← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 5437

سورة الواقعة ومنهجها فى العقائد

محمود محمد غريب

Полный текст (254 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أعمل بيدى طوال النهار وأقضي الليل كله في القراءة حتى أتممت دراستى الجامعية؟ إن علماء الخلايا يقولون لي إن هذا الجسد لم يحمل هذه المصاعب , لأن الجسد الذي تحملها قد ماتت جميع خلاياه وتكون من الطعام جسدا آخر يعيش حاضره فقط ولا علاقة له بالماضى هذا ما يقوله الطب الحديث مؤكداً أن الجسد يتبدل كل عدة سنوات. فشعور الإنسان بالماضي ويقينه أنه عاشه يؤكد وجود شيء في الإنسان يغاير الجسد فهل هذا الشعور سببه أن خلايا الأعصاب تولد مع الإنسان وتموت معه؟ كما قال علماء الخلايا , أم أن هناك سبباً آخر؟ مناقشة الاحتمال الأول: يدرك الأطباء جيداً دور المخ في السيطرة على الأعصاب وخضوعها لأوامره ولكن الطب الحديث يقف خاشعاً أمام سر التفكير والإدراك والتخيل وتركيب الكلمات والجمل وربط هذه المعانى ببعضها بحيث يخرج الكلام منسجماً إن هذه القضايا يقف الطب أمامها من دون أي إجابة عليها يقول الدكتور خالص جلبى: إنَّ الطب يقف حائراً حتى الآن عن الإجابة على هذه التساؤلات كيف يستخدم الإنسان الأسماء حتى يتفاهم مع غيره على الشيء الذي يريد؟ وكيف ينتقل هذا الأمر من عالم الماديات المحسوسة إلى عالم الروح والفكر حيث يتم التعبير بالأشياء المجردة , الحق يقال: إننا درسنا عموميات الطب من أوله حتى آخره ومع ذلك لم نستطع حتى الآن أن نفقه هذا السر كما أن الأطباء الذين يبحثون هذه القضايا يقفون مدهوشين أمام هذه الظاهرة الفذة العجيبة المحيرة , إن الفكر ظاهرة غير مفهومة وواضح من كلام الدكتور خالص جلبى أن الفكر من مسائل الروح وليس من مسائل المادة

стр. 212

وهذا هو رأى المحققين من العلماء الذين لم تُفقدهم النظرية المادية توازنهم العلمي. وقد أعلن هذا الرأي من قبل الفيلسوف الفرنسى (برجسون) الذي كان من أوائل الذين تصدوا لدحض مادة الفكر عن طريق العمل والتجربة لا عن طريق الفلسفة التجريبية فقد راح خلال عشرين عام يلاحظ المصابين (بالأفزيا) أي مرض فقد الذاكرة والكلام فخرج من ملاحظاته بالحقائق القاطعة بأن العقل لا يمكن أن يكون عملية مادية على أي وجه من الوجوه وفى ذلك يقول يتفق حيث يكون الفساد الدماغي خطير وحيث تكون الذاكرة اللفظية مصابة إصابة بليغة أحيانا، أن ترجع الذاكرة فجأة وذلك على أثر تنبيه قوى بعض الشيء كالانفعال مثلا فهل يمكن أن يحدث ذلك لو كانت الذاكرة موضوعة في المادة الدماغية التي فسدت أو تلفت (الواقع أن الأمور تجري كما لو كان الدماغ يفيد من التذكير لا للاحتفاظ بها) . على أن القول بأن التفكير لون من ألوان تفاعل المادة على صورة من الصور فهذا ما أثبت العلم التجريبي فساده وبطلانه حتى أصبح القول بمادية الفكر أو بأن العقل هو المخ من مظاهر الجهل والسوقية العلمية ذلك لأن كل تفاعل في المادة معناه حدوث تغير في طاقتها بالنقص أو الزيادة وقد أصبح للعلماء أجهزة دقيقة وحساسة إلى الحد الذي يجعلها قادرة على تسجيل حركه إلكترون واحد وقد أمكن أن يسجلوا بهذه الآلات التغيرات التي تطرأ على المخ عندما يقوم الإنسان بأى حركة مادية كتحريك أصبع أو ثنى ورقة كما سجلت هذه الآلات التغير الذي يطرأ على المخ عند حصول أي انفعال يطرأ على الإنسان الأمر الذي أثبت بطريقة جازمة أن جميع حركات الإنسان وانفعالاته هى تفاعلات مادية فعلا ولكنهم عندما حاولوا أن يقيسوا النشاط الفكري بنفس الأسلوب لم تسجل الآيات أي شيء الأمر الذي جعل الكثير من العلماء ينبذون الرأي القائل بأن المخ هو العقل

стр. 213

ثالثاً: علم الجراحة: وإذا أمكن لبعض العلماء أن يقولوا: ربما نكتشف أجهزة أدق يمكنها أن تسجل التفكير والتصور , فإن التقدم الذي حدث في علم جراحة المخ , ينفى هذا القول. فقد أجريت عمليات جراحية لبعض المرضى في المخ , حيث استأصل فيها أجزاء هامة من أمخاخ المرضى , وقاموا وذاكرتهم كاملة , ويفكرون تفكيراً منتظماً. فلو كانت خلايا المخ هى مخزون الذكريات لوجب أن تنقص الذاكرة بمقدار ما نقص من المادة المخية , لا أن تقوى الذاكرة وتتحسن. ولو كان الفكر تفاعلات كيميائية لوجب أن يضعف بإنقاص المادة المتفاعلة لا أن يقوى التفكير. وعلى هذا فالذاكرة والفكر والمخيلة مادة , وبناء على ذلك فإن وحدة الشعور الجامعة بين الماضي والحاضر. مع أن الجسم يتغير تغيراً كاملا كل عدة سنوات , يؤكد وجود الروح. فالتفكير سر من أسرار الروح. وناهيك بأن الذاكرة لو كانت مادة كما يدعي الماديون لاحتاج الإنسان إلى مخ حجمه يساوي حجم الكرة الأرضية كلها , لكى يتسع لمثل ما في مخ الرجل الذي بلغ الستين , وذلك لأن العين وحدها تصور , وتسجل , وتحتفظ كل ساعة بنصف مليون صورة , فكم صورة تحتفظ بها في الشهر؟ وكم صورة تحتفظ بها في العام؟ وهكذا. والذاكرة تحتفظ بالأصوات. وكثيرا من الذين يعملون في الإذاعات نعرفهم عن طريق تمييز الذاكرة بين أصواتهم. وتحتفظ الذاكرة بالروائح. وقد يتذكر بعض الناس حفل عرسه. بمجرد أن يشم رائحة كان قد استعملها ليلة العرس , واللمس. تحتفظ به الذاكرة. والذوق كذلك. فلو أردنا صنع عقل إلكترونى. يتسع لمثل ما في الذاكرة , لاحتجنا إلى عقل حجمه يساوي حجم الأرض كلها.

стр. 214

هذه أدلتنا على مغايرة العقل للمخ. فهل يملك الماديون مثل هذه الأدلة على دعواهم؟ إن الإنكار يحتاج إلى تدليل عليه , كما أن الإثبات يحتاج إلى تدليل. رابعاً: الدليل الثانى على وجود الروح: الإلهام: المعارف البشرية نوعان: النوع الأول: معارف مكتسبة عن طريق الحواس. وهذا النوع لا علاقة له بدراستنا. النوع الثانى: معارف فطرية: وهى الأوليات العقلية المشتركة بين كل الناس. والتى لا يختلف فيها عاقلان. وقد ذكر (ديكارت) من هذا النوع: معرفة الله , والنفس , والحركة. لأن هذه مسلمات عنده , لم يمسها الشك عندما شك في كل شيء. ومن هذه الحقائق عندنا , ارتباط الشيء بسببه وعدم وجود شيء من لا شيء. وأن الجزء أقل من الكل. وأوليات علم الرياضة , وبديهيات علم المنطق. وهكذا. وتزويد العقل البشرى بهذه الأوليات الفطرية , هو سبب التفاهم المشترك بين الناس جميعا , وهو نوع من الهام الفطرة. وإذا كانت المادية الحديثة قد أنكرت كل ما عساه أن يوصل إلى إثبات وجود الروح , فإن الماديين لا يمكنهم أن ينكروا الإلهام , فى

