← Акыда

Акыда · id 543

آراء ابن عجيبة العقدية عرضا ونقدا

عبد الهادي العمري

Полный текст (870 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فلفظ القول والكلام وما تصرَّف منهما من فعلٍ ماض ومضارعٍ وأمرٍ واسم فاعل، إنما يعرف في القرآن والسُّنَّة وسائر كلام العرب إذا كان لفظًا ومعنى، ولم يكن في مُسمَّى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من أهل البدع ثم انتشر. ولا ريب أنَّ مُسمَّى الكلام والقول ونحوهما ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول شاعر، فإنَّ هذا مما تكلَّم به الأوَّلون والآخرون من أهل اللغة، وعرفوا معناه، كما عرفوا مُسمَّى الرأس واليد والرِّجل ونحو ذلك. ولا شكَّ أنَّ من قال: إنَّ كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى وإنَّ المتلوَّ المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام الله وهو مخلوق، فقد قال بخلق القرآن في المعنى وهو لا يشعر، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١) (٢). والأدلة مستفيضة من الكتاب والسُّنَّة وأقوال الصحابة والإجماع على إثبات كلام الله . أولًا: الأدلة من القرآن قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي

стр. 282

وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٢). وفيه إثبات النداء لله وهو من أنواع الكلام، قال ابن تيمية: "والنداء في لغة العرب هو صوتٌ رفيعٌ لا يطلق النداء على ما ليس بصوت لا حقيقةً ولا مجازًا" (٣). قال السجزي (٤): "والنداء عند العرب صوتٌ لا غير، ولم يرد عن الله تعالى ولا عن رسوله ﷺ أنَّه من الله غير الصوت" (٥). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٦)، والأدلة على أنَّ كلام الله يسمع وأنَّ القرآن كلام الله وأنَّ تلاوة التالي لله لا تخرجه عن كلام الله كثيرةٌ جدًّا (٧). وقال تعالى مخاطبًا موسى ﵇: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (٨).

стр. 283

قال السجزي: "وكان يكلِّمه من وراء حجاب لا ترجمان بينهما، واستماع البشر في الحقيقة لا يقع إلا للصوت" (١). وقال أبو بكر الإسماعيلي الشافعي (٢): "القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه كيفما يُصرَّف بقراءة القارئ له وبلفظه، ومحفوظًا في المصاحف، غير مخلوق ... " (٣). ويقول ابن تيمية: "وربنا خاطبنا باللسان العربي الذي نفهمه، وليس فيه سماع يحصل من غير صوت" (٤). ثانيًا: الأدلة من السُّنَّة عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخطَّ لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحجَّ آدمُ موسى ﵉» (٥). فإذا عُلم هذا ثبت أنَّ الله نادى موسى ﵇ بصوت، وينادي عباده يوم القيامة بصوت. فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله يوم

стр. 284

القيامة: يا آدم فيقول: لبَّيك ربنا وسعديك، فينادي بصوت: إنَّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا من النَّار، قال: يا رب وما بَعثُ النار؟ قال: من كل ألفٍ -أراه قال تسعمائة وتسعة وتسعين ... » (١). ثالثًا: الإجماع فلقد أجمع أهل الإسلام على إثبات هذه الصفة لله، قال ابن حزم: "أجمع أهل الإسلام على أنَّ الله تعالى كلَّم موسى، وعلى أنَّ القرآن كلام الله، وكذا غيره من الكتب المنزلة والصحف" (٢). والله عاب على من عبد العجل؛ لأنه قد سُلب صفة الكلام، وهذا يدلُّ على أنَّ سلبها صفة نقص، والله منزَّه عن صفة النقص، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ (٣). رابعًا: دلالة العقل الصريح وأهل اللغة على إثبات صفة الكلام العقل الصريح يدلُّ على إثبات صفة الكلام لله بصوتٍ وحرف؛ لأنَّ غير المتكلِّم موصوفٌ بالنَّقص، وعدم القدرة على الكلام نقصٌ في حقِّ كلِّ عاقل، والكلام ميزة، ونفيه نقص. واتفق أهل اللغة على أنَّ الكلام يشتمل على اللَّفْظ والمعنى. قال ابن فارس: "الكاف واللام والميم أصلان، أحدهما يدلُّ على نطقٍ مفهم، والآخر على جراح، فالأول: الكلام، ... والأصل الآخر: الكَلْم وهو الجرح" (٤).

стр. 285

خامسًا: من أقوال الصحابة ﵃ على إثبات هذه الصفة ١ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «إذا تكلَّم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئًا، فإذا فُزِّع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنَّه الحق ونادوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾» (١). ٢ - وعن عائشة ﵂ في قصة الإفك وفيه أنها قالت: «ولكنَّ والله ما كنت أظنُّ أنَّ الله منزلٌ في شأني وحيًا يُتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلَّم الله فيَّ بأمرٍ يُتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها" (٢).

стр. 286

* آراؤه في الصفات الاختياريَّة الفعليَّة: صفة الاستواء: وقع ابن عجيبة في هذه الصفة في محذورين باطلين: أولهما: تأويل الاستواء بالاستيلاء. ثانيهما: التفويض. قال ابن عجيبة في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١)، "استواء استيلاءٍ وإحاطة، حتى صار العرش غيبًا في إحاطة قهريته وأسرار ذاته" (٢). وقال في موضعٍ آخر: "وأنه مستوٍ على العرش على الوجه الذي أراد وبالمعنى الذي أراد" (٣). ويعتقد أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الله مستوٍ على عرشه حقيقةً، استواءً يليق بجلاله، من غير تكييفٍ ولا تمثيل، ولا تحريفٍ، ولا تعطيل. قيل للإمام أحمد "والله تعالى فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكلِّ مكان؟ قال: نعم، على عرشه لا يخلو شيءٌ من علمه" (٤). وقال ابن خزيمة: "فنحن نؤمن بخبر الله وأنَّ خالقنا مستوٍ على عرشه، لا نبدل كلام الله، ولا نقول قولًا غير الذي قيل لنا" (٥). وقال القرطبي: "وقد كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة، ولا

стр. 287

ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه، وأخبرت به رسله، ولم ينكر أحدٌ من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة ... وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فلا تعلم حقيقة" (١). أما ابن عجيبة فحاله كحال المؤولة الذين ينفون استواء الله على عرشه بالمعنى الصحيح الذي جاء في الكتاب والسُّنَّة، ويؤولونها على عدة مذاهب، فمنهم من يؤول الاستواء بالقهر والغلبة، مثل المعتزلة (٢)، وهو رأي للجويني (٣)، وابن فورك (٤)، والغزالي (٥)، والرازي (٦)، والإيجي (٧).

