← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 5437

سورة الواقعة ومنهجها فى العقائد

محمود محمد غريب

Полный текст (254 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الأول فى هذا الفصل الكريم من السورة يأتي الحديث عن أقسام الناس يوم القيامة ومصائرهم. قال تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً) كل واحد مع أخيه زوج. (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) قدم أصحاب الميمنة على المقربين لأنهم الأكثرون دائما ولأن المقربين لا يحتاجون إلى ترغيب لأنهم ذاقوا حلاوة الوصول إلى الله. وأطلق القرآن عليهم اسم (أصحاب الميمنة) لمراعات مكانهم في ساحة الحساب ومكانتهم عند الله وعندما استقروا في الجنة، أطلق الله عليهم اسم أصحاب اليمين، لأن دخولهم الجنة أغنى عن ذكر المكان، فاكتفى بالمكانة، والعرب تتفائل باليمين، وتتشائم من الشمال كما أن أطلاق أصحاب اليمين عليهم وصف قرآنى يراد به وصفهم بالقوة لأن اليمين في اللغة العربية معناه القوة قال تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) ومعنى (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) أي بالقوة. فمعنى أصحاب اليمين أي الأقوياء في الحق. والله يريد للحق رجالا يحملون رايته. ويقولون للباطل في كل صورة من صورة: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) إنَّ الله لا يريد من المخنثين أن يحموا دينه فالعقيدة قوة أن خالطت نفوس الرجال الأقوياء قال تعالى لموسى ﵇:

стр. 37

(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ) وقال لبنى أسرائيل: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) وقال ليحيى ﵇: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) فأصحاب اليمين هم أصحاب القوة في الحق. وإذا عرفنا أصحاب اليمين، أمكننا أن نعرف أصحاب الشمال فبضدها تتميز الأشياء. إنهم ضعاف النفوس أمام رغباتهم.. ضعفت نفوسهم أمام تكاليف الإيمان. فكفروا. وضعفت أمام ثمن الفضيلة، فاستسلموا للغرائز.. وضعفت أمام متطلبات الحرية، فاسترقتهم الأهواء.. وضعفوا أمام إغراء المنصب.. فنافقوا.. (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) بعد أن تعرفنا على كل جماعة من الجماعات الثلاث، يحسن أن نعرف شيئا عن خصائص التركيب للجمل القرآنية. أعاد القرآن المبتدأ بلفظه في موضع الخبر: (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) إشارة إلى أن كل وصف للنعيم لا يكفى لجمع أطراف الصورة في الذهن وذلك ليذهب العقل البشرى كل مذهب في التصور.. وكذلك الأمر مع أصحاب الشمال. (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) أجل.. السابقون إلى الخيرات، سابقون إلى الجنة. وأسأل: هل المراد بالسبق هنا السبق الزمانى؟ أم المراد التسابق في مجال الخيرات؟ النص الكريم يحتمل المعنيين..

стр. 38

التسابق الزمانى: رفع الله ذكرالسابقين إلى الإسلام، الذين تحملوا سياط الشرك، وصبروا لله، وجعل القرآن الحد الفاصل بين السابقين والمتأخرين، هو فتح مكة. لتتسع دائرة السبق الزمانى. ولأن من دخل في الإسلام بعد الفتح هم الطلقاء. قال تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ومع هذا كان عمر بن الخطاب يشعر أن السنوات الست التي سبقه بها أبو بكر إلى الإسلام تمثل سياطاً في ضمير عمر تدفعه إلى التسابق العملى، لقد كان عمر يبكى عندما يقرأ هذه الآية: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) التسابق العملى: مجال مفتوح إلى يوم القيامة. مجال مفتوح أمام الجميع وقد ذكر القرآن الفائزين في مجال التسابق العملى. قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) فالسبق هنا تسابق عملى.. يسع المجدين في كل عصر.. المقربون صنفان: مقربون عند الله لقضاء حاجات الناس، والاستغفار لهم، وهم المقربون من الملآئكة، قال تعالى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) ومقربون في الجنة وهم من البشر وهؤلاء تخدمهم الملآئكة والغلمان المخلدون والحور العين. والفارق بين المقامين كبير

стр. 39

إنَّ الوزير مقرب من الملك بمقدار قيامه بأعباء عمله، فقربه من الملك بمقدار تحمل المسؤلية. أما ضيوف الملك فمقربون عنده للتكريم. هذا.. ولله المثل الأعلى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) من هم الأولون ؟ هل هم أتباع الأنبياء السابقين؟ أم هم عظماء السلف من أمة محمد ﷺ ؟ إنَّ عدد الأنبياء كبير ولكل نبى أتباع فيجوز أن تكون الكثرة الفائزة بالسبق من أتباع الأنبياء جميعا، والقلة من أمة محمد ﷺ . ويجوز أن تكون السلة الفائزة من الأولين السابقين إلى الإسلام ويكون السبق زمانيا، والقليل من خلف الأمة، لأن مرور الزمن وضعف النفوس , جعل عدد المقربين من خلف الأمة قليل. نعيم المقربين: ذكرت السورة الكريمة جانبا من نعيم المقربين، يظهر فيه الترف كما ذكرت نعيم أصحاب اليمين، وهو نعيم دون نعيم المقربين كما سنعرف من دراستنا، أما سورة الرحمن ففصلتْ الفارق بين النعيمين تفصيلا يحسن ذكره. المقربون: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) أصحاب اليمين: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) فهما دون الجنتين السابقتين، وهذا ما يعلم لأول وهلة من النص الكريم

стр. 40

وفى صحيح البخاري عن أبى موسى أنَّ رسول الله ﷺ قال: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما. وجنتان من ذهب أنيتهما ومن فيهما. وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن" المقربون: (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) غصون صغيرة ندية. أصحاب اليمين: (مُدْهَامَّتَانِ) خضرة تميل إلى السواد. المقربون: (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ) لغزارة مائهما. أصحاب اليمين: (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ) والنضخ دون الجريان. المقربون: (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) أصحاب اليمين: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) المقربون: (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) لم يذكر القرآن ظهر الفراش واكتفى بأن البطانة الداخلية من الحرير الغليظ وترك للعقل أن يتصور ظهر الفراش. أصحاب اليمين: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ) والرفرف البسط، ولجمالها يتصور العقل أنها صنعت في المدينة الخيالية (مدينة عبقر) والعرب تنسب كل جميل إلى مدينة الجن عبقر ولم تزل التسمية مستعملة حتى اليوم فيقال فلان عبقرى أي من مدينة عبقر ولكن فرش المقربين لها ظاهر وباطن وبطائنها من إستبرق، ولم يذكر هذا الفراش لأصحاب اليمين. المقربون: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) ولجمالهن الخارق: (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ) أصحاب اليمين: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) صورة للنعيم البدوى يرمز لها القرآن بالخيام

