Полный текст (2 212 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
[بَابُ الرَّايَاتِ وَالْأَلْوِيَةِ]
٥٣ - قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَلْوِيَةُ الْمُسْلِمِينَ بِيضًا وَالرَّايَاتُ سُودًا، عَلَى هَذَا جَاءَتْ الْأَخْبَارُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَوْدَاءَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ» . وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ (٢٩ ب) : «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَوْدَاءَ مِنْ بُرْدٍ لِعَائِشَةَ يُدْعَى الْعِقَابَ» .
وَهُوَ اسْمُ رَايَتِهِ، كَمَا سَمَّى عِمَامَتَهُ السَّحَابَ وَفَرَسَهُ السَّكْبَ وَبَغْلَتَهُ الدُّلْدُلَ. ثُمَّ اللِّوَاءُ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ لِلسُّلْطَانِ، وَالرَّايَةُ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ لِكُلِّ قَائِدٍ تَجْتَمِعُ جَمَاعَةٌ تَحْتَ رَايَتِهِ.
٥٤ - وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَتَى اتَّخَذَ الرَّايَاتِ. فَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ قَالَ: مَا كَانَتْ رَايَةٌ قَطُّ حَتَّى كَانَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ، إنَّمَا كَانَتْ الْأَلْوِيَةُ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ «أَنَّ رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ كَانَتْ سَوْدَاءَ» . فَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ الرَّايَةَ كَانَتْ قَبْلَ خَيْبَرَ.
стр. 72
وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ فِي الرَّايَاتِ السَّوَادُ لِأَنَّهُ عَلَمٌ لِأَصْحَابِ الْقِتَالِ، وَكُلُّ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَ عِنْدَ رَايَتِهِمْ، وَإِذَا تَفَرَّقُوا فِي حَالِ الْقِتَالِ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى رَايَتِهِمْ، وَالسَّوَادُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ أَبْيَنُ وَأَشْهَرُ مِنْ غَيْرِهِ خُصُوصًا فِي الْغُبَارِ. فَلِهَذَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ.
فَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تُجْعَلَ الرَّايَاتُ بِيضًا أَوْ صُفْرًا أَوْ حُمْرًا، وَإِنَّمَا يُخْتَارُ الْأَبْيَضُ فِي اللِّوَاءِ لِقَوْلِهِ ﵇: «إنَّ أَحَبَّ الثِّيَابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى الْبِيضُ، فَلْيَلْبَسْهَا أَحْيَاؤُكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . وَاللِّوَاءُ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا فِي كُلِّ جَيْشٍ، وَرُجُوعُهُمْ إلَيْهِ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إلَى رَفْعِ أُمُورِهِمْ إلَى السُّلْطَانِ. فَيُخْتَارُ الْأَبْيَضُ لِذَلِكَ لِيَكُونَ مُمَيَّزًا مِنْ الرَّايَاتِ السُّودِ الَّتِي هِيَ لِلْقُوَّادِ.
٥٥ - وَذَكَرَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتنِي وَإِنِّي لَأَعْدَوْ فِي إثْرِ عَلِيٍّ ﵁ فَمَا أَدْرَكْته حَتَّى انْتَهَى إلَى الْحِصْنِ يَوْمَ خَيْبَرَ. فَخَرَجَتْ غَادِيَةُ الْيَهُودِ، يَعْنِي الَّذِينَ يَغْدُونَ مِنْ الْعُمَّالِ - وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي: عَادِيَةُ الْيَهُودِ. وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَكَابِرُ مِنْ الْمُبَارِزِينَ - قَالَ: فَفَتَحُوا بَابَهُمْ الَّذِي يَلِي الْمُسْلِمِينَ.
وَكَانَتْ لَهُمْ حُصُونٌ مِنْ وَرَائِهَا جُدُرٌ ثَلَاثَةٌ، يَخَافُونَ الْبَيَاتَ
стр. 73
بِالنَّطَاةِ، عَمِلَهَا أَكَابِرُ الْيَهُودِ، وَلَا تُطِيقُهَا الْخَيْلُ، فَخَرَجُوا مِنْ حِصْنِهِمْ ذَلِكَ وَتِلْكَ الْجُدُرُ حَتَّى أَصْحَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ - أَيْ خَرَجُوا إلَى الصَّحْرَاءِ - فَخَرَجَ مَرْحَبٌ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِّي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
أَضْرِبُ أَحْيَانَا وَحِينًا أُضْرَبُ ... أَكْفِي إذَا أَشْهَدُ مِنْ يُغَيَّبُ
وَمَرْحَبٌ الشَّاعِرُ هَذَا قَتَلَهُ عَلِيٌّ ﵁. وَالْقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ فِي الْمَغَازِي. وَمَقْصُودُهُ مَا ذُكِرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ الرَّايَاتِ وَإِنَّمَا كَانَتْ الْأَلْوِيَةُ قَبْلَ ذَلِكَ فَجَعَلَ الرَّايَاتِ يَوْمَئِذٍ» .
٥٦ - قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ كُلُّ قَوْمٍ شِعَارًا إذَا خَرَجُوا فِي مَغَازِيهِمْ حَتَّى إنْ ضَلَّ رَجُلٌ عَنْ أَصْحَابِهِ نَادَى بِشِعَارِهِمْ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ كُلِّ رَايَةٍ شِعَارٌ مَعْرُوفٌ، حَتَّى إنْ ضَلَّ رَجُلٌ عَنْ أَهْلِ رَايَتِهِ نَادَى بِشِعَارِهِ فَيَتَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ فِي الدِّينِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا لَمْ يَأْثَمُوا، وَلَكِنَّهُ أَفْضَلُ وَأَقْوَى عَلَى الْحَرْبِ، وَأَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ سِنَانِ بْنِ وَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي
стр. 74
غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ وَهِيَ غَزَاةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَكَانَ شِعَارُنَا: يَا مَنْصُورُ أَمِتْ» . مَعْنَاهُ قَدْ ظَفِرْت بِالْعَدُوِّ فَاقْتُلْ مَنْ شِئْت مِنْهُمْ. وَهَذَا كَانَ شِعَارُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ. وَكَانَ شِعَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ: أَمِتْ أَمِتْ.
٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شِعَارَ الْمُهَاجِرِينَ: يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَالْخَزْرَجِ: يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ. وَالْأَوْسِ: يَا بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ. وَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَيْلَةً فِي حَرْبِ الْأَحْزَابِ: إنْ بَيَّتُّمْ اللَّيْلَةَ فَشِعَارُكُمْ: حم. لَا يُنْصَرُونَ» ، وَهُوَ قَسَمٌ لِلتَّأْكِيدِ أَنَّ الْأَعْدَاءَ لَا يُنْصَرُونَ.
٥٨ - وَكَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَ (٣٠ آ) حُنَيْنٍ: «يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَبِهِ نَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ وَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، فَقَالَ: يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إلَيَّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. سَائِرَ الْيَوْمِ. وَجَعَلَ يَتَقَدَّمُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَرَجَعَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ حِينَ سَمِعُوا صَوْتَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَئِذٍ: حم لَا يُنْصَرُونَ. فَلَمَّا ثَابَ الْمُسْلِمُونَ - أَيْ رَجَعُوا إلَيْهِ - تَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْهَزَمُوا وَيَاسِينَ» . وَهَذَا قَسَمٌ أَكَّدَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَهُ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشِّعَارَ هُوَ الْعَلَامَةُ، فَالْخِيَارُ فِي ذَلِكَ إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْتَارَ كَلِمَةً دَالَّةً عَلَى ظَفَرِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ بِطَرِيقِ التَّفَاؤُلِ، فَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ» .
