Полный текст (254 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: سورة الواقعة ومنهجها في العقائد
(دراسات في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم)
المؤلف: العلامة الشيخ / محمود غريب
الناشر: دار التراث العربي
الطبعة: الثالثة - ١٤١٨ هـ - ١٩٨٨ م - القاهرة
تنبيه:
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.
*************
لا تعرف الدنيا كتابا يحمل بين كل آية منه دليلا على نزوله من عند الله إلا القرآن. (المؤلف) .
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦) .
стр. 3
تقرير لجنة العلماء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عرضتُ أصولَ الكتاب على لجنة موقرة من علماء الأزهر الشريف بأوقاف المنطقة الجنوبية بسلطنة عمان.
وبعد قراءتهم لأصول الكتاب، وإبداء بعض الملاحظات القميِّة التي قمتُ بعلاجها، تكرمت اللجنة بهذا التقرير:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وسلام على النبي المصطفى، وبعد: فقد اطلعنا على كتاب سورة الواقعة ومنهجها في العقائد لفضيلة الشيخ محمود غريب - الطبعة الثانية - ولقد جاء الكتاب في وقت أحوج ما يكون الشباب المسلم إليه، لترسيخ العقيدة في نفوسهم، والكتاب يشرح السورة الكريمة، ويبين ما تهدف إليه.
ولقد بذل المؤلف الكثير من الجهد - مشكوراً - في تفنيد أراء المبطلين والرد على شبهة الملحدين، وسلك في ذلك مسلك حديثاً، في المحافظة على طابع الأسلوب القديم، وطرافة الموضوع.
وفضيلة المؤلف له باع طويل في التأليف، فقد ألَّفَ كثيراً من الكتب المفيدة النافعة، بأسلوبٍ سهلٍ ممتنعٍ، ولا يسعنا في هذا المجال إلا أن نتوجه إلى الله بأن يتقبل هذا العمل، وأن ينفع به البلاد والعباد
تحرير في ٢٧/٥ /١٩٨٣
السابع عشر من شعبان ١٤٠٣ هـ
رئيس اللجنة
فضيلة الشيخ / محمد محمود قاسم
مدير إدارة الدعوة الإسلامية بسوهاج
стр. 4
الجانب الموضوعى: الشيخ إسماعيل زمزم، واعظ أول القاهرة
والشيخ حامد أبوالسعود، واعظ أول الشرقية
الجانب الطبى: الدكتور سعيد المليجى
الجانب الزراعى: الخبير الزراى على حسن
الطبعة الثالثة راجعها الأستاذ محمد عطية سلمى
...
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وسلام على النبي المصطفى، أما بعد.
الإلحاد مولود غير شرعى في بلادنا
لأن بلادنا عرفت الحق، والخير، والجمال، منذ فجرالتاريخ وبنت حضارتها، وثقافتها على عقيدة الإيمان بالله وبالبعث للاجسام.
، والدارس للحضارات القديمة في بلادينا يدرك أن الجانب الروحي هو الطاقة التي حركت فكرة بناء المعابد الضخمة والأهرام السامقة فلما جاء الإسلام لم تجد بلادنا غربة فكرية في ما جاء به، فسارعت إليه فبلادنا سبقت العالم إلى معرفة الحضارات الروحية وأنتفعت بها وصارت مسيرتنا الإيمانية في ضوء القرآن الكريم فلما تقدمت العلوم المادية. ونحن نبارك تقدمها حاول خصوم الإيمان أن يسخروا بريق العلم الحديث في سلب بلادنا أعز خصائصها الإيمانية حاولوا أن يربطو في أزهان الشباب بين التقدم العلمي والإلحاد بحجة أن بلادهم شقت طريقها للحضارة يوم أن تحررت من الأديان، ونسي هؤلاء الأفاكون أن طبيعة الأديان تختلف
стр. 6
فبلادهم تقدمت يوم تحررت من استبداد الكنيسة وسياط رجالها على ظهور العلماء.
أما بلاد الإسلام، فقد تأخرت عن المسيره منذ أن هجرت دينها الذي كان عصمة أمرها، ومجمع كلماتها، فطبائع الأديان تختلف.
حاولوا إقناع الشباب أن هجر الشعور الديني، وما يتبعه من انطلاقة حيوانية، هو حتمية العصر، وهذه المغالطة، يفضحها شيء واحد، وهو أن الحقائق العلمية التي وصل بها رجل الفضاء الأمريكي إلى القمر، هي نفسها التي وصل بها رجل الفضاء الروسي، لأن الحقائق العلمية واحدة.
ومع ذلك فالكل من البلدين ثقافته الخاصة به، التي يؤمن بها، ويدافع عنها، مع أن كلا الثقافتين يخالف الأخرى، ويناقضه. فأي تعارض بين لون الثقافة، وبين التسابق العلمي، والحقائق العلمية؟!
ولماذا يطلب من المسلم وحده أن يتنازل عن دينه، ثمنا لمشاركته في التسابق العلمي؟
واضح أنها مؤامرة على الإسلام، ومحاولة لإذلال المسلمين.
في وسط هذا الصراع، أقول بكل سقة:
إن الدين الإسلامي سيبقى في حياة المسلم، وفي عقله، يربطه بأمجاد هذه الأمة، ويضئ له الطريق، وسوف لا يزيدنا الكشف العلمي، إلا اقتناعا بقرآننا وتعظيما لخالقنا، واعتزازاً بتراثنا المجيد.
وبين يدى القارئ الكريم دراسة علمية متواضعة حول (سورة الواقعة ومنهجها في العقائد) حاولت خلالها أن أدارس السورة الكريمة، في ضوء جميع الآيات المشتركة معها في الموضوع.. إيمانا منا بأن مجموع آيات القرآن المنتشرة في السور المختلفه إذا اجتمعت، يكمل بعضها بعضا ويفسره
стр. 7
كما وضحت فيها منهج القرآن في التربية، والجدل، والمغيبات، والحقائق العلمية.
والله أسأل أن ينفع بها الشباب الباحث عن الحقيقة، أن يجعلها في صحيفة عملنا، إنه المستعان
المؤلف:
محمود غريب
ديوان البلاط السلطاني
بسلطنة عمان
стр. 8
الوحدة الموضوعية:
يعني هذا العنوان لونا جديدا من دراسة التفسير، هذا اللون، هو النظر إلى القرآن الكريم نظرة عامة، يبحث الدارس خلالها في كل آيات القرآن، ليستكمل الصورة الموضوعية.
