← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

[بَابٌ النَّفَلُ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِقَتْلِ الْقَتِيلِ] بَابٌ مِنْ النَّفْلِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِقَتْلِ الْقَتِيلِ وَلَا يُسْتَحَقُّ إذَا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَضَرَبَ مُسْلِمٌ مُشْرِكًا فَصَرَعَهُ، وَاجْتَزَّ آخَرُ رَأْسَهُ (ص ٢٣٧) فَإِنْ كَانَ الَّذِي ضَرَبَهُ قَتَلَهُ، وَاجْتَزَّ الْآخَرُ رَأْسَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَالسَّلَبُ لِلضَّارِبِ. لِأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ. فَإِنَّ تَمَامَ فِعْلِ الْقَتْلِ بِالْمَقْتُولِ، وَقَدْ صَارَ مَقْتُولًا بِضَرْبَتِهِ. ١١٩٢ - وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى التَّحَامُلِ مَعَ ضَرْبَتِهِ أَوْ الْعَوْنِ بِالْكَلَامِ أَوْ غَيْرِهِ فَالسَّلَبُ لِلَّذِي اجْتَزَّ رَأْسَهُ. لِأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ. فَإِنَّهُ بَعْدَ فِعْلِ الْأَوَّلِ كَانَ مَضْرُوبًا مَقْتُولًا. وَإِنَّمَا صَارَ مَقْتُولًا بَعْدَ فِعْلِ الثَّانِي. وَالْإِمَامُ لَمْ يَقُلْ مَنْ صَرَعَهُ أَوْ ضَرَبَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: مَنْ قَتَلَهُ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْلَا فِعْلُ الْأَوَّلِ لَمَا تَمَكَّنَ الثَّانِي مِنْ جَزِّ رَأْسِهِ. قُلْنَا: وَلَوْلَا خُرُوجُهُ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مَا تَمَكَّنَ الْقَاتِلُ مِنْ قَتْلِهِ فِيهِ، ثُمَّ بِهَذَا لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ يَكُونُ قَاتِلًا نَفْسَهُ. أَرَأَيْت لَوْ تَوَهَّقَهُ إنْسَانٌ فَرَمَى بِهِ عَنْ بِرْذَوْنِهِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ فَوَثَبَ آخَرُ فَجَزَّ

стр. 667

رَأْسَهُ أَكَانَ الْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ؟ لَا، وَلَكِنَّ الْقَاتِلَ مَنْ جَزَّ رَأْسَهُ وَإِنْ كَانَ لَوْلَا مَا سَبَقَ مِنْ فِعْلِ الْآخَرِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ. ١١٩٣ -. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ضَرَبَهُ الْأَوَّلُ بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّ آخِرَهُ يَكُونُ إلَى الْمَوْتِ إلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا عَاشَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَاجْتَزَّ آخَرُ رَأْسَهُ فَالسَّلَبُ لِلثَّانِي. لِأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ حَقِيقَةً. أَلَا تَرَى أَنَّ فِي نَظِيرِهِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ يَكُونُ الْقَوَدُ عَلَى الثَّانِي، وَيُجْعَلُ فِعْلُ الثَّانِي فِي حَقِّ الْأَوَّلِ كَالْبُرْءِ، لِأَنَّهُ قَاطِعٌ لِسِرَايَةِ فِعْلِ الْأَوَّلِ. وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ: ١١٩٤ - بِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁. فَإِنَّ الَّذِي ضَرَبَهُ فِي الْمِحْرَابِ أَصَابَ مَقْتَلَهُ حَتَّى شَرِبَ اللَّبَنَ فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ، وَعُلِمَ أَنَّ آخِرَ أَمْرِهِ إلَى الْمَوْتِ. وَمَعَ هَذَا كَانَ حَيًّا مَا لَمْ يَمُتْ. حَتَّى لَوْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ وَرِثَهُ عُمَرُ وَلَمْ يَرِثْ ذَلِكَ الْوَلَدُ مِنْهُ شَيْئًا. ١١٩٥ - وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ضَرَبَهُ فَنَثَرَ مَا فِي بَطْنِهِ فَأَلْقَاهُ، أَوْ قَطَعَ أَوْدَاجَهُ إلَّا أَنَّ فِيهِ الرُّوحَ بَعْدُ، فَاجْتَزَّ الْآخَرُ رَأْسَهُ فَالسَّلَبُ لِلَّذِي ضَرَبَهُ. لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ بِفِعْلِ الْأَوَّلِ، وَاَلَّذِي بَقِيَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ اضْطِرَابِ الْمَذْبُوحِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ.

стр. 668

أَلَا تَرَى أَنَّ الذِّئْبَ لَوْ عَدَا عَلَى شَاةٍ فَقَطَعَ أَوْدَاجَهَا أَوْ نَثَرَ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ أَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَذَبَحَهَا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَضْطَرِبُ عِنْدَ الذَّبْحِ. وَمِثْلُهُ لَوْ عَقَرَهَا الذِّئْبُ عَقْرًا يُعْلَمُ أَنَّ آخِرَ ذَلِكَ الْمَوْتُ إلَّا أَنَّهَا تَعِيشُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَذَبَحَهَا صَاحِبُهَا جَازَ أَكْلُهَا. وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] . وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي شَاةٍ بَقَرَ الذِّئْبُ بَطْنَهَا فَخَرَجَ قَصَبُهَا فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَذَبَحَهَا. قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا. وَهَذَا لِأَنَّ الْمُتَيَقَّنَ بِهِ لَا يَتَبَدَّلُ إلَّا بِمِثْلِهِ. فَالرُّوحُ قَبْلَهُ كَانَ مُتَيَقَّنًا بِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ إلَّا بِفِعْلٍ يَتَيَقَّنُ بِهِ بِأَنَّهُ لَا يَبْقَى فِيهِ الرُّوحُ بَعْدَهُ، وَمَا يُتَوَهَّمُ أَنْ يَعِيشَ بَعْدَهُ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يُجْعَلُ مَقْتُولًا، بَلْ إنَّمَا يُجْعَلُ مَقْتُولًا بِحَزِّ الرَّأْسِ. ١١٩٦ - فَإِنْ قَالَ الَّذِي اجْتَزَّ رَأْسَهُ: اجْتَزَزْت رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَقَالَ الضَّارِبُ: بَلْ اجْتَزَزْت رَأْسَهُ بَعْدَ مَا مَاتَ. فَإِنَّهُ يُجْعَلُ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ. فَإِنْ كَانَ فِعْلُ الضَّارِبِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ أَوْ إلْقَاءِ مَا فِي الْبَطْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّ فِعْلَهُ قَاتِلُهُ وَفِعْلَ الثَّانِي كَذَلِكَ. وَعِنْدَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْأَثَرِ يَتَرَجَّحُ الْأَوَّلُ بِالسَّبْقِ. وَإِنْ كَانَ فِعْلُ الْأَوَّلِ بِحَيْثُ يُعَاشُ مِنْ مِثْلِهِ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي وَالسَّلَبُ لَهُ. لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّ فِعْلَ الثَّانِي قَتْلٌ، وَلَا نَتَيَقَّنُ بِهِ فِي فِعْلِ الْأَوَّلِ. وَلَا مُعَارَضَةَ

стр. 669

بَيْنَ الْأَضْعَفِ وَالْأَقْوَى. فَإِنَّمَا يُحَالُ بِزَهُوقِ الرُّوحِ عَلَى الْأَقْوَى (ص ٢٣٨) الَّذِي نَتَيَقَّنُ بِهِ ١١٩٧ - وَإِنْ كَانَتْ جِرَاحَةُ الْأَوَّلِ مُشْكِلَةً، أَوْ كَانَ خَفِيَ عَلَيْهِ مَوْضِعُهَا مِنْ الْجَسَدِ، أَوْ أَخَذَهُ أَصْحَابُهُ فَاحْتَمَلُوهُ فَالسَّلَبُ لِلَّذِي اجْتَزَّ رَأْسَهُ. لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ بِأَنَّ فِعْلَهُ قَتْلٌ. وَفِي فِعْلِ الْأَوَّلِ تَرَدُّدٌ إذَا لَمْ يُوقَفْ عَلَى صِفَتِهِ، وَالْمُتَرَدِّدُ لَا يُعَارِضُ الْمُتَيَقَّنَ بِهِ، لِأَنَّ مَنْ عُلِمَ حَيَاتُهُ يَقِينًا لَا يُجْعَلُ مَيِّتًا إلَّا بِتَيَقُّنٍ مِثْلِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ فِعْلِ الثَّانِي. . ١١٩٨ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا احْتَمَلَ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَنْ فَرَسِهِ حَتَّى جَاءَ بِهِ إلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ ذَبَحَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ، وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ. لِأَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بِهِ إلَى الصَّفِّ حَيًّا فَقَدْ صَارَ هَذَا أَسِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَحِلُّ قَتْلُ الْأَسِيرِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ. لِأَنَّ لِلْإِمَامِ فِي الْأَسِيرِ رَأْيًا بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهُ فَيْئًا. وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُ الْإِمَامِ مِنْ قَوْلِهِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ الْأَسِيرَ، وَكَيْفَ يَكُونُ قَصْدُهُ هَذَا وَإِنَّمَا نَفَّلَ لِلتَّحْرِيضِ. وَقَتْلُ الْأَسِيرِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَا يَحِلُّ شَرْعًا. ١١٩٩ - فَلَوْ كَانَ حِينَ احْتَمَلَهُ أَنْزَلَهُ عَنْ دَابَّتِهِ فَقَتَلَهُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ كَانَ لَهُ سَلَبُهُ. لِأَنَّهُ قَتَلَ مُقَاتِلًا عَلَى وَجْهِ الْمُبَارَزَةِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَصِرْ أَسِيرًا بِمُجَرَّدِ إنْزَالِهِ عَنْ دَابَّتِهِ.

