← Акыда

Акыда · id 543

آراء ابن عجيبة العقدية عرضا ونقدا

عبد الهادي العمري

Полный текст (870 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وهذا الذي رجَّحه ابن تيمية ﵀ بعدم صحَّة هذا الاسم لله فقال: "وأما كونه القديم الأزلي واحدًا، فهذا اللَّفظ لا يوجد في كتابٍ ولا في سنة نبيه ﷺ ، بل ولا جاء اسم القديم في أسماء الله تعالى، وإن كان من أسمائه (الأول). والأقوال نوعان: فما كان منصوصًا في الكتاب والسُّنَّة وجب الإقرار به على كلِّ مسلم. وما لم يكن له أصلٌ في النَّص والإجماع، لم يجب قبوله ولا ردُّه حتى يعرف معناه" (١). وردَّ أيضًا على أهل الكلام الذين أطلقوا اسم (القديم) على الله "والصواب أنَّ القديم ما تقدَّم على غيره في اللغة التي جاء بها القرآن، وأما كونه كان معدومًا، أو لم يكن معدومًا، فهذا لا يشترط في تسميته قديمًا، والله أحقُّ أن يكون قديمًا؛ لأنه متقدِّمٌ على كلِّ شيء لكن لما كان لفظ القديم فيه نواحٍ لا تدلُّ مطلقة إلا على المتقدِّم على غيره، كان اسم الأوَّل أحسن منه فجاء في أسمائه الحسنى التي في الكتاب والسُّنَّة أنَّه الأول، وفرق بين الأسماء التي يُدعَى بها وبينما يُخبر به من الألفاظ لأجل الحاجة إلى بيان معانيها" (٢). ولذلك عدَّ العلماء من الإلحاد في أسماء الله "العدول بها عن الصواب فيها، وإدخال ما ليس من معانيها فيها، ومن فعل ذلك فقد كذب على الله (٣). قال ابن حجر ﵀: "قال أهل التفسير: ومن الإلحاد في أسمائه تسميته بما لم يرد في الكتاب أو السُّنَّة الصحيحة" (٤).

стр. 247

مسألة: الاسم والمسمَّى وموقف ابن عجيبة منها قال ابن عجيبة: "الاسم عين المسمَّى في التحقيق" (١)، وبهذا القول قد وافق قول الأشاعرة (٢). وقد نشأت هذه المقالة نتيجة الخلاف مع المعتزلة في عهد الإمام أحمد ﵀ في إبطال قولهم: إنَّ الاسم غير المسمَّى (٣)، علمًا أنه كره الخوض في ذلك؛ لأنه عدَّه من المحدثات (٤). وفي هذا الصدد نبيِّن موقف العلماء في هذه المسألة. قال ابن تيمية ﵀: "القول في الاسم والمسمَّى من الحماقات المبتدعة التي لا يعرف فيها قولٌ لأحدٍ من الأئمة، وأنَّ حسب الإنسان أن ينتهي إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ﴾ (٥)، وهذا هو القول بأنَّ الاسم للمسمَّى، وهذا الإطلاق اختيار أكثر المنتسبين إلى السُّنَّة من أصحاب الإمام أحمد وغيره" (٦). القول الثاني: أنَّ الاسم هو المسمَّى، أي الاسم يراد به المسمَّى. قال ابن تيمية: "والذين قالوا: الاسم هو المسمَّى أمثال: أبي بكر عبد العزيز (٧)، وأبي القاسم الطبراني (٨)، واللالَكائي (٩)، وأبي محمد البغوي صاحب

стр. 248

شرح السُّنَّة وغيرهم" (١). والقول الثاني وهو المشهور عن أبي الحسن (٢): أنَّ الأسماء ثلاثة أقسام: تارة يكون الاسم هو المسمَّى كاسم الموجود، وتارة يكون غير المسمَّى كاسم الخالق، وتارة لا يكون هو ولا غيره كاسم العليم والقدير. وهؤلاء الذين قالوا: إنَّ الاسم هو المسمَّى لم يريدوا بذلك أنَّ اللَّفظ المؤلَّف من الحروف هو نفس الشخص المسمَّى به، فإنَّ هذا لا يقوله عاقل؛ ولهذا يقال: لو كان الاسم هو المسمَّى لكان من قال: نار احترق لسانه، ومن الناس من يظنُّ أنَّ هذا مرادهم، ويشنِّع عليهم، وهذا غلطٌ عليهم؛ بل هؤلاء يقولون: اللَّفظ هو التسمية، والاسم ليس هو اللَّفظ؛ بل هو المراد باللَّفظ فإنَّك إذا قلتَ: يا زيد، يا عمرو، فليس مرادك دعاء اللَّفظ، بل مرادك دعاء المسمَّى باللَّفظ، وذكرت الاسم فصار المراد بالاسم هو المسمَّى. وهذا لا ريب فيه إذا أخبر عن الأشياء فذُكِرَتْ أسماؤها، فقيل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (٣)، [﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٤)]-[٠٣٣:] ٠٤٠ - ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٥)، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٦) فليس المراد أنَّ هذا اللَّفظ هو الرَّسُول، وهو الذي كلَّمه الله.

стр. 249

وكذلك إذا قيل: جاء زيدٌ وأشهد على عمرو، وفلانٌ عدلٌ ونحو ذلك، فإنِّما تذكر الأسماء والمراد بها المسمَّيات، وهذا هو مقصود الكلام، فلما كانت أسماء الأشياء إذا ذُكرت في الكلام المؤلَّف فإنَّما المقصود هو المسمَّيات، قال هؤلاء: الاسم هو المسمَّى وجعلوا اللفظ هو الاسم عند الناس هو التسمية، كما قال البغوي: والاسم هو المسمَّى وعينه وذاته" (١). "أمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (٢)، فأخبر أنَّ اسمه يحيى، ثم نادى الاسم فقال: ﴿يَايَحْيَى﴾ (٣) فهذا اسمه، ليس اسم ذاته فالمقصود المراد بنداء الاسم هو نداء المسمَّى؛ لم يقصد نداء اللفظ" (٤) وقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (٥). وأراد الأشخاص المعبودة؛ لأنهم كانوا يعبدون المسمَّيات، وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ (٧). قال أبو الحسن: ثم يقال للتسمية أيضًا اسم، واستعماله في التسمية أكثر من المسمَّى. وقال أبو بكر بن فورك (٨): اختلفت النَّاس في حقيقة الاسم، ولأهل اللُّغة في ذلك كلام، ولأهل الحقائق فيه بيان، وبين المتكلِّمين فيه خلاف.

стр. 250

فأمَّا أهل اللُّغة فيقولون: الاسم حروفٌ منظومة دالَّةٌ على معنى مفرد، ومنهم من يقول: إنَّه قول يدلُّ على مذكور يضاف إليه؛ يعني: الحديث والخبر. قال: وأما أهل الحقائق فقد اختلفوا أيضًا في معنى ذلك، فمنهم من يقول: اسم الشيء هو ذاته وعينه (أي هو المسمَّى)، والتسمية عبارة عنه ودلالة عليه، فيسمى اسمًا توسُّعًا. وقالت الجهمية والمعتزلة: الأسماء والصفات: هي الأقوال الدالَّة على المسمَّيات، وهو قريبٌ مما قاله بعض أهل اللُّغة. والثالث: لا هو، ولا هو غيره، كالعلم والعالم، ومنهم من قال: اسم الشيء هو صفته ووصفه. قال: والذي هو الحق عندنا: قول من قال: اسم الشيء هو عينه وذاته، واسم الله هو الله، وتقدير قول القائل: بسم الله أفعل، أي: بالله أفعل، وأنه اسمه هو. قال: وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام (١)، واستدلَّ بقول لَبِيد (٢): إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر (٣) والمعنى: ثم السلام عليكما، فإنَّ اسم السلام هو السلام.

стр. 251

قال: واحتج أصحابنا في ذلك بقوله ﵎: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١)، وهذا هو صفة للمسمَّى لا صفة لما هو قول وكلام، وبقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٢)، فإنَّ المسبَّح هو المسمَّى وهو الله، وبقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (٣)، ثم قال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٤)، فنادى الاسم وهو المسمَّى" (٥). قلنا: الفقهاء أجمعوا على أنَّ الحالف باسم الله كالحالف بالله، في بيان أنه تنعقد اليمين بكلِّ واحدٍ منهما؛ فلو كان اسم الله غير الله لكان الحالف بغير الله لا تنعقد يمينه، فلما انعقد، ولزم بالحنْث فيها كفَّارة دلَّ على أنَّ اسمه هو، ويدلُّ عليه أنَّ القائل إذا قال: ما اسم معبودكم؟ قلنا: الله، فإذا قال: ما معبودكم؟ قلنا: الله، فنجيب في الاسم بما نجيب به في المعبود، فدلَّ على أنَّ اسم المعبود هو المعبود لا غير، وبقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (٦)، وإنما عبدوا المسمَّيات لا الأقوال التي هي أعراض لا تعبد. قال: فإن قيل: أليس يقال: الله إلهٌ واحدٌ وله أسماء كثيرة، فكيف يكون الواحد كثيرًا؟ قيل: إذا أطلق أسماء، فالمراد به مسميات المسمَّين، والشيء قد يُسمَّى باسم دلالته كما يُسمَّى المقدور قدرة.

стр. 252

قال: فعلى هذا يكون معنى قوله: باسم الله، أي بالله، والباء معناها الاستعانة وإظهار الحاجة، وتقديره: بك أستعين وإليك أحتاج، وقيل: تقدير الكلمة: أبتدئ أو أبدأ باسمك فيما أقول وأفعل. قلتُ: لو اقتصروا على أنَّ أسماء الشيء إذا ذُكرت في الكلام فالمراد بها المسمَّيات كما ذكروه في قوله: ﴿يَايَحْيَى﴾ (١)، ونحو ذلك لكان ذلك معنى واضحًا لا ينازعه فيه من فهمه، لكن لم يقتصروا على ذلك؛ ولهذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السُّنَّة وغيرهم؛ لما في قولهم من الأمور الباطلة، مثل دعواهم أنَّ لفظ اسم الذي هو ا س م معناه: ذات الشيء ونفسه، وأنَّ الأسماء التي هي الأسماء مثل: زيد وعمرو هي التسميات، ليست هي أسماء المسمَّيات، وكلاهما باطلٌ مخالفٌ لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه. فإنهم يقولون: إنَّ زيدًا وعمرًا ونحو ذلك هي أسماء الناس، والتسمية جعل الشيء اسمًا لغيره، وهي مصدر سمَّيته تسميةً إذا جعلت له اسمًا، والاسم هو القول الدال على المسمَّى، ليس الاسم الذي هو لفظ اسم هو المسمَّى، بل يراد به المسمَّى، لأنه حكم عليه" (٢)، قال الشافعي ﵀: "من حلف باسم من أسماء الله تعالى فعليه الكفَّارة؛ لأنَّ اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة، أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفَّارة؛ لأنَّه مخلوق، وذاك غير مخلوق" (٣). والرأي الأصحُّ والأسلم الذي ذكره شارح الطحاوية بقوله: "وطالما غلط كثيرٌ

стр. 253

من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه, فالاسم يراد به المسمَّى تارة، ويراد به اللَّفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك -فهذا المراد به المسمَّى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله ونحو ذلك- فالاسم هاهنا هو المراد لا المسمَّى، ولا يقال غيره؛ لما في لفظ الغير من الإجمال: فإن أريد بالمغايرة أنَّ اللَّفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أنَّ الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سمَّاه خلقه بأسماء من صنعهم- فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى" (١). وهذا القول هو الموافق لصريح الكتاب والسُّنَّة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وقال النبي ﷺ : «إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا مئة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة» (٣). ثانيا: آراؤه في صفات الله تعالى أ- تقسيم الصفات وطريقته في إثباتها أولًا: صفات نفسيَّة: وهي: "كل صفة إثبات للنفس لازمة ما بقيت النفس وغير معللة بعللٍ قائمة بالموصوف" (٤). ومثال ذلك: قال ابن عجيبة: "الحليم من الصفة النفسية" (٥).

стр. 254

ثانيًا: الصفات السلبيَّة هي: "ما يكون السَّلب معتبرًا في مفهومها" (١). مثال ذلك: قال عن اسم الله السلام: معناه راجعٌ إلى تنزُّه الحقِّ عن الآفات المقدَّسة "وهو صفة سلب" (٢). ثالثًا: صفات المعاني أو الصفات الثبوتيَّة، وهي: "كلُّ صفةٍ دلَّ الوصف بها على معنى زائد على الذات" (٣). والضابط في اصطلاحهم: هي ما دلَّ على معنى وجوديٍّ قائمٍ بالذات، ولم يقر هؤلاء إلا بسبعٍ منها: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، ونفوا ما عداها من صفات المعاني، كالرأفة، والرحمة، والحلم (٤). رابعًا: الصفات المعنويَّة، وهي: "الأحكام الثابتة للموصوف بها معلَّلة بعللٍ قائمةٍ بالموصوف" (٥). وهي (كونه قادرًا، ومريدًا، وحيًّا، وعالِمًا، ومتكلِّمًا، وسميعًا، وبصيرًا). وهذه الصِّفات التي يزعم ابن عجيبة أنه أثبتها، اشتملت على عشرين صفة على حدِّ زعمه وهي: "الوجود، والقدم، والبقاء، والمخالفة للحوادث، والقيام بالنفس، والوحدانية، والقدرة، والإرادة، والعلم، والسمع، والبصر، والكلام، وكونه تعالى قادرًا، ومريدًا، وعالِمًا، وحيًّا، وسميعًا، وبصيرًا، ومتكلِّمًا" (٦).

стр. 255

والصفات التي أخبر بها الله عن نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ آمن بها الصحابة ﵃، وتلقَّوها بالقبول والتسليم، وسار على نهجهم من وفَّقه الله لفهمها وفق منهج السلف الصالح. وكذلك لم يتكلَّفوا تقسيم الصفات أو الخوض في ذلك إلا عندما اضطروا إليه؛ لأنهم لم يتجاوزوا الكتاب والسُّنَّة، ولم يؤثر عن الصحابة ﵃ أن تنازعوا في مسألة من مسائل الصفات، بل آمنوا بها وأمرُّوها كما جاءت، قال المقريزي ﵀ (١): "ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفيَّة، علم أن لم يرد قطُّ من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة ﵃ على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله ﷺ عن معنى شيءٍ مما وصف الرَّب سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم، وعلى لسان نبيه محمد ﷺ ، بل كلُّهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات ... ولا فرَّق أحدٌ منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل" (٢). ولكن لما نبتت نابتة من أهل البدع ونفوا الصفات أو أوَّلوها، أو ردُّوا بعضها، كان لا بدَّ لأهل السُّنَّة من ردِّ باطلهم. وابن عجيبة سلك مسلك الأشاعرة في تقسيمه للصفات وبهذا خالف ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة.

стр. 256

ولقد بيَّن العلماء ﵏ القول الحق في تقسيم الصفات. قال ابن تيمية ﵀: "الصفات نوعان (١): أحدهما: صفات نقص، فهذه يجب تنزيه الله عنها مطلقًا، كالموت، والعجز، والجهل. والثاني: صفات كمال، مثل القيُّوم، وصفة الحياة، وغيرها من صفات الكمال المثبتة في الكتاب والسُّنَّة، فهذه يمتنع أن يماثله فيها شيء (٢). وتنقسم إلى قسمين: صفات ثبوتيَّة وصفات منفيَّة. والصفات الثبوتيَّة تنقسم إلى قسمين من جهة تعلقها بالله وهي: صفات ذاتيَّة وصفات فعليَّة (٣). ١ - الصفات الذاتيَّة: هي التي لا تنفكُّ عن الذات، والتي لم يزل ولا يزال الله متصفًا بها (٤). مثل: (الوجه، اليدين، العينين) (٥). ٢ - الصفات الفعلية: وتُسمَّى الصفات الاختياريَّة، وهي المتعلقة بالمشيئة والقدرة، أو هي التي تنفكُّ عن الذَّات (٦)، مثل: الاستواء، والمجي، والنزول.

стр. 257

الصفات المنفية: وهي التي نفاها الله عن نفسه في كتابه أو لسان رسوله ﷺ مع إثبات (١) كمال ضدِّها له تعالى. وكما هو معلوم أنَّ النفي المحض ليس فيه مدحٌ ولا كمالٌ إلا إذا تضمَّن إثباتًا، وإلا فمجرَّد النفي ليس فيه مدحٌ ولا كمال؛ لأنَّ النَّفي المحض عدمٌ محض. ولهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النَّفي متضمِّنًا لإثبات مدح كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٢) فنفي السِّنَة والنوم يتضمَّن كمال الحياة والقيام (٣). وتنقسم الصفات من حيث الدليل إلى قسمين: ١ - الصفات الخبرية، وهي التي دلَّ على ثبوتها الخبر عن الله ورسوله ولا مجال للعقل في نفيها أو إثباتها (٤). ٢ - الصفات العقليَّة: هي التي دلَّ العقل (٥) عليها إضافةً إلى أنها ثابتة بدلالة الكتاب والسُّنَّة، فهي شرعيَّة عقليَّة، قال ابن تيمية ﵀: "فهي شرعيَّة؛ لأنَّ الشرع دلَّ عليها، وأرشد إليها، وهي عقليَّة؛ لأنها تُعلم صحتها بالعقل، ولا يقال إنها لم تُعلم إلا بمجرَّد الخبر، فإذا أخبر الله بالشيء ودلَّ عليه بالدلالات العقليَّة صار مدلولًا عليه بخبره ومدلولًا عليه بدليله العقلي الذي يُعلم به، فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخلٌ في دلالة القرآن التي تُسمَّى (الدلالة الشرعية) " (٦).

стр. 258

وقال أيضًا: "والمقصود هنا أنَّ من صفات الله تعالى ما قد يُعلم بالعقل، كما يُعلم أنه عالم، وأنه قادرٌ، وأنه حيٌّ، كما أرشد إلى ذلك قول الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١). وقد اتفق النُّظَّار من مثبتة الصفات على أنه يُعلم بالعقل -عند المحققين- أنَّه حيٌّ، عليمٌّ قدير، مريدٌّ، وكذلك السَّمع والبصر والكلام يثبت بالعقل عند المحققين منهم، بل وكذلك الحبُّ والرِّضا، والغضب يمكن إثباته بالعقل، وكذلك علوه على المخلوقات ومباينته لها مما يُعلم بالعقل، كما أثبتته الأئمة مثل: أحمد بن حنبل وغيره" (٢). وقسَّم العلماء الصفات الفعلية من جهة تعلُّقها بمتعلقها إلى قسمين (٣): ١ - متعدية: وهي ما تعدَّت لمفعولها بلا حرف جرَّ مثل: خلق، ورزق، وهدى، وأضلَّ، ونحوها. ٢ - لازمة: وهي ما تتعدَّى لمفعولها بحرف جر كالاستواء والمجيء والإتيان والنزول ونحوها. والقولُ السابقُ أصلُه عند ابن تيمية ﵀ فقد قسَّمها هذا التقسيم بقوله: "القول الثابت: إثبات الفعلين اللازم والمتعدي كما دلَّ عليه القرآن فنقول: إنه كما أخبر عن نفسه: أنَّه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وهو قول السلف، وأئمة السُّنَّة" (٤).

стр. 259

وأيضًا تبعه على هذا التقسيم تلميذه ابن القيم بقوله: "فأفعاله نوعان: لازمة، ومتعدية، كما دلَّت النصوص التي هي أكثر من أن تحصر على النوعين" (١). وابن عجيبة كما يظهر أنه سلك مسلك الأشاعرة المتأخرين بتقسيم الصفات إلى أربعة أقسام، كما مرَّ معنا، وليس عندهم من الإثبات -بزعمهم- إلا صفات المعاني التي خالفوا فيها منهج أهل السُّنَّة والجماعة في إثباتها، بقولهم إنها أزليَّة، ولزومها لذات الرَّب أزلًا وأبدًا، وهم خشوا بذلك إن أثبتوها -بحسب زعمهم- حلول الحوادث بالله تعالى (٢). وردّ الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ على ما زعموه في هذه الصفات السبع بقوله: "والتحقيق أنَّ عد الصفات السبع المعنوية ... لا وجه له؛ لأنها في الحقيقة إنما هي كيفية الاتصاف بالمعاني السبع التي ذكرنا، ومن عدَّها من المتكلِّمين عدّوها بناءً على ثبوت ما يسمونه الحال المعنوية التي يزعمون أنها واسطة ثبوتية، لا معدومة ولا موجودة، والتحقيق أنَّ هذه خرافة وخيال، وأنَّ العقل الصحيح لا يجعل بين الشيء ونقيضه واسطةً البتَّة، فكلُّ ما ليس بموجود فهو معدومٌ قطعًا، وكلُّ ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعًا، ولا واسطة البتَّة كما هو معروفٌ عند العقلاء" (٣).

стр. 260

ب- تأويلاته في باب الصفات آراؤه في الصفات الذاتية. تعريف صفة العلو وموقف ابن عجيبة منها. العلو: ضدُّ السُّفل. العين واللام والحرف المعتل ياءً كان، أو واوًا، أو ألفًا، أصلٌ واحدٌ يدلُ على السُّموِّ والارتفاع (١)، ومنه العلاء والعلوُّ، فالعلاءٌ: الرفعة، والعلوُّ: العظمة والتجبُّر (٢)، والعلو يُطلق في اللُّغة على معان هي: علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر (٣). وعلو الله من الصفات الذاتية الثابتة، سمعًا، وعقلًا، وفطرةً، ولقد أجمع أهل السُّنَّة والجماعة على إثبات هذه الصفة على الوجه اللائق به . ويعتقد ابن عجيبة أنَّ الله منزَّهٌ عن العلو، فقال: "كان الله ولا أين ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان" (٤)، وهو بهذا ينفي علو الله الذاتي. وما اعتقده ابن عجيبة يخالف ما ذهب إليه أهل السُّنَّة والجماعة في إثباتها بدلالة السَّمع والفطرة والعقل. أولًا: الأدلة السَّمعية الأدلة السمعيَّة على إثبات صفة العلو كثيرة، وقد عدَّ ابن القيم عشرين نوعًا، ذكر منها (٥):

стр. 261

* التصريح بالصعود، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١). * التصريح بذكر أنه في السَّماء، قال تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (٢). * الفوقية المقرونة بـ (من)، قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣). * ذكر العلو، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٤). * ذكر التنزيل، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٥). ثانيًا: الأحاديث الدالة على علو الله تعالى وتنوع دلالتها ١ - التصريح برفع الأيدي إلى الله : قال رسول الله ﷺ : «إنَّ ربكم ﵎ حييٌّ كريم يَستْحيى من عبده إذا رفع يديه إليه أن يرُدَّهما صِفْرًا» (٦). ٢ - التصريح بلفظ الأين، مثل سؤال النبي ﷺ للجارية، فعن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: كانت لي جاريةٌ ترعى غنمًا لي قِبَل أُحُدٍ والجوانية (٧) فاطلعت ذات يومٍ فإذا الذئب قد ذهب بشاةٍ من غنمها وأنا رجلٌ من بني آدم آسفُ كما

стр. 262

يأسفون، لكنى صككتُها صكَّةً، فأتيت رسول الله ﷺ فعظُمَ ذلك عليَّ، قلتُ: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: «ائتني بها»، فأتيته بها فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السَّماء، قال: «من أنا؟»، قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (١). ٣ - التشهيد، فقد خطب النبي ﷺ في حجَّة الوداع وبلَّغهم، وعلَّمهم، ثم قال بأُصْبُعِهِ السَّبَّابة يرْفَعُها إلى السَّماء، وينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد» (٢). ٤ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كانت زينب ﵂ تفخر على أزواج النبي ﷺ وتقول: «زوجكنَّ أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات» (٣). ثالثًا: دلالة الفطرة على إثباتها الناس مفطورون على ذلك، والإنسان إذا ناجى ربَّه رفع رأسه إلى السَّماء، ولذلك لا يلتفت لمن أنكرها؛ لأنهم إما مقرِّون بقلوبهم ولكن جحدوا بألسنتهم ما في قلوبهم، أو أنَّ فطرتهم تغيَّرت بسبب علماء السوء، أو المجتمع، ولقد ذكر النبي ﷺ أنَّ الفطرة تتغيَّر بالمجتمعات، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وْيُنَصِّرانِهِ، كما تنتجون (٤) البهيمة، هل تجدون فيها من جدعاء (٥) حتى تكونوا أنتم تجدعونها» (٦).

стр. 263

رابعًا: دلالة العقل أما ثبوتها بالعقل فمن وجوه: أحدهما: العلم البديهي القاطع بأنَّ كلَّ موجودين إمَّا أن يكون أحدهما ساريًا في الآخر قائمًا به كالصفات، وإما أن يكون قائمًا بنفسه بائنًا من الآخر. الثاني: أنَّه لما خلق العالم فإمَّا أن يكون خلقه في ذاته أو خارجًا عن ذاته، والأول باطل، أمَّا أولًا فبالاتفاق، وأمَّا ثانيًا؛ فلأنَّه يلزم أن يكون محلًّا للخسائس والقاذورات, تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. والثاني: يقتضي كون العالم واقعًا خارج ذاته، فيكون منفصلًا، فتعيَّنت المباينة؛ لأنَّ القول بأنَّه غير متصل بالعالم، وغير منفصل عنه غير معقول. والثالث: أنَّ كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكليَّة؛ لأنَّه غير معقول، فيكون موجودًا إمَّا داخله وإمَّا خارجه، والأول باطل، فتعيَّن الثاني فلزمت المباينة (١). وذكر ابن تيمية ﵀ قريبًا من هذا القول فقال: "قاعدة عظيمة في إثبات عُلوّه تعالى: وهو واجبٌ بالعقل الصريح، والفطرة الإنسانية الصحيحة، وهو أن يقال: كان اللَّه ولا شيءَ معه ثم خلق العالم، فلا يخلو: إما أن يكون خلقه في نفسه وانفصل عنه، وهذا محال، تعالى اللَّه عن مماسَّة الأقذار وغيرها، وإما أن يكون خلقه خارجًا عنه ثم دخل فيه، وهذا محالٌ أيضًا، تعالى أن يحلَّ في خلقه -وهاتان لا نزاع فيهما بين أحدٍ من المسلمين- وإمَّا أن يكون خلقه خارجًا عن نفسه الكريمة ولم يحلّ فيه، فهذا هو الحقُّ الذي لا يجوز غيره، ولا يليق باللَّه إلا هو، وهذه القاعدة للإمام أحمد من حججه على الجهمية في زمن المحنة" (٢).

стр. 264

خامسًا: دلالة الإجماع تضافرت أقوال السلف لإثبات هذه الصفة لله ، ومنها: قول أبي سعيد الدارمي في نقضه على بشر المرِّيسي (١): "ثم إجماع من الأولين والآخرين العالمين منهم والجاهلين أنَّ كلَّ واحدٍ ممَّن مضى وممَّن غبر إذا استغاث بالله تعالى، أو دعاه، أو سأله يمد يديه وبصره إلى السماء يدعوه منها، ولم يكونوا يدعوه من أسفل منهم من تحت الأرض ولا من أمامهم، ولا من خلفهم، ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم إلا من فوق السَّماء؛ لمعرفتهم بالله أنه فوقهم، حتى اجتمعت الكلمة من المصلِّين في سجودهم (سبحان ربي الأعلى) لا ترى أحدًا يقول (ربي الأسفل) حتى لقد علم فرعون في كفره وعتوه على الله أنَّ الله فوق السماء فقال فيما ذكره الله عنه في كتابه : ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ (٢) "، (٣). وقال أبو الحسن الأشعري في رسالته لأهل الثغر: "وأجمعوا على أنَّه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه" (٤). وقد دلَّ على ذلك بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ (٥).

стр. 265

وقال أيضًا: "ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأنَّ الله مستوٍ على العرش" (١). وقال ابن عبد البر: "ومن الحجة أيضًا في أنه على العرش فوق السماوات، أنَّ الموحِّدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمرٌ، أو نزلت بهم شدَّة، رفعوا وجوههم إلى السَّماء، يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصَّة والعامَّة من أن يُحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار، ولم يؤنِّبهم عليه أحدٌ، ولا أنكره عليهم مسلم" (٢). وقال ابن أبي شيبة (٣): "وأجمع الخلق جميعًا أنهم إذا دعوا الله جميعًا رفعوا أيديهم إلى السَّماء، فلو كان الله في الأرض السُّفلى ما كانوا يرفعون أيديهم إلى السَّماء وهو معهم على الأرض" (٤). سادسًا: أقوال الصحابة ﵃ ١ - عن ابن مسعود ﵁ في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٥)، قال: «العرش على الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» (٦). ٢ - قول عائشة ﵂: «وأيم الله، إنِّي لأخشى لو كنت أحبُّ قتله لقتلت-

стр. 266

تعني عثمان ﵁، ولكن علم الله من فوق عرشه أنِّي لم أحبّ قتله» (١). ٣ - قول عمر ﵁: عن أبي يزيد المديني قال: «لقيت امرأةٌ عمر يقال لها: خولة بن ثعلبة -وهو يسير مع الناس- فاستوقفته فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه حتى قضى حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذه العجوز، فقال: ويلك وهل تدري من هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأةٌ سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عنِّي إلى الليل ما انصرفت عنها حتى تقضي حاجتها، إلا أن تحضر صلاةٌ فأصليها، ثم أرجعُ إليها حتى تقضي حاجتها» (٢). صفة الوجه: أوَّل ابن عجيبة هذه الصفة، فقال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٣) أي: ذاته المقدَّسة" (٤). وصفة الوجه من الصفات الذاتيَّة الخبريَّة التي دلَّ على ثبوتها الكتاب والسُّنَّة، وتلقَّاها سلف الأُمَّة بالقبول والتسليم، ولم يتأولوها بل أمرُّوها كما جاءت من غير تحريفٍ ولا تمثيلٍ ولا تكييف، أمَّا الأشاعرة فهذا دأبهم في تأويل الصفات الخبرية، فلقد أوَّلوها بالذات كما ذكر ابن عجيبة، وكذلك أوَّلوها (بالثواب والجزاء) (٥)، وأوَّلوها (بالقبلة، والوجود، والرحمة (٦)) وغير ذلك من التأويلات الباطلة التي لم ترد لا في كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا لغة العرب.

стр. 267

أولًا: الأدلة من القرآن قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١). قال ابن كثير: "وقد نعت وجهه الكريم في هذه الآية بأنَّه ذو الجلال والإكرام، أي: هو أهلٌ أن يجلَّ فلا يعصى وأن يُطاع فلا يخالف" (٢). وقال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٣). قال ابن كثير: "يخبر تعالى أنَّ جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السموات، إلا من شاء الله، ولا يبقى أحدٌ سوى وجهه الكريم؛ فإنَّ الرَّبَّ -تعالى وتقدَّس- لا يموت، بل هو الحيُّ الذي لا يموت أبدًا" (٤). ثانيًا: الأدلة من السُّنَّة: ١ - عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: «إنَّ الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عملُ الليل قبلَ عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٥). ٢ - وعن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «جنَّتان من فضه وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى

стр. 268

ربِّهم إلا رداء الكبرياء على وجه في جنَّة عدن» (١). ٣ - وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: كنتُ أضربُ غلامًا لي فسمعت من خلفي صوتًا: «اعلم أبا مسعود، الله أقدر عليك منك عليه» فالتفت فإذا هو رسول الله ﷺ فقلتُ: يا رسول الله: هو حرٌّ لوجه الله، فقال: «أما لو لم تفعل، للفحتك النار، أو لمستك النار» (٢). ثالثًا: الإجماع ردّ الإمام الدارمي على من أنكر صفة الوجه لله بقوله: "ولولا كثرة من يستنكر الحق ويستحسن الباطل ما اشتغلنا كلَّ هذا الاشتغال بتثبيت وجه الله ذي الجلال والإكرام، ولو لم يكن فيه إلا اجتماع الكلمة من العالمين: أعوذ بوجه الله العظيم وأعوذ بوجهك يا رب، وجاهدت ابتغاء وجه الله وأعتقت لوجه الله لكان كافيًا مما ذكرنا، إذ عقله النساء والصبيان والبر والفاجر والعربي والعجمي غير هذه العصابة الزائغة الملحدة في أسماء الله المعطلة لوجه الله ولجميع صفاته " (٣). وقال ابن خزيمة (٤): "نحن نقول وعلماؤنا جميعًا في جميع الأقطار: إنَّ لمعبودنا وجهًا كما أعلمنا الله في محكم تنزيله فذوَّاه -أي وصفه بذو- بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء ونفي عنه الهلاك، ونقول: إنَّ لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات

стр. 269

وجهه كلَّ شيءٍ أدركه بصره، محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية، ونقول: إنَّ وجه ربنا القديم لا يزال باقيًا، فنفى عنه الهلاك والفناء" (١). رابعًا: من أقوال الصحابة ﵃ ١ - عن خباب ﵁ قال: «هاجرنا مع النبي ﷺ نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنَّا من مات لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير، ومنَّا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها (٢)، قتل يوم أُحُدٍ فلم نجد ما نكفنه إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النبي ﷺ أن نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإذخر» (٣). ٢ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «إنَّ العبد المسلم إذا قال الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله، أخذها ملك فجعلها تحت جناحه ثم صعد بها فلا يمرُّ بها على جمعٍ من الملائكة إلا استغفروا لقائلهنَّ حتى يجيء بها وجه الرحمن، ثم قرأ عبد الله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٤)»، (٥).

стр. 270

خامسًا: الرد على تأويلات الوجه (بالذات، أو الثواب، أو الجزاء، أو الرحمة) قال ابن القيم: "إنَّه لا يعرف في لغةٍ من لغات الأمم وجه الشيء بمعنى ذاته ونفسه، وغاية ما شبه به المعطل وجه الرَّب أن قالوا: هو كقوله: وجه الحائط، ووجه الثوب، ووجه النهار، ووجه الأمر (فيقال) لهذا المعطِّل المشبِّه: ليس الوجه في ذلك بمعنى الذات بل هذا مبطل لقولك فإنَّ وجه الحائط أحد جانبيه فهو مقابل لدبره، وكمثل هذا وجه الكعبة ودبرها، فهو وجه حقيقة ولكنه بحسب المضاف إليه، فلما كان المضاف إليه بناء كان وجهه من جنسه" (١). وأنَّه قد ثبت في عرف الناس وعاداتهم في الخطاب العربي الذي أجمع عليه أهل اللغة أنَّ تسمية الوجه في أيِّ محلٍّ وقع في الحقيقة والمجاز يزيد على قولنا: ذات، وأمَّا في الحيوان فذلك مشهورٌ حقيقة لا يمكن دفعه، ولا يسوغ فيه غير ذلك، وأمَّا في مقامات المجاز فكذلك أيضًا؛ لأنه يُقال: (فلانٌ وجه القوم) لا يراد به ذات القوم؛ إذ ذوات القوم غيره قطعًا ويقينًا، ويقال: (هذا وجه الثوب)؛ لما هو أجوده، ويقال: (هذا وجه الرأي) أي: أصحُّه وأقومه، (وأتيت بالخبر على وجهه) أي: على حقيقته (٢). والوجه في اللغة: مستقبل كل شيء؛ لأنه أوَّل ما يواجه منه، ووجه الرأي والأمر: ما يظهر أنه صوابه وهو في كلِّ محلٍّ بحسب ما يضاف إليه، فإن أضيف إلى زمن كان الوجه زمنًا، وإن أضيف إلى حيوان كان بحسبه، وإن أضيف إلى ثوب أو حائط كان بحسبه، وإن أضيف إلى مَن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣)

стр. 271

كان وجهه تعالى كذلك، فإذا كان هذا هو المستقرّ في لغة العرب وجب إثبات هذه الصفة على الوجه اللائق به سبحانه فهو وصفٌ زائدٌ على الذات المجرَّدة (١). وكان النبي ﷺ عند دخوله للمسجد يقول: «أعوذ بالله العظيم, وبوجهه الكريم, وسلطانه القديم, من الشيطان الرجيم» (٢). فالنَّبي ﷺ استعاذ بالذات مرَّة وبالوجه مرَّة، قال ابن القيم ﵀: "فتأمَّل كيف فرَّق في الاستعاذة بين استعاذته بالذات وبين استعاذته بالوجه الكريم، وهذا صريحٌ في إبطال قول من قال: إنه الذَّاتُ نفسها" (٣). وحمله على الثواب المنفصل من أبطل الباطل، فإنَّ اللغة لا تحتمل ذلك ولا يعرف أنَّ الجزاء يُسمَّى وجهًا للمجازي. وحمل الوجه في الآية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤) على الجهة والقبلة، إمَّا أن يكون هو ظاهر الآية أو يكون خلاف ظاهرها، ويكون المراد بالوجه وجه الله حقيقة; لأنَّ الوجه إنَّما يراد به الجهة والقبلة إذا جاء مطلقًا غير مضافٍ إلى الله تعالى، وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "لكن الصحيح أنَّ المراد بالوجه هنا وجه الله الحقيقي؛ أي إلى أي جهة تتوجَّهون، فثمَّ وجه الله ؛ لأنَّ الله محيطٌ بكلِّ شيء، ولأنَّه ثبت عن النبي ﷺ أنَّ المصلِّي إذا قام

стр. 272

يصلِّي فإنَّ الله قِبَل وجهه، ولهذا نهى أن يبصق أمام وجهه؛ لأن الله قبل وجهه ... وهذا معنى صحيح موافق لظاهر الآية، والمعنى الأول -وهو تفسير الوجه بالقبلة- لا يخالفه في الواقع (١)، إذا قلنا فثم وجه الله، وكان هناك دليل، سواء كان هذا الدليل تفسيرًا للآية الثانية في الوجه الثاني، أو كان الدليل ما جاءت به السُّنَّة، فإنك إذا توجَّهت إلى الله في صلاتك، ففي جهة الله التي يقبل الله صلاتك إليها، فثمَّ أيضًا وجه الله حقًّا، وحينئذٍ يكون المعنيان لا ينتفيان" (٢). صفة السمع والبصر: قال ابن عجيبة: "إنَّه سميعٌ بصيرٌ يسمع من غير أصمخة وآذان، ويرى من غير حدقةٍ ولا أجفان" (٣). يعتقد ابن عجيبة -بزعمه أنه مثبتٌ للصفة- ولقد نفاها فرارًا من إثبات أفعال الله الذي يعبر عنها بقيام الحوادث بذات الرب ، وأيضًا خالف أهل السُّنَّة والجماعة وفصَّل في النفي أيضًا، علمًا أنَّ النفي المفصَّل في القرآن لم يأتِ إلا على ثلاثة أسباب: ١ - نفي ما ادَّعاه الكاذبون في حق الله تعالى من النقائص، كقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤). ٢ - دفع توهُّم النقص في كمال الله ، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ (٥) , وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ

стр. 273

أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (١). ٣ - في سياق تهديد الكافرين، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (٢). وما اعتقده ابن عجيبة باطل حتى من القاعدة الأصولية (٣) التي نصَّت على أنَّ الإثبات مقدَّمٌ على النفي (٤)، وما نفاه ابن عجيبة وجب عليه الدليل، ولا دليل. والذي يظهر أنَّ ابن عجيبة يعتقد ما يعتقده الأشاعرة بأنَّ إثبات الصفات التي أثبتها الله لنفسه يوصف بها المخلوق فكان سببًا للنفي، وهذا لا مرية في بطلانه؛ لأنَّ صفات الله تليق بجلاله وكماله، وصفات الله صفات كمال لا نقص فيها، ولا يصح سلبها عن الله . قال ابن خزيمة: "أفليس من المحال يا ذوي الحجا، أن يقول خليل الرحمن لأبيه آزر: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (٥)، ويعيبه بعبادة ما لا يسمع، ولا يبصر، ثم يدعوه إلى عبادة من لا يسمع، ولا يبصر" (٦). وفصل الخطاب أنَّ القول الحق هو ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة فهم يعتقدون بأنَّ السمع والبصر صفتان ذاتيتان لله ، ويثبتونها على الوجه اللائق بالله تعالى، وتضافرت الأدلة على ذلك من القرآن والسُّنَّة والإجماع.

стр. 274

أولًا: الأدلة من القرآن قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٢). ثانيًا: الأدلة من السُّنَّة ١ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لما غزا رسول الله ﷺ خيبر، أو قال: لما توجَّه رسول الله ﷺ أشرف الناس على وادٍ فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر ألله أكبر لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : «اربعوا على أنفسكم، إنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنَّكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم» (٣). ٢ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "قام فينا رسول الله بخمس كلمات، فقال: «إنَّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٤). ثالثًا: الإجماع على إثبات صفة السمع والبصر قال الدارمي: "ولكنَّنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف كما أثبته لنفسه فيما أنزل من كتابه وأثبته له الرسول ﷺ " (٥).

стр. 275

ويقول أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا على إثبات حياة الله لم يزل بها حيًّا، وعلمًا لم يزل به عالِمًا، وقدرةً لم يزل بها قادرًا، وكلامًا لم يزل به متكلِّمًا، وإرادةً لم يزل بها مريدًا، وسمعًا وبصرًا لم يزل به سميعًا بصيرًا" (١). والله لم يكلفنا بمعرفة كنه الصفة، فلا نصف الله إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو بما وصفه رسوله ﷺ وعدم إدراكنا بالكيفية لا ينقص إيماننا؛ لأننا لم نكلَّف بذلك. قال أبو القاسم الأصبهاني: "فإن قيل: كيف يصح الإيمان بما لا نحيط علمًا بحقيقته؟ قيل: إنَّ إيماننا صحيحٌ بحقِّ من كلّفناه، وعلمنا محيط بالأمر الذي ألزمناه، وإن لم نعرف ما تحتها حقيقة كيفيته، وقد أمرنا بأن نؤمن بملائكة الله وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالجنَّة ونعيمها، وبالنَّار وعذابها، ومعلومٌ أنا لا نحيط علمًا بكلِّ شيءٍ منها على التفصيل وإنما كلفناه الإيمان بها جملة (٢). وقال البغوي: "إنَّ الامتناع عن الخوض في صفات الله تعالى بالتكييف والتشبيه واجب، وإنَّ المهتدي من سلك في نصوص الصفات عن طريق التسليم، وإنَّ الخائض فيها زائغ، والمنكر معطل، والمكيِّف مشبِّه، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرا" (٣). والعلم بكيفية الصفة ليس بحاصلٍ لأحد؛ "لأنَّ العلم بكيفية الصفة فرع على العلم بكيفية الموصوف، فإذا كان الموصوف لا تعلم كيفيته، امتنع أن تعلم كيفية الصفة" (٤).

стр. 276

والمعطلة لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو لائقٌ بالمخلوق، فعطَّلوا صفات الله . قال ابن تيمية: "أمَّا المعطلون؛ فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التمثيل والتعطيل، مثَّلوا أولًا، وعطَّلوا آخرًا، وهذا تشبيهٌ وتمثيلٌ منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيلٌ لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله " (١). وقال ابن عبد البر: "وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أنَّ لنا أرواحًا في أبداننا لا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفيته على عرشه يوجب أن ليس على عرشه" (٢). رابعًا: فمما جاء في ذلك من أقوال الصحابة ﵃ عن عائشة ﵂ قالت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلّمه في ناحية البيت، وما أسمع ما تقول، فأنزل الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٣)»، (٤).

стр. 277

* صفة الكلام: قال ابن عجيبة: "والله تعالى متكلِّمٌ بكلامٍ قديمٍ واحدٍ أزلي، فليس بصوتٍ ولا حرف، ولا لهوات، أو شفة، أو تحريك لسان" (١). وقال في موضع آخر: "أما لفظ القرآن فمشتَّقٌ من القرء" (٢). ومن خلال قوله تبيَّن أن ابن عجيبة يعتقد أنَّ كلام الله يُطلق على المعنى النفسي، فليس هو حروف وأصوات، وأنَّ كلام الله واحد، ونفى مشيئة الله في كلامه كما هو مقرَّرٌ عند أهل السُّنَّة والجماعة، ولا شكَّ أنَّ ما يعتقده باطلٌ مبنيٌّ على عقيدته الأشعرية، كما قال الباجوري (٣): "مذهب أهل السُّنَّة -يريد الأشعرية- أن القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس بمخلوق، وأمَّا القرآن بمعنى اللَّفظ الذي نقرؤه فهو مخلوق" (٤). وهذا مردودٌ بكلام العلماء المحققين، فلم يقل أحدٌ من السَّلف أنَّ كلام الله قديم، وإنما قالوا هو كلام الله غير مخلوق، وقالوا لم يزل متكلِّمًا، إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وكما شاء، ولم يقل أحدٌ منهم: إنَّ الله في الأزل نادى موسى ﵇، ولا قال: إنَّ الله لم يزل ولا يزال يقول: يا آدم، يا نوح، يا موسى، ونحو ذلك مما أخبر أنه قال، واتباع السلف عندما يقولون: إن كلام الله

стр. 278

قديم، أي لم يزل متكلِّمًا إذا شاء لا يقولون إنَّ نفس الكلمة المعيَّنة قديمة، كندائه لموسى ونحو ذلك (١). ولهذا بوَّب الإمام البخاري في صحيحه عدة أبواب على ذلك فقال: "باب: كلام الرب تعالى مع جبريل ﵇ ونداء الملائكة، وباب: "كلام الله تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، وباب: ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٢)، وباب: "كلام الرب مع أهل الجنَّة" (٣). ولهذا ما قاله ابن عجيبة هو حجة عليه إذ يلزمه أن تكون الصفات السبع التي يثبتها -بزعمه- هي واحدة حقيقة ومعنى، وهذا لا شكَّ في فساده. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فقال جمهور العقلاء لهم: تصور هذا القول يوجب العلم بفساده، وقالوا لهم: موسى سمع كلام الله كلَّه أو بعضه, إن قلتم كله لزم أن يكون قد علم علم الله، وإن قلتم بعضه فقد تبعّض، وقالوا لهم: إذا جوزتم أن تكون حقيقة الخبر هي حقيقة الأمر وحقيقة النهي عن كل منهي عنه، والأمر بكلِّ مأمورٍ به هو حقيقة الخبر عن كلِّ مخبر عنه فجوزوا أن تكون حقيقة العلم هي حقيقة القدرة وحقيقة القدرة هي حقيقة الإرادة، فاعترف حُذَّاقهم بأنَّ هذا لازم لهم لا محيد لهم عنه ولزمهم إمكان أن تكون حقيقة الذات هي حقيقة الصفات وحقيقة الوجود الواجب هي حقيقة الوجوب الممكن" (٤). ويقول أيضًا: "وقد خالفتم الشرع والعقل في قولكم: إنَّه قديم، وابتدعتم بدعةً

стр. 279

لم يسبقكم إليها أحدٌ من الصحابة ﵃ والتابعين وأئمة المسلمين، وفررتم من محذور إلى محذور كالمستجير من الرمضاء بالنار، ثم قولكم: إنه معنى واحد وهو: مدلول جميع العبارات مكابرة للعقل والشرع، فإنَّا نعلم بالاضطرار أنه ليس معنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، ولا معنى تبَّت يدا أبي لهب هو معنى سورة الإخلاص، والتوراة إذا عرَّبناها لم تصر هي القرآن العربي الذي جاء به محمَّد، وكذلك إذا ترجمنا القرآن بالعبرية لم يكن هو توراة موسى ﵇ إلى أن قال ... والسَّلف والأئمة لم يقل أحدٌ منهم بقولكم، لكن قالوا: إنَّ الله تكلَّم بالقرآن وغيره من الكتب المنزلة، وإنَّ الله نادى موسى بصوت سمعه موسى بأذنه كما دلَّت على ذلك النصوص، ولم يقل أحدٌ منهم إن ذلك النداء الذي سمعه موسى قديم أزلي، ولكن قالوا: إنَّ الله لم يزل متكلِّمًا إذا شاء وكيف شاء؛ لأنَّ الكلام صفة كمال لا صفة نقص، وإنما تكون صفة كمال إذا قام به لا إذا كان مخلوقًا بائنًا عنه فإنَّ الموصوف إلا بما قام به لا يتصف بما هو بائن عنه. فلا يكون الموصوف حيًّا عالِمًا قادرًا متكلِّمًا رحيمًا مريدًا بحياة قامت بغيره ولا بعلم وقدرة قامت بغيره ولا بكلام ورحمة وإرادة قامت بغيره. والكلام بمشيئة المتكلِّم وقدرته، أكمل ممن لا يكون بمشيئته وقدرته، وأمَّا كلام يقوم بذات المتكلِّم بلا مشيئته وقدرته، فإمَّا أنَّه ممتنع أو هو صفة نقص كما يدعى مثل ذلك في المصروع، وإذا كان كمالًا فدوام الكمال له وأنه لم يزل موصوفًا بصفات الكمال أكمل من كونه صار متكلِّمًا بعد أن لم يكن لو قدر أن هذا ممكن فكيف إذا كان ممتنعًا. وكان أئمة السُّنَّة والجماعة كلما ابتدع في الدين بدعة أنكروها ولم يقروها،

стр. 280

ولهذا حفظ الله دين الإسلام فلا يزال في أُمَّة محمد طائفة هادية مهدية ظاهرة منصورة" (١). "والتحقيق هو أنَّ الله قد تكلَّم بالحروف كما يليق بجلاله وعظمته فإنه قادر، والقادر لا يحتاج إلى جوارح، ولا إلى لهوات، وكذلك له صوت كما يليق به، يُسمع، ولا يفتقر ذلك الصوت المقدَّس إلى الحلق والحنجرة كلام الله تعالى كما يليق به، وصوته كما يليق به، ولا ننفي الحروف ولا الصوت عن كلامه سبحانه؛ لافتقارهما منَّا إلى الجوارح واللهوات، فإنهما من جناب الحق تعالى لا يفتقران إلى ذلك، وهذا ينشرح الصدر له ويستريح الإنسان به من التعسُّف، والتكلف ... " (٢). فكلام الله صفة ذاتيَّة باعتبار أصلها، وفعليَّة باعتبار أفرادها، وهي ثابتة لله بالكتاب والسُّنَّة والإجماع والعقل. قال ابن تيمية ﵀: "وعامَّة ما يوجد في الكتاب والسُّنَّة وكلام السلف والأئمة، بل وسائر الأمم عربهم وعجمهم من لفظ الكلام والقول، وهذا كلام فلان ... فإنَّه عند إطلاقه يتناول اللَّفْظ والمعنى جميعًا؛ لشموله لهما، ليس حقيقة في اللَّفْظ فقط كما يقوله قوم، ولا في المعنى فقط كما يقوله قوم، ولا مشترك بينهما كما يقوله قوم، ولا مشترك في كلام الآدميين وحقيقة في المعنى في كلام الله كما يقوله قوم" (٣). والكلام في الحقيقة يطلق على اللَّفْظ والمعنى، وليس على المعنى فقط أو اللفظ، وما عدا الحروف والأصوات فليس بكلامٍ حقيقة (٤).

стр. 281

فلفظ القول والكلام وما تصرَّف منهما من فعلٍ ماض ومضارعٍ وأمرٍ واسم فاعل، إنما يعرف في القرآن والسُّنَّة وسائر كلام العرب إذا كان لفظًا ومعنى، ولم يكن في مُسمَّى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من أهل البدع ثم انتشر. ولا ريب أنَّ مُسمَّى الكلام والقول ونحوهما ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول شاعر، فإنَّ هذا مما تكلَّم به الأوَّلون والآخرون من أهل اللغة، وعرفوا معناه، كما عرفوا مُسمَّى الرأس واليد والرِّجل ونحو ذلك. ولا شكَّ أنَّ من قال: إنَّ كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى وإنَّ المتلوَّ المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام الله وهو مخلوق، فقد قال بخلق القرآن في المعنى وهو لا يشعر، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١) (٢). والأدلة مستفيضة من الكتاب والسُّنَّة وأقوال الصحابة والإجماع على إثبات كلام الله . أولًا: الأدلة من القرآن قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي

стр. 282

وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٢). وفيه إثبات النداء لله وهو من أنواع الكلام، قال ابن تيمية: "والنداء في لغة العرب هو صوتٌ رفيعٌ لا يطلق النداء على ما ليس بصوت لا حقيقةً ولا مجازًا" (٣). قال السجزي (٤): "والنداء عند العرب صوتٌ لا غير، ولم يرد عن الله تعالى ولا عن رسوله ﷺ أنَّه من الله غير الصوت" (٥). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٦)، والأدلة على أنَّ كلام الله يسمع وأنَّ القرآن كلام الله وأنَّ تلاوة التالي لله لا تخرجه عن كلام الله كثيرةٌ جدًّا (٧). وقال تعالى مخاطبًا موسى ﵇: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (٨).

стр. 283

قال السجزي: "وكان يكلِّمه من وراء حجاب لا ترجمان بينهما، واستماع البشر في الحقيقة لا يقع إلا للصوت" (١). وقال أبو بكر الإسماعيلي الشافعي (٢): "القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه كيفما يُصرَّف بقراءة القارئ له وبلفظه، ومحفوظًا في المصاحف، غير مخلوق ... " (٣). ويقول ابن تيمية: "وربنا خاطبنا باللسان العربي الذي نفهمه، وليس فيه سماع يحصل من غير صوت" (٤). ثانيًا: الأدلة من السُّنَّة عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخطَّ لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحجَّ آدمُ موسى ﵉» (٥). فإذا عُلم هذا ثبت أنَّ الله نادى موسى ﵇ بصوت، وينادي عباده يوم القيامة بصوت. فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله يوم

стр. 284

القيامة: يا آدم فيقول: لبَّيك ربنا وسعديك، فينادي بصوت: إنَّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا من النَّار، قال: يا رب وما بَعثُ النار؟ قال: من كل ألفٍ -أراه قال تسعمائة وتسعة وتسعين ... » (١). ثالثًا: الإجماع فلقد أجمع أهل الإسلام على إثبات هذه الصفة لله، قال ابن حزم: "أجمع أهل الإسلام على أنَّ الله تعالى كلَّم موسى، وعلى أنَّ القرآن كلام الله، وكذا غيره من الكتب المنزلة والصحف" (٢). والله عاب على من عبد العجل؛ لأنه قد سُلب صفة الكلام، وهذا يدلُّ على أنَّ سلبها صفة نقص، والله منزَّه عن صفة النقص، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ (٣). رابعًا: دلالة العقل الصريح وأهل اللغة على إثبات صفة الكلام العقل الصريح يدلُّ على إثبات صفة الكلام لله بصوتٍ وحرف؛ لأنَّ غير المتكلِّم موصوفٌ بالنَّقص، وعدم القدرة على الكلام نقصٌ في حقِّ كلِّ عاقل، والكلام ميزة، ونفيه نقص. واتفق أهل اللغة على أنَّ الكلام يشتمل على اللَّفْظ والمعنى. قال ابن فارس: "الكاف واللام والميم أصلان، أحدهما يدلُّ على نطقٍ مفهم، والآخر على جراح، فالأول: الكلام، ... والأصل الآخر: الكَلْم وهو الجرح" (٤).

стр. 285

خامسًا: من أقوال الصحابة ﵃ على إثبات هذه الصفة ١ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «إذا تكلَّم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئًا، فإذا فُزِّع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنَّه الحق ونادوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾» (١). ٢ - وعن عائشة ﵂ في قصة الإفك وفيه أنها قالت: «ولكنَّ والله ما كنت أظنُّ أنَّ الله منزلٌ في شأني وحيًا يُتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلَّم الله فيَّ بأمرٍ يُتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها" (٢).
следующие страницы →