← Акыда

Акыда · id 543

آراء ابن عجيبة العقدية عرضا ونقدا

عبد الهادي العمري

Полный текст (870 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إذا بعدوا عنها وقد كانوا يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال ويشتد البأس بهم ويظنون الظنون ومع هذا لم يستغث أحدٌ منهم بنبيٍّ ولا غيره من المخلوقين ... " (١). ٢ - تحليل الحرام ذكر ابن عجيبة أنواع السحر، ثم قال ... وقد يكون كرامةً لولي أو تأييدًا لشاك كما وقع لفقير (٢)، شاور الشيخ في زيارة أمه فغطاه الشيخ بثوبه فرأى نفسه في بلد أمه فبقي عندها أربعة أشهر ثم أراد الرجوع فوجد نفسه عند الشيخ، وقد قرأ القارئ بعده خمسة عشر حزبًا (٣). وهذه الحكايات اعتمد عليها بعض المتصوفة، فضلُّوا عن الحق، وأضلوا من بعدهم. قال ابن خلدون: " ... وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسِّرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرَّد النقل، غثًّا أو سمينًا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة، فضلُّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط" (٤)، والكذب ديدن كل من أراد نشر باطله، ويتفنن في صياغة حكايته. ويقول ابن الحاج: "إنَّ كثيرًا من الناس يدَّعي الدين والصلاح وأنه أهل الوصول، ويأتي بحكايات من تقدَّم من الأكابر ويطرز بها كلامه وهو مع ذلك يشير

стр. 177

إلى نفسه بلسان حاله، وأن عنده من ذلك طرفًا، وبعضهم يزعم أنه حصل له من ذلك الأمر حاصل. ومنهم من له القدرة على تصنيف الحكايات والمرائي التي يختلقها من تلقاء نفسه، سيما -والعياذ بالله تعالى- ما ابتلي به بعضهم من تجرئه ودعواه رؤيا النبي ﷺ في المنام، وأنه أقبل عليه وخاطبه وأمره ونهاه، بل بعضهم يدعي رؤيته ﵊ في اليقظة، وهذا بابٌ ضيِّق، وقلَّ من يقع له ذلك الأمر" (١). ولقد تضاعف الشَّرُّ وكثر خطره بسبب تصدُّر من ليس له علمٌ بصحيح الرواية من ضعيفها، للتصنيف، وتفسير الكتاب العزيز بما يناسب أهواءهم؛ لإثبات البطالة وانتظار السماء أن تمطر ذهبًا وفضَّة، فافتروا على ربِّ العالمين، فاختلقوا الخرافات المختلفة، والأقاصيص المنحولة، والأساطير المفتعلة في تفسير كتاب الله فحرَّفوا، وغيَّروا وبدَّلوا، وقد أصيب الإسلام وأهله بداهية دهياء، وفاقرة عظمى، ورزية كبرى، من أمثال هؤلاء الكذَّابين الدجَّالين الذين يجترئون على الكذب، وكتب المتصوفة التي امتلأت من الحكايات المكذوبة ما الله به عليم (٢). ولم يفرق ابن عجيبة بين الكرامات والحكايات المختلقة المكذوبة، فأصبح السحرُ حلالًا بزعمه أنه قد يكون كرامة لولي. قال الشيخ السعدي ﵀: " ... قد أدخل الناس في الكرامات أمورًا كثيرة، اخترعوها وافتروها، وخدعوا بها العوام والسُّذَّج من الناس، وأوهموهم بأنها من الكرامات وليست إلا قسمًا من الخرافات والشعوذات، وأهل السُّنَّة والجماعة أبعد

стр. 178

الناس عن التصديق بالخرافات والأكاذيب المفتراة، وأعرف بالطرق التي يتبيَّن بها كذب الكاذبين وافتراء المفترين" (١). والسحر كلُّه حرام، وهو من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله وعدَّه الرسول ﷺ من السبع الموبقات، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (٢). ومن السحر، ما يؤثِّر في جسم المسحور فيقتل أو يمرض فيفرِّق بين المرء وزوجه وبين الأحبَّة، وكلُّ ذلك بقضاء الله وقدره، ومنه ما هو تخييلي وليس له حقيقة وهو ما يُسمَّى بالسحر التخييلي، بحيث يظهر الأشياء أمام الناظر على غير حقيقتها، كما قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٣). والتصديق به ذنبٌ عظيم، وجرمٌ كبير، ولا يجوز للمسلم أن يستعمله، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤) (٥). ٣ - تفسيره الآيات عن طريق الحكايات قال ابن عجيبة في قول الله : ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٦)، "وقد

стр. 179

سمعت حكاية أخرى، فيها عبرة، وذلك أنَّ رجلًا سمع قارئًا يقرأ هذه الآية فدخل بيته ولزم زاوية منه يذكر فيها، ويتبتل فجاءت امرأته تنقم عليه وتأمره بالخدمة، فقال لها: قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ فلما آيست منه ذهبت تحفر شيئًا، فوجدت آنية مملوءة دنانير، فجاءت إليه، وقالت: قد أتانا رزقنا، قم تحفره معي، هو في موضع كذا، فقال: إنما قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ﴾، ولم يقل في الأرض، فامتنع فذهبت إلى أخٍ لها تستعين به، فلما فتحتها وجدتها مملؤة عقارب، فقالت: والله لأطرحنها عليه لنستريح منه، ففتحت كوة من السقف، وطرحتها عليه فسقطت دنانير، فقال: الآن نعم، قد أتاني من حيث قال ربي: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ " (١). وهذا التفسير المغلوط للآية أورث المتصوفة البطالة، ونفي الأسباب كما مرَّ معنا، وهو مخالف لما عليه المفسِّرون، قال الشيخ السعدي في تفسيره: "أي مادة رزقكم، من الأمطار، وصنوف الأقدار، الرزق الديني والدنيوي، وَمَا تُوعَدُونَ من الجزاء في الدنيا والآخرة، فإنه ينزل من عند الله، كسائر الأقدار (٢). ٤ - الحث على تعذيب النفس لتربيتها قال ابن عجيبة: إن بعض الطلبة كان ساكنًا في مدرسة بفاس، فخرجت امرأة ومعها بنتها ... فرأت البنت بابًا خلفه ضوء فأتت إليه، فوجدت فيه رجلًا ينظر في كتاب، فقالت: إن لم يكن الخير عند هذا فلا يكون عند أحد، فقرعت الباب فخرج الرجل فذكرت له قصتها، وأنها خافت على نفسها، فأدخلها منزله، وجعل بينه وبينها حصيرًا، وبقي ينظر في كتابه، وزين له الشيطان أن يعمل بها عمل سوء،