стр. 670

أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْلَا أَخْذُهُ لَكَانَ يَنْتَصِفُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ بَعْدَ مَا حَصَلَ فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ صَارَ مَقْهُورًا لَا يَنْتَصِفُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْخُوذَ هَذَا الرَّجُلِ. وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ مَا جَاءَ بِهِ إلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ كَانَ عَبْدًا لِلْمُسْلِمِينَ. ١٢٠٠ - وَلَوْ أَسْلَمَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ بَعْدَ مَا أَنْزَلَهُ عَنْ دَابَّتِهِ كَانَ حُرًّا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ. ١٢٠١ - وَكَذَلِكَ لَوْ تَوَهَّقَهُ حَتَّى أَنْزَلَهُ عَنْ دَابَّتِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَلَهُ سَلَبُهُ. ١٢٠٢ - فَلَوْ جَرَّهُ بِوَهْقِهِ إلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَتَلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْرِكُ مُمْتَنِعًا مَعَ ذَلِكَ يُعَالِجُ نَفْسَهُ وَيُقَاتِلُهُ بَعْدَ مَا أَتَى بِهِ صَفَّ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ. لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ أَسْرُهُ بَعْدَ إذْ كَانَ مُمْتَنِعًا مُقَاتِلًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ فَوَقَعَ فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يُقَاتِلُ مَعَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ إنْسَانٌ اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ؟ ١٢٠٣ - وَلَوْ أَسْلَمَ حِينَ وَقَعَ فِي الصَّفِّ وَأَلْقَى سِلَاحَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ. لِأَنَّهُ صَارَ أَسِيرًا مَقْهُورًا بِمَا صَنَعَهُ. . ١٢٠٤ - وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ حِينَ اصْطَفَّ الْفَرِيقَانِ لِلْقِتَالِ: مَنْ

стр. 671

جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ مِائَةُ دِينَارٍ. فَهَذَا جَائِزٌ، وَهُوَ عَلَى رُءُوس الرِّجَالِ لَيْسَ عَلَى السَّبْيِ. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ. وَمُطْلَقُ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِمَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ. فَكُلُّ مَنْ قَتَلَ إنْسَانًا وَجَاءَ بِرَأْسِهِ اسْتَحَقَّ النَّفَلَ مِنْ الْغَنِيمَةِ كَمَا سَمَّى لَهُ الْإِمَامُ. ١٢٠٥ - فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ بِرَأْسٍ وَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُهُ. وَقَالَ آخَرُ: بَلْ أَنَا قَتَلْتُهُ، وَهَذَا أَخَذَ بِرَأْسِهِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي جَاءَ بِالرَّأْسِ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ. فَإِنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ جَزِّ رَأْسِهِ وَالْمَجِيءِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. فَإِنْ قِيلَ: بِالظَّاهِرِ يُدْفَعُ الِاسْتِحْقَاقُ، وَحَاجَتُهُ إلَى إثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ، وَهُوَ عِنْدَ قَتْلِ الْمُشْرِكِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْنِ عَادَةً، فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْكِيمِ الْعَلَامَةِ لِاسْتِحْقَاقِهِ. وَإِنْ أَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ فَالسَّلَبُ لَهُ. لِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّ مَقْصُودَ الْأَمِيرِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقَتْلِ وَحَثُّ الْمُبَارِزِينَ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ، وَذَلِكَ فِعْلُ الْقَتْلِ دُونَ جَزِّ رَأْسِ الْمَقْتُولِ. فَكَأَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ كِنَايَةً عَنْ هَذَا. وَاللَّفْظُ مَتَى صَارَ مَجَازًا عَنْ غَيْرِهِ بِدَلِيلٍ سَقَطَ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهِ. أَرَأَيْت (ص ٢٣٩) أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ مُشْرِكًا فَاجْتَرَّهُ أَصْحَابُهُ إلَيْهِمْ

стр. 672

فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَأْسِهِ، أَوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَأَنْدَرَهُ فَوَقَعَ فِي نَهْرٍ فَذَهَبَ بِهِ الْمَاءُ أَكَانَ لَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِهَذَا؟ أَرَأَيْت لَوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَأَنْدَرَهُ فَوَقَعَ فِي كَفِّ آخَرَ أَكَانَ السَّلَبُ لِلَّذِي وَقَعَ فِي كَفِّهِ؟ لَا، وَلَكِنَّهُ لِلْقَاتِلِ. ١٢٠٦ -. وَلَوْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذَا رَجُلٌ مَاتَ فَاجْتَزَّ رَأْسَهُ. وَقَالَ الَّذِي جَاءَ بِرَأْسِهِ: بَلْ قَتَلْتُهُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّا وَجَدْنَا مَعَهُ عَلَامَةً يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ، وَتَحْكِيمُ الْعَلَامَةِ فِي مِثْلِ هَذَا أَصْلٌ. ١٢٠٧ - وَلَوْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذَا رَأْسُ مُسْلِمٍ. نُظِرَ إلَى السِّيمَاءِ. فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُشْرِكِينَ فَلَهُ النَّفَلُ، وَإِلَّا فَلَا. لِأَنَّ تَحْكِيمَ السِّيمَاءِ فِيمَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالْعَلَامَةِ أَصْلٌ، بِدَلِيلِ مَا إذَا اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى الْمُشْرِكِينَ. فَإِنَّ تَحْكِيمَ السِّيمَاءِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَالدَّفْنِ. ١٢٠٨ - وَإِنْ أُشْكِلَ فَلَمْ يَدْرِ أَرَأْسُ مُسْلِمٍ هُوَ أَوْ رَأْسُ مُشْرِكٍ لَمْ يُعْطَ شَيْئًا حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ رَأْسُ مُشْرِكٍ. لِأَنَّ مَعَهُ عَلَامَةً يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ مُشْرِكٌ. وَبِدُونِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْقَاتِلُ. فَمَا لَمْ يُعْلَمْ بِمَا هُوَ الْمَشْرُوطُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا. ١٢٠٩ - وَإِنْ جَاءَ بِرَأْسٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَمَعَهُ آخَرُ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَتَلَهُ

стр. 673

فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي فِي يَدِهِ الرَّأْسُ مَعَ يَمِينِهِ. فَإِنْ حَلَفَ أَخَذَ النَّفَلَ، وَإِنْ نَكَلَ فَفِي الْقِيَاسِ لَا نَفْلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. لِأَنَّ النَّاكِلَ قَدْ صَارَ مُقِرًّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ. وَلَمْ يُجَدْ مَعَ الْآخَرِ عَلَامَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ قَاتِلٌ، إذْ الرَّأْسُ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ. وَحَاجَتُهُ إلَى الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَنُكُولُ النَّاكِلِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِمْ. ١٢١٠ - وَفِي الِاسْتِحْسَانِ النَّفَلُ لِلْآخَرِ. لِأَنَّ نُكُولَ النَّاكِلِ كَإِقْرَارِهِ. ١٢١١ - وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ الْقَاتِلَ هَذَا، بَعْدَ مَا جَحَدَ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَجْحَدَ كَانَ النَّفَلُ لَهُ. فَكَذَلِكَ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ. وَالْمَعْنَى فِي الْكُلِّ أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِالرَّأْسِ مُسْتَحِقٌّ لِلنَّفْلِ بِوُجُودِ الْعَلَامَةِ مَعَهُ. فَهُوَ بِإِقْرَارِهِ أَوْ نُكُولِهِ حَوَّلَ مَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ إلَى الثَّانِي، وَذَلِكَ صَحِيحٌ. كَمَنْ أَقَرَّ بِعَيْنِ الْإِنْسَانِ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: لَيْسَ لِي وَلَكِنَّهُ لِفُلَانٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي، وَيُجْعَلُ مُحَوَّلًا إلَيْهِ مَا صَارَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِإِقْرَارِهِ. ١٢١٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ رَجُلَانِ بِرَأْسٍ وَهُمَا يَزْعُمَانِ أَنَّهُمَا قَتَلَاهُ. فَالنَّفَلُ بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ الرَّأْسُ فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ مُقِرٌّ أَنَّهُمَا قَتَلَاهُ. لِأَنَّ الْعَلَامَةَ ظَهَرَتْ فِي حَقِّهِمَا بِتَصَادُقِهِمَا، أَوْ بِكَوْنِ الرَّأْسِ فِي أَيْدِيهِمَا. ١٢١٣ - وَإِنْ قَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ الرَّأْسُ: قَتَلْتُهُ أَنَا وَهَذَا الرَّجُلُ، وَقَالَ الْآخَرُ: قَتَلْتُهُ دُونَهُ. فَالنَّفَلُ لَهُمَا.

стр. 674

لِأَنَّ الْعَلَامَةَ لِمَنْ فِي يَدِهِ الرَّأْسُ. وَهُوَ مَا حُوِّلَ بِإِقْرَارِهِ إلَى صَاحِبِهِ، إلَّا بِنِصْفِ مَا صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُ. فَيَبْقَى اسْتِحْقَاقُهُ لِلنِّصْفِ الْآخَرِ. ١٢١٤ - وَلَوْ جَاءَ بِالرَّأْسِ وَهُمَا آخِذَانِ بِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: أَنَا قَتَلْتُهُ وَحْدِي. اُسْتُحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا فَالنَّفَلُ لِصَاحِبِهِ خَاصَّةً. فَإِنْ حَلَفَا فَالنَّفَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ. لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْعَلَامَةِ وَهُوَ الْمَجِيءُ بِالرَّأْسِ وَالِاسْتِحْقَاقُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ. . ١٢١٥ - وَلَوْ نَظَرَ الْمُسْلِمُونَ إلَى رَجُلٍ يَجْتَزُّ رَأْسَ مَقْتُولٍ فَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُهُ. وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ أُعْطِيَ نَفْلَهُ. لِوُجُودِ الْعَلَامَةِ مَعَهُ. فَإِنْ كَانُوا رَأَوْهُ جَاءَ مِنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ لَا يَقْتُلُهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى اجْتَزَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مَقْتُولٌ فَهَذَا لَا نَفْلَ لَهُ. لِأَنَّ تَحْكِيمَ الْعَلَامَةِ إنَّمَا يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ لَا يُعَارِضُهُ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ، وَقَدْ عَارَضَهُ دَلِيلٌ هَا هُنَا، وَهُوَ عِلْمُنَا بِأَنَّهُ مَقْتُولٌ (ص ٢٤٠) حَالَ مَا كَانَ الرَّجُلُ بِالْبُعْدِ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ضَرْبِهِ. وَاَلَّذِي سَبَقَ إلَى وَهْمِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّهُ كَاذِبٌ. ١٢١٦ - فَإِنْ قَالَ: إنِّي كُنْتُ قَتَلْتُهُ ثُمَّ قَاتَلْت ثُمَّ رَجَعْت إلَيْهِ فَاجْتَزَزْت رَأْسَهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ.