стр. 288

ومنهم من فسَّر الاستواء بالملك، والمراد: أنَّ الملك ما استوى لأحدٍ غيره (١)، وبهذا خالفوا صحيح المنقول، وصريح المعقول، ولم يسيروا وفق مذهب السَّلف؛ لأنهم -زعموا- أنَّ إثبات الاستواء يلزم منه الجهة والتحيُّز. وهذه الألفاظ مجملة تحتمل حقًّا وباطلًا، ولم يرد في نفيها ولا إثباتها كتابٌ ولا سُنَّة، فمن نفى الجهة ومراده بذلك أنَّ الله ليس مباينًا للعالم، وليس فوقه، ولا تجوز الإشارة إليه، فهذا المعنى باطلٌ غير صحيح، ومن نفاها مريدًا أنَّ المخلوقات لا تحيط به ولا تحصره، فهذا جمعٌ بين حقٍّ وباطل فالمعنى حق، واللَّفْظ المصرَّح به باطل؛ لإيهامه المعنى الأول. وأمَّا قولهم: لو كان في جهة لكان محتاجًا لهذا الحيِّز، فيجاب عنه بأنَّنا لا نُسلِّم أنَّ كلَّ ما يُسمَّي حيِّزًا وجهة فهو أمرٌ وجودي، بل قد يُقال إنَّ المُسمَّى بالجهة والحيِّز منه ما يكون وجوديًّا وهو الأمكنة الوجودية مثل داخل العالم فإنَّ الشمس والقمر والأفلاك والأرض والحجر والشجر ونحو هذه الأشياء كلها في أحياز وجوديَّة، أمَّا ما وراء العالم، فهو ليس في حيِّزٍ أو جهة وجوديَّة لكي يصح ما زعمتموه (٢). وأمَّا قولهم: لو كان مستويًا على العرش لكان محتاجًا إليه، محمولًا به، فيُجاب عنه أنَّه يصحُّ هذا المعنى لو أُثبت لله استواءً كاستواء المخلوقين، أمَّا إذا كان استواء الله استواءً يليق بجلاله غير مماثل لاستواء خلقه، فلا يصح هذا الإلزام.

стр. 289

قال ابن تيمية ﵀: "فيظنُّ المتوهِّم أنَّه إذا وُصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفُلْك والأنعام، كقوله: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ (١)، فيتخيَّل أنَّه إذا كان مستويًا على العرش كان محتاجًا إليه كحاجة المستوي على الفُلْك والأنعام، فلو انخرقت السفينة لسقط المستوي عليها ... فقياس هذا أنَّه لو عُدم العرش لسقط الرَّبُّ ﵎، ثم يريد -بزعمه- أن ينفي هذا فيقول: ليس استواؤه بقعودٍ ولا استقرار، وكان هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه على العرش، حيث ظنَّ أنَّه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفُلْك. وليس في اللَّفْظ ما يدلُّ على ذلك؛ لأنَّه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، كما أضاف إليها سائر أفعاله وصفاته ... فلم يذكر استواءً مطلقًا يصلح للمخلوق ولا عامًّا يتناول المخلوق، كما لم يذكر مثل ذلك في سائر صفاته، وإنما ذكر استواءً أضافه إلى نفسه الكريمة" (٢). ولم يأتِ نصٌّ واحدٌ من الوحيين يدلُّ على أنَّ معنى (استوى) (استولى). يقول ابن القيم: "إنَّ هذا اللَّفْظ- استوى- قد اطرد في القرآن والسُّنَّة حيث ورد بلفظ الاستواء دون الاستيلاء، ولو كان معناه استولى لكان استعماله في أكثر مورده كذلك، فإذا جاء موضعٌ أو موضعان بلفظ استوى حمل على معنى استولى؛ لأنه المألوف المعهود، وأمَّا أن يأتي إلى لفظٍ قد اطرد استعماله في جميع موارده على معنى واحد، فيدعي صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله فيه ففي غاية الفساد، ولم يقصده ويفعله من قصد البيان، هذا لو لم يكن في السياق ما يأتي حمله

стр. 290

على غير معناه الذي اطرد استعماله فيه، فكيف وفي السياق ما يأبى ذلك" (١). وقال أيضًا: "إنَّ لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله تعالى بلغتهم، وأنزل بها كلامه نوعان: (مطلق) و (مقيَّد). فالمطلق ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) وهذا معناه كَمل وتَمّ، يقال: استوى النبات واستوى الطعام. وأما المقيد فثلاثة أضرب: أحدها: مقيد بإلى كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٣) واستوى فلانٌ إلى السطح وإلى الغرفة، وقد ذكر سبحانه هذا المعدى بـ (إلى) في موضعين من كتابه: في البقرة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤)، والثاني في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٥) وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف. والثاني: مقيد بـ (على) كقوله: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٦)، وقوله: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ

стр. 291

يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١)، وهذا أيضًا معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة. الثالث: المقرون بواو (مع) التي تعدي الفعل إلى المفعول معه، نحو: (استوى الماء والخشبة) بمعنى ساواها، وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم، ليس فيها معنى استولى البتَّة، ولا نقله أحدٌ من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم ... والذين قالوا ذلك لم يقولوه نقلًا، فإنَّه مجاهرة بالكذب وإنما قالوه استنباطًا وحملًا منهم للفظة استوى على استولى (٢). ثانيًا: الأدلة من السُّنَّة على إثبات صفة الاستواء لله منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه» (٣). وأهل السُّنَّة والجماعة يخبرون عن الله ﷺ كما أخبر عن نفسه في كتابه. سُئل ابن الأعرابي (٤) عن معنى قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٥) فقال: هو على عرشه كما أخبر ، فقيل يا أبا عبد الله: ليس هذا معناه، إنما معناه: استولى، فقال: اسكت ما أنت وهذا لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد

стр. 292

فإذا غلب أحدهما قيل استولى. أما سمعت النابغة (١) يقول: ألا لمثلك أو ما أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمدِ (٢) (٣) وكذلك يستشهدون بمعاني الاستواء التي يدور عليها تفاسيرهم له. فلهم عباراتٌ عليها أربعٌ ... قد حُصِّلت للفارسِ الطعَّان وهي (استقرَّ) وقد (علا) وكذلك ... (ارتفع) الذي ما فيه من نكران وكذاك قد (صعد) الذي هو رابعٌ ... وأبو عبيدة صاحب الشيباني يختار هذا القول في تفسيرِهِ ... أدري من الجهمي بالقرآنِ (٤) ثالثًا: الرد على ابن عجيبة في مسألة تفويضه لصفة الاستواء ١ - تعريف التفويض في اللغة قال ابن فارس: الفاء والواو والضاد أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على الاتكال في الأمر على آخر ورده عليه" (٥). ٢ - تعريف التفويض عند أهل الكلام "هو صرف اللَّفْظ عن ظاهره مع عدم التعرض لبيان المعنى المراد به، بأن يُترك ويقال: الله أعلم بمراده" (٦).

