Полный текст (2 212 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
فَدَفَعَهُ إلَى وَرَثَتِهِ. وَكَانَ عُبَيْدَةُ قَدْ جُرِحَ فَمَاتَ فِي ذَاتِ أَجْدَالٍ بِالصَّفْرَاءِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْمَدِينَةِ.
وَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ.
- وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي قَاتِلِ أَبِي جَهْلٍ. فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «كُنْت: يَوْمَ بَدْرٍ بَيْنَ شَابَّيْنِ حَدِيثٍ أَسْنَانُهُمَا أَحَدُهُمَا مُعَوِّذُ ابْنُ عَفْرَاءَ وَالْآخَرُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ فَقَالَ لِي أَحَدُهُمَا: أَيْ عَمُّ أَتَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْت: وَمَا شَأْنُك بِهِ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَاَللَّهِ لَوْ لَقِيته لَمَا فَارَقَ سَوَادِي سَوَادَهُ، حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا مَوْتًا، وَغَمَزَنِي الْآخَرُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَقِيت أَبَا جَهْلٍ وَهُوَ يُسَوِّي صَفَّ الْمُشْرِكِينَ. فَقُلْت: ذَاكَ صَاحِبُكُمَا الَّذِي تُرِيدَانِهِ. فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا فَقَتَلَاهُ. وَجَاءَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْته فَلِي سَلَبُهُ. فَقَالَ ﵇: أَمَسَحْتُمَا سَيْفَكُمَا؟ فَقَالَا: لَا: أَرِيَانِي سَيْفَكُمَا. فَأَرَيَاهُ فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ. ثُمَّ أَعْطَى السَّلَبَ مُعَوِّذَ ابْنَ عَفْرَاءَ» .
وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ إنَّمَا خَصَّهُ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَثَرَ الطِّعَانِ عَلَى سَيْفِهِ فَعَلِمَ أَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ وَأَنَّهُ أَعَانَهُ الْآخَرُ.
стр. 562
وَرُوِيَ أَنَّهُ بَعَثَ إلَى عِكْرِمَة بْنِ أَبِي جَهْلٍ فَسَأَلَهُ: مَنْ قَتَلَ أَبَاك؟ فَقَالَ: الَّذِي قَطَعْت أَنَا يَدَهُ.
وَإِنَّمَا كَانَ قَطَعَ يَدَ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ مِنْ الْمَنْكِبِ.
وَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ أَثْخَنَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ.
عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «كُنْت أُفَتِّشُ الْقَتْلَى يَوْمَ بَدْرٍ لِأُبَشِّرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ أَرَاهُ مَقْتُولًا مِنْهُمْ. فَرَأَيْت أَبَا جَهْلٍ صَرِيعًا بِهِ رَمَقٌ. فَجَلَسْت عَلَى صَدْرِهِ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: يَا رُوَيْعِيَّ الْغَنَمِ، لَقَدْ ارْتَقَيْت مُرْتَقًى عَظِيمًا. فَقُلْت: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَكَّنَنِي مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: لِمَنْ الدَّبْرَةُ؟ فَقُلْت: لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. فَقَالَ: مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَهُ؟ فَقُلْت: أَحُزُّ رَأْسَك. فَقَالَ: خُذْ سَيْفِي فَهُوَ أَمْضَى لِمَا تُرِيدُ، وَاقْطَعْ رَأْسِي مِنْ كَاهِلِي لِيَكُونَ أَهْيَبَ فِي عَيْنِ النَّاظِرِ. وَإِذَا رَجَعْت إلَى مُحَمَّدٍ فَأَخْبِرْهُ أَنِّي الْيَوْمَ أَشَدُّ بُغْضًا لَهُ مِمَّا كُنْت مِنْ قَبْلُ. فَقَالَ: قَطَعْت رَأْسَهُ وَأَتَيْت بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت: هَذَا رَأْسُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ فَقَالَ ﵇: اللَّهُ أَكْبَرُ. هَذَا فِرْعَوْنِي وَفِرْعَوْنُ أُمَّتِي. كَانَ شَرُّهُ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي أَعْظَمَ مِنْ شَرِّ فِرْعَوْنَ عَلَى مُوسَى وَأُمَّتِهِ، ثُمَّ نَفَّلَنِي سَيْفَهُ» .
زَادَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «وَأَخْبَرْته بِمَا قَالَ، فَقَالَ: إنَّهُ كَفَرَ فِي الدُّنْيَا وَعِنْدَ مَوْتِهِ، وَسَيَكْفُرُ فِي النَّارِ أَيْضًا. قَالَ: وَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إذَا دَخَلَ النَّارَ جَعَلَ يَنْظُرُ وَيَقُولُ
стр. 563
لِأَصْحَابِهِ أَيْنَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ؟ فَيُقَالُ لَهُ: هُمْ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: كَلًّا، إنَّمَا كَانَ الْيَوْمُ يَوْمَ زَحْمَةٍ ص ٢٠١ فَهَرَبُوا» .
وَالرِّوَايَاتُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى ابْنَ مَسْعُودٍ سَيْفَهُ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَيْضًا أَعْطَاهُ سَلَبَهُ.
فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الَّذِي جَرَحَهُ مَا أَثْخَنَهُ، فَيَكُونُ قَاتِلُهُ مَنْ قَطَعَ رَأْسَهُ. وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ أَعْطَى سَلَبَهُ غَيْرَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ أَثْخَنَهُ وَصَيَّرَهُ بِحَالٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْقِتَالُ، فَيَكُونُ السَّلَبُ لَهُ دُونَ مَنْ قَطَعَ رَأْسَهُ. وَإِنَّمَا أَعْطَى سَيْفَهُ ابْنَ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِي غَنَائِمِ بَدْرٍ كَانَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا بَيَّنَّا.
وَبِهَذَا يَسْتَدِلُّ مَنْ يُجَوِّزُ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَعْطَاهُ سَيْفَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّنْفِيلِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لِغَيْرِهِ بِالتَّنْفِيلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَهُ الْإِمَامُ لِغَيْرِهِ، كَيْفَ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى سَيْفِهِ فِضَّةٌ؟ وَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الشَّامِ لَا نَفْلَ فِي ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، عَلَى مَا بَيَّنَهُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا تَنْفِيلًا، فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ.
- وَذُكِرَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» .
وَتَمَامُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ «أَبَا قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ. فَلَقِيت رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَأَتَيْته مِنْ وَرَائِهِ وَضَرَبْت عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ضَرْبَةً، فَتَرَكَهُ وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي إلَى نَفْسِهِ ضَمَّةً شَمَمْت مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ. ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعْته يَقُولُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا وَلَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقُلْت: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ فَقَالَ رَجُلٌ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ عَنِّي.
стр. 564
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ. لَاهَا اللَّهِ أَيَعْمِدُ أَسَدٌ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ ثُمَّ يُعْطِيك سَلَبَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ. وَأَعْطَانِي سَلَبَهُ.»
- وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: لَا مَغْنَمَ حَتَّى يُخَمَّسَ، وَلَا نَفْلَ حَتَّى يُقْسَمَ جُفَّةً. أَيْ جُمْلَةً.
وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا نَفْيَ التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، نَفَى اخْتِصَاصَ وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ بِشَيْءٍ قَبْلَ الْخُمُسِ بِغَيْرِ تَنْفِيلٍ. وَهُوَ مَذْهَبُنَا.
- وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَا نَفْلَ فِي أَوَّلِ الْغَنِيمَةِ، وَلَا بَعْدَ الْغَنِيمَةِ، وَلَا يُعْطَى مِنْ الْغَنَائِمِ إذَا اجْتَمَعَتْ إلَّا رَاعٍ أَوْ سَائِقٌ أَوْ حَارِسٌ غَيْرُ مُحَابًى.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا نَفْلَ فِي أَوَّلِ الْغَنِيمَةِ: أَيْ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ أَحَدًا شَيْئًا قَبْلَ رَفْعِ الْخُمُسِ وَلَا بَعْدَ رَفْعِ الْخُمُسِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ فِي أَوَّلِ اللِّقَاءِ قَبْلَ الْحَاجَةِ إلَى التَّحْرِيضِ؛ لِأَنَّ الْجَيْشَ فِي أَوَّلِ اللِّقَاءِ يَكُونُ لَهُمْ نَشَاطٌ فِي الْقِتَالِ فَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى التَّحْرِيضِ، فَأَمَّا بَعْدَ مَا طَالَ الْأَمْرُ وَقَلَّ نَشَاطُهُمْ فَتَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى التَّحْرِيضِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّنْفِيلُ عِنْدَ ذَلِكَ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَفِّلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ
стр. 565
فِي الْبُدَاءَةِ الرُّبْعَ وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ» . فَأَهْلُ الشَّامِ حَمَلُوا هَذَا عَلَى التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يُنَفِّلُ أَوَّلَ السَّرَايَا الرُّبْعَ، وَآخِرَ السَّرَايَا الثُّلُثَ، لِزِيَادَةِ الْحَاجَةِ إلَى التَّحْرِيضِ.
فَإِنَّ أَوَّلَ السَّرَايَا يَكُونُونَ نَاشِطِينَ فِي الْقِتَالِ (ص ٢٠٢) فَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى الْإِمْعَانِ فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ، وَآخِرَ السَّرَايَا قَدْ قَلَّ نَشَاطُهُمْ وَيَحْتَاجُونَ إلَى الْإِمْعَانِ فِي الطَّلَبِ. فَلِهَذَا زَادَ فِيمَا نَفَّلَ لَهُمْ. وَأَمَّا الرَّاعِي وَالسَّائِقُ وَالْحَارِسُ فَهُمْ أُجَرَاءُ يُعْطِيهِمْ الْإِمَامُ أَجْرَهُمْ بِاعْتِبَارِ عَمَلِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ " غَيْرُ مُحَابًى "، فَإِنَّمَا يُعْطِيهِمْ الْأَجْرَ بِقَدْرِ عَمَلِهِمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ النَّفْلِ فِي شَيْءٍ.
