← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فَهَزَمُوهُمْ، فَوَجَدُوهُ فِي أَيْدِيهمْ. ، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. إذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ فِي مَنَعَتِهِمْ قَبْلَ هَزِيمَتِهِمْ. وَإِنْ هَزَمَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَوَجَدُوهُ لَا يَدْرُونَ أَكَانَ مَعَهُمْ أَوْ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا فَقَدُوهُ. فَلَمَّا وَجَدُوهُ قَالَ: لَمْ أَبْرَحْ عَسْكَرَكُمْ. فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ قَلِيلًا وَأَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ لَا يَخْفَى مِثْلُهُ إنْ كَانَ فِي الْعَسْكَرِ، فَهُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِأَنَّهُ كَاذِبٌ مُحْتَالٌ، وَأَنَّا حِينَ فَقَدْنَاهُ قَدْ الْتَحَقَ بِمَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَانْتَهَى حُكْمُ الْأَمَانِ. وَإِنْ كَانَ الْعَسْكَرُ عَظِيمًا قَدْ يَخْفَى مِثْلُهُ فِيهِ وَلَا يُدْرَى أَصَدَقَ أَمْ كَذَبَ، فَهُوَ عَلَى أَمَانِهِ. لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمُزِيلَ لِلْأَصْلِ الْمَعْلُومِ لَمْ يَظْهَرْ هُنَا، وَهُوَ وُصُولُهُ إلَى مَنَعَةِ الْمُشْرِكِينَ. وَلَكِنَّا نَدَّعِي ذَلِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. ٦٧٦ - وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَفَقَدُوهُ، فَلَمَّا هَزَمُوا الْعَدُوَّ إذَا هُمْ بِهِ لَا يَدْرُونَ أَكَانَ مَعَ الْعَدُوِّ أَوْ كَانَ مَعَهُمْ. فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ذَهَبْت أَتَعَلَّفُ الْعَلَفَ، أَوْ ضَلَلْت الطَّرِيقَ وَلَمْ أَلْحَقْ بِالْعَدُوِّ. فَفِي الْقِيَاسِ هُوَ فَيْءٌ.

стр. 422

لِأَنَّا عَلِمْنَا مُفَارَقَتَهُ الْعَسْكَرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَدَارُ الْحَرْبِ مَوْضِعُ أَهْلِ الْحَرْبِ. فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ وُصُولِهِ إلَى مَنَعَتِهِمْ فِي حُكْمِ انْتِهَاءِ الْأَمَانِ. وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ وَقَالَ: هُوَ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ مُحْتَمَلٍ. فَإِنَّهُ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمُعَسْكَرِ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ أَوْ لِيَأْتِيَ بِالْعَلَفِ. وَرُبَّمَا يَضِلُّ عِنْدَ الْخَوْفِ وَكَثْرَةِ الزِّحَامِ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ. وَقَدْ عَرَفْنَا ثُبُوتَ الْأَمَانِ لَهُ. فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِذَلِكَ الْأَصْلِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مُزِيلُهُ بِدَلِيلٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 423

[بَابُ الْمُرَاوَضَةِ عَلَى الْأَمَانِ بِالْجُعْلِ وَغَيْرِهِ] ٥٦ - بَابُ الْمُرَاوَضَةِ عَلَى الْأَمَانِ بِالْجُعْلِ وَغَيْرِهِ ٦٧٧ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا حِصْنًا مِنْ حُصُونِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَنَاهَضُوهُ، وَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ الْحِصْنِ: يَخْرُجُ عَشْرَةٌ مِنَّا يُعَامِلُونَكُمْ عَلَى الْأَمَانِ، وَقَدْ رَضِينَا بِمَا صَنَعُوا. فَلَمَّا خَرَجَ الْعَشَرَةُ سَأَلُوا الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُسَلِّمُوا السَّبْيَ وَيَأْخُذُوا مَا سِوَى ذَلِكَ. فَأَبَى الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ. وَصَالَحَهُمْ الْعَشَرَةُ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ خَاصَّةً وَعِيَالَاتِهِمْ. فَتَرَاضَوْا عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ دَخَلُوا الْحِصْنَ وَفَتَحُوا الْبَابَ. فَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ يَسْبُونَ فَقَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: أَخْبَرَنَا الْعَشَرَةُ بِأَنَّكُمْ آمَنْتُمْ السَّبْيَ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى كَلَامِهِمْ، سَوَاءٌ صَدَقَهُمْ الْعَشَرَةُ فِي ذَلِكَ أَوْ كَذَبُوهُمْ. وَجَمِيعُ مَا فِي الْحِصْنِ فَيْءٌ، سِوَى الْعَشَرَةِ مَعَ عِيَالَاتِهِمْ. لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَمَانٌ لِغَيْرِ الْعَشَرَةِ صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةً. وَأَهْلُ الْحِصْنِ لَا يَدْخُلُونَ فِي أَمَانِ الْعَشَرَةِ تَبَعًا. فَإِنَّ فِي أَمَانِ الْمَحْصُورِ لَا يَدْخُلُ مَنْ كَانَ تَبَعًا لَهُ حَقِيقَةً فَكَيْفَ يَدْخُلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ تَبَعًا؟ وَالْعَشَرَةُ وَإِنْ أَخْبَرُوهُمْ بِأَمَانِ السَّبْيِ كَمَا زَعَمُوا فَقَدْ كَذَبُوا فِي ذَلِكَ.

стр. 424

وَالْمُشْرِكُونَ إنَّمَا أُتُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ حِينَ نَصَّبُوا الْخَائِنِينَ لِلسِّفَارَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَصَارُوا مُغْتَرِّينَ لَا مَغْرُورِينَ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ. ٦٧٨ - وَعَلَى هَذَا لَوْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا فِي الْحِصْنِ أَنَّ الْعَشَرَةَ أَخْبَرُوهُمْ بِذَلِكَ لَمْ تَنْفَعْهُمْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ. لِمَا بَيِّنَا، فَإِنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. ٦٧٩ - وَلَوْ عَايَنَّا أَنَّ الْعَشَرَةَ أَخْبَرُوهُمْ بِذَلِكَ حِينَ دَخَلُوا الْحِصْنَ لَمْ يَمْنَعْنَا ذَلِكَ مِنْ اسْتِرْقَاقِهِمْ. ؛ لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ لَهُمْ مِنَّا. ٦٨٠ - وَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ أَخَذُوا الْأَمَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا فِي حُصُونِهِمْ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِمْ الْعَشَرَةُ بِصُلْحٍ أَوْ غَيْرِ صُلْحٍ، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. لِأَنَّ ذَلِكَ الْأَمَانَ قَدْ انْتَهَى بِرُجُوعِ الْعَشَرَةِ إلَيْهِمْ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا. ٦٨١ - وَلَوْ كَانُوا أَخَذُوا الْأَمَانَ حَتَّى تَرْجِعَ إلَيْهِمْ الْعَشَرَةُ فَيُخْبِرُوهُمْ بِمَا جَرَى عَلَى وَجْهِهِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَقَالَ الْعَشَرَةُ: قَدْ أَخْبَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ. وَقَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: لَمْ تُخْبِرُونَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. فَهُمْ عَلَى أَمَانِهِمْ. لِأَنَّ الْعَشَرَةَ يَدَّعُونَ انْتِهَاءَ الْأَمَانِ الَّذِي كَانَ مِنَّا لِأَهْلِ الْحِصْنِ، وَأَهْلُ الْحِصْنِ مُنْكِرُونَ لِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ وَلَا شَهَادَةَ لِلْعَشْرَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى فِعْلِ أَنْفُسِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى إجَازَةِ مَا فَعَلُوا، فَإِنَّهُمْ

стр. 425

يَقُولُونَ: قَدْ أَخْبَرْنَا أَهْلَ الْحِصْنِ وَرَضُوا بِمَا فَعَلْنَا، وَلَا شَهَادَةَ لِلْمَرْءِ عَلَى إجَازَةِ مَا بَاشَرَهُ. ٦٨٢ - وَلَوْ شَهِدَ عَلَى مَقَالَتِهِمْ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، كَانُوا فِي الْحِصْنِ، قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ وَكَانُوا فَيْئًا. لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ حُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْحِصْنِ. فَكَانَ الثَّابِتُ بِشَهَادَتِهِمْ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ أَهْلِ الْحِصْنِ. ٦٨٣ - فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ فُسَّاقًا رُدَّ السَّبْيُ إلَى الْحِصْنِ، وَأُعِيدَ الْأَمْرُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يُنْبَذُ إلَيْهِمْ وَيُقَاتَلُونَ. لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّوَقُّفِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا أَوْ حَرْبِيًّا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْفَاسِقِ عَلَيْهِ شَهَادَةٌ مَقْبُولَةٌ. وَمَا لَمْ يَثْبُتْ إخْبَارُ الْعَشَرَةِ إيَّاهُمْ بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِهِ كَانُوا آمِنِينَ فَلَا يَحِلُّ سَبْيُهُمْ. ٦٨٤ - وَإِنْ كَانُوا حِينَ دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ كُسِرَ حِصْنُهُمْ فَصَارُوا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُلْحِقُوهُمْ بِمَأْمَنِهِمْ. لِأَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ مِنَّا. فَلَا يَجُوزُ النَّبْذُ إلَيْهِمْ حَتَّى نُبَلِّغَهُمْ مَأْمَنَهُمْ. ٦٨٥ - وَلَوْ قَالَتْ الْعَشَرَةُ مَا أَخْبَرْنَاهُمْ بِالصُّلْحِ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَكِنَّا

стр. 426

أَخْبَرْنَاهُمْ أَنَّكُمْ أَمَّنْتُمْ السَّبْيَ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي الْحِصْنِ. لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنَّا إلَى غَايَةٍ. وَهُوَ أَنْ يُخْبِرَهُمْ الْعَشَرَةُ بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَمْ يَفْعَلُوا. ٦٨٦ - فَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: فَنَحْنُ نُسَلِّمُ لَكُمْ السَّبْيَ كَمَا أَخْبَرَكُمْ بِهِ الْعَشَرَةُ وَنَأْخُذُ مَا سِوَاهُ مِنْ الْمَتَاعِ؛ لِأَنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِذَلِكَ وَفَتَحْتُمْ الْحِصْنَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: لَا نَرْضَى بِهَذَا الْآنَ. فَذَلِكَ لِأَهْلِ الْحِصْنِ. لِأَنَّ الْأَمَانَ مِنَّا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا فِي الْحِصْنِ، فَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْأَمَانِ، وَإِنْ رَضُوا بِغَيْرِهِ، مَا لَمْ يُنْبَذْ إلَيْهِمْ أَوْ يُنْتَهَى بِوُجُودِ غَايَتِهِ، وَغَايَتُهُ الْإِخْبَارُ بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِهِ. فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نُعِيدَهُمْ إلَى مَنَعَتِهِمْ كَمَا كَانُوا، أَوْ نُبَلِّغَهُمْ مَأْمَنَهُمْ ثُمَّ نَنْبِذُ إلَيْهِمْ. ٦٨٧ - وَلَوْ بَعَثَ الْأَمِيرُ مَعَ الْعَشَرَةِ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ: قَدْ أَخْبَرَهُمْ الْعَشَرَةُ كَيْفَ كَانَ الصُّلْحُ. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ الْحِصْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ. لِأَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ فِي الْإِلْزَامِ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ كَمَا لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ. ٦٨٨ - وَإِنْ كَانَ بَعَثَ مَعَهُمْ رَجُلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَشَهِدَا بِذَلِكَ كَانُوا فَيْئًا.

