Полный текст (488 стр.). Показаны 456–488 · переход к 461.
стр. 456
ولولا تداخل بعض أهل العلم والصلاح لانتهى أمر الدولة الحسينية لا أمر الدولة الصادقية مع ما انضم إلى ذلك من دهاء بعض الوزراء وبعض رجال الحكومة حينذاك فإنهم أنقذوا الدولة من الانهيار.
وتحقيق النظر في هذه الثورة العارمة يحتاج إلى كتاب خاص، وإنما نقتصر في هذا الملحق على بيان مواقف ثلاثة من المؤرخين التونسيين وهم: الشيخ السنوسي في مسامرات الظريف.
والشيخ محمد بيرم الخامس في صفوة الاعتبار.
والشيخ الوزير ابن أبي الضياف.
إن موقف الأول من هذه الثورة موقف تزلف وتدل على الحط من أحد رجالها وهو علي بن محمد بن غذاهم حيث وصفه بما انتقدناه عليه.
فهو لم ينظر لها نظرة تاريخية، بل نظر إليها بغير منظار المؤرخ النزيه ولولا أن الواقف على كتابه الذي أخرجته للطبع يغتر بكرمه ما كنت أتوسع في الكلام على هذه الثورة.
وثاني المؤرخين الثلاثة هو الشيخ محمد بيرم الخامس قد كانت له إحن في نفسه على الوزير مصطفى خزنه دار حيث أدمج في أسباب الثورة أنها ترمي إلى المطالبة بعزل خزنه دار.
(وحاصل مطالب الجميع إبطال الداء الجديد وعزل الوزير مصطفى خزنه دار ومحاسبته، فامتنع الوالي أولاً من جميع مطالبهم فاشتد الكرب على الحكومة) .
وأكد هذا بما نسبه إلى الوزير خزنه دار.
ومن وقتئذ أيدي العدوان على الأهالي بسلب الأموال، والقتل والضرب بالسياط المؤدي إلى القتل لأن الوزير اشتد حنقه عليهم حتى انه دخل عليه أحد الأعيان يوماً وهو يقول: طلبوا دمي أرضى إلا بدمائهم، طلبوا مالي فلا أرضى إلا بأموالهم.
لعل مراده بطلب دمه هو طلب عزله، وقد اعتادوا في بعض الوزراء السابقين قتلهم فظن أن العزل يؤدي للقتل وإلا فنفس قتله لم يطلبه أحد.
أما المال فنعم فقد طلبوا حسابه.
أدمج صاحبة صفوة الاعتبار عزل الوزير مصطفى خزنه دار في مطالب الثورة مع أنه لم يأت بدليل يدل على ذلك إلا ما أخبره به أحد الأعيان الذي قال له إنهم طلبوا دمي أرضى إلا بدمائهم.
وثالث المؤرخين وهو أولهم في كتابة التاريخ التونسي وأقعدهم في كتبته الشيخ الوزير ابن أبي الضياف وهو أشد المؤرخين تحرياً في كتابة التاريخ فتاريخه مدعم بالوثائق التاريخية التي توقفك على عين الحقيقة.
وعين الحقيقة في هذه الثورة العارمة أنها مقصورة على طلب إلغاء الأداء الجديد دون التعرض لعزل مصطفى خزنه دار.
وقد وضح هذا صاحب الإتحاف أتم توضيح فيما كتبه قبل صاحب صفوة الاعتبار.
فبين أن قنصل فرنسا شارل دوبوفال (Charles de Beauval) اغتنم هذه الفرصة للتداخل في أمر الولاية وأحكامها فأتى إلى البي يوم الجمعة ٢٣ من ذي القعدة (٢٩ أفريل ١٨٦٤) ومع أمير الأسطول الفرنسي والقائم مقام (كنبنو) الذي كان من معلمي الجند التونسي وتخلى عن ذلك.
وحين دخولهم على الأمير وجدوا معه مصطفى خزنه دار فطلبوا منه إخراجه فتشدد الباي في ذلك.
وابتدأت المحاورة بين الأمير والوفد الفرنسي الذي طلب إبطال عهد الأمان فبين له الأمير انه أعطى عهده على إتمام عهد الأمان وأن أخاه هو الذي أعطى ذلك.
ثم طلب الوفد تبديل المأمورين في الخدم السياسية فأجاب الباي بأن ذلك غير ممكن في وقت هذه الثورة لأن ذلك يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
وطال الجدال بين الأمير ومحدثيه من الفرنسيين في شأن تبديل الوزراء وفي طالعتهم مصطفى خزنه دار.
وفي هذا المجلس أساء القائم مقام (كنبنو) إساءة لا تحتمل حتى أن القنصل الفرنسي أسكته ولما بلغ الأمر مبلغه من الإهانة مرض الأمير.
ثم إن الأمير جمع رجال الدولة من وزراء وغيرهم وأخبرهم انه لا يتنازل في شان تبديل الوزراء فقال وزير مصطفى خزنه دار أنا أسلم وأصر على تسليمه الوزير خير الدين وهو مصطفى خزنه دار نفسه.
لكن تغلب الرأي الذاهب إلى عدم الرضوخ إلى مطلب القنصل الفرنسي لأن فيه تدخلاً في الشؤون التونسية وذلك مفض إلى أن تصبح تونس محكومة من طرف القنصل الفرنسي.
ولم يكتف التدخل الفرنسي بعزل الوزراء بما أرادوه من إرغام الأمير عليه فأضيف إلى ذلك مكاتيب مرسلة إلى العروش التونسية ومن نماذجها ما نقتطفه من بعضها.
стр. 457
(يا أيها العروش أعلموا أن الدولة أرسلت لكم مشايخ الطريقة وذكروا لكم أن الفرنسيس غادرون بكم ومرادنا اخذ بلادكم ونحن بالعكس من ذلك وإنما مرادنا إصلاح أحوالكم ورفع المظالم عنكم وإجراء الحق على كل أحد ولكن سوف ترون ما يحل لكم من أولئك الناس وتقفون على كلامنا لأن المشايخ توسطوا بينكم وبين الدولة وباعوا ضمائرهم بثمن قليل.
وما دام الوزراء الموجودون في باردو فإنكم لا تتخلصون من الضرائب أي التي أثقلت كاهلكم والتي ثرتم من أجلها.
وما داموا لا أمان ينالكم لا في أبدانكم وزلا في أرزاقكم.
وستقفون على أحقية كلامنأن وعما قريب يظهر لكم من هو على الصواب) .
وهذا المكتوب نقلناه مع تحرير جزئي لإرجاعه عربياً سليماً نوعاً ما.
ويقول صاحب الإتحاف: وهذا المكتوب لا تاريخ فيه، ولا إمضاء، ولا طبع خاتم.
ومنه نسخ عديدة بيد بعض العربان، وخطه مغربي جميل يشبه خط بعض الأعيان من تجار الفرنسيس تعلم الخط العربي بتونس وبرع فيه، وكان هذا المكتوب إنذاراً بما وقع بعد ذلك من الشدائد والأهوال.
يتهم الشيخ الوزير ابن أبي الضياف القنصلية الفرنسية بذلك مستنداً على أن الخط فرنسي فلا بد أن مصدره منها.
ويؤيد هذا الرأي أن إنشاءه إنشاء قريب من العامية فهو محرر من بعض الفرنسيين الذين درسوا اللغة العربية ولم يتمكنوا منها فتغلب عليهم العامية إذ لا بفرقون بين الفصيح والعامي.
وكما كاتب الفرنسيون العروش كتبوا إلى زعيم الثورة في المنطقة الغربية علي بن غذاهم.
ونقتطف منه نقطاً على أن الفرنسيين بتونس مرماهم استغلال ثورة علي بن غذاهم.
جاء في طالعة الكتاب.
إلى الأعز الأكمل العالم الأمثل علي بن محمد بن غذاهم أكرمه الله آمين.
ثم فيه تذكير بثلاث رسائل أرسلوها إليه فلن تقع الإجابة من ابن غذاهم.
وفي الرسالة اتهام تركيا بأنها أرسلت بجيش لقتال العروش فوقع رده من قبل الفرنسيين دفاعاً عن المظلومين.
وختمت هذه الرسالة بهذه الفقرة: (ورأس سلطان فرنسا إذا بقي الخزنه دار في بلادكم يهلككم على بكرة أبيكم) .
وهذه مرسلة على حسب ما جاء فيها من القنصل العام لفرنسأن ومن الأميرال والكرونيل الفرنسي أي الذي كان بتونس معلماً للجيش التونسي.
إن الدلائل القاطعة تشهد إلى أن المطالبة بعزل الوزير إنما هي مطالبة فرنسية ترمي إلى التدخل السافر في سياسة تونس.
واستدل صاحب الإتحاف بأن الثورة لم تقم من أجل عزل الوزير بما جاء من المكاتيب من رئيس المتحزبين علي بن غذاهم إلى الشيخ أحمد بن حسين رئيس المفتين في استشارته في القدوم إلى تونس للمفاهمة مع الأمير من أجل دفع الشدة وما دار في شان ذلك القدوم.
يستنتج صاحب الإتحاف ما يلي: (فانظر إلى هذه المكاتيب من رئيس المتحزبين إلى الشيخ الذي اعتمده واسطة، والحادثة في عنفوان شبابها والسيوف مصلتة، وقدور الحرب في سائر الجهات تغلي، هل عرج فيها على عزل وزير، أو كره قانون، أو مجالس، أو ما يومئ إلى البغي، أو غير ذلك مما دار في برزخ هذه الإيالة دوران الرياح.
ولم ينط مطلبه إلا بالتخفيف، وهو من قواعد عهد الأمان التي عليها مدار القانون) .
كيف خمدت الثورة
لم تكن الثورة ثورة قاصرة على جهة من الجهات، وإنما هي عامة إلا في العاصمة فقط، مع أن الجند لم يقم فيها بل امتنع من إخمادها مع أنها لم تصنع شيئأن وآلت في آخر أمرها إلى الفشل وتتبع بعض المثيرين أمرها حتى نالهم الانتقام من احمد زروق.
ويتضح من أمرها أن إخمادها يعود إلى سبب قوي غير الجند.
والسبب القوي في إخمادها هو أن الشيوخ لم يكونوا راضين عن الثورة بل كانوا مهدئين للعامة من الانسياق في الفتنة وإضرام نارها.
وأبلى البلاء الحسن في إخماد هذه الفتنة التي أرادت فرنسا استغلالها لوضع يدها على تونس الشيخ الصالح مصطفى بن عزوز (١٢٨٢) وهو الذي بث الطريقة الرحمانية في العروش الغربية.
стр. 458
وإلى موقفه الذي حسم به الفتنة أشار صاحب الإتحاف ونحن ننقله ليتضح للعيان أن العلماء الصلحاء كانت لهم يد لا تنسى في الإبقاء على رمق الدولة فلولاهم لذهب العلم الإسلامي بتشتت عقد الأمة لأن الفتنة لا تأتي إلا بشر وبيل، وعسى أن يعرف المتحاملون على أهل العلم الإسلامي والصلاح انهم مخطئون في إساءة ظنهم بالعلماء وتحميلهم وزراً هم برآء منه.
وإلى هذا الموقف المشرف أشار المذمور: (ولم يزل الحال في اضطراب وشدة إلى أن قدم من الجريد بركة القطر المشار إليه بالبنان، المتدرج في مقامات العرفان، الولي السالك المحب لعباد الله، شيخ الطريقة الرحمانية أو النخبة مصطفى بن عزوز واجتمع بعلي بن غذاهم ووجوه جموعه وقد مسهم الملل بعد أن اخذ لهم الأمان من الباي واستوثق منه بالعهود والإيمان وقرأ للباي قوله تعالى: (يوجد آية) (٩١) النحل.
ثم قال الشيخ مصفى بن عزوز لجماعة علي بن غذاهم، لا جواب لكم عند الله على إراقة دماء المسلمين وقد أعطاكم الباي الأمان على يد أمير المحلة وخفف عنكم اكثر مما يظن، إلى غير ذلك مما تفضل به عليكم خشية إراقة الدماء,.
وقال لعلي بن غذاهم: (أنت لست بقائم تطلب ملكأن وزعمت انك جامع عصابة شاكية لكف عادية جهاله أن وقد زال السبب فلا بد يزول المسبب وقد عطلتم الناس على السعي في ابتغاء رزقهم) .
فانتدب ابن غذاهم وتأخر.
فأتاه فرج بن دحر وقال له أي لعلي بن غذاهم: نحن في ربط واحد ما كان ينبغي لك أن تحله وحدك ولنا مع سيدي مصطفى بن عزوز موقف بين يدي الله.
وعلى كل حال فقد حاق بنا الغدر، وسترى أنت من معك عاقبة ما فرحتم به من الأمان إلى غير ذلك وفي بعض القلوب عيون.
وحضر مع الشيخ مصطفى بن عزوز أعيان من تلاميذه وغيرهم كأبي العباس أحمد ابن الشيخ الولي عبد الملك الحمادي وأبي عبد الله محمد الصالح، والشيخ المسن الحاج مبارك صاحب الزاوية بتالة، وسيأتي له خبر، وحضر لذلك الشيخ البركة أبو العباس أحمد بن عبد الوارث وكفى الله المؤمنين القتال على يد هذا الشيخ ومن معه من هؤلاء الفضلاء جزاهم الله جزاء من أتعب نفسه في إصلاح ذات البين وحقن دماء المسلمين فالأعمال منوطة بالظاهر، والله يتولى السرائر، والمرء مجزي بعمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وأسقط الباي ما أجحف من الإعانة بل صيرها عشر ريالات فقط وأسقط من العشر، وترك الأداء على ما يباع في غير الأسواق وأجابهم إلى مطالب أخرى الله أعلم هل طلبوهأن أو قيلت أو تقولت عليهم فسمعوهأن أضربنا عن ذكرها لمنافاتها قضايا العقول، وكل ما نافاها يعد نقله مجازفة وقد تقدم ذلك وإلى الله تصير الأمور) .
(الإتحاف ج?٥ ص١٦٨ وص١٦٩) .
وكما للشيخ مصطفى بن عزوز موقف كذلك كان للشيخ العلامة رئيس الإفتاء أحمد بن حسين في العمل بالمكاتبة على أثناء رأي ابن غذاهم عن القدوم إلى تونس لنه لو قدم لاشتعلت الفتنة في العاصمة فإنه ثنى عزمه عن ذلك، وبه بقيت العاصمة بعيدة عن الفتنة.
ويظهر أن موقف أهل العلم في تونس كان في صالح هذه البلاد، وإبقائها محافظة على كيانها دون إدخال ما يؤول بها إلى فتن تموج موج البحر.
والمواقف الرصينة هي التي حافظت على هذا الجامع جامع الزيتونة نبراساً يشع بالعلوم الدينية وهادياً للتي هي أقوم.
? الاتزان التاريخي
يعبر كلام صاحب الإتحاف في هذه الثورة التونسية العارمة بأن الشيخ الوزير ابن أبي الضياف يحمل على السياسة التونسية في مواقف كثيرة ويحملها وزراً ثقيلأن ويظهر المصلح من غيره في مواقف عديدة.
ومع مواقفه لا يرى أن في ثورة علي بن غذاهم إنقاذاً للموقف لذلك شكر وأطنب في مدح الشيخ البركة الصالح المصطفى بن عزوز حيث حقن دماء المسلمين وكفى الله بتداخله المؤمنين القتال.
وحقاً رأى لأن رأس الثورة لم تكن له المؤهلات التي تؤهله لتسلم دولة لأنه كما عرفه صاحب الإتحاف ذو معرفة جزئية.
ومع انه حمد فعل العاملين لحقن دماء المسلمين انتقد الشدة التي عومل بها الكثير بعد إخماد اللهيب.
ودعا غلى الرفق الذي لا يقتضي الحال غيره حتى لا يلتجئ المظلومون إلى الاحتماء برعايا الدولة الوافدين على المملكة.
стр. 459
فالواقع يدعو إلى الرفق لا إلى ضده كما وقع لأكثر أهل المملكة بعد خمود لهيب الفتنة من الشدة والعسف والانتقام، وسلب النعمة غلى غير ذلك مما نفر القلوب المرضى.
ولله در القائل: [الكامل]
أحذر منافرة القلوب فإنها ... ورجوعها للود أمر يعسر
إن القلوب إذا تنافر ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبر
وقد تنبأ لدولة الأمير الصادق بالاضمحلال واستكانت الإيالة المسكينة ولسان حالها يقول: (للباطل جولة ثم يضمحل) %.
ملحق (٤)
الكومسيون المالي
الكومسيون المالي اجمل الحديث عنه صاحب المسامرات مع انه أحدث لإنقاذ البلاد من الإفلاس لأن الحال بلغت أقصى التدلي مما يعقبه الإفلاس للدولة.
وقد تحدث عنه حديث عارف به الشيخ بيرم الخامس مبيناً أن الوزير خير الدين حين رئاسته للكومسيون بدأت تظهر إصلاحاته وتمكن من الإصلاح بسبب أنه لم يقبل رئاسة الكومسيون إلا بعد أن اشترط شروطاً.
