← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

لِأَنَّ الْأَمَانَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ عَلَى الْغَائِبِ وَالْمَيِّتِ، وَمَنْ أَقَرَّ بِالْأَمَانِ. فَقَدْ كَذَّبَهُ الْحَرْبِيُّ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ. فَهُنَاكَ الْأَمَانُ مِنْ جِهَةِ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي السَّبَبِ، وَهَهُنَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِيمَنْ كَانَ الْأَمَانُ مِنْ جِهَتِهِ، فَلَا يَثْبُتُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ مَعَ التَّكْذِيبِ. ٩١٧ - وَلَوْ كَانَ قَالَ بَعْدَ هَذَا الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِالْأَمَانِ: صَدَقْت أَنْتَ آمَنْتَنِي، وَقَدْ غَلِطْتُ فِيمَا قُلْتُ. فَفِي الْقِيَاسِ هُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَهُ قَدْ بَطَلَ بِالتَّكْذِيبِ، فَلَا يَعْمَلُ التَّصْدِيقُ بَعْدَ ذَلِكَ. إذْ الْأَمَانُ عَقْدٌ مُحْتَمِلٌ لِلْفَسْخِ وَالتَّصْدِيقِ بَعْدَ التَّكْذِيبِ، إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا لَا يَكُونُ مُحْتَمِلًا لِلْفَسْخِ كَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ آمِنٌ إذَا لَمْ يُصِرَّ عَلَى ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. لِأَنَّ الْغَلَطَ فِي هَذَا الْبَابِ قَدْ يَقَعُ، فَإِنَّهُ مَا رَأَى مَنْ آمَنَهُ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ. وَبِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ قَلَّ مَا تَثْبُتُ مَعْرِفَتُهُ. فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْغَلَطُ وَجَبَ اعْتِبَارُ تَصْدِيقِهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ عَلَى التَّكْذِيبِ بَعْدَ الِاسْتِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ تَوَهُّمَ الْغَلَطِ. هُنَاكَ قَدْ انْتَفَى. وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَةٍ جَالِسَةٍ إلَى جَنْبِهِ: هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعَةِ ثُمَّ قَالَ: غَلِطْت، هِيَ امْرَأَتِي. . كَانَ مُصَدَّقًا فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الِاسْتِثْبَاتِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ غَلِطْت لَا يُصَدَّقُ. وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا لِلْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا. ٩١٨ - وَلَوْ قَالَ الْحَرْبِيُّ: مَا آمَنَنِي أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنِّي خَرَجْت بِغَيْرِ أَمَانٍ. بَعْدَ مَا قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: أَنَا آمَنْتُك. ثُمَّ رَجَعَ إلَى تَصْدِيقِهِ، لَمْ يُصَدَّقْ، وَكَانَ فَيْئًا.

стр. 527

لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا يُوهَمُ الْغَلَطُ، فَأَهَمُّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ الْحَرْبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ إلَى دَارِنَا هُوَ الْأَمَانُ. وَبَعْدَ مَا خَرَجَ بِأَمَانِ مُسْلِمٍ لَا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ أَصْلُ الْأَمَانِ. فَبَعْدَ إنْكَارِ أَصْلِ الْأَمَانِ لَا يُعْتَبَرُ تَصْدِيقُهُ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ يَقَعُ الِاشْتِبَاهُ لَهُ فِيمَنْ كَانَ أَمَانُهُ مِنْ جِهَتِهِ، فَلِهَذَا يُعْتَبَرُ رُجُوعُهُ إلَى التَّصْدِيقِ وَيُعْذَرُ بِالْغَلَطِ فِي ذَلِكَ. ٩١٩ - وَلَوْ خَرَجَ إلَى دَارِنَا رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَشَهِدَ مُسْلِمَانِ بِأَنَّهُمَا خَرَجَا بِأَمَانِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ. وَهُمَا يَقُولَانِ كَذَبَا: مَا آمَنَنَا أَحَدٌ. فَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْمَرْأَةُ آمِنَةٌ وَالرَّجُلُ فَيْءٌ. لِأَنَّهُمَا صَارَا رَقِيقَيْنِ فِي الظَّاهِرِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى عِتْقِ الْأَمَةِ مَقْبُولَةٌ مِنْ غَيْرِ الدَّعْوَى بِالِاتِّفَاقِ، وَعَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِمَا، وَلَا يُقْبَلُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. ٩٢٠ - فَإِنْ كَانَا ادَّعَيَا، ذَلِكَ بَعْدَ الْإِنْكَارِ ثُمَّ شَهِدَ الْمُسْلِمَانِ بِهِ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ. لِأَنَّ هَذَا تَنَاقُضٌ فِي الدَّعْوَى. وَالتَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ. ٩٢١ - وَإِنْ شَهِدَ لَهُمَا ذِمِّيَّانِ (ص ١٨٩) أَوْ مُسْتَأْمَنَانِ بِذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ. لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

стр. 528

وَبَعْدَ شَهَادَةِ الْمُسْلِمَيْنِ لَوْ أَرَادَا الرُّجُوعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُمْنَعَا مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْحُجَّةِ أَنَّهُمَا مُسْتَأْمَنَانِ. فَإِنْ قِيلَ: هُمَا قَدْ أَقَرَّا بِالرِّقِّ عَلَى أَنْفُسِهِمَا فِي الِابْتِدَاءِ، فَكَيْفَ يُتْرَكَانِ لِيَرْجِعَا حَرْبِيَّيْنِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ حَكَمَ بِكَذِبِهِمَا فِيمَا قَالَا بِالْحُجَّةِ، وَالْمُقِرُّ إذَا صَارَ مُكَذَّبًا فِي إقْرَارِهِ يَسْقُطُ حُكْمُ إقْرَارِهِ. ٩٢٢ - وَلَوْ قَالَا: خَرَجْنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ. فَشَهِدَ لَهُمَا شَاهِدَانِ بِأَنَّهُمَا أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَا، وَصَدَّقَا الشَّاهِدَيْنِ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ مُسْلِمَيْنِ فَهُمَا حُرَّانِ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَهُمَا رَقِيقَانِ لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِسْلَامُهُمَا إنَّمَا ظَهَرَ بَعْدَمَا صَارَا فَيْئًا، فَلَا يَبْطُلُ الرِّقُّ عَنْهُمَا. ٩٢٣ - وَلَوْ قَالَا لِلشَّاهِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ: كَذَبْتُمَا، مَا أَسْلَمْنَا قَطُّ. أُجْبِرَا عَلَى الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمَا بِالْإِسْلَامِ عَلَيْهِمَا حُجَّةٌ تَامَّةٌ. ٩٢٤ - فَإِنْ أَسْلَمَا فَهُمَا حُرَّانِ. أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَهُوَ غَيْرُ مُشْكِلٍ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَلِأَنَّ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ الْتِزَامَ حَقٍّ عَلَى الرَّجُلِ، وَالْمُسْلِمُونَ

стр. 529

خَصْمٌ فِي ذَلِكَ. فَإِنْكَارُهُ لَا يَمْنَعُ قَبُولَهُ الْبَيِّنَةَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَنْكَرَ الْعِتْقَ وَهُنَاكَ مَنْ يَدَّعِي حَقًّا مِنْ حَدِّ قَذْفٍ أَوْ قِصَاصٍ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ. ٩٢٥ - وَإِنْ أَبَيَا أَنْ يُسْلِمَا قُتِلَ الرَّجُلُ وَحُبِسَتْ الْمَرْأَةُ حَتَّى تُسْلِمَ. لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْحُجَّةِ أَنَّهُمَا حُرَّانِ مُرْتَدَّانِ، فَلَا يَجْرِي عَلَيْهِمَا شَيْءٌ فِي دَارِنَا وَلَكِنَّ الْحُكْمَ فِي الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ مَا بَيَّنَّا. ٩٢٦ - وَإِنْ قَالَا مَا أَسْلَمْنَا قَطُّ. وَشَهِدَ الشَّاهِدَانِ أَنَّهُمَا أَسْلَمَا يَوْمَ كَذَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَقَالَا: قَدْ كُنَّا عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ هَذَا الْوَقْتِ. فَإِنَّهُمَا يُجْبَرَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَإِنْ أَسْلَمَا فَالرَّجُلُ حُرٌّ وَالْمَرْأَةُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُ ظَهَرَ بِإِقْرَارِهِمَا ارْتِدَادُهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَخُرُوجُهُمَا إلَى دَارِنَا عَلَى ذَلِكَ. وَالْمُرْتَدَّةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ تُسْتَرَقُّ، وَلَا يَبْطُلُ الرِّقُّ عَنْهَا بِإِسْلَامِهَا. وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَلَمْ تَظْهَرْ هُنَاكَ الرِّدَّةُ مِنْهُمَا بَعْدَ مَا ثَبَتَ إسْلَامُهُمَا إلَّا فِي دَارِنَا. فَإِنْ قِيلَ: هُنَاكَ قَدْ أَقَرَّا أَيْضًا أَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي شَهِدَ فِيهِ الْمُسْلِمَانِ عَلَيْهِمَا بِالْإِسْلَامِ. قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنَّهُمَا مَا أَقَرَّا بِكُفْرٍ مُتَجَدِّدٍ مِنْهُمَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ رِدَّةً، إنَّمَا أَنْكَرَا أَصْلَ الشَّهَادَةِ. فَأَمَّا هُنَا فَقَدْ أَقَرَّا بِأَنَّهُمَا أَظْهَرَا كُفْرًا حَادِثًا بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ إسْلَامُهُمَا بِالْحُجَّةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَإِنْ قِيلَ مَعَ هَذَا: هَذِهِ الشَّهَادَةُ إثْبَاتُ حُرِّيَّةِ الْمَرْأَةِ فَلِمَاذَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمَا حَتَّى تُجْعَلَ أَمَةً بَعْدَ مَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِحُرِّيَّتِهَا؟

стр. 530

قُلْنَا: لِأَنَّ هَذَا إقْرَارٌ مِنْهَا بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهَا. وَإِقْرَارُ الْمَرْأَةِ بِالرِّقِّ مَقْبُولٌ، بِمَنْزِلَةِ اللَّقِيطِ إذَا كَانَتْ أُنْثَى فَأَقَرَّتْ بِالرِّقِّ. ٩٢٧ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيَّةً أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَعُرِفَ إسْلَامُهَا، ثُمَّ أُخِذَتْ فِي الْأُسَرَاءِ فَقَالَتْ: قَدْ ارْتَدَدْت قَبْلَ أَنْ تَأْخُذُونِي. كَانَتْ فَيْئًا، وَصُدِّقَتْ لِإِقْرَارِهَا عَلَى نَفْسِهَا بِالرِّقِّ. - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مُسْلِمَةً لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أُخِذَتْ فِي الْأُسَرَاءِ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدَّةً، فَهِيَ أَمَةٌ، وَإِنْ كَذَّبَهَا أَبُوهَا فِيمَا قَالَتْ. لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا بِالرِّقِّ بِسَبَبٍ هُوَ ظَاهِرٌ. فَإِنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَحُكْمُ الشِّرْكِ ظَاهِرٌ فِيهَا. ٩٢٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا أَوْ ذِمِّيَّةً لَحِقَتَا بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أُخِذَا فَقَالَا: خَرَجْنَا نَاقِضَيْنِ لِلْعَهْدِ. كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمَا، وَكَانَا فَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا أَقَرَّا بِالرِّقِّ عَلَى أَنْفُسِهِمَا. وَكُلُّ هَذَا يُوَضِّحُ مَا سَبَقَ أَنَّ شَهَادَةَ الْمُسْلِمَيْنِ بِأَنَّهَا أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ إقْرَارِهَا بِالرِّقِّ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبَبِ رِدَّتِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. ٩٣٠ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمَةً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حُرَّةً مَعْرُوفَةَ الْأَبَوَيْنِ تَعَلَّقَ بِهَا رَجُلٌ وَقَالَ: هِيَ أَمَةٌ لِي. فَقَالَتْ: صَدَقْت قَدْ كُنْت

стр. 531

ارْتَدَدْت وَلَحِقْت بِدَارِ الْحَرْبِ (ص ١٩٠) فَسَبَانِي وَأَخْرَجَنِي. فَهِيَ أَمَةٌ لَهُ فِي الْقِيَاسِ. لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى سَبَبٍ يُوجِبُ الْمِلْكَ لَهُ فِيهَا. فَيُجْعَلُ مَا تَصَادَقَا عَلَيْهِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ. يُوَضِّحُهُ أَنَّهَا تُقِرُّ عَلَى نَفْسِهَا بِمَا يُتْلِفُهَا حُكْمًا وَهُوَ الرِّقُّ. وَلَوْ أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا بِمَا يُتْلِفُهَا حَقِيقَةً مِنْ قِصَاصٍ أَوْ رَجْمٍ وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهَا؛ لِأَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ. فَهُنَا أَوْلَى. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تُصَدَّقُ، وَهِيَ حُرَّةٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا. لِأَنَّهَا تُقِرُّ بِمَا لَا تَمْلِكُ إنْشَاءَهُ، فَإِنَّ حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ تَثْبُتُ لَهَا لِحُرِّيَّةِ الْأَبَوَيْنِ عَلَى وَجْهٍ وَلَا تَمْلِكُ إبْطَالَهُ، وَهِيَ مُتَّهَمَةٌ فِيمَا أَقَرَّتْ بِهِ مِنْ السَّبَبِ، فَإِنَّ النِّسَاءَ جُبِلْنَ عَلَى الْمَيْلِ إلَى الْهَوَى، فَلَعَلَّهَا أَحَبَّتْ هَذَا الرَّجُلَ وَهُوَ لَا يَرْغَبُ فِيهَا بِالنِّكَاحِ فَأَقَرَّتْ لَهُ بِالرِّقِّ بِهَذَا السَّبَبِ كَاذِبَةً لِيَحْصُلَ مُرَادُهَا. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا عُرِفَ لِحَاقُهَا بِدَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ هُنَاكَ الظَّاهِرُ يَشْهَدُ لَهُمَا فِيمَا قَالَا. فَإِنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا تَلْحَقُ بِدَارِ الْحَرْبِ مَا دَامَتْ مُصِرَّةً عَلَى الْإِسْلَامِ عَادَةً. يُوَضِّحُهُ: أَنَّ اعْتِقَادَهَا بَاطِنٌ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهَا فِيهِ. فَأَمَّا لُحُوقُهَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَظَاهِرٌ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى قَبُولِ قَوْلِهَا فِي ذَلِكَ.

стр. 532

تَقْرِيرُهُ: هُوَ أَنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ سَبْيٍ وَاسْتِرْقَاقٍ. فَإِذَا عَرَفْت لِحَاقَهَا فَإِنَّمَا أَصَابَهَا مِنْ مَوْضِعِ الِاسْتِرْقَاقِ، فَتَكُونُ أَمَةً لَهُ، مَا لَمْ يَظْهَرْ الْمَانِعُ وَهُوَ إسْلَامُهَا عِنْدَ الْأَخْذِ. فَأَمَّا دَارُ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ بِدَارِ اسْتِرْقَاقٍ بَلْ دَارُ حُرِّيَّةٍ مُتَأَكِّدَةٍ، فَلَا تَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهَا فِي ذَلِكَ. وَالذِّمِّيَّةُ فِي هَذَا كَالْمُسْلِمَةِ. فَأَمَّا الْحُرُّ الذِّمِّيُّ إذَا قَالَ ذَلِكَ وَلَمْ يُعْرَفْ صِدْقُهُ وَلُحُوقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا مَعْنَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي حُرِّيَّةِ الرَّجُلِ كَمَا فِي حُرِّيَّةِ الْمَرْأَةِ، وَلِهَذَا قَبِلَا الشَّهَادَةَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ عَبْدٌ سَوَاءٌ عُرِفَ لِحَاقُهُ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ؛ لِأَنَّ مَعْنَى حَقِّهِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي حُرِّيَّتِهِ عِنْدَهُ، وَلِهَذَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى. وَلِأَنَّ مَعْنَى الْمَيْلِ إلَى الْهَوَى مُنْعَدِمٌ فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ مَعْنَى حِلِّ الْفَرْجِ بِالْمِلْكِ بِخِلَافِ إقْرَارِ الْمَرْأَةِ. ٩٣١ - وَلَوْ خَرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ حَرْبِيٌّ: رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ. فَقَالَ: أَمَّنْته بِالْعَرَبِيَّةِ وَأَخْرَجْته، وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: أَبْطَلَ وَلَكِنَّهُ آمَنَنِي بِالْفَارِسِيَّةِ، وَثَبَتَا عَلَى الِاخْتِلَافِ فَهُوَ آمِنٌ. لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى السَّبَبِ وَالْحُكْمِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْعِبَارَةِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِهَذَا الِاخْتِلَافِ، خُصُوصًا فِي الْأَمَانِ. فَقَدْ ثَبَتَ مِنْ غَيْرِ عِبَارَةٍ. وَإِذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ، فِي الْعِبَارَةِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ فَكَيْفَ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْأَمَانِ؟ ٩٣٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي آمَنَهُ فِيهِ، أَوْ فِي الْمَكَانِ أَوْ فِي الْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ. وَالْأَمَانُ بِاللِّسَانِ.

стр. 533

لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ. وَالْأَمَانُ مِمَّا يُعَادُ وَيُكَرَّرُ. فَالِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ. ٩٣٣ - وَلَوْ قَالَ الْمُسْلِمُ: أَسْلَمَ فَخَرَجَ مَعِي. وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: بَلْ آمَنَنِي. فَهُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ هُنَا بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ بِالسَّبَبِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ يَسْتَفِيدُ الْأَمَانَ مِنْ قِبَلِ إيمَانِهِ، وَالْمُسْتَأْمَنُ إنَّمَا يَسْتَفِيدُ الْأَمَانَ مِنْ جِهَةِ مَنْ آمَنَهُ، فَمَعَ اخْتِلَافِهِمَا لَا يَثْبُتُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ ٩٣٤ - وَإِنْ قَالَ: سَأَلَنِي أَنْ يَخْرُجَ مَعِي وَيَكُونَ ذِمِّيًّا فَأَعْطَيْته ذَلِكَ. وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: بَلْ آمَنَنِي. فَهُوَ آمِنٌ هُنَا. لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ ثُبُوتُ الْأَمَانِ لَهُ مِنْ جِهَةِ هَذَا الْمُسْلِمِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي سَبَبِهِ (ص ١٩١) وَالْمُسْلِمُ يَدَّعِي عَلَيْهِ زِيَادَةً وَهُوَ احْتِبَاسُهُ فِي دَارِنَا وَالْتِزَامُهُ الْجِزْيَةَ، فَلَا تَثْبُتُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَيَبْقَى أَصْلُ الْأَمَانِ لَهُ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، فَيَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إنْ شَاءَ. ٩٣٥ - وَلَوْ كَانَ مَعَ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا جَارِيَةٌ لَهُ فَأَعْتَقَهَا كَانَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّهَا مُسْتَأْمَنَةٌ تَبَعًا لَهُ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ إعَادَتَهَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَانَ مُمَكَّنًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِعْتَاقُهُ إيَّاهَا لَا يُبْطِلُ ذَلِكَ الْحُكْمَ. ٩٣٦ - وَلَوْ بَاعَهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ صَارَتْ ذِمِّيَّةً تَبَعًا لِمَوْلَاهَا.