стр. 427

لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمُسْلِمِينَ حُجَّةٌ تَامَّةٌ، فَيَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا مَا يُوجِبُ انْتِهَاءَ الْأَمَانِ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا وَهُمَا يَجُرَّانِ بِهَا نَفْعًا إلَى أَنْفُسِهِمَا؛ لِأَنَّ لَهُمَا نَصِيبًا فِي الْغَنِيمَةِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. لَكِنَّ الْحَقَّ فِي الْغَنِيمَةِ لَا يَتَأَكَّدُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ. وَلِهَذَا مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لَا يُورَثُ نَصِيبُهُ. وَمِثْلُ هَذَا الْحَقِّ الضَّعِيفِ لَا يُورِثُ تُهْمَةً مَانِعَةً مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمَيْنِ مِنْ الْجُنْدِ لَوْ شَهِدَا عَلَى ذِمِّيٍّ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، أَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ أَنَّهُ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ. كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا مَقْبُولَةً وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا لَهُمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِنَاءً عَلَى الشَّرِكَةِ الْعَامَّةِ. ٦٨٩ - وَإِنْ كَانَ الرَّجُلَانِ مِمَّنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَالْقَوْمُ عَلَى أَمَانِهِمْ. لِأَنَّ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْأَمَانُ لَمْ يَثْبُتْ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّ ثُبُوتَهُ بِنَاءٌ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا. ٦٩٠ - وَلَوْ كَانَ بَعَثَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَعَ الْعَشَرَةِ وَهُمَا مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَهُمْ فَيْءٌ أَيْضًا. لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَلِأَهْلِ الذِّمَّةِ شَهَادَةٌ مَقْبُولَةٌ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَفِيمَا لَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، فَكَانَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ.

стр. 428

فَإِنْ شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، جَازَتْ الشَّهَادَةُ وَكَانُوا فَيْئًا، إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ. لِأَنَّ شَهَادَةَ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ حُجَّةٌ فِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ. لِتَمَكُّنِ شُبْهَةِ الضَّلَالِ وَالنِّسْيَانِ فِي شَهَادَتِهِنَّ. ٦٩٢ - وَلَوْ كَانَ بَعَثَ مَعَ الْعَشَرَةِ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمِنَيْنِ، فَشَهِدَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَا مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الدَّارِ بِأَنْ كَانَا مِنْ التُّرْكِ، وَأَهْلُ الْحِصْنِ نَصَارَى لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا، لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ وِلَايَةَ الشَّهَادَةِ كَمَا يَقْطَعُ وِلَايَةَ التَّوَارُثِ. وَهَذَا لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ قَهْرٍ، لَيْسَ بِدَارِ حُكْمٍ. فَبِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْمَنَعَةِ يَتَبَايَنُ الدَّارُ، حَتَّى لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْمُسْتَأْمِنِينَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ دُورٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَإِنْ كَانُوا مُجْتَمَعِينَ فِي دَارِنَا بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُمْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَدَارُ الْإِسْلَامِ دَارُ حُكْمٍ، فَإِذَا جَمَعَهُمْ حُكْمٌ وَاحِدٌ قُبِلَتْ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ، كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُهُمْ. ٦٩٣ - وَكُلُّ شَيْءٍ رَدَدْت فِيهِ أَهْلَ الْحِصْنِ إلَى مَأْمَنِهِمْ فَإِنَّى أَرُدُّ فِيهِ الْعَشَرَةَ إلَى مَأْمَنِهِمْ أَيْضًا.

стр. 429

لِأَنَّ الْأَمَانَ تَنَاوَلَهُمْ يَقِينًا، فَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ قَبْلَ النَّبْذِ إلَيْهِمْ. ٦٩٤ - وَلَوْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ سِوَى الْعَشَرَةِ مِمَّنْ يَعْدِلُ فِي دِينِهِ أَنَّ الْعَشَرَةَ أَخْبَرُوهُمْ بِالصُّلْحِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ. لِأَنَّهُمْ صَارُوا عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ بِزَعْمِهِمْ. فَإِنَّ الشُّهُودَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَمَانَ قَدْ انْتَهَى بِإِخْبَارِ الْعَشَرَةِ إيَّاهُمْ بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِهِ، فَهُمْ أَرِقَّاءٌ أَوْ حَالُهُمْ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، فَيَكُونُونَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِينَ لَا شَهَادَةَ لَهُمْ. ٦٩٥ - وَإِذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ فَأَهْلُ الْحِصْنِ آمِنُونَ غَيْرُ الْعَشَرَةِ وَأَمْوَالِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ. هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّحِيحُ: غَيْرُ الشُّهُودِ عَلَى الْعَشَرَةِ. فَإِنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي أَمَانِ الْعَشَرَةِ، فَكَيْفَ يَسْتَثْنِيهِمْ مِنْ جُمْلَةِ الْآمِنِينَ؟ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا هُمْ مُقِرُّونَ بِانْتِهَاءِ الْأَمَانِ، وَإِقْرَارُهُمْ صَحِيحٌ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَكَانُوا فَيْئًا مَعَ أَمْوَالِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ وَمَنْ صَدَّقَهُمْ مِنْ عِيَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ الصِّغَارِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ فِي حِجْرِ الْأُمَّهَاتِ، وَعِنْدَ التَّكْذِيبِ هُنَّ آمِنَاتٌ، فَكَذَلِكَ أَوْلَادُهُنَّ. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُمٌّ مِنْ أَوْلَادِهِمْ الصِّغَارِ فَهُمْ مُصَدَّقُونَ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا لِأَنَّهُمْ لَمَّا صَارُوا أَرِقَّاءَ وَالْأُمَّهَاتُ حَرَائِرَ فَبِاعْتِبَارِ بَقَاءِ الْأَمَانِ لَهُنَّ كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْأَوْلَادِ حِجْرُ الْأُمَّهَاتِ. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُمٌّ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ حِجْرِ

стр. 430

الْأَبِ فِي حَقِّهِ. فَيَصِيرُ رَقِيقًا مَعَهُ، وَلَا يُصَدَّقُونَ عَلَى الْكِبَارِ مِنْ أَوْلَادِهِمْ إلَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُمْ فَحِينَئِذٍ يَكُونُونَ أَرِقَّاءَ بِإِقْرَارِهِمْ. ٦٩٦ - قَالَ: وَلَوْ كَتَبَ الْأَمِيرُ كِتَابًا إلَى أَمِيرِ الْحِصْنِ يُخْبِرُهُ بِمَا جَرَى، وَخَتَمَهُ بِخَاتَمِهِ، وَبَعَثَهُ عَلَى يَدَيْ رَسُولٍ مِنْ قِبَلِهِ مَعَ الْعَشَرَةِ فَلَمَّا فَتَحَ الْحِصْنَ قَالَ أَمِيرُهُمْ: لَمْ يَأْتِ بِالْكِتَابِ وَلَمْ يَدْفَعْهُ إلَى الرَّسُولِ. وَقَالَ الرَّسُولُ: قَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْهِ وَقَرَأَهُ بِمَحْضَرٍ مِنِّي. فَأَهْلُ الْحِصْنِ عَلَى أَمَانِهِمْ الْأَوَّلِ. لِأَنَّ الرَّسُولَ ادَّعَى انْتِهَاءَ الْأَمَانِ بِإِيصَالِ الْكِتَابِ إلَيْهِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِانْتِهَاءِ الْأَمَانِ إبَاحَةُ قَتْلِهِمْ وَاسْتِرْقَاقِهِمْ، وَهَذَا مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، فَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِيهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً تَامَّةً وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا. ٦٩٧ - فَإِنْ كَانَ بَعَثَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَشَهِدَا بِأَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ بِمَحْضَرٍ مِنْهُمَا حَتَّى سَمِعَهُ وَعَلِمَ مَا فِيهِ فَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ، وَشَهَادَةُ الْمُسْلِمَيْنِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ. ٦٩٨ - وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ دَفَعَ الْكِتَابَ إلَيْهِ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَتَرْجَمَ لَهُ التُّرْجُمَانُ، وَلَكِنَّهُمَا لَا يَدْرِيَانِ مَا قَالَهُ التُّرْجُمَانُ، فَالْقِيَاسُ فِيهِ أَنَّهُمْ آمِنُونَ حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَا فِي الْكِتَابِ.