стр. 75
[بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقِتَالِ]
٥٩ - ذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَبْلَ أَنْ يُوَاقِعَهُمْ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا عِبَادُك وَهُمْ عِبَادُك، نَوَاصِينَا وَنَوَاصِيهمْ بِيَدِك. اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ غَازٍ أَنْ يَقْتَدِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقِتَالِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ بِالدُّعَاءِ يَسْتَنْزِلُ الرِّزْقَ وَالنَّصْرَ وَيَدْفَعُ أَنْوَاعَ الْبَلَاءِ وَشَرَّ الْأَعْدَاءِ. وَبِذَلِكَ أُمِرْنَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦] وَقَالَ: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] . وَأَخْبَرَ عَنْ الرُّسُلِ أَنَّهُمْ دَعَوْا عَلَى الْأَعْدَاءِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نُوحٍ قَالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ، وَعَنْ مُوسَى وَهَارُونَ وَالْخَلِيلِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كَذَلِكَ.
٦٠ - قَالَ: وَإِذَا لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ فَإِنْ كَانُوا قَوْمًا لَمْ يَبْلُغْهُمْ الْإِسْلَامُ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَدْعُوهُمْ.
стр. 76
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] . وَبِهِ «أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَرَاءَ الْجُيُوشِ فَقَالَ: فَادْعُوهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» ، وَلِأَنَّهُمْ رُبَّمَا يَظُنُّونَ أَنَّنَا نُقَاتِلُهُمْ طَمَعًا فِي أَمْوَالِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّا نُقَاتِلُهُمْ عَلَى الدِّينِ رُبَّمَا أَجَابُوا إلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَقَعَ الْحَاجَةُ إلَى الْقِتَالِ. وَفِي تَقَدُّمِ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ دُعَاءٌ إلَى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، فَيَجِبُ الْبِدَايَةُ بِهِ. فَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَهُمْ الْإِسْلَامُ وَلَكِنْ لَا يَدْرُونَ أَنَا نَقْبَلَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ «لَا نُقَاتِلَهُمْ حَتَّى نَدْعُوَهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، بِهِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَرَاءَ الْجُيُوشِ» ، وَهُوَ آخِرُ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْقِتَالُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَفِيهِ الْتِزَامُ بَعْضِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ وَالِانْقِيَادُ لَهُمْ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَيَجِبُ عَرْضُهُ عَلَيْهِمْ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ. إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَوْمًا لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ كَالْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] .
стр. 77
فَإِذَا أَبَوْا الْإِسْلَامَ قُوتِلُوا غَيْرَ أَنْ يُعْرِضَ عَلَيْهِمْ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ. وَإِنْ قَاتَلُوهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ فَقَتَلُوهُمْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ. لِأَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ يَعْتَمِدُ الْإِحْرَازَ، وَذَلِكَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ الدِّينِ عَلَى حَسَبِ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَأَمَّا مُجَرَّدُ النَّهْيِ عَنْ الْقَتْلِ بِدُونِ الْإِحْرَازِ لَا يُوجِبُ الدِّيَةَ وَالْكَفَّارَةَ كَمَا فِي نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَذَرَارِيِّهِمْ. وَهَذَا لِأَنَّ مُوجِبَ النَّهْيِ الِانْتِهَاءُ لَا غَيْرُ، وَيَقُومُ الْمَحَلُّ حُكِمَ (؟) وَرَاءَ ذَلِكَ.
٦١ - فَإِنْ بَلَّغَهُمْ الدَّعْوَةَ فَإِنْ شَاءَ الْمُسْلِمُونَ دَعَوْهُمْ دُعَاءً مُسْتَقْبَلًا عَلَى سَبِيلِ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ، وَإِنْ شَاءُوا قَاتَلُوهُمْ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ لِعِلْمِهِمْ بِمَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ. وَرُبَّمَا يَكُونُ فِي تَقْدِيمِ الدُّعَاءِ (٣٠ ب) ضَرَرٌ بِالْمُسْلِمِينَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ. وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنْ قَالَ: «مَا قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمًا حَتَّى يَدْعُوهُمْ» .
وَعَنْ طَلْحَةَ ﵁: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَدْعُوَهُمْ» . فَتَأْوِيلُهُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي كِتَابِهِ:
٦٢ - إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوَّلُ مَنْ جَاءَهُمْ بِالْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ
стр. 78
الْوَقْتِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ يَعْلَمُ أَنَّهُ إلَى مَاذَا يَدْعُوهُمْ. فَلِهَذَا كَانَ تَقْدِيمُ الدُّعَاءِ. وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ دُعَاءِ الدَّيْلَمِ فَقَالَ: قَدْ عَلِمُوا الدُّعَاءَ، يُرِيدُ بِهِ أَنَّ زَمَانَنَا مُخَالِفٌ لِزَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحُكْمِ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى وَجْهِ التَّأَلُّفِ لَهُمْ رَجَاءَ أَنْ يَتُوبُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاجِبًا. أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ فَتَحْضُرُ الصَّلَاةُ فَيُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ. ثُمَّ يَعُودُ إلَى مَوْضِعِهِ فَيَدْعُوهُمْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّأَلُّفِ.
٦٣ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا ﵁ مَبْعَثًا فَقَالَ لَهُ: امْضِ وَلَا تَلْتَفِتْ - أَيْ لَا تَدَعْ شَيْئًا مِمَّا آمُرُك بِهِ - قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَصْنَعُ بِهِمْ؟ قَالَ: إذَا نَزَلْت بِسَاحَتِهِمْ فَلَا تُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يُقَاتِلُوك، فَإِنْ قَاتَلُوك فَلَا تُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوا مِنْكُمْ قَتِيلًا، فَإِنْ قَتَلُوا مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى تُرِيَهُمْ إيَّاهُ، ثُمَّ تَقُولُ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ إلَى أَنْ تَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ فَقُلْ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ أَنْ تُصَلُّوا؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ فَقُلْ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ أَنْ تُخْرِجُوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ الصَّدَقَةَ؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ فَلَا تَبْغِ مِنْهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَاَللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْك رَجُلًا خَيْرٌ لَك مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ» . وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا لَا يُشْكِلُ أَنَّهُ ذُكِرَ عَلَى وَجْهِ التَّأَلُّفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا.
стр. 79
- وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِدٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا بَعَثَ بَعْثًا قَالَ: تَأَلَّفُوا النَّاسَ وَتَأَنَّوْا بِهِمْ، وَلَا تُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى تَدْعُوهُمْ، فَمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ، مِنْ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ، إلَّا أَنْ تَأْتُونِي بِهِمْ مُسْلِمِينَ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَأْتُونِي بِأَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَتَقْتُلُوا رِجَالَهُمْ» .
وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: كُنَّا نَدْعُو وَنَدَعُ أَيْ نَدْعُو تَارَةً وَنَدَعُ الدُّعَاءَ تَارَةً وَنُغِيرُ عَلَيْهِمْ. فَدَلَّ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَسَنٌ يَدْعُونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ إذَا كَانَ يُطْمَعُ فِي إيمَانِهِمْ. فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُطْمَعُ فِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ.
بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حِينَ بَعَثَ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا إلَى غَطَفَانَ فَقَالَ: «شُنُّوا الْغَارَةَ عَلَيْهِمْ وَلَا تَقْتُلُوا النِّسْوَانَ وَالصِّبْيَانَ» ثُمَّ ذَكَرَ الرَّاوِي حُسْنَ تَدْبِيرِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا هَجَمْنَا عَلَى حَاضِرٍ مِنْهُمْ عَظِيمٍ لَيْلًا - مَعْنَى (٣١ آ) قَوْلُهُ: " حَاضِرٍ مِنْهُمْ " أَيْ حَيٍّ مِنْهُمْ، وَهُوَ الْقَبِيلَةُ - خَطَبَنَا وَأَوْصَانَا فَقَالَ: إذَا كَبَّرْتُ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا حَمَلْتُ فَاحْمِلُوا، وَلَا تُمْعِنُوا فِي الطَّلَبِ - أَيْ لَا تَبْعُدُوا فِي الذَّهَابِ فِي الْغَنِيمَةِ - وَأَلَّفَ بَيْنَ كُلِّ رَجُلَيْنِ وَقَالَ: لَا يُفَارِقُ رَجُلٌ زَمِيلَهُ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَرْجِعَ إلَيَّ فَيُخْبِرَنِي خَبَرَهُ. وَلَا يَأْتِينِي رَجُلٌ فَأَسْأَلُهُ عَنْ صَاحِبِهِ فَيَقُولُ لَا عِلْمَ لِي بِهِ.