стр. 41

وحتى اليوم نشاهد ملوك العرب وعظمائها يتركون القصور الشامخات ليعيشوا بعض أيامهم في رحبة الصحراء وخيامها. والناس يفرون من بيوتهم في كل بلد إلى شواطئ البحار ليعيشوا بعيدا عن العمران والحضارة - أن القرآن يلمس نفوس الناس في تصويره للنعيم. وذكرت سورة المطففين فارقاً جديدا بين النعيمين. ذكرت أن في الجنة شرابا معبأ ومختوم عليه هذا الشراب رحيق خالص وختامه الذي ختم به مسك، هذا الشراب ممزوج من عين اسمها تسنيم. ويمزج لهم على قدر درجتهم في الجنة ومعنى تسنيم أي عالية ومنه سنام الجمل. أما المقربون فيشربون من تسنيم شرابا خالصا. قال تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) فللأبرار مزيج وللمقربين شراب خالص. على أن جمال الوصف القرآني لا ينسينا أنه ليس بين الآخرة والدنيا إلا الأسماء فقط لذلك قال القرآن في سورة محمد عند حديثه عن الجنة: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) وهذه الأنواع لا نعرف حقيقتها في الدنيا: فنحن لا نعرف ماء لا يقبل الفساد ولا نعرف لبناً لا يتغير طعمه، ولا نعرف خمراً لا يصدعون عنها ولا يصدعون بها، ولكن القرآن حاول أن يوصلنا بما نعلم إلى ما لا نعلم. وفى الحديث القدسى: "أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"

стр. 42

والقرآن يقول: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) والآن.. مع سورة الواقعة. (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ) وقف بنا الحديث عند قوله تعالى: (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) أي مرصعة بالجواهر، وفرشها: (بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) وهي سرر مصفوفة: (مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ) كما ذكرت سورة الطور. ووجوههم متقابلة دائمة، لأن قلوبهم قد صفت من الأحقاد: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) والله يجمعهم في درجة الأعلى منهم، متجاوزا عن الأدنى بفرق الدرجات: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) ولدان مخلدون!.. إنَّ كل شيء في الجنة خالد، فما سر وصف الولدان بالخلود؟ الذي أفهمه أنهم مخلدون على صورة الولدان. لا يصيبهم الشيب وهم مخلدون أي مقرطون بالذهب في آذانهم. وسورة الدهر تبيِّنُ جانباً من أوصاف الولدان (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا)

стр. 43

(إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) لأن شعاع بعضهم ينعكس على بعض. (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) .. لأن نفوسهم نقشت بجلال الله الملك، وخفايا الملكوت، فيستضيء بأنوار قدس الجبروت. أما سورة الطور، فتضيف كلمة (لهم) ، كأنهم عبيد لسادتهم: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ) ولكن ما فائدة الخدم في جنة قطوفها دانية؟ إنه التكريم فقط.. إنَّ الضيف يمد يده لكوب الماء، فيسارع صاحب البيت ويدفعه له. أما أصل الولدان، فقد سكت القرآن عنه. والغيب يقتصر فيه بما أخبر صاحب الغيب سبحانه وأيُّ حديث عن المغيبات، بلا سلطان إلهي، فهو ضياع للوقت، وسبب لانتشار الإسرائيليات ولا ثمرة منه في العقيدة ولا في السلوك. الأكواب وما فيها من شراب: في سورة الواقعة: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ) وفي سورة الزخرف آية ١٧: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ) وفي سورة الإنسان آية ١٦: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا) ومجموع الآيات في موضوع الأكواب يعطينا هذه الحقائق فالأكواب من ذهب، وبعضها زجاج مصنوع من فضة، وإذا كانت

стр. 44

الدنيا لا تعرف زجاجا من فضة فإن القرآن قد أَكَّدَ وجود هذا النوع من الزجاج في الجنة، فقال تعالى: (مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا) ثم ما يقول بعدها مؤكدا: (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ) ثم يزيد في التوكيد، فيذكر حالتهم النفسية عند رؤيتهم هذه القوارير فيقول: (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا) لأنهم لم يروا مثلها في الحياة الدنيا. وفي الجنة يستوي الذهب والفضة، لأن ارتفاع قيمة الذهب في الدنيا سببه الندرة النسبية، أما هناك، فكل شيء مباح، وكل شيء موفور، هذه هي الأواني، فماذا في داخلها؟.. سورة الواقعة قالت إنَّ شرابها لا يصدعون عنه أي لا يتفرقون عنه لنفاده من قول العرب: تصدع البناء أي تفرقت أجزاءه. ولا تنزف دماؤهم، ولا أموالهم بسببه: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ) (مِنْ مَعِينٍ) أي من عين تجري. وسورة محمد أخبرت بأنها أنهار جارية. قال تعالى: (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) أما سورة الإنسان فتذكر المواد التي ركب منها هذا الشراب: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) وشراب آخر ممزوج بالزنجبيل: (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا) وشراب من رحيق خالص، معبأ ومختوم، ختامه المسك: (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ) أما سورة الطور فتصور واقعهم من السعادة والمداعبة عند الشرب، فهم يتنازعون الكأس الواحدة يرفعها أحدهم إلى فمه، فيأخذها أخوه منه: (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) شرابها أبيض.. وهو اللذة ذاتها.. هذا ما تضيفه سورة الصافات: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) ثم تضيف سورة الصافات أن هذا الشراب

стр. 45

لا يحدث أي فساد في العقل: (لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ) والغَول بفتح الغين: هو الفساد الذي يصيب الإنسان فإذا أصاب العقل جعله يتخيل ما لا أصل له. كما تصور العقل الجاهلي كائنا خرافيا أسماه الغُول بضم الغين. بهذا تكمل الصورة للغلمان والأواني والشراب من كل جوانبها، وهذا سر التكرار في القرآن الكريم. طعام أهل الجنة تتبعت آيات القرآن في موضوع طعام أهل الجنة، فرأيت القرآن يؤكد على المعانى الآتية: أولا: قدم القرآن الفاكهة على لحم الطير، مع أن السعادة في حياة الناس أن يقدموا اللحم على الفاكهة. قد يكون هناك أسباب يدركها المتخصصون في علم الغذاء كقولهم: إنَّ المعدة تستفيد أكثر مما يدخلها أولا. كما أن هذا الأسلوب يفيد الشبع الدائم: (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) ثانيا: أَكَّدَ القرآن الوفرة في الطعام ودوامه. قال تعالى: (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ) فلا تقطع في موسم، ولا تمنع عنهم لغلو ثمنها، ولا لارتفاع أشجارها. (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ) ودنو القطوف سببه ثقل الثمار، وتذليل الله لها: (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا) . ثالثا: يلمس القرآن نفسية المسلم لمسا عجيبا، ففي مكة

