Полный текст (2 212 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
إنْ لَحِقَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْعَسَاكِرِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُمْ أَهْلَ الْحِصْنِ.
لِأَنَّهُمْ اسْتَفَادُوا الْأَمَانَ مِنْ جَانِبِ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ حُكْمٌ ثَابِتٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ. فَكَمَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مَعَ عَسْكَرِهِ لَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مَعَ عَسْكَرٍ آخَرَ.
٧٥٢ - وَلَوْ أَنَّ سَرِيَّةً حَاصَرُوا حِصْنًا، فَسَأَلَهُمْ أَهْلُ الْحِصْنِ أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ فَفَعَلُوا، ثُمَّ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فِي دَارِ الْحَرْبِ وَعَلِمُوا بِذَلِكَ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ الدَّنَانِيرَ أَوْ يَنْتَهِيَ الْأَمَانُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لِنُفُوذِ أَمَانِهِمْ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنْ رَدُّوا الدَّنَانِيرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ وَظَفِرُوا بِهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا بِالْغَنَائِمِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِالدَّنَانِيرِ الَّتِي أَدَّوْا، فَيُعْطَوْنَ ذَلِكَ قَبْلَ الْخُمُسِ وَقَبْلَ كُلِّ قِسْمَةٍ.
لِأَنَّهُمْ إنَّمَا تَوَصَّلُوا إلَى هَذِهِ الْغَنَائِمِ بِمَا أَدَّوْا، فَلَا يَكُونُونَ مُتَبَرِّعِينَ فِيمَا أَدَّوْا، بَلْ يَكُونُونَ أَحَقَّ بِمَا أَصَابُوا مِنْ الْحِصْنِ حَتَّى يَأْخُذُوا دَنَانِيرَهُمْ.
أَرَأَيْت لَوْ وَجَدُوا فِي الْحِصْنِ تِلْكَ الدَّنَانِيرَ بِعَيْنِهَا مَا كَانُوا أَحَقَّ بِهَا قَبْلَ الْخُمُسِ وَالْقِسْمَةِ؟ فَكَذَلِكَ إذَا وَجَدُوا فِي الْحِصْنِ مِثْلَهَا.
وَهُوَ نَظِيرُ الْمَرْهُونِ إذَا أَسَرَهُ الْعَدُوُّ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ مُسْلِمٌ فَأَخْرَجَهُ، وَظَفِرَ بِهِ الرَّاهِنُ دُونَ الْمُرْتَهِنِ فَأَخَذَهُ بِالثَّمَنِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ دَيْنَ الْمُرْتَهِنِ، إلَّا أَنْ
стр. 457
يَرُدَّ عَلَى الرَّاهِنِ مَا أَعْطَى مِنْ الثَّمَنِ، فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ الْعَبْدَ وَيَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مَا تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ وَإِحْيَاءِ مِلْكِهِ فِيهِ إلَّا بِمَا أَدَّى، فَلَمْ يَكُنْ مُتَطَوِّعًا.
وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ لِإِنْسَانٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ. فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ إذَا فَدَاهُ بِالثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي هَذَا الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَصِلُ إلَى خِدْمَتِهِ إلَّا بِهِ، حَتَّى إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِدْمَةِ بِيعَ الْعَبْدُ لَهُ فِي الْفِدَاءِ. إلَّا أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ مِثْلَ مَا أَدَّى فَحِينَئِذٍ يَسْلَمُ الْعَبْدَ لَهُ.
وَكَذَلِكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ إذَا أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إنْ شِئْت فَخُذْهُ بِالثَّمَنَيْنِ جَمِيعًا، وَإِنْ شِئْت فَدَعْ.
لِأَنَّ الْبَائِعَ مَا كَانَ يَتَوَصَّلُ إلَى إحْيَاءِ حَقِّهِ إلَّا بِأَدَاءِ الْفِدَاءِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ مُتَبَرِّعًا فِيمَا أَدَّى، فَكَذَلِكَ حَالُ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ فِيمَا أَدَّوْا مِنْ الدَّنَانِيرِ، فَيُسَلَّمُ لَهُمْ هَذَا قَبْلَ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّ الْخُمُسَ فِي الْغَنِيمَةِ، وَمَا أَدَّوْا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْغَنِيمَةِ. فَمِثْلُهُ الْمَرْدُودُ عَلَيْهِمْ لَا يَكُونُ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَيْضًا، وَلَكِنْ بِمَنْزِلَةِ النَّفْلِ يَنْفُلُونَهُ قَبْلَ الْخُمُسِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ.
٧٥٣ - وَلَوْ لَمْ يَظْفَرُوا بِالْحِصْنِ، وَجَعَلُوا يُقَاتِلُونَهُمْ، حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. ثُمَّ ظَفِرُوا بِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا بِتِلْكَ الدَّنَانِيرِ وَلَا مِثْلِهَا قَبْلَ الْخُمُسِ، بَلْ يُخَمَّسُ جَمِيعُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
стр. 458
لِأَنَّ تَمَكُّنَهُمْ مِنْ اغْتِنَامِ مَا فِي هَذَا الْحِصْنِ لَمْ يَكُنْ بِرَدِّ الدَّنَانِيرِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَرُدُّوا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْأَمَانِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الِاغْتِنَامِ فِي الْمُدَّةِ قَبْلَ رَدِّ الدَّنَانِيرِ، وَلَوْ فَعَلُوا أُمِرُوا بِرَدِّ الْأَمْوَالِ عَلَيْهِمْ وَإِعَادَتِهِمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ.
٧٥٤ - وَلَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِنَا حَتَّى الْتَقَوْا، هُمْ وَالسَّرِيَّةُ الْأُولَى، فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانُوا ظَفِرُوا بِأَهْلِ الْحِصْنِ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِيمَا أَصَابُوا، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ دَنَانِيرِهِمْ شَيْءٌ. وَلَوْ كَانُوا ظَفِرُوا بِهِمْ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ أَخَذُوا دَنَانِيرَهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْبَاقِي.
لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِحْرَازِ بِدَارِنَا، وَذَلِكَ سَبَبُ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا ظَفِرُوا بِهِمْ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَجَمِيعُ مَا أَصَابُوا غَنِيمَةٌ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ رُدَّ الدَّنَانِيرُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي الْخُمُسِ فَكَذَلِكَ فِي شَرِكَةِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى مَعَهُمْ.
٧٥٥ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ بَعْد رَدِّ الدَّنَانِيرِ لَمْ يَقْدِرُوا فَتْحِ الْحِصْنِ، فَدَخَلُوا أَرْضَ الْحَرْبِ ثُمَّ أَتَى أَهْلَ الْحِصْنِ سَرِيَّةٌ ثَالِثَةٌ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ.
لِأَنَّ حُكْمَ أَمَانِهِمْ قَدْ بَطَلَ بِرَدِّ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ الدَّنَانِيرَ عَلَيْهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ. فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلسَّرِيَّةِ الثَّالِثَةِ.
стр. 459
فَإِنْ ظَفِرُوا بِهِمْ فِي الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، ثُمَّ الْتَقَتْ السَّرَايَا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ. فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ.
لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِهَا.
وَلَا سَبِيلَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَخْذِ دَنَانِيرِهِمْ وَإِنْ وَجَدُوهَا بِعَيْنِهَا.؛ لِأَنَّهُمْ مَا ظَفِرُوا بِالْحِصْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: السَّرِيَّةُ الثَّالِثَةُ إنَّمَا تَمَكَّنُوا مِنْ فَتْحِ الْحِصْنِ فِي الْمُدَّةِ بِرَدِّ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ حَقُّ اسْتِرْدَادِ ذَلِكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ وِلَايَةٌ عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ الثَّالِثَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَلْتَقُوا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَبِيلٌ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا أَصَابُوا. وَمُلَاقَاتُهُمْ إيَّاهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَبَبٌ لِثُبُوتِ حَقِّ الشَّرِكَةِ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ لَا فِي غَيْرِهَا. فَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ هَذِهِ الدَّنَانِيرُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَلَا حَقَّ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ فِيهَا. وَإِنْ جُعِلَتْ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ حَقُّ الِاخْتِصَاصِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَوْ مَنْ كَانَ أَمِيرًا عَلَى السَّرَايَا هُوَ الَّذِي أَمَرَ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ بِرَدِّ الدَّنَانِيرِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَحِينَئِذٍ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى السَّرَايَا كُلِّهَا. فَاَلَّذِينَ أَدَّوْا بِأَمْرِهِ لَا يَكُونُونَ مُتَبَرِّعِينَ فِي حَقِّ أَحَدٍ.
٧٥٧ - فَإِنْ ظَفِرَتْ السَّرِيَّةُ الثَّالِثَةُ بِهِمْ فِي الْمُدَّةِ رَدُّوا عَلَى السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ دَنَانِيرَهُمْ أَوَّلًا.
لِأَنَّهُمْ مَا تَمَكَّنُوا مِنْ هَذَا الِاغْتِنَامِ إلَّا بِذَلِكَ.
وَإِنْ ظَفِرُوا بِهِمْ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ رَدُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ الَّذِينَ أَدَّوْا مَالَهُمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 460
لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِأَدَاءِ مَالٍ لِأَجْلِ مَنْفَعَةٍ رَجَعَتْ إلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ دَيْنًا لَهُمْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَلِأَنَّ خُمُسَ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ سَلِمَ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَا غَرِمُوا مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ أَيْضًا لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِمُقَابَلَةِ الْغُنْمِ.
٧٥٨ - وَلَوْ لَمْ يَأْتِ أَهْلَ الْحِصْنِ سَرِيَّةٌ أُخْرَى حَتَّى رَجَعَتْ إلَيْهِمْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى فَرَدَّتْ عَلَيْهِمْ الدَّنَانِيرَ وَظَفِرُوا بِهَا، فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ عَلَى أَخْذِ الدَّنَانِيرِ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا مِثْلَ مَا أَرَادُوا، وَفَسَخُوا حُكْمَ فِعْلِهِمْ بِالرَّدِّ. فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا فِي الِابْتِدَاءِ حَتَّى ظَفِرُوا بِالْحِصْنِ، فَيَكُونُ لِجَمِيعِ مَا أَصَابُوا حُكْمُ الْغَنِيمَةِ.
