← Акыда

Акыда · id 543

آراء ابن عجيبة العقدية عرضا ونقدا

عبد الهادي العمري

Полный текст (870 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١)، وكما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) ذلكم الذي خلق ما خلق، وقدَّر ما قدر" (٣). الثاني: أنَّ عندهم أنَّ الله ليس ربُّ العالمين ولا مالك الملك، إذ ليس إلا وجوده وهو لا يكون رب نفسه ولا يكون الملك المملوك هو الملك المالك، وقد صرَّحوا بهذا الكفر مع تناقضه وقالوا: إنه هو ملك الملك بناءً على أنَّ وجوده مفتقرٌ إلى ذوات الأشياء، وذوات الأشياء مفتقرة إلى وجوده فالأشياء مالكة لوجوده فهو ملك الملك. الثالث: عندهم، أنَّ الله لم يرزق أحدًا شيئًا ولا أعطى أحدًا شيئًا ولا رحم أحدًا ولا أحسن إلى أحدٍ ولا هدى أحدًا، ولا أنعم على أحد نعمةً ولا علَّم أحدًا علمًا ولا علَّم أحدًا البيان وعندهم في الجملة: لم يصل منه إلى أحد لا خير، ولا شر، ولا نفع، ولا ضر، ولا عطاء، ولا منع، ولا هدى ولا إضلال أصلًا، وأنَّ هذه الأشياء جميعها عين نفسه ومحض وجوده فليس هناك غيرٌ يصل إليه ولا أحدٌ سواه ينتفع بها ولا عبد يكون مرزوقًا أو منصورًا أو مهديًّا (٤). وقول ابن عجيبة بالحضرة الأحدية يلزم عليه نفي ذات الله ووصفه بالمعدومات، بل هو تعطيل لله عمَّا يستحق ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ... وكذلك كونه لا يتكلَّم، أو لا ينزل، ليس في ذلك صفة مدح، ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات، أو المعدومات، فهذه الصفات

стр. 142

منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجمادات، والناقص" (١). أما الأحوال والمقامات التي ذكرها ابن عجيبة أثناء تعريفه للذوق فبيَّنها ابن القيم بقوله: "ولأرباب السلوك اختلاف كثير في عدد المقامات وترتيبها، كلٌّ يصف منازل سيره، وحال سلوكه ولهم اختلاف في بعض منازل السير، هل هي من قسم الأحوال؟ والفرق بينهما: أنَّ المقامات كسبية والأحوال وهبية، ومنهم من يقول: الأحوال من نتائج المقامات والمقامات نتائج الأعمال فكلُّ من كان أصلح عملًا كان أعلى مقامًا، وكلُّ من كان أعلى مقامًا كان أعظم حالًا ... والصحيح في هذا أنَّ الواردات والمنازلات لها أسماء باعتبار أحوالها، فتكون لوامع وبوارق ولوائح عند أول ظهورها وبدوها، كما يلمع البارق، ويلوح عن بعد فإذا نازلته وباشرها فهي أحوال، فإذا تمكَّنت منه وثبتت له من غير انتقال فهي مقامات وهي لوامع ولوائح في أولها وأحوال في أوسطها، ومقامات في نهاياتها، فالذي كان بارقًا هو بعينه الحال، والذي كان حالًا هو بعينه المقام، وهذه الأسماء له باعتبار تعلُّقه بالقلب، وظهوره له، وثباته فيه، وقد ينسلخ السالك من مقامه كما ينسلخ من الثوب، وينزل إلى ما دونه، ثم قد يعود إليه، وقد لا يعود" (٢). ولا ريب أنَّ من تحاكم إلى الذوق فيما يسوغ ويمتنع، وفيما هو صحيح وفاسد وجعله محكًّا للحق والباطل فنبذ لذلك موجب العلم والنصوص وحكَّم فيها الأذواق، وطمست معالم الإيمان والسلوك المستقيم وانعكس السير وكان إلى الله

стр. 143

فصيَّره إلى النفوس، فالناس المحجوبون عن أذواقهم يعبدون الله وهو ومن على شاكلته يعبدون أنفسهم (١). ثالثًا: الذوق والوجدان أساسٌ لمعرفة التوحيد عند ابن عجيبة قال ابن عجيبة: "قد أخذ الصوفية من هذا الدين القيِّم، الذي هدى الله إليه نبيَّه ﵊ خلاصته ولبابه، فأخذوا من عقائد التوحيد: الشهود والعيان على طريق الذوق والوجدان ولم يقنعوا بالدليل والبرهان" (٢). وابن عجيبة بكلامه هذا يصرِّح تصريحًا لا مرية فيه أنَّ القوم اعتبروا الذوق مصدر تَلقٍّ لمعرفة التوحيد، وهذا باطلٌ؛ فإن عقيدة التوحيد مبنيَّة على أصلين عظيمين هما الكتاب والسُّنَّة وفق فهم سلف الأمة، فمن حاد عنهما تخبَّط في أودية الباطل، وما قاله بأنَّ الهداية إلى الله تكون عن طريق الذوق، فهذا باطل. قال عبد الرحمن الوكيل (٣): "ويدين الصوفية ببهتان آخر يدمغها بالمروق عن الإسلام ذلك هو اعتقادها أنَّ الذوق الفردي -لا الشرع ولا العقل- هو وحده وسيلة المعرفة ومصدرها معرفة الله وصفاته وما يجب له فهو -أي الذوق- الذي

стр. 144

يُقَوِّم حقائق الأشياء، ويحكم عليها بالخيرية أو الشرِّية، بالحسن أو القبح، بأنها حقٌّ أو باطل، فلا جرم أن تدين الصوفية بعدد عديد من أرباب وآلهة، ولا عجب أن ترى النِّحلة منها تعبد وثنًا بغير ما تعبده به أخرى، أو تخنع لصنم يكفر به سواها من النِّحل الصوفية، لا عجب من ذلك كله، ما دامت تجعل الذوق الفردي حاكمًا وقيِّمًا على المسمَّيات وأسمائها، فيصح للشيء معناه مرة، ثم ينسخه بنقيضه مرة أخرى، هذه الحدة في توتر التناقض صبغة الصوفية دائمًا في منطقها المخبول، ولقد ضربت الصوفيين أهواء أحبارهم بالحيرة والفرقة، فحاولوا طرائق قددا، تؤلِّه كل طريقة منها ما ارتضاه كاهنها صنمًا له، وتعبده بما يفتريه هواه من خرافات" (١)، وهؤلاء عندما يطالبون بدليلٍ شرعيٍّ لما يقولون يرجعون إلى مصطلحاتهم الفاسدة من وجد، وذوق، قال ابن خلدون (٢): "وإذا كانت كلماتهم وتفاسيرهم لا تفارق الإبهام والاستغلاق فما الفائدة فيها؟ فالرجوع إذن إلى كلمات الشرع واقتباس معانيها من التفاسير المعتضدة بالأثر، ولو كانت لا تخلص من الإبهام أولى من ابهامهم الذي لا يستند إلى برهان عقل ولا قضية شرع" (٣). وابن عجيبة تابع سلفه من الصوفية بأنَّ جميع علومهم لا تُعرف إلا عن طريق الذوق.

