Полный текст (2 212 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
لِأَنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِمَا عُرِفَ ثُبُوتُهُ، وَانْعِقَادُ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُ مَعْلُومٌ. وَأَصْحَابُهُ بِقَوْلِهِمْ إنَّهُ بَاعَ فَرَسَهُ يَدَّعُونَ عَلَيْهِ مَا يُبْطِلُ اسْتِحْقَاقَهُ مِنْ مَعْنَى هُوَ عَارِضٌ وَهُوَ مُنْكِرٌ. لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، حَتَّى يَثْبُتَ الْعَارِضُ الْمُسْقِطُ.
- فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ بَاعَ فَرَسَهُ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالْحُجَّةِ الْعَارِضُ الْمُسْقِطُ لِاسْتِحْقَاقِهِ. وَالثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. وَلَوْ عَايَنَاهُ أَنَّهُ بَاعَ فَرَسَهُ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ السَّهْمَ. إلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِرِوَايَةِ الْحَسَنِ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ ". وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ أَوْ مِنْ التُّجَّارِ.
لِأَنَّ شَرِكَتَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ شَرِكَةٌ عَامَّةٌ. فَإِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا قَبْلَ الْقِسْمَةِ. وَبِمِثْلِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ لَا تَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ فِي الشَّهَادَةِ، كَمَا فِي مَالِ بَيْتِ الْمَالِ.
- فَإِذَا حَضَرَ الرَّجُلُ بِفَرَسِهِ لِيَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ غَازِيًا فَغَصَبَ مُسْلِمٌ فَرَسَهُ وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ فَرَسَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ فَأَخَذَهُ، فَفِي الْقِيَاسِ لَيْسَ لَهُ إلَّا سَهْمُ الرَّجَّالَةِ.
стр. 877
لِأَنَّهُ كَانَ رَاجِلًا حِينَ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ بِدُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ فَرَسٌ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ إنْ لَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ، وَقَدْ أُثْبِتَ اسْمُهُ فِي دِيوَانِ الرَّجَّالَةِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ حَالُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَوْدِ الْفَرَسِ إلَى يَدِهِ، وَتَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَى فَرَسًا. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ. لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مُؤْنَةَ الْفَرَسِ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ، حِينَ خَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ فَارِسًا وَقَاتَلَ وَهُوَ فَارِسٌ أَيْضًا، فَلَا يُحْرَمُ سَهْمَهُ بِعَارِضِ غَصْبٍ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، يُزِيلُ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ مَرِضَ فَرَسُهُ. أَرَأَيْت أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ مِقْدَارُ نِصْفِ مِيلٍ، فَنَزَلَ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ، فَاسْتَوَى رَاجِلٌ عَلَى فَرَسِهِ فَأَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ دَخَلَ صَاحِبُ الْفَرَسِ عَلَى إثْرِهِ فَأَخَذَهُ مِنْهُ، أَكَانَ يُحْرَمُ سَهْمَ الْفَرَسِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ؟
أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّهُ عَارَ الْفَرَسُ حِينَ نَزَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ وَدَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، فَاتَّبَعَهُ الرَّجُلُ فَأَخَذَهُ، أَكَانَ يُحْرَمُ سَهْمَ الْفَرَسِ؟ أَرَأَيْت لَوْ أَنَّهُ حِينَ عَارُ الْفَرَسُ أَخَذَهُ مُسْلِمٌ فَرَكِبَهُ أَوْ لَمْ يَرْكَبْهُ، حَتَّى دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ وَجَدَ صَاحِبَهُ فَأَخَذَهُ مِنْهُ، أَكَانَ يُحْرَمُ سَهْمَ الْفَرَسِ؟ لَا يَسْتَجِيزُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ: بِهَذَا الْقَدْرِ يُحْرَمُ سَهْمَ الْفَرَسِ. فَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ، وَلَكِنَّهُ إنْ مَرَّ بِاَلَّذِي يَعْرِضُهُمْ وَهُوَ رَاجِلٌ وَأَخْبَرَهُ هَذَا الْخَبَرَ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى قَوْلِهِ، وَكَتَبَهُ رَاجِلًا، لِأَنَّهُ يَعْلَمُهُ رَاجِلًا حَقِيقَةً، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، فَلَا يَدَعُ الْحَقِيقَةَ لِأَجْلِهِ. فَإِنْ كَتَبَهُ رَاجِلًا ثُمَّ مَرَّ بِهِ فِي الْعَرْضِ الثَّانِي وَهُوَ فَارِسٌ، فَقَالَ: هَذَا الْفَرَسُ الَّذِي كُنْت أَخْبَرْتُكَ خَبَرَهُ، لَمْ يُصَدِّقْهُ بِقَوْلِهِ، لِأَنَّهُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ
стр. 878
سَهْمِ الْفَرَسِ بِسَبَبٍ لَمْ يُعْرَفْ. وَالِاسْتِحْقَاقُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَا يَثْبُتُ، فَيَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ (ص ٣٠٧) الْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ. وَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ كَانَ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ.
- وَلَوْ أَنَّ الْغَاصِبَ حِينَ أَدْخَلَ فَرَسَ الْغَازِي دَارَ الْحَرْبِ قَاتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ وَخَرَجُوا، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ بِسَهْمِ الْفَارِسِ.
لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مُؤْنَةَ الْفَرَسِ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ وَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالْقِتَالِ، فَإِنَّ مُؤْنَةَ الْمَغْصُوبِ عَلَى الْغَاصِبِ مَا لَمْ يَرُدَّهُ.
- وَلَا فَرْقَ فِي التَّمَكُّنِ مِنْ الْقِتَالِ حِسًّا بَيْنَ الْفَرَسِ الْمَغْصُوبِ وَالْفَرَسِ الْمَمْلُوكِ لَهُ. ثُمَّ يُرَدُّ الْفَرَسُ إلَى صَاحِبِهِ وَيَغْرَمُ لَهُ مَا نَقَصَ إنْ كَانَ نَقَصَهُ شَيْءٌ. لِأَنَّ مَا اسْتَحَقَّ مِنْ السَّهْمِ إنَّمَا اسْتَحَقَّهُ لِقِتَالِهِ عَلَى الْفَرَسِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَجَّرَ الْمَغْصُوبَ وَأَخَذَ الْأَجْرَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ وَلَيْسَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَى الْأَجْرِ سَبِيلٌ، وَإِنَّمَا لَهُ نُقْصَانُ الْفَرَسِ إنْ تَمَكَّنَ فِيهِ نُقْصَانٌ، فَهَذَا مِثْلُهُ. وَلَا يُضْرَبُ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ فِي الْغَنِيمَةِ إلَّا بِسَهْمِ رَاجِلٍ. لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّ بِالْفَرَسِ الْوَاحِدِ لَا يَسْتَحِقُّ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السَّهْمَ الْكَامِلَ، وَقَدْ اسْتَحَقَّ الْغَاصِبُ السَّهْمَ بِهَذَا الْفَرَسِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمَالِكُ بِهِ شَيْئًا.
- وَلَوْ كَانَ غَصَبَهُ مِنْهُ بَعْدَ مَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَلِصَاحِبِ الْفَرَسِ سَهْمُ فَارِسٍ.
стр. 879
لِأَنَّ زَوَالَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ بِالْغَصْبِ بَعْدَ مَا جَاوَزَ الدَّرْبَ كَزَوَالِ تَمَكُّنِهِ بِمَوْتِ الْفَرَسِ. وَالْغَاصِبُ لَا يُضْرَبُ لَهُ إلَّا بِسَهْمِ رَاجِلٍ. لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمَّا جُعِلَ فَارِسًا بِهَذَا الْفَرَسِ فَغَيْرُهُ لَا يَكُونُ فَارِسًا بِهِ أَيْضًا. وَلِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى فَرَسًا فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ سَهْمَ الْفُرْسَانِ، فَإِذَا غَصَبَ فَرَسًا أُخْرَى أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ بِهِ سَهْمَ الْفُرْسَانِ أَوْلَى.
- وَلَوْ غُصِبَ الْفَرَسُ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ ثُمَّ أَصَابُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ غَنَائِمَ وَالْفَرَسُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ الْمَالِكُ، وَأَصَابُوا غَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقِتَالٍ أَوْ بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَفِي الْغَنَائِمِ الْأُولَى يُضْرَبُ لِلْغَاصِبِ بِسَهْمِ فَارِسٍ.
لِأَنَّهُ انْفَصَلَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَارِسًا، وَقَاتَلَ حِينَ أُصِيبَتْ تِلْكَ الْغَنَائِمُ وَهُوَ فَارِسٌ، فَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. وَيُضْرَبُ فِيهَا لِصَاحِبِ الْفَرَسِ بِسَهْمِ رَاجِلٍ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِالْفَرَسِ الْوَاحِدِ فَارِسَانِ. وَمَا أَصَابُوا مِنْ الْغَنَائِمِ بَعْدَ مَا اسْتَحَقَّ صَاحِبُ الْفَرَسِ فَرَسَهُ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ فِيهِ بِسَهْمِ الْفَارِسِ. لِأَنَّهُ اسْتَرَدَّهُ قَبْلَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ، فَهُوَ قِيَاسُ مَا لَوْ اسْتَرَدَّهُ قَبْلَ أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فِيمَا أُصِيبَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُضْرَبُ لِلْغَاصِبِ فِيهَا بِسَهْمِ رَاجِلٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ
стр. 880
الْفَرَسِ لَمَّا كَانَ فَارِسًا فِي هَذِهِ الْغَنِيمَةِ بِهَذَا الْفَرَسِ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ فَارِسًا بِهَا، وَلِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْ يَدِهِ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ كَانَ سَابِقًا عَلَى دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ. وَلَوْ أُخِذَ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ اعْتَرَضَ بَعْدَ دُخُولِهِ بِأَنْ بَاعَهُ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَاهُنَا أَوْلَى. وَكَذَلِكَ إنْ لَقُوا قِتَالًا فَقَاتَلَ صَاحِبُ الْفَرَسِ عَنْ الْغَنَائِمِ الْأُولَى بَعْدَمَا اسْتَرَدَّ فَرَسَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُضْرَبُ لَهُ فِيهَا إلَّا بِسَهْمِ رَاجِلٍ، لِأَنَّ حَقَّهُ كَانَ ثَابِتًا فِي الْغَنَائِمِ الْأُولَى بِقَدْرِ سَهْمِ رَاجِلٍ، فَهُوَ مَا قَاتَلَ إلَّا دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ الْحَقِّ، فَلَا يَزْدَادُ بِهِ حَقُّهُ (ص ٣٠٨) وَلَا يَبْطُلُ مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لِلْغَاصِبِ مِنْ سَهْمِ فَرَسِهِ.
- وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْفَرَسِ حِينَ جَاءَ يُرِيدُ دُخُولَ دَارِ الْحَرْبِ أَعَارَ مُسْلِمًا فَرَسَهُ وَقَالَ: قَاتِلْ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَلَمَّا أَدْخَلَهُ الْمُسْتَعِيرُ دَارَ الْحَرْبِ بَدَا لِلْمُعِيرِ فَأَخَذَهُ مِنْهُ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ أَوْ بَعْدَهَا، فَلِصَاحِبِ الْفَرَسِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ سَهْمُ رَاجِلٍ.
لِأَنَّهُ أَزَالَ الْفَرَسَ عَنْ يَدِهِ بِاخْتِيَارِهِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ، وَإِنَّمَا انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ وَهُوَ رَاجِلٌ، ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِاسْتِرْدَادِ الْفَرَسِ، كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ بِشِرَاءِ الْفَرَسِ. وَلَيْسَ هَذَا نَظِيرَ مَا اسْتَحْسَنَّا فِيهِ مِنْ فَصْلِ الْغَصْبِ، فَإِنَّ هُنَاكَ مَا أَزَالَ يَدَهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَارِسًا ثُمَّ أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ فَرَسَهُ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ؟ وَلَوْ بَاعَ فَرَسَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. وَمَا كَانَ الْفَرْقُ إلَّا بِهَذَا، أَنَّ تَمَكُّنَهُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ زَالَ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ لَا بِاخْتِيَارِهِ. وَفِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ أَزَالَهُ بِاخْتِيَارِهِ.
стр. 881
- وَأَمَّا الْمُسْتَعِيرُ فَلَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ رَدِّهِ الْفَرَسَ عَلَى الْمُعِيرِ.
لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ بِمُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ انْعَقَدَ لَهُ وَهُوَ فَارِسٌ، وَالْإِصَابَةُ وُجِدَتْ وَهُوَ فَارِسٌ أَيْضًا، وَقَدْ قَرَّرَنَا هَذَا فِي الْغَاصِبِ، فَفِي الْمُسْتَعِيرِ أَوْلَى.
- وَأَمَّا مَا أُصِيبَ بَعْدَ رَدِّ الْفَرَسِ فَلَهُ فِي ذَلِكَ سَهْمُ رَاجِلٍ.
لِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْهُ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ سَابِقًا عَلَى دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ، وَذَلِكَ يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ ذَلِكَ.
- وَلَوْ نَفَقَ الْفَرَسُ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ ضُرِبَ لَهُ فِي الْغَنَائِمِ كُلِّهَا بِسَهْمِ فَرَسٍ.
لِأَنَّهُ كَانَ فَارِسًا حِينَ انْعَقَدَ لَهُ السَّبَبُ، ثُمَّ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ بِحَقٍّ حَتَّى نَفَقَ فِي يَدِهِ، فَيَكُونُ هُوَ كَالْمَالِكِ فِي ذَلِكَ.
- وَإِنْ أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ يَدِهِ فَأَحْرَزُوهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَعُودُ إلَى يَدِهِ كَمَا كَانَ. حَتَّى إذَا أَصَابُوا غَنَائِمَ ثُمَّ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمُعِيرِ كَانَ لَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ فِي ذَلِكَ. وَإِنْ رَدَّهُ إلَى الْمُعِيرِ ثُمَّ أُصِيبَتْ الْغَنَائِمُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ الْمُشْرِكُونَ أَصْلًا.
١٦٩٩ - وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْفَرَسِ دَخَلَ بِالْفَرَسِ أَرْضَ الْحَرْبِ
стр. 882
ثُمَّ أَعَارَهُ غَيْرَهُ. فَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ حَتَّى نَفَقَ وَقَدْ أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ، فَلِصَاحِبِ الْفَرَسِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَهْمُ فَارِسٍ.
لِأَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مُلْتَزِمًا مُؤْنَةَ الْفَرَسِ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ بِإِعَارَتِهِ الْفَرَسَ مِنْ غَيْرِهِ لِلْقِتَالِ بَعْدَ مَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ الْقِتَالَ عَلَى الْفَرَسِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ، فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِالْبَيْعِ أَنَّ قَصْدَهُ كَانَ التِّجَارَةَ لَا الْقِتَالَ عَلَيْهِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلْمُعِيرِ سَهْمَ الْفَارِسِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ سَهْمَ الرَّجَّالَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بِالْفَرَسِ الْوَاحِدِ فَارِسَانِ، وَلِأَنَّ اسْتِعَارَةَ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا تَكُونُ فَوْقَ شِرَاءِ الْفَرَسِ.
١٧٠٠ - وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ صَاحِبُ الْفَرَسِ دَارَ الْحَرْبِ حَتَّى أَعَادَ فَرَسَهُ لِيَرْكَبَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَاتِلَ عَلَيْهِ، فَرَكِبَهُ حَتَّى دَخَلَ أَرْضَ الْحَرْبِ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَصَاحِبُ الْفَرَسِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَارِسٌ. لِأَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ (ص ٣٠٩) مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ. إنْ لَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَرِدُّهُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ مَتَى شَاءَ. وَقَدْ اسْتَرَدَّهُ وَقَاتَلَ فَارِسًا فَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. وَالْمُسْتَعِيرُ رَاجِلٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ، فَإِنَّهُ اسْتِعَارَةٌ لِلرُّكُوبِ لَا لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا قَاتَلَ حَتَّى أُصِيبَتْ الْغَنَائِمُ قَبْلَ الرَّدِّ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ، لِكَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ. وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْفَرْقُ أَيْضًا فِي حَقِّ الْمُعِيرِ. فَإِنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ الْمُسْتَعِيرَ
стр. 883
لَمَّا كَانَ فَارِسًا بِهَذَا الْفَرَسِ عَرَفْنَا أَنَّ الْمُعِيرَ لَيْسَ فَارِسًا بِهِ. وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي وَهُوَ الْإِعَارَةُ لِلرُّكُوبِ، الْمُسْتَعِيرُ لَمْ يَصِرْ فَارِسًا بِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ، فَجَعَلْنَا الْمُعِيرَ فَارِسًا بِهِ، لِتَمَكُّنِهِ مِنْ أَخْذِهِ مَتَى شَاءَ.
- وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَعِيرُ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ ادَّعَى أَنَّ الْفَرَسَ لَهُ وَجَحَدَ حَقَّ صَاحِبِهِ، وَقَاتَلَ عَلَى الْفَرَسِ حَتَّى أُصِيبَتْ الْغَنَائِمُ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُعِيرُ الْبَيِّنَةَ وَأَخَذَ فَرَسَهُ، فَصَاحِبُ الْفَرَسِ فَارِسٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ بِالْجُحُودِ صَارَ غَاصِبًا، وَإِنَّمَا جَحَدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ غَصَبَ الْفَرَسَ مِنْ صَاحِبِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ابْتِدَاءً. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ صَاحِبَ الْفَرَسِ بِهَذَا الْغَصْبِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا وَالْغَاصِبُ بِهِ لَا يَصِيرُ فَارِسًا، فَكَذَلِكَ هَهُنَا.
- وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْفَرَسِ آجَرَهُ مِنْ رَجُلٍ أَيَّامًا لِيَرْكَبَهُ حِينَ يَدْخُلُ دَارَ الْحَرْبِ، وَانْقَضَتْ الْإِجَارَةُ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنَائِمِ أَوْ بَعْدَهَا، فَصَاحِبُ الْفَرَسِ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِهَا.
لِأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، فَقَدْ أَوْجَبَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِيهِ حَقًّا مُسْتَحَقًّا، وَبِهِ فَارَقَ الْإِعَارَةَ.
١٧٠٣ - فَإِذَا اسْتَرَدَّهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ كَانَ فِي حُكْمِ الْمُشْتَرِي لِلْفَرَسِ الْآنَ، فَلَا يَصِيرُ بِهِ فَارِسًا. وَالْمُسْتَأْجِرُ رَاجِلٌ أَيْضًا فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ.
стр. 884
لِأَنَّهُ مَا اسْتَأْجَرَهُ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ لِلرُّكُوبِ. فَلَمْ يَصِرْ بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ أَنْ لَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ ثِقَلَهُ.
- وَلَوْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ لِيَرْكَبَهُ وَيُقَاتِلَ عَلَيْهِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَصَاحِبُ الْفَرَسِ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ مَا يُصَابُ إلَى أَنْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، وَلِغَيْرِهِ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ فِي فَرَسِهِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ.
- وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ فَهُوَ فَارِسٌ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ. .
لِأَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ عَلَى فَرَسٍ هُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَأُصِيبَتْ الْغَنَائِمُ فِي حَالِ بَقَاءِ تَمَكُّنِهِ.
١٧٠٦ - فَأَمَّا مَا أُصِيبَ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا إلَّا سَهْمُ رَاجِلٍ.
لِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْ يَدِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ كَانَ سَابِقًا عَلَى دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ، فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا بِهِ.
- وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْفَرَسِ دَخَلَ بِهِ أَرْضَ الْحَرْبِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ آجَرَهُ مِنْ رَجُلٍ لِلرُّكُوبِ أَوْ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ أَيْضًا، فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
стр. 885
لِأَنَّ اسْتِئْجَارَهُ الْفَرَسَ بَعْدَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ شِرَائِهِ.
١٧٠٨ - وَأَمَّا صَاحِبُ الْفَرَسِ فَهُوَ فَارِسٌ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ أَنْ يُؤَاجِرَ فَرَسَهُ.
لِأَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ فَارِسًا، وَأُصِيبَتْ تِلْكَ الْغَنَائِمُ، وَهُوَ فَارِسٌ أَيْضًا. فَاسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. ثُمَّ إجَارَةُ الْفَرَسِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَكُونُ أَقْوَى مِنْ بَيْعِهِ.
١٧٠٩ - وَهُوَ فَارِسٌ أَيْضًا فِيمَا أُصِيبَ (٣١٠) بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
لِأَنَّ بِالْإِجَارَةِ لَمْ يَخْرُجْ الْفَرَسُ مِنْ مِلْكِهِ، وَقَدْ بَاشَرَ الْقِتَالَ عَلَيْهِ فَارِسًا كَمَا انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ حِينَ جَاوَزَ الدَّرْبَ.
١٧١٠ - فَأَمَّا فِيمَا أُصِيبَ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَهُوَ رَاجِلٌ.
لِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْهُ بِحَقٍّ أَوْجَبَهُ لِلْغَيْرِ بِاخْتِيَارِهِ، وَقَدْ زَالَ بِهِ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ بَاعَهُ فِيمَا أُصِيبَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، إذْ الْإِجَارَةُ كَالْبَيْعِ فِي إزَالَةِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ.
١٧١١ - وَكَذَلِكَ إنْ لَقُوا قِتَالًا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَقَاتَلَ فَارِسًا عَنْ ذَلِكَ الْمُصَابِ.
لِأَنَّ لَهُ فِيهَا سَهْمَ رَاجِلٍ، وَإِنَّمَا قَاتَلَ دَفْعًا عَنْ سَهْمِهِ، فَلِهَذَا لَا يَزْدَادُ حَقُّهُ فِي تِلْكَ الْغَنَائِمِ بِهَذَا الْقِتَالِ.