стр. 431

لِأَنَّا نَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ، وَالشُّهُودُ لَمْ يَعْرِفُوا مَا قَالَ لَهُ التُّرْجُمَانُ، فَلَا يَثْبُتُ عِلْمُهُ بِمَا فِي الْكِتَابِ بِهَذَا الْقَدْرِ، وَمَا لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُ لَا يَنْتَهِي الْأَمَانُ وَلَا تَنْتَفِي الشُّبْهَةُ. فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْإِقْدَامُ عَلَى الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ. ٦٩٩ - فَقَالَ: فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْمُسْلِمِينَ فَوْقَ ذَلِكَ إذَا أَرَادُوا النَّبْذَ إلَيْهِمْ. وَإِنْ خَانَ التُّرْجُمَانُ فَذَكَرَ لَهُمْ غَيْرَ مَا فِي الْكِتَابِ فَإِنَّمَا أُتُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ حِينَ اتَّخَذُوا تُرْجُمَانًا هُوَ خَائِنٌ. وَمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً لَا يَجُوزُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِهِ، وَإِنَّمَا يُعَلَّقُ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ، وَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ كَمَا شَهِدَ الشُّهُودُ. ٧٠٠ - وَلَوْ أَنَّ رُسُلَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَحْضُرُوا مَجْلِسَ أَمِيرِهِمْ إلَّا أَنَّ الْأَمِيرَ رَدَّ جَوَابَ الْكِتَابِ بِكِتَابٍ مَخْتُومٍ ثُمَّ فَتَحَ الْحِصْنَ فَجَحَدَ الْأَمِيرُ الْكِتَابَ فَقَالَ: مَا وَصَلَ إلَيَّ كِتَابٌ، وَلَا أَخْبَرَنِي الْعَشَرَةُ بِمَا جَرَى عَلَى وَجْهِهِ. فَهُمْ عَلَى أَمَانِهِمْ. لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ إلَى أَمِيرِ الْعَسْكَرِ مُحْتَمَلٌ. فَلَعَلَّهُ افْتَعَلَ ذَلِكَ مُفْتَعِلٌ عَلَى لِسَانِ أَمِيرِهِمْ. وَانْتِهَاءُ الْأَمَانِ لَا يَثْبُتُ مُبِيحًا لِلْقَتْلِ وَالِاسْتِغْنَامِ بِمِثْلِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُفْتَعَلِ.

стр. 432

وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ هَذَا الْكِتَابُ مِنْ مَلِكِهِمْ الْأَعْظَمِ ثُمَّ أَنْكَرَهُ بَعْدَمَا وَقَعَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَمْلَكَتِهِ. فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهِ الْأَمَانُ الَّذِي كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْكِتَابَ مُحْتَمَلٌ قَدْ يُفْتَعَلُ عَلَى لِسَانِ الْأَعْظَمِ كَمَا يُفْتَعَلُ عَلَى لِسَانِ مَنْ هُوَ دُونَهُ. ٧٠٢ - وَلَا يَحِلُّ إرَاقَةُ الدِّمَاءِ وَالِاسْتِرْقَاقُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي لَا يَدْرُونَ أَحَقُّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي يُجْعَلُ حُجَّةً فِي الْأَحْكَامِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ فِيهِ مَوْجُودٌ؟ قُلْنَا: أَمَّا فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ لَا يُجْعَلُ حُجَّةً، وَفِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ فِي الْقِيَاسِ لَا يَكُونُ حُجَّةً أَيْضًا. وَإِنَّمَا جُعِلَ حُجَّةً فِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ اسْتِحْسَانًا، لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ فِيهِ بِشَرَائِطَ يَقَعُ بِهَا الْأَمْنُ عَنْ الِافْتِعَالِ ظَاهِرًا، وَهُوَ الْخَتْمُ، وَشَهَادَةُ الشُّهُودِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا فِيهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي كِتَابِ كَبِيرِهِمْ إلَيْنَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 433

[بَابُ أَمَانِ الرَّسُولِ إلَى أَمِيرِ حِصْنٍ فِي حَاجَةٍ] ٥٧ - بَابُ أَمَانِ الرَّسُولِ ٧٠٣ - قَالَ: فَإِذَا أَرْسَلَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ رَسُولًا إلَى أَمِيرِ حِصْنٍ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَذَهَبَ الرَّسُولُ وَهُوَ مُسْلِمٌ. فَلَمَّا بَلَّغَ الرِّسَالَةَ قَالَ: إنَّهُ أَرْسَلَ عَلَى لِسَانِي إلَيْكَ الْأَمَانَ، لَكَ وَلِأَهْلِ مَمْلَكَتِك، فَافْتَحْ الْبَابَ. وَأَتَاهُ بِكِتَابٍ افْتَعَلَهُ عَلَى لِسَانِ الْأَمِيرِ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ قَوْلًا، وَحَضَرَ الْمَقَالَةَ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَلَمَّا فَتَحَ الْبَابَ دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ وَجَعَلُوا يَسْبُونَ. فَقَالَ أَمِيرُ الْحِصْنِ: إنَّ رَسُولَكُمْ أَخْبَرَنَا أَنَّ أَمِيرَكُمْ أَمَّنَنَا وَشَهِدَ أُولَئِكَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَقَالَتِهِمْ. فَالْقَوْمُ آمِنُونَ، يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ. لِأَنَّ عِبَارَةَ الرَّسُولِ كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ فَكَأَنَّ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ أَمَّنَهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: عِبَارَةُ الرَّسُولِ كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ فِيمَا جَعَلَهُ رَسُولًا فِيهِ، فَأَمَّا فِيمَا افْتَعَلَهُ فَلَا. قُلْنَا: هَذَا التَّمْيِيزُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ. لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى ذَلِكَ. وَإِنَّمَا الَّذِي فِي وُسْعِهِ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا يُخْبِرُ بِهِ الرَّسُولُ، فَلِهَذَا يُجْعَلُ مَا أَخْبَرَ بِهِ كَأَنَّهُ حَقٌّ بَعْدَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ رَسُولٌ. وَهَذَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُرْسِلِ أَنْ يَخْتَارَ لِرِسَالَتِهِ الْأَمِينَ دُونَ الْخَائِنِ، وَالصَّادِقَ دُونَ الْكَاذِبِ. فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ مَا يُخْبِرُ الرَّسُولُ بِهِ كَأَنَّهُ حَقٌّ مِنْ حَقِّهِمْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى الْغُرُورِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ. أَرَأَيْت لَوْ نَادَاهُمْ الْأَمِيرُ: إنَّ هَذَا رَسُولِي فِي كُلِّ مَا يَجْرِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.

стр. 434

ثُمَّ أَتَاهُمْ بِهَذَا لَمْ يَكُنْ الْقَوْمُ آمِنِينَ. وَمَنْ تَأَمَّلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] يَتَّضِحُ عِنْدَهُ هَذَا الْمَعْنَى. وَقَدْ تَقَوَّلَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ نَحْوَ مُسَيْلِمَةَ وَنُظَرَائِهِ مِمَّنْ ادَّعَى الرِّسَالَةَ، وَلَمْ يُصِبْهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَعَرَفْنَا أَنَّ حَالَ الرُّسُلِ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَمَّنْ أَرْسَلَهُمْ لَا يَكُونُ كَحَالِ غَيْرِهِمْ. ٧٠٤ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الرَّسُولُ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا.؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ هَذَا الْأَمَانِ مِنْ جِهَةِ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ لَا مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ. فَإِنَّ الرَّسُولَ فِي حِصْنِهِمْ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ مِنْهُمْ، فَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ. ثُمَّ هَذَا التَّقْصِيرُ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْأَمِيرِ حِينَ اخْتَارَ لِرِسَالَتِهِ كَافِرًا خَائِنًا وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ لِأَبِي مُوسَى ﵁: مُرْ كَاتِبَك فَلْيَدْخُلْ الْمَسْجِدَ وَلْيَقْرَأْ هَذَا الْكِتَابَ. فَقَالَ: إنَّ كَاتِبِي لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ. قَالَ: وَلِمَ؟ أَجُنُبٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ نَصْرَانِيٌّ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، اتَّخَذْت بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ؟ أَمَا سَمِعْت قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] . أَيْ. لَا يُقَصِّرُونَ فِي إفْسَادِ أُمُورِكُمْ. ٧٠٥ - فَإِنْ قَالَ الرَّسُولُ: إنِّي قُلْت لَهُمْ هَذَا الَّذِي ادَّعَوْا، وَلَا نَعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ، وَقَدْ فُتِحَ الْحِصْنُ وَسَبَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ، لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ.

стр. 435

لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ، وَادَّعَى مَا يُبْطِلُ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا ظَهَرَ سَبَبُ ثُبُوتِ حَقِّهِمْ، فَلَا يُصَدَّقُ فِيهِ إلَّا بِحُجَّةٍ. ٧٠٦ - وَلَكِنْ مَنْ وَقَعَ سَهْمُهُ مِنْهُمْ صَارَ حُرًّا، لِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ آمِنٌ، وَلَا يُتْرَكُ لِيَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ. ٧٠٧ - وَإِنْ شَهِدَ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ. لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. ٧٠٨ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَتَاهُمْ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ رَجُلٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ، وَلَكِنَّهُ افْتَعَلَ كِتَابًا فِيهِ أَمَانُهُمْ، فَدَخَلَ بِهِ إلَيْهِمْ، أَوْ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ قَوْلًا، وَقَالَ: إنِّي رَسُولُ الْأَمِيرِ، أَوْ رُسُلُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهُمْ فَيْءٌ كُلُّهُمْ. وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ مُقَاتِلَتَهُمْ. لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْأَمَانِ لَهُمْ مِنْ جِهَتِهِ. فَإِنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ مِنْهُمْ حِينَ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ فِيهِمْ. وَأَمَانُ الْأَسِيرِ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ مِنْ جِهَةِ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّهُ مَا أَرْسَلَهُ حَتَّى تَكُونَ عِبَارَتُهُ قَائِمَةً مَقَامَ عِبَارَةِ الْأَمِيرِ. وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى الْغُرُورِ لَا يَتَحَقَّقُ هُنَا لَوْ أَبْطَلْنَا هَذِهِ الْمَقَالَةَ، وَإِنَّمَا جَاءَ التَّقْصِيرُ مِنْ جِهَتِهِمْ حِينَ اعْتَمَدُوا قَوْلَ مَجْهُولٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ بِالرِّسَالَةِ، وَلَا كَانَ رَسُولًا إلَيْهِمْ مِنْ جِهَةِ الْأَمِيرِ، فِي وَقْتٍ مِنْ