فإنه لما شددت الجانب في طلب أموالهم وأنشئ الكومسيون المالي باتفاق الدول دعاه الوالي إلى رئاسته فامتنع وبعد إلحاح ورد وبعد توثقة من الوزير مصطفى خزندار قبل رئاسة الكومسيون المالي.
ويثبت الشيخ بيرم الخامس أنه منذ سنة ١٢٨٦ كل ما هو من التصرفات هو للوزير خير الدين وشرح كيف أن الوزير خير الدين أدار كفة الكومسيون المالي.
(وذلك أن الوزير مصطفى خزندار عطل أموره مما أدي إلى تشكي قناصل الدول الممثلة في الكومسيون المالي وهي فرنسا وإيطاليا وإنكلترا فراجع الوزير خير الدين الوالي وطلب منه الإعانة على المهمة الشاقة التي أنيطت به فأمضى الوالي مطلب الكومسيون ولأجل إعطاء الكومسيون المالي نفوذاً يحفظ حقوق الحكومة مع أن الكومسيون المالي يتصل برغبته، وذلك في توظيف رئيس الكومسيون بوظيفة وزير للوالي في رتبة الوزير، الكبر، وتنقل خدمة الكومسيون إلى الوزارة ويكون مصدر جميع الأعمال واحداً) .
وقد بسط القول في ذلك في (ج?٢ ص٥٣ من صفوة الاعتبار) .
وكذلك تعرض له صاحب الإتحاف في (ج?٦ من ص١١٩ وما بعدها من إتحاف أهل الزمان) فذكر نص قانون الكومسيون المالي، وهو في أثني عشر فصلاً.
وكان ختمه بسراية الوادي في ٢٦ من ربيع الأول سنة ١٢٨٦ (٦ جويلية سنة ١٨٦٩) .
وأتبع ذكر القانون بالأوامر الصادرة في تعيين رئيسه وتعيين أعضائه.
وحديث ابن أبي الضايف عن الكومسيون كان مقتضياً لنه كما ذكر بقلمه أدركه الضعف.
? إبطال الكومسيون
تناولت الإدارة الفرنسية بعد الحماية أشياء متعددة بالنسخ، منها إبطال الكومسيون المالي.
وجاء إبطاله في العدد ٤٩ من جريدة الرائد الرسمي المؤرخ في ١٣ ذي الحجة سنة ١٣٠١.
افتتح هذا الأمر بمخاطبة الوزير الأكبر محمد العزيز بوعتور بأن الأمير أمر بما يأتي: الفصل الأول: أبطلنا بعد اليوم ١٢ من أكتوبر الإفرنجي سنة ١٨٨٤ مسيحية الكومسيون المالي الذي أحدث بالأمر العلي المؤرخ في ٢٦ ربيع الأنور سنة ١٢٨٦ الموافق ليوم ٥ جويلية من يولية الإفرنجي سنة ١٨٦٩.
وكذلك مجلس المداخيل المعطاة للدين الواقع ترتيبه عملاً بالتأويل المنعقد في ٢٣ مارس سنة ١٨٧٠ ما عدا ما يتضمنه الفصل الرابع الآتي: وبموجب ذلك على مجلس الإدارة المذكورة أن يسلم خدمته يوم ١٢ من أكتوبر المذكور مساء لإدارة القمارق ولإدارة الإداءات المختلفة ولقابض الدولة العام بالحاضرة وبالجهات الأخرى التي له فيها نواب.
وبناءً على ذلك فإن الموجود تحت يد المجلس المذكور من المبالغ دون كاغد التانبر، ومن الرهونات التي دفعها نوابه، واللزامة تدفع لقابض الدولة العام محلات بلدان العمالة الأخرى إن كانت المبالغ والرهونات المذكورة من علائق البلدان الأخرى.
وأما الكاغد التانبر الموجود بالحاضرة فإنه يدفع لقابض عموم الأداءات المختلفة وأن كان بغير الحاضرة فإنه يدفع لنواب الكمرك عند تسليم المبالغ والرهونات المتقدم ذكرها لهم.
ويشتمل هذا الإبطال على ثلاثة عشر فصلاً من أهمها الفصل الخامس: إدارة المال تتولى استخلاص جميع مداخيل المملكة كما أن جميع المشارعات التي يقتضيها الحال يباشرها مدير المال بدولتنا أو من ينوبه فيها.
стр. 460
وإنما وقع في هذا الفصل أن إدارة المال تتولى استخلاص جميع مداخيل المملكة لأن الميزانية التونسية كانت منقسمة بين الدولة وبين الكومسيون المالي.
ومن أهم فصوله الفصل الثامن: ولاية مدير المال تصدر منا مباشرة بمقتضى طلب سفير دولة فرنسا المقيم بحاضرتنا.
وتصدر أوامر أيضاً بطلب من مدير المال لدولتنا في ولاية كل من كاهية مدير المال ومدير الداءات المختلفة، والكمارك ورؤساء الأقسام والكتابة بإدارة المال، وكذلك منفقدو الإدارة المذكورة والخدمات المالية وقابض الدولة العام، والمترجم الأول بإدارة المال، وقابض عموم الأداءات المختلفة وقابض عموم الكمارك ووكيل أملاك الدولة والمكلف بالغابة وناظر دار السكة ووكيل الرابطة.
والفصل التاسع: أعطى هذا الفصل الصلاحية لمدير المال في بقية المستخدمين.
والأمر الصادر بإبطال الكومسيون المالي انتزع كل الاختصاصات المالية من أيدي التونسيين وجعلها في يد مدير المال الفرنسي.
وقد أصبحت هذه الإدارة بعد برهة غدارة فرنسية تتصرف في حظوظ البلاد المالية.
ملحق (٥)
المجلس الشوري
المجلس الشوري المتحدث عنه بالمدح وإطناب الشكر من المؤلف حتى عده من اعظم مآثر هذا الأمير الفائز بالسبق على سائر الأمجاد قلب فيه المؤلف الحقيقة رأساً على عقب.
وكان من حقه أن يأتي بالقبضة على وجهها الصحيح، فإن لهذا المجلس قضية تعد من أهم القضايا التونسية أبلى فيها أهل المجلس الشرعي وبالأخص القاضي المالكي البلاء السن.
وتفصيل هذه القضية حسبما ذكره المطلع عليها الشيخ محمد بيرم الخامس ونصه: "ومنها أن أحد الأغنياء من الأهالي توظف في الحكومة المسمى بمحمد عريف توفي ﵀ عن غير ولد وكانت له بنات من ابنه فأوقف كسبه عليهن وعلى من يتزايد له، وبعد وفاته وضعت زوجه حملها فكان ولداً ذكراً ثم توفي في إثر ذلك.
وقد كان القاضي، وهو القاضي الجد محمد الطاهر النيفر الذي تولى القضاء من سنة ١٢٩٠ إلى سنة ١٣١١ جعل وصياً على البنات وحفظ الوقف والمنقول، فطلب التابع أن ينقل حكم النازلة من الشريعة إلى الوزارة على خلاف الديانة والعادة من تحكيم الشرع في المواريث والأوقاف.
وأرسل الوزير وهو مصطفى بن إسماعيل مكتوباً بأن يسلم رسوم الوقف إلى كاتبين أحدهما من خواص الوزير والثاني من الوزارة مع الوعد في المكتوب بأن الوزارة بعد الإطلاع على الحجج ترجعها وكان المتسلم لها أبا الزوجة وهو وكيلها مع أحد الكاتبين.
فطال الزمن أي زمن تسلم الرسوم من الوزارة فلم ترجعها حسب الوعد، وأبلغ الوصي إلى القاضي التخوف على الرسوم إذ شاع أنها سيقع فيها تغيير فأرسل إلى أبي الزوجة وإلى الكاتب اللذين اسلما الرسوم بطلب إرجاع الرسوم فأبيا فأحضرهما فامتنعأن فسجن أبا الزوجة حيث إنه المتسلم وأخبر بأن الرسوم بعلو في داخل المحكمة الشرعية هو محل اشتغال الكاتب المذكور حيث كان من شهود الأوقاف وذلك العلو هو مكان اجتماعهم فبعد أن ألح القاضي على الكاتب وامتناعه أمر بأن يمنع من دخول العلو خشية إخراج الرسوم منه وبقي القاضي بمحل حكمه على الهيبة الشرعية حسبما سبق التعريف بذلك من كون أهل الشرع بتونس لهم من التعظيم والتوقير قريباً مما كان عليه الحال في الأعصر المعظمة للديانة وشعائرها.
فما كان غير بعيد إلا وعلي بالزي المذكور قام فضرب باب العلو برجله وكسر قفله وأمر الكاتب بالصعود وإخراج الرسوم، وأخرج المسجون وأمره بالذهاب حيث شاء، وقدم على القاضي وباشره بما لا يناسب ذكره، وفشا الخبر وعظم الأمر عند العلماء والعامة إلى درجة لم تعهد، فأبطلت الدروس من الجامع الأعظم، وأغلقت دار الشريعة وكثر اللغط وسرى إلى خارج الحاضرة.
وأبلغ أمر النازلة إلى الوزير ابن إسماعيل فأراد أن يهون النازلة بمنع تابعه من القدوم إلى تونس وأرسل معلماً إلى القاضي بأنه سجنه فلم يلتفت لذلك العلماء وتقدم الشيخ احمد بن الخوجة شيخ الإسلام وجمع العلماء مراراً واظهر أشد الانتصار للشرع وكتب جميع المجلس الشرعي مكتوباً وأرسلوه إلى الوالي قصداً بلا واسطة الوزير على خلاف المعتاد وقدم به رسولهم على الوالي في مجلس الشريعة لأن رئيسهم تقرب إليه الوزير سراً فانحط حرصه وتوجهت أطماع البعض إلى المسابقة لإرضاء الوزير فأجابوه بنعم.
стр. 461
ثم جمع الوالي وزراءه وأعلمهم متأسفاً من مطلب أهل الشريعة بأنه يريد أن يجعل مجلساً مركباً منهم أي من الوزراء ورؤساء الإدارة دون غيرهم من الأهالي للنظر في المصالح وجريان السياسة، فأجابوه بأن ما يظهر له حسن فهو حسن.
وكان هذا الجمع من الوزراء والمستشارين مشتملاً على جميعهم حتى أن الوزير حسيناً كان إذ ذاك قدم من إيطاليا لمصالح في مأموريته فصادف الواقعة، وكان ممن وافق الوالي على رأيه في جعل المحتسب والمحتسب عليه واحداً خلافاً للمعقول، ولما يعلم من طبعه من لزوم الاحتساب الحقيقي على تصرف المأمورين بثقاب من الأهالي إلى غير ذلك من أوجه العدل ومع هاته الموافقة فلم يسلم من القدح.
ثم إن الوالي أرسل لأهل الشريعة يعلمهم بأنه أشأ مجلساً مؤلفاً من عشرة أعضاء تحت رئاسة الوزير ابن إسماعيل، وأعضاؤه: الوزراء والمستشارون وبعض رؤساء الإدارة ولما بلغ لأهل الشريعة ذلك قالوا ليس قصدنا المتوظفين لنهم دائماً تحت الأمر، ولا خبرة لهم بما في أطراف القطر، وإنما المراد أن يكون المجلس من الموظفين والعلماء وأعيان من البلاد والعربان، ولا أقل أن يكون عددهم ثلاثين عضواً وأنهم لا يقصدون إلا مصلحة البلاد لأنهم ليس لهم غرض إلا هناء القطر وهناء الوالي، وقيل غن قنصل فرنسا صرح بأنه لا يعترف بالمجلس وانه أراد الوالي الاستعانة بعساكره لردع الطالبين فهو حاضر له حيث إن طريقة الوزير هي التي تبلغه إلى قصده كما ذكرناه في محله، ثم لما بلغ الوالي جواب العلماء أرسل إليهم بأنه يزيد اثنين من رؤساء الموظفين وان هذا المجلس ينظر فيما يقتضيه الحال من الكيفية ويجري العمل به، وكان في أثناء بلا مستند، فرضي عمدتهم بذلك، وكان سبباً في تمكن الفيض على الأجنبي بلا مستند، فرضي عمدتهم بذلك، وكان سبباً في تمكن الفيض على من زيد حيث انتهى رضا المقترحين عند ذلك وصرح الوالي بما يشف عن ذلك والله المطلع على السرائر، ثم جعل هذا المجلس في نفس الأمر إذ اجتمع يعرض عليه ما يريد الوزير والأغلب أن يكون المعروض هو بعض النوازل التي تعرض بقلة ولما كان أغلب الأعضاء يسايرون الوزير لم يظهر لوجوده من أثر غذ لا يتداخل في نصب ولا في عزل ولا سيرة عامل أو رشأن وشاهد ذلك الخارج فإنه لم يمض عليه شهران حتى وردت الرسل على شيخ الإسلام بأن يتشفع في الجاني على الشرع فلم يوافق جهرة بل أظهر زيادة الامتناع ثم سودت سراً بطاقة إلى المنفي ليكتب على نمطها مكتوباً لأهل المجلس الشرعي ولما ورد مكتوبه على نحوها إلى الوالي مستشفعين بعد أن امتنع بعضهم وقيل عندما سمع بذلك ليت شعري ما هو وجه كتبهم مع علمهم بالحقائق".
ومنها أنه شرع الوزير إثر ما تقدم في بناء دار شيخ الإسلام المذكور بتونس وكذلك داره بجيل المنار وكثر تردد تابعه الجاني المذكور عليه حتى نشأ عنه قيل وقال (صفوة الاعتبار ج?٢ من ص١١٠ إلى ص١١٣) .
ومن الذين امتنعوا الشيخ القاضي المالكي حتى هدد بالإعدام كما جاء في بعض المذكرات لأحد أتباع الوزير مصطفى بن إسماعيل.
وهذه الحركة التي قام بها المجلس الشرعي هي أول حركة نبعت من الزيتونة لإصلاح الوضع ولإقامة نظام برلماني تتمثل فيه الأمة أتم تمثيل، فهي حركة القصد منها إعادة نظام عهد الأمان الذي ألغي بسبب ثورة علي بن غذاهم، وقوى النفوس أن الوزير خير الدين الوزير المصلح كان صدراً أعظم فوجده في صدارة الدولة العثمانية كان في حسبانهم أنه يؤيد حركتهم النابعة من رجال الشرع.
والباعث ليس اعتداء على القاضي المالكي الشيخ محمد الطاهر النيفر لما أراد إجراء الحق وإنما كانت النفوس ملأى بالحنق من أجل تصرفات الوزير مصطفى بن إسماعيل تلك التصرفات الشاذة التي ذكر الكثير منها صاحب صفوة الاعتبار، فرجال المجلس الشرعي أرادوا أن يعبروا عن رغبة الأمة في إنهاء الأعمال التعسفية التي قام بها الوزير مصطفى بن إسماعيل وأتباعه.
ولولا ألاعيب هذا الوزير بالاغراءات التي أنساق البعض القليل من رجال المجلس الشرعي إليها لكان لهذه الحركة أثرها في إنقاذ الأمة التونسية.
وما المجلس الشوري الذي نوه به صاحب مسامرات الظريف إلا ذر للرماد في العيون.
والعجب من الوزير حسين مستشار المعارف كيف وافق على هذا المجلس حتى كان أحد أعضائه فانتقاد صاحب صفوة الاعتبار عليه انتقاد وجيه.
стр. 462
ملحق (٦)
تتمة للمقدمة
تتضمن تاريخ تونس (من ١٢٩٧ إلى ١٣٧٦ هـ?) (من ١٨٧٩ إلى ١٩٥٧ م) أنهى المؤلف كتابة القسم السياسي من تاريخه المسامرات بفاتحة سنة ١٢٩٧ وهي التي قدم فيها وفد من أعيان التونسيين إلى المشير الثالث محمد الصادق ووزيره مصطفة بن إسماعيل مصحفين مرصعين.
وهذا الوفد مدسوس إليه في تقديم ذلك لإظهار رضا الأمة بوزارة مصطفى ابن إسماعيل تلك الوزارة التي عاثت في البلاد فسادأن خصوصاً بعد الحادثة الشهيرة وهي التي أثارها القاضي المالكي المرحوم محمد الطاهر بن محمد النيفر بسبب تجزؤ علالة بالزي أحد اتباع الوزير المذكور على المحكمة الشرعية.
وهذه القضية طواها المؤلف مع أنها سابقة حدثت في سنة (١٢٩٦) .
وقد بسطنا الكلام على هذا المجلس الذي أطنب المؤلف في مدحه (المتحدث عنه في الملحق الخامس) مع انه لم يرض أهل المجلس الشرعي إذ طالبوا بمجلس يضم نخبة تمثل الأمة.