стр. 80
قَالَ: فَأَحَطْنَا بِالْحَاضِرِ، فَسَمِعْت رَجُلًا يَصْرُخُ " يَا خَضْرَاءُ فَتَفَاءَلَتْ وَقُلْت: لَأُصِيبَنَّ خَيْرًا - «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَفَاءَلُ بِمِثْلِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ الْغَارِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ مَرَّ عَلَى بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ. فَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ اسْمِهِ. فَلَمَّا قَالَ: بُرَيْدَةُ، قَالَ: بَرُدَ لَنَا الْأَمْرُ، فَلَمَّا قَالَ: مِنْ أَسْلَمَ، قَالَ: سَلِّمْنَا -» ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالتَّفَاؤُلِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. وَحِينَ عَبَرَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ جَيْحُونَ سَمِعُوا رَجُلًا يُنَادِي غُلَامَهُ: يَا ظَفَرُ فَقَالُوا: قَدْ ظَفَرْنَا، وَآخَرُ يُنَادِي غُلَامَهُ: يَا عَلْوَانُ فَقَالُوا: قَدْ عَلَوْنَا. ثُمَّ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﵁ أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي سَرِيَّةٍ كَانَ هُوَ أَمِيرَهُمْ، وَقَالَ: حِينَ انْتَهَيْنَا إلَى الْحَاضِرِ فِي غَبَشِ الصُّبْحِ - يَعْنِي حِينَ اخْتَلَطَ الظَّلَامُ بِالضَّوْءِ - وَقَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُّونَ وَنَعَمُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَهُمْ، وَسَبَى ذُرِّيَّتَهُمْ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ السَّبْيِ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِث. وَعُهِدَ إلَى أُسَامَةَ أَنْ يُغِيرَ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا ثُمَّ يُحَرِّقُ. وَالْغَارَةُ لَا تَكُونُ بِدَعْوَةٍ.
٦٥ - وَذَكَرَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: لَيْسَ لِلرُّومِ دَعْوَةٌ. فَقَدْ دُعُوا فِي آبَادِ الدَّهْرِ. أَيْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ قَبْلَ زَمَانِنَا. أَوْ مُرَادُهُ قَدْ بَشَّرَ عِيسَى ﵇ إيَّاهُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ إذَا بُعِثَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 81
[بَابُ الْبَرَكَة فِي الْخَيْلِ وَمَا يَصْلُحُ مِنْهَا]
٦٦ - ذَكَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . يَعْنِي الْجِهَادَ وَإِرْهَابَ الْعَدُوِّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، فَأَرَادَ بِهِ الْأَجْرَ لِصَاحِبِهَا، كَمَا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَهُوَ أَنْ يُمْسِكَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً طَارَ إلَيْهَا» وَأَرَادَ بِالْخَيْرِ اسْتِحْقَاقَ سَهْمٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ بِالْخَيْلِ. وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمَالَ خَيْرًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] وَالْغَنِيمَةُ خَيْرٌ لِأَنَّهُ مَالٌ مُصَابٌ بِأَشْرَفِ الْجِهَاتِ، فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْخَيْرِ.
٦٧ - وَعَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الْخَيْلِ الشُّقْرُ» . وَهَذِهِ الصِّفَةُ فِي الْخَيْلِ تَبِينُ بِالْعُرْفِ (٣١ ب) وَالذَّنَبِ، فَإِنْ كَانَا أَحْمَرَيْنِ فَهُوَ أَشْقَرُ، وَإِنْ كَانَا أَسْوَدَيْنِ فَهُوَ كُمَيْتٌ.
стр. 82
٦٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ الثَّقَفِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الْيُمْنُ فِي الْخَيْلِ فِي كُلِّ أَقَرْحَ، أَدْهَمَ، أَرْثَمَ، مُحَجَّلِ الثَّلَاثَةِ، طَلْقُ الْيُمْنَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَكُمَيْتٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ» . فَالْأَقْرَحُ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي جَبْهَتِهِ بَيَاضٌ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ فَوْقَ ذَلِكَ فَهُوَ أَغَرُّ. وَالْأَدْهَمُ: اسْمُ الْأَسْوَدِ مِنْهُ. وَالْأَرْثَمُ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ الْبَيَاضُ فِي شَفَتِهِ الْعُلْيَا فَوْقَ الْجَحْفَلَةِ.
وَمُحَجَّلُ الثَّلَاثِ طَلْقُ الْيُمْنَى: هُوَ الَّذِي يَكُونُ الْبَيَاضُ فِي قَوَائِمِهِ الثَّلَاثِ سِوَى الْيُمْنَى، وَهُوَ ضِدُّ الْأَرْجُلِ.
وَالْأَرْجُلُ: مَا يَكُونُ الْبَيَاضُ فِي الْيُمْنَى مِنْ قَوَائِمِهِ خَاصَّةً. وَهَذَا يُتَشَاءَمُ بِهِ، وَالْأَوَّلُ يُرْغَبُ فِيهِ. وَهَذَا كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَرَّرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ. وَبَيَّنَ أَنَّ الْبَرَكَةَ فِيمَا يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ الْخَيْلِ كَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَوَامّ مِنْ النَّاسِ.
٦٩ - وَذَكَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: لَا تُخْصِيَنَّ فَرَسًا وَلَا تُجْرِيَنَّ فَرَسًا فَوْقَ الْمِيلَيْنِ. فَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَكَرِهَ خِصَاءَ الْفَرَسِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» . أَيْ لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ،
стр. 83
وَتَأَوَّلُوا فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] . وَجَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ خِصَاءُ الدَّوَابِّ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ فَقَدْ تَعَارَفُوا مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ مُنْكِرٍ، [وَلَا مُنَازِعَ] . وَبِالِاتِّفَاقِ لَا بَأْسَ بِشِرَاءِ الْفَرَسِ الْخَصِيِّ وَرُكُوبِهِ. وَقَدْ كَانَ فَرَسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وَلَوْ كَانَ هَذَا الصَّنِيعُ مَكْرُوهًا لَكَانَ يُكْرَهُ شِرَاؤُهُ وَرُكُوبُهُ؛ لِيَكُونَ زَجْرًا لِلنَّاسِ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ.
وَتَأْوِيلُ النَّهْيِ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْكِتَابِ:
٧٠ - أَنَّ صَهِيلَ الْخَيْلِ يُرْهِبُ الْعَدُوَّ، وَالْخِصَاءُ يُذْهِبُ صَهِيلَهُ. فَكُرِهَ الْخِصَاءُ لِذَلِكَ، لَا لِأَنَّهُ حَرَامٌ فِي الدِّينِ.
وَالْمُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ الثَّانِي النَّهْيُ عَنْ إجْرَاءِ الْفَرَسِ فَوْقَ مَا يَحْتَمِلُهُ، أَوْ عَلَى وَجْهِ التَّلَهِّي بِهِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمُسَابَقَةُ بِالْأَفْرَاسِ لِلرِّيَاضَةِ فَهُوَ حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ.
٧١ - وَذَكَرَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَجْرَى وَسَبَّقَ. يُرْوَى سَبَّقَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ. فَمَعْنَى الرِّوَايَةِ بِالتَّخْفِيفِ أَنَّهُ سَبَقَ صَاحِبَهُ. وَمَعْنَى الرِّوَايَةِ بِالتَّشْدِيدِ أَنَّهُ الْتَزَمَ عَلَى السَّبْقِ صِلَةً. وَلَا بَأْسَ بِالْمُسَابِقَةِ بِالْأَفْرَاسِ مَا لَمْ تَبْلُغْ غَايَةً لَا تَحْتَمِلُهَا. جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «تَسَابَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣٢ آ) وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ فَسَبَقَ
стр. 84
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَلَى أَبُو بَكْرٍ، وَثَلَّثَ عُمَرُ ﵄» . مَعْنَى قَوْلِهِ: " صَلَى " أَيْ كَانَ رَأْسُ دَابَّتِهِ عِنْدَ صِلَاءِ دَابَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ وَهُوَ الذَّنَبُ.