- وَذُكِرَ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يُخَمِّسَانِ الْأَسْلَابَ. وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَمَكْحُولٍ أَنَّ السَّلَبَ مَغْنَمٌ وَفِيهِ الْخُمُسُ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] . وَالسَّلَبُ مِنْ الْغَنِيمَةِ. وَتَأْوِيلُ مَا نُقِلَ عَنْ خَالِدٍ وَعَوْفٍ إذَا تَقَدَّمَ التَّنْفِيلُ مِنْ الْإِمَامِ لِقَوْلِهِ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» . وَعِنْدَنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يُخَمَّسُ السَّلَبُ. فَأَمَّا بِدُونِ التَّنْفِيلِ يُخَمَّسُ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ
стр. 566
الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ أَخُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَتَلَ مَرْزُبَانَ الزَّارَةِ وَأَخَذَ سَلَبَهُ مُذَهَّبًا بِالذَّهَبِ مُرَصَّعًا بِالْجَوَاهِرِ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا. فَكَتَبَ صَاحِبُ الْجَيْشِ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ ﵁. فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْخُمُسَ وَيَدْفَعَ سَائِرَ ذَلِكَ إلَيْهِ.
وَهَذَا مُشْكِلٌ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ سَبَقَ التَّنْفِيلُ فَلَا خُمُسَ فِي السَّلَبِ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْبِقْ التَّنْفِيلُ فَأَعْطَى مَا بَقِيَ إلَى الْبَرَاءِ فَيَكُونُ تَنْفِيلًا بَعْدَ الْإِصَابَةِ. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا. وَلَكِنَّ تَأْوِيلَهُ أَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ بِتَنْفِيلٍ مُقَيَّدٍ بِأَنْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ بَعْدَ الْخُمُسِ. وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ يُخَمَّسُ السَّلَبُ عِنْدَنَا وَالْبَاقِي لِلْقَاتِلِ.
وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: الْفَرَسُ وَالسَّلَبُ مِنْ النَّفْلِ.
وَالْمُرَادُ أَنَّ الْقَاتِلَ بَعْدَ التَّنْفِيلِ يَسْتَحِقُّ الْفَرَسَ؛ لِأَنَّ السَّلَبَ اسْمٌ لِمَا يُسْلَبُ مِنْهُ بِإِظْهَارِ الْجَزَاءِ وَالْعَنَاءِ. وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِي الْفَرَسِ كَمَا يَتَحَقَّقُ فِي السَّلَبِ، فَيَدْخُلُ الْكُلُّ فِي التَّنْفِيلِ بِقَوْلِهِ.
- فَإِنْ جَرَحَ الْكَافِرَ رَجُلٌ بَعْدَ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ ثُمَّ قَتَلَهُ الْآخَرُ.
стр. 567
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ صَيَّرَهُ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ قِتَالًا وَلَا عَوْنًا بِيَدٍ وَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ مَعَ مِثْلِ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ فَالسَّلَبُ لِلْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَالسَّلَبُ لِلثَّانِي.
؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ مِنْ هَذَا التَّنْفِيلِ أَنْ يُظْهِرَ الْقَاتِلُ فَضْلَ جَزَاءٍ وَعَنَاءٍ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِ. وَهَذَا إنَّمَا حَصَلَ مِنْ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. لِأَنَّهُ إذَا صَارَ بِحَيْثُ لَا يُتَوَهَّمُ الْقِتَالُ مِنْهُ فَالثَّانِي لَا يَحْتَاجُ إلَى عَنَاءٍ وَقُوَّةٍ فِي حَزِّ رَأْسِهِ، وَإِنْ كَانَ يَتَحَامَلُ مَعَ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ وَيُتَوَهَّمُ أَنْ يَعِيشَ وَيُقَاتِلَ فَقَدْ أَظْهَرَ الثَّانِي بِقَتْلِهِ الْعَنَاءَ وَالْقُوَّةَ فَيَكُونَ السَّلَبُ لَهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّيْدَ إذَا رَمَاهُ إنْسَانٌ فَأَثْخَنَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ كَانَ لِلْأَوَّلِ. وَلَوْ كَانَ يَتَحَامَلُ بَعْدَ رَمْيِ الْأَوَّلِ حَتَّى رَمَاهُ الثَّانِي فَهُوَ لِلثَّانِي. وَاسْتُدِلَّ عَلَى هَذَا بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ.
- قَالَ: «قَطَعَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ رِجْلَيْ مَرْحَبَ وَضَرَبَ عَلِيٌّ عُنُقَهُ. فَأَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ سَلَبَهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ» .
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَطَعْت رِجْلَيْهِ إلَّا وَأَنَا قَادِرٌ عَلَى قَتْلِهِ، وَلَكِنِّي أَرَدْت أَنْ يَذُوقَ مِنْ الْمَوْتِ مَا ذَاقَ أَخِي مَحْمُودٌ. وَكَانَ مَرْحَبُ قَدْ دَلَّى عَلَيْهِ حَجَرَ الرَّحَّاءِ. فَمَكَثَ ثَلَاثًا حَيًّا ثُمَّ مَاتَ. فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﵇ (ص ٢٠٣) بِسَلَبِهِ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ. وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَطَعَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ رِجْلَيْهِ قَالَ مَرْحَبُ: أَجْهِزْ عَلَيَّ
стр. 568
يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ: لَا، حَتَّى تَذُوقَ مَا ذَاقَ أَخِي مَحْمُودٌ. وَجَاوَزَهُ. فَجَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَذَفَّفَ عَلَيْهِ. أَيْ حَزَّ رَأْسَهُ وَأَخَذَ سَلَبَهُ. فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ سَلَبَهُ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ.
قَالَ الرَّاوِي مِنْ أَوْلَادِهِ: وَكَانَ سَيْفُ مَرْحَبَ عِنْدَنَا، وَفِيهِ كِتَابٌ كُنَّا لَا نَعْرِفُهُ حَتَّى جَاءَ يَهُودِيٌّ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: هَذَا سَيْفُ مَرْحَبَ، مَنْ يَذُقْهُ يَعْطَبُ.
- وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: عَانَقَ رَجُلٌ رَجُلًا، وَجَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ. فَأَعْطَى سَلَبَهُ لِلَّذِي قَتَلَهُ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ بَيْنَهُمَا.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَظْهَرَ زِيَادَةَ عَنَاءٍ وَقُوَّةٍ، أَحَدُهُمَا بِإِثْبَاتِهِ وَالْآخَرُ بِقَتْلِهِ.
وَإِنَّمَا نَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ ﵁؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بِإِمْسَاكِهِ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُقَاتِلًا، وَإِنَّمَا الْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي فِي الْحَقِيقَةِ. فَيَكُونُ السَّلَبُ لَهُ بِالتَّنْفِيلِ. وَقَدْ كَانَ التَّنْفِيلُ مِنْ الْإِمَامِ لِلْقَاتِلِ لَا لِلْمُمْسِكِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 569
[بَابُ النَّفْلِ وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ خَالِصًا]
٦٨ - بَابُ النَّفْلِ وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ خَالِصًا قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطِيَ الْإِمَامُ الرَّجُلَ الْمُحْتَاجَ إذَا أَبْلَى مِنْ الْخُمُسِ مَا يُعِينُهُ، وَيَجْعَلُهُ نَفْلًا لَهُ بَعْدَ الْغَنِيمَةِ.
؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِصَرْفِ الْخُمُسِ إلَى الْمُحْتَاجِينَ، وَهَذَا مُحْتَاجٌ. وَإِذَا جَازَ صَرْفُهُ إلَى مُحْتَاجٍ لَمْ يُقَاتِلْ فَلَأَنْ يَجُوزَ صَرْفُهُ إلَى مُحْتَاجٍ قَاتَلَ وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا كَانَ أَوْلَى.
وَهَذَا لِأَنَّ بِقِتَالِهِ وَقِتَالِ أَمْثَالِهِ حَصَلَ هَذَا الْخُمُسُ.
وَهُوَ نَظِيرُ مَنْ وَجَدَ رِكَازًا فَرَآهُ الْإِمَامُ مُحْتَاجًا وَصَرَفَ الْخُمُسَ إلَيْهِ. فَإِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ. وَرُدَّ بِنَحْوِهِ أَثَرٌ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِلْوَاجِدِ: خُمُسُهَا لَنَا وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لَك وَسَنُتِمُّهَا لَك.
ثُمَّ هَذَا تَأْوِيلُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا نَفْلَ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ» . وَعَنْ سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ النَّفَلُ مِنْ الْخُمُسِ.
стр. 570
يَعْنِي النَّفَلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لِلْمُحْتَاجِينَ كَانَ يَكُونُ مِنْ الْخُمُسِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ مَنْ جَوَّزَ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ نَفَّلَ بَعْدَ الْغَنِيمَةِ» ، فَقَدْ أَخْطَأَ. لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّأَمُّلَ، وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ مَحَلٍّ نَفَّلَ. وَقَدْ كَانَ تَنْفِيلُهُ مِمَّا كَانَ لَهُ خَاصَّةً وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثُ حُظُوظٍ مِنْ الْغَنَائِمِ: الصَّفِيُّ، وَخُمُسُ الْخُمُسِ، وَسَهْمٌ كَسَهْمِ أَحَدِ الْغَانِمِينَ.
وَمَعْنَى الصَّفِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَصْطَفِي لِنَفْسِهِ شَيْئًا قَبْلَ الْقِسْمَةِ مِنْ سَيْفٍ أَوْ دِرْعٍ أَوْ جَارِيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ هَذَا لِوَلِيِّ الْجَيْشِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعَ حُظُوظٍ أُخَرَ.
وَفِيهِ يَقُولُ الْقَائِلُ:
لَك الْمِرْبَاعُ مِنْهَا وَالصَّفَايَا ... وَحُكْمُك وَالنَّشِيطَةُ وَالْفُضُولُ
فَانْتَسَخَ ذَلِكَ كُلُّهُ سِوَى الصَّفِيِّ. فَإِنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِالِاتِّفَاقِ. حَتَّى إنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ الصَّفِيُّ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﵇، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي سَهْمِهِ مِنْ الْخُمُسِ أَنَّهُ هَلْ بَقِيَ لِلْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ.
٩٧٧ - وَذُكِرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «كَانَتْ بَنُو النَّضِيرِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَلَمْ يُعْطِ أَحَدًا
стр. 571
مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْئًا، إلَّا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَسِمَاكَ بْنَ خَرَشَةَ أَبَا دُجَانَةَ فَإِنَّهُمَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا» .
وَبَيَانُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] (ص ٢٠٤) فَإِنَّهُمْ مَا فَتَحُوا بَنِي النَّضِيرِ عَنْوَةً وَقَهْرًا، وَإِنَّمَا صَالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ، إلَّا الْحَلْقَةَ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵇. وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا أَلْقَى اللَّهُ مِنْ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَفِي زَمَانِنَا لَوْ حَاصَرَ الْإِمَامُ حِصْنًا ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى مِثْلِ هَذَا هَلْ تَكُونُ الْأَمْوَالُ لَهُ خَاصَّةً أَمْ تَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَيْشِ؟ قُلْنَا: بَلْ تَكُونُ غَنِيمَةً؛ لِأَنَّ خَوْفَهُمْ مِنْ مَنَعَةِ الْإِمَامِ لَا مِنْ نَفْسِهِ، وَمَنَعَتُهُ بِالْجَيْشِ. فَأَمَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَمَنَعَةُ رَسُولِ اللَّهِ مَا كَانَ بِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ النَّاسِ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَأْمَنُونَ بِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُك مِنْ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] .
٩٧٨ - وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ فِيمَا صَنَعَ اسْتَرْضَى الْأَنْصَارَ أَيْضًا. فَإِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا نَازِلِينَ مَعَ الْأَنْصَارِ فِي بُيُوتِهِمْ وَقَالَ ﵇ لِلْأَنْصَارِ: «إمَّا أَنْ أَقْسِمَ بَنِي النَّضِيرِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ بِرِضَاكُمْ لِيَتَحَوَّلُوا إلَيْهَا فَتَسْلَمَ لَكُمْ مَنَازِلُكُمْ، وَإِمَّا أَقْسِمُهَا بَيْنَ الْكُلِّ وَهُمْ يَسْكُنُونَ مَعَكُمْ فِي مَنَازِلِكُمْ عَلَى حَالِهِمْ.
стр. 572
فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلْ نَرْضَى بِأَنْ تَقْسِمَهَا بَيْنَهُمْ، وَيَكُونُونَ مَعَنَا فِي مَنَازِلِنَا أَيْضًا» .
وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] الْآيَةَ وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَعْطَى يَوْمَئِذٍ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ سَيْفَ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، نَفَّلَهُ إيَّاهُ» . وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ تَنْفِيلًا بَعْدَ الْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ خَاصَّةً.
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: «كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثُ صَفَايَا: بَنُو النَّضِيرِ، وَفَدَكُ، وَخَيْبَرُ» . وَكَانَتْ بَنُو النَّضِيرِ حَبْسًا لِنَوَائِبِهِ.
أَيْ مَحْبُوسَةً لِذَلِكَ كَالْمَوْقُوفَةِ.
وَكَانَتْ فَدَكُ لِابْنِ السَّبِيل.
وَالْمُرَادُ بِنَوَائِبِهِ جَوَائِزُ الرُّسُلِ وَالْوُفُودِ الَّذِينَ كَانُوا يَأْتُونَهُ.
وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْءَانِ لِلْمُهَاجِرِينَ وَجُزْءٌ كَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهُ. فَإِنْ فَضَلَ رَدَّهُ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا بَعْضَ خَيْبَرَ لَا كُلَّهَا. فَقَدْ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّهُ قَسَمَ الشِّقَّ وَالنَّطَاةَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي أَوَّلِ الْقِسْمَةِ.
стр. 573
وَذُكِرَ عَنْ عُرْوَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ عَامِرًا وَمَوَاتًا مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ» .
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَقْطَعَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَسُهَيْلٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَمْوَالًا مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ عَامِرَةً» .
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ غَامِرَةً، وَهِيَ الْخَرَابُ الَّتِي يَبْلُغُهَا الْمَاءُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: فَمَنْ يَسْمَعُ هَذِهِ الْآثَارَ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ نَفَّلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ عَلَى وَجْهِ نَصْبِ الشَّرْعِ، وَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ خَالِصَ حَقِّهِ. فَإِذَا تَأَمَّلَ مَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ﵁ «قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تُخَمِّسُ مَا أَصَبْت مِنْ بَنِي النَّضِيرِ كَمَا خَمَّسْت مَا أَصَبْت مِنْ بَدْرٍ؟ قَالَ: لَا أَجْعَلُ شَيْئًا جَعَلَهُ اللَّهُ لِي دُونَ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَ مَا هُوَ لَهُمْ. وَتَلَا قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] » .
ثُمَّ ذُكِرَ:
٩٨٠ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْأَنْفَالِ فَقَالَ: لَا نَفْلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ.
إنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا بَيَّنَّا أَنَّ مَا كَانَ خَالِصًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﵇ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ مِثْلُ تِلْكَ الْخُصُوصِيَّةِ لِيُنَفِّلَ مِنْهُ. كَمَا كَانَ يُنَفِّلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
стр. 574
وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ نَفَّلَ يَوْمَ بَدْرٍ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ سَيْفَ الْعَاصِ بْنِ سَعِيدٍ» .
٩٨٢ - وَإِنَّمَا يُحْمَلُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا نَفَّلَهُ مِنْ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا، أَوْ عَلَى أَنَّ غَنَائِمَ بَدْرٍ كَانَتْ مُفَوَّضَةً إلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وَعَلَى أَنَّهُ اصْطَفَى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَعْطَاهُ سَعْدًا.
وَهُوَ نَظِيرُ مَا يُرْوَى «أَنَّهُ اصْطَفَى يَوْمَ بَدْرٍ ذَا الْفَقَارِ ثُمَّ أَعْطَاهُ عَلِيًّا وَكَانَ يُقَاتِلُ بِهِ، وَقَدْ كَانَ سَيْفَ مُنَبَّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ» . وَفِي رِوَايَةِ نُبَيْهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَبِخِلَافِ مَا يَزْعُمُ الرَّوَافِضُ أَنَّ ذَا الْفَقَارِ كَانَ نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ لِعَلِيٍّ ﵁ وَذَلِكَ كَذِبٌ وَزُورٌ. وَمَبْنَى مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ عَلَى الْكَذِبِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْفَقَارِ لِكَسْرٍ فِيهِ.
٩٨٣ - وَعَلَى هَذَا أَيْضًا يُحْمَلُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمَّا أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ أَنْ يَرُدُّوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْغَنَائِمِ ثُمَّ جَاءَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ بِسَيْفِ ابْنِ عَائِذٍ الْمَخْزُومِيِّ حَتَّى أَلْقَاهُ فِي الْغَنَائِمِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ. فَجَاءَهُ الْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ وَعَرَفَ ذَلِكَ السَّيْفَ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﵇ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ» .
٩٨٤ - وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ أَيْضًا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «جَاءَ عَيْنٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَهُمْ
стр. 575
فِي سَفَرٍ. فَأَكَلَ مَعَهُمْ وَخَالَطَهُمْ ثُمَّ ذَهَبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: الْحَقُوهُ فَاقْتُلُوهُ. وَكَانَ سَلَمَةُ سَبَّاقًا يَسْبِقُ الْفَرَسَ عَدْوًا فَلَحِقَهُ وَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ فَقَتَلَهُ. وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﵇ بِنَاقَتِهِ وَسَلَبِهِ فَنَفَّلَهُ إيَّاهُ» .
وَكَأَنَّهُ جَعَلَ هَذَا مِنْ الْخُمُسِ، ثُمَّ نَفَّلَهُ إيَّاهُ لِحَاجَتِهِ. وَلِلْإِمَامِ رَأْيٌ فِي مِثْلِ هَذَا.
٩٨٥ - وَذُكِرَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ فِي حِصَارِ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَقَامَ إلَيْهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ. فَقَالَتْ صَفِيَّةُ: وَاحِدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: «أَيُّهُمَا عَلَا صَاحِبَهُ يَقْتُلُهُ. فَعَلَاهُ الزُّبَيْرُ فَقَتَلَهُ. وَنَفَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ سَلَبَهُ» .
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا بِخَيْبَرَ. فَقَدْ كَانَتْ الْمُبَارَزَةُ وَالْقِتَالُ يَوْمَئِذٍ. فَأَمَّا بَنُو قُرَيْظَةَ فَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِلْمُبَارَزَةِ وَالْقِتَالِ. وَصَفِيَّةُ كَانَتْ أُمَّ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ سِوَاهُ، فَتَأَسَّفَتْ عَلَيْهِ حِينَ خَرَجَ لِلْمُبَارَزَةِ وَقَالَتْ: وَاحِدِي. أَيْ وَا أَسَفَا عَلَى وَاحِدٍ لِي لَا وَلَدَ لِي سِوَاهُ. فَطَيَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ قَلْبَهَا بِمَا قَالَ. ثُمَّ نَفَّلَ الزُّبَيْرَ سَلَبَهُ. وَكَانَ ذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا إنَّهُ جَعَلَهُ مِمَّا كَانَ لَهُ خَاصَّةً ثُمَّ نَفَّلَهُ إيَّاهُ.
٩٨٦ - وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ -
стр. 576
بَعَثَ بَعْثًا قِبَلَ نَجْدٍ فَغَنِمُوا إبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سِهَامُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا» .
وَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُمْ نُفِلُوا ذَلِكَ مِنْ الْخُمُسِ لِحَاجَتِهِمْ، أَوْ نُفِلُوا ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ. وَقَدْ كَانُوا رَجَّالَةً كُلَّهُمْ، أَوْ فُرْسَانًا كُلَّهُمْ. وَعِنْدَنَا مِثْلُ هَذَا التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ يَجُوزُ.
لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقِسْمَةِ. وَإِنَّمَا يَجُوزُ النَّفَلُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ إذَا كَانَ فِيهِ تَخْصِيصُ بَعْضِهِمْ.
٩٨٧ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ إمَامًا نَفَّلَ مِنْ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بَعْضَ مَنْ كَانَ لَهُ جَزَاءٌ أَوْ عَنَاءٌ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ مِنْهُ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى وَالٍ آخَرَ لَا يَرَى التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ فَإِنَّهُ يَمْضِي مَا صَنَعَ وَلَا يَرُدُّهُ.
لِأَنَّهُ أَمْضَى تَنْفِيلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَقَضَاءُ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ.
بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَضَى عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ. فَإِنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ لِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ. ٩٨٨ - وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَارَزْت دِهْقَانًا فَقَتَلْته، فَنَفَّلَنِي أَمِيرِي سَلَبَهُ. فَأَجَازَ ذَلِكَ عُمَرُ ﵁. وَقَدْ صَحَّ مِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُجَوِّزُ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، عَلَى مَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ: لَا نَفْلَ بَعْدَ الْغَنِيمَةِ.