стр. 180

ولكن الله حفظه ببركة العلم، فأخذ المصباح، وجعل يحْرِقُ أصابعه واحدًا بعد واحد حتى أحرقها، والبنت تنظر إليه وتتعجَّب، ثم خرج ينظر إلى الليل فوجده ما زال، فأحرق أصابع اليد الأخرى، ولما أفل الليل وجاء الصباح خرجت سالمة ... وذكرت البنت تلك القصة لأبيها، فأتى أبوها إلى مجلس العلم، وذكر القصة للشيخ، فقال للحاضرين: أخرجوا أيديكم وأمِّنوا على دعائي لهذا الرجل، فأخرجوا أيديهم، وبقي رجل، فعلم الشيخ أنه صاحب القضية (١). وهذه الحكاية التي ذكرها ابن عجيبة من الحكايات التي ذكرها الصوفية في تربية المريدين على المجاهدة وتعذيب النفس اشتملت على مخالفات شرعية، وأمور باطلة، وهي: أ اعتبار هذه الحكاية من الجهاد الأكبر الذي هو جهاد النفس عند المتصوفة، وتفضيله على مجاهدة السيف، وبه يحصل التجلِّي فهو يقول: "وإذ تهذبت وكملت رياضتها، فالواجب اتباع ما يتجلَّى فيها إذ لا يتجلَّى فيها إلا الحق، وهذا هو ثمرة الجهاد الأكبر، وأمَّا الجهاد الأصغر الذي هو جهاد السيف فلا يحصل شيءٌ من هذا، فلذلك كان مفضولًا عند الجهاد الأكبر" (٢). ب الخلوة المحرمة. لقد جاء الشرع ببيان أسباب الفتن والتحذير منها وسد الذرائع المؤدية إليها، ففتنة النساء من أعظم الفتن التي تُبتلى بها الأمم، والنبي ﷺ حذرنا منها، وتأمَّل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة:

стр. 181

عن أسامة بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما تركتُ بعدي فتنةً أضر على الرجال من النساء» (١). يقول الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث أنَّ الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد له قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢). فجعلهن من حبِّ الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك" (٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «إنَّ الدنيا حلوة خضرة وإنَّ الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإنَّ أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» (٤). وما أيس الشيطان من شيءٍ إلا أتاه من قبل النساء، وقد كان السلف الصالح أشدَّ إيمانًا وأكثر عملًا ومع هذا فإنهم لا يأمنون على أنفسهم فتنة النساء. وعن ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم ... » (٥). ج- المجاهدة عند الصوفية؛ لحصول الشيخ على تقديس الناس له وظهور الكرامات (٦)، وحصوله للعلم بغير تعلم، قال ابن عجيبة: "عداوة النفس تمكنك من

стр. 182

نواصي الخلق، أنت تزيد عداوة لنفسك والخلق يزيد إقبالًا عليك" (١)، وقال في موضع آخر: "ومن مجاهدة النفس تظهر الكرامات المعنوية من فهم العلوم واتساع الفهوم، وتحقيق اليقين، وشهود رب العالمين، وتسخير النفوس، وقهرها وظهور الجلالة والمهابة إلى الخلق" (٢). د- لا شك أن هذه الحكايات وكثرتها تضليل لأتباعهم، والجهلة من الناس. هـ- يزعم بعض الصوفية أنَّ المجاهدة سبب للوصول لعقيدة وحدة الوجود الباطلة، قال ابن عجيبة "إن الإنسان إذا جال في ميدانها، فجاهدها حتى هذَّبها، وطهَّرها من الأوصاف الحاجبة لها، رجعت نفسه حينئذ إلى أصلها، وهي الحضرة التي كانت فيها، إذا لم تكن بينها وبين الحضرة إلا الحجب الظلمانية، فلما تخلَّصت منها رجعت إلى أصلها، نورًا مشرقًا في قالب ظلماني، فصارت عنده ياقوتة مكنونة، تُطوى عليها أصداف المكنونات" (٣). و- التخلُّق بصفات الله -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا-، قال ابن عجيبة: "فحينئذٍ يستر الحق تعالى وصفك الذي هو وصف العبودية بوصفه الذي هو وصف الحرية، فتتحسَّن أوصاف البشرية بظهور أوصاف الروحانية، ويعطى أيضًا نعتك الذي هو الحدوث بنعته الذي هو القدم، أو غطى نعتك الذي هو العدم بنعته الذي هو الوجود" (٤)، وهذا من أقبح الباطل، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ

стр. 183

الْبَصِيرُ﴾ (١) "وقد نَزَّه الله نفسه عن صفات المخلوقين" (٢) , وقال ابن تيمية: "إنَّ أهل السُّنَّة متفقون على أنَّ الله ليس كمثله شيءٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله" (٣)، وعبارة التخلُّق عبارة شنيعة منتزعة من قول الفلاسفة بالتشبه بالإله على قدر الطاقة، وهي التشبه (٤). أمَّا أهل السُّنَّة والجماعة عرفوا طريق الحق فالتزموه ولم يحرقوا أصبعًا أو يقتلوا نفسًا بغير حق، بل غاية مرادهم تحقيق العبودية بتزكية أنفسهم، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٥)، قال ابن تيمية: "وإنما دين الحق هو تحقيق العبودية لله بكلِّ وجه وهو تحقيق محبة الله بكل درجة وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه وتكمل محبة الرب لعبده وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا؛ وكلما كان في القلب حبٌّ لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك وكلَّما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حبٌّ لغير الله بحسب ذلك، وكلُّ محبَّةٍ لا تكون لله فهي باطلة، وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله، ولا يكون لله إلا ما أحبَّه الله ورسوله وهو المشروع، فكلُّ عمل أريد به غير الله لم يكن لله، وكلُّ عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن يكون لله وأن يكون موافقًا لمحبة الله ورسوله وهو الواجب والمستحب" (٦).

стр. 184

والملاحظ هو توسُّع المتصوفة في مفهوم المجاهدة، حتى خرجوا عن الشرع في التعبد، قال ابن تيمية: "ومن عظَّم مطلق السهر والجوع وأمر بهما مطلقًا فهو مخطئ بل المحمود السهر الشرعي والجوع الشرعي، فالسهر الشرعي كما تقدم من صلاة أو ذكر أو قراءة أو كتابة علم أو نظر فيه أو درسه أو غير ذلك من العبادات" (١). ٥ - الحكايات التي يستدل بها على التوكل على الله مع ترك الأخذ بالأسباب. قال ابن عجيبة: "حُكي أنَّ بعض الأولياء ولدت له بنية في آخر عمره وماتت أُمُّها، وحضرته الوفاة فقال له رجلٌ: أوصني عليها أكفلها، قال: لا ولكن إذا نامت فاحملها إلى حرم الله ودعها في الحجر، وامض ودعها في كفالة الله، فلما مات فعل الرجل ذلك وصار يرقبها على بعد، فرأتها أم الخليفة وهي تطوف، فأمرت بحملها لها، فتبنَّتها وربَّتها حتى بلغت وزوجتها لابن الوزير، وأصدقتها عشرين ألف دينار، فانظر حال من توكَّل على كفالة مولاه، وآوى إلى حصن رعايته وحماه" (٢). ونفي الأسباب في التوكل خلاف ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة، والتوكل الصحيح لا ينافي الأخذ بالأسباب، التي دلَّ عليها، الكتاب والسُّنَّة بل هي من مقتضيات التوكل، قال الطرطوشي ﵀: "والتوكُّل والكسب لا يتضادان ... ؛ لأن، التوكل محله القلب، والكسب محله الجوارح، ولا يتضاد شيئان في محلين بعدما يتحقق العبد أنَّ المقدور من الله تعالى، فإن تعسَّر شيءٌ فبتقديره وإن اتفق فبتيسيره" (٣).