٧٥٩ - وَإِنْ كَانَ تِلْكَ الدَّنَانِيرُ ضَاعَتْ مِنْهُمْ، وَحِينَ رَجَعُوا أَعْطَوْا مِثْلَهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، لَيْسَ مِمَّا غَنِمُوا، فَهُمْ أَحَقُّ بِالْغَنِيمَةِ حَتَّى يَسْتَوْفُوا مِنْهَا مِثْلَ مَا أَعْطَوْا إنْ كَانُوا ظَفِرُوا بِهِمْ فِي الْمُدَّةِ.
لِأَنَّ حَالَهُمْ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَرَدِّ الدَّنَانِيرِ كَحَالِ سَرِيَّةٍ أُخْرَى.
٧٦٠ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ وَادَعَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ سَنَةً عَلَى مَالٍ دَفَعُوهُ إلَيْهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ. إنَّمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَادِعَ إذَا كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْقِتَالِ وَالْمِيلُ إلَى أَخْذِ الْمَالِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
стр. 461
ثُمَّ هَذَا الْمَالُ لَيْسَ بِفَيْءٍ وَلَا غَنِيمَةٍ حَتَّى لَا يُخَمَّسَ، وَلَكِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَرَاجِ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ اسْمُ الْمَالِ مُصَابٌ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَالْفَيْءُ اسْمٌ لِمَا يَرْجِعُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَى أَيْدِينَا بِطَرِيقِ الْقَهْرِ. فَأَمَّا هَذَا فَمَالٌ رَجَعَ إلَيْنَا بِطَرِيقِ الْمُرَاضَاةِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ يُوضَعُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا تَمَكَّنَ مِنْهُ لِمَنَعَةِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
٧٦١ - فَإِنْ نَظَرَ الْإِمَامُ فَرَأَى هَذِهِ الْمُوَادَعَةَ شَرًّا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا أُخِذَ.
لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ وَالتَّحَرُّزَ عَنْ الْغَدْرِ وَاجِبٌ.
٧٦٢ - فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ عَيْنَهُ أَوْ مِثْلَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَنَبَذَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ بَعَثَ جُنْدًا حَتَّى ظَفِرُوا بِهِمْ، فَإِنَّهُ يُخَمِّسُ جَمِيعَ مَا أَصَابُوا، وَيُقَسِّمُ الْبَاقِيَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَ شَيْئًا مِمَّا أَعْطَى مِنْ الدَّنَانِيرِ.
؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَخْذِ عَامِلًا لِلْمُسْلِمِينَ. فَقَدْ رَدَّهَا أَوْ مِثْلَهَا مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنَّ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ النَّوَائِبِ.
بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا فِي السَّرِيَّةِ الْأُولَى إذَا رَدُّوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بَعْدَ مَا ضَاعَتْ تِلْكَ الدَّنَانِيرُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْمَأْخُوذَ الَّذِي ضَاعَ مِنْهُمْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَالْمَرْدُودَ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْغَنِيمَةِ، إنَّمَا كَانَ مِنْ خَاصِّ أَمْوَالِهِمْ. وَهَاهُنَا الْمَأْخُوذُ
стр. 462
كَانَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَرْدُودُ أَيْضًا مِنْ مَالِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ عَادَ إلَى مَسْأَلَةِ السَّرِيَّتَيْنِ فَقَالَ: ٧٦٣ - لَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ رَدُّوا الدَّنَانِيرَ بِأَمْرِ أَمِيرِهِمْ خَاصَّةً ثُمَّ أَدْرَكَتْهُمْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى، فَافْتَتَحَتْ السَّرِيَّتَانِ الْحِصْنَ وَأَخَذُوا مَا فِيهِ، فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ الْمُصَابُ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ مِنْ السَّرِيَّتَيْنِ أَوَّلًا، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الَّتِي رَدَّتْ الدَّنَانِيرَ فَيَبْدَأُ بِدَنَانِيرِهِمْ مِنْ ذَلِكَ.
؛ لِأَنَّ أَمْرَ أَمِيرِهِمْ غَيْرُ نَافِذٍ عَلَى السَّرِيَّةِ الثَّالِثَةِ، وَإِنَّمَا يَنْفُذُ عَلَى أَهْلِ سَرِيَّتِهِ خَاصَّةً. وَأَمْوَالُ أَهْلِ الْحِصْنِ مُصَابُ السَّرِيَّتَيْنِ جَمِيعًا، فَلَا بُدَّ مِنْ قِسْمَتِهَا بَيْنَهُمْ لِيَتَبَيَّنَ مُصَابُ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ، حَتَّى يَرْفَعُوا دَنَانِيرَهُمْ مِنْهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَإِنَّمَا قُسِّمَتْ هَذِهِ الْغَنِيمَةُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ.
؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ حَتَّى يُعْتَبَرَ فِيهَا سِهَامُ الْفُرْسَانِ وَالرَّجَّالَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهَا قَبْلَ الْخُمُسِ، وَقِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْخُمُسِ.
٧٦٤ - فَإِذَا دَفَعُوا دَنَانِيرَهُمْ يُضَمُّ مَا بَقِيَ إلَى مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الثَّالِثَةَ بِالْقِسْمَةِ الْأُولَى. فَيُخَمَّسُ جَمِيعُ ذَلِكَ، ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ السَّرِيَّتَيْنِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ إمَامٍ بَعَثَ سَرِيَّتَيْنِ وَنَفَلَ إحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا
стр. 463
الرُّبُعَ قَبْلَ الْخُمُسِ. وَهُنَاكَ يُقَسَّمُ مَا أَصَابُوا أَوَّلًا عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ نَصِيبُ الْمُنَفَّلِينَ فَيُعْطَوْنَ نَفْلَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يُضَمُّ مَا بَقِيَ إلَى مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الْأُخْرَى، فَيُخَمَّسُ وَيُقَسَّمُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي مَسْأَلَةِ الْمِائَةِ الْعُصَاةِ إذَا كَانُوا بِأَعْيَانِهِمْ. فَإِنَّ هُنَاكَ الْقِسْمَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الثَّلَاثِ مِائَةٍ عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ الرَّجَّالَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ نَصِيبُ الثَّلَاثِ مِائَةٍ فَيُعْطَوْنَ مِنْ ذَلِكَ نَفْلَهُمْ.
لِأَنَّ هُنَاكَ إنَّمَا نَفْلُهُمْ الرُّبُعُ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَالْقِسْمَةُ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَ الْخُمُسِ قِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ. وَهَذَا وَإِنَّمَا نَفْلُهُمْ الرُّبُعُ قَبْلَ الْخُمُسِ. وَالْقِسْمَةُ الْأُولَى هَا هُنَا لَيْسَتْ بِقِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ. فَلِهَذَا قَسَّمَ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ الرِّجَالِ.
٧٦٥ - فَإِنْ كَانَ مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الرَّادَّةُ لَمْ يُرَدَّ عَلَى دَنَانِيرِهِمْ سَلِمَ لَهُمْ جَمِيعُ ذَلِكَ، وَيُخَمَّسُ مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الْأُخْرَى، ثُمَّ يُقَسَّمُ مَا بَقِيَ بَيْنَ السَّرِيَّتَيْنِ جَمِيعًا عَلَى الْغَنِيمَةِ.
؛ لِأَنَّ الْمَغْنُومَ هَذَا الْمِقْدَارُ.
وَإِنْ لَمْ يَفِ مَا أَصَابَهُمْ بِدَنَانِيرَ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ.
؛ لِأَنَّهُ لَا أَمْرَ لِأَمِيرِهِمْ فِيمَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الثَّالِثَةَ لِيَأْخُذُوا أَشْيَاءَ مِنْهَا بِحِسَابِ الدَّنَانِيرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الرَّجُلُ فَيَكُونُ أَمَانًا أَوْ لَا يَكُونُ]
٧٦٦ -
стр. 464
بَابُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الرَّجُلُ فَيَكُونُ أَمَانًا أَوْ لَا يَكُونُ فَإِذَا أَخَذَ الْمُسْلِمُ أَسِيرًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَطَلَبَ الْأَسِيرُ مِنْهُ الْأَمَانَ فَآمَنَهُ، فَهُوَ آمِنٌ لَا يَحِلُّ لَهُ وَلَا لِلْأَمِيرِ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ.
لِأَنَّ أَمَانَ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ نَافِذٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ. فَكَأَنَّ الْأَمِيرَ هُوَ الَّذِي آمَنَهُ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ مَأْخُوذٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِيهِ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَبْطُلُ بِأَمَانِ الْوَاحِدِ الْحَقُّ الثَّابِتُ لِجَمَاعَتِهِمْ. وَأَمْنًا مِنْ الْقَتْلِ بِسَبَبِ الْأَمَانِ لَا يَكُونُ فَوْقَ أَمَانِهِ مِنْ الْقَتْلِ بِالْإِسْلَامِ.
٧٦٧ - وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ مَا أُسِرَ لَمْ يُقْتَلْ، وَلَكِنْ يَكُونُ فَيْئًا، فَكَذَلِكَ إذَا آمَنَهُ بَعْدَ الْأَسْرِ.
وَهَذَا لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الرَّقِيقِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ مَالِكُهُ مَا لَمْ يُقْسَمْ. وَإِسْلَامُ الرَّقِيقِ لَا يُزِيلُ الرِّقَّ عَنْهُ.
ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ إسْلَامَهُ بَعْدَ الْأَخْذِ لَا يُبْطِلُ الْحَقَّ الثَّابِتَ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ «حَدِيثُ الْعَبَّاسِ ﵁. فَإِنَّهُ أَسْلَمَ يَوْمَ بَدْرٍ بَعْدَ مَا أُسِرَ. وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: قَدْ قَتَلْنَا الرِّجَالَ وَأَسَرْنَاهُمْ، فَنَتْبَعُ الْعِيرَ الْآنَ. فَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ قَالَ
стр. 465
الْعَبَّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي وَثَاقِ الْأَسْرِ: هَذَا لَا يَصْلُحُ. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَك إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ. وَقَدْ أَنْجَزَهَا لَك فَارْجِعْ سَالِمًا» .
فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ إسْلَامِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَمَعَ ذَلِكَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْفِدَاءِ. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الْأَسْرَى إنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] الْآيَةَ.
٧٦٨ - فَإِنْ قَالَ: لَا أُسْلِمُ، وَلَكِنْ أَكُونُ ذِمَّةً لَكُمْ. فَلِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ ذَلِكَ وَيَقْتُلَهُ.