стр. 215

عالم الحيوان والطير والحشرات. فالنظام في عالم النحل. دليل على الإلهام. الذي صرح به القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) والوحي هنا بمعنى إلهام الفطرة. ومن المخزي حقاً. أن تدعي المادية الحديثة أن النحل قد توصل إلى هذا النظام عن طريق المحاولة والخطأ. فقد جرب ملايين النظم حتى استقر على هذا النظام وتوارثه جيلا بعد جيل. ونسأل الماديين: إذا كنتم تقولون بأن العلم لا يؤمن إلا بما يرى. فهل رأيتم النحل منذ ملايين السنين , وهو يحاول ويخطئ؟ أم أنكم رجعتم إلى الإيمان بالغيب؟ وإذا قلتم إن النحل توارث هذا النظام , فلماذا توقف النحل عند هذا النظام منذ آلاف السنين ولم يبحث عن نظام آخر خير منه. وإذا قلتم إن النحل توارث هذا النظام , فمن علم (ثعبان السمك) أن يشق آلاف الأميال فيأتى من كل بحار العالم إلى جزيرة معينة في الولايات المتحدة , ليضع بيضه ثم يرجع إلى البلد التي جاء منه وعندما يفقس البيض , يكرر هذه الرحلة فمَنْ أَلهمَهُ ضبطَ الطريق بلا خرائط ولا بوصلة. ... والحشرة (سفكس) آية على الإلهام , فهى تموت بمجرد أن تضع البيض. ولكن أفراخها من الدلال بحيث لا تأكل إلا لحماً طازجاً , فمن سيرعاهم بعد موت أمهم؟ ومن سيوفر لهم هذا اللحم الطازج؟ أطمئن.. فإن مقسم الأرزاق لم ينس أحداً. إنَّ الحشرة (سفكس) بمجرد أن تعزم على وضع البيض , فإنها

стр. 216

تصطاد جرادة حيَّةً ... ثم تأتى بإبرتها على مخ الجرادة وتضغط عليها بشدة , وتستمر هكذا حتى تفقد الجرادة قدرتها على الحركة وتصاب بالشلل التام فتقوم الحشرة بعمل حفرة وتضع فيها الجرادة ثم تضع البيض فوقها , وتموت.. فإذا خرج البيض أفراخاً فإنهم يجدون طعامهم حيًّا طازجاً. فهل يمكن أن نقول أن هذا التصرف العجيب ورثته الحشرة (سفكس) عن أمها؟! لقد ولد يتيمة فألهمها الله سلوكها والنماذج كثيرة فقد ذكرت في كتاب (عقيدتك يا ولدي) بعضها ولا تفسير لها سوى الإلهام الذي عناه القرآن بقوله تعالى: (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) وإذا ثبت الإلهام في عالم الطير والحشرات فكيف يجوز لعاقل أن ينكره في عالم الإنسان أو أن ينكر الإلهام مطلقاً. إنَّ علماء النفس يجرون تجارب على الحيوان ثم يطبقون نتائجها على الإنسان ونحن هنا نناقشهم بلغتهم عندما نستدل بإلهام الحيوان والطير وعلى وجود الإلهام في حد ذاته والإلهام دليل على وجود الروح وعلى أن العقل غير المخ فالمخ شبكة الاتصال السلكية بين العقل والأعضاء والعقل هو الأمر الناهى , ويتصل المخ بالعقل دائماً اتصالا لا سلكيا فسبحان من دبر الكائنات وألهمها سلوكها. (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى) (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) خامساً: الدليل الثالث على وجود الروح: الرؤيا الصادقة: الأحلام والرؤيا عالم عجيب فنحن نعيش خلالها في عالم آخر له لغته الرمزية التي قد نعجز بعد اليقظة عن فهم أكثرها وقد حاول علماء النفس أن يفسروا ظاهرة الرؤيا والأحلام

стр. 217

تفسيراً يبعده عن الاعتقاد في الاتصالات بعالم الروح فقالوا إن السبب في الأحلام هو الشوق إلى لقاء الأعزاء الراحلين، أو تحقيق أملٍ فشلنا في تحقيقه في اليقظة، أو صراع الكبت مع الرغبات، أو ما يشبه هذا فتتجسد هذه الخواطر في غيبة الوعي، وربما عقَّد - القاف مشددة - علماء النفس المسألة مع بساطتها وقالوا إن الإلحاح في لقاء الموتى بالرؤيا وسيطرة هذه الأحلام على وجدان الحالم عقدة نفسية تحتاج إلى تحليل وعلاج. ولكن تفسير علماء النفس للأحلام لايزيد عن كونه مجرد محاولة لتفسير ظاهرة إنسانية هذه المحاولة خاضعة للصواب والخطأ، وأعظم ما يؤخذ على علماء النفس هو عدم تفريقهم بين الرؤيا والأحلام، وعجزهم التام عن وضع تفسير لظاهرة الرؤيا الصادقة التي تأتى كفلق الصبح كما أخبر النبي ﷺ وسماها (المبشِّرات) والقرآن الكريم منذ أربعة عشر قرناً فرق بين الأحلام والرؤيا، فهو لا يستعمل كلمة حُلم إلا جمعاً (أحلام) ويربط بينهم وبين كلمة أضغاث قال تعالى: (قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ) (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ) والضغث كما جاء في المصباح المنير هو قبضة حشيش مختلط رطبها بيابسها ومنه قوله تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) فالأضغاث هو الجمع بين المختلط ويتناسب معه الأحلام بالجمع لأن النائم يرى تداخلاً وزحاماً ينسي بعضه بعضاً بسبب تداخل الأحلام واختلاطها

стр. 218

أما الرؤيا فلم ترد في القرآن إلا مفردة، ويراد بها الرؤيا الصادقة التي يكشف الله للنائم فيها بعض المغيبات فتتحقق هذه الرؤيا قال تعالى على لسان يعقوب ﵇: (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا) وفى سورة الفتح جاء قوله تعالى عن الرؤيا التي رآها النبي ﷺ بشأن دخوله مكة: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) وحياة الناس في كل عصر لا تخلوا من الرؤيا الصادقة، وهى ليست خاصة بالأنبياء فالملك في عهد يوسف والسجينان اللذان دخلا السجن معه، رأوا جميعاً رؤيا صادقة مع عدم إيمانهم، فحياة الناس لا تخلوا من الرؤيا الصادقة في كل عصر. والتفسير الوحيد لظاهرة الرؤيا الصادقة هى اتصال الروح بعالم آخر تتطلع فيه على ما تراه. وإلا فكيف تفرز المادة الصماء في حالة النوم وغيبة الوعي كشفاً غيبياً تصدقه الليالى والأيام؟ بعد أن ذكرت أن الرؤيا الصادقة لا علاقة لها بالصلاح والتقوى، أذكر بعض ما شاهدته من الرؤيا التي جاءت كفلق الصبح، لأنها أفادتني اليقين في هذا الموضوع وكما يقولون فما راءٍ كمن سمع. * كنت في الموصل لإلقاء محاضرة، فرأيت في منامي أن أخي الحاج رشيد عبد الرازق الهجُّو، من رجال الأعمال ببغداد ينزل بسيارته في نهر الفرات ولكنه قد نجا والحمد لله، وأخبرته بهذه الرؤيا وبشرته بالنجاة. وبعد أن رجعت معه إلى بغداد واصل أخي رحلته إلى البصرة وعند الأهوار انحرفت سيارته ونزلت به في الماء، وطافت مسافة بعيدة عن الشاطئ ومع ذلك نجاه الله، فكيف نفسر هذه الظاهرة؟

стр. 219

* ومن الموصل إلى مدينة الزقازيق وكنت طالبا بكلية أصول الدين، وجاءنى أحد الشباب كيف تحول العدم إلى وجود؟ ووعدنى أنه سيسألنى يوم الجمعة أمام الناس ونمت ليلتها، ورأيت أنني أُلقي محاضرةً، وسألنى هذا الشاب السؤال نفسه فكتب صفراً ثم صفراً ثم صفراً وقلت للشاب: هذه الأصفار هل تساوي شيئا؟ قال لا , ثم كتبت (واحدا) عن يمين الأصفار وقلت له كم هذا الرقم؟ قال مائة قالت له إذاً هذا الواحد قد حول العدم إلى وجود، كذلك أنصبت قدرة الله الواحد الأحد على العدم فأصبح وجوداً واستيقظت من نومي، فهل تملك المادة الصماء في مرحلة الخمول مثل هذا العطاء؟ سادساً: أدلة أخرى: وحتى لا يتسع البحث وتترامى أطرافه نوجز بعض الشواهد على وجود الروح في حياة الناس. من ذلك ما يحدث من أمور خارقة للعادة ولا يمكن تفسيرها تفسيرا ًً مادياً وقد شاهدت بعيني، وشاهد معى كثير من شباب بغداد حلقة من حلقات " الدراويش " قام فيها أحد الشباب وأدخل سيفاً في بطنه وأخرجه من ظهره وقام شاب آخر وأدخل (عصا المكنسة) في بطنه وضغط عليها حتى خرجت من ظهره ثم أخرجها فالتأمَ الثقب الواسع ولم ينزف دماً بينما قام ثالث وحمل قرصاً من الحديد قد احمرَّ من شدة النار، ووضعه بين أسنانه، وطاف علينا به، فلم نحتمل حرارته من بعد متر أو أكثر. هذا ما شاهدته بعيني، وشاهده معي بعض الأجلة العلماء