стр. 534

لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا. ٩٣٧ - فَإِنْ أَعْتَقَهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّهَا بَعْدَ مَا صَارَتْ ذِمِّيَّةً لَا تَعُودُ حَرْبِيَّةً بِالْعِتْقِ. ٩٣٨ - وَلَوْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَرَدَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعُودَ بِهَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ ذِمِّيَّةً بِالشِّرَاءِ، وَثَبَتَ الْمِلْكُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فِيهَا، فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ أَمَةٍ ذِمِّيَّةٍ اشْتَرَاهَا الْمُسْتَأْمَنُ. ٩٣٩ - فَإِنْ كَانَ بَاعَهَا مِنْ مُسْتَأْمَنٍ مِثْلِهِ فَأَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْبَائِعِ، فَلَهَا أَنْ تَعُودَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَمَا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ أَعْتَقَهَا بِنَفْسِهِ. لِأَنَّ حَالَهُمَا سَوَاءٌ. وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْ أَهْلِ دَارِ أُخْرَى لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَعُودَ إلَى وَاحِدَةٍ مِنْ الدَّارَيْنِ. لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْبَائِعِ انْقَطَعَتْ بِالْبَيْعِ، وَمَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُخْرِجَهَا إلَى دَارِ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهَا، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْعِتْقِ لَا يَكُونُ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِهِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إعَادَةِ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ دَارِهِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَ هَذِهِ الْأَمَةَ

стр. 535

مِنْ دَارِهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي السِّلَاحِ فَفِي الْآدَمِيِّ أَوْلَى. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا اُحْتُبِسَتْ فِي دَارِنَا كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيَّةِ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ. وَقَبْلَ الْإِعْتَاقِ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الذِّمِّيَّةِ. ٩٤٠ - وَإِنْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ عَلَى الْبَائِعِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. لِأَنَّهَا بَعْدَ مَا صَارَتْ ذِمِّيَّةً بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا لَا تَعُودُ حَرْبِيَّةً. ٩٤١ - وَلَوْ كَانَ بَاعَهَا مِنْ مُسْلِمٍ فَشَهِدَ مُسْلِمَانِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ كَانَ أَعْتَقَهَا فِي دَارِنَا قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهَا قُبِلَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى حُرْمَةِ الْفَرْجِ، فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ وَيَرُدُّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي. فَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ تُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْبَيْعَ لَهَا ظَهَرَ بُطْلَانُهُ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حُرَّةٌ حَرْبِيَّةٌ. فَإِنْ قِيلَ: هِيَ تُقِرُّ بِأَنَّهَا أَمَةٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهَا إلَى الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ بِبُطْلَانِ إقْرَارِهَا بِذَلِكَ، فَلَا يَبْقَى لِإِقْرَارِهَا حُكْمٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُقِرٌّ أَيْضًا بِأَنَّ الثَّمَنَ سَالِمٌ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَبَضَهَا، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ بِخِلَافِ زَعْمِهِ. ٩٤٢ - وَلَوْ لَمْ يَبِعْهَا الَّذِي أَخْرَجَهَا وَلَكِنَّهُ قَالَ: كَانَتْ زَوْجَتِي فَقَهَرْتهَا وَأَخْرَجْتهَا، فَهِيَ أَمَةٌ لِي، فَقَالَتْ: كُنْت زَوْجَةً لَهُ فَخَرَجْت مَعَهُ غَيْرَ مَقْهُورَةٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.

стр. 536

لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا. فَإِنَّهَا خَرَجَتْ وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَثَرُ الْقَهْرِ. ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إنْ أَسْلَمَا بِإِقْرَارِهِ. فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّهَا صَارَتْ أَمَةً لَهُ، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِلنِّكَاحِ، وَإِقْرَارُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ حَكَمَ الْإِمَامُ هُنَا بِأَنَّهَا حُرَّةٌ فَلِمَاذَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا وَنَوْعٍ مِنْ الظَّاهِرِ. (ص ١٩٢) وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَكْذِيبَ الْمُقِرِّ لَا مَحَالَةَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَقُضِيَ بِهَا أَمَةً لَهُ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَقَدْ حُكِمَ هُنَاكَ بِحُرِّيَّتِهَا بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى رِقِّهَا بَعْدَ ذَلِكَ. ٩٤٣ - وَاسْتَوْضَحَ هَذَا بِمُسْلِمٍ تَحْتَهُ مُسْلِمَةٌ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا إذَا زَعَمَ أَنَّهَا ارْتَدَّتْ مِنْ الْإِسْلَامِ وَجَحَدَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِإِقْرَارِهِ، وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ. لِأَنَّهُ غَيْرُ مُصَدِّقٍ عَلَيْهَا فِي إبْطَالِ حَقِّهَا، وَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا عَلَى نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَرْبِيِّ. فَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ: اسْتَحْلِفْهَا مَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قُلْت. فَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا فِي قِيَاسِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهَا الرِّقَّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى الِاسْتِحْلَافَ فِي دَعْوَى الرِّقِّ.

стр. 537

وَعِنْدَهُمَا يَسْتَحْلِفُهَا عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ سَبَبِ الرِّقِّ عَلَيْهَا، فَإِنْ نَكَلَتْ قُضِيَ بِكَوْنِهَا أَمَةً؛ لِأَنَّ نُكُولَهَا بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهَا، وَمِنْ أَصْلِهِمَا الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ فِي دَعْوَى الرِّقِّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 538

[بَابٌ مِنْ الْأَمَانِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَبَعْدَ نَهْيِ الْإِمَامِ] - بَابٌ مِنْ الْأَمَانِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَبَعْدَ نَهْيِ الْإِمَامِ - وَإِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤَمِّنَ أَهْلَ الْحِصْنِ وَلَا أَحَدًا مِنْهُمْ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. لِأَنَّهُمْ أَحَاطُوا بِالْحِصْنِ لِيَفْتَحُوهُ، وَالْأَمَانُ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَذَا الْمُرَادِ فِي الظَّاهِرِ. وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكْتَسِبَ سَبَبَ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ مُرَادِهِمْ، خُصُوصًا فِيمَا فِيهِ قَهْرُ الْعَدُوِّ. وَلِأَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ تَجِبُ طَاعَةُ الْأَمِيرِ عَلَيْهِ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْقِدَ عَقْدًا يَلْزَمُ الْأَمِيرَ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاهُ. وَلِأَنَّ مَا يَكُونُ مَرْجِعُهُ إلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي النَّفْعِ وَالضَّرَرِ فَالْإِمَامُ هُوَ الْمَنْصُوبُ لِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ، فَالِافْتِيَاتُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْإِمَامِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلرَّعِيَّةِ أَنْ يُقْدِمُوا عَلَى مَا فِيهِ اسْتِخْفَافٌ بِالْإِمَامِ. - فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ. لِأَنَّ عِلَّةَ (؟) صِحَّةِ الْأَمَانِ ثَابِتٌ وَمُتَكَامِلٌ فِي حَقِّ كُلِّ مُسْلِمٍ، عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ «يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكُفَّ عَنْ قِتَالِهِمْ حَتَّى يَنْبِذَ إلَيْهِمْ بَعْدَمَا يَرُدُّهُمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا أُخْرِجُوا.

стр. 539

- وَإِنْ رَأَى أَنْ يُؤَدَّبَ الَّذِي آمَنَهُمْ فَعَلَ. لِأَنَّهُ أَسَاءَ الْأَدَبَ حِينَ فَعَلَ مَا يَرْجِعُ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْإِمَامِ، وَلَوْ لَمْ يُؤَدِّبْهُ اجْتَرَأَ غَيْرُهُ عَلَى مِثْلِهِ، وَذَلِكَ يَقْدَحُ فِي السِّيَاسَةِ وَتَدْبِيرِ الْإِمَارَةِ. إلَّا أَنَّهُ إذَا آمَنَهُمْ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَظَهَرَ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يُؤَدِّبُهُ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّهُ قَصَدَ بِفِعْلِهِ تَوْفِيرَ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَرُبَّمَا تَفُوتُهُمْ تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ لَوْ أَخَّرَهُ إلَى اسْتِطْلَاعِ رَأْيِ الْإِمَامِ، وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ يُبَاحُ لَهُ إعْطَاءُ الْأَمَانِ. فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ إذَا قَالَ لَهُ سِرًّا: آمِنِّي عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ، أَوْ عَلَى أَنْ أَفْتَحَ لَك الْحِصْنَ، وَخَافَ إنْ لَمْ يُؤَمِّنْهُ أَنْ يَفُوتَهُ مَا وَعَدَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا إشْكَالَ أَنَّ لَهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْمَانِ الْإِمَامِ. لِأَنَّ الْأَمَانَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ يَرْجِعُ إلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ يَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ عَلَى ذَلِكَ لَا التَّأْدِيبَ، فَلَا يُؤَدِّبُهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا آمَنَ وَاحِدًا مِنْهُمْ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ مِنْ حِصْنِهِ إلَى الْمُعَسْكَرِ. فَلَمَّا قَبَضَ الدَّنَانِيرَ وَجَاءَ بِهِ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ عَلِمَ بِهِ الْإِمَامُ. فَقَدْ أَسَاءَ الْمُسْلِمُ فِي ذَلِكَ وَأَمَانُهُ جَائِزٌ كَمَا لَوْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ. ثُمَّ يَنْظُرُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ.