لِأَنَّهُ صَارَ مَأْخُوذًا مَقْهُورًا. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُفْتَرَضُ الْإِجَابَةُ إلَى إعْطَاءِ الذِّمَّةِ فِي حَقِّ مِثْلِهِ.
٧٦٩ - فَإِنْ كَانَ حِينَ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ خَافُوا أَنْ يُسْلِمَ فَكَعَمُوهُ - أَيْ سَدُّوا فَمَه، وَالْكِعَامُ اسْمٌ لِمَا يُسَدُّ بِهِ الْفَمُ.
أَوْ ضَرَبُوهُ حَتَّى يَشْتَغِلَ بِالضَّرْبِ فَلَا يُسْلِمُ، فَقَدْ أَسَاءُوا فِي ذَلِكَ.؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمْ فِي صُورَةِ الْمَنْعِ عَنْ الْإِسْلَامِ لِمَنْ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ، وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ. وَلَكِنَّهُمْ إنْ كَعَمُوهُ كَيْ لَا يَنْفَلِتَ وَلَمْ يُرِيدُوا بِهِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الْإِسْلَامِ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]
стр. 466
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَعَمُوهُ حَتَّى لَا يُسْلِمَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُفْرًا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ رَضَوْا بِكُفْرِهِ، وَمَنْ رَضِيَ بِكُفْرِ غَيْرِهِ يَكْفُرُ.
قُلْنَا: لِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يُسْلِمُ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ تَقِيَّةً لِيَنْجُوَ مِنْ الْقَتْلِ. فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ رِضًا مِنْهُمْ بِكُفْرِهِ.
وَالثَّانِي أَنَّ مَقْصُودَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الِانْتِقَامُ مِنْهُ وَالتَّشْدِيدُ عَلَيْهِ، لِكَثْرَةِ مَا آذَاهُمْ لَا عَلَى وَجْهِ الرِّضَى بِكُفْرِهِ. وَمَنْ تَأَمَّلَ قَوْله تَعَالَى ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] يَتَّضِحُ لَهُ هَذَا الْمَعْنَى.
وَأَيَّدَ هَذَا مَا رُوِيَ «أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ جَاءَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ (ص ١٦٩) يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ. حَتَّى جَاءَ إلَى كُلِّ جَانِبٍ هَكَذَا، فَقَالَ: بَايَعْنَاهُ فَلْيَنْصَرِفْ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَمَا كَانَ فِيكُمْ مَنْ يَقُومُ إلَيْهِ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ أُبَايِعَهُ؟ فَقَالُوا: أَهَلَّا أَوْمَأَتْ إلَيْنَا بِعَيْنِك يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» .
وَأَحَدٌ لَا يَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرْضَى بِكُفْرِهِ، وَلَكِنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ يُظْهِرُ فِي ذَلِكَ تَقِيَّةً. فَلِهَذَا أَعْرَضَ عَنْهُ وَقَالَ مَا قَالَ.
٧٧٠ - وَلَوْ أَنَّ الْأَسِيرَ قَالَ لِلْمُسْلِمِ حِينَ أَرَادَ قَتْلَهُ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ. فَقَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ. وَإِنَّمَا أَرَادَ رَدَّ كَلَامِهِ عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ عَلَى هَذَا. فَهَذَا فِي حَقِّهِ حَلَالُ الدَّمِ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُ. وَلَكِنْ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ يَمْنَعُهُ مِنْ قَتْلِهِ، وَلَا يُصَدِّقُهُ فِيمَا ادَّعَى مِنْ مُرَادِهِ.
стр. 467
لِأَنَّ سِيَاقَ كَلَامِهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ أَمَانٌ، وَلَكِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِمَا أَرَادَ. إلَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي ضَمِيرِهِ فَلَا يَقِفُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. فَأَمَّا الْأَمِيرُ وَالنَّاسُ يَتَتَبَّعُونَ الظَّاهِرَ فَلَا يُمَكِّنُونَهُ مِنْ قَتْلِهِ بَعْدَ مَا آمَنَهُ. وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ هُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ قَتْلِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَى ضَمِيرِهِ.
٧٧١ - وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ تَطْلُبُ؟ أَوْ قَالَ: لَا تُعَجِّلْ حَتَّى تَنْظُرَ مَا تَلْقَى. فَهَذَا لَا يَكُونُ أَمَانًا، وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ.
لِأَنَّ فِي سِيَاقِ كَلَامِهِ تَنْصِيصًا عَلَى مَعْنَى التَّهْدِيدِ، وَسِيَاقُ النَّظْمِ دَلِيلٌ عَلَى تَرْكِ الْحَقِيقَةِ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: ٢٩] أَنَّهُ زَجْرٌ وَتَوْبِيخٌ لَا تَخْيِيرٌ بِاعْتِبَارِ سِيَاقِ الْكَلَامِ؟
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] تَهْدِيدٌ وَلَيْسَ بِأَمْرٍ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: افْعَلْ فِي مَالِي مَا شِئْت إنْ كُنْت رَجُلًا، أَوْ افْعَلْ بِي مَا شِئْت إنْ كُنْت صَادِقًا، لَا يَكُونُ إذْنًا بَلْ يَكُونُ زَجْرًا وَتَقْرِيعًا. فَكَذَلِكَ هَا هُنَا إذَا قَالَ الْمُسْلِمُ: الْأَمَانَ، سَتَعْلَمُ أُؤَمِّنُكَ أَوْ لَا، تَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ رَدَّ كَلَامِهِ.
٧٧٢ - وَإِذَا قَالَ: الْأَمَانَ وَسَكَتَ. لَا يُعْلَمُ مَا فِي ضَمِيرِهِ فَجُعِلَ ذَلِكَ أَمَانًا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ.
بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: افْعَلْ فِي مَالِي كَذَا وَكَذَا، يَكُونُ إذْنًا، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِهِ التَّهْدِيدَ، لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ.
стр. 468
وَلَوْ أَنَّ الْمُشْرِكَ نَادَى مِنْ الْحِصْنِ قَبْلَ أَنْ يَظْفَرَ بِهِ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ. فَقَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ. فَرَمَى بِنَفْسِهِ إلَى الْمُسْلِمِينَ.
فَقَالَ الَّذِي آمَنَهُ: إنَّمَا أَرَدْت التَّهْدِيدَ، لَا يُلْتَفَتُ إلَى كَلَامِهِ، وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ لَهُ ذَلِكَ أَوْ غَيْرُهُ.
لِأَنَّ مَا فِي ضَمِيرِهِ لَا يَعْرِفُهُ الْمُشْرِكُ. فَلَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ أَدَّى إلَى الْغُرُورِ وَهَذَا حَرَامٌ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْأَسِيرَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْهُورًا مَأْخُوذًا. فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْغُرُورِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ فَيُعْتَبَرُ مَا فِي ضَمِيرِهِ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً.
٧٧٤ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ قَالَ لِلْمَحْصُورِ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ، مَا أَبْعَدَك عَنْ ذَلِكَ أَوْ انْزِلْ إنْ كُنْت رَجُلًا. فَأَسْمَعَهُ الْكَلَامَ كُلَّهُ بِلِسَانِهِ، فَرَمَى الْمُشْرِكُ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ فَيْءٌ يَجُوزُ قَتْلُهُ.
لِأَنَّهُ لَمْ يُغْرِهِ فِي شَيْءٍ، فَقَدْ أَسْمَعَهُ مَا هَدَّدَهُ بِهِ، وَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ كَلَامَهُ تَهْدِيدٌ وَلَيْسَ بِإِعْطَاءِ الْأَمَانِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ لِآخَرَ: لِي عَلَيْكُمْ أَلْفُ دِرْهَمٍ.
فَيَقُولُ الْآخَرُ: لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ مَا أَبْعَدَك مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَلَامُهُ إقْرَارًا لِهَذَا الْمَعْنَى. فَأَمَّا إذَا أَسْمَعَهُ ذِكْرَ الْأَمَانِ وَلَمْ يُسْمِعْهُ مَا وَصَلَ بِهِ فَهُوَ آمِنٌ، لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ مَا أَسْمَعَهُ دُونَ مَا لَمْ يُسْمِعْهُ. وَمَا لَمْ يُسْمِعْهُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا فِي ضَمِيرِهِ لَوْ اُعْتُبِرَ أَدَّى إلَى الْغُرُورِ، وَالْغُرُورُ حَرَامٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص ١٧٠)
[بَابُ مَا يَكُونُ أَمَانًا مِمَّنْ يَدْخُلُ دَارَ الْحَرْبِ وَالْأَسْرَى وَمَا لَا يَكُونُ أَمَانًا]
٧٧٥ -
стр. 469
بَابُ مَا يَكُونُ أَمَانًا مِمَّنْ يَدْخُلُ دَارَ الْحَرْبِ وَالْأَسْرَى، وَمَا لَا يَكُونُ أَمَانًا وَلَوْ أَنَّ رَهْطًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا أَوَّلَ مَسَالِحِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَقَالُوا: نَحْنُ رُسُلُ الْخَلِيفَةِ. وَأَخْرَجُوا كِتَابًا يُشْبِهُ كِتَابَ الْخَلِيفَةِ، أَوْ لَمْ يُخْرِجُوا، وَكَانَ ذَلِكَ خَدِيعَةً مِنْهُمْ لِلْمُشْرِكِينَ. فَقَالُوا لَهُمْ: اُدْخُلُوا. فَدَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ. فَلَيْسَ يَحِلُّ لَهُمْ قَتْلُ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلَا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا دَامُوا فِي دَارِهِمْ.
لِأَنَّ مَا أَظْهَرُوهُ لَوْ كَانَ حَقًّا كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَهْلُ الْحَرْبِ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ أَيْضًا لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ بِشَيْءٍ، هُوَ الْحُكْمُ فِي الرُّسُلِ إذَا دَخَلُوا إلَيْهِمْ كَمَا بَيَّنَّا.
٧٧٦ - فَكَذَلِكَ إذَا أَظْهَرُوا ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُمْ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى مَا فِي بَاطِنِ الدَّاخِلِينَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى مَا يُظْهِرُونَ لِوُجُوبِ التَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ، وَهَذَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ أَمْرَ الْأَمَانِ شَدِيدٌ وَالْقَلِيلُ مِنْهُ يَكْفِي.
فَيُجْعَلُ مَا أَظْهَرُوهُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِئْمَانِ مِنْهُمْ. وَلَوْ اسْتَأْمَنُوا فَآمَنُوهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفُوا لَهُمْ.
