Полный текст (2 212 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
- وَلَوْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: نُعْطِيكُمْ مِائَةً مِنْ الرُّءُوسِ، أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونَا وَتَرْجِعُوا عَنَّا عَامَكُمْ هَذَا. ثُمَّ أَعْطَوْا بَعْضَ الْمَالِ، فَلِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ. .
لِأَنَّ الْأَمَانَ تَعَلَّقَ بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْمَالِ، فَلَا يَثْبُتُ بِأَدَاءِ بَعْضِ الْمَالِ. .
وَلَكِنْ إنْ أَرَادُوا قِتَالَهُمْ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْهِمْ مَا أَخَذُوا، ثُمَّ يُنَابَذُوهُمْ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ. فَإِنَّهُمْ إنَّمَا أَعْطَوْا مَا لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الدَّفْعِ عَنْ نُفُوسِهِمْ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ الدَّلَالَة عَلَى عَشْرَةٍ مِنْ الْبَطَارِقَةِ. فَإِنَّهُ هُنَاكَ إنْ دَلُّوا عَلَى بَعْضِهِمْ فَلَنَا أَنْ نُقَاتِلَهُمْ مِنْ غَيْرِ رَدِّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ. .
لِأَنَّا مَا تَمَلَّكْنَا عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ بِمُقَابِلَةِ مَا وَعَدْنَا لَهُمْ مِنْ الْأَمَانِ. وَلَوْ قَاتَلْنَاهُمْ مِنْ غَيْرِ رَدِّ شَيْءٍ لَا يُؤَدِّي إلَى الْإِضْرَارِ بِهِمْ بِطَرِيقِ إهْدَارِ مُلْكِهِمْ. وَهَا هُنَا تَمَلَّكْنَا الْمَالَ بِمُقَابِلَةِ مَا شَرْطنَا لَهُمْ، فَيَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مَنْفَعَةُ الْأَمَانِ بِهِ.
- وَإِنْ أَبَى الْإِمَامُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ (ص ٢٦٠) فَلْيَرْجِعْ عَنْهُمْ وَلَا يُقَاتِلْهُمْ، إظْهَارًا لِلْمُسَامَحَةِ وَإِتْمَامًا لِلْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ. وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُ السَّبْيِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ ثُمَّ أَرَدْنَا قِتَالَهُمْ فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّ مَا بَقِيَ مِنْ السَّبْيِ وَقِيمَةِ مَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ.
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرَّدِّ دَفْعُ الضَّرَرِ وَالْخَسْرَانِ عَنْهُمْ، وَالتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ.
وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِرَدِّ الْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ، كَمَا يَحْصُلُ بِرَدِّ الْعَيْنِ. .
стр. 737
- وَلَوْ صَالَحُوهُمْ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ سَنَتَهُمْ هَذِهِ وَيَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ، ثُمَّ رَأَوْا أَنَّ النَّظَرَ لَهُمْ فِي قِتَالِهِمْ فَلْيَرُدُّوا الْمَالَ ثُمَّ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ وَهُمْ فِي مَنَعَتِهِمْ. .
لِأَنَّهُ مَعَ بَقَائِهِمْ حَرْبًا لَنَا لَا يَحْرُمُ قِتَالُهُمْ لِإِعْزَازِ الدَّيْنِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْغَدْرُ. وَبِالنَّبْذِ إلَيْهِمْ، وَهُمْ فِي مَنَعَتِهِمْ، يَنْتَفِي مَعْنَى الْغَدْرِ، وَلَكِنَّ الْمَالَ مَأْخُوذٌ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْجُعَلِ. فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ لَهُمْ الْمَشْرُوطُ وَجَبَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ. بِمَنْزِلَةِ الْعِوَضِ يَجِبُ رَدُّهُ إذَا لَمْ يَسْلَمْ الْمُعَوَّضُ.
-. فَإِنْ كَانَ أَسْلَمَ السَّبْيُ فَلْيَرُدَّ عَلَيْهِمْ قِيمَتَهُمْ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهِمْ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا. .
لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْحَرْبِيِّ لَا يَحِلُّ، فَصَارَ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُمْ بِالْهَلَاكِ.
- وَلَوْ كَانُوا لَمْ يَقْبِضُوا مِنْهُمْ الْمَالَ حَتَّى بَدَا لَهُمْ أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. .
لِأَنَّهُمْ يَخْتَارُونَ مَا فِيهِ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْحَالُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّظَرِ يَتَبَدَّلُ سَاعَةً فَسَاعَةً. فَكَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّظَرُ فِي الِابْتِدَاءِ فِي الْقِتَالِ لَمْ يَمِيلُوا إلَى الصُّلْحِ فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ النَّظَرُ فِي الْقِتَالِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَنْقُضُوا الصُّلْحَ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَادَعَهُمْ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِهِمْ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ لِأَنَّهُ رَأَى بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةً فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ. .
- وَلَوْ وَادَعَهُمْ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ مِائَةً مِنْ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ
стр. 738
لِيَرْجِعُوا عَنْهُمْ عَامَهُمْ هَذَا فَأَعْطَوْهُمْ تِسْعِينَ، فَلَا بَأْسَ بِالنَّبْذِ إلَيْهِمْ وَقِتَالِهِمْ، لِانْعِدَامِ تَمَامِ الشَّرْطِ الَّذِي عُلِّقَ الْأَمَانُ بِهِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ الْمَأْخُوذِ. .
لِأَنَّ الْأَحْرَارَ مِنْ الْأُسَرَاءِ مَا كَانُوا فِي مُلْكِهِمْ قَطُّ، وَلَا تَمَلَّكْنَاهُمْ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الْجُعَلِ، فَلَا يَكُونُ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ الرَّدِّ مَعْنَى الْإِضْرَارِ بِهِمْ، وَإِنَّمَا فِيهِ كَفٌّ عَنْ الظُّلْمِ.
-. وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَوْا ذَلِكَ مِنْ مُدْبِرِينَ، أَوْ مُكَاتِبِينَ، أَوْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ كَانُوا لِلْمُسْلِمِينَ أَسْرَى فِي أَيْدِيهِمْ.
لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَمَلَّكُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الْعِتْقِ فِي الْمَحَلِّ، كَثُبُوتِ حَقِيقَةِ الْعِتْقِ فِي إخْرَاجِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ. وَلَكِنَّا نَرُدُّهُمْ عَلَى مَوَالِيهِمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
- وَإِنْ أَعْطَوْا ذَلِكَ مِنْ عَبِيدِ مُسْلِمِينَ كَانُوا أَسْرَى فِي أَيْدِيهِمْ رُدَّ عَلَيْهِمْ قِيمَتُهُمْ. .
لِأَنَّهُمْ كَانُوا تَمَلَّكُوا الْعَبِيدَ بِالْإِحْرَازِ، ثُمَّ تَمَلَّكْنَا عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الْجُعَلِ. فَيَجِبُ رَدُّهُمْ إذَا لَمْ يَسْلَمْ لَهُمْ الْمَشْرُوطُ. وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ رَدُّ عَيْنِهِمْ لِإِسْلَامِهِمْ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِمْ.
- وَإِنْ رَدُّوا الْمِائَةَ كَمَا شَرَطُوا مِمَّنْ لَا يَمْلِكُونَهُمْ مِنْ الْأُسَرَاءِ فَلِلْأَمَامِ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ بَعْدَ النَّبْذِ إلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ رَدِّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّا لَمْ نَتَمَلَّكْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا كَانُوا يَمْلِكُونَهُ.
стр. 739
وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ أَنْ يَفِيَ لَهُمْ. .
كَمَا وُفُّوا لَهُ بِالْمَشْرُوطِ، لِيَطْمَئِنُّوا إلَيْهِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ. فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَرْكَنُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبِلِ، بِنَاءً عَلَى مَا عِنْدَهُمْ أَنَّ هَذَا غَدْرٌ فِي تَخْلِيصِ الْأَسَارَى مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَدْرًا فِي الْحَقِيقَةِ.
- وَإِنْ انْصَرَفَ عَنْهُمْ بَعْدَ مَا أَخَذَ الْمَشْرُوطَ مِنْهُمْ، فَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا خَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مُدَبَّرِينَ رَدَّهُمْ عَلَى الْمَوَالِي بِغَيْرِ قِيمَةٍ، وَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا فَإِنْ وَجَدَهُمْ الْمَوَالِيَ قَبْلَ (ص ٢٦١) الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ أَخَذُوهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدُوهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ الْبَيْعِ أَخَذُوهُمْ بِالْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنِ إنْ أَحَبُّوا. .
لِأَنَّ التَّمْلِيكَ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الْجُعَلِ بِمَنْزِلَةِ التَّمَلُّكِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَأْخُوذَ فَيْءٌ يَجِبُ قِسْمَتُهُ بَيْنَهُمْ فِي الْوَجْهَيْنِ. .
- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِلْأُسَرَاءِ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ الْمُقَاتِلَة فَهُوَ حُرٌّ. فَدَلَّهُمْ أَسِيرٌ عَلَى عَشَرَةٍ مُمْتَنِعِينَ فِي قَلْعَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ حُرًّا. .
لِأَنَّا عِلْمنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَقْصُودَ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَقْصُودُهُ دَلَالَةً فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَمْ يَحْصُلْ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا يُعْتَبَرُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَشْرَةٌ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَالْمُقَاتِلُ مَنْ يَكُونُ مُمْتَنِعًا.
قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنَّ مَقْصُودَهُ دَلَالَةٌ يَسْتَفِيدُ بِهَا عِلْمًا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا لَهُ
стр. 740
قَبْلَ الدَّلَالَةِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ، فَكَمْ مِنْ عَشَرَةٍ مُقَاتِلَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ يَعْلَمُهُمْ الْأَمِيرُ وَالْمُسْلِمُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَعَرَفْنَا بِهَذَا أَنَّ مُرَادَهُ الدَّلَالَةُ عَلَى عَشَرَةٍ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ أَخْذِهِمْ.
- فَإِنْ دَلَّهُمْ عَلَى عَشَرَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعِينَ إلَّا أَنَّهُمْ دَرَوْا بِهِمْ فَهَرَبُوا، فَإِنْ كَانُوا هَرَبُوا قَبْلَ وُصُولِ الْمُسْلِمِينَ إلَى مَوْضِعٍ يَقْدِرُونَ عَلَى أَخْذِهِمْ فَلَيْسَتْ هَذِهِ أَيْضًا بِدَلَالَةِ. .
لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَخْذِ لَمْ يَحْصُلْ بِهَا.
- وَإِنْ كَانُوا قَدْ قَدَرُوا عَلَى أَخْذِهِمْ فَفَرَّطُوا فِي ذَلِكَ حَتَّى هَرَبُوا فَالْأَسِيرُ حُرٌّ. .
لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلَالَةِ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ أَخْذِ الْعَشَرَةِ فَالتَّفْرِيطُ الَّذِي يَكُونُ مِنَّا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ.