إن وزارة مصطفى بن إسماعيل كانت من الأسباب المعجلة للحماية الفرنسية لأن الوزير المذكور ليست له الكفاءة المؤهلة للوزارة إذ هو خلو من التعليم حتى من التعليم الجزئي مع ما فيه من تكالب على المال ثم إن بطانته كانت بطانة سوء منهومة على المال بالأوجه غير المشروعة.
وزاد في تعكير الجو أن هناك دولتين كانتا تسعيان لاحتلال تونس أو تقوية النفوذ فيها لإحداهما دون الأخرى التي تزاحمها.
ونتج عن ذلك إعلان الحماية الفرنسية على تونس في (١٤ جمادى الأولى ١٢٩٨) وفي (١٤ ماي ١٨٨١) .
وقد أرخ هذه الفترة الشيخ محمد بيرم الخامس مذيلاً بها كتابه صفوة الاعتبار وهذا لم يطبع بما ننشره كما جاء منقولاً عنه: الحمد لله تعالى: هذا الذيل الذي نبه عليه الشيخ بيرم في الباب الثاني من كتابه صفوة الاعتبار عند الكلام على سياسة تونس الداخلية والخارجية، قال:
ذيل في تسلط فرنسا على تونس
قد مر في المطلب الثامن من أحوال الإدارة الداخلية في تونس حالة وزارة وزيرها مصطفى بن إسماعيل وتصرفاته وما وقع في نازلة صانسي الفرنساوي التي كانت سبباً في خوف هذا الوزير من القنصل وروم أن تبدله دولته.
وتقدم أيضاً ما هي مقاصد فرنسا في تونس وأنها تروم نيل الدرجة العليا فيها ولما رأت سيرة الوزير المذكور لم تأمن وقوع ارتباكات مغايرة لما كانت راضية بالبقاء عليه وخشيت ضياع الفرصة من سهولة التوصل على يد ذلك الوزير إلى ما لم يمكن التوصل به على يد غيره من ذوي العرض والعقل.
فلذلك بينما كانت مساع جارية في إبدال القنصل وإذا بالسعاية إليه قد غيرت مشربه حتى طمع في ولاية العهد بأن يتولى هو الإمارة بعد سيده الوالي الحالي الصداق باشا إذا أتم إدخال تونس طوعاً تحت فرنسأن فراكن حينئذ قنصلها وأحكم معه المودة، وصارت بطانة الوزير تأتي إليه معلمة بجميع أسرار الحكومة وسائر تصرفاتها.
وأضمر ابن إسماعيل الشر لمن كان أوعز إليه بأن يتشكى من القنصل إلى دولته ثم تفطن بذلك التواطؤ السري ونصحه بأنه لا ينتج له شيئاً وعلى فرض الوفاء له بالوعد فإنه لا يلبث أن يناله ما نال الوزير العلقمي في انقراض دولة بني العباس من بغداد.
واتفق ذلك الوزير مع القنصل على شروط إدخال تونس تحت فرنسأن غير أن الوالي لم يساعف على لائحة تلك الشروط التي قدمت إليه سراً بواسطة الوزير، وخشي من الدول ومن الأهالي في البغي منه على الدولة العثمانية وفي تغيير حالة السياسة.
стр. 463
وجعل الوالي يسوف العقد من وقت إلى آخر وجعل الوزير يسعى في إحداث وجه لتداخل فرنسا وإنقاذها أمرهأن فأكثر من الرسل السرية غلى الآستانة متطلباً أن يدعى هو إليها رسمياً أو يرسل بعض الأسطول العثماني إلى مرسى تونس مع إظهار زيادة التشيع إلى الدولة العثمانية حتى لا يتفطن إلى مساعيه الباطنية، فلم يساعف من السلطان في مطلبه غذ لم يكن له من داع، كما انه لم تفد في الدولة العثمانية الإيقاظات غلى دسائسه وعزمه حتى تسعى في سعة لدفع الغوائل المتوقعة إذ من المعلوم أن التدخل السياسي هو كالمرض المزمن الذي لا ينجح فيه العلاج غلا تدريجياً عند أول حدوثه سيما إذا كانت الدولة المعالجة محتاجة غلى استمالة غيرها من الدول القوية غلى معاضدتها على قرنها القوي، ومع ذلك أيضاً قد عكر الوزير ابن إسماعيل حالة الخلطة مع إيطاليا لعلها تعلن على تونس الحرب ومنح للفرنساويين منحاً لم يطلبوها مما يزيد في نفوذهم والشحناء معهم كما تقدم ذكره في المطلب الثامن من أحوال تونس، ولما لم تنجح جميع تلم المساعي التي كان يمكن لفرنسا الاستناد إليها في وضع حمايتها على تونس أحدثوا أقاويل في إهمال حقوق الفرنساويين، وأظهر الوزير المذكور الاستخفاف بقنصل فرنسأن ومال عنه كل الميل ظاهرأن ورام أن يظهر التعطيل في إجراء المنح التي أنالها إلى الفرنسيين بأوجه من الاعتذارات، حتى أغرت رعايا فرنسا بتونس على أن تكتب تقريراً للتشكي من ضياع حقوقهم وطلب دولتهم للانتصاف لهم، فلم يرع الأمم إلا أن فرنسا جلبت بخيلها ورجلها على حدود تونس معلنة بأن قصدها غنما هو حفظ حقوقها من جهة الحدود وغيرها واستندت في عملها لما تضمنته لائحة وزير خارجيتها إلى سفرائه.
وهذا نص تعريبها: "باريس في ٩ ماي ١٨٨١ أيها السيد أتشرف بأن نرسل لكم جملة رسائل في شأن تونس ونريد أن نحقق لكم المقصود إجمالاً ونخبركم عن سبب إرسال العساكر الآن وعن النتيجة التي نرجو إتمامها فكم من مرة قد عرفت الدولة الجمهورية بدواعيها ومقاصدها وأنتم تتذكرون ذلك خصوصاً ما صرح به السيد رئيس الوزراء في المجلس العام وهو لا يمكن أن يكون فيه أدنى شك من جده وصدقه ومع هذا فإني أريد زيادة إيضاح لكم لينفعكم لدى الدولة التي أنتم عندها فنقول إن سياسة فرنسا في تونس ليس لها إلا مقصد واحد وهو المقصد الذي يكفي لوضوح موضوع سيرتها منذ خمسين سنة نحو المملكة هو الواجب علينا لحفظ راحة مستعمرتنا العظمى الجزائرية فمن سنة ١٨٣٠ لم تأت دولة من الدول المتابعة وتركت هذه المهمة العظيمة وإنا لنعمل الواجب علينا لحفظ مستعمراتنا الإفريقية التي لا يوجد أحد من أروبا انكر علينا ذلك فيها لحفظها من جار عدو كثير الأراجيف وقد كانت القبائل التونسية مخوفين ومحاربين حتى فيما بينهم، وقد فاق على الجميع قبائل وشتاتة والفراشيش وخمير ولا تعرف كمية المحاربين ولا كمية قوتهم، فلذلك التزمنا الآن أن نرسل من العساكر عشرين ألفاً وهذا مما يدل على قوتهم أي الأعداء المتحصنين في بلاد منيعة تقريباً وكان الداعي الأول لإرسال العساكر هو قهر قبائل حدودنا الشرقية ولكن لا فائدة في تقرير الأمن والراحة وأعداؤنا ما زالوا يهددوننا ونحن لا نخاف من الهجوم الكبير لباي تونس إذ كان منه وحده لكن النظر القليل في العواقب ألزمنا التحري من اتحاد الباي مع غيره، وهذه التشويشات يمكن أن يأتي لها وقت وتقلقنا كثيراً في الجزائر وتصل حتى لفرنسأن فيلزمنا بناء على ما ذكر أن يكون لنا عند الباي محبة كبيرة واتفاق قلبي ويلزمنا جار يعوضنا المحبة التي لنا عليه ولا يسمع التشويشات الخارجية لضررنا وأستحقار قوتنا الراسخة.
стр. 464
وقد وضحنا من نحو أربعين سنة بأنه يلزمنا لمحافظة فرنسا الجزائرية أن نحصل في المملكة على قاعدة راسخة ونحن نحترم بالتدقيق منافع الأجانب وهم يقدرون أن يتوسعوا بثبات مع فوائدنأن والدول يتحققون أن مقاصدنا من جهتهم لا تتغير وإلى هاته المدة الأخيرة اتحادنا مع دولة الباي المفخم مستمر إلا ما يحدث أحياناً من الاختلاف في دفع تعويضات لقبائلنا المضرورين ثم في الحين يرجع الاتحاد ويزداد ثبوتاً بعد هذه الاختلافات الصغيرة إلا هاته المدة الأخيرة يرجع الاتحاد ويزداد ثبوتاً بعد هذه الاختلافات الصغيرة إلا هاته المدة الخيرة فنه بأسباب يصعب الإطلاع عليها مذ تغير ميل الدولة التونسية علينا دفعة واحدة وكانت غذ ذاك الحرب ساكنة ثم ما زالت تزداد إلى أن وضحت وتقوت ومبناها ضد كل الامتيازات التي حصلت للفرنساويين في تونس مع شدة الإدارة الردية إلى أن وصلت إلى هذه الحال.
وهذا هو السبب الثاني لإرسال العساكر الذي كنا نود التجنب منه ولكن بسبب السيرة الردية التي طالما صبرنا عليها التزمنا بما هو واقع ولو أننا بها ضمنا للباي في المطالب الحقانية لأننا نعترف بتونس كمملكة مستقلة.
وأما الحالة في الخلطة مع الباب العالي فهي مخالطة محبة وميل طبيعي وبودنا أن لو كنا رأينا منزلة تونس في نظرة أخرى غير التي هي عليها الآن، ولكن قد بان ما يجب علينا مما ذكرناه سابقأن وإننا نقدر أن نسبتهم من الباب إذا كان باي تونس هو والياً من قبلهم فلماذا لم يمنعوا سيرته التي فعلها نحو فرنسا منذ عامين ولماذا لم يفتشوا ليمنع التحير الذي نحن مجتهدون في حصره أن ينتهي بشروط تؤمن حدودنا من الهرج المستمر والتشويش المغري لبارود إما من غيره أو من نفسه فهذان هما المقصدان لإرسال العساكر.
ولا نخفي إذا ما نقول أن لنا في أوربا الرضا العام في جميع الجهات عدا الجهات التي بها النظر الفارغ المطمس للعقول وهذه هي أيها السيد التي خيمت حول الباب وحول تونس ومن كلا الطرفين فنحن مشمولون بالمحبة وجميع ما نرجو من الباي هو أن لا يكون عدواً لنا ولو أن المملكة تنظر لفوائدها تقدر أن تحصل من اتحادها معنا فوائد لا تحصى وأكثر مما نحصله نحن منها ونقدر أن نأتي لها بكل خير من العمكران الحاصلعندنأن ففي سنة ١٨٤٧ فعلنا فيها البريد وفي سنة ١٨٥٩ وسنة ١٨٦٢ فعلنا التلغراف وفي سنة ١٨٧٨ فعلنا الشمنديفير الذي طوله ٥٠ من حدود الجزائر إلى تونس وفس هذا الزمان نفعل لها شمنديفيرين جديدين أحدهما يربط تونس ببنزرت من جهة الشمال وطوله عشرون فرسخاً والآخر يربط تونس بسوسة من جهة الجنوب وسنبتدئ عن قريب في عمل مرسى في تونس نفسها لتدخل المركب من الشط ومن حلق الوادي إلى ذات القاعدة.
ودين تونس وغن كان رأس ماله مشتركاً بين فرنساوي وإنكليزي وطلياني لكنه إذ اعتبرت نفسه النسبة يوجد ثلاثة أخماسه لفرنسا.
وإن الحنايا الجميلة (لا دريان) التي تأتي بالمياه العذبة إلى تونس قد أصلحها أحد المهندسين الفرنساويين.
ولما ترجع الخلطة الطيبة فإنا لا نزال نفعل أشياء حسنة ومنارات على الشطوط وطرقاً داخلية توصل بين البلدان العامرة الناجحة ونسقي الأرض بالترع الكبيرة في البلاد التي بها انهر كثيرة ولكن هاته البلاد أهلها ليسوا معتنين بتلك الأنهر وكذلك الغابات، وكذلك نعمل على استخراج المقاطع الموجودة بها كل نوع من المعادن، وكذلك ترتيب الفلاحة في الأراضي الحسنة التي للأجانب في المملكة والتي للأهالي أيضأن وكذلك استعمال المياه المعدنية التي اكتشفها الرومانيون واستعملوها وبالجملة إن مملكة تونس خصبة، وغنى قرطاجنة القديمة يدل على ذلك.
стр. 465
وتحت الحماية الفرنساوية يمكن أن تزال جميع الحجب عن المنافع الطبيعية في هاته البلاد وتنتشر بقوة، وبشدة الترتيب الجديد نقدر أن نزيد أشياء أخرى وهي أنه إذا كان الباي يعتمد علينا في الترتيب الداخلي في المملكة فإنا نفعل تعديلاً لازماً قارأن وهذا الخير الذي يسهل علينا عمله منه ترتيب كيفية قبض المدخول وترتيب المخروج وترتيب دفاتر الحساب على مقتضى ما نستعمله نحن في ماليتنا ومنه أيضاً خير عظيم وهو ترتيب العدلية على الأصول التي فعلتها الدول في ترتيب العدلية في مصر، وفائدة هذه التراتيب لا ترجع لفرنسا وحدها بل إن المملكة يرجع لها النفع وكذلك لجميع الدول المتمدنة التي نحن منها ومن غير فتح ولا حرب.
بل إن المملكة يرجع لها النفع وكذلك لجميع الدول المتمدنة التي نحن منها ومن غير فتح ولا حرب.
فلا شيء يمنعنا من عملنا في تونس مثل الذي فعلناه في جزايرنا والذي فعلته إنكلترا في الهند إذا نحن جعلنا باي تونس متكفلاً بمطالبنا الحقانية فهو دليل على ما نحسبه دائماً من أن تونس مملكة مستقلة من غير أن نراعي بعض آثار للتبعية بالاسم فقط لبعض أسياد قد تركوها منذ عدة قرون وقد تظهر تلك التبعية نادرأن وإن تحسب المدة التي هي فيها مستقلة لكانت اكثر من مدة التبعية ففي سنة ١٥٣٤ أخذها المشهور بباربورس خير الدين أربع أو خمس مرات بانتصاره على الإسبنيول وفي العام الذي بعده أخذها شارل كان وكذلك في سنة ١٥٥٣، ثم أخذها داي الجزائر سنة ١٥٧٠ ثم أخذها دون جوان النمساوي سنة ١٥٧٣ ثم في طول القرن السابع كانت تحت ظلم الإنكشارية من غير حكم ورؤساؤها الموسومون بالديات كانوا إذ ذاك أربعين فقسموها تقريباً كالمماليك الذين قسموا مصر.
ثم في سنة ١٧٠٥ كان أحدهم المسمى بحسين بن علي الذي أصله كريكي أو كرسكي صار مسلماً وكان هو أحذقهم فعرف كيف يشدهم وقتل جميعهم واشتهر بالباي، وبعصبيات العساكر أقام العائلة الحسينية ومن ذلك الوقت لم تزل الإمارة فيهم على هيئة السيادة الإسلامية والآن ٢٠٠ سنة تقريباً وهم مستقلون والرابطة الحقيقية بينهم وبين الباب العالي هي رابطة دينية وهم يعترفون بالخليفة إلا انهم ليسوا تحت السلطان.
ومما يوضح هذا انهم لا يدفعون له أداء إلا انه عند ولاية كل باي يرسل هدية غنية تعظيماً لرئيس الديانة القاطن بالقسطنطينية وفي باقي مدة الولاية فلا مسألة سياسية يمكن أن تذكر غير هاته التحية الودادية فليس لأمير المؤمنين حق آخر على الباي تونس.
والمملكة تعقد شروطاً كمملكة مستقلة مع الدول الأجانب وتعقد معهم اتفاقيات ويكون لها قوة وذلك برضا الباي فقط وعلى هذا النمط وقعت معاهدة مع فرنسا في سنة ١٧٤٢ وكذلك في العام الثالث والعام العاشر في سنة ١٩٢٤ وهكذا صارت المعاهدة المهمة في ٨ أوت ١٨٣٠ التي تمنع تملك العبيد والتلصص في البحر، ولا يلزم التكلم على المعاهدات الباقية كالتي في حق صيد المرجان وأن الباب لا يحكم على الولاية إلا حكماً وقتياً وهو راض باستقلالها.
ومما يؤيد هذا أنه في القرن الثامن عشر لم يقبل تشكي دول أوربا من التلصص البحري والسعي البربري وليس له حكم عليهم وهو ليس مولاهم وهو لم يضمن السرقات التي جعلوها مخلة بتجارة البحر المتوسط وأن دول أوربا عملوا الحرب عشرين مرة مع المملكة من غير عقد الحرب مع تركيأن وفي سنة ١٩١٨ كانت معاهدة إكس لاشبيل قد حكمت على تونس بمنع التلصص البحري من غير أن تطلب من الباب التداخل على أنه متسيد على تونس وفي سنة ١٨٣٣ فمملكتا سردينيا ونابولي عملا مع تونس من غير عمله مع الباب لأنهم يرون مثل ما نرى أن تونس مستقلة.