стр. 470
فَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ مَا هُوَ دَلِيلُ الِاسْتِئْمَانِ. - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا: جِئْنَا نُرِيدُ التِّجَارَةَ. وَقَدْ كَانَ قَصْدُهُمْ أَنْ يَغْتَالُوهُمْ.
لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا تُجَّارًا حَقِيقَةً كَمَا أَظْهَرُوا لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَغْدِرُوا بِأَهْلِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَظْهَرُوا ذَلِكَ لَهُمْ.
٧٧٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ لَقُوهُمْ فِي وَسَطِ دَارِ الْحَرْبِ إلَّا أَنَّ مَا كَانُوا أَخَذُوا قَبْل أَنْ يَلْقَوْهُمْ، فَهُوَ سَالِمٌ لَهُمْ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِشَيْءٍ بَعْدَ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ حِينَ خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ بِنَاءً عَلَى مَا أَظْهَرُوا فَكَأَنَّهُمْ آمَنُوهُمْ الْآنَ. وَذَلِكَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ التَّعَرُّضَ لَهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ رَدُّ شَيْءٍ مِمَّا أَصَابُوا قَبْلَ ذَلِكَ.
٧٧٩ - وَلَوْ كَانُوا تَشَبَّهُوا بِالرُّومِ وَلَبِسُوا لِبَاسَهُمْ، فَلَمَّا قَالُوا لَهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ الرُّومِ كُنَّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ. وَانْتَسَبُوا لَهُمْ إلَى مَنْ يَعْرِفُونَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ لَمْ يَنْتَسِبُوا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلُوا مَنْ يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَيَأْخُذُوا الْأَمْوَالَ.
لِأَنَّ مَا أَظْهَرُوا لَوْ كَانَ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ أَمَانٌ. فَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَيْسَ فِي أَمَانٍ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى لَوْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَالٍ بِمِلْكِهِ، وَإِذَا أَسْلَمَ عَلَيْهِ كَانَ سَالِمًا لَهُ. يُوَضِّحُهُ أَنَّهُمْ مَا خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ بِنَاءً عَلَى اسْتِئْمَانٍ
стр. 471
مِنْهُمْ صُورَةً أَوْ مَعْنًى، وَإِنَّمَا خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ عَلَى بِنَاءِ أَنَّهُمْ مِنْهُمْ. فَهَذَا وَقَوْلُهُمْ: نَحْنُ مِنْكُمْ، سَوَاءٌ.
٧٨٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَتَوْهُمْ نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَذِنُوا لَهُمْ فِي الدُّخُولِ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.
لِأَنَّهُمْ خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْهُمْ، وَأَنَّ الدَّارَ تَجْمَعُهُمْ، وَالْإِنْسَانُ فِي دَارِ نَفْسِهِ لَا يَكُونُ مُسْتَأْمَنًا. وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْمُتَخَصِّرِ فِي الْجَنَّةِ حِينَ قَالَ لِسُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: جِئْت لِأَنْصُرَك وَأُكْثِرَك وَأَكُونَ مَعَك. ثُمَّ قَتَلَهُ. فَدَلَّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكُونُ أَمَانًا.
وَقَدْ بَيَّنَّا تَفْسِيرَ الْمُتَخَصِّرِ فِيمَا سَبَقَ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ الْعَامِلِينَ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ الْمُتَخَصِّرُونَ» . يَعْنِي الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ الطَّاعَاتِ مَا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهَا فِي الْجَنَّةِ وَيَنَالُونَ بِهَا مِنْ الدَّرَجَاتِ، كَمَا يَتَوَكَّأُ الرَّجُلُ عَلَى عَصَاهُ فِي الدُّنْيَا يَضَعُهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ.
стр. 472
وَلَوْ أَنَّ رَهْطًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أُسَرَاءَ فِي أَيْدِيهِمْ فَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ، لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ أَحَبُّوا مِنْهُمْ، وَيَأْخُذُوا الْأَمْوَلَ وَيَهْرُبُوا إنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَقْهُورِينَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَقَبْلَ أَنْ يُخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، لَوْ قَدَرُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَا أَظْهَرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَا يَكُونُ دَلِيلَ الِاسْتِئْمَانِ، وَمَا خَلَّوْهُمْ عَلَى سَبِيلِ إعْطَاءِ الْأَمَانِ بَلْ عَلَى وَجْهِ قِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِهِمْ وَالِالْتِفَاتِ إلَيْهِمْ.
٧٨٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا لَهُمْ: قَدْ آمَنَّاكُمْ فَاذْهَبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ، وَلَمْ تَقُلْ الْأُسَرَاءُ (ص ١٧١) شَيْئًا.
لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ التَّعَرُّضُ لَهُمْ بِالِاسْتِئْمَانِ صُورَةً أَوْ مَعْنًى، فَبِهِ يَلْتَزِمُونَ الْوَفَاءَ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ ذَلِكَ، وَقَوْلُ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يُلْزِمُهُمْ شَيْئًا لَمْ يَلْتَزِمُوهُ.
٧٨٣ - بِخِلَافِ مَا إذَا جَاءُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ: اُدْخُلُوا فَأَنْتُمْ آمِنُونَ.
لِأَنَّ هُنَاكَ جَاءُوا عَنْ اخْتِيَارٍ مَجِيءَ الْمُسْتَأْمَنِينَ، فَإِنَّهُمْ حِينَ ظَهَرُوا لِأَهْلِ الْحَرْبِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكُونُونَ مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ بِالْقُوَّةِ، فَكَأَنَّهُمْ اسْتَأْمَنُوهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ. وَأَمَّا الْأُسَرَاءُ فَحَصَلُوا فِي دَارِهِمْ مَقْهُورِينَ لَا عَنْ اخْتِيَارٍ مِنْهُمْ، فَلَا بُدَّ لِلِاسْتِئْمَانِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
٧٨٤ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ لَقُوا الْأُسَرَاءَ فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا:
стр. 473
نَحْنُ قَوْمٌ تُجَّارٌ دَخَلْنَا بِأَمَانِ أَصْحَابِكُمْ. أَوْ قَالُوا: نَحْنُ رُسُلُ الْخَلِيفَةِ. فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَقْتُلُوا أَحَدًا مِنْهُمْ.
لِأَنَّهُمْ أَظْهَرُوا مَا هُوَ دَلِيلُ الِاسْتِئْمَانِ. فَيُجْعَلُ ذَلِكَ اسْتِيمَانًا مِنْهُمْ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَغْدِرُوا بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ.
مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ.
- فَإِنْ عَلِمَ أَهْلُ الْحَرْبِ أَنَّهُمْ أُسَرَاءُ فَأَخَذُوهُمْ ثُمَّ انْفَلَتُوا مِنْهُمْ حَلَّ لَهُمْ قِتَالُهُمْ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ.
لِأَنَّ حُكْمَ الِاسْتِئْمَانِ إلَيْهِمْ يَرْتَفِعُ بِمَا فَعَلُوا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ لَوْ غَدَرَ بِهِمْ مَلِكُ أَهْلِ الْحَرْبِ فَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَحَبَسَهُمْ، ثُمَّ انْفَلَتُوا، حَلَّ لَهُمْ قَتْلُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ؟ بِاعْتِبَارِ أَنَّ ذَلِكَ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ مِنْ مَلِكِهِمْ.
٧٨٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ رَجُلٌ بِأَمْرِ مَلِكِهِ أَوْ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنَّ السَّفِيهَ إذَا لَمْ يُنْهَ مَأْمُورٌ. فَأَمَّا إذَا فَعَلُوا بِغَيْرِ عِلْمِ الْأَمِيرِ أَوْ عِلْمِ جَمَاعَتِهِمْ لَمْ يَحِلَّ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ أَنْ يَسْتَحِلُّوا حَرِيمَ الْقَوْمِ بِمَا صَنَعَ هَذَا بِهِمْ.
لِأَنَّ فِعْلَ الْوَاحِدِ مِنْ عَرْضِهِمْ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا هَذَا ظُلْمٌ مِنْهُ إيَّاهُمْ، فَيَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَنْتَصِفُوا مِنْهُ بِاسْتِرْدَادِ عَيْنِ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ أَوْ مِثْلِهِ إنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِشَيْءٍ سِوَى هَذَا لِأَنَّ الظَّالِمَ لَا يُظْلَمُ وَلَكِنْ يُنْتَصَفُ مِنْهُ بِالْمِثْلِ فَقَطْ.
стр. 474
وَلَوْ كَانَ الْأُسَرَاءُ قَالُوا لَهُمْ حِينَ أَخَذُوهُمْ: نَحْنُ قَوْمٌ مِنْكُمْ: فَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ. حَلَّ لَهُمْ قَتْلُهُمْ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَا أَظْهَرُوهُ لَيْسَ بِاسْتِئْمَانٍ.
٧٨٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا أَسْلَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْأُسَرَاءِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.
لِأَنَّ حُصُولَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْمَانِ.
٧٨٩ - وَلَوْ كَانَ الَّذِينَ لَقِيَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ بُرْجَانِ جِئْنَا مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ بِالْأَمَانِ. أَمَّنَنَا بَعْضُ مَسَالِحِكُمْ لِنَلْحَقَ بِبِلَادِنَا. فَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ، لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَعْرِضُوا بَعْدَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ.
وَبُرْجَانُ هَذَا اسْمُ نَاحِيَةٍ وَرَاءَ الرُّومِ، بَيْنَ أَهْلِهَا وَبَيْنَ أَهْلِ الرُّومِ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ. وَلَا يَتَمَكَّنُ بَعْضُهُمْ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى بَعْضٍ إلَّا بِالِاسْتِئْمَانِ.
فَمَا أَظْهَرُوهُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِئْمَانِ. أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ حَقًّا لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ؟
٧٩٠ - فَكَذَلِكَ إذَا أَظْهَرُوا ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. مَا لَمْ يَرْجِعُوا إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ رَجَعُوا فَقَدْ انْتَهَى حُكْمُ ذَلِكَ الِاسْتِئْمَانِ وَإِذَا دَخَلُوا دَارَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَصْنَعُوا بِهِمْ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ.
стр. 475
لِأَنَّهُمْ الْآنَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَلَصِّصِينَ فِيهِمْ، سَوَاءٌ عَلِمُوا بِرُجُوعِهِمْ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا.