стр. 293

وقد يقول قائل: إنَّ التفويض هو مذهب السَّلف؛ فيُردُّ عليه بأنَّ السَّلف فوَّضوا في كيفيَّة الصفة فقط دون المعنى، قال الإمام أحمد ﵀: "إنَّا لا نعلم كيفيَّة ما أخبر الله به عن نفسه، وإن علمنا تفسيره ومعناه" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد فسَّر الإمام أحمد النصوص التي تسمِّيها الجهمية متشابهات، فبيَّن معانيها آيةً آية، وحديثًا حديثًا، ولم يتوقَّف في شيءٍ منها هو والأئمة قبله، مما يدلُّ على أنَّ التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهبًا لأئمة السُّنَّة، وهو أعرف بمذهب السَّلف، وإنِّما مذهب السَّلف إجراء معاني آيات الصفات على ظواهرها بإثبات الصفات له حقيقة" (٢). ومراد السَّلف بقولهم بلا كيف هو نفي للتأويل. قال ابن القيم ﵀: "ومراد السَّلف بقولهم (بلا كيف) هو نفي التأويل، فإنه التكييف الذي يزعمه أهل التأويل، فإنهم هم الذين يثبتون كيفية تخالف الحقيقة فيقعون في ثلاثة محاذير: نفي الحقيقة، وإثبات التكييف بالتأويل، وتعطيل الرَّب -سبحانه- عن صفته التي أثبتها لنفسه، وأمَّا أهل الإثبات فليس أحد منهم يكيف ما أثبته الله تعالى لنفسه، ويقول: كيفية كذا وكذا حتى يكون قول السَّلف بلا كيف ردًّا عليهم، وإنما ردوا على أهل التأويل الذي يتضمَّن التحريف والتعطيل، تحريف اللَّفْظ وتعطيل معناه" (٣).

стр. 294

والتأويل هو أصل البلايا وبابه الذي وقع بسبهها الانحرافات العقدية المخالفة لنصوص الكتاب والسُّنَّة، ولذا قال ابن القيم ﵀ في قصيدته: هذا وأصلُ بليَّة الإسلامِ من ... تأويل ذي التحريف والبطلان وهو الذي قد فرق السبعين بل ... زادت ثلاثًا قول ذي البرهان وجميع ما في الكون من بدعٍ ... وأحداثٍ تخالف موجب القرآن فأساسها التأويل ذو البطلان لا ... تأويل أهل العلم والإيمان إذ ذاك تفسير المراد وكشفُهُ ... وبيانُ معناهُ إلى الأذهانِ (١) أما التفويض عند ابن عجيبة فمبنيٌّ على من سبقه بهذا وهو قول اللقاني (٢): وكلُّ نصٍّ أوهمَ التشبيها ... أوِّله أو فوِّض ورم تنزيهًا (٣) ولذلك يعتبر هذا البيت عمدة عند الأشاعرة. وهذا كلام خطيرٌ -والعياذ بالله- يلزم منه لوازم باطلة, منها: ١ - القدح في كتاب الله ومخالفة نصوص الكتاب التي ورد فيها التدبُّر لكتاب الله قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٤). ٢ - الطعن على النبي ﷺ بأنَّه لم يعلم المراد من كتاب الله .

стр. 295

ولهذا قال عنهم ابن تيمية ﵀: "وأمَّا التفويض فإنَّه من المعلوم أنَّ الله أمرنا أن نتدبَّر القرآن، وحضَّنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منَّا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟ فعلى قول هؤلاء: يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذٍ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلامًا لا يعقلون معناه ... ومعلومٌ أنَّ هذا قدح في القرآن والأنبياء، إذ كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنَّه جعله هدىً وبيانًا للناس، وأمر الرسول أن يبلِّغ البلاغ المبين، وأن يبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم، وأمر بتدبُّر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه -وهو ما أخبر به الرَّبُّ عن صفاته، أو عن كونه خالقًا لكلِّ شيء، وهو بكلِّ شيءٍ عليم، أو عن كونه أمر ونهى، ووعد وتوعَّد، أو عمَّا أخبر به عن اليوم الآخر لا يعلم أحد معناه، فلا يعقل ولا يتدبّر، ولا يكون الرَّسول بيَّن للناس ما نُزِّل إليهم، ولا بلَّغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كلُّ ملحدٍ ومبتدعٍ: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأنَّ تلك النصوص مشكلة متشابهة لا يعلم أحدٌ معناها، وما لا يعلم أحدٌ معناه لا يجوز أن يُستدلَّ به. فيبقي هذا الكلام سدًّا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب من يعارضهم ويقول: إنَّ الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء، لأنَّا نحن نعلم ما نقول ونبيِّنه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون: فضلًا عن أن يبيِّنوا مرادهم. فتبيَّن أنَّ قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شرِّ أقوال أهل البدع والإلحاد" (١).

стр. 296

٣ - أنَّ أئمة السَّلف فسَّروا الكثير من آيات الصفات، ونقل تفاسيرهم لها غير واحد، مما يدلُّ على أنَّهم فهموا معانيها (١). ٤ - أنَّ نصوص الصفات قد تواترت بأساليب متعددة ودلالات متعاضدة أوضحت أنَّ ظاهرها هو المطلوب فهمه، فصرف العقول والقلوب عن إدراك هذا المعنى، هو تعطيلٌ للنصوص عن معانيها (٢). ٥ - جنوا على النصوص حيث جعلوها دالةً على معنى باطل غير لائق بالله تعالى، ولا مراد له (٣). ٦ - معلوم أنَّ مجلس النبي ﷺ كان يحضره أقوام اختلفت أفهامهم وتباينت مداركهم، ومع ذلك لم ينقل عنه ﷺ أنه كان يحذر من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفات الله أو غير ذلك من المسائل في العقائد والأحكام، وهذا يبيِّن أنَّها على ظاهرها، وأنَّها مفهومة عندهم (٤).

стр. 297

* صفة القُرْب ورأيه فيها: قال ابن عجيبة: "ولا يماثل قربُه قربَ الأجسام كما لا تماثل ذاتُه ذاتَ الأجسام، وهو مع ذلك قريبٌ من كلِّ بعيد، وهو أقرب إلى العبيد من حبل الوريد" (١). ويقول في موضع آخر: "قربه رحمةٌ واجتباء، وتقريبٌ واصطفاء" (٢). وقال في موضع آخر: "فإذا تحقَّق المحو والاضمحلال، وزال البَيْن، وثبت الوصال، لم يبقَ قربٌ ولا بعدٌ ولا بَينٌ ولا انفصال" (٣). الملاحظ عند ابن عجيبة الاضطراب، فقوله الأول قولٌ صحيحٌ لا غبار عليه، وهذا هو ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة، ولكن سرعان ما نقض قوله الأول بأقواله الأخرى؛ وهذه عادة أهل البدع في التناقض دائمًا، وبهذا خالف أهل السُّنَّة والجماعة والأدلة الصريحة التي أثبت القرب لله بما يليق بجلاله . أولًا: الأدلة من القرآن ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٤). ٢ - وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (٥).