стр. 540

- فَإِنْ كَانَ شَرَطَ لَهُ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ آمِنٌ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ فَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ رَدَّ الدَّنَانِيرَ عَلَيْهِ وَرَدَّهُ إلَى مَأْمَنِهِ، (ص ١٩٣) وَإِنْ شَاءَ وَفَّى بِمَا شَرَطَ لَهُ وَأَخَذَ الدَّنَانِيرَ فَجَعَلَهَا غَنِيمَةً لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ. لِأَنَّ الْمُعْطِيَ لِلْأَمَانِ إنَّمَا يُمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ الدَّنَانِيرِ بِقُوَّةِ الْعَسْكَرِ، فَلَا يَخْتَصُّ بِهَا وَلَكِنْ يُجْعَلُ فِعْلُهُ لِذَلِكَ كَفِعْلِ الْأَمِيرِ أَوْ فِعْلِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. - وَإِنْ كَانَ شَرَطَ لَهُ أَنْ يَنْزِلَ إلَى الْعَسْكَرِ فَيَلْقَى رَجُلًا فِي حَاجَةٍ لَهُ، ثُمَّ يَعُودُ إلَى حِصْنِهِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُمْضِي هَذَا الْأَمَانَ وَيَجْعَلُ الدَّنَانِيرَ غَنِيمَةً لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ. لِأَنَّ مَعْنَى النَّظَرِ هُنَا مُتَعَيَّنٌ فِي تَنْفِيذِ هَذَا الْأَمَانِ. فَإِنَّهُ آمِنٌ فِينَا حَتَّى يَعُودَ إلَى حِصْنِهِ. فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ الدَّنَانِيرَ فَلَا فَائِدَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي رَدِّهَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. - فَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَى حِصْنِهِ حَتَّى فُتِحَ الْحِصْنُ فَهُوَ آمِنٌ فِينَا حَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ. وَلَا فَائِدَةَ فِي رَدِّ الدَّنَانِيرِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى مَأْمَنِهِ، وَالدَّنَانِيرُ فَيْءٌ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ. - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ آمَنَ أَهْلَ الْحِصْنِ شَهْرًا عَلَى مِائَةِ

стр. 541

دِينَارٍ وَأَخَذَهَا مِنْهُمْ، فَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّ الدَّنَانِيرَ وَنَبَذَ إلَيْهِمْ، وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ أَمَانَهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ حَتَّى يَمْضِيَ شَهْرٌ، وَأَخَذَ الْمِائَةَ الدَّنَانِيرِ فَجَعَلَهَا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ. ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ جَانِبٍ تَوَهُّمَ الْمَنْفَعَةِ عَسَى، فَإِنَّهُ إنْ طَمِعَ فِي فَتْحِ الْحِصْنِ قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ فَالْمَنْفَعَةُ فِي رَدِّ الدَّنَانِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ فِي ذَلِكَ فَالْمَنْفَعَةُ فِي أَخْذِ الدَّنَانِيرِ وَإِمْضَاءِ الْأَمَانِ. فَلِهَذَا يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ. - وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى فِي الْعَسْكَرِ: إنَّ مَنْ آمَنَ مِنْكُمْ أَهْلَ الْحِصْنِ أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَأَمَانُهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ آمَنَهُمْ مُسْلِمٌ بِجُعْلٍ أَوْ بِغَيْرِ جُعْلٍ فَأَمَانُهُ جَائِزٌ. لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِصِحَّةِ الْأَمَانِ مِنْ الْمُسْلِمِ لَمْ تَنْعَدِمْ بِهَذَا النِّدَاءِ. وَوِلَايَةُ الْأَمَانِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ثَابِتَةٌ شَرْعًا كَوِلَايَةِ الشَّهَادَةِ، وَلَا تَنْعَدِمُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ بِنَهْيِ الْإِمَامِ. ثُمَّ أَهْلُ الْحَرْبِ لَا يَعْلَمُونَ هَذَا النَّهْيَ، فَلَوْ لَمْ يَصْلُحْ أَمَانُ هَذَا الْمُسْلِمِ بَعْدَ هَذَا النَّهْيِ رَجَعَ إلَى الْغُرُورِ وَهُوَ حَرَامٌ، إلَّا أَنَّ لِلْأَمِيرِ أَنْ يُؤَدِّبَ الَّذِي آمَنَ بِالْحَبْسِ وَالْعُقُوبَةِ إنْ كَانَ لَمْ يُؤَمِّنْهُمْ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ إسَاءَةَ الْأَدَبِ هَهُنَا أَبْلَغُ مِنْهَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ جَاهَرَ بِمُخَالَفَةِ الْإِمَامِ فَيَسْتَوْجِبُ الْحَبْسَ وَالْعُقُوبَةَ بِهَذَا.

стр. 542

- فَإِنْ أَمَرَ بِأَنْ يُنَادَى أَهْلُ الْحِصْنِ أَوْ يَكْتُبَ إلَيْهِمْ أَوْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا: إنْ آمَنَكُمْ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا تَغْتَرُّوا بِأَمَانِهِ، فَإِنَّ أَمَانَهُ بَاطِلٌ. ثُمَّ آمَنَهُمْ رَجُلٌ فَنَزَلُوا عَلَى أَمَانِهِ، فَهُمْ فَيْءٌ. لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَمَانَ الْمُسْلِمِ لَا يَصِحُّ بَعْدَ هَذَا النَّهْيِ وَلَكِنْ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ الْإِمَامِ بِمَنْزِلَةِ النَّبْذِ إلَيْهِمْ، وَكَمَا يَصِحُّ نَبْذُهُ إلَيْهِمْ بَعْدَ الْأَمَانِ يَصِحُّ قَبْلَ الْأَمَانِ. إذْ الْمَقْصُودُ بِالنَّبْذِ دَفْعُ الْغُرُورِ. وَذَلِكَ يَنْتَفِي فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، إذَا كَانَ النَّبْذُ لَوْ طَرَأَ عَلَى الْأَمَانِ دُفِعَ ثُبُوتُ حُكْمِهِ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِالْأَمَانِ مُنِعَ ثُبُوتُ حُكْمِهِ. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَهُنَاكَ لَا عِلْمَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ بِنَهْيِ الْأَمِيرِ. وَالنَّبْذُ إلَيْهِمْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ. وَإِنَّمَا صَحَّ النَّبْذُ قَبْلَ الْأَمَانِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ تَمَكَّنَ بَعْضُ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ فَتْحِ حُصُونِهِمْ بِأَنْ يُؤَمِّنَهُمْ كُلَّمَا نَبَذَ الْأَمِيرُ إلَيْهِمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَلَا يَظْفَرُونَ بِحِصْنٍ أَبَدًا. فَلِدَفْعِ هَذَا الضَّرَرِ صَحَّ النَّبْذُ إلَيْهِمْ قَبْلَ الْأَمَانِ لِلْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ. - وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُمْ: لَا أَمَانَ لَكُمْ إنْ آمَنَكُمْ رَجُلٌ مُسْلِمٌ حَتَّى أُؤَمِّنَكُمْ أَنَا. ثُمَّ أَتَاهُمْ مُسْلِمٌ فَقَالَ: إنِّي رَسُولُ (ص ١٩٤) الْأَمِيرِ إلَيْكُمْ، قَدْ آمَنَكُمْ، فَنَزَلُوا عَلَى ذَلِكَ. فَهُمْ آمِنُونَ. وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ كَذَبَ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ عِبَارَةَ الرَّسُولِ كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا إذَا ثَبَتَتْ الرِّسَالَةُ، فَأَمَّا إذَا كَذَبَ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ

стр. 543

عِبَارَتُهُ كَعِبَارَةِ الْأَمِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ، وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْأَمَانِ لَهُمْ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ آمَنْتُكُمْ لَا يَصِحُّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَمَانُهُ بَاطِلًا. قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنْ حِينَ أُخْرِجَ الْكَلَامُ مَخْرَجَ الرِّسَالَةِ فَقَدْ تَحَقَّقَ مَعْنَى الْغُرُورِ، إذَا لَا طَرِيقَ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ كَلَامِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ أَوْ كَاذِبٌ. وَإِذَا كَانَ عَقْلُهُ وَدِينُهُ يَدْعُوهُ إلَى الصِّدْقِ وَيَمْنَعُهُ مِنْ الْكَذِبِ وَسِعَهُمْ أَنْ يَعْتَمِدُوا عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ الْأَمَانُ أَدَّى إلَى الْغُرُورِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَضَافَ الْأَمَانَ إلَى نَفْسِهِ. - فَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ لَهُمْ: لَا أَمَانَ لَكُمْ إنْ آمَنَكُمْ مُسْلِمٌ أَوْ أَتَاكُمْ بِرِسَالَةٍ مِنِّي، حَتَّى آتِيكُمْ أَنَا فَأُؤَمِّنَكُمْ بِنَفْسِي، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَهُمْ فَيْءٌ. لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ النَّبْذِ لِكُلِّ أَمَانٍ إلَيْهِمْ إلَّا أَمَانًا يَسْمَعُونَهُ مِنْ لِسَانِهِ، وَلِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَاجِبٌ. وَلَا طَرِيقَ لِلْأَمِيرِ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ إلَّا مَا فَعَلَهُ مِنْ التَّقْدِمَةِ إلَيْهِمْ، فَلَوْ لَمْ يُصَحِّحْ ذَلِكَ أَدَّى إلَى أَنْ يَتَمَكَّنَ الْفَاسِقُ مِنْ إفْسَادِ الْجِهَادِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. إلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ إنْ كَانَ الْأَمِيرُ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ إلَيْهِمْ لِيُبْلِغَهُمْ الْأَمَانَ فَفَعَلَ فَهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّ عِبَارَةَ الرَّسُولِ كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ، فَكَأَنَّهُ آمَنَهُمْ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ بِمَا تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ قَصَدَ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى خَبَرِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولٌ، كَاذِبًا، وَلَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى خَبَرِ مَنْ يُرْسِلُهُ إلَيْهِمْ حَقِيقَةً، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا أَبْطَلْنَا الْخَبَرَ إذَا كَانَ

стр. 544

الرَّسُولُ كَاذِبًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّسُولُ صَادِقًا. يُوَضِّحُهُ: أَنَّهُ إذَا أَرْسَلَ إلَيْهِمْ بَعْدَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ. فَذَلِكَ رُجُوعٌ مِنْهُ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَرُجُوعُهُ صَحِيحٌ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُمْ: إذَا آمَنْتُكُمْ فَأَمَانِي بَاطِلٌ. ثُمَّ آمَنَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ أَمَانًا صَحِيحًا. بِاعْتِبَارِ أَنَّ هَذَا رُجُوعٌ عَمَّا قَالَهُ لَهُمْ، وَذَلِكَ الْقَوْلُ مَا كَانَ مُلْزِمًا إيَّاهُ شَيْئًا فَيَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْهُ. - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا وَادَعَ أَهْلَ الْحَرْبِ سَنَةً عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ جَازَتْ مُوَادَعَتُهُ، وَلَمْ يَحِلَّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْزُوهُمْ، وَإِنْ قَتَلُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ غَرِمُوا دِيَتَهُ. لِأَنَّ أَمَانَ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ أَمَانِ جَمَاعَتِهِمْ. - وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ حَتَّى مَضَتْ سَنَةٌ أَمْضَى مُوَادَعَتَهُ وَأَخَذَ الْمَالَ فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْمُسْلِمِينَ مُتَعَيِّنَةٌ فِي إمْضَاءِ الْمُوَادَعَةِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ إذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ وَسَلِمَ مِنْ الْعَمَلِ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ الْعَقْدُ وَتَكُونُ الْأُجْرَةُ لِلْمَوْلَى. وَإِنْ كَانَ لَوْ عَلِمَ بِهِ الْمَوْلَى قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ فَسْخِ الْإِجَارَةِ.

