةً إلَى الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَنَّهُمْ خَيْرُ أَصْحَابِهِ.
وَقِيلَ: بَلْ الْمُرَادُ مَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَهُوَ دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَتَأَدَّى بِثَلَاثَةِ نَفَرٍ سِوَى الْإِمَامِ، لِأَنَّ خَيْرَ الْأَصْحَابِ مَا يَتَأَدَّى الْفَرْضُ بِمُعَاوَنَتِهِمْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّرِيَّةَ أَقَلُّ مِنْ الْجَيْشِ، وَإِنَّمَا سُمُّوا سَرِيَّةً لِأَنَّهُمْ يَسْرُونَ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنُونَ بِالنَّهَارِ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ. وَسُمِّيَ الْجَيْشُ جَيْشًا لِأَنَّهُ يَجِيشُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ. وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ مَا دُونَ الْأَرْبَعِ مِائَةٍ لَا يَكُونُ سَرِيَّةً، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُمْ إذَا بَلَغُوا أَرْبَعَ مِائَةٍ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ نَيْلِ الْمُرَادِ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشْرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ» ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْغُزَاةِ أَنْ يَنْهَزِمُوا وَإِنْ كَثُرَ الْعَدُوُّ وَإِذَا بَلَغُوا هَذَا الْمَبْلَغَ، لِأَنَّ مَنْ لَا يَغْلِبَ فَهُوَ غَالِبٌ وَلَكِنَّ هَذَا إذَا كَانَتْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً. فَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ حُنَيْنٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، ثُمَّ وَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ، وَلَكِنْ لَمْ تَكُنْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً، لِاخْتِلَاطِ الْمُنَافِقِينَ وَاَلَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وَلَمْ يَحْسُنْ إسْلَامُهُمْ بَعْدُ، فَأَمَّا عِنْدَ اتِّحَادِ الْكَلِمَةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ الْفِرَارُ، لِأَنَّهُمْ ثَلَاثَةُ جُيُوشٍ: أَرْبَعَةُ آلَافٍ عَلَى الْمَيْمَنَةِ، وَهُمْ خَيْرُ الْجُيُوشِ، وَمِثْلُ (٢٩ آ) ذَلِكَ فِي الْمَسِيرَةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقَلْبِ. وَأَدْنَى الْجَمْعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ يُسَاوِي أَكْثَرَ الْجَمْعِ فِي الْحُكْمِ.
٥١ - وَذَكَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ أُمَرَاءِ السَّرَايَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أَقْسَمُهُ بِالسَّوِيَّةِ وَأَعْدَلُهُ فِي الرَّعِيَّةِ»
стр. 69
وَزَيْدٌ هَذَا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵇. فَقَدْ كَانَ لِخَدِيجَةَ وَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵇ فَأَعْتَقَهُ وَتَبَنَّاهُ إلَى أَنْ اُنْتُسِخَ حُكْمُ التَّبَنِّي فَهُوَ مَوْلَاهُ. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]- أَيْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ وَأَنْعَمْت عَلَيْهِ بِالْإِعْتَاقِ - ثُمَّ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ عَلَى ثَمَانِي سَرَايَا، إلَى أَنْ قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ أَنَّهُ خَيْرُ الْأُمَرَاءِ، وَعُيِّنَ لِتَحْقِيقِ صِفَةِ الْخَيْرِيَّةِ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ، لِأَنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا، وَهُوَ أَنْ يَعْتَبِرَ الْمُعَادَلَةَ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمْ فِيمَا يَنَالُونَهُ، وَيُنْصِفُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِيمَا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ. فَقَدْ فُوِّضَ ذَلِكَ إلَيْهِ. وَبَعْضُ النَّاسِ عَابُوا عَلَى مُحَمَّدٍ ﵀ فِي رِوَايَةِ هَذَا اللَّفْظِ، فَإِنَّ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ: «أَقْسَمُهُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَأَعْدَلُهُمْ بِالرَّعِيَّةِ» . وَلَكِنَّا نَقُولُ: رَوَى مُحَمَّدٌ ﵀ الْخَبَرَ بِهَذَا اللَّفْظِ فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ اسْتِعْمَالِهِ.