стр. 298

ثانيًا: الأدلة من السُّنَّة ١ - عن أبي موسى ﵁ أنَّهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال: «أيُّها النَّاس، ارْبعوا على أنفسكم، فإنَّكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إنَّ الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته» (١). قال ابن بطال ﵀ (٢): "ومعنى قوله ﷺ : (فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا) نفي الآفة المانعة من السَّمع، ونفى الجهل المانع من العلم، وفى هذا القول منه ﷺ دليلٌ على أنَّه لم يزل سميعًا بصيرًا عالِمًا، ولا تصحُّ أضداد هذه الصفات عليه، وقوله: (قريبًا) إخبارٌ عن كونه عالِمًا بجميع المعلومات لا يعزب عنه شيء" (٣). ٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال النبي ﷺ : «ومن تَقَرَّبَ إليَّ شبرًا تقرَّبت إليه ذراعًا، ومن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقربَّت إليه باعًا» (٤). ثالثًا: الرد على ابن عجيبة في تفسير القرب بوحدة الوجود قال ابن تيمية ﵀: "ففي الجملة: ما نطق به الكتاب والسُّنَّة من قرب الرَّب من عابديه وداعيه هو مقيَّد مخصوص؛ لا مطلق عام لجميع الخلق فبطل قول الحلولية كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (٥) فهذا قربه من داعيه، وأمَّا

стр. 299

قربه من عابديه ففي مثل قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (١). وقول النَّبي ﷺ في الحديث القدسي: «من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبُّ إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه ... » (٢)، وقال: «إذا تقرَّب العبد منِّي شبرًا تقرَّبت منه ذراعًا» (٣) فهذا قربه إلى عبده وقرب عبده إليه، ودنوه عشية عرفة إلى السَّماء الدنيا لا يخرج عن القسمين، ... فدنوه لدعائهم، وأمَّا نزوله إلى سماء الدنيا كلَّ ليلة فإن كان لمن يدعوه ويسأله ويستغفره فإنَّ ذلك الوقت يحصل فيه من قرب الرَّبِّ إلى عابديه ما لا يحصل في غيره" (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهذه الزيادة تكون على الوجه المتفق عليه، بزيادة تقريبه للعبد إليه جزاء على تقرُّبه باختياره، فكلَّما تقرَّب العبد باختياره قَدْر شبر زاده الرَّبُّ قُربًا إليه حتى يكون كالمتقرِّب بذراع، فكذلك قرب الرَّبِّ من قلب العابد، وهو ما يحصل في قلب العبد من معرفة الرَّبِّ والإيمان به، وهو المثل الأعلى، وهذا أيضًا لا نزاع فيه، وذلك أنَّ العبد يصير مُحبًّا لما أحبَّ الرَّبُّ، مبغضًا لما أبغض، مواليًا لمن يوالي، معاديًا لمن يعادي، فيتحد مراده مع المراد المأمور به الذي يحبه الله ويرضاه" (٥).

стр. 300

وقال أيضًا ... "فهذا القرب كلُّه خاصٌّ في بعض الأحوال دون بعض، وليس في الكتاب والسُّنَّة -قط- قرب ذاته من جميع المخلوقات في كلِّ حال؛ فعلم بذلك بطلان قول الحلوليَّة؛ فإنَّهم عمدوا إلى الخاص المقيَّد فجعلوه عامًّا مطلقا" (١). ويقول أيضًا مبيِّنًا أنَّ القرب ليس كالمعية: "وجميع ما وصف به الرَّبُّ نفسَه من القرب، فليس فيه ما هو عام لجميع المخلوقات كما في المعيَّة؛ فإنَّ المعيَّة وصف نفسه فيها بعموم وخصوص، وأمَّا قربه مما يقرب منه، فهو خاصٌّ لمن يقرب منه، كالداعي والعابد، وكقربه عشية عرفة، ودنوه إلى السَّماء الدنيا لأجل الحجاج" (٢).

стр. 301

* صفة الغضب: قال ابن عجيبة: "الغضب ثوران النَّفس وإرادة الانتقام" (١). يثبت أهل السُّنَّة والجماعة صفة الغضب، وهي من الصفات الفعليَّة التي يفعلها الله إذا شاء، ومتى شاء، كما يليق بجلاله ، وإثباتها من غير تعطيل، ولا تحريف، ولا تمثيل، ولا تكييف. وما ذهب إليه ابن عجيبة من تأويلها بإرادة الانتقام فهو باطل، قال ابن أبي العز (٢): "مذهب السَّلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضى، والعداوة والولاية، والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسُّنَّة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى، كما يقولون مثل ذلك في السَّمع والبصر والكلام وسائر الصفات ... ولا يقال: إنَّ الرضى إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإنَّ هذا نفي للصفة" (٣). ويقال لابن عجيبة وغيره من المؤولة الذين نفوا صفة الغضب عن الله خشية مشابهة غضب المخلوق كما زعموا: إنَّ هناك ثمة فروق بين غضب المخلوق، وغضب الخالق، ومنها: ١ - غضب المخلوق حقيقته غليان دم القلب، وجمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى يفور. أمَّا غضب الخالق فإنَّه صفة لا تماثل هذا، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

стр. 302

وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). ٢ - أنَّ غضب الآدمي يؤثر آثارًا غير محمودة، فالآدميُّ إذا غضب قد يحصل منه ما لا يحمد، فيقتل المغضوب عليه، وربما يطلق زوجته، أو يكسر الإناء، ونحو ذلك، أمَّا غضب الله فلا يترتب عليه إلا آثار حميدة لأنَّه حكيم، فلا يمكن أن يترتب على غضبه إلا تمام الفعل المناسب الواقع في محله، فغضب الله ليس كغضب المخلوقين، لا في الحقيقة ولا في الآثار، وإذا قلنا ذلك فلا نكون وصفنا الله بما يماثل صفات المخلوقين، بل وصفناه بصفةٍ تدلُّ على القوة وتمام السلطان; لأنَّ الغضب يدلُّ على قدرة الغاضب على الانتقام وتمام سلطانه; فهو بالنسبة للخالق صفة كمال، وبالنسبة للمخلوق صفة نقص. ويدلُّ على بطلان تأويل الغضب بالانتقام قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) فإنَّ معنى ﴿آسَفُونَا﴾: أغضبونا; فجعل الانتقام غير الغضب، بل أثرًا مترتبًا عليه; فدلَّ هذا على بطلان تفسير الغضب بالانتقام (٣). وكذلك من القواعد المقرَّرة عند أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر. يقول ابن تيمية ﵀: "القول في بعض الصفات كالقول في بعض؛ فإن كان المخاطب ممن يقول بأنَّ الله حيٌّ بحياة، عليمٌ بعلم، قديرٌ بقدرة، سميعٌ بسمع، بصيرٌ ببصر، متكلِّمٌ بكلام، مريدٌ بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه

стр. 303

وغضبه وكراهته فيجعل ذلك مجازًا ويفسره إمَّا بالإرادة وإمَّا ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات فيقال له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته بل القول في أحدهما كالقول في الآخر؛ فإن قلتَ: إنَّ إرادته مثل إرادة المخلوقين فكذلك محبته ورضاه وغضبه وهذا هو التمثيل، وإن قلتَ: إنَّ له إرادة تليق به، كما أنَّ للمخلوق إرادة تليق به قيل لك: وكذلك له محبَّة تليق به وللمخلوق محبَّة تليق به وله رضًا وغضبٌ يليق به وللمخلوق رضًا وغضبٌ يليق به وإن قلتَ: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام فيقال له: والإرادة ميل النَّفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرَّة، فإن قلتَ: هذه إرادة المخلوق، قيل لك: وهذا غضبُ المخلوق، وكذلك يلزم القول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته، إن نفي عنه الغضب والمحبة والرضا ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين، فهذا منتف عن السَّمع والبصر والكلام وجميع الصفات، وإن قال: إنَّه لا حقيقة لهذا إلا ما يختصُّ بالمخلوقين، فيجب نفيه عنه، قيل له: وهكذا السَّمع والبصر والكلام والعلم والقدرة" (١). وعلى هذا يجب إثبات صفة الغضب لله كما أثبتها لنفسه في كتابه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٢). وكما أثبتها له نبيُّنا محمَّد ﷺ في سنَّته، عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريل فقال: إنِّي أحبُّ فلانًا فأحبّه، قال: فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إنَّ الله يحبُّ فلانًا فأحبوه فيحبه أهل

стр. 304

السَّماء، قال: ثم يُوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إنِّي أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إنَّ الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض» (١). ج - التفصيل في النفي مع ذكر الألفاظ المجملة قال ابن عجيبة: "عليك أن تعتقد أنَّ الله ليس بجسمٍ مصوَّر (٢)، ولا جوهر محدود (٣)، ولا عرض" (٤). وهذا التفصيل في النفي مخالف لطريقة الكتاب والسُّنَّة، فطريقة الكتاب والسُّنَّة في إثبات الصفات هي النفي المجمل والإثبات المفصَّل، فالله نفى عن نفسه كلَّ صفات النقص إجمالًا فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥) وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٦)، وأثبت لنفسه صفات الكمال تفصيلًا، فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٧).

стр. 305

وابن عجيبة سلك طريقة المتكلِّمين التي مفادها التفصيل في النفي والإجمال في الإثبات، وهي طريقةٌ مخالفة للقرآن وللعقل؛ أمَّا مخالفتها للعقل: فلأنَّ النفيَ الذي يستعملونه هو النفي المحض، الذي لا يدلُّ على الكمال، ولا يتضمَّن أمرًا ثبوتيًّا، فهو نوعٌ من التعطيل؛ ولهذا فإنَّ من فقه السَّلف ﵏ أنَّهم سمَّوا أصحاب هذا المذهب بالمعطلة؛ لأنَّ من استعمل النفي المحض فإنَّه ينتهي إلى التعطيل؛ لأنَّ الأشياء المعدومة والممتنعة تشترك في هذا النفي، ومن أخص القواعد الشرعية والعقلية: أنَّ كلَّ موجودٍ لا بدَّ أن يكون له صفات تليق به، والله هو الخالق البارئ، الذي خلق الخلق وأبدع الكائنات، فلا بدَّ أن يكون له من الصفات ما يحصل بها هذا الكمال (١). وليس في كتاب الله ولا في السُّنَّة نفيٌ محضٌ؛ فإنَّ النفي الصرف لا مدح فيه، وإنَّما يُراد بكلِّ نفيٍ فيهما إثبات ما يضاده من الكمال، فنفي الشريك والنِّد لإثبات كمال عظمته وتفرُّده بصفات الكمال، ونفي العجز لإثبات كمال قدرته، ونفي الجهل لإثبات سعة علمه وإحاطته، ونفي الظلم لإثبات كمال عدله، ونفي العبث لإثبات كمال حكمته، ونفي السِّنَة والنوم والموت لإثبات كمال حياته وقيُّومِيَّتِه، وهكذا. ولهذا كان النَّفي في الكتاب والسُّنَّة إنما يأتي مجملًا في أكثر أحواله، بخلاف الإثبات؛ فإنَّ التفصيل فيه أكثر من الإجمال؛ لأنَّه مقصودٌ لذاته. وأمَّا الإجمال في الإثبات فمثل إثبات الكمال المطلق، والحمد المطلق، والمجد المطلق، ونحو ذلك، كما يشير إليه مثل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).

стр. 306

وأمَّا التفصيل في الإثبات فهو متناوِلٌ لكلِّ اسمٍ أو صفةٍ وردت في الكتاب والسُّنَّة، وهو من الكثرة بحيث لا يمكن لأحدٍ أن يحصيه؛ فإنَّ منها ما اختص الله بعلمه كما قال نبيُّنا محمَّد ﷺ : «سبحانك لا نحصي ثناءً عليكَ أنتَ كما أثنيتَ على نفسك» (١) (٢). أمَّا هذه الألفاظ التي أطلقها ابن عجيبة فلم ترد في الكتاب والسُّنَّة فمن قال: إنَّ الله جسمٌ أو ليس بجسمٍ قلنا له: إنَّك مبتدع وتقوَّلت على الله ، ونطالبه بدليلِ النَّفي، ودليل الإثبات، ويقال له: خالفت طريق السَّلف والأئمَّة الذين يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع وبالعقل، ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فيعبِّرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، ومن تكلَّم بقول مبتدع يحتمل حقًّا وباطلًا نسبوه إلى البدعة، ويقولون قابل البدعة ببدعة ورد الباطل بباطل (٣). ولذلك كان من أصولهم في هذا الباب الالتزام بالألفاظ الشرعيَّة، أمَّا ما كان محدثًا أوفيه إجمالٌ فينظر فيها، فإذا كان المعنى باطلًا رُدَّ اللَّفْظ والمعنى، وإن كان له معنى حق رُدَّ اللَّفْظُ وقُبِل المعنى وعُبِّر عن المعنى باللَّفظ الشرعي الصحيح (٤). قال ابن تيمية ﵀: "فهذه الألفاظ مجملة، فإن أُريد بها المعروف في اللغة بأنه لا ينفصل بعضه عن بعض، ولا يتجزأ فيفارق جزء منه جزءًا كما هو المعقول من التجزئ، ولا يتعدد فيكون إلهين أو ربين أو خالقين، لم يركب فيؤلف فيجمع أبعاضه، فهذا كلُّه ينافي صمدانيته، ولكن لا ينافي قيام ما يثبته من الأصوات، كما لا ينافي قيام سائر الصفات.