стр. 675

لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ بِهِ، وَبِمَا لَيْسَ مَعَهُ عَلَامَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِدْقِهِ. فَلَوْ أُعْطِيَ شَيْئًا إنَّمَا يُعْطَى بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِالنَّصِّ. ١٢١٧ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ حِينَ انْهَزَمَ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَهَذَا أَيْضًا عَلَى رُءُوس الرِّجَالِ. لِأَنَّ فِي انْهِزَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي آثَارِهِمْ يَقْتُلُونَهُمْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّحْرِيضُ عَلَى الِاتِّبَاعِ وَالْقَتْلِ. وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ: عَنَيْت السَّبْيَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ. لِأَنَّهُ أَضْمَرَ خِلَافَ مَا أَظْهَرَ، وَلَا طَرِيقَ لَهُمْ إلَى مَعْرِفَةِ مَا فِي ضَمِيرِهِ. فَإِنَّمَا يُبْنَى الْحُكْمُ فِي حَقِّهِمْ عَلَى مَا أَظْهَرَ وَعَلَى مَا عَلَيْهِ الْغَالِبُ مِنْ الْأُمُورِ، إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ فَيَقُولَ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ مِنْ السَّبْيِ فَلَهُ كَذَا. ١٢١٨ - وَإِنْ كَانُوا قَدْ انْهَزَمُوا وَتَفَرَّقُوا وَكَفَّ الْمُسْلِمُونَ عَنْ الْقَتْلِ، وَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ كَذَا فَهَذَا عَلَى السَّبْيِ. لِأَنَّهُ قَدْ انْقَضَى وَقْتُ الْقِتَالِ. وَإِنَّمَا الْآنَ وَقْتُ جَمْعِ الْغَنَائِمِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ التَّحْرِيضُ عَلَى الطَّلَبِ وَالْجَمْعِ. وَإِنْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ رَأْسَ الْقَتِيلِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْحُكْمَ يُبْنَى عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ الْمُرَادِ فِي كُلِّ فَصْلٍ. . ١٢١٩ - وَلَوْ قَالَ فِي حَالَةِ الْقِتَالِ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسَيْنِ فَلَهُ أَحَدُهُمَا فَهَذَا عَلَى السَّبْيِ. لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ بَعْضَ مَا يَأْتِي بِهِ. وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي السَّبْيِ لَا فِي رَأْسِ الْقَتِيلِ. فَإِنَّهُ جِيفَةٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَعْنَى التَّحْرِيضِ بِخِلَافِ

стр. 676

مَا إذَا قَالَ: فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ لِأَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيضِ عَلَى الْقَتْلِ هُنَاكَ يَحْصُلُ بِمَا أَوْجَبَ لَهُ. ١٢٢٠ - وَلَوْ قَالَ: بِطْرِيقُ الْقَوْمِ قُتِلَ. فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسِهِ فَلَهُ مِائَةٌ. فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ إلَّا بِقِتَالٍ فَقَاتَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَنْ رَأْسِهِ حَتَّى جَاءَ بِهِ فَلَهُ النَّفَلُ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يُخَافُ فِيهِ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُشْرِكُونَ عَنْهُ فَأَخَذَهُ وَجَاءَ بِهِ وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ فَلَهُ النَّفَلُ، لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَ الْأَمِيرِ التَّحْرِيضُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِرَأْسِهِ، فَقَدْ أُتِيَ بِهِ، وَفِي هَذَا كَبْتٌ وَغَيْظٌ لِلْعَدُوِّ. لِأَنَّهُ قَصَدَ أَنْ يَنْصِبَ رَأْسًا بِطْرِيقِهِمْ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ قُتِلَ فَتَنْكَسِرَ شَوْكَتُهُمْ. وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْجِهَادِ، فَيَسْتَحِقُّ النَّفَلَ عَلَيْهِ. ١٢٢١ - فَإِنْ تَنَحَّى الْعَدُوُّ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَذَهَبَ رَجُلٌ حَتَّى اجْتَزَّ رَأْسَهُ وَجَاءَ بِهِ مِنْ مَوْضِعٍ لَا يُخَافُ فِيهِ الْعَدُوُّ فَلَيْسَ لَهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. لِأَنَّ فِعْلَهُ هَذَا لَيْسَ بِجِهَادٍ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ الْأَمِيرِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْجَارِ بِحَمْلِ الْجِيفَةِ إلَيْهِ، وَلَمْ يَصْمُدْ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ. إنَّمَا قَالَ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسِهِ. وَفِي مِثْلِ هَذَا الِاسْتِئْجَارِ بَاطِلٌ. ١٢٢٢ - فَإِنْ عَمَدَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَقَالَ: إنْ جِئْتَنِي بِرَأْسِ الْبِطْرِيقِ فَلَكَ كَذَا. أَوْ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَقَالَ: أَيُّكُمْ جَاءَ بِرَأْسِهِ فَلَهُ كَذَا. وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. فَلِلَّذِي جَاءَ بِهِ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سُمِّيَ لَهُ.

стр. 677

لِأَنَّ هَذَا كَانَ مِنْ الْإِمَامِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْجَارِ، وَلَكِنَّهُ إجَازَةٌ فَاسِدَةٌ. فَإِنَّ مِقْدَارَ الْعَمَلِ كَانَ مَجْهُولًا، لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ حِينَ اسْتَأْجَرَهُ. وَالْحُكْمُ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ وُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْلِ عِنْدَ إقَامَتِهِ الْعَمَلَ، وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا يُسَمَّى لَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِالْمُسَمَّى. وَإِنَّمَا يُعْطِيهِ ذَلِكَ مِنْ الْغَنِيمَةِ، لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ مَقْصُودَهُ أَنْ يَنْصِبَ رَأْسَهُ لِتَنْكَسِرَ قُلُوبُهُمْ فَلَا يَكُرُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ يَسُوقَ الْغَنَمَ أَوْ الرَّمَكَ، أَوْ لِيَحْمِلَ الْأَمْتِعَةَ، وَيُعْطِيَهُ ذَلِكَ مِمَّا غَنِمُوا قَبْلَ هَذَا، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَجْرِ لَا عَلَى وَجْهِ النَّفْلِ. وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَجُوزُ التَّنْفِيلُ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، فَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَنَائِمِهِمْ بَعْدَ الْإِحْرَازِ فَصَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (ص ٢٤١) . .

стр. 678

[بَابُ مَا يَجُوزُ فِيهِ السَّلَبُ إذَا قَتَلَهُ وَمَا لَا يَجُوزُ] وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَقَتَلَ رَجُلٌ أَجِيرًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ يُقَاتِلُ مَعَهُمْ فَلَهُ سَلَبُهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا التَّنْفِيلِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ. فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ يُبَاحُ قَتْلُهُ مِنْهُمْ. وَقَتْلُ الْأَجِيرِ مِنْهُمْ مُبَاحٌ، لِأَنَّ لَهُ بِنْيَةً صَالِحَةً لِلْقِتَالِ، وَهُوَ يُقَاتِلُ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ. وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ الْقَاتِلُ مِنْ الْقِتَالِ بِعِلْمِهِ لِأَنَّهُ يُهَيِّئُ لَهُ أَسْبَابَ ذَلِكَ ١٢٢٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ. قَتَلَ تَاجِرًا مِنْهُمْ، أَوْ عَبْدًا كَانَ مَعَ مَوْلَاهُ يَخْدُمُهُ، أَوْ رَجُلًا كَانَ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِهِمْ، أَوْ ذِمِّيًّا نَقَضَ الْعَهْدَ وَلَحِقَ بِهِمْ. لِأَنَّ قَتْلَ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ مُبَاحٌ. . ١٢٢٥ - وَلَوْ قَتَلَ امْرَأَةً مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهَا. لِأَنَّ قَتْلَ النِّسَاءِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ شَرْعًا. عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ حِينَ رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ فَقَالَ: هَاهْ مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ» وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْأَمِيرَ لَمْ يُرِدْ بِكَلَامِهِ التَّحْرِيضَ عَلَى قَتْلِ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ. إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ تُقَاتِلُ فَحِينَئِذٍ لَهُ سَلَبُهَا.

стр. 679

لِأَنَّ قَتْلَهَا مُبَاحٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ اسْتَعْظَمَ قَتْلَهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا لَا تُقَاتِلُ. . ١٢٢٦ - وَكَذَلِكَ الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ إنْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ فَلَيْسَ لَهُ سَلَبُهُ. لِأَنَّ قَتْلَ الصِّبْيَانِ مِنْهُمْ لَا يَحِلُّ. فَعَلِمْنَا أَنَّ الْأَمِيرَ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ بِالتَّحْرِيضِ. إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ يُقَاتِلُ مَعَهُمْ. فَحِينَئِذٍ يُبَاحُ قَتْلُهُ، وَلِلْقَاتِلِ سَلَبُهُ. . ١٢٢٧ - وَلَوْ قَتَلَ مَرِيضًا أَوْ مَجْرُوحًا مِنْهُمْ فَلَهُ سَلَبُهُ. سَوَاءٌ كَانَ يَسْتَطِيعُ الْقِتَالَ أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ. لِأَنَّهُ مُبَاحُ الْقَتْلِ فِي الْوَجْهَيْنِ. فَإِنَّهُ يُقَاتِلُ بِرَأْيِهِ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْقِتَالِ بِنَفْسِهِ فِي الْحَالِ لِمَا بِهِ مِنْ الْمَرَضِ. . ١٢٢٨ - فَإِنْ قَتَلَ شَيْخًا مِنْهُمْ. فَإِنْ كَانَ شَيْخًا فَانِيًا لَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ قِتَالٌ بِنَفْسِهِ وَلَا بِرَأْيِهِ وَلَا يُرْجَى لَهُ نَسْلٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ. لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُبَاحُ قَتْلُهُ. وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُرْجَى لَهُ نَسْلٌ أَوْ كَانَ لَهُ فِي الْحَرْبِ رَأْيٌ فَهَذَا يُبَاحُ قَتْلُهُ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ قُتِلَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَلَكِنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ. فَإِذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلِقَاتِلِهِ سَلَبُهُ. . ١٢٢٩ - وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا كَانَ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ يُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ.

стр. 680

لِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُبَاحَ الْقَتْلِ وَلَكِنَّ سَلَبَهُ لَيْسَ بِغَنِيمَةٍ. لِأَنَّهُ مَالُ الْمُسْلِمِ، وَمَالُ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ كَأَمْوَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ. ١٢٣٠ - فَإِنْ كَانَ السَّلَبُ الَّذِي عَلَيْهِ لِلْمُشْرِكِينَ أَعَارُوهُ إيَّاهُ فَذَلِكَ لِلَّذِي قَتَلَهُ. لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ مِنْ السَّلَبِ غَنِيمَةٌ. وَهُوَ مُبَاحُ الْقَتْلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَيَدْخُلُ فِي تَحْرِيضِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَمَدَ لَهُ نَفْسُهُ فَقَالَ: إنْ قَتَلْتَهُ فَلَكَ سَلَبُهُ، اسْتَحَقَّ ذَلِكَ. فَكَذَلِكَ إذَا عَمَّ بِهِ. . ١٢٣١ - وَلَوْ قَتَلَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً، وَسَلَبُهُ لِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ. لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّلَبُ لِلْقَتِيلِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ، لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاغْتِنَامِ، بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ أَصْلًا. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السَّلَبُ الَّذِي عَلَيْهِ مِلْكًا أَوْ عَارِيَّةً. . ١٢٣٢ - وَلَوْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَعْلَمُ أَنَّ سَلَبَهُ لِرَجُلٍ آخَرَ مِنْهُمْ، أَوْ امْرَأَةٍ، أَوْ شَيْخٍ، أَوْ صَبِيٍّ، فَالسَّلَبُ لِلْقَاتِلِ. لِأَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ مُبَاحُ الْقَتْلِ. وَالسَّلَبُ الَّذِي عَلَيْهِ مَحَلُّ الِاغْتِنَامِ لِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ، فَيَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِلُ بِالتَّنْفِيلِ. ١٢٣٣ - وَلَوْ كَانَ السَّلَبُ الَّذِي عَلَيْهِ لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ غَيْرِ نَاقِضٍ لِلْعَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ.