стр. 220

كما شاهدت في مدينة الزقازيق عشرات الجلسات للتنويم المغناطيسي، وكان الوسيط يقرأ لنا الصفحات من الكتاب الذي في أيدينا بمجرد أن يأمره الأستاذ المنوم بالقراءة ومعلوم أن الوسيط معصوب العينين عند القراءة. وقد كتب الأستاذ أحمد حسين بحثاً طويلا عن هذه الظاهرة في كتابه (الطاقة الإنسانية) كما تكلم عنها العلامة الشيخ عبد العظيم الزرقانى في كتاب (مناهل العرفان) . ومهما كان تفسير هذه الظاهرة، فهى دليل على وجود كائن آخر غير مادي وهو الروح الإنسانية أو أرواح أخرى، كالقرين مثلا ولا أذكر هذا المشهد لاستدل على مشروعية هذا العمل إسلامياً، لأن رأيي فيه إما كرامة إن كان الفاعل من أصحاب الكرمات , وإما استدراج إن كان الفاعل غير ملتزم بشرع الله قال تعالى: (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) ولكن أذكر هذه الحوادث هنا على أنها أمر مشاهد بالعين ولا يمكن تفسيره ماديًّا، فلو كانت الحياة مجرد تفاعلات مادية لخلت بطبيعة الحال من هذه الخوارق فقوانين المادة لا تختلف: (فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) سابعاً: يدرك المتخصصون من العلماء أن هذا التحدى لم يزل قائماً إلى اليوم كما كان يوم نزول القرآن تماماً. ولكن أجهزة الإعلام العالمية لها فنون في جذب أنظار الناس ولو على حساب الحقائق العلمية ذاتها، فقد استطاع العلماء تجميد بعض الكائنات فصورت بعض أجهزة العلماء بأنه وقوف على أبواب إحياء الموتى مع أن الأمر أهون من هذا بكثير

стр. 221

إنَّ كل ما حدث أنَّ العلماء قاموا بتجميد بعض البكتريا بالتبريد الشديد ثم أعادوا إليها النشاط بالتدفئة وهى في الحالتين لم تفقد الحياة. إنَّ العلماء قد اكتشفوا بعض أنوع من البكتريا يمكنها أن تعيش في جو شديد الحرارة يصل إلى درجة ١٥٠ وهذه الدرجة أعلى من درجة انصهار بعض المعادن كالرصاص والقصدير، ووجدوا أن هذه البكتريا يمكنها أن تحافظ على حياتها في درجة من البرودة تصل إلى درجة الصفر المطلق أي حوالى ٢٧٣ درجة تحت الصفر. فلا الحرارة تقتلها ولا البرد يميتها فهى تستطيع أن تتحمل فرق حرارة يساوي ٤٢٣ درجة وذلك لانتقالها من درجة ١٥٠ فوق الصفر إلى درجة ٢٧٣ تحت الصفر هذه حقائق علمية كل ما حدث أن العلماء استطاعوا أن يجمدوا هذه المخلوقات في كبسولات وأن يحافظوا عليها في مجمدات تصل درجة برودتها إلى ١٩٦ درجة تحت الصفر ثم عملوا على اعادتها إلى جو دافئ فعاد النشاط إليها فلا العلماء أماتوا كائناً حياً ولاهم بعثوا ميتاً من الحياة. ثامناً: تجربة أخرى: معلوم أن الماء سر الحياة وأي كائن حي يفقد الماء يموت قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) والماء يمثل ٨٥ % من وزن الجسد الحى ولكن العلماء قد اكتشفوا بعض البكتريا وحيدة الخليَّة يمكنها أن تتحمل الظمأ إلى درجة تفقد معها ٨٢ % من حجم الماء ومع ذلك تعيش فإذا نزل عليها الماء اهتزت وربت , أدرك العلماء

стр. 222

هذا فقاموا بتجارب على هذه الكائنات فأفقدوها الماء حتى أوشكت أن تجف ثم أعادوا إليها الماء فانبعث فيها النشاط. فالتجربة لا تتعدى صيام بعض الكائنات ثم يعقبه أفطار وليست عملية موت يعقبه حياة كما حاولت بعض أجهزة الإعلام أن تصورها. إنَّ الحقائق العلمية يجب أن توضع في حجمها الطبيعى فقط ولكن ويل للمعرفة من أشباه المتعلمين , وسوف تظل الحقائق العلمية المجردة تؤكد لكل عاقل أن هذا القرآن منزل من عند الله: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) تاسعاً: تفسير الآيات: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) أى النفس وقد أوشكت على فراق الجسم: (وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) والخطاب لمن يقف بجوار الميت: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) فالله أقرب إليه بعلمه وملآئكتة التي حضرت خروج الروح، ولكن البشر لا يدركون قرب الله: (فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ) أي إن كنتم غير مربوبين لله مملوكين له: (تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) تعيدون الروح إلى الجسد قبل أن تصعد للعالم الآخر، ويصبح مصيرها مجهولاً: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)

стр. 223

عاشراً: مرة ثانية تتحدث السورة الكريمة عن الأزواج الثلاثة، ولكن الحديث هنا يأتي بعد الحديث عن نهاية الإنسان وموته , بخلاف الحديث في أول السورة. فقد جاء بعد حديث القرآن عن نهاية العالم: لذلك يحق لنا أن نفهم أن نهاية السورة تعنى تقسيم الناس في القبر إلى الأزواج الثلاثة، كما أن صدر الصورة قسم الناس في الآخرة إلى هذه الأقسام. وسبب هذا الفهم هو اعتقادنا بعدم التكرار في القرآن - فالقرآن الكريم إذا كرر المشهد الواحد فلابد أن يضيف جديداً إلى الموضوع , بهذا التكرار. إنَّ التكرار في القرآن بمثابة اللقطات المتعددة الجوانب للمشهد الواحد. فإذا تكررت المشاهد , فبعضها يكمل بعضاً ويتممه. الحادى عشر: قصة الروح: الحياة في القبر مرحلة من مراحل الروح وهى مراحل أربع: ١ - مرحلة روحية مجردة كانت قبل خلق الأجسام ٢ - مرحلة روحية بدنية. وهى مرحلة الدنيا ٣ - مرحلة روحية مجردة. وهى البرزخ. ٤ - مرحلة الخلود. وهى روحية بدنية. وهذا التقسيم الرباعى لمراحل الروح يمكن أن نستأنس له بالآيات الكريمات: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) والتراخى في العطف بـ (ثُمَّ) في قوله تعالى: (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ليس للإخبار عن مرحلة خامسة , ولكن التراخى هنا عبارة عن تأخير الحساب والجزاء. وطول زمن الوقوف والانتظار , كما ورد في حديث الشفاعة وغيره.

стр. 224

كما يمكن أن نستأنس بقوله تعالى: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) فالمراحل أربع وبشيء من التفصيل عن كل مرحلة أقول: المرحلة الأولى: حياة للروح فقط: هى غيب وسوف نقتصر فيها على ما أخبر صاحب الغيب سبحانه قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) وللعلماء في تفسير الآيتين ثلاثة مناهج: المنهج الأول: للعقلانين الذين يرجحون حكم العقل , ويؤولون النص إذا تعارض مع العقل. ومنهم المعتزلة. واخترت من كتبهم كتابين: ١ - تفسير الكاشف للعلامة الزمخشرى. كتاب (متشابه القرآن) للقاضى عبد الجبار الهمداني. جاء في الكشاف: ومعنى أخذ الذرية من ظهورهم إخراجها من أصلابهم نسلا , وإشهادهم على أنفسهم. وقوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) من باب التمثل والتخيل. ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته , وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلال والهدى , فكأنه أشهدهم على أنفسهم. وباب التمثيل واسع في كلام الله ورسوله. وفى كلام العرب. ونظيره: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)