стр. 466
ثم إن علاقة تونس مع فرنسا من وقت اخذ هاته الجزائر على النحو السابق من غير واسطة تركيا ولما قد إلينا احمد باي في سنة ١٨٤٣ أقتبل بكل ما يلزم من التعظيم للملوك والباب العالي لم يتوجع إذ ذاك من عملنا التعظيم الملوكي المذكور وكذلك جميع أوربا لم تلك على ذلك لأن رأيي موافق لرأي اللورد آبردين الذي يقول في تسجيله ضد أخذنا الجزائر المكتتب بتاريخ ٢٣ مارس ١٨٣١ إن الدول الأروباوية من مدة طويلة يفعلون المعاهدات مع الدول البربرية مثل الدول المستقلة وخصوصاً تونس فإنها لا تحسب نفسها غلا حرة، والدليل الواضح الحقي الذي لا ينكره أحد هو عمل القوانين في تونس المسماة (بويود لدي) حلف عليها الباي الموجود بتونس محمد الصادق لما جلس على الكرسي في ٢٣ أيلول سنة ١٨٥٩ مثل ما حلف أسلافه فإن قانوناً واحداً منها وهو المسمى بالقانون النظامي للملكة تونس قد احتوى على مائة وأربع عشرة مادة وانتشر بالعربي والفرنساوي في تونس وفي بونه ولم يصرح فيه ولو بكلمة واحدة تقول السلطان.
ومما لا يقدر أن يشك أحد معه في الاستقلال الباي ما نشر في الصحيفة الرابعة من المقدمة في ذلك القانون ونصه أن المتوظفين الكبار التونسيين اختاروه بكلمة واحدة ليكون رئيس الدولة على مقتضى قانون الوراثة المعروف في المملكة وفي ذلك القانون فصول تامة شرحت الحقوق الواجبات للملك وحالة الأمراء من العائلة الحسينية وحقوق وواجبات الرعايا وكيفية خدمة الوزراء وترتيب خدمتهم والمجلس الكبير بالمملكة والمداخيل والحساب ولا شك أن من يطلع عليها يقدر أن يجد ذلك البيان غريباً إذا أراد أن يقيس على رأينا الأروباوي ومع هذا فهو دليل واضح على استقلال مملكة تونس وأنها ليست تحت دولة أجنبية.
وجميع المعاهدات التي بين الدول الأروباوية ومملكة تونس منذ مدة الثلاثة قرون الأخيرة لم تقل أبداً إلا مملكة تونس، ملك تونس، ومنها خمس عشرة أو عشرون معاهدة أمضيت بفرنسا فيها ذلك القول، وفي سنة ١٨٦٨ المعاهدة التي وقعت مع إيطاليا مذكورة فيها الللكة تونس، وتونس أيضاً لم تسم نفسها في قانونها النظامي إلا اسم الذي أطلقته عليها جميع الدنيا وهي أرادت أن توضح المزية التي لها بالاستقلال والقدرة الموافقة له، فبناء على ما سبق من الأدلة القطعية والمتعددة فالباب العالي لا يقدر أن يتعجب من إنكار فرنسا لسيادته على تونس مهما طلب هو ذلك حتى إلى الآن ونحن نقر بأن الباب شدد في طلبه منذ خمسين سنة، وفي سنة ١٨٣٥ أدخل تحت سيادته طرابلس بعدها ضبط التحيير الهائل هناك وأراد أن يعمم سيادته على تونس إلا أن قوة فرنسا المضادة له منعه من مقصده وبعد عشر سنين أي في سنة ١٨٤٥ أتى (مابيخجي) السلطان إلى تونس ومعه فرمان ليقلد الباي منصب الولاية إلا انه لم يقبل منه، ثم مضت عشرون سنة من غير تجربة جديدة، ولكن في أواخر سنة ١٨٦٤ رجعت التخمينات القديمة وإنما هاته المرة كانت المملكة بنفسها هي التي طلبت التقليد ولكن هذا كان من الغريب إذ وقع من الأمير الذي هو حتى لذلك الوقت بعينه وهو يظهر المدافعة عن استقلاله وهذا إنما كان من الإشارات القوية التي خوفت الباي من حالته أمام الباب فأرسل لذلك أمير الأمراء خير الدين إلى القسطنطينية ليعرض ويأتي بالفرمان.
стр. 467
وهاته المرة أيضاً فرنسا عارضت في ذلك وعوضاً عن الفرمان السلطاني فالباي ومستشاره التزموا بالرضا بمكتوب وزيري متضمن لما في الفرمان، ثم اغتنموا الفرصة وقت مصيبتنا في سنة ١٨٧١ وتمموا ما كانوا ممنوعين منه سواء كان في مدة الوي فليب الذي كان غالباً أسطوله يمنع الأسطول التركي من القدوم إلى تونس أو في مدة الإمبراطور الذي لم يقلل من العزم المشار غليه، وفرمان ١٥ تشرين أول سنة ١٨٧١ الذي اتخذوه تحت ظل مصيبتنا اشتهر في ١٧ تشرين ثاني في باردو وأعلن به خير الدين باسم السلطان وقبله الباي الذي كان طلبه له مع شيء من الغضب، وفرنسا على حال سجلت بقوة، وحسب الفرمان باطلاً أو كأنه لم يقع ومن مدة عشر سنين لم تبطل شيئاً من عملها عندما يقتضي الحال ومع نجاح الباب هو بنفسه له شك في إجراء حق فرمانه بتاريخ سنة ١٨٧١ الذي ضرب استقلال مملكة تونس المتقادم وهذا الفرمان انتشر قليلاً إلا أنه عند الغالب لا يعرف ما عدا بعض الدول التي لها فوائد في ترتيب الفرمان المذكور أن تكون تونس جزءاً تحت الباب مع أن حكم باي تونس باق كما كان يعرف منذ مائتي سنة غير أن باي تونس صار والياً أي والياً عاماً على إيالة تونس وعلى موجب فالوراثة في الحقيقة لم تكن مستمرة في العائلة الحسينية خلافاً لما ذكره الفرمان بل الوالي يعزل بإرادة السلطان ومن الممكن أن يعرف الباي ضرره وضرر ملكه وحريته وحياته التي هي غلطته الكبيرة حسبما أشاروا عليه بهأن ومحمد الصادق ليس له خوف من جهة فرنسا ولو مع عمل من الشر معها ومع هذا فهي ليست بضده لا لذريته ولا لذاته ولا لدولته وأما من جهة الباب فهو بالعكس وله الخوف الكبير منه لنه يمكن أن يبدله بحسب الحال".
انتهت لائحة وزير فرنسا وإذا تأملها المتبصر وتدبر معانيها يجدها مخالفة للواقع في كثير من الأمور سيما بعض الأحوال التاريخية كما تبين من مقابلة كلامه بما ذكرناه في تاريخ تونس وسياستها وصلتها مع الدولة مع المكتيب الرسمية التي نلقاها حرفياً حتى من متوظفي فرنسأن ويؤكد ذلك ما تراه في لوائح الباب العالي الآتي بيانها فإن الحال لما بلغت إلى درجة هجوم العسكر على الحدود تظاهر والي تونس بأن أرسل إذ ذاك إلى الباب العالي مكاتيب في التشكي من فعل فرنسا وأرسل إلى نواب الدول تسجيلاً على ذلك أيضاً ولما تحقق الباب العالي الأحوال الرسمية أرسل عدة لوائح إلى سفرائه مستنجداً بالدول لمحافظتهم على معاهدة باريس التي أشرنا إليها سابقاً وعلى معاهدة برلين، ومما يفصح عن مقاصد الباب وحقوقه اللائحة التي أرسلها وزير الخارجية بالدولة العثمانية إلى سفراء الدولة ونص تعريبها:
اللائحة العثمانية
стр. 468
"القسطنطينية في ١٠ ماي سنة ١٨٨١ إن إعلاماتي المختلفة عرفت فطانتكم الوقائع التي صارت في المسألة التونسية وقد نسبت بهجوم بعض القبائل البدويين جهة الجزائر وهذا الهجوم الحكام التونسيون أعلنوا بأنهم حاضرون ليضبطوه من غير تراخ فالدولة الفرنساوية حكمت بأنه يلزمها إرسال عدد وافر من العساكر الذين استولوا على جزء كبير من الولاية ولم يبعدوا عن المركز إلا بعض فراسخ، فمن غير التفات إلى ما كنا أكدنا به على حضرة الباشا ل] اخذ التدابير اللازمة لتمهد الراحة في المواضع الثائرة فدولة الجمهورية لا تريد أن تنظر للمخاطبة الاقترانية بتونس مع السلطنة العثمانية التي هي محسوبة جزءاً مهماً للسلطة المذكورة وأظهرت بأنها لا تقبل قولنا للاتفاق الودادي معها لقطع الاختلاف الذي وقع وترتيب حقوق الباب العالي مع منافع فرنسا في ذلك المحل وترتيب الأشياء الموجودة من زمن قديم ولا نقدر أن نزيد في إيضاحها كما يلزم وهي سيادة السلطان التي ليس فيها اختلاف على هاته الولاية وهي سيادة لا تنكرها ولا ولاية عموماً وهذا الحق بقي إلى الآن صحياً ولم ينقطع من زمن فتحها وهو إذ ذاك سنة ١٥٣٤ بخير الدين باشا وفي سنة ١٥٧٤ وتقليج علي باشا وسنان باشا وكانت الدولة العلية أرسلت إلى تلك المواضع قوة عظيمة براً وبحراً ومن زمن ذلك الفتح فالتأسيسات التي فعلها الباب العالي هي أن جميع ولاة تونس يتوارثون الولاية من ذرية الوالي الأول المسمى من السلطان ويتقلدون غلى الآن المنصب منه وفرمانات الولاية تبقى في خزانة الديوان وكذلك جميع المكتيب التي تأتي منهم لبا العالي فإنها تارة تكون في شان مخالطتهم مع الدول الأورباوية وتارة تكون في شأن أحوالهم الداخلية والتي لهاته المدة الأخيرة فإن الباب العالي من استحفاظه على حقوقه زيادة على كونه يسمي الوالي العام فإنه يرسل من القسطنطينية إلى تونس قاضياً وباش كاتب الولاية ولم يمكن إلا من ترحم الدولة العلية أن منحت الوالي أن يسمي هو بنفسه هذين المتوظفين وأيضاً فاتباعاً للمذهب وخصوصية سيادة السلطان فإن الخطب يذكر فيها اسم جلالته ويضرب على السكة أيضأن وفي وقت الحرب ترسل تونس الإعانة إلى التخت وعلى حسب العادة القديمة يأتي إلى القسطنطينية دائماً أناس رسميون ليقدموا تعظيمات الوالي وخضوعه لأعتاب السلطنة وليقبلوا أيضاً الأذن اللازم من الباب العالي لأمور عظيمة في الولاية ثم إن الباشا الموجود الآن والأهالي التونسيين طلبوا زيادة في التفضل وأعطى ذلك لحضرته السامية بالفرمان المؤرخ في ١٨٧١ وتعرف به جميع الدول، والآن قد استغاث الوالي بجهد سيده الحقي ليعينه على الحالة الرديئة التي وقعت فيها تونس الآن، وهاته الأشياء التحقيقية لا ينكرها أحد فل تريدون أن تعرفوا الآن تقريرها بالتاريخ وبالمكاتبات الرسمية هو سهل لكن نقتصر على المهم منها لئلا يطول الكلام في هذا التلغراف ففي المعاهدات القديمة التي بين تركيا وفرنسا تعدد ألقاب الحضرة السلطانية ويكون منها لقب سلطان تونس) فانظر مثلاُ) معاهدة ١٠ صفر سنة ١٠٨٤ هـ? سنة ١٦٦٨ م وفي هذه المعاهدات أيضاً يوجد بأن كل المعاهدات التي بين الدولتين تجري أيضاً في تونس وفي نصف القرن السابع عشر أي في ١٤ صفر سنة ١١٦٦ أرسل السلطان فرماناً للباي والحاكم الكبير بالولاية في رضا الباب العالي بأن قنصل فرنسا يجمع خدمات قناصل الدول الذين لم يكن لهم ذاك نواب القسطنطينية كالبرتغال وكتالوني وإسبانيا وفينسيا وفرنسا وغيرهم، والقنصل وكالته هي حماية السفن تحت الراية الفرنساوية في المراسي المشهورة بالولاية والفرمان يمنع تداخل الإنكليز والهولانديز وغيرهم من التداخل في خدمة نائب فرنسا وذلك سند منع التعدي بين الباب العالي والنمسا المؤرخ في ٩ رمضان سنة ١١٩٧ هـ? المتقرر بمعاهدة ستوفا في ١٢ ربيع الآخر سنة ١٢٩٥ فإنه يأذن حكام الجزائر وتونس وطرابلس الغرب بأن يحملوا باسم السلطان السفن التجارية لسلطنة الرومان الفخيمة وأيضاً فإن الاتفاق الذي تقدم هذا السند وتمم في ١٥ شوال سنة ١١٦١ هـ? بالإذن من السلطان وكان هذا الاتفاق وقع بين الحكام المذكورين والسلطنة المذكورة فغن الوالي العام بتونس وهو غذ ذاك في رتبة بكلربيك ونال اسم علي باشا يذكر في مقدمة كل مكتوب ممضى عليه منه هاته الكلمات بعينها وهي (مولانا
стр. 469
السلطان الغازي محمود) وعلى ذكر واقعات ذاك الزمان أستطرد لكم الإذن الصادر من الباب الغالي في ١٥ ربيع الأول سنة ١٢٤٥ هـ? سنة ١٨٢٧ م لحكام الجزائر وتونس وطرابلس الغرب فإنه يأمرهم أن لا يتداخلوا في الخلاف الواقع بين سلطنة النمسا ومملكة المغرب، وكذلك الإذن الصادر من القسطنطينية لوالي تونس في ١٤ صفر سنة ١٢٤٧ هـ? سنة ١٨٣٠ م فإنه يأمر بترتيب العسكر النظامي بالولاية على نمط الترتيب العسكري النظامي العثماني، وأيضاً قد أتى مكتوب معين بالطاعة من الباشا التونسي لجلالة السلطان في سنة ١٨٦٠ وذلك الباشا هو الذي سماه السلطان والياً عامأن وقد اشتهر هذا المكتوب في جميع صحف أوربا من غير أن يعارض ولا من جهة واحدة ونزيدكم شيئاً آخر وهو انه في سنة ١٨٦٣ في واقعة القرض التونسي الذي وقع في باريس من غير رضا الباب العالي كان مسيو دواراون دولويس وزير خارجية الإمبراطور نابليون الثالث قد أعلن رأيه بنأن على شكايات الدولة العثمانية وقال إنه يلزم غما الباشا بتونس أو الصراف الذي يريد عقد القرض معه أن يطلب رضا الباب العالي ليصبح هذا القرض للمدافعة عن حقوق الباب العالي فغن الوزير الفرنساوي أرسل يقول هذا الكلام والحق الذي للدول الممضين على معاهدة برلين وإنا لمحققون بأن فكر الدول محيط بدلائل كثيرة في الواجبات العمومية التي يقتضيها المؤتمر المحترم وانهم يريدون أن يفصلوا بالعدل قولنا الذي قدمناه وأنهم يتحفظون على حقوق الباب العالي الأخرى المحفوظة بالمعاهدة المذكورة ويصلحون الحال بين الدولتين المتممة للسلطة العثمانية والمرغوب من جنابكم أن تتكلم مع وزير الخارجية في مضمون هذا التلغراف وتشرح له ما تراه نافعاً ولكم الإذن بأن تعطوا نسخة من هذا لجناب الوزير إذا طلبكم (الإمضاء مصطفى عاصم) .