стр. 577
فَلَوْ كَانَ هُوَ الْوَالِي مَا نَفَّلَ إلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ الْإِصَابَةِ، وَلَكِنْ لَمَّا نَفَّلَهُ الْأَمِيرُ وَأَمْضَاهُ أَجَازَ ذَلِكَ عُمَرُ ﵁.
٩٨٩ - وَذُكِرَ عَنْ شَبْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ: بَارَزْت رَجُلًا مِنْ الْأَعَاجِمِ فَقَتَلْته. فَنَفَّلَنِي سَعْدٌ سَلَبَهُ. ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ فَأَمْضَاهُ.
٩٩٠ - وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ جَمِيعًا: مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ نَفْلًا بِالسَّوِيَّةِ بَعْدَ الْخُمُسِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ (ص ٢٠٦) .
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّنْفِيلِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إذَا خَصَّ الْبَعْضَ بِالتَّنْفِيلِ، فَأَمَّا إذَا عَمَّهُمْ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ، وَإِنَّمَا فِي هَذَا إبْطَالُ السُّهْمَانِ الَّتِي أَوْجَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵇، وَإِبْطَالُ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
٩٩١ - وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: مَا أَصَبْتُمْ فَلَكُمْ، وَلَمْ يَقُلْ: بَعْدَ الْخُمُسِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ.
لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ الْخُمُسِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْغَنِيمَةِ.
٩٩٢ - وَذُكِرَ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الْخُمُسَ. لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى قَوِيِّ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى ضَعِيفِهِمْ.
وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ: مَنْ أَصَابَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ بَعْدَ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّ التَّنْفِيلَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ إبْطَالًا لِحَقِّ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ :
стр. 578
أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَكُونُ حَامِيَةَ الْقَوْمِ، وَآخَرَ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِ السِّلَاحِ أَيُسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْغَنِيمَةِ؟ فَقَالَ ﵇: وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» .
٩٩٣ - قَالَ: وَالنَّفَلُ فِي الْأَمْوَالِ كُلِّهَا مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
٩٩٤ - وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلًا، وَكَانَ مَعَهُ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ، أَوْ فِضَّةُ سَيْفٍ، أَوْ سِوَارٌ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ قُرْطُ ذَهَبٍ، أَوْ مِنْطَقَةٌ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، فَذَلِكَ كُلُّهُ لَهُ. وَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الشَّامِ لَا نَفْلَ فِي ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ. وَإِنَّمَا النَّفَلُ فِيمَا يَكُونُ مِنْ الْأَمْتِعَةِ فَأَمَّا فِي أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ فَلَا.
وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ عَيْنُ مَالٍ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ مُقَرَّرًا فِيهَا. وَقَاسُوا هَذَا بِإِبَاحَةِ التَّنَاوُلِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَثْبُتُ فِي الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ دُونَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَرْفَعَ الدَّرَاهِمَ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَيَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا لِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
وَلَكِنَّا نَقُولُ: التَّنْفِيلُ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْمُخَاطَرَةِ بِالرُّوحِ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى يَسْتَوِي الْأَمْوَالُ، بَلْ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُخَاطِرُ بِأَعَزِّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَهُ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ لَهُ الْمَالُ النَّفِيسُ يَمْتَنِعُ مِنْ هَذِهِ الْمُخَاطَرَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ السَّلَبَ اسْمٌ لِمَا يُسْلَبُ. فَكُلُّ مَا يَكُونُ مَعَ الْحَرْبِيِّ إذَا قَتَلَهُ فَقَدْ اسْتَلَبَهُ مِنْهُ. وَيَسْتَحِقُّ كُلَّ ذَلِكَ بِمُطْلَقِ اسْمِ السَّلَبِ.
стр. 579
ثُمَّ اُسْتُدِلَّ عَلَيْهِ: بِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ فِي قِصَّةِ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ حِينَ قَتَلَ مَرْزُبَانَ الزَّارَةِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ مِنْطَقَةُ ذَهَبٍ فِيهَا جَوْهَرٌ فَقُوِّمَ فَبَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا.
وَقَدْ ذُكِرَ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ كَانَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ ثَلَاثُونَ أَلْفًا قِيمَةُ الْمِنْطَقَةِ فَقَطْ، وَأَرْبَعُونَ قِيمَةُ جَمِيعِ السَّلَبِ، أَوْ يُقَالُ: مَا سَبَقَ وَهْمٌ مِنْ الرَّاوِي.
وَالصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ هُنَا. فَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ ﵁: قَالَ: بَعَثْنَا إلَى عُمَرَ بِالْخُمُسِ سِتَّةِ آلَافِ دِرْهَمٍ. فَبِهَذَا التَّفْسِيرِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ قِيمَةَ السَّلَبِ كَانَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا.
وَقَدْ رَوَيْنَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفَّلَ ابْنُ مَسْعُودٍ سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ عَلَيْهِ فِضَّةٌ» . فَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّنْفِيلُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَذُكِرَ:
٩٩٥ - عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ لَا سَلَبَ إلَّا لِمَنْ أَسَرَ عِلْجًا أَوْ قَتَلَهُ.
وَلَا يَكُونُ السَّلَبُ فِي يَوْمِ هَزِيمَةٍ أَوْ فَتْحٍ. وَيَصْلُحُ فِي السَّلَبِ الثِّيَابُ وَالسِّلَاحُ وَالْمِنْطَقَةُ وَالدَّابَّةُ، وَمَا كَانَ مَعَ الْعِلْجِ بَعْدَ هَذَا فَلَا سَلَبَ فِيهِ. وَلَا سَلَبَ فِي السِّلْعَةِ.
أَمَّا قَوْلُهُ لَا سَلَبَ إلَّا لِمَنْ أَسَرَ عِلْجًا أَوْ قَتَلَهُ فَهُوَ كَمَا قَالَ.
стр. 580
لِأَنَّ التَّنْفِيلَ إنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْجَزَاءِ وَالْعَنَاءِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْأَسْرِ وَالْقَتْلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (ص ٢٠٧) لَا سَلَبَ فِي يَوْمِ هَزِيمَةٍ وَلَا فَتْحٍ. فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ الْأَسْلَابَ مِنْ الْقَتْلَى وَالْأَسْرَى فِي الْهَزِيمَةِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا أَوْ أَسَرَ قَبْلَ الْهَزِيمَةِ أَوْ الْفَتْحِ فَلَهُ سَلَبُهُ، وَلْيَتِمَّ النَّظَرُ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي قَتْلِ الْمُنْهَزِمِ إلَى عَظِيمِ جَزَاءٍ وَعَنَاءٍ. وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْفَتْحِ.
فَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ وَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ. فَلِكُلِّ مُسْلِمٍ مَا شَرَطَ الْإِمَامُ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي حَالَةِ الْهَزِيمَةِ أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَبِمُجَرَّدِ الْمَقْصُودِ لَا يَثْبُتُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بَلْ يَجِبُ إجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَسَرُوا كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ؟ بَلْ كَانَتْ عَامَّةُ الْأُسَرَاءِ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ. ثُمَّ سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَسْرَى لِمَنْ أَسَرُوهُمْ، حَتَّى أَخَذُوا فِدَاءَهُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَصْلُحُ مِنْ السَّلَبِ السِّلَاحُ وَالثِّيَابُ وَالْمِنْطَقَةُ وَالدَّابَّةُ، فَمَا كَانَ مَعَ الْعِلْجِ بَعْدَ هَذَا فَلَا سَلَبَ فِيهِ فَهُوَ كَمَا قَالَ. وَالْمُرَادُ أَنَّ مَا مَعَهُ مِمَّا خَلَّفَهُ فِي الْمُعَسْكَرِ لَيْسَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى فَرَسِهِ الَّذِي خَرَجَ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ السَّلَبِ؛ لِأَنَّ السَّلَبَ اسْمٌ لِمَا يُسْلَبُ مِنْهُ. فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا مَعَهُ خَاصَّةً مِمَّا إذَا قُتِلَ هُوَ لَا يَبْقَى مَانِعٌ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ الْقَاتِلِ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيمَا خَلَّفَهُ مِنْ الْمُعَسْكَرِ، فَإِنَّهُمْ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ مِنْ الْقَاتِلِ. فَلَا يَتَمَكَّنُ هُوَ مِنْ أَخْذِهِ بِقَتْلِ الْعِلْجِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَهُ بَغْلَةٌ عَلَيْهَا مَتَاعُهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ سَلَبِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ
стр. 581
الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لَا سَلَبَ فِي السِّلْعَةِ، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَقُودُ هَذَا مَعَ نَفْسِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ فِي الْقِتَالِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ السِّلَعِ الَّتِي يَحْمِلُهَا لِلتِّجَارَةِ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: لَا سَلَبَ فِي السِّلْعَةِ: مَا يَكُونُ مَعَهُ مِنْ الْمَالِ الْعَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الشَّامِ لَا نَأْخُذُ بِهِ. فَأَمَّا عِنْدَنَا مَا مَعَهُ فِي حَقْوِهِ فَهُوَ مِنْ السَّلَبِ يُسَلَّمُ لِلْقَاتِلِ.
стр. 582
[بَابُ النَّفْلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]
٦٩ - بَابُ النَّفْلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ٩٩٦ - قَالَ: كُلُّ أَمِيرٍ كَانَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ يَلِي سَرِيَّةً أَوْ جُنْدًا فَلَهُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْهَا أَصْحَابَهُ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ.
لِأَنَّهُ فُوِّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرُ الْقِتَالِ، وَالتَّنْفِيلُ مِنْ تَدْبِيرِ الْقِتَالِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ. فَكُلُّ أَمِيرٍ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَمَرَهُمْ بِشَيْءٍ فِي الْقِتَالِ كَانَ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ، كَمَا تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ، فَكَذَلِكَ فِي التَّنْفِيلِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ.
٩٩٧ - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الشَّامِ بَعَثَ جُنْدًا إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا وَلَمْ يَأْذَنْ لِأَمِيرِهِمْ أَنْ يُنَفِّلَ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَرَأَى أَمِيرُهُمْ أَنْ يُنَفِّلَ جَازَ تَنْفِيلُهُ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ تَحْتَ رَايَتِهِ.