- وَإِنْ دَلَّ عَلَى الْعَشَرَةِ فِي مَوْضِعٍ فَقَاتَلُوا حَتَّى نَجَوَا فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِدَلَالَةٍ. .
لِأَنَّهُ إنَّمَا دَلَّ عَلَى قَوْمٍ مُمْتَنِعِينَ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُمْ بِقُوَّةِ أَنْفُسِهِمْ أَوْ بِحِصْنٍ كَانُوا فِيهِ. .
إلَّا أَنْ يَكُونُوا إنَّمَا نَجَوْا لِتَفْرِيطٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَخْذِهِمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِلدَّالِ مَا شُرِطَ لَهُ. .
стр. 741
- وَإِنْ قَاتَلَ الْعَشَرَةُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ ثُمَّ ظَفَرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ فَالْأَسِيرُ حُرٌّ. .
لِأَنَّهُمْ إنَّمَا تَمَكَّنُوا مِنْ أَخْذِهِمْ وَأَسْرِهِمْ بِدَلَالَتِهِ.
- وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَسْرِهِمْ وَلَكِنْ قَاتَلُوهُمْ حَتَّى قُتِلُوا فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِدَلَالَةِ. لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَسْرِ لَمْ يَحْصُلْ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ.
وَهَذَا لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْعَشَرَةِ كَانُوا يَجِدُونَهُمْ قَبْلَ دَلَالَتِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالدَّلَالَةِ غَيْرُ هَذَا.
- وَلَوْ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ وَاحِدًا وَظَفَرُوا بِالْبَقِيَّةِ، فَإِنْ كَانُوا قَتَلُوا ذَلِكَ الْوَاحِدَ وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ لَمْ يَكُنْ الْأَسِيرُ حُرًّا. .
لِأَنَّ التَّمَكُّنَ إنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ قَتْلِهِ، وَالْبَاقُونَ بَعْدَ قَتْلِهِ تِسْعَةٌ. فَكَأَنَّهُ دَلَّهُمْ ابْتِدَاءً عَلَى تِسْعَةِ نَفَرٍ. .
وَإِنْ كَانُوا قَتَلُوهُ بَعْدَ مَا ظَفَرُوا بِالْعَشَرَةِ فَهُوَ حُرٌّ. .
لِأَنَّهُمْ تَمَكَّنُوا بِدَلَالَتِهِ مِنْ أَخْذِ الْعَشَرَةِ.
- وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا قَتَلُوا بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ ظَفَرُوا بِهِمْ أَحْيَاءً. .
لِأَنَّهُمْ تَمَكَّنُوا مِنْ أَسْرِ الْعَشَرَةِ بِدَلَالَتِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ جَهْدٍ وَقِتَالٍ.
стр. 742
١٣٨٢ - فَإِنْ انْتَهَى إلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَا سِلَاحَ عَلَيْهِمْ، فَفَرَّطُوا فِي أَخْذِهِمْ حَتَّى تَسَلَّحُوا أَوْ امْتَنَعُوا فَالْأَسِيرُ حُرٌّ. .
لِأَنَّهُ مَكَّنَهُمْ بِالدَّلَالَةِ مِنْ أَخْذِ الْعَشَرَةِ، وَإِنَّمَا جَاءَ التَّقْصِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
- وَلَوْ كَانَ الْأَسِير قَالَ: أَدُلّكُمْ عَلَى عَشَرَةٍ عَلَى أَنِّي إنْ دَلَلْتُكُمْ عَلَيْهِمْ فَامْتَنَعُوا أَوْ لَمْ يَمْتَنِعُوا فَأَنَا حُرٌّ. فَرَضِيَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَهُوَ حُرٌّ، إذَا دَلَّ عَلَيْهِمْ وَإِنْ امْتَنَعُوا لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا الْتَزَمَهُ بِالشَّرْطِ نَصًّا. وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ دَلَالَةُ الْحَالِ وَالْمَقْصُودُ بِالْكَلَامِ إذَا لَمْ يُوجَدْ التَّنْصِيصُ بِخِلَافِهِ. .
- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِلْأُسَرَاءِ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى حِصْنِ كَذَا أَوْ عَلَى عَسْكَرِ فُلَانٍ الْبِطْرِيقِ، أَوْ عَلَى عَسْكَرِ الْمِلْكِ فَهُوَ حُرٌّ. فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ ثُمَّ لَمْ يَظْفَرُوا بِهِمْ فَالْأَسِيرُ حُرٌّ (ص ٢٦٢) .
لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلَالَةِ. وَالْمَشْرُوطُ عَلَيْهِ الدَّلَالَةُ عَلَى قَوْمٍ مُمْتَنِعِينَ هُنَا وَقَدْ أَتَى بِهِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ. وَالْغَالِبُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَاكَ الدَّلَالَةُ عَلَى عَشَرَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعِينَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ السَّبْيِ مِنْ نِسَاءٍ أَوْ صِبْيَانٍ فَهُوَ حُرٌّ، فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ عَلَى ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ جُنْدٍ يَمْنَعُونَهُمْ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ؟ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُرَادَ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَنَعَةٍ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ مُطْلَقُ الْكَلَامِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ. .
- وَلَوْ تَحَيَّرَ الْأَمِيرُ فِي رُجُوعِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: مَنْ دَلَّنَا مِنْكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَلَهُ رَأْسٌ، أَوْ قَالَ: فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ
стр. 743
فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ بِوَصْفٍ ذَكَرَهُ، فَمَضَوْا عَلَى دَلَالَتِهِ حَتَّى أَصَابُوا الطَّرِيقَ وَلَمْ يَذْهَبْ هُوَ مَعَهُمْ، فَلَا شَيْءَ لَهُ. .
لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْأُجْرَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّنْفِيلِ. إذْ التَّنْفِيلُ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ لَا يَجُوزُ. وَإِرْشَادُ الْمُتَحَيِّرِ إلَى الطَّرِيقِ لَيْسَ مِنْ الْجِهَادِ لِيَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ النَّفَلَ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إجَارَةٌ. وَاسْتِحْقَاقُ الْأَجْرِ بِعَمَلٍ لَا بِقَوْلٍ. فَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إذَا لَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ.
- وَإِنْ ذَهَبَ مَعَهُمْ حَتَّى دَلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي ذَهَابِهِ مَعَهُمْ. لِأَنَّهُ أَتَى بِالْعَمَلِ بِحُكْمِ إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ. فَإِنَّ الْمَقْصُودَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا حِينَ لَمْ يُتَبَيَّنْ إلَى أَيِّ مَوْضِعِ يَذْهَبُ مَعَهُمْ. وَرُبَّمَا يُوَصِّلُهُمْ إلَى الطَّرِيقِ بِعَشْرَةِ خُطًى، وَرُبَّمَا لَا يُوَصِّلُهُمْ إلَّا بِمَسِيرَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ. وَجَهَالَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تُفْسِدُ الْعَقْدَ.
- ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ لَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ أَجْرَ الْمِثْلِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ مِائَةً، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا كَانَ الْمُسَمَّى مَعْلُومًا. وَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ رَأْسًا مِنْ السَّبْيِ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ.
لِأَنَّ تَسْمِيَةَ الرَّأْسِ مُطْلَقًا فِي بَابِ الْإِجَارَةِ لَا يَكُونُ تَسْمِيَةً صَحِيحَةً. وَهَذَا لِأَنَّهُ إنَّمَا لَا يُجَاوِزُهُ الْمُسَمَّى لِتَمَامِ الرِّضَا بِهِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي الْمِائَةِ وَلَا يَتَحَقَّقُ فِي الرَّأْسِ، لِأَنَّ الرُّءُوسَ تَتَفَاضَلُ فِي الْمَالِيَّةِ. .
стр. 744
- وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى الطَّرِيقِ حَتَّى يَبْلُغَ بِنَا مَوْضِعَ كَذَا فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، أَوْ فَلَهُ هَذَا الرَّأْسُ بِعَيْنِهِ. فَذَهَبَ رَجُلٌ مَعَهُمْ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَهُ الْمُسَمَّى. .
لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ هُنَا، وَالْبَدَلَ مَعْلُومٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُخَاطَبُ بِالْعَقْدِ مَجْهُولٌ فَكَيْفَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ صَحِيحًا؟ قُلْنَا: إنَّمَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ حِينَ يَأْخُذُ فِي الذَّهَابِ مَعَهُمْ، وَيَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِحَسَبِ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الْعَمَلِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا جَهَالَةَ فِيهِ. .
- وَلَوْ لَمْ يَتَحَيَّرْ الْإِمَامُ وَلَكِنْ قَالَ: مَنْ سَاقَ هَذِهِ الْأَرْمَاكَ مِنْكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الطَّرِيقَ فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَفَعَلَ ذَلِكَ قَوْمٌ، اسْتَحَقُّوا أَجْرَ الْمِثْلِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمِائَةَ. .
لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ مَجْهُولٌ لِجَهَالَةِ الْمَسَافَةِ.
- وَلَوْ كَانَ قَالَ: إلَى مَوْضِعِ كَذَا. فَلَهُمْ الْمُسَمَّى.
لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ وَالْبَدَلُ مَعْلُومٌ.
- وَإِنْ خَاطَبَ قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ فَسَمِعَ قَوْمٌ آخَرُونَ فَسَاقُوهُمْ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ.
لِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ خَاطَبَهُمْ بِهِ، فَغَيْرُهُمْ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي إقَامَةِ الْعَمَلِ.
стр. 745
- وَلَوْ نَادَى بِذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَسَاقَهَا قَوْمٌ سَمِعُوا النِّدَاءَ فَلَهُمْ الْأَجْرُ. .
لِأَنَّهُمْ أَقَامُوا الْعَمَلَ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ.
- وَلَوْ سَاقَهَا قَوْمٌ لَمْ يَسْمَعُوا النِّدَاءَ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ.
لِأَنَّهُمْ أَقَامُوا الْعَمَلَ مُتَطَوِّعِينَ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ حِينَ لَمْ يَسْمَعُوا النِّدَاءَ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ هُنَا لَيْسَ عَلَى وَجْهِ التَّنْفِيلِ.
- وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ فَتَحَيَّرَ. فَقَالَ لِأَسِيرٍ فِي يَدِهِ: إنْ دَلَلْتنَا عَلَى الطَّرِيقِ (ص ٢٦٣) فَلَكَ أَهْلُك وَوَلَدُك. فَدَلَّهُمْ بِصِفَةٍ أَوْ بِذَهَابٍ مَعَهُمْ حَتَّى أَوْقَفَهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ، كَانَ عَلَى حَالِهِ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ.