стр. 436

الْأَوْقَاتِ. وَالْأَمِيرُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَحَرَّرَ عَنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمُفْتَعِلَ لِيَمْنَعَهُ مِنْ الِافْتِعَالِ. وَكَمَا أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُمْ الْوُقُوفُ عَلَى مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ، يَسْقُطُ عَنْ الْإِمَامِ التَّحَرُّزُ عَمَّا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ. ٧٠٩ - وَلَوْ قَالَ لَهُمْ هَذَا الَّذِي لَمْ يَكُنْ رَسُولًا، هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَهُوَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، نَادَاهُمْ فَفَتَحُوا الْبَابَ، كَانُوا آمِنِينَ حَتَّى يَنْبِذَ إلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ يَجْعَلُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ أَمَانًا مِنْ جِهَتِهِ حِينَ كَانَ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ الْأَمَانَ إذَا أَخْبَرَ عَنْ مَنْ يَمْلِكُ الْأَمَانَ فَذَلِكَ أَمَانٌ صَحِيحٌ لَهُمْ. سَوَاءٌ كَانَ الْخَبَرُ صِدْقًا أَمْ كَذِبًا. إنْ كَانَ صِدْقًا فَمِنْ جِهَةِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ كَذِبًا فَمِنْ جِهَةِ الْمُخْبِرِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ لِإِبْطَالِ حَقِّهِمْ فِي الِاسْتِغْنَامِ. ٧١٠ - وَلَوْ أَنَّ رَسُولَ الْأَمِيرِ حِينَ بَلَّغَ رِسَالَةَ الْأَمِيرِ قَالَ: إنَّ فُلَانًا الْقَائِدَ قَدْ أَمَّنَكُمْ وَأَرْسَلَنِي بِذَلِكَ إلَيْكُمْ، أَوْ إنَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَابِ الْأَمِيرِ آمَنُوكُمْ، أَوْ إنِّي كُنْت قَدْ أَمَّنْتُكُمْ، قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ إلَيْكُمْ، وَنَادَيْتُكُمْ بِذَلِكَ. وَشَهِدَ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ إذَا كَانَ مَا أَخْبَرَ بِهِ كَذِبًا. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولِ الْقَائِدِ حَتَّى يَجْعَلَ عِبَارَتَهُ كَعِبَارَةِ الْقَائِدِ، وَلَا هُوَ رَسُولُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَابِ الْأَمِيرِ حَتَّى تَكُونَ عِبَارَتُهُ كَعِبَارَتِهِمْ، وَلَا يَمْلِكُ هُوَ أَمَانَهُمْ بِنَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَنَعَتِهِمْ، فَلِهَذَا بَطَلَ حُكْمُ كَلَامِهِ.

стр. 437

وَلَوْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَرْسَلَ فِي حَاجَتِهِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ آمَنَهُمْ. فَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ. لِأَنَّ رَسُولَ الْوَاحِدِ مِنْ عَرْضِ الْعَسْكَرِ، فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُشْبِهُ رَسُولَ الْأَمِيرِ أَوْ رَسُولَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ ذَلِكَ الْمُرْسَلَ لَوْ كَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ، فَكَذَلِكَ رَسُولُهُ إذَا أَخْبَرَ عَنْهُ. وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي رَسُولِ الْأَمِيرِ وَرَسُولِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، غَيْرَ أَنَّا اسْتَحْسَنَّا فِي هَاتَيْنِ الْخَصَلَتَيْنِ. لِأَنَّ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَنَعَةِ حَيْثُ مَا كَانُوا، وَرَسُولُهُمْ قَائِمٌ مَقَامَهُمْ. فَإِذَا أَضَافَ الْأَمَانَ إلَيْهِمْ كَانَ صَحِيحًا. وَكَذَلِكَ الْأَمِيرُ أَمَانُهُ صَحِيحٌ حَيْثُ يَكُونُ أَمِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ أَمِيرًا إلَّا بِاعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ. فَلِسَانُ رَسُولِهِ كَلِسَانِهِ فِي الْإِخْبَارِ بِالْأَمَانِ. وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ مِنْ عَرْضِ النَّاسِ، فَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ إخْبَارُ رَسُولِهِ إيَّاهُمْ بِالْأَمَانِ عَنْهُ. ٧١٢ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ مَنْ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ آمَنَهُمْ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ بِرِسَالَتِهِ، فَهُمْ آمِنُونَ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الرَّسُولَ قَدْ بَلَّغَهُمْ. ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّسُولَ بَعْدَمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الرِّسَالَةَ. وَلِأَنَّ فِيمَا يَقُولُهُ الرَّسُولُ احْتِمَالُ الصِّدْقِ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ جَانِبُ الصِّدْقِ. وَبِهَذَا الْقَدْرِ تَثْبُتُ الشُّبْهَةُ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَمَانَ يَثْبُتُ فِي مَوْضِعِ الشُّبْهَةِ. فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ.

стр. 438

وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ وَالْمُسْلِمُونَ آمَنُوهُمْ ثُمَّ بَعَثُوا رَجُلًا يَنْبِذُ إلَيْهِمْ وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ وَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ. فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَعْلَمُوا ذَلِكَ. لِأَنَّهُ أَتَاهُمْ بِخَبَرٍ مُحْتَمِلٍ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ. وَذَلِكَ لَا يَكُونُ حُجَّةً تَامَّةً فِي نَقْضِ الْعَهْدِ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً فِي الْأَمَانِ بِمَعْنَى. وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِنَبْذِ الْأَمَانِ إبَاحَةُ السَّبْيِ، وَاسْتِحْلَالُ الْفَرْجِ وَالدِّمَاءِ. وَهَذَا مِمَّا لَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ. وَمُجَرَّدُ الظَّاهِرِ أَوْ خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الشُّبْهَةِ. فَأَمَّا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْأَمَانِ حُرْمَةُ السَّبْيِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ. وَلِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِنَبْذِ الْأَمَانِ إذَا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَمَدَ فِيهِ بِمُجَرَّدِ الظَّاهِرِ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمَانِ إذَا وَقَعَ فِيهِ غَلَطٌ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ فَيَجُوزُ الِاعْتِمَادُ فِيهِ عَلَى الْخَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ رَسُولًا. ٧١٤ - فَإِنْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ التَّثَبُّتِ فَقَالُوا: لَمْ يَبْلُغْنَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُكُمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ. لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا نَبْذَ الْأَمَانِ، وَفِيهِ تَمَسُّكٌ بِالْأَصْلِ الْمَعْلُومِ. فَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ مَا أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَغْرَمُونَ دِيَاتِ مَنْ قَتَلُوا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَمَانٍ مَا لَمْ يَعْلَمُوا بِالنَّبْذِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَيْسَ فِي وُسْعِ الْأَمِيرِ فَوْقَ هَذَا. قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، بَلْ فِي وُسْعِهِ أَنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا يَنْبِذُ إلَيْهِمْ، وَيُرْسِلَ لَهُمْ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، حَتَّى يَشْهَدَا عَلَى تَبْلِيغِهِ

стр. 439

النَّبْذَ. فَهَذَا أَدْنَى مَا تَتِمُّ بِهِ الرِّسَالَةُ فِي النَّبْذِ. حَتَّى لَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ رَجُلَيْنِ فَرَجَعَا وَشَهِدَا عَلَى تَبْلِيغِ النَّبْذِ إلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا شَهِدَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي الْأَحْكَامِ. وَلَا يُقْبَلُ فِي مِثْلِ هَذَا إلَّا مَا يَكُونُ حُجَّةً فِي الْأَحْكَامِ. ٧١٥ - وَلَوْ جَاءَ رَسُولُ أَمِيرِهِمْ بِكِتَابٍ مَخْتُومٍ إلَى أَمِيرِ الْعَسْكَرِ: إنِّي قَدْ نَاقَضْتُك الْعَهْدَ. فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعَجِّلُوا حَتَّى يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْكِتَابَ مُحْتَمَلٌ وَلَعَلَّهُ مُفْتَعَلٌ. ٧١٦ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي جَاءَ بِالْكِتَابِ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَشَهِدَا أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ كِتَابُ الْمَلِكِ وَخَاتَمُهُ، جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ.؛ لِأَنَّ الرَّسُولَيْنِ عِنْدَنَا فِي أَمَانٍ، وَالْقَوْمُ كَذَلِكَ، قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ النَّبْذُ. وَشَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ حُجَّةٌ تَامَّةٌ. وَبَعْدَ تَمَامِ النَّبْذِ بِشَهَادَتِهِمْ لَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ وَاسْتِرْقَاقِهِمْ. ٧١٧ - إلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّذَانِ شَهِدَا بِالْكِتَابِ مِمَّنْ لَا ` تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا مِنْهُمْ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَوْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَحِينَئِذٍ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعَجِّلُوا بِقِتَالِهِمْ.

стр. 440

لِأَنَّ شَهَادَةَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِحَجَّةٍ فِي الْأَحْكَامِ. وَنَبْذُ الْأَمَانِ لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ. فَيَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِيَسْأَلُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَسَرُوهُمْ فَجَحَدُوا الْكِتَابَ وَحَلَفُوا أَنَّهُمْ مَا كَتَبُوهُ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ شَرْعًا، وَلَا يَبْطُلُ إنْكَارُهُمْ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا شَهَادَةَ لَهُ. فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَبْعَثَ الْأَمِيرُ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، حَتَّى إذَا أَنْكَرُوا الْكِتَابَ شَهِدُوا بِهِ عَلَيْهِمْ. ٧١٨ - وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ بَعَثَ إلَيْهِمْ عَشْرَةً مَعَهُمْ كِتَابٌ فِيهِ نَقْضُ الْعَهْدِ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ: اقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ لِلْآخَرِينَ: اشْهَدُوا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. فَاجْتَمَعَ أَمِيرُهُمْ مَعَ الْقُوَّادِ وَالْبَطَارِقَةِ. فَقَرَأَ الرَّجُلُ عَلَيْهِمْ بِالْعَرَبِيَّةِ وَتَرْجَمَ التُّرْجُمَانُ بِلِسَانِهِمْ. ثُمَّ رَجَعَ الرُّسُلُ فَأَخْبَرُوا بِمَا كَانَ. فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ هَذَا، وَالتَّكْلِيفُ يَثْبُتُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَفِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ. ٧١٩ - فَإِنْ أَغَارُوا عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: إنَّ التُّرْجُمَانَ لَمْ يُخْبِرْنَا بِنَقْضِ الْعَهْدِ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَنَا أَنَّ فِي الْكِتَابِ: قَدْ زِدْنَاكُمْ فِي مُدَّةِ الْأَمَانِ كَذَا. فَقَوْلُهُمْ هَذَا بَاطِلٌ.