стр. 46

حيث يعيش المسلمون في فقر، وقلة ذات يد نرى القرآن يسهب في الحديث عن الطعام. أما في المدينة حيث فتح الله أبواب الرزق والرخاء على المسلمين يوجز القرآن الحديث عن الطعام. قال تعالى: (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) . رابعا: يمزج القرآن بين الجانب المادي من النعيم، وهو الطعام والشراب، وبين الحديث عن الأمن النفسي: (يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ) . كما أَكَّدَ القرآن الكريم المطلق، ومزجه بالطعام: (أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) . إنَّ بعض الناس يساقون إلى الواجب من بطونهم. ولا مانع من ترغيبهم في المكارم بإشباع رغباتهم في دار النعيم، وبعض الناس يضحون بأرواحهم من أجل المكارم ولكل في الجنة ما يشتهي من ألوان النعيم. أزواج مطهرة ثم تحدثت سورة الواقعة عن زوجات الجنة. إنهن من الحور العين.. خلقهن الله خلقاً مستقلاً في الجنة. والنوع الآخر هن زوجات الدنيا الصالحات. وسوف ندارس كل نوع منهن من خلال آيات القرآن، لأن الغيب يقتصر فيه بما أخبر صاحب الغيب.

стр. 47

الحور العين: جاء ذكر الحور العين في سورة الواقعة، والصافات، وسورة الرحمن. أما سورة الواقعة، فتشبه الحور العين باللؤلؤ المكنون. قال تعالى: (وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) . أما سورة الصافات فتذكر أن الحور العين راضيات بأزواجهن قاصرات أنظارهن على رجالهن، وهن في صيانة أعراضهن كالبيض المحفوظ الذين لم تصل إليه يد عابثة قال تعالى: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) وفي سورة الرحمن جاءت أوصاف جليلة للحور العين تكمل الصورة في الذهن. (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) ثم جاء ذكر الحور العين مرة أخرى في مقام نعيم أصحاب اليمين، في قوله تعالى: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) الحور: جمع حوراء، وهي شديدة البياض، قال القرطبي: يرى جسدها من تحت ثوبها (لفرط نورها) . وقال الواحدى: أصل أحور أبيض، وعين حوراء: شديدة البياض، مع شدة سواد المقلة و (العين) جمع عيناء وهى عظيمة العينين من النساء. والحسن ﵁ يرى أن الحور العين من نساء الدنيا، بعد أن حسن الله خلقهن، وأعاد إليهن الشباب وأبو هريرة رضى الله عنه يرى أنهن خلق جديد، خلقهن الله للجنة، فهن لسن من نساء الدنيا. والنصوص القرآنية لم تتعرض لهذا الموضوع، ولكن ما روى من الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله ﷺ يؤكد أن الحور العين خلق جديد.

стр. 48

وقد استدل بعض الأذكياء على ذلك بقوله تعالى: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) لأن نساء الدنيا لا ينطبق على مجموعهن هذا الوصف.. وإن انطبق على بعضهن. ويكفى هذا الحديث عن الحور العين، وهو عطاء قرآنى وباقى أوصافهن نشاهدها في الجنة إن شاء الله. زوجات الدنيا: صالحات فُزْنَ وأزواجهن بالجنة والخلود، ودرجتهن عند الله أعلى من درجة الحور العين، لأن الفارق كبير بين مخدوم وخادم. إنَّ زوجات الدنيا وصلن إلى الجنة بعد صراع وجهاد طويل، ولكن الحور خلقن في الجنة كأشجارها وثمارها. والآن.. مع زوجات الدنيا الصالحات من وراء حجب الغيب. سورة الواقعة: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ) وإذا كان هذا التجديد والتحسين لأصحاب اليمين، فمثله وخير منه للمقربين من باب أولى. (إِنْشَاءً) لا قبح فيه لصورهن، ولا أثر لمرور أحداث الدنيا عليهن. يتساوين في الجمال بالحور العين، ويفضلن الحور بالسيادة. روى ابن إدريس، عن ليث بن مجاهد، عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل عليها، وعندها عجوز، فقال من هذه؟ فقالت عائشة: إحدى خالاتى،فقال: أما إنه لا يدخل الجنة عجوز، فدخل على العجوز ما شاء الله، فقال النبي ﷺ (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً) خلقا آخر، يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا، وأول من يكسى إبراهيم الخليل. ثم قرأ (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً) إِنْشَاءً يظهر فيه ملامح الرضوان: (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ)

стр. 49

(فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا) بكارة دائمة. عربا جمع عروب. وهن المتحببات لأزواجهن المطيعات لهن. الفصيحات بحبهن لأزواجهن، وأنشد لبيد: وفي الحروج عروب غير فاحشة ... ربا الروادف يعشي دونها البصر قال ابن القيم: فالله سبحانه جمع بين حسن صورهن، وحسن عشرتهن، وهذا غاية ما يطلب من المرأة. إنَّ للكلمة الحلوة دور السحر في حياة الأزواج، والقرآن عندما يصف نساء الجنة بحسن العشرة فإنه يُعِدُّ نساءَ الدنيا لهذا الأمر العظيم. فالآية وعد وتربية. وليت النساء المؤمنات يدربن أنفسهن على لغة الجنة. كالمهاجر يدرب نفسه على لغة مهجرة. (أترابا) متساويات في السن. لأول مرة تتساوى المرأة مع أمها، وجدتها في السن. قال تعالى: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ) (وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا) فسورة الواقعة أكدت أربعة أوصاف: ١ - النشأة الجديدة التي تعالج ما تركة الدهر عليهن من آثار الحياة ٢ - البكارة الدائمة ٣ - حسن المعاشرة كما كان ذلك طبعهن في الدنيا ٤ - تساويهن في السن، وثباتهن عليه، فلا يصيبهن الشيب

стр. 50

أما سورة البقر فتضيف إلى ذلك وصفهن بالطهر والخلود: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) والطهر بهذا الإطلاق يشمل طهارة البدن والأخلاق. فأخلاقهن طاهرة ولولا ذلك ما دخلن الجنة. وأجسادهن طاهرة من الحيض لأنه لا حمل هنالك ولا ولادة. وطاهرات كذلك من النجاسات. لأن طعام الجنة يهضم كله، فلا يترك الفضلات. إنَّ مثل هذا التراث من الزوجات، تحرص النفس عليه كل الحرص، لذلك طمأن رب العالمين النفوس فقال: (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) إن شعور الناس بحتمية الرحيل عن الدنيا يذهب بهجة كل شيء. ولولا انشغال الإنسان عن هذا الشعور (الخانق) ما أدركنا في الدنيا شيئا جميلا. ألا إنما الدنيا كأحلام نائم ... وما خير عيش لا يكون بدائم من هنا أَكَّدَ القرآن على قضية الخلود.. عند حديثه عن الزوجات المطهرات. أما سورة آل عمران فتضم إلى طهر الزوجات: رضوان الله سبحانه لتجمع بذلك أطراف السعادة: (وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) والمرأة التي لا زوج لها في الجنة فالله وليها، يزوجها من الذين لا زوجة لهم. ومن لها أكثر من زوج في الجنة فهى لخيرهم خلقا كما أخبر النبي ﷺ -