стр. 470
ومن تأمل هذه اللائحة مع ما قررناه في سياسة تونس الخارجية ومقاصد فرنسا فيها لا يشك في أن فرنسا لم تكن تنازع قط في أن تونس من ممالك الدولة العثمانية، وإنما غاية دعواها هو أن تلك الإيالة لها امتيازات جارية تحافظ هي عليها لجل منافعها ويصدق ذلك تصريح وزير فرنسا دواروان دولويس في مجمع فيينا إثر حرب القريم لما سأل الوزير الروسي عن تعيين الممالك العثمانية للجهل ببعضها ومثل بتونس وأنه يتراءى فيها نزاع فأجابه الوزير الفرنساوي بأن لاشك ولا نزاع في كون تونس من الممالك الغعثمانية وإن كانت لها امتيازات تخصها وكذلك المعاهدات المعقودة بين فرنسا وتونس حتى التي وقعت بعد الاستيلاء على الجزائر بمدة طويلة يصرح فيها بأن سائر المعاهدات المعقودة مع الدولة العثمانية تكون مرعية الإجراء في تونس ولا يعزب عن عاقل أن ذلك التصريح لاتحاد تونس بالممالك العثمانية، ومع هذا كله لم يفد استصراخ الدول لأن فرنسا لم تعلن بعملها إلا بعد أن لمست أفكار الدول الكبيرة فوجدتهم غير معارضين لها لأن دولة إنكلترا متولي زمامها حزب الإطلاق الذي لا يرى نفع دولته في المحافظة على الدولة العثمانية بعد أن طال تجريبهم لها في الحث على الجريان على مقتضى نصائحهم ولكنهم لم يروا العمل دونك ما نشر في الكتاب الأزرق من المخاطبات التي وقعت من الحضرة السلطانية ورئيس وزرائها ومع سفير إنكلترا في الآستانة حسبما أهبر بها وزيره بعدة تلغرافات تنبئ بما تقدم فمنها تلغراف من مسيو غوشين (سفير إنكلترا) إلى وزير خارجيتها بتاريخ ١٩ نيسان سنة ١٨٨١ هاته ترجمته إني وجدت جلالته (أي السلطان) مشغول الفكر بهذه الأفعال وبناء على ما عندي من الإذن أعلنت له بأن الدولة الإنكليزية تريد بقاء الحالة الموجودة بتونس والنائب الإنكليزي له الإذن ليرشد الباي إذا استشاره بأن يعين فرنسا في تقرير راحة الحدود وغني أرجو أن جلالته يشير على الباي أيضاً بذلك فالسلطان سكت بعض دقائق ثم ظهر على وجهه الغضب وقال إنه فهم من كلامي أن الدولة البريطانية تريد إبقاء الحالة على ما هي عليه في تونس ولها نفع في ذلك وفهم أيضاً أنا أشرنا على محمد الصادق بأن يعين العساكر الفرنساوية فنبهت عظمته بأن قلت إن الدولة الإنكليزية تنتفع بإبقاء الحالة الموجودة ولكنها تظهر تمني ذلك فقط على هذه الكيفية ونحن نتأسف كثيراً من فتح مسألة جديدة في الشرق، وإنا لا نفتكر أنه توجد فوائد خصوصية لإنكلترا مربوطة بأي كيفية كانت في أحوال تونس، فعند هذا أجاب السلطان بأنه لم ير كيف يجمع بين رجائنا في إبقاء حالة تونس على ما هي عليه ومع ذلك نشير على الباي بأن يعين العساكر الفرنساوية فهذان الشيئان لا يتوافقان لنه على رأيه يكون دخول العساكر الفرنساوية إلى تونس ناقضاً للحالة الموجودة.
стр. 471
وفي تلغراف آخر من مسيو غوشن أيضاً يقول فيه إن المحادثة التي وقعت بيني وبين باش وكيل كان يطلب فيها صحبة إنكلترا وقال إن الدولة الإنكليزية تقدر أن تعمل مع الدولة العثمانية المعروف وأن الباب العثماني يكون ممنوناً إذا كانت إنكلترا تريد أن تفعل معه ذلك، فقلت له إن ما كنت قلته لكم قد وقع، والذي كنت تقوله دائماً هو انه يأتي زمن تكون فيه تركيا متذكرة بأن صحبة إنكلترا لها لازمة وقد تكلم على الحاجة الأكيدة الآن وتلكم أيضاً على مودة إنكلترا فتبعته وقلت له ما هو دليل المودة الذي أظهرته تركيا لإنكلترا منذ بعض سنين وفي أي وقت اتبعتم إشارتنأن وفي أي وقت قبلت استشارتنا النافعة للسلطة التركية نعم إن الترك قد علموا غاية جهدهم ليتركوا المودة التي في رأي العموم في إنكلترا ورجوعها الآن ليس بسهل فحضرته العلية أجابت بان جميع الأشياء واستمر في طلب الإعانة وأنا شرحت له بأن نازلة تونس مثل النوازل الأخرى الشرقية ولا تقدر إنكلترا على إتمامها وحدها ومع هذا فليس لنا فائدة خصوصية وسياستنا متمسكة بالموافقة الأروباوية ولا دولة تريد قيام عسر جديد قبل أن تتم الإعسار القديمة وكل دولة تكون حازمة إذا كانت تفتش كل واسطة لحصر النازلة التونسية في حدود ضيقة لأقل ما يمكن لئلا تقوم نازلة تدخل فيها الدول برأي مختلف فجنابه يقدر أن يفهم من جملة كلامي بأن ليس لي إذن لتقرر الرجاء بأن تكون الدول العظام الأروباوية يظهرون أنفسهم مختلفين على نازلة مخلبطة بين الباب العثماني وتونس والطلب الخصوصي من إنكلترا ليس بموافق لحالة الباب العثماني منذ بعض سنين مع الدولة المشار إليها.
فهذا الخطاب كاف في بيان الحال مع إنكلترا وهي وإن أظهر بعض أهل الشورى التنديد على سياستها وطلب المحافظة على تونس وإبقائها للدولة العثمانية وبين ما نشا لإنكلترا من المضرة عند استيلاء فرنسا على مرسى ابن زرت وعلى قربها من خليج السويس ورجحان كفتها في البحر الأبيض لكنه لم ينفذ كلامه حيث كان حزب المحافظين الذي هو مغلوب حينئذ واحتجت عليه الوزارة بأن حزبه الذي فتح الباب لفرنسا فإن اللورد ملسبري الذي كان وزير الخارجية عند عقد مؤتمر برلين كما باحثه وزير فرنسا على استيلاء إنكلترا على قبرص أجابه بأنه لا يعارض فرنسا إذا أرادت الاستيلاء على تونس.
فإذا يكون استناد فرنسا على وعد إنكلترا وقد غفل المستند لذلك عن كون الوعد من ملسبري كان في سياق أن ترضى بذلك الدولة العثمانية صاحبة الملك مع الرضا العام لا اغتيالاً ومع ذلك فلإنكلترا مقاصد على تونس مخفية في مصر فرأت أن مساعدة فرنسا على تونس تلائمها في مقصدها هي في مصر عند الحاجة إذا ساعدتها فرنسا ولهذا لم تعترف بالمعاهدة الجددية مع تونس رسمياً حتى أن وزير فرنسا الأول أعلن في مجلس النواب بأن إنكلترا وافقت على معاهدة وزير فرنسا الأول أعلن في مجلس النواب بأن إنكلترا وافقت على معاهدة مايه استناداً منها لما دار بينهم من الكلام فيها فأعلن وزير خارجية إنكلترا حالاً بتكذيب ذلك الإدعاء وما ذاك إلا تحفظاً على ما يريد لدولته حتى إذا لم تساعفه فرنسا في مصر وآل بينهم الأمر إلى المشاحنة الحقيقية كان لإنكلترا وجه في نقض ما حل بتونس.
وأما دولة الروسي فلا إشكال أنه يسرها كل ما يضعف الدولة العثمانية ولا فائدة لها في مشاحنة فرنسا وذلك كان جوابها يمثل محصول جواب سابقتها.
стр. 472
وأما دولة ألمانيا خصوصاً بأن الأولى للدولة العثمانية الإضراب هن هاته النازلة وأنها هي لا تتعرض لفرنسا بشيء والباعث لها على ذلك وجوه (أولها) إظهار عدم التجافي عن فرنسا التي لها عليها حقد أخذ الثأر (وثانيها) جذب أعداء ومضادين لفرنسا كالدولة العثمانية وإيطاليا حتى إذا أعلنت الحرب يوماً ما بين ألمانيا تجد ألمانيا الظهير على قوتها بما لذلك من الباعث الذاتي (وثالثها) أشغال فرنسا بفتوحات جديدة في أراض فسيحة وخلق كثير في أفريقيا ربما طال اشتغالها بهم حتى يبرد لهيب اخذ الثأر (ورابعها) إضعاف قوة فرنسا وقت الحرب إذ الأمم الذين تريد التسلط عليهم وإن لم يكونوا كفؤا لمحاربة فرنسا لخلوهم عن آلات الحرب والاستعداد لها لكنهم لما كانوا مسلمين واهل نجدة وشجاعة ومثافنة للحرب لا يلبثون دائماً أن يحدثوا عليها ثورات سيما إذا علموا بوقوع حرب بينها وبين أجنبي فتضطر فرنسا في وقت الحرب إلى أن تبقى قسماً عظيماً من جيشها محافظاً على ذلك المستعمر وذلك يفيد ألمانيا بنقصان قوة جيش خصمها في حربها (وخامساً) تمهيد السبيل إليها فيما تريد التعارض به بينها وبين النمسا لأن ألمانيا ليس لها مرسى على البحر الأبيض، وقد بقي من جنس الألمان تحت النمسا عدة ملايين حول الجهات التي قرب مرسى ترست فلو أخذت ألمانيا ذلك الباقي من الألمان مع تلك المرسى يكون ذلك غاية أمانيها ولكن ذلك لا يحصل إلا بحرب مع النمسا وقهرها أو بمعارضة ذلك لها بشيء يرضيها من ممالك الدولة العثمانية مثل أخذها ولايات مقدونيا ومرسى سلانيك الموازي ذلك لمت يؤخذ منها حسبما أشيع مراراً ولذلك كانت ألمانيا أول من بادر لأمر نائبها بتونس باتباع سياسة فرنسا فيهأن وتبعتها على ذلك أيضاً النمسا لأنها ليست لها سياسة تخصها في تونس وهي لها مع ألمانيا عقد محالفة اتحاد على الذب والإقدام، ثم إنها لما مطامح في جهة بحر الجزر لتتمكن فيه بمواقع مهمة لكي تسلم في مرسي ترست إلى ألمانيا حليفتها حيث لم يكن لها مرسى في البحر الأبيض كما تقدم ذكره فلا تعارضها فرنسا عند العمل.
وأما إيطاليا فإنها تجرعت من لك الغصص وطوت على الضغائن التي لا تزال ولكنها لما كانت غير كفء بانفرادها لمعارضة فرنسأن واتحادها مع الدولة العثمانية أيضاً لا يجدي لاحتياج كل إلى المال مع ما فيه الدولة العثمانية من الحالة الداخلية والخارجية التي أعقبتها الحرب الأخيرة، فلم يسعها إلا السكوت وتحمل عرق القربة مع عظم الضغينة في عموم الأهالي والدولة إذ هي حريصة على إبقاء ما كان في تونس وكانت عند ملاحظتها مبادي الشر عرضت بالسعي السياسي مع الدولة العلية فلم يكن من المقدر قبول الانتباه لما أراده حتى أنكر الوزير العثماني على المأمور الطلياني التكلم معه في تونس وقال له إنها تابعة لنا دخل فيها لحد وعند هجوم فرنسا صار يتملق إلى ذلك المأمور لكي يمد إيطاليا اليد فقالت له مصداق المثل "الصيف ضيعت اللبن".
стр. 473
وبما تمهد عبرت عساكر فرنسا حدود تونس معلنة بأنها تريد تأديب قبيلة خمير من أعراب الجبال الشمالية عند حدود الجزائر ولم يتعرض لها أحد بالمصادمة لن حكومة تونس قد تقدمت حالتها الباطنية من التوافق مع فرنسا ومع ذلك فليس عندها تحت السلاح ألفا عسكري ولا اقتدار لها على معارضة فرنسا بالقوة واستندت ظاهراً إلى أمر الدولة العلية بارتكابها سبيل الملاينة واظهر الوزير التونسي إذ ذاك التزام العمل برأي مجلس الشوري حيث فات الإبان مع أن جميع ما يتفاوض فيه يقرره لتابعه علي بالزي ليلاً وهو يقرره إلى نائب فرنسا فكلما غزل المجلس غزلاً نقصه من هو بالمرصاد منهم حتى تعجبوا من اطلاعه على جميع احوالهم، وتمكنت عساكر فرنسا من بلد الكاف وباجة وبنزرت، وفي أثناء تلك المدة كانت الحكومة التونسية لا تزال تسجل وتتشكى وأنها مستعدة لتربية قبائلها الذين هم في نفس الأمر غنما اتخذوا وسيلة فقط، ومع ذلك فقد أوعز الوزير بواسطة تابعه المشار إليه إلى نائب فرنسا بأن لا واسطة مفيدة في الدخول تحت فرنسا إلا قدوم شرذمة من العساكر إلى قصر الوالي والإحاطة به إذ النسوة لما ترى ذلك تصعق بالخوف فيضطر الوالي إلى الإمضاء على الشروط ويجد العذر عند الأهالي، ومع ذلك أرسل خبراً بالسلك الكهربائي إلى الباب العالي يقول أنه قد علم أن فرنسا تطلب عقد شروط ولا يعلم ما هي فماذا يفعل فأجيب من الباب بأن يحيل كلما يطلب منه الباب العالي ولا يمضي شيئاً وقبل ذلك أشاع أصحاب الأخبار أن في عزم الدولة إرسال خير الدين باشا إلى تونس معتمداً في حسم النازلة لمعرفته بأحوالها وسياسة الأهالي والأجانب ولكن يكون عوناً على إبقاء الحالة المعروفة فأرسل الوالي تلغرافاً إلى الباب العالي يطلب أن يكون المرسل غير المشار إليه وتعجب كل غافل عن المقاصد الخفية من ذلك الطلب إذ تلك الحالة لا تدع مجالاً للشخصيات سيما وقد سبقت من خير الدين إلى الوالي المشار إليه المجاملة وعدم الأكتراث بما فعل معه عند حلوله بالأستانة وترقيه فيهأن لكن المطلع على الباطن زاده ذلك تيقناً في التواطؤ على تلك الأعمال لأن وجود مثل خير الدين في تونس لا يروج عليه ما يروج على غيره ممن لم يثافن طبائع الشقين، ومع مجاراة الباب العالي وتقليله لمواقع النزاع قدر الإمكان لتأمين الوالي حيث أظهر الميل إلى الدولة فإنه أي الوالي أسرع إلى إمضاء الشروط مع فرنسا والحال أن مداد الحبر من الباب العالي ينهاه عن الإمضاء لم يجف ولم يجبر الباب بعد ذلك بشيء حتى سأله عما شاع من إمضائه فأجابه بأنه مكره عليه وكل ما ورد بعد ذلك من الباب سلمه غلى نائب فرنسا مدعياً أن الشروط قاضية بلك (وهذا نص تعريب المعاهدة) : إن دولة جمهورية فرنسا ودولة باي تونس أرادوا أن يقطعوا بالمرة التحيير المخرب الذي وقع قريباً في حدود الدولتين وفي شطوط تونس، وأرادوا أن يرابطوا مخالطتهم القديمة التي هي مخالطة مودة وجوار حسن، فاعتمدوا على ذلك وعقدوا معاهدة في نفع الجهتين المهمتين فعلى موجب ذلك رئيس الجمهورية الفرنساوية سمى وكيله مسيو الجنرال برياد الذي يتفق مع حضرة الباي السامية على الشروط الآتية: أولاً: المعاهدات الصلحية والودادية والتجارية وغيرها الموجودة الآن بين الجمهورية الفرنساوية وحضرة الباي يتحتم تقريرها واستمرارها.
ثانياً: ليسهل لدولة الجمهورية إتمام الطرق للتوصل إلى المقصود الذي يعني الجهتين العظيمتين بحضرة الباي ترضى بأن الحكم العسكري الفرنساوي يضع العساكر في المواضع التي يراها لازمة لتقرر وترجع الراحة والأمان في الحدود والشطوط وخروج العساكر يكون عندما يتوافق الحكم العسكري الفرنساوي والتونسي على أن الدولة التونسية تقدر على إقرار الراحة.
ثالثاً: دولة الجمهورية تتعهد لحضرة الباي بان يستند عليها دائماً وهي تدافع عن جميع ما يتخوف منه لضرر ما في نفسه أو في عائلته أو فيما يحير دولته.
رابعاً: دولة الجمهورية الفرنساوية في إجراء المعاهدات الموجودة الآن بين دولة تونس والدول المختلفة الأروباوية.
خامساً: دولة الجمهورية الفرنساوية تحضر نحو حضرة الباي وزيراً مقيماً لينظر في إجراء هاته وهو يكون واسطة فيما يتعلق بالدولة الفرنساوية وذوي المر والنهي التونسيين وفي كل الأمور المشتركة بين المملكتين.
стр. 474
سادساً: أن النواب السياسيين والقناصل الفرنساويين في الممالك الخارجية يتوكلون ليحموا أشغال تونس وأشغال رعيتها في مقابلة هذا فحضرة الباي تتعهد بأن لا تعقد معاهدة عمومية من غير أن تعلم بها دولة الجمهورية ومن غير أن يحصل على موافقتها من قبل.
سابعاً: دولة الجمهورية الفرنساوية ودولة حضرة الباي أبقوا لأنفسهم الحق في أن يؤسسوا ترتيباً في المالية التونسية ليمكن لهما دفع ما يلزم الدين التونسي العام وهذا الترتيب يضمن في حقوق أصحاب الدين التونسي.