- وَإِذَا غَصَبَ مُسْلِمٌ مِنْ مُسْلِمٍ فَرَسًا وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِ صَاحِبِهِ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ بِالْفَرَسِ، فَأَدْخَلَهُ الْغَاصِبُ دَارَ الْحَرْبِ.
стр. 886
ثُمَّ بَدَا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَأَتْبَعَهُ وَأَخَذَ الْفَرَسَ مِنْهُ، وَقَدْ كَانُوا أَصَابُوا غَنَائِمَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فَرَسَهُ، وَأَصَابُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَاحِبُ الْفَرَسِ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا، ثُمَّ اسْتِرْدَادُهُ الْفَرَسَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ شِرَائِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُسْتَحْسَنِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، فَإِنَّ هُنَاكَ كَانَ مُلْتَزِمًا مُؤْنَةَ الْفَرَسِ لِأَجْلِ الْقِتَالِ عَلَيْهِ حَتَّى دَنَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَخَذَهُ الْغَاصِبُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَإِذَا اسْتَرَدَّهُ مِنْهُ جُعِلَ مَا اعْتَرَضَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَهَاهُنَا مَا كَانَ مُلْتَزِمًا مُؤْنَةَ الْفَرَسِ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ وَلَا عِنْدَ دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ، فَلَمْ يَكُنْ فَارِسًا بِهِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا صَارَ مُلْتَزِمًا مُؤْنَتَهُ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ حِينَ اسْتَرَدَّهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ الْآنَ.
- وَأَمَّا الْغَاصِبُ فَهُوَ فَارِسٌ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ اسْتِرْدَادِ الْفَرَسِ مِنْهُ.
لِأَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ فَارِسًا وَأُصِيبَتْ هَذِهِ الْغَنَائِمُ وَهُوَ فَارِسٌ، فَثَبَتَ لَهُ فِيهَا سَهْمُ الْفُرْسَانِ. ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِاسْتِحْقَاقِ الْفَرَسِ مِنْ يَدِهِ، وَهُوَ رَاجِلٌ فِيمَا أُصِيبَ بَعْدَ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْهُ بِحَقٍّ.
- وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ صَاحِبُ الْفَرَسِ أَعَارَهُ إيَّاهُ لِيُقَاتِلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَغَزَا بِنَفْسِهِ، فَلَمَّا الْتَقَيَا فِي دَارِ الْحَرْبِ اسْتَرَدَّ الْفَرَسَ مِنْهُ، فَهَذَا كَالْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.
стр. 887
لِأَنَّ صَاحِبَ الْفَرَسِ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا، فَيَكُونُ رَاجِلًا إلَى أَنْ يَخْرُجَ. وَهَذَا لِأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ الْغَزْوَ لَمْ يَكُنْ الْفَرَسُ فِي يَدِهِ أَصْلًا، وَلَا كَانَ هُوَ مُلْتَزِمًا مُؤْنَتَهُ. فَإِنَّ مُؤْنَةَ الْمُسْتَعَارِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ حَتَّى يَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ.
- وَلَوْ كَانَ أَعَارَهُ إيَّاهُ لِلرُّكُوبِ لَا لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْفَرَسِ سَوَاءٌ. وَأَمَّا الْمُسْتَعِيرُ فَهُوَ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ هَاهُنَا.
لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى هَذَا الْفَرَسِ، فَقَدْ اسْتَعَارَهُ لِلرُّكُوبِ لَا لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ.
- فَإِنْ غَدَرَ بِصَاحِبِهِ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ فَهُوَ رَاجِلٌ أَيْضًا.
لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا لِلْفَرَسِ بِالْقِتَالِ عَلَيْهِ، بَعْدَ مَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ غَصَبَ فَرَسًا بَعْدَ مَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ وَقَاتَلَ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ سَهْمَ الْفُرْسَانِ.
١٧١٧ - وَأَمَّا صَاحِبُ الْفَرَسِ فَهُوَ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ.
لِأَنَّ الْإِعَارَةَ لِلرُّكُوبِ وَالْإِعَارَةَ لِلْقِتَالِ قَبْلَ قَصْدِ الْغَزْوِ فِي حَقِّهِ سَوَاءٌ. فَإِنَّهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَمْ يَصِرْ مُلْتَزِمًا مُؤْنَةَ الْفَرَسِ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ. فَلِهَذَا لَا يَكُونُ لَهُ إلَّا سَهْمُ رَاجِلٍ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَلِأَنَّهُ حِينَ قَصَدَ الْغَزْوَ مَا كَانَ يَدْرِي أَنَّهُ يُصِيبُ فَرَسَهُ أَوْ لَا يُصِيبُهُ. وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنَّا فِيمَا إذَا حَضَرَ لِيَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ غَازِيًا ثُمَّ أَعَارَهُ غَيْرَهُ لِيَرْكَبَهُ (ص ٣١١) ، فَجَعَلْنَاهُ فَارِسًا إذَا اسْتَرَدَّهُ مِنْهُ بَعْدَ مَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ،
стр. 888
وَجَعَلْنَا هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَرَّ بِرَاجِلٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ فَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسِهِ أَمْيَالًا. حَتَّى دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَنْزَلَهُ وَأَخَذَ فَرَسَهُ، فَلَا إشْكَالَ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّهُ يَكُونُ هُوَ فَارِسًا. فَكَذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ فِي مَعْنَاهُ.
- وَلَوْ كَانَ آجَرَهُ لِيَرْكَبَهُ وَلَا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ، أَوْ يُقَاتِلُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَصَاحِبُ الْفَرَسِ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ. لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا إذَا حَضَرَ يُرِيدُ الدُّخُولَ لِلْقِتَالِ ثُمَّ أَجَّرَ فَرَسَهُ حَتَّى أَدْخَلَهُ الْمُسْتَأْجِرُ دَارَ الْحَرْبِ، أَنَّ صَاحِبَ الْفَرَسِ يَكُونُ رَاجِلًا فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ. فَهَاهُنَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ مَا بَدَا لَهُ قَصْدُ الْغَزْوِ إلَّا وَالْفَرَسُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ.
١٧١٩ - وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ فَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ لِلرُّكُوبِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. وَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ فَهُوَ فَارِسٌ فِيمَا يُصَابُ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، رَاجِلٌ فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْهُ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ.
١٧٢٠ - إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنَعَ الْفَرَسَ مِنْ صَاحِبِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ جَحَدَهُ إيَّاهُ فَحِينَئِذٍ هُوَ فَارِسٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَعِيرُ.
لِأَنَّهُمَا دَخَلَا فَارِسَيْنِ، فَكَانَا فَارِسَيْنِ حَتَّى يُؤْخَذَ الْفَرَسُ مِنْهُمَا بِحَقٍّ. وَهَذَا لِأَنَّهُمَا صَارَا غَاصِبَيْنِ بِالْمَنْعِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ابْتِدَاءَ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ يَنْعَقِدُ لَهُ بِالْفَرَسِ الْمَغْصُوبِ إذَا قَاتَلَ عَلَيْهِ، فَلَأَنْ يَبْقَى لَهُ مَا كَانَ مُنْعَقِدًا مِنْ السَّبَبِ بِالْفَرَسِ الْمَغْصُوبِ كَانَ أَوْلَى، فَإِنَّ حَالَةَ الْبَقَاءِ أَسْهَلُ مِنْ حَالَةِ الِابْتِدَاءِ.
- وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا آجَرَ فَرَسًا يَغْزُو عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ سَهْمُ الْفَرَسِ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ، فَهَذِهِ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ.
стр. 889
لِأَنَّ مَا يُصَابُ مَجْهُولُ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ. وَإِنَّمَا السَّهْمُ لِلْغَازِي عَلَى الْفَرَسِ لَا لِلْفَرَسِ، فَهُوَ إنَّمَا اسْتَأْجَرَ الْفَرَسَ بِبَدَلٍ مَجْهُولٍ جَهَالَةٍ فَاحِشَةٍ. ثُمَّ الْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ تُعْتَبَرُ بِالْجَائِزَةِ فِي الْحُكْمِ، فَيَكُونُ سَهْمُ الْفَرَسِ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَلِصَاحِبِ الْفَرَسِ أَجْرُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ.
لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ اسْتَوْفَى الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ.
١٧٢٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَعَارَهُ إيَّاهُ بِهَذَا الشَّرْطِ. لِأَنَّ هَذَا اشْتِرَاطُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ اشْتِرَاطِ الْأَجْرِ لَا فَرْقَ بَيْنَ لَفْظِ الْإِجَارَةِ وَلَفْظِ الْإِعَارَةِ.
١٧٢٣ - وَلَوْ لَمْ يُصِيبُوا شَيْئًا حَتَّى خَرَجُوا كَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مِثْلُهُ أَيْضًا.
لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ، فَيَلْزَمُهُ أَجْرُ الْمِثْلِ؛ أَصَابَ شَيْئًا أَوْ لَمْ يُصِبْ. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَارِبِ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا عَمِلَ، فَإِنَّهُ اسْتَوْجَبَ أَجْرَ الْمِثْلِ، حَصَلَ الرِّبْحُ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ.
- وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَغْزُو عَنْهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً بِأَجْرٍ مُسَمًّى أَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُدَّةَ وَقَالَ: هَذِهِ الْغَزْوَةُ إلَى حَيْثُ يَبْلُغُ الْمُسْلِمُونَ. فَهَذَا الْعَقْدُ بَاطِلٌ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْجِهَادَ مِنْ بَابِ الْعِبَادَاتِ، فَإِنَّهُ سَنَامُ الدِّينِ. وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى الطَّاعَاتِ بَاطِلٌ. وَهُوَ إنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ فَمَنْ بَاشَرَهُ يَكُونُ مُؤَدِّيًا فَرْضًا عَلَيْهِ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى أَدَاءِ الْفَرْضِ بَاطِلٌ.
стр. 890
ثُمَّ السَّهْمُ لِلْأَجِيرِ، شَرَطَهُ الْمُسْتَأْجِرُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ.
لِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ لَمَّا بَطَلَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ. فَيَكُونُ السَّهْمُ لِلْغَازِي.
- وَإِنْ كَانَ أَخَذَ الْأَجْرَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ رَدَّهُ عَلَيْهِ.
لِأَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ، وَبِالْعَقْدِ الْبَاطِلِ لَا يَجِبُ الْأَجْرُ أَصْلًا. وَلِأَنَّهُ فِي الْغَزْوِ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى غَيْرِهِ.
- وَإِنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ سِلَاحَهُ وَفَرَسَهُ فَعَلَى الْأَجِيرِ أَجْرُ مِثْلِ فَرَسِهِ وَأَجْرُ مِثْلِ سِلَاحِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، إنْ كَانَ الشَّرْطُ بَيْنَهُمَا أَنَّ السَّهْمَ لِلْمُسْتَأْجِرِ.
لِأَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ بِإِزَاءِ مَنْفَعَةِ الدَّابَّةِ وَالسِّلَاحِ عِوَضًا مَجْهُولًا، وَقَدْ اسْتَوْفَى الْأَجِيرُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ (ص ٣١٢) بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ.
- وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ لَمْ يَشْتَرِطْ السَّهْمَ لِنَفْسِهِ فَلَيْسَ عَلَى الْأَجِيرِ مِنْ أَجْرِ السِّلَاحِ وَالدَّابَّةِ شَيْءٌ.
لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ عِوَضًا مَالِيًّا، فَيَكُونُ هُوَ مُعِيرَ الْفَرَسِ وَالسِّلَاحِ مِنْهُ، أَوْ بَاذِلًا لِيُقَاتِلَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ أَجْرًا عَلَى مَنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي الْقِتَالِ.
- وَلَوْ اسْتَأْجَرَ فَرَسًا لِيَرْكَبَهُ وَيُقَاتِلَ عَلَيْهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً. أَوْ اسْتَأْجَرَ غُلَامًا لِيَخْدُمَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُدَّةً مَعْلُومَةً بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ، فَهُوَ جَائِزٌ سَوَاءٌ سَمَّى لِكُلِّ يَوْمٍ أَجْرًا عَلَى حِدَةٍ أَوْ لَمْ يُسَمِّ.
стр. 891
لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ بِبَيَانِ الْمُدَّةِ، وَالْبَدَلَ مَعْلُومٌ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْعَقْدِ مِنْ مَعْنَى الطَّاعَةِ وَإِقَامَةِ الْفَرْضِ، فَيَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ.
١٧٢٩ - وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّةَ وَلَكِنْ قَالَ: أَسْتَأْجِرْهُ لِغُزَاتِي هَذِهِ حَتَّى أَرْجِعَ إلَى مَوْضِعِ كَذَا، فَهَذَا فَاسِدٌ.
لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَجْهُولٌ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي إلَى أَيْنَ يَبْلُغُ الْمُسْلِمُونَ، وَيَطُولُ مَقَامُهُمْ أَوْ يَقْصُرُ.
١٧٣٠ - وَلَوْ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ.
لِأَنَّ الْعَقْدَ هَاهُنَا مُنْعَقِدٌ لِوُجُودِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ فَاسِدٌ لِلْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ، فَيَسْتَوْجِبُ أَجْرَ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، لِأَنَّ الْأَجْرَ وَإِنْ كَانَ مُسَمًّى فَصَاحِبُ الدَّابَّةِ يَقُولُ: أَنَا مَا رَضِيتُ بِهَذَا الْمُسَمَّى إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي انْتَهَيْتُمْ إلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ عِنْدِي أَنَّكُمْ تَرْجِعُونَ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ أَجْرَ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ.
- وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي يَدِهِ أَفْرَاسٌ حُبْسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَعْطَى أَقْوَامًا مِنْهَا أَفْرَاسًا يَغْزُونَ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاَلَّذِي فِي يَدِهِ كَانَ الْقَيِّمَ فِي ذَلِكَ، يُعْطِي مَنْ شَاءَ وَيَأْخُذُ مِمَّنْ شَاءَ. فَلَمَّا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ أَخَذَهَا مِنْهُمْ وَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِمْ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَصَابُوا غَنَائِمَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذُوهَا
стр. 892
وَغَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَلَهُمْ سَهْمُ الْفُرْسَانِ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ أَخْذِ الْأَفْرَاسِ مِنْهُمْ، وَلَهُمْ سَهْمُ الرَّجَّالَةِ فِيمَا أُصِيبَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَالْمُرَادُ بِالْأَفْرَاسِ الْحُبْسُ الْمَوْقُوفَةُ لِلْجِهَادِ. وَذَلِكَ جَائِزٌ. أَمَّا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ فَظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ يُجِيزُ الْوَقْفَ فِي الْمَنْقُولَاتِ. وَعَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ كَذَلِكَ فِيمَا فِيهِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ، كَثِيَابِ الْجِنَازَةِ وَالْآلَاتِ الَّتِي يُغَسَّلُ بِهَا الْمَوْتَى، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِي الْأَفْرَاسِ الَّتِي يُقَاتَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ حِينَ قُبِضَ، كَانَ فِي يَدِهِ ثَلَاثُ مِائَةِ فَرَسٍ مَكْتُوبٍ عَلَى أَفْخَاذِهَا: حُبْسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ثُمَّ الْغَازِي عَلَى مِثْلِ هَذَا الْفَرَسِ قَدْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، وَدَامَ تَمَكُّنُهُ إلَى أَنْ أُصِيبَتْ الْغَنَائِمُ، فَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَرَسِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَعِيرِ. ثُمَّ أُخِذَ الْفَرَسُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ، فَلَا يَبْقَى فَارِسًا فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ ذَلِكَ كَالْمُسْتَعِيرِ. وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْقَيِّمُ هُوَ الَّذِي يَسْتَرِدُّهُ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ الْوَاقِفُ. ثُمَّ لَا يَصِيرُ الْوَاقِفُ وَلَا الْقَيِّمُ بِهِ فَارِسًا. لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَرَدَّهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ أَقْوَى فِي حَقِّهِ مِنْ شِرَاءِ الْفَرَسِ، فَكَذَلِكَ إنْ دَفَعَهُ إلَى رَاجِلٍ آخَرَ لَمْ يَصِرْ بِهِ فَارِسًا، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
стр. 893
- وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيْلٌ حُبُسٌ آجَرَهَا لِيُقَاتَلَ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهِيَ لَهُ أَوْ لَيْسَتْ لَهُ، فَقَدْ أَسَاءَ فِيمَا صَنَعَ.
لِأَنَّ مَنْ جَعَلَهَا حَبْسًا فَقَدْ جَعَلَهَا لِلَّهِ خَالِصًا. بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَعَلَ أَرْضَهُ مَسْجِدًا فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْإِجَارَةِ لِاكْتِسَابِ الْمَالِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ صَاحِبَهَا إنَّمَا أَعَدَّهَا لِاكْتِسَابِ (ص ٣١٣) الْأَجْرِ فِي الْآخِرَةِ بِالْقِتَالِ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَاكْتِسَابُ الْقَيِّمِ الْمَالَ بِهَا فِي الدُّنْيَا يَكُونُ تَغْيِيرًا لِلشَّرْطِ.
١٧٣٣ - وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] . فَإِنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا الْمُسْتَأْجِرُونَ فَلَهُمْ سِهَامُ الْفُرْسَانِ. لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ فُرْسَانًا وَتَمَكَّنُوا مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهَا وَاسْتِحْقَاقِ سَهْمِ الْفَرَسِ بِهِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِمْ أُجُورُ الْخَيْلِ لِأَنَّهُمْ اسْتَوْفَوْا الْمَنْفَعَةَ الَّتِي تَنَاوَلَهَا الْعَقْدُ، وَحَالُهُمْ كَحَالِ مَنْ اسْتَأْجَرَ الْخَيْلَ مِنْ الْغَاصِبِ، لِأَنَّ الْقَيِّمَ أَوْ الْوَاقِفَ فِيمَا صَنَعَ لَا يَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا مِنْ الْغَاصِبِ، وَالْغَاصِبُ يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ إذَا اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنْفَعَةَ بِعَقْدِهِ. وَيَنْبَغِي لِلَّذِي آجَرَهَا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَجْرِهَا وَلَا يَأْكُلُهُ، لِأَنَّهُ اكْتَسَبَهُ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ، فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ هَذِهِ الْإِجَارَةِ لِحَقِّ الشَّرْعِ، وَسَبِيلُ مِثْلِهِ التَّصَدُّقُ بِهِ.
- وَإِنْ عَطِبَتْ تَحْتَ بَعْضِ مَنْ اسْتَأْجَرَهَا، أَوْ عَقَرَهَا الْعَدُوُّ، ضَمِنَ الَّذِي آجَرَهَا قِيمَةَ الْفَرَسِ، إنْ شَاءَ الْوَالِي ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُسْتَأْجِرُ الْقِيمَةَ.
стр. 894
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ، بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ يُؤَاجِرُ الْمَغْصُوبَ، فَيَتْلَفُ فِي اسْتِعْمَالِ الْمُسْتَأْجِرِ.
- فَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَأْجِرُ رَجَعَ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْآجِرِ.
لِأَنَّهُ صَارَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ بِسَبَبِ عَقْدِ ضَمَانٍ. وَإِنْ ضَمِنَ الْآجِرُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَشْتَرِي بِهَذِهِ الْقِيمَةِ فَرَسًا مَكَانَهُ فَيُجْعَلُ حَبِيسًا.
لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا تُسَمَّى قِيمَةً لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْعَيْنِ. وَالْعَيْنُ كَانَ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُجْعَلُ بَدَلَهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ أَيْضًا. كَمَا لَوْ قُتِلَ وَغَرِمَ الْقَاتِلُ الْقِيمَةَ. وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْبَدَلُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ إذَا اُشْتُرِيَ بِهِ الْفَرَسُ فَجُعِلَ حَبِيسًا.
لِأَنَّ الْفَرَسَ وَالسِّلَاحَ لَا يَكُونُ حَبِيسًا حَتَّى يُخْرِجَهُ صَاحِبُهُ مِنْ يَدِهِ. لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ، وَالتَّسْلِيمُ إلَى الْمُتَوَلِّي شَرْطٌ لِتَمَامِ الْوَقْفِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى.
- فَإِذَا سَلَّمَهُ إلَى الْقَيِّمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ الَّذِي جَعَلَهُ حَبِيسًا أَنَّ التَّدْبِيرَ فِيهِ إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ الْقَيِّمِ، أَوْ يَكُونُ هُوَ الْقَيِّمُ فِيهِ حَتَّى يَمُوتَ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
لِأَنَّ التَّسْلِيمَ شَرْطٌ لِإِتْمَامِ الْوَقْفِ، وَقَدْ وُجِدَ. فَالْعَوْدُ إلَى يَدِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَضُرَّ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْحَبْسِ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ بِمَا بَلَغَهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ ﵃ إنَّمَا أَجَازُوا ذَلِكَ.
стр. 895
- فَإِنْ أَعْطَى رَجُلًا فَرَسًا حَبِيسًا يَغْزُو عَلَيْهِ فَدَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ أُخِذَ الْفَرَسُ مِنْهُ، ثُمَّ أَصَابُوا غَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُضْرَبُ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ الْأُولَى بِسَهْمِ الْفَارِسِ، وَفِي الْغَنِيمَةِ الثَّانِيَةِ بِسَهْمِ الرَّاجِلِ.
لِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْهُ بِحَقٍّ.
- وَأَمَّا الْقَيِّمُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي وَجْهِ فَرَسٍ آخَرَ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ بِسَهْمِ رَاجِلٍ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ.
لِأَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ رَاجِلًا، فَلَا يَصِيرُ فَارِسًا بَعْدَ ذَلِكَ بِأَخْذِ الْفَرَسِ مِنْ يَدِ الْغَازِي، كَمَا لَا يَصِيرُ فَارِسًا بِشِرَاءِ فَرَسٍ.
стр. 896
[بَابُ مَا يَبْطُلُ فِيهِ سَهْمُ الْفَارِسِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَا لَا يَبْطُلُ]
١٠١ - بَابُ مَا يَبْطُلُ فِيهِ سَهْمُ الْفَارِسِ
فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَا لَا يَبْطُلُ
١٧٣٩ - (ص ٣١٥) رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ فَرَسًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَدَخَلَ بِهِ مَعَ الْمُعَسْكَرِ دَارَ الْحَرْبِ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ أَرَادَ الْوَاهِبُ أَنْ يَرْجِعَ فِي فَرَسِهِ فَلَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ قَائِمٌ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى حَالِهِ، وَلَمْ يَصِلْ إلَى الْوَاهِبِ عِوَضٌ مِنْ جِهَتِهِ، فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ فِيهِ، لِتَمَكُّنِ الْخَلَلِ فِي مَقْصُودِهِ.
١٧٤٠ - فَإِنْ رَجَعَ فِيهِ ثُمَّ أَصَابُوا غَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ الْوَاهِبُ دَخَلَ الدَّارَ رَاجِلًا فَالْوَاهِبُ رَاجِلٌ فِي الْغَنَائِمِ كُلِّهَا. لِأَنَّهُ انْفَصَلَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ رَاجِلًا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِتَحْصِيلِ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ بِهِ.
١٧٤١ - وَأَمَّا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَهُوَ فَارِسٌ فِي الْغَنَائِمِ الْأُولَى. لِأَنَّهُ انْفَصَلَ فَارِسًا وَأُصِيبَتْ تِلْكَ الْغَنَائِمُ وَهُوَ فَارِسٌ. وَهُوَ رَاجِلٌ فِي الْغَنَائِمِ الْأُخْرَى. لِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْ يَدِهِ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ. فَإِنَّ حَقَّ الْوَاهِبِ ثَابِتٌ فِي الرُّجُوعِ شَرْعًا، مَا لَمْ يَتَّصِلْ إلَيْهِ الْعِوَضُ.
стр. 897
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ انْفَصَلَ هُوَ عَلَى فَرَسٍ مَمْلُوكٍ لَهُ، ثُمَّ أُزِيلَ مِلْكُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا بِاخْتِيَارِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْرُجَ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ فَأَحْرَزُوهُ. قُلْنَا: إنَّمَا أُخِذَ الْفَرَسُ مِنْهُ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ شَرْعًا. وَذَلِكَ الْحَقُّ كَانَ سَابِقًا عَلَى دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ، فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا كَانَ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ مُقَيَّدًا بِمَا قَبْلَ رُجُوعِ الْوَاهِبِ.
١٧٤٢ - وَلِهَذَا لَوْ رَجَعَ الْوَاهِبُ قَبْلَ أَنْ يُصِيبُوا شَيْئًا لَمْ يَكُنْ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَارِسًا بَعْدَ رُجُوعِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ بَعْدَ مَا أُصِيبَ بَعْضُ الْغَنَائِمِ.
١٧٤٣ - وَلَوْ جُعِلَ هُوَ فَارِسًا بِهَذَا الْمِقْدَارِ أَدَّى إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ أَفْرَاسٍ فَوَهَبَ مِنْ كُلِّ رَاجِلٍ مِنْ الرَّجَّالَةِ فَرَسًا حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهَا دَارَ الْحَرْبِ ثُمَّ اسْتَرَدَّ الْأَفْرَاسَ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا فُرْسَانًا بِذَلِكَ الْقَدْرِ فِيمَا يُصِيبُونَ. وَهَذَا بَعِيدٌ. فَإِنَّ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْبُعْدِ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَقُولَ إذَا أَعَادَ الْأَفْرَاسَ مِنْهُمْ ثُمَّ اسْتَرَدَّهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ: كَانُوا فُرْسَانًا أَيْضًا، إذْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ عِنْدَ الِانْفِصَالِ كَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْأَفْرَاسِ، إلَى أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا صَاحِبُهَا. وَعَلَى هَذَا لَوْ اشْتَرَى فَرَسًا شِرَاءً فَاسِدًا فَقَبَضَهُ وَدَخَلَ عَلَيْهِ دَارَ الْحَرْبِ لِأَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ فِي الِاسْتِرْدَادِ ثَابِتٌ لِفَسَادِ الْبَيْعِ، كَحَقِّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ، بَلْ أَظْهَرُ. فَالْبَائِعُ هَاهُنَا مَأْمُورٌ بِالِاسْتِرْدَادِ شَرْعًا، وَالْوَاهِبُ مَنْهِيٌّ
стр. 898
مِنْ الرُّجُوعِ نَدْبًا. ثُمَّ هُنَاكَ بِالِاسْتِرْدَادِ يَخْرُجُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَاهُنَا أَوْلَى.
١٧٤٤ - وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْفَرَسَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي فِي دَارِ الْحَرْبِ بِالْحُجَّةِ، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْهُ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَنَّهُ كَانَ غَاصِبًا لِلْفَرَسِ، فَإِذَا اسْتَرَدَّهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ يَخْرُجُ هُوَ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا بِهِ.
١٧٤٥ - وَكَذَلِكَ رَجُلَانِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَرَسًا بِبَغْلٍ وَتَقَايَضَا، فَلَمَّا دَخَلَا دَارَ الْحَرْبِ وُجِدَ الْعَيْبُ بِأَحَدِهِمَا، فَرُدَّ بِالْعَيْبِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَمَا كَانُوا غَنِمُوا قَبْلَ التَّرَادِّ يُضْرَبُ فِيهِ لِمُشْتَرِي الْفَرَسِ سَهْمُ الْفَرَسِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الرَّادُّ أَوْ الْمَرْدُودُ عَلَيْهِ. وَمَا أُصِيبَ بَعْدَ التَّرَادِّ يُضْرَبُ لَهُ (٣١٦) فِيهِ بِسَهْمِ رَاجِلٍ. لِأَنَّهُ إنْ كَانَ هُوَ الرَّادُّ فَقَدْ أَزَالَ الْمِلْكَ عَنْ فَرَسِهِ بِاخْتِيَارِهِ.
١٧٤٦ - وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَرْدُودُ عَلَيْهِ فَقَدْ أُخِذَ الْفَرَسُ مِنْ يَدِهِ بِحَقٍّ. فَأَمَّا مُشْتَرِي الْبَغْلِ فَهُوَ رَاجِلٌ فِي الْغَنِيمَتَيْنِ جَمِيعًا. لِأَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا.
١٧٤٧ - وَعَلَى هَذَا لَوْ تَقَايَلَا الْبَيْعَ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرَ
стр. 899
مَا اشْتَرَى فَرَدَّهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، أَوْ كَانَ مُشْتَرِي الْفَرَسِ قَبَضَ الْفَرَسَ وَلَمْ يُسَلِّمْ الْبَغْلَ حَتَّى هَلَكَ عِنْدَهُ فَرَدَّ الْفَرَسَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ مَا أَصَابَ بَعْضَ الْغَنَائِمِ. لِأَنَّ مِلْكَهُ أُزِيلَ بِسَبَبٍ مُسْتَحَقٍّ، فَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا فِيمَا يُصَابُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
١٧٤٨ - وَلَوْ رَهَنَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَرَسًا مِنْ رَجُلٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَا دَارَ الْحَرْبِ مَعَ الْعَسْكَرِ، فَقَضَى الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ مَا لَهُ وَأَخَذَ الْفَرَسَ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ، فَهُمَا رَاجِلَانِ: أَمَّا الْمُرْتَهِنُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ الْمَرْهُونِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ فَارِسًا بِهِ. وَأَمَّا الرَّاهِنُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى فَرَسِهِ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ يُوجِبُ مِلْكَ الْيَدِ لِلْمُرْتَهِنِ، حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ الرَّاهِنُ مِنْ إثْبَاتِ يَدِهِ عَلَى الْمَرْهُونِ، مَا لَمْ يَقْضِ دَيْنَهُ.
١٧٤٩ - وَلَوْ كَانَ إنَّمَا رَهَنَ الْفَرَسَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ إصَابَةِ بَعْضِ الْغَنَائِمِ ثُمَّ أُصِيبَتْ أُخْرَى، ثُمَّ قَضَى الدَّيْنَ وَاسْتَرَدَّ الْفَرَسَ، ثُمَّ أُصِيبَتْ غَنِيمَةٌ أُخْرَى، فَهُوَ فَارِسٌ فِي الْغَنِيمَةِ الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، رَاجِلٌ فِي الْغَنِيمَةِ الْوُسْطَى. لِأَنَّهُ أَزَالَ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ بِاخْتِيَارِهِ، مَعَ قِيَامِ مِلْكِهِ، فَيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ آجَرَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَقَدْ بَيَّنَّا الْإِجَارَةَ فِي هَذَا الْفَصْلِ
стр. 900
وَقَرَّرْنَا الْمَعْنَى فِيهِ، فَالرَّهْنُ قِيَاسُهُ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْيَدِ عَلَى صَاحِبِ الْفَرَسِ مَعَ قِيَامِ مِلْكِهِ.
- وَلَوْ بَاعَ فَرَسَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ إصَابَةِ بَعْضِ الْغَنَائِمِ، ثُمَّ أُصِيبَتْ غَنِيمَةٌ أُخْرَى، ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا وَرَدَّهُ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، ثُمَّ أُصِيبَتْ غَنِيمَةٌ أُخْرَى، فَصَاحِبُ الْفَرَسِ فَارِسٌ فِي الْغَنِيمَةِ الْأُولَى وَالْأُخْرَى، رَاجِلٌ فِي الْغَنِيمَةِ الْوُسْطَى. لِأَنَّهُ أَزَالَ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ. فَسَوَاءٌ عَادَ إلَيْهِ بِسَبَبٍ هُوَ فَسْخٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ بِسَبَبٍ هُوَ فَسْخٌ فِي حَقِّهِ، بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لَا يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ حِينَ أُصِيبَتْ الْغَنِيمَةُ الْوُسْطَى. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَاجِلًا فِي الْغَنِيمَةِ الثَّالِثَةِ أَيْضًا. لِأَنَّ بِالْبَيْعِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْتِزَامَهُ مُؤْنَةَ الْفَرَسِ كَانَ لِقَصْدِ التِّجَارَةِ لَا لِقَصْدِ الْقِتَالِ عَلَيْهِ. فَبَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ عَادَ الْفَرَسُ إلَى يَدِهِ يُجْعَلُ كَالْمُشْتَرِي لِلْفَرَسِ الْآنَ ابْتِدَاءً. وَلَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا ثُمَّ اشْتَرَى فَرَسًا لَمْ يَسْتَحِقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. قُلْنَا بَيْعُهُ الْفَرَسَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُحْتَمَلٌ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِقَصْدِ التِّجَارَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِقَصْدِ اسْتِبْدَالِ هَذَا الْفَرَسِ بِفَرَسٍ آخَرَ يَكُونُ أَقْوَى مِنْهُ فِي الْقِتَالِ عَلَيْهِ. فَمَا انْعَقَدَ لَهُ مِنْ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا يَبْطُلُ بِهَذَا الْمُحْتَمَلِ، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ بِمَا هُوَ مُتَيَقَّنٌ بِهِ، وَهُوَ زَوَالُ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ. وَإِنَّمَا وُجِدَ ذَلِكَ فِي الْغَنِيمَةِ الْوُسْطَى خَاصَّةً. وَعَلَى هَذَا قَالَ:
١٧٥١ - لَوْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفَرَسَ وَلَكِنْ اشْتَرَى فَرَسًا آخَرَ مَكَانَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ فَرَسٌ آخَرُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ رَاجِلًا إلَّا فِي الْغَنِيمَةِ الْوُسْطَى.