стр. 545

ثُمَّ إنَّمَا أَخَذَ هَذَا الْمَالَ مِنْهُمْ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ خَوْفَ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَا مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ فَلِهَذَا يَأْخُذُ الْمَالَ مِنْهُمْ فَيَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مُعَدًّا لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ. - وَإِنْ عَلِمَ بِمُوَادَعَتِهِ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي إمْضَاءِ تِلْكَ الْمُوَادَعَةِ أَمْضَاهَا وَأَخَذَ الْمَالَ فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُنْشِئَ الْمُوَادَعَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهَا، فَلَأَنْ يُمْضِيَهَا كَانَ أَوْلَى. وَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي إبْطَالِهَا رَدَّ الْمَالَ إلَيْهِمْ ثُمَّ نَبَذَ إلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ. لِأَنَّ أَمَانَ الْمُسْلِمِ كَانَ صَحِيحًا وَالتَّحَرُّزَ عَنْ الْغَدْرِ وَاجِبٌ. - فَإِنْ كَانَ مَضَى نِصْفُ السَّنَةِ (ص ١٩٥) ، فَفِي الْقِيَاسِ يَرُدُّ نِصْفَ الْمَالِ وَيُمْسِكُ النِّصْفَ لِلْمُسْلِمِينَ. اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ وَقِيَاسًا لِلْمُوَادَعَةِ، فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ وَقِيَاسًا عَلَى الْإِجَارَةِ. وَهُنَاكَ إذَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ يَسْقُطُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ، وَيَتَقَرَّرُ بِحِسَابِ مَا مَضَى. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَرُدُّ الْمَالَ كُلَّهُ. لِأَنَّهُمْ مَا الْتَزَمُوا الْمَالَ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُمْ الْمُوَادَعَةَ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ،

стр. 546

وَالْجَزَاءُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ الشَّرْطِ جُمْلَةً، وَلَا يَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَائِهِ. وَكَلِمَةُ عَلَى، لِلشَّرْطِ حَقِيقَةً. وَالْمُوَادَعَةُ فِي الْأَصْلِ لَيْسَتْ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، فَجَعَلْنَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِيهَا عَامِلَةً بِحَقِيقَتِهَا. فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُمْ الْمُوَادَعَةَ سَنَةً كَامِلَةً وَجَبَ رَدُّ الْمَالِ كُلِّهِ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ خَوْفُهُمْ مِنْ بَعْضِ الْمُدَّةِ دُونَ الْبَعْضِ، فَإِنَّهُمْ يَأْمَنُونَ فِي الشِّتَاءِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ الْعَدُوُّ، وَإِنَّمَا يَخَافُونَ ذَلِكَ فِي الصَّيْفِ. فَإِذَا نَبَذَ إلَيْهِمْ فِي وَقْتِ خَوْفِهِمْ، وَمَنْعَهُمْ بَعْضَ الْمَالِ. لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْ مَقْصُودِهِمْ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى الْغُرُورِ، فَلِهَذَا يَرُدُّ الْمَالَ إنْ نَبَذَ إلَيْهِمْ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ. - وَإِنْ كَانُوا وَادَعُوهُ ثَلَاثَ سِنِينَ، كُلُّ سَنَةٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَقَبَضَ الْمَالَ كُلَّهُ، ثُمَّ أَرَادَ الْإِمَامُ نَقْضَ الْمُوَادَعَةِ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ الثُّلُثَيْنِ. لِأَنَّ الْمُوَادَعَةَ كَانَتْ هَا هُنَا بِحَرْفِ الْبَاءِ، وَهُوَ يَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ، فَيَكُونُ الْمَالُ عِوَضًا. فَيَنْقَسِمُ عَلَى الْمُعَوَّضِ بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ، كَيْفَ وَقَدْ فَرَّقَ الْعُقُودَ هَهُنَا بِتَفْرِيقِ التَّسْمِيَةِ قَالَ: كُلُّ سَنَةٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ الْعَقْدُ وَاحِدٌ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَالْمَالُ مَذْكُورٌ بِحَرْفِ عَلَى، وَهُوَ حَرْفُ الشَّرْطِ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ فِي الْإِجَارَةِ بَيِّنٌ أَنْ يُقْرَنَ بِالْبَدَلِ حَرْفُ الْبَاءِ أَوْ حَرْفُ عَلَى فِي أَنَّهُ يَتَوَزَّعُ الْبَدَلُ عَلَى الْمُدَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي بَابِ الْبَيْعِ، فَلِمَاذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا هُنَا؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ مُعَاوَضَةٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَلَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ، وَأَمَّا الْمُوَادَعَةُ فَلَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةٍ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مُعَاوَضَةً

стр. 547

عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِحَرْفِ الْبَاءِ الَّذِي يَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ، فَإِذَا ذُكِرَ فِيهَا حَرْفُ الشَّرْطِ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الشَّرْطِ حَقِيقَةً. وَبِهَذَا الْفَصْلِ يَسْتَدِلُّ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً، أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَتْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ. لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ، بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ فَيُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ حَرْفِ الْبَاءِ وَعَلَى كَمَا فِي الْأَمَانِ. وَلَكِنَّهُمَا قَالَا: الْخُلْعُ مُعَاوَضَةٌ. وَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَهَا - وَهُوَ زَوَالُ مِلْكِهِ عَنْهَا - يَحْصُلُ بِالْوَاحِدَةِ. فَرَجَّحْنَا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فِيهِ بِخِلَافِ الْأَمَانِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا. - وَلَوْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا فَقَالَ أَمِيرَهُمْ لِأَهْلِ الْحِصْنِ: إنِّي لَعَلِّي أَنْ أُؤَمِّنَكُمْ، فَمَتَى آمَنْتُكُمْ فَأَمَانِي بَاطِلٌ. أَوْ قَالَ: فَلَا أَمَانَ لَكُمْ. أَوْ: فَقَدْ نَبَذْت إلَيْكُمْ. ثُمَّ آمَنَهُمْ، فَأَمَانُهُ بَاطِلٌ كَمَا قَالَ. لِأَنَّهُ بَيَّنَ لَهُمْ عَلَى وَجْهٍ انْتَفَى شُبْهَةُ الْغُرُورِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَلَامِ يَصِيرُ كَأَنَّهُ نَبَذَ إلَيْهِمْ الْأَمَانَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يَجْعَلْ إقْدَامَهُ عَلَى الْأَمَانِ رُجُوعًا عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؟ قُلْنَا: هُنَاكَ فِي الْوَضْعِ زِيَادَةٌ هُوَ أَنَّهُ آمَنَهُمْ بَعْدَ مَقَالَتِهِ وَقَالَ: قَدْ أَبْطَلْت قَوْلِي لَكُمْ أَنَّهُ لَا أَمَانَ لَكُمْ. فَهَذَا الْبَيَانُ يُظْهِرُ أَنَّهُ رُجُوعٌ. فَأَمَّا هُنَا فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ الْمَقَالَةِ الْأُولَى بَلْ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْقِيقِهَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُمْ: إنِّي أُقَاتِلُ أَهْلَ هَذَا الْحِصْنِ مَعَكُمْ، وَقَدْ دَعَوْتهمْ إلَى أَنْ أُؤَمِّنَهُمْ فَلَمْ يُجِيبُونِي. فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُظْهِرَ لَكُمْ الْأَمَانَ، لَعَلِّي (ص ١٩٦)

стр. 548

إذَا دَعَوْتهمْ أَجَابُونِي. وَهَذَا الْأَمَانُ الَّذِي أُظْهِرُهُ لَكُمْ بَاطِلٌ وَزُورٌ فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ. ثُمَّ آمَنَهُمْ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا. وَهَذَا لِأَنَّ الْأَمَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، فَإِذَا أَعْلَمَهُمْ أَنَّ تَكَلُّمَهُ بِهِ بَاطِلٌ ثُمَّ تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ. وَنَظَائِرُ هَذَا فِي فُصُولِ التَّلْجِئَةِ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ وَالْإِقْرَارِ. وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا بَابَ النُّزُولِ عَلَى الْحُكْمِ، وَقَدْ بَيَّنَّا تَمَامَ شَرْحِ هَذَا الْبَابِ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ.

стр. 549

[بَابُ الْحُكْمِ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ] ٩٦٢ - قَالَ: وَإِذَا نَزَلَ أَهْلُ حِصْنٍ قَدْ حُوصِرُوا فِيهِ عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ ﵇: «وَلَكِنْ أَنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِكُمْ، ثُمَّ اُحْكُمُوا فِيهِمْ» . وَلِأَنَّ الرِّوَايَاتِ اخْتَلَفَتْ فِي نُزُولِ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى الْحُكْمِ. فَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ ابْتِدَاءً، فَإِنَّ «النَّبِيَّ ﵇ لَمَّا حَاصَرَهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَكَانَ قَالَ لَهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ - حِينَ أَخْبَرَهُ عَلِيٌّ ﵁ أَنَّهُمْ يَسُبُّونَهُ -: يَا إخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ أَتَسُبُّونَنِي؟ انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ. فَقَالُوا: لَا يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا كُنْت فَحَّاشًا. ثُمَّ لَمَّا طَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمْرُ عَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ مَنْ شَاءُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْأَوْسِ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ.