٥٢ - قَالَ: وَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ سَرِيَّةً أَوْ الِاثْنَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةَ إذَا كَانَ مُحْتَمِلًا لِذَلِكَ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ بَعَثَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فِي بَعْضِ أَيَّامِ الْخَنْدَقِ سَرِيَّةً وَحْدَهُ. وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ سَرِيَّةً وَحْدَهُ، وَبَعَثَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ سَرِيَّةً وَحْدَهُ، وَبَعَثَ ابْنَ مَسْعُودٍ وَخَبَّابًا سَرِيَّةً» . وَاَلَّذِي رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ نَهَى أَنْ تُبْعَثَ سَرِيَّةٌ دُونَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ» تَأْوِيلُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِشْفَاقِ بِالْمُسْلِمِينَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا فِي الدِّينِ.
стр. 70
أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيَانَ الْأَفْضَلِ أَنْ لَا يَخْرُجَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ عَلَى هَيْئَاتِهَا بِأَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ وَيَصْطَفَّ الِاثْنَانِ خَلْفَهُ.
وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» . وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى نَقُولُ: لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ بَعْثِ السَّرَايَا الْقِتَالَ فَقَطْ، بَلْ تَارَةً يَكُونُ الْمَقْصُودُ أَنْ يَتَحَسَّسَ خَبَرَ الْأَعْدَاءِ فَيَأْتِيَهُ بِمَا عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنْ السِّرِّ. وَتَمَكُّنُ الْوَاحِدِ مِنْ الدُّخُولِ بَيْنَهُمْ لِتَحْصِيلِ هَذَا الْمَقْصُودِ أَظْهَرُ مِنْ تَمَكُّنِ الثَّلَاثَةِ. وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ أَنْ يَأْتِيَهُ أَحَدُهُمَا بِالْخَبَرِ وَيَمْكُثَ الْآخَرُ بَيْنَ الْأَعْدَاءِ لِيَقِفَ عَلَى مَا يَتَجَدَّدُ لَهُمْ مِنْ الرَّأْيِ بَعْدَ مَا يَنْفَصِلُ عَنْهُمْ الْوَاحِدُ. وَهَذَا يَتِمُّ بِالْمُثَنَّى. وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ الْقِتَالَ، أَوْ التَّوَصُّلَ إلَى قَتْلِ بَعْضِ الْمُبَارِزِينَ مِنْهُمْ غِيلَةً، وَبِالثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ. وَلِهَذَا كَانَ الرَّأْيُ فِيهِ إلَى الْأَمِيرِ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
стр. 71
[بَابُ الرَّايَاتِ وَالْأَلْوِيَةِ]
٥٣ - قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَلْوِيَةُ الْمُسْلِمِينَ بِيضًا وَالرَّايَاتُ سُودًا، عَلَى هَذَا جَاءَتْ الْأَخْبَارُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَوْدَاءَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ» . وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ (٢٩ ب) : «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَوْدَاءَ مِنْ بُرْدٍ لِعَائِشَةَ يُدْعَى الْعِقَابَ» .
وَهُوَ اسْمُ رَايَتِهِ، كَمَا سَمَّى عِمَامَتَهُ السَّحَابَ وَفَرَسَهُ السَّكْبَ وَبَغْلَتَهُ الدُّلْدُلَ. ثُمَّ اللِّوَاءُ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ لِلسُّلْطَانِ، وَالرَّايَةُ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ لِكُلِّ قَائِدٍ تَجْتَمِعُ جَمَاعَةٌ تَحْتَ رَايَتِهِ.