стр. 441

لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُمْ أُتُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ حِينَ اخْتَارُوا لِلتَّرْجَمَةِ خَائِنًا، وَلَيْسَ فِي وُسْعِنَا أَنْ نَعْلَمَ حَقِيقَةَ مَا يُخْبِرُهُمْ بِهِ التُّرْجُمَانُ، إلَّا أَنْ يَسْتَقِرَّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ حَضَرُوهُمْ أَنَّ التُّرْجُمَانَ قَالَ لَهُمْ غَيْرَ مَا فِي الْكِتَابِ. فَإِنْ اسْتَيْقَنَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَالْقَوْمُ عَلَى أَمَانِهِمْ. أَرَأَيْت لَوْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ الَّذِينَ أَمَّنَّاهُمْ لَهُمْ لُغَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَكَانُوا قَوْمًا مِنْ الْعَرَبِ لَهُمْ لُغَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَتِهِمْ أَوْ أَعْرَبُوا فِي الْكَلَامِ. فَذَكَرُوا الْغَرِيبَ مِنْ اللُّغَاتِ فَقَالُوا: لَمْ نَفْهَمْ اللُّغَةَ، أَيَنْبَغِي أَنْ نُصَدِّقَهُمْ عَلَى هَذَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِاللُّغَةِ؟ لَا نُصَدِّقُهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى نَسْتَيْقِنَ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا. فَإِذَا تَيَقَّنَّا بِذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ اعْتِبَارُ الظَّاهِرِ بِالْيَقِينِ، وَكَانُوا هُمْ عَلَى الْأَمَانِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا؛ لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ فِيمَا يُبْتَنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁: لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا جَاءَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى الْأَمِيرِ وَهُمْ فِي الْمَفَازَةِ، وَكَانُوا عَلَى حِصْنٍ، حَاصَرُوهُ وَقَالَ: إنِّي كُنْت أَمَّنْت هَذَا. فَأَتَانِي عَلَى أَمَانِي إيَّاهُ، لَمْ يُصَدَّقْ حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ سِوَاهُ أَنَّهُ قَدْ أَمَّنَهُ. لِأَنَّهُ صَارَ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ حِينَ جَاءَ بِهِ الْأَمِيرُ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ مِنْهُمْ. وَهَذَا الْمُسْلِمُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يُؤَمِّنَهُ ابْتِدَاءً، فَلَا يُصَدَّقُ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ مِنْ أَمَانِهِ. وَفِي الْقِيَاسِ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ إنْ شَاءَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَأْسُورِينَ. وَلَكِنْ فِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ فَيْئًا، وَلَا يَقْتُلَهُ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ يُمْكِنْ شُبْهَةً مَانِعَةً مِنْ إرَاقَةِ الدَّمِ. وَهَذَا لِأَنَّ حُرْمَةَ قَتْلِ الْمُسْتَأْمَنِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى أَمْرِ الدِّينِ حُجَّةٌ شَرْعًا، خُصُوصًا فِيمَا لَا يَكُونُ فِيهِ إلْزَامٌ عَلَى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ الْخَبَرِ.

стр. 442

وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا غَيْرَ الَّذِي جَاءَ بِهِ شَهِدَ أَنَّهُ آمَنَهُ. لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ. وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الْهُرْمُزَانِ، فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ لَهُ: تَكَلَّمْ، لَا بَأْسَ عَلَيْك، أَوْ تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ حَيٍّ. ثُمَّ اشْتَبَهَ ذَلِكَ عَلَى عُمَرَ. فَشَهِدَ لَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ مَعَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَشَهِدَ بِذَلِكَ، فَآمَنَهُ عُمَرُ. فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ إذَا شَهِدَا عَلَى أَمَانِ غَيْرِهِمَا. لِأَنَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ مُنْكِرٌ لِلْأَمَانِ، وَلَوْ كَانَ مُقِرًّا بِهِ لَمْ تَكُنْ شَهَادَتُهُ حُجَّةً عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ سِوَاهُ حَتَّى يَثْبُتَ الْأَمَانُ، إلَّا فِي حَقِّ الرَّسُولِ خَاصَّةً إذَا عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَهُمْ بِالْأَمَانِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ ائْتَمَنُوهُ عَلَى الرِّسَالَةِ. فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ خِيَانَةٌ فَذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا وَلَّى قَاضِيًا أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ فَأَخْطَأَ فِي إقَامَةِ حَدٍّ مِنْ رَجْمٍ أَوْ قَطْعٍ فِي سَرِقَةٍ كَانَ ذَلِكَ عَلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُمْ وَلَّوْهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَخَطَؤُهُ عَلَيْهِمْ، كَذَلِكَ الرَّسُولُ حِينَ وَلَّوْهُ الرِّسَالَةَ فَخَطَؤُهُ وَجِنَايَتُهُ تَكُونُ عَلَيْهِمْ دُونَ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ السَّرِيَّةِ تُؤَمِّنُ أَهْلَ الْحِصْنِ ثُمَّ تَلْحَقُهَا سَرِيَّةُ أُخْرَى] ٧٢١ -

стр. 443

٥٨ - بَابُ السَّرِيَّةِ تُؤَمِّنُ أَهْلَ الْحِصْنِ ثُمَّ تَلْحَقُهَا السَّرِيَّةُ الْأُخْرَى قَالَ: وَلَوْ أَنَّ سَرِيَّةً صَالَحُوا أَهْلَ حِصْنٍ عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ حَتَّى يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ صَحَّ ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ لَوْ أَمَّنُوهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ جَازَ فَمَعَ الْعِوَضِ أَجَوْزُ؛ لِأَنَّ فِي الْأَمَانِ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَهُوَ صَحِيحٌ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ عَنْ الْقِصَاص. ٧٢٢ - وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرُوا بَعْدَ هَذَا الصُّلْحِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ. لِأَنَّهُمْ خَصُّوا بِالْأَمَانِ أَهْلَ الْحِصْنِ. وَدَخَلَ فِي أَمَانِهِمْ أَمْتِعَتُهُمْ وَمَوَاشِيهِمْ تَبَعًا؛ لِأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُمْ، لِيُقِيمُوا فِي حِصْنِهِمْ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْرِضُوا لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَّا مَا كَانُوا أَخَذُوهُ قَبْلَ الصُّلْحِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ رَدُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ صَارَ غَنِيمَةً لَهُمْ، وَمَا أَمَّنُوهُمْ لِيَرُدُّوا عَلَيْهِمْ الْغَنَائِمَ إنَّمَا أَمَّنُوهُمْ لِيَتْرُكُوا التَّعَرُّضَ لِأَمْوَالِهِمْ، وَقَدْ خَرَجَ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِهِمْ.

стр. 444

فَإِنْ مَضَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَدَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إلَى الْحِصْنِ أَخْبَرُوهُمْ بِذَلِكَ الصُّلْحِ، وَشَهِدَ عَلَى ذَلِكَ عَدْلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِأَهْلِ الْحِصْنِ بِشَيْءٍ. لِأَنَّ عَقْدَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى نَافِذٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً. قَالَ ﵇: «الْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ يَعْقِدُ عَلَيْهِمْ أَوْلَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ» . قِيلَ الْمُرَادُ بِعَقْدِ أَوَّلِ السَّرَايَا الْأَمَانُ. فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. ٧٢٤ - وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ السَّرِيَّةِ حُكْمُ السَّرِيَّةِ الْأُولَى، وَهُمْ لَوْ رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِأَهْلِ الْحِصْنِ بِشَيْءٍ، إلَّا أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ بِرَدِّ الدَّنَانِيرِ الْمَقْبُوضَةِ عَلَيْهِمْ. فَكَذَلِكَ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ الدَّنَانِيرَ الَّتِي أَخَذَهَا أَصْحَابُهُمْ ثُمَّ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ. وَهَذَا لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْا الدَّنَانِيرَ لِيَأْمَنُوا إلَى وَقْتِ خُرُوجِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، فَمَا لَمْ يَخْرُجُوا كَانُوا فِي أَمَانٍ. وَلَوْ قَاتَلْنَاهُمْ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ الدَّنَانِيرِ كَانَ فِيهِ إضْرَارٌ وَغُرُورٌ وَهُوَ حَرَامٌ. وَإِنْ رَدُّوا الدَّنَانِيرَ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى ظَفِرُوا بِهِمْ، ثُمَّ الْتَقَوْا هُمْ وَالسَّرِيَّةُ

стр. 445

الْأُولَى فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي أَخَذَتْهَا السَّرِيَّةُ الْأُولَى. لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ غَنِيمَةٌ. وَقَدْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ. وَذَلِكَ سَبَبُ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمْ فِيهَا. إلَّا أَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ إنْ كَانُوا غَرِمُوا الدَّنَانِيرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَخَذُوهَا مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. لِأَنَّهُمْ تَوَصَّلُوا إلَى هَذِهِ الْأَمْوَالِ بِرَدِّ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ، وَمَا كَانُوا مُتَبَرِّعِينَ فِيمَا أَدَّوْا مِنْهَا، وَإِنَّمَا كَانُوا مُتَطَرِّقِينَ بِهَا إلَى الْوُصُولِ إلَى هَذِهِ الْغَنِيمَةِ، فَيَكُونُ حَقُّهُمْ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْغَانِمِينَ. ثُمَّ الْبَاقِي مَقْسُومٌ بَيْنَ الْكُلِّ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ. فَإِنْ كَانُوا غَرِمُوهَا مِنْ غَنِيمَةٍ أَصَابُوهَا لَمْ يَأْخُذُوهَا؛ لِأَنَّ مَا أَدَّوْا مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ مَا تَوَصَّلُوا بِهِ إلَى أَخْذِهِ. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَضَى بَعْضُ الْوَرَثَةِ دَيْنًا بِهِ رَهْنٌ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ التَّرِكَةِ. فَإِنْ قَضَاهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ رَجَعَ بِهِ عَلَى التَّرِكَةِ، وَإِنْ قَضَاهُ مِنْ التَّرِكَةِ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِنْهُ. ٧٢٥ - وَإِنْ لَمْ تَلْتَقِ السَّرِيَّتَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَلِمَتْ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى الدَّنَانِيرُ الَّتِي أَخَذُوهَا وَلِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ غَنَائِمُهُمْ الَّتِي غَنِمُوا