٧٢ - وَفِي حَدِيثِ مُجَاهِدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحْضُرُ الْمَلَائِكَةُ شَيْئًا مِنْ الْمَلَاهِي سِوَى النِّضَالِ وَالرِّهَانِ» يَعْنِي الرَّمْيَ وَالْمُسَابَقَةَ.
٧٣ - وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ نَصْلٍ أَوْ حَافِرٍ» . الْمُرَادُ بِالْحَافِرِ الْفَرَسُ، وَبِالْخُفِّ الْإِبِلُ، وَبِالنَّصْلِ الرَّمْيُ.
٧٤ - وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَضْبَاءَ نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ لَا تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ ﵇: «مَا رَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا شَيْئًا إلَّا وَضَعَهُ» ، لِذَلِكَ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الْأَقْدَامِ لَا بَأْسَ بِهَا؛ لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ الْمُسَابَقَةُ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ وَالْأَرْجُلِ.
стр. 85
لِأَنَّ الْغُزَاةَ يَحْتَاجُونَ إلَى رِيَاضَةِ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى إذَا اُبْتُلُوا بِالطَّلَبِ وَالْهَرَبِ وَهُمْ رَجَّالَةٌ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ الْعَدُوُّ، لِمَا يَحْتَاجُونَ إلَى ذَلِكَ فِي رِيَاضَةِ الدَّوَابِّ.
٧٥ - فَإِنْ شَرَطُوا جُعْلًا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ خَاصَّةً بِأَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: إنْ سَبَقْتنِي أَعْطَيْتُك كَذَا، وَإِنْ سَبَقَتْك لَمْ آخُذْ مِنْك شَيْئًا فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا شَرَطَا اسْتِحْسَانًا، لِقَوْلِهِ ﵇: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» . وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْمَالِ بِالْخَطَرِ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَالُ مَشْرُوطًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَهُوَ الْقِمَارُ بِعَيْنِهِ. وَالْقِمَارُ حَرَامٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ. وَصُورَةُ الْمُحَلِّلِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ. وَالشَّرْطُ أَنَّ الثَّالِثَ إذَا سَبَقَهُمَا أَخَذَ مِنْهُمَا، وَإِنْ سَبَقَاهُ لَمْ يُعْطِهِمَا شَيْئًا، فَهُوَ فِيمَا بَيْنَهُمَا، أَيُّهُمَا سَبَقَ أَخَذَ الْجُعْلَ مِنْ صَاحِبِهِ، فَهَذَا جَائِزٌ.
وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُحَلِّلُ عَلَى دَابَّةٍ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَسْبِقَ، فَإِنْ كَانَ لَا يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ فَلَا فَائِدَةَ فِي إدْخَالِهِ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَخْرُجُ بِهِ شَرْطُهُمَا مِنْ أَنْ يَكُونَ قِمَارًا. قَالَ ﵁ وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ يَقُولُ عَلَى قِيَاسِ هَذَا بِالْجَرْيِ بَيْنَ طَلَبَةِ الْعِلْمِ، يُفْتِي فِيهِ بِالْجَوَازِ أَيْضًا. وَهُوَ
стр. 86
إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي مَسْأَلَةٍ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى الْأُسْتَاذِ وَشَرَطَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْجَوَابُ كَمَا قُلْت أَعْطَيْتُك كَذَا، وَإِنْ كَانَ كَمَا قُلْت لَا آخُذُ مِنْك شَيْئًا فَهَذَا جَائِزٌ.
وَإِنْ كَانَ شَرْطٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَهُوَ الْقِمَارُ، وَهَذَا لِأَنَّ فِي الْأَفْرَاسِ إنَّمَا جُوِّزَ ذَلِكَ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى الْجِهَادِ. فَيَجُوزُ هُنَا أَيْضًا لِلْحَثِّ عَلَى الْجِهَادِ فِي التَّعَلُّمِ.
٧٦ - وَذَكَرَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو السَّكْسَكِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى أَصْحَابِ السَّكْسَكِ يَنْهَاهُمْ عَنْ الرَّكْضِ (٣٢ ب) . وَالْمُرَادُ النَّخَّاسُونَ، وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ رَكْضٍ يُتْعِبُ الدَّابَّةَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ذَلِكَ، أَوْ رَكْضٍ يَكُونُ بِتَكَلُّفٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُغَرِّرُ الْمُشْتَرِيَ، وَالْغُرُورُ حَرَامٌ وَالْمُرَادُ الرَّكْضُ لِلتَّلَهِّي مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ. وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْإِحْسَانِ إلَى الْخُيُولِ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ بِهَا، وَلَا يَجُوزُ إتْعَابُهَا بِالرَّكْضِ تَلَهِّيًا.
٧٧ - قَالَ: وَنَهَاهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا أَحَدًا أَنْ يَرْكَبَ بِمِبْزَغٍ فِي سَوْطِهِ يَبْزُغُ بِهِ دَابَّتَهُ. أَيْ بِحَدِيدَةٍ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّخَّاسِينَ لِنَخْسِ الدَّابَّةِ عِنْدَ الرَّكْضِ، وَذَلِكَ يَجْرَحُ الدَّابَّةَ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ فِيهِ، وَرُبَّمَا يَسْرِي (؟) . فَلِهَذَا نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْعَرَبِ مِنْ اتِّخَاذِ حَدِيدَةٍ فِي ظَاهِرِ الْخُفِّ عِنْدَ الْعَقِبِ لِنَخْسِ الْفَرَسِ بِهِ، فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا قُلْنَا. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَنْهَى عَنْ رَكْضِ الْفَرَسِ إلَّا فِي حَقٍّ، أَيْ عِنْدَ غَرَضٍ صَحِيحٍ فِي الْجِهَادِ أَوْ غَيْرِهِ.
стр. 87
[بَابُ كَرَاهِيَةِ الْجَرَسِ]
ِ ٧٨ - ذَكَرَ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: مَا اُسْتُنْفِرَ جَيْشٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يُنَادِي فِي ظُهُورِهِمْ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ظُهُورَهَا شَدِيدًا، وَحَوَافِرَهَا حَدِيدًا، إلَّا ذَاتَ الْجَرَسِ.
٧٩ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَاحِلَةً عَلَيْهَا جَرَسٌ فَقَالَ: تِلْكَ مَطِيُّ الشَّيْطَانِ» .
٨٠ - وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْعِيرُ الَّتِي فِيهَا جَرَسٌ لَا تَصْحَبُهَا الْمَلَائِكَةُ» ، فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآثَارِ، وَكَرِهُوا اتِّخَاذَ الْجَرَسِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي الْأَسْفَارِ فِي الْغَزْوِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَرِهُوا أَيْضًا اتِّخَاذَ الْجَلَاجِلِ فِي رِجْلِ الصَّغِيرِ، عَلَى مَا يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا رَأَتْ امْرَأَةً مَعَهَا صَبِيٌّ وَفِي رِجْلِهِ جَلَاجِلُ فَجَعَلَتْ تَقُولُ: نَحِّي عَنْهُ مَا يُنَفِّرُ الْمَلَائِكَةَ.
وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْآثَارِ عِنْدَنَا أَنَّهُ كُرِهَ اتِّخَاذُ الْجَرَسِ لِلْغُزَاةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ،
стр. 88
فَإِنَّهُمْ إذَا قَصَدُوا أَنْ يُبَيِّتُوا الْعَدُوَّ عَلِمَ بِهِمْ الْعَدُوُّ بِصَوْتِ الْجَرَسِ فَيَبْدُرُونَ بِهِمْ. فَإِذَا كَانُوا سَرِيَّةً عَلِمَ بِهِمْ الْعَدُوُّ فَأَتَوْهُمْ فَقَتَلُوهُمْ. فَالْجَرَسُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَدُلُّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ. وَأَمَّا مَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِصَاحِبِ الرَّاحِلَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، يَعْنِي قَدْ يَنْتَفِعُ الْمُسْلِمُونَ فِي أَسْفَارِهِمْ بِصَوْتِ الْجَرَسِ يَدْفَعُونَ بِهِ النَّوْمَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمَنْ يَضِلَّ عَنْ الطَّرِيقِ يَتَمَكَّنْ مِنْ اللُّحُوقِ بِهِمْ بِصَوْتِ الْجَرَسِ فَلَا يَضِلُّ. وَمِنْ الدَّوَابِّ مَا يَنْشَطُ فِي السَّيْرِ بِصَوْتِ الْجَرَسِ. فَإِذَا أَمِنُوا اللُّصُوصَ، وَكَانَ فِي الْجَرَسِ مَنْفَعَةٌ لَهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِهِ. وَهُوَ نَظِيرُ الْحِدَاءِ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي الْعَرَبِ. «وَقَدْ أَذِنَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ يَسِيرُ بِاللَّيْلِ، وَالْحَادِي يَحْدِي بَيْنَ يَدَيْهِ» . فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ (٣٣ آ) بِمِثْلِهِ، وَمَا يَكُونُ فِي أَرْجُلِ الصِّبْيَانِ عَلَى سَبِيلِ اللَّهْوِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ فَلَا يُسْتَحَبُّ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَلَا بَأْسَ.
стр. 89
[بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْحَرْبِ]
بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ ٨١ - قَالَ: وَلَا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا مِنْ وَجْهِ الدِّينِ. وَلَكِنَّهُ فَشَلٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ تَحْرِيضٌ وَمَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. يَعْنِي أَنَّ الْمُبَارِزِينَ يَزْدَادُونَ نَشَاطًا بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ فِيهِ إرْهَابٌ لِلْعَدُوِّ عَلَى مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَوْتُ أَبِي دُجَانَةَ فِي الْحَرْبِ فِئَةٌ» . فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَهُوَ فَشَلٌ. وَرُبَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْجَيْشِ فَلِهَذَا لَا يُسْتَحَبُّ.
٨٢ - وَذَكَرَ عَنْ الْحَسَنِ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ ثَلَاثَةٍ: عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ الْجَنَائِزِ، وَعِنْدَ الزَّحْفِ» ، أَيْ الْقِتَالِ.
٨٣ - وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ: الْجَنَائِزِ وَالْقَتَال وَالذِّكْرِ.
стр. 90
وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ الْوَعْظُ. فَفِي الْحَدِيثَيْنِ كَرَاهَةُ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْوَعْظِ. فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْوَجْدَ وَالْمَحَبَّةَ مَكْرُوهٌ وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الدِّينِ. وَيَسْتَبِينُ بِهِ أَنَّهُ تُمْنَعُ الصُّوفِيَّةُ مِمَّا يَعْتَادُونَهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ وَتَخْرِيقِ الثِّيَابِ عِنْدَ السَّمَاعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فِي الدِّينِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْوَعْظِ، فَمَا ظَنُّك عِنْدَ سَمَاعِ الْغِنَاءِ؟ فَأَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ الْجَنَائِزِ فَالْمُرَادُ بِهِ النَّوْحُ وَتَمْزِيقُ الثِّيَابِ وَخَمْشُ الْوُجُوهِ، فَذَلِكَ حَرَامٌ، وَالْمُرَادُ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ الْإِفْرَاطِ فِي مَدْحِ الْمَيِّتِ عِنْدَ جِنَازَتِهِ، حَتَّى كَانُوا يَذْكُرُونَ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ شِبْهُ الْمُحَالِ. وَفِيهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهِنَّ أَبِيهِ وَلَا تَكْنُوا» أَرَادَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ امْنَعُوهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا تَذْكُرُوهُ بِسُوءٍ. .
стр. 91
[بَابُ الْعَمَائِمِ فِي الْحَرْبِ]
١٠ - بَابُ الْعَمَائِمِ فِي الْحَرْبِ ٨٤ - قَالَ: وَلُبْسُ الْعَمَائِمِ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا حَسَنٌ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْعَمَائِمَ تِيجَانُ الْعَرَبِ. وَقَالَ ﷺ : «تَعَمَّمُوا تَزْدَادُوا حِلْمًا» . «وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» . فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ.
٨٥ - وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ فَقَالَ: تَجَهَّزْ، فَإِنِّي بَاعِثُكَ فِي السَّرِيَّةِ - الْحَدِيثَ - إلَى أَنْ قَالَ: وَعَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِمَامَةٌ قَدْ لَفَّهَا عَلَى رَأْسِهِ. فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَقْعَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنَقَضَ عِمَامَتَهُ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ عَمَّمَهُ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ وَأَرْخَى بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا فَاعْتَمَّ يَا ابْنَ عَوْفٍ. وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ إكْرَامًا لَهُ، خَصَّهُ بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ ﵃» . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ إرْخَاءُ ذَنَبِ الْعِمَامَةِ بَيْنَ (٣٣ ب) الْكَتِفَيْنِ،
стр. 92
كَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . مِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ بِشِبْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إلَى وَسَطِ الظَّهْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إلَى مَوْضِعِ الْجُلُوسِ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنْ يُجَدِّدَ اللَّفَّ لِعِمَامَتِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَهَا مِنْ رَأْسِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، لَكِنْ يَنْقُضُهَا كَمَا لَفَّهَا. فَقَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا بِعِمَامَةِ ابْنِ عَوْفٍ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ النَّشْرِ غِبَّ الطَّيِّ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ النَّشْرِ وَالْإِلْقَاءِ [عَلَى الْأَرْضِ] دَفْعَةً وَاحِدَةً.
[بَابُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ]
١١ -
стр. 93
بَابُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ
٨٦ - ذَكَرَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَصْلُحُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُقَاتِلَ الْكُفَّارَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَبِهِ نَأْخُذُ.
٨٧ - وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ الْقِتَالُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: هَذَا مَنْسُوخٌ، نَاسِخُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] يُفِيدُ إبَاحَةَ قَتْلِهِمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَكَانٍ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] مُضِيُّ مُدَّةِ الْعَهْدِ الَّذِي كَانَ لِبَعْضِهِمْ، لَا بَيَانُ حُرْمَةِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. ثُمَّ صَحَّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا الطَّائِفَ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ الْمُحَرَّمِ، وَنَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَيْهَا، وَافْتَتَحَهَا فِي صَفَرٍ» ، وَنَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي تَلَقَّاهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ جَائِزٌ. .
[بَابُ هِجْرَةِ الْأَعْرَابِ]
١٢ -
стр. 94
بَابُ هِجْرَةِ الْأَعْرَابِ
- وَعَنْ الْحَسَنِ ﵁ قَالَ: هِجْرَةُ الْأَعْرَابِ إذَا ضَمَّهُمْ دِيوَانُهُمْ. وَقَدْ كَانَتْ الْهِجْرَةُ فَرِيضَةً فِي الِابْتِدَاءِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] .
٨٩ - «وَقَالَ ﷺ : ثُمَّ اُدْعُوهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا فَأَخْبِرُوهُمْ أَنَّهُمْ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَلَا فِي الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ» .
وَمِنْ مَذْهَبِ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ هَذَا الْحُكْمُ، وَأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْأَعْرَابِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ اسْمَهُ فِي دِيوَانِ الْغُزَاةِ لِيَكُونَ مُهَاجِرًا. فَقَدْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِالْهِجْرَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْقِتَالَ. وَعَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ﵃ فَرِيضَةُ الْهِجْرَةِ انْتَسَخَتْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، إنَّمَا هُوَ جِهَادٌ
стр. 95
وَنِيَّةٌ» . وَقَالَ: «الْمُهَاجِرُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ هَجَرَ السُّوءَ، أَوْ قَالَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» .