стр. 185

وأهل السُّنَّة والجماعة يتوكلون على الله مع بذل الأسباب، ولا يعلِّقون القلب بها، قال ابن القيم: "والناس في الأسباب والقوى والطبائع ثلاثة أقسام: منهم: من بالغ في نفيها وإنكارها، فأضحك العقلاء على عقله، وزعم أنه بذلك ينصر الشرع، فجنى على العقل والشرع، وسلَّط خصمه عليه. ومنهم: من ربط العالم العلوي والسفلي بها بدون ارتباطها بمشيئة فاعل مختار، ومدبّر لها يصرفها كيف أراد، فيسلب قوة هذا ويقيم لقوة هذا قوة تعارضه، ويكف قوة هذا عن التأثير مع بقائها، ويتصرَّف فيها كما يشاء ويختار. وهذان طرفان جائران عن الصواب. ومنهم: من أثبتها خلقًا وأمرًا، قدرًا وشرعًا، وأنزلها بالمحل الذي أنزلها الله به، من كونها تحت تدبيره ومشيئته، وهي طوع المشيئة والإرادة، ومحل جريان حكمها عليها، فيقوي سبحانه بعضها ببعض، ويبطل -إن شاء- بعضها ببعض، ويسلب بعضها قوته وسببيته، ويعريها منها، ويمنعه من موجبها مع بقائها عليه، ليعلم خلقه أنه الفعَّال لما يريد، وأنه لا مستقل بالفعل والتأثير غير مشيئته، وأنَّ التعلق بالسبب دونه كالتعلق ببيت العنكبوت، مع كونه سببًا. وهذا بابٌ عظيمٌ نافع في التوحيد، وإثبات الحكم، يوجب للعبد -إذا تبصر فيه- الصعود من الأسباب إلى مسببها، والتعلق به دونها، وأنها لا تضر ولا تنفع إلا بإذنه، وأنه إذا شاء جعل نافعها ضارًّا وضارها نافعًا، ودواءها داءً وداءها دواء، فالالتفات إليها بالكلية شركٌ منافٍ للتوحيد، وإنكار أن تكون أسبابًا بالكلية قدحٌ في الشرع والحكمة، والإعراض عنها -مع العلم بكونها أسبابًا- نقصان في العقل، وتنزيلها منازلها، ومدافعة بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، وشهود الجمع

стр. 186

في تفرقها، والقيام بها هو محض العبودية والمعرفة، وإثبات التوحيد والشرع والقدر والحكمة" (١). والسبب مقطوع به فمن أكل ليتغذى، أو شرب للري، أو لبس الدرع ليتحصن من العدو، لا يعتبر قدحًا في التوكل، بل أخذنا بالأسباب مأمورين به شرعًا، فنحن نتعبد الله بفعل السبب كما نتعبده بالتوكل (٢). قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣). قال الشيخ السعدي في هذه الآية: "دلَّ هذا على وجوب التوكُّل، وعلى أنه بحسب إيمان العبد يكون توكله" (٤). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٥). قال ابن تيمية: "فمدحوه سبحانه بأنه نعم الوكيل لما توكلوا عليه بقولهم (حسبنا الله)، أي كافينا الله لا يستحق المدح إن لم يجلب لمن توكل عليه منفعة ويدفع عنه مضرَّة، والله خير من توكل العباد عليه فهو نعم الوكيل يجلب لهم كل خير ويدفع عنهم كل شر" (٦).

стр. 187

وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وقال أيضًا أثناء بيانه لإزالة إشكال من استشكل فهمه لهذه الآية: "أي الله كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين فلو كانت كفايته للمؤمنين المتبعين للرسول ﷺ سواء اتبعوه أو لم يتبعوه لم يكن للإيمان واتباع الرسول ثمة أثر في هذه الكفاية، ولا كان لتخصصهم بذلك معنى وكان هذا نظير أن يقال هو: خالقك وخالق من اتبعك من المؤمنين ومعلوم أنَّ المراد خلاف ذلك، وإذا كان الحسب معنى يختص به بعض الناس علم أنَّ قول المتوكِّل حسبي الله وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٢) أمرٌ مختصٌّ لا مشترك وأنَّ التوكل سبب ذلك الاختصاص والله تعالى إذا وعد على العمل بوعد أو خص أهله بكرامة فلا بدَّ أن يكون بين وجود ذلك العمل وعدمه فرق في حصول تلك الكرامة، وإن كان قد يحصل نظيرها بسبب آخر، فقد يكفي الله بعض من لم يتوكل عليه كالأطفال لكن لا بدَّ أن يكون للمتوكل أثر في حصول الكفاية الحاصلة للمتوكلين فلا يكون ما يحصل من الكفاية بالتوكل حاصلًا مطلقًا وإن عدم التوكل، وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٣) فمعقب هذا الجزاء والحكم لذلك الوصف والعمل بحرف الفاء وهي تفيد السبب فدلَّ ذلك على أنَّ ذلك التوكل هو سبب هذا الانقلاب بنعمة من الله وفضل، وأن هذا الجزاء جزاء على ذلك العمل" (٤).

стр. 188

المبحث الخامس: دعوى التلقي عن الخضر ﵇ - للخضر ﵇ مكانة كبيرة عند الصوفية، ويسعى بعضهم أن يلتقي به ويأخذ عنه العلوم الباطنة، إذ هي المقدمة عندهم، بل اعتقدوا أن تلقي العلم عن الخضر لا يقبل الشك ولا الخطأ، ولم يسلم ابن عجيبة من التأثر بمعتقدات الصوفية في الخضر ومما يوضح ذلك آراؤه فيه. أولًا: رأي ابن عجيبة في الخضر ﵇ أنبيٌّ هو أم ولي قال في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (١) هي الوحي والنبوة، كما يُشعر به تنكير الرحمة، وإضافتها إلى جناب الكبرياء، وقيل: هي سرُّ الخصوصية، وهي الولاية، فالخضر ﵇ قيل: إنه نبيٌّ بدليل قوله في قول الله : ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (٢) وقيل: وَلِيٌّ (٣). وعند تأمُّل ما ذكره ابن عجيبة نجد أنه لم يجزم في حال الخضر ﵇ أنبيٌّ هو أم ولي، وجمهور العلماء على أنه نبيٌّ مرسلٌ من الله . قال الثعلبي (٤): "هو نبيٌّ في جميع الأقوال" (٥).

стр. 189

وقال القرطبي (١): "والخضر نبيٌّ عند الجمهور" (٢). وقال أبو حيان (٣): "والجمهور على أنه نبيٌّ" (٤). وقال ابن حجر: " غالب أخباره مع موسى ﵇ هي الدالة على تصحيح قول من قال: إنه كان نبيًّا" (٥). والقول بعدم نبوته بنى عليه المتبعون له أمورًا مخالفة لما عليه أهل العلم المحققين، وهي: ١ - أفضلية الوليِّ من النبي (٦). ٢ - استطاعة الولي الاستغناء عن محمَّد ﷺ كما استغنى الخضر ﵇ عن موسى ﵇. ٣ - لخاتم الأولياء طريق إلى الله يستغني به عن خاتم الأنبياء (٧). قال ابن القيم: "فمن ادَّعى أنَّه مع محمد ﷺ كالخضر مع موسى، أو جوَّز ذلك لأحدٍ من الأُمَّة فليجدد إسلامه، وليتشهد شهادة الحق؛ فإنَّه بذلك مفارق

стр. 190

لدين الإسلام بالكلية، فضلًا عن أن يكون من خاصَّة أولياء الله، وإنما هو من أولياء الشيطان وخلفائه ونوَّابه، وهذا الموضع مقطع ومفرق بين زنادقة القوم، وبين أهل الاستقامة منهم، فحرِّكْ تَرَه" (١). ومن أدلتهم على كونه نبيًّا: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (٢). ٢ - قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (٣). قال ابن كثير ﵀: "فلو كان وليًّا وليس بنبيٍّ لم يخاطبه موسى ﵇ بهذه المخاطبة، ولم يرد على موسى ﵇ هذا الرد، بل موسى ﵇ إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله به دونه، فلو كان غير نبيٍّ لم يكن معصومًا، ولم تكن لموسى ﵇ وهو نبيٌّ عظيمٌ ورسولٌ كريمٌ واجبُ العصمة كبيرُ رغبةٍ ولا عظيمُ طَلِبَة في علمِ وليٍّ غيرِ واجب العصمة، ثمَّ لما اجتمع به تواضع له وعظَّمه واتبعه في صورة مستفيد منه، دلَّ على أنَّه نبيٌّ مثلُهُ يُوحى إليه كما يُوحى إليه" (٤).