стр. 446

لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ اخْتَصَّ بِإِحْرَازِ ذَلِكَ بِدَارِنَا. وَلَيْسَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَأْخُذُوا الدَّنَانِيرَ مِنْ السَّرِيَّةِ الْأُولَى. وَإِنْ غَرِمُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. لِأَنَّهُمْ اخْتَصُّوا بِمَنْفَعَةِ مَا أَدَّوْا حِينَ سَلِمَتْ لَهُمْ غَنَائِمُ أَهْلِ الْحِصْنِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَقَدْ اشْتَرَكَتْ السَّرِيَّتَانِ هُنَاكَ فِي الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ غَنَائِمُ أَهْلِ الْحِصْنِ، مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ. فَهُنَاكَ رُجُوعُهُمْ فِي غَنَائِمِ أَهْلِ الْحِصْنِ خَاصَّةً، وَهُنَا غَنَائِمُ أَهْلِ الْحِصْنِ سَالِمَةٌ لَهُمْ. ٧٢٦ - وَإِنْ لَمْ تَظْفَرْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ بِالْحِصْنِ فَالْتَقَوْا مَعَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يَكُنْ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ دَنَانِيرِهِمْ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَحْرَزُوا بِدَارِنَا مِنْ الْغَنَائِمِ. ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى فِيمَا رَدُّوا مِنْ الدَّنَانِيرِ حِينَ لَمْ يَتَوَصَّلُوا بِهَا إلَى غَنَائِمِ أَهْلِ الْحِصْنِ فَكَانُوا مُتَبَرِّعِينَ فِي حَقِّهِمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْغُنْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُرْمِ. فَإِذَا ظَهَرَتْ الْمَنْفَعَةُ لَهُمْ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَا رَدُّوا مِنْ الدَّنَانِيرِ، نَفَذَ الرَّدُّ فِي حَقِّ الْكُلِّ. وَإِذَا لَمْ تَظْهَرْ الْمَنْفَعَةُ لَا يَنْفُذُ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِ الَّذِينَ رَدُّوا. ٧٢٧ - وَإِنْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ غَنِمَتْ مِنْ غَيْرِ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ فَأَرَادُوا أَخْذَ دَنَانِيرِهِمْ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ. لِأَنَّ هَذِهِ الْغَنَائِمَ كَانُوا يَتَوَصَّلُونَ إلَيْهَا بِدُونِ رَدِّ الدَّنَانِيرِ، فَلَا يَظْهَرُ حُكْمُ رَدِّ الدَّنَانِيرِ فِي حَقِّهَا، كَمَا لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الْأُولَى،

стр. 447

بِخِلَافِ مَا إذَا غَنِمُوا مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، فَإِنَّ وُصُولَهُمْ إلَى تِلْكَ الْغَنَائِمِ بِاعْتِبَارِ رَدِّ الدَّنَانِيرِ فَيَرْفَعُونَ دَنَانِيرَهُمْ مِنْهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ. ٧٢٨ - وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ أَخْبَرُوا السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ بِالْأَمَانِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهُمْ. وَلَكِنْ قَاتَلُوهُمْ وَظَفِرُوا بِهِمْ، ثُمَّ عَلِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالْأَمَانِ فَعَلَيْهِمْ رَدُّ مَا أَخَذُوا وَضَمَانُ مَا اسْتَهْلَكُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَدِيَاتُ مَنْ قَتَلُوا مِنْهُمْ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ. لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ، وَأَنَّ نُفُوسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ كَانَتْ مَعْصُومَةً مُتَقَوِّمَةً. فَكُلُّ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا فَإِنَّمَا قَتَلَهُ خَطَأً، فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ. بَلَغَنَا أَنَّ «رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ جَاءَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُسْتَأْمِنَيْنِ فَأَجَازَهُمَا بِحُلَّتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَهُمَا قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوهُمَا. ثُمَّ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ، فَعَرَفَهُمَا وَعَرَفَ الْحُلَّتَيْنِ، فَوَدَاهُمَا بِدِيَةِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ» هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ الْحَدِيثَ. وَفِي كُتُبِ الْمَغَازِي أَنَّ الرَّجُلَيْنِ كَانَا مِنْ بَنِي عَامِرٍ. قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ حِين انْصَرَفَ مِنْ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَقَدْ فَعَلَ بَنُو عَامِرٍ بِأَصْحَابِهِ مَا فَعَلُوا.

стр. 448

وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ قَالُوا لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى: آمِنُونَا أَنْتُمْ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يُؤَمِّنُونَهُمْ، سَوَاءٌ صَرَّحُوا بِقَوْلِهِمْ أَنْتُمْ أَوْ لَمْ يُصَرِّحُوا. ٧٣٠ - وَلَوْ قَالُوا: عَلَى أَنْ لَا تَعْرِضُوا أَنْتُمْ لَنَا حَتَّى تَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ، فَلَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الْحِصْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا. لِأَنَّهُمْ إنَّمَا اسْتَأْمَنُوا مِنْهُمْ خَاصَّةً لِيُزِيلُوا تَعَرُّضَهُمْ عَنْهُمْ. وَمَقْصُودُهُمْ مِنْ أَدَاءِ الدَّنَانِيرِ هُنَا أَنْ تَنْصَرِفَ عَنْهُمْ السَّرِيَّةُ الَّتِي أَحَاطَتْ بِهِمْ، وَقَدْ حَصَلَ هَذَا الْمَقْصُودُ لَهُمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَهُنَاكَ الْتَمَسُوا أَمَانًا عَامًّا إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ. وَكَمَا أَنَّ الْأَمَانَ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ بِالْوَقْتِ، يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ مِنْ حَيْثُ السَّرَايَا، إلَّا أَنَّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُوجِبَ اللَّفْظِ الْعُمُومُ، وَعِنْدَ التَّنْصِيصِ عَلَى مَا يُوجِبُ الْخُصُوصَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ خَاصَّةً ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى الْأَمَانِ الْعَامِّ فَقَالَ: ٧٣١ - إنْ خَرَجَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى قَبْلَ وُصُولِ الثَّانِيَةِ إلَى أَهْلِ الْحِصْنِ. ثُمَّ وَصَلُوا إلَيْهِمْ فَلَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الْحِصْنِ مِنْ غَيْرِ نَبْذِ وَرَدِّ الدَّنَانِيرِ.

стр. 449

لِأَنَّ الْأَمَانَ كَانَ لَهُمْ إلَى غَايَةٍ، وَهُوَ خُرُوجُ السَّرِيَّةِ الْأُولَى إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَانْتَهَى الْأَمَانُ بِوُجُودِ الْغَايَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ السَّرِيَّةَ الْأُولَى لَوْ عَادُوا إلَيْهِمْ بَعْدَ مَا خَرَجُوا كَانَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ؟ فَكَذَلِكَ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ. ٧٣٢ - وَلَوْ كَانَ خَرَجَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ خُرُوجُ الْأَمِيرِ مَعَ جَمَاعَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ لَهُمْ الْمَنَعَةُ. لِأَنَّ الْبَاعِثَ لِأَهْلِ الْحِصْنِ عَلَى الْتِمَاسِ الصُّلْحِ وَأَدَاءِ الدَّنَانِيرِ خَوْفُهُمْ مِنْ السَّرِيَّةِ، وَذَلِكَ كَانَ بِاعْتِبَارِ جَمَاعَتِهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ. وَكَانَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّهُ وَإِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ بِدُونِ رَدِّ الدَّنَانِيرِ. لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ بِجُمْلَةٍ يَبْقَى بِبَقَاءِ الْوَاحِدِ، كَمَا قَالَ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي ارْتَدَّ أَهْلُهَا وَبَقِيَ فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ آمِنٌ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ دَارَ الْحَرْبِ. وَلَكِنَّ هَذَا الْقِيَاسَ مَتْرُوكٌ هَا هُنَا لِأَجْلِ التَّعَذُّرِ. أَرَأَيْت لَوْ قُتِلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَوْ مَاتَ أَوْ أُسِرَ أَوْ فُقِدَ أَلَمْ يَحِلَّ قِتَالُ أَهْلِ الْحِصْنِ أَيْضًا بَعْدَ خُرُوجِ الْجَمَاعَةِ؟ . ٧٣٣ - وَلَوْ لَمْ تَخْرُجْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى وَلَكِنَّهُمْ قُتِلُوا حَلَّ قِتَالُ أَهْلِ الْحِصْنِ أَيْضًا. ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا قُتِلُوا فَكَأَنَّهُمْ خَرَجُوا. يَعْنِي أَنَّ أَهْلَ الْحِصْنِ يَأْمَنُونَ جَانِبَهُمْ إذَا قُتِلُوا فَوْقَ مَا يَأْمَنُونَ جَانِبَهُمْ إذَا خَرَجُوا.

стр. 450

وَإِنْ قُتِلَ مِنْهُمْ نَاسٌ وَبَقِيَ نَاسٌ فَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْمَنَعَةُ كَمَا فِي الْخُرُوجِ. فَإِنْ كَانَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ لَا مَنَعَةَ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ. وَإِنْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ لَمْ يَحِلَّ قِتَالُهُمْ مَا لَمْ يَخْرُجْ هَؤُلَاءِ إلَى دَارِنَا. . وَلَوْ كَانُوا صَالَحُوهُمْ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ هَذِهِ السَّنَةَ فَهَذَا جَائِزٌ. لِأَنَّهُمْ وَقَّتُوا الْأَمَانَ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ يَقِينًا، وَلَوْ وَقَّتُوهُ بِمَا هُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَهُوَ خُرُوجُهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، جَازَ، فَفِيمَا هُوَ مَعْلُومٌ أَجَوْزُ. ثُمَّ لَمَّا عَرَّفُوا السَّنَةَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يَنْصَرِفُ إلَى السَّنَةِ الْمَعْهُودَةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا، وَمُضِيُّهَا انْقِضَاءُ ذِي الْحِجَّةِ، حَتَّى إذَا كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا شَهْرًا فَلَهُمْ ذَلِكَ خَاصَّةً. ٧٣٥ - وَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا صَالَحْنَاكُمْ عَلَى مَا نَحْسِبُ نَحْنُ عَلَيْهِ السَّنَةَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمْ الَّذِينَ أَعْطَوْهُمْ الْأَمَانَ، وَالْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ تَنْصَرِفُ إلَى مَا يَكُونُ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ دُونَ مَا يَكُونُ مَعْلُومًا لَهُمْ. فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ. وَقَدْ أُمِرْنَا بِبِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا نَعْرِفُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابِ﴾ [يونس: ٥] . إلَّا أَنْ يَكُونُوا بَيَّنُوا ذَلِكَ فِي صُلْحِهِمْ فَحِينَئِذٍ الشَّرْطُ أَمْلَكُ. ٧٣٦ - وَإِنْ قَالُوا: لَنَا سَنَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ وَقْتِ الصُّلْحِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ.