لِأَنَّ الْأَمِيرَ لَمْ يَذْكُرْ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الْجَزَاءِ، فَيَبْقَى هُوَ أَسِيرًا عَلَى حَالِهِ، وَإِذَا كَانَ هُوَ عَبْدًا لِلْمُسْلِمِينَ فَمَا يَكُونُ لَهُ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ وَغَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
- وَلَوْ كَانَ قَالَ: لَكَ نَفْسُكَ وَأَهْلُكَ وَوَلَدُكَ. وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ نَفْسَهُ جَزَاءً عَلَى دَلَالَتِهِ. وَقَدْ أَتَى بِهَا فَكَانَ حُرًّا، وَلَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ شَرَطَ لَهُ ذَلِكَ
إلَّا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْأَهْلِ هُنَا إلَّا زَوْجَتُهُ.
стр. 746
بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي فُصُولِ الْأَمَانِ. لِأَنَّهُمْ هُنَا قَدْ صَارُوا مَمْلُوكَيْنِ بِالْأَسْرِ فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهُمْ إلَّا بِيَقِينٍ، وَهَذَا الْيَقِينُ فِي زَوْجَتِهِ خَاصَّةً.
- وَكَذَلِكَ فِي اسْمِ الْوَلَدِ لَا يَدْخُلُ هُنَا إلَّا وَلَدٌ لِصُلْبِهِ. وَأَمَّا وَلَدُ وَلَدِهِ فَهُمْ فَيْءٌ.
لِأَنَّ الْيَقِينَ فِي وَلَدِ الصُّلْبِ خَاصَّةً. وَهَذَا الِاسْتِحْقَاقُ لَهُ يُبْتَنَى عَلَى الْمُتَيَقِّنِ بِهِ.
- وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُسَرَاءِ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ فَلَهُ أَوْلَادُ بَنِيهِ.
لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَ أَبِيهِمْ فِي هَذَا الِاسْمِ، فَيَتَنَاوَلُهُمْ عِنْدَ عَدَمِ آبَائِهِمْ.
- وَلَا يَكُونُ وَلَدُ بَنَاتِهِ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ، إلَّا أَنْ يُسَمِّيَهُمْ.
لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَوْلَادِهِ.
- ثُمَّ لَا يُتْرَكُ يَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَلَكِنَّهُ يُخْرِجُهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِيَكُونُوا ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّهُ بَعْدَ تَقَرُّرِ الْأَسْرِ لَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُمْ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.
- وَيَسْتَوِي إذَا كَانَ دَلَّهُمْ بِكَلَامٍ أَوْ ذَهَبَ مَعَهُمْ.
بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ دَلَالَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ. فَلَا يَثْبُتُ بِالْكَلَامِ. وَهَذَا عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ وَالْأَمَانِ. فَيُعْتَبَرُ فِيهِ وُجُودُ الشَّرْطِ حَقِيقَةً.
- فَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ قَسَّمَ السَّبْيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَاعَهُمْ ثُمَّ
стр. 747
تَحَيَّرَ فَقَالَ لِلْأُسَرَاءِ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى الطَّرِيقِ فَهُوَ حُرٌّ. أَوْ قَالَ: فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، فَإِنْ كَانَ شَرَطَ لَهُ مِائَةً فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمِائَةَ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِمَوْلَاهُ.
لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ تَعَيَّنَ فِيهِمْ هُنَا. فَمَا أَوْجَبَهُ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ دُونَ الصُّلْحِ وَالْأَمَانِ.
- وَلِهَذَا لَوْ دَلَّهُمْ بِمُجَرَّدِ كَلَامٍ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا. وَإِنْ كَانَ قَالَ: فَهُوَ حُرٌّ، فَهَذَا بَاطِلٌ.
لِأَنَّ الْأَمِيرَ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُعْتِقَ أَرِقَّاءَ الْمُلَّاكِ بَعْدَ مَا تَعَيَّنَ مُلْكُهُمْ فِيهِمْ.
- وَلَوْ تَحَيَّرَ قَبْلَ قِسْمَتِهِمْ فَقَالَ: مَنْ دَلَّنَا مِنْكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَهُوَ حُرٌّ. فَدَلَّهُمْ أَسِيرٌ عَلَى طَرِيقٍ بَيِّنٍ، إلَّا أَنَّهُ طَرِيقٌ يَأْخُذُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَإِنْ كَانُوا تَحَيَّرُوا فِي الدُّخُولِ فَهَذِهِ دَلَالَةٌ وَالْأَسِيرُ حُرٌّ. وَإِنْ كَانُوا تَحَيَّرُوا فِي الِانْصِرَافِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِدَلَالَةٍ.
وَإِنْ دَلَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ يَأْخُذُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَالتَّقْسِيمُ فِيهِ عَلَى عَكْسِ هَذَا.
لِأَنَّ مُطْلَقَ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَقَدْ عِلْمنَا أَنَّ مُرَادَهُ فِي حَالَةِ الدُّخُولِ الدَّلَالَةُ عَلَى طَرِيقٍ يُوَصِّلُهُ إلَى مَقْصِدِهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ. وَفِي الِانْصِرَافِ مَقْصُودُهُ الدَّلَالَةُ عَلَى طَرِيقٍ يُوَصِّلُهُ إلَى مَقْصِدِهِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ
стр. 748
- وَإِنْ قَالَ: إنْ دَلَلْتنَا عَلَى طَرِيقِ حِصْنِ كَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلِذَلِكَ الْحِصْنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ طَرِيقٌ، فَدَلَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ آخَرَ هُوَ أَبْعَدُ مِنْ الطَّرِيقِ الْمَعْهُودِ، فَلَهُ شَرْطُهُ.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ طَرِيقُ ذَلِكَ الْحِصْنِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَعْتَادُ النَّاسُ الذَّهَابَ إلَى ذَلِكَ الْحِصْنِ مِنْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ. وَالْأَمِيرُ أَطْلَقَ اللَّفْظَ وَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ ذَلِكَ.
- وَإِنْ دَلَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ لَيْسَ بِطَرِيقٍ إلَى ذَلِكَ الْحِصْنِ وَلَكِنَّهُ طَرِيقٌ إلَى غَيْرِهِ، إلَّا أَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَدُورُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ حَتَّى يَأْتُوهُ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِدَلَالَةٍ.
لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ (ص ٢٦٤) مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ كَاشْغَرُ ثُمَّ يَدُورُ حَتَّى يَأْتِيَ بُخَارَى. ثُمَّ لَا يَعُدُّ أَحَدٌ الطَّرِيقَ مِنْ هُنَا إلَى كَاشْغَرَ طَرِيقَ بُخَارَى. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَا أَتَى بِالْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ. فَلَا يَكُون حُرًّا.
- وَإِنْ قَالَ: إنْ دَلَلْتنَا عَلَى طَرِيقِ حِصْنِ كَذَا، وَهُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ كَذَا. فَدَلَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِهِ حَتَّى أَقَامَهُمْ عَلَى الْحِصْنِ. فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ مَنْفَعَةٌ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي عَيَّنُوا لَهُ مِنْ حَيْثُ قُرْبُ الطَّرِيقِ أَوْ أَمْنُهُ أَوْ كَثْرَةُ الْعُلَّفِ أَوْ كَثْرَة الْقُرَى أَوْ كَثْرَةُ مَا يَجِدُونَ مِنْ السَّبْيِ فَهُوَ فَيْءٌ عَلَى حَالِهِ.
لِأَنَّهُ مَا وَفَّى بِالشَّرْطِ. فَإِنَّهُمْ عَيَّنُوا لَهُ طَرِيقًا وَكَانَتْ لَهُمْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَالتَّعْيِينُ مَتَى كَانَ مُفِيدًا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ.
стр. 749
- وَإِنْ كَانَ الَّذِي دَلَّهُمْ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَنْفَعَةً مِنْ الَّذِي عَيَّنُوا لَهُ فَهُوَ فَيْءٌ فِي الْقِيَاسِ أَيْضًا.
لِأَنَّهُ مَا أَتَى بِالْمَشْرُوطِ. وَفِي إيجَابِ الْعِبَادِ يَعْتَبِرُ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى لِجَوَازِهِ أَنْ يَخْلُوَ كَلَامُهُمْ عَنْ حِكْمَةٍ وَفَائِدَةٍ حَمِيدَةٍ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ حُرٌّ
لِأَنَّهُ أَتَى بِمَقْصُودِهِمْ وَزِيَادَةٍ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ التَّعْيِينُ إذَا كَانَ مُفِيدًا. فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ فَائِدَتَهُمْ فِيمَا أُتِيَ بِهِ أَظْهَرُ، سَقَطَ اعْتِبَارُ التَّعْيِينِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَيَّهمَا أَنْفَعَ فَهُوَ فَيْءٌ عَلَى حَالِهِ.
لِأَنَّ التَّعْيِينَ كَلَامٌ مِنْ عَاقِلٍ. فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي الْأَصْلِ، مَا لَمْ يَعْلَمْ بَخِلُوهُ عَنْ الْفَائِدَةِ. وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ.
- وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى طَرِيقِ دَرْبِ الْحَدَثِ فَهُوَ حُرٌّ. فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ عَلَى طَرِيقِ الْمِصِّيصَةِ أَوْ عَلَى طَرِيقِ مَلَطْيَةَ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ وَأَكْثَرَ مَنْفَعَةً فَهُوَ حُرٌّ. وَإِنْ كَانَ لَيْسَ كَذَلِكَ، أَوْ لَا يَدْرِي أَهْوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا فَهُوَ فَيْءٌ
стр. 750
لِأَنَّهُ مَا أُتِيَ بِالْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ أَرَأَيْت لَوْ ذَهَبَ بِهِمْ إلَى طَرِيقٍ غَيْرِ مَا ذَكَرُوا لَهُ، فَكَانَ فِيهِ الْمَلِكُ وَجُنْدُهُ. فَقَاتَلَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ، أَوْ ذَهَبَ بِهِمْ فِي طَرِيقٍ لَا عَلَفَ فِيهِ فَهَلَكَتْ دَوَابُّهُمْ، أَوْ مَاتُوا جُوعًا، أَكَانَ يُوفِي لَهُ بِشَرْطِهِ؟ وَإِنَّمَا قَصْدَ بِهَذَا بَيَانَ أَنَّ التَّقْيِيدَ مَتَى مَا كَانَ مُفِيدًا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ.
стр. 751
[بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ النَّفْلِ فِي السِّلَاحِ وَغَيْرِهِ]
- وَإِذَا رَأَى أَمِيرُ الْعَسْكَرِ دُرُوعَ الْمُسْلِمِينَ قَلِيلَةً عِنْدَ دُخُولِهِمْ دَارَ الْحَرْبِ فَقَالَ: مَنْ دَخَلَ بِدِرْعٍ فَلَهُ مِنْ النَّفْلِ كَذَا، أَوْ فَلَهُ بِهِ سَهْمٌ كَسَهْمِهِ فِي الْغَنِيمَةِ. فَهَذَا جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ.
لِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ يَقَعُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، فَالْمُسْلِمُ فِي حَمْلِ الدُّرُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ، وَيَحْصُلُ بِهِ إرْهَابُ الْعَدُوِّ، فَيَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ عَلَى ذَلِكَ لِتَحْرِيضِهِمْ عَلَى تَحَمُّلِ هَذِهِ الْمُؤْنَةِ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ لِلْغَازِي السَّهْمَ لِفَرَسِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى؟ وَهُوَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْمُؤْنَةَ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ إرْهَابُ الْعَدُوِّ، فَلِلْأَمَامِ أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ النَّفْلِ اعْتِبَارًا بِمَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ.
- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ بِدِرْعَيْنِ فَلَهُ كَذَا.
لِأَنَّ الْمُبَارِزَ قَدْ يُظَاهِرُ بَيْنَ دِرْعَيْنِ إذَا أَرَادَ الْقِتَالُ، عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَ أُحُدٍ» . فَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ.
стр. 752
- وَإِنْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ بِدِرْعٍ وَمَنْ دَخَلَ بِدِرْعَيْنِ فَلَهُ مِئَتَانِ. وَمَنْ دَخَلَ بِثَلَاثَةِ دُرُوعٍ فَلَهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ.
وَسَاقَ الْكَلَامَ هَكَذَا.
فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ هَكَذَا، وَلَا يَجُوزُ مِنْهُ هَذَا التَّنْفِيلُ فِي أَكْثَرِ مِنْ دِرْعَيْنِ.
لِأَنَّ هَذَا لَا يَقَعُ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ، وَالْمُقَاتِلُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَلْبِسَ أَكْثَرَ مِنْ دِرْعَيْنِ عِنْدَ الْقِتَالِ. لِأَنَّ ذَلِكَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّنْفِيلِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ دِرْعَيْنِ مَنْفَعَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: مَعْنَى الْتِزَامِ الْمُؤْنَةِ وَإِرْهَابِ الْعَدُوِّ يَتَحَقَّقُ فِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ.
قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنَّ الْإِرْهَابَ بِالدَّارِعِ لَا بِالدِّرْعِ. يُقَالُ انْفَصَلَ (ص ٢٦٥) كَذَا وَكَذَا دَارِعٍ، وَكَذَا وَكَذَا حَارِسٍ. فَيَحْصُلُ بِهِ الْإِرْهَابُ. وَالدَّارِعُ هُوَ وَحْدُهُ، لِأَنَّهُ مَا حَمَلَ الدُّرُوعَ مَعَ نَفْسِهِ لِيُعْطِيَهَا غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا حَمَلَ لِلُّبْسِ عِنْدَ الْقِتَالِ. وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ فِي أَكْثَرِ مِنْ دِرْعَيْنِ.
- وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِأَصْحَابِ الْخَيْلِ بِتِجْفَافٍ فَلَهُ كَذَا.
فَإِنَّ مَعْنَى الْتِزَامِ الْمُؤْنَةِ وَإِرْهَابِ الْعَدُوِّ يَحْصُلُ بِالتِّجْفَافِ لِلْخَيْلِ كَمَا يَحْصُلُ بِالدُّرُوعِ لِلْفَارِسِ. فَيَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ عَلَى تِجْفَافٍ وَتِجْفَافَيْنِ.
وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ
стр. 753
لِأَنَّ التِّجْفَافَ لِلْفَرَسِ، فَالتَّنْفِيلُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ التَّنْفِيلِ عَلَى الْفَرَسِ.
- وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ مِمَّنْ لَا يَرَى أَنْ يُسْهَمَ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: مَنْ دَخَلَ بِفَرَسَيْنِ فَلَهُ كَذَا، كَانَ ذَلِكَ تَنْفِيلًا صَحِيحًا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ فَرَسَيْنِ.
لِأَنَّ الْمُبَارِزَ قَدْ يُقَاتِلُ بِفَرَسَيْنِ وَلَا يُقَاتِلُ بِأَكْثَرِ مِنْهُمَا. فَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ تَنْفِيلِهِ مَا يَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ دُونَ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ.
إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مَعْرُوفًا قَدْ يَحْتَاجُ الرَّجُلُ فِيهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَفْرَاسٍ. فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ لِثَلَاثَةِ أَفْرَاسٍ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لِثَلَاثَةِ تَجَافِيفَ.
لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى كُلِّ فَرَسٍ تِجْفَافٌ. وَمَتَى عُلِمَ أَنَّ تَنْفِيلَهُ كَانَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ يَجِبُ تَنْفِيذُهُ مِمَّا أَصَابَ مِنْ الْغَنَائِمِ بَعْدَ التَّنْفِيلِ.
- وَلَوْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا لَهُمْ حَتَّى حَاصَرُوا حِصْنًا فَقَالَ: مَنْ تَقَدَّمَ إلَى الْبَابِ دَارِعًا فَلَهُ كَذَا. أَوْ قَالَ: مَنْ تَقَدَّمَ مُتَجَفِّفًا فَلَهُ كَذَا، أَوْ قَالَ: مَنْ تَقَدَّمَ مُظَاهِرًا دِرْعَيْنِ فَلَهُ كَذَا، فَذَلِكَ تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ.
لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ إظْهَارُ الْجَلَّادَةِ وَالْقُوَّةِ وَإِيقَاعُ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ. وَالتَّنْفِيلُ عَلَى مِثْلِهِ يَكُونُ.
- وَلَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ حَتَّى فَتَحُوا الْحِصْنَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْهُ لِلدَّارِعِ وَالْمُتَجَفِّفِ عَلَى قَدْرِ الْعَنَاءِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنَفِّلَهُ.
стр. 754
لِأَنَّ التَّنْفِيلَ مَا يَكُونُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، فَأَمَّا بَعْدَ الْإِحْرَازِ فَيَكُونُ صِلَةً لَا تَنْفِيلًا، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الْغَانِمِينَ بِالصِّلَةِ مِنْ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ مَا ثَبَتَ حَقُّهُمْ فِيهَا.
- فَإِنْ نَفَلَ الْإِمَامُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ عَلَى قَدْرِ الْعَنَاءِ وَالْجَزَاءِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ فَهُوَ نَافِذٌ.
لِأَنَّهُ أَمْضَى بِاجْتِهَادِهِ فَصْلًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ الْقُضَاةِ أَنْ يُبْطِلَ ذَلِكَ.
- وَيَحِلُّ لِلْمُنَفِّلِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ هُوَ مِمَّنْ لَا يَرَى التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ.
لِأَنَّ الرَّأْيَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ إذَا جَاءَ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ. فَإِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي مُلْزِمٌ غَيْرَهُ، وَمُجَرَّدُ الِاجْتِهَادِ غَيْرُ مُلْزِمٍ غَيْرَهُ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ. وَمِنْ رَأْيِهِ أَنَّ ذَلِكَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ. فَقَضَى الْقَاضِي بِأَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَيَسَعُهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا. وَلَكِنَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَالْمُجْتَهِدُ لَا يَدْعُ رَأْيَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِخِلَافِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فِي آخَرِ الِاسْتِحْسَانِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 755
[بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ النَّفْلِ بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ وَمَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْهُ]
- قَالَ: وَلَوْ أَنَّ سَرِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ أَصَابُوا غَنَائِمَ فَعَجَزُوا عَنْ حَمْلِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَرَادَ الْأَمِيرُ إحْرَاقَهَا أَوْ تَرْكَهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: مَنْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا فَهُوَ لَهُ. فَهَذَا جَائِزٌ. وَمَنْ تَكَلَّفَ مِنْهُمْ فَأَخْرَجَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، وَلَا خُمُسَ فِيهِ.
لِأَنَّ هَذَا تَنْفِيلٌ وَقَعَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، وَإِنَّمَا كَرِهْنَا التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ بَعْضِ الْغَانِمِينَ بَعْدَ مَا ثَبَتَ حَقُّهُمْ فِي الْمُصَابِ. وَالْإِبْطَالُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْحِفْظِ، وَتَأْكِيدِ حَقِّهِمْ بِالْإِخْرَاجِ. فَأَمَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يَكُونُ إبْطَالًا لِحَقِّ أَحَدٍ.
يُوضِحُهُ أَنَّ لَهُ إحْرَاقَ الْجَمَادَاتِ (ص ٢٦٦) مِنْهَا وَذَبْحَ الْحَيَوَانَاتِ، ثُمَّ الْإِحْرَاقُ أَوْ تَرْكُهَا فِي مَضْيَعَةٍ. وَفِي ذَلِكَ إبْطَالُ حَقِّ الْكُلِّ. فَمِنْ ضَرُورَةِ جَوَازِ ذَلِكَ جَوَازُ إبْطَالِ حَقِّ الْبَعْضِ بِتَخْصِيصِ الْبَعْضِ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ.
وَلِأَنَّ فِي الْإِحْرَاقِ إبْطَالَ حَقٍّ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي التَّنْفِيلِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى بَعْضِهِمْ. فَكَانَ الْمِيلُ إلَى هَذَا الْجَانِبِ أَوْلَى
- فَأَمَّا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْإِخْرَاجِ أَوْ الْبَيْعِ أَوْ الْقِسْمَةِ
стр. 756
فَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إيصَالِ الْمَنْفَعَةِ إلَى جَمَاعَتِهِمْ. فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّ بَعْضِهِمْ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عِنْدَ الْعَجْزِ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ بَعْدَ الْخُمُسِ. أَوْ قَالَ: فَلَهُ نِصْفُ مَا أَخَذَ قَبْلَ الْخُمُسِ أَوْ بَعْدَهُ. فَذَلِكَ كُلُّهُ صَحِيحٌ. يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى النَّظَرِ، ثُمَّ الْقِسْمَةُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الْأَمِيرُ بِالتَّنْفِيلِ.
وَإِنْ أَحَدٌ وَجَدَ مِنْهُمْ شَيْئًا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقْدِرُونَ عَلَى إخْرَاجِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ عِلْمٌ بِهِ مِنْ جَوْهَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا يُخَمَّسُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ صِحَّةَ هَذَا التَّنْفِيلِ لِضَرُورَةِ الْعَجْزِ عَنْ الْإِحْرَازِ. وَالثَّابِتِ بِالضَّرُورَةِ لَا يَعْدُو مَوَاضِعَهَا، فَلَا يُتَنَاوَلُ هَذَا التَّنْفِيلُ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ الضَّرُورَةُ.
- وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ فِيمَا أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ثَبَتَ فِيمَا لَمْ يَأْخُذُوهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، حَتَّى إذَا مَرُّوا بِبِنَاءٍ مِنْ بِنَائِهِمْ فِيهِ السِّلَاحُ وَالرُّخَامُ وَمَاءُ الذَّهَبِ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَخْذِهِ وَإِخْرَاجِهِ فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، فَذَلِكَ صَحِيحٌ. وَمَنْ خَرَّبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَأَخْرَجَهُ اخْتَصَّ بِهِ.
لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى هَدْمِهِ فَقَدْ كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْ إخْرَاجِهِ.