وقد أكدت الدراسات المتتابعة، التي قام بها العلماء، أن مجموعة آيات القرآن الكريم في الموضوع الواحد يعطي صورة متكاملة للموضوع.
وهذا يفسر سر التكرر للمشاهد القرآنية.
وسور القرآن من ناحية (الوحدة موضوعية)
قسمان: قسم تعالج في السور أكثر من موضوع مع وجود وحدة الأسلوب، لا يستطيعها بشر.
لأن البشر إن أجاد الحديث في تخصص معين، فإن ذلك يقول دائما على حساب جهله بالتخصصات الأخرى، ومن يتحدث في كل تخصص، فهو أقدر الناس على أن يقول: لا شيء.
وقسم آخر تعالج في السور موضوعا واحدًا كسورة الواقعة، التي التزمت بموضوع البعث وما يؤيده من أدلة ومناقشات.
والآن مع السورة الكريمة، في دراسة موضوعية، والله الموفق.
стр. 9
منهج السورة الكريمة
تنقسم السورة الكريمة إلى مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة.
المقدمة:
من مطلع السورة إلى الآية رقم (٦) منها.
وتذكر هذه الآيات التغيير الذي سيحدث في الكون، عند قيام الساعة.
الفصل الأول: يقسم الناس إلى أقسام ثلاثة هم: المقربون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.
ويبين جزاء كل فريق منهم، ويبدأ من الآية ٧ إلى الآية ٦٥.
الفصل الثاني:
يناقش المنكرين للبعث، ويلزمهم الحجة. ويستخدم في الجدال معهم، عناصر الطبيعة الواضحة: النطفة، الزرع، الماء، النار.
وهي أمور يدركها رجل البادية، وفي الوقت نفسه يقف الدارس أمامها عاجزا عن إدراك أسرارها، وهذا هو السر أن كتابا واحدا وهو القرآن يؤمن به العامة، ويحْتار الخواص في دراسته.
ويبدأ هذا الفصل الآية (٥٧) وينتهي بالآية (٧٤) الفصل الثالث:
يتحدث عن نزول القرآن الكريم من عند الله تعالى ويربط بين الكون والقرآن،
стр. 10
لأن الكون قرآن منثور، والقرآن كونٌ منظوم، وكلاهما يهدى إلى الله.
وثبات نزول القرآن هنا يؤكد هدف السورة وهو الإيمان بالبعث، وهذا الفصل من الآية ٥٧ إلى الآية كنين ٨٣.
الخاتمة:
ثم تأتى الخاتمة وهى ترد العجز على الصدر، وتقسم الناس مرة ثانية إلى أقسام ثلاثة، لتؤكد ما جاء في صدر السورة الكريمة.
ثم تختم السورة بقوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) كأنها تقول: دع الجدل، وسبح باسم ربك العظيم.
هكذا تنسبك الآيات في السورة الكريمة انسباكا بارعاً. لتؤكد عظمة القرآن وإعجازه والله يقول الحق ويهدي وهو السبيل
стр. 11
المقدمة الكريمة
* حتمية الواقعة (عقليا)
* محكمة التاريخ عاجزة
* متى يبنون جنَّتَهم؟
* لمن هذه الجنة؟
* المسريحية ناقصة
* الضوابط. الضمير. التسامى.
* قانون العقوبات
* لا غنى عن هدى الله كما لا غنى عن رزقه.
стр. 12
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)
أطلق القرآن اسم الواقعة ضمن الأسماء التي أطلقها على يوم القيامة لأن حتمية وقوعها عقليه، واجتماعية، وأخلاقية، كما أنها حتمية دينية، وسوف أناقش هذه الجوانب في عمق وإيجاز.
الحتمية العقلية للقيامة:
لا خلاف بين العقلاء في أن المحسن والمسيء لا يستويان، لأن مكافأة المحسن، ومعاقبة المسيء، حتمية عقلية، تقرها الفطرة، ويسلم بها جميع العقلاء.
ونسأل: هل الدنيا من الناحية العقلية تعتبر دار عدل مطلق؟
الواقع: لا.. فنحن نرى كثيرا من المجرمين، ينجحون في ستر أفعالهم، فقد يصل بعضهم إلى التقدير والاحترام في الدنيا بينما يتموت المحسن، ولا ينال جزاء إحسانه (غالبا) ..
وقد تقيد الجرائم ضد مجهول أحيانا لعدم وصولنا إلى معرفة الفاعل..
إنَّ الدنيا ليست بدار عدل مطلق، لأن الجاني يموت، والمجني عليه يموت.. وإن اختلفت صور الموت وأسبابه.. المحسن يموت، المسيء يموت.. الظالم يموت، والمظلوم يموت..
فمتى يصدق قانون العدل المطلق الذي قلنا أنه حتمية عقلية؟
стр. 13
محكمة التاريخ:
قال الماديون: إن محكمة العدل المطلق هي (محكمة التاريخ) وما يترتب عليها من امتداح الأجيال للمحسن، ولعنها للمسيء. وهذا يكفي في الجزاء.
أقول: إن (محكمة التاريخ) قاصرة عن تحقيق العدل المطلق.
لأن التاريخ لا يحاكم إلا العظماء، والحكام.
فمن يحاكم بقية الناس؟!
وأسأل الماديين الملاحدة: هل يشعر الميت بمدح الناس له؟ أو بلعنهم إياه بعد موته؟
إن قالوا: لا، قلنا لهم: فما قيمة المحاكمة؟
قال الشاعر:
لقد أسمعت لو ناديت حيًّا ... ولكن لا حياةَ لمن تنادي
وإن قالوا: إن الميت يشعر. فهم بذلك يهدمون نظريتهم، ويثبتون الحياة والشعور بعد الموت. (فمحكمة التاريخ) خرافة، وما أكثر الذين ظلمهم التاريخ.
جنة على الأرض:
قالوا: سنبني جنة على الأرض، نستغني بها عن جنة المؤمنين بالله.
تعجبت.. وقلت لهم. متى تبدأون البناء؟! إن كل شيء يسعد البشرية نباركة نحن المسلمين.
قالوا: إذا استطاع العلم أن ينتصر على الثلاثي المخيف: الفقر، والموت، والطبقية. فإنه بذلك سوف يبنى جنة على الأرض.. قلت لهم:
стр. 14
لا بأس بالقوم من طول ومن قصر ... أجسام البغال وأحلام العصافير
متى ينتصر العلم على الفقر ؟..
أن المذاهب المادية، نجحت نجاحا عظيما في إفقار الأغنياء، ولكنها لم تنجح فيه إغناء الفقراء..
وأسألهم: متى ينتصر العلم على الموت؟
إن العلم حتى الآن لا يعرف لماذا نموت.