стр. 451

لِأَنَّهُمْ قَالُوا: هَذِهِ السَّنَةُ، وَاثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مُدَّةُ سَنَةٍ مُنَكَّرَةٍ لَا سَنَةٍ مُعَرَّفَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ يَنْصَرِفُ نَذْرُهُ إلَى سَنَةٍ كَامِلَةٍ؟ وَلَوْ قَالَ: صَوْمُ السَّنَةِ يَنْصَرِفُ إلَى بَقِيَّةِ السَّنَةِ وَمُضِيُّهَا انْقِضَاءُ ذِي الْحِجَّةِ. ٧٣٧ - وَإِنْ قَالُوا: عَنَيْنَا هَذِهِ السَّنَةَ إلَى انْصِرَافِكُمْ مِنْ صَائِفَتِكُمْ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ ادَّعَوْا مَا هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ. فَإِنَّ الظَّاهِرَ مَا يَسْبِقُ إلَى الْأَفْهَامِ، وَاَلَّذِي يَسْبِقُ إلَى الْأَفْهَامِ مِنْ ذِكْرِ السَّنَةِ الْمُدَّةُ دُونَ الِانْصِرَافُ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا. ٧٣٨ - فَإِنْ بَيَّنُوا فِي الصُّلْحِ فَهُوَ عَلَى مَا بَيَّنُوا. وَإِنْ قَالُوا: عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونَا سَنَةً، فَهَذَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ وَقْتِ الصُّلْحِ. ؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا سَنَةً مُنَكَّرَةً، وَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] يَعْنِي شُهُورَ السَّنَةِ. ٧٣٩ - وَلَوْ قَالُوا: نُصَالِحُكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونَا عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ، وَلَمْ يُوَقِّتُوا وَقْتًا، فَهَذَا عَلَى خُرُوجِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ وَبِمَا يُعْلَمُ مِنْ مَقْصُودِ الْمُتَكَلِّمِ، وَبَعْدَ مَا أَحَاطَتْ بِهِمْ السَّرِيَّةُ يُعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَهُمْ بِهَذَا الصُّلْحِ الْأَمْنُ مِنْ الْخَوْفِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ بِخُرُوجِ السَّرِيَّةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَكَأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِهَذَا وَقَالُوا: آمِنُونَا حَتَّى تَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.

стр. 452

فَإِنْ خَرَجُوا ثُمَّ عَادُوا، هُمْ أَوْ غَيْرُهُمْ، فَلَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الْحِصْنِ مِنْ غَيْرِ رَدِّ الدَّنَانِيرِ. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ. لِأَنَّ الْأَمَانَ لَهُمْ مُطْلَقٌ. وَالْمَقْصُودُ الَّذِي ذَكَرْنَا يَرْجِعُ إلَى مَا أَدَّوْا مِنْ الدَّنَانِيرِ. فَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ تَتِمُّ سَلَامَةُ الدَّنَانِيرِ لَهُمْ إذَا خَرَجُوا، وَبِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْأَمَانِ مُطْلَقًا لَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ مَا لَمْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، كَمَا لَوْ أَمَّنُوهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ: فَهُنَاكَ الْأَمَانُ مُؤَقَّتٌ نَصًّا، فَلَا يَبْقَى بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ. ٧٤١ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ بَعَثَ إلَيْهِمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَنْ يَدْعُوهُمْ إلَى الصُّلْحِ، فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ عَلَى مَالٍ مُطْلَقًا. ثُمَّ بَدَا لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَا أَخَذُوا مِنْهُمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. لِأَنَّ هُنَاكَ مَقْصُودُهُمْ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ إزَالَةُ الْخَوْفِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ، وَهَا هُنَا مَا حَلَّ بِهِمْ خَوْفٌ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُمْ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ هَا هُنَا تَحْصِيلُ الْأَمْنِ لَهُمْ مُطْلَقًا، حَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِجَانِبِهِمْ. وَالْمُطْلَقُ فِيمَا يَحْتَمِلُ التَّأْيِيدَ بِمَنْزِلَةِ الْمُصَرَّحِ بِذِكْرِ التَّأْيِيدِ. فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: آمِنُونَا أَبَدًا. فَلِهَذَا لَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ إلَّا بَعْدَ رَدِّ الْمَالِ عَلَيْهِمْ. ٧٤٢ - فَإِنْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ الَّتِي أَحَاطَتْ بِالْحِصْنِ صَالَحُوهُمْ عَلَى أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى هَذَا شَيْئًا، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ مَا دَامُوا فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ.

стр. 453

وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ غَيْرُ تِلْكَ السَّرِيَّةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ تِلْكَ السَّرِيَّةُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّهُمْ عِنْدَ بَذْلِ الْمَالِ شَرَطُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ. وَهَذَا اللَّفْظُ يَخُصُّهُمْ دُونَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ. ٧٤٣ - وَمِنْ حَيْثُ الْمَقْصُودُ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَأْمَنُوا جَانِبَهُمْ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَتِمُّ بِخُرُوجِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَيَتِمُّ سَلَامَةُ الدَّنَانِيرِ لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ. ٧٤٤ - فَإِنْ عَادُوا إلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ رَدُّ الدَّنَانِيرِ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ. لِأَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحِصْنِ أَمَانًا خَاصًّا، وَلَكِنْ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ نَصًّا. وَقَدْ قُلْنَا إنَّ مِثْلَ هَذَا الْأَمَانِ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَحِلَّ قِتَالُهُمْ قَبْلَ النَّبْذِ إلَيْهِمْ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ. ٧٤٥ - فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّرِيَّةِ، حَتَّى أَغَارُوا عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ وَأَخَذُوا مِنْهُمْ مَالًا رَدُّوا عَلَيْهِمْ مَا أَخَذُوا. لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ حَتَّى يُنْبَذَ إلَيْهِمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا أُحِلُّ لَكُمْ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ الْمُعَاهَدِينَ» . ٧٤٦ - وَلَوْ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعَثَ ثَلَاثَةَ عَسَاكِرَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.

стр. 454

فَبَعَثَ أَهْلُ حِصْنٍ لَمْ يَأْتِهِ الْمُسْلِمُونَ بَعْدُ إلَى أَمِيرِ عَسْكَرٍ مِنْ تِلْكَ الْعَسَاكِرِ أَنْ آمِنُوا أَهْلَ حِصْنِ كَذَا - عَلَى أَنْ تَكُفُّوا عَنْهُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا مِنْ غَزَاتِكُمْ هَذِهِ - عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ. وَتَرَاضَوْا عَلَى هَذَا، فَلَيْسَ لِلْعَسْكَرَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ وَلَا لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَدْخُلُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، حَتَّى تَرْجِعَ الْعَسْكَرُ الثَّلَاثَةُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ هَذَا الْأَمَانَ نَافِذٌ فِي حَقِّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُ أَهْلِ الْحِصْنِ بِهَذَا أَنْ يَأْمَنُوا جَانِبَ الْعَسْكَرِ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ خَاصَّةً، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَنْزِلُوا بِسَاحَتِهِمْ بَعْدُ، بَلْ خَوْفُهُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ الْعَسْكَرَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَمِنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، فَعَرَفْنَا أَنَّ مَقْصُودَهُمْ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ إزَالَةُ هَذَا الْخَوْفِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ إلَى غَايَةٍ، وَهُوَ خُرُوجُ الْعَسْكَرِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا عَلِمَ الْأَمَانَ كَافَّةُ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ إلَّا بَعْدَ النَّبْذِ وَرَدِّ الدَّنَانِيرِ. ٧٤٧ - بِخِلَافِ مَا إذَا دَنَا الْعَسْكَرُ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِمْ مِنْ الْحِصْنِ حَتَّى حَاصَرُوهُمْ، أَوْ كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ. فَإِنَّ هُنَاكَ مَقْصُودَهُمْ الْأَمْنُ مِنْ جَانِبِهِمْ خَاصَّةً. لِأَنَّهُمْ صَارُوا مَحْصُورِينَ مَقْهُورِينَ مِنْ جِهَتِهِمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مُطْلَقَ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِالْمَقْصُودِ، فَلِهَذَا كَانَ لِلْعَسْكَرَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمِيرُ الشَّامِ أَوْ الْخَلِيفَةُ أَوْ وَلِيُّ الْعَهْدِ مَعَ أَحَدِ الْعَسَاكِرِ الثَّلَاثَةِ، فَأَرْسَلُوا إلَيْهِ أَنْ آمِنُونَا عَلَى أَنْ تَكُفُّوا عَنَّا حَتَّى تَرْجِعُوا عَنْ غَزَاتِكُمْ فَفَعَلَ، أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْعَسَاكِرِ كُلِّهَا، وَعَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَيْضًا، حِينَ

стр. 455

لَمْ يَذْكُرُوا أَهْلَ حِصْنٍ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، فَيَكُونُ مُوجِبًا الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ، إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ بِأَنْ يُبَيِّنُوا فَيَقُولُوا: آمِنُوا أَهْلَ حِصْنِ كَذَا. ٧٤٨ - وَلَوْ كَانَ الْخَلِيفَةُ مَعَ عَسْكَرِهِ أَحَاطَ بِذَلِكَ الْحِصْنِ فَآمَنَهُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، كَانَ الْأَمَانُ لَهُمْ خَاصَّةً مِنْ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ أَحَاطُوا بِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ. ٧٤٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا بَعَثُوا إلَى أَحَدِ الْعَسَاكِرِ فَقَالُوا: آمِنُونَا أَنْتُمْ خَاصَّةً. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يُؤَمِّنُونَهُمْ خَاصَّةً، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ الزِّيَادَةَ، وَلَكِنَّ حُكْمَ أَمَانِهِمْ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً. ٧٥٠ - وَإِنْ قَالُوا: عَلَى أَنْ تَكُفُّوا عَنَّا أَنْتُمْ خَاصَّةً، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَيْهِمْ، فَهَذَا عَلَى ذَلِكَ الْعَسْكَرِ خَاصَّةً. لِوُجُودِ دَلِيلٍ لِلتَّخْصِيصِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا قَالُوا لِلْخَلِيفَةِ: آمِنُونَا نَحْنُ خَاصَّةً. فَالْأَمَانُ لَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ. لِلتَّصْرِيحِ بِمَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ فِي الْكَلَامِ.