стр. 145

ونقل الشعراني (١) قول ابن عربي (٢)، (٣)،: "جميع علومنا من علوم الذوق لا من علوم بلا ذوق؛ فإنَّ علوم الذوق لا تكون إلا عن تجلٍّ إلهيّ، والعلم قد يحصل لنا بنقل المخبر الصادق وبالنظر الصحيح" (٤). أما أهل السُّنَّة والجماعة -ولله الحمد- فهم مطبقون على أنَّ التوحيد مصدره الكتاب والسُّنَّة. ولم يثبت عن أحد من السلف أنه قال: إنه عرف الله بأسمائه وصفاته عن طريق الذوق، ولو كان خيرًا لسَبقوا ولم يُسبقوا. فمصادر المعرفة عند أهل السُّنَّة والجماعة توقيفية على الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأُمَّة، وهذه الأصول الثلاثة عندهم ميزان لأقوال الناس جميعًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ... وهم يَزنِوُنَ بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلُّق بالدين" (٥). وفي ختام هذا المبحث يتضح جليًّا أنَّ ابن عجيبة يقدِّم الذوق والكشف على مصادر التلقي المعتبرة عند أهل السُّنَّة والجماعة، وهذا نصٌّ صريحٌّ لقوله بذلك، فعند

стр. 146

تأويله لقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) قال: "هم العارفون بالله، فإذا أشكل علينا أمرٌ من أمر القلوب كأسرار التوحيد، وأمر الخواطر، رجعنا إليهم؛ لأنهم أهل الذوق والكشف، يُجيبون سائلهم بالهمَّة والحال، حتى يقلعوا عروق ما أشكل على السائل" (٢). وهذا هو حال كثير من الصوفية يُعرضون عن الدليل الشرعيِّ المبنيِّ على الكتاب والسُّنَّة إلى أقوال وخرافات مشايخهم وإن كانت مخالفة للنصوص الشرعية. قال الشاطبي: "رأى نابتة متأخرة الزمان ممن يدَّعى التخلُّق بخلق أهل التصوف المتقدِّمين، أو يروم الدخول فيهم، يعمدون إلى ما نُقل عنهم في الكتب من الأحوال الجارية عليهم أو الأقوال الصادرة عنهم، فيتخذونها دينًا وشريعةً لأهل الطريقة وإن كانت مخالفة للنصوص الشرعية من الكتاب والسُّنَّة، أو مخالفة لما جاء عن السلف الصالح، لا يلتفتون معها إلى فُتيا مفتٍ ولا نظر عالم، بل يقولون: إنَّ صاحب هذا الكلام ثبتت ولايته، فكل ما يفعله أو يقوله حق، وإن كان مخالفًا فهو أيضًا ممن يُقتدى به، والفقه للعموم، وهذه طريقة الخصوص. فتراهم يحسنون الظن بتلك الأقوال والأفعال ولا يحسنون الظن بشريعة محمد ﷺ ، وهو عين اتباع الرجال وترك الحق، مع أنَّ أولئك المتصوفة الذين ينقل عنهم لم يثبت أنَّ ما نقل عنهم كان في النهاية دون البداية، ولا علم أنهم كانوا مقرِّين بصحة ما صدر عنهم أم لا، وأيضًا فقد يكون من أئمة التصوف وغيرهم من زلَّ زلةً يجب سترها عليه، فينقلها عنه من لا يعلم حاله ممن لم يتأدَّب بطريق القوم كلَّ التأدب.

стр. 147

وقد حذَّر السَّلف الصالح من زلة العالم، وجعلوها من الأمور التي تهدم الدين، فإنه ربما ظهرت فتطير في الناس كلَّ مطار، فيعدونها دينًا، وهي ضد الدين، فتكون الزلة حجة في الدين، فكذلك أهل التصوف، ولا بد لمن يريد الاقتداء بالصوفي من عرض أقواله وأفعاله على حاكم يحكم عليها: هل هي من جملة ما يتخذ دينًا أم لا؟ والحاكم هو الشرع، وأقوال العالم تعرض على الشرع أيضًا، وأقل ذلك في الصوفي أن نسأله عن تلك الأعمال إن كان عالمًا بالفقه، كالجنيد وغيره ﵏، ولكن هؤلاء الرجال النابتة لا يفعلون ذلك، فصاروا متبعين الرجال من حيث هم رجال لا من حيث هم راجحون بالحاكم الحق، وهو خلاف ما عليه السلف الصالح" (١). "وأما انتساب الطائفة إلى شيخٍ معيَّن: فلا ريب أنَّ الناس يحتاجون من يتلقون عنه الإيمان والقرآن، كما تلقَّى الصحابة ذلك عن النَّبي ﷺ وتلقَّاه عنهم التابعون؛ وبذلك يحصل اتباع السابقين الأولين بإحسان، فكما أنَّ المرء له من يعلمه القرآن ونحوه فكذلك له من يعلمه الدين الباطن والظاهر، ولا يتعين ذلك في شخصٍ معيَّن؛ ولا يحتاج الإنسان في ذلك أن ينتسب إلى شيخٍ معيَّن، كل من أفاد غيره إفادة دينية هو شيخه فيها؛ ... فسلف الأُمَّة شيوخ الخلفاء قرنًا بعد قرن؛ وليس لأحدٍ أن ينتسب إلى شيخٍ يوالي على متابعته ويعادي على ذلك؛ بل عليه أن يوالي كلَّ من كان من أهل الإيمان ومن عُرف منه التقوى من جميع الشيوخ وغيرهم ولا يخصُّ أحدًا بمزيد موالاة إلا إذا ظهر له مزيد إيمانه وتقواه، فيقدِّم من قدَّم الله تعالى ورسوله عليه، ويفضِّل من فضَّله الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢)، (٣).

стр. 148

وقول ابن عجيبة: إنَّ الصوفية قد أخذوا من هذا الدين القيم خلاصته ولبابه، فيه تعدٍّ ومجانبة للحق؛ فهم لم يعتنوا بنصوص الوحي التي أنزلها الله فكيف يصل للحق من كانت هذه حاله، ثم زعمه أنهم أخذوا خلاصة الدين ولبابه فهذا يؤدي إلى القول بأنَّ في دين الله ما هو لبٌّ ومنه ما هو قشور، ومنه ما يُؤخذ ويُترك، وهذا باطلٌ جملةً وتفصيلًا.

стр. 149

المبحث الثالث: الوجد أولًا: معنى الوجد في اللغة له معان عدة في اللغة وهي: الحصول على الشيء، والحزن، والغضب، والحب، والسعة في الرزق، يقول الخليل بن أحمد (١): "الوجد، من الحزن، والموجدة من الغضب، والوجدان، والجِدة من قولك: وجدت الشَّيء، أي: أصبته" (٢). وقال ابن فارس (٣): "الواو والجيم والدال، يدلُّ على أصلٍ واحد، وهو الشي يُلفيه، ووَجَدْتُ الضَّالَّة وِجْدانًا، وحكى بعضُهم: وجَدتُ في الغضَب وِجدانًا" (٤). ثانيًا: معنى الوجد عند الصوفية هو ما يصادف القلب من فزعٍ، أو همٍّ، أو غمٍّ، أو رؤيةِ معنى من أحوال الآخرة، أو كشفِ حالةٍ بين العبد وبين الله ، أو هو ما يرد على القلب بلا تعمُّد، وتكلُّف (٥). وعرَّفه ابن عجيبة بقوله: "هو واردٌ يحرِّك القلب ويزعجه، إمَّا شوقٌ مقلق، فيثير بسطًا وسرورًا، وإمَّا خوفٌ مزعجٌ فيثير قبضًا وحزنًا" (٦).