стр. 307

وإن أردت بهذه الألفاظ أنه لا يتميز منه شيء، فهذا باطلٌ بالضرورة، وباطلٌ باتفاق العقلاء. وحاصل القول: الكلام في وصف الله بالجسم نفيًا، وإثباتًا بدعة لم يقل أحدٌ من سلف الأُمَّة وأئمتها إنَّ الله ليس بجسم، ولم يقولوا إنَّ الله جسم، بل من أطلق أحد اللفظين استُفصل عمَّا أراد بذلك فإنَّ في لفظ الجسم بين الناطقين به نزاعًا كثيرًا" (١). وقال في موضع آخر: "وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس، هو الذي يتضمَّن الألفاظ المتشابهة المجملة التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسُّنَّة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسُّنَّة وكلام الناس، لكن بمعان أُخَر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم بها معاني أُخَر، فيحصل الاشتباه والإجمال، كلفظ العقل والعاقل والمعقول، فإنَّ لفظ العقل في لغة المسلمين إنما يدلُّ علي عرض، إمَّا مُسمَّي مصدر عقل يعقل عقلًا، وإمَّا قوة يكون بها العقل، وهي الغريزة، وهم يريدون بذلك جوهرًا مجرَّدًا قائمًا بنفسه. وكذلك لفظ المادة والصورة، بل وكذلك لفظ الجوهر والعرض، والجسم، والتحيُّز، والجهة، والتركيب، والجزء، والافتقار، والعلَّة، والمعلول، والعاشق، والعشق، والمعشوق، بل ولفظ الواحد في التوحيد، بل ولفظ الحدوث، والقدم بل ولفظ الواجب والممكن، بل ولفظ الوجود، والذات، وغير ذلك من الألفاظ (٢). وما تنازع فيه المتأخِّرون ليس لأحدٍ أن يثبته أو ينفيه حتى يستفصل ويعرف المراد منه.

стр. 308

قال ابن تيمية: "وما تنازع فيه المتأخِّرون نفيًا وإثباتًا فليس على أحدٍ بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظه أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًّا قُبِل، وإن أراد باطلًا رُد، وإن اشتمل كلامه على حقٍّ وباطل لم يُقبل مطلقًا، ولم يُرَدَّ جميع معناه، بل يوقف اللَّفْظ، ويُفسَّر المعنى، كما تنازع الناس في الجهة والتحيُّز وغير ذلك، فلفظ الجهة قد يُراد به شيءٌ موجود غير الله، فيكون مخلوقًا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش، أو نفس السموات، وقد يُراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم، ومعلوم أنَّه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو، والاستواء، والفوقية، والعروج إليه، ونحو ذلك. وقد عُلم أنَّ ما ثمَّ موجودٌ إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق ليس في مخلوقاته شيءٌ من ذاته؛ ولا في ذاته شيءٌ من مخلوقاته. فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنَّها شيءٌ موجودٌ مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات أم تُريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أنَّ الله فوق العالم مباين للمخلوقات، وكذلك يقال لمن قال الله في جهة: أتريد بذلك أنَّ الله فوق العالم؟ أو تريد به أنَّ الله داخلٌ في شيء من المخلوقات؟ فإن أردتَ الأول فهو حقٌّ، وإن أردتَ الثاني فهو باطل، وكذلك لفظ التحيُّز إن أراد به أنَّ الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر بل قد وسع كرسيُّه السموات والأرض، وإن أراد به أنه منحازٌ عن المخلوقات، أي مباينٌ لها منفصلٌ عنها ليس حالًا فيها، فهو سبحانه كما قال أئمة السُّنَّة: فوق سماواته على عرشه بائنٌ من خلقه" (١).

стр. 309

قوله: في صفة الرؤية: قال ابن عجيبة: "ورؤيته تعالى جائزة في الدنيا والآخرة، واقعة في الدارين عند العارفين" (١). ويقول أيضًا: "فإذا فَنِيَ العبد عن شهود حِسِّه بشهود معناه، غاب وجوده في وجود معبوده، فشاهد الحقَّ بالحق، فالعارفون لَمَّا فنوا عن أنفسهم، لا يقع بصرهم إلا على المعاني، فهم يشاهدون الحق عيانًا" (٢). يعتقد أهل السُّنَّة والجماعة بأنَّ الله يُرى يوم القيامة رؤية بصريَّة حقيقيَّة من المؤمنين، من غير إحاطة به، وقد جاءت النصوص مقرِّرةً لذلك. قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤). قال ابن كثير: "قوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هي: تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وزيادة على ذلك، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القُصُور والحُور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قُرَّة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه النَّظرُ إلى وجهه الكريم، فإنَّه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه، لا يستحقونها بعملهم، بل بفضله ورحمته، وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله" (٥).

стр. 310

وقال الطبري: "ألا إنَّ الحسنى الجنَّة، والزيادة النظرُ إلى وجه الله" (١). وعن صهيب عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهلُ الجنَّة الجنَّةَ قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم » (٢). وعن جرير بن عبد الله ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «إنَّكم سترون ربَّكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وصلاةٍ قبل غروب الشمس فافعلوا» (٣). أما إثبات ابن عجيبة لرؤية الله في الدنيا والآخرة فمبنيٌّ على مصدر التلقِّي عنده بالكشف والمشاهدة، وزعمه أنَّ الله تعالي -هو عين وجود المخلوقات-؛ لأنَّ كلَّ وجود في الوجود هو وجود الله، تعالى عمَّا يقول علوًّا كبيرًا، وتبين بهذا متابعة ابن عجيبة لابن عربي (٤) في هذه المسألة، وهم لا يرون إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له إلا في أذهانهم، أو لا وجود له إلا وجود المخلوقات. وبيَّن هذا ابن تيمية ﵀ بقوله: "إنَّ العبد قد يرى الله في الدنيا إذا زال عن عينه المانع إذ لا حجاب عندهم للرؤية منفصل عن العبد وإنما الحجاب متصل به، فإذا ارتفع شاهد الحق، وهم لا يشاهدون إلا ما يتمثلونه من الوجود المطلق الذي لا

стр. 311

حقيقة له إلا في أذهانهم أو من الوجود المخلوق، فيكون الرَّبُّ المشهود عندهم الذي يخاطبهم في -زعمهم- لا وجود له إلا في أذهانهم، أو لا وجود له إلا وجود المخلوقات؛ وهذا هو التعطيل للرَّبِّ تعالى ولكتبه ولرسله، والبدع دهليز الكفر والنفاق، كما أنَّ التشيُّع دهليز الرفض، والرفض دهليز القرمطة والتعطيل، فالكلام الذي فيه تجهُّم هو دهليز التجهُّم، والتجهُّم دهليز الزندقة والتعطيل" (١). وقول ابن عجيبة مردود عليه بالكتاب والسُّنَّة، وإجماع سلف الأُمَّة. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). فقوله تعالى: (لَنْ تَرَانِي) أي: لن تراني في الدنيا، وذلك لضعف موسى ﵇ عن الرؤية في الدنيا كما دلَّ عليه سياق الآية. وأما من السُّنَّة فقد دلَّت على نفي رؤية الله بالأبصار في الدنيا. عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: «نورٌ أنَّى أراه»، وفي رواية «رأيت نورًا» (٣). وعن عبادة بن الصامت ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» (٤). وبيَّن ابن أبي العز معنى قول النبي ﷺ : «نورٌ أنَّى أراه»، فقال ﵀: النور الذي