وكل النظريات العلمية التي حاولت معرفة سبب الموت، لم تسلم من الطعون.
وإذا كان العلم لم يعرف حتى الآن ما هي الروح، فكيف يمكنه العمل على بقاءها؟!
إن المشاهد في جميع أوساط العلم أن كل (مليون شخص) يموت منهم (مليون شخص) وهي النسبة نفسها التي كانت في العصر الحجري.
وطبيب أمراض القلب الذي سافر لإلقاء بحوثه القيمة، في سبب الموت (بالسكتة القلبية) مات في وسط المؤتمر (بالسكتة القلبية) .
فمتى ينتصر العلم على الموت، ليقيم للماديين الملاحدة جنة الخلود على الأرض؟ ومتى يتحرر هذا العالم من خداع الشعارات؟
لمن هذه الجنة ؟
ولو فرضنا أنهم نجحوا في إقامة المجتمع السعيد، والجنة المزعومة على الأرض.. من سيدخل فيها؟ ومن سينعم بها؟
هل سيدخلها الذين عصرها، وحضروا حفل افتتاحها فقط؟
أم ستدخلها كل الأجيال التي عذبها الفقر، والموت، والطبقية؟ ولكن أعمارهم لم تمهلهم ليسعدوا بهذه الجنة المزعومة.
стр. 15
وهل من العدل المطلق أن تعذب آلاف الأجيال بلا مقابل ليسعد جيل واحد وهو الجيل الذي حضر حفل افتتاح هذه الجنة؟..
إنَّ الاستخفاف بالعقل الجمعي، ومحاولة تنمية خيالات المراهقين للاستفادة منهم وترويج شعارات (الخبز للجميع) ، (إقامة المجتمع السعيد) ، (العامل سيد المجتمع) وغيرها من الشعارات الجوفاء التي تتلاشى عند التنفيذ، هو الذي مكان للفكر المادي في بلاد الله، وسوف تصحوا هذه الشعوب على صوت الحقيقة فتخمدها سياط الجلادين.. فالسياط وحدها هي التي تحمي دعاة المادية وتحاول تثبيت أقدامهم.
وبعد.. إن (محكمة التاريخ) لا تيقم مجتمع العدل المطلق، وجنة الماديين أوهام، وأحلام يقظة، فأين يتحقق العدل المطلق؟
احتمالات ثلاثة:
هناك احتمالات ثلاثة أذكرها بعد ضرب مثال بسيط..
لو شاهدنا مسرحية بوليسية ورأينا أن مجرما استطاع أن يقهر الناس، ويستولي على أموالهم، ويسفك دماءهم، ثم أُسدِل الستارُ على هذا المجرم، قبل أن يقع في يد العدالة.. فماذا يكون تفسيرنا لهذه المسرحية؟
لا شك أن أي تفسير لا يخرج عن واحد من ثلاثة:
١ - أن تكون هذه المسرحية هازلة تهدف إلى قتل الوقت فقط.
٢ - تكون مسرحية عابثة، تهدف إلى إشاعة الجريمة.
٣ - أن تكون المسرحية ناقصة، فينتظر المشاهدون فصلا آخر، ليعرفوا مصير المجرم، ويشاهدوا جزاءه.
стр. 16
الاحتمال الأول:
ذهب فلاسفة الغرب والشرق الملحد إلى الاحتمال الأول، وتصوروا أن الدنيا مسرحية هزلية.
وسبب هذا التصورت بأنها متكاملة، ولم يربطوا بينها وبين الآخرة.
ونحن المسلمون، نرفض هذا التصور، رفضاً مطلقاً، لأن إيماننا بكمال الله، يمنع من نسبة الهزل إليه سبحانه والقرآن الكريم قد وضح هذا الأمر، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ)
فهو سبحانه ليس لاعبا بخلق الكون. ولو أراد مدبر الكون أن يعبث حاش لله فلن يعبث بمشاعرنا. لأنه خلق البشر، وخلق لهم المشاعر، ليتعرفوا على كرمه، فيعبدوه حبًّا، ويقدسوه إجلالا.
(لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا)
أي من عندنا، بعيدا عن مشاعركم، ومصائركم، ولكن الله سبحانه منزه عن ذلك علوا كبيراً، لذلك قال: (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ)
والآية الكريمة ترد على دعوة الذين يتصورون الدنيا مسرحية هازلة، أو مسرحية الفصل الواحد.
الاحتمال الثاني:
هل يستوي الظالم والمظلوم؟
الدارس للقرآن الكريم، يدرك أن استواء الظالم والمظلوم في الموت ليس اتحادا لمصيرهم. لأن الموت بداية لمحكمة العدل المطلق، قال تعالى:
стр. 17
(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) وقال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)
إن استواء الناس في الموت ليس هدما لقاعدة العدل المطلق ولكنه بداية لها.
إنَّ الله الذي خلق الناس إله عادل.
وإذا كانت موازين الدنيا ترفع النخال فوق الدقيق، فإن الله لن يجعل فاعل الخير، وفاعل الشر على حدٍّ سواء في الحياة والموت.
إنَّ في السماء محكمة عأدلة: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)
الاحتمال الثالث:
إن احتمال نقص المسرحية فصلا، يتحقق فيه الجزاء العادل، وهو أقرب الاحتمالات، قال تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)
وقال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ)
إن الدنيا مسرحية ناقصة.. والآخرة هى الفصل المتمم، والأمل المنتظر، والحقيقة الواقعة.
السلوك والضوابط:
سلوك الناس بحاجة إلى ضوابط، تحفظ عليهم عفتهم وإنسانيتهم.
стр. 18
ولو درسنا سلوك الحيوان، لوجدنا أن الله سبحانه خلق له صمامات عضوية تحدد الحاجة، والإشباع. فأنثى الحيوان تستغنى عن الذكر بمجرد حدوث الحمل.
أما الإنسان فقد خلا تكوينه العضوي من مثل هذه الصمامات فلا بد من ضوابط عقلية، ومعنوية، وإلا كان الإنسان أحط درجة من الحيوان..
فما هى هذه الضوابط؟
هل يترك لنداء الضمير؟
أو يحاول التسامي الفلسفى؟
أو نتركه لقانون العقوبات؟
وسوف نناقش هذه الأمور الثلاثة في إيجاز..
