← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

سَرِيَّةً وَلَمْ يَأْمُرْ أَمِيرَهُمْ بِالتَّنْفِيلِ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَلَ أَصْحَابُ السَّرِيَّةِ نَفْلًا، ثُمَّ جَاءُوا بِالْغَنِيمَةِ إلَى الْعَسْكَرِ فَإِنَّ تَنْفِيلَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ يَجُوزُ فِي نَصِيبِ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ خَاصَّةً. لِأَنَّ الْجَيْشَ شُرَكَاءُ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ فِي الْمُصَابِ هُنَا، وَلَيْسَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ وِلَايَةٌ عَلَى الْجَيْشِ، إنَّمَا وِلَايَتُهُ عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ خَاصَّةً، فَيَجُوزُ تَنْفِيلُهُ فِي نُصِبْهُمْ خَاصَّةً. - وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ حِينَ بَعَثَهُمْ نَفَلَ لَهُمْ نَفْلًا، ثُمَّ نَفَلَ أَمِيرُهُمْ أَيْضًا نَفْلًا، فَجَاءُوا بِالْغَنَائِمِ، فَمَا نَفَلَ لَهُمْ الْعَامِلُ يُرْفَعُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ، وَيُقَسَّمُ مَا بَقِيَ حِينَ تَبِينُ حِصَّةُ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ، ثُمَّ يَنْفُذُ مَا نَفَلَ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ مِنْ حِصَّتِهِمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَمِمَّا نَفَلَ لَهُمْ الْعَامِلُ. لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَهُمْ خَاصَّةً، وَلِأَمِيرِهِمْ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ. فَيَنْفُذُ تَنْفِيلُهُ فِيمَا لَهُمْ خَاصَّةً. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ السَّرِيَّةُ مَبْعُوثَةٌ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا شِرْكَةَ لِغَيْرِهِمْ مَعَهُمْ فِي الْمُصَابِ، حَتَّى لَوْ أَنَّ هَذِهِ السَّرِيَّةَ لَمْ تَرْجِعْ إلَى الْعَسْكَرِ وَلَكِنَّهُمْ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ جَانِبٍ آخَرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْحُكْمُ كَالْحُكْمِ فِي السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّهُ لَا شَرِيكَ فِي الْمُصَابِ. وَفِي الْوَجْهَيْنِ لَوْ أَصَابُوا طَعَامًا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبُّوا.

стр. 772

أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ بَعْدَ مَا رَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ يُبَاحُ لَهُمْ التَّنَاوُلُ مِنْ الطَّعَامِ كَمَا يُبَاحُ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ؟ وَفِي إبَاحَةِ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ الْمُصَابِ كَالْبَاقِي عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ بِخِلَافِ حُكْمِ التَّنْفِيلِ. . - وَلَوْ أَنَّهُمْ أَصَابُوا غَنَمًا أَوْ بَقَرًا أَوْ رَمَكًا، فَاسْتَأْجَرَ الْأَمِيرُ مَنْ يَسُوقُهَا إلَى الْعَسْكَرِ فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي حَقِّ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ وَحَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ. لِأَنَّهُ نَظَرَ لَهُمْ فِيمَا صَنَعَ. وَمَنْفَعَةُ فِعْلِهِ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ جَمِيعًا، بِخِلَافِ النَّفْلِ فَالْمَنْفَعَةُ فِيهِ لِلْمُنَفِّلِينَ خَاصَّةً. فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ فِي حِصَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ. - وَلَوْ أَنَّ الْعَامِلَ كَانَ نَفَلَهُمْ الرُّبُعَ، ثُمَّ نَفَلَهُمْ أَمِيرَهُمْ حِينَ لَقُوا الْعَدُوَّ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعُوا إلَى الْعَسْكَرِ حَتَّى رَجَعُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ نَفْلَ الْعَامِلِ لَهُمْ (ص ٢٧٢) بَاطِلٌ، وَنَفْلَ أَمِيرِهِمْ لَهُمْ جَائِزٌ. لِأَنَّهُمْ حِينَ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَلْقَوْا الْعَسْكَرَ مِنْهُمْ فِي الْمُصَابِ بِمَنْزِلَةِ السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَإِنَّمَا نَفَلَ الْعَامِلُ لِجَمَاعَتِهِمْ بِالسَّرِيَّةِ. وَهَذَا التَّنْفِيلُ بَاطِلٌ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ. وَلَا نَفْلَ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى. فَأَمَّا نَفْلُ أَمِيرِهِمْ لَهُمْ فَحَصَلَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ لِبَعْضِ الْخَوَاصِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ صَحِيحًا لِاخْتِصَاصِهِمْ بِالْحَقِّ فِي الْمُصَابِ. - وَإِنْ رَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ جَازَ نَفْلُ الْعَامِلِ لَهُمْ. لِأَنَّ الْعَسْكَرَ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْمُصَابِ. فَكَانَ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ إبْطَالُ شَرِكَةِ الْعَسْكَرِ مَعَهُمْ، فَيَصِحُّ وَإِنْ كَانَ يَتَعَدَّى إلَى إبْطَالِ الْخُمُسِ وَتَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ.

стр. 773

وَأَمَّا نَفْلُ أَمِيرِهِمْ فَإِنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا هُوَ حَقُّهُمْ خَاصَّةً دُونَ مَا يَكُونُ حِصَّةَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. - وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ نَهَى أَمِيرَ السَّرِيَّةِ عَنْ التَّنْفِيلِ فَنَفْلُهُ بَاطِلٌ لِنَهْيِ الْعَامِلِ إيَّاهُ عَنْ ذَلِكَ. وَنَفْلُ الْإِمَامِ لَهُمْ جَائِزٌ إنْ رَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ. وَإِنْ خَرَجُوا مِنْ جَانِبٍ آخَرِ إلَى دَارِ السَّلَامِ، فَذَلِكَ أَيْضًا بَاطِلٌ. وَيُخَمَّسُ جَمِيعُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُصَابِ لَهُمْ خَاصَّةً، فَلَيْسَ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ إلَّا إبْطَالُ الْخُمُسِ وَتَفْضِيلُ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 774

[بَابُ مِنْ النَّفْلِ الَّذِي يَكُونُ لِلرَّجُلِ فِي الشَّيْءِ الْخَاصِّ وَلَا يَدْرِي مَا هُوَ] - وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ فَلَهُ ثَوْبٌ فَجَاءَ رَجُلٌ بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ مُخْتَلِفَةِ الْأَجْنَاسِ فَلَهُ عُشْرُ كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا. لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ بِالتَّنْفِيلِ عُشْرَ مَا يَأْتِي بِهِ. فَإِنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ فَلَهُ ثَوْبٌ مِنْهَا. وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِ كَلَامِهِ إلَّا هَذَا. فَإِنَّ إيجَابَ الثَّوْبِ مُطْلَقًا لَا يَصِحُّ فِي شَيْءِ مِنْ الْعُقُودِ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الثِّيَابِ ثُمَّ لَبِسَ بَعْضَ الْأَثْوَابِ بِأَنْ يَجْعَلَ لَهُ نَفْلًا بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ. وَالثِّيَابُ إذَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْنَاسِ لَا تُقَسَّمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً. فَلِهَذَا كَانَ لَهُ عُشْرُ كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا. . - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ مِنْ الدَّوَابِّ فَلَهُ دَابَّةٌ. لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ الْأَجْنَاسَ الْمُخْتَلِفَةَ كَالثِّيَابِ. - وَلَوْ جَاءَ بِالْكُلِّ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهَا وَسَطٌ. لِأَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ مُحْتَمِلٌ لِلْقِسْمَةِ. وَعَلَى الْأَمِيرِ أَنْ يُرَاعِي النَّظَرَ لِلْغَانِمِينَ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ. وَتَمَامُ النَّظَرِ فِي أَنْ يُعْطِيَهُ الْوَسَطَ مِمَّا جَاءَ بِهِ. .

стр. 775

- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِدَابَّةٍ فَلَهُ ثُلُثُهَا. فَجَاءَ بِبَقَرَةٍ أَوْ جَامُوسٍ أَوْ بَعِيرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. لِأَنَّ اسْمَ الدَّابَّةِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْحِمَارَ وَالْفَرَسَ وَالْبَغْلَ اسْتِحْسَانًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً لَا يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ غَيْرَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ؟ وَحَقِيقَةُ اللَّفْظِ. هَا هُنَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِلَا شُبْهَةٍ. فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ: لَوْ جَاءَ بِجَارِيَةٍ يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ مِنْهَا. وَاسْمُ الدَّابَّةِ يَتَنَاوَلُهَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا يُبْنَى هَذَا عَلَى مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ. - فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ فِي مَوْضِعِ دَوَابِّهِمْ الْجَوَامِيسِ أَوْ الْبَقَرِ إيَّاهَا يَرْكَبُونَ وَإِيَّاهَا يُسَمُّونَ الدَّوَابَّ فَهُوَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَهُ. فَأَمَّا فِي دِيَارِنَا فَالدَّوَابُّ هِيَ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ. . - وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَصَابَ جَزُورَةً فَهِيَ لَهُ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِجَزُورٍ أَوْ بَقَرَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. وَإِنْ جَاءَ بِشَاةٍ مَاعِزٍ أَوْ ضَأْنٍ فَهِيَ لَهُ. لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي كُلِّ مَا يُجْزَرُ، لَكِنَّ النَّاسَ اعْتَادُوا اسْتِعْمَالَهُ فِي الْغَنَمِ خَاصَّةً. فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: " أَجْزِرْنِي مِنْ نَعَمِك " فَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ سُؤَالُ الشَّاةِ دُونَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ. . - وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِجَزُورٍ فَهُوَ لَهُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهَذَا اللَّفْظِ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْإِبِلَ خَاصَّةً. وَإِنْ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُجْزَرُ وَلَكِنَّ اسْمَ الْجَزُورِ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْإِبِلِ.

стр. 776

ثُمَّ فِي الْقِيَاسِ إذَا جَاءَ بِبَعِيرٍ قَدْ رُكِبَ أَوْ نَاقَةٍ قَدْ رُكِبَتْ لَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْهَا شَيْئًا. ٩٨. لِأَنَّ الْجَزُورَ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ مُعَدًّا مِنْ هَذَا النَّوْعِ لِلْكَرِّ دُونَ الرُّكُوبِ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُرْكَبَ. فَأَمَّا مَا رُكِبَ فَهُوَ لَا يُنْحَرُ لِلْأَكْلِ عَادَةً بَعْدً ذَلِكَ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُ النَّفَلُ إذَا جَاءَ بِذَلِكَ كُلِّهِ. لِأَنَّ الِاسْمَ يُطْلَقُ اسْتِعْمَالًا عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْعُرْفِ. . - وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِبَعِيرٍ أَوْ جَمَلٍ فَهُوَ لَهُ، فَجَاءَ بِبُخْتِيٍّ فَهُوَ لَهُ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ. بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِبُخْتِيٍّ أَوْ بُخْتِيَّةٍ، فَجَاءَ بِجَمَلٍ عَرَبِيٍّ أَوْ نَاقَةٍ. لِأَنَّ الْبُخْتِيَّ اسْمٌ خَاصٌّ لِجَمَالِ الْعَجَمِ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْعَرَبِيَّ. كَمَا أَنَّ اسْمَ الْعَجَمِيِّ فِي التَّنْفِيلِ لَا يَتَنَاوَلُ الْعَرَبِيَّ، وَاسْمُ الْبُخْتِيِّ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى. كَمَا أَنَّ اسْمَ الْجَمَلِ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ الْإِبِلِ الْعَرَبِيِّ. وَاسْمُ الْبَقَرِ فِي التَّنْفِيلِ لَا يَتَنَاوَلُ الْجَامُوسَ. فَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُكَمَّلُ نَصَّابُ الْبَقَرِ بِهِ فِي الزَّكَاةِ، وَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ قَوْلَهُ ﵊ «فِي ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ» . لَكِنَّهُ اعْتَبَرَ الْعُرْفَ. وَفِي الْعُرْفِ يَنْفِي عَنْ الْجَامُوسِ اسْمَ الْبَقَرِ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ إلَّا مُقَيَّدًا كَمَا يُقَالُ بِالْفَارِسِيَّةِ كاؤميش بِخِلَافِ اسْمِ الْبَعِيرِ وَالْجَمَلِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْبُخْتِيِّ فِي كُلِّ لِسَانٍ. .

стр. 777

- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِشَاةٍ فَهِيَ لَهُ. فَلِذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مَعْزًا كَانَ أَوْ ضَانًّا. وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهِ الْمَاعِزُ. لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِاسْمٍ آخَرِ. وَيَنْفِي عَنْهُ اسْمَ الشَّاةِ كَمَا فِي الْجَامُوسِ. وَلَكِنْ اُعْتُبِرَ فِيهِ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ يُخْلَطُ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ عَادَةً. وَيُعَدُّ الْكُلُّ شَيْئًا وَاحِدًا، فَيُطْلَقُ اسْمُ الشَّاةِ وَالْغَنَمِ عَلَى الْكُلِّ. وَهَذَا الْوَجْهُ بِخِلَافِ الْجَوَامِيسِ. وَاسْمُ الْكَبْشِ وَالتَّيْسِ لَا يَتَنَاوَلُ النَّعْجَةَ لِأَنَّهُ اسْمُ نَوْعٍ خَاصٍّ. وَاسْمُ الدَّجَاجِ يَتَنَاوَلُ الدِّيكَ وَالدَّجَاجَةَ جَمِيعًا. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ لَبِيدٍ بَاكَرَتْ حَاجَتَهَا الدَّجَاجَ بِسَحَرَةٍ ... لِأُعَلَّ مِنْهَا حِينَ هَبَّ نِيَامُهَا وَقَالَ آخَرُ: لَمَّا مَرَرْت بِدَيْرِ الْهِنْدِ أَرَّقَنِي ... صَوْتُ الدَّجَاجِ وَضَرْبٌ بِالنَّوَاقِيسِ فَأَمَّا اسْمُ الدَّجَاجَةِ فَلَا يَتَنَاوَلُ الدِّيكَ. وَاسْمُ الدِّيكِ لَا يَتَنَاوَلُ الدَّجَاجَةَ أَيْضًا وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي أَيْمَانِ الْجَامِعِ فِيمَا إذَا قَالَ: لَا آكُلَ لَحْمَ دَجَاجٍ. فَأَكَلَ لَحْمَ دِيكٍ حَنِثَ وَلَوْ عَقَدَ الْيَمِينَ بِاسْمِ الدَّجَاجَةِ لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ عَقَدَ الْيَمِينَ بِاسْمِ الدِّيكِ لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَكَلَ دَجَاجَةً. فَحُكْمُ التَّنْفِيلِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ قِيَاسِ الْيَمِينِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 778

[بَابٌ مِنْ التَّنْفِيلِ فِي الْعَسْكَرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ] - وَإِذَا دَخَلَ الْعَسْكَرَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَرْضَ الْحَرْبِ مِنْ طَرِيقَيْنِ، فَبَعَثَ أَمِيرُ كُلِّ عَسْكَرٍ سَرِيَّةً وَنَفَلَ لَهُمْ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبُعَ فَالْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ عِنْدَ حِصْنٍ وَأَصَابُوا الْغَنَائِمَ، ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَتَفَرَّقُوا حَتَّى تَرْجِعَ كُلُّ سَرِيَّةٍ إلَى عَسْكَرِهِمْ. . فَإِنَّ الْغَنِيمَةَ تُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ. كَأَنَّهُ لَا نَفْلَ فِيهَا وَلَا مُسْتَحِقَّ لَهَا سِوَاهُمْ. لِأَنَّ كُلَّ أَمِيرٍ إنَّمَا نَفَلَ سَرِيَّتَهُ مِمَّا أَصَابَتْ، وَلَا يَتَبَيَّنُ مُصَابُ كُلِّ سَرِيَّةٍ إلَّا بِالْقِسْمَةِ. فَلِهَذَا يُقَسَّمُ بَيْنَ السَّرِيَّتَيْنِ عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْفَعَ الْخُمُسُ أَوَّلًا. إذْ لَيْسَتْ إحْدَى السَّرِيَّتَيْنِ بِأَنْ تَذْهَبَ بِالْخُمُسِ بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، ثُمَّ تَرْجِعُ كُلُّ سَرِيَّةٍ بِمَا أَصَابَهَا مِنْ الْقِسْمَةِ إلَى الْعَسْكَرِ، فَيُعْطِيهِمْ أَمِيرُهُمْ النَّفَلَ مِنْ ذَلِكَ وَيَضُمُّ مَا بَقِيَ إلَى غَنَائِمِهِمْ، فَيُخْرِجُ الْخُمُسَ مِنْهَا وَيَقْسِمُ مَا بَقِيَ بَيْنَ السَّرِيَّةِ وَأَهْلِ الْعَسْكَرِ. حَتَّى إذَا كَانَتْ إحْدَى السَّرِيَّتَيْنِ ثَمَانَ مِائَةٍ: أَرْبَعَ مِائَةٍ فُرْسَانٍ وَأَرْبَعَ مِائَةِ رَجَّالَةٍ، وَالسَّرِيَّةُ الْأُخْرَى أَرْبَعُ مِائَةٍ: مِائَةٌ فُرْسَانٌ وَثَلَاثُ مِائَةٍ (ص ٢٧٤) رَجَّالَةٌ. فَإِنَّمَا يُقَسَّمُ الْمُصَابُ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى خَمْسِ مِائَةٍ فُرْسَانٍ وَسَبْعِ مِائَةٍ رَجَّالَةٍ.

стр. 779

ثُمَّ مَا أَصَابَ الْفُرْسَانُ يُقَسَّمُ أَخْمَاسًا: خُمُسُ ذَلِكَ لِلسَّرِيَّةِ الَّتِي هِيَ قَلِيلَةُ الْعَدَدِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلسَّرِيَّةِ الْأُخْرَى. وَمَا أَصَابَ الرَّجَّالَةُ يُقَسَّمُ أَسْبَاعًا: ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ لِلْقَلِيلَةِ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهِ لِلْأُخْرَى. فَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَتَبَيَّنُ حِصَّةُ كُلِّ سَرِيَّةِ مِنْ الْمُصَابِ - وَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْحُكْمِ إنْ كَانَ الْأَمِيرَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفَّلَ لِسَرِيَّتِهِ أَوْ لَمْ يُنَفِّل وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْ نَفَّلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ. لِأَنَّ تَنْفِيلَ كُلِّ أَمِيرٍ لَا يَجُوزُ فِيمَا هُوَ حِصَّةُ السَّرِيَّةِ الْأُخْرَى. فَإِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 780

[بَابُ النَّفْلِ لِمَنْ يَجِبُ إذَا جَعَلَهُ الْأَمِيرُ جُمْلَةً] ٩١ - بَابُ النَّفْلِ لِمَنْ يَجِبُ إذَا جَعَلَهُ الْأَمِيرُ جُمْلَةً وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَأَصَابَ شَيْئًا فَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الرُّبْعُ. فَهَذَا اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ سَهْمٌ أَوْ رَضْخٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيِّ، رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ بَالِغٍ، تَاجِرٍ أَوْ مُقَاتِلٍ، قَاتَلَ قَبْلَ هَذَا أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ وَالْإِصَابَةِ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَتَحَقَّقُ فِيهِمْ مَعْنَى التَّحْرِيضِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ السَّهْمَ أَوْ الرَّضْخَ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِلتَّحْرِيضِ؟ وَالتَّاجِرُ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ قَبْلَ هَذَا فَقَدْ قَاتَلَ الْآنَ حِينَ أَصَابَ شَيْئًا وَجَاءَ بِهِ. فَلِهَذَا اسْتَحَقَّ النَّفَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. - فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ فَإِنْ كَانَ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ رَضْخًا وَلَا سَهْمًا. وَإِنْ كَانَ خَرَجَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ فِي ذَلِكَ. - وَلَوْ أَنَّ أَسِيرًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ سَمِعَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ الْأَمِيرِ فَخَرَجَ وَأَصَابَ شَيْئًا فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُسْلِمِينَ.

стр. 781

لِأَنَّ الْأَسِيرَ فَيْءٌ لَهُمْ، وَمَا أَصَابَهُ فَهُوَ كَسْبُهُ، وَكَسْبُ الْعَبْد لِمَوْلَاهُ. فَلِهَذَا كَانَ هُوَ مَعَ مَا جَاءَ بِهِ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ. - وَلَوْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ، فَلَمَّا سَمِعُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ خَرَجُوا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ فَأَتَوْا بِهَا الْعَسْكَرَ. فَإِنْ كَانُوا وَصَلُوا إلَى مَوْضِعٍ قَدْ أَمِنُوا فِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَصَابُوا هَذَا الْمَالَ فَعَادُوا وَاسْتَأْمَنُوا عَلَيْهَا أَمَانًا مُسْتَقْبَلًا فَذَلِكَ كُلُّهُ لَهُمْ، لَا خُمْسَ فِيهَا. لِأَنَّهُ بِوُصُولِهِمْ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَدْ انْتَهَى حُكْمُ الْأَمَانِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ أَغَارُوا عَلَى أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَمَلَكُوهَا ثُمَّ اسْتَأْمِنُوا عَلَيْهَا. - وَإِنْ كَانُوا أَصَابُوا ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَبْلُغُوا فِيهِ مَأْمَنَهُمْ فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُسْلِمِينَ إنْ كَانُوا خَرَجُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا بِإِذْنِهِ فَلَهُمْ النَّفَلُ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْأَمَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بَاقٍ مَا لَمْ يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ. فَحُكْمُهُمْ فِي هَذَا كَحُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي عَسْكَرِنَا مِنْ أَهْلِ دَارٍ أُخْرَى. وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَ الَّذِينَ خَرَجُوا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ وَاَلَّذِينَ خَرَجُوا بِغَيْرِ إذْنِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأَمِيرِ وَالْمُسْلِمِينَ نُصْرَةُ الْخَارِجِينَ بِإِذْنِهِ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ إذَا بَلَغَهُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ أَحَاطُوا بِهِمْ، كَمَا يَجِبُ نُصْرَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ نُصْرَةُ الْخَارِجِينَ بِغَيْرِ إذْنِهِ. فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ التَّنْفِيلِ الَّذِينَ خَرَجُوا بِإِذْنِهِ، بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ دُونَ الَّذِينَ خَرَجُوا بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 782

[بَابُ النَّفْلِ فِي دُخُولِ الْمَطْمُورَةِ] ٩٢ - بَابُ النَّفْلِ فِي دُخُولِ الْمَطْمُورَةِ وَإِذَا وَقَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَابِ مَطْمُورَةٍ فِيهَا الْعَدُوُّ يُقَاتِلُونَ. فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ دَخَلَ مِنْ بَابِ هَذِهِ الْمَطْمُورَةِ فَلَهُ نَفْلُ مِائَةِ دِرْهَمٍ. فَاقْتَحَمَ الْبَابَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا لِلْمَطْمُورَةِ بَابٌ آخَرُ دُونَ ذَلِكَ الْبَابِ (ص ٢٧٥) مُغْلَقٌ. وَإِذَا لَيْسَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَحَدٌ. فَقَاتَلَ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْبَابِ الثَّانِي حَتَّى اقْتَحَمُوا، فَلِلَّذِينَ اقْتَحَمُوا الْبَابَ الْأَوَّلَ نَفْلُهُمْ لِكُلِّ إنْسَانٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ. لِأَنَّ الْإِمَامَ أَوْجَبَ لَهُمْ ذَلِكَ. فَإِنَّ كَلِمَةَ (مَنْ) تُوجِبُ الْعُمُومَ، عَلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ. فَإِنْ قَالَ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ: لَا نُعْطِيهِمْ النَّفَلَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَحَدٌ، وَقَدْ اجْتَمَعْنَا عَلَى الْقِتَالِ عَلَى بَابِ الْمَطْمُورَةِ. قِيلَ لَهُمْ: إنَّ الْأَمِيرَ حَرَّضَ الدَّاخِلِينَ عَلَى دُخُولِ الْبَابِ الْأَوَّلِ بِمَا أَوْجَبَ لَهُمْ، فَكَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّنْفِيلِ مَاسَّةً يَوْمَئِذٍ. فَإِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَدْرُونَ أَنَّ وَرَاءَ الْبَابِ بَابًا آخَرَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَحَدٌ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا لَوْ قَالَ الْإِمَامُ مَنْ دَخَلَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَهُوَ مَا صَمَدَ

стр. 783

لَبَابٍ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ بَابِ الْمَطْمُورَةِ. وَبَابُ الْمَطْمُورَةِ الْبَابُ الْأَقْصَى. قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ بَابَ الْمَطْمُورَةِ عِنْدَ الْأَمِيرِ وَالْمُسْلِمِينَ حِينَ نُفِلَ كَانَ الْبَابَ الْأَوَّلَ، وَكَانُوا لَا يَتَجَاسَرُونَ عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ، فَاَلَّذِينَ دَخَلُوهُ بَعْدَ التَّنْفِيلِ خَاطَرُوا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَتَوْا بِمَا أَوْجَبَ لَهُمْ الْإِمَامُ النَّفَلَ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى جَمَاعَتُهُمْ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ الْإِمَامُ ذَلِكَ لِلدَّاخِلَيْنِ. قُلْنَا: مُطْلَقُ الْكَلَامِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَتَسَارَعُ إلَى الْأَفْهَامِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ الْمِائَةُ نَفْلًا. فَإِنَّهُ نَكَّرَ الْمِائَةَ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرُ الْمُسْتَحَقِّ لِصَاحِبِهِ. - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ فَلَهُ رَأْسٌ - بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ فَلَهُ الرُّبْعُ مِنْ الْغَنِيمَةِ - فَدَخَلَ عَشْرَةٌ، فَلَهُمْ الرُّبْعُ بَيْنَهُمْ. لِأَنَّ هُنَاكَ عُرْفًا مَا أَوْجَبَ لِلدَّاخِلَيْنِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْغَنِيمَةِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ مُرَادَهُ الْإِشْرَاكُ بَيْنَ الدَّاخِلِينَ فِي الْجُزْءِ الْمُسَمَّى. أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّاخِلِينَ يَزِيدُونَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ عَادَةً، وَلَا تَكُون الْغَنِيمَةُ إلَّا أَرْبَعَةَ أَرْبَاعٍ؟ فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مُرَادَهُ الْإِشْرَاكُ بَيْنَهُمْ فِي الرُّبْعِ وَإِنْ كَثُرُوا. - وَإِنْ دَخَلَ وَاحِدٌ ثُمَّ وَاحِدٌ هَكَذَا (ص ١٩١) حَتَّى كَمُلُوا عَشْرَةً. فَالرُّبْعُ بَيْنَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ دَخَلُوا مَعًا. لِأَنَّهُ أَوْجَبَ النَّفَلَ عَلَى الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ بِجَمْعٍ أَوْ تَرْتِيبٍ.

стр. 784

- وَلَكِنَّ هَذَا لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ قَبْلَ أَنْ يَتَنَحَّى الْعَدُوُّ مِنْ الْبَابِ. فَإِذَا تَنَحَّوْا أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَحَدٌ فَلَا نَفْلَ لِمَنْ يَدْخُلُ بَعْدَ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ التَّحْرِيضُ عَلَى الدُّخُولِ، وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِحَالِ بَقَاءِ الْخَوْفِ. - وَكَذَلِكَ إنْ فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْبَابَ وَهَابُوا أَنْ يَدْخُلُوا مَخَافَةَ كَمِينٍ خَلْفَ الْبَابِ، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّحْرِيضُ عَلَى الدُّخُولِ فَيَتَقَيَّدُ بِحَالِ بَقَاءِ الْخَوْفِ. - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ فَلَهُ بِطْرِيقُ الْمَطْمُورَةِ. فَدَخَلَ الْعَشَرَةُ مَعًا أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ حَالَ قِيَامِ الْخَوْفِ. . لِأَنَّهُ عَرَّفَ الْبِطْرِيقَ بِالْإِضَافَةِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الْإِشْرَاكُ بَيْنَ الدَّاخِلِينَ فِيهِ. - وَلَوْ قَالَ: فَلَهُ بِطْرِيقٌ مِنْ بِطَارِقَتِهِمْ. فَلِكُلِّ دَاخِلٍ بِطْرِيقٌ. لِأَنَّ مَا أَوْجَبَهُ هُنَاكَ مُنْكَرٌ. إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَطْمُورَةِ إلَّا بِطْرِيقَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ لَا يُعْطَوْنَ شَيْئًا آخَرَ. لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِيجَابِ بِاعْتِبَارِ الْمَحِلِّ، فَلَا يَصِحُّ إلَّا فِي مِقْدَارِ الْمَوْجُودِ فِي الْمَحِلِّ.

стр. 785

- وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: فَلَهُ جَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِيهِمْ. ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ إلَّا ثَلَاثَ جِوَارٍ، فَذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُهُمْ بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ. وَلَا يُعْطَوْنَ شَيْئًا آخَرَ. لِأَنَّ التَّنْفِيلَ لَمْ يُوجَدْ فِيمَا سِوَى الْجَوَارِي الْمَوْجُودَاتِ فِيهَا. - بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: فَلَهُ جَارِيَةٌ. وَلَمْ يَقُلْ مِنْ جَوَارِيهِمْ. فَإِنَّ هُنَاكَ يُعْطَى، كُلُّ دَاخِلٍ جَارِيَةً أَوْ قِيمَةَ جَارِيَةٍ وَسَطٍ مِنْ الْمَالِ الْمَوْجُودِ فِيهَا. لِأَنَّهُ سَمَّى لِكُلِّ دَاخِلٍ جَارِيَةً مُطْلَقًا. وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ تُوجِبُ الْحَقَّ فِي مَالِيَّةِ جَارِيَةٍ إمَّا عَيْنُهَا أَوْ قِيمَتُهَا. وَلَكِنْ يَتَقَيَّدُ بِالْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي الْمَطْمُورَةِ. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيصَالُ الْمَنْفَعَةِ إلَى الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا تَقَيَّدَ النَّفَلُ بِالْمَالِ الْمَوْجُودِ فِيهَا. حَتَّى إذَا لَمْ يَجِدُوا فِي الْمَطْمُورَةِ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لِلدَّاخِلِينَ. لِانْعِدَامِ الْمَحِلِّ الَّذِي أَوْجَبَ الْإِمَامُ حَقَّهُمْ فِيهِ. وَأَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقَ بِالْوَصِيَّةِ:

стр. 786

فَإِنَّ مَنْ قَالَ أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِجَارِيَةٍ مِنْ جَوَارِيَّ، فَمَاتَ وَلَيْسَ لَهُ جَوَارٍ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصَى لَهُ شَيْءٌ. وَلَوْ قَالَ بِجَارِيَةٍ. أُعْطِيَ قِيمَةَ جَارِيَةٍ مِنْ مَالِهِ. فَإِنْ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ فَلَا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ. فَكَذَلِكَ حُكْمُ التَّنْفِيلِ. إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمَطْمُورَةِ شَيْءٌ وَأَصَابُوا غَنَائِمَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ النَّفَلُ. لِأَنَّ مَا يُقَيَّدُ مِنْ الْكَلَامِ بِمَقْصُودِ الْمُتَكَلِّمِ بِمَنْزِلَةِ مَا يَتَقَيَّدُ بِتَنْصِيصِ الْمُتَكَلَّمِ عَلَيْهِ. - فَإِنْ دَخَلَ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (ص ١٩١) وَنَادَى أَنَّهُ لَيْسَ خَلْفَ هَذَا الْبَابِ أَحَدٌ ثُمَّ دَخَلَ جَمَاعَةٌ فَالنَّفَلُ لِلْأَوَّلِ خَاصَّةً. لِأَنَّهُ تَقَيَّدَ بِحَالِ بَقَاءِ الْخَوْفِ، وَقَدْ زَالَ حِينَ سَمِعُوا النِّدَاءَ مِنْ الْأَوَّلِ. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْمَطْمُورَةُ مُظْلِمَةً وَلَمْ يُسَمُّوا مِنْ الْأَوَّلِ كَلَامًا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى إثْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ لَهُمْ شَيْءٌ. لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي حَالِ بَقَاءِ الْخَوْفِ، فَهُمْ كَالدَّاخِلِ أَوَّلًا فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفْلِ. - وَلَوْ دَخَلَ قَوْمٌ مِنْ بَابِهَا، وَتَدَلَّى قَوْمٌ مِنْ فَوْقِهَا. دَلَّاهُمْ غَيْرُهُمْ بِإِذْنِهِمْ، حَتَّى دَخَلُوا وَسَطَهَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ النَّفَلُ إذَا كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ: مَنْ دَخَلَهَا.

стр. 787

لِأَنَّهُ شَرَطَ الدُّخُولَ مُطْلَقًا. وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ مَنْ دَخَلَ مِنْ بَابِ الْمَطْمُورَةِ، لِأَنَّ هُنَاكَ قَيَّدَ الْكَلَامَ بِاشْتِرَاطِ الدُّخُولِ مِنْ الْبَابِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ خَرَجْت مِنْ هَذَا الْبَابِ. فَخَرَجَتْ مِنْ جَانِبِ السَّطْحِ، لَمْ يَقَع عَلَيْهَا شَيْءٌ. بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: إنْ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ. - فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ تَدَلَّوْا جَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي قُدُورٍ مِنْ حَدِيدٍ ثُمَّ أَمَرُوا أَصْحَابَهُمْ فَدَلُّوهُمْ، وَكَانُوا مُعَلَّقِينَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يُقَاتِلُونَ أَهْلَ الْمَطْمُورَةِ، حَتَّى فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْحِصْنَ. فَلَهُمْ النَّفَلُ. لِأَنَّهُمْ انْتَهَوْا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ مَقْصُودَ الْأَمِيرِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْقِتَالِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْجُرْأَةُ بِالْوُصُولِ إلَيْهِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. وَإِنَّمَا تَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْفَتْحِ بِاشْتِغَالِ الْعَدُوِّ بِالْقِتَالِ مَعَ الَّذِينَ تَدَلَّوْا. - فَإِنْ كَانُوا دَلُّوهُمْ ذِرَاعًا أَوْ ذِرَاعَيْنِ ثُمَّ أَخْرَجُوهُمْ لَمْ يَكُنْ هَذَا دُخُولًا. لِأَنَّهُمْ مَا وَصَلُوا إلَى مَوْضِعِ الْقِتَالِ وَمَا انْتَفَعَ الْمُسْلِمُونَ بِمَا صَنَعُوا فَلَا شَيْءَ لَهُمْ مِنْ النَّفْلِ. - وَلَوْ انْقَطَعَتْ الْحِبَالُ حِينَ دَلُّوهُمْ، فَوَقَعُوا فِي الْحِصْنِ، أَخَذُوا النَّفَلَ. لِأَنَّهُمْ دَلُّوهُمْ بِأَمْرِهِمْ. فَكَأَنَّهُمْ طَرَحُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا، فَيَسْتَحِقُّونَ النَّفَلَ لِإِتْيَانِهِمْ بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ.

стр. 788

- فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ دَلُّوهُمْ قَطَعُوا الْحِبَالَ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ، فَوَقَعُوا فِي الْمَطْمُورَةِ فَقَاتَلُوا حَتَّى فَتَحُوا، لَمْ يَكُنْ مِنْ النَّفْلِ شَيْءٌ. لِأَنَّهُمْ مَا دَخَلُوهَا، وَإِنَّمَا أُلْقُوا فِيهَا. فَإِنَّ الْقَطْعَ إذَا كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ لَا يَكُونُ فِعْلُ الْقَاطِع مُضَافًا إلَيْهِمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِأَمْرِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ عَطَبُوا فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ وَقْعَتِهِمْ ضَمِنَ الْقَاطِعُونَ دِيَاتِهِمْ. وَفِي الْأَوَّلِ لَا يَضْمَنُونَ شَيْئًا. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا. فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْمَعَ لَهُمْ بَيْنَ النَّفْلِ وَالدِّيَاتِ. - وَلَوْ زَلِقَتْ رِجْلُ أَحَدٍ مِنْ الْوَاقِفِينَ فَوْقَ الْمَطْمُورَةِ وَهُوَ يُقَاتِلُ فَوَقَعَ فِيهَا فَلَهُ النَّفَلُ. لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَضَعَ قَدَمَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَمَا طَرَأَ عَلَى فِعْلِهِ فِعْلٌ آخَرُ مُعْتَبَرٌ. فَيَكُونُ حُصُولُهُ فِيهَا مُضَافًا إلَى فِعْلِهِ، كَأَنَّهُ دَخَلَهَا قَصْدًا. - وَلَوْ دَفَعَهُ إنْسَانٌ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ النَّفْلِ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ طَرَأَ عَلَى فِعْلِهِ فِعْلٌ مُعْتَبَرٌ، فَيَكُونُ هُوَ مُلْقًى فِيهَا لَا دَاخِلًا. إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِأَنْ يُرْمَى بِهِ فِيهَا. فَإِنَّ فِعْلَ الْغَيْرِ بِأَمْرِهِ كَفِعْلِهِ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إظْهَارُ الْجُرْأَةِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ فِيمَا فَعَلَ بِهِ غَيْرُهُ (ص ٢٧٧) بِأَمْرِهِ، وَلَا يَحْصُلُ إذَا فَعَلَ بِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ. - وَلَوْ أَنَّ أَصْحَابَهُ دَلُّوهُ فِيهَا، فَقَطَعَ أَهْلُ الْحَرْبِ الْحِبَالَ بِالسُّيُوفِ، فَوَقَعَ فِيهَا وَقَاتَلَ حَتَّى فُتِحَتْ الْمَطْمُورَةُ فَلَهُ النَّفَلُ. لِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مَوْضِعَ الْقِتَالِ حَيْثُ وَصَلَتْ السُّيُوفُ إلَى الْحِبَالِ فَقَطَعُوهَا، أَوْ إلَى الْقُدُورِ فَكَسَرُوهَا.

стр. 789

- فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْهَوَاءِ أَعْلَى مِنْ أَنْ يَصِلَ سِلَاحُ الْعَدُوِّ إلَيْهِ فَتُوهِقُهُ أَهْلُ الْحَرْبِ بِوَهَقٍ حَتَّى رَمَوْا بِهِ فِي الْمَطْمُورَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ النَّفْلِ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ مُلْقَى فِي الْمَطْمُورَةِ بِفِعْلِ فَاعِلٍ مُعْتَبَرٍ، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فِيهِ إظْهَارُ الْجُرْأَةِ. فَلَا يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ. - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْمَطْمُورَةِ طَلَبُوا الصُّلْحَ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوا الرِّجَالَ وَيَأْخُذُوا الْأَمْوَالَ وَالذُّرِّيَّةَ، وَأَدْخَلُوا النَّاسَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَنَظَرُوا فَإِذَا عِدَّةُ الرِّجَالِ خَمْسُونَ. فَأَجَابُوهُمْ إلَى مَا الْتَمَسُوا مِنْ الصُّلْحِ. ثُمَّ لَمَّا دَخَلُوا وَجَدُوا فِيهَا أَلْفَ رَجُلٍ. فَإِذَا الْمَطْمُورَةُ أَمْيَالٌ فِي الْأَرْضِ إلَّا أَنَّ بَابَهَا الَّذِي يَخْرُجُ أَهْلُهَا مِنْهُ إلَى الْأَرْضِ وَاحِدٌ. فَهَذِهِ مَطْمُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَجَمِيعُ مَنْ فِيهَا مِنْ الرِّجَالِ آمِنٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ بَابَ الْمَطْمُورَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَاحِدٌ. فَتَكُونُ مَطْمُورَةً وَاحِدَةً، بِمَنْزِلَةِ دَارٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فِيهَا حُجَرٌ وَمَقَاصِيرُ، وَلَكِنَّ بَابَهَا إلَى السِّكَّةِ وَاحِدٌ. فَإِنَّهَا تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ دَارٍ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ قَدْ آمَنُوا الرِّجَالَ الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَطْمُورَةِ. وَإِنَّمَا ظَنُّوا قِلَّةَ عَدَدِهِمْ. وَلَا يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى الظَّنِّ، وَإِنَّمَا يُبْنَى عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ. فَكَانُوا جَمِيعًا آمَنِينَ.

стр. 790

- وَإِنْ كَانَ لِأَقْصَى الْمَطْمُورَةِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ بَابٌ يَخْرُجُ إلَى أَعْلَى الْأَرْضِ فَهَاتَانِ مَطْمُورَتَانِ، بِاخْتِلَافِ الْمَدْخَلِ. بِمَنْزِلَةِ دَارٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ عَظِيمَةٍ، لِكُلِّ جَانِبٍ مِنْهَا بَابٌ، فَإِنَّهَا تُجْعَلُ فِي حُكْمِ دَارَيْنِ. - ثُمَّ الْأَمَانُ أَيْضًا وَقَعَ عَلَى الْمَطْمُورَةِ الَّتِي تَلِي الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ وُجِدَ فِيهَا مِنْ الرِّجَالِ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ وُجِدَ فِي الْمَطْمُورَةِ الْأُخْرَى مِنْ الرِّجَالِ فَهُوَ فَيْءٌ. ١٤٩٨ - فَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ مِنْ الْمَطْمُورَةِ الْأُولَى لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى كَلَامِهِمْ. لِأَنَّهُمْ وُجِدُوا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْأَمَانِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِيمَا يَدَّعُونَ مِنْ الْأَمَانِ. إلَّا أَنْ يُعْرَفُوا بِأَعْيَانِهِمْ. بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنْ قُرَى أَهْلِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا فَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ إلَّا مِنْ عُرِفَ أَنَّهُ ذِمِّيٌّ. - وَمَنْ وُجِدَ فِي الْمَطْمُورَةِ الْأُولَى، فَهُوَ آمِنٌ. لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي مَوْضِعِ الْأَمْنِ. إلَّا مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ الْأُخْرَى. بِمَنْزِلَةِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دَخَلُوا قَرْيَةً مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَا سَبِيلَ

стр. 791

لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى اسْتِرْقَاقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، إلَّا مَنْ عُرِفَ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ. - ثُمَّ إنْ كَانَ بَيْنَ الْمَطْمُورَتَيْنِ حَائِطٌ. وَعَلَيْهِ بَابٌ يَصِلُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ، فَالْحَائِطُ هُوَ الْمُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَطْمُورَتَيْنِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَائِطٌ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى مَوْضِعٍ يَنْقَطِعُ مِنْهُ وُصُولُ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ، فَمِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ تَفْتَرِقُ الْمَطْمُورَتَانِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ يَنْقَطِعُ مِنْهُ وُصُولُ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ فَهَذِهِ كُلُّهَا مَطْمُورَةٌ وَاحِدَةٌ. بِمَنْزِلَةِ مَدِينَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَهَا أَبْوَابٌ. فَإِنَّ بِاخْتِلَافِ الْأَبْوَابِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ مَدِينَةً وَاحِدَةً. وَالْمَطَامِيرُ تَحْتَ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ الْأَبْنِيَةِ فَوْقَهَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ جَمِيعُ مَنْ فِيهَا مِنْ الرِّجَالِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 792

[بَابٌ مِنْ النَّفْلِ يُفَضَّلُ فِيهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالتَّقَدُّمِ] ٩٣ - بَابٌ مِنْ النَّفْلِ يُفَضَّلُ فِيهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالتَّقَدُّمِ وَإِذَا وَقَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَابِ حِصْنٍ. فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ أَوَّلًا فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ، وَلِلثَّانِي رَأْسَانِ، وَلِلثَّالِثِ رَأْسٌ. فَهَذَا تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ حَصَلَ مِنْ الْإِمَامِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، بِحَسَبِ الْجَزَاءِ وَالْعَنَاءِ. فَعَنَاءُ الدَّاخِلِ أَوَّلًا (ص ٢٧٨) أَكْثَرُ مِنْ عَنَاءِ الثَّانِي، وَعَنَاءُ الثَّانِي أَكْثَرُ مِنْ عَنَاءِ الثَّالِثِ. ١٥٠٢ - فَإِذَا دَخَلَ ثَلَاثَةٌ تِبَاعًا كَانَ لِلْأَوَّلِ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ، وَلِلثَّانِي رَأْسَانِ، وَلِلثَّالِثِ رَأْسٌ. ١٥٠٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ، وَلِلثَّانِي رَأْسَانِ، وَلِلثَّالِثِ رَأْسٌ. لِأَنَّ بِالْعَطْفِ بِلَفْظِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ أَوَّلِ كَلَامِهِ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ أَوَّلٌ، فَكَأَنَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ. - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَيُّكُمْ دَخَلَ. لِأَنَّ أَيَّ كَلِمَةٍ جَمْعٍ تَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ. بِمَنْزِلَةِ كَلِمَةِ مَنْ.

стр. 793

- وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الثَّانِي وَالثَّالِثُ النَّفَلَ إذَا دَخَلُوا فِي الْفَصْلَيْنِ فِي حَالِ بَقَاءِ الْخَوْفِ. فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ بَعْدَ زَوَالِ الْخَوْفِ فَلَا شَيْءَ لَهُ. ١٥٠٦ - وَإِنْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ الثَّلَاثِ جَمِيعًا مَعًا بَطَلَ نَفْلُ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي. وَإِنَّمَا لَهُمْ نَفْلُ الثَّالِثِ وَهُوَ رَأْسٌ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ، وَالثَّانِي اسْمٌ لِفَرْدٍ هُوَ تَالٍ لِلسَّابِقِ، وَالثَّالِثَ اسْمٌ لِفَرْدٍ هُوَ تَالٍ لِلسَّابِقِ وَالثَّانِي. هَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ. وَلَكِنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ التَّنْفِيلُ. بِحَسَبِ إظْهَارِ الْجَلَّادَةِ وَالْقُوَّةِ، وَمَا كَانَ مِنْ الْجَلَّادَةِ الَّتِي تَحْصُلُ بِدُخُولِ أَوَّلِ الْقَوْمِ لَا تَحْصُلُ إذَا دَخَلَ مَعَهُ اثْنَانِ. فَلِهَذَا يَبْطُلُ نَفْلُ الْأَوَّلِ. وَكَذَلِكَ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْجَلَّادَةِ بِدُخُولِهِ بَعْدَ وَاحِدٍ لَا يَحْصُلُ بِدُخُولِهِ مَعَ اثْنَيْنِ. فَأَمَّا مَا يَحْصُلُ بِدُخُولِهِ بَعْدَ اثْنَيْنِ يَحْصُلُ بِدُخُولِهِ مَعَهُمَا بِيَقِينٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلِهَذَا يَجِبُ نَفْلُ الثَّالِثِ. - ثُمَّ لَيْسَ أَحَدُهُمْ بِأَنْ يُجْعَلَ ثَالِثًا بِأَوْلَى مِنْ صَاحِبِيهِ، فَلِهَذَا كَانَ نَفْلُ الثَّالِثِ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ أَثْلَاثًا. فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَا يُعْطَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ عَلَى أَنَّهُ ثَالِثٌ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْإِمَامَ أَوْجَبَ لِلثَّالِثِ رَأْسًا وَاحِدًا. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اسْمَ الثَّالِثِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْفَرْدَ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْإِيجَابُ بِهَذَا اللَّفْظِ عَامًّا أَوْ مُتَنَاوِلًا لَهُمْ جَمِيعًا. وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ أَحَدَهُمْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ. ثُمَّ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْمُسْتَحَقِّ بِاعْتِبَارِ الْمُعَارَضَةِ وَالْمُسَاوَاةِ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ.

стр. 794

- وَلَوْ دَخَلَ اثْنَانِ مَعًا ثُمَّ ثَالِثٌ بَعْدَهُمَا بَطَلَ نَفْلُ الْأَوَّلِ. لِأَنَّهُ لَا أَوَّلَ بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ لَهُمَا نَفْلُ الثَّانِي. وَذَلِكَ رَأْسَانِ. لِأَنَّ الثَّانِي فِيهِمَا يَتَعَيَّنُ، فَجَزَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الدُّخُولِ مَعَ صَاحِبِهِ أَظْهَرُ مِنْ جَزَائِهِ فِي الدُّخُولِ بَعْدَ صَاحِبِهِ. وَلِلثَّالِثِ رَأْسٌ. لِأَنَّهُ دَخَلَ بَعْدَ اثْنَيْنِ فَهُوَ الثَّالِثُ بِعَيْنِهِ. - وَلَوْ دَخَلَ اثْنَانِ مَعًا، ثُمَّ اثْنَانِ مَعًا، فَلِلْأَوَّلَيْنِ نَفْلُ الثَّانِي. لِمَا قُلْنَا. وَلَا شَيْءَ لِلْآخَرَيْنِ. لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَ الثَّالِثِ رَابِعٌ. وَالثَّالِثُ اسْمٌ لِفَرْدٍ يَدْخُلُ بَعْدَ اثْنَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لِكَوْنِ صَاحِبِهِ مَعَهُ. ١٥١٠ - وَلَوْ دَخَلَ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْقَوْمِ مَعًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ أَوَّلٌ وَلَا ثَانٍ وَلَا ثَالِثٌ، فَإِنَّ الرَّابِعَ مُزَاحِمٌ لَهُمْ. أَرَأَيْت لَوْ دَخَلَ عِشْرُونَ مَعًا، أَوْ دَخَلَ الْعَسْكَرُ جَمِيعًا مَعًا أَكَانُوا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا؟

стр. 795

- وَلَوْ دَخَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَاحِدٌ، ثُمَّ اثْنَانِ، فَالدَّاخِلُ أَوَّلًا يَسْتَحِقُّ نَفْلَ الْأَوَّلِ. لِأَنَّهُ فَرْدٌ سَبَقَ بِالدُّخُولِ. وَبَطَلَ نَفْلُ الثَّانِي. لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي فِي الْآخَرَيْنِ. وَلَكِنْ لَهُمَا نَفْلُ الثَّالِثِ. لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الثَّالِثَ فِيهِمَا. - وَلَوْ دَخَلَ وَاحِدٌ ثُمَّ وَاحِدٌ ثُمَّ اثْنَانِ فَلَا شَيْءَ لِلْآخَرَيْنِ. لِأَنَّهُ لَا ثَالِثَ فِيهِمَا. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَابِعٌ مَعَ صَاحِبِهِ. وَالْإِمَامُ مَا أَوْجَبَ لِلرَّابِعِ شَيْئًا. - وَلَوْ صَمَدَ الْأَمِيرُ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَقَالَ: لَسْت أَطْمَعُ فِي أَنْ تَدْخُلَ أَوَّلًا، وَلَكِنْ إنْ دَخَلَتْ ثَانِيًا فَلَكَ رَأْسَانِ. فَدَخَلَ أَوَّلَ الْقَوْمِ. فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ. لِأَنَّ الْإِمَامَ مَا أَوْجَبَ لِلْأَوَّلِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ لَهُ التَّنْفِيلَ بِشَرْطِ أَنْ يَدْخُلَ ثَانِيًا. وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الشَّرْطُ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُ رَأْسَانِ. لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّهُ صَنَعَ مَا طَلَبَ الْإِمَامُ مِنْهُ وَزِيَادَةً فِي إظْهَارِ الْقُوَّةِ وَالْجَلَّادَةِ. فَإِنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ:

стр. 796

لَسْت أَطْمَعُ فِي أَنْ تَدْخُلَ أَوَّلًا. يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُرَادُهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الدُّخُولَ ثَانِيًا. وَإِنَّمَا مُرَادُهُ التَّحْرِيضُ عَلَى إظْهَارِ الْجِدِّ فِي الْقِتَالِ. وَقَدْ أَتَى بِهِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ. - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ، وَلَكِنْ قَالَ: إنْ دَخَلَتْ ثَانِيًا فَلَكَ رَأْسَانِ فَدَخَلَ أَوَّلًا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا. لِأَنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ هَا هُنَا أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ أَوَّلًا إبْقَاءً عَلَى نَفْسِهِ. فَإِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَقْتَحِمُ الْمَهَالِكَ، فَأَرَادَ أَنْ لَا يَدْخُلَ وَحْدَهُ حَتَّى يَدْخُلَ غَيْرُهُ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ، لِيَكُونَ أَقْوَى لَهُ. فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِتِلْكَ الصِّفَةِ لَا يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ. ثُمَّ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا مُحْتَمَلٌ، وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا. وَلَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُ الْمُحْتَمَلِينَ إلَّا بِالدَّلِيلِ. وَقَدْ وُجِدَ الدَّلِيلُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. وَهُوَ الْمُقَدِّمَةُ الَّتِي جَرَتْ، وَلَمْ يُوجَدْ الدَّلِيلُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فَيَبْقَى الِاحْتِمَالُ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ. - وَلَوْ دَخَلَ مَعَ آخَرَ فَلَهُ رَأْسَانِ. لِأَنَّهُ دَخَلَ ثَانِيًا كَمَا شَرَطَ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ. - وَلَوْ دَخَلَ ثَلَاثَةٌ هُوَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا بِإِيجَابِ النَّفْلِ لَهُ إذَا دَخَلَ ثَانِيًا، فَإِنْ أَوْجَبَ لَهُ نَفْلًا إنْ دَخَلَ ثَالِثًا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ ثَالِثٌ فِي الدُّخُولِ إذَا دَخَلَ مَعَ اثْنَيْنِ، كَمَا هُوَ ثَالِثٌ إذَا دَخَلَ بَعْدَهُمَا. - وَلَوْ قَالَ لِلْقَوْمِ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ ثَانِيًا فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَخَلَ وَاحِدٌ أَوَّلًا، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا.

стр. 797

لِأَنَّهُ أَوْجَبَ النَّفَلَ لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ. فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ ذَهَبَ قَوْلُكُمْ إنَّ مَعْنَى الْعَنَاءِ وَالْقُوَّةِ فِي الدُّخُولِ أَوَّلًا أَكْثَرُ. فَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَتَى بِأَفْضَلَ مِمَّا كَانَ شُرِطَ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا إذَا كَانَ الْإِيجَابُ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْوَصْفِ الَّذِي رُتِّبَ الْإِيجَابُ عَلَيْهِ. أَرَأَيْت لَوْ اسْتَحَقَّ هَذَا النَّفَلَ لِأَنَّهُ صَنَعَ خَيْرًا مِمَّا طُلِبَ مِنْهُ. ثُمَّ دَخَلَ الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ، هَلْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا؟ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ، لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَصْفِ الَّذِي أَوْجَبَ الْإِمَامُ النَّفَلَ بِهِ. وَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ لَهُ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْأَوَّلِ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا إذَا كَانَ التَّنْفِيلُ لِمُعَيَّنٍ. - وَلَوْ قَالَ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ بِأَعْيَانِهِمْ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ أَوَّلًا فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ. فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَعَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ. فَلِلدَّاخِلِ مِنْ الثَّلَاثَةِ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ. لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ النَّفَلَ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الثَّلَاثَةِ دُخُولًا. لَا عَلَى أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ النَّاسِ دُخُولًا. وَهُوَ أَوَّلُ الثَّلَاثَةِ حِينَ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ صَاحِبَاهُ. فَلَا يَبْطُلُ نَفْلُهُ بِدُخُولِ قَوْمٍ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ. - وَلَوْ كَانَ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ قَبْلَ النَّاسِ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ مُنْفَرِدًا بِالدُّخُولِ، سَابِقًا عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَلَمْ يُوجَدْ حِينَ دَخَلَ مَعَهُ غَيْرُهُ. وَفِي الْأَوَّلِ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَى صَاحِبِهِ. وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ.

стр. 798

- وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ اثْنَانِ مِنْ الثَّلَاثَةِ مَعًا فِي هَذَا الْفَصْلِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا شَيْءٌ. لِأَنَّهُ أَوْجَبَ النَّفَلَ لِفَرْدٍ يَسْبِقُ النَّاسَ كُلَّهُمْ بِالدُّخُولِ وَلَمْ يُوجَدْ. - وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ الشُّبَّانِ أَوَّلًا فَلَهُ رَأْسَانِ، وَلِلثَّانِي رَأْسٌ. وَمَنْ دَخَلَ مِنْ الشُّيُوخِ أَوَّلًا فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ، وَلِلثَّانِي رَأْسَانِ. فَدَخَلَ شَابٌّ وَشَيْخٌ مَعًا كَانَ لِلشَّابِّ رَأْسَانِ. لِأَنَّهُ أَوَّلُ شَابٍّ دَخَلَ. فَإِنَّ الَّذِي مَعَهُ لَيْسَ بِشَابٍّ، فَعَرَفْنَاهُ أَنَّهُ أَوَّلُ الشَّبَابِ دُخُولًا. وَلِلشَّيْخِ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ. لِأَنَّهُ أَوَّلُ الشُّيُوخِ دُخُولًا، وَاَلَّذِي مَعَهُ لَيْسَ بِشَيْخٍ. - وَلَوْ دَخَلَ شَابَّانِ وَشَيْخٌ فَلِلشَّيْخِ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ. لِأَنَّ أَوَّلَ شَيْخٍ دَخَلَ. وَبَطَلَ نَفْلُ الشَّابِّ الْأَوَّلِ (ص ٢٨٠) . . لِأَنَّهُ لَا أَوَّلَ فِيهِمَا. فَصَاحِبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُزَاحِمُهُ. وَلَكِنْ لَهُمَا نَفْلُ الثَّانِي رَأْسٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ. لِأَنَّ فِيهِمَا الثَّانِيَ.

стр. 799

وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلَ شَابَّانِ وَشَيْخَانِ مَعًا فَلِلشَّيْخَيْنِ أَيْضًا نَفْلُ الثَّانِي مِنْ الشُّيُوخِ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُزَاحِمٌ لِصَاحِبِهِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِمَا أَوَّلُ شَيْخٍ دُخُولًا. - وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَوَّلًا فَلَهُ كَذَا. فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ دَخَلَ شَامِيٌّ فَلَهُ النَّفَلُ. لِأَنَّهُ أَوَّلُ شَامِيٍّ دَخَلَ، وَهُوَ الَّذِي شَرَطَهُ الْإِمَامُ. إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ فِي كَلَامِهِ أَوَّلُ النَّاسِ. فَحِينَئِذٍ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَوَّلِ النَّاسِ دُخُولًا. - وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ الْأَحْرَارِ أَوَّلًا، أَوْ قَالَ: مِنْ أَوَّلِ النَّاسِ. أَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوَّلًا، أَوْ قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ، فَاشْتَرَى نَصْرَانِيًّا، ثُمَّ اشْتَرَى مُسْلِمًا، عَتَقَ الْمُسْلِمُ. وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ أَشْتَرِيهِ أَوَّلُ الْعَبِيدِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يَعْتِقْ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ عَبِيدِ الْأَتْرَاكِ أَوَّلًا الدَّارَ فَهُوَ حُرٌّ، فَدَخَلَ هِنْدِيٌّ ثُمَّ دَخَلَ تُرْكِيٌّ، عَتَقَ التُّرْكِيُّ. وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ عَبِيدِي لَمْ يَعْتِقْ. وَكَانَ الْفَرْقُ مَا ذَكَرْنَا.

стр. 800

- وَلَوْ قَالَ: أَيُّ فَارِسٍ دَخَلَ أَوَّلًا فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَخَلَ رَاجِلٌ ثُمَّ فَارِسٌ، كَانَ لَهُ النَّفَلُ. لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لِأَوَّلِ فَارِسٍ يَدْخُلُ. وَهَذَا أَوَّلُ فَارِسٍ. وَإِنْ قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَوَّلِ دَاخِلٍ مِنْ النَّاسِ، فَالرَّاجِلُ الَّذِي دَخَلَ قَبْلَهُ مِنْ النَّاسِ. - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَيُّ حَاسِرٍ دَخَلَ أَوَّلَ. فَدَخَلَ دَارِعٌ ثُمَّ حَاسِرٌ فَلَهُ النَّفَلُ. لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُجْرِيَ الْحَسْرَ بِالتَّنْفِيلِ. وَهُوَ أَوَّلُ حَاسِرٍ دَخَلَ. بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ. فَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَيُّ دَارِعٍ دَخَلَ أَوَّلًا. لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الْقُوَّةَ فِي الْقِتَالِ. فَإِنَّ الدَّارِعَ يَعْمَلُ مَا لَا يَعْمَلُ الْحَاسِرُ، فَسَوَاءٌ دَخَلَ دَارِعٌ أَوْ حَاسِرٌ مَعًا، أَوْ دَخَلَ الدَّارِعُ بَعْدَ الْحَاسِرِ، فَلِلدَّارِعِ النَّفَلُ. إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ. ١٥٢٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَيُّ نَاشِبٍ رَمَى أَوَّلَ، فَرَمَى نَابِلٌ ثُمَّ نَاشِبٌ.

стр. 801

لِأَنَّ هَذَا أَوَّلُ نَاشِبٍ رَمَى. إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ، فَحِينَئِذٍ لَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. - وَلَوْ قَالَ: أَيُّ فَارِسٍ دَخَلَ أَوَّلَ فَلَهُ رَأْسٌ، وَأَيُّ رَاجِلٍ دَخَلَ أَوَّلَ فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَخَلَ فَارِسٌ وَرَاجِلٌ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْسٌ، سَوَاءٌ دَخَلَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ. لِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَوَّلُ فَارِسٍ دَخَلَ، وَالْآخَرَ أَوَّلُ رَاجِلٍ دَخَلَ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. ١٥٢٩ - فَلَوْ دَخَلَ فَارِسَانِ وَرَاجِلَانِ مَعًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ. لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ، وَلَيْسَ فِي الْفَارِسَيْنِ فَرْدٌ سَابِقٌ مِنْ الْفُرْسَانِ وَلَا فِي الرَّاجِلَيْنِ فَرْدٌ مِنْ الرَّجَّالَةِ. ١٥٣٠ - وَلَوْ قَالَ: أَيُّ فَارِسٍ أَوْ رَاجِلٍ دَخَلَ أَوَّلًا، فَدَخَلَ فَارِسٌ وَرَاجِلٌ مَعًا، لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا فَرْدٌ سَابِقٌ مُطْلَقٌ. وَقَوْلُهُ: أَيُّ فَارِسٍ أَوْ رَاجِلٍ، إنَّمَا يَتَنَاوَلُ فَرْدًا سَابِقًا مُطْلَقًا. بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، فَأَحَدُ الْكَلَامَيْنِ هُنَاكَ يَتَنَاوَلُ فَرْدًا سَابِقًا مُقَيَّدًا بِالْفُرْسَانِ خَاصَّةً، وَالْآخَرُ مُقَيَّدًا بِالرَّجَّالَةِ خَاصَّةً. وَعَلَى هَذَا مِثْلُهُ الشَّامِيُّ وَالْخُرَاسَانِيُّ. - وَلَوْ قَالَ: لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلَ فَلَهُ رَأْسٌ، فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا. فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ.

стр. 802

لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلٍّ تَجْمَعُ الْأَسْمَاءَ عَلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ فَعِنْدَ ذِكْرِهِ يَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّاخِلِينَ، كَأَنَّ اللَّفْظَ تَنَاوَلَهُ خَاصَّةً، وَكَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ. فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ. ١٥٣٢ - وَلَوْ دَخَلُوا مُتَوَاتِرِينَ كَانَ لِلْأَوَّلِ النَّفَلُ خَاصَّةً. لِأَنَّ كُلَّ الدَّاخِلِ أَوَّلًا هُوَ. فَإِنَّ مَنْ دَخَلَ بَعْدَهُ لَيْسَ بِأَوَّلٍ حِينَ سَبَقَهُ غَيْرُهُ بِالدُّخُولِ، وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَسْبِقْ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرَهُ بِالدُّخُولِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ إفْرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا هُوَ مُوجِبُ كَلِمَةِ كُلٍّ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوَّلَ دَاخِلٍ. وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ أَوَّلَ. فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا دَخَلَ الْخَمْسَةُ مَعًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ. لِأَنَّ كَلِمَةَ مَنْ تُوجِبُ عُمُومَ الْجِنْسِ، وَلَا تُوجِبُ إفْرَادَ كُلِّ وَاحِدٍ (ص ٢٨١) مِنْ الدَّاخِلِينَ. كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ. وَعَلَى اعْتِبَارِ مَعْنَى الْعُمُومِ لَيْسَ فِيهِمْ أَوَّلُ. فَأَمَّا كَلِمَةُ كُلٍّ فَتُوجِبُ تَنَاوُلَ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: كُلُّ رَجُلٍ دَخَلَ أَوَّلَ. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ. وَكَلِمَةُ كُلٍّ قَدْ تُوجِبُ الْعُمُومَ أَيْضًا. وَلَكِنْ لَوْ حَمَلْنَاهَا عَلَى مَعْنَى الْعُمُومِ لَمْ يَبْقَ لَهَا فَائِدَةٌ. لِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ. وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا زِيَادَةُ فَائِدَةٍ. وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا مَا قُلْنَا. وَهُوَ أَنَّهَا تُوجِبُ الْجَمْعَ فِي كُلِّ دَاخِلٍ لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ، عَلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ. وَهَذَا بِخِلَافِ كَلِمَةِ

стр. 803

أَيُّ. فَإِنَّهَا لَا تُوجِبُ الْجَمْعَ، وَإِنَّمَا تُوجِبُ الْعُمُومَ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَيُّ رَجُلٍ دَخَلَ أَوَّلَ، وَقَوْلُهُ: مَنْ دَخَلَ أَوَّلًا سَوَاءٌ، حَتَّى إذَا دَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ. - وَلَوْ قَالَ: جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ أَوَّلَ. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا. فَلَهُمْ رَأْسُ وَاحِدٍ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوِيَّةِ. لِأَنَّ مَا أُلْحِقَ بِكَلِمَةِ مَنْ هَا هُنَا يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ دُونَ الْإِفْرَادِ، فَيَصِيرُ بِاعْتِبَارِهِ جَمِيعُ الدَّاخِلِينَ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُمْ أَوَّلُ. فَلَهُمْ رَأْسٌ وَاحِدٌ. فَكَلِمَةُ كُلُّ تَقْتَضِي الْجَمْعَ عَلَى سَبِيلِ الْإِفْرَادِ، فَيُجْعَلُ بِاعْتِبَارِهَا كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّاخِلِينَ تَنَاوَلَهُ الْإِيجَابُ خَاصَّةً. - وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ خَامِسًا فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا. فَلَهُمْ رَأْسٌ بَيْنَهُمْ أَخْمَاسًا. لِأَنَّ الْخَامِسَ فِيهِمْ بِيَقِينٍ، وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ بِالنَّفْلِ الَّذِي أَوْجَبَهُ لِلْخَامِسِ بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ. ١٥٣٥ - وَإِنْ دَخَلُوا مُتَوَاتِرِينَ فَالرَّأْسُ لِلْخَامِسِ خَاصَّةً. لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالِاسْمِ الَّذِي أَوْجَبَ النَّفَلَ لَهُ لَا مُزَاحَمَةً مَعَهُ فِيهِ لِمَنْ سَبَقَهُ بِالدُّخُولِ. ١٥٣٦ - وَإِنْ دَخَلَ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ اثْنَانِ فَالرَّأْسُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ. لِأَنَّ الْخَامِسَ فِيهِمَا دُونَ الثَّلَاثَةِ. ١٥٣٧ - وَإِنْ دَخَلَ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ ثَلَاثَةٌ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ.

стр. 804

لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَادِسٌ، دَاخِلٌ بِانْضِمَامِ صَاحِبَيْهِ إلَيْهِ، وَمَا أَوْجَبَ النَّفَلَ لِلسَّادِسِ. - وَلَوْ قَالَ: كُلُّ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ خَامِسًا. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مُتَوَاتِرَيْنِ. كَانَ النَّفَلُ لِلْخَامِسِ. لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِاسْمِ الْخَامِسِ حِينَ سَبَقَهُ أَرْبَعَةٌ بِالدُّخُولِ. ١٥٣٩ - وَإِنْ دَخَلَ الْخَمْسَةُ مَعًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ. لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلُّ تُوجِبُ الْجَمْعَ عَلَى وَجْهِ الْإِفْرَادِ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَامِسًا لِوُجُودِ الْأَرْبَعَةِ مَعَهُ، كَمَا يَكُونُ خَامِسًا إنْ دَخَلُوا قَبْلَهُ. - وَلَوْ قَالَ: جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ خَامِسًا. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا. كَانَ لَهُمْ رَأْسٌ وَاحِدٌ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يُوجِبُ إفْرَادَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُهُمْ الْإِيجَابُ جُمْلَةً. وَذَلِكَ رَأْسٌ وَاحِدٌ بَيْنَهُمْ، بِخِلَافِ كَلِمَةِ كُلُّ. - وَلَوْ قَالَ: كُلُّ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ خَامِسًا فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا، ثُمَّ خَمْسَةٌ مَعًا، وَالْخَوْفُ قَائِمٌ عَلَى حَالِهِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ حَتَّى يَأْخُذُوا عَشَرَةَ أَرْؤُسٍ. لِأَنَّ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ: كُلُّ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ خَامِسُ خَمْسَةٍ. وَكَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي خَامِسُ خَمْسَةٍ. وَإِنَّمَا جَعَلْنَا تَقْدِيرَ كَلَامِهِ هَذَا لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لِلْخَامِسِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْخَامِسُ إلَّا فِي خَمْسَةٍ.

стр. 805

وَلَوْ دَخَلَ أَرْبَعَةٌ ثُمَّ دَخَلَ اثْنَانِ مَعًا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمْ شَيْءٌ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِينَ سَادِسُ سِتَّةٍ. ١٥٤٣ - فَإِنْ دَخَلَ اثْنَانِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعًا، ثُمَّ دَخَلَ وَاحِدٌ. فَلِهَذَا الْآخَرِ النَّفَلُ. لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأُولَى لَا يُحْتَسَبُ لَهُمْ إذْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَهُمْ خَامِسٌ، فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ دُخُولِهِمْ، بَقِيَ اثْنَانِ ثُمَّ اثْنَانِ ثُمَّ وَاحِدٌ، فَهَذَا الْوَاحِدُ خَامِسُ خَمْسَةٍ، فَلَهُ النَّفَلُ. ١٥٤٤ - وَلَوْ دَخَلَ أَرْبَعَةٌ مَعًا فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ خَمْسَةٌ مَعًا. كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَمْسَةِ رَأْسٌ. لِأَنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ بِالْأَرْبَعَةِ لِمَا بَيَّنَّا. فَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ دُخُولِهِمْ صَارَ كَأَنَّ الْخَمْسَةَ دَخَلُوا ابْتِدَاءً، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَامِسُ خَمْسَةٍ. - وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ عَاشِرًا، فَدَخَلَ تِسْعَةٌ مَعًا، أَوْ مُتَوَاتِرَيْنِ. ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَهُمْ اثْنَانِ، لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ لَا عَاشِرَ فِيهِمْ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِينَ مَعَ أَصْحَابِهِ وَاحِدٌ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ، لَا مِنْ عَشْرَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا دَخَلَ تِسْعَةٌ مَعًا، فَأَمَّا إذَا دَخَلُوا مُتَوَاتِرِينَ (ص ٢٨٢) فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ اعْتِبَارُ الْأَوَّلِ حَتَّى يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ عَاشِرَ عَشْرَةٍ كَمَا فَعَلْتُمْ فِي الْأَرْبَعَةِ.

стр. 806

قُلْنَا: فَعَلْنَا فِي الْأَرْبَعَةِ ذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي تَأَخَّرَ دُخُولُهُ وَحْدَهُ فَيَكُونُ خَامِسَ خَمْسَةٍ. فَأَمَّا هَا هُنَا فَإِنَّمَا دَخَلَ اثْنَانِ مَعًا آخِرًا، وَكَمَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ عَاشِرِ الْعَشَرَةِ مِنْهُمْ بِإِلْغَاءِ الْأَوَّلِ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِإِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا، وَلَيْسَ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ. - فَإِنْ دَخَلَ بَعْدَ الِاثْنَيْنِ ثَمَانِيَةٌ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَانِيَةِ رَأْسٌ. لِأَنَّ التِّسْعَةَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُمْ حِينَ لَمْ يَجِئْ بَعْدَهُمْ الْعَاشِرُ. بَقِيَ اثْنَانِ ثُمَّ ثَمَانِيَةٌ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَانِيَةِ عَاشِرُ عَشْرَةٍ. - وَلَوْ دَخَلَ بَعْدَ الِاثْنَيْنِ عَشَرَةٌ مَعًا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ رَأْسٌ. لِأَنَّهُ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الِاثْنَيْنِ هَا هُنَا كَمَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ تِسْعَةٍ؛ يَبْقَى دُخُولُ الْعَشَرَةِ مَعًا، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَاشِرُ عَشَرَةٍ. فَيَسْتَحِقُّ النَّفَلَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 807

[بَابٌ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَالنَّفَلِ فِيهِ] ٩٤ - بَابٌ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَالنَّفَلِ فِيهِ ١٥٤٨ - وَلَوْ أَقَامَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَطْمُورَةٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، فَقَالَ الْأَمِيرُ: كُلُّ رَجُلٍ يَحْفَظُ الْمَطْمُورَةَ اللَّيْلَةَ حَتَّى لَا يَخْرُجَ مِنْهَا الْعَدُوُّ فَلَهُ دِينَارٌ. وَأَقَامَ عَلَيْهَا مِائَةُ رَجُلٍ حَتَّى أَصْبَحُوا. فَإِنْ كَانَ الدِّينَارُ جَعَلَهُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِمَّا يُصِيبُونَ مِنْ الْمَطْمُورَةِ فَهُوَ نَفْلٌ صَحِيحٌ. لِأَنَّ أَهْلَ الْمَطْمُورَةِ مُمْتَنِعُونَ، وَالْحَاجَةُ إلَى التَّحْرِيضِ عَلَى حِفْظِهِمْ بِالتَّنْفِيلِ مَاسَّةٌ، وَحِفْظُهُمْ حَتَّى لَا يَهْرُبُوا مِنْ الْجِهَادِ. فَلِهَذَا صَحَّ التَّنْفِيلُ. ١٥٤٩ - وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ جَعَلَ لَهُمْ ذَلِكَ مِنْ الْغَنَائِمِ الَّتِي أَصَابَهَا الْمُسْلِمُونَ فَذَلِكَ بَاطِلٌ. لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ ذَلِكَ لَهُمْ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ. فَإِنَّ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَا يَجُوزُ وَلَا بِطَرِيقِ الْأُجْرَةِ. لِأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ مِنْ الْجِهَادِ. وَاسْتِئْجَارُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْجِهَادِ بَاطِلٌ. وَهَذَا لِأَنَّهُمْ عَلَى عَمَلِ الْجِهَادِ يَسْتَحِقُّونَ السَّهْمَ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّونَ الْأَجْرَ مَعَ ذَلِكَ؟ وَلِأَنَّ الْجِهَادَ وَإِنْ كَانَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ، فَكُلُّ مَنْ بَاشَرَهُ يَكُونُ مُؤَدِّيًا فَرْضًا. وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى أَدَاءِ الْفَرْضِ بَاطِلٌ كَالِاسْتِئْجَارِ عَلَى الصَّلَاةِ.

стр. 808

١٥٥٠ - وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْأَمِيرُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ يُعْطِيهِمْ ذَلِكَ فَهَذَا تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ مِنْ الْمَطْمُورَةِ. لِأَنَّ مُطْلَقَ كَلَامِ الْعَاقِلِ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَصِحُّ شَرْعًا لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَكُونُ بَاطِلًا شَرْعًا. ١٥٥١ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَطْمُورَةِ مُقَاتَلَةٌ، وَإِنَّمَا فِيهَا الذَّرَارِيُّ وَالْأَمْوَالُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارٌ فِي الْغَنِيمَةِ هَا هُنَا. لِأَنَّ حِفْظَهُمْ لَيْسَ بِجِهَادٍ هَا هُنَا، وَإِنَّمَا هَذَا اسْتِئْجَارٌ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ، بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ. فَكُلُّ مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ الْأَمِيرِ وَأَقَامَ الْعَمَلَ فَلَهُ الْأَجْرُ، وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ مَقَالَتَهُ فَلَا أَجْرَ لَهُ. لِأَنَّهُ مَا أَقَامَ الْعَمَلَ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ، وَلَكِنْ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ حِينَ لَمْ يَسْمَعْ بِمَقَالَةِ الْأَمِيرِ. وَإِنَّمَا هَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ: كُلُّ مَنْ سَاقَ هَذِهِ الْأَرْمَاكَ إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَلَهُ دِينَارٌ. فَسَاقَهَا قَوْمٌ سَمِعُوا مَقَالَتَهُ. فَلِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُجْرَةُ دِينَارٍ، يَبْدَأُ بِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ كُلِّ نَفْلٍ وَقِسْمَةٍ. وَإِنْ ذَهَبَتْ الْغَنَائِمُ كُلُّهَا لَمْ يَكُنْ لِلْأُجَرَاءِ عَلَى الْإِمَامِ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُمْ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ مِنْهُ لِمَنْفَعَةِ الْغَانِمِينَ، فَإِنَّمَا أَجْرُهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ. وَالْإِمَامُ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَا يَكُونُ مُلْتَزِمًا لِلْعَهْدِ، فَلَا يَلْزَمُهُ إذًا شَيْءٌ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ،

стр. 809

وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَنِيمَةِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَيْهِمْ مُقَيَّدَةٌ بِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْإِضْرَارِ بِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوا الْغَنِيمَةَ بَعْدُ. أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ الْأُسَارَى، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْبَدَلُ عَلَيْهِمْ بِالْعَقْدِ إذَا سَلَّمَ الْعَمَلَ إلَيْهِمْ. وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا بِالتَّسْلِيمِ (ص ٢٨٣) إلَى مُلْكِهِمْ. - وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ نَصَبَ رِمَاحَ الْمُسْلِمِينَ حَوْلَ الْعَسْكَرِ فَلَهُ دِينَارٌ. فَفَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ اسْتَحَقَّ الدِّينَارَ. لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْحَرْبِ، وَلَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يَفْعَلَهُ فَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْإِمَامِ إيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ. ١٥٥٣ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ نَصَبَ رُمْحَهُ فَلَهُ دِينَارٌ أَجْرًا لَهُ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. لِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لَا يَكُونُ فِيهِ أَجِيرًا لِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ نَصْبَ رُمْحِهِ مِنْ عَمَلِ الْحَرْبِ كَالطَّعْنِ بِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ عَلَيْهِ. بِخِلَافِ نَصْبِ رِمَاحِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. - وَلَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا وَجَاءَ بِرَأْسِهِ فَلَهُ دِينَارٌ. فَهَذَا تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ، وَيُعْطَى الدِّينَارَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْغَنَائِمِ الَّتِي تُصَابُ بَعْدَ هَذَا، أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ. فَأَمَّا مِمَّا أُحْرِزَ مِنْ الْغَنَائِمِ قَبْلَ هَذَا فَلَا. لِأَنَّهُ لَا تَنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ. فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ الدِّينَارَ مِنْ ذَلِكَ نَفْلًا وَلَا أُجْرَةً، لِأَنَّ قَتْلَ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ الْجِهَادِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُسْلِمُ عَلَيْهِ الْأَجْرَ.

стр. 810

١٥٥٥ - وَكَمَا يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ فِي حَقِّ الْمُقَاتِلَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ التُّجَّارِ وَالْعَبِيدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ مِنْ الْجِهَادِ أَيْضًا، وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ التَّاجِرُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ السَّهْمَ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَالْعَبْدُ الرَّضْخَ. ١٥٥٦ - وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، وَقَدْ اسْتَعَانَ بِهِمْ الْإِمَامُ وَأَوْجَبَ لَهُمْ مَالًا مَعْلُومًا عَلَى عَمَلٍ مِنْ ذَلِكَ مَعْلُومٍ فَلَهُمْ الْأَجْرُ. لِأَنَّ فِعْلَهُمْ لَيْسَ بِجِهَادٍ، فَإِنَّ الْجِهَادَ يُنَالُ بِهِ الثَّوَابُ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ. وَالْجِهَادُ مَا يَتَقَرَّبُ الْعَبْدُ بِهِ إلَى رَبِّهِ، وَهُمْ لَا يَتَقَرَّبُونَ بِذَلِكَ. بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ. قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ خَرَجَ بِآخَرَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَدِيلًا عَنْ إنْسَانٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ. لِأَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَالْمُتَقَرِّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَامِلٌ لِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ الْأَجْرُ عَلَى غَيْرِهِ. وَعِنْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ السَّهْمُ يَكُونُ لَهُ دُونَ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ: الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْجِهَادِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْحَجِّ، وَعَلَى الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا الْكَلَامَ فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الطَّاعَاتِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ.
следующие страницы →