стр. 51

أما سورة الرعد فتذكر اجتماع الأسرة الطاهرة، وتبين حفاوة الملآئكة بهم، تكريما لجهادهم وصبرهم على تكاليف الحق. إنَّ الملآئكة قد خلت عبادتهم من الصراع الداخلى، فهم يعبدون الله بما يوافق رغباتهم. بخلاف الإنسان، فإنه الكائن الوحيد الذي يعبد الله بعكس ما عليه رغباته. ومن هنا كان الثواب والعقاب. وقد أدركت الملآئكة هذا المعنى في عبادتنا فأكبرته. جاء في سورة الرعد: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) . وبعد إنَّ مجموع آيات القرآن في موضوع الزوجات الخالدات يؤكد أن النساء في الجنة نوعان. النوع الأول: الحور العين. النوع الثانى: زوجات الدنيا الصالحات بعد أن أعاد الله خلقهن وأنشأهن إنشاء جديداً يتناسب مع بقائهن في الجنة. * بكارة دائمة. * وشباب تتساوى فيه البنت مع أمِّها في السن. * وفصاحة يعبرن بها عن حبهن لأزواجهن. * ثم طهارة من الأنجاس والأرجاس. وأكبر من كل شيء: رضوان من الله، وسلام عليهم من ملآئكة. بهذا التكامل في العرض يحفظ القرآن على العقل البشرى استقامته في التصور للمغيبات، فلا يدخل عالم الغيب إلا بقنديل من صاحب الغيب. لأن صحة التصور ينشأ عنها رقى العقيدة.

стр. 52

ربط العمل بالجزاء (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ربط القرآن الكريم بين الجزاء والعمل. وقد أَكَّدَ القرآن هذه الحقيقة، في كثير من الآيات قال تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا) (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا) (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) . ولا تعارض بين ما قرره القرآن في كل آياته من ربط الأجر بالعمل وبين كرم الله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) . وفى الموضوع عدة نقاط يجب أن نبينها: أولا: الله سبحانه لا يقصر الأجر على النعيم، بل يشكر فاعل الخير على ما قدم. قال تعالى: (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)

стр. 53

(إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) وشكر الله لهم هذا الجانب المعنوى من الجزاء الكريم بل هو أرقى هذا النعيم: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ثانيا: يتسائل البعض؟ هل عظم الأجر، وشدة العقاب، تتناسب مع حجم العمل؟ أقول: لا.. إن الأجر هبة من الله لمن صدقت نيته في إطاعة أمره سبحانه وسيدنا إبراهيم الخليل، خير مثال لتجسيد هذا المعنى. لقد امتثل لأمر الله بذبح ولده، فنسخ الله التكليف بمجرد أن حدث القبول، وقبل أن يحدث التنفيذ.. (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا) وقد أخذ إبراهيم الأجر كاملا. قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) (الَّذِي وَفَّى) أي أتى بكل شيء وافيا. مع أن الذبح لم يتم، ولكن النية صادقة، والعزم موجود , والسنة المطهرة أخبرتنا بأن الله قد غفر لقاتل التسعة والتسعين، عندما صدق عزمه، ونصحت توبته. ولا يمكن لأحد أن يقول أن التوبة التي تابها تساوى الجرائم التي ارتكبها. ولكنه كرم الله. ومن ناحية العذاب فكل ذنب مرشح للتوبة , وإذا كان الشرك لا يغفره الله لمن مات عليه: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) ولا يقبل من المشركين عملهم: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)

стр. 54

فسبب ذلك أن الشرك خيانة عظمى، وخروج على قانون الكون العابد لله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) ومرتكب الخيانة العظمى لا يشفع له ماضيه. إنَّ المشرك ضيع على نفسه فرصة الإيمان، والإيمان يجب ما قبله. ولولا إصرار المشرك على كفره، لاستحق من العذاب بقدر عمره الذي عاشه فقط من باب السيئة بمثلها ولكن إصراره على الكفر، وعزمه على البقاء عليه لو عاش عمر الدنيا كلها، هو الذي خلده في النار. فالنعيم كرم. وجزاء الكفار عدل.. والخلود في الجنة والخلود في النار بسبب النية. ثالثا: الدارس للقرآن الكريم يرى أن بعض الآيات القرآنية تنسب الفضل في دخول الجنة للمؤمنين. بينما بعض الآيات الآخرى تؤكد أن دخولهم فيها محض فضل من الله سبحانه قال تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ) (أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) نسب الله الفضل للمؤمنين (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا)

стр. 55

(فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ومعلوم أن هذه الآيات وغيرها كثير ينسب الله الفضل فيها لأعمالهم. وهناك آيات أخرى يتضرع المؤمنون فيها شاكرين لله سبحانه وينسبون فيها كل الفضل لله. قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ) . (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) . فالآيتان الكريمتان تؤكدان أن الفضل كل الفضل لله. لأنه مكن لهم في الأرض، وأرسل الرسل، وهداهم إلى الطاعة. فالمسألة من باب تبادل التحية بين الله سبحانه وبين ضيوفه في الجنة. هم ينسبون كل الفضل له. وهذه حقيقة. ويرد عليهم سبحانه بذكر الطيبات من أعمالهم. وقد جمعت سورة الاعراف بين تحية المسلمين لله وبين رد الله سبحانه عليهم قال تعالى: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) . فرد عليهم سبحانه. (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) هذا هو الفهم الذي أرتاح له، والذى يتفق مع منهج تفسير القرآن للقرآن.