стр. 550

وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ سَيِّدَ الْأَوْسِ، فَرَضَوَا بِالنُّزُولِ عَلَى حُكْمِهِ رَجَاءَ أَنْ يُحْسِنَ إلَيْهِمْ لِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَأَنْزَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى حُكْمِهِ» . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇. ثُمَّ «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ الْحُكْمَ فِيهِمْ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بِرِضَاهُمْ. فَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ أَحَاطُوا بِرَسُولِ اللَّهِ فَكَلَّمُوهُ فِي شَأْنِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَاعَةِ. فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُرَاعَاةَ قُلُوبِهِمْ فَقَالَ: أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيكُمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَذَاكَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَصَابَهُ سَهْمٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ وَكَانَ لَا يُرْقَأُ الدَّمُ. فَدَعَا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْت أَبْقَيْت مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لِذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ قِتَالِ قَوْمٍ أَخْرَجُوا رَسُولَك مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَإِنْ لَمْ تُبْقِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَاجْعَلْ هَذَا سَبَبَ شَهَادَتِي، وَلَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي فِي بَنِي قُرَيْظَة. فَلَمَّا دَعَا بِذَلِكَ رَقَأَ الدَّمُ. وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهَذَا الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَتَى بَنِي قُرَيْظَةَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ

стр. 551

- ﷺ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ رُءُوسِ الْأَنْصَارِ حِينَ أُخْبِرَ أَنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ لِيَدْعُوَهُمْ إلَى تَجْدِيدِ الْعَهْدِ. فَأَغْلَظُوا لَهُ الْقَوْلَ وَشَتَمُوهُ. فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَهُوَ يَقُولُ: أَتَشْتُمُونَنِي؟ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَهَمُّ مِنْ الشَّتْمِ وَهُوَ السَّيْفُ. فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْأَحْزَابَ وَحَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ دَعَا هُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ فَلَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ جَعَلَ الْحُكْمَ فِيهِمْ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَهُوَ كَانَ مَرِيضًا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ. فَأَتَاهُ الْأَنْصَارُ وَحَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ لِيَأْتُوا بِهِ مُعَسْكَرَ رَسُولِ اللَّهِ. فَجَعَلُوا يُكَلِّمُونَهُ فِي الطَّرِيقِ وَيَقُولُونَ: حُلَفَاؤُك وَمَوَالِيك، أَمْكَنَك اللَّهُ مِنْهُمْ فَأَحْسِنْ إلَيْهِمْ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ وَالْإِبْقَاءَ. وَقَدْ عَلِمْت مَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِي تَخْلِيصِ حُلَفَائِهِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعِ، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمَّا أَكْثَرُوا مِنْ ذَلِكَ مَسَحَ لِحْيَتَهُ بِيَدِهِ وَقَالَ: لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لَا يَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَقَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: هَلَكَتْ قُرَيْظَةُ وَاَللَّهِ. فَانْصَرَفُوا عَنْهُ إلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ فَلَمَّا أَتَى سَعْدٌ إلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ لِلْأَنْصَارِ: قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ (ص ١٩٧) فَأَنْزِلُوهُ. فَلِمَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: قَدْ جَعَلْت الْحُكْمَ فِيهِمْ إلَيْك فَاحْكُمْ فِيهِمْ.

стр. 552

فَأَقْبَلَ سَعْدٌ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيكُمْ مَا حَكَمْت؟ قَالُوا: نَعَمْ ثُمَّ قَالَ لِلنَّاحِيَةِ الَّتِي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵇، وَهُوَ مُعْرِضٌ إجْلَالًا لِرَسُولِ اللَّهِ: وَعَلَى مَنْ هُنَا بِمِثْلِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ: نَعَمْ. قَالَ سَعْدٌ: فَإِنِّي حَكَمْت فِيهِمْ بِأَنْ تُقْتَلَ الرِّجَالُ، وَتُسْبَى النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ، وَتُقَسَّمَ الْأَمْوَالُ. فَقَالَ ﵇: لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ، أَيْ سَبْعِ سَمَوَاتٍ» . وَهَكَذَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. فَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّهُمْ إذَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ فَجَعَلَ الْحُكْمَ إلَى غَيْرِهِ بِرِضَاهُمْ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْحُكْمَ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ؛ لِأَنَّ سَعْدًا أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْعَهْدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇، لِيَسْتَرْضِيَهُمْ بِذَلِكَ. وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵇، وَهَذَا لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الرَّأْيِ. وَهَذَا الْحُكْمُ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ. فَرِضَاهُمْ بِحُكْمِ شَخْصٍ لَا يَكُونُ رِضًا بِحُكْمِ شَخْصٍ آخَرَ، حَتَّى إذَا جَعَلَهُ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ فَحَكَمَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْمُحَكَّمُ الْأَوَّلُ بَعْدَ مَا يَعْلَمُ بِهِ. فَحِينَئِذٍ يَنْفُذُ؛ لِأَنَّ إجَازَتَهُ بِمَنْزِلَةِ إنْشَائِهِ. وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ الْحُكْمُ بِرَأْيِهِ وَقَدْ رَضُوا بِذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ فِيهِمْ بِأَنْ يُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ أَوْ بِأَنْ يُجْعَلُوا ذِمَّةً أَوْ بِأَنْ يُجْعَلُوا فَيْئًا فَذَلِكَ كُلُّهُ نَافِذٌ، اسْتِدْلَالًا بِمَا حَكَمَ بِهِ سَعْدٌ. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ سَعْدًا حَكَمَ يَوْمَئِذٍ بِأَنْ يُقْتَلَ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى. وَبِهِ يَسْتَدِلُّ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْبُلُوغَ بِاعْتِبَارِ نَبَاتِ الْعَانَةِ. وَلَسْنَا نَقُولُ بِهَذَا.

стр. 553

لِأَنَّ نَبَاتَ الْعَانَةِ يَخْتَلِفُ فِيهِ أَحْوَالُ النَّاسِ. أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ يُبْطِئُ فِي الْأَتْرَاكِ وَيَسْرُعُ فِي الْهُنُودِ. فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حُكْمًا. وَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُ عَلِمَ بِإِخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ إيَّاهُ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَامَةُ بُلُوغِ بَنِي قُرَيْظَةَ. وَإِنَّمَا حَكَمَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى مِنْهُمْ كَانَ مُقَاتِلًا. وَإِنَّمَا حُكِمَ بِقَتْلِ مُقَاتِلِهِمْ. وَالْمُقَاتِلُ يُقْتَلُ بَالِغًا كَانَ أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ. وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ إنَّمَا يُقْتَلُ قَبْلَ الْأَسْرِ إذَا قَاتَلَ، فَأَمَّا بَعْدَ مَا أُسِرَ فَلَا يُقْتَلُ. ثُمَّ ذُكِرَ: أَنَّهُ لَمَّا حَكَمَ فِيهِمْ سِيقُوا حَتَّى حُبِسُوا فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ النَّجَّارِيَّةِ وَأَمَرَ بِهِمْ أَنْ يُكَتَّفُوا. وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُصْنَعَ بِالْأُسَرَاءِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤] . قَالَ: «ثُمَّ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبَنِي قُرَيْظَةَ حَتَّى قُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ. وَسُمِّيَ مِمَّنْ قُتِلَ مِنْهُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ فِي الْمَغَازِي: حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَجَمَاعَةٌ. فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ قَالَ النَّبِيُّ ﵇: لَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السِّلَاحِ. قَيِّلُوهُمْ وَاسْقُوهُمْ حَتَّى يَبْرُدُوا ثُمَّ اُقْتُلُوا مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ» . وَفِي الْمَغَازِي ذُكِرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ قَامَ وَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: شَأْنُك وَمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ» . وَكَانَ الَّذِينَ يَلُونَ قَتْلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ

стр. 554

فَقُتِلُوا عِنْدَ مَوْضِعِ دَارِ ابْنِ أَبِي الْجَهْمِ. فَسَالَتْ دِمَاؤُهُمْ حَتَّى بَلَغَ أَحْجَارَ الزَّيْتِ. وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الْكِتَابِ عَدَدَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِيهِ. فَأَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُمْ قَتَلُوا سَبْعَ مِائَةِ رَجُلٍ مِنْهُمْ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: قَتَلُوا أَرْبَعَ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ. وَكَانَ عَدَدُ السَّبْيِ سِتَّ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ. فَكَانَ كُلُّ مَنْ يُشَكُّ فِي أَمْرِهِ يُكْشَفُ عَنْ عَانَتِهِ، عَلَى مَا قَالَ عَطِيَّةُ الْقُرَظِيّ: شَكُّوا فِي أَمْرِي يَوْمَئِذٍ فَكَشَفُوا عَنْ عَانَتِي، فَإِذَا أَنَا لَمْ أَنْبُتْ، فَجَعَلُونِي (ص ١٩٨) فِي الذُّرِّيَّةِ. وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ اُقْتُلُوا مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى، وَلَا تَسْبُوا إلَيْنَا مِنْ الْعُلُوجِ أَحَدًا. وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَا يَقْصِدُوهُمْ بِسُوءٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ حِينَ لَمْ يُبَالِغُوا فِي مُرَاعَاةِ نَهْيِهِ اُبْتُلِيَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا وَكَانَ مَجُوسِيًّا؟ . وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَدَّنِي ثُمَّ عُرِضْت عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَقَبِلَنِي فِي الْمُقَاتِلَةِ» . وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ فِي الْبُلُوغِ بِنَبَاتِ الْعَانَةِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَلَامَةُ بِالِاحْتِلَامِ، أَوْ بِأَنْ يَتِمَّ لَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً فِي رِوَايَةٍ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي رِوَايَةٍ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ. تَمَّ أَبْوَابُ الْأَمَانِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ آمَنَنَا اللَّهُ مِنْ النَّارِ وَأَسْكَنَنَا دَارَ الْقَرَارِ.