٩٠ - وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ ﵀ فَقَالَ: إذَا وَطَنَ الْأَعْرَابِيُّ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْأَعْرَابِيَّةِ، وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، الْتَحَقَ فِي (٣٤ آ) الدِّيوَانِ أَوْ لَمْ يُلْحَقْ.
وَإِنَّمَا شُرِطَ أَنْ يَتَوَطَّنَ مِصْرًا لِيَتَعَلَّمَ شَرَائِعَ الدِّينِ. فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ فِي قَبِيلَتِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَوَطُّنِ الْمِصْرِ، وَلَكِنْ إذَا تَعَلَّمَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْأَعْرَابِيَّةِ، يَعْنِي مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَعْرَابَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] .
[بَابُ صِلَةِ الْمُشْرِكِ]
١٣ -
стр. 96
بَابُ صِلَةِ الْمُشْرِكِ وَذَكَرَ عَنْ أَبِي مَرْوَانَ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قُلْت لِمُجَاهِدٍ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ، وَلِي عَلَيْهِ مَالٌ، أَدَعُهُ لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَصِلْهُ.
وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَصِلَ الْمُسْلِمُ الْمُشْرِكَ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، مُحَارِبًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا لِحَدِيثِ «سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: صَلَّيْت الصُّبْحَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدْت مَسَّ كَفٍّ بَيْنَ كَتِفِي، فَالْتَفَتّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ وَاهِبٌ لِي ابْنَةَ أُمِّ قِرْفَةَ؟ قُلْت: نَعَمْ. فَوَهَبْتهَا لَهُ. فَبَعَثَ بِهَا إلَى خَالِهِ حَزَنَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ، وَهُوَ مُشْرِكٌ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ. وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ إلَى مَكَّةَ حِينَ قَحَطُوا، وَأَمَرَ بِدَفْعِ ذَلِكَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ لِيُفَرِّقَا عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ مَكَّةَ. فَقَبِلَ ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ، وَأَبَى صَفْوَانُ وَقَالَ: مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ بِهَذَا إلَّا أَنْ يَخْدَعَ شُبَّانَنَا» .
وَلِأَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحْمُودٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ وَفِي كُلِّ دِينٍ، وَالْإِهْدَاءَ إلَى الْغَيْرِ
стр. 97
مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَقَالَ ﷺ : «بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» . فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ جَمِيعًا.
- ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «قَدِمَ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو الْبَرَاءِ وَهُوَ مُشْرِكٌ. فَأَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ فَرَسَيْنِ وَحُلَّتَيْنِ، فَقَالَ ﵇: لَا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ» .
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْبَلُ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ» . «وَأَنَّهُ أَهْدَى مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ إلَى أَبِي سُفْيَانَ تَمْرَ عَجْوَةٍ، وَاسْتَهْدَاهُ أَدَمًا، فَقَبِلَ هَدِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْدَى لَهُ الْأُدْمَ» .
«وَأَنَّ نَصْرَانِيًّا أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَرِيرًا يَتَلَأْلَأُ، فَقَبِلَ هَدِيَّتَهُ» . «وَأَنَّ عِيَاضَ بْنَ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيَّ أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: أَسْلَمْت يَا عِيَاضُ؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ ﵇: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَانِي أَنْ أَقْبَلَ زَبْدَ الْمُشْرِكِينَ» ، أَيْ عَطَايَاهُمْ.
ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ» ، أَيْ عَنْ قَبُولِ هَدِيَّتِهِمْ، فَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِمَّنْ كَانَ يَطْمَعُ فِي إيمَانِهِ إذَا رَدَّ هَدِيَّتَهُ لِيَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُؤْمِنَ ثُمَّ يَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ. أَوْ لَمْ يَقْبَلْ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُطَالِبُ بِالْعِوَضِ وَلَا يَرْضَى بِالْمُكَافَأَةِ بِمِثْلِ مَا أَهْدَى. وَبَيَانُ هَذَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةَ الْأَعْرَابِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا أَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ ثَقَفِيٍّ» (٣٤ ب) .
وَأَيَّدَ هَذَا مَا رُوِيَ «أَنَّ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ أَهْدَى إلَيْهِ فَرَسَيْنِ قَدْ كَانَ أَحَدُهُمَا
стр. 98
لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَعَ فِي أَيْدِيهِمْ فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ، فَعَوَّضَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوْقَ هَدِيَّتِهِ، فَجَعَلَ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَهْدُونَ مَا نَعْرِفُهُ أَنَّهُ لَنَا. ثُمَّ لَا يَرْضَوْنَ بِالْمُكَافَأَةِ بِالْمِثْلِ» . وَإِنَّمَا لَمْ يَقْبَلْ هَدِيَّةَ عَامِرٍ لِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ أَجَارَ سَبْعِينَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَتَلَهُمْ قَوْمُهُ، وَهُمْ أَصْحَابُ بِئْرِ مَعُونَةَ. وَفِي هَذَا قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ، فَلِهَذَا رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَدِيَّتَهُ.
- ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يُكْرَهُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَنْ يَقْبَلَ هَدَايَاهُمْ. فَإِنْ قَبِلَهَا فَلْيَجْعَلْهَا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.
وَتَكَلَّمُوا فِي مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ. فَقِيلَ: هَذَا لَيْسَ بِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، وَلَكِنَّ مُرَادَهُ التَّنْزِيهُ، لِأَنَّهُ إذَا قَبِلَ هَدَايَاهُمْ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَتَأَلَّفَهُمْ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «الْهَدِيَّةُ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» . وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] . وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا عَلَى أَنْ يَخْتَصَّ بِهَا، وَلَكِنَّهُ يَقْبَلُهَا عَلَى أَنْ يَجْعَلَهَا فِي فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُمْ أَهْدَوْا إلَيْهِ لِمَنَعَتِهِ، وَمَنَعَتُهُ بِالْمُسْلِمِينَ لَا بِنَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ إذَا أَهْدَوْا إلَى قَائِدٍ مِنْ قُوَّادِ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَهْدَوْا إلَى مُبَارِزٍ، فَإِنَّ عِزَّتَهُ بِقُوَّةٍ فِي نَفْسِهِ فَتُسَلَّمُ لَهُ الْهَدِيَّةُ.
стр. 99
وَأَمَّا فِي حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ لَهُ، فَإِنَّ عِزَّتَهُ وَمَنَعَتَهُ لَمْ تَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] . وَمَا كَانَ فِي حَقِّهِ تَوَهُّمُ الرُّكُونِ بِقَلْبِهِ إذَا قَبِلَ هَدَايَاهُمْ، فَلِهَذَا قَبِلَهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ.
وَاخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ ﵃ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي جَوَازِ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ أُمَرَاءِ الْجَوْرِ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ ﵃ يَقْبَلَانِ هَدِيَّةَ الْمُخْتَارِ، وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ﵄ لَا يُجَوِّزَانِ ذَلِكَ. حَتَّى رُوِيَ أَنَّ أَمِيرًا أَهْدَى إلَى أَبِي ذَرٍّ ﵁ مِائَةَ دِينَارٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ: هَلْ أَهْدَى إلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مِثْلَ هَذَا؟ فَقِيلَ: لَا، فَرَدَّهَا وَقَالَ: ﴿كَلا إِنَّهَا لَظَى﴾ [المعارج: ١٥] ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٦] .
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: لِلسُّلْطَانِ نَصِيبٌ مِنْ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَإِذَا أَعْطَاك شَيْئًا فَخُذْهُ، فَإِنَّ مَا يُعْطِيهِ حَلَالٌ لَك.