стр. 56

رابعا: ربط القرآن بين العمل والجزاء، هو القاعدة الإسلامية العامة التي يمكن أن نفهم في ضوئها ما ورد من أحاديث نبوية صحيحة، تقصر النجاة من النار على الإيمان وحده. أخرج أبو داود، عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرمه الله على النار". وعنه رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَالَ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ (رواه أبو داود) وعن معاذ بن جبل رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه أبو داود وهذه الأحاديث وأمثالها أجمع العلماء على أن ظاهرها غير مراد وقد أولها العلماء عدة تأويلات. أولاً: قالوا أنها كانت قبل أن يشرع الله سبحانه فروع الشريعة. وهذا التأويل لا أرتاح له، لأن عبادة بن الصامت من الأنصار، وقد دخل الإسلام بعد فرض الصلاة، وهى من الفروع كما نعلم. ثانيا: يرى الإمام البخاري أن هذه الأحاديث تعنى أن يقول كلمة التوحيد، عند الموت، وقد تاب قبلها من المعاصى. لأن ساعة الموت هى وقت الأمل لا وقت العمل. وقد ذكر المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز، كلمة قَيِّمة في هذا الموضوع: قال: (قد يتخذ من أمثال هذه الأحاديث ذريعة إلى طرح التكاليف، وإبطال العمل، ظناً أن ترك الشرك كاف. وهذا يستلزم

стр. 57

طى الشريعة وإبطال الحدود وإن الترغيب في الطاعة ، والتحذير من المعصية لا تأثير له. بل يقتضى الأخذ بظواهرها الانخلاع عن الدين، والانحلال من الشريعة. ولكن الأحاديث إذا ثبتت صحتها، يجب ضم بعضها إلى بعض، لأنها في حكم الحديث الواحد، فيحمل الحديث المطلق (كالأحاديث التي ذكرتها) على الحديث المقيد كالأحاديث التي تكلمت عن فروع الشريعة، ليحصل العمل لجميع ما جاء عن رسول الله ﷺ . والقرآن يربط بين العمل والجزاء كما أخبرتنا سورة الواقعة ليقطع بذلك أطماع الكافرين، وانحرافات أهل الكتاب، ولينشط الكسالى من المسلمين. قال تعالى: (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا) . هذه في مقام الرد على المشركين. وإن كان اللفظ عامًّا أما انحراف بعض أتباع الأديان وطمعهم في دخول الجنة بلا عمل فهذا شيء يرفضه القرآن. فاليهود قالوا: نحن شعب الله المختار. والنصارى قالوا: أبانا الذي في السماء. فرد عليهم القرآن بقوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ) . هذا.. ولم يجامل القرآن كسالى المسلمين الذين فرقوا بين الإيمان والصالحات من العمل. مع أن سنة القرآن الربط بينهما دائماً.

стр. 58

قال تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) . إنَّ اعتناق الإسلام شرط لدخول (جامعة الازهر) مثلا.. ولكن اعتناق الإسلام وإن حسنت درجته لا يكفى لتحقيق النجاح. وقد توهم من قال: لا يضر مع الإيمان معصية. توهم وخالف منهج الله.. إنَّ الربط بين العمل والجزاء هو عدل الله المطلق. ثم لا حرج على فضله سبحانه. (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) . جاء آدم إلى الدنيا ومعه (الكلمة) فأدركت الدنيا أبعاد هذا المخلوق في أداء ما خلق له من عمار الأرض. لأنه بالكلمة سوف يقرأُ أسرار هذا الكون , فالكون كلمة قالها الله سبحانه فكان هذا الوجود كما أراده. أدركت الدنيا أنَّ المخلوق الجديد سوف ينقل معارفه عن طريق الكلمة إلى الأجيال التي بعده. ليبدأ كل جيل من حيث انتهى سابقه. فالكلمة حضارة. والكلمة عمران. والكلمة معارف. وليس ذلك لأحد سوى الإنسان. أما غيره من الحيوان فإن استطاع أن يتقبل التعليم كحيوان السرك إلا إنه لا يستطيع أن ينقل معارفه المكتسبة إلى الجيل الثانى من ذريته. جاء آدم إلى الأرض بنعمة البيان: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) . وأصبح البيانُ شامة تميز هذا المخلوق في طريقه للهداية أو للضلال.

стр. 59

(خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) فهو يستطيع أن يخاصم، وأن يطالب بحقه، وهو يبين حجته، ويجعل من نعمة البيان سلاحا ينصر به الحق أو يعتدى به على الآخرين، ظلت حياة الناس (كلمة) في كل عصر، فالكلمة كما يقول ابن القيم الجوزية: بيان للفكرة وإرشاد للحجة، وتبصرة وعبرة. (الكلمة) فكرة في آية، ودلالة على رشد، وإرشاد من غى و (الكلمة) أمر بمصلحة، ونهى عن مفسدة وهداية إلى نور. إخراج من ظلمة، وزجر عن هوى، وجلاء لبصيرة، وإيضاح لبرهان، وتحقيق لحق، وإبطال لباطل. هذه بطولة الكلم المؤمن والبيان الهادي. أو قل: هذه صورة مجتمع الجنة كما صورها القرآن: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا) ونفى سماع اللغو أعم من نفى قوله، فقد يتعفف الإنسان عن النطق باللغو ولكن يقع في مسامعه. نفى سمعه يفيد نظافة المجتمع كله من اللغو. والقرآن عندما يصف مجتمع الجنة فإنه يرسم المنهج لمجتمع المؤمنين في الدنيا. فمن عزم على الهجرة حاول أن يتخلق بأخلاق المهجر الذي سيأوي إليه. وهذه لمحة قرآنية في مجال التربية بعيدة عن الأوامر والنواهي، لثقلها على النفس: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا) (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً) (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ)

стр. 60

والطيب من القول تسبيح ودعاء. تسبيح يتلذذون به، فقد أدركوا حلاوة الإيمان. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وحمدهم لله على، أنعمه التي لا حدود لها دليل على أصالة طبعهم ونبيل أخلاقهم (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) هذه صورة لمجتمع الجنة: وقد تهيأ لها المؤمنون في الدنيا ودربوا أنفسهم عليها، حتى لا يجدوا غربة في الجنة. لقد وصفهم الله في الدنيا بما وصفهم به في الجنة، قال تعالى في وصف المؤمنين: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) كما وصف القرآن المؤمنين من أهل الكتاب في بنفس الوصف الذي وصف به المؤمنين من أمة القرآن. ليبين أصالة الخلق في كل عصر: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) وإذا تميز مجتمع الإيمان بالكلمة المؤمنة الطيبة فإن لمجتمع النفاق كلمة خبيثة، ولخصوم الإسلام فنون في حربه بالكلمة، بعد أن فشلت جميع الوسائل العسكرية في الحرب الصليبية. يقول صاحب الظلال في تفسير قوله تعالى: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) قال: كالذين يتحدثون عن الغيب وهو أصل من أصول العقيدة حديث الاستهزاء. والذين يتحدثون عن الزكاة وهي ركن من أركان الدين حديث الاستصغار.