стр. 555

[أَبْوَابُ الْأَنْفَالِ] ٩٦٣ - الْأَنْفَالُ: الْغَنَائِمُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ. وَأَصْلُهَا نَفْلٌ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ ... وَبِإِذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وَالْعَجَلْ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] أَيْ الْغَنَائِمِ. وَسَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ مَا رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَاءَتْ أَخْلَاقُنَا يَوْمَ بَدْرٍ فَحُرِمْنَا. فَقِيلَ: وَكَيْفَ سَاءَتْ أَخْلَاقُكُمْ؟ قَالَ: لَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْعَدُوَّ افْتَرَقْنَا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ كَانُوا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﵇، يَحْرُسُونَهُ. وَفِرْقَةٌ اتَّبَعُوا الْمُنْهَزِمِينَ، وَفِرْقَةٌ جَمَعُوا الْأَمْوَالَ. ثُمَّ ادَّعَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ أَنَّهَا أَحَقُّ بِالْغَنَائِمِ، فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، وَرَسُولُ اللَّهِ سَاكِتٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ: ﴿يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ. قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] الْآيَةَ.

стр. 556

وَالْمُرَادُ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْأَنْفَالِ فِي عِبَارَةِ الْفُقَهَاءِ مَا يَخُصُّ بِهِ الْإِمَامُ بَعْضَ الْغَانِمِينَ. فَذَلِكَ الْفِعْلُ يُسَمَّى مِنْهُ تَنْفِيلًا، وَذَلِكَ الْمَحَلُّ يُسَمَّى نَفْلًا. - وَلَا خِلَافَ أَنَّ التَّنْفِيلَ جَائِزٌ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَالِ. فَإِنَّ الْإِمَامَ مَأْمُورٌ بِالتَّحْرِيضِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] فَهَذَا الْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِكُلِّ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ، وَالتَّحْرِيضُ بِالتَّنْفِيلِ، فَإِنَّ الشُّجْعَانَ قَلَّ مَا يُخَاطِرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ إذَا لَمْ يُخَصُّوا بِشَيْءٍ مِنْ الْمُصَابِ. فَإِذَا خَصَّهُمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ فَذَلِكَ يُغْرِيهِمْ عَلَى الْمُخَاطَرَةِ بِأَرْوَاحِهِمْ وَإِيقَاعِ أَنْفُسِهِمْ فِي حَلْبَةِ الْعَدُوِّ. وَصُورَةُ هَذَا التَّنْفِيلِ أَنْ يَقُولَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَنْ أَخَذَ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ. كَمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُنَادِي حِينَ نَادَى يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ. أَوْ يَبْعَثُ سَرِيَّةً فَيَقُولُ: لَكُمْ الثُّلُثُ مِمَّا تُصِيبُونَ بَعْدَ الْخُمُسِ. أَوْ يُطْلِقُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ، فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَهُمْ ثُلُثُ الْمُصَابِ قَبْلَ أَنْ يُخَمَّسَ، يَخْتَصُّونَ بِهِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ الْجَيْشِ فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ مَا يُرْفَعُ مِنْهُ الْخُمُسُ، وَعِنْدَ التَّنْفِيلِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، ثُمَّ يَكُونُ لَهُمْ الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ يَخْتَصُّونَ بِهِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ الْجَيْشِ فِيمَا بَقِيَ. وَلَا يَسْتَحِقُّ الْقَاتِلُ بِدُونِ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ عِنْدَنَا.

стр. 557

وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَتَلَ مُشْرِكًا عَلَى وَجْهِ الْمُبَارَزَةِ وَهُوَ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ التَّنْفِيلُ مِنْ الْإِمَامِ. لِأَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﵇: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» لِنَصْبِ الشَّرْعِ. وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ فِي لِسَانِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لِبَيَانِ السَّبَبِ كَقَوْلِهِ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (ص ١٩٩) . - وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذَا لَوْ أَنْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِالْمَدِينَةِ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ قَالَ هَذَا إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَى التَّحْرِيضِ. فَإِنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَغَازِيهِ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» إلَّا يَوْمَ حُنَيْنٍ. وَذَلِكَ بَعْدَ مَا انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَوَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى تَحْرِيضِهِمْ لِيَكُرُّوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] . وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ أَيْضًا. وَقَدْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّحْرِيضِ يَوْمَئِذٍ مَعْلُومَةً، فَإِنَّهُمْ كَانُوا كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] . فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ لِلتَّحْرِيضِ. لَا بِطَرِيقِ نَصْبِ الشَّرْعِ وَأَيَّدَ مَا قُلْنَا مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُحَاصِرًا وَادِيَ الْقُرَى، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي الْغَنَائِمِ؟

стр. 558

فَقَالَ: لِلَّهِ سَهْمٌ وَلِهَؤُلَاءِ أَرْبَعَةٌ. قَالَ: فَالْغَنِيمَةُ يَغْنَمُهَا الرَّجُلُ؟ قَالَ: إنْ رُمِيتَ فِي جَنْبِك بِسَهْمٍ فَاسْتَخْرَجْتَهُ فَلَسْتَ بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ» . فَهَذَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِدُونِ التَّنْفِيلِ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: لَا نَفْلَ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَأَهْلُ الشَّامِ يُجَوِّزُونَ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَا قُلْنَا دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ. لِأَنَّ التَّنْفِيلَ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَالِ وَذَلِكَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ لَا بَعْدَهَا. وَلِأَنَّ التَّنْفِيلَ لِإِثْبَاتِ الِاخْتِصَاصِ ابْتِدَاءً، لَا لِإِبْطَالِ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْغَانِمِينَ، أَوْ الْإِبْطَالُ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي الْخُمُسِ لِأَرْبَابِهَا وَفِي التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ إبْطَالُ الْحَقِّ. - وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَدِيثُ الْحَسَنِ أَنَّ «رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ زِمَامًا مِنْ شَعْرٍ مِنْ الْمَغْنَمِ فَقَالَ: وَيْلَك سَأَلْتنِي زِمَامًا مِنْ نَارٍ - مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا - وَاَللَّهِ مَا كَانَ لَك أَنْ تَسْأَلَنِيهِ، وَمَا كَانَ لِي أَنْ أُعْطِيَكَهُ» .

стр. 559

وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ «رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ أَخَذَهُ مِنْ الْمَغْنَمِ فَقَالَ: هَبْ لِي هَذِهِ فَقَالَ: أَمَّا نَصِيبِي مِنْهَا فَلَكَ» وَعَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﵇ وَمَعَهُ زِمَامٌ مِنْ شَعْرٍ. قَالَ: مُرْ لِي بِهَذَا الزِّمَامِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِرَاحِلَتِي زِمَامٌ فَقَالَ سَأَلْتنِي زِمَامًا مِنْ نَارٍ. مَا لَك أَنْ تَسْأَلَنِيهِ وَمَا لِي أَنْ أُعْطِيَكَهُ فَرَمَى بِهِ فِي الْمَغْنَمِ» . وَلَوْ جَازَ التَّنْفِيلُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَمَا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ ذَلِكَ مَعَ صِدْقِ حَاجَتِهِ. وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفَّلَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَى ذَلِكَ مِنْ الْخُمُسِ بَعْضَ الْمُحْتَاجِينَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ الْمَسَاكِينِ. أَوْ أَعْطَى ذَلِكَ مِنْ سَهْمِ نَفْسِهِ مِنْ الْخُمُسِ أَوْ الصَّفِيِّ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى مَا قَالَ: «لَا يَحِلُّ مِنْ غَنَائِمِكُمْ إلَّا الْخُمُسَ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ» . أَوْ أَعْطَى مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَا بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، كَأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ فَقَدْ كَانَتْ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] الْآيَةَ.

стр. 560

أَوْ أَعْطَى ذَلِكَ مِنْ غَنَائِمِ بَدْرٍ. فَقَدْ كَانَ الْأَمْرُ فِيهَا مُفَوَّضًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الْآيَةَ. وَذُكِرَ: ٩٦٧ - عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ بْنِ يَزِيدَ أَوْ زَيْدٍ (ص ٢٠٠) قَالَ: «نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَا أَخَذُوا بِغَيْرِ قِتَالٍ، قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ عَنْ فُوَاقٍ» . يَعْنِي عَلَى سَوَاءٍ. وَهَكَذَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَةُ ﴿يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] فَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ بِالسَّوَاءِ. وَقَدْ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَى كُلَّ قَاتِلٍ سَلَبَ قَتِيلِهِ يَوْمَئِذٍ عَلَى مَا ذُكِرَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَتَادَةَ قَالَ: أَخَذَ عَلِيٌّ سَلَبَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَخَذَ حَمْزَةُ سَلَبَ عُتْبَةَ، وَأَخَذَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ سَلَبَ شَيْبَةَ

стр. 561

فَدَفَعَهُ إلَى وَرَثَتِهِ. وَكَانَ عُبَيْدَةُ قَدْ جُرِحَ فَمَاتَ فِي ذَاتِ أَجْدَالٍ بِالصَّفْرَاءِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْمَدِينَةِ. وَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ. - وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي قَاتِلِ أَبِي جَهْلٍ. فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «كُنْت: يَوْمَ بَدْرٍ بَيْنَ شَابَّيْنِ حَدِيثٍ أَسْنَانُهُمَا أَحَدُهُمَا مُعَوِّذُ ابْنُ عَفْرَاءَ وَالْآخَرُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ فَقَالَ لِي أَحَدُهُمَا: أَيْ عَمُّ أَتَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْت: وَمَا شَأْنُك بِهِ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَاَللَّهِ لَوْ لَقِيته لَمَا فَارَقَ سَوَادِي سَوَادَهُ، حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا مَوْتًا، وَغَمَزَنِي الْآخَرُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَقِيت أَبَا جَهْلٍ وَهُوَ يُسَوِّي صَفَّ الْمُشْرِكِينَ. فَقُلْت: ذَاكَ صَاحِبُكُمَا الَّذِي تُرِيدَانِهِ. فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا فَقَتَلَاهُ. وَجَاءَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْته فَلِي سَلَبُهُ. فَقَالَ ﵇: أَمَسَحْتُمَا سَيْفَكُمَا؟ فَقَالَا: لَا: أَرِيَانِي سَيْفَكُمَا. فَأَرَيَاهُ فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ. ثُمَّ أَعْطَى السَّلَبَ مُعَوِّذَ ابْنَ عَفْرَاءَ» . وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ إنَّمَا خَصَّهُ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَثَرَ الطِّعَانِ عَلَى سَيْفِهِ فَعَلِمَ أَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ وَأَنَّهُ أَعَانَهُ الْآخَرُ.