ثامناً: إن غرامة الحرب يغضب عليها القبائل العصاة بالحدود والشطوط وتفعل دولة الجمهورية مع حضرة الباي فيما شروطاً على كميتها وكيفية دفعها ودولة حضرة الباي تضمن في ذلك.
تاسعاً: للمدافعة على منع إدخال السلاح والالات الحربية للملكة الجزائرية الفرنساوية فدولة باي تونس تتعهد بأن تمنع دخول الأشياء المشار لها من جزيرة جربة ومرسى قابس وسائر المراسي الجنوبية في المملكة.
عاشراً: إن هاته المعاهدة توضع لدى رضا الدولة الجمهورية الفرنساوية وترجع في أقرب وقت ممكن لحضرة الباي السامية.
حرر في ١٢ ماي ١٨٨١ بالقصر السعيد الإمضاء محمد الصادق باي والجنرال برياد.
والذي يؤكد صدق التواطؤ من قبل أن الوالي طلب ظاهراً من نواب فرنسا وهما أمير العساكر والقنصل أن يمهلاه مدة للتأمل من حالة الشروط فأجابه القنصل بأنه لا داعي إلى ذلك حيث أن الشروط عند وزيرك من مدة وتأملتها أنت وهو لم يبق إلا لإمضاء ويؤيده أيضاً أن رئيس المجلس البلدي السيد محمد العربي زروق أحد أعضاء مجلس الشورى أصر على عدم الموافقة على إمضاء الشروط وألح على الوالي بذلك عند جمعه للمجلس وأمير عسكر فرنسا منتظر لانبرامها ونصحه بأن ما يخشى منه بعدم الإمضاء سيقع لا محالة بعيد الإمضاء فالتمسك بالبراءة الأصلية أسلم وأشرف وعورض بأنه قد علم أن الوالي إذا لم يصحح يولي الفرنسيس عوضه أخاه الثالث (محمد الطيب باي) لأنهم أكدوا أن له اتفاقاً مع الفرنسيس فأجابه بأن جميع الأهالي لا تطيع الوجه المذكور وعلى فرض قهرهم يكون الوالي على شرفه وربما اضطرت الدول إلى التداخل بوجه يحسن الحال، فلم يلتفت لكلامه وعزل إثر ذلك من جميع وظائفه وجعلت عليه مراقبة في داره وحجر عليه مخالطة الناس وتحقق مزيد الإضرار به إلى أن احتمى بقنصلية إنكلترا وسافر عن وطنه وأقام بالأستانة.
стр. 475
ويشهد صراحة للتواطؤ ما صرح به البارون بيانك الفرنساوي في تشرين الأول سنة ١٨٨١ بما وقع في هاته المسألة وأنه كانت أرسلته دولته حيث كان أحد مأموري الوزارة الخارجية لاستقراء أمر تونس وذلك في كانون الثاني سنة ١٨٨١ وأن الوالي أجاب إذ ذاك فرنسا بأنه يقبل الشروط إذا كان الواسطة فيها هو فرديناند لسبس لأنه كان يؤمل بواسطة المذكور الحصول على شروط أوفق له وأن الشروط إذ ذاك كانت غير التي قررت الآن ومع ذلك كله لم تعلم الدولة العلية بشيء وبه يعلم صدق الكلام في إضمار الوزير التونسي الشر للبلاد ولي بالخصوص أعمال النائب لفرنسا عند إمضاء المعاهدة أن طلب من الوالي نفي علي بالزي حالاً لكي لا يبيح بما وقع من الأسرار التي أطلع عليها فنفي إلى حصن قابس ثم توجه الوزير ابن إسماعيل إلى باريس في سفينة فرنساوية حربية شاكراً لإنعام فرنسا بتلك المعاهدة ومعلناً لها بأنه يصدق في خدمتها أزيد مما كان يبذله سابقاً كذا في عبارته الرسمية عند ملاقاته رئيس الجمهورية المنشورة في الصحيفة الرسمية فقلدته فرنسا بأكبر نيشان لها مع الشريط الأكبر ورجع إلى تونس ولم يلبث بضع أشهر حتى ورد المر على الوالي من وزير فرنسا بعزل وزيره ابن إسماعيل لأن نائب فرنسا بتونس توجه غلى باريس وتفاوض مع دولته فيما يسلكونه في تونس حيث غن الأعراب والجهات الجنوبية أعلنوا بأن الوالي لما بغى على الدولة العثمانية بدخوله تحت حماية فرنسا فهم لا يطيعونه لنهم بايعوا أمير المؤمنين سلطان الدولة العثمانية قديماً وحديثاً فلا يحل لهم الخروج عليه، وهرب على الوالي جميع عساكره فاضطرت فرنسا لتعبية الجيوش لتطويع الأعراب، وكان من جملة التدبير عزل ذلك الوزير الذي توقعوا منه أن يفعل معهم مثل ما فعل مع البلد الذي وصل فيها إلى تلك الدرجة وتحقق الوزير ما ضرب من المثل بوزارة العلقمي وغن كان هذا أي ابن إسماعيل قد امتاز بجميع خزائن أمراء تونس حتى كان آخر ما بقي للوالي من مفاخر الجواهر عقد لؤلؤ منظم سبحة بها مائة حبة مع حلية زمرد محاط بها الياقوت الأبي، فأعطاهما إليه عند سفره لباريس بعد العزل المذكور ورام بسفره إرضاء فرنسا عليه وإرجاعه إلى الوزارة وبقيت البلاد إلى الآن في حيرة واضطراب ودخلت العساكر الفرنساوية إلى قصبة الحاضرة وإلى منازل العساكر في المدينة وأمام قنصلية فرنسا وسكن رئيس العساكر الفرنساوية بدار المملكة في بطحاء القصبة وصارت الحكومة لا تتصرف في شيء إلا بأمر الوزير الفرنساوي سواء كان في الداخلية أو في الخارجية، وتفاقم الضرر بولايات غير الأهل في الوظائف بوسائل غير مرضية، وعظم الكرب على القبائل والبلدان بما حصل فيها من العساكر الذين أقاموا بالقيروان وسوسة وهدموا صفاقس وخرجوا من قابس بعد دخولها وعادوا غليهأن ونسأل الله تعالى أن يتداركنا بألطافه وبحسن العاقبة.
стр. 476
ومما ينبغي التنبه إليه هنا أن الأحوال السياسية التي أشرنا إليها مع الدول سيما مقاصد ألمانيا لا يمكن أن تخفى على أمة عاقلة مثل الفرنساويين فكيف مع ذلك أقدموا على تبوؤ تونس مع كون الفائدة التي تحصل لهم منها لا توازي ما ذكر سيما إذا كان المعاهدة مع تونس التي ذكرناها تجري حقيقة على ظاهرها فالجواب أم كثيراً من عقلاء الفرنسيين قد نددوا على دولتهم وما زالوا في الاعتراض عليها لكنها بعد الوقوع في الأمر المتسبب عن تهور ممن بيدهم مقاليد السياسة حتى اتهمهم مضادوهم من نفس الفرنسيين بان لهم في ذلك أرباحاً ذاتية من التجارة في الرقاع الدولية وموهوا على العامة بالانتصار لحفظ ناموس فرنسأن فبعد ذلك صعب على الدولة إهمال سعيها ما خسرته من الأموال المتجاوزة مائة مليون ومن الرجال الذين ماتوا بالحرب مع الأعراب والأمراض المتجاوزين خمسة وثلاثين ألفاً فرأت فرنسا التحفظ على ما وقع مع السعي في حسن السلوك الذي يخفف أو يدفع عنها الغوائل المنتظرة ثم وراء ذلك أمر مهم جداً لفرنسا وهو طمعها في إحداث مملكة عظيمة في إفريقيا مثل ما للإنكليز في الهند فتريد أن تمتد من الجزائر إلى ما جاورها شيئاً فشيئاً إلى أن تصل إلى دواخل إفريقيا والسودان وتصل بين شاطئ إفريقيا الغربي في سانيغال والشرقي في الجزائر وتونس حتى رسمت جمعية فرنساوية رسماً لخط الحديد في ذلك ولو يتم هذا يكون لفرنسا شان عظيم غير أن القياس على الهند الإنكليزي هو قياس مع الفارق لا من جهة سياسة الفرنساويين في مستعمراتهم من حيث قلبها إلى عوائد الفرنسيين وإناطتها الإدارة في الكليات والجزئيات بباريس ولا من حيث أخلاق الأمم المستوطنين بإفريقيا والمتسوطنين بالهند، وغن شئت الوقوف على برهان ذلك فانظر ما حررناه في أحوال الجزائر وفي أحوال الهند وفي سياسة كل من الدولتين تتبين لك حقيقة الحال وبما ذكرناه هنا يندفع الاعتراض على ما ذكرناه في سياسة تونس الخارجية من كون فرنسا لا تريد الاستيلاء عليها مع كون أعمالها ناقضت ذلك وشرح الدفع يؤول إلى أن الحامل لدولة فرنسا على مخالفة ما سبق من مقاصدها في تونس شيئان أحدهما سياسي ظاهري والآخر خصوصي باطني، فالباطني هو المشار إليه بما وقع من التهمة في نفع الأفراد الذي يأتي له مزيد شرح في مبحث الأحكام، والظاهري هو أن الدول قد تغيرت أفكارهم بالنسبة لمحافظة الدولة العثمانية منذ عقد معاهدة برلين فدلت أعمالهم على أن من ناسبه شيء منها وكانت له قدرة على حوزه بادر إليه وغض عنه النظر بقيتهم إذا كان المحوز أكثر مناسبة بالحائز وقد علمت مقاصد فرنسا ف يتونس ورأت أن إيطاليا لها من المقاصد والمناسبات ما يزاحمها ثم رأت سيرة ابن إسماعيل وانه غير أمين فلا يبعد أن يفعل مع إيطاليا أو غيرها من الدول ما فعل معها لخوف أو طمع مع تيسر إجراء الأمور بواسطته فانتهزت الفرصة خوفاً على درجة نفوذها فبادرت قبل أن تبادر إيطاليأن ومن المعلوم أن السياسة تدور مع الأحوال الحاضرة ولله عاقبة الأمور".
إلى هنا انتهى الذيل الذي كتبه صاحب الصفوة.
ما بعد الحماية
لم يحدث في المدة التي أعقبت الحماية حوادث ذات أهمية لقصر المدة التي ما بين الاحتلال وانتقال موقع الحماية إلى الدار الآخرة.
ومن المتوقع أن معاهدة المرسى كانت مهيأة لأن يوقعها موقع معاهدة باردو وغنما عاجلته المنية أو هي مخبأة لمن يأتي بعده.
عاش المشير الثالث محمد الصادق باي بعد إعلان الحماية إلى سنة ١٢٩٩.
وهذا ما جاء في الرائد الرسمي إخباراً بوفاته في العدد (٥٠) المؤرخ يوم الأربعاء ٢٠ ذي الحجة ١٢٩٩.
قسم غير رسمي
في السبت الفارط ١٦ ذي الحجة (١٢٩٩) فجع القطر التونسي وتزعزعت أركانه بفقد غرة جبينه، وصادقه وأمينه، المولى الجميل الذكر المشير محمد الصادق باشا باي هطلت عليه سحائب الرحمة والرضوان، وأسكنه فسيح الجنان، وقد أسفت السكان على اختلافهم من فقده وأفول بدره، برد الله ثراه وأولاده من نعيم الجنة ما أولاه.
وجاء في نفس العدد المذكور: (هذا ولما بلغ نعيه مسامع ضو الشجرة الحسينية الثابتة الأصل المباركة المولى المعظم الأرفع سيدنا علي باشا باي أقبل للجلوس علة الدست الحسيني وقبول المبايعة الخاصة حيث كان ولي عهد المقدس.
стр. 477
وعندما وصل جنابه إلى سراية المرحوم انعقد موكب خاص حسب العادة المألوفة فيما بين الآل الحسيني مؤلف من جنابه أيده الله والوزير الأكبر، وبقية الوزراء الفخام، والمجلس الشرعي وبايعه الحاضرون.
وقد حضره الهمام الأفخم مسيو كامبون وزير الدولة للجمهورية الفرنسية المقيم بحاضرة تونس وتلا خطاباً بالنيابة عن دولته المحترمة وتأتي ترجمته) .
ولما لهذا الخطاب من أهمية توضح مرامي فرنسا في ابتلاع النفوذ التونسي بعنوان إجراء الإصلاحات التي خطوتها الأولى معاهدة المرسى ننشره توضيحاً لخطى الحماية الفرنسية التي أرادت ذوبان الذاتية التونسية خطوة خطوة، ولولا لطف الله تعالى بالحصول على الاستقلال لاضمحلت الأمة التونسية.
ونصه: قد جئت أنا (أي كامبون) في حق الجمهورية الفرنسوية الحبيبة الحامية للملكة التونسية نشارك حضرتكم في الحزن الذي أصابكم في أعز أوديكم كذا.
ونغتنم فرصة ولايتكم لنحقق احترام وصادقتي لحضرتكم.
ونعرف حضرتكم باليقين أنها تقدر أن تستند على فرنسا كذلك.
والدولة الفرنساوية تعتمد على العلامة المشهورة التي برهنت بها حضرتكم عند الموافقة بجوار عساكرنا.
وإحساس هذه الثقة التامة الموجودة ما بين الدولتين في بعضهم بعضاً يعجل، وهذا عندي محقق، إجراء الإصلاحات اللازمة للغاية.
وما عطل حضرة محمد الصادق على شروعها إلا حضور أجله.
وبحول الله يعود لهذه البلاد غناها وثروتها السابقة.
هذا هو الدعاء الذي ينفتح به ملك حضرتكم، وهذا هو المرغوب الذي دائماً نعين حضرتكم لاتصاله فيما يخصني، وأنا جاعل نصب عيني فائدة العامة من دون التفات إلى اختلاف الجناس لهذه الأمة التي منذ اليوم ترأسها حضرتكم والتي فرنسا تحامي عليها.
وأجاب الأمير علي باي على هذا الخطاب بما لفظه.
نستكثر خير الدولة الفخيمة الجمهورية كثيراً على ما نتحققه من وثيق صداقتهأن وخير جنابكم الذي نتحقق جميل وساطته.
وبجانب هذا الخطاب نجد فقرة أحدهم بهامش نسخة من النزهة الخيرية توضح كيف أن المتولي الأول في عهد الحماية لم يتقدم للإمارة إلا بعد أن توثق منه المقيم العام بأنه ملزم بتوقيع المعاهدة التي تعتزم عقدها فرنسا.
وهذا نص ما كتبه بعضهم في النزهة الخيرية لسنة ١٢٩٩ تعليقاً على اسم الباي: توفي سيدنا محمد الصادق باشا ليلة السبت السادس عشر من ذي الحجة الموافق للسادس من أكتوبر سنة (١٢٩٩) على أن عمره تسعون سنة والصواب أن عمره سبعون سنة كاملين كذا) .
وفي صبيحة السبت توجه كامبون وزير فرنسا المقيم بالحاضرة، والسيد محمد الوزير الأكبر، والشيخ العزيز بوعتور باش كاتب إلى سانية علي باي بالمرسى وعزوه في أخيه، وطلبوا منه القدوم معهم إلى باردو، فقدم مع كامبون وأولاده عوض أخيه على شرطها عليه، وقبلها منه وتركا في السراية منفردين ما يقرب من أربع ساعات منفردين للمفاوضة لقبول البيعة من الحاضرين.
ثم قبل الزوال بنصف خرج مصاحباً لكامبون عن يمينه وأجلسه على الكرسي وقبل البيعة قرأها إلياس بالنيابة عنه قبل جلوسه.
هذا التعليق لم يذكر كاتبه اسمه والظاهر انه من المتصلين بالحكومة ومن خواص الصادق باي، وتعليقه هذا يشرح لنا كيف جلس علي باي على دست الإمارة وأنه لم يجلس إلا بعد توثق كامبون من انه لا يمانع فيما يملى عليه في المستقبل.
الأمير علي باي
١٢٩٩ ١٣٢٠ افتتح عهده باستقالة الوزير محمد بفتح الميم خزنة دار واستقالته مبنية على ما رآه من مرامي فرنسا لابتلاع الذاتية التونسية.
فبعد أسبوع من جلوس هذا الأمير قدم الوزير المذكور استقالته.
جاء في الرائد التونسي عدد ٤١ سنة ٢٤ بتاريخ يوم الأربعاء ٢٧ من ذي الحجة (١٢٩٩) ونوفيمبر (١٨٨٢) تحت عنوان: استعفاء جناب الوزير الأكبر سيدي محمد وبعد الإشادة بأعمال هذا الوزير جاء خبر تولي خلفه: وفي يوم السبت الفارط دعا مولانا جناب أمير الأمراء الشيخ سيدي محمد العزيز بوعتور فقلده الوزارة الكبرى.