لِأَنَّ رُجُوعَهُمْ إنَّمَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ لِتَقْصِيرٍ مِنْهُمْ فِي حِفْظِ حَرِيمِهِمْ، بِخِلَافِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ فِيمَا سَبَقَ.
٧٩١ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَخَذُوا أُسَرَاءَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَأَرَادُوا قَتْلَهُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَنَا مُسْلِمٌ. فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ حَتَّى يَسْأَلُوهُ عَنْ الْإِسْلَامِ. لَا لِأَنَّهُ سَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَكِنْ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى (ص ١٧٢) : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْت مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤] ،
وَلِأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ مُبْهَمٍ فَيُسْتَفْسَرُ. وَلَيْسَ مِنْ الِاحْتِيَاطِ الْمُبَادَرَةُ إلَى قَتْلِهِ قَبْلَ الِاسْتِفْسَارِ.
٧٩٢ - فَإِنْ وَصَفَ الْإِسْلَامَ حِينَ سَأَلُوهُ عَنْهُ فَهُوَ مُسْلِمٌ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ، وَهُوَ فَيْءٌ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ.
لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ ابْتِدَاءُ الْإِسْلَامِ لَمَّا لَمْ يُعْرَفْ إسْلَامُهُ قَبْلَ هَذَا. وَذَاكَ يُؤَمِّنُهُ مِنْ الْقَتْلِ دُونَ الِاسْتِرْقَاقِ.
٧٩٣ - فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ. وَأَكْبَرُ الظَّنِّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى يَجِبَ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهِ
стр. 476
لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ فِيمَا بُنِيَ أَمْرُهُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَفِيمَا يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ فِيهِ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ.
٧٩٤ - وَلَوْ قَالَ: لَسْت بِمُسْلِمٍ، وَلَكِنْ اُدْعُونِي إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى أُسْلِمَ، لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهُ أَيْضًا.
لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «فَادْعُوهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَكَانَ لَا يُقَاتِلُ قَوْمًا حَتَّى يَدْعُوَهُمْ وَلَوْ أَرَدْنَا قِتَالَ قَوْمٍ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُقَاتِلَهُمْ حَتَّى نَدْعُوَهُمْ. وَرُبَّمَا يُجِيبُونَ وَرُبَّمَا يَمْتَنِعُونَ.
فَهَذَا الَّذِي طَلَبَ مِنَّا أَنْ نَدْعُوَهُ وَأَظْهَرَ مِنْ نَفْسِهِ الْإِجَابَةَ إلَى ذَلِكَ أَوْلَى أَنْ لَا يَحِلَّ قَتْلُهُ قَبْلَ الدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ.
٧٩٥ - وَلَوْ قَالَ: أَنَا مُسْلِمٌ: فَاسْتُوْصِفَ الْإِسْلَامَ فَأَبَى أَنْ يَصِفَهُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَصِفُوا الْإِسْلَامَ، ثُمَّ يَقُولُوا لَهُ: أَنْتَ عَلَى هَذَا؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ. فَهُوَ مُسْلِمٌ.
وَإِنْ قَالَ: لَسْت عَلَى هَذَا، أَوْ قَالَ: مَا أَعْرِفُ هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ، فَهُوَ حَلَالُ الدَّمِ. إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لَهُ الْإِمَامُ: أَتَدْخُلُ فِي هَذَا الَّذِي دَعَوْنَاك إلَيْهِ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ. لَمْ نَقْتُلْهُ. وَكَانَ فَيْئًا. وَإِنْ قَالَ: لَا، فَحِينَئِذٍ يُضْرَبُ عُنُقُهُ.
وَبِهَذَا الْفَصْلِ يَتَبَيَّنُ الْجَوَابُ فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ وَالْجَارِيَةِ أَنَّهُ إذَا اسْتَوْصَفَهَا الْإِسْلَامَ فَلَمْ تُحْسِنْ أَنْ تَصِفَهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَصِفَ الْإِسْلَامَ بَيْنَ يَدَيْهَا وَيَقُولُ: أَنَا عَلَى هَذَا. وَظَنِّي بِكِ أَنَّكِ عَلَى هَذَا. فَإِنْ قَالَتْ: نَعَمْ. فَذَلِكَ يَكْفِي. وَتَكُونُ مُسْلِمَةً يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِالنِّكَاحِ وَالْمِلْكِ.
[بَابُ أَمْنِ الرَّسُولِ وَالْمُسْتَأْمَنِ إذَا خِيفَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى بَعْضِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ]
٧٩٦ -
стр. 477
بَابُ أَمْنِ الرَّسُولِ وَالْمُسْتَأْمَنِ إذَا خِيفَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى بَعْضِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ أَنَّ رَسُولَ مَلِكِ أَهْلِ الْحَرْبِ جَاءَ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَتَهُ بِمَنْزِلَةِ مُسْتَأْمَنٍ جَاءَ لِلتِّجَارَةِ.
لِأَنَّ فِي مَجِيءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ.
٧٩٧ - فَإِنْ أَرَادَا الرُّجُوعَ فَخَافَ الْأَمِيرُ أَنْ يَكُونَا قَدْ رَأَيَا لِلْمُسْلِمِينَ عَوْرَةً فَيَدُلَّانِ عَلَيْهَا الْعَدُوَّ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْبِسَهُمَا عِنْدَهُ حَتَّى يَأْمَنَ مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ فِي حَبْسِهِمَا نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ وَدَفْعَ الْفِتْنَةِ عَنْهُمْ. وَإِذَا جَازَ حَبْسُ الدَّاعِرِ لِدَفْعِ فِتْنَتِهِ وَإِنْ لَمْ نَتَحَقَّقْ مِنْهُ خِيَانَةً فَلَأَنْ يَجُوزَ حَبْسُ هَذَيْنِ أَوْلَى.
٧٩٨ - فَإِنْ قَالَا لِلْإِمَامِ: خَلِّ سَبِيلَنَا وَإِنَّا عِنْدَك بِأَمَانٍ. لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُمَا.
стр. 478
لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا يَدُلَّانِ الْعَدُوَّ عَلَى مَا رَأَيَا مِنْ الْعَوْرَةِ. فَإِنَّ اعْتِقَادَهُمَا يَحْمِلُهُمَا عَلَى ذَلِكَ. وَأَيَّدَ هَذَا الظَّاهِرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] .
٧٩٩ - وَإِنْ قَالَا: نَحْلِفُ أَنْ لَا نُخْبِرَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. لَمْ يُصَدِّقْهُمَا فِي ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَكُونُ حُجَّةً لِمَنْ شَهِدَ الظَّاهِرُ لَهُ. وَالظَّاهِرُ هُنَا يَشْهَدُ بِخِلَافِ مَا يَقُولَانِ. فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى يَمِينِهِمَا. وَأَيَّدَ هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] أَيْ لَا أَيْمَانَ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ. وَهَذِهِ الْيَمِينُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْتَمِدَهَا، وَلَكِنَّهُ يَحْبِسُهُمَا عِنْدَهُ حَتَّى يَأْمَنَ.
إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَيِّدَهُمَا وَلَا أَنْ يَغُلَّهُمَا.
لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لَهُمَا، وَهُمَا فِي أَمَانٍ مِنْهُ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمَا مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُمَا خِيَانَةً.
فَإِنْ قِيلَ: فَفِي الْحَبْسِ (ص ١٧٣) تَعْذِيبٌ أَيْضًا.
قُلْنَا: لَا نَعْنِي بِقَوْلِنَا يَحْبِسُهُمَا الْحَبْسَ فِي السِّجْنِ. فَإِنَّ ذَلِكَ تَعْذِيبٌ. وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ أَنَّهُ يَمْنَعُهُمَا مِنْ الرُّجُوعِ وَيَجْعَلُ مَعَهُمَا حَرَسًا يَحْرُسُونَهُمَا. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْقَدْرِ تَعْذِيبٌ لَهُمَا بَلْ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَئِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ تَعْذِيبٍ مِنْ حَيْثُ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ وَطَنِهِمَا فَالْمَقْصُودُ دَفْعُ ضَرَرٍ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. وَإِذَا لَمْ نَجِدْ بُدًّا مِنْ إيصَالِ الضَّرَرِ إلَى بَعْضِ النَّاسِ، تَرَجَّحَ أَهْوَنُ الضَّرَرَيْنِ عَلَى أَعْظَمِهِمَا. ثُمَّ هَذَا الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِحَرَسٍ يَجْعَلُهُ مَعَهُمَا. فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمَا فَوْقَ ذَلِكَ بِالتَّقْيِيدِ.
стр. 479
فَإِنْ حَضَرَ قِتَالٌ وَشُغِلَ عَنْهُمَا الْحَرَسُ وَخَافَ انْفِلَاتَهُمَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَيِّدَهُمَا حَتَّى يَذْهَبَ ذَلِكَ الشُّغْلُ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ الضَّرَرِ.
فَإِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ الشُّغْلُ حَلَّ قُيُودَهُمَا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا.
٨٠٠ - وَإِنْ سَارَ الْإِمَامُ رَاجِعًا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِمَا مَعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ مِمَّا يَخَافُ عَنْهُمَا، ثُمَّ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُمَا.
لِأَنَّ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ دَفْعُ الْفِتْنَةِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ
٨٠١ - فَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ مِنْهُمَا حَتَّى يَدْخُلَ أَرْضَ الْإِسْلَامِ لَمْ يُخَلِّ سَبِيلَهُمَا حَتَّى يَدْخُلَ أَرْضَ الْإِسْلَامِ.
لِأَنَّ الْفِتْنَةَ فِي تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ تَعْظُمُ عَنْهُمَا. وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَحَرَّزَ وَيَجْتَهِدَ لِدَفْعِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الْعَسْكَرِ.
فَإِنْ أَبَيَا أَنْ يَبْرَحَا مَكَانَهُمَا أَكْرَهَهُمَا عَلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّ فِي مَوْضِعِ النَّظَرِ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ الْإِكْرَاهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا وَقَعَ النَّفِيرُ عَامًّا كَانَ لَهُ أَنْ يُجْبِرَ النَّاسَ عَلَى الْخُرُوجِ؟ وَفِي نَظِيرِهِ قَالَ عُمَرُ ﵁: " لَوْ تُرِكْتُمْ لَبِعْتُمْ أَوْلَادَكُمْ ".