стр. 681

لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاغْتِنَامِ. وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُسْلِمُ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ. ١٢٣٤ - فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ، فَالسَّلَبُ لِلْقَاتِلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁. لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ يَصِيرُ مَالُهُ مَعْصُومًا فِي الْإِثْمِ دُونَ الْحُكْمِ (ص ٢٤٢) ، بِمَنْزِلَةِ نَفْسِهِ. فَأَمَّا التَّقَوُّمُ وَالْعِصْمَةُ عَنْ الِاغْتِنَامِ فَإِنَّمَا يَكُونُ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ إلَى دَارِنَا وَتَرَكَ أَمْوَالَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ، كَانَ جَمِيعُ مَالِهِ فَيْئًا، وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَعَقَارُهُ وَعُرُوضُهُ فَيْءٌ، إلَّا مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْهُ. لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرَزًا لِسَبْقِ يَدِهِ إلَيْهِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِيمَا أَعَارَهُ مِنْ الْحَرْبِيِّ الْمَقْتُولِ. فَلِهَذَا اسْتَحَقَّهُ الْقَاتِلُ بِالتَّنْفِيلِ. ١٢٣٥ - وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْحَرْبِيُّ أَخَذَ هَذَا السَّلَبَ غَصْبًا فَقَتَلَهُ هَذَا الْمُسْلِمُ كَانَ لَهُ سَلَبُهُ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَدَ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهِ، حَتَّى يَصِيرَ مُحْرَزًا لَهُ بِهَا فَيَكُونُ مَحَلُّ الِاغْتِنَامِ. ١٢٣٦ - وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ هَذَا الْمُسْلِمِ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ فَأُخِذَ كَانَ فَيْئًا. لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ حَتَّى قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ عَلَيْهِ يَدٌ مُحْرَزَةٌ لَهُ، فَيَكُونُ فَيْئًا كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَهَذَا وَغَاصِبُ السَّلَبِ سَوَاءٌ.

стр. 682

فَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ إنَّمَا غَصَبَ السَّلَبَ مِنْ مُسْلِمٍ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَالسَّلَبُ لِلْقَاتِلِ. لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ بِالْغَصْبِ صَارَ مُحْرِزًا لِمَالِ الْمُسْلِمِ. وَهُمْ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَنَا بِالْإِحْرَازِ، فَيَصِيرُ لِلْقَاتِلِ بِالتَّنْفِيلِ. إلَّا أَنَّ لِصَاحِبِ السَّلَبِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُمْ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ، لِأَنَّ التَّنْفِيلَ بِمَنْزِلَةِ الْقِسْمَةِ حِينَ اخْتَصَّ الْمُنَفَّلُ لَهُ بِمِلْكِهِ. وَالْمَالِكُ الْقَدِيمُ إذَا وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فِي الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ فَهَذَا قِيَاسُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

стр. 683

[بَابُ السَّلَبِ الَّذِي لَا يُحْرِزُهُ الْمُنَفَّلُ لَهُ] وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَرَمَى مُسْلِمٌ مِنْ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ. لِأَنَّهُ قَتَلَ مُقَاتِلًا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ. وَهُوَ السَّبَبُ لِاسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ بِتَنْفِيلِ الْإِمَامِ. ١٢٣٩ - فَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ الْمُشْرِكُونَ لِسَلَبِهِ حَتَّى انْهَزَمُوا فَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ قَتِيلًا عَلَيْهِ سَلَبُهُ وَعِنْدَهُ دَابَّتُهُ فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْقَاتِلِ. لِأَنَّ حَقَّهُ تَأَكَّدَ فِيهِ بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ مَا يُبْطِلُهُ. إنَّمَا تَأَخَّرَ أَخْذُهُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ، أَوْ لِغَفْلَةٍ مِنْهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِحَقِّهِ. ١٢٤٠ - وَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَخَذُوا دَابَّتَهُ وَسِلَاحَهُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ مِنْ سَلَبِهِ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ لَمْ يُحْرِزْهُ حَتَّى أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ. وَلَوْ كَانَ مُحْرِزًا لَهُ فَأَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ وَأَحْرَزُوهُ بَطَلَ مِلْكُهُ فَكَيْفَ إذَا لَمْ يُحْرِزْهُ؟ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِ قَدْ انْفَسَخَ لِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا جَعَلَ الْقَتْلَ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ بِالتَّنْفِيلِ. لِأَنَّ الْقَاتِلَ بِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَخْذِ، وَقَدْ زَالَ

стр. 684

هَذَا التَّمَكُّنُ بِأَخْذِ الْمُشْرِكِينَ إيَّاهُ. وَبَعْدَ مَا انْفَسَخَ السَّبَبُ لَا يَكُونُ لَهُ أَثَرٌ فِي الْحُكْمِ، فَيَبْقَى هَذَا مَا لَهُمْ وَقْعٌ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ غَنِيمَةٌ. ١٢٤١ - وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُمْ أَخَذُوا سَلَبَهُ أَوْ لَمْ يَأْخُذُوهُ، فَمَا وُجِدَ عَلَيْهِ مِنْ سَلَبِهِ فَهُوَ لِلْقَاتِلِ، وَمَا وُجِدَ وَقَدْ نُزِعَ عَنْهُ فَهُوَ فَيْءٌ، لِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ. ١٢٤٢ - فَإِنْ كَانُوا جَرُّوهُ إلَيْهِمْ حِينَ قُتِلَ وَسَلَبُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْهَزَمُوا فَهُوَ لِلَّذِي قَتَلَهُ. لِأَنَّهُمْ جَرُّوهُ لِكَيْ لَا تَطَأَهُ الْخُيُولُ، لَا لِإِحْرَازِ سَلَبِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَجْرُوحَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا جُرَّ بِرَجْلِهِ مِنْ بَيْنِ الصَّفَّيْنِ لِكَيْ لَا تَطَأَهُ الْخُيُولُ فَمَاتَ كَانَ شَهِيدًا لَا يُغَسَّلُ؟ . ١٢٤٣ - وَهَذَا إذَا كَانَ الَّذِينَ جَرُّوهُ غَيْرَ وَرَثَتِهِ. فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ هُوَ الَّذِي جَرَّهُ فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا جَرَّهُ لِإِحْرَازِ سَلَبِهِ. فَإِنَّهُ يَخْلُفُهُ فِيمَا كَانَ لَهُ. وَقَدْ كَانَ هُوَ مُحْرِزًا سَلَبَهُ بِلِبَاسِهِ، فَكَذَلِكَ مَنْ يَخْلُفُهُ يَجُرُّهُ إلَيْهِمْ. فَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ فَمَا كَانَ يَخْلُفُهُ فِي مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُحْرِزًا لَهُ إذَا نَزَعَهُ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ ابْتِدَاءً. وَالْمَلْبُوسُ تَبَعُ اللَّابِسِ. فَإِذَا تَرَكَهُ عَلَيْهِ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهُ ابْتِدَاءً.

стр. 685

وَإِنْ لَمْ يُدْرَ أَنَّ الَّذِي جَرَّهُ كَانَ وَارِثًا أَوْ وَصِيًّا أَوْ أَجْنَبِيًّا فَالسَّلَبُ لِلْقَاتِلِ. لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِ مَعْلُومٌ. فَمَا لَمْ يُعْلَمْ اعْتِرَاضُ (ص ٢٤٣) مَا يُبْطِلُهُ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي الْحُكْمِ. ١٢٤٥ - وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدُوا دَابَّتَهُ عِنْدَهُ فَهِيَ لِلْقَاتِلِ. وَإِنْ وَجَدُوهَا فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كَانَتْ غَنِيمَةً. لِأَنَّهُ بِاعْتِرَاضِ يَدٍ أُخْرَى عَلَيْهَا يَنْفَسِخُ حُكْمُ السَّبَبِ الْأَوَّلِ. ١٢٤٦ - وَلَوْ وُجِدَتْ بَعْدَ مَا سَارَ الْعَسْكَرُ مَنْقَلَةً أَوْ مَنْقَلَتَيْنِ فَهِيَ لِلْقَاتِلِ فِي الْقِيَاسِ. لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ اعْتِرَاضُ يَدٍ أُخْرَى مُبْطِلَةٍ لِحَقِّهِ. وَلَعَلَّهَا اتَّبَعَتْ الْعَسْكَرَ عَابِرَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْخُذَهَا أَحَدٌ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هِيَ غَنِيمَةٌ. لِأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ فِي يَدِ الْقَتِيلِ، وَلَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَدُ الْقَتِيلِ عَلَيْهَا ثَابِتَةً فِيهِ. وَلَوْ أَخَذْنَا فِيهَا بِالْقِيَاسِ لَزِمَنَا أَنْ نَقُولَ: هِيَ لِلْقَاتِلِ.

стр. 686

وَإِنْ سَارُوا شَهْرًا فَرَجَعُوا إلَى مَدَائِنِهِمْ، وَهَذَا يَقْبُحُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَمْشِي عَابِرَةً هَكَذَا، وَلَكِنَّهَا تَقِفُ لِلْعَلَفِ أَوْ تَتَحَوَّلُ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً عَنْ الطَّرِيقِ. فَإِذَا سَارَتْ مُسْتَوِيَةً عَلَى الطَّرِيقِ عَرَفْنَا أَنَّ سَائِقًا سَاقَهَا، فَكَانَتْ غَنِيمَةً. إلَّا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهَا ذَهَبَتْ عَابِرَةً فَهِيَ لِلْقَاتِلِ حِينَئِذٍ. لِأَنَّهَا لَمْ تَعْتَرِضْ عَلَيْهَا يَدٌ أُخْرَى. وَفِعْلُهَا جُبَارٌ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فَاسِخًا لِسَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ الثَّابِتِ لِلْقَاتِلِ. ١٢٤٨ - وَلَوْ أَنَّهُمْ أَخَذُوا دَابَّتَهُ فَحَمَلُوا عَلَيْهَا الْقَتِيلَ مَعَ سِلَاحِهِ وَسَاقُوهَا مُنْهَزِمِينَ ثُمَّ ظَفِرْنَا بِهِمْ فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْقَاتِلِ. لِأَنَّهُمْ مَا قَصَدُوا إحْرَازَ مَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا حَمَلُوهُ عَلَى دَابَّتِهِ لِيَرُدُّوهُ إلَى أَهْلِهِ. فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ إحْرَازًا لِمَا عَلَيْهِ. ١٢٤٩ - إلَّا أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْقَتِيلِ هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ، حِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ غَنِيمَةً. لِأَنَّ الِابْنَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا مُحْرِزًا لَهُ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ خَلِيفَةُ الْقَتِيلِ. غَيْرُهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَرُدُّ عَلَى أَحَدٍ. وَأَحَدُ الْوَرَثَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَجَمَاعَتِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي إثْبَاتِ حَقِّهِ وَمِلْكِهِ؟ . ١٢٥٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَفَعَلَ الْوَصِيُّ ذَلِكَ.