стр. 901
لِأَنَّهَا (٣١٧) أُصِيبَتْ وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ يَوْمَئِذٍ. فَأَمَّا فِي الْغَنِيمَةِ الْأُولَى وَالْآخِرَةِ فَهُوَ فَارِسٌ. لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ حِينَ أُصِيبَتْ بَعْدَ مَا انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ بِالِانْفِصَالِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَارِسًا.
١٧٥٢ - وَكَذَلِكَ إنْ قَاتَلَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْغَنِيمَةِ الْوُسْطَى لِيَسْتَرِدُّوهَا فَقَاتَلَ هُوَ مَعَهُمْ عَلَى الْفَرَسِ الثَّانِي. لِأَنَّهُ قَاتَلَ وَلَهُ فِيهَا نَصِيبٌ، وَهُوَ سَهْمُ الرَّاجِلِ، فَلَا يَزْدَادُ بِهَذَا الْقِتَالِ حَقُّهُ فِيهَا.
١٧٥٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْفَرَسُ الَّذِي اشْتَرَى دُونَ الَّذِي بَاعَهُ إلَّا أَنَّهُ بِحَيْثُ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ عَلَى هَذَا دَارَ الْحَرْبِ فِي الِابْتِدَاءِ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ، وَحَالَةُ الْبَقَاءِ أَسْهَلُ. فَإِذَا جَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ بِهَذَا الْفَرَسِ فَالْبَقَاءُ بِهِ يَكُونُ أَجْوَزَ.
١٧٥٤ - وَلَوْ كَانَ رَجُلَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَرَسٌ فَتَبَادَلَا، أَوْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَرَسًا بِدَرَاهِمَ، فَهُمَا فَارِسَانِ عَلَى حَالِهِمَا.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَارِسًا، وَدَامَ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ. إمَّا بِمَا بَاعَهُ أَوْ بِمَا اشْتَرَاهُ.
стр. 902
وَلَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَارِسًا فَقَتَلَ مُسْلِمٌ فَرَسَهُ وَضَمِنَ لَهُ قِيمَتَهُ فَلَمْ يَشْتَرِ بِهَا صَاحِبُ الْفَرَسِ فَرَسًا حَتَّى أَصَابُوا غَنَائِمَ فَصَاحِبُ الْفَرَسِ فَارِسٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ قَدْ انْعَقَدَ لَهُ، وَمَا أَزَالَ الْفَرَسَ عَنْ مِلْكِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ، وَإِنَّمَا تَلِفَ بِغَيْرِ صُنْعٍ مِنْ جِهَتِهِ. فَهُوَ كَمَا لَوْ مَاتَ. فَإِنْ قِيلَ: حِينَ ضَمِنَ الْمُتْلِفُ قِيمَتَهُ فَقَدْ مَلَكَهُ بِمَا اسْتَوْفَى مِنْ الْقِيمَةِ، فَلِمَاذَا لَا يُجْعَلُ هَذَا كَبَيْعِهِ مِنْهُ؟ قُلْنَا: هُوَ مَا قَصَدَ التَّمْلِيكَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا قَصَدَ دَفْعَ الْخُسْرَانِ عَنْ نَفْسِهِ بِاسْتِرْدَادِ الْقِيمَةِ مِنْهُ، بَعْدَ تَعَذُّرِ اسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ. إلَّا أَنَّ مِنْ شَرْطِ تَقَرُّرِ مِلْكِهِ فِي الْقِيمَةِ انْعِدَامَ مِلْكِهِ فِي الْأَصْلِ، لِكَيْ لَا يَجْتَمِعَ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ. فَكَانَ التَّمْلِيكُ هَاهُنَا ثَابِتًا بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ لَا بِاعْتِبَارِ قَصْدٍ أَوْ فِعْلٍ كَانَ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الْفَرَسِ، فَلَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّهُ. وَعَلَى هَذَا لَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ثُمَّ فَرَّ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، أَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ فَغَيَّبَهُ وَضَمِنَ لَهُ قِيمَتَهُ، أَوْ هَرَبَ عَلَيْهِ فَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.
١٧٥٦ - وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ غَيَّبَهُ فَقَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْفَرَسُ فِي يَدِهِ، وَقَدْ كَانُوا أَصَابُوا غَنَائِمَ قَبْلَ غَصْبِ الْفَرَسِ وَبَعْدَهُ، وَبَعْدَ مَا ظَهَرَ الْفَرَسُ، فَمَا كَانَ مِنْ غَنِيمَةٍ قَبَلَ غَصْبِ الْفَرَسِ وَبَعْدَهُ، قَبْلَ أَنْ يَضْمَنَ الْغَاصِبُ الْقِيمَةَ فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ فَارِسٌ. لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْغَصْبِ لَمْ يَزُلْ، وَإِنَّمَا زَالَ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ لَا بِاخْتِيَارِهِ. وَمَا أُصِيبَ بَعْدَ مَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ الْقِيمَةَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الْفَرَسُ أَوْ بَعْدَهُ فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَهْمُ رَاجِلٍ.
стр. 903
لِأَنَّ زَوَالَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ، وَقَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَنْ يَتَلَوَّمَ وَلَا يُعَجِّلَ بِتَضْمِينِ الْقِيمَةِ لَعَلَّ فَرَسَهُ يَظْهَرُ فَيَأْخُذُهُ. فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ طَلَبَ الْقِيمَةَ وَقُضِيَ لَهُ بِهَا، فَقَدْ صَارَ فِي حُكْمِ الْبَائِعِ لِفَرَسِهِ. فَيُجْعَلُ زَوَالُ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى فَرَسِهِ مُضَافًا إلَى اخْتِيَارِهِ. أَرَأَيْت لَوْ غَصَبَهُ إنْسَانٌ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ الْفَرَسُ لَكَانَ هَذَا فَارِسًا بَعْدَ هَذَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِاخْتِيَارِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حِينَ اسْتَوْفَى الْقِيمَةَ اشْتَرَى بِهَا فَرَسًا آخَرَ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنَائِمِ، فَحِينَئِذٍ هُوَ يَكُونُ فَارِسًا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لِقِيَامِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ.
١٧٥٧ - (٣١٨) وَلَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَارِسًا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ بَاعَ فَرَسَهُ وَاسْتَأْجَرَ فَرَسًا وَقَاتَلَ عَلَيْهِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ أَيْضًا، فَهُوَ فَارِسٌ فِي الْغَنَائِمِ الْأُولَى رَاجِلٌ فِي الْغَنَائِمِ الثَّانِيَةِ. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ إنَّمَا انْعَقَدَ لَهُ بِفَرَسٍ مَمْلُوكٍ لَهُ، وَالْمُسْتَأْجَرُ لَا يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مَقَامَ الْأَوَّلِ فِي إبْقَاءِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ الْمُنْعَقِدِ بِالْفَرَسِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ سَبَبٌ آخَرُ ابْتِدَاءً، لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
١٧٥٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَعَارَ فَرَسًا. فَإِنَّهُ مِثْلُ الِاسْتِئْجَارِ أَوْ دُونَهُ.
١٧٥٩ - فَأَمَّا إذَا وُهِبَ لَهُ فَرَسٌ، أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ وَقَبَضَهُ فَهُوَ فَارِسٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ.
стр. 904
لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ مَمْلُوكٌ لَهُ، فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مَقَامَ الْأَوَّلِ فِي إبْقَاءِ مَا انْعَقَدَ بِهِ مِنْ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ. يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ بِاسْتِئْجَارِ الْفَرَسِ وَالِاسْتِعَارَةِ لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ التِّجَارَةَ بِالْتِزَامِ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ الْأَوَّلِ، وَبِالشِّرَاءِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ ذَلِكَ، فَيُمْكِنُ إقَامَةُ الْمُشْتَرَى مَقَامَ مَا بَاعَ. ثُمَّ يُجْعَلُ الْمَوْهُوبُ كَالْمُشْتَرَى، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ السَّبَبَيْنِ يُثْبِتُ لَهُ الْمِلْكَ فِي غَيْرِ الْفَرَسِ.
١٧٦٠ - وَلَوْ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ دَخَلَ عَلَى فَرَسٍ مُسْتَأْجَرٍ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ فَأَخَذَهُ صَاحِبُهُ، ثُمَّ أَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ اسْتَأْجَرَ فَرَسًا آخَرَ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَهُوَ فَارِسٌ فِي الْغَنَائِمِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ، رَاجِلٌ فِي الْغَنِيمَةِ الْوُسْطَى. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ انْعَقَدَ لَهُ بِاعْتِبَارِ فَرَسٍ هُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِعَيْنِهِ. وَالثَّانِي مِثْلُ الْأَوَّلِ فِي هَذَا، فَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي إبْقَاءِ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقِ بِهِ، كَمَا قَامَ الْمُشْتَرَى مَقَامَ الْفَرَسِ الَّذِي كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ. وَإِنَّمَا لَا يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَارِسِ فِيمَا أُصِيبَ فِي حَالٍ لَمْ يَكُنْ هُوَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، وَهُوَ الْغَنِيمَةُ الْوُسْطَى. ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَيْنَ أَنْ يَنْتَهِيَ الْعَقْدُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ أَوْ يُنْتَقَضُ بِمَوْتِ الْمُؤَاجِرِ، أَوْ بِتَقَايُلِ الْإِجَارَةِ فِي الْمُدَّةِ.
١٧٦١ - وَلَوْ كَانَ اسْتَعَارَ فَرَسًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا سَهْمُ رَاجِلٍ فِيمَا أُصِيبَ بَعْدَ ذَلِكَ.