стр. 757
وَلَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوهُ فَيَصِحُّ تَنْفِيلُ أَمِيرِهِمْ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُقْدَرُ عَلَى حَمْلِهِ بَعْدَ الْهَدْمِ أَوْ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ.
لِأَنَّ التَّنْفِيلَ مِنْ الْأَمِيرِ قَبْلَ الْهَدْمِ، وَإِنَّمَا صَارَ بِحَيْثُ يُقْدَرُ عَلَى حَمْلِهِ بِمَا أُحْدِثَ فِيهِ مِنْ الْهَدْمِ بَعْدَ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ.
- إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مَوْضُوعًا نَائِيًا عَنْ الْبِنَاءِ يَقْدِرُونَ عَلَى إخْرَاجِهِ حِينَ نَفَلَ الْإِمَامُ وَلَمْ يُعْلَمْ بِهِ، فَإِنْ ذَلِكَ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ.
لِأَنَّ التَّنْفِيلَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ.
- وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ لَمْ يُنَفِّلْ أَحَدًا وَلَكِنَّهُ أَمَرَهُمْ بِإِحْرَاقِ ذَلِكَ، فَتَكَلَّفَ بَعْضُهُمْ إخْرَاجَهَا عَلَى دَوَابِّهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَذَلِكَ يُخَمَّسُ وَيُقَسَّمُ بَيْنَ جَمِيعِ السَّرِيَّةِ.
لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْبَعْضِ بِتَنْفِيلِ الْإِمَامِ، وَلَمْ يُوجَدْ، إنَّمَا الْمَوْجُودُ الْأَمْرُ بِالْإِحْرَاقِ، وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي تَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ بِشَيْءٍ، وَأَدْنَى الدَّرَجَاتِ أَنَّ الَّذِي أَخْرَجَ أَحْيَا بِفِعْلِهِ مَا كَانَ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ مِمَّا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِقَطْعِ الشِّرْكَة وَتَخْصِيصِهِ بِهِ.
- وَلَوْ قَسَّمَ مَا أَصَابَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، أَوْ بَاعَهُ مِنْ التُّجَّارِ، أَوْ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَحِقَهُمْ الْعَدُوُّ، وَابْتُلُوا بِالْهَرَبِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَرِّقُوا ذَلِكَ بِالنَّارِ لِيَنْقَطِعَ مَنْفَعَةُ الْعَدُوِّ عَنْهُ. فَإِنَّ فِي ذَلِكَ
стр. 758
مَعْنَى الْكَبْتِ لَهُمْ. وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ لِلْغُزَاةِ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِمَا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَتَاعِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لِئَلَّا يَنْتَفِعَ بِهِ الْعَدُوُّ، كَمَا فَعَلَهُ جَعْفَرٌ فَإِنَّهُ حِينَ أَيِسَ مِنْ نَفْسِهِ عَقَرَ فَرَسَهُ.
فَلَأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ فِيمَا أَخَذُوا مِنْ أَمْتِعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ كَانَ أَوْلَى.
- فَإِنْ نَبَذُوا ذَلِكَ لِيُحَرِّقُوهُ فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، فَأَخَذَ ذَلِكَ قَوْمٌ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْمُهْلِكَةِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ مَرْدُودٌ إلَى أَهْلِهِ.
لِأَنَّهُ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ قَدْ تَعَيَّنَ الْمِلْكُ فِيهِ.
- وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ التَّنْفِيلِ فِي أَمْلَاكِ النَّاسِ بِحَالٍ، وَكَذَلِكَ بِالْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ تَأَكَّدَ الْحَقُّ فِيهِ لَهُمْ عَلَى وَجْهٍ يُورَثُ عَنْهُمْ، فَلَا يَبْقَى لِلْإِمَامِ فِيهِ وِلَايَةُ التَّنْفِيلِ أَصْلًا. بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ. فَالثَّابِتُ هُنَاكَ حَقٌّ ضَعِيفٌ (ص ٢٦٧) ثَبَتَ بِالْإِحْرَازِ بِالْيَدِ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ بِالْإِلْقَاءِ لِلْإِحْرَاقِ، فَيُلْتَحَقُ هَذَا التَّنْفِيلُ بِالتَّنْفِيلِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ. فَأَمَّا بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ فَالْحَقُّ قَدْ يَتَأَكَّدُ بِتَمَامِ السَّبَبِ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ، فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِالْإِلْقَاءِ لِلْإِحْرَاقِ. فَلَا يَكُونُ لِلْإِمَامِ فِيهِ وِلَايَةُ التَّنْفِيلِ. وَهَذَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ. وَالْبَيْعِ أَظْهَرُ.
لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ تَعَيَّنَ فِيهِ.
стр. 759
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ طَرَحُوا ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَفْطِنْ بِهَا أَهْلُ الْحَرْبِ حَتَّى دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَخْرَجُوهَا، وَأَخَذَهَا أَهْلُ الْحَرْبِ، ثُمَّ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَخَذُوهَا مِنْهُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى حَقٌّ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّتِي لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُمْ.
وَلَوْ طَرَحُوهَا لِلْإِحْرَاقِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ ثُمَّ تَرَكُوهَا مَخَافَةَ الْعَدُوِّ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمُشْرِكُونَ حَتَّى جَاءَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَخَذُوهَا وَأَخْرَجُوهَا فَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى الْمُلَّاكِ لِبَقَاءِ مُلْكِهِمْ فِيهَا.
١٤٢٦ - وَإِنْ أَخَذَهَا الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ سَرِيَّةٌ. أُخْرَى، فَإِنْ وَجَدَهَا الْمُلَّاكُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدُوهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِالْقِيمَةِ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ إذَا أَصَابَهَا أَهْلُ الْحَرْبِ وَأَحْرَزُوهَا. وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ. وَإِنْ طَرَحُوهَا ثُمَّ جَاءَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَخَذُوهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَهْلُ الْحَرْبِ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى السَّرِيَّةِ الْأُولَى، لِتَأَكُّدِ حَقِّهِمْ فِيهَا. وَإِنْ أَحْرَزَهَا أَهْلُ الْحَرْبِ ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُمْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَإِنْ وَجَدَهَا السَّرِيَّةُ الْأُولَى قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ. وَإِنْ وَجَدُوهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهَا. وَهَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي بَيَّنَّا أَنَّهَا أَصَحُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
لِأَنَّهُمْ لَوْ أَخَذُوهَا أَخَذُوهَا بِالْقِيمَةِ، وَحَقُّهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فِي الْمَالِيَّةِ،
стр. 760
إذْ لَا مِلْكَ لِأَحَدِ فِي الْعَيْنِ، وَلِهَذَا كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبِيعَهَا وَيُقَسِّمَ الثَّمَنَ، فَلَا يَكُونُ الْأَخْذُ بِالْقِيمَةِ مُفِيدًا لَهُمْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّ الْأَخْذِ إذَا كَانَ مُفِيدًا.
- وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِينَ، أَوْ الَّذِينَ وَقَعَ ذَلِكَ فِي سِهَامِهِمْ، أَوْ الَّذِينَ رَمَوْا بِمَتَاعِهِمْ قَالُوا حِينَ رَمَوْا بِهِ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ. فَأَخَذَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لَهُمْ، أَخْرَجُوهُ أَوْ لَمْ يُخْرِجُوهُ.
لِأَنَّ هَذَا هِبَةٌ مِنْ الْمُلَّاكِ لِلْآخِذِينَ. وَقَدْ تَمَّتْ الْهِبَةُ بِقَبْضِهِمْ. فَإِنْ أَرَادُوا الرُّجُوعَ فِيهِ فَلَهُمْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ الْآخِذُونَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْهِبَةِ.
- وَإِنْ أَخْرَجُوهُ أَوْ بَلَغُوهُ مَوْضِعًا يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى حَمْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِيهِ.
لِأَنَّهُ حَدَثَ فِيهِ زِيَادَةٌ بِصُنْعِ الْمَوْهُوبِ لَهُ. فَإِنَّهُ كَانَ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ فِي مَضْيَعَةٍ، وَقَدْ أَحْيَاهُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَالزِّيَادَةُ فِي عَيْنِ الْمَوْهُوبِ تَمْنَعُ الْوَاهِبَ مِنْ الرُّجُوعِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِيمَا إذَا أَخَذَهُ مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ الْمَالِكِ مِنْهُ، أَوْ مِمَّنْ بَلَغَهُ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَسْمَع ذَلِكَ أَصْلًا إذَا أَخَذَ شَيْئًا فَأَخْرَجَهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى مَالِكِهِ. لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ بِمَقَالَتِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ. فَيَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا مُتَمِّمًا لِلْهِبَةِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَهُوَ إنَّمَا أَخَذَهُ لَا عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ بَلْ عَلَى وَجْهِ الْإِعَانَةِ لِمَالِكِهِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ، فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ بِهَذَا الْأَخْذِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا إيجَابٌ لِمَجْهُولٍ، فَكَيْفَ يَصِحُّ بِطَرِيقِ الْهِبَةِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ هَذِهِ جَهَالَةٌ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ. فَالْمُلْكُ إنَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَ
стр. 761
الْأَخْذِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ، الْأَخْذُ مُتَعَيَّنٌ مَعْلُومٌ. وَكَانَ الْمَالِكُ بِهَذَا اللَّفْظِ. أَبَاحَ أَخْذَهُ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ مِنْهُ، وَهَذِهِ الْإِبَاحَةُ تَثْبُتُ مَعَ الْجَهَالَةِ.
أَصْلُهُ: مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْطٍ الثُّمَالِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ الْأَيَّامِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» .
يَعْنِي الثَّانِيَ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ - لِأَنَّ الْحَاجَّ يَقِرُّونَ فِيهِ بِمِنًى.
قَالَ: «وَقُرِّبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدَنَاتٌ خَمْسًا أَوْ سِتًّا، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ. فَلَمَّا وَجَبَتْ جَنُوبُهَا قَالَ كَلِمَةً لَا أَفْهَمُهَا. فَسَأَلَتْ بَعْضَ مَنْ يَلِيهِ: مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» .
فَهَذِهِ إبَاحَةُ الْأَخْذِ عَلَى (ص ٢٦٨) وَجْهِ التَّمْلِيكِ، وَالِانْتِفَاعِ بِالْمَأْخُوذِ، أَوْجَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ الْجَهَالَةِ.
فَمَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ يَتَعَدَّى إلَيْهِ حُكْمُ هَذَا النَّصِّ.
يُقَرِّرُهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِلْقَاءِ بِغَيْرِ كَلَامٍ يُفِيدُ هَذَا الْحُكْمَ. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَنْثُرُ السُّكْرَ وَالدَّرَاهِمَ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ، وَكُلُّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يَصِيرُ مَمْلُوكًا لَهُ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ النَّاثِرُ بِشَيْءٍ.