стр. 456

إنْ لَحِقَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْعَسَاكِرِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُمْ أَهْلَ الْحِصْنِ. لِأَنَّهُمْ اسْتَفَادُوا الْأَمَانَ مِنْ جَانِبِ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ حُكْمٌ ثَابِتٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ. فَكَمَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مَعَ عَسْكَرِهِ لَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مَعَ عَسْكَرٍ آخَرَ. ٧٥٢ - وَلَوْ أَنَّ سَرِيَّةً حَاصَرُوا حِصْنًا، فَسَأَلَهُمْ أَهْلُ الْحِصْنِ أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ فَفَعَلُوا، ثُمَّ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فِي دَارِ الْحَرْبِ وَعَلِمُوا بِذَلِكَ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ الدَّنَانِيرَ أَوْ يَنْتَهِيَ الْأَمَانُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لِنُفُوذِ أَمَانِهِمْ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ رَدُّوا الدَّنَانِيرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ وَظَفِرُوا بِهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا بِالْغَنَائِمِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِالدَّنَانِيرِ الَّتِي أَدَّوْا، فَيُعْطَوْنَ ذَلِكَ قَبْلَ الْخُمُسِ وَقَبْلَ كُلِّ قِسْمَةٍ. لِأَنَّهُمْ إنَّمَا تَوَصَّلُوا إلَى هَذِهِ الْغَنَائِمِ بِمَا أَدَّوْا، فَلَا يَكُونُونَ مُتَبَرِّعِينَ فِيمَا أَدَّوْا، بَلْ يَكُونُونَ أَحَقَّ بِمَا أَصَابُوا مِنْ الْحِصْنِ حَتَّى يَأْخُذُوا دَنَانِيرَهُمْ. أَرَأَيْت لَوْ وَجَدُوا فِي الْحِصْنِ تِلْكَ الدَّنَانِيرَ بِعَيْنِهَا مَا كَانُوا أَحَقَّ بِهَا قَبْلَ الْخُمُسِ وَالْقِسْمَةِ؟ فَكَذَلِكَ إذَا وَجَدُوا فِي الْحِصْنِ مِثْلَهَا. وَهُوَ نَظِيرُ الْمَرْهُونِ إذَا أَسَرَهُ الْعَدُوُّ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ مُسْلِمٌ فَأَخْرَجَهُ، وَظَفِرَ بِهِ الرَّاهِنُ دُونَ الْمُرْتَهِنِ فَأَخَذَهُ بِالثَّمَنِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ دَيْنَ الْمُرْتَهِنِ، إلَّا أَنْ

стр. 457

يَرُدَّ عَلَى الرَّاهِنِ مَا أَعْطَى مِنْ الثَّمَنِ، فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ الْعَبْدَ وَيَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مَا تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ وَإِحْيَاءِ مِلْكِهِ فِيهِ إلَّا بِمَا أَدَّى، فَلَمْ يَكُنْ مُتَطَوِّعًا. وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ لِإِنْسَانٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ. فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ إذَا فَدَاهُ بِالثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي هَذَا الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَصِلُ إلَى خِدْمَتِهِ إلَّا بِهِ، حَتَّى إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِدْمَةِ بِيعَ الْعَبْدُ لَهُ فِي الْفِدَاءِ. إلَّا أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ مِثْلَ مَا أَدَّى فَحِينَئِذٍ يَسْلَمُ الْعَبْدَ لَهُ. وَكَذَلِكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ إذَا أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إنْ شِئْت فَخُذْهُ بِالثَّمَنَيْنِ جَمِيعًا، وَإِنْ شِئْت فَدَعْ. لِأَنَّ الْبَائِعَ مَا كَانَ يَتَوَصَّلُ إلَى إحْيَاءِ حَقِّهِ إلَّا بِأَدَاءِ الْفِدَاءِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ مُتَبَرِّعًا فِيمَا أَدَّى، فَكَذَلِكَ حَالُ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ فِيمَا أَدَّوْا مِنْ الدَّنَانِيرِ، فَيُسَلَّمُ لَهُمْ هَذَا قَبْلَ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّ الْخُمُسَ فِي الْغَنِيمَةِ، وَمَا أَدَّوْا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْغَنِيمَةِ. فَمِثْلُهُ الْمَرْدُودُ عَلَيْهِمْ لَا يَكُونُ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَيْضًا، وَلَكِنْ بِمَنْزِلَةِ النَّفْلِ يَنْفُلُونَهُ قَبْلَ الْخُمُسِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ. ٧٥٣ - وَلَوْ لَمْ يَظْفَرُوا بِالْحِصْنِ، وَجَعَلُوا يُقَاتِلُونَهُمْ، حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. ثُمَّ ظَفِرُوا بِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا بِتِلْكَ الدَّنَانِيرِ وَلَا مِثْلِهَا قَبْلَ الْخُمُسِ، بَلْ يُخَمَّسُ جَمِيعُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.

стр. 458

لِأَنَّ تَمَكُّنَهُمْ مِنْ اغْتِنَامِ مَا فِي هَذَا الْحِصْنِ لَمْ يَكُنْ بِرَدِّ الدَّنَانِيرِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَرُدُّوا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْأَمَانِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الِاغْتِنَامِ فِي الْمُدَّةِ قَبْلَ رَدِّ الدَّنَانِيرِ، وَلَوْ فَعَلُوا أُمِرُوا بِرَدِّ الْأَمْوَالِ عَلَيْهِمْ وَإِعَادَتِهِمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ. ٧٥٤ - وَلَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِنَا حَتَّى الْتَقَوْا، هُمْ وَالسَّرِيَّةُ الْأُولَى، فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانُوا ظَفِرُوا بِأَهْلِ الْحِصْنِ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِيمَا أَصَابُوا، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ دَنَانِيرِهِمْ شَيْءٌ. وَلَوْ كَانُوا ظَفِرُوا بِهِمْ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ أَخَذُوا دَنَانِيرَهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْبَاقِي. لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِحْرَازِ بِدَارِنَا، وَذَلِكَ سَبَبُ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا ظَفِرُوا بِهِمْ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَجَمِيعُ مَا أَصَابُوا غَنِيمَةٌ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ رُدَّ الدَّنَانِيرُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي الْخُمُسِ فَكَذَلِكَ فِي شَرِكَةِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى مَعَهُمْ. ٧٥٥ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ بَعْد رَدِّ الدَّنَانِيرِ لَمْ يَقْدِرُوا فَتْحِ الْحِصْنِ، فَدَخَلُوا أَرْضَ الْحَرْبِ ثُمَّ أَتَى أَهْلَ الْحِصْنِ سَرِيَّةٌ ثَالِثَةٌ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ حُكْمَ أَمَانِهِمْ قَدْ بَطَلَ بِرَدِّ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ الدَّنَانِيرَ عَلَيْهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ. فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلسَّرِيَّةِ الثَّالِثَةِ.

стр. 459

فَإِنْ ظَفِرُوا بِهِمْ فِي الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، ثُمَّ الْتَقَتْ السَّرَايَا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ. فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ. لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِهَا. وَلَا سَبِيلَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَخْذِ دَنَانِيرِهِمْ وَإِنْ وَجَدُوهَا بِعَيْنِهَا.؛ لِأَنَّهُمْ مَا ظَفِرُوا بِالْحِصْنِ. فَإِنْ قِيلَ: السَّرِيَّةُ الثَّالِثَةُ إنَّمَا تَمَكَّنُوا مِنْ فَتْحِ الْحِصْنِ فِي الْمُدَّةِ بِرَدِّ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ حَقُّ اسْتِرْدَادِ ذَلِكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ وِلَايَةٌ عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ الثَّالِثَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَلْتَقُوا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَبِيلٌ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا أَصَابُوا. وَمُلَاقَاتُهُمْ إيَّاهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَبَبٌ لِثُبُوتِ حَقِّ الشَّرِكَةِ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ لَا فِي غَيْرِهَا. فَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ هَذِهِ الدَّنَانِيرُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَلَا حَقَّ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ فِيهَا. وَإِنْ جُعِلَتْ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ حَقُّ الِاخْتِصَاصِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَوْ مَنْ كَانَ أَمِيرًا عَلَى السَّرَايَا هُوَ الَّذِي أَمَرَ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ بِرَدِّ الدَّنَانِيرِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَحِينَئِذٍ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى السَّرَايَا كُلِّهَا. فَاَلَّذِينَ أَدَّوْا بِأَمْرِهِ لَا يَكُونُونَ مُتَبَرِّعِينَ فِي حَقِّ أَحَدٍ. ٧٥٧ - فَإِنْ ظَفِرَتْ السَّرِيَّةُ الثَّالِثَةُ بِهِمْ فِي الْمُدَّةِ رَدُّوا عَلَى السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ دَنَانِيرَهُمْ أَوَّلًا. لِأَنَّهُمْ مَا تَمَكَّنُوا مِنْ هَذَا الِاغْتِنَامِ إلَّا بِذَلِكَ. وَإِنْ ظَفِرُوا بِهِمْ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ رَدُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ الَّذِينَ أَدَّوْا مَالَهُمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 460

لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِأَدَاءِ مَالٍ لِأَجْلِ مَنْفَعَةٍ رَجَعَتْ إلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ دَيْنًا لَهُمْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَلِأَنَّ خُمُسَ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ سَلِمَ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَا غَرِمُوا مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ أَيْضًا لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِمُقَابَلَةِ الْغُنْمِ. ٧٥٨ - وَلَوْ لَمْ يَأْتِ أَهْلَ الْحِصْنِ سَرِيَّةٌ أُخْرَى حَتَّى رَجَعَتْ إلَيْهِمْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى فَرَدَّتْ عَلَيْهِمْ الدَّنَانِيرَ وَظَفِرُوا بِهَا، فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ عَلَى أَخْذِ الدَّنَانِيرِ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا مِثْلَ مَا أَرَادُوا، وَفَسَخُوا حُكْمَ فِعْلِهِمْ بِالرَّدِّ. فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا فِي الِابْتِدَاءِ حَتَّى ظَفِرُوا بِالْحِصْنِ، فَيَكُونُ لِجَمِيعِ مَا أَصَابُوا حُكْمُ الْغَنِيمَةِ. ٧٥٩ - وَإِنْ كَانَ تِلْكَ الدَّنَانِيرُ ضَاعَتْ مِنْهُمْ، وَحِينَ رَجَعُوا أَعْطَوْا مِثْلَهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، لَيْسَ مِمَّا غَنِمُوا، فَهُمْ أَحَقُّ بِالْغَنِيمَةِ حَتَّى يَسْتَوْفُوا مِنْهَا مِثْلَ مَا أَعْطَوْا إنْ كَانُوا ظَفِرُوا بِهِمْ فِي الْمُدَّةِ. لِأَنَّ حَالَهُمْ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَرَدِّ الدَّنَانِيرِ كَحَالِ سَرِيَّةٍ أُخْرَى. ٧٦٠ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ وَادَعَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ سَنَةً عَلَى مَالٍ دَفَعُوهُ إلَيْهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ. إنَّمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَادِعَ إذَا كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْقِتَالِ وَالْمِيلُ إلَى أَخْذِ الْمَالِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
следующие страницы →