لِأَنَّهُ مَا أُمِرَ بِأَنْ يَتَّبِعَ رَأْيَهُمْ، وَإِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ لَا يُخَالِفُوهُ فِيمَا يَرَاهُ صَوَابًا.
وَلِأَنَّهُ وَلِيَ الْقِتَالَ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ.
٩٩٨ - وَإِنْ نَهَاهُ الَّذِي وَجَّهَهُ أَنْ يُنَفِّلَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ أَحَدًا شَيْئًا.
لِأَنَّ سَبَبَ الْإِمَارَةِ التَّقْلِيدُ. وَهُوَ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ، وَبِمَنْزِلَةِ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ
стр. 583
فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ. وَلِأَنَّا إنَّمَا صَحَّحْنَا تَنْفِيلَهُ قَبْلَ النَّهْيِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهَا عِنْدَ التَّنْصِيصِ بِخِلَافِهَا.
٩٩٩ - فَإِنْ رَضِيَ جَمِيعُ مَنْ مَعَهُ جَازَ تَنْفِيلُهُ مِنْ أَنْصِبَائِهِمْ بَعْدَ رَفْعِ الْخُمُسِ.
لِأَنَّ لَهُمْ وِلَايَةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا يُعْمِلُ رِضَاهُ فِي حَقِّهِمْ. فَأَمَّا الْخُمُسُ حَقُّ غَيْرِهِمْ، فَلَا يُعْمِلُ فِيهِ رِضَاهُمْ بِالتَّنْفِيلِ.
١٠٠٠ - وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَأَذِنَ فِيهِ بَعْضُهُمْ فَلَهُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ حِصَصِ الَّذِينَ أَذِنُوا لَهُ فِي ذَلِكَ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ وِلَايَتَهُمْ مَقْصُورَةٌ عَلَى حِصَصِهِمْ دُونَ حِصَصِ الْبَاقِينَ مِمَّنْ كَرِهَ تَنْفِيلَهُ.
١٠٠١ - قَالَ (ص ٢٠٨) وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْمِصِّيصَةِ بَعَثَ سَرِيَّةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ السَّرِيَّةَ مَا أَصَابُوا.
١٠٠٢ - بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ الْإِمَامُ مَعَ الْجَيْشِ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ بَعَثَ سَرِيَّةً وَنَفَّلَ لَهُمْ مَا أَصَابُوا فَإِنَّهُ يَجُوزُ. لِأَنَّ السَّرِيَّةَ الْمَبْعُوثَةَ مِنْ الْمِصِّيصَةِ يَخْتَصُّونَ بِمَا أَصَابُوا قَبْلَ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْمِصِّيصَةِ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ فِي ذَلِكَ. فَإِنَّ الْمِصِّيصَةَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ،
стр. 584
وَمَنْ يَتَوَطَّنُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يُشَارِكُ الْجَيْشَ فِيمَا أَصَابُوا، فَلَيْسَ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ إلَّا إبْطَالُ الْخُمُسِ.
وَأَمَّا السَّرِيَّةُ الْمَبْعُوثَةُ مِنْ الْجَيْشِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يَخْتَصُّونَ بِالْمُصَابِ قَبْلَ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا هَذَا التَّنْفِيلُ لِلتَّخْصِيصِ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيضِ لَهُمْ، فَكَانَ مُسْتَقِيمًا.
١٠٠٣ - ثُمَّ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ أَحَدًا شَيْئًا إلَّا بِبَلَاءٍ يُبْلِيهِ. وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ فِي التَّنْفِيلِ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَيَحْصُلُ فِي السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ الْجَيْشِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا جَمِيعًا لِلْقِتَالِ، ثُمَّ اخْتَصَّتْ السَّرِيَّةُ بِالتَّقَدُّمِ فِي نَحْوِ الْعَدُوِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إظْهَارَ الْبَلَاءِ مِنْهُمْ، فَإِذَا نَفَّلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَانَ صَحِيحًا، بِمَنْزِلَةِ التَّنْفِيلِ فِي السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا بَرَزَ عِلْجٌ مِنْ الصَّفِّ وَدَعَا إلَى الْبِرَازِ فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ بَرَزَ إلَيْهِ فَقَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ، فَذَلِكَ تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ؟ لِأَنَّ الَّذِي يَبْرُزُ إلَيْهِ يُظْهِرُ فَضْلَ بَلَاءٍ بِصُنْعِهِ، فَيَجُوزُ لِلْأَمِيرِ أَنْ يُنَفِّلَهُ عَلَى ذَلِكَ.
١٠٠٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ حَاصَرُوا حِصْنًا فَكَرِهَ الْقَوْمُ التَّقَدُّمَ فَيَقُولُ الْأَمِيرُ: مَنْ تَقَدَّمَ إلَى الْقِتَالِ، أَوْ إلَى الْبَابِ، أَوْ إلَى حَصْرِ الْحِصْنِ فَلَهُ كَذَا، فَذَلِكَ تَنْفِيلٌ مُسْتَقِيمٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّحْرِيضِ
стр. 585
وَالْمَنْفَعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ مَا سُمِّيَ لَهُ مِنْ الْمُصَابِ قَبْلَ الْخُمُسِ وَالْقِسْمَةِ. فَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يَنْبَغِي فِيهِ التَّنْفِيلُ.
لِأَنَّ لَا مَقْصُودَ فِيهِ سِوَى إبْطَالِ الْخُمُسِ، أَوْ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
١٠٠٥ - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَجَّهَ سَرِيَّتَيْنِ بَعْدَ الْخُمُسِ إحْدَاهُمَا يَمْنَةً وَالْأُخْرَى يَسْرَةً، وَنَفَّلَ لِإِحْدَاهُمَا الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ مِمَّا يُصِيبُونَ وَلِأُخْرَى الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، فَهُوَ جَائِزٌ.
لِأَنَّ التَّنْفِيلَ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْخُرُوجِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطَّرِيقِ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، وَالْوُعُورَةِ وَالسُّهُولَةِ، وَالْخَوْفِ وَالْأَمْنِ، وَبِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ فِي الْمَنَعَةِ وَالْقُوَّةِ، وَالْأَمِيرُ نَاظِرٌ لَهُمْ فَيَجُوزُ أَنْ يُفَاوِتَ فِي النَّفْلِ بِحَسَبِ ذَلِكَ.
١٠٠٦ - فَإِنْ جَاءَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ بِمَالٍ أَخَذَ الْخُمُسَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أُعْطُوا نَفْلَهُمْ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، لَا يُفَضَّلُ فِيهِ الْفَارِسُ عَلَى الرَّاجِلِ.
لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالتَّسْمِيَةِ بِخِلَافِ الْغَنِيمَةِ، فَاسْتِحْقَاقُهَا بِاعْتِبَارِ الْعَنَاءِ وَالْقُوَّةِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تَفْضِيلِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى فِي الْمِيرَاثِ، وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي الْوَصِيَّةِ.
١٠٠٧ - ثُمَّ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ يُقَسَّمُ بَيْنَ أَصْحَابِ السَّرِيَّتَيْنِ وَالْجَيْشِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
стр. 586
لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِهَا بِالدَّارِ.
١٠٠٨ - فَإِنْ ذَهَبَ رَجُلٌ مِمَّنْ بَعَثَهُ فِي سَرِيَّةِ الرُّبْعِ مَعَ أَصْحَابِ سَرِيَّةِ الثُّلُثِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَفِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ لِهَذَا الرَّجُلِ مِنْ النَّفْلِ.
لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفْلِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَمَا سَمَّى الْإِمَامُ لَهُ شَيْئًا فِي أَصْحَابِ سَرِيَّةِ الثُّلُثِ، وَهُوَ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ الَّذِينَ سَمَّى لَهُ نَفْلًا مَعَهُمْ، فَهُوَ قِيَاسُ مَا لَوْ تَخَلَّفَ مَعَ الْعَسْكَرِ وَلَمْ يَخْرُجْ أَوْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ الْعَسْكَرِ مَعَ أَصْحَابِ سَرِيَّةِ الثُّلُثِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْخُرُوجِ أَصْلًا فَكَمَا لَا يَسْتَحِقُّ هُنَاكَ النَّفَلَ فَكَذَلِكَ هُنَا.
وَلَمْ يُبَيَّنْ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ هُنَا. فَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا (ص ٢٠٩) : عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِحْسَانِ يَكُونُ لَهُ النَّفَلُ مَعَ أَصْحَابِ سَرِيَّةِ الثُّلُثِ. لِأَنَّ تَسْمِيَةَ الْإِمَامِ لَهُمْ مَا كَانَ بِاعْتِبَارِ أَعْيَانِهِمْ بَلْ لِتَحْرِيضِهِمْ عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الطَّرِيقِ الَّذِي وُجِّهُوا إلَيْهِ، وَقَدْ وُجِدَ هَذَا فِي حَقِّ الْوَاحِدِ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ لِلِاسْتِحْسَانِ فِيهِ وَجْهًا آخَرَ فَسَّرَهُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ فَنُبَيِّنُهُ عِنْدَ ذَلِكَ.
١٠٠٩ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ قَالَ: مَنْ شَاءَ فَلْيَخْرُجْ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ، وَمَنْ شَاءَ فِي هَذِهِ، فَلِجَمِيعِ مَنْ خَرَجُوا النَّفَلَ الَّذِي نُفِلُوا.
لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. فَبِهَذَا تَبَيَّنَ ضَعْفُ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً، بَيْنَ مَا إذَا عَيَّنَ الْإِمَامُ لِلْخُرُوجِ قَوْمًا فِي كُلِّ جَانِبٍ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ وَجَعَلَ الْأَمْرَ مُفَوَّضًا إلَى رَأْيِهِمْ.
стр. 587
وَلَوْ بَعَثَ سَرِيَّةً وَعَلَيْهِمْ أَمِيرٌ وَنَفَّلَهُمْ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ؛ ثُمَّ إنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ نَفَّلَ قَوْمًا نَفْلًا لِفَتْحِ الْحِصْنِ أَوْ لِلْمُبَارَزَةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَمَرَهُ الْأَمِيرُ بِذَلِكَ، فَإِنَّ نَفْلَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ يَجُوزُ مِنْ حِصَّةِ السَّرِيَّةِ مِنْ النَّفْلِ، وَمِنْ سِهَامِهِمْ بَعْدَ النَّفْلِ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ سِهَامِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ مِمَّا أَصَابُوا.