стр. 225

ومنه أيضاً قوله تعالى: (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) هذا ما قاله الزمخشرى في تفسير الآية الكريمة. أما كتاب متشابه القرآن فقد جاء فيه: لو كان كل ولد آدم في ظهره لوجب أن يكون ظهره في العِظَمِ بالحدِّ الذي قد علمنا خلافه ولأنه تعالى قد بين أنه يخلق الإنسان من نطفة , وأقل ما يخلق منه الإنسان ما يقع اسم النطفة عليه وقد علمنا أن ظهر آدم لم يشتمل على القدر الذي يخلق منه سائر ولده وواضح أن ما ساقه القاضى عبد الجبار من اعتراض مبنى على تصورهم بأن كل إنسان لابد أن يخلق من سائل منوى يساوي ما يقزفه الرجل في المرة الوحدة فمجموع ابناء آدم يحتاجون في تصوره إلى بحيرة منوية ولهم عذرهم ولو عرفوا عن الحيوان المنوى ما نعرفه نحن الآن لعلموا أن كل شعوب الأرض خلقت من حيوانات منوية حجمها يساوي نصف حجم قرص "الاسبرو " فساعتها فقط سوف يسلمون بالنص الكريم من غير تأويل المنهج الثانى: وهو ما عليه علماء التفسير بالمأثور واخترت من كتبهم: ١ - تفسير جامع البيان للإمام الطبري ٢ - تفسير غرائب القرآن للنيسابوري ٣ - التفسير الكبير للفخرالرازي وسوف أوجز البيان حتى لا يتسع المقال. درست الروايات الثلاثين التي ذكرها الإمام الطبري ويمكن عرض موجزها بدون تكرار في السطور الآتية. * قال ابن عباس: أهبط الله آدم حين أهبط فمسح الله ظهره فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ثم قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا)

стр. 226

ورواية ثانية أضافت فيرون يومئذ جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة فكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم، وفى رواية عن ابن عباس أيضاً قال: وهى الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وفى بعض الروايات أن الله أخذ على الأنبياء العهد: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) كما روى الطبري عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب أنه قال أقرت الأرواح قبل أن تخلق أجسادها. أما تفسير الإمام الرازي فقد ساق كعادته شبه العقلانين وحاول الرد على بعضها وترك الباقي بدون رد عليه، وللدارس أن يرجع إليه إن شاء. لكنه في الجزء السابع صـ ١٨ عند تفيسره لقوله تعالى: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ) قال واعلم أن قوله تعالى: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ) مشعر بكون الروح موجودة قبل البدن لأن الرد من هذا العالم إلى حضرة الجلال إنما يكون لو أنها كانت موجودة قبل التعلق بالبدن ونظيره قوله تعالى: (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ) . ونقل عن النبي ﷺ : (خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفى عام) . ثم قال: وحجة الفلاسفة على إثبات النفوس البشرية غير موجودة قبل وجود البدن حجة ضعيفة. ... أما تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري فقد ذكر قولاً نسبه لأحد العلماء قال: الأرواح البشرية موجودة قبل

стр. 227

الأبدان والإقرار بوجوده سبحانه من لوازم ذواتها وحقائقها وهذا العلم ليس مما يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب، وهو المراد بأخذ الميثاق عليهم، لكنها بعد التعلق بالأبدان يشغلها التعلق عن معلومها فربما تتذكر بالتذكرة وربما لا تتذكر. وبعد: بدون تأويل للنصوص ولا توسع في الخيال يدخلنا ساحة الغيب بدون إذن من صاحب الغيب، فقد جمعت ما وقع تحت يدي من أراء العلماء عن المرحلة الأولى للروح عن عهد الله على الفطرة، ودور الأنبياء بعد ذلك أن يذكروا الناس بعهد الله عليهم: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) المرحلة الثانية: من قصة الروح (خادم الأميرة) : لم يكن السلطان الحكيم ليرسل الأميرة العزيزة وحدها من غير أن يرسل معها خادما. اختارَ لها الخادمَ، وأعدَّ لها الركب، وجعل الكلمة لها والرأي لها، والقيادة لها. إنها مؤهلة لذلك فمعارفها مطلقة ونسبها شريف، فضلا عن استطاعتها القرب المطلق من السلطان الحكيم، فما رأى الجموع في الأميرة؟ هل يمكن أن يستفيدوا منها لتمنحهم طاقة لا تعرف الحدود ولتهب لهم الحياة؟ سار الركب كما يجب ولكن لم تمضى لحظات طوال حتى بدأ الخادم يشعر بنفسه ويتمرد على سيدته يتسائل من رأى الأميرة؟ ومن سمع صوتها؟ إنها أن تكلمت ... فبصوتى. وإن صالحت أو خاصمت فبى وحدى. فأنا كل شيء، وتطوع بعض الجموع بالنفاق وحاول تجنيد

стр. 228

كل شيء لخدمته وإشباع رغبته، فأرهقت الجموع نفسها ولم تنتهِ رغباته وكان لا بد للعقلاء أن يبحثوا عن الخلاص كان لابد أن يتسائلوا ما سر الخواء الروحى والأمراض العصبية والنفسية التي تعيش فيها الجموع؟ ألسنا حينما نوجه نشاطنا نحو غاية واحدة محددة فسوف نجعل وظائفنا العقلية والعضوية كاملة التناسق، لأن توحيد الرغبات وتوجيه العقل نحو غاية واحدة ينتج ضربا من السلام الداخلى " الكسيس كاريل ". هكذا أدرك العقلاء من الجموع أن جهودهم لخدمة هذا الحارث قد مزقتهم داخليا وجعلت أمرهم فُرُطا: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) ويقال هذا العنب فرطا إذا تفرقت حباته، والمسبحة للفرط هى التي قطع خيطها، والإنسان يصبح فرطا إذا توزع نفسياً وتمزقت اتجاهاته. أجمع العقلاء على ضرورة الاتصال بالأميرة فساحتها هى المخرج الوحيد من سجن المادة، والطريق الأوحد للفرار من سياط الخادم. وقبل أن أتكلم عن الأميرة وطاقاتها، يحسن أن أقول: إنَّ الأميرة هى الروح، وخادمها هو الجسد وطاقات الروح لا حدود لها ولكن الحديث عنها لا يقوى كل قارئ على تصوره وتصديقه، والذى لم يأكل المانجو لو قرأ كتب الدنيا عنها فلن يتذوق طعمها، إن من ذاق عرف من خاض تجربة روحية واحدة فسوف يكف عن لوم المحبين. إن هذه الصفحات من الكتاب يمكن أن أقول عنها للكبار فقط، فليس كل الناس يقوى على تصديقها والتكذيب بها لا يضر من كذَّب - بتشديد الذال - كنت في زيارة للأستاذ الدكتور أحمد عبد الستار الجواري وزير التربية والتعليم السابق بالعراق، فتجاذبنا أطراف الحديث عن الروح فقال لى: ذرت قبر رسول الله ﷺ في وفد رسمى وكان قائد الطائرة يرافقنا وكان شابًّا ملحدا، وعضوا في الحزب الشيوعى العراقى وفجأة رأيناه يسقط على الأرض أمام

стр. 229

قبر النبي ﷺ ويشد ملابسه وينادى بعبارات يخنقها البكاء سلام عليك يا رسول الله، سلام عليك يا رسول الله. ثم قال الدكتور الجواري إن المنطقة التي أمام قبر النبي ﷺ منطقة منزوعة الجاذبية وسألت نفسى هل كل من وقف أمام قبر النبي ﷺ شعر بهذه الإشراقة النورانية؟ ثبت في كتب السيرة أن النبي ﷺ بعد أن أعلن عفوه عن الطلقاء يوم فتح مكة جاء رجل اسمه فضالة بن عمير الملوح الليثى وحدثته نفسه أن يطوف في الزحام ثم يطعن الرسول ﷺ بخنجره فسأله النبي ﷺ ما كنت تحدث به نفسك؟ قال لا شيء كنت أذكرُ الله تعالى فضحك النبي ﷺ وقال له أستغفر الله لك، ثم وضع النبي يده على صدر فضالة، فكان فضالة يقول والله ما رفع يده عن صدري حتى ما وجدت على ظهر الأرض أحب إلى منه وضع النبي ﷺ يده على صدر فضالة كما يضع أحدنا أسلاك الكهرباء على الباتري فتشحن وتضيء بعد ذلك المصابيح وللنبي، المثل الأعلى فهل كل إنسان عنده هذه القابلية هل كل إنسان يضع النبي ﷺ يده عليه يمكن أن يذيب أحقاده ويضيء قلبه إذاً لكان أمر الهداية ميسوراً ولكنها قابلية واستعداد روحانى. إن الذين وضع النبي ﷺ يده عليهم كثيرون ولكن الذين شعروا بما أحدثته هذه اليد الشريفة في قلوبهم نفر قليل. الذين يدخلون مسجد النبي ﷺ كثير ولكن الذين تحول هذه الزيارة حياتهم نفر قليل، وأقل منهم من يصدق هذه الحقائق، لأنها تتحدث بلغة الروح ومعارفنا عن الروح محدودة هذا وللروح طاقات عطائية كبيرة يحسن أن نوجز الحديث عن بعضها