стр. 191

ثانيًا: زعم ابن عجيبة أنَّ الخضر ﵇ حيٌّ وأنه خاطبه يزعم ابن عجيبة أنَّ الخضر ﵇ حيٌّ قال: "وقال جمهور الأولياء: أنه حي، وقد لقيه كثيرٌ من الصلحاء والأولياء، حتى تواتر عنهم حياته" (١). وأورد قصة لقائه مع الخضر. قال: "وقد التقيت مع الخضر ﵇ في مقصورة جامع الجعيدي أخذتني الغيبة فرأيته رجلًا ضخمًا كبير اللحية فقرَّب مني حتى مسَّ شعر لحيته وجهي، وتكلَّمت معه بكلام غاب عنِّي اليوم لطول العهد به" (٢). ودلَّ على ذلك إقراره للقصة التي نقلها ولم يعلَّق عليها. والقصة عن أحد الصوفية أنه رأى النبي ﷺ في المنام وسلَّم عليه وقال له: "يا رسول الله ﷺ ، إن الخضر أخبرني أنه سمع منك هذا الحديث، فقال ﷺ : صدق الخضر وكل ما يحكيه حق، وهو عالم أهل الأرض، وهو رئيس الأبدال، وهو جنود الله في الأرض" (٣). بل قال ابن عجيبة أثناء ذكره لآداب المريد مع الشيخ: وسلِّم له فيما تراه وإن يكن ... على غيرِ مشروعٍ فثمَّ مخادعُ وفي قصةِ الخضرِ الكريمِ كفايةٌ ... بقتلِ غلامٍ والكليمُ يدافعُ (٤) وهذا قياسٌ مع الفارق، فقتل الغلام دليل على نبوة الخضر ﵇. قال ابن كثير ﵀: "إنَّ الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام وما ذاك إلا للوحي

стр. 192

إليه من الملك العلَّام، وهذا دليلٌ مستقلٌ على نبوته وبرهان ظاهر على عصمته؛ لأن الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرَّد ما يلقى في خلده؛ لأن خاطره ليس بواجب العصمة إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق" (١). وربما تلبَّس الشيطان بشخصية الخضر فظنوا أنه هو قال ابن الجوزي: "وربما ظهر الشَّيْطَان لشخصٍ فكلَّمه، وربما قَالَ بَعْض المتهمين لبعض: أنا الخضر، وأعجب الأشياء أَن يصدق القائل أنا الخضر وليس لنا فِيهِ علامة نعرفه بها، وَقَدْ جمعت كتابًا سمَّيته (عجالة المنتظر بشرح حال الخضر)، وذكرت فِيهِ هذه الأحاديث والحكايات ونظائرها وبيَّنت خطأها فلم أر الإطالة بِذَلِكَ هاهنا" (٢). وأما دعوى ابن عجيبة أنه التقى مع الخضر، وأنه حيٌّ فدعوى لا مستند لها من الصحة بل مصادمة للنصوص الواضحة في موت الخضر، ثم يقال لابن عجيبة ما الفائدة التي عادت عليك بهذا الوهم، هل اتبعت شرع النبي محمد ﷺ ولم تخرج عن أوامره ونهيه وحاربت البدع والترهات الصوفية؟؛ لأن الخضر لوكان حيًّا لما وسعه أن يخرج عن شريعة النبي ﷺ قال ابن تيمية ﵀: "وكثير من الناس رأى من قال إني أنا الخضر وإنما كان جنيًّا، ثم صار من الناس من يكذب بهذه الحكايات إنكارًا لموت الخضر، والذين قد عرفوا صدقها يقطعون بحياة الخضر، وكلا الطائفتين مخطئٌ فإن الذين رأوا من قال إني أنا الخضر هم كثيرون صادقون والحكايات متواترات؛ لكن أخطئوا في ظنهم أنه الخضر وإنما كان جنيًّا" (٣). وقال أيضًا: "كلُّ من ادعى أنه رأى الخضر، أو رأى من رأى الخضر أو سمع

стр. 193

شخصًا رأى الخضر أو ظنَّ الرائي أنه الخضر، أن كل ذلك لا يجوز إلا على الجهلة المخرفين الذين لا حظ لهم من علم، ولا عقل، ولا دين بل هم من الذين لا يفقهون ولا يعقلون" (١). وما زعمه ابن عجيبة بأنَّ الخضر سلَّم عليه، فهذا خطأ، قال ابن كثير ﵀: "وهم يذكرون الله في حكاياتهم، وما يستندونه عن بعض مشايخهم أنَّ الخضر يأتي إليهم، ويسلِّم عليهم، ويعرف أسماءهم ومنازلهم ومحالهم، وهو مع هذا لا يعرف موسى بن عمران ﵇ كليم الله الذي اصطفاه الله في ذلك الزمان على من سواه، حتى يتعرَّف إليه بأنَّه موسى بني إسرائيل" (٢). و الأدلة النقلية والعقلية كافية برد شبهات القائلين بحياة الخضر ﵇ -: أولًا: الأدلة النقلية قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (٣). قال ابن كثير: "فالخضر إن كان بشرًا فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل، والأصل عدمه حتى يثبت، ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله" (٤). وقال الشنقيطي (٥): "الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة أنَّ

стр. 194

الخضر ليس بحيٍّ بل تُوفي، وذلك لعدة أدلة أمور: فقوله (لبشر) نكرة في سياق النفي فهي تعمُّ كلَّ بشر، فيلزم من ذلك نفي الخلد عن كل بشر من قبله، والخضر بشرٌ من قبله، فلو كان شرب من عين الحياة وصار حيًّا خالدًا إلى يوم القيامة لكان الله قد جعل لذلك البشر الذي هو الخضر من قبله الخلد" (١). وقال تعالي: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢). يقول ابن كثير ﵀: "فالخضر إن كان نبيًّا أو وليًّا فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حيًّا في زمن رسول الله ﷺ لكان أشرف أحواله، أن يكون بين يديه، يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحدٌ من الأعداء إليه ... وهذا عيسى ابن مريم ﵇ إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة لا يخرج منها" (٣). وقال ابن تيمية ﵀: "والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان موجودًا في زمن النبي ﷺ لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله ﷻ ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكون في مكة والمدينة، ولكان يكون حضوره مع الصحابة ﵃ للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره

стр. 195

عند قوم كُفَّار ليرقع لهم سفينتهم، ولم يكن مختفيًا عن خير أُمَّة أخرجت للناس وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم ... وإذا كان الخضر حيًا دائمًا فكيف لم يذكر النبي ﷺ ذلك قط ولا أخبر به أمته، ولا خلفاؤه الراشدون؟! " (١). دلالة السُّنَّة على موته: عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» (٢). قال الشيخ الشنقيطي ﵀: "ومحلُّ الشاهد منه قوله ﷺ : «لا تعبد في الأرض» فعل في سياق النفي فهو بمعنى: لا تقع عبادة لك في الأرض; لأن الفعل ينحلُّ عن مصدر وزمن عند النحويين، وعن مصدر ونسبة وزمن عند كثير من البلاغيين، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، فيتسلَّط عليه النفي فيؤول إلى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم ... ثم قال: "فإذا علمت أنَّ معنى قوله ﷺ : «إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض» أي لا تقع عبادة لك في الأرض، فاعلم أن ذلك النفي يشمل بعمومه وجود الخضر حيًّا في الأرض؛ لأنه على تقدير وجوده حيًّا في الأرض فإن الله يعبد في الأرض، ولو على فرض هلاك تلك العصابة من أهل الإسلام؛ لأن الخضر مادام حيًّا فهو يعبد الله في الأرض" (٣).