стр. 687

لِأَنَّ الْوَصِيَّ خَلِيفَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. فَفِعْلُهُ يَكُونُ إحْرَازًا كَفِعْلِ الْوَارِثِ، سَوَاءٌ نَزَعَ مِنْهُ سَلَبَهُ أَوْ لَمْ يَنْزِعْهُ. ١٢٥١ - فَإِنْ كَانَ الْأَجَانِبُ حِينَ حَمَلُوهُ عَلَيْهَا مَعَ سِلَاحِهِ حَمَلُوا عَلَيْهَا أَيْضًا أَمْتِعَةً لِأَنْفُسِهِمْ وَسَاقُوهَا، فَالدَّابَّةُ وَمَا عَلَيْهَا غَنِيمَةٌ، إلَّا مَا عَلَى الْقَتِيلِ مِنْ السَّلَبِ. لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا إحْرَازَ الدَّابَّةِ حِينَ اسْتَعْمَلُوهَا فِي حَوَائِجِهِمْ، وَلَمْ يَقْصِدُوا إحْرَازَ سَلَبِهِ حِينَ لَمْ يَنْزِعُوهُ عَنْهُ. ١٢٥٢ - فَإِنْ كَانُوا عَلَّقُوا عَلَيْهَا إدَاوَةً أَوْ مِخْلَاةً فَقَطْ، فَالدَّابَّةُ وَمَا عَلَيْهَا مِنْ سَلَبِ الْقَتِيلِ كُلِّهِ لِلْقَاتِلِ. لِأَنَّ بِهَذَا الْقَدْرِ لَا يَكُونُونَ مُحْرِزِينَ لَهَا. فَالْإِحْرَازُ بِثُبُوتِ يَدِهِمْ عَلَيْهَا. وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَى الدَّابَّةِ بِحَمْلٍ مَقْصُودٍ بِتَعْلِيقِ إدَاوَةٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا حِمْلٌ وَلِلْآخَرِ إدَاوَةٌ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهَا لِصَاحِبِ الْحِمْلِ الْمَقْصُودِ؟ . ١٢٥٣ - وَلَوْ غَيَّرُوا سَرْجَهَا بِإِكَافٍ، أَوْ بِسَرْجٍ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَحْمِلُوا عَلَيْهَا غَيْرَ الْقَتِيلِ وَسَلَبِهِ فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْقَاتِلِ. لِأَنَّ تَغْيِيرَ السَّرْجِ بِسَرْجٍ آخَرَ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُمْ قَصَدُوا إحْرَازَهَا، أَوْ أَثْبَتُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهَا. وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ بِمَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الرَّأْيِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ الْعَلَامَاتُ مِنْ أَخْذِهِمْ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

стр. 688

[بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي النَّفْلِ وَالْخَاصُّ مِنْهُ] وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَصَابَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الرُّبْعُ. فَهَذَا عَلَى التِّبْرِ وَالْمَضْرُوبِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ضَرْبِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ الْمُشْرِكِينَ. لِأَنَّ اسْمَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ حَقِيقَةً. وَالِاسْتِحْقَاقُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَثْنَى بِهَذَا الِاسْمِ وَقَالَ: مَنْ أَصَابَ (ص ٢٤٤) شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، إلَّا ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، كَانَ الْكُلُّ مُسْتَثْنًى بِهَذَا الِاسْمِ. فَكَذَلِكَ إذَا بَنَى الْإِيجَابَ عَلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ؟ وَكَذَلِكَ وُجُوبُ التَّقَايُضِ عِنْدَ مُبَادَلَةِ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ، وَحُرْمَةِ الْفَضْلِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ. وَكَانَ التِّبْرُ وَالْمَضْرُوبُ فِي ذَلِكَ سَوَاءً. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَاشْتَرَى دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَمْ يَحْنَثْ. لِأَنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ هُنَاكَ عَلَى الشَّرْيِ، وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْبَائِعِ. وَبَائِعُ الْمَضْرُوبِ يُسَمَّى صَيْرَفِيًّا. وَإِنَّمَا يُسَمَّى بَائِعُ الذَّهَبِ مَنْ يَبِيعُ غَيْرَ الْمَضْرُوبِ فَأَمَّا هَا هُنَا فَعُلِّقَ الِاسْتِحْقَاقُ بِحَقِيقَةِ الِاسْمِ، فَعُرُوضُهُ مِنْ الْيَمِينِ أَنْ لَوْ حَلَفَ لَا يَمَسُّ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً. وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْمَضْرُوبَ وَغَيْرَ الْمَضْرُوبِ. ثُمَّ الْإِيجَابُ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ بِمَنْزِلَةِ الْإِيجَابِ بِالْوَصِيَّةِ.

стр. 689

وَلَوْ أَوْصَى لِغَيْرِهِ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ مِنْ مَالِهِ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ الْمَضْرُوبَ وَغَيْرَهُ. . ١٢٥٥ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ حَدِيدًا فَهُوَ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَهُ نِصْفُهُ. فَمَا أَصَابَ رَجُلٌ مِنْ الْحَدِيدِ تِبْرًا أَوْ إنَاءً مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ سِلَاحٍ، أَوْ سَكَاكِينَ، أَوْ سُيُوفٍ، فَهُوَ لَهُ كُلُّهُ. لِأَنَّ اسْمَ الْحَدِيدِ لِذَلِكَ كُلِّهِ. فَإِنَّ بِالصَّنْعَةِ لَا يَتَبَدَّلُ اسْمُ الْعَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا يَنْعَدِمُ بِهِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَيْنِ، بَلْ يَتَقَرَّرُ، وَهُوَ مَعْنَى الْبَأْسِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] . فَأَمَّا جُفُونُ السَّيْفِ وَأَنْصِبَةُ السَّكَاكِينِ وَغُلُفُهَا فَلَهُ نِصْفُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدِيدٍ. فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ أَصَابَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَهُ نِصْفُهُ. إلَّا أَنَّهُ يُؤْخَذُ نِصْفُ ذَلِكَ مِنْهُ، أَوْ نِصْفُ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ نَزْعُ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهِ. لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْأَصْلِ. وَحَقُّ الْغَانِمِينَ ثَابِتٌ فِي نِصْفِ مَا هُوَ تَبَعٌ. إلَّا أَنَّ الضَّرَرَ مَدْفُوعٌ عَنْهُ. فَإِذَا اُحْتُبِسَ عِنْدَهُ لِوُجُوبِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ كَانَ

стр. 690

عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، بِمَنْزِلَةِ بِنَاءٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي أَرْضِ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَمَلَّكَ عَلَى شَرِيكِهِ نَصِيبَهُ مِنْ الْبِنَاءِ بِالْقِيمَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى. . ١٢٥٦ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ بَزًّا فَهُوَ لَهُ. فَأَصَابَ ثَوْبَ دِيبَاجٍ أَوْ بُزْيُونٍ أَوْ أَكْسِيَةَ صُوفٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ. لِأَنَّ اسْمَ الْبَزِّ لَا يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ. إنَّمَا يَتَنَاوَلُ اسْمَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ خَاصَّةً. أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَزَّازَ فِي النَّاسِ مَنْ يَبِيعُ ثَوْبَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ. وَسُوقُ الْبَزَّازِينَ الْمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ ثَوْبُ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ. دُونَ الدِّيبَاجِ وَالْكِسَاءِ. فَكَأَنَّهُ بَنَى عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ. فَأَمَّا فِي دِيَارِنَا فَمَنْ يَبِيعُ ثَوْبَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ يُسَمَّى كَرَابِيسِيًّا. فَلَوْ أَصَابَ كَتَّانًا أَوْ قُطْنًا غَيْرَ مَغْزُولٍ. أَوْ مَغْزُولًا غَيْرَ مَنْسُوجٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، لِأَنَّ اسْمَ الْبَزِّ يَتَنَاوَلُ الْمَلْبُوسَ وَلَا يَتَنَاوَلُ الْغَزْلَ عَادَةً. أَلَا تَرَى أَنَّ بَائِعَهُ يُسَمَّى قَطَّانًا وَغَزَّالًا وَلَا يُسَمَّى بَزَّازًا؟ . ١٢٥٧ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ ثَوْبًا فَهُوَ لَهُ. فَأَصَابَ ثَوْبَ دِيبَاجٍ أَوْ بُزْيُونٍ مِمَّا يَلْبَسُهُ النَّاسُ، أَوْ فَرْوًا أَوْ كِسَاءً فَهُوَ لَهُ. لِأَنَّ اسْمَ الثَّوْبِ عَادَةً يُطْلَقُ عَلَى مَلْبُوسِ بَنِي آدَمَ. فَكُلُّ مَا يَلْبَسُهُ النَّاسُ عَادَةً فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْإِيجَابِ. مَا خَلَا الْخُفَّ وَالْعِمَامَةَ وَالْقَلَنْسُوَةَ. فَإِنَّهُ لَوْ أَصَابَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ. لِأَنَّ الثَّوْبَ اسْمٌ لِمَا يُلْبَسُ لِلِاكْتِسَاءِ بِهِ، وَالْعِمَامَةُ وَالْقَلَنْسُوَةُ لَا يَحْصُلُ بِهِمَا الِاكْتِسَاءُ. أَلَا تَرَى أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ لَا تَتَأَدَّى بِالْكِسْوَةِ إذَا أَعْطَى كُلَّ مِسْكِينٍ

стр. 691

قَلَنْسُوَةً أَوْ عِمَامَةً أَوْ خُفَّيْنِ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ مَكَانَ الطَّعَامِ إذَا كَانَ يُسَاوِي ذَلِكَ. وَمَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا فَلَبِسَ عِمَامَةً أَوْ قَلَنْسُوَةً لَمْ يَحْنَثْ. ١٢٥٨ - وَلَوْ أَصَابَ مِسْحًا أَوْ بِسَاطًا، (ص ٢٤٥) أَوْ سِتْرًا أَوْ فِرَاشًا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ. لِأَنَّ هَذَا لَا يَلْبَسُهُ النَّاسُ عَادَةً وَإِنَّمَا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ فِي الْبُيُوتِ. وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْمَتَاعِ لَا اسْمُ الثَّوْبِ. حَتَّى لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ مَتَاعًا فَهُوَ لَهُ، اسْتَحَقَّ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَمَلْبُوسُ النَّاسِ أَيْضًا. لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْمَتَاعِ. فَالْمَتَاعُ اسْمٌ لِمَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ. وَكَذَلِكَ يَسْتَحِقُّ الْأَوَانِيَ عِنْدَ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَتَاعِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ نَصًّا لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ مَتَاعًا دُونَ الْآنِيَةِ، فَأَصَابَ طَاسًا أَوْ أَبَارِيقَ، وَقَمَاقِمَ، وَقُدُورًا مِنْ نُحَاسٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْآنِيَةِ وَقَدْ اسْتَثْنَاهَا مِنْ الْمَتَاعِ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِثْنَاءِ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ كُلَّهُ. . ١٢٥٩ - وَلَوْ قَالَ مَنْ أَصَابَ فِضَّةً أَوْ ذَهَبًا فَأَصَابَ سَيْفًا مُحَلًّى بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ كَانَ لَهُ الْحِلْيَةُ. لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً. أَلَا تَرَى أَنَّ حُكْمَ الصَّرْفِ يَثْبُتُ فِي حِصَّةِ الْحِلْيَةِ فِي الْبَيْعِ؟ وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَ سَرْجًا مُفَضَّضًا فَلَهُ الْفِضَّةُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ خَاصَّةً.