стр. 230

الإمام الغزالي والكشف الروحي في مطلع الجزء الثالث من كتاب إحياء علوم الدين يرى القارئ دراسة متكاملة عن منهج الغزالي في المعرفة وإيمانه بالإلهام كمصدر أساسي لها عند المتصوفين، ويحاول الإمام الغزالي وضع تفسير لهذه الظاهرة، فيقول إن صفاء القلب وطهارته تجعل صورة من اللوح المحفوظ تنعكس على مرآة القلب فتنكشف للإنسان معارف لا حدود لها، ثم يقول فلكل معلوم حقيقة، وتلك الحقيقة صورة تنطبع في مرآة القلب وتتضح فيها. فيستغنى الصوفي بالمعارف الدينية عن الاشتغال بطلب العلم التلقيني. الإمام المحقق ابن تيمية: لم ينكر الإمام ابن تيمية هذا النوع من المعارف الروحية، فقد ذكر في كتابه مجموع الرسائل "فما كان من الخوارق من باب العلم فتارة بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيرة، وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره، وتارة بأن يعلم ما لا يعلمه غيره، وحياً أو إلهاما أو إنزال علم ضرورى أو فراسة صادقة، ويسمى ذلك كشفاً ومشاهدات ومكاشفات ومخاطبات". ثم ذكر أمثلة لذلك: منها الحادث الشهير الذي دار بين عمر بن الخطاب وسارية. فقد نادى عمر وهو في بالمدينة يا سارية الجبل، فسمعه ساريه وهو على بعد آلاف الأميال، وكان ذلك سببا في نجاة المسلمين ونصرهم. وقد تعدى الإيمان بالكشف علماء المسلمين إلى غيرهم، فهو ظاهرة إنسانية شغلت علماء الغرب كما شغلت علماء الإسلام، لأن الروح كالعقل قاسم مشترك بين البشر جميعا. يقول (الدوس هكسلى) إنه لم يعد لنا مناص من الاعتراف بأن

стр. 231

بعض البشر مزود بالقدرة على استكشاف المجهول بطريقة خارجية عن نطاق الحواس، وجهلنا بالطريقة التي يتم بها هذا الاستشفاف لا يبرر إنكارنا له وقد ذكر الدكتور علي عبد الجليل راضي نموذجاً " للجلاء " البصرى وقع في المنيا ١٧٥٩ ثم قال إن هذه الموهبة ليس لها أي علاقة بالتصوف أو الولاية إذ هى موهبة يتمتع بها بعض الناس. ثم حاول الدكتور راضي وضع التفسيرات العلمية لهذه الظاهرة ثم واصل الدكتور راضي حديثه عن الجلاء البصرى والجلاء السمعى (التلبثة) ووصفها بأنها ظاهرة علمية لا جدال فيها وذكر زعمائها في الشرق والغرب ويختم المقال بقوله: إن الأبحاث التي قام بها العالم النفسي الروسي (فازليف) والذى أنشأ معمل لدراسة (التلبثة) في ليننجراد ١٩٦٠ أدت هذه الأبحاث إلى تفكير الروس في تعليم رواد الفضاء كيفية استخدام (التلبثة) للاتصال مع الأرض في حالة تعطيل أجهزتهم اللاسلكية وهم في الفضاء أما الجانب العملى للطاقات الروحية فهو جانب لا حدود له ولا داعى للتكلف في إنكاره فقد حكى القرآن الكريم نمازج منها , وحياة الناس شاهدت الكثير. عرش ملكة سبأ: لأمر ما أراد سليمان أن يحضر عرش الملكة قبل أن تحضر هى إليه. وسأل سليمان جنوده قال: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) وكأن سليمان استبطأ العفريت فقال الذي عنده علم من الكتاب: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) وقد أكثر المفسرون من ذكر

стр. 232

أسماء نسبوا إليها علم الكتاب، وأشهرها آصف بن برخيا أو سليمان أو جبريل ﵇. وسواء كان الذي عنده علم من الكتاب هو جبريل أو سليمان أو آصف فلا يخرج عن كونه من فعل الروح، وهذا هو المقدار الذي يلزمنا هنا لأن المعجزة والكرامة كلاهما أمر خارق للعادة وكلاهما من عمل الروح. وقد ذكر العلامة القرطبي تفسيرا لنقل العرش. قال فيه: إن الله أعدم العرش في الشام وأعاد خلقه في مكان سليمان وهذا كلام وجيه، فالعلماء في عصرنا قد استطاعو تحويل المادة إلى طاقة عن طريق تحطيم الذرة فانعدمت صورتها، وهم يتصورن الآن محاولة تحويل الطاقة إلى مادة ليعيدوها أجسام كما كانت. مريم والمخاض: وعندما يتكلم القرآن عن مريم وهزها لجذع النخلة وهى تعاني آلام المخاض فإن القرآن يسوق لذلك دليلا جديداً على الطاقة الروحية. تصور عشرين رجلا من أبطال كمال الأجسام يحاولون هز نخلة من جذعها هل يمكن أن يسقط التمر؟ فلو كانت النخلة مثمرة فعملية هز الجذع ممن أجائها المخاض ألجأها إليه كرامه. أما إذا علمت أن السيد المسيح ولد في السابع من يناير علمت أن النخل يومها لا تمر فيه , وهذه كرامة أخرى لمريم (١) - - - - - - - - - - ادعت المعتزلة أن هذه معجزة لزكريا ﵇ , وفى هذا تكلف , فزكريا ﵇ لا علم له بما حدث وهى كرامة لمريم وإرهاص لعيسى ﵉.

стр. 233

الدعاء ... مظهر للروح: كل مؤمن يلجأ بدعائة إلى من يعبده. وقد توارثت البشرية فكرة الدعاء عندما أدركت جدواه، فالشيء الذي لا جدوى له ينقرض وينسى. والسؤال هل الدعاء مجرد كلمات يرددها اللسان فتتحقق بها الآمال؟ الواقع غير هذا، فالدعاء المقبول هو نداء استغاثة يرسل عن طريق الروح ولابد فيه من الضرورة الدافعة إليه لأن الله سبحانه يجيب المضر إذا دعاه ولابد من الضرورة لأن الضرورة توقظ الروح وتسبب التركيز على الشيء الذي ندعوا به، فلا تتداخل أغراض أخرى في الدعاء تقلل من التركيز على وحدة الهدف. والدعاء ليس كلمات يرددها لسان أو يرسلها قلب غافل، فالله سبحانه لا يستجيب من قلب غافل، ولأن الغفلة تتنافى مع شروط الدعاء - أعنى الضروة والتركيز - ولكن الدعاء استحضار لقوة الروح، ومحاولة لدفع الحاجة بأعلى قوة روحية، من هنا كانت دعوة المظلوم لا ترد يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب وعزتي وجلالي لأنصرنَّك ولو بعد حين. والشيء الذي يترك النفوس حائرة أن أكثر الذين يدعون في الشدائد يتوجهون بدعائهم لغير الله من قبور الأنبياء والصالحين والقديسين فما سر استجابة دعائهم؟ ربما يقال أنهم يتوجهون إلى الله عن طريق هؤلاء الصالحين فما الرأي في الذين يتوجهون في الدعاء إلى صنم بوذا، أو بقرة الهندوس، ومع ذلك يرفع دعائهم ويستجاب؟ إن أصناف الأميين في القرية يكتبون في الرسائل ما يريدون ويتركون كتاب العنوان يكتبه غيرهم ليصحح مسيرة الرسالة

стр. 234

والروح كذلك أنها تقوم بتصحيح البث للدعوات التي أخطأ أصحابها العنوان فتوجهوا بها إلى غير الله. إنَّ الله وحده هو الذي يقدر على تحقيق الآمال، والله وحده هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) المضطر: بهذا الإطلاق من كل قيد لأنه كريم. إن الدعاء هو العبادة الوحيدة التي جعلت للناس قدرا عند الله، لأن الله يحب أن يُسأل - بضم الياء - (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) والدعاء ظاهرة إنسانية وأثر من أثار الروح، ومنذ خلق آدم والبشرية كلها تدعوا فيستجاب لها. والسحر طاقة روحية أيضا، آمن به كل من آمن بالأديان وهو درجات ثلاث السحر , والطلسمات , الشعوذة , وقد فرق بن خلدون بين المسميات الثلاث في مقدمته. ومقاصد السحر كما ذكرها الأستاذ أحمد حسين ثلاثة العلاج بالسحر ومحاولة إيقاع الأذى بالأعداء، ومحاولة الجمع بين اثنين أو التفريق بينهما بالسحر. والعلم الحديث قد حل في نفوس الناس محل السحر، وما حققه العلم يزيد عن مجموع ما فعله السحر حتى لو اعتقدنا أن السحر حقيقة. * والعلاج بالسحر في ضوء علم النفس تفسير واحد وهو تأثير الإيحاء على المريض ونجاح العلاج يتوقف على قابلية المريض للإيحاء، وإن كان هذا التفسير لا يصلح لظاهرة علاج طفل لا يدرك حركات الساحر، ولا يصلح فيه الإيحاء لصغره، كما لا يصح لتفسير التأثير على الغائب الذي لا يعلم بالسحر.