٨٠٢ - فَإِنْ وَصَلَ إلَى مَأْمَنِهِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَمَرَهُمَا بِالِانْصِرَافِ فَسَأَلَاهُ أَنْ يُعْطِيَهُمَا مَالًا يَتَجَهَّزَانِ بِهِ إلَى بِلَادِهِمَا فَإِنَّهُ يَنْبَغِي
стр. 480
لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمَا مِنْ النَّفَقَةِ مَا يُبَلِّغُهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَبَيَا أَنْ يَصْحَبَاهُ مِنْهُ.
لِأَنَّهُ جَاءَ بِهِمَا مُكْرَهَيْنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ
، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا إلَيْهِ. وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ تِلْكَ الْمُؤْنَةُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ نَائِبَةٍ تَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ.
٨٠٣ - وَفِيمَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ قَدْ أَتَيَا اخْتِيَارًا مِنْهُمَا، فَلَا يُعْطِيهِمَا لِلرُّجُوعِ نَفَقَةً، وَإِنَّمَا يُعْطِي هَذِهِ النَّفَقَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا لَمْ تُصِبْ الْجُنْدُ غَنِيمَةً، أَوْ أَصَابُوهَا وَاقْتَسَمُوهَا. فَأَمَّا إذَا أَصَابُوا غَنِيمَةً وَلَمْ تُقْسَمْ بَعْدُ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِمَا النَّفَقَةَ مِنْ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُ أَكْرَهَهُمَا عَلَى ذَلِكَ نَظَرًا مِنْهُ لِلْجُنْدِ خَاصَّةً. فَيَكُونُ الْمُؤْنَةُ مِنْ مَالٍ هُوَ حَقٌّ لِلْجُنْدِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ لِحَمْلِ الْغَنَائِمِ أَوْ سَوْقِهَا أَوْ حِفْظِهَا.
٨٠٤ - وَكَذَلِكَ إذَا مَنَعَهُمَا مِنْ الرُّجُوعِ وَأَكْرَهَهُمَا عَلَى الْمُقَامِ مَعَهُ.
فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمَا مِنْ غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ
٨٠٥ - وَإِذَا حَمَلَهُمَا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَعَ نَفْسِهِ عَلَى الدَّوَابِّ مِنْ غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّهُمَا آمِنَانِ عِنْدَهُ. وَالتَّحَرُّزُ عَنْ الْغَدْرِ وَاجِبٌ. فَإِذَا حَبَسَهُمَا لِمَنْفَعَةِ الْغَانِمِينَ أَنْفَقَ عَلَيْهِمَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَاتِ يُعْطَى الْكِفَايَةَ مِنْ
стр. 481
مَالِ الصَّدَقَةِ. وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً عِنْدَ الزَّوْجِ لِحَقِّهِ اسْتَوْجَبَتْ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ.
٨٠٦ - فَإِنْ أَرَادَ تَخْلِيَةَ سَبِيلِهَا بَعْدَ مَا أَمِنَ، وَكَانَ هُوَ فِي مَوْضِعٍ يَخَافَانِ فِيهِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْظُرَ لَهُمَا، وَلَا يُخَلِّي سَبِيلَهُمَا إلَّا فِي مَوْضِعٍ لَا يُخَافُ عَلَيْهِمَا فِيهِ.
لِأَنَّهُمَا تَحْتَ وِلَايَتِهِ وَفِي أَمَانِهِ. وَهُوَ مَأْمُورٌ بِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمَا. فَكَمَا يَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَا يُزِيلُ الْخَوْفَ عَنْهُمْ فَكَذَلِكَ يَنْظُرُ لَهُمَا.
أَرَأَيْت (ص ١٧٤) لَوْ حَمَلَهُمَا مَعَهُ فِي الْبَحْرِ. فَلَمَّا انْتَهَى إلَى جَزِيرَةٍ أَمِنَ فِيهَا، أَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُمَا فِي تِلْكَ الْجَزِيرَةِ؟ لَا، وَلَكِنْ يَحْمِلُهُمَا إلَى مَوْضِعٍ لَا يَخَافُ عَلَيْهِمَا فِيهِ الضَّيْعَةَ. ثُمَّ يُعْطِيهِمَا مَا يَكْفِيهِمَا لِجِهَازِهِمَا وَحُمْلَانِهِمَا.
٨٠٧ - وَإِنْ كَانَا لَا يَأْمَنَانِ مِنْ اللُّصُوصِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُمَا قَوْمًا يُبَلِّغُونَهُمَا مَأْمَنَهُمَا. لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَكِنَّهُ رُبَّمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ فَيَسْتَعِينُ عَلَيْهِ بِقَوْمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
٨٠٨ - فَإِنْ كَانَا لَا يَبْلُغَانِ مَأْمَنَهُمَا حَتَّى يَبْلُغَا مَوْضِعًا يَخَافُ فِيهِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا مَعَهُمَا. فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُمَا إلَى أَبْعَدِ مَوْضِعٍ يَأْمَنُ فِيهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ يُخَلِّي سَبِيلَهُمَا لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
стр. 482
لِأَنَّ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ تَعْرِيضَ الْمُسْلِمِينَ لِلْهَلَاكِ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُ لِدَفْعِ الْخَوْفِ عَنْ الْمُشْرِكِينَ. ثُمَّ إنْ أَجْبَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ يَذْهَبُوا مَعَهُمَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَخَافُونَ فِيهِ فَقُتِلُوا كَانَ هُوَ السَّاعِي فِي دَمِهِمْ. وَإِنْ تَرَكَهُمَا لِيَذْهَبَا فَأُصِيبَا لَمْ يَكُنْ هُوَ سَاعِيًا فِي دَمِهِمَا. فَكَانَ هَذَا أَهْوَنَ الْأَمْرَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 483
[بَابُ أَهْلِ الْحِصْنِ يُؤَمِّنُهُمْ الرَّجُلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جُعْلٍ أَوْ غَيْرِ جُعْلٍ]
ٍ ٨٠٩ - وَإِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا وَفِيهَا أَسِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَآمَنَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ بِهِمْ لَيْلًا حَتَّى أَدْخَلَهُمْ الْمُعَسْكَرَ فَهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ الَّذِي أَمَّنَهُمْ كَانَ مَقْهُورًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْهُمْ، وَأَمَانُ مِثْلِهِ بَاطِلٌ. وَلِأَنَّهُ مَا قَصَدَ بِهَذَا الْأَمَانِ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ تَخْلِيصَ نَفْسِهِ. وَلَوْ صَحَّحْنَا أَمَانَ مِثْلِهِ لَمْ يَتَوَصَّلْ الْمُسْلِمُونَ إلَى فَتْحِ الْحِصْنِ مِنْ حُصُونِهِمْ قَهْرًا، فَقَلَّ مَا يَخْلُو حِصْنٌ عَنْ أَسِيرٍ فَإِذَا أَيْقَنُوا بِالْفَتْحِ أَمَرُوا الْأَسِيرَ حَتَّى يُؤَمِّنَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَسِيرٌ، أَمَرُوا رَجُلًا مِنْهُمْ حَتَّى يُسْلِمَ ثُمَّ يُؤَمِّنَهُمْ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ وَحُكْمُ الْأَسِيرِ سَوَاءً. فَلِأَجْلِ هَذِهِ الْمَعَانِي قُلْنَا: هُمْ جَمِيعًا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
٨١٠ - وَفِي الْقِيَاسِ لَا بَأْسَ بِقَتْلِ رِجَالِهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ الْبَاطِلَ لَا يُحَرِّمُ الْقَتْلَ، كَمَا لَوْ حَصَلَ مِنْ صَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ أَوْ مِنْ كَافِرٍ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ رِجَالَهُمْ. لِوَجْهَيْنِ:
стр. 484
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ ﵇ «يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» الْحَدِيثَ، يَعُمُّ الْأَسِيرَ وَغَيْرَهُ وَهَذَا الظَّاهِرُ وَإِنْ تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ بِنَفْيِ شُبْهَةٍ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَوْمَ إنَّمَا جَاءُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ لِلِاسْتِئْمَانِ لَا لِلْقِتَالِ فَإِنَّهُمْ جَاءُوا بِاعْتِبَارِ أَمَانِ الْأَسِيرِ إيَّاهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَحْصُورَ إذَا جَاءَ عَلَى هَيْئَةٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ تَارِكٌ لِلْقِتَالِ بِأَنْ أَلْقَى، السِّلَاحَ وَنَادَى بِالْأَمَانِ وَجَاءَ فَإِنَّهُ يَأْمَنُ الْقَتْلَ. فَهَؤُلَاءِ أَيْضًا يَأْمَنُونَ مِنْ الْقَتْلِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ مِنْ الِاسْتِرْقَاقِ، فَنُخَمِّسُهُمْ وَنَقْسِمُهُمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الَّذِي أَمَّنَهُمْ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ، أَوْ كَانَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَسْلَمَ فَالْمَعْنَى يَجْمَعُ الْكُلَّ.
٨١١ - وَلَوْ أَمَّنَهُمْ مُسْلِمٌ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَأَمَانُهُ جَائِزٌ.
لِأَنَّهُ آمِنٌ مِنْهُمْ، مُمْتَنِعٌ فِي عَسْكَرِهِ فَأَمَانُهُ كَأَمَانِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
٨١٢ - فَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ حِصْنِهِمْ بَعْدَ نَبْذِ الْإِمَامِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَمَّنَهُمْ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ رَأَى النَّظَرَ فِي قِتَالِهِمْ، فَإِنْ خَرَجُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ وَقَالُوا: آمَنَنَا فُلَانٌ، لَمْ نُصَدِّقْهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَشْهَدَ عَدْلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 485
لِأَنَّهُمْ صَارُوا فَيْئًا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَقَدْ ادَّعَوْا مَا يُسْقِطُ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ (ص ١٧٥) عَدْلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ ذَلِكَ الرَّجُلِ: إنِّي آمَنْتُهُمْ. لِأَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ هُوَ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ.
لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَلَا شَهَادَةَ لِلْمَرْءِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ
٨١٣ - فَإِنْ شَهِدَ عَدْلَانِ سَوَاء وَجَبَ تَبْلِيغُهُمْ مَأْمَنَهُمْ.
لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً.
٨١٤ - وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ إلَّا قَوْلُ ذَلِكَ الرَّجُلِ، كَانُوا فَيْئًا، إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ رِجَالُهُمْ اسْتِحْسَانًا لِلشُّبْهَةِ الَّتِي تَمَكَّنَتْ فَإِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أَخْبَرَ بِحُرْمَةِ قَتْلِهِمْ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لِلصِّدْقِ، وَحُرْمَةُ الْقَتْلِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ؛ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي أَمْرِ الدِّينِ حُجَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي إلْزَامِ الْحُكْمِ. فَلِهَذَا لَا يُقْتَلُونَ.