الضمير البشري:
عرف الإسلام الضمير البشري، وقدر رسالته، في حياة الإنسان وأطلق عليه القرآن: (بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)
وبلغ من شرفها، أن الله سبحانه أقسم بها في القرآن الكريم، قال تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)
ولكن الذي يعنينى هنا، هل يكفي الضمير البشري في زجر الإنسان؟ وهل يغني الضمير عن عقيدة البعث؟
قلت في كتابى (هذا نبيك يا ولدي) ص ٢٣ ط ٢: إن الدعوة إلى إحلال الضمير الأخلاقي، محل عقيدة البعث، فكرة ابتدعها علماء الاجتماع في أوروبا عندما ثارت أوروبا على الكنيسة، ورجالها، ولاحظوا أن الشباب ينطلق بلا ضوابط وأن مستقبله في خطر.
ولكن الضمير الأخلاقي مع أهميته لا يعني أبدا أن نستغني عن الآخرة، لأن الضمير الأخلاقي يتأثر في تكوينه بالبيئة التي يتربى فيها
стр. 19
كما يتأثر بلون الثقافة التي يلم بها صاحبه والمذهب الاقتصادي والاجتماعي الذي ينتمي إليه.
فالمسلم يتمزق من الأسى، عندما يتذكر لحظة ضعف في شبابه شرب فيها كأسا من الخمر بينما يشعر غيره بنشوة عندما يتذكر مثل هذا اليوم. لأنه تربى في مجتمع يبيح الخمر وكم يرتاح المسلم عندما يقسم تركة ميت، حسب الشريعة الإسلامية الغراء بينما يثور الشيوعي لمثل هذا العمل، لأنه يرى ذلك تفتيتاً للتركة، ويجهل هذا المادي أن الإسلام عندما حكم بتقسيم التركة وتفتيتها، أراد من كل وارث أن يستأنف العمل، لإعادة تكوينها، والأمم تبنيها الأيدي العاملة.
فالضمير البشري مع أهميته في حياتنا لا يغني عن رسالات الله، وعقيدة البعث.
وقد سيطرت فكرة الاكتفاء بالضمير الأخلاقي في العديد من مجالات التنمية حتى تسربت إلى الكثير من المساجد، فعشنا سنين طوال، لا نكاد نسمع ذكر الجنة والنار، في المواعظ والخطب، فقد قال لي أحد أساتذة الدين الإسلامي، بالجامعات العربية: أنه ناقش رسالة علمية في العقائد، فلم يجد فيها ذكرا للجنة والنار، وقد انعكس هذا الإهمال المتعمد على سلوك الكثير من المسلمين.. الذين نظموا أعمالهم في الدنيا بمعزل عن عقيدة الآخرة..
وعلي كل مصلح أن يعيد النظر فيما يقدم للشباب.
التسامي الفلسفي:
دعوة جديدة يُراد إحلالها محل عقيدة الآخرة، وأول ما يوجه لها من نقض أنها دعوة خاصة، فليس كل الناس فلاسفة. وقضية الحاجة إلى الضوابط السلوكية، قضية عامة.
من ناحية أخرى فنحن نرى نتائج الفلسفة المعاصرة أضل أتباعه وما هدي..
стр. 20
إن العالم حائر. وما زادته المبادئ الأرضية إلا بُعداً. لقد عجزت هذه المبادئ عن جمع أهل البيت الواحد على فكرة واحدة فكيف تجمع هذه المبادئ العالم الممزق وتوحد كلمته؟!
وأي الفلسفات المعاصرة يمكنها أن تضبط سلوك البشر؟
الشيوعية: ذئب يلبس ثوب حمل، فإذا دخل القطيع فعل به ما يريد، ولولا الجلادون من الحكام لماتت في المهد.
الوجودية. إثارة للأنية الفردية، وسلب لبقايا الفضيلة الدرونية: تفسير للنشأة بغير دليل.
والذين يدافعون عنها يعلمون ذلك، ولكنهم يؤمنون بها، لأن البديل الوحيد عنها هو الإيمان بالله خالقاً، وهم يكرهون الإيمان بالله.
الفرويدية: استقراء ناقص، درس فرويد بعض الشواذ، والمرضى، ثم وضع نظرية عامة روجها الإعلام العالمي، ليمكن للصهيونية في الأرض.
ولست بصدد تتبع هذه الفلسفات، فالدارس لها لا يختلف معي في أن نتاجها، أضل العالم، وما هدي.
فكيف يطلب منها وضع ضوابط سلوكية، يستغنى بها الناس عن عقيدة البعث والجزاء.
قانون العقوبات:
قانون العقوبات عاجز أيضا عن سَدِّ فراغ النفس، إذا خلت من الإيمان بالآخرة.. فالقانون يطبقه الحكام على الرعية، فأيُّ شيء يمنع الحاكم من فعل ما يريد؟
القانون وإن كان حازما فإنه لا يحاسب، ولا يعاقب، إلا من وقع تحت طائلته. بينما نرى كثير من الذين يجرمون، يجيدون خداع القانون، والإفلات من عقوبته.
والقانون يعاقب على الجرائم بعد وقوعها، أما عقيدة الإيمان فتعمل على منع الجرائم قبل وقوعها، فالحاجة إلى الإيمان اليوم
стр. 21
لا تقل عن حاجة الإنسانية إليه طوال التاريخ. ولم يغن عنه الضمير الأخلاقي، أو التسامي الفلسفي، أو قانون العقوبات شيئا.
إنَّ الناس بحاجة إلى هدى الله كحاجتهم إلى رزقه، وكل دعوة لإفراغ الدين من نفوس الناس، دعوة عاجزة، لأن التدين فطرة، والإيمان بالآخرة إيمان بالحقيقة المجردة..
(وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)
стр. 22
حول فناء العالم
بعد أن بينت السورة الكريمة حتمية الوقعة، واشتراك الناس جميعا في التصديق بها، بعد وقوعها، وإعادتها لتقييم الناس على حسب جوهرهم بخفضها للظالمين، ورفعها للمؤمنين.
بعد هذا كله، بينت السورة الكريمة ما سيحدث في الكون من تغيير قبيل وقوعها.
قال تعالى: (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا)
وبقيت آيات القرآن، تكمل الصورة الذهنية، وتؤكدها، فقد أَكَّدَ القرآن حتمية إلغاء النظام الذي يحكم سير الكواكب في السماء، مما ينشأ عنه سقوط الكواكب، قال تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ) ،
(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) ، (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ)
وأثبت القرآن أن الشمس تجري لمستقراً لها، إذا بلغته تتوقف: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)
وملايين الكواكب فوقنا تجري، ليس من العجيب أن يصطدم كوكب بآخر، فيهلك العالم، ولكن العجيب أنها لا تصطدم.
فعالم السماء مصيره الفناء، حتماً.