стр. 235

وظاهرة السحر كالتأثير بالعين شيء لا نستطيع تفسيره تفسيراً ماديا، ومحاولة إنكاره باسم العلم هروب من الميدان. * أما تفسير ظاهرة القتل بالسحر فقد جاء الحديث عنها في كتاب " فن السحر " للأستاذ أحمد الشنتناوي , وكتاب تاريخ مصر القديم بريستد. * أما الأثر الثالث للسحر، وهو محاولة إيجاء الحب بين اثنين فشائع ذلك بين العامة والخاصة في بلاد الشرق وفى أوروبا، وقد أشار القرآن الكريم إلى محاولة السحرة أن يفرقوا بين المرء وزوجه قال تعالى: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) ولصاحب الظلال كلمة قيمة في موضوع السحر، فبعد أن فسر الآية الكريمة السابقة قال: "وبعد: فلابد من كلمة هنا عن السحر وعما يفرق بين المرأ وزوجه مما كان أولئك اليهود يجرون خلفه ويتركون كتاب الله وراء ظهورهم من أجله أنه ما يزال شاهدا في كل وقت أن بعض الناس يملكون خصائص لم يكشف العلم عن كنهها بعد , لقد سمى بعضها بأسماء ولكنه لم يحدد كنهها ولا طرائقها. هذا (التلباثى) وهو التخاطر عن بعد ما هو؟ وكيف يتم؟ كيف يملك إنسان أن يخاطب إنسان على أبعاد وفواصل لا يصل إليها صوت إنسان في العادة ولا بصره، فيتلقى عنه دون أن يقف بينهما الفواصل والأبعاد. وهذا التنويم المغناطيسى ما هو؟ وكيف يتم؟ كيف يقع أن تسيطر إرادة على إرادة، وأن يتصل فكر بفكر فإذا أحدهما أوحى إلى الآخر، وإذا أحدهما يتلقى عن الآخر كأنه يقرأ في كتاب مفتوح

стр. 236

إن كل ما استطاع العلم أن يقوله إلى اليوم في هذه القوى التي اعترف بها هو أنه أعطاها أسماء، ولكنه لم يقل قط ما هى ولم يقل قط كيف تتم؟ وثمة أمور كثيرة أخرى يمارى فيها العلم إما أنه لم يجمع منها مساهمات كافية للاعتراف بها، وإما لأنه لم يهتد إلى وسيلة تدخلها في نطاق تجاربه هذه الأحلام التنبئية، وفرويد الذي يحاول أن ينكر كل قوى روحية لم يستطع إنكار وجودها كيف رأى رؤيا عن مستقبل مجهول ثم إذا هذه النبوءة تصدق في الواقع بعد حين؟ وهذا الإحساس الخفي كيف أحسَّ أن أمراً سيحدث بعد قليل أو أن شخص ما قادم بعد قليل ثم يحدث ما توقعت على نحو من الإيحاء. إنه من المكابرة في الواقع أن يقف الإنسان لينفى ببساطه مثل هذه القوى المجهولة في الكائن البشرى لمجرد أن العلم لم يهتد بعد إلى وسيلة يجوب بها هذه القوى. وليس معنى هذا هو التسليم بكل الخرفات والجري وراء كل أسطورة، إنما الأسلم والأحوط أن يقف العقل الإنساني أمام هذه الخوارق مرناً لا ينفى على الإطلاق، ولا يقبل على الإطلاق، وأن يسلم أن في الأمر شيئاً فوق طاقتة ويعرف حدوده ويحسب للمجهول في هذا الكون حسابه وحتى لا يتسع المجال ونخرج عن هدف دراستنا نوجز القول في بعض مظاهر الروح. العلاج بقراءة القرآن: وردت أحاديث متعددة عن حوادث متتكررة أن بعض الصحابة رضوان الله عنهم رقى بعض الملدوغين فقرأ عليه سورة الفاتحة فشفاه الله، وقد جاءت هذه الأحاديث الصحيحة في باب

стр. 237

جواز أخذ الأجر على قراءة القرآن , من ذلك ما رواه الإمام البخاري عن ابن عباس أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيه لديغ فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال لهم هل فيكم من راق؟ فإن بالماء رجلاً لديغاً فنطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب.... الحديث وقد روى البخاري أيضا عن أبى سعيد حديثاً آخر صرح فيه أن الصحابي اشترط أجراً على رقياه، لأن البلد الذي به اللديغ لم يقبل أن يضيفوهم. يقول الحديث: فانطلق يتفل عليه أي على مكان اللدغ ويقرأ الحمد لله رب العالمين، فكأنما نشط من عقال , أي كأن المريض خرج من قيده فانطلق يمشى وما به قلبه أي مرض فلما ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ قال للرجل متعجباً وما يدريك أنها رقية. ثم قال النبي ﷺ أصبت، اقتسموا أي اقتسموا الأجر واضربوا لي سهما وضحك النبي ﷺ . وغنيٌّ عن البيان أن الفاتحة نحفظها جميعاً، ولكن شيء آخر مع قداسة الكلمات هو الذي أحدث الشفاء وقد ذكر لنا أستاذنا كمال شلال - عليه رحماتُ الله - حادثة توضح ما أريد بيانه قال حدث أن وقع المسلمون في شدة فدعوا وكان فيهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقرأ الفاتحة فكشف الله كربتهم. وتكرر هذا الأمر بعد وفاة عمر، فقرأ بعض الصحابة الفاتحة كما قراءها عمر من قبل، فقال عبد الله بن عمر هذه الفاتحة فأين عمر. ولعل الدعاء للمريض من باب التداوي بالكلمة هو سر من أسرار الروح

стр. 238

المرحلة الثالثة من مراحل الروح (القبر) سبق أن تكلمنا عن المرحلة الأولى من مراحل الروح وهى مرحلة (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) وقلنا إنها مرحلة روحية مجردة. ثم تكلمنا عن مرحلة الدنيا وهى مرحلة روحية جسدية. أما المرحلة السادسة من مراحل الروح فهى مرحلة البرزخ وهى مرحلة غيبية , والغيب يقتصر فيه على ما أخبر به صاحب الغيب سبحانه على لسان نبيه ﷺ وكلمة البرزخ معناها الحاجز بين الشيئين قال تعالى: (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ) والمراد من مرحلة البرزخ المدة ما بين الموت والبعث قال تعالى: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) قال الزمخشرى: أي أمامهم حائل بينهم وبين الرجوع للدنيا وهو إقناط كلي لما علم لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة. حياة البرزخ وما فيها من نعيم وعذاب ثابتة بالقرآن الكريم والسنة المطهرة وهى جزء من الدار الآخرة وإن اختلفت عنها. نعيم القبر: تكلم القرآن الكريم عن مقام الشهداء في مرحلة البرزخ فقال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) وهذا المقطع الكريم من سورة آل عمران يصحح مفهوماً أخطأ بعض الناس تصوره، فهو ينفى مفهوم الموت عن الشهداء ويثبت لهم حياة عالية عند مليك مقتدر يرزقون فيها بغير حساب، فحق لهم الفرح وبقية الآيات تبين أن هذه الحياة في الدنيا فضلا عما سيكون لهم في الآخرة والدليل على أنها في الدنيا هو قوله تعالى بعدها: (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ) فهم في الجنة وإخوانهم لم يزالوا في الدنيا لم ينفصلوا عنها

стр. 239

وفى سورة يس جاء حديث القرآن عن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى يطلب من قومه أن يتبعوا المرسلين فلما قتله قومه: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) فهو في الجنة وهو مع ذلك يتمنى لقومه أن يعلموا بأي شيء غفر الله له ليتبعوا سبيله، إن الله قد غفر له بسبب الدعوة إليه سبحانه وصبره على إيذائهم فالرجل في الجنة وقومه ما زالوا في الدنيا فذلك نعيم القبر وحياة البرزخ. أما الأحاديث الشريفة التي تحدثت عن نعيم البرزخ فقد جاء في جزاء الشهداء ما رواه الإمام مسلم: (أن أرواح في حواصل طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل.. الحديث) وفى غير الشهداء جاء حديث البراء بن عازب الذي رواه أبو داود وأحمد بن حنبل، وقد جاء فيه: (وتعاد روحه إلى جسده أي تعاد بعد أن تصعد إلى السماء فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينهرانه ويجلسانه فيقولان من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول ربى الله ودينى الإسلام فيقولان فما تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هو رسول الله. فيقولان فما يدريك؟ فيقول جاءنا بالبيان من ربنا فآمنت به وصدقت. ثم قرأ النبي ﷺ : (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) قال فينادي مناد من السماء أن قد صدق عبدى فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وأروه منزله في الجنة، ويفسح له مد بصره ويمثل له عمله في صورة رجل حسن الوجه طيب الرائحة حسن الثياب، فيقول أبشر بما أعد الله لك أبشر برضوان من الله وجنات فيها نعيم مقيم , ويسأله من أنت بشرك الله بالخير؟ فيقول أنا عملك الصالح