٨١٥ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ آمَنَهُمْ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ أَخَذَهَا مِنْهُمْ ثُمَّ عَلِمَ بِذَلِكَ الْإِمَامُ وَهُمْ فِي حِصْنِهِمْ فَهُوَ بِالْخِيَارِ.
стр. 486
إنْ شَاءَ أَجَازَ أَمَانَهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَأَخَذَ الدَّنَانِيرَ، فَكَانَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ رَأَى النَّظَرَ فِي إنْشَاءِ الْأَمَانِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا رَأَى النَّظَرَ فِي أَنْ يُجِيزَ أَمَانَ غَيْرِهِ.
ثُمَّ الْمَالُ مَأْخُوذٌ بِقُوَّةِ الْعَسْكَرِ فَيَكُونُ فَيْئًا لَهُمْ.
وَإِنْ شَاءَ رَدَّ عَلَيْهِمْ الدَّنَانِيرَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ ثُمَّ نَبَذَ إلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ آمَنَهُمْ بِنَفْسِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
- وَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ صَالَحَهُمْ الرَّجُلُ أَوْ خَرَّبُوا حِصْنَهُمْ فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ أَلْفَ دِينَارٍ فَيَجْعَلَهَا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ مَعْنَى النَّظَرِ هَهُنَا مُتَعَيَّنٌ فِي إجَازَةِ ذَلِكَ الصُّلْحِ
، فَإِنَّهُمْ آمِنُونَ فِي الْعَسْكَرِ وَلَا سَبِيلَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُبْلِغَهُمْ مَأْمَنَهُمْ وَإِنْ رَدَّ الدَّنَانِيرَ عَلَيْهِمْ.
فَعَرَفْنَا أَنَّ فِي أَخْذِ الدَّنَانِيرِ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ
. وَهُوَ نَظِيرُ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ وَيَسْلَمُ مِنْ الْعَمَلِ.
٨١٧ - وَإِذَا قَسَمَ الدَّنَانِيرَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ قَالَ لَهُمْ: الْحَقُوا حَيْثُ شِئْتُمْ مِنْ بِلَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ حَتَّى يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ.
فَيَتِمُّ بِهِ الْوَفَاءُ لِمَا شُرِطَ لَهُمْ فِي الصُّلْحِ.
٨١٨ - وَإِذَا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْحِصْنَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إنِّي كُنْت
стр. 487
صَالَحْت الْقَوْمَ قَبْلَ فَتْحِ الْحِصْنِ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفِ دِينَارٍ.
وَصَدَّقَهُ أَهْلُ الْحِصْنِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَدِّقَهُ صَدَّقَهُ وَأَخَذَ مِنْهُ الدَّنَانِيرَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْحَقُوا بِمَأْمَنِهِمْ، وَإِنْ كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُكَذِّبَهُ كَذَّبَهُ وَلَمْ يَعْرِضْ لِلدَّنَانِيرِ وَجَعَلَهُمْ فَيْئًا. لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ.
فَيَنْظُرُ مَا يَكُون أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَعْمَلُ بِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَأَى النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ، كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. فَهَذَا مِثْلُهُ.
إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ رِجَالَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِلشُّبْهَةِ الَّتِي دَخَلَتْ بِإِخْبَارِ الرَّجُلِ أَنَّهُ آمَنَهُمْ.
٨١٩ - وَإِنْ كَانَ حِينَ أَخْبَرَ الرَّجُلُ بِهَذَا كَانُوا مُمْتَنِعِينَ فِي حِصْنِهِمْ فَهُمْ آمِنُونَ، وَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ. كَمَا بَيَّنَّا إذَا أَنْشَأَ لَهُمْ الْأَمَانَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. فَإِنَّ الْإِخْبَارَ بِهِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْشَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 488
[بَابُ مَا يَكُونُ أَمَانًا وَمَا لَا يَكُونُ عَلَى شَرْطٍ يَشْتَرِطُهُ]
ُ ٨٢٠ - وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمَحْصُورِينَ: آمِنُونِي حَتَّى أَنْزِلَ إلَيْكُمْ عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ السَّبْيِ فِي مَوْضِعٍ. فَآمَنُوهُ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا نَزَلَ أَتَى بِهِمْ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَإِذَا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَقَالَ: قَدْ كَانُوا هَا هُنَا، فَذَهَبُوا، وَلَا أَدْرَى أَيْنَ ذَهَبُوا. (ص ١٧٦) فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدُّوهُ إلَى مَأْمَنِهِ إنْ لَمْ يَفْتَحُوا الْحِصْنَ. فَإِنْ افْتَتَحُوا الْحِصْنَ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُبْلِغُوهُ مَأْمَنَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّهُ حَصَّلَ أَمْنًا فِي الْمُعَسْكَرِ. فَإِنَّ الْأَمَانَ شَرْطٌ يَثْبُتُ بِوُجُودِ الْقَبُولِ وَلَا يَتَأَخَّرُ إلَى أَدَاءِ الْمَقْبُولِ. بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ بِجُعْلٍ فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَبِلَ كَانَ الْعِتْقُ وَاقِعًا. وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ. ٨٢١ - فَهَاهُنَا الْأَمَانُ يَثْبُتُ لَهُ أَيْضًا إذَا نَزَلَ عَنْ مَنَعَتِهِ. عَلَى أَنْ
стр. 489
يَدُلَّ. فَسَوَاءٌ وَفَّى بِمَا قَالَ أَوْ لَمْ يَفِ كَانَ هُوَ فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيُبْلِغُوهُ مَأْمَنَهُ.
فَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: إنَّمَا آمَنَّاهُ عَلَى أَنْ يَدُلَّنَا وَلَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ، قِيلَ لَهُمْ: إنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَكُمْ إنِّي إنْ لَمْ أَدُلَّكُمْ فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.
وَهَذَا تَنْصِيصٌ مِنْ مُحَمَّدٍ. ﵀ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا. وَقَدْ حَكَاهُ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور: ٨] أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابُ إنْ لَمْ تَشْهَدْ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥] .
وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إذَا أَتَتْ بِالْفَاحِشَةِ وَلَمْ تُحْصَنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ الْعَذَابُ. وَهَذَا لِأَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ كَمَفْهُومِ الصِّفَةِ. وَذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَبَنَاتِ خَالِك وَبَنَاتِ خَالَاتِك اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك﴾ [الأحزاب: ٥٠] ثُمَّ لَمْ يَدُلَّ عَلَى حُرْمَةِ اللَّاتِي لَمْ يُهَاجِرْنَ مَعَهُ وَقَالَ: تَعَالَى ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الظُّلْمِ فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: آمَنَّاك عَلَى أَنْ تَدُلَّنَا لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَا أَمَانَ لَك إنْ لَمْ تَدُلَّنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، وَالْمُحْتَمَلُ لَا يُعَارِضُ الْمَنْصُوصَ وَلَا يَدْفَعُ حُكْمَهُ، إلَّا أَنْ يَنُصَّ فَيَقُولُ: عَلَى أَنَّى إنْ لَمْ أَدُلَّكُمْ عَلَيْهِمْ فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. فَحِينَئِذٍ هَذَا نَصٌّ يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِذَلِكَ النَّصِّ.
وَفِي النَّبْذِ حِلُّ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِطْلَاقِ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ
стр. 490
بِالشَّرْطِ، فَإِذَا لَمْ يَدُلَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ، وَلِلْإِمَامِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ فَيْئًا.
وَنَظِيرُ هَذَا مَا لَوْ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ إلَى شَهْرٍ لَمْ يَبْرَأْ بِمُضِيِّ الشَّهْرِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ نَفْسَ الْخَصْمِ إلَيْهِ. وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنَّى بَرِيءٌ مِنْ الْكَفَالَةِ بَعْدَ شَهْرٍ كَانَ عَلَى مَا قَالَ.
٨٢٢ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ أَسِيرًا فِي أَيْدِينَا وَقَالَ: تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، ثُمَّ لَمْ يَدُلَّهُمْ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ.
لِأَنَّهُ صَارَ مَقْهُورًا فِي أَيْدِينَا، وَحَلَّ لِلْإِمَامِ قَتْلُهُ وَاسْتِرْقَاقُهُ. وَإِنَّمَا عَلَّقَ عَلَى إزَالَةِ ذَلِكَ عَنْهُ بِالدَّلَالَةِ وَلَمْ يَفْعَلْ.
فَفِي الْأَوَّلِ كَانَ فِي مَنَعَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَحْصُورًا فَإِنَّمَا نَزَلَ عَلَى أَمَانٍ فَأَخَذَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْتَزَمَ لَهُمْ بِمُقَابَلَةِ ذَلِكَ دَلَالَةً فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا لَمْ يَفِ بِمَا الْتَزَمَ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ. فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَدُلَّ عَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ هَذَا الِالْتِزَامِ فِي الْوَجْهَيْنِ، إلَّا أَنَّ هَذَا الْأَسِيرَ، قَبْلَ هَذَا الِالْتِزَامِ، كَانَ مُبَاحَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ فِي أَيْدِينَا، فَيَعُودُ كَمَا كَانَ. وَالْمَحْصُورُ قَبْلَ هَذَا الِالْتِزَامِ كَانَ فِي مَنَعَتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَفِ بِمَا الْتَزَمَ وَجَبَتْ إعَادَتُهُ إلَى مَنَعَتِهِ كَمَا كَانَ.
٨٢٣ - وَإِنْ كَانَ الْمَحْصُورُ قَالَ: إنِّي إنْ لَمْ أَدُلَّكُمْ كُنْت لَكُمْ فَيْئًا. أَوْ قَالَ: رَقِيقًا، وَلَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ. فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ. لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ كَانَ آمِنًا مِنْ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ (ص ١٦٧) وَإِنْ لَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ. فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ دَلِيلٌ مُعَارِضٌ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ فِي رَفْعِ
стр. 491
حُكْمِهِ. وَإِنَّمَا يَعْمَلُ الْمُعَارِضُ حَسَبَ الدَّلِيلِ. وَلِأَنَّهُ شَرَطَ إزَالَةِ ذَلِكَ الْأَمَانِ فِي حُكْمِ الِاسْتِرْقَاقِ خَاصَّةً دُونَ الْقَتْلِ، وَفِي هَذَا الشَّرْطِ مَنْفَعَةٌ، فَيَجِبُ مُرَاعَاتُهَا.