وكانت فاتحة الأعمال معاهدة المرسى في أواخر جمادى الثانية من سنة ١٣٠٠ وفي ٨ ماي من سنة ١٨٨٣.
стр. 478
خولت هذه المعاهدة حق الحماية للدولة الفرنسية بفصلها الأول الناص على أن الغرض هو إتمام الحماية لذلك يتكفل الباي بإدخال الإصلاحات الإدارية والعدلية التي ترى حكومة فرنسا الفائدة في إدخالها.
لذلك كانت الحكومة التونسية بالباي والوزير الأكبر آلة تنفيذ لما تراه الحكومة الفرنسية من تقييد للحكومة التونسية بعنوان الإصلاحات.
ولم تمض إلا مدة وجيزة على معاهدة باردو حتى استصدرت الحكومة الفرنسية أمراً من الباي في إنشاء الكتابة العامة كما في منتخبات الرائد التونسي المبدوءة من ١٢٩٩ إلى ١٣٠٠ ويوافق التاريخ المذكور لإصدار أمر الكتابة العامة ٤ فيفيري سنة (١٨٨٣) ومن ذلك الحين والسلطة التونسية في ذوبان والسلطة الفرنسية في تركيز وتثبيت إلى أن جاءت الخطوة الحاسمة بالاستقلال.
وهذا الباي من أطول الملوك الحسينيين عمراً إذ عمره (٨٧) سنة فقد ولد سنة (١٢٣٣) وتوفي سنة (١٣٢٠) .
ابنه الأمير محمد الهادي باي
١٣٢٠ ١٣٢٤ كان فيه انكماش عن فرنسا مما أدى إلى نفار بينه وبين بعض رجال دولته.
وقد أراد هذا الأمير الأخذ بيد العلوم الإسلامية فحضر بعض أختام الحديث سنة ولايته، واعتنى بطبع بعضها وهي التي ختم بها سنة (١٣٢٠) .
الأمير محمد الناصر باي
١٣٢٤ ١٣٤٠ عاش هذا فترة من التاريخ التونسي تعد من فتراته الانتقالية سواء بالنسبة لتونس خاصة أو بالنسبة للعالم.
أما بالنسبة للعالم فقد نشبت الحرب العالمية الأولى في سنة (١٩١٤ ١٩١٨) التي شاركت فيها أكثرية من دول العالم وانقسم المتحاربون فيها إلى قسمين الحلفاء ودول الوسط تتزعمهم ألمانيا.
ونتج عن هذه الحرب وود دول عربية، وبدأ العالم العربي يعتمد على نفسه دون الاتكال على الخلافة التي انتهى أمرها (١٢٢٤ م) .
كما أن مبادئ ولسن الرئيس (٢٧) الربعة عشر التي أعلنها في سنة (١٩١٨) م والتي منها تقرير المصير حركت مشاعر الحرية.
وأما بالنسبة لتونس فإن هناك نهضة نشأت من عوامل مختلفة منها: التحاك بالغرب.
والنهضة العربية التي أيقظتها الأحداث فأرادت مسايرة ركب الحضارة.
وسقوط الخلافة الذي بعث هزة في تونس حيث أدرك التونسيون أنه لا اعتماد للشعوب إلا على نفسها.
والتأثر بالحركات الوطنية في الخارج.
الحركة التونسية في الخارج التي ابتدأها الشيخ إسماعيل الصفائحي (١٣٣٧) والشيخ صالح الشريف (١٣٣٨) ، ومحمد باش حانبة (١٣٣٦) .
ومن الأحداث في مدة هذا الأمير بدء الحركة السياسية فقد تأسس الحزب الحر الدستوري اختفاء ثم إعلاناً.
ومن بواكير أعماله وفد الأربعين الذي أعلنت فيه المطالب التونسية وأم هذا الوفد الأمير محمد الناصري باي.
وتلكم عن وفد الربعين الزعيم التونسي الجزائري احمد توفيق المدني في مذكراته حياة كفاح فقال ما ملخصه: لم يكن من المنطق السليم أن يذهب الوفد التونسي إلى باريس لعرض رغائب تونس دون أن يقع عمل مشابه لذلك لعرض القضية على سمو باي تونس وإشراكه في المسؤولية.
وتركب الوفد من مجموعة تمثل كافة طبقات الشعب التونسي.
ثم يقول: وأسندت رئاسته لعالم من أكرم العلماء ومدرس من أفضل المدرسين هو الشيخ الإمام محمد الصادق النيفر الذي أشهد أنه أبلى البلاء الحسن وناضل النضال المجيد.. في سبيل القضية التونسية.
وأعلن وفد الأربعين المطالب التونسية في ٢ شوال سنة ١٣٣٨ وفي ١٩ جوان سنة ١٩٢٩.
وسافر في شهر جوان من السنة المذكورة الوفد الأول الدستوري الممثل للجنة التنفيذية.
فتشكلت الحركة بشكل حركة منظمة منبعثة للعمل في الداخل والخارج، وقد نبهت المستعمر أن الشعب التونسي ليس بالشعب النائم، إذ أخذ ينقض عنه ما تراكم من تلك القرون المظلمة فأصبح يحسب له حسابه.
الأمير محمد الحبيب باي
١٣٤٠ ١٣٤٧ من أهم الأحداث في مدته أنه بادر إلى التوقيع على الإصلاحات التي قدمها له المقيم فيما يخص تعويض المجلس الشوري بمجلس يسمى المجلس الأكبر.
والفرق بين المجلسين غير كبير فمجلس الشورى كان يتركب من قسمين فرنسي وأهلي هكذا كانوا يعبرون عن القسم التونسي.
وبتركب القسم الفرنسي للمجلس الشوري من (٣٦) عضواً.
والقسم التونسي المعبر عنه بالأهلي من (١٦) عضواً يعينون كل أربع سنوات.
стр. 479
وانظر أسماء الأعضاء التونسييين في السنة الحادية عشرة من الرزنامة التونسية ص١٤٢.
وأما المجلس الأكبر فأعضاؤه الفرنسيون (٤٤) والتونسيون (١٨) .
وجاء تفصيل تركيب المجلس التونسي المسمى بالأهلي في السنة الأولى للتقويم التونسي ص (٤٧) ومكان التوقيع على هذه الإصلاحات في ١٣ جويلية سنة (١٩٢٢) .
وثارت حول هذه الإصلاحات ضجة كبرى بسبب النظرة إليهأن وبسبب دخول بعض الوطينن في انتخابات هذا المجلس.
واسم هذا المجلس (مجلس المملكة التونسية الأكبر) .
الأمير احمد باي
١٣٤٧ ١٣٦١ في طالعة ما حدث في مدته تأسيس الديوان السياسي الذي كان الطريق إلى الاستقلال التام .
وابتدأت الحركة التي نتج عنها تأسيس الديوان السياسي وهي ناتجة عن حدثين هامين فيهما طعن للإسلام وطعن للوطن.
الحادث الأول المؤتمر الأفخارستي بعاصمة تونس في سنة (١٣٤٨) (١٩٣٠) الذي تبرأ من المشاركة فيه شيخ الإسلام الحنفي ورئيس المفتين المالكي.
والحادث الثاني هو ذكرى الاحتلال لتونس الذي لم يتم.
وفي سنة (١٩٣٢) أسس الأستاذ الحبيب بورقيبة جريدة (العمل التونسي) .
وتبلورت الحركة الوطنية بتأسيس الديوان السياسي (١٣٥٢) وفي مارس (١٩٣٤) .
الأمير المنصف باي
١٣٦١ ١٣٦٢ هو أول أمير خلع حياً من الأمراء الحسينيين خلعته السلطة الفرنسية إثر دخول الحلفاء إلى تونس، ونفي إلى الخارج.
ويمتاز هذا الأمير بأنه تزعم الحركة الوطنية في مدة إمارته.
وتوفي في منفاه في (بو) سنة (١٣٦٧) (١٩٤٨) .
الأمير محمد الأمين باي
١٣٦٢ ١٣٧٦ جرى في عهده كثير من الأحداث حيث إن الشعب التونسي كان شعباً ناضجاً فمن أهم هذه الأحداث.
نهضة الزيتونة
فقد تقدمت الزيتونة التي أصبحت تتمتع بمثل ما تتمتع بع بقية المؤسسات التعليمية لأنها كان منظوراً إليها بعين غير العين التي ينظر بها إلى المؤسسات المضطلعة بمهمة تعليمة كبرى.
الاستقلال الداخلي
وقامت في أيامه الثورة التونسية بالمقاومة المسلحة.
وبعد جهاد محكم نالت تونس استقلالها الداخلي إذ أعلن منداس فرانس رئيس الحكومة الفرنسية استقلال تونس الداخلي، في ٣٠ ذي القعدة سنة (١٣٧٣) وفي ٣١ جويلية (١٩٥٤) .
وأعقب إعلان الاستقلال الداخلي تكوين وزارة تفاوضية لإرساء الاستقلال الداخلي ونجم عن ذلك الحركة اليوسفية لمقاومة الوضع الجديد، ولكنها لم تعمر طويلاً.
الاستقلال التام
وأعلن الاستقلال التام في ٧ شعبان (١٣٧٥) و٢٠ مارس (١٩٥٦) .
افتتاح المجلس التأسيسي
وفي ٢٦ شعبان ١٣٧٥ وفي ٨ أفريل ١٩٥٦ اجتمع المجلس التأسيسي لسن دستور البلاد التونسية.
وهو أول مجلس شعبي في البلاد التونسية، وكان يوم افتتاحه يوماً مشهوداً.
وانتخب الرئيس الحبيب بورقيبة رئيساً له.
وكان من مبادراته أنه أعلن في أول فصوله الأولى أن تونس دينها الإسلام ولغتها العربية.
ولكون المجلس التأسيسي أول مجلس انتخابي في هذه الديار اعتنت بذلك الصحافة اعتناء زائداً.
من ذلك أن جريدة الزيتونة استجوبت عدداً من المرشحين لإبداء آرائهم في هذا الحدث العظيم في تاريخ تونس، وفيما سيقدمه هذا المجلس.
وكان من المستجوبين المحقق لهذا الكتاب محمد الشاذلي النيفر، وقد ركز في إجابته على أن يكون الدستور التونسي كما يأتي.
(لا مناص من أن يكون الدستور التونسي متماشياً مع مقتضيات الزمن كما انه يربط قافلتنا بالعالم الإسلامي والعالم العربي، ورائده الإسلام) .
الزيتونة عدد ٨ من السلسلة الجديدة.
أول وزارة العهد الاستقلالي
تشكلت أول وزارة في عهد الاستقلال برئاسة الرئيس الحبيب بورقيبة وهي أول وزارة تضم ستة عشر وزيراً.
وكان وكيل رئيس الحكومة الأستاذ الباهي الأدغم.
وكان ذلك (في ٤ رمضان ١٣٧٥) و (١٥ أفريل ١٩٥٦) .
وتم على يدها في أوائل عهدها تركيز الذاتية التونسية في الديبلوماسية، والمن والجيش، والاقتصاد والمالية، مما طوى لها مراحل في أمد قصير، ولولا تلك الخطوات الجزيئة لما تم ذلك فإن الوزارة الاستقلالية استثمرت بعض المواقف فتوسعت في فهم وثيقة الاستقلال، وبذلك انقلب الوضع رأساً على عقب بالنسبة للدولة الحامية فانفلت زمام المر من يدها.
стр. 480
وأصبت تونس بعد تلك الجرأة السياسية البرعة لا يقيدها قيد في استقلالها على حسب إرادتها لا إرادة الحامية السابقة وهي فرنسا.
إعلان الجمهورية
أرادت تونس استكمال نظامها السياسي المختار علاوة على حريتها التي نالتها بجهادها المتواصل.
ولم يحدث يوم إعلان الجمهورية ما يصاحب عادة الانتقال من نظام إلى نظام منم سفك دماء، وهزات شعبية، إذ جرى إعلان الجمهورية في رحاب مجلس منتخب أعلن بالإجماع الجمهورية وإلغاء الملكية.
وعبر الكثير من الأعضاء في الجلسة التي أعلنت الجمهورية عن آرائهم في الجمهورية يوم الخميس ٢٦ ذي الحجة ١٣٧٦ وفي ٢٥ جويلية ١٩٥٦.
وقد ساهم كاتبه في الجلسة التاريخية فعلان الجمهورية بكلمة لخصتها كتابة الأخبار والإرشاد في كتابها الأول: ثقف نفسك في السياسة بما يلي:
فحوى كلمة الشيخ محمد الشاذلي النيفر:
(لقد جعل الإسلام الكلمة للشعب في اختيار من يرتضيه لحراسة مصالحه، والذود عنهأن ولهذا جعل الخلافة شورى، فقد كان المسلمون أحراراً في اختيار خليفتهم.
وقد ربى الإسلام المسلمين على أن يفهموا أن الشورى جزء لا يتجزأ من الحكومة وجزء لا ينفصم من الأمة، حتى أنه قرر مبدأ الشورى في حق من عصمه الله تعالى، وهو سيدنا محمد ﷺ .
وإن هذه الأمة حين أخذت طريقها السوي وأنقذت نفسها من استعمار غاشم قد أرادت لنفسها نظاماً يضمن لها أن تكون أمة في مصاف الأمم الناهضة بحق وجدارة.
فحين نختار اليوم النظام الجمهوري لا نرمي من وراء ذلك الاختيار إلى أية غاية إلا أن نكيف الدولة ونينيها بناء لا يتسرب إليه الخلل على تعاقب الأيام) .
وفي تلك الجلسة التاريخية أصدر المجلس القومي التأسيسي برئاسة جلولي فارس رئيس المجلس القومي التأسيسي القرار التالي المتضمن لإعلان الجمهورية وانتخاب رئيس لها وهو فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة.
بسم الله الرحمن الرحيم
نحن نواب الأمة التونسية أعضاء المجلس القومي التأسيسي بمقتضى ما لنا من نفوذ كامل مستمد من الشعب.
وتدعيماً لأركان استقلال الدولة وسيادة الشعب.
وسيراً في طريق النظام الديمقراطي الذي هو وجه المجلس في تسيطر الدستور.
نتخذ باسم الشعب القرار التالي النافذ المفعول حالاً: أولاً: نلغي النظام الملكي إلغاء تاماً.
ثانياً: نعلن أن تونس دولة جمهورية.
ثالثاُ: نكلف رئيس الحكومة السيد الحبيب بورقيبة بمهام رئاسة الدولة على حالها الحاضر ريثما يدخل الدستور في حيز التطبيق ونطلق عليه لقب رئيس الجمهورية التونسية.
رابعاً: نكلف الحكومة بتنفيذ هذا القرار وباتخاذ التدابير اللازمة لصيانة النظام الجمهوري كما نكلف كلاً من رئيس المجلس والأمين العام لمكتب المجلس والحكومة بإبلاغ هذا القرار إلى الخاص والعام.
أصدرناه في قصر المجلس بباردو يوم الخميس في ٢٦ ذي الحجة سنة ١٣٧٦ وفي ٢٥ جويلية سنة ١٩٥٧ على الساعة السادسة مساءً.
جلولي فارس رئيس المجلس التأسيسي ختمت الملكية بتونس في آخر سنة ١٣٧٦ وانتقلت البلاد إلى العهد الجمهوري برئاسة فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة رئيسها الحالي أجرى الله على يديه الخير موفقاً لما فيه رضاه بنهضة إسلامية لهذه البلاد مركز الإشعاع الإسلامي.
الوزارة التونسية
رأت البلاد التونسية تقلبات متعددة في أطوار مختلفة فبعد أن كانت عضواً في الخلافة الإسلامية سواء في الطور الأموي، أو الطور العباسي استقلت استقلالً داخلياً من الخلافة العباسية، إلى أن انفصلت عن الخلافة وأصبحت دولة تناوي الدولة العباسية وفي ذلك الطور كان هيكل الدولة مكتملاً بكل رجال الدولة.
وجاءت صنهاجة بنظامهأن وكذلك الدولة الحفصية إلى أن رزحت تونس تحت الحماية الإسبانية، ثم جاءت الدولة العثمانية فأصبحت البلاد التونسية ولاية عثمانية ففقدت المقومات التي للدولة، ومنها الوزراء.
ثم أخذت تونس تسترجع سيادتها في البوتقة العثمانية إلى أن تكونت الدولة التونسية بالإمارة والوزارة والمعروف أن الوزارة المتصلة بالعهد الحاضر ابتدأت في إمارة الأمير علي بن حسين باي الذي تولى الإمارة من سنة (١١٧٢) إلى سنة (١١٩٦) .
стр. 481
ومن المفيد ذكر رؤساء الوزارات بتونس منذ عادت الوزارة في تونس إلى العصر الذي نعيشه اليوم وهو العام الأول من القرن الخامس عشر (١٤٠١) .