стр. 692

وَلَوْ وَجَدَ أَبْوَابًا فِيهَا مَسَامِيرُ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ إنْ نُزِعَتْ تَفَكَّكَتْ الْأَبْوَابُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. قَالَ: لِأَنَّ الْغَالِبَ غَيْرُ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ. يَعْنِي أَنَّ الْمَسَامِيرَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكَةِ حِينَ كَانَتْ مُغَيَّبَةً. وَالْمَقْصُودُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ التَّزَيُّنُ بِهَا، وَفِي الْمَسَامِيرِ الْمَقْصُودُ الِانْتِفَاعُ لَا التَّزَيُّنُ، بِخِلَافِ حِلْيَةِ السَّرْجِ وَالسَّيْفِ، فَهُوَ ظَاهِرًا يُقْصَدُ بِهِ التَّزَيُّنُ. وَلِأَنَّ الْمِسْمَارَ صَارَ تَبَعًا مَحْضًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إذَا نُزِعَ لَا يَبْقَى اسْمُ الْبَابِ، وَالْمُصَابُ بَابٌ. وَفِي الْعَادَةِ لَا يُسَمَّى هَذَا بَابًا مِنْ ذَهَبٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَسَامِيرُ ذَهَبٍ، بِخِلَافِ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ إنَّهُ مُفَضَّضٌ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْفِضَّةِ. ١٢٦١ - وَلَوْ وَجَدَ حُلِيَّ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ مُرَصَّعًا بِفُصُوصٍ، أَوْ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِيهِ فَصٌّ، فَالْفُصُوصُ كُلُّهَا غَنِيمَةٌ. لِأَنَّ اسْمَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا يَتَنَاوَلُهَا حَقِيقَةً وَالْحُلِيُّ لَهُ لِأَنَّ اسْمَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً، وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ اسْمٌ آخَرُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ خَاتَمُ فِضَّةٍ وَخَاتَمُ ذَهَبٍ، وَلَا يُنْسَبُ إلَى الْفَصِّ، وَإِنْ كَانَ الْفَصُّ مُرْتَفِعًا؟ . ١٢٦٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدْنَا صَلِيبًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فِيهِ فُصُوصٌ.

стр. 693

لِأَنَّهُ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى اسْمِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ اسْمٌ آخَرُ. أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّلِيبَ يُنْسَبُ إلَى مَا صِيغَ مِنْهُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ دُونَ مَا فِيهِ مِنْ الْفُصُوصِ. . ١٢٦٣ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ يَاقُوتًا أَوْ زُمُرُّدًا فَأَصَابَ حُلِيًّا مُفَضَّضًا فِيهِ الْيَاقُوتُ وَالزُّمُرُّدُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُنْزَعُ وَيُدْفَعُ إلَيْهِ. لِأَنَّ الِاسْمَ بَاقٍ لَهُ حَقِيقَةً، وَإِنْ رُكِّبَ فِي الْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ اسْمٌ آخَرُ يُزِيلُهُ. ١٢٦٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَ خَاتَمًا فِيهِ فَصُّ يَاقُوتٍ أَوْ زُمُرُّدٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُقْلَعُ وَيُدْفَعُ إلَيْهِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نَزْعِهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَهُمْ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ. . ١٢٦٥ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ حَدِيدًا فَهُوَ لَهُ. فَأَصَابَ سَرْجًا رِكَابَاهُ مِنْ حَدِيدٍ، نُزِعَ الرِّكَابَانِ لَهُ. لِأَنَّ الِاسْمَ فِيهِمَا بَاقٍ حَقِيقَةً. يُقَالُ: رِكَابٌ مِنْ حَدِيدٍ وَرِكَابٌ مِنْ خَشَبٍ. وَلَيْسَ فِي النَّزْعِ ضَرَرٌ. ١٢٦٦ - وَلَوْ كَانَ فِي السَّرْجِ مَسَامِيرُ حَدِيدٍ، أَوْ ضَبَّةُ حَدِيدٍ إنْ نُزِعَتْ تَفَكَّكَ السَّرْجُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ.

стр. 694

لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَهْلَكِ فِيهِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ لِمَنْفَعَةِ السَّرْجِ، لَا لِلزِّينَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَسَامِيرِ فِي الْأَبْوَابِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ سَفِينَةً مُضَبَّبَةً بِالْحَدِيدِ إنْ نُزِعَتْ تَخَلَّعَتْ السَّفِينَةُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي عَيْنٍ آخَرَ، لَا لِلزِّينَةِ بَلْ لِيُنْتَفَعَ بِهِ، بِاسْمٍ غَيْرِ الِاسْمِ الَّذِي أَوْجَبَ بِهِ النَّفَلَ، لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الِاسْمُ. وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا لِلزِّينَةِ (ص ٢٤٦) يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ. لِأَنَّ الزِّينَةَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ. ثُمَّ إنْ كَانَ يُنْزَعُ بِغَيْرِ ضَرَرٍ فَاحِشٍ نُزِعَ لِحَقِّهِ. وَإِنْ تَفَاحَشَ الضَّرَرُ فِي نَزْعِهِ بِيعَ، فَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ مَا يَتَنَاوَلُهُ النَّفَلُ، وَقِيمَةُ مَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّفَلُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ انْصَبَغَ ثَوْبُ إنْسَانٍ بِصِبْغِ غَيْرِهِ، وَأَبَى صَاحِبُ الثَّوْبِ أَنْ يَغْرَمَ قِيمَةَ الصِّبْغِ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ الثَّوْبُ، وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا عَلَى قِيمَةِ مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. . ١٢٦٧ - وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ قَزًّا. فَهُوَ لَهُ. فَأَصَابَ قَبَاءً أَوْ جُبَّةً حَشْوُهَا قَزٌّ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْحَشْوَ مُغَيَّبٌ. وَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ اتِّخَاذِهِ فِي الْقَبَاءِ، وَالْجُبَّةِ الِانْتِفَاعَ بِهِ دُونَ الزِّينَةِ. فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَهْلَكِ فِيهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمِثْلِ هَذَا الْقَبَاءِ لِلرِّجَالِ، وَإِنْ كَانَ لُبْسُ الْقَزِّ حَرَامًا لِلرِّجَالِ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْحَرْبِ. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: يَسْتَحِقُّ هَذَا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَقُولَ: إذَا أَصَابَ ثَوْبًا سُدَاهُ قَزٌّ وَلُحْمَتُهُ غَيْرُ الْقَزِّ أَلَيْسَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ السُّدَى؟ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا. . ١٢٦٨ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ ثَوْبَ قَزٍّ فَهُوَ لَهُ. فَأَصَابَ جُبَّةً

стр. 695

ظِهَارَتُهَا أَوْ بِطَانَتُهَا قَزٌّ، فَلَهُ الثَّوْبُ الَّذِي هُوَ قَزٌّ مِنْهُمَا، وَالْآخَرُ فِي الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ اسْمَ الثَّوْبِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الظِّهَارَةِ وَالْبِطَانَةِ عَلَى الِانْفِرَادِ. وَأَحَدُهُمَا غَيْرُ غَالِبٍ عَلَى صَاحِبِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ظَاهِرٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَمِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ لُبْسُ هَذَا الثَّوْبِ. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حِلْيَةِ السَّيْفِ. ثُمَّ يُبَاعُ وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ كَمَا بَيَّنَّا. لِأَنَّ الضَّرَرَ فَاحِشٌ فِي نَزْعِ الظِّهَارَةِ مِنْ الْبِطَانَةِ. . ١٢٦٩ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ جُبَّةَ حَرِيرٍ فَهِيَ لَهُ. فَأَصَابَ جُبَّةً ظِهَارَتُهَا أَوْ بِطَانَتُهَا حَرِيرٌ فَالْمُعْتَبَرُ الظِّهَارَةُ هَا هُنَا. لِأَنَّ الْجُبَّةَ مَنْسُوبَةٌ إلَى الظِّهَارَةِ عَادَةً، وَالْبِطَانَةُ فِي النِّسْبَةِ تَبَعٌ لِلظِّهَارَةِ. ثُمَّ الْإِيجَابُ لَهُ كَانَ بِاسْمِ الْجُبَّةِ. وَهَذَا الِاسْمُ لَا يَتَنَاوَلُ الظِّهَارَةَ بِدُونِ الْبِطَانَةِ. فَلِهَذَا اسْتَحَقَّ الْكُلَّ. بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَالْإِيجَابُ هُنَاكَ بِاسْمِ الثَّوْبِ، وَالظِّهَارَةُ بِدُونِ الْبِطَانَةِ تُسَمَّى ثَوْبًا. . ١٢٧٠ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ ذَهَبًا فَهُوَ لَهُ. فَأَصَابَ دِيبَاجًا مَنْسُوجًا بِالذَّهَبِ. فَإِنْ كَانَ الذَّهَبُ مُسْتَعْمَلًا فِي سُدَى الثَّوْبِ فَلَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ. بِمَنْزِلَةِ الْقَزِّ الَّذِي هُوَ سُدَى الثَّوْبِ. وَإِنْ كَانَ الذَّهَبُ فِيهِ بَيِّنًا يُرَى فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الذَّهَبَ دُونَ غَيْرِهِ وَالطَّرِيقُ فِيهِ الْبَيْعُ كَمَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ اللُّحْمَةُ دُونَ السُّدَى.