стр. 240

ثم ذكر قتادة: أنه يفسح له في قبره أربعون ذراعا. وفى رواية مسلم سبعون ذراعا , ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون. وفى رواية الترمذى يفسح له في قبره سبعين ذراعا ثم ينور فيه ثم يقال: نَمْ. وفى رواية أبى داود: أن الملآئكة تنطلق به إلى بيت كان في النار ولكن الله عصمه رحمة فأبدله بيتاً في الجنة. ولعل اختلاف الروايات يتناسب مع اختلاف درجات الناس في قبورهم. وواضح أن التصور الوحيد الذي يمكن أن يتسع لهذا النعيم هو التصور الروحي. ومن حبس نفسه في تصور النعيم المادي يصعب عليه أن يتصور اتساع القبر ماديا , وامتلاء القبر خضرا وكساء للميت من الجنة - كما ورد أن اللذة الروحية تعدل كل لذات الدنيا المادية وتربوا عليها , والجسد قد يشعر بشيء من هذا النعيم حسب قانون البرزخ وهو من المغيبات. ولا تعارض بين هذا الفهم وبين ما أوجبه الإسلام من إلقاء السلام على المقابر لأن الروح وهى في جنة المأوى تشعر بمن زار قبرها , وألقى ﵍. والنبي ﷺ كان يزور قبور شهداء أحُد , مع أنه أخبر أن أرواحهم في حواصل طير في السماء , تسبح في الجنة. هذا ما فهمته من نعيم البرزخ , وهو تقريب للمعنى , كما صرح النبي ﷺ بأن العمل الصالح يمثل له في صورة رجل حسن الوجه والثوب والرائحة , أما نعيم الآخرة - فهو نعيم روحانى ومحسوس في نفس الوقت كما سبق أن وضحت ذلك. عذاب القبر. متى علم النبي ﷺ به: يبدوا من دراسة الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ لم يوح إليه بعذاب القبر إلا في المدينة.

стр. 241

فقد حدث أن سألت امرأة يهودية السيدة عائشة - رضى الله عنها - فلما أعطتها، دعت لها أن يعيذها الله من عذاب القبر. فسألت السيدة عائشة رسول الله ﷺ أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال النبي عائذا بالله من ذلك. يقول ابن حجر استعاذة النبي ﷺ بالله من فتنة القبر قبل أن يعلم بعذاب القبر. ومعلوم أن الأصل في العقائد هو إخبار الوحي الصريح للنبى ﷺ سواء كان الإخبار عن طريق آيات القرآن , أو عن طريق القاء المعنى في صدر رسول الله ﷺ يقول النبي ﷺ أوتيت القرآن ومثله معه (رواه أحمد) وبعد حادثة اليهودية بعدة أيام أخبر الله نبيه بما يحدث في القبر. تروى السيدة أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما - أنها أتت السيدة عائشة حين خسفت الشمس. فلما أنصرف رسول الله ﷺ يعنى لخطبة الكسوف - حمد الله وأثنى عليه , ثم قال ما من شيء لم أره إلا قد رئيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار , لقد أوحى إلى أنكم تفتنون في قبوركم مثل فتنة الدجال. يؤتى أحدكم فيقال له: ما علمت بهذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: محمد رسول الله. جاء بالبينات والهدى فأجبناه وأتبعناه , فيقال له: نم صالحاً. فقد علمت أن كنت لموقنا. (رواه البخاري) ... وتروى السيدة عائشة - رضى الله عنها - سألت النبي ﷺ عن عذاب القبر أي مرة أخرى فقال نعم عذاب القبر حق. قالت عائشة: فما رأيت رسول الله صلى صلاة إلا وتعوذ بالله من عذاب القبر. (رواه البخاري) . ...

стр. 242

وقد جاء في مسند الإمام أحمد عن سعيد بن العاص عن عائشة - رضى الله عنها - أن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم نصف النهار , مشتملاً بثوب , محمرة عيناه. وهو ينادي بأعلى صوته: القبر كقطع الليل المظلم. أيها الناس.. لو تعلمون ما أعلم بكيتم كثيراً وضحكتم قليلا. أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق. ضم القبر: أخبر النبي ﷺ أن القبر يتسع لصاحبه حتى يبلغ سبعين زراعا. (رواية مسلم) ومعلوم أن المراد من هذه السعة ليس انتقالا لجدار القبر , ولكنها سعة الصدر , سعة روحية. فلربما اتسع المضيق ... وربما ضاق الفضا وكما ذكر النبي ﷺ سعة القبر في بيان النعيم , فقد قابل ذلك ببيان ضم القبر وضيقه على صاحبه في بيان عذاب القبر. وأختار من أحاديث (ضم القبر) حديثين: * الأول: عن الصحابي الجليل سعد بن معاذ - رضى الله عنه - الصحابي الذي اهتز عرش الرحمن له وفتحت أبواب السماء له , وحضر جنازته سبعون ألف ملك. الصحابي الذي قال النبي ﷺ عن مناديله في الجنة: إن مناديل سعد بن معاذ خير من الدنيا وما فيها , ومع ذلك فقد أخبر النبي ﷺ أن القبر ضمه ضمة ثم فرج عنه. (رواه النسائى) . * الثانى: زينب ابنة النبي - رضى الله عنها - عندما ماتت وخرجوا بجنازتها حزن النبي ﷺ ثم نزل قبرها

стр. 243

عند دفنها وخرج منه ووجهه يلتمع. فسألوه عن سر ذلك فقال: إنها كانت امرأة مسقاما - أي كثيرة المرض - فذكرت شدة الموت , وضغط القبر , فدعوت الله فخفف عنها. سبب عذاب القبر للمؤمن: وقد جاء في كتب الصحاح حديث ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ مر بقبرين يعذبان فقال إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير. بلى إنه كبير. أما أحدهما فكان يمشى بالنميمة. وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله (رواه البخاري واللفظ له) إن رسول الله ﷺ لم يترك فرصة لهداية هذه الأمة إلا واستفاد منها في توجيههم إليها. والنميمة جريمة يعمل صاحبها في الظلام فينقل من طرف لآخر بقصد الإفساد. أما عدم الاستتار من البول فيعنى عد الوقاية منه , وعدم التحفظ مما يصيب الثوب أو البدن. والنميمة والبول كلاهما يتم في الخفاء , فناسبهما عذاب القبر , وهو كظلمة الليل. القرآن وعذاب القبر: سبق أن تحدثنا عن نعيم القبر , وقلنا إن القرآن قد أثبت نعيم القبر في آيات الشهداء وآيات الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى في سورة (يس) والآن ما موقف القرآن من عذاب القبر؟ تعددت إشارات القرآن عن عذاب القبر جاء ذلك في قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)

стр. 244

فقوله تعالى: (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) يؤكد أن العذاب يبدأ بصعود أرواحهم , قبل أن يقبروا. فهو في القبر من باب أولى كما جاءت إشارة القرآن إلى عذاب القبر في قوله تعالى: (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) . اختلف المفسرون في المراد من العذاب الأول , هل هو فضيحة المنافقين أو المرض والبلاء , أو القتل والسبى ولكنهم لم يختلفوا في أن المراد من العذاب الثانى في الآية الكريمة هو عذاب القبر الذي يعقبه عذاب عظيم وهو عذاب الآخرة , أما قوله تعالى في آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) اعتبر العلماء هذه الآية هى الأصل في الاستدلال على عذاب القبر. وفيها إشارة إلى ما ذهبنا إليه من أن قانون العذاب في القبر يختلف عن قانون الحياة الدنيا. فلكل مرحلة قانونها. وآل فرعون (يعرضون) على النار في الدنيا. في مرحلة البرزخ - أما في الآخرة (فيدخلون) النار. وفى خواطر فضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى. أن عذاب القبر (عرض) للعذاب. أما عذاب الآخرة (فدخول) في العذاب. وفى تفسير الفخر الرازي: الغدو والعشي - كناية عن كل الأوقات. كقوله تعالى عن أهل الجنة: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) كيف يكون القبر مرقدا ؟ استدل الذين ينكرون عذاب القبر بقوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا)