٥٤ - وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَتَى اتَّخَذَ الرَّايَاتِ. فَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ قَالَ: مَا كَانَتْ رَايَةٌ قَطُّ حَتَّى كَانَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ، إنَّمَا كَانَتْ الْأَلْوِيَةُ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ «أَنَّ رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ كَانَتْ سَوْدَاءَ» . فَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ الرَّايَةَ كَانَتْ قَبْلَ خَيْبَرَ.
стр. 72
وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ فِي الرَّايَاتِ السَّوَادُ لِأَنَّهُ عَلَمٌ لِأَصْحَابِ الْقِتَالِ، وَكُلُّ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَ عِنْدَ رَايَتِهِمْ، وَإِذَا تَفَرَّقُوا فِي حَالِ الْقِتَالِ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى رَايَتِهِمْ، وَالسَّوَادُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ أَبْيَنُ وَأَشْهَرُ مِنْ غَيْرِهِ خُصُوصًا فِي الْغُبَارِ. فَلِهَذَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ.
فَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تُجْعَلَ الرَّايَاتُ بِيضًا أَوْ صُفْرًا أَوْ حُمْرًا، وَإِنَّمَا يُخْتَارُ الْأَبْيَضُ فِي اللِّوَاءِ لِقَوْلِهِ ﵇: «إنَّ أَحَبَّ الثِّيَابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى الْبِيضُ، فَلْيَلْبَسْهَا أَحْيَاؤُكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . وَاللِّوَاءُ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا فِي كُلِّ جَيْشٍ، وَرُجُوعُهُمْ إلَيْهِ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إلَى رَفْعِ أُمُورِهِمْ إلَى السُّلْطَانِ. فَيُخْتَارُ الْأَبْيَضُ لِذَلِكَ لِيَكُونَ مُمَيَّزًا مِنْ الرَّايَاتِ السُّودِ الَّتِي هِيَ لِلْقُوَّادِ.
٥٥ - وَذَكَرَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتنِي وَإِنِّي لَأَعْدَوْ فِي إثْرِ عَلِيٍّ ﵁ فَمَا أَدْرَكْته حَتَّى انْتَهَى إلَى الْحِصْنِ يَوْمَ خَيْبَرَ. فَخَرَجَتْ غَادِيَةُ الْيَهُودِ، يَعْنِي الَّذِينَ يَغْدُونَ مِنْ الْعُمَّالِ - وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي: عَادِيَةُ الْيَهُودِ. وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَكَابِرُ مِنْ الْمُبَارِزِينَ - قَالَ: فَفَتَحُوا بَابَهُمْ الَّذِي يَلِي الْمُسْلِمِينَ.
وَكَانَتْ لَهُمْ حُصُونٌ مِنْ وَرَائِهَا جُدُرٌ ثَلَاثَةٌ، يَخَافُونَ الْبَيَاتَ
стр. 73
بِالنَّطَاةِ، عَمِلَهَا أَكَابِرُ الْيَهُودِ، وَلَا تُطِيقُهَا الْخَيْلُ، فَخَرَجُوا مِنْ حِصْنِهِمْ ذَلِكَ وَتِلْكَ الْجُدُرُ حَتَّى أَصْحَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ - أَيْ خَرَجُوا إلَى الصَّحْرَاءِ - فَخَرَجَ مَرْحَبٌ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِّي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
أَضْرِبُ أَحْيَانَا وَحِينًا أُضْرَبُ ... أَكْفِي إذَا أَشْهَدُ مِنْ يُغَيَّبُ
وَمَرْحَبٌ الشَّاعِرُ هَذَا قَتَلَهُ عَلِيٌّ ﵁. وَالْقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ فِي الْمَغَازِي. وَمَقْصُودُهُ مَا ذُكِرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ الرَّايَاتِ وَإِنَّمَا كَانَتْ الْأَلْوِيَةُ قَبْلَ ذَلِكَ فَجَعَلَ الرَّايَاتِ يَوْمَئِذٍ» .