стр. 23
والأرض أقرب إلى الخراب لأنها جحيم مستعر، لا يحجب شرها عن الناس سوى قشرة أرضية رقيقة، إن تحركت كان الزلزال المدمِّر، وإن انشقت كانت البراكين.
والعالم أمام خطر الزلزال اليوم، كالطبيب الذي يشهد احتضار ولده، يريد أن يفعل أي شيء، ولكنه لا يستطيع فالسماء فوقنا تهددنا بالخطر، والأرض تحت أقدامنا أشد اشتعالا، ولولا تذليل الله لها، لهلك الكون.
قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ)
فسفينة الحياة في جو عاصف، وأمانها الوحيد بيد الله
وحده وهو سبحانه يَمُنُّ بالأمن.
رأي الفلاسفة:
عرفنا تأكيد القرآن لحتمية التغيير في الكون ونحبُّ أن نعرف رأي الفلاسفة في هذا التغيير..
يعتقد الفلاسفة بأزلية الكون، وأبديته..
فعقولهم مع سعتها لم تتصور إمكان حدوث فناء الكون، وبنوا على ذلك عقيدتهم.
يقول الإسكندر الأفرودسى تلميذ أرسطو:
ولما لم يكن يحيط بالفلك شيء آخر، ولا كان الزمان جاريا عليه، لم يجز أن يفسد الفلك (أي لا يجوز فناؤه) وقد سار الفلاسفة المسلمون أيضا على هذا الرأي وقد تصدى لهم الإمام الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) وأبطل دعواهم،
стр. 24
فالقرآن عندما أَكَّدَ صيرورة العالم إلى فناء، خالف بلذلك منهج الفلاسفة، كما خالف التصور الجاهلي الذين استبعد حدوث الفناء للجبال الراسيات، فرد عليهم القرآن: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا)
إن دعوة القرآن مستقلة عن كل فكر أرضي، لأنه منهج الله.
التصور العلمي لفناء العالم:
في كل يوم يقترب العلم من القرآن، لأن العلم يدرس الكون، والقرآن كلام من خلق الكون. وكلام الله وخلقه لا يختلفان.
وقد أَكَّدَ العلم الحديث حتمية الفناء للكون خصوصا بعد أن اكتشف قانون (الطاقة المتاحة) الذي أَكَّدَ أن الحرارة تنتقل من الأجسام الأكثر حرارة إلى الأجسام الأقل حرارة دون العكس.
ويلزم من هذا أن الشمس ستفقد حرارتها لا محالة ويفنى الكون كله عندما يفقد حرارة الشمس.
يقول الدكتور قاصر الزيدي:
والذي أكده القرآن منذ أربعة عشر قرنا من حتمية فناء العالم الحسي قد أصبح اليوم حقيقة علمية، لا تقبل الجدل.
ونقل مقالا طويلا عن مجلة (لوك) الأمريكية بعنوان (جارنا القمر ماضيه ومستقبله) جاء فيه: أن الفلكيين يقفون على حقيقة مقبضة وهى أن الفناء مكتوب على الأرض والقمر، والمنظومة الفلكية، بل حتى الشمس ومجموعتها، سوف تبدأ بالتوسع إلى أن تجرف القمر والأرض، وتتبخر
موادهما.
بين الحقائق العلمية والنظريات:
عندما نستأنس بذكر الحقائق العالمية، في مجال تفسير أو فهم القرآن فإننا نقصد من ذلك إلى أمرين:
стр. 25
أولا: أن نردَّ على خصوم البعث باللغة التي يطعنون بها عقيدتنا.
ثانيا: لنؤكد أن الحقائق العالمية، والآيات القرآنية، لا يختلفان لأن الكون خلقه، والقرآن كتابه، وكلام الله وخلقه لا يختلفان.
هذا بالنسبة للحقائق العالمية الثابتة..
أما النظريات العلمية، فهي موضع أخذ وردٍّ، فإن خالفت القرآن فسنتركها لحكم الزمن عليها وكم من نظريات هلَّل لها العلماء، ثم أبطلها الزمن.
هذا.. وإذا رأينا حقيقة علمية، تختلف مع آية قرآنية فيقينا أننا أخطأنا فهم الآية. وسوف نسهب في هذا الموضوع في الفصل الثالث.
بين منهجين:
قررت فيما سبق أن العلم يؤمن بنهاية العالم ولا ينكرها، وهو بهذا يتفق مع القرآن الكريم، ولكن منهج العلم في تقرير هذه الحقيقة يختلف عن منهج القرآن اختلافا واضحا ويمكن أن أوجز الخلاف من عدة وجوه..
أولا: العلم يؤمن بالنهاية البطيئة للكون، كفقد حرارة الشمس، أو الفقد المنتظم لسرعة الكواكب حتى تتوقف تماما، أما القرآن فيؤكد السرعة والمباغتة في مجيئها: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) .
(حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) .
ثانيا: العلم يؤمن بنهاية الكون، إيمانا رياضيا فقط. أما القرآن فقد ملأ بها عقول الناس، وعاطفتهم، وقدراتهم التصورية، ليجعل ذلك ضابطا لسلوكهم، ودافعا لهم إلى كل خير، قال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)
стр. 26
ثالثا: العلم يؤمن بنهاية العالم فقط، أما قضية البعث بعد الفناء التي أكدها القرآن فلا يستطيع العلم أن يقرها، ولا أن ينكرها. لأن العلم يعمل في مجال المادة، ولا شأن له بما وراءها إثباتا أو نفيا أؤكد هذه الحقيقة ليعلم الشباب أن التشكيك في العقيدة باسم العلم، لون من الدجل الحديث.
والآن وبعد أن عرفنا موقف العلم والفلسفة من قضية نهاية العالم، نعود إلى سورة الواقعة.
قال تعالى: (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا)
إنا الذي يجري الأرض في الفضاء، سيرجها رجًّا يهلك كل شيء، (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)
ثم يزلزلها زلزالا يخرج منها كل شيء.. (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا)
وقد عرفنا موقف العلم من الزلزال الأصغر، فكيف به أمام الزلزال الأكبر؟!
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ)
(وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا)
تكرر ذكر الجبال في القرآن.. وحتى لا نخطئ فهم القرآن، فسوف أجمع آيات الجبال، وأرتبها ترتيبا يثبت أن كل آية تشير إلى مرحلة من مراحل مستقبل الجبال. حتى لا يتوهم أحدٌ وجود أي تعارض بين آيات القرآن.
المرحلة الأولى:
الرجفة من هول هذا اليوم.