وَحَاصِلُ الْمَذْهَبِ فِيهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَكْثَرُ مَالِهِ مِنْ الرِّشْوَةِ وَالْحَرَامِ لَمْ يَحِلَّ قَبُولُ الْجَائِزَةِ مِنْهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ مِنْ وَجْهٍ حَلَالٍ. وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ تِجَارَةٍ أَوْ زَرْعٍ أَكْثَرُ مَالِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِقَبُولِ الْجَائِزَةِ مِنْهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ مِنْ وَجْهٍ حَرَامٍ، وَفِي قَبُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْهَدِيَّةَ مِنْ بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. .
[بَابُ الْمُبَارَزَةِ]
١٤ -
стр. 100
بَابُ الْمُبَارَزَةِ ذَكَرَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَخِيهِ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ يَتَغَنَّى فَقَالَ: أَتَتَغَنَّى؟ (٣٥ آ) فَقَالَ: أَخْشَى أَنْ أَمُوتَ عَلَى فِرَاشِي وَقَدْ قَتَلْت سَبْعَةً وَسَبْعِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِيَدِي سِوَى مَا شَارَكْت فِيهِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَغَنَّى إذَا كَانَ وَحْدَهُ لِيَدْفَعَ بِهِ الْوَحْشَةَ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ كَانَ مِنْ زُهَّادِ الصَّحَابَةِ ﵃، قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» .
ثُمَّ كَانَ يَتَغَنَّى فِي مَرَضِهِ حِينَ بَقِيَ وَحْدَهُ، وَاسْتَبْعَدَ ذَلِكَ مِنْهُ أَنَسٌ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ هَذَا تَلَهِّيًا، وَلَكِنْ يَدْفَعُ الْوَسْوَاسَ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَطْمَعُ فِي الشَّهَادَةِ وَخَشِيَ أَنْ يَمُوتَ فِي مَرَضِهِ فَاسْتَوْحَشَ مِنْ ذَلِكَ وَجَعَلَ يَتَغَنَّى. فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا بَأْسَ بِهِ، إنَّمَا الْمَكْرُوهُ مَا يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ اللَّهْوِ، عَلَى مَا قَالَ ﷺ : «أَنْهَاكُمْ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ:
стр. 101
صَوْتُ الْغِنَاءِ فَإِنَّهُ مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ، وَخَمْشُ الْوُجُوهِ وَشَقُّ الْجُيُوبِ رَنَّةُ الشَّيْطَانِ» . يَعْنِي رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ. ثُمَّ صَحَّ أَنَّ الْبَرَاءَ ﵁ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ كَمَا كَانَ يَطْمَعُ.
[بَابُ مَنْ قَاتَلَ فَأَصَابَ نَفْسَهُ]
١٥ -
стр. 102
بَابُ مَنْ قَاتَلَ فَأَصَابَ نَفْسَهُ وَذَكَرَ عَنْ مَكْحُولٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَنَاوَلَ رَجُلًا مِنْ الْعَدُوِّ لِيَضْرِبَهُ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ رِجْلَهُ فَنَزَفَ حَتَّى مَاتَ. فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَصْحَابُهُ ﵃: أَشَهِيدٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَنَا عَلَيْهِ شَهِيدٌ» . وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ شَهِيدٌ فِيمَا تَنَاوَلَ مِنْ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ. فَأَمَّا مَنْ اُبْتُلِيَ بِهَذَا فِي الدُّنْيَا يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، لِأَنَّ الشَّهِيدَ الَّذِي لَا يُغَسَّلُ مَنْ يَصِيرُ مَقْتُولًا بِفِعْلٍ مُضَافٍ إلَى الْعَدُوِّ. وَهَذَا صَارَ مَقْتُولًا بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَصَدَ الْعَدُوَّ لَا نَفْسَهُ، فَيَكُونُ شَهِيدًا فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ، وَيُصْنَعُ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَيِّتِ فِي الدُّنْيَا.
وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ ﷺ : «الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالنُّفَسَاءُ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي تَمُوتُ بِجُمْعٍ لَمْ تُطْمَثْ شَهِيدٌ» . يَعْنِي فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ لَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ مَشَايِخُنَا فِيمَنْ تَعَمَّدَ قَتْلَ نَفْسِهِ بِحَدِيدَةٍ أَنَّهُ هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ فِي حَقِّ الَّذِي أَخْطَأَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ
стр. 103
يَجَأُ بِهَا نَفْسَهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ مَوْضِعٍ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَمَاتَ فَهُوَ يَشْرَبُهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا» .
قَالَ ﵁: وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَقُولُ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَأَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ إنْ كَانَ تَابَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ فِيمَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فِسْقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» .
قَالَ ﵁: وَسَمِعْت الْقَاضِيَ الْإِمَامَ (٣٥ ب) عَلِيًّا السُّغْدِيَّ يَقُولُ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، لَا لِأَنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَلَكِنْ لِأَنَّهُ بَاغٍ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْبَاغِي.
٩٦ - وَذَكَرَ عَنْ «سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ أَنَّ عَامِرَ بْنَ سِنَانِ بْنَ الْأَكْوَعِ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَكَانَ ضَرَبَ يَهُودِيًّا فَقَطَعَ رِجْلَهُ وَرَجَعَ السَّيْفُ عَلَى عَامِرٍ فَعَقَرَهُ فَمَاتَ مِنْهَا. فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ. إنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ. إنَّهُ جَاهِدٌ مُجَاهِدٌ وَإِنَّهُ لَيَعُومُ فِي الْجَنَّةِ عَوْمَ الدُّعْمُوصِ» .
стр. 104
وَبِهِ نَقُولُ إنَّهُ مَعْذُورٌ فِيمَا أُصِيبَ بِهِ، مُثَابٌ عَلَى مَا صَنَعَ. فَإِنَّهُ جَاهِدٌ فِي قَتْلِ الْكَافِرِ مُبَالِغٌ فِي ذَلِكَ، مُصَابٌ حِينَ رَجَعَ إلَيْهِ السَّيْفُ فَعَقَرَهُ، وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ مَاتَ، فَهُوَ جَاهِدٌ صَابِرٌ، و: ﴿إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] . فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ» .
- قَالَ: وَإِذَا الْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ لَيْلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ تَرَى أَنَّ صَاحِبَتَهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَاقْتَتَلُوا فَأَجْلَوْا عَنْ قَتْلَى ثُمَّ عَلِمُوا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِنْ دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ السَّرِيَّتَيْنِ بَاشَرَتْ دَفْعًا مُبَاحًا، فَقَدْ قَصَدَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ إلَى الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا قَتَلَتْهَا الْأُخْرَى دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ. وَذَلِكَ دَفْعٌ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً.
٩٨ - وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: خَرَجَتْ طَلِيعَتَانِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْخَنْدَقِ لَيْلًا فَالْتَقَتَا تَحْتَ اللَّيْلِ وَلَا يَشْعُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ الْعَدُوُّ. فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ جِرَاحَاتٌ وَقَتْلَى. ثُمَّ تَنَادَوْا بِشِعَارِ الْإِسْلَامِ فَكَفَّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ. وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: جِرَاحَاتُكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَمَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ فَهُوَ شَهِيدٌ» .
стр. 105
- وَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ. فَقَتَلَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا، ظَنَّ أَنَّهُ مُشْرِكٌ، أَوْ رَمَى إلَى مُشْرِكٍ فَرَجَعَ السَّهْمُ فَأَصَابَ مُسْلِمًا فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ لِأَنَّ هَذَا صُورَةُ الْخَطَأِ. وَالدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ.
١٠٠ - وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رُوِيَ «أَنَّ سُيُوفَ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفَتْ يَوْمَ أُحُدٍ عَلَى الْيَمَانِ أَبِي حُذَيْفَةَ فَقَتَلُوهُ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ الدِّيَةَ، فَوَهَبَهَا لَهُمْ حُذَيْفَةُ» . وَكَانَ الْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَالْأَوَّلِ أَنَّ الْمَقْتُولَ هَا هُنَا مَا كَانَ قَاصِدًا قَتْلَ صَاحِبِهِ الَّذِي قَتَلَهُ، وَكَانَتْ حُرْمَةُ نَفْسِهِ بَاقِيَةً فِي نَفْسِهِ، فَيَجِبُ الدِّيَةُ صِيَانَةً لِدَمِهِ عَنْ الْهَدَرِ. وَفِي الْأَوَّلِ الْمَقْتُولُ كَانَ قَاصِدًا إلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ يُسْقِطُ حُرْمَةَ نَفْسِهِ فِي حَقِّهِ، فَإِنَّمَا قَتَلَهُ بِدَفْعِ مُبَاحٍ.