стр. 196

ثانيًا: الأدلة العقلية على موت الخضر ﵇ - ذكر ابن القيم جملة من هذه الأدلة فقال: "أمَّا الدليل المعقول من موت الخضر ﵇ فمن عشرة أوجه: منها: أحدها: أنَّ الذي أثبت حياته يقول إنه ولد آدم لصلبه وهذا فاسد لوجهين: أحدهما: أن يكون عمره الآن ستة آلاف سنة ... ومثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق البشر. والثاني: أنه لو كان ولده لصلبه أو الرابع من ولد ولده كما زعموا، وأنه كان وزير ذي القرنين فإن تلك الخلقة ليست على خلقتنا بل مفرط في الطول والعرض، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «خلق الله آدم طوله ستون ذراعًا فلم يزل الخلق ينقص بعد» (١). الوجه الثالث: أنه لو كان الخضر قبل نوح لركب معه في السفينة ولم ينقل هذا أحد. الوجه الرابع: أنه قد اتفق العلماء أن نوحًا لما نزل من السفينة مات من كان معه ثم مات نسلهم ولم يبق غير نسل نوح، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (٢)، وهذا يبطل قول من قال: إنه كان قبل نوح. والوجه الخامس: أنَّ هذا لو كان صحيحًا أنَّ بشرًا من بني آدم يعيش من حين يولد إلى آخر الدهر ومولده قبل نوح لكان هذا من أعظم الآيات والعجائب وكان خبره في القرآن مذكورًا في غير موضع؛ لأنه من أعظم آيات الربوبية، وقد ذكر

стр. 197

الله من أحياه ألف سنة إلا خمسين عامًا وجعله آيةً فكيف بمن أحياه إلى آخر الدهر، ولهذا قال بعض أهل العلم: ما ألقى هذا بين الناس إلا شيطان. الوجه السادس: أنَّ القول بحياة الخضر قول على الله بلا علم وذلك حرامٌ بنصِّ القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١). أما المقدمة الثانية فظاهره، وأما الأولى فإنَّ حياته لو كانت ثابتة لدلَّ عليها القرآن أو السُّنَّة أو إجماع الأُمَّة فهذا كتاب الله تعالى فأين فيه حياة الخضر وهذه سُنَّة رسول الله ﷺ فأين فيها ما يدلُّ على ذلك بوجه، وهؤلاء علماء الأمة هل أجمعوا على حياته؟. الوجه السابع: أنه لو كان حيًّا لكان جهاده الكفار ورباطه في سبيل الله ومقامه في الصف ساعة وحضوره الجمعة والجماعة، وتعليمه العلم أفضل له بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار والفلوات، وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه والعيب له" (٢). الوجه الثامن: أن الأمة مجمعة على أن الذي يقول: أنا الخضر، لو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: كذا وكذا، لم يلتفت إلى قوله ولم يحتج به في الدين إلا أن يقال إنه لم يأت إلى رسول الله ﷺ ولا بايعه، أو يقول هذا الجاهل إنه لم يرسل إليه وفي هذا من الكفر ما فيه. والقول الحق الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة وسلف الأُمَّة بأنَّ الخضر نبيٌّ مرسلٌ من الله ومات كما يموت بني آدم.

стр. 198

الباب الثاني: آراء ابن عجيبة في أصول الإيمان ومسائله وفيه سبعة فصول: الفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالله الفصل الثاني: آراؤه في الإيمان بالملائكة الفصل الثالث: آراؤه في الإيمان بالكتب الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان بالرسل والأنبياء الفصل الخامس: آراؤه في الإيمان باليوم الآخر الفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالقدر الفصل السابع: آراؤه في مسائل الإيمان

стр. 199

الفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالله وفيه ثلاث مباحث: المبحث الأول: مسائل الربوبية المبحث الثاني: مسائل الأسماء والصفات المبحث الثالث: مسائل الألوهية

стр. 200

المبحث الأول: مسائل الربوبية أولًا: تعريف التوحيد في اللغة قال الخليل الفراهيدي: "الوَحَدُ: المُنْفَرِدُـ رجلٌ وَحَدٌ، وثورٌ وَحَدٌ، وتفسير الرُّجلِ الوَحِد: الذي لا يُعْرَفُ له أَصْلٌ، ... ووَحَدَ الشَّيْءُ فهو يحد حدة، وكل شيءٍ على حدة بائن من آخر, يقال: ذلك على حدته وهما على حدتهما، وهم على حدتهم، والرَّجل الوحيد ذو الوحدة، وهو المنفرد لا أنيس معه، وقد وحد يوحد وحادة ووحدة ووحدًا، والتوحيد: الإيمان بالله وحده لا شريك له، والله الواحد الأحد ذو التوحُّد والوحدانية" (١). قال ابن فارس: "الواو، والحاء والدال أصلٌ واحدٌ يدلُّ على الانفراد، من ذلك: الوحدة، وهو واحد في قبيلته، إذ لم يكن فيهم مثله ... ولقيت القوم موحد، ولقيته وحده، ولا يضاف إلا في قولهم: نسيج وحده، وعيير وحده، وجحيش وحده، ونسيج وحده، أي: لا ينسج غيره لنفاسته، وهو مثل، والواحد: المنفرد" (٢). ثانيًا: تعريف التوحيد اصطلاحًا قال الطحاوي (٣): "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره" (٤).

стр. 201

والقرآن كلُّه توحيد من فاتحته إلى خاتمته، قال ابن القيم: "كل سورة في القرآن فهي متضمِّنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولًا كليًّا: إنَّ كل آية في القرآن فهي متضمِّنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإنَّ القرآن: إمَّا خبرٌ عن الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإمَّا أمرٌ ونهي، وإلزامٌ بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبرٌ عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبرٌ عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحلُّ بهم في العقبى من العذاب، فهو خبرٌ عمَّن خرج عن حكم التوحيد" (١). ثالثًا: تعريف توحيد الربوبية في اللغة والاصطلاح مصدر ربَّ يرُبُّ ربابةً ورُبُوبية (٢)، قال ابن فارس: "الراء والباء يدل على أصول: فالأول: إصلاحُ الشِّيء والقيام عليه ... , الآخر: لزوم الشَّيء والإقامة عليه ... , الثالث: ضمُّ الشَّيء للشَّيء, ومتى أمعن النظر كان الباب كله قياسًا واحدًا" (٣). والرَّبُّ يطلق في اللغة على: "المالك، والسيِّد، والمدبِّر، والمربِّي، والقيِّم، والمنعم" (٤). ويطلق الرَّبُّ في الشرع ويراد به عين معناه في اللغة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الرَّبُّ- سبحانه: هو المالك، المدبِّر، المعطي،

стр. 202

المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع، المعز، المذل" (١). وقال ابن القيم: "الرَّب: هو السيِّد، والمالك، والمنعم، والمربِّي، والمصلح، والله هو الرَّب بهذه الاعتبارات كلها" (٢). تعريف توحيد الربوبية في الاصطلاح: قال شيخ الإسلام: "هو الإقرار بأنَّ الله خالق كل شيءٍ وربه" (٣)، وقال أيضًا: "فتوحيد الربوبية: أنه لا خالق إلا الله، فلا يستقل شيءٌ سواه بإحداث أمرٍ من الأمور، بل ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن" (٤). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (٥): "هو الإقرار بأنَّ الله تعالى ربُّ كل شيءٍ ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في الإيمان والقدر" (٦).