قال تعالى: (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ)
المرحلة الثانية: مرحلة الدك.
قال تعالى: (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً)
المرحلة الثالثة: ألنفش كالصوف، قال تعالى: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ)
стр. 27
المرحلة الرابعة: مرحلة البس.
قال تعالى: (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا)
والبس هو خلط الدقيق في السمن. ونتصوره هنا اختلاط الجبال بعد أن أصبحت عِهناً منفوشاً بذرات الكون الأخرى، ومياه البحار، فتصبح الجبال الراسيات كالهباء الذي يظهر في شعاع الشمس. ومع ضعفه يؤكد القرآن أنه (مبثوث) أي متفرق.
لقد نسفت الجبال، وبست في الكون، فأصبحت لا يرى فيها عوجا ولا أمْتا..
ويجوز أن يكون البسُّ بمعنى الدفع. من قولهم: بسست الغنم أي دفعتها.
المرحلة الخامسة: مرحلة السراب.
قال تعالى: (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا)
وغنى عن البيان أن السراب هو الشيء الذي لا حقيقة له ولا وجود.
وبهذه المرحلة تنتهي الجبال الراسيات، لأن مهمتها قد انتهت.
وكل هذه المراحل تتم في لحظة كما عرفنا: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ)
آية الجبال في سورة النمل:
تتمة للموضوع، تبقى آية من سورة النمل، تحدثت عن الجبال وسيرها كالسحاب، وقد أخرتها عن آيات الجبال، لأنها تحتاج إلى دراسة عميقة.
قال تعالى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ)
اعتقد كثير من الدارسين أن الآية الكريمة مرحلة من مراحل الجبال يوم القيامة. واستدلوا على ذلك بأن الآية الكريمة وردت في حديث
стр. 28
القرآن عن الآخرة، كما استدلوا بمثل قوله تعالى: (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا)
وهذا الفهم صحيح، ويدفع أي إشكال في فهم الآية عن سلف الأمة راضي الله عنهم وعن كل الأجيال التي أعقبتهم، ممن لم يشاهدوا عهد الاكتشافات العلمية لدوران الأرض.
ولكن الذين عاصروا العلم الحديث، وهو يقرأ بعض أسرار الكون، ومنها دوران الأرض حول نفسها، وحول الشمس، يمكنهم إذا تدبروا ألفاظ الآية الكريمة، أن يفهموها فهما آخر، بلا تكلف، ولا تطويع للنص.
تدبر معي قوله تعالى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً)
ونحن في الدنيا ننظر إلى الجبال فنحسبها جامدة أما في الآخرة فتكون الجبال كالعهن المنفوش.. (وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ)
ومرور السحاب في الدنيا لأنه لا سحاب في الآخرة (١) .
- - - - - - - - - -
(١) ملامح سورة النمل التي ذكرت فيها الآية:
وإذا كان سير الجبال في الدنيا عجيبا، فإن سورة النمل التي ذكرت الآية الكريمة فيها هي سورة العجائب، لقد جاء فيها خبر سليمان مع الطير: (وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)
وقصة الهدهد بتمامها يمكن أن تقرأها في السورة الكريمة، وهي عجيبة. وفي السورة حديث النملة مع سليمان (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا)
كما أن السورة الكريمة ذكرت قصة سليمان والعفريت: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)
ومن الأحداث العجيبة التي ذكرتها السورة الكريمة، خبر الرجل الذي عنده علم من الكتاب، وكيف استطاع أن ينقل عرش ملكة اليمن، في أقل من طرفة عين: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)
وأشارت السورة الكريمة إلى الجانب الحضاري، والعمراني في مملكة سليمان، عمران لم يشهد العالم مثله في أرقى دولة. فقد بنى قصرا على =
стр. 29
(صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)
ومعلوم أن مروها في الدنيا كالسحاب، أمر يحتاج إلى صنع دقيق وصانع حكيم، لذلك وصف الصانع الحكيم نفسه سبحانه بقوله: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)
والإتقان دليل آخر على ما قلته، لأن الجبال تهدم في الآخرة، والهدم لا يوصف بأنه صنع وإتقان.
والعجيب أن ابن قتيبة في القرن الرابع الهجري قد ذكر في كتابه (تأويل مشكل القرآن) ص ٦ ما يؤيد هذا الرآى
- - - - - - - - - -
= أرضية من زجاج أملس ثم دعا ملكة سبأ إلى دخول القصر، فظنته لجة من ماء راقد، فكشفت عن ساقيها فأعلمها سليمان بالحقيقة: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
ومن الأمور العجيبة التي ذكرتها سورة النمل، أن الخاطئين من قوم لوط، حكموا على الأطهار من أهله بالخروج من القرية، وعللوا أمر الخروج بتعليل عجيب.
قال تعالى: (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)
إن التطهر في المجتمع القذر جريمة، يعاقب عليها بالطرد وويل للشرفاء في غياب الفضيلة.
وفي السورة الكريمة جاء ذكر الدابة التي تخرج من الأرض عند قرب موعد الآخرة تكلم الناس معاتبة، ومسفهة لهم، قال تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ)
فالسورة الكريمة سورة النمل كلها عجائب، والكون مشحون بأسرار لا يحيط بها علم البشر.
فإذا ذكرت آيات مرور الجبال كالسحاب فأي عجب في ذلك؟ إن مرور الجبال حقيقة كونية.
ولما كانت السورة الكريمة: تخبر بعجائب الأخبار، التي لم يألفها الناس في حياتهم اليومية نرى القرآن قد أكدا نزوله من عند الله مرتين، مرة في أول السورة
قال تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)
وفي قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ)
ومرة في آخرها، قال تعالى: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ)
стр. 30
قال ﵀: (.. فالجبال لكثرتها كأنها جامدة في رأي العين، وهى تسير سير السحاب وكل الجيش غص الفضاء به لكثرته، وبعد ما بين أطرافه، فقصر عنه البصر، فكأنه في حساب الناظر واقف، وهو يسير.)
فانظر إلى سبق ابن قتيبة لعلماء الدنيا بهذا الرأى.
إنَّ سير الجبال في الدنيا بحكم دوران الأرض، حقيقة علمية، ونحن لا نرى مانعا من الاستئناس بالحقائق العالمية في فهم القرآن كما قلنا وقد جاء ذكرها في سورة النمل، وهى سورة العجائب.
مصائر الناس
بعد أن بينت السورة الكريمة ملامح الانقلاب العظيم الذي سيغير كل شيء في الكون، بدأت السورة بعد ذلك بيان مصائر الناس.