стр. 61

والذين يتحدثون عن الحياة والعفة وهي من مبادئ هذا الدين بوصفها من مبادئ المجتمعات الإقطاعية الزائلة. والذين يتحدثون عن قواعد الحياة الزوجية المقررة في الإسلام حديث إنكار واستنكار. والذين يصفون الضمانات التي جعلها الله للمرأة لتحفظها وتحفظ عفتها بأنها أغلال. والذي ينكرون حاكمية الله المطلقة في حياة الناس، هؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالي: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) ومن هجومهم السافر على الإسلام يدعون الانتساب إليه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) وإذا كان القرآن قد أخبر أن أهل الكتاب يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم لأن هذه المعرفة لا تستهدف البحث عن الحقيقة، ولكنها تستهدف البحث عن نقاط القوة في هذا الدين، لمحاولة صرف الناس عنه بفنون من الكلمة في مجال الأدب والفن ووسائل الأعلام العالمية. فهذا كاتب عربي كبير يغمز الشريعة الإسلامية فيقول: من الذي سيقطع يد السارق؟ هل الطبيب؟ أم الجزار؟ ويردُّ عليه الأستاذ عبد القادر عطا: إذا كان الطبيب هو الذي سيقطع يد السارق، فإن الجزار سيقطع لسان المارقين المتمردين. ومنهم من يغمز المقدسات، ويسخر من ليلة القرآن ليلة القدر ويقول عنها باستخفاف إن الله سبحانه يقيم فيها (أوكزيونا) لعبادة بسعر الجملة أسهل وأرخص!..

стр. 62

هل هذا كلام يليق بالله سبحانه وبالليلة التي بدأ فيها نزول القرآن؟.. وإذا تحدث عن الشريعة اتهامها بعدم الصلاحية.. ويطالب بإلغائها باسم التطور فيقول إن الشريعة الإسلامية ليست صالحة لكل زمان ومكان، وإن الصحابة غيروا الأحكام التي شرعها الرسول ﷺ حسب تغير العرف والمصلحة، لظنهم أن الرسول لم يصدر حكمه إلا في ضوء الظروف القائمة. كل هذا يقال وينشر في أوسع الصحف العربية، وكاتبه يحمل اسم من أسماء رسول الله ﷺ ويبشِّرُ بدولة علمانية لا تؤمن بالله. إنَّ تلاميذ الغرب في بلاد محمد ﷺ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم. يقول صاحب كتاب (الله والإنسان) : والخير والشر خضعا لناموس التطور. فتغيرت معاني الرذيلة وتغيرت معاني الفضيلة. كانت المرأة رمزاً للشيطان، وكانت الغريزة الجنسية خطيئة تحمل المرأة وزرها وحدها، فأصبحت الغريزة الجنسية حالة (فسيولوجية) تنظم لصالح المجتمع ومسرة أفراده. فانظر كيف يعبث أصحاب هذه الأقلام بالكلمة. يهاجمون الحق ويصدون عن سبيل الله. إنَّ القيم ثابتة ثبوت القوانين الكونية لأن الذي وضع القوانين الأخلاقية هو الذي قنن القوانين الكونية من جاذبية ومدٍّ وجزر. قال تعالى في ثبوت القوانين الكونية: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) فقوانين الكون ثابتة، قال تعالى عن القونين الشرعية: (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) فقوانين الشريعة ثابتة أيضا. ومن الذي قال إنَّ المرأة رمز للشيطان؟ أي نص من نصوص الإسلام قال هذا؟ وإذا كان الكاتب يعني بذلك نصوص التوراة فلماذا أطلق كلامه ليغمز الإسلام؟ وأى جراءة جعلت هذا الكاتب يبيح الخطيئة باسم التطور؟

стр. 63

إنه الهدم لكل شيء حتى يفسحوا الطريق للعلمانية. إنني أحمد الله أن نور الحق قد جذبه هذا الكاتب، فأصبح صاحب كتاب (الله والإنسان) من الدعاة إلى الحق وفَّقه الله بعد أن كان ملحداً. وناهيك بما وقع نظري عليه الآن وأنا أراجع هذه الصفحات لإعادة طبعها. فقد نشرت جريدة أخبار اليوم القاهرية في ١٩/١١/١٩٨٨ أن الكاتب الهندي سلمان رشدي صاحب كتاب (قصائد شيطانية) الذي صادره (راجيف غندى) وأمر بمنع تداوله ولكن هذا الكتاب قد حصل على أكبر جائزة في الأدب ببريطانيا. هكذا يُكافأ من يسيء لمحمد ﷺ ويجند الإعلام العالمي في رفع اسمه، بينما يقبر أصحاب المواهب الكبيرة إن ثبت ولاؤهم لمحمد ﷺ . (إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) والسلام كلمة، ولكنها وسعت الدنيا بالخير. سلام عليكم من الله لو قسم على العالمين لوسعهم. لقد سلم الله على النبي ﷺ ليلة الإسراء فقسم النبي هذا السلام على كل عباد الله الصالحين. إنَّ سلام الله على المؤمنين سلم وسلامة. سلم من أهوال الحياة ومخاطرها وشقائها، وسلامة من خزي الآخرة وعذبها. (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) ويظل سلام الله عليهم من كل المخاوف حتى تودعهم الملائكة بقولهم: (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) ويتلقاهم ربهم بسلام الخلود، بسلام لا نهاية لأبعاده النفسية أو الخارجية: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا)

стр. 64

وبعد. إنَّ التصوير القرآني لنعيم المقربين يهدف إلى رسم منهج للتربية يغنى هذه الأمة عن (تسول) مناهج التربية من الشرق أو الغرب لأن تسول الغنى ذلٌّ وعارٌ. *** أصحاب اليمين ونعيمهم بعد أن بينت السورة الكريمة نعيم المقربين وملامح الترف فيه بدأت الحديث عن أصحاب اليمين ونعيمهم , قال تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) . أصحاب اليمين هم أصحاب القوة في الحق، وقد أطلق على القسم اسم (اليمين) لأنه يقوى الكلام. ومنه قوله تعالى: (قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) أى عن القوة في الدين. وقد ورد في الشعر استخدام اليمين بمعنى القوة: إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمن قال الفراء: أي بالقوة. وقال آخر: ولما رأيت الشمس أشرق نورها ... تناولت منها حاجتى بيمينى وتستعمل اليمين في لغة العرب بمعنى التبجيل والتعظيم. يقال: فلان عندنا باليمين، أي بالمحل الجليل.

стр. 65

ومنه قول الشاعر: أقول لناقتى إذا بلغتنى ... لقد أصبحت عندى باليمين. أى بالمحل الرفيع. واليمين هو الجهة التي تقبل جهة الشمال. ومن باب الاجتهاد فقط أقول ربما كانت (جنة أصحاب اليمين) على يمين عرش الرحمن.. وهذا مجرد اجتهاد في فهم اللفظة القرآنية، لم اهتد لدليل عليه.. وربما لأنهم يتسلمون كتبهم بأيديهم اليمنى.. (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ) كانوا أقوى في الدنيا.. لذلك قالوا للباطل في كل عصر. (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) وقالوا لفرعون (أي عصر) : وطاغية كل زمان: (لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) كانوا أقوى من أنفسهم، فقهروا شهوتهم، وهذبوا رغباتهم.. والنفس كالدابة. إن علوتها حملتك، وإن علتك قتلتك.. إنَّ قوتهم أورثتهم عز الدنيا والآخرة: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) بين المقربين وأصحاب اليمين: عرفنا من سير المقربين، أنهم عاشوا مع الله بغير خلق، ليخلصوا عبادتهم لله.