стр. 203

رابعًا: تعريف ابن عجيبة لتوحيد الربوبية لغة قال ابن عجيبة: " (رب) مصدر بمعنى التربية، وهو تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا، ثم وصف به للمبالغة كالصوم والعدل، وقيل هو وصف من ربَّه يربُّه، وأصله: ربَبَ، ثم ادغم، سُمِّي به المالك؛ لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه" (١). خامسًا: تعريف التوحيد اصطلاحًا قال ابن عجيبة: "الحقُّ واحد في ذاته وفي صفاته، وفي أفعاله فلا شيءَ قبله ولا شيءَ بعده ولا شيءَ معه" (٢). وعرَّفه بقوله: "إفراد الحق بالوجود في الأزل والأبد" (٣). وقال أيضًا: "نهاية توحيد الواصلين من العارفين والمريدين السائرين: توحيد الذات، فلا يشهدون إلا الله، ولا يرون معه سواه" (٤). بل ذهب إلى أبعد من هذا حين قال في موضع آخر: "كلُّ ما يدلُّ على التوحيد من الألفاظ يكفي في الدخول في الإسلام" (٥). وهذه التعاريف التي أوردها ابن عجيبة للتوحيد قد اشتملت على مخالفات عقدية وهي: ١ - أنه في التعريفات السابقة لا يقرر إلا توحيد الربوبية فقط وأخرج منه التوحيد الذي بعث به الرُّسل ﵈ وخلق الخليقة من أجله ألا وهو توحيد الألوهية.

стр. 204

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على من سلك هذا المسلك أنهم "ظنُّوا أنَّ التوحيد ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية، وأنَّ الله خلق كل شيء، وهو الذي يسمونه توحيد الأفعال" (١). ٢ - أنه جعل توحيد الربوبية هو الغاية، إذ فسَّر معنى لا إله إلا الله بـ "لا موجود إلا الله" (٢)، وهذا التفسير باطل، ومعلوم أنَّ كفَّار قريش يقرون بتوحيد الربوبية، وقد يقول قائل: هذا تفسير ابن عجيبة بين أيدينا وكتبه تحثُّ على العبادة والطاعة لله، فكيف لا يعرف من التوحيد سوى توحيد الربوبية، فيجاب عليه أنه يرى توحيد الألوهية من عموم الدين الإسلامي، لكنه لا يرى أنه من حقيقة التوحيد الذي يقع في الشرك مخالفُه، بدليل قوله: كل لفظ من التوحيد يكفي في الدخول في الإسلام، قال ابن تيمية: "وإذا تبيَّن أنَّ غاية ما يقرره هؤلاء النظَّار، أهل الإثبات للقدر المنتسبون إلى السُّنَّة، إنما هو توحيد الربوبية، وأن الله ربُّ كلِّ شيءٍ ومع هذا فالمشركون كانوا مقرين بذلك مع أنهم مشركون، وكذلك طوائف من أهل التصوف والمنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد وأن يشهد أن الله ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكه وخالقه، لا سيِّما إذا غاب العارف (٣) بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية، بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل فهذا عندهم هو

стр. 205

الغاية التي لا غاية وراءها، ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقرَّ به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلمًا فضلًا عن أن يكون وليًّا لله أو من سادات الأولياء" (١). ومعلوم لدى أهل السُّنَّة والجماعة وفق فهم سلف الأُمَّة أنَّ التوحيد الذي دعت إليه الرُّسل، هو توحيد الألوهية المتضمِّن لتوحيد الربوبية، وأول ما يتعلق القلب بتوحيد الربوبية، ثم يرتقي إلى توحيد الألوهية. ٣ - اشتماله على العبارات المجملة التي لا يتصور أكثر الناس مراد أهل الاصطلاح منها (٢). ٤ - اشتملت تعاريفه للتوحيد على قول الاتحادية القائلين بأنَّ وجود الخالق هو وجود المخلوق أو قول: الوجود واحد وهو الله ولا أرى الواحد ولا أرى الله، أو لا يشار إليه، وهذه ألفاظ باطلة مخالفة لما عليه السلف الصالح من الرجوع إلى الوحيين، فيما يقولون به عن الله ودينه (٣). ٥ - أنه فسَّر التوحيد بتفسير لم يدل عليه الكتاب والسُّنَّة ولا قاله أحدٌ من سلف الأمة وأئمتها، واتبع المتكلمين الذين يجعلون نفي الصفات أو بعضها من التوحيد (٤) إذ أشهر أنواع التوحيد عندهم هو توحيد الأفعال، ويعني أنَّ خالق العالم واحد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإنَّ عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر: غايتهم أن يجعلوا التوحيد (ثلاثة أنواع)، فيقولون: هو واحد في

стр. 206

ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث وهو "توحيد الأفعال" وهو أنَّ خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها ويظنون أنَّ هذا هو التوحيد المطلوب، وأنَّ هذا هو معنى قولنا (لا إله إلا الله) حتى يجعلوا معنى الإلهية القدرة على الاختراع" (١). ووضح ابن تيمية مقصود الأشاعرة من هذا التقسيم فقال: "وليس مرادهم بأنه لا ينقسم ولا يتبعَّض أنه لا ينفصل بعضه عن بعض، وأنه لا يكون إلهين اثنين، ونحو ذلك مما يقول نحوًا منه النصارى والمشركون، فإن هذا مما لا ينازعهم فيه المسلمون، وهو حقٌّ لا ريب فيه، وكذلك كان علماء السلف ينفون التبعيض عن الله بهذا المعنى، وإنما مرادهم بذلك أنه لا يشهد ولا يرى منه شيءٌ دون شيء، ولا يدرك منه شيءٌ دون شيء، بحيث إنه ليس له في نفس حقيقة عندهم قائمة بنفسها يمكنه هو أن يشير منها إلى شيء دون شيء، أو يرى عباده منها شيئًا دون شيء بحيث إذا تجلَّى لعباده يريهم من نفسه المقدسة ما شاء، فإن ذلك غير ممكن عندهم، ولا يتصور عندهم أن يكون العباد محجوبين عنه بحجاب منفصل عنهم يمنع أبصارهم عن رؤيته، فإن الحجاب لا يحجب ما هو جسم منقسم ولا يتصور عندهم أن الله يكشف عن وجهه الحجاب ليراه المؤمنون، ولا أن يكون على وجهه حجاب أصلًا، ولا أن يكون بحيث يلقاه العبد أو يصل إليه أو يدنو منه أو يقرب إليه في الحقيقة، فهذا ونحوه هو المراد عندهم بكونه لا ينقسم، ويسمون ذلك نفي التجسيم، إذ كل ما ثبت له ذلك كان جسمًا منقسمًا مركَّبًا، والبارئ منزَّه عندهم عن هذه المعاني" (٢).