٥٦ - قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ كُلُّ قَوْمٍ شِعَارًا إذَا خَرَجُوا فِي مَغَازِيهِمْ حَتَّى إنْ ضَلَّ رَجُلٌ عَنْ أَصْحَابِهِ نَادَى بِشِعَارِهِمْ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ كُلِّ رَايَةٍ شِعَارٌ مَعْرُوفٌ، حَتَّى إنْ ضَلَّ رَجُلٌ عَنْ أَهْلِ رَايَتِهِ نَادَى بِشِعَارِهِ فَيَتَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ فِي الدِّينِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا لَمْ يَأْثَمُوا، وَلَكِنَّهُ أَفْضَلُ وَأَقْوَى عَلَى الْحَرْبِ، وَأَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ سِنَانِ بْنِ وَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي
стр. 74
غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ وَهِيَ غَزَاةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَكَانَ شِعَارُنَا: يَا مَنْصُورُ أَمِتْ» . مَعْنَاهُ قَدْ ظَفِرْت بِالْعَدُوِّ فَاقْتُلْ مَنْ شِئْت مِنْهُمْ. وَهَذَا كَانَ شِعَارُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ. وَكَانَ شِعَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ: أَمِتْ أَمِتْ.
٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شِعَارَ الْمُهَاجِرِينَ: يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَالْخَزْرَجِ: يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ. وَالْأَوْسِ: يَا بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ. وَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَيْلَةً فِي حَرْبِ الْأَحْزَابِ: إنْ بَيَّتُّمْ اللَّيْلَةَ فَشِعَارُكُمْ: حم. لَا يُنْصَرُونَ» ، وَهُوَ قَسَمٌ لِلتَّأْكِيدِ أَنَّ الْأَعْدَاءَ لَا يُنْصَرُونَ.
٥٨ - وَكَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَ (٣٠ آ) حُنَيْنٍ: «يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَبِهِ نَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ وَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، فَقَالَ: يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إلَيَّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. سَائِرَ الْيَوْمِ. وَجَعَلَ يَتَقَدَّمُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَرَجَعَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ حِينَ سَمِعُوا صَوْتَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَئِذٍ: حم لَا يُنْصَرُونَ. فَلَمَّا ثَابَ الْمُسْلِمُونَ - أَيْ رَجَعُوا إلَيْهِ - تَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْهَزَمُوا وَيَاسِينَ» . وَهَذَا قَسَمٌ أَكَّدَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَهُ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشِّعَارَ هُوَ الْعَلَامَةُ، فَالْخِيَارُ فِي ذَلِكَ إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْتَارَ كَلِمَةً دَالَّةً عَلَى ظَفَرِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ بِطَرِيقِ التَّفَاؤُلِ، فَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ» .
стр. 75
[بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقِتَالِ]
٥٩ - ذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَبْلَ أَنْ يُوَاقِعَهُمْ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا عِبَادُك وَهُمْ عِبَادُك، نَوَاصِينَا وَنَوَاصِيهمْ بِيَدِك. اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ غَازٍ أَنْ يَقْتَدِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقِتَالِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ بِالدُّعَاءِ يَسْتَنْزِلُ الرِّزْقَ وَالنَّصْرَ وَيَدْفَعُ أَنْوَاعَ الْبَلَاءِ وَشَرَّ الْأَعْدَاءِ. وَبِذَلِكَ أُمِرْنَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦] وَقَالَ: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] . وَأَخْبَرَ عَنْ الرُّسُلِ أَنَّهُمْ دَعَوْا عَلَى الْأَعْدَاءِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نُوحٍ قَالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ، وَعَنْ مُوسَى وَهَارُونَ وَالْخَلِيلِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كَذَلِكَ.
٦٠ - قَالَ: وَإِذَا لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ فَإِنْ كَانُوا قَوْمًا لَمْ يَبْلُغْهُمْ الْإِسْلَامُ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَدْعُوهُمْ.
следующие страницы →