[بَابُ قَتْلِ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ]
١٦ -
стр. 106
بَابُ قَتْلِ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كُلَّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنْهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَبْتَدِئُ بِهِ، إلَّا الْوَالِدَ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ وَالِدَهُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ جَدُّهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ (٣٦ آ) أَوْ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ وَإِنْ بَعُدَ، إلَّا أَنْ يَضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] فَالْمُرَادُ الْأَبَوَانِ إذَا كَانَا مُشْرِكَيْنِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاك﴾ [لقمان: ١٥] الْآيَةَ، وَلَيْسَ مِنْ الْمُصَاحَبَةِ بِالْمَعْرُوفِ الْبِدَايَةُ بِالْقَتْلِ. وَأَمَّا إذَا اضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ فَهُوَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْبِدَايَةِ بِنَفْسِهِ فِي الْإِحْسَانِ إلَيْهَا وَدَفْعِ شَرِّ الْقَتْلِ عَنْهَا أَبْلَغَ جِهَاتِ الْإِحْسَانِ. ثُمَّ الْأَبُ كَانَ سَبَبًا لِإِيجَادِ الْوَلَدِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ سَبَبَ إعْدَامِهِ بِالْقَصْدِ إلَى قَتْلِهِ، إلَّا أَنْ يَضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْأَبُ هُوَ الْمُكْتَسِبُ لِذَلِكَ السَّبَبِ بِمَنْزِلَةِ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ، عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ أَنَّ الْمَلْجَأَ بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ لِلْمُلْجِئِ. وَلِهَذَا لَا يُحْبَسُ الْأَبُ بِدَيْنِ الْوَلَدِ وَيُحْبَسُ بِنَفَقَتِهِ، لِأَنَّهُ إذَا مَنَعَ نَفَقَتَهُ فَقَدْ قَصَدَ إتْلَافَهُ.
стр. 107
ثُمَّ اسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْكِتَابِ بِمَا رُوِيَ:
١٠٢ - «أَنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ ﵄ اسْتَأْذَنَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قَتْلِ أَبَوَيْهِمَا فَنَهَاهُمَا عَنْ ذَلِكَ» . وَعَنْ عُمَيْرٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَقِيت أَبِي فِي الْعَدُوِّ، فَسَمِعْت مِنْهُ مَقَالَةً لَك سَيِّئَةً فَقَتَلْته فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ بِقَتْلِهِ شَيْئًا إذَا قَتَلَهُ. لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ بِشَيْءٍ. وَالسُّكُوتُ عَنْ الْبَيَانِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَا يَجُوزُ.
وَأَوَّلُ الْوُجُوهِ أَنْ لَا يَقْصِدَهُ بِالْقَتْلِ، وَلَا يُمَكِّنَهُ مِنْ الرُّجُوعِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ فِي الصَّفِّ، وَلَكِنَّهُ يُلْجِئُهُ إلَى مَوْضِعٍ وَيَسْتَمْسِكُ بِهِ حَتَّى يَجِيءَ غَيْرُهُ فَيَقْتُلَهُ. رُوِيَ فِي الْكِتَابِ حَدِيثًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَالَ: فَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا. فَأَمَّا إبَاحَةُ قَتْلِ غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 108
[بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْقَتْلَى]
١٠٣ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَهُمْ يَنْدُبُونَ قَتْلَاهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ. فَقَالَ: لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ. قَالَتْ الْمَرْأَةُ الَّتِي رَوَتْ: فَخَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَدَبْنَا حَمْزَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْبَيْتِ، حَتَّى سَمِعْنَا نَشِيجَهُ فِي الْبَيْتِ. فَأَرْسَلَ إلَيْنَا أَنْ قَدْ أَصَبْتُمْ، أَوْ قَدْ أَحْسَنْتُمْ» . وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّ حَمْزَةَ كَانَ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَئِذٍ، لَكِنَّهُ كَانَ غَرِيبًا بِالْمَدِينَةِ فَنَدَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ.
وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي «أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ﵁ لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ نِسَاءَ قَوْمِهِ، وَكَذَلِكَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَكَذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ. فَجَاءَ كُلُّ فَرِيقٍ إلَى بَابِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْدُبُونَ حَمْزَةَ ﵁ فَاسْتَأْنَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبُكَائِهِمْ (٣٦ ب) حَتَّى نَامَ» .
стр. 109
وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ جَرَى الرَّسْمُ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ إذَا مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ يَبْدَءُونَ بِالْبُكَاءِ لِحَمْزَةَ ﵁. وَالرِّجَالُ فِي تَعْزِيَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا يَقُولُونَ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَزِيدُونَ عَلَى ذَلِكَ.
١٠٤ - ثُمَّ أَعَادَ الْحَدِيثَ بِطَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: «فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ يَبْكِينَ. فَقَالَ: يَا وَيْحَهنَّ إنَّهُنَّ لَهَا هُنَا مُنْذُ الْيَوْمِ. فَلْيَرْجِعْنَ وَلَا يَبْكِينَ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ الْيَوْمِ» .
فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقَالَ: هَذِهِ رُخْصَةٌ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ انْتَسَخَتْ بِمَا ذُكِرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ. وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ قَدْ انْتَسَخَ وَلَا رُخْصَةَ فِيهِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «النَّائِحَةُ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنْ مُسْتَمِعِيهَا عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
وَأَمَّا الْبُكَاءُ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الصَّوْتِ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ لَمَّا قُبِضَ إبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: أَلَيْسَ قَدْ نَهَيْتنَا عَنْ الْبُكَاءِ؟ فَقَالَ: إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ، وَأَمَّا هَذِهِ رَحْمَةٌ يَجْعَلُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ الرُّحَمَاءِ. الْعَيْنُ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبُ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبُّ» . وَعَنْ عُمَرَ ﵁ «أَنَّهُ سَمِعَ امْرَأَةً وَهِيَ تَبْكِي عَلَى وَلَدِهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَهَاهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعْهَا يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْقَلْبَ حَزِينٌ، وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ» . وَلَكِنْ مَعَ هَذَا؛ الصَّبْرُ أَفْضَلُ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .
стр. 110
[بَابُ حَمْلِ الرُّءُوسِ إلَى الْوُلَاةِ]
ِ ١٠٥ وَذَكَرَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِرَأْسِ يَنَاقَ الْبِطْرِيقِ. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ. فَقِيلَ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ إنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا. قَالَ فَاسْتِنَانٌ بِفَارِسٍ وَالرُّومِ؟ لَا يُحْمَلُ إلَيَّ رَأْسٌ، إنَّمَا يَكْفِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لَهُمْ: لَقَدْ بَغَيْتُمْ. أَيْ تَجَاوَزْتُمْ الْحَدَّ. وَفِي رِوَايَةٍ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ بِالشَّامِ: لَا تَبْعَثُوا إلَيَّ بِرَأْسٍ، وَلَكِنْ يَكْفِينِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ.
فَبِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ: لَا يَحِلُّ حَمْلُ الرُّءُوسِ إلَى الْوُلَاةِ لِأَنَّهَا جِيفَةٌ. فَالسَّبِيلُ دَفْنُهَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى، وَلِأَنَّ إبَانَةَ الرَّأْسِ مُثْلَةٌ، «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُثْلَةِ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ» .
وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ.
وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا ﵏ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ كَبْتٌ وَغَيْظٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَوْ فَرَاغُ قَلْبٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْ قُوَّادِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ عُظَمَاءِ الْمُبَارِزِينَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
следующие страницы →