стр. 207

وعلَّق الدكتور عبد الرحمن المحمود على قول الأشاعرة بقوله: "وجماع المعاني التي قصدوها بقولهم هذا: أنه تعالى عن قولهم ليس قائمًا بنفسه، ولا بائنًا من خلقه ولا على العرش استوى، وأنه لا يُشار إليه في جهة العلو، وهذا ما يعبرون عنه بنفي الجسمية والتحيُّز، والجهة، وكل متحيِّز فهو منقسم، وكل منقسم فهو ليس بأحد، وهكذا صار حقيقة التوحيد والواحد والأحد عند هؤلاء نفي صفات الله الخبرية، ونفي علوه على عرشه" (١). وهذا المفهوم للتوحيد غريب على اللسان العربي، والقرآن نزل بلغة العرب، ولم يرد استخدام الواحد في القرآن والسُّنَّة إلَاّ فيما سمَّاه هؤلاء منقسمًا مثل قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (٥)، فكل ما سمي واحد في هذه الآيات يصح انقسامه؛ لأنه جسم من الأجسام التي يصح انقسامها، وأمَّا السُّنَّة فلقد مرَّ النبي ﷺ بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأمَّا الآخر فكان يمشي بالنميمة" (٦). وإن قال قائل من أهل الكلام: هذا الاستخدام على سبيل المجاز، فيجاب

стр. 208

عليه بأنه باطل؛ لأنه ادعاء لا دليل عليه، كما أنه لا يمكن أن يأتوا بمثال صحيح لاستخدام الواحد في القرآن والسُّنَّة واللغة بأنه الذي لا ينقسم، فإن لفظ الواحد وما يتصرف منه لا يطلق في لغة العرب وغيرهم من الأمم إلا على ما يسميه أهل الكلام منقسمًا فهل يصح أن لا يوجد مثال لما سموه حقيقة؟ وهل أصبحت كل الأمثلة مجازًا؟، والحقيقة أن ما عرَّف به أهل الكلام الواحد هو شيء لا يتصوره ولا يعقله الناس، فإنهم لا يعلمون وجوده حتى يعبروا عنه (١). وهذا الدليل قد يقلب عليهم قال ابن تيمية: "إذا قال قائل: دلالة القرآن على نقيض مطلوبهم أظهر، كان قد قال الحق، فإن القرآن نزل بلغة العرب، وهم لا يعرفون الواحد في الأعيان إلا ما كان متصفًا بالصفات، مباينًا لغيره، مشارًا إليه، وما لم يكن مشارًا إليه أصلًا، ولا مباينًا لغيره، ولا مداخلًا له، فالعرب لا تسميه واحدًا، ولا أحدًا بل ولا تعرفه، فيكون الاسم الواحد والأحد دلَّ على نقيض مطلوبهم منه لا على مطلوبهم" (٢). وحتى لا يكون الكلام جزافًا من غير دليل فإنَّ ابن عجيبة يعتقد عقيدة الأشاعرة في تعريفه للتوحيد، فلقد ورد في كتاب جوهرة التوحيد (٣) شرحٌ لهذه الأقسام وهي "الوحدانية الشاملة لوحدانية الذات، ووحدانية الصفات، ووحدانية الأفعال تنفي كمومًا (٤) خمسة:

стр. 209

- الكم المتصل في الذات وهو تركُّبها من أجزاء. - الكم المنفصل فيها وهو تعددها بحيث يكون هناك إله ثان فأكثر وهذان الكمان منفيان بوحدة الذات. - والكم المتصل في الصفات وهو التعدد في صفاته تعالى من جنس واحد كقدرتين فأكثر، وبُحث في هذا بأنَّ الكم المتصل مداره على شيءٍ ذي أجزاء ولا كذلك الصفات، ويجاب: بأنهم نزَّلوا كونها قائمة بذات واحدة منزلة من التركيب. - والكم المنفصل في الصفات وهو أن يكون لغير الله صفة تشبه صفته تعالى، وكأن يكون لزيد قدرة بها ويعدم بها كقدرته تعالى، أو إرادة تخصص الشيء ببعض الممكنات، أو علم محيط بجميع الأشياء، وهذان الكمان منفيان بوحدانية الصفات. - والكم المنفصل في الأفعال وهو أن يكون لغير الله فعل من الأفعال على وجه الإيجاد، وإنما ينسب الفعل على وجه الكسب (١) والاختيار، وهذا الكم منفيٌّ بوحدانية الأفعال، وفي ذلك ردٌّ على المعتزلة (٢) القائلين بأنَّ العبد يخلق أفعال نفسه

стр. 210

الاختيارية، وإنما لم يكفروا بذلك لاعترافهم بأنَّ أقدارهم عليها من الله تعالى، وأما الكم المتصل في الأفعال فإن صورناه بتعدد الأفعال فهو ثابت لا يصح نفيه؛ لأن أفعاله كثيرة من خلق، ورزق، وإحياء، وإماتة إلى غير ذلك، وإن صورناه بمشاركة غير الله في فعل من الأفعال فهو منفيٌّ بوحدانية الأفعال" (١). ٦ - قول ابن عجيبة كل ما يدل على التوحيد من الألفاظ يكفي في الدخول في الإسلام مخالف للنصوص الشرعية التي أبانت كيفية الدخول في الإسلام، فلقد قال رسول الله ﷺ لمعاذ ﵁ لما بعثه إلى اليمن: «إنَّك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله» (٢)، فهذا تصريحٌ بلفظ التوحيد في قوله: "أن يوحِّدوا" فأين ابن عجيبة من هذا؟. وأجمع السلف على أنَّ أول أمر يؤمر به العبد أن يوحد الله وينطق بالشهادتين قال ابن تيمية: "إنَّ السلف والأئمة متفقون على أنَّ أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أنَّ من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عند البلوغ" (٣). وقال أبوسعيد الدارمي (٤): "وتفسير التوحيد عند الأُمَّة وصوابه: "قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له" (٥).

стр. 211

وقال الشوكاني: "وليس مجرَّد قول لا إله إلا الله مثبتًا للإسلام؛ فإنه لو قالها أحدٌ من أهل الجاهلية وعكف على صنمه يعبده لم يكن ذلك إسلامًا" (١). "وينبغي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية، ويعرف ما كان يفعله الصحابة ﵃ والتابعون، وما قاله أئمة المسلمين ليعرف المجمع عليه من المتنازع فيه" (٢). سادسًا: تقسيم التوحيد عند ابن عجيبة قسَّم ابن عجيبة التوحيد إلى ثلاثة أقسام، فقال: "اعلم أنَّ توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات: الأولى: توحيد العامَّة: وهو الذي يعصم النفس والمال، وينجو به من الخلود في النار، وهو نفي الشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد. الثانية: توحيد الخاصَّة: وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده، ويشاهد ذلك بطريقة الكشف لا بطريق الاستدلال. الثالثة: ألا يرى في الوجود إلا الله، ولا يشهد معه سواه، فيغيب عن النظر إلى الأكوان في شهود المكون" (٣). وقال في تفسير سورة الإخلاص: "قد اشتملت هذه السورة على التوحيد الخاص، أعني توحيد أهل العيان، وعلى التوحيد العام، أعني توحيد أهل البرهان، فالتوحيد الخاص له مقامان: مقام الأسرار الجبروتية، ومقام الأنوار الملكوتية، فكلمة