стр. 66

وعاشوا مع الناس بغير نفس، ليخلصوا أنفسهم من الأنانية، وعاشوا مع أنفسهم في دوام مراقبة لله. نطقوا بالشهادتين، بناء عن مشاهدتهم لعظمة الله. وصلوا لله، فكانت تكبيرة الإحرام ساترا بينهم وبين الدنيا. وصاموا عن التفكير في غير الله، وهو صوم خصوص الخصوص.. كما سماه الإمام الغزالي فرحوا بما أنفقوا في سبيل الله، أكثر من فرحهم بما أبقوا في أيديهم. وخافوا أن تُرَدَّ عليهم طاعتُهم أكثر من خوفنا من معاصينا: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) ولكن ليس كل الناس يقوى على هذا السبق. ليس كل الناس يستطيع أن يصل إلى فناء مادته، ليشهد حقيقة بقائه. من هنا كان مقام أصحاب اليمين تفضلا من الله على من صدقت نيتهم وقصرت هممهم. وكثيرا من أصحاب النفوس الكبيرة، والعزائم القوية، يحول بينهم وبين السبق، شظف العيش، وقلة ذات اليد. ونحن نرى الطالب النابه الزكى، قد يحول بينه وبين تحصيل الأولية انشغاله ببعض الأعمال، التي يستعين بها طالب العلم. قال الشاعر: كم طوى الفقر نفوسا لو رعت ... منبتا خصبا لكانت جوهرا ومن هنا كان مقام أصحاب اليمين، محض فضل من الله، لمن فاته مقام المقربين. والآن.. مع نعيم أصحاب اليمين. قال تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ)

стр. 67

تفسير الآيات: السدر هو شجر صغير الورق. وسدر الجنة مخضود، لا شوك فيه، ولأمر ما خلق الله عند باب جنة المأوى، شجرة سدر هى سدرة المنتهى قال تعالى: (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى) (وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ) الطلح: شجر كبير الورق كشجر الموز. قال القرطبى: هو شجر الموز. قال الزجاج: هو كل شجر كبير الورق عظيم الشوك، أما شجر الجنة فلا شوك فيه. والمنضود: المنظم المرتب، والقرآن قد ذكر في نعيمهم أصغر الأشجار ورقا وأكبرها ورقا. ليشمل كل ما بينهما من أنواع. والتعبير بقوله تعالى (فى سدر) يفيد أن النعيم يحيط بهم كما يحيط الظرف بالمظروف. (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) إنه ظل العرش. والجنة لا يرون فيها شمساً ولا زمهريرا، ولكن القرآن يلمس نفسية رجل البادية الذي يسارع إلى الظل وينعم به، والظل الممدود أمنية للجميع. (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ) (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ) (وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ) بذكر الماء المسكوب لوفرته تتم السعادة. وقد تقدم الحديث عن الماء والشراب في نعيم المقربين، كما تقدم الحديث عن الطعام والفاكهة والزوجات الخالدات

стр. 68

وإذا كان المقربون (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) فإن أصحاب اليمين بفضل الله ورحمته. (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) أصحاب الشمال وجزاؤهم: بعد أن بينت السورة الكريمة جزاء المقربين وأصحاب اليمين شرعت في بيان أصحاب الشمال قال تعالى: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) لم يأت التعبير هنا على منهج القرآن في الإيجاز، فلم يقل إنهم في النار. بهذا الإيجاز الذي تعودناه في الأسلوب القرآني ولكن قال: (فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) فما سر هذا الإسهاب؟ إنَّ القرآن أتى على مواطن الراحة والبرد وهى الهواء والماء والظل. وأخبر أنها مصادر التعذيب ليقطع عليهم كل أمل.. فالهواء سموم. والسموم: هو الهواء السام الذي يدخل من مسام الجلد فيهلك صاحبه مع أن الناس يلتمسون الراحة في الهواء البارد. والماء.. مصدر الحياة والراحة ومنظره يذهب الحزن ولكن الله جعله حميم ليعذبهم به: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ)

стр. 69

وفوق الشرب منها يصب عليهم الحميم. (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) بقى أمامهم أمل واحد لقد انعقد أملهم على الظل فتلاشى الأمل قبل وصولهم فالظل هناك: (لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ) إنَّ ظل النار: (لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) ولذلك ينتهى كل أمل ويبقى التسليم المطلق: (يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ) ثم تذكر السورة الكريمة أسباب العذاب. وقد سبق أن ناقشت معكم حجم العمل وحجم الجزاء , وانتهينا إلى أن النعيم فضل والعذاب عدل. والآن مع أسباب العذاب كما ذكرتها سورة الواقعة. (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ) والترف في حد ذاته نعمة. والمال خير. ولكن الإنسان كنود يحارب الله بنعمه ومنذ عهد نوح ﵇ والمترفون زعماء المعارضة للحق: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) الإصرار على الشرك: أعظم ما يقع فيه الإنسان أن يخطئ مع الله , وأعظم من ذلك أن يصر على الذنب. لقد قال العلماء لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار.

стр. 70

فكيف إذا كان الإصرار على الشرك وهو الخيانة العظمى التي لا تغفر ولا ينفع معه طاعة. إنَّ جزاء المعصية بمثلها وكان مقتضى ذلك أن يعذبهم الله على قدر عمرهم الذي أشركوا فيه. ولكن إصرارهم على الشرك، وعزمهم على البقاء فيه، مهما امتدت أعمارهم، هو سبب خلودهم في الجحيم. قال تعالى: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) وقد أطلق القرآن على الشرك اسم (الحِنْث) لأنه نقض لعهد الله على الفطرة الإنسانية. (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي) هذا العهد الذي صرح به القرآن في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) وهذا العهد سيبقى في ضمائر الموحدين إلى أن نلقى الله. وكانوا يقولون: (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) منذ عهد نوح ﵇ وقضية الإيمان بالبعث هى العقبة أمام العقول الصغيرة التي لا ترقى إلى إدراك قدرة الله. فقد أثارها العقل القديم في عهد نوح ﵇. قال تعالى: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) ويمتد هذا المنطق إلى كل جاهلية في أي عصر. ليؤكد أن ملاحدة اليوم يعيشون على فتات موائد الإلحاد القديم. وإن اختلف الثوب الذي يظهر فيه هذا الضلال.