стр. 696

أَلَا تَرَى أَنَّ مَا يَكُونُ سُدَاهُ قَزًّا وَإِبْرَيْسَمًا يَحِلُّ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ كَالْعَتَّابِيِّ، وَمَا يَكُونُ لُحْمَتُهُ إبْرَيْسَمًا لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ. يُوَضِّحُهُ إنَّهُ بِاللُّحْمَةِ يَصِيرُ ثَوْبًا. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى اللُّحْمَةِ دُونَ السُّدَى. . ١٢٧١ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ حَرِيرًا فَأَصَابَ جُبَّةً لَبِنَتُهَا مِنْ حَرِيرٍ، أَوْ ثَوْبًا عَمِلَهُ مِنْ حَرِيرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ. لِأَنَّ هَذَا تَبَعٌ مَحْضٌ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِلُبْسِ هَذَا الثَّوْبِ لِلرِّجَالِ؟ ١٢٧٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ ذَهَبًا فَأَصَابَ يَاقُوتًا فِيهِ مِسْمَارُ ذَهَبٍ، أَوْ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي فَصِّهَا مِسْمَارُ ذَهَبٍ. لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ مُضَبَّبٌ وَتَبَعٌ مَحْضٌ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ أَسِيرًا مُضَبَّبَ الْأَسْنَانِ بِالذَّهَبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ الذَّهَبُ. وَلَوْ أَصَابَ أَسِيرًا قَدْ اتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ كَانَ لَهُ الذَّهَبُ. لِأَنَّ الْأَنْفَ بَائِنٌ مِنْ جَسَدِهِ فَإِنَّهُ يَرْبِطُهُ وَيَنْزِعُهُ مَتَى شَاءَ فَلَمْ يَكُنْ تَبَعًا مَحْضًا. بِخِلَافِ الْأَسْنَانِ، وَهَذَا كُلُّهُ اسْتِحْسَانٌ. وَفِي الْقِيَاسِ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِبَقَاءِ الِاسْمِ حَقِيقَةً. .

стр. 697

وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ ثَوْبَ خَزٍّ فَهُوَ لَهُ فَأَصَابَ جُبَّةَ خَزٍّ بِطَانَتُهَا سَمُّورٌ أَوْ فَنَكُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الظِّهَارَةُ. لِأَنَّهُ أَوْجَبَ بِاسْمِ الثَّوْبِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي هَذَا أَنَّ (ص ٢٤٧) الْبِطَانَةَ لَا تَكُونُ تَبَعًا لِلظِّهَارَةِ فِي الْقَزِّ. فَكَذَلِكَ فِي الْخَزِّ. وَلَوْ كَانَ التَّنْفِيلُ بِاسْمِ الْجُبَّةِ كَانَ الْجَوَابُ كَذَلِكَ هَهُنَا. لِأَنَّ السَّمُّورَ وَالْفَنَكَ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْخَزِّ فِي النِّسْبَةِ بِحَالٍ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِهَذِهِ الْجُبَّةِ إنَّهَا جُبَّةُ سَمُّورٍ أَوْ فَنَكٍ، فَبِإِيجَابِ الْخَزِّ لَهُ لَا يَسْتَحِقُّ مَا لَا يَتْبَعُهُ فِي النِّسْبَةِ بِحَالٍ. ١٢٧٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ ثَوْبَ فَنَكٍ. فَلَهُ الْفَنَكُ دُونَ الظِّهَارَةِ. لِأَنَّ اسْمَ الثَّوْبِ وَالْجُبَّةِ يَتَنَاوَلُ الْفَنَكَ بِدُونِ الظِّهَارَةِ، وَالظِّهَارَةُ لَا تَتْبَعُ الْبِطَانَةَ فِي النِّسْبَةِ. ١٢٧٥ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ الْبِزْيَوْنِ. فَأَصَابَ جُبَّةً الْبَدَنُ مِنْهَا بُزْيُونٌ، وَالْكُمَّانِ وَالدَّخَارِيصُ دِيبَاجٌ فَلَهُ الْبَدَنُ خَاصَّةً لِأَنَّ بَعْضَ هَذَا لَيْسَ يَتْبَعُ لِلْبَعْضِ فَلَوْ كَانَتْ كُلُّهَا بُزْيُونًا إلَّا اللَّبِنَةَ فَهِيَ لِلْمُصِيبِ كُلُّهَا

стр. 698

لِأَنَّ اللَّبِنَةَ تَبَعٌ مَحْضٌ ١٢٧٦ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ جُبَّةَ بُزْيُونٍ، فَأَصَابَ جُبَّةً بَدَنُهَا بُزْيُونٌ وَمَا سِوَى الْبَدَنِ دِيبَاجٌ، أَوْ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ لِأَنَّ مَا أَصَابَ لَيْسَ بِجُبَّةِ بُزْيُونٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا نُزِعَ مِنْهَا الدِّيبَاجُ لَا يُسَمَّى مَا بَقِيَ جُبَّةً، وَإِنَّمَا جَعَلَ الشَّرْطَ إصَابَةَ جُبَّةٍ بُزْيُونٍ. ١٢٧٧ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ فِضَّةً أَوْ ذَهَبًا. فَأَصَابَ قَصْعَةً مُضَبَّبَةً بِهِمَا. فَإِنْ كَانَ جَعَلَ ذَلِكَ لِلزِّينَةِ فَلَهُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ. وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أَنَّهَا لَوْ نُزِعَتْ تَبْقَى قَصْعَةً. وَإِنْ كَانَتْ الضَّبَّةُ جُعِلَتْ لِكَسْرِ الْقَصْعَةِ بِحَيْثُ لَوْ نُزِعَتْ لَمْ تَكُنْ قَصْعَةً، أَوْ سَقَطَ مِنْهَا كَسْرَةٌ، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَسَامِيرِ. لِأَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِيهَا لِلْمَنْفَعَةِ لَا لِلزِّينَةِ. فَكَانَتْ تَبَعًا مَحْضًا. ١٢٧٨ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ شَعْرًا فَهُوَ لَهُ، فَأَصَابَ جُلُودَ مَعْزٍ عَلَيْهَا الشَّعْرُ، أَوْ أَنْمَاطَ شَعْرٍ، أَوْ سِتْرَ شَعْرٍ، أَوْ مُسُوحًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.

стр. 699

لِأَنَّ اسْمَ الشَّعْرِ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْمَخْلُوقِ مِنْ الْجِلْدِ عَادَةً. وَلَا يَتَنَاوَلُ الثَّوْبَ الْمُتَّخَذَ مِنْ الشَّعْرِ، بِمَنْزِلَةِ اسْمِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الثَّوْبَ الْمُتَّخَذَ مِنْهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا مُجَانَسَةَ بَيْنَ مِثْلِ هَذَا الثَّوْبِ وَبَيْنَ الْأَصْلِ الَّذِي اتَّخَذَ مِنْهُ؟ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ بِالصَّنْعَةِ صَارَ شَيْئًا آخَرَ. ١٢٧٩ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ خَزًّا. فَأَصَابَ جُلُودَ خَزٍّ، أَوْ خَزًّا قَدْ حَلَقَ مِنْ الْجُلُود، فَلَهُ الْخَزُّ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. لِأَنَّ اسْم الْخَزِّ يَتَنَاوَلهُمَا حَقِيقَةً. فَإِنْ قِيلَ: بَعْد الْحَلْقِ أَيُنْسَبُ الْجِلْدُ إلَى الْخَزِّ؟ فَيُقَال: هُوَ خَزٌّ، بِخِلَافِ جُلُودِ الْمَعْزِ وَالضَّأْنِ. فَإِنَّهَا لَا تُنْسَب إلَى مَا عَلَيْهَا مِنْ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ. لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ جِلْدُ الصُّوفِ. ١٢٨٠ - وَلَوْ أَصَابَ ثَوْبَ خَزٍّ فَهُوَ لَهُ. لِأَنَّ الثَّوْبَ مَنْسُوبٌ إلَى الْخَزِّ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مِنْ أَصَابَ صُوفًا أَوْ بُزْيُونًا، فَأَصَابَ ثَوْبَ بُزْيُونٍ أَوْ ثَوْبَ صُوفٍ لِأَنَّ بَعْدَ النَّسْجِ لَا يُسَمَّى صُوفًا وَلَا بُزْيُونًا مُطْلَقًا، بَلْ مُقَيَّدًا بِالثَّوْبِ. بِمَنْزِلَةِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَلَوْ أَصَابَ خَزًّا مَغْزُولًا كَانَ لَهُ. لِأَنَّ بَعْدَ الْغَزْلِ يُسَمَّى خَزًّا مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ. فَصَارَ الْحَاصِلُ فِي الْخَزِّ أَنَّ الِاسْمَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ عَلَى أَيْ وَجْهٍ كَانَ ١٢٨١ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ جُبَّةَ خَزٍّ أَوْ جُبَّةً مَرْوِيَّةً

стр. 700

فَهِيَ لَهُ، فَأَصَابَ جُبَّةً بِطَانَتُهَا وَظِهَارَتُهَا فَنَكُ أَوْ سَمُّورٌ، فَهِيَ غَنِيمَةٌ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ ظِهَارَتُهَا مَرْوِيَّةٌ وَبِطَانَتُهَا مِنْ فَنَكٍ أَوْ سَمُّورٍ. لِأَنَّ هَذِهِ تُنْسَبُ عَادَةً إلَى الْفَنَكِ وَالسَّمُّورِ دُونَ الْخَزِّ وَالْمَرْوِيِّ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ الِاسْمَ يَنْطَلِقُ عَلَى الْفَنَكِ وَالسَّمُّورِ مَقْصُودًا بِدُونِ الظِّهَارَةِ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى جُبَّةً، وَلَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْخَزِّ وَالْمَرْوِيِّ الَّذِي هُوَ ظِهَارَةٌ بِدُونِ الْبِطَانَةِ. فَإِنَّمَا الْأَصْلُ فِي النِّسْبَةِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ وَحْدَهُ دُونَ مَا لَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ وَحْدَهُ. ١٢٨٢ - وَإِنْ أَصَابَ جُبَّةَ خَزٍّ بِطَانَتُهَا (ص ٢٤٨) مَرْوِيَّةٌ أَوْ قُوهِيَّةٌ، كَانَتْ لَهُ الظِّهَارَةُ دُونَ الْبِطَانَةِ. مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذِهِ الْجُبَّةَ لَا تُنْتَسَبُ إلَى الْبِطَانَةِ، إذْ الْبِطَانَةُ بِانْفِرَادِهَا لَا تُسَمَّى جُبَّةً. وَقَدْ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْجُبَّةِ عَلَى الظِّهَارَةِ مِنْ الْخَزِّ بِغَيْرِ الْبِطَانَةِ. فَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ الظِّهَارَةَ دُونَ الْبِطَانَةِ. وَقَدْ ذُكِرَ قَبْلَ هَذَا فِي الْحَرِيرِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الظِّهَارَةَ وَالْبِطَانَةَ جَمِيعًا. فَقِيلَ: فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، لِأَنَّ الظِّهَارَةَ مِنْ الْحَرِيرِ بِدُونِ الْبِطَانَةِ لَا تُسَمَّى جُبَّةً حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، وَمِنْ الْخَزِّ تُسَمَّى جُبَّةً، وَإِنْ كَانَ مَجَازًا. فَإِذَا كَانَتْ الْبِطَانَةُ مِنْ سَمُّورٍ أَوْ فَنَكٍ يُسْتَعْمَلُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْمَجَازِ. وَإِذَا كَانَ مَرْوِيًّا فَقَدْ تَعَذَّرَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً فَيُسْتَعْمَلُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَيُجْعَلُ لَهُ الظِّهَارَةُ خَاصَّةً. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ جُبَّةَ خَزٍّ أَوْ سَمُّورٍ أَوْ فَنَكٍ، فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ظِهَارَتُهُ وَشْيٌ أَوْ حَرِيرٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الظِّهَارَةُ وَكَانَ لَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ؟ لِأَنَّ اسْمَ الْجُبَّةِ يَتَنَاوَلُ مَا سِوَى الظِّهَارَةِ، إمَّا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، وَالظِّهَارَةُ لَا تَكُونُ تَبَعًا لِلْبِطَانَةِ بِحَالٍ.