стр. 312

هو الحجاب يمنع من رؤيته، فأنَّى أراه أي كيف أراه والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته، فهذا صريحٌ في نفي الرؤية عن النبي ﷺ في الدنيا وعن غيره من باب أولى" (١). وقال الإمام مالك بن أنس ﵁ (٢): «النَّاس ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم» (٣). وأمَّا الإجماع: فقد "أجمع سلف الأُمَّة وأئمتها على أنَّ المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم في الآخرة، وأجمعوا على أنَّهم لا يرونه في الدنيا بأبصارهم، ولم يتنازعوا إلا في النبي ﷺ ... ومن قال من الناس إنَّ الأولياء وغيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسُّنَّة وإجماع سلف الأُمَّة" (٤). د- قوله بالمجاز في الأسماء والصفات خالف ابنُ عجيبة أهلَ السُّنَّة والجماعة بقوله: الرحمة هنا مجازٌ بمعنى الإنعام، وإرادته وحقيقته هنا مُحال" (٥)، وقوله: بأنَّ "اليد: مجازٌ عن القدرة التامة" (٦). وتقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ليس تقسيمًا شرعيًّا ولا عقليًّا، ولا لغويًّا، بل هو اصطلاحٌ حادثٌ بعد القرون المفضَّلة، وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية، ومن سلك طريقتهم من المتكلِّمين.

стр. 313

والألفاظ التي تستعمل في حق الخالق والمخلوق لها ثلاثة اعتبارات: أحدها: أن تكون مقيدة بالخالق، كسمع الله وبصره ووجهه وعلمه وقدرته وحياته. الثاني: أن تكون مقيدة بالمخلوق كيد الإنسان ووجهه واستوائه. الثالث: أن تجرد عن كلا الإضافتين، وتوجد مطلقة. فإن جعلتم جهة كونها حقيقة تقيدها بالخالق لزم أن تكون في المخلوق مجازًا. وطرف آخر قال: إنها حقيقة في المخلوق مجاز في الخالق، وإليه صار إمام المعطلة: جهم بالمجاز, ودرج أصحابه على أثره. وذهب أهل الحق إلى أنها حقيقة في الخالق والمخلوق، وإذا أضيف ذلك إلى الرَّبِّ كان بحسب ما يليق، ولا يشركه فيه المخلوق، كما أنَّه إذا أضيف إلى المخلوق كان بحسب ما يليق به، ولا يشركه فيه الخالق (١). ومما يجب أن يذكر هنا أنَّ القول بالمجاز في باب الأسماء والصفات كان له الأثر الكبير في تحريف النصوص وتأويلها، ونفي الأسماء والصفات عن الله ﷻ (٢). ومن هنا قرَّر أهل العلم أنَّ أسماء الله وصفاته ثابتة لله تعالى على وجه الحقيقة لا على المجاز. قال السجزي -بعد ذكر صفة اليدين والضحك والرضى والغضب وردَّ على من أوَّلهَا-، قال: "وعند أهل الأثر أنها صفات ذاته لا يفسّر منها إلا ما فسَّره النبي ﷺ أو الصحابي، بل نمر هذه الأحاديث على ما جاءت بعد قبولها والإيمان بها والاعتقاد بما فيها بلا كيفية" (٣).

стр. 314

وقال ابن عبد البر: "أهل السُّنَّة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسُّنَّة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيِّفون شيئًا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأمَّا أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلُّهم ينكرونها ولا يحملون شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أنَّ من أقرَّ بها مشبِّه، وهم عند من أقرَّ بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسُنَّة رسول الله ﷺ وهم أئمَّة الجماعة" (١). وقال ابن القيم: "قد تطابقت نصوص الكتاب والسُّنَّة والآثار على إثبات الصفات لله، وتنوعت دلالتها عليها أنواعًا توجب العلم الضروري بثبوتها، وإرادة المتكلِّم اعتقاد ما دلَّت عليه، والقرآن مملوءٌ من ذكر الصفات، والسُّنَّة ناطقةٌ بمثل ما نطق به القرآن مقرِّرة له، مصدِّقة له، مشتملة على زيادة في الإثبات، ... فمن أبين المحال وأوضح الضلال حمل ذلك كله على خلاف حقيقته وظاهره، ودعوى المجاز فيه والاستعارة، وأنَّ الحق في أقوال النفاة المعطلين، وأنَّ تأويلاتهم هي المرادة من هذه النصوص؛ إذ يلزم من ذلك أحد محاذير ثلاثة لا بدَّ منها أو من بعضها وهي: القدح في علم المتكلِّم بها، أو في بيانه، أو في نصحه" (٢). وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "إنَّ الله ﵎ موصوفٌ بتلك الصفات حقيقةً لا مجازًا؛ لأنَّا نعتقد اعتقادًا جازمًا لا يتطرَّق إليه شكٌّ أنَّ ظواهر آيات الصفات وأحاديثها لا تدلُّ البتَّة إلا على التنزيه عن مشابهة الخلق، واتصافه تعالى بالكمال والجلال، وإثبات التنزيه والكمال والجلال لله حقيقة لا مجازًا لا ينكره مسلم" (٣).

стр. 315

المبحث الثالث: مسائل الألوهية أولًا: تعريف الألوهية لغةً واصطلاحًا قال ابن فارس: "الألف واللام والهاء أصلٌ واحد، وهو التعبُّد، فالإلهُ: الله تعالى، وسُمِّي بذلك؛ لأنَّه معبود، ويُقال تألَّه الرَّجلُ: إذا تعبَّد اشتقاقًا، (وإله) كفعال بمعنى مألوه، وكل ما اتُخذ معبودًا (إله) عند متخذه" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإنَّ الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يُعبد، وكونه يستحق أن يُعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، والعبادة تتضمَّن غاية الحبِّ بغاية الذل" (٢). وقال في موضع آخر: "هو المألوه الذي تألهه القلوب، وكونه يستحق الإلهية مستلزم لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودًا محبوبًا لذاته إلا هو الله " (٣). وقال ابن القيم: "والإله هو الذي تألهه القلوب محبَّةً وإنابةً وإجلالًا وإكرامًا وتعظيمًا وذُلًّا وخضوعًا وخوفًا ورجاءً وتوكُّلًا" (٤). وقال ابن رجب: "الإله: هو الذي يُطاع فلا يُعصى هيبةً له وإجلالًا ومحبَّةً وخوفًا ورجاءً وتوكُّلًا عليه وسؤلًا منه ودعاءً له، ولا يصلح هذا كلُّه إلا الله ،

стр. 316

فمن أشرك مخلوقًا في شيءٍ من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قوله: (لا إله إلا الله) ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك" (١). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٢): "فاعلم أنَّ معنى الإله هو المعبود؛ هذا هو تفسير هذه اللَّفظة بإجماع أهل العلم، فمن عبد شيئًا فقد اتخذه إلهًا من دون الله، وجميع ذلك باطلٌ إلا إله واحد، وهو الله وحده، ﵎ علوًّا كبيرًا" (٣). ثانيًا: معنى الإله عند ابن عجيبة قال ابن عجيبة: "حقيقة الإله هو: الواجب الوجود، المستحق للعبادة" (٤). وقال في موضع آخر: "والإله لا بدَّ أن يكون واجب الوجود" (٥). وعند سبر أقواله في حقيقة الإله نجد فيه حقًّا وباطلًا، فأمَّا الحقُّ فهو ذكره بأنَّ الإله هو المستحق للعبادة، وهذا بلا شكٍّ حقٌّ وصدق، فقد وافق ما عليه القرآن العظيم وما دعت إليه رسل الله عليهم الصلاة والسلام وما عليه أهل السُّنَّة والجماعة.