لِأَنَّهُ أَمِيرٌ عَلَى السَّرِيَّةِ. فَهُوَ فِي حَقِّ الْعَسْكَرِ بِمَنْزِلَةِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ، فَلَا يَنْفُذُ تَنْفِيلُهُ عَلَيْهِمْ. وَهُوَ فِي حَقِّ السَّرِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ، فَيَجُوزُ تَنْفِيلُهُ فِيمَا هُوَ حَقُّهُمْ، وَحَقُّهُمْ مَا نَفَّلَ لَهُمْ وَمَا يُصِيبُهُمْ مِنْ السِّهَامِ بِالْقِسْمَةِ، فَيَنْفُذُ تَنْفِيلُ أَمِيرِهِمْ مِنْ ذَلِكَ خَاصَّةً.
١٠١١ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ لَمَّا بَعُدُوا مِنْ الْعَسْكَرِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ فَقَدُوا رَجُلًا مِنْهُمْ. فَقَالُوا لِبَعْضِهِمْ: أَقِيمُوا عَلَى صَاحِبِنَا هَا هُنَا. وَبَعْضُهُمْ ذَهَبُوا حَتَّى أَصَابُوا غَنَائِمَ وَرَجَعُوا إلَى أَصْحَابِهِمْ وَقَدْ وَجَدُوا الرَّجُلَ، كَانُوا شُرَكَاءَ كُلَّهُمْ فِي النَّفْلِ.
لِأَنَّهُمْ فَارَقُوا الْمُعَسْكَرَ جُمْلَةً، وَأَحْرَزُوا الْمُصَابَ بِالْمُعَسْكَرِ جُمْلَةً، فَكَانُوا شُرَكَاءَ فِي النَّفْلِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاشَرَ الْقِتَالَ بَعْضُهُمْ وَالْبَعْضُ كَانُوا رِدْءًا لَهُمْ وَهَذَا لِأَنَّ إحْرَازَ الْمُصَابِ بِالْمُعَسْكَرِ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفْلِ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ.
стр. 588
وَلَوْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ لِبَعْضِ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا عِنْدَ إحْرَازِ الْغَنَائِمِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ كَانُوا شُرَكَاءَ فِي الْغَنِيمَةِ فَهَذَا مِثْلُهُ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ أَصَابَ الرَّجُلُ الْمَفْقُودُ غَنَائِمَ، وَاَلَّذِينَ قَامُوا لِانْتِظَارِهِ غَنَائِمَ. وَالسَّرِيَّةُ كَذَلِكَ، ثُمَّ الْتَقَوْا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ، فَلَهُمْ النَّفَلُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَفَرَّقُوا.
لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِ الْمُصَابِ بِالْمُعَسْكَرِ.
١٠١٣ - وَلَوْ لَمْ يَلْتَقُوا حَتَّى أَتَى كُلُّ فَرِيقٍ الْمُعَسْكَرَ، فَلِكُلِّ فَرِيقٍ النَّفَلُ مِمَّا أَصَابَ خَاصَّةً.
لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِإِحْرَازِ ذَلِكَ بِالْمُعَسْكَرِ. وَالْإِمَامُ إنَّمَا نَفَّلَ لَهُمْ الثُّلُثَ مِمَّا أَصَابُوا، فَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ.
ثُمَّ الْبَاقِي يَكُونُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
١٠١٤ - وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ بَعْدَمَا بَعُدَتْ مِنْ الْمُعَسْكَرِ تَفَرَّقُوا سَرِيَّتَيْنِ، وَبَعُدَتْ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى بِحَيْثُ لَا تَقْدِرُ إحْدَاهُمَا عَلَى عَوْنِ الْأُخْرَى، فَإِنْ الْتَقَوْا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ كَانَ لَهُمْ النَّفَلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ حِينَ أَصَابُوا.
وَإِنْ لَمْ يَلْتَقُوا حَتَّى أَتَى كُلُّ فَرِيقٍ الْمُعَسْكَرَ، فَلِكُلِّ فَرِيقٍ النَّفَلُ مِمَّا أَصَابُوا خَاصَّةً.
стр. 589
وَكَذَلِكَ لَوْ الْتَقَوْا فِي مَكَان دُونَ الْمُعَسْكَرِ بِحَيْثُ يَرَاهُمْ أَهْلُ الْمُعَسْكَرِ، لَوْ قُوتِلُوا لَنَصَرُوهُمْ. فَهَذَا وَمَا لَوْ الْتَقَوْا فِي الْمُعَسْكَرِ سَوَاءٌ.
لِأَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الْمُعَسْكَرِ بِمَنْزِلَةِ جَوْفِ الْمُعَسْكَرِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ إحْرَازَ الْمُصَابِ (ص ٢١٠) بِالْمُعَسْكَرِ يَحْصُلُ بِالِاتِّصَالِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ.
١٠١٥ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ هَذِهِ السَّرِيَّةَ حِينَ بَعُدُوا مِنْ الْمُعَسْكَرِ وَأَصَابُوا غَنَائِمَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْمُعَسْكَرِ، فَخَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَمْ يَلْتَقُوا مَعَ أَهْلِ الْمُعَسْكَرِ.
فَالْغَنِيمَةُ كُلُّهَا لَهُمْ: يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ دُونَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.
لِأَنَّهُمْ تَفَرَّدُوا بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ سَبَبُ تَأَكُّدِ الْحَقِّ.
فَإِنْ قَالُوا: سَلِّمْ لَنَا نَفْلَنَا أَوَّلًا، لَمْ يُسَلِّمْ لَهُمْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ لَمَّا صَارَتْ لَهُمْ كُلُّهَا بَطَلَ التَّنْفِيلُ، بِمَنْزِلَةِ مَا كَانُوا دَخَلُوا مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ.
١٠١٦ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَنَفَّلَ لَهُمْ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ أَوْ قَبْلَ الْخُمُسِ كَانَ هَذَا التَّنْفِيلُ بَاطِلًا.
لِأَنَّهُ مَا خَصَّ بَعْضَهُمْ بِالتَّنْفِيلِ، وَلَا مَقْصُودَ مِنْ هَذَا التَّنْفِيلِ سِوَى إبْطَالِ الْخُمُسِ، وَإِبْطَالُ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
بِخِلَافِ مَا إذَا الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَفِي التَّنْفِيلِ هُنَاكَ مَعْنَى التَّخْصِيصِ لَهُمْ.
стр. 590
لِأَنَّ الْجَيْشَ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، فَفِي التَّنْفِيلِ يَخُصُّهُمْ بِبَعْضِ الْمُصَابِ، وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ.
١٠١٧ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ أَصَابَتْ الْغَنَائِمَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ فِيهِ رِدْءًا لَهُمْ، يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغِيثُوهُمْ إذَا اسْتَغَاثُوا، ثُمَّ خَرَجُوا بِالْغَنِيمَةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا الْمُعَسْكَرَ، فَأَهْلُ الْمُعَسْكَرِ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْمُصَابِ.
لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِصَابَةِ حُكْمًا حِينَ كَانُوا رِدْءًا لَهُمْ وَقْتَ الْإِصَابَةِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
١٠١٨ - وَإِذَا ثَبَتَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ فَلِأَصْحَابِ السَّرِيَّةِ نَفْلُهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ رَجَعُوا بِالْمُصَابِ إلَى الْعَسْكَرِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ يَلْحَقُ الْجَيْشَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي الْمُصَابِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَدَدُ لَمْ يَلْحَقْ الْجَيْشَ وَلَمْ يَقْرُبُوا مِنْهُمْ حَتَّى خَرَجُوا فَلَا شَرِكَةَ لَهُمْ فِي الْمُصَابِ.
وَإِنْ قَرُبُوا مِنْهُمْ بِحَيْثُ لَوْ اسْتَغَاثُوا بِهِمْ أَغَاثُوهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ الْجَيْشُ قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعُوا، فَلَهُمْ الشَّرِكَةُ فِي الْمُصَابِ.
لِأَنَّهُمْ حِينَ قَرُبُوا مِنْهُمْ فَكَأَنَّهُمْ خَالَطُوهُمْ فِي الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ الْإِحْرَازُ بِقُوَّةِ الْجَمَاعَةِ.
١٠١٩ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ
стр. 591
الْحَرْبِ نَفَّلَ قَوْمًا مَا صَعِدُوا الْحِصْنَ بِالسَّلَالِيمِ حَتَّى فَتَحُوهُ، فَنَفْلُهُ جَائِزٌ فِي حِصَّةِ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ كَمَا بَيَّنَّا.
وَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ السَّرِيَّةُ إلَى الْمُعَسْكَرِ حَتَّى خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ جَازَ نَفْلُ أَمِيرِهِمْ فِي جَمِيعِ مَا أَصَابُوا.
لِأَنَّهُمْ لَا شَرِكَةَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ مَعَهُمْ فِي الْمُصَابِ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ لَهُمْ خَاصَّةً. وَنَفْلُ الْأَمِيرِ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ يَبْطُلُ نَفْلُ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ لَهُمْ لِفَوَاتِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ، حَتَّى اخْتَصُّوا بِالسَّرِيَّةِ فِي الْمُصَابِ دُونَ الْعَسْكَرِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ تَنْفِيلُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ فِي جَمِيعِ الْمُصَابِ وَإِنْ رَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَرْجِعُوا كَانَ الْمُصَابُ لَهُمْ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْعَسْكَرِ الشَّرِكَةُ مَعَهُمْ بِالرُّجُوعِ، وَقَدْ سَبَقَ تَنْفِيلُهُ الرُّجُوعَ إلَيْهِمْ فَلَا يَتَضَمَّنُ هَذَا التَّنْفِيلُ إبْطَالَ حَقٍّ ثَابِتٍ لَهُمْ.
قُلْنَا: هُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ الشَّرِكَةَ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِمْ خَاصَّةً، بَلْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ كَانُوا بِمَنْزِلَةِ الرِّدْءِ لَهُمْ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مَعَهُمْ.