стр. 562

وَرُوِيَ أَنَّهُ بَعَثَ إلَى عِكْرِمَة بْنِ أَبِي جَهْلٍ فَسَأَلَهُ: مَنْ قَتَلَ أَبَاك؟ فَقَالَ: الَّذِي قَطَعْت أَنَا يَدَهُ. وَإِنَّمَا كَانَ قَطَعَ يَدَ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ مِنْ الْمَنْكِبِ. وَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ أَثْخَنَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ. عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «كُنْت أُفَتِّشُ الْقَتْلَى يَوْمَ بَدْرٍ لِأُبَشِّرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ أَرَاهُ مَقْتُولًا مِنْهُمْ. فَرَأَيْت أَبَا جَهْلٍ صَرِيعًا بِهِ رَمَقٌ. فَجَلَسْت عَلَى صَدْرِهِ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: يَا رُوَيْعِيَّ الْغَنَمِ، لَقَدْ ارْتَقَيْت مُرْتَقًى عَظِيمًا. فَقُلْت: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَكَّنَنِي مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: لِمَنْ الدَّبْرَةُ؟ فَقُلْت: لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. فَقَالَ: مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَهُ؟ فَقُلْت: أَحُزُّ رَأْسَك. فَقَالَ: خُذْ سَيْفِي فَهُوَ أَمْضَى لِمَا تُرِيدُ، وَاقْطَعْ رَأْسِي مِنْ كَاهِلِي لِيَكُونَ أَهْيَبَ فِي عَيْنِ النَّاظِرِ. وَإِذَا رَجَعْت إلَى مُحَمَّدٍ فَأَخْبِرْهُ أَنِّي الْيَوْمَ أَشَدُّ بُغْضًا لَهُ مِمَّا كُنْت مِنْ قَبْلُ. فَقَالَ: قَطَعْت رَأْسَهُ وَأَتَيْت بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت: هَذَا رَأْسُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ فَقَالَ ﵇: اللَّهُ أَكْبَرُ. هَذَا فِرْعَوْنِي وَفِرْعَوْنُ أُمَّتِي. كَانَ شَرُّهُ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي أَعْظَمَ مِنْ شَرِّ فِرْعَوْنَ عَلَى مُوسَى وَأُمَّتِهِ، ثُمَّ نَفَّلَنِي سَيْفَهُ» . زَادَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «وَأَخْبَرْته بِمَا قَالَ، فَقَالَ: إنَّهُ كَفَرَ فِي الدُّنْيَا وَعِنْدَ مَوْتِهِ، وَسَيَكْفُرُ فِي النَّارِ أَيْضًا. قَالَ: وَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إذَا دَخَلَ النَّارَ جَعَلَ يَنْظُرُ وَيَقُولُ

стр. 563

لِأَصْحَابِهِ أَيْنَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ؟ فَيُقَالُ لَهُ: هُمْ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: كَلًّا، إنَّمَا كَانَ الْيَوْمُ يَوْمَ زَحْمَةٍ ص ٢٠١ فَهَرَبُوا» . وَالرِّوَايَاتُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى ابْنَ مَسْعُودٍ سَيْفَهُ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَيْضًا أَعْطَاهُ سَلَبَهُ. فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الَّذِي جَرَحَهُ مَا أَثْخَنَهُ، فَيَكُونُ قَاتِلُهُ مَنْ قَطَعَ رَأْسَهُ. وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ أَعْطَى سَلَبَهُ غَيْرَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ أَثْخَنَهُ وَصَيَّرَهُ بِحَالٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْقِتَالُ، فَيَكُونُ السَّلَبُ لَهُ دُونَ مَنْ قَطَعَ رَأْسَهُ. وَإِنَّمَا أَعْطَى سَيْفَهُ ابْنَ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِي غَنَائِمِ بَدْرٍ كَانَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا بَيَّنَّا. وَبِهَذَا يَسْتَدِلُّ مَنْ يُجَوِّزُ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَعْطَاهُ سَيْفَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّنْفِيلِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لِغَيْرِهِ بِالتَّنْفِيلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَهُ الْإِمَامُ لِغَيْرِهِ، كَيْفَ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى سَيْفِهِ فِضَّةٌ؟ وَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الشَّامِ لَا نَفْلَ فِي ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، عَلَى مَا بَيَّنَهُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا تَنْفِيلًا، فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ. - وَذُكِرَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» . وَتَمَامُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ «أَبَا قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ. فَلَقِيت رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَأَتَيْته مِنْ وَرَائِهِ وَضَرَبْت عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ضَرْبَةً، فَتَرَكَهُ وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي إلَى نَفْسِهِ ضَمَّةً شَمَمْت مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ. ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعْته يَقُولُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا وَلَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقُلْت: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ فَقَالَ رَجُلٌ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ عَنِّي.

стр. 564

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ. لَاهَا اللَّهِ أَيَعْمِدُ أَسَدٌ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ ثُمَّ يُعْطِيك سَلَبَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ. وَأَعْطَانِي سَلَبَهُ.» - وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: لَا مَغْنَمَ حَتَّى يُخَمَّسَ، وَلَا نَفْلَ حَتَّى يُقْسَمَ جُفَّةً. أَيْ جُمْلَةً. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا نَفْيَ التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، نَفَى اخْتِصَاصَ وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ بِشَيْءٍ قَبْلَ الْخُمُسِ بِغَيْرِ تَنْفِيلٍ. وَهُوَ مَذْهَبُنَا. - وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَا نَفْلَ فِي أَوَّلِ الْغَنِيمَةِ، وَلَا بَعْدَ الْغَنِيمَةِ، وَلَا يُعْطَى مِنْ الْغَنَائِمِ إذَا اجْتَمَعَتْ إلَّا رَاعٍ أَوْ سَائِقٌ أَوْ حَارِسٌ غَيْرُ مُحَابًى. وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا نَفْلَ فِي أَوَّلِ الْغَنِيمَةِ: أَيْ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ أَحَدًا شَيْئًا قَبْلَ رَفْعِ الْخُمُسِ وَلَا بَعْدَ رَفْعِ الْخُمُسِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ فِي أَوَّلِ اللِّقَاءِ قَبْلَ الْحَاجَةِ إلَى التَّحْرِيضِ؛ لِأَنَّ الْجَيْشَ فِي أَوَّلِ اللِّقَاءِ يَكُونُ لَهُمْ نَشَاطٌ فِي الْقِتَالِ فَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى التَّحْرِيضِ، فَأَمَّا بَعْدَ مَا طَالَ الْأَمْرُ وَقَلَّ نَشَاطُهُمْ فَتَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى التَّحْرِيضِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّنْفِيلُ عِنْدَ ذَلِكَ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَفِّلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ

стр. 565

فِي الْبُدَاءَةِ الرُّبْعَ وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ» . فَأَهْلُ الشَّامِ حَمَلُوا هَذَا عَلَى التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يُنَفِّلُ أَوَّلَ السَّرَايَا الرُّبْعَ، وَآخِرَ السَّرَايَا الثُّلُثَ، لِزِيَادَةِ الْحَاجَةِ إلَى التَّحْرِيضِ. فَإِنَّ أَوَّلَ السَّرَايَا يَكُونُونَ نَاشِطِينَ فِي الْقِتَالِ (ص ٢٠٢) فَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى الْإِمْعَانِ فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ، وَآخِرَ السَّرَايَا قَدْ قَلَّ نَشَاطُهُمْ وَيَحْتَاجُونَ إلَى الْإِمْعَانِ فِي الطَّلَبِ. فَلِهَذَا زَادَ فِيمَا نَفَّلَ لَهُمْ. وَأَمَّا الرَّاعِي وَالسَّائِقُ وَالْحَارِسُ فَهُمْ أُجَرَاءُ يُعْطِيهِمْ الْإِمَامُ أَجْرَهُمْ بِاعْتِبَارِ عَمَلِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ " غَيْرُ مُحَابًى "، فَإِنَّمَا يُعْطِيهِمْ الْأَجْرَ بِقَدْرِ عَمَلِهِمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ النَّفْلِ فِي شَيْءٍ. - وَذُكِرَ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يُخَمِّسَانِ الْأَسْلَابَ. وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَمَكْحُولٍ أَنَّ السَّلَبَ مَغْنَمٌ وَفِيهِ الْخُمُسُ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] . وَالسَّلَبُ مِنْ الْغَنِيمَةِ. وَتَأْوِيلُ مَا نُقِلَ عَنْ خَالِدٍ وَعَوْفٍ إذَا تَقَدَّمَ التَّنْفِيلُ مِنْ الْإِمَامِ لِقَوْلِهِ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» . وَعِنْدَنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يُخَمَّسُ السَّلَبُ. فَأَمَّا بِدُونِ التَّنْفِيلِ يُخَمَّسُ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ
следующие страницы →