٨٢٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: عَلَى أَنِّي إنْ لَمْ أَفِ كُنْت ذِمَّةً لَكُمْ. فَهُوَ كَمَا قَالَ. وَإِذَا لَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ فَهُوَ ذِمَّةٌ لَا يَقْتُلُونَهُ وَلَا يَسْتَرِقُّونَهُ لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالشَّرْطِ وَاجِبٌ.
٨٢٥ - وَلَوْ قَالَ آمِنُونَا حَتَّى يُفْتَحَ لَكُمْ الْحِصْنُ فَتَدْخُلُونَ، عَلَى أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيْنَا الْإِسْلَامَ فَنُسْلِمَ. ثُمَّ أَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا، فَهُمْ آمِنُونَ. وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ حِصْنِهِمْ حَتَّى يَعُودُوا مُمْتَنِعِينَ كَمَا كَانُوا، ثُمَّ يَنْبِذُونَ إلَيْهِمْ.
لِأَنَّهُمْ اسْتَفَادُوا الْأَمَانَ بِقَبُولِ الشَّرْطِ قَبْلَ الْوَفَاءِ بِهِ. ثُمَّ لَا يَبْطُلُ حُكْمُ الْأَمَانِ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الْوَفَاءِ بِمَا وُعِدُوا، وَبِحُكْمِ الْأَمَانِ يَجِبُ إعَادَتُهُمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ، ثُمَّ النَّبْذُ إلَيْهِمْ.
٨٢٦ - فَإِنْ شَرَطَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ: إِنَّكُمْ إنْ أَبَيْتُمْ الْإِسْلَامَ فَلَا أَمَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فَرَضُوا بِذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. فَلَا بَأْسَ بِاسْتِرْقَاقِهِمْ، وَقَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ مِنْهُمْ إذَا أَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا. لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا كَانَ، وَفِيمَا يَجْرِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الْوَاجِبُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ فَقَطْ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنَيْ أَبِي الْحَقِيقِ حَيْثُ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:
стр. 492
وَبَرِئَتْ مِنْكُمْ الذِّمَّةُ إنْ كَتَمْتُمُونِي شَيْئًا» .
فَقَبِلُوا ذَلِكَ. ثُمَّ ظَهَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَاسْتَخَارَ قَتْلَهُمْ وَاسْتِرْقَاقَهُمْ.
وَقَدْ بَيَّنَّا قِصَّةَ ذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ حِينَ رَجَعَ الْجَيْشُ ضَلَّ الطَّرِيقَ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَجَاءَ إلَى بَيْتِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ سِرًّا وَكَانَ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ. فَأَتَى عُثْمَانُ النَّبِيَّ ﷺ وَسَأَلَ لَهُ الْأَمَانَ. فَقَالَ: قَدْ آمَنَّاهُ عَلَى أَنَّا إنْ أَدْرَكْنَاهُ بَعْدَ ثَالِثَةٍ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اُطْلُبُوهُ، فَإِنَّى أَرْجُو أَنْ تَجِدُوهُ. فَوَجَدُوهُ بَعْدَ ثَالِثَةٍ، قَدْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّوْمَ. فَأُخِذَ فَقُتِلَ»
فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرْطَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي الْأَمَانِ مُعْتَبَرٌ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى النَّبْذِ وَإِبَاحَةِ الْقَتْلِ.
٨٢٧ - وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ وَأَبَى الْبَعْضُ كَانَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ حُرًّا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَبَى الْإِسْلَامَ فَهُوَ فَيْءٌ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْجَمِيعَ الْمُضَافَ إلَى جَمَاعَةٍ يَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧] فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَرَطْنَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: إنَّك إنْ أَبَيْت الْإِسْلَامَ فَلَا أَمَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَك.
٨٢٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْمَحْصُورِينَ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى أَنْ أَنْزِلَ إلَيْكُمْ فَأُسْلِمَ. ثُمَّ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ يُرَدُّ إلَى حِصْنِهِ.
стр. 493
لِأَنَّهُ آمِنٌ عِنْدَنَا، وَفِي مِثْلِ حَالِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]
٨٢٩ - وَإِنْ شَرَطُوا عَلَيْهِ: إنَّك إنْ أَبَيْت الْإِسْلَامَ فَلَا أَمَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَك، ثُمَّ أَبَى الْإِسْلَامَ. فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا جَرَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ.
٨٣٠ - فَإِنْ جَعَلَهُ الْإِمَامُ فَيْئًا بَعْدَ مَا عَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَبَى، ثُمَّ أَسْلَمَ، لَمْ يَقْبَلْهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُهُ فَيْئًا.
لِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْأَمَانِ انْتَهَى حِينَ أَبَى الْإِسْلَامَ بَعْدَ مَا عَرَضَ عَلَيْهِ، وَيَبْقَى هُوَ أَسِيرًا فِي أَيْدِينَا.
٨٣١ - فَإِذَا أَسْلَمَ لَمْ يُقْتَلْ وَكَانَ فَيْئًا، وَهَذَا إذَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ فَيْءٌ بَعْدَ مَا أَبَى الْإِسْلَامَ.
٨٣٢ - فَإِنْ جَعَلَ الْإِمَامُ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ يَأْبَى إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ (ص ١٧٨) بِأَنَّهُ فَيْءٌ حِينَ أَسْلَمَ فَفِي الْقِيَاسِ هُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّ شَرْطَ انْتِبَاذِ الْأَمَانِ قَدْ تَحَقَّقَ بِإِبَائِهِ الْإِسْلَامَ. وَالْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ يَثْبُتُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَبِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إذَا عُلِّقَ بِالشَّرْطِ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ حُرٌّ مُسْلِمٌ.
لِأَنَّ الْإِبَاءَ مُتَرَدِّدٌ مُحْتَمَلٌ فِيهِ يَكُونُ لِكَرَاهَةِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ إبَاءٌ حَقِيقَةً.
стр. 494
وَقَدْ يَكُونُ لِلتَّأَمُّلِ فِيهِ إلَى أَنْ تَزُولَ الشُّبْهَةُ عَنْ قَلْبِهِ فَلَا تُعَيَّنُ جِهَةُ الْإِبَاءِ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي دَارِنَا فَإِنَّ الْفُرْقَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى إبَاءِ الْآخَرِ الْإِسْلَامَ. ثُمَّ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ النُّكُولُ فِي بَابِ الْأَمْوَالِ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ شَرْعًا، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي.
٨٣٣ - وَلَوْ لَمْ يَأْبَ الْإِسْلَامَ وَلَكِنْ قَالَ: دَعُونِي حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِي، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُؤَجِّلُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّ التَّأَمُّلَ وَإِزَالَةَ الشُّبْهَةِ يَحْتَاجُ إلَى مُدَّةٍ، فَإِذَا طَلَبَ ذَلِكَ مِنْ الْإِمَامِ أَجَّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَإِنَّهَا مُدَّةٌ تَامَّةٌ لِلنَّظَرِ بِدَلِيلِ خِيَارِ الشَّرْطِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ الْمُرْتَدُّ، فَإِنَّهُ إذَا اسْتَمْهَلَ النَّظَرَ فِي أَمْرِهِ أَمْهَلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَرَدَ بِهِ حَدِيثٌ عَنْ عُمَرَ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى فَسَأَلَهُ عَنْ النَّاسِ فَأَخْبَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ مُغْرِبَةِ خَبَرٍ - يَعْنِي: أَمْرٌ حَادِثٌ وَخَبَرٌ غَرِيبٌ - فَقَالَ: نَعَمْ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ. فَقَالَ: مَاذَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ فَقَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ. قَالَ: فَهَلَّا طَيَّنْتُمْ عَلَيْهِ بَيْتًا ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَأَسْقَيْتُمُوهُ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ وَيُرَاجِعَ أَمْرَ اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ، وَلَمْ آمُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي
стр. 495
وَبِظَاهِرِهِ يَأْخُذُ الشَّافِعِيُّ، ﵀، وَيَقُولُ: يَجِبُ تَأْجِيلُهُ شَرْعًا، طَلَبَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ. فَتَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ كَانَ اسْتَمْهَلَهُمْ فَأَبَوْا، فَلِهَذَا أَنْكَرَهُ عُمَرُ ﵁.
وَإِذَا كَانَ الْمُرْتَدُّ الَّذِي وَقَفَ عَلَى مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ يُؤَجَّلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَهَذَا الَّذِي لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا أَصْلًا أَحْرَى أَنْ يُؤَجَّلَ.
٨٣٤ - فَإِنْ سَكَتَ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ وَلَمْ يُجِبْ بِقَبُولٍ أَوْ بِرَدٍّ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيُخْبِرُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُجِبْهُ حَكَمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَيْءٌ.
وَهَذَا لِأَنَّ سُكُوتَهُ إبَاءٌ مِنْهُ لِلْإِسْلَامِ. إلَّا أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ فِي نَفْسِهِ فَيُكَرِّرُ عَلَيْهِ الْعَرْضَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِإِبْلَاءِ الْعُذْرِ، وَيُخْبِرُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْذَارِ. فَإِنْ أَبَى حَكَمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ فَيْءٌ. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَصْمِ إذَا سَكَتَ عَنْ الْجَوَابِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي جَعَلَهُ مُنْكِرًا، وَإِذَا سَكَتَ عَنْ الْيَمِينِ بَعْدَ مَا طُلِبَ مِنْهُ جَعَلَهُ نَاكِلًا، وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ ثَلَاثًا وَأَخْبَرَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ، ثُمَّ يَحْكُمُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ.
٨٣٥ - وَلَوْ كَانَ قَالَ حِينَ أَرَادَ النُّزُولَ: آمِنُونِي عَلَى أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيَّ الْإِسْلَامَ. فَإِنْ أَسْلَمْت فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَإِلَّا فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. ثُمَّ عَرَضُوا عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَلَهُ مُهْلَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا مِنْ حِينِ عَرَضُوا عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ.
لِأَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ. فَإِنَّهُ بَيَّنَ أَنَّهُ يُسْلِمُ بَعْدَ مَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ
следующие страницы →