وَقِيلَ: بِأَنَّ الْحَالَ دَلِيلٌ عَلَى الْإِذْنِ فِي الْأَخْذِ. فَإِذَا وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِالْإِذْنِ فِي الْأَخْذِ؛ فَلَأَنْ يَثْبُتَ هَذَا الْحُكْمُ كَانَ أَوْلَى.
وَعَلَى هَذَا لَوْ وَضَعَ الْإِنْسَانُ الْمَاءَ وَالْجَمَدَ عَلَى بَابِ دَارِهِ فَإِنَّهُ يُبَاحُ
стр. 762
الشُّرْبُ مِنْهُ لِكُلِّ مَنْ مَرَّ بِهِ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ لِوُجُودِ الْإِذْن دَلَالَةً.
وَإِذَا غَرَسَ شَجَرَةً فِي مَوْضِعٍ لَا مِلْكَ فِيهِ لِأَحَدٍ وَأَبَاحَ لِلنَّاسِ الْإِصَابَةَ مِنْ ثِمَارِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ مَنْ مَرَّ بِهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ثِمَارِهَا فَيَتَنَاوَلُهُ. وَكُلُّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا. .
- وَلَوْ أَنْ الْأَمِيرَ بَعْدَ انْهِزَامِ الْمُشْرِكِينَ نَظَرَ إلَى قَتْلَى مِنْهُمْ، عَلَيْهِمْ أَسْلَابُهُمْ، وَهُوَ لَا يَدْرِي مَنْ قَتَلَهُمْ، فَقَالَ: مَنْ أَخَذَ سَلَبَ قَتِيلٍ فَهُوَ لَهُ. فَأَخَذَهَا قَوْمٌ، فَذَلِكَ لَهُمْ نَفْلٌ.
لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَأْخُذُوهَا، فَيَكُونُ هَذَا فِي مَعْنَى التَّنْفِيلِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ.
وَالْأَصَحُّ أَنْ تَقُولَ: هَذَا تَنْفِيلٌ بَعْدَ الْإِصَابَةِ. وَلَكِنَّ الْإِمَامَ أَمْضَاهُ بِاجْتِهَادِهِ.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ بِإِمْضَاءِ الْإِمَامِ بِاجْتِهَادِهِ يَصِيرُ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، حَتَّى إذَا مَاتَ أَوْ عُزِلَ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ لَمْ يَسْتَرِدَّ مِنْ الْآخَرِينَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
- وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوا حَتَّى عُزِلَ الْأَوَّلُ وَجَاءَ أَمِيرٌ آخَرُ ثُمَّ أَخَذُوا ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِعَزْلِهِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الثَّانِيَ يَأْخُذُ كُلَّهُ مِنْهُمْ فَيَرُدُّهُ فِي الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ التَّنْفِيلَ الْأَوَّلَ قَدْ بَطَلَ بِعَزْلِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ. فَالْمَقْصُودُ هُوَ الْأَخْذُ، فَإِذَا بَطَلَ تَنْفِيلُهُ قَبْلَ حُصُولِ هَذَا الْمَقْصُودِ صَارَ كَأَنَّ لَمْ يَكُنْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِيمَا إذَا نَفَّلَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ وَاسْتَعْمَلَ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ يُبْطِلُ حُكْمَ ذَلِكَ التَّنْفِيلِ. فَفِي التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ هَذَا أَوْلَى. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَضَاءٍ لَمْ يُنَفِّذْهُ قَاضٍ حَتَّى عُزِلَ وَاسْتَقْضَى غَيْرُهُ مِمَّنْ يَرَى خِلَافَ ذَلِكَ.
стр. 763
ثُمَّ فُرِّعَ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ التَّنْفِيلَ عِنْدَ حَضْرَةِ الْقِتَالِ يَكُونُ عَلَى ذَلِكَ الْقِتَالِ خَاصَّةً، وَعِنْدَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يُلْقُوا قِتَالًا يَكُونُ بَاقِيًا إلَى أَنْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ يَقُولُ:.
- فَإِنْ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ قَفَلُوا إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَقَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَا سَلَبَ لَهُ.
لِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ التَّنْفِيلِ قَدْ انْتَهَى بِخُرُوجِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَهَذِهِ دُخْلَةٌ أُخْرَى، فَإِنْ لَمْ يُجَدِّدْ الْإِمَامُ تَنْفِيلًا غَيْرَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ السَّلَبُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَقَامُوا سَنَةً ثُمَّ رَجَعُوا لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ السَّلَبُ بِالتَّنْفِيلِ الْأَوَّلِ؟ .
- وَلَوْ بَلَغَهُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ فَخَرَجُوا يُرِيدُونَهُمْ، فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَهَذَا عَلَى مَا أَصَابُوا فِي وَجْهِهِمْ ذَلِكَ، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ، إلَى أَنْ يَرْجِعُوا إلَى مَنَازِلِهِمْ.
وَإِنْ لَقُوا الْعَدُوَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ قَالَ الْأَمِيرُ ذَلِكَ فَهَذَا عَلَى ذَلِكَ الْقِتَالِ خَاصَّةً.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِمَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ فِي كُلِّ فَصْلٍ. .
стр. 764
- وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ بَعَثَ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَرِيَّةً إلَى حِصْنٍ وَقَالَ: مَا أَصَبْتُمْ مِنْهُ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِنْ ذَلِكَ. فَأَقَامُوا عَلَيْهِ أَيَّامًا يُقَاتِلُونَ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْعَسْكَرُ فَقَاتَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى فَتَحُوا الْحِصْنَ فَلَا نَفْلَ لِلْأَوَّلِينَ.
لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ لَهُمْ النَّفَلَ فِيمَا يُصِيبُونَ مِنْ قِتَالِهِمْ دُونَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْعَسْكَرِ.
وَالْمَقْصُودُ كَانَ تَحْرِيضَهُمْ (ص ٢٦٩) عَلَى فَتْحِ الْحِصْنِ وَالْإِصَابَةِ، وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ بِهِمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَسْكَرَ لَوْ فَتَحُوا الْحِصْنَ دُونَ أَهْلِ السَّرِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ السَّرِيَّةِ مِنْ النَّفْلِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ الْفَتْحُ بِمَحْضَرٍ مِنْهُمْ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْفَتْحُ بِقِتَالِ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.
- قَالَ: وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِمْ أَمِيرٌ ثُمَّ عَزَلَ أَمِيرَهُمْ وَبَعَثَ أَمِيرًا آخَرَ. وَقَدْ نَفَلَ الْأَوَّلُ قَوْمًا نَفْلًا فَأَخَذُوهُ فَإِنْ كَانُوا أَخَذُوا ذَلِكَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَزْلِهِ فَذَلِكَ سَالِمٌ لَهُمْ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ابْتِدَاءُ التَّنْفِيلِ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِالْعَزْلِ.
لِأَنَّهُ أَمِيرٌ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِعَزْلِهِ أَوْ يَأْتِيهِ مَنْ هُوَ صَارِفُهُ وَيُخْبِرُهُ بِعَزْلِهِ.
- فَأَمَّا إذَا نَفَّلَ الْأَوَّلُ بَعْدَ مَا جَاءَ الثَّانِي وَأَخْبَرَهُ بِعَزْلِهِ فَتَنْفِيلُهُ بَاطِلٌ.
لِأَنَّهُ اُلْتُحِقَ بِسَائِرِ الرَّعَايَا.
- وَإِنْ جَاءَهُ الْكِتَابُ بِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ بَعَثَ فُلَانًا أَمِيرًا عَلَى السَّرِيَّةِ، فَمَا لَمْ يَقْدُمْ عَلَيْهِ فُلَانٌ فَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى حَالِهِ يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ.
стр. 765
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمِيرُ مِصْرَ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ إلَى أَنْ يَقْدُمَ صَارِفُهُ
وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْمُسْلِمِينَ سُدًى لَيْسَ عَلَيْهِمْ مَنْ يُدَبِّرُ أُمُورَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَمَا لَمْ يَقْدُمْ الثَّانِي كَانَ التَّدْبِيرُ إلَى الْأَوَّلِ، فَيَصِحُّ مِنْهُ التَّنْفِيلُ. إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ كَتَبَ إلَيْهِ: إنَّا قَدْ عَزَلْنَاك وَاسْتَعْمَلْنَا فُلَانًا، أَوْ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ هُوَ مَعْزُولًا لَا يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ صَارَ أَمِيرًا بِخِطَابِ الْأَمِيرِ إيَّاهُ، عِنْدَ التَّقْلِيدِ. فَيَصِيرُ مَعْزُولًا بِخِطَابِهِ إيَّاهُ بِالْعَزْلِ. وَالْخِطَابُ مِمَّنْ نَأَى كَالْخِطَابِ مِمَّنْ دَنَا.
- وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ الْأَوَّلُ حِينَ اُسْتُعْمِلَ أَمَرَ بِأَنْ يَدْخُلَ بِالْقَوْمِ أَرْضَ الْحَرْبِ فَلَمْ يَدْخُلْ بِهِمْ حَتَّى جَاءَهُ كِتَابُ الْإِمَامِ: إنَّا قَدْ أَمَّرْنَا فُلَانًا، فَلَا تَبْرَحْ حَتَّى يَأْتِيَك. فَعَجَّلَ فَدَخَلَ بِهِمْ أَرْضَ الْحَرْبِ وَنَفَلَ لَهُمْ نَفْلًا، فَذَلِكَ بَاطِلٌ.
لِأَنَّ نَهْيَ الْإِمَامِ إيَّاهُ عَنْ دُخُولِ أَرْضِ الْحَرْبِ قَدْ وَصَلَ إلَيْهِ بِكِتَابِهِ. فَصَارَ كَمَا لَوْ وَاجَهَهُ بِهِ.
- وَلَوْ وَاجَهَهُ بِذَلِكَ فَدَخَلَ بِهِمْ دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَمِيرًا، فَلَا يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ.
وَلَوْ كَانَ الْكِتَابُ أَتَاهُ: إنَّك الْأَمِيرُ فَادْخُلْ بِهِمْ. فَإِذَا أَدْرَكَك
стр. 766
فُلَانٌ فَهُوَ الْأَمِيرُ دُونَك، فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ الْأَوَّلُ مِنْ النَّفْلِ جَائِزٌ حَتَّى يَلْقَاهُ الْأَمِيرُ الْآخَرُ.
لِأَنَّهُ عَلَّقَ عَزْلَهُ بِالْتِقَائِهِ مَعَ الثَّانِي، فَمَا لَمْ يَلْتَقِيَا فَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَى حَالِهِ. وَبَعْدَ مَا الْتَقَيَا صَارَ الْأَمِيرُ هُوَ الثَّانِي، إنْ نَفَلَ جَازَ تَنْفِيلُهُ دُونَ الْأَوَّلِ.
- وَلَوْ كَتَبَ إلَيْهِ: أَنْتَ الْأَمِيرُ حَتَّى يَلْقَاكَ فُلَانٌ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.