ويبدأ بقوله تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)
قسمت السورة الكريمة الناس إلى أقسام ثلاثة:
وهم: السابقون وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال.
قسمت المؤمنين منهم إلى قسمين، وجعلت الكافرين قسما واحدا.
أما سورة فاطر فقد قسمت الناس إلى أربع درجات ثلاثة للمؤمنين، وواحدة للكفار.
قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)
والأصناف الثلاثة قد وسعتهم رحمة الله وهم في الجنة، مع تفاوت ما بين درجاتهم، لاستوائهم في الإيمان وميراث الكتاب، قال تعالى:
стр. 31
(جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ)
فأهل الإيمان مع تفاوت أعمالهم، وسعتهم الجنة، والجنة درجات بل هى جنات دونها جنات، كما وضحت ذلك سورة الرحمن، قال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ)
ثم قال القرآن بعد بيان نعيم الجنتين: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ)
وسيأتي تفصيل المقارنة بين الجنتين إن شاء الله..
همم الناس
من الناس من تقوى هممهم لإدرك الكمالات الإنسانية وليس لهم مكان سوى الصدارة.
وهؤلاء يقبلون على الله بثقلهم.
وتستريح أنفسهم بإرهاق أجسامهم.
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
هذا الطراز سجل القرآن عنهم أن جنوبهم تتجافى عن دفء الفراش: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ)
فيقضون أول الليل في العبادة: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ)
ومع قضاء الليل في العبادة يستغفرون الله في آخر الليل: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) فكأنهم يستغفرون الله عما حدث من تقصير في عباداتهم.
لذلك قال العلماء (حسنات الأبرار سيئات المقربين) .
تراهم يسارعون إلى الخيرات، فهم يؤتون ما آتوا من صدقات وبرٍّ وقلوبهم وجلة، تخاف أن يرد الله عليهم صدقاتهم: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)
стр. 32
وهؤلاء لا يكتفون بما فرض الله عليهم من عبادات، بل يسارعون إلى النوافل والسنن، يتقربون بها إلى الله زلفى، كما يحرمون على أنفسهم بعض الحلال، مخافة الوقوع فيما فيه شبهة، عملا بقول الرسول الكريم ﷺ " فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ " رواه الجماعة.
وقد ذكر ابن الجوزية في كتابه القيم (صيد الخاطر. ٣٦) كلمات عن شقاء أصحاب الهمم الكبيرة بما يسعد به العامة من الناس صور همته في طلب العلم، ومحاولة استقصائه، فقال: إني رجل حبب إلى العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به، ثم لم يحبب إليَّ فن واحد منه، بل فنونه كلها.
ثم لا تقتصر همتى في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه.. والزمن لا يسع، والعمر أضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فتبقى بعض المطلوب حسرات..
ثم إن العلم دلنى على معرفة المعبود وحثنى على خدمته
ثم يصور الصراع النفسي الذي يعيشه بين طلب العلم وبين الرغبة في التفرغ للعبادة فيقول:
وصار يملكني أمر كالوجد كلما ذكرته، فعادت خلوتى في خدمتى له أحلى عندى من كل حلاوة..
فكلما ملت إلى الانقطاع عن الشواغل إلى الخلوة أي الخلوة للعبادة صاح بى العلم: أين تمضى؟.. أتعرض عنى وأنا سبب معرفتك به سبحانه؟
فقلت للعلم: إنما كنت دليلا. وبعد الوصول استغنيت عن الدليل.
قال.. هيهات كلما زدت من العلم زادت معرفتك بمحبوبك، وفهمت كيف يكون القرب منه
стр. 33
ودليل على ذلك. أنك تعلم غدا أنك اليوم في نقصان.
أو ما سمعت الله تعالى يقول لنبيه: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)
وإن أردت القرب منه فاشتغل بدلالة عباده عليه، فهى حالات الأنبياء ﵈ فقد آثروا تعليم الخلق على خلوة التعبد.
هكذا يعيش أصحاب الهمم العالية، والنفوس الكبيرة. بينما تنشغل الجموع من حولهم بالخوض في الحياة خوض الأطفال في الماء الراكد، لا يعرف أحدهم على أي شيء سينزل قدمه، لأن الماء تغطى الأرض، ولا يعرف أحدهم أين الطريق.
هؤلاء جماعة.
ولكن.. ليس كل الناس يقوون على الانتظام في هذا السباق فهمم الناس تختلف، واستعدادهم يتفاوت ولو تساوى الناس كلهم في الأولوية لفقدت الأولوية الصدارة.
لذلك جعل الله سبحانه عبادات الإسلام، ومحرماته على رتبتين..
الرتبة الأولى: تمثل الجانب الإلزامى، الذي يستطيعه كل إنسان، ولا يسع أي مسلم أن يقصر فيه.
أعنى بذلك إقامة الفرائض، واجتناب الكبائر.
الرتبة الثانية: من العبادات ما سبق أن بينته في سلوك المقربين، من إتيان النوافل، واجتناب ما فيه شبهة.
قال تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا)
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)
أما سورة النجم فقد ذكرت سبب مغفرة الله لهذه الجماعة. أنه علم الله سبحانه بتأثير المادة على سلوكنا، فنسبنا السماوى
стр. 34
يتسامى بنا نحو الفضائل والكمالات والأرض تجذبنا إليها، وتربطنا بها.
وتحد من كمالاتنا، فنحن في سراع دائم.
قال تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ)
هذه همم الناس وطاقتهم والشريعة الإسلامية وسعت كل الناس، لأنها شريعة الله الذي خلق كل الناس، بعد هذه المقدمة يمكن أن نعرف المقربين، وأصحاب اليمين، أما أصحاب الشمال، فقد كفروا بالآخرة، وأنكروا البعث، فلم يجدوا في الآخرة بارداً ولا كريماً.
والآن.. مع هذه الآيات الكريمات ومع الفصل الأول من السورة الكريمة..
** ** **
стр. 35
الفصل الأول
* حتمية القيامة ومناقشة المنكرين.
* الكون يشهد.
* صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
* نعيمٌ دونه نعيم.
* فرصة لمن فاته أن يكون من المقربين.
* عذاب من مصادر الراحة.
* دعوة واحدة تتكرر في كل العصور.
مع هذه المعانى نعيش هذه الصفحات
стр. 36
الفصل الأول
فى هذا الفصل الكريم من السورة يأتي الحديث عن أقسام الناس يوم القيامة ومصائرهم.
قال تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً) كل واحد مع أخيه زوج.
(فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)
قدم أصحاب الميمنة على المقربين لأنهم الأكثرون دائما ولأن المقربين لا يحتاجون إلى ترغيب لأنهم ذاقوا حلاوة الوصول إلى الله.
وأطلق القرآن عليهم اسم (أصحاب الميمنة) لمراعات مكانهم في ساحة الحساب ومكانتهم عند الله وعندما استقروا في الجنة، أطلق الله عليهم اسم أصحاب اليمين، لأن دخولهم الجنة أغنى عن ذكر المكان، فاكتفى بالمكانة، والعرب تتفائل باليمين، وتتشائم من الشمال كما أن أطلاق أصحاب اليمين عليهم وصف قرآنى يراد به وصفهم بالقوة لأن اليمين في اللغة العربية معناه القوة قال تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ)
ومعنى (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) أي بالقوة.
فمعنى أصحاب اليمين أي الأقوياء في الحق.
والله يريد للحق رجالا يحملون رايته. ويقولون للباطل في كل صورة من صورة: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)
إنَّ الله لا يريد من المخنثين أن يحموا دينه فالعقيدة قوة أن خالطت نفوس الرجال الأقوياء قال تعالى لموسى ﵇:
стр. 37
(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ)
وقال لبنى أسرائيل: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ)
وقال ليحيى ﵇: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)
فأصحاب اليمين هم أصحاب القوة في الحق.
وإذا عرفنا أصحاب اليمين، أمكننا أن نعرف أصحاب الشمال فبضدها تتميز الأشياء.
إنهم ضعاف النفوس أمام رغباتهم..
ضعفت نفوسهم أمام تكاليف الإيمان. فكفروا.
وضعفت أمام ثمن الفضيلة، فاستسلموا للغرائز..
وضعفت أمام متطلبات الحرية، فاسترقتهم الأهواء..
وضعفوا أمام إغراء المنصب.. فنافقوا..
(وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ)
بعد أن تعرفنا على كل جماعة من الجماعات الثلاث، يحسن أن نعرف شيئا عن خصائص التركيب للجمل القرآنية.
أعاد القرآن المبتدأ بلفظه في موضع الخبر: (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)
إشارة إلى أن كل وصف للنعيم لا يكفى لجمع أطراف الصورة في الذهن وذلك ليذهب العقل البشرى كل مذهب في التصور..
وكذلك الأمر مع أصحاب الشمال. (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)
أجل.. السابقون إلى الخيرات، سابقون إلى الجنة.
وأسأل: هل المراد بالسبق هنا السبق الزمانى؟
أم المراد التسابق في مجال الخيرات؟
النص الكريم يحتمل المعنيين..
стр. 38
التسابق الزمانى:
رفع الله ذكرالسابقين إلى الإسلام، الذين تحملوا سياط الشرك، وصبروا لله، وجعل القرآن الحد الفاصل بين السابقين والمتأخرين، هو فتح مكة. لتتسع دائرة السبق الزمانى. ولأن من دخل في الإسلام بعد الفتح هم الطلقاء.
قال تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
ومع هذا كان عمر بن الخطاب يشعر أن السنوات الست التي سبقه بها أبو بكر إلى الإسلام تمثل سياطاً في ضمير عمر تدفعه إلى التسابق العملى، لقد كان عمر يبكى عندما يقرأ هذه الآية: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)
التسابق العملى: مجال مفتوح إلى يوم القيامة.
مجال مفتوح أمام الجميع وقد ذكر القرآن الفائزين في مجال التسابق العملى.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)
فالسبق هنا تسابق عملى.. يسع المجدين في كل عصر..
المقربون صنفان: مقربون عند الله لقضاء حاجات الناس، والاستغفار لهم، وهم المقربون من الملآئكة، قال تعالى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)
ومقربون في الجنة وهم من البشر وهؤلاء تخدمهم الملآئكة والغلمان المخلدون والحور العين.
والفارق بين المقامين كبير
стр. 39
إنَّ الوزير مقرب من الملك بمقدار قيامه بأعباء عمله، فقربه من الملك بمقدار تحمل المسؤلية.
أما ضيوف الملك فمقربون عنده للتكريم.
هذا.. ولله المثل الأعلى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ)
من هم الأولون ؟
هل هم أتباع الأنبياء السابقين؟
أم هم عظماء السلف من أمة محمد ﷺ ؟
إنَّ عدد الأنبياء كبير ولكل نبى أتباع فيجوز أن تكون الكثرة الفائزة بالسبق من أتباع الأنبياء جميعا، والقلة من أمة محمد ﷺ .
ويجوز أن تكون السلة الفائزة من الأولين السابقين إلى الإسلام ويكون السبق زمانيا، والقليل من خلف الأمة، لأن مرور الزمن وضعف النفوس , جعل عدد المقربين من خلف الأمة قليل.
نعيم المقربين:
ذكرت السورة الكريمة جانبا من نعيم المقربين، يظهر فيه الترف كما ذكرت نعيم أصحاب اليمين، وهو نعيم دون نعيم المقربين كما سنعرف من دراستنا، أما سورة الرحمن ففصلتْ الفارق بين النعيمين تفصيلا يحسن ذكره.
المقربون: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)
أصحاب اليمين: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ)
فهما دون الجنتين السابقتين، وهذا ما يعلم لأول وهلة من النص الكريم
стр. 40
وفى صحيح البخاري عن أبى موسى أنَّ رسول الله ﷺ قال: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما.
وجنتان من ذهب أنيتهما ومن فيهما.
وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن"
المقربون: (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) غصون صغيرة ندية.
أصحاب اليمين: (مُدْهَامَّتَانِ) خضرة تميل إلى السواد.
المقربون: (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ) لغزارة مائهما.
أصحاب اليمين: (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ) والنضخ دون الجريان.
المقربون: (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ)
أصحاب اليمين: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ)
المقربون: (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ)
لم يذكر القرآن ظهر الفراش واكتفى بأن البطانة الداخلية من الحرير الغليظ وترك للعقل أن يتصور ظهر الفراش.
أصحاب اليمين: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ)
والرفرف البسط، ولجمالها يتصور العقل أنها صنعت في المدينة الخيالية (مدينة عبقر) والعرب تنسب كل جميل إلى مدينة الجن عبقر ولم تزل التسمية مستعملة حتى اليوم فيقال فلان عبقرى أي من مدينة عبقر ولكن فرش المقربين لها ظاهر وباطن وبطائنها من إستبرق، ولم يذكر هذا الفراش لأصحاب اليمين.
المقربون: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ)
ولجمالهن الخارق: (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ)
أصحاب اليمين: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)
صورة للنعيم البدوى يرمز لها القرآن بالخيام
следующие страницы →