стр. 701

وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ جُبَّةً مَرْوِيَّةً، فَأَصَابَ جُبَّةً ظِهَارَتُهَا مَرْوِيَّةٌ وَبِطَانَتُهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَلَهُ الْكُلُّ. وَهَذَا وَالْحَرِيرُ سَوَاءٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ الظِّهَارَةَ بِدُونِ الْبِطَانَةِ هَا هُنَا تُسَمَّى قَمِيصًا دُونَ الْجُبَّةِ؟ وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا. لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ قَلَنْسُوَةً ظِهَارَتُهَا عَلَى مَا قَالَ وَبِطَانَتُهَا وَحَشْوُهَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الْكُلُّ. لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ قَلَنْسُوَةً بِدُونِ الْبِطَانَةِ وَالْحَشْوِ. ١٢٨٤ - وَلَوْ صَمَدَ الْجُبَّةَ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ هَذِهِ الْجُبَّةَ الْخَزَّ فَهِيَ لَهُ. فَأَصَابَهَا إنْسَانٌ، فَإِذَا هِيَ مُبَطَّنَةٌ بِفَنَكٍ أَوْ سَمُّورٍ فَالْكُلُّ لِلْمُصِيبِ هَهُنَا. لِأَنَّهُ بَنَى الِاسْتِحْقَاقَ هُنَا عَلَى الْيَقِينِ بِالْإِشَارَةِ دُونَ الِاسْمِ وَالنِّسْبَةِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتَّعْرِيفِ. إلَّا عِنْدَ التَّعْرِيفِ بِالْإِشَارَةِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ النِّسْبَةِ، لِأَنَّ الْإِشَارَةَ أَبْلَغُ بِخِلَافِ جَمِيعِ مَا سَبَقَ. وَاسْتَوْضَحَ هَذَا بِالْوَصِيَّةِ بِجُبَّةِ الْخَزِّ، وَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي النَّفْلِ. ١٢٨٥ - وَلَوْ قَالَ مَنْ أَصَابَ جُبَّةً مَرْوِيَّةً فَهَذَا عَلَى الظِّهَارَةِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ النِّسْبَةَ إلَى الظِّهَارَةِ، وَهِيَ لَا تُسَمَّى جُبَّةً بِدُونِ الْبِطَانَةِ، وَالْحَشْوُ يَتْبَعُ لَهُمَا، فَيَسْتَحِقُّ الْكُلَّ ١٢٨٦ - وَلَوْ. قَالَ مَنْ أَصَابَ جُبَّةَ خَزٍّ، فَأَصَابَ جُبَّةَ خَزٍّ بِطَانَتُهَا غَيْرُ الْخَزِّ، وَهِيَ مَحْشُوَّةٌ بِقَزٍّ أَوْ قُطْنٍ، فَلَهُ الظِّهَارَةُ خَاصَّةً.

стр. 702

لِأَنَّ الظِّهَارَةَ مِنْ الْخَزِّ تُسَمَّى جُبَّةً بِانْفِرَادِهَا مَجَازًا. فَلَا يَسْتَحِقُّ الْبِطَانَةَ بِهَذَا الِاسْمِ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْبِطَانَةَ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْحَشْوَ. ١٢٨٧ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ قَبَاءً مَرْوِيًّا، فَأَصَابَ قَبَاءً بِطَانَتُهُ غَيْرُ مَرْوِيٍّ، وَحَشْوُهُ كَذَلِكَ، فَلَهُ الظِّهَارَةُ خَاصَّةً. لِأَنَّ الظِّهَارَةَ وَحْدَهَا تُسَمَّى قَبَاءً. يُقَالُ: قَبَاءٌ طَاقٌ، وَقَبَاءٌ طَاقَيْنِ، بِخِلَافِ الْجُبَّةِ، فَالظِّهَارَةُ وَحْدَهَا هُنَاكَ تُسَمَّى قَمِيصًا لَا جُبَّةً. وَلَوْ كَانَتْ الظِّهَارَةُ وَالْبِطَانَةُ مَرْوِيَّتَيْنِ وَالْحَشْوُ مِنْ غَيْرِهِ اسْتَحَقَّ الْكُلَّ. لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ الظِّهَارَةَ وَالْبِطَانَةَ اسْتَحَقَّ الْحَشْوَ تَبَعًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ قَبَاءً، اسْتَحَقَّ الْحَشْوَ تَبَعًا لِلظِّهَارَةِ وَالْبِطَانَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَشْوُ قَبَاءً. فَكَذَلِكَ عِنْدَ التَّقْيِيدِ يَسْتَحِقُّ الْحَشْوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْوِيًّا. وَالسَّرَاوِيلُ بِمَنْزِلَةِ الْقَبَاءِ فِي جَمِيعِ مَا قُلْنَا، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى سَرَاوِيلَ مُبَطَّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُبَطَّنٍ.

стр. 703

[بَابُ النَّفْلِ مِنْ أَسْلَابِ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ] ِ يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ بِأَمَانٍ أَوْ بِغَيْرِ أَمَانٍ (ص ٢٤٩) - قَالَ: أَمَانُ الْخَوَارِجِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ جَائِزٌ كَأَمَانِ أَهْلِ الْعَدْلِ، لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ فِئَةٍ مُمْتَنِعَةٍ وَبَيَانُ هَذَا الْوَصْفِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] وَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: إخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا. ثُمَّ أَمَانُ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَأَمَانِ جَمَاعَتِهِمْ. لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَا يَقِفُونَ عَلَى السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْقِتَالِ بَيْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ، حَتَّى يُمَيِّزُوا أَهْلَ الْعَدْلِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فَيَسْتَأْمِنُوا مِنْهُمْ. فَإِذَا اسْتَأْمَنُوا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فَقَدْ سَالَمُونَا عَلَى أَنْ يَتَّجِرُوا فِينَا وَذَلِكَ أَمَانٌ نَافِذٌ فَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ. إنْ كَانُوا فِي مَنَعَةٍ، أَوْ يُبْلِغُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ إنْ كَانُوا فِي غَيْرِ مَنَعَةٍ. ١٢٨٩ - وَلَوْ اسْتَعَانَ الْخَوَارِجُ بِأَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْعَدْلِ، سَبَوْا أَهْلَ الْحَرْبِ، وَلَا يَكُونُ اسْتِعَانَةُ الْخَوَارِجِ بِهِمْ أَمَانًا لَهُمْ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ أَمَانًا لَهُمْ. وَلَكِنَّهُمْ حِينَ قَاتَلُوا أَهْلَ الْعَدْلِ

стр. 704

صَارُوا نَاقِضِينَ لِذَلِكَ الْأَمَانِ. وَهَذَا غَلَطٌ. فَإِنَّهُمْ لَوْ أَمَّنُوهُمْ ثُمَّ قَاتَلُوا مَعَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْأَمَانِ إذَا كَانُوا تَحْتَ رَايَةِ الْخَوَارِجِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذَا وَلَكِنَّ. الْوَجْهَ فِيهِ أَنَّهُمْ مَا خَرَجُوا مُسَالِمِينَ لِلْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا خَرَجُوا مُقَاتِلِينَ. أَمَّا فِي حَقِّ أَهْلِ الْعَدْلِ فَغَيْرُ مُشْكِلٍ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْخَوَارِجِ فَلِأَنَّهُمْ انْضَمُّوا إلَيْهِمْ لِيُعِينُوهُمْ لَا لِيَكُونُوا فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَيْشَ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُعِينُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فِي أَمَانٍ مِنْ بَعْضٍ. ١٢٩٠ - فَإِذَا ظَفِرْنَا بِهِمْ كَانُوا فَيْئًا، سَوَاءٌ قَاتَلُونَا مَعَ الْخَوَارِجِ أَوْ لَمْ يُقَاتِلُونَا. وَلَكِنْ إنْ أَرَادَ الْخَوَارِجُ قَتْلَهُمْ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ ضَمِنُوا لَهُمْ تَرْكَ التَّعَرُّضِ حِينَ دَعَوْهُمْ إلَى أَنْ يَخْرُجُوا مُقَاتِلِينَ مَعَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ، إذْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِهَذَا. وَمَنْ ضَمِنَ لِغَيْرِهِ شَيْئًا فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ. ١٢٩١ - فَإِنْ سَبَوْهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ لَمْ يَحِلَّ لَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهَا جُعِلَتْ لَهُمْ بِسَبَبٍ حَرَامٍ شَرْعًا. وَلَوْ اشْتَرَاهَا مُشْتَرٍ جَازَ شِرَاؤُهُ.

стр. 705

لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ لِعِصْمَةِ الْمَحَلِّ بَلْ لِمَعْنَى الْغَدْرِ. فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ ثُبُوتَ الْمِلْكِ وَصِحَّةَ الشِّرَاءِ مِنْ الْمُتَمَلَّكِ. ١٢٩٢ - وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مُسْلِمٍ يَدْخُلُ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ كَأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُعْطِيًا لَهُمْ أَمَانًا بِهَذَا، وَلَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَسْبِيَ بَعْضَهُمْ وَيَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْغَدْرِ. فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أُمِرَ بِرَدِّهِ وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَالَ جَازَ الشِّرَاءُ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ. ١٢٩٣ - فَإِنْ قَاتَلُوا فَقَالَ أَمِيرُ أَهْلِ الْعَدْلِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلًا مِنْ الْخَوَارِجِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ. لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَأَمْوَالُهُمْ مُحْرَزَةٌ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا تَكُونُ غَنِيمَةً. ١٢٩٤ - وَإِنْ قَتَلَ حَرْبِيًّا فَلَهُ سَلَبُهُ. لِأَنَّ مَالَهُ مُبَاحُ الِاغْتِنَامِ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ مِنْ جِهَةِ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ١٢٩٥ - فَإِنْ أَخَذَ أَهْلُ الْحَرْبِ رَقِيقًا وَأَمْوَالًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَأَحْرَزُوهَا بِمَنَعَةِ الْخَوَارِجِ ثُمَّ أَسْلَمُوا فَعَلَيْهِمْ رَدُّ جَمِيعِ مَا أَخَذُوا. لِأَنَّهُمْ لَمْ يُحْرِزُوهَا بِدَارِهِمْ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُونَ أَمْوَالَنَا بِالْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ.
следующие страницы →