стр. 150

أما الوجدان فهو: دوام حلاوة الشهود، واتصالها للواجد مع غلبة السُّكر والدَّهش فإن استمر مع ذلك حتى زالت الدَّهشة والحيرة وصفيت الفكرة والنظرة فهو الوجود، والسماع هو مَثَار الوُجد، أي سماع خطاب المحبوب، ومَثَار الوُجدان، هو شهود جمال المحبوب، ... ومثال ذلك الطفل في المهد، فإنه يسكن إذا تحرَّك به المهد، ويبكي إذا سكن، كذلك القلب يرتاح إذا تحرَّك القلب، وإلا بقي يضطرب فربما يخرج عن طوره. وأمَّا صاحب الوُجد فهو ساكنٌ متمكِّن قد استأنس بالحضرة، فربما يخرج عن طوره، وأمَّا صاحِبُ الوجدان فهو ساكنٌ متمكِّن قد استأنس بالحضرة، وزالت عنه الدهشة والحيرة فهو كالجبل الرَّاسي، قيل للجنيد: ما لك؛ كنت تتواجد عند السماع ثم صرت لا يتحرَّك منك شيء؟ فتلا قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (١). وشاهد ذلك صواحِب يوُسُف ﵇، فإنه لما فاجأهنَّ بباهر جماله: غبن عن إحساسهن ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (٢). وكذلك أرباب الوجدان لما استشرفوا على نُور الحضرة، دهشُوا وغابوا عن إحساسهم، فإذا تمكَّنوا من شهودها وأنسوا بها لم يحركهم شيءٌ من أنوارها، وقد يغلب على العارف شهود الجمال فيرقص ويطرب لكنه نادر" (٣). ثم إنَّ الوارد الذي يحرك القلب ويزعجه عند ابن عجيبة يأتي عن طريق السماع

стр. 151

الصوفي المقيَّد بالنغم، قال ابن عجيبة: "إذا كان الغناء يهيج لذكر الله، ويحرك إلى حضرة الله كان حقًّا، وإذا كان يحرك إلى الهوى النفساني كان باطلًا، والحاصل أنَّ السماع عند الصوفية ركن من أركان الطريقة" (١)، وقال أيضًا: "وقد حضرت سماعًا مع شيخنا البوزيدي، فكان يتمايل يمينًا وشمالًا ... ولا ينكر السماع إلا جامدًا جاهل خال من أسرار الحقيقة" (٢). بل إنَّ ابن عجيبة يردُّ على من اعترض على السماع، بقوله: "اعلم أنَّ اعتراض أهل الظاهر على الصوفية لا ينقطع أبدًا، هذه سُنَّة ماضية، وخصوصًا في السَّماع والرَّقص، وهم معذورون؛ لأنهم لا يشاهدون إلَاّ ذواتًا ترقص وتشطح، ولا يدرون ما في باطنها من المواجيد والأفراح، فيحملون ذلك على خِفَّة العقل والطيش، فيقعون فيهم إلَاّ من عصمه الله بالتسليم، ولذلك كان التصديق بطريقة القوم والاعتراض جناية" (٣). فهو أساس الوُجد وعبر عنه بالبسط والقبض للقلب، وعرّفهما ابن عجيبة بقوله: "البسط فرحٌ يعتري القلوب أو الأرواح، إما بسبب قرب شهود الحبيب أو شهود جماله، أو بكشف الحجاب عن أوصاف كماله، وتجلِّي ذاته، أو بغير سبب، والقبض: "حزنٌ وضيقٌ يعتري القلب، إمَّا بسبب فوات مرغوب، أو عدم حصول مطلوب، أو بغير سبب" (٤)، وتلحظ من التعريف أنَّ ثمرة البسط والقبض في الوُجد، الكشف عن الحجاب -أي- معرفة الغيب، وثمرة الكشف وحلاوة الشهود التي

стр. 152

ذكرها هي القول بالحلول والاتحاد، وإليك نصًّا من أقوال ابن عجيبة بقضية الحلول والاتحاد قال: "يفتح لك الباب، ويرفع بينك وبينه الحجاب، فتتنزَّه في كمال الذات، وشهود الصفات، فتغيب عن أثر الجلال والجمال بشهود الكبير المتعال، فلا جلاله يحجبك عن جماله، ولا ذاته تحبسك عن صفاته، ولا صفاته تحبسك عن ذاته، تشهد جماله في جلاله، وجلاله في جماله، وتشهد ذاته في صفاته، وصفاته في ذاته" (١)، أين هو من قول الله : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢)، قال الشيخ السعدي: "لعظمته، وجلاله وكماله، أي: لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه، وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم، فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية، بل يثبتها بالمفهوم، فإنه إذا نفى الإدراك الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دلَّ على أنَّ الرؤية ثابتة، فإنه لو أراد نفي الرؤية لقال: "لا تراه الأبصار" ونحو ذلك، فعلم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة، الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة، بل فيها ما يدلُّ على نقيض قولهم، أي: هو الذي أحاط علمه، بالظواهر والبواطن، وسمعه بجميع الأصوات الظاهرة، والخفيَّة، وبصره بجميع المبصرات، صغارها، وكبارها، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الذي لطف علمه وخبرته، ودقَّ حتى أدرك السرائر والخفايا، والخبايا والبواطن" (٣). وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: ... وهذا الذي يهيجه السماع المبتدع، ليس هو الذي يحبه الله ورسوله ﷺ بل اشتماله على ما لا يحبه الله وعلى

стр. 153

ما يبغضه أكثر من اشتماله على ما يحبه ولا يبغضه وحده عما يحبه الله ونهيه عن ذلك أعظم، من تحريكه لما يحبه الله وإن كان يثير حبًّا وحركةً ويظن أنَّ ذلك يحبه الله وأنه مما يحبه الله فإنما ذلك من باب اتباع الظن، ومما يبيِّن ذلك أنَّ الله بيَّن في كتابه محبته وذكر موجباتهما وعلاماتها وهذا السماع يوجب مضادًّا لذلك منافيًا له وذلك أن الله بيَّن في كتابه الكريم كيف تكون محبته؟ قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) فكلُّ من اتبع ذوقًا أو وجدًا بغير هدى من الله سواءً كان ذلك عن حبٍّ أو بغضٍّ فليس لأحدٍ أن يتبع ما يحبه فيأمره به، ويتخذه دينًا وينهى عمَّا يبغضه ويذمُّه ويتخذ ذلك دينًا إلا بهدى من الله وهو شريعة الله التي جعل عليها رسوله ﷺ ، ومن اتبع ما يهواه حبًّا وبغضًا بغير الشريعة فقد اتبع هواه بغير هدى من الله ، ولهذا كان السلف يعدون كل من خرج عن الشريعة في شيءٍ من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء ويذمونهم بذلك، ويأمرون بألا يغتر بهم ولو أظهروا ما أظهروه من العلم والكلام والحجاج أو العبادة والأحوال مثل المكاشفات وخرق العادات (٣). ولا ريب أنَّ قول ابن عجيبة في السماع بأنه قربة إلى الله ورمي من ينكره بالجهل فهو من مصادمة النصوص الشرعية التي أبطلته وبيَّنت عواره، وزيغ من جعله قربةً وديانة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 154

الأدلة من الكتاب والسُّنَّة على بطلانه: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١). قال ابن مسعود ﵁: «لهو الحديثِ هو الِغناء»، ذكر ذلك البغوي وقال معنى قوله: ﴿يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ أي: يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن (٢). وقال ابن كثير: إنَّ لهو الحديث هو الغناء (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (٤) ـ قال ابن عباس ﵄: «هو الغِناء» (٥). وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٦). قال مجاهد (٧): بصوتك بالغناء والمزامير (٨).