стр. 212

(هو) تسير إلى مقام الأسرار اللطيفة الأصلية الجبروتية، و (الله) يشير إلى مقام الأنوار الكثيفة المتدفِّقة من بحر الجبروت، ووصفه تعالى بالأحدية والصمدية والتنزيه عن الولد والوالد يحتاج إلى استدلالٍ وبرهان، وهو مقام الإيمان، والأول مقام الإحسان" (١). وقال أيضًا عند قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢). التوحيد على قسمين: ١ - توحيد البرهان: وهو إفراد الحق بالصفات والأفعال والذات من طريق البرهان. ٢ - توحيد العيان: وهو إفراد الحق بالوجود في الأزل والأبد (٣). وقصده من المسمَّيات التي أطلقها على أقسام التوحيد قال: "وأما عالم الجبروت فهو البحر اللطيف الفياض الذي يتدفَّق منه أنوار الملكوت، وهو ما لم يقع التجلِّي من الكنز المصون، والسر المكنون" (٤)، وقال أيضًا: "عالم الجمع، وعالم القدرة، وعالم الملكوت، وعالم الأرواح، وعالم الغيب" (٥). وهنا تلحظ تقسيمه للذات الإلهية، إلى الجبروتية، والملكوتية. ثم قال: "والحاصل أنَّ الأشياء كلها قائمة بين ذاتٍ وصفات، بين حسٍّ ومعنى، بين قدرةٍ وحكمة، فستر الحق سبحانه معاني أسرار الذات اللطيفة بظهور الذوات الكثيفة، وستر المعنى اللطيف بالحسِّ الكثيف، وستر القدرة بالحكمة، والكل

стр. 213

من الله، وإلى الله، ولا موجود سواه، وهذه الكثائف الظاهرة هي أرديةٌ وقمصٌ للمعاني اللطيفة" (١). ويقول: "اعلم أن الله تعالى كان كنزًا مخفيًّا، لطيفًا أزليًّا، لم يعرفه أحد، فلما أراد أن يعرف تجلّى بتجليات من ذلك الكنز، كثَّفها وأظهرها بمقتضى اسمه الظاهر، ثم أبطنها بمقتضى اسمه الباطن، فصارت ظاهرة باطنة، أبطنها بما أظهر عليها من أحكام العبودية، وأوصاف البشرية، ونعوت الحدثية من حسن التكوين والتشكيل والتغيير والتحيُّز، ولا حادث في الحقيقة، إنما تجدد لها التجلِّي والظهور، فبطنت بعد ظهورها، فمن نظر لأصلها وغاب عن حسِّها لم ينحجب بها عن الحقِّ تعالى، ورآه ظاهرًا فيها، ومن وقف مع حسِّها الظاهر حجب بها عن شهود الحق وصارت في حقه ظلمة ... إلى أن قال: والحاصل أنَّ الوجود واحد، وهو وجود الحق تعالى، فما وقع به التجلِّي من نظره بعين الجمع سمَّاه ملكوتًا ... وما لم يقع به التجلِّي من الأسرار اللطيفة الغيبية فهو جبروت" (٢). وهذا التقسم اشتمل على مخالفات عقدية عدة بيانها كالتالي: ١ - أقسام التوحيد التي ذكرها ابن عجيبة لم ترد لا في الكتاب ولا في السُّنَّة، بل اشتمل على الرموز والإشارات الخفيَّة، ولم يكن دين الله رمزًا (٣)، ولقد استفاضت الآيات القرآنية بذكر أقسام التوحيد، ومما يدلُّ على ذلك سورة الفاتحة التي دلَّت على أقسام التوحيد فتوحيد الربوبية والأسماء والصفات مبيَّن في قوله تعالى:

стр. 214

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١)، فالحمد يتضمَّن مدح المحمود بصفات كماله مع محبته والرضا عنه، وهذا متضمِّنٌ لنفي النقائص والعيوب، وقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يدلُّ على ربوبيته وتدبيره لجميع خلقه كما يشاء، وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢) يدلُّ على توحيد الأسماء والصفات، وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣) يدلُّ على الربوبية المطلقة (٤). وقوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٥)، قال الشيخ السعدي: "اشتملت الآية على أصول عظيمة على توحيد الربوبية وأنه تعالى ربُّ كلِّ شيء وخالقه ورازقه ومدبِّره، وعلى توحيد الألوهية والعبادة وأنَّه تعالى الإله المعبود، وعلى أنَّ ربوبيته موجب لعبادته وتوحيده؛ ولهذا أتى بالفاء في قوله: " ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ الدالة على السبب؛ أي فكما أنَّه ربُّ كلِّ شيءٍ فليكن هو المعبود حقًّا فاعبده، ومنه الاصطبار لعبادته تعالى وهو جهاد النفس، وتمرينها وحملها على عبادة الله تعالى فيدخل في هذا أعلى أنواع الصبر، وهو الصبر على البليَّات، فإنَّ الصبر عليها وعدم تسخيطها والرضى عن الله تعالى بها من أعظم العبادات الداخلة في قول الله تعالى: ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، واشتملت الآية على أنَّ الله تعالى كاملٌ في الأسماء والصفات عظيم النعوت جليل القدر، وليس في ذلك شبيهٌ ولا نظيرٌ ولا سمي، بل تفرَّد بالكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات" (٦).

стр. 215

٢ - أنَّ غاية ما عندهم هو شهود هذا التوحيد، وهو أن يشهد أنَّ الله ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكه وخالقه، لا سيِّما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، فابن عجيبة وغيره من المتصوفة الذين يشهدون الحقيقة الكونية، المتضمِّنة لخلق الله وإيجاده، وأغفلوا الحقيقة الشرعية المتضمِّنة لأمر الله ونهية، واتباع ما جاء به من الهدى والنور، والحق في ذلك أن يجمع بين شهود الحقيقتين الكونية والشرعية (١). ٣ - القول بوحدة الوجود، وتصور مذهبهم هذا كافٍ في بيان فساده، إذ التوحيد عندهم: "أنَّ الحقَّ المنزَّه هو عين الخلق المشبَّه، وأنَّه سبحانه هو عين وجود كل موجود، وحقيقته وماهيته، وأنَّه آية كلِّ شيء، وله فيه آية تدلُّ على أنه عينه، وهذا عند محققيهم من خطأ التعبير، بل هو نفس الآية، ونفس الدليل، ونفس المستدل، ونفس المستدل عليه، فالتعدد بوجود اعتبارات وهمية، لا بالحقيقة والوجود، فهو عندهم عين الناكح، وعين المنكوح وعين الذابح، وعين المذبوح، وعين الآكل، وعين المأكول. ومن فروع هذا التوحيد: أنَّ فرعون وقومه مؤمنون كاملو الإيمان، عارفون بالله على الحقيقة، ومن فروعه: أنَّ عُبَّاد الأصنام على الحق والصواب، وأنهم إنما عبدوا عين الله سبحانه لا غيره، ومن فروعه: أنَّ الحق أن لا فرق في التحريم والتحليل بين الأُمِّ والأخت والأجنبيَّة، ولا فرق بين الماء والخمر، والزنا والنكاح، الكل في عينٍ واحدة، بل هو العين الواحدة، وإنما المحجوبون عن هذا السر قالوا: هذا حرام وهذا حلال، نعم هو حرام عليكم؛ لأنكم في حجاب عن حقيقة هذا
следующие страницы →