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْحَقَّ كَانَ ثَابِتًا لَهُمْ، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِمْ لَمَا اسْتَحَقُّوا، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا عَنْ الْغَنِيمَةِ، بِمَنْزِلَةِ التُّجَّارِ وَالْأُسَرَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
١٠٢٠ - وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ (ص ٢١١) إذَا الْتَحَقُوا بِالْجَيْشِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَمْ يَسْتَحِقُّوا الشَّرِكَةَ إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا.
وَهَا هُنَا لَمَّا اسْتَحَقُّوا عَرَفْنَا أَنَّ الطَّرِيقَ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا.
١٠٢١ - وَعَلَى هَذَا لَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً مِنْ دَارِ السَّلَامِ وَنَفَّلَ
стр. 592
لَهُمْ الثُّلُثَ وَقَالَ: تَقَدَّمُوا حَتَّى نَلْحَقَكُمْ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ تَبِعَهُمْ الْعَسْكَرُ، فَإِنْ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَهُمْ النَّفَلُ. وَإِنْ لَمْ يَلْتَقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ بِأَنْ أَخْطَأَ الْعَسْكَرُ الطَّرِيقَ أَوْ بَدَا لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يَبْعَثَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ فَلَا شَيْءَ لِأَصْحَابِ السَّرِيَّةِ مِنْ النَّفْلِ.
لِأَنَّ الْمُصَابَ غَنِيمَةٌ لَهُمْ خَاصَّةً.
١٠٢٢ - وَإِذَا الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَالْمُصَابُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَسْكَرِ، فَيَحْصُلُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ، فَلِهَذَا اسْتَحَقُّوا نَفْلَهُمْ. وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَذْهَبِنَا.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الشَّامِ فَلَا نَفْلَ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَيَرْوُونَ فِيهِ أَثَرًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا: لَا نَفْلَ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا لَمْ يَلْتَحِقْ بِهِمْ الْجَيْشُ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ إبْطَالَ الْخُمُسِ، وَإِبْطَالَ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ.
١٠٢٣ - وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لَهُمْ: لَا خُمُسَ عَلَيْكُمْ فِيمَا أَصَبْتُمْ، أَوْ الْفَارِسُ وَالرَّاجِلُ سَوَاءٌ. فِيمَا أَصَبْتُمْ، كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا مِنْهُ، فَكَذَلِكَ كُلُّ تَنْفِيلٍ لَا يُفِيدُ إلَّا ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ فِي قَوْلِ الْأَمِيرِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ إبْطَالَ الْخُمُسِ عَنْ الْأَسْلَابِ وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ مُسْتَقِيمًا؟ قُلْنَا: هُنَاكَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ، أَوْ تَخْصِيصُ الْقَاتِلِينَ بِإِبْطَالِ شَرِكَةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ عَنْ الْأَسْلَابِ، ثُمَّ تَثْبِيتُ إبْطَالِ حَقِّ أَرْبَابِ
стр. 593
الْخُمُسِ عَنْ خُمُسِ الْأَسْلَابِ تَبَعًا، وَقَدْ يَثْبُتُ تَبَعًا مَا لَا يَثْبُتُ مَقْصُودًا، بِمَنْزِلَةِ الشُّرْبِ وَالطَّرِيقِ فِي الْبَيْعِ، وَالْوُقُوفِ فِي الْمَنْقُولِ، وَيَثْبُتُ تَبَعًا لِلْعَقَارِ وَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ مَقْصُودًا.
وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ ظَهَرَ عَلَى بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا خَرَاجًا، وَيُبْطِلُ مِنْهَا سِهَامَ مَنْ أَصَابَهَا وَالْخُمُسَ.
١٠٢٤ - وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُقَسِّمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَيَجْعَلَ حِصَّةَ الْخُمُسِ خَرَاجًا لِلْمُقَاتِلَةِ الْأَغْنِيَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْإِبْطَالِ الْخُمُسُ مَقْصُودًا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَفِي الْأَوَّلِ إبْطَالُ الْخُمُسِ يَثْبُتُ تَبَعًا لِإِبْطَالِ حَقِّ الْغَانِمِينَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَيَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ يُخَلِّصُ الْمَنْفَعَةَ لِلْمُقَاتِلَةِ.
١٠٢٥ - وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، دُونَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِهِ، كَانَ هَذَا جَائِزًا. لِأَنَّ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ مَعْنَى التَّخْصِيصِ. فَإِنَّ الْمُقَاتِلَ وَالْمُصِيبَ يَخْتَصُّ بِالنَّفْلِ، وَيَحْصُلُ بِهِ مَعْنَى التَّحْرِيضِ. بِخِلَافِ مَا إذَا نَفَّلَ لَهُمْ الثُّلُثَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ التَّنْفِيلِ تَخْصِيصُ الْبَعْضِ وَلَا إبْطَالُ حَقِّ أَحَدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ.
١٠٢٦ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ لِقِتَالٍ، وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، خَمَّسَ مَا أَصَابُوا.
لِأَنَّهُمْ أَصَابُوا عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ، فَإِنَّهُمْ حِينَ خَرَجُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ
стр. 594
كَانُوا ظَاهِرِينَ بِقُوَّةِ الْإِمَامِ، فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَمُدَّهُمْ إذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ. فَلِهَذَا يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، بِخِلَافِ مَا يُصِيبُ الْمُتَلَصِّصُ الْخَارِجُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ.
١٠٢٧ - وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لَهُمْ: مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ عَلَى سِهَامِكُمْ، (ص ٢١٢) وَلَا خُمُسَ فِيهِ، فَهُوَ جَائِزٌ. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَقَالَ لَهُمْ الْإِمَامُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.
لِأَنَّ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ إنَّمَا يَثْبُتُ الْخُمُسُ فِيمَا أَصَابُوا بِاعْتِبَارِ إذْنِ الْإِمَامِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُبْطِلَ بِقَوْلِهِ مَا كَانَ وُجُوبُهُ بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ. فَأَمَّا وُجُوبُ الْخُمُسِ فِيمَا أَصَابَ أَهْلُ الْمَنَعَةِ فَلَمْ يَكُنْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ خَرَجُوا مُغِيرِينَ بِغَيْرِ إذْنِهِ خَمَّسَ مَا أَصَابُوا؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَمَعْنَى إعْزَازِ الدِّينِ يَحْصُلُ بِقِتَالِهِمْ.
فَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ حَقُّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ مِنْ مُصَابِهِمْ بِإِسْقَاطِ الْإِمَامِ أَيْضًا. وَهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ هُنَاكَ كَالْمُبَيِّنِ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: لَا خُمُسَ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَمُدَّهُمْ وَأَنْ يُغِيثَهُمْ إذَا اسْتَغَاثُوا بِهِ، فَالْتَحَقُوا فِي ذَلِكَ بِالْمُتَلَصَّصِينَ، وَانْعَدَمَ بِهِ السَّبَبُ الَّذِي كَانَ يَجِبُ الْخُمُسُ لِأَجْلِهِ فِي مُصَابِهِمْ. وَفِي حَقِّ أَهْلِ الْمَنَعَةِ لَمْ يَنْعَدِمْ السَّبَبُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ قُوَّتُهُمْ، وَمَنَعَتُهُمْ، وَذَلِكَ بَاقٍ بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ: أَبْطَلْت الْخُمُسَ عَنْكُمْ.
١٠٢٨ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ وَنَفَّلَهُمْ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ كَانَ جَائِزًا.
وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ تَخْصِيصَ حَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ بِالْإِبْطَالِ دُونَ حَقِّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ. وَإِذَا كَانَ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ حَقِّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ بِالْإِبْطَالِ بِسَبَبِ التَّنْفِيلِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي
стр. 595
أَنْ لَا يَجُوزَ تَخْصِيصُ حَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ بِالْإِبْطَالِ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَرْبَابَ الْخُمُسِ يَسْتَحِقُّونَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَلَا عَنَاءٍ مِنْ جِهَتِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ حَقِّهِمْ إلَّا تَبَعًا لِحَقِّ الْمُقَاتِلَةِ. وَأَمَّا الْمُقَاتِلَةُ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ أَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ بِالْعَنَاءِ وَالْقِتَالِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَهُمْ بِشَيْءٍ قَبْلَ الْإِحْرَازِ لِفَضْلِ عَنَاءٍ كَانَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْبَاقِينَ.
١٠٢٩ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَالَ: لَكُمْ مِمَّا أَصَبْتُمْ الرُّبُعُ بَعْدَ الْخُمُسِ. وَبَعَثَ سَرِيَّةً أُخْرَى وَقَالَ: لَكُمْ الثُّلُثُ بَعْدَ الْخُمُسِ. فَضَلَّ رَجُلٌ مِنْ كُلِّ سَرِيَّةٍ الطَّرِيقَ وَوَقَعَ مَعَ السَّرِيَّةِ الْأُخْرَى فَذَهَبَ مَعَهُمْ. وَأَصَابَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ الْغَنَائِمَ، ثُمَّ لَمْ يَلْتَقُوا حَتَّى انْتَهَوْا إلَى الْعَسْكَرِ. فَإِنَّ مَا أَصَابَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ يُقْسَمُ عَلَى رُءُوسِهِمْ، وَيَدْخُلُ فِيهِمْ الرَّجُلُ الَّذِي الْتَحَقَ بِهِمْ، عَلَى قَدْرِ مَا جَعَلَ لَهُمْ الْإِمَامُ فِي الِاسْتِحْسَانِ.
وَهَذَا الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّهُ الْوَجْهُ الصَّحِيحُ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ فِيمَا سَبَقَ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ جَعَلَ لَهُ الْإِمَامُ الثُّلُثَ أَخَذَ الثُّلُثَ مِنْ حِصَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ جَعَلَ لَهُ الرُّبُعَ أَخَذَ الرُّبُعَ، وَكَانَ مَا بَيْنَ الرُّبُعِ إلَى الثُّلُثِ مِنْ نَصِيبِهِ غَنِيمَةً لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
يَعْنِي أَهْلَ الْعَسْكَرِ. لِأَنَّ نَفْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْمُصَابِ، فَيُجْعَلُ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ
стр. 596
مِنْهُمْ كَانَ شُرَكَاؤُهُ كَانُوا فِي مِثْلِ حَالِهِ فِي حُكْمِ النَّفْلِ، حَتَّى إذَا كَانَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ مِائَةَ رَجُلٍ قُسِّمَ مُصَابُ كُلِّ سَرِيَّةٍ عَلَى مِائَةٍ لِيَتَبَيَّنَ مُصَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَيَأْخُذُ نَفْلَهُ مِنْ جُزْئِهِ ثُلُثًا كَانَ أَوْ رُبْعًا، ثُمَّ الْبَاقِي يَكُونُ غَنِيمَةً.