стр. 905
لِأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ دُونَ الِاسْتِئْجَارِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ. فَإِنَّ بِالِاسْتِئْجَارِ يَثْبُتُ لَهُ اسْتِحْقَاقُ الْمَنْفَعَةِ وَبِالِاسْتِعَارَةِ لَا يَثْبُتُ، فَلَا يُمْكِنُ إبْقَاءُ مَا انْعَقَدَ لَهُ مِنْ السَّبَبِ بِاعْتِبَارِ الْفَرَسِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ بِهَذَا الْفَرَسِ الْمُسْتَعَارِ.
١٧٦٢ - وَلَوْ كَانَ اشْتَرَى فَرَسًا حِينَ انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ، أَوْ وُهِبَ لَهُ، فَهُوَ فَارِسٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ. لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ كَانَ فَارِسًا، فَإِذَا اشْتَرَى أَوْ وُهِبَ لَهُ كَانَ أَوْلَى. إذْ قَدْ وُجِدَ فِي الثَّانِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ وَزِيَادَةٌ.
١٧٦٣ - وَلَوْ كَانَ الْفَرَسُ فِي يَدِهِ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ عَارِيَّةً وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ الْمُعِيرُ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ اسْتَعَارَ فَرَسًا آخَرَ لِيُقَاتِلَ عَلَيْهِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَعَارَهُ الْفَرَسَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ بِسَبَبِ الْفَرَسِ الَّذِي أَعَارَ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ بِالْإِعَارَةِ لِلْقِتَالِ. لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ بِهِ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، فَإِذَا بَقِيَ هُوَ مُسْتَحِقًّا لِلسَّهْمِ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْفَرَسِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُسْتَعِيرُ بِاعْتِبَارِهِ شَيْئًا، لِأَنَّ بِالْفَرَسِ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ رَجُلَانِ فَارِسَيْنِ، وَإِنَّمَا يُضْرَبُ لِلْمُسْتَعِيرِ بِسَهْمِ الْفَارِسِ فِي الْغَنِيمَةِ الْأُولَى خَاصَّةً.
١٧٦٤ - وَإِنْ كَانَ الْمُعِيرُ مَعَهُ خَيْلٌ كَثِيرٌ وَهُوَ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَرَسِ بِغَيْرِ هَذَا الْفَرَسِ، فَلِلْمُسْتَعِيرِ سَهْمُ الْفَرَسِ فِي الْغَنَائِمِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ، وَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ فِي الْغَنِيمَةِ الْوُسْطَى. لِأَنَّ الثَّانِيَ مِثْلُ الْأَوَّلِ الَّذِي انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ بِاعْتِبَارِهِ، فَيُجْعَلُ ذَلِكَ السَّبَبُ بَاقِيًا بِبَقَاءِ مَا هُوَ مِثْلُهُ، كَمَا يُجْعَلُ بَاقِيًا بِبَقَاءِ عَيْنِهِ.
стр. 906
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَعَارَ ذَلِكَ (ص ٣١٩) الْفَرَسَ بِعَيْنِهِ ثَانِيًا وَقَاتَلَ عَلَيْهِ كَانَ فَارِسًا؟
١٧٦٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّهُ اشْتَرَى فَرَسًا أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ. لِأَنَّ الثَّانِي فَوْقَ الْأَوَّلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي انْعَقَدَ بِهِ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُ، فَيَبْقَى ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ بِاعْتِبَارِهِ. وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ فَرَسًا، كَانَ صَاحِبُهُ بِهِ فَارِسًا أَوْ لَمْ يَكُنْ. لِأَنَّ بِالْإِجَارَةِ يَخْرُجُ صَاحِبُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا بِهِ، بِخِلَافِ الْإِعَارَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ بِالْإِجَارَةِ يَزُولُ تَمَكُّنُ صَاحِبِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ، بِمَا أَوْجَبَ مِنْ الْحَقِّ لِلْمُسْتَأْجَرِ، وَبِالْإِعَارَةِ لَا يَزُولُ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّهُ آجَرَ نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَهْمٌ؟ وَلَوْ أَعَانَ غَازِيًا وَخَدَمَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَبْطُلُ بِهِ سَهْمُهُ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي سَهْمِ فَرَسِهِ.
١٧٦٦ - وَلَوْ اشْتَرَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَرَسًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ، حَتَّى دَخَلَا دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ نَقَدَ الثَّمَنَ وَقَبَضَ الْفَرَسَ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ. أَمَّا الْبَائِعُ فَلِأَنَّ الْفَرَسَ زَالَ مِنْ مِلْكِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ، فَهُوَ قَدْ دَخَلَ وَلَيْسَ لَهُ فَرَسٌ. وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِأَنَّهُ دَخَلَ وَهُوَ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى فَرَسِهِ. لِكَوْنِهِ مَحْبُوسًا عِنْدَ الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، بِمَنْزِلَةِ الْمَرْهُونِ، وَإِنَّمَا صَارَ مُتَمَكِّنًا حِينَ نَقَدَ الثَّمَنَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ابْتِدَاءً، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى الْفَرَسَ الْآنَ.
стр. 907
١٧٦٧ - وَلَوْ كَانَ نَقَدَ الثَّمَنَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ وَلَمْ يَقْبِضْ الْفَرَسَ حَتَّى دَخَلَ، أَوْ كَانَ الثَّمَنُ إلَى أَجَلٍ، فَفِي الْقِيَاسِ: الْمُشْتَرِي رَاجِلٌ فِيمَا أُصِيبَ مِنْ الْغَنَائِمِ. لِأَنَّ الْقِتَالَ عَلَى الْفَرَسِ تَصَرُّفٌ. وَمِلْكُ التَّصَرُّفِ يَحْصُلُ لِلْمُشْتَرِي عِنْدَ الْقَبْضِ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا مَلَكَ الْقِتَالَ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَمَا قَبَضَهُ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْفَرَسَ فِي ضَمَانِ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ نَقَدَهُ الثَّمَنَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ يَهْلَكُ عَلَى مِلْكِهِ، وَالْبَائِعُ إذَا وَجَدَ الثَّمَنَ زُيُوفًا فَرَدَّهُ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ إلَى اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ سَهْمَ الْفَارِسِ، كَمَا قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لِلْمُشْتَرِي سَهْمُ الْفَرَسِ. لِأَنَّ انْعِقَادَ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُ بِاعْتِبَارِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ، وَهَذَا ثَابِتٌ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ وَخُلُوِّهِ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ الْأَخْذِ مَتَى شَاءَ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ لَهُ بِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَرَّرَ هَذَا التَّمَكُّنُ بِقَبْضِهِ، فَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَرَسِ بِهِ، كَمَا لَوْ أَعَارَ فَرَسَهُ غَيْرَهُ لِلرُّكُوبِ أَوْ أَوْدَعَهُ مِنْهُ.
١٧٦٨ - وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمَانِ دَارَ الْحَرْبِ بِفَرَسٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً، فَهُمَا رَاجِلَانِ فِي الْغَنَائِمِ كُلِّهَا. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ، فَلَا يَكُونُ فَارِسًا بِاعْتِبَارِهِ.
١٧٦٩ - فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَجَّرَهُ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ أَعَارَهُ مِنْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فَارِسٌ بِهِ.
стр. 908
لِأَنَّهُ انْفَصَلَ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ. إلَّا أَنْ يَأْخُذَ الْمُعِيرُ حِصَّتَهُ أَوْ تَنْقَضِيَ الْإِجَارَةُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هُوَ رَاجِلًا فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ زَالَ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ كَانَ سَابِقًا عَلَى دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ.
١٧٧٠ - وَلَوْ دَخَلَا بِفَرَسَيْنِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَطَيَّبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَنْ يُقَاتِلَ عَلَى فَرَسٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، فَهُمَا رَاجِلَانِ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْفَصَلَ وَهُوَ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، وَإِنَّمَا صَارَ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ بِسَبَبٍ حَادِثٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهُوَ أَنَّ صَاحِبَهُ طَيَّبَ لَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ شَيْئًا.
١٧٧١ - وَلَوْ كَانَ طَيَّبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ قَبْلَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ فَهُمَا فَارِسَانِ، إلَى أَنْ يَرْجِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَّا أَذِنَ لِصَاحِبِهِ فِيهِ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْفَصَلَ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، فَيَنْعَقِدُ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ بِهِ مَا بَقِيَ تَمَكُّنُهُ. فَإِذَا رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ زَالَ التَّمَكُّنُ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَاجِلًا بَعْدَ ذَلِكَ.
١٧٧٢ - وَكَذَلِكَ إذَا تَهَايَئَا عَلَى الرُّكُوبِ قَبْلَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّ الْمُهَايَأَةَ قِسْمَةُ الْمَنْفَعَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِي التَّهَايُؤِ عَلَى رُكُوبِ الدَّابَّتَيْنِ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ.
стр. 909
وَلَا خِلَافَ أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا طَلَبَ ذَلِكَ وَأَبَى صَاحِبُهُ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْمُهَايَأَةِ عَلَى الرُّكُوبِ لِلْقِتَالِ. لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمُعَادَلَةِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِجْبَارُ. وَلَكِنْ إنْ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ فَلَهُمَا ذَلِكَ بِوُجُودِ التَّرَاضِي مِنْهُمَا، وَيُجْبَرَانِ عَلَى التَّهَايُؤِ عَلَى الرُّكُوبِ لِغَيْرِ الْحَرْبِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀. لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمُعَادَلَةِ فِيهِ مُمْكِنٌ. فَإِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا لِقِسْمَةِ الْمَنْفَعَةِ بِقِسْمَةِ الْعَيْنِ. ثُمَّ لَا يَسْتَحِقُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِذَلِكَ سَهْمَ فَارِسٍ. لِأَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَا يَصِيرُ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ بِالْمُهَايَأَةِ عَلَى الرُّكُوبِ.
١٧٧٣ - وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَذِنَ لِصَاحِبِهِ فِي رُكُوبِ أَيِّ الْفَرَسَيْنِ شَاءَ وَلَمْ يَدْفَعْ إلَى صَاحِبِهِ فَرَسًا بِعَيْنِهِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَاجِلٌ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْإِذْنُ مِنْهُمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ إعَارَةَ نَصِيبِهِ مِنْ صَاحِبِهِ لَا تَتِمُّ بِمُجَرَّدِ الْإِذْنِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهِ.
١٧٧٤ - وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَفْرَاسٍ فَبَاعَهَا كُلَّهَا إلَّا وَاحِدًا مِنْهَا لَمْ يُحْرَمْ سَهْمَ الْفَارِسِ. لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ بِمَا بَقِيَ عِنْدَهُ، وَلِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِمَا صَنَعَ
стр. 910
أَنَّهُ قَصَدَ التِّجَارَةَ فِيمَا بَاعَ، فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ بِهِ، وَيُجْعَلُ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا هَذَا الْفَرَسُ. وَهَذَا لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ فَضْلٌ هُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُبْنَى حُكْمُ الِاسْتِحْقَاقِ ثُبُوتًا وَبَقَاءً عَلَى مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ خَاصَّةً. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ بَعْضُ الشُّهُودِ لَمْ يُنْتَقَصْ نِصَابُ الشَّهَادَةِ بِرُجُوعِ مَنْ رَجَعَ. فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَلَوْ كَانَ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ مِنْ الضَّمَانِ عَلَى الرَّاجِعِينَ.