مدة الولاية سنة الوفاة ١ مصطفى خوجة ١١٧٢ ١١٩٦ ١٢١٥ ٢ يوسف صاحب الطابع ١١٩٦ ١٢٣٠ استشهد في ١٢٣٠ ٣ العربي رزوق أول وزير في العهد التركي من أبناء البلاد ١٢٣٠ ١٢٣٨ قتل سنة ١٢٣٨ ٤ حسين باش مملوك ١٢٣٨ ١٢٤٥ ١٢٧٤ ٥ شاكير صاحب الطابع ١٢٤٥ ١٢٥٣ قتل سنة ١٢٥٣ ٦ مصطفى صاحب الطابع ١٢٥٣ ١٢٥٦ ١٢٧٧ ٧ مصطفى خزاندار ١٢٥٦ ١٢٩٠ ١٢٩٥ ٨ خير الدين باشا ١٢٩٠ ١٢٩٤ ١٣٠٨ ٩ محمد خزندار (١) ١٢٩٤ ١٢٩٥ ١٠ مصطفى بن إسماعيل ١٢٩٥ ١٢٩٨ ١٣٢٧ ١١ محمد خزندار (الوزارة الثانية) ١٢٩٨ ١٣٠٠ ١٢ الشيخ محمد العزيز بوعتور ١٣٠٠ ١٣٢٥ ١٣٢٥ ١٣ محمد بن فرحات الجلولي ١٣٢٥ ١٣٢٦ ١٣٢٧ ١٤ يوسف جعيط ١٣٢٦ ١٣٣٣ ١٣٣٣ ١٥ الطيب بن حسين الجلولي ١٣٣٣ ١٣٤٠ ١٦ مصطفى دنقزلي ١٣٤٠ ١٣٤٥ ١٣٤٥ ١٧ خليل أبو حاجب ١٣٤٥ ١٣٥٠ ١٩٤٨م ١٨ الهادي الأخوة
١٣٥٠١٩٣٢م ١٩٤٢ م
١٩ محمد شنيق (١)
١٣٦٢١٩٤٣ م
٢٠ صلاح الدين البكوش (١) ١٩٤٣م ١٩٤٧م ٢١ مصطفى الكعاك ١٩٤٧ ١٩٥٠ ٢٢ محمد شنيق (٢) ١٩٥٠م ١٩٥٢م ٢٣ صلاح الدين البكوش (٢) ١٩٥٢م ١٩٥٤م ٢٤ محمد الصالح مزالي ١٩٥٤م ١٩٥٤م وفي المدة التي استقالت فيها وزارة محمد الصالح مزالي إلى المدة التي تشكلت فيها وزارة التفاوض كان هناك موظفون يباشرون المهمات الوزارية إلى أن تشكلت الوزارة التفاوضية برئاسة: ٢٥ الطاهر بن عمار (١) ٨ ذي الحجة ١٣٧٣ و٧ أوت ١٩٥٤ م.
وهي أول وزارة تونسية صرفة تتركب من عشرة وزراء وهي التي تولت المفاوضة مع الحكومة الفرنسية في شان الاستقلال الداخلي.
وكان التفاوض المؤدي إلى حل الأزمات مع رئيس الديوان السياسي الحبيب بورقيبة.
ورجع الرئيس إلى تونس ١٠ شوال ١٣٧٤ وفي غرة جوان ١٩٥٥ م.
وفي ٢٩ المحرم ١٣٧٥ و١٧ سبتمبر ١٩٥٥ م تألفت وزارة التفاوض الثانية من: ٢٦ الطاهر بن عمار (٢) .
وتركبت من أثني عشر وزيراً.
وسعى الديوان السياسي في إتمام خطواته الحاسمة لنيل الاستقلال التام فاستؤنفت المفاوضات إلى أن انتهت بالاستقلال التام فغي التاريخ المتقدم، وبذلك أنفسح الجو أمام العمل، فلهذا تكونت الوزارة الاستقلالية.
وقد تشكلت في ٤ رمضان ١٣٧٥ و١٤ أفريل ١٩٥٦ م.
وهي تتركب على الصفة الآتية: ٢٧ الرئيس الحبيب بورقيبة.
وزير أكبر رئيس الحكومة ووزير الدفاع والخارجية.
والأستاذ الباهي الأدغم وكيل رئيس الحكومة.
الوزارة التونسية في العهد الجمهوري
ونظمت الوزارة التونسية في العهد الجمهوري بالقانون الصادر في ٣٠ ذي الحجة سنة ١٣٧٦ وفي ٢٩ جويلية سنة ١٩٥٧ م بإثر إعلان الجمهورية.
واقتضى هذا التنظيم المعلن بإثر إعلان الجمهورية حذف أسماء الوزارات وعوضت بكتابات للدولة وأصبح المجلس تحت رئاسة فخامة رئيس الجمهورية.
وفي ٢٠ جمادى ٢ سنة ١٣٧٨ و٣١ ديسمبر ١٩٥٨ م وقع تعديل في كتابات الدولة فأصبحت اثني عشرة كتابة دولة.
وفي ٧ نوفمير سنة ١٩٦٩ م أرجع لقب الوزارة وكان على رأس هذه الوزارة.
٢٨ السيد الباهي الأدغم الوزير الأول.
ثم في يوم الأحد ١٦ رمضان ١٣٩٠ و١٥ نوفميبر سنة ١٩٧٠ تشكلت وزارة الاستقرار وكان تأليفها برئاسة: ٢٩ السيد الهادي نويرة الوزير الأول ثم في ٨ جمادى الثانية ١٤٠٠ الموافق ل?٢٣ أفريل ١٩٨٠ شكل الوزارة: ٣٠ السيد محمد مزالي الوزير الأول.
وهذه الوزارة حققت لتونس أمنيتها الغالية في التقدم بالديمقراطية خطوة عملاقة، علاوة على ما تقدمت فيه من إنجازات تسير بالأمة التونسية إلى مصاف الأمم الراقية.
وفي ١ ذي القعدة ١٤٠٦، الموافق له ٨ جويلية ١٩٨٦ أقال رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة السيد محمد مزالي من مهامه كوزير أول وأمين عام للحزب وتم تعيين: ٣١ السيد رشيد صفر وزيراً أول.
وأميناً عاماً للحزب.
стр. 482
ثم في ٩ صفر سنة ١٤٠٨، الموافق له ٢ أكتوبر ١٩٨٧ قرر رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة إعفاء السيد رشيد صفر من مهامه كوزير أول، وأمين عام للحزب وتعيين: ٣٢ السيد زين العابدين بن علي وزيراً أول.
وأميناً عاماً للحزب.
ابتدأ عهد التفتح بتخلي الرئيس الحبيب بورقيبة عن مهامه بسبب أن حالته الصحية لم تعد تسمح له بمباشرة الوظائف المنطوقة بعهدته كما أفاد ذلك البلاغ الطبي.
وبمقتضى الفصل (٥٧) من دستور الجمهورية التونسية تولى فوراً منصب رئاسة الجمهورية الوزير الأول سيادة العابدين بن علي، وذلك في ١٥ ربيع الأول سنة ١٤٠٨، الموافق له ٧ نوفمبر ١٩٨٧.
وقد قرر سيادته تشكيل الحكومة الجديدة.
٣٣ السيد الهادي البكوش وزيراً أول وفي ٢٦ صفر ١٤١٠، الموفق له ٢٧ سبتمبر ١٩٨٩ تم تعيين من سيادة رئيس الجمهورية.
٣٤ السيد حامد القروي وزيراً أول.
? الملحق (٧)
? تاريخ تأسيس جاع الزيتونة
بناء جامع الزيتونة وتسميته
نس بالمؤلف في كلته بناء جامع الزيتونة إلى حاسن بن نعمان الذي تولى إمارة إفريقية من سنة (٧٨) إلى سنة (٨٣) ، لما دخل تونس سنة (٧٩) وعقب على تأسيس حسان بأن عبيد الله بن الحباحاب أتم بناء جامع الزيتونى سنة (١٤١) .
وأخذ المؤلف أن إتمام البناء (١٤١) مما رسم على أحد أقواس الجامع من لفظ (أعلم) الذي عدده بحساب الجمل (١٤١) .
وما أتى به المؤلف هنا من تاريخ الزيتونة اختلط عيه فيه الأمر فغن حسان بن النعمان لم يدخل إفريقيا سنة (٧٩) بل دخل إفريقيا سنة (٧٨) .
ثم إن عبيد الله بن الحبحاب لم يبق بإفريقيا إلى سنة (١٤١) وما أتى به لم يذكره أحد من المؤرخين فكلهم يذكر أنه بناه إما سنة (١١٤) أو سنة (١١٦) وهي سنة دخوله إلى إفريقيا ويدعو المقام إلى تحرير تاريخ تأسيس الزيتونة لن هذا الكتاب مبني على تاريخ أئمته وعلمائه فمن جزيل الفائدة أن نحرر متى كان تأسيسه وما يتبع ذلك.
يتراءى للمؤرخ الباحث تساؤلات عدة منها: من أسسه أولاً؟ تاريخ ابتداء تأسيسه؟ لماذا اختار ابن الحبحاب تونس لبناء مسجده؟ هل كان يسمى جامع الزيتونة منذ تأسيسه؟ ١ مؤسسه: جزم المؤلف أنه حسان بن النعمان وليس له في ذلك ما يستند إليه من شيء صحيح، فهذه كتب التاريخ التي هي الأمهات لتاريخ المغرب تذكر أن الباني هو عبيد الله بن الحبحاب والي إفريقيا.
ونجد هذا المستند التاريخي عند البكري في كتابه المسالك والممالك (- ٤٨٧) ففيه: "ودور مدينة تونس أربعة وعشرون ألف ذراع، وفي سنة أربع عشرة ومائة بني عبيد الله بن الحبحاب الجامع، ودار الصناعة بمدينة تونس".
ونحو هذا المستند التاريخي في البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذاري المراكشي من رجال القرن السابع حين يذكر ولاية عبيد الله بن الحبحاب إفريقيا والمغرب كله: "وهو مولى بني سلول، وكان رئيساً نبيلأن وأميراً جليلاً بارعاً في الفصاحة والخطابة، حافظاً لأيام العرب وأشعارها ووقائعهأن فقدم إفريقيا في ربيع الآخر من سنة (١١٦) وهو الذي بني المسجد الجامع ودار الصناعة بتونس.
وكان أول الأمر كاتباً ثم تناهت به الحال إلى ولاية مصر وإفريقيا والأندلس والمغرب كله.
فاستخلف على مصر ابنه القاسم، واستعمل على الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي، واستعمل على طنجة وما والاها من المغرب الأقصى ابنه إسماعيل، ثم عمر بن الله المرادي".
(المغرب ج?١ ص٥١) .
ومثل ما ورد عن ابن عذاري المراكشي، ورد عن ابن خلدون (-٨٠٨) ونصه: "عبيد الله بن الحبحاب ثم عزل هشام عبيدة بن عبد الرحمن وولي عبيد الله بن الحبحاب مولى بن سلول، وكان والياً على مصر فأمره أن يمضي إلى إفريقيأن واستحلف على مصر ابنه القاسم، وسار إلى إفريقيا فقدمها سنة أربع عشرة ومائة (١١٤) كذا هنا وبنى جامع تونس، واتخذ لها دار صناعة لإنشاء المراكب البحرية".
(العبر، وديوان المبتدأ والخبر) (ج?٤ ص٤٠٤) .
ونسب ابن الشماع في تاريخه الأدلة البينة النورانية على مفاخر الدولة الحفصية بناء الزيتونة إلى ابن الحبحاب: "وجامعها أي مدينة تونس، مليح الصنعة، حسن الوضع مطل على البحر بناه عبيد اله بن الحبحاب، هو ودار الصناعة (سنة أربع عشر ومائة) وأنفذ إليها البحر".
стр. 483
وابن دينار في المؤنس (-١١١١) اعتمد كلام ابن الشماع وبنى عليه كلامه في الباب الأول الذي عقده في التعريف بتونس، فإنه علق على قول ابن الشماع: "وجامع تونس مليح الصنعة" إلخ..
(قلت) عبيد الله بن الحبحاب كان عاملاً لهشام بن عبد الملك بن مروان على مصر، وأرسله إلى إفريقيا سنة عشر ومائة، فلما وصل إلى القيروان أخرج المستنير من السجن وأرسله إلى تونس والياً عليهأن ولعله لم يدخل تونس.
وتقدمه البكري حيث قال ومدينة تونس دورها أربعة وعشرون ألف ذراع وذكر بناء عبيد الله بن الحبحاب.
لكن صاحب المؤنس بعدما نقل الكثير من كلام المؤرخين المتحدثين عن تونس ذكر رأياً له وهو: وإذا ثبت ما قلته، وتقرر ما نقلته، فالذي صح عندي إنها قديمة من بناء الأوائل، والذي ذكر فتحها هو أقرب من غيره، وأن حسان بن النعمان هو الذي فتحهأن وبني بها مسجدأن وعبيد الله بن الحبحاب زاد في ضخامته كما أن زيادة الله بن الأغلب زاد وضخمه وكملت في أيام بني حفص كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ذكر ابن أبي دينار هذه الخلاصة التي ضمنها رأيه في أن تونس قديمة وأن فاتحها هو حسان بن النعمان وأن جامع تونس المعروف بجامع الزيتونة بناه حسان وضخمه عبيد الله بن الحبحاب وهو الرأي الذي اعتمده صاحب مسامرات الظريف لكنه زاد على ما ذكر ابن أبي دينار شيئاً وهو أن عبيد اله بن الحبحاب زاد فيه سنة (١٤١) كما رسم على أحد الأقواس وهو غلط تاريخي لا يغتفر.
وذكر الوزير السراج في تاريخه الحلل السندسية في الأخبار التونسية في القسم الثالث من الجزء الأول: "وأن عبيد الله بن الحبحاب هو الذي أسس جامع تونس وبناه سنة (أربع عشرة ومائة) .
ومما اتفق فيه أن مفرد (جامع) وتاريخه متفقان".
وخلط المؤلف هنا خلطاً ولم يتحر في التاريخ في هذا الموضع الذي هو أساس تاريخه وهو جامع الزيتونة لأنه أراد أن يؤرخ لأمته وعلمائه البارزين من المفاتي والقضاة كما قدمنا.
فلا بد أن نذكر ما وقع فيه من الخطأ: أولاً: أنه نسب بناءه لحسان معتمداً ذلك تاريخاً مع انه غير صحيح.
وغنما هو رأي لابن أبي دينار صاحب المونس، وإما كافة المؤرخين فإنهم لا يذكرون غلا ما نقلناه عنهم.
ثانياً: ذكره لقدوم عبيد الله بن الحبحاب والياً على تونس على عهد هشام بن عبد الملك بن مروان وأنه أتم بناء جامع الزيتونة سنة إحدى وأربعين مع أن هشام بن عبد الملك انتهت خلافته سنة (١٢٥) .
ثالثاً: أن ابن الحبحاب لم يل إفريقيا سنة (١٤١) بل وليها إما سنة (١١٤) أو سنة (١١٦) .
رابعاً: أن التاريخ الذي ذكر وهو (أعلم) حسابه بالجمل (١٤١) وليس هو إشارة إلى التأسيس إذ يبعد أن يكون مراداً به ذلك لن حساب الجمل الآخذ به متأخر.
ومن القريب جداً أن يكون المسجد الذي أسسه حسان بن النعمان غير الذي أسسه ابن الحبحاب، ويؤيد هذا أن هناك مسجداً صغيراً بالنهج المعروف بنهج الخمسة الذي بجانب المدرسة السليمانية يتناقل الناس أنه أقدم من جامع الزيتونة وأمام باب صخرة عظيمة يحكي المعرون من المشايخ أن بعض العملة الذين كانوا بصدد بناء جامع الزيتونة يقسمون أجورهم عليها كالمنضدة، والله أعلم.
وهذا المسجد به أسطوانة عظيمة عتيقة يقوم سقف المسجد عليها وعلى الجدران الأربعة.
وكان لذلك المسجد منارة هدمت قبل الاحتلال بقليل لأنها ساخ بعض جدرانها بالأرض مما أدى إلى ميلانها فأدى ذلك إلى هدمهأن وكان بابها يصعد إليه من تلك الصخرة التي أمام باب المسجد.
وإنما اتخذ حسان مسجداً صغيراً لأنه لم تكن له رغبة في إقامة مدينة بقرب قرطاجنة لأن هذه الأخيرة كانت حصناً للذين يغيرون على إفريقيا فلم تكن له رغبة في عمارتها.
٢ تاريخ ابتداء تأسيسه: المشتهر والمتعارف هو أن ابتداء تأسيسه كان في سنة (١١٤) وهو ما اختاره صاحب الحلل السندسية حتى ذهب إلى أن تاريخه بحساب الجمل (جامع) .
إذ الجيم ب?٣ والألف ب?١ والميم ب?٤٠ والعين ب?٧٠ ١١٤ وهو ما جاء في المسالك والممالك للبكري.
والبكري عمدة الكثير من المؤرخين التونسيين وهو ما ذكره ابن خلدون