стр. 245

قالوا: إن وصف القبر بأنه (مرقد) يتنافى مع وقوع العذاب فيه. والواقع أن الكفار خرجوا من عذاب القبر فشاهدوا عذاب الآخرة فاعتبروا عذاب القبر كأنه (مرقدا) بالنسبة لعذاب الآخرة. إنَّ عذاب الآخرة للروح وللجسد ولا نهاية له. وعذاب الآخرة تبلى فيه السرائر ويفضح فيه ما في الصدور. وبعد: إن مرحلة البرزخ مرحلة غيبية. والغيب نقتصر فيه على ما أخبر صاحب الغيب. ومرحلة البرزخ لها قانون خاص يختلف عن قانون الحياة الدنيا. ونحن في الدنيا نعلم أن لليقظة قانون وللنوم قانون. وما ذكرته من أن مرحلة البرزخ للروح فقط يجنبنا صعوبات كبيرة في التصور. فكيف نتصور (سعة القبر) ماديا إلى منتهى البصر؟ لكن تصوره روحيا يتفق مع طبيعة الإسلام التي تحترم عقولنا. ويتفق مع طبيعة اللغة العربية التي تبيح الانتقال من المعنى الظاهر إلى المجاز اللغوي لقرينة مانعة من إرادة المعنى الظاهر. يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) يقول: دلت الآية على عرض الأرواح على النار غدوا وعشيا في البرزخ , وليس في الآية دليل على اتصال تألمها بالجسد في القبر. وهذا بالاضافة إلى ما سبق أن ذكرناه من نعيم الجنة وأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسبح في السماء , فدلالة هذه الأحاديث على الروحية واضحة ومع سبح الأرواح في الجنة.. فلم تنقطع صلتها بالأجساد. فقد كان النبي ﷺ يزور شهداء أحُد في قبورهم , مع أنه أخبر أن أرواحهم تسبح في الجنة. الله وحده يعلم سر هذه المرحلة ولكن الحياة هى حقيقة , وقد استراح صحابة النبي ﷺ عندما قبلوا هذه الحقائق

стр. 246

بمجرد أن أخبرهم النبي ﷺ بها , دون سؤال أو مناقشة في تفصيلها , ذلك لأنهم آمنوا بما هو أكبر منها , وهو إيمان بالآخرة , وما فيها من نعيم وعذاب للروح وللجسد. وبعد: فالروح أنت. وهى سرُّ حياتك , ومقياس عظمتك الروح جوهرة , والجسد صندوقٌ فاخرٌ يحميها فقط. تحتاج إلى غذاء وغذاؤها التقوى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) ويلزمها كساء. ولباسها التقوى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) نظافتها التوبة: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) تأنس بحبيبها سبحانه وتسعد بمعيته: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) الكلمات لا تقوى على نقل سرها , لأن الورق موصل رديء للحرارة الروحية. ولكن.. من ذاق عَرف. من غلبت عليه يرهق جسده , فيشعر بلذة عالية. ما سرُّ أن يحاول الحجيج العودة إلى بيت الله الحرام , مع ما يعانونه من مشقة؟ لقد أدوا الفريضة. فما سرُّ الإصرار على العودة؟ إنَّ أحرص الناس على السفر للحج هم الذين سبق لهم أداء الحج. والشباب الذين يسافرون في رحلات الدعوة إلى الله سلوهم عن المتعة التي يشعرون بها وهم ينتقلون من بلد إلى بلد.

стр. 247

إن صوت الروح يعلوا كل نداء. يقول أحدهم: نحن نشعر بلذة لو شعر بها الملوك لحاربونا عليها بالسهام. ونحن الآن حصيلتنا من المعارف الدينية موفورة. ولكن نعاني خواء روحياً. ما سرُّ ذلك؟ ما سرُّ البرود الروحى عند كثير من المتدينين؟ هل السبب هو المنهج (البدوي) الذي يدرس به الإسلام للشباب. إنَّ كثير من الدعاة انشغلوا بتصحيح الانحرافات الفكرية ومقاومة البدع. عن تغذية الروح، فنتج جيل من الشباب المتدين تلمس في عقله الذكاء وفى علمه سعة , وفى قوله بلاغة , ولكنه بارد الأنفاس , بادي الجفوة , غليظ القلب. وقد أدرك الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت أن الجانب العقلى وحده لا يكفى لبناء المسلم، بل لابد من العنصر الروحى. إنَّ الخليل إبراهيم وولده اسماعيل ﵉ أدركا أن تعليم الكتاب والحكمة لا يكفى في إصلاح الأمم وإسعادها. حتى يقترن بالتربية على الفضائل , والحمل على العمل الصالح عن طريق يوجب احترامه وتقديسه من القلب. ويشعر الوجدان بقوته، فقال إبراهيم وإسماعيل: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فلابد من تعليم الكتاب والحكمة. ولكن التزكية للنفس والعمل الدائم على تطهيرها ضرورة أكبر. وقد استجاب الله لإبراهيم وأرسل نبينا ﷺ .

стр. 248

وجعل معجزته الأولى هى القرآن , والمعجزة الثانية نجاحه في تربية الأمة وتزكيتها: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) وقد صحح الله دعوة إبراهيم. وأعاد ترتيبها , فقدم (التزكية) على تعليم الكتاب والحكمة. إنَّ الأمة بحاجة إلى خبراء في التربية الروحية. يعيدون الشباب إلى منهج الله. إنَّ الله رغب المؤمنين بالجنة وهو سبحانه أعلم بالنفوس. والنبى ﷺ عندما أخذ العهد على من حضر بيعة العقبة الثانية أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم، وأن ينصروا دعوته. سأله أحدهم: فماذا لنا إن وفينا يارسول الله؟ قال النبي ﷺ -: الجنة. وعدهم بالجنة، لأن الجنة بضاعة الأنبياء. لم يعدهم بالملك ولا الثراء. ولكن وعدهم بالجنة. وقد أثمرت هذه التربية، فعندما نادى رسول الله ﷺ يوم بدر: لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة. فقال عمير بن الحمام - وفى يده تمرات يأكلهن: قال: بخٍ، بخٍ. أفما بينى وبين الجنة إلا أن يقتلوننى، ثم قذف بالتمرات من يده. وأخذ سيفه وقاتل حتى قتل. لقد أدت عقيدة الجزاء دورها. فالروح إن نعلي شأنها نحظَ بطاقات لا نهائية من الخير.

стр. 249

المرحلة الرابعة: البعث: وهى مرحلة روحية جسدية , كمرحلة الدنيا , وقد سبق الحديث عنها. قال تعالى: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) والتزاوج هنا بمعنى عودة الأرواح إلى الأجسام. هذه قصة الروح , كما فهمتها من القرآن الكريم. المرلحة الأولى: روحية مجردة. والمرحلة الثالثة كذلك , المرحلة الثانية: جسدية روحية , والمرحلة الرابعة مثلها. (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) لحظة الوداع: إنسان يعاني سكرات الموت , وأهله من حوله , لا تستطيع أيديهم أن توصل له نفعاً , ولا أن تدفع عنه ضراً. يحسبون أنهم على مقربة منه. ولكن الله أقرب إليه ولكننا لا نبصر. وهذا المشهد قد ذكرته في سورة القيامة , بصورة حركية , تتفق مع منهج السورة. قال تعالى: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ) لحظة صعبة - كان النبي ﷺ يسأل الله أن يخفف عنه سكرات الموت - مع أنه النبي ﷺ , ولكن الله هو أقرب إليه من كل الدنيا. لن يترك أحبابه يرسل اليهم الملآئكة بالبشارات الثلاث: * لا تخافوا على أنفسكم , لأن الآخرة خير لكم من الأولى * ولا تحزنوا على أولادكم , لأن الله لن يضيعكم. * وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون بها فآمنتم وصدقتم قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)

стр. 250

هذه بشاراتهم عند الموت. وبعد الموت لهم (رَوح) والرَّوح بفتح الراء , وسكون الواو , هو السعة , قال تعالى حكاية عن يعقوب ﵇: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) فالروح هى السعة. (وريحان) نبات طيب الرائحة في الدنيا. وهو في الآخرة أطيب. وجنة نعيم , فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) سلام لك يا محمد من أصحاب اليمين: أعترافاً منهم بما قدمت لهم ولم يقل القرآن عن المقربين: سلام لك منهم لأن المقربين يعيشون بجواره ويسمع سلامهم: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) يعجل الله لهم العذاب قبل أن تصعد أرواحهم , قال تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) وعندما يخرجون من قبورهم , ويشاهدون العذاب الأكبر , يقارنون بين عذاب القبر وعذاب الآخرة ويعتبرون عذاب القبر كأنه مرقد: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)
следующие страницы →