стр. 71

وهذا الأمر يفرض علينا أن نذكر أهم شبههم ثم نذكر ردود القرآن عليها. إنَّ أدلة القرآن نقلية من جهة الثبوت , عقلية من ناحية الدلالة , فهى تجمع بين نوعى الدليل العقلى والنقلى. شبهات الملاحدة ورد القرآن عليها: لكل عصر فكر ولكن شبهة الملاحدة واحدة في كل عصر. قد تشابه منطقهم , لتشابه قلوبهم. قالوا الأجسام تفنى بعد الموت فالبعث يستلزم الايجاد من العدم. فرد عليهم القرآن بذكر النشأة الأولى قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) والخلق الأول (خلق إبداع) والخلق الثانى (خلق إرجاع) وخلق الإرجاع أهون من خلق الإبداع في تصور العقل البشرى لذلك قال تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) أما بالنسبة لحقيقة قدرته تعالى فكل شيء عنده سواء لأنه يقول للشئ كن فيكون. لذلك ختمت الآية بقوله تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) من النطفة إلى البعث: إن القرآن الكريم يربط دائما بين الحديث عن الأجنَّة والحديث عن البعث لأن تكوين الجنين في بطن الأم صورة من تكوين أجسادنا في رحم الأرض. قال تعالى: (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ)

стр. 72

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) وفى كل مرة يتحدث القرآن فيها عن الأجنَّة، فإنه يربط بينها وبين البعث، لأن خلق الإبداع هو أقوى دليل على خلق الإرجاع. بين الطعام والبعث: وقد لاحظنا أن القرآن الكريم يربط بين الحديث عن الطعام وبين البعث. قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) : انتقال من الطعام إلى البعث ونرى هذا في سورة النبأ (آية ١٤) وما بعدها. قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) ثم قال بعدها: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) وبعدها في ترتيب المصحف سورة النازعات. قال تعالى: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا) ثم قال تعالى: (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى) ذكر القيامة بعد ذكر الماء والمرعى. وتليها سورة عبس. قال تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) ثم عدد أنواع الطعام: (حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) فى كل هذه السور يتحدث القرآن عن الطعام , ثم ينتقل إلى الحديث عن البعث. والعلاقة بينهما هامة جليلة. فالطعام الذي نأكله لا حياة فيه فإذا تمَّ هضمه تحول إلى خلايا حيَّةً يتكون منها الجسم وهذه صورة ملموسة لتحويل الكائنات الميتة إلى خلايا تنبض بالحياة. وهو معنى قوله تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ)

стр. 73

فأيُّ صعوبة في الإيمان بالبعث والشواهد تتكرر في داخلنا كل لحظة لتؤكد هذا الاعتقاد. شبهة تداخل الأجسام: قالوا: إن الأجسام تتحلل وتتداخل في بعضها وتختلط بالأرض ويصعب فرزها لإعادتها. فكيف تبعث الأجسام؟ والقرآن قد حكى شبهتهم في سورة السجدة ثم رد عليها. قال تعالى: (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) وختام الآية بقوله: (هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) يؤكد أن هذا التشكيك سببه عمى بصيرتهم عن إدراك قوة الله. على أنَّ الإمامَ أبا حامد الغزالي، لا يرى مانعا من القول بأن الله سيخلق أجسام جديدة. يخلقها الله يوم القيامة ليضع فيها النفس التي عاشت في الدنيا والنفس هى مجال الإدراك وبها الشعور. ولكن القرآن دفع الشبهة من أصلها عندما روى لنا قصة إبراهيم والطير , قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) (قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فالطيور ذبحها إبراهيم ﵇ ثم خلط لحمها بعظمها ووزعها على الجبال ثم دعاهن إليه فأتين سعيا لم تختلط ريشة من ريش نوع بنوع آخر ولا منقار نوع بمنقار نوع آخر.

стр. 74

واختار سبحانه الطيور بالذات لشدة نفورها عادة من الإنسان , فحضورها إليه طائعة أبلغ في الدلالة (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) هذا المقطع القرآني لم يتكرر في القرآن. فهو لم يرد في كل القرآن سوى مرة واحدة وذلك عندما جاء رجل مشرك إلى رسول الله ﷺ وقدم قطعة عظام إلى النبي ﷺ وقال له هل يستطيع ربك أن يحيى هذه بعد موتها؟ مستكثراً على الله أن يعيد الأجسام , بعد اختلاطها بالأرض. فنزل قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) فيعلم ما تنقص الأرض منه ويعلم مصير كل جزئية من الكون. يعلم ذرات من يحرق بالنار ويجمعه. ويعلم ما يأكله السمك من أجسام الغرقى ويجمعه. ويعلم مصير كل عنصر تحلل , وأصبح غذاء للنبات. لأن كل ذرة خلق. وهو بكل خلق عليم. فالقرآن الكريم قد تتبع كل شبهة أثارها خصوم العقيدة وأجاب عنها. لينفض عن عقيدة البعث أدران المبطلين. وفى سورة الواقعة سجل القرآن ما يدور في نفوس المعارضين , الذين استكثروا على الله إحياء آبائهم الذين طال عهدهم بالتراب وإحيائهم بعد موتهم. فرد عليهم القرآن بأن إحياء الأولين والآخرين أمام قدرة الله سواء. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ)

стр. 75

قدم القرآن بعث آبائهم على بعثهم لتحقير شبهتهم ثم أثبت سبحانه أن الأولين والآخرين سيجمعهم الله في يوم مقدر معلوم. وإذا كان جمع الناس في مكان واحد لا تتسع له عقول المنكرين فقد أَكَّدَ القرآن ذلك. قال تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) إنَّ الله لا ينسى أحداً من خلقه لأنه بكل خلق عليم وإحياء الناس جميعا عند الله كإحياء النفس الواحدة.. (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) وقد عالجت القصة القرآنية موضوع البعث عندما ذكرت قصة الرجل الذي قتله بنى اسرآئيل واختلفوا في قاتله، فأمرهم أن يذبحوا بقرة، ويضربوه ببعضها، فأحياه الله.. والقصة بتمامها في سورة البقرة (آية ٦٧ وما بعدها) . وقصة الرجل الذي مرَّ على قرية وهى خاوية على عروشها. سورة البقرة (آية ٢٥٩) . وتحويل عصا موسى إلى حيَّة تسعى صورة لإحياء الموتى. بل لخلق الحياة في الجماد. وقد أسهبت في هذا الموضوع في كتابى (تريبة القرآن يا ولدى) بما يغنى عن الإعادة. ثم واصلت السورة الكريمة الحديث عن عذابهم بعد أن أكدت عودتهم. قال تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ) (لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ) وشجر الزقوم ليس معروفاً في الدنيا..
следующие страницы →