стр. 155

ومن السُّنَّة: قول النبي ﷺ : «ليَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِى أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ ... » (١). وجاء في شرح هذا الحديث بأنَّ المقصودَ من استحلال (الحِر) استحلالُ الحرام من الفروج، فهذا بالحاء والراء المهملتين، واستحلال (الحرير): استحلالُ النهي عنه، وقد ورد النهي في كتاب الله تعالى عن هذا بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)، والمعازف بالزاي المعجمة: آلات اللهو (٣). وقال ابن تيمية: "وبالجملة فعلى المؤمن أن يعلم أنَّ النبي ﷺ لم يترك شيئًا يقرِّب إلى الجنَّة إلَّا وقد حدَّث به ولا شيئًا يبعد عن النار إلا وقد حدَّث به، وإنَّ هذا السماع لو كان مصلحة لشرعه الله ورسوله ﷺ فإنَّ الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤)، وإذا وجد فيه منفعة لقلبه ولم يجد شاهد ذلك لا من الكتاب ولا من السُّنَّة لم يلتفت إليه" (٥). وقال ابن القيم: "ومن مكايد عدو الله ومصايده التي كاد بها من قلَّ نصيبه من العلم والعقل والدين وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماع المكاء والتصدية

стр. 156

والغناء بالآلات المحرَّمة الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفةً على الفسوق والعصيان فهو قرآن الشيطان والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة وحسَّنه لها مكرًا منه وغرورا، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورا ... ويا شماتة أعداء الإسلام بالدين يزعمون أنهم خواص الإسلام قضوا حياتهم لذة وطربًا واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، مزامير الشيطان أحبُّ إليهم من استماع سور القرآن. لو سمع أحدهم القرآن من فاتحته إلى خاتمته لما حرَّك له ساكنًا ولا أزعج له قاطنًا ولا أثار فيه وجدًا ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى النار زندًا، حتى إذا تُلي عليه قرآن الشيطان وولج مزموره سمعه تفجَّرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فجرت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزَّت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زفراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت، فيا أيها الفاتن المفتون ... هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن!، وهذه الأذواق والمواجيد عند قراءة القرآن المجيد!، وهذه الأحوال السنيات عند تلاوة السور والآيات!، ولكن كل امرئٍ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجنسية (١) علة الضمِّ قدرًا وشرعًا، والمشاكلة سبب الميل عقلًا وطبعًا، فمن أين هذا الإخاء والنسب؟ لولا التعلُّق من الشيطان بأقوى سببٍ ومن أين هذه المصالحة التي أوقعت في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللًا؟ ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٢) " (٣).

стр. 157

أمَّا الآثار الفاسدة من أقوال ابن عجيبة السابقة فمنها: أولًا: الحلول والاتحاد. ثانيًا: وحدة الشهود التي عبَّر عنها بحلاوة الشهود مع دوام السكرة تحصل الدهشة. ثالثًا: وحدة الوجود. رابعًا: تلبسهم بأحوال شيطانية، قال ابن الجوزي: "هذا التواجد، الذي يتضمَّن حركات المتواجدين، وقوة صياحهم، وتخبطهم، فظاهره أنه متُعَمَّل، والشياطين معينون عليه، فإن قيل: فهل في حق المخلص نقص بهذه الحالة الطارئة عليه؟ قيل: نعم من وجهين: أحدهما: أنه لو قوي العلم؛ أمسك، والثاني: أنه قد خولف به طريق الصحابة والتابعين ﵃ ويكفي هذا نقصًا" (١). خامسا: الوجود المقرون بدعوة المشاهدة -مشاهدة الحق-، ويعنون به رؤية الله ، وهي: رؤية الله في الدنيا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ... وهذا الموضع مما يقع الغلط فيه لكثير من السالكين، يشهدون أشياء بقلوبهم فيظنون أنها موجودة في الخارج هكذا، حتى إنَّ فيهم خلقًا منهم من المتقدِّمين والمتأخرين يظنون أنهم يرون اللّه بعيونهم؛ لما يغلب على قلوبهم من المعرفة والذكر والمحبة، يغيب بشهوده فيما حصل لقلوبهم، ويحصل لهم فناء واصطلام (٢)، فيظنون أن هذا هو أمر مشهود بعيونهم، ولا يكون ذلك إلا في القلب؛ ولهذا ظنَّ كثيرٌ منهم أنه يرى اللّه بعينه في الدنيا، وهذا مما وقع لجماعة

стр. 158

من المتقدمين والمتأخرين، وهو غلط محض حتى أورث مما يدعيه هؤلاء شكًّا عند أهل النظر والكلام الذين يجوزون رؤية اللّه في الجملة، وليس لهم من المعرفة بالسُّنَّة ما يعرفون به هل يقع في الدنيا أو لا يقع؟ فمنهم من يذكر في وقوعها في الدنيا قولين، ومنهم من يقول يجوز ذلك، وهذا كلُّه ضلال؛ فإن أئمة السُّنَّة والجماعة متفقون من أن اللّه لا يراه أحدٌ بعينه في الدنيا" (١). ودلَّ على هذا قول الله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). قال ابن جرير الطبري عند تفسيره لهذه الآية: "ولما جاء موسى للوقت الذي وعدنا أن يلقانا فيه وكلَّمه ربه، وناجاه قال موسى لربه: أرني أنظر إليك، قال الله له مجيبًا: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل" (٣)، فإنَّ الله خلق الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها، ولا يثبتون لرؤية الله (٤). ثالثًا: أدلة ابن عجيبة على الوجد ١ - الاحتجاج بالكتاب والسُّنَّة: احتج ابن عجيبة بقول الله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ (٥)، قال في هذه الآية: " ....

стр. 159

والقيام في إظهار الحق أو لداعي الوجد، والصدع بالحق من غير مبالاة بأحدٍ من الخلق" (١). وهذا مما تعلَّقت به الصوفية لإثبات عقائدهم الباطلة، وأوَّلوها على هواهم الفاسد. قال القرطبي (٢): "وهذا تعلُّقٌ غير صحيح، هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته، وشكروا لما أولاهم من نعمه ونعمته، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم خائفين من قومهم، وهذه سُنَّة الله في الرُّسل والأنبياء والفضلاء الأولياء، أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام والرقص بالأكمام وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان، هيهات بينهما والله ما بين الأرض والسماء، ثم هذا حرامٌ عند جماعة العلماء" (٣). وقال الشاطبي: "أين فيه أنهم قاموا يرقصون أو يزفنون (٤) أو يدورون على أقدامهم، لكن هؤلاء الفقراء ليس لهم من التواجد -في الغالب- إلا الثاني المذموم، فهم إذًا متواجدون بالنغم واللُّحون، لا يدركون من معاني الحكمة شيئًا، فقد باؤوا إذًا بأخسر الصفقتين، نعوذ بالله" (٥).

стр. 160

٢ - احتج ابن عجيبة على جواز الوُجد الحاصل عن طريق السماع بحديث أنس ﵁ قال: «كنا عند رسول الله ﷺ إذ نزل جبريل، فقال يا رسول الله: إن فقراء أمتك يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمائة عام، ففرح رسول الله ﷺ فقال: هل منكم من ينشدنا؟ فقال بدوي: نعم يا رسول الله فقال: هات؛ فأنشد أعرابيٌّ: قد لسعت حيَّةُ الهوى كبدي ... فلا طبيبٌ لها ولا راقي إلا الحبيب الذي شغفت به ... فعنده رُقيتي وترياقي فتواجد رسول الله ﷺ وتواجد أصحابه معه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فلما فرغوا أوى كلُّ واحد إلى مكانه، فقال معاوية ﵁ ما أحسن لعبكم يا رسول الله، فقال: "مه مه يا معاوية ليس بكريمٍ من لم يهتزَّ عند ذكر الحبيب، ثم اقتسم رداءه من حضرهم بأربعمائة قطعة» (١). وهذا من تلاعب الشيطان على المتصوفة إذا يحتجون على باطلهم بالأحاديث التي لا يمكن أن تنسب للنبي ﷺ ولا لأصحابه ﵃. وردّ أبو العباس القرطبي ﵀ على فريتهم هذه بقوله: "إنَّ الواقف على متن الحديث يعلم على القطع أنه مصنوعٌ موضوع؛ لأن الشعر الذي فيه لا يناسب شعر العرب، ولا يليق بجزالة شعرهم ولا ألفاظهم وإنما يليق بمخنثي شعر المولَّدين (٢) " (٣)، وقال في موضع آخر: "إنَّ هذا الحديث مما لا يوجد مسندًا ولا أخرجه في كتابه أحدٌ

стр. 161

من أئمة المحدثين، وإنما هي أحاديث مروجة وأكاذيب مبهرجة وضعها الزنادقة وأهل المجون المخرقة يرمون بذلك نسبة اللهو والمجون إلى الأنبياء الفضلاء" (١). وقال الشاطبي: "فمنها اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة والمكذوب فيها على رسول الله ﷺ والتي لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء عليها ... كحديث أنَّ النبي ﷺ تواجد واهتز عند السماع حتى سقط الرداء عن منكبيه وما أشبه ذلك، فإنَّ ناقل أمثال هذه الأحاديث -على ما هو معلوم- جاهلٌ ومخطئٌ في نقل العلم الشرعي، فلم ينقل الأخذ بشيء منها عمَّن يُعتدُّ به في طريق العلم، ولا طريق السلوك" (٢). وقال ابن تيمية: "ولم يكن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ يجتمعون على مثل هذا السماع ولا حضروه قط، ومن قال إنَّ النبي ﷺ حضر ذلك فقد كذب عليه باتفاق أهل المعرفة بحديثه وسُنَّته، والحديث الذي ذكره محمد بن طاهر المقدسي في "مسألة السماع" و"في صفة التصوف" ورواه من طريقه الشيخ أبو حفص عمر السهروردي (٣) صاحب عوارف المعارف أنَّ النبي ﷺ أنشده أعرابيٌّ: قد لسعت حيَّةُ الهوى كبدي ... فلا طبيبٌ لها ولا راقي إلا الحبيب الذي شغفت به ... فعنده رُقيتي وترياقي وأنه تواجد حتى سقطت البردة عن منكبيه فقال له معاوية: ما أحسن لهوكم

стр. 162

فقال له: مهلًا يا معاوية ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر الحبيب "فهو حديث مكذوب موضوع باتفاق أهل العلم بهذا الشأن ... وهذا وأمثاله إنما يرويه من هو من أجهل الناس بحال النبي ﷺ وأصحابه ومن بعدهم ومعرفة الإسلام والإيمان" (١). وعنَّف ابن القيم من استدلَّ بالحديث المكذوب على تواجد النبي ﷺ : "من ذلك حديث «حضر رسول الله ﷺ مجلسًا للفقراء ورقص حتى شقَّ قميصه» فلعن الله واضعه ما أجرأه على الكذب" (٢). وقال في موضع آخر: " ... وركاكة شعره، وسماجته، وما تجد عليه من الثقالة، من أبين الشواهد على أنه من شعر المتأخرين البارد، السمج، فقبَّح الله الكاذبين على رسول الله ﷺ " (٣). وقال محمد بن موسى الدَّمِيري (٤): "من نسب السماع إلى رسول الله ﷺ يؤدب أدبًا شديدًا، ويعزَّر تعزيرًا بليغًا، ويدخل في زمرة الكاذبين عليه ﷺ " (٥). ٣ - احتجاج ابن عجيبة على الوُجد بالقياس: قال: "السَّماع هو مَثَار الوُجد، أي سماع خطاب المحبوب، ومَثَار الوُجدان، هو شهود جمال المحبوب.

стр. 163

ومثال ذلك الطفل في المهد، فإنه يسكن إذا تحرَّك به المهد، ويبكي إذا سكن، كذلك القلب يرتاح إذا تحرَّك القلب، وإلا بقي يضطرب فربما يخرج عن طوره" (١). وهذا قياسٌ فاسد، وإن الرجل ليعجبُ من إنسان ينسب للعلم والعلماء كيف يرضى بهذه الأقيسة التي لا يستند بها العلماء الربانيون، بل استند بها أصحاب الأهواء الباطلة. قال الطرطوشي (٢): "انظروا يا ذوي الألباب كيف قادهم الهوى وعشق الباطل، وقلة الحيلة إلى هذه السخافة، وحسبك من مذهب إمامهم فيه الأنعام، والصبيان في المهد، وهكذا يفضح الله من اتبع الباطل، وحسبك من عقولٍ لا تقتدى بأخيار المسلمين وعلمائهم وتقتدي بالإبل، فإنَّ كل ما طربت له البهائم مندوبًا أو مباحًا، فإننا نرى البهيمة تنزو على أُمِّها وأختها وتركب بنتها، أفيلزم الاقتداء بالبهيمة في مثل هكذا" (٣).

стр. 164

المبحث الرابع: الرؤى والحكايات أولًا: الرؤى من مصادر التلقي عند ابن عجيبة الرؤى المنامية فقد جعلها مصدرًا من مصادر الشريعة التي لا يتطرَّق إليها الشك أو الغلط، واستند عليها في ترويج ضلالاتهم المنحرفة، ومعرفة الحلال والحرام، وتفسير آيات القرآن الكريم، وإثبات الفضائل لنفسه أو لشيوخ طريقته. ومن ذلك: ١ - أنه أُعطي التصرف في الكون قال ابن عجيبة: "رأيت في المنام قائلًا يقول لي: الليلة أعطي سيدي أحمد بن عجيبة يتصرَّف في الكون" (١). ٢ - إثبات عقيدة الصوفية في الخضر عن طريق الرؤى نقل ابن عجيبة عن أحد الصوفية أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام فقال له: "يا رسول الله إن الخضر أخبرني أنه سمع منك هذا الحديث (٢)، فقال ﷺ : صدق الخضر، وكل ما يحكيه حق، وهو عالم أهل الأرض، وهو رئيس الأبدال، وهو من جنود الله في الأرض" (٣). ٣ - تفسير بعض آيات كتاب الله ذكر ابن عجيبة في تفسيره ما زعمه أبو الحسن الشاذلي أنه علم معنى قوله

стр. 165

تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (١)؛ لرؤيته للنبيَّ ﷺ في المنام، فقال له: "يا علي، طَهِّر ثيابك من الدنس، تَحْظَ بمدد الله في كل نَفَس، فقلتُ: وما ثيابي يا رسول الله؟ فقال: إنَّ الله كساك حُلة المعرفة، ثم حُلة المحبة، ثم حُلة التوحيد، ثم حُلة الإيمان، ثم حُلة الإسلام، فمَن عرف الله صَغُر لديه كلُّ شيء، ومَن أحبَّ الله هان عليه كلُّ شيء، ومَن وحَّد الله لم يشرك به شيئًا، ومَن آمن بالله أَمِن من كل شيء، ومَن أسلم لله قلَّما يعصيه، وإن عصاه اعتذر إليه، وإذا اعتذر إليه قَبِل عُذره، قال: ففهمتُ حينئذٍ قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ " (٢). ٤ - زعمه رؤيته للنبي ﷺ لإثبات نسبه لآل البيت قال ابن عجيبة: "ولقد رأيتُ النبي ﷺ في مسجده المقدَّس فقال لي: أنت الفقيه ابن عجيبة؟ فقلتُ له: نعم أنا عبدكم أحمد ابن عجيبة في رؤيا طويلة، وقال لي: أنت ولدي حقًّا لا تشك" (٣). ٥ - أدلته على أنَّ الرؤى من مصادر التلقِّي استدلَّ ابن عجيبة بأنَّ الرؤى مصدر من مصادر التلقِّي ببعض الأدلة، التي أوَّلها لتوافق عقيدتهم في الرؤى، كحديث النبي ﷺ : «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٤) (٥). وكذلك استدلَّ بقول النبي ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا

стр. 166

يتمثَّل بي» (١) (٢). ويزعم عند استدلاله بذلك أنَّ إخبار النبي ﷺ في المنام كإخباره في اليقظة بحجة أنَّ الشيطان لا يتمثَّل بالنبي ﷺ . وعند تأمل موقف ابن عجيبة من الرؤى المنامية نجد أنه لم يخرج عن موقف سائر الصوفية منها، وهذا لا يُسلَّم لهم لما في ذلك من المخالفات العقدية العظيمة. والقول الحق الذي عليه أهل العلم أنَّ الرؤى ليست حجةً شرعية، وإنما يستأنس بها إن لم تخالف النصوص الشرعية. قال عبد الرحمن المعلَّمي (٣): " ... اتفق أهل العلم على أنَّ الرؤيا لا تصلح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة، كما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول بمتعة الحج لثبوتها عنده بالكتاب والسُّنَّة، فرأى بعض أصحابه رؤيا توافق ذلك فاستبشر ابن عباس ﵄ " (٤).

стр. 167

وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي (١) قال: سألت ابن عباس ﵄ عن المتعة (٢) فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم وكأن ناسًا كرهوها فنمت فرأيت في المنام كأن إنسانا ينادي حج مبرور ومتعة متقبَّلة فأتيت ابن عباس ﵄ فحدثته فقال: الله أكبر سنة أبي القاسم ﷺ " (٣). قال ابن حجر ﵀: "يؤخذ منه الاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي وعرض الرؤيا على العالم" (٤). وقال ابن تيمية: "والرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيءٌ بالاتفاق" (٥). وقال الشاطبي: "وأضعف هؤلاء احتجاجًا قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المقامات وأقبلوا وأعرضوا بسببها فيقولون: رأينا فلانًا الرَّجل الصالح فقال لنا: اتركوا كذا واعملوا كذا، ويتفق مثل هذا كثيرًا للمتمرسين برسم التصوف (٦)، وربما قال بعضهم: رأيت النبي ﷺ في النوم فقال لي كذا وأمرني بكذا فيعمل بها ويترك بها

стр. 168

معرضًا عن الحدود الموضوعة في الشريعة وهو خطأ؛ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية فإن سوَّغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأمَّا استفادة الأحكام فلا" (١). وقال أيضًا: "نعم يأتي المرئي تأنيسًا وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا، ولا يبنون عليها أصلًا وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها، والله أعلم" (٢). ومعلوم أنَّ الرؤيا منها ما هو رحماني، ومنها ما هو شيطاني، ومنها ما هو نفساني، قال النبي ﷺ : «الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه في اليقظة، فيراه في المنام» (٣)، قال البغوي: "قوله: (الرؤيا ثلاثة) فيه بيان أن ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحًا، ويجوز تعبيره، إنما الصحيح منها ما كان من الله يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها. وهي على أنواع قد يكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان، أو يريه ما يحزنه، وله مكايد يحزن بها بني آدم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤).

стр. 169

ومن لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل، فلا يكون له تأويل، وقد يكون ذلك من حديث النفس، كمن يكون في أمر، أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر، والعاشق يرى معشوقه ونحو ذلك ... فلا تأويل لشيءٍ منها" (١). وقال ابن القيم: "والذي هو من أسباب الهداية: هو الرؤيا التي من الله خاصَّة، ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأُمَّة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل ﵉ بالرؤيا، وأما رؤيا غيرهم فتعرض على الوحي الصريح، فإن وافقته وإلا لم يعمل بها، فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة، أو تواطأت؟. قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له، منبهة عليه، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه، لم يعرف الرائي اندراجها فيه، فيتنبه بالرؤيا على ذلك، ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحر الصدق وأكل الحلال، والمحافظة على الأمر والنهي، ولينم على طهارة كاملة مستقبل القبلة، ويذكر الله حتى تغلبه عيناه، فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة" (٢). والنائم ليس في حالة ضبط للرواية؛ لعدم حفظه، لهذا لا يجوز إثبات حكم شرعي بما جاء به، قال النووي أثناء شرحه لحديث «من رآني في المنام فقد رآني»: "إن معنى الحديث أن رؤيته صحيحة وليست من أضغاث الأحلام وتلبيس الشيطان، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي به؛ لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي، وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته أن

стр. 170

يكون متيقظًا لا مغفَّلًا ولا سيء الحفظ، ولا كثير الخطأ، ولا مختل الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة فلم تُقبل روايته لاختلال ضبطه. هذا كلُّه في منامٍ يتعلَّق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة، أمَّا إذا رأى النبي ﷺ يأمره بفعل ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهي عنه، أو يرشده إلى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه؛ لأن ذلك ليس حكمًا بمجرَّد المنام بل تقرر من أصل ذلك الشيء، والله أعلم" (١). والنائم ليس من أهل التكليف، ولا من أهل التحمُّل للرواية؛ لعدم حفظه، فلا يعمل بشيءٍ رآه في منامه (٢). ولم يمت النبي ﷺ إلا وأكمل لنا الدين، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). ولم يثبت دليل من الوحيين على أن رؤية النبي ﷺ بعد موته حجة يثبت بها حكم شرعي بل إن "الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله ﷺ بحكم فلا بدَّ من النظر فيها أيضًا؛ لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته، فالحكم استقر، وإن أخبر بمخالف، فمحال؛ لأنه ﷺ لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته؛ لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية؛ لأن ذلك باطلٌ بالإجماع، فمن رأى شيئًا من ذلك فلا عمل عليه، وعن ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحه، إذ لو رآه حقًّا لم يخبره بما يخالف الشرع" (٤).

стр. 171

أمَّا استدلال ابن عجيبة بأنَّ الرؤيا جزءٌ من النبوة فمقلوب عليه؛ لأن المراد بالجزء هنا تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، وإنما كانت جزءًا من النبوة في حق الأنبياء، وتوجد الرؤيا الصالحة كذلك في الصالحين، ولا تعني حصول النبوة له بذلك؛ لأن النبوة هبة من الله يختصُّ بها من عباده ما يشاء. والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه، بل إنما يقوم مقامه في بعض الوجوه، وإنما هي من باب البشارة والنذارة؛ لأن النبوة لا تتجزأ ولا نبوة بعد الرسول ﷺ (١). وقد يقول قائل: هل ما يراه النائم أو الإلهامات من الوحي؟ قال ابن تيمية: "فإنَّ ما يلقيه الله في قلوب المؤمنين من الإلهامات الصادقة العادلة هي من وحي الله، وكذلك ما يريهم إياه في المنام" (٢). وزاد الأمر إيضاحًا بقوله: "فإن المنام تارة يكون من الله وتارة يكون من النفس وتارة يكون من الشيطان وهكذا ما يلقى في اليقظة، والأنبياء معصومون في اليقظة والمنام، ولهذا كانت رؤيا الأنبياء وحيًا ... وليس كل من رأى رؤيا كانت وحيًا فكذلك ليس كل من ألقي في قلبه شيءٌ يكون وحيًا، والإنسان قد تكون نفسه في يقظته أكمل منها في نومه، كالمصلي الذي يناجي ربه، فإذا جاز أن يوحى إليه في حال النوم فلماذا لا يوحى إليه في حال اليقظة؟ كما أوحى إلى أمِّ موسى والحواريين وإلى النحل، لكن ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في يقظة ولا في المنام إلا بدليل يدلُّ على ذلك، فإن الوسواس غالب على الناس، والله أعلم" (٣).

стр. 172

ولكن هل كل من رأى رؤيا يستطيع أن يجزم بأن رؤيته صادقة حقًّا، وهل يجد معبر لها كمعبر يوسف ﵇؟ قال الشاطبي ﵀: "فإن الرؤيا التي هي جزءٌ من أجزاء النبوة من شرطها أن تكون صالحة من الرجل الصالح، وحصول الشروط مما ينظر فيه، فقد تتوفر وقد لا تتوفر، وأيضًا فهي منقسمة إلى الحلم وهو من الشيطان، وإلى حديث النفس، وقد تكون سبب هيجان بعض أخلاط، فمتى تتعين الصالحة حتى يحكم بها، ونترك غير الصالحة؟ ويلزم أيضًا على ذلك أن يكون تجديد وحي بحكم بعد النبي ﷺ وهو منهيٌ عنه بالإجماع" (١). والحديث الذي استدلَّ به ابن عجيبة على أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة حمَّله ما لا يحتمل، وليس هذا المراد من الحديث بل المراد به التشبيه كما بيَّن ذلك زين الدين العراقي (٢) بقوله: "لا يتخيل من هذا الحديث أن رؤيا الصالح جزء من أجزاء النبوة، فإن الرؤيا إنما هي من أجزاء النبوة في حق الأنبياء ﵈ وليست في حق غيرهم من أجزاء النبوة ولا يمكن أن يحصل لغير الأنبياء جزء من النبوة، وإنما المعنى أنَّ الرؤيا الواقعة للصالح تُشبه الرؤيا الواقعة للأنبياء التي هي في حقهم جزء من أجزاء النبوة فأطلق أنها من أجزاء النبوة على طريق التشبيه" (٣).

стр. 173

ويقول ابن حجر: "ظاهر الاستثناء أن الرؤيا نبوة، وليس كذلك لما تقدم أنَّ المراد تشبيه أمر الرؤيا بالنبوة، أو لأن جزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له، كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله رافعًا صوته لا يسمى مؤذنًا، ولا يقال: إنه أذن، وإن كانت جزءًا من الأذان، وكذا لو قرأ شيئًا من القرآن وهو قائم لا يسمى مصليًا وإن كانت القراءة جزءًا من الصلاة" (١). وبعد هذه النقول يتضح أن ما قاله ابن عجيبة عار من الحقيقة، فإن أقوال العلماء السابقة تبين بطلان كلَّ ذلك. وأما زعمه أنه أُعطي حق التصرف في الكون فهذه طامة وداهية كبرى؛ فإن التصرف في الكون حق لله فمن زعم غير ذلك فقد جاء بإفك عظيم، وهذا كلُّه حدث نتيجة غلوهم في الولي حتى قال بعضهم: "إن الولي يُعْطَى قول: "كن"، وقال بعضهم: إنه لا يمتنع على الولي فعل ممكن، كما لا يمتنع على اللّه تعالى فعل محال ... وزاد ابن عربي: إن الولي لا يعزب عن قدرته شيءٌ من الممكنات، والذي لا يعزب عن قدرته شيء من الممكنات هو اللّه وحده، فهذا تصريحٌ منهم بأنَّ الولي مثل الله، إن لم يكن هو اللّه" (٢). تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

стр. 174

ثانيًا: الحكايات يعتمد ابن عجيبة على الحكايات كثيرًا ويذكرها في ما يخالف العقيدة الصحيحة، وهذه بعض الأمثلة على ذلك: ١ - الاستغاثة بغير الله مثال ذلك: أن قومًا ركبوا البحر بسفينتهم، فخرجت عليهم سفينة النصارى فأرادوا أخذهم، فطلب أحدًا من كان معهم في السفينة من يعرف وليًا يستغيث به، فقال رجل معهم: اللا (١) فاطمة العجيبية- فإذا هي بينهم كما -زعموا- تدفع عنهم المركب إلى البر (٢). عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الاستغاثة بالمخلوق على قسمين: القسم الأول: الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلَاّ الله ، فهذه شركٌ أكبر؛ لأنها صرفٌ للعبادة لغير الله . أما الاستغاثة فيما يقدر عليه المخلوق مثل استغاثته بغيره في الحرب ليساعده، أو يناصره على عدوِّه؛ فهذا جائز، كما قال الله : ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٣). وبهذا يتبيَّن أنَّ من استغاث بوليٍّ ميِّت، أو غائب، أو ذهب لضريح وليٍّ -كحد زعمه- ليستغيث به، أو علَّق قلبه بوليٍّ معتقدًا أنه يفرِّج له الكرب، فهذا كلُّه من الشرك الأكبر المنهي عنه، ومن كان هذه فعله فهو على خطر عظيم إن لم يتدارك نفسه بالتوبة، وتجريد التوحيد لله (٤).

стр. 175

والله هو الذي يستغاث به لتفريج الكروب والهموم فيجيب الدعوة. قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). وقال النبي ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄: «واعلم أنَّ الأُمَّة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيءٍ كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيءٍ كتبه الله عليك» (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "سؤال الميت والغائب نبيًّا كان أو غيره من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحدٌ من الصحابة ﵃ ولا التابعين لهم بإحسان ولا استحبَّه أحدٌ من أئمة المسلمين، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين أنَّ أحدًا منهم ما كان يقول: إذا نزلت به ترة (٤) أو عرضت له حاجة لميت: يا سيدي فلان أنا في حسبك، أو اقض حاجتي كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين، ولا أحد من الصحابة ﵃ استغاث بالنبي ﷺ بعد موته ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم، ولا

стр. 176

إذا بعدوا عنها وقد كانوا يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال ويشتد البأس بهم ويظنون الظنون ومع هذا لم يستغث أحدٌ منهم بنبيٍّ ولا غيره من المخلوقين ... " (١). ٢ - تحليل الحرام ذكر ابن عجيبة أنواع السحر، ثم قال ... وقد يكون كرامةً لولي أو تأييدًا لشاك كما وقع لفقير (٢)، شاور الشيخ في زيارة أمه فغطاه الشيخ بثوبه فرأى نفسه في بلد أمه فبقي عندها أربعة أشهر ثم أراد الرجوع فوجد نفسه عند الشيخ، وقد قرأ القارئ بعده خمسة عشر حزبًا (٣). وهذه الحكايات اعتمد عليها بعض المتصوفة، فضلُّوا عن الحق، وأضلوا من بعدهم. قال ابن خلدون: " ... وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسِّرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرَّد النقل، غثًّا أو سمينًا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة، فضلُّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط" (٤)، والكذب ديدن كل من أراد نشر باطله، ويتفنن في صياغة حكايته. ويقول ابن الحاج: "إنَّ كثيرًا من الناس يدَّعي الدين والصلاح وأنه أهل الوصول، ويأتي بحكايات من تقدَّم من الأكابر ويطرز بها كلامه وهو مع ذلك يشير

стр. 177

إلى نفسه بلسان حاله، وأن عنده من ذلك طرفًا، وبعضهم يزعم أنه حصل له من ذلك الأمر حاصل. ومنهم من له القدرة على تصنيف الحكايات والمرائي التي يختلقها من تلقاء نفسه، سيما -والعياذ بالله تعالى- ما ابتلي به بعضهم من تجرئه ودعواه رؤيا النبي ﷺ في المنام، وأنه أقبل عليه وخاطبه وأمره ونهاه، بل بعضهم يدعي رؤيته ﵊ في اليقظة، وهذا بابٌ ضيِّق، وقلَّ من يقع له ذلك الأمر" (١). ولقد تضاعف الشَّرُّ وكثر خطره بسبب تصدُّر من ليس له علمٌ بصحيح الرواية من ضعيفها، للتصنيف، وتفسير الكتاب العزيز بما يناسب أهواءهم؛ لإثبات البطالة وانتظار السماء أن تمطر ذهبًا وفضَّة، فافتروا على ربِّ العالمين، فاختلقوا الخرافات المختلفة، والأقاصيص المنحولة، والأساطير المفتعلة في تفسير كتاب الله فحرَّفوا، وغيَّروا وبدَّلوا، وقد أصيب الإسلام وأهله بداهية دهياء، وفاقرة عظمى، ورزية كبرى، من أمثال هؤلاء الكذَّابين الدجَّالين الذين يجترئون على الكذب، وكتب المتصوفة التي امتلأت من الحكايات المكذوبة ما الله به عليم (٢). ولم يفرق ابن عجيبة بين الكرامات والحكايات المختلقة المكذوبة، فأصبح السحرُ حلالًا بزعمه أنه قد يكون كرامة لولي. قال الشيخ السعدي ﵀: " ... قد أدخل الناس في الكرامات أمورًا كثيرة، اخترعوها وافتروها، وخدعوا بها العوام والسُّذَّج من الناس، وأوهموهم بأنها من الكرامات وليست إلا قسمًا من الخرافات والشعوذات، وأهل السُّنَّة والجماعة أبعد

стр. 178

الناس عن التصديق بالخرافات والأكاذيب المفتراة، وأعرف بالطرق التي يتبيَّن بها كذب الكاذبين وافتراء المفترين" (١). والسحر كلُّه حرام، وهو من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله وعدَّه الرسول ﷺ من السبع الموبقات، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (٢). ومن السحر، ما يؤثِّر في جسم المسحور فيقتل أو يمرض فيفرِّق بين المرء وزوجه وبين الأحبَّة، وكلُّ ذلك بقضاء الله وقدره، ومنه ما هو تخييلي وليس له حقيقة وهو ما يُسمَّى بالسحر التخييلي، بحيث يظهر الأشياء أمام الناظر على غير حقيقتها، كما قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٣). والتصديق به ذنبٌ عظيم، وجرمٌ كبير، ولا يجوز للمسلم أن يستعمله، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤) (٥). ٣ - تفسيره الآيات عن طريق الحكايات قال ابن عجيبة في قول الله : ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٦)، "وقد

стр. 179

سمعت حكاية أخرى، فيها عبرة، وذلك أنَّ رجلًا سمع قارئًا يقرأ هذه الآية فدخل بيته ولزم زاوية منه يذكر فيها، ويتبتل فجاءت امرأته تنقم عليه وتأمره بالخدمة، فقال لها: قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ فلما آيست منه ذهبت تحفر شيئًا، فوجدت آنية مملوءة دنانير، فجاءت إليه، وقالت: قد أتانا رزقنا، قم تحفره معي، هو في موضع كذا، فقال: إنما قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ﴾، ولم يقل في الأرض، فامتنع فذهبت إلى أخٍ لها تستعين به، فلما فتحتها وجدتها مملؤة عقارب، فقالت: والله لأطرحنها عليه لنستريح منه، ففتحت كوة من السقف، وطرحتها عليه فسقطت دنانير، فقال: الآن نعم، قد أتاني من حيث قال ربي: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ " (١). وهذا التفسير المغلوط للآية أورث المتصوفة البطالة، ونفي الأسباب كما مرَّ معنا، وهو مخالف لما عليه المفسِّرون، قال الشيخ السعدي في تفسيره: "أي مادة رزقكم، من الأمطار، وصنوف الأقدار، الرزق الديني والدنيوي، وَمَا تُوعَدُونَ من الجزاء في الدنيا والآخرة، فإنه ينزل من عند الله، كسائر الأقدار (٢). ٤ - الحث على تعذيب النفس لتربيتها قال ابن عجيبة: إن بعض الطلبة كان ساكنًا في مدرسة بفاس، فخرجت امرأة ومعها بنتها ... فرأت البنت بابًا خلفه ضوء فأتت إليه، فوجدت فيه رجلًا ينظر في كتاب، فقالت: إن لم يكن الخير عند هذا فلا يكون عند أحد، فقرعت الباب فخرج الرجل فذكرت له قصتها، وأنها خافت على نفسها، فأدخلها منزله، وجعل بينه وبينها حصيرًا، وبقي ينظر في كتابه، وزين له الشيطان أن يعمل بها عمل سوء،

стр. 180

ولكن الله حفظه ببركة العلم، فأخذ المصباح، وجعل يحْرِقُ أصابعه واحدًا بعد واحد حتى أحرقها، والبنت تنظر إليه وتتعجَّب، ثم خرج ينظر إلى الليل فوجده ما زال، فأحرق أصابع اليد الأخرى، ولما أفل الليل وجاء الصباح خرجت سالمة ... وذكرت البنت تلك القصة لأبيها، فأتى أبوها إلى مجلس العلم، وذكر القصة للشيخ، فقال للحاضرين: أخرجوا أيديكم وأمِّنوا على دعائي لهذا الرجل، فأخرجوا أيديهم، وبقي رجل، فعلم الشيخ أنه صاحب القضية (١). وهذه الحكاية التي ذكرها ابن عجيبة من الحكايات التي ذكرها الصوفية في تربية المريدين على المجاهدة وتعذيب النفس اشتملت على مخالفات شرعية، وأمور باطلة، وهي: أ اعتبار هذه الحكاية من الجهاد الأكبر الذي هو جهاد النفس عند المتصوفة، وتفضيله على مجاهدة السيف، وبه يحصل التجلِّي فهو يقول: "وإذ تهذبت وكملت رياضتها، فالواجب اتباع ما يتجلَّى فيها إذ لا يتجلَّى فيها إلا الحق، وهذا هو ثمرة الجهاد الأكبر، وأمَّا الجهاد الأصغر الذي هو جهاد السيف فلا يحصل شيءٌ من هذا، فلذلك كان مفضولًا عند الجهاد الأكبر" (٢). ب الخلوة المحرمة. لقد جاء الشرع ببيان أسباب الفتن والتحذير منها وسد الذرائع المؤدية إليها، ففتنة النساء من أعظم الفتن التي تُبتلى بها الأمم، والنبي ﷺ حذرنا منها، وتأمَّل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة:
следующие страницы →