١٠٣٠ - وَإِنْ لَحِقَ رَجُلٌ مِنْ إحْدَى السَّرِيَّتَيْنِ بِالْأُخْرَى خَاصَّةً قُسِمَ مُصَابُهُمْ عَلَى مِائَةِ سَهْمٍ وَسَهْمٍ.
لِأَنَّ عَدَدَهُمْ مِائَةٌ وَوَاحِدٌ. فَتَكُونُ الْقِسْمَةُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ.
١٠٣١ - ثُمَّ يَأْخُذُ الرَّجُلُ اللَّاحِقُ بِهِمْ مِنْ جُزْئِهِ مَا كَانَ سَمَّى الْإِمَامُ لَهُ مِنْ النَّفْلِ.
لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بِالتَّسْمِيَةِ، وَلَكِنْ عِنْدَ الْإِصَابَةِ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ جُزْئِهِ (ص٢١٣) بِالنَّفْلِ مِقْدَارَ مَا سُمِّيَ لَهُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى نَفْلِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ فِي التَّسْمِيَةِ، وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمْ فِي الْمُسْتَحَقِّ بِالتَّسْمِيَةِ.
١٠٣٢ - فَإِنْ الْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ قَبْلَ أَنْ يَقْرَبُوا مِنْ الْمُعَسْكَرِ فَالْجَوَابُ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمَا أَصَابَ اللَّاحِقَ بِالسَّرِيَّةِ مِنْ النَّفْلِ ضَمَّهُ إلَى نَصِيبِ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانَ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ مَعَهُمْ فَاقْتَسَمُوا نَفْلَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ عَلَى مَا كَانَ جَعَلَ لَهُمْ الْإِمَامُ. وَإِنْ لَمْ تُصِبْ تِلْكَ السَّرِيَّةُ شَيْئًا دَخَلَتْ مَعَهُ فِي نَفْلِهِ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْإِحْرَازَ بِالْمُعَسْكَرِ هُنَا حَصَلَ بِهِمْ جَمِيعًا، فَكَأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِصَابَةِ.
стр. 597
وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ ضَلَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ الطَّرِيقَ، فَذَهَبَ وَحْدَهُ فَأَصَابَ غَنِيمَةً، وَلَمْ تُصِبْ السَّرِيَّةُ شَيْئًا، ثُمَّ الْتَقَوْا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ، فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مَعَهُ فِي النَّفْلِ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَصَابُوهُ جَمِيعًا. وَلَوْ لَمْ يَلْقَوْهُ حَتَّى انْتَهَوْا إلَى الْمُعَسْكَرِ كَانَ النَّفَلُ لَهُ خَاصَّةً.
١٠٣٣ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّتَيْنِ أَصَابَتَا الْغَنِيمَةَ وَهُمَا مُتَقَارِبَتَانِ بِحَيْثُ يُغِيثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، إلَّا أَنَّ كُلَّ سَرِيَّةٍ أَصَابَتْ غَنِيمَةً عَلَى حِدَةٍ، لَمْ يَدْخُلْ بَعْضُهُمْ فِي نَفْلِ بَعْضٍ.
لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفْلِ بِالتَّسْمِيَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ سَمَّى النَّفَلَ لِبَعْضِ السَّرِيَّةِ خَاصَّةً لَمْ يَكُنْ لِلْبَاقِينَ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ فِي ذَلِكَ وَإِنْ شَارَكُوهُمْ فِي الْإِصَابَةِ حَقِيقَةً. فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.
١٠٣٤ - وَإِنْ شَارَكَتْ إحْدَى السَّرِيَّتَيْنِ الْأُخْرَى فِي الْإِصَابَةِ حُكْمًا بِاعْتِبَارِ الْقُرْبِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَعْضِ أَنْ يَدْخُلَ فِي نَفْلِ الْبَعْضِ. أَلَا تَرَى أَنَّ السَّرِيَّتَيْنِ لَوْ قَاتَلَتَا فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ أَهْلُ الْعَسْكَرِ عَلَى أَنْ يُعِينُوهُمَا، لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ فِي النَّفْلِ، بِاعْتِبَارِ هَذَا الْقُرْبِ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ السَّرِيَّتَيْنِ.
١٠٣٥ - وَلَكِنَّهُمْ لَوْ أَصَابُوا جَمِيعًا غَنِيمَةً وَاحِدَةً قُسِّمَتْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ لِيَتَبَيَّنَ مَحَلُّ النَّفْلِ لِكُلِّ سَرِيَّةٍ فَإِنَّ مَحَلَّ النَّفْلِ مَا أَصَابَتْ.
стр. 598
وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ مُصَابُ كُلِّ سَرِيَّةٍ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ. ثُمَّ تَأْخُذُ كُلُّ سَرِيَّةٍ نَفْلَهَا مِمَّا أَصَابَهَا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي النَّفْلِ يَسْتَوِي الْفَارِسُ وَالرَّاجِلُ. إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ بَيَّنَ لَهُمْ بِأَنْ يَقُولَ: لَكُمْ الرُّبْعُ بَعْدَ الْخُمُسِ، لِلْفَارِسِ مِنْكُمْ سَهْمُ الْفَارِسِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمُ الرَّاجِلِ.
لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِاعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ، فَإِذَا فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي التَّسْمِيَةِ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِتَسْمِيَتِهِ وَإِذَا لَمْ يُفَضِّلْ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ لَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ. وَلَا يُقَالُ.
١٠٣٦ - وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْإِمَامُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِاسْتِحْقَاقُ لَهُمْ فِي هَذَا بِنَاءً عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ الثَّابِتِ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ بِسَبَبِ الْقِتَالِ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّفَلَ غَيْرُ الْغَنِيمَةِ. فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ رَضَخَ لَهُمْ الْإِمَامُ بِاعْتِبَارِ جَزَائِهِمْ وَعَنَائِهِمْ. وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْمُطْلَقَ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَإِنْ كَانَا فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ التَّقْيِيدُ فِي الْغَنِيمَةِ بِمَنْزِلَةِ التَّقْيِيدِ فِي النَّفْلِ، وَلَكِنْ يُعْتَبَرُ فِي النَّفْلِ إطْلَاقُ التَّسْمِيَةِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
أَلَا نَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، فَاعْتَوَرَ الْقَتِيلَ فَارِسٌ وَرَاجِلٌ حَتَّى قَتَلَاهُ، كَانَ سَلَبُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؟
١٠٣٧ - وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعَثَهُمْ سَرِيَّةً: لَكُمْ
стр. 599
الرُّبْعُ مِمَّا أَصَبْتُمْ. فَكَانَ فِيهِمْ فُرْسَانٌ وَرَجَّالَةٌ، كَانَ الرُّبْعُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.
(ص ٢١٤) ١٠٣٨ - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَيْسَ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ سِهَامٌ مَعْرُوفَةٌ لِيُعْتَبَرَ النَّفَلُ بِهَا بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ.
قُلْنَا: أَرَأَيْتُمْ لَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً فِيهَا مِائَتَا رَجُلٍ: مِائَةٌ مُسْلِمُونَ وَمِائَةٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَنَفَّلَهُمْ الرُّبْعَ. فَإِنْ قَسَمَ النَّفَلَ بَيْنَهُمْ فَجَعَلَ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ نِصْفَهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَلِلْمُسْلِمِينَ نِصْفَهُ، وَفَضَّلَ فِيهِ الْفَارِسَ عَلَى الرَّاجِلِ، كَأَنَّ الرَّاجِلَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَدْ أَخَذَ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ رَاجِلُ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ عَمِلَا عَمَلًا وَاحِدًا، وَأَجْزَيَا جَزَاءً وَاحِدًا، فَأَيُّ فِعْلٍ يَكُونُ أَقْبَحَ مِنْ هَذَا. فَكَأَنَّهُ أَشَارَ فِي هَذَا إلَى مُخَالِفٍ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَلَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ مَنْ الْمُخَالِفُ. وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِفُ لَهُ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَإِنْ كَانَا فِي حَادِثَيْنِ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 600
[بَابُ النَّفْلِ الَّذِي يُنَفِّلُهُ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ]
٧٠ - بَابُ النَّفْلِ الَّذِي يُنَفِّلُهُ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ وَإِذَا خَرَجَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ مَعَ السَّرِيَّةِ وَخَلَّفَ الضَّعَفَةَ فِي الْمُعَسْكَرِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، فَابْتُلُوا بِالْقِتَالِ فَنَفَّلَ لَهُمْ أَمِيرَهُمْ، فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ نَفْلُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ.
لِأَنَّ الَّذِينَ خَلَّفَهُمْ فِي الْمُعَسْكَرِ بِمَنْزِلَةِ سَرِيَّةٍ وَجَّهَهُمْ مِنْ الْمُعَسْكَرِ إلَى نَاحِيَةٍ، فَكَمَا أَنَّ لِأَمِيرِهِمْ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِمْ خَاصَّةً دُونَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ.
فَهُنَا لِأَمِيرِ الضَّعَفَةِ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِمْ خَاصَّةً دُونَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ فِي حُكْمِ التَّنْفِيلِ.
١٠٤٠ - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ الَّذِينَ نَفَّلَ لَهُمْ الْإِمَامُ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ بَعُدَ مِنْ الْمُعَسْكَرِ، ثُمَّ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ سَرِيَّتِهِ وَنَفَّلَهُمْ أَقَلَّ مِنْ النَّفْلِ الْأَوَّلِ وَأَكْثَرَ، فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي حِصَّةِ أَصْحَابِ سَرِيَّتِهِ.
ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ نَصِيبَ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ غَنِيمَةٌ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى السَّرِيَّةِ الْأُولَى. ثُمَّ يَلْحَقُونَ جَمِيعًا بِأَهْلِ الْمُعَسْكَرِ. وَفِي هَذَا يَجُوزُ النَّفَلُ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى، وَيُرْفَعُ ذَلِكَ مِمَّا جَاءُوا بِهِ، ثُمَّ يُقَسَّمُ مَا بَقِيَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حِصَّةَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى، ثُمَّ يَنْفُذَ
следующие страницы →