لِأَنَّهُ جَعَلَ لِوِلَايَتِهِ غَايَةً، وَمِنْ حُكْمِ الْغَايَةِ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ
وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ قَلَّدَهُ قَبْلَ هَذَا مُطْلَقًا أَوْ لَمْ يُقَلِّدْهُ.
لِأَنَّ بَعْدَ التَّقْلِيدِ مُطْلَقًا لَهُ وِلَايَةُ الْعَزْلِ، فَلَهُ وِلَايَةُ التَّوْقِيتِ فِي ذَلِكَ التَّقْلِيدِ أَيْضًا. وَإِذَا ثَبَتَ التَّوْقِيتُ بِهَذَا الْكِتَابِ صَارَ كَأَنَّهُ هُوَ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: فَإِذَا أَتَاك فُلَانٌ فَهُوَ الْأَمِيرُ دُونَك.
- وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ مَنَعَةٌ أَمَّرُوا أَمِيرًا وَدَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ مُغِيرِينَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ خُمُسَ مَا أَصَابُوا وَكَانَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَنَعَتِهِمْ يَكُونُ الْمَالُ مَأْخُوذًا عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدَّيْنِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ.
- فَإِنْ نَفَلَ أَمِيرُهُمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ مِنْهُ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ يَجُوزُ مِنْ أَمِيرِ سَرِيَّةٍ قَلَّدَهُ الْإِمَامُ وَبَعَثَهُ.
стр. 767
لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِهِ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ، وَرِضَاهُمْ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّهِمْ، فَصَارَ أَمِيرُهُمْ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى، كَمَا تَثْبُتُ بِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ تَثْبُتُ بِاجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَاحِدٍ؟
وَالْأَصْلُ فِيهِ إمَامَةُ الصِّدِّيقِ ﵁ (ص ٢٧٠) فَكَذَلِكَ الْإِمَارَةُ عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ تَثْبُتُ بِاتِّفَاقِهِمْ كَمَا تَثْبُتُ بِتَقْلِيدِ الْإِمَامِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ لَوْ أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا وَدَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ فَنَفَلَ أَمِيرَهُمْ شَيْئًا ثُمَّ تَابُوا جَازَ مَا نَفَلَهُ أَمِيرُهُمْ؟ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا. .
- وَلَوْ أَنَّ الْخَلِيفَةَ غَزَا بِجُنْدٍ فَمَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ قُتِلَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْجُنْدِ: نُؤَمِّرُ فُلَانًا. فَأَمَّرُوهُ وَاعْتَزَلُوا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: نُؤَمِّرُ فُلَانًا فَأَمَّرُوهُ، وَاعْتَزَلُوا. فَأَخَذَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ وَجْهًا فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، وَنَفَلَ كُلُّ أَمِيرٍ نَفْلًا لِقَوْمِهِ قَبْلَ الْخُمُسِ أَوْ بَعْدَ الْخُمُسِ، ثُمَّ الْتَقَوْا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَاصْطَلَحُوا، فَالْخَلِيفَةُ الَّذِي قَامَ مَقَامَ الْأَوَّلِ يُنَفِّذُ تَنْفِيلَ كُلِّ أَمِيرٍ. بِاعْتِبَارِ أَنَّ قَوْمَهُ قَدْ رَضُوا بِهِ أَمِيرًا عَلَيْهِمَا، وَهُمْ الَّذِينَ أَصَابُوا مَا أَصَابُوا مِنْ الْغَنِيمَةِ. فَيَجُوزُ تَنْفِيلُ كُلِّ أَمِيرٍ سَوَاءٌ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَعْدَ مَا خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
إلَّا أَنَّهُمْ إذَا الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَمَا بَقِيَ بَعْدَ النَّفْلِ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
стр. 768
لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِحْرَازِ. .
- وَلَوْ بَعَثَ الْخَلِيفَةُ عَامِلًا عَلَى الثُّغُورِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ النَّفَلَ بِشَيْءٍ، فَلَهُ أَنْ يُنَفِّلَ قَبْلَ الْخُمُسِ وَبَعْدَ الْخُمُسِ.
لِأَنَّهُ إنَّمَا اُسْتُعْمِلَ عَلَى الثُّغُورِ لِيَحْفَظَهَا وَيَغْزُوَ أَهْلَ الْحَرْبِ حَتَّى يَنْقَطِعَ طَمَعُهُمْ عَنْهَا. وَالنَّفَلُ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ تَحْرِيضٌ عَلَى الْقِتَالِ. فَمِنْ ضَرُورَةِ تَفْوِيضِ أَمْرِ الْحَرْبِ إلَيْهِ، وَجَعْلِ التَّدْبِيرِ فِي ذَلِكَ إلَى رَأْيِهِ، أَنْ يَكُونَ أَمْرُ التَّنْفِيلِ مُفَوَّضًا إلَيْهِ.
- إلَّا أَنْ يَنْهَاهُ الْخَلِيفَةُ عَنْ النَّفْلِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ.
لِأَنَّ الدَّلَالَةَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهَا إذَا جَاءَ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهَا. بِمَنْزِلَةِ تَقْدِيمِ الْمَائِدَةِ بَيْنَ يَدَيْ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّهُ إذْنٌ فِي التَّنَاوُلِ دَلَالَةً، إلَّا أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ.
- فَإِنْ اسْتَعْمَلَ هَذَا الْعَامِلُ عَامِلًا آخَرَ فَنَفَلَ الثَّانِي فَإِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ لَمْ يَنْهَ الْأَوَّلَ عَنْ التَّنْفِيلِ جَازَ التَّنْفِيلُ مِنْ الثَّانِي.
وَإِنْ كَانَ نَهَى الْأَوَّلَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ التَّنْفِيلُ مِنْ الثَّانِي.
لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْأَوَّلِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا اسْتَخْلَفَ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ الْقَضَاءِ فِي الْحُدُودِ لَمْ يَكُنْ لِخَلِيفَتِهِ أَنْ يَقْضِيَ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يُنْهَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ لِخَلِيفَتِهِ أَنْ يَقْضِيَ فِيهَا فَكَذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ. .
стр. 769
- وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْعَامِلَ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ الثُّغُورِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا فَنَفَلَ أَمِيرَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِلسَّرِيَّةِ سَلَبَ الْقَتْلَى فَذَلِكَ جَائِزٌ مِنْهُ، كَمَا يَجُوزُ مِنْ الْعَامِلِ لَوْ غَزَا بِنَفْسِهِ.
لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ أَمْرَ الْحَرْبِ وَجَعَلَهُ نَافِذَ الْأَمْرِ عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ. وَإِنَّمَا بَعَثَهُمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. فَكَانَ أَمِيرُهُمْ كَأَمِيرِ الْعَسْكَرِ، وَتَنْفِيلُ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ نَصًّا. لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُصَابِ لِمَنْ تَجِبُ وِلَايَتُهُ خَاصَّةً، فَكَذَلِكَ تَنْفِيلُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ.
- وَلَوْ نَهَاهُ الْعَامِلُ أَنْ يُنَفِّلَ أَحَدًا شَيْئًا فَنَفَّلَ لَمْ يَجُزْ تَنْفِيلُهُ.
لِأَنَّ مَنْ قَلَّدَهُ صَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْ التَّنْفِيلِ، فَيَكُونُ حَالُهُ فِي التَّنْفِيلِ كَحَالِ الْعَامِلِ إذَا نَهَاهُ الْخَلِيفَةُ عَنْ التَّنْفِيلِ. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمِيرٍ عَلَيْهِمْ فِيمَا لَمْ يُوَلِّهِ الْعَامِلُ، فَكَانَ تَنْفِيلُهُ كَتَنْفِيلِ سَائِرِ الرَّعَايَا.
- وَيَسْتَوِي إنْ رَضِيَ الْجُنْدُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَرْضَوْا. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ تَنْفِيلُهُ إذَا رَضُوا بِهِ، كَمَا تَثْبُتُ الْإِمَارَةُ لَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَوْتِ أَمِيرِهِمْ إذَا رَضُوا بِهِ. وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ هُنَاكَ رِضَاهُمْ لَمْ يَحْصُلْ عَلَى مُخَالِفَةِ أَمْرِ الْعَامِلِ، بَلْ حَصَلَ فِيمَا لَمْ يَأْمُرْ الْعَامِلَ فِيهِ بِشَيْءٍ، فَكَانَ مُعْتَبَرًا. وَهَا هُنَا حَصَلَ رِضَاهُمْ عَلَى مُخَالِفَةِ مَا أَمَرَ بِهِ الْعَامِلَ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا.
كَمَا لَوْ أَرَادُوا عَزْلَ أَمِيرِهِمْ وَتَقْلِيدَ غَيْرِهِ.
- فَإِنْ نَفَلَ أَمِيرَهُمْ ثُمَّ لَمْ يُقَسِّمُوا الْغَنَائِمَ حَتَّى أَخْرَجُوهَا،
стр. 770
(ص ٢٧١) وَأَخْبَرَ أَمِيرُهُمْ الْعَامِلَ بِمَا نَفَلَ فَرَأَى أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ. .
لِأَنَّ إجَازَتَهُ بِمَنْزِلَةِ تَنْفِيلِهِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ.
- فَإِنْ أَجَازَ ذَلِكَ جَازَ النَّفَلُ وَحَلَّ لِمَنْ أَصَابَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَصَابَ.
لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ جِهَتِهِ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، وَهُوَ التَّنْفِيلُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، فَيَكُونُ نَافِذًا.
فَإِنْ قِيلَ: أَصْلُ التَّنْفِيلِ كَانَ بَاطِلًا، وَإِجَازَةُ مَا كَانَ بَاطِلًا يَلْغُو، وَإِنْ حَصَلَ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ. كَمَا لَوْ طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَةَ الصَّبِيِّ، ثُمَّ بَلَّغَ الصَّبِيَّ فَأَجَازَ ذَلِكَ كَانَتْ إجَازَتُهُ لَغْوًا. وَإِنْ كَانَ هُوَ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ الْآنَ. وَعَنْ هَذَا الْكَلَامِ جَوَابَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ هُنَاكَ أَصْلَ الْإِيقَاعِ لَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا، لِأَنَّهُ لَا مُجِيزَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ وَهَا هُنَا أَصْلُ التَّنْفِيلِ حِينَ وَقَعَ كَانَ مَوْقُوفًا، حَتَّى لَوْ أَجَازَهُ الْعَامِلُ قَبْلَ أَنْ يُصِيبُوا الْغَنَائِمَ كَانَ صَحِيحًا. فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُجِيزَهُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ قُلْنَا بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَيْضًا. وَالثَّانِي: أَنَّ إجَازَتَهُ هَا هُنَا إنَّمَا تَتِمُّ بِالتَّسْلِيمِ إلَى مَنْ نَفَلَ لَهُ الْأَمِيرُ، فَيَجْعَلُ هَذَا التَّسْلِيمَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْشَاءِ، لَا قَوْلَهُ أَجَزْت. وَوِزَانُهُ مِنْ الطَّلَاقِ أَنْ لَوْ قَالَ الصَّبِيُّ بَعْدَ الْبُلُوغِ: جَعَلْت ذَلِكَ تَطْلِيقَةً وَاقِعَةً، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ إنْشَاءً لِلطَّلَاقِ مِنْهُ. وَأَوْضَحُ هَذَا لِمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا إلَى الْعَطَاءِ. فَإِنَّ الشِّرَاءَ فَاسِدٌ. فَإِنْ رَأَى الْقَاضِي أَنْ يُجِيزَ هَذَا الْبَيْعَ حِينَ خُوصِمَ فِيهِ إلَيْهِ نَفَذَ الْبَيْعُ بِإِجَازَتِهِ وَحَلَّ لِلْمُشْتَرِي إمْسَاكُهُ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْبَيْعِ فَاسِدًا عِنْدَنَا. .
- وَلَوْ كَانَ الْعَامِلُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِيِّ مَعَ الْعَسْكَرِ ثُمَّ بَعَثَ
стр. 771
سَرِيَّةً وَلَمْ يَأْمُرْ أَمِيرَهُمْ بِالتَّنْفِيلِ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَلَ أَصْحَابُ السَّرِيَّةِ نَفْلًا، ثُمَّ جَاءُوا بِالْغَنِيمَةِ إلَى الْعَسْكَرِ فَإِنَّ تَنْفِيلَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ يَجُوزُ فِي نَصِيبِ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ خَاصَّةً.
لِأَنَّ الْجَيْشَ شُرَكَاءُ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ فِي الْمُصَابِ هُنَا، وَلَيْسَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ وِلَايَةٌ عَلَى الْجَيْشِ، إنَّمَا وِلَايَتُهُ عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ خَاصَّةً، فَيَجُوزُ تَنْفِيلُهُ فِي نُصِبْهُمْ خَاصَّةً.
- وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ حِينَ بَعَثَهُمْ نَفَلَ لَهُمْ نَفْلًا، ثُمَّ نَفَلَ أَمِيرُهُمْ أَيْضًا نَفْلًا، فَجَاءُوا بِالْغَنَائِمِ، فَمَا نَفَلَ لَهُمْ الْعَامِلُ يُرْفَعُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ، وَيُقَسَّمُ مَا بَقِيَ حِينَ تَبِينُ حِصَّةُ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ، ثُمَّ يَنْفُذُ مَا نَفَلَ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ مِنْ حِصَّتِهِمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَمِمَّا نَفَلَ لَهُمْ الْعَامِلُ.
لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَهُمْ خَاصَّةً، وَلِأَمِيرِهِمْ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ. فَيَنْفُذُ تَنْفِيلُهُ فِيمَا لَهُمْ خَاصَّةً.
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ السَّرِيَّةُ مَبْعُوثَةٌ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا شِرْكَةَ لِغَيْرِهِمْ مَعَهُمْ فِي الْمُصَابِ، حَتَّى لَوْ أَنَّ هَذِهِ السَّرِيَّةَ لَمْ تَرْجِعْ إلَى الْعَسْكَرِ وَلَكِنَّهُمْ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ جَانِبٍ آخَرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْحُكْمُ كَالْحُكْمِ فِي السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.
لِأَنَّهُ لَا شَرِيكَ فِي الْمُصَابِ.
وَفِي الْوَجْهَيْنِ لَوْ أَصَابُوا طَعَامًا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبُّوا.
стр. 772
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ بَعْدَ مَا رَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ يُبَاحُ لَهُمْ التَّنَاوُلُ مِنْ الطَّعَامِ كَمَا يُبَاحُ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ؟ وَفِي إبَاحَةِ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ الْمُصَابِ كَالْبَاقِي عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ بِخِلَافِ حُكْمِ التَّنْفِيلِ. .
- وَلَوْ أَنَّهُمْ أَصَابُوا غَنَمًا أَوْ بَقَرًا أَوْ رَمَكًا، فَاسْتَأْجَرَ الْأَمِيرُ مَنْ يَسُوقُهَا إلَى الْعَسْكَرِ فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي حَقِّ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ وَحَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.
لِأَنَّهُ نَظَرَ لَهُمْ فِيمَا صَنَعَ. وَمَنْفَعَةُ فِعْلِهِ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ جَمِيعًا، بِخِلَافِ النَّفْلِ فَالْمَنْفَعَةُ فِيهِ لِلْمُنَفِّلِينَ خَاصَّةً. فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ فِي حِصَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.
- وَلَوْ أَنَّ الْعَامِلَ كَانَ نَفَلَهُمْ الرُّبُعَ، ثُمَّ نَفَلَهُمْ أَمِيرَهُمْ حِينَ لَقُوا الْعَدُوَّ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعُوا إلَى الْعَسْكَرِ حَتَّى رَجَعُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ نَفْلَ الْعَامِلِ لَهُمْ (ص ٢٧٢) بَاطِلٌ، وَنَفْلَ أَمِيرِهِمْ لَهُمْ جَائِزٌ.
لِأَنَّهُمْ حِينَ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَلْقَوْا الْعَسْكَرَ مِنْهُمْ فِي الْمُصَابِ بِمَنْزِلَةِ السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَإِنَّمَا نَفَلَ الْعَامِلُ لِجَمَاعَتِهِمْ بِالسَّرِيَّةِ.
وَهَذَا التَّنْفِيلُ بَاطِلٌ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ. وَلَا نَفْلَ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى. فَأَمَّا نَفْلُ أَمِيرِهِمْ لَهُمْ فَحَصَلَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ لِبَعْضِ الْخَوَاصِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ صَحِيحًا لِاخْتِصَاصِهِمْ بِالْحَقِّ فِي الْمُصَابِ.
- وَإِنْ رَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ جَازَ نَفْلُ الْعَامِلِ لَهُمْ.
لِأَنَّ الْعَسْكَرَ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْمُصَابِ. فَكَانَ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ إبْطَالُ شَرِكَةِ الْعَسْكَرِ مَعَهُمْ، فَيَصِحُّ وَإِنْ كَانَ يَتَعَدَّى إلَى إبْطَالِ الْخُمُسِ وَتَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ.
стр. 773
وَأَمَّا نَفْلُ أَمِيرِهِمْ فَإِنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا هُوَ حَقُّهُمْ خَاصَّةً دُونَ مَا يَكُونُ حِصَّةَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
- وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ نَهَى أَمِيرَ السَّرِيَّةِ عَنْ التَّنْفِيلِ فَنَفْلُهُ بَاطِلٌ لِنَهْيِ الْعَامِلِ إيَّاهُ عَنْ ذَلِكَ. وَنَفْلُ الْإِمَامِ لَهُمْ جَائِزٌ إنْ رَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ. وَإِنْ خَرَجُوا مِنْ جَانِبٍ آخَرِ إلَى دَارِ السَّلَامِ، فَذَلِكَ أَيْضًا بَاطِلٌ. وَيُخَمَّسُ جَمِيعُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُصَابِ لَهُمْ خَاصَّةً، فَلَيْسَ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ إلَّا إبْطَالُ الْخُمُسِ وَتَفْضِيلُ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 774
[بَابُ مِنْ النَّفْلِ الَّذِي يَكُونُ لِلرَّجُلِ فِي الشَّيْءِ الْخَاصِّ وَلَا يَدْرِي مَا هُوَ]
- وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ فَلَهُ ثَوْبٌ فَجَاءَ رَجُلٌ بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ مُخْتَلِفَةِ الْأَجْنَاسِ فَلَهُ عُشْرُ كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا.
لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ بِالتَّنْفِيلِ عُشْرَ مَا يَأْتِي بِهِ.
فَإِنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ فَلَهُ ثَوْبٌ مِنْهَا. وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ.
وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِ كَلَامِهِ إلَّا هَذَا. فَإِنَّ إيجَابَ الثَّوْبِ مُطْلَقًا لَا يَصِحُّ فِي شَيْءِ مِنْ الْعُقُودِ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الثِّيَابِ ثُمَّ لَبِسَ بَعْضَ الْأَثْوَابِ بِأَنْ يَجْعَلَ لَهُ نَفْلًا بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ. وَالثِّيَابُ إذَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْنَاسِ لَا تُقَسَّمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً. فَلِهَذَا كَانَ لَهُ عُشْرُ كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا. .
- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ مِنْ الدَّوَابِّ فَلَهُ دَابَّةٌ.
لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ الْأَجْنَاسَ الْمُخْتَلِفَةَ كَالثِّيَابِ.
- وَلَوْ جَاءَ بِالْكُلِّ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهَا وَسَطٌ.
لِأَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ مُحْتَمِلٌ لِلْقِسْمَةِ. وَعَلَى الْأَمِيرِ أَنْ يُرَاعِي النَّظَرَ لِلْغَانِمِينَ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ. وَتَمَامُ النَّظَرِ فِي أَنْ يُعْطِيَهُ الْوَسَطَ مِمَّا جَاءَ بِهِ. .
стр. 775
- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِدَابَّةٍ فَلَهُ ثُلُثُهَا. فَجَاءَ بِبَقَرَةٍ أَوْ جَامُوسٍ أَوْ بَعِيرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.
لِأَنَّ اسْمَ الدَّابَّةِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْحِمَارَ وَالْفَرَسَ وَالْبَغْلَ اسْتِحْسَانًا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً لَا يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ غَيْرَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ؟ وَحَقِيقَةُ اللَّفْظِ. هَا هُنَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِلَا شُبْهَةٍ. فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ: لَوْ جَاءَ بِجَارِيَةٍ يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ مِنْهَا. وَاسْمُ الدَّابَّةِ يَتَنَاوَلُهَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا يُبْنَى هَذَا عَلَى مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ.
- فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ فِي مَوْضِعِ دَوَابِّهِمْ الْجَوَامِيسِ أَوْ الْبَقَرِ إيَّاهَا يَرْكَبُونَ وَإِيَّاهَا يُسَمُّونَ الدَّوَابَّ فَهُوَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَهُ.
فَأَمَّا فِي دِيَارِنَا فَالدَّوَابُّ هِيَ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ. .
- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَصَابَ جَزُورَةً فَهِيَ لَهُ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِجَزُورٍ أَوْ بَقَرَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. وَإِنْ جَاءَ بِشَاةٍ مَاعِزٍ أَوْ ضَأْنٍ فَهِيَ لَهُ.
لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي كُلِّ مَا يُجْزَرُ، لَكِنَّ النَّاسَ اعْتَادُوا اسْتِعْمَالَهُ فِي الْغَنَمِ خَاصَّةً. فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: " أَجْزِرْنِي مِنْ نَعَمِك " فَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ سُؤَالُ الشَّاةِ دُونَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ. .
- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِجَزُورٍ فَهُوَ لَهُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهَذَا اللَّفْظِ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْإِبِلَ خَاصَّةً. وَإِنْ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُجْزَرُ وَلَكِنَّ اسْمَ الْجَزُورِ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْإِبِلِ.
следующие страницы →