стр. 317

وأمَّا الباطل فهو تفسيره للإله بأنَّه واجب الوجود، خلافًا للمعنى الصحيح الذي دلَّت عليه النصوص وقرَّره علماء أهل السُّنَّة والجماعة، وهو أنَّ الإله بمعنى المعبود، يقال: أله يأله إلهةً وألوهيةً: بمعنى عبد عبادة (١). ولا يُسلَّم له هذا التفسير؛ لتضمُّنه ما هو حقٌّ وباطل. قال الشيخ البرَّاك: "الإخبار عن الله تعالى بأنَّه واجب الوجود يراد به أنَّ وجوده سبحانه لذاته، فيستحيل عليه العدم أزلًا وأبدًا، بخلاف المخلوق فإنه ممكن الوجود أو جائز الوجود، أي يجوز عليه الوجود والعدم، ووجوده لا لذاته، بل بإيجاد الله تعالى. فالوجود نوعان: واجبٌ وممكن، فالأول: وجود الله تعالى، والثاني: وجود كل مخلوق سوى الله تعالى؛ لأنَّ كلَّ مخلوق مسبوق بالعدم، ويجوز أن يلحقه فناء "فالأشياء في حكم العقل ثلاثة: واجبٌ وممكنٌ وممتنع، فالواجب ما لا يقبل الحدوث ولا العدم، والممكن ما يقبل الوجود والعدم، والممتنع: ما لا يقبل الوجود" (٢). ولفظ (واجب الوجود) لم يرد في كلام الله تعالى، ولا في كلام رسوله ﷺ ، وقد استحدثه الفلاسفة (٣) المتأخرون. يقول شيخ الإسلام ﵀: وأمَّا الكلام بلفظ (الواجب الوجود)، و (ممكن

стр. 318

الوجود): فهذا من كلام ابن سينا (١) وأمثاله، الذين اشتقوه من كلام المتكلِّمين، فإنَّهم قسموا الوجود إلى قديمٍ ومحدث، وقسَّمه هو إلى واجبٍ وممكن، وإلا فكلام سلفهم، إنما يوجد فيه لفظ العلة والمعلول (٢). وقصد شيخ الإسلام أنَّ هؤلاء المعطِّلة يحاولون أن يثبتوا أنَّ الله تعالى واجبٌ وجوده، ولكنَّهم لأجل تعطيلهم جعلوا الله تعالى ممتنع الوجود؛ لأنَّهم وصفوه بصفات المعدوم والممتنع. فدليلهم الذي أقاموه على إثبات كون الله تعالى واجب الوجود هو في الحقيقة دليلٌ على كون الله تعالى ممتنع الوجود، فقد هدموا بنيانهم بأيديهم. وعقيدة أهل السُّنَّة والجماعة هي وصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه رسوله ﷺ ، أمَّا ما لم يرد ذكره في الكتاب والسُّنَّة فيجوز الأخبار عنه إذا كان المعنى صحيحًا. ثالثًا: معنى توحيد الألوهية الذي دلَّت عليه أقوال ابن عجيبة عند ذكره لمعنى الألوهية أنَّه يفسِّرها بتوحيد الربوبية سائرًا على مذهب أهل الكلام، إذ قال في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (٣)، فقول صالح ﵇: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾

стр. 319

"هذا إفراد الحق بالربوبية" (١). وابن عجيبة خالف المعنى المقصود لكلمة التوحيد، وفسَّرها بتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية ليس له ذكر في معتقده، فعندما فسَّر قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) قال: "يعني: أنَّ التوحيد مما أجمعت عليه الرُّسل والكتب السماوية، والفناء فيه على ثلاثة أقسام: فناء في توحيد الأفعال، وهو ألا يرى الفعل إلا من الله، ويغيب عن الوسائط والأسباب، وفناء في توحيد الصفات، وهو أن يرى ألا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلِّم إلا الله، وفناء في توحيد الذات، وهو أن يرى ألا موجود إلا الله ذوقًا ووجدًا وعقدًا ... أي: في مقام الفناء والبقاء انتهت أقدام السائرين، ورسخت أسرار العارفين، مع ترقيات وكشوفات أبد الآبدين" (٣). وبهذا التعريف للتوحيد لم يذكر شيئًا عن توحيد الألوهية، بل هذا التقسيم يقرر فيه نفي الأسباب وهي عقيدة الجبر (٤)، رغم أنَّه أثبت الوحدانية في أفعال الله ، ولكن لا يلبس علينا هذا الأمر فعند سبر أقواله التي مرَّت معنا ظهر تصريحه بأنَّ الأولياء لهم التصرُّف في الكون، وهذا شركٌ في الربوبيَّة. وقد ظهر من خلال تقريرات ابن عجيبة لمعنى (لا إله إلا الله) التناقض والاضطراب، وكثرة الخطأ كما يلي: فسَّرها بتفسير الأشاعرة، بقوله: المستغني عمَّا سواه، المفتقر إليه كلُّ من عاداه،

стр. 320

ومن أبرز القائلين بهذا التفسير من الأشاعرة السَّنوسي (١) في أمِّ البراهين (٢). وفسَّرها بتفسير أهل الحلول والاتحاد. وفسَّرها بلا موجود إلا الله. وفسَّرها بالمعنى الظاهر. وبيَّن ابن عجيبة معنى (لا إله إلا الله) الظاهر الذي التزم على نفسه بأن يفسره، وقرَّر أنَّ لها تفسيران، تفسيرٌ لأهل الظاهر وآخر لأهل الباطن، وهو لا يعتقد بأنَّ هناك عابدًا ومعبودًا ولو اعتقد ذلك لفسد الذي قرره بأنه لا يرى موجودًا إلا الله، فمن عبد الشجر أو غيرها من المعبودات الباطلة فقد عبدَ اللهَ عنده، تعالى الله عمَّا يقول، قال ابن تيمية: "وهذا ما يقوله أهل الاتحاد؛ من أنه ما ثم موجود إلا الله ويقولون: ليس إلا الله أي ليس موجود إلا الله، ويقولون: إنَّ وجود المخلوقات هو وجود الخالق والخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق والعبد هو الرَّبُّ والرَّبُّ هو العبد ونحو ذلك من معاني الاتحادية الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق ولا يثبتون المباينة بين الرَّبِّ والعبد" (٣). وقال أيضًا: "لا موجود إلا الله وأنَّ وجود الخالق هو وجود المخلوق فلا فرق بين الرَّب والعبد فهذا فناء أهل الضلال والإلحاد الواقعين في الحلول والاتحاد" (٤).
следующие страницы →