١٧٧٥ - وَلَوْ نَفَقَ مِنْهَا وَاحِدٌ أَوْ عُقِرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ بَاعَ بَقِيَّةَ خَيْلِهِ فَهُوَ فَارِسٌ أَيْضًا. لِأَنَّهُ لَوْ نَفَقَ بَعْدَ بَيْعِ الْبَعْضِ بَقِيَ فَارِسًا بِاعْتِبَارِهِ، فَكَذَلِكَ قَبْلَهُ. وَهَذَا لِأَنَّ مَا بَاعَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ. فَكَأَنَّهُ دَخَلَ بِفَرَسٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ نَفَقَ قَبْلَ الْقِتَالِ عَلَيْهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ فِي هَذَا.
١٧٧٦ - وَلَوْ دَخَلَ مُرَاهِقٌ دَارَ الْحَرْبِ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ فَلَهُ الرَّضْخُ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي قُلْنَا: فَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَقْسِمُوا الْغَنَائِمَ حَتَّى بَلَغَ الْغُلَامُ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِ فَارِسٍ إنْ كَانَ فَارِسًا، وَبِسَهْمِ رَاجِلٍ إنْ كَانَ رَاجِلًا، سَوَاءٌ لَقُوا قِتَالًا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَلْقَوْا. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ قَدْ انْعَقَدَ لَهُ حِينَ جَاوَزَ الدَّرْبَ، ثُمَّ قَبْلَ تَمَامِ الِاسْتِحْقَاقِ كَمُلَ حَالُهُ، فَيُجْعَلُ مَا اعْتَرَضَ كَالْمُقْتَرِنِ بِأَصْلِ السَّبَبِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ السَّهْمَ الْكَامِلَ، بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى. أَشَارَ هَاهُنَا إلَى حَرْفٍ آخَرَ فَقَالَ:
стр. 911
مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: يُسْهَمُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ. وَلِلذِّمِّيِّ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ. فَاخْتِلَافُهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ الْكَامِلِ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَالْإِسْلَامِ يَكُونُ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ إذَا كَانَ بَالِغًا مُسْلِمًا عِنْدَ تَمَامِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 912
[بَابُ مَا يَخْتَلِفُ فِيهِ صَاحِبُ الْفَرَسِ وَصَاحِبُ الْمَقَاسِمِ فِيمَا يَجِبُ لِلْفَرَسِ]
١٠٢ - بَابُ مَا يَخْتَلِفُ فِيهِ صَاحِبُ الْفَرَسِ
وَصَاحِبُ الْمَقَاسِمِ فِيمَا يَجِبُ لِلْفَرَسِ ١٧٧٨ - وَلَوْ أَنَّ غَازِيًا بَاعَ فَرَسَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ بَيْعِهِ، وَفِيمَا أُصِيبَ بَعْدَ الْبَيْعِ لَهُ سَهْمُ الرَّجَّالَةِ فَإِنْ قَالَ الَّذِي يَلِي الْمَقَاسِمَ: إنَّمَا بِعْتَ فَرَسَكَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، وَقَالَ (ص ٣٢١) الْغَازِي: مَا بِعْته إلَّا بَعْدَ الْإِصَابَةِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي يَلِي الْمَقَاسِمَ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْغَازِي. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ قَدْ انْعَقَدَ لَهُ بِمُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ حَادِثٌ، فَإِنَّمَا يُحَالُ بِحُدُوثِهِ عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ، مَا لَمْ يَثْبُتْ سَبْقُ التَّارِيخِ بِالْحُجَّةِ وَلَكِنَّهُ قَالَ: سَبَبُ الْحِرْمَانِ قَدْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ، وَهُوَ بَيْعُ الْفَرَسِ. فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الِاسْتِحْقَاقُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ.
١٧٧٩ - أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمًا لَوْ مَاتَ وَلَهُ أَخٌ مُسْلِمٌ، فَجَاءَ ابْنُهُ مُرْتَدًّا، وَزَعَمَ أَنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، فَالْمِيرَاثُ لَهُ، وَقَالَ الْأَخُ: إنَّمَا ارْتَدَّ فِي حَيَاتِهِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَخِ. وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي تَارِيخًا سَابِقًا فِي رِدَّتِهِ. لِأَنَّ سَبَبَ حِرْمَانِهِ ظَاهِرٌ، فَلَا يَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ.
стр. 913
١٧٨٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ابْنُهُ نَصْرَانِيًّا فَزَعَمَ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ لِأَنَّ سَبَبَ حِرْمَانِهِ وَهُوَ الْمُخَالَفَةُ فِي الدِّينِ مَعْلُومٌ، فَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ إلَّا بِحُجَّةٍ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ الْتِزَامُ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ، وَبِالْبَيْعِ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَدْ صَارَ مُحْتَمَلًا فَلَا يَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُهُ إلَّا بِتَرَجُّحِ جَانِبِ الْقَصْدِ إلَى الْقِتَالِ. وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاعَهُ بَعْدَ الْقِتَالِ وَإِصَابَةِ الْغَنَائِمِ. فَمَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَثْبُتُ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ.
١٧٨١ - فَأَمَّا الْإِحَالَةُ بِالْبَيْعِ عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الظَّاهِرِ، وَبِالظَّاهِرِ يُدْفَعُ الِاسْتِحْقَاقُ، وَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ.
١٧٨٢ - وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ مِنْ الْجُنْدِ عَلَى أَنَّهُ بَاعَهُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ لِخُلُوِّهَا عَنْ التُّهْمَةِ.
١٧٨٣ - وَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَالْحُجَّةُ لَا تَتِمُّ بِشَهَادَتِهِ. فَإِنْ قَالَ الْمَشْهُودُ لَهُ: أُشَارِكُ هَذَا الْفَارِسَ الَّذِي شَهِدَ لِي فِي نَصِيبِهِ لِإِقْرَارِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْكٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. وَإِقْرَارُ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ إذَا صَادَفَ مِلْكَهُ أَوْ كَانَ أَقَرَّ بِمِلْكٍ لِلْغَيْرِ فِيهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هَاهُنَا، فَلِهَذَا لَا يُشَارِكُهُ فِي نَصِيبِهِ.
стр. 914
وَإِنْ قَالَ الْفَارِسُ: نَفَقَ فَرَسِي أَوْ عُقِرَ. وَقَالَ الَّذِي يَلِي الْمَقَاسِمَ: أَرَاك بِعْته. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْفَارِسِ، وَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُ مَعْلُومٌ. وَمَا يُبْطِلُ حَقَّهُ وَهُوَ بَيْعُ الْفَرَسِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ: صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ يَدَّعِيهِ وَالْغَازِي يُنْكِرُهُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَى الْأَخُ الْمُسْلِمُ عَلَى الِابْنِ أَنَّهُ ارْتَدَّ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَالَ الِابْنُ: مَا ارْتَدَدْت قَطُّ. فَإِنَّهُ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الِابْنِ، وَالْمِيرَاثُ لَهُ.
١٧٨٥ - فَإِنْ قَالَ: دَخَلْت بِفَرَسٍ فَنَفَقَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ: مَا أَدْخَلْتَ بِفَرَسٍ أَمْ لَا؟ فَهُوَ رَاجِلٌ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ دَخَلَ بِفَرَسٍ. لِأَنَّ الْغَازِيَ هَاهُنَا يَدَّعِي سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ سَهْمِ الْفَرَسِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إلَّا بِحُجَّةٍ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ مِيرَاثَ مَيِّتٍ وَزَعَمَتْ أَنَّهُ كَانَ تَزَوَّجَهَا فِي حَيَاتِهِ، لَمْ تُصَدَّقْ إلَّا بِحُجَّةٍ.
١٧٨٦ - وَإِنْ عَلِمَ صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ وَالْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ كَانَ فَارِسًا، وَأَنَّهُ اسْتَهْلَكَ فَرَسَهُ بَعْدَ إصَابَةِ بَعْضِ الْغَنَائِمِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا أَصَابُوا قَبْلَ اسْتِهْلَاكِهِ، وَلَا مَا أَصَابُوا بَعْدَهُ، فَلَهُ فِي ذَلِكَ سَهْمُ رَاجِلٍ، إلَّا مَا عُلِمَ أَنْ إصَابَتِهِ كَانَ قَبْلَ اسْتِهْلَاكِهِ. لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُبْطِلَ لِحَقِّهِ هَاهُنَا عَنْ الْبَعْضِ مَعْلُومٌ، فَلَا يُعْطَى إلَّا الْقَدْرَ الْمُتَيَقَّنَ بِهِ. وَلِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْمُصَابِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُصَابًا بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ،
стр. 915
وَيَحْتَمِلُ (٣٢٢) أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ، وَبِالِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ. وَصَارَ كُلُّ جُزْءٍ هَاهُنَا كَجَمِيعِ الْمُصَابِ فِي مَسْأَلَةِ أَوَّلِ الْبَابِ. وَلَا يَمِينَ عَلَى صَاحِبِ الْمَقَاسِمِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ، إنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِمِ.
١٧٨٧ - وَإِنْ كَانَ بَاعَ فَرَسَهُ وَاشْتَرَى فَرَسًا آخَرَ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ فَارِسٌ فِي كُلِّ مُصَابٍ، إلَّا مَا كَانَ بَعْدَ بَيْعِهِ الْفَرَسَ قَبْلَ شِرَائِهِ الْفَرَسَ الثَّانِيَ. فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ إلَّا بِسَهْمِ رَاجِلٍ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِبَقَاءِ الِاحْتِمَالِ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْمُصَابِ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ بَيْعِهِ الْفَرَسَ الْأَوَّلَ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْفَرَسَ الثَّانِي، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ حَقُّهُ إلَّا بِحُجَّةٍ. وَلِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ رَاجِلًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي وَقْتٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ، مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْإِصَابَةَ كَانَتْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ. بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا فِي وَقْتٍ فَجَاءَ مُسْلِمًا بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ كَانَ أَسْلَمَ فِي حَيَاتِهِ، لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِحُجَّةٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ أَنَّ الِابْنَ كَانَ مُرْتَدًّا فِي وَقْتٍ فَقَالَ: أَسْلَمْت قَبْلَ مَوْتِ الْأَبِ. وَقَالَ الْأَخُ: أَسْلَمْت بَعْدَ مَوْتِهِ. فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ مَا لَمْ يُثْبِتْ بِالْبَيِّنَةِ إسْلَامَهُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ.
١٧٨٨ - وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَادَلَ فَرَسَهُ بِهَذَا الْفَرَسِ الَّذِي فِي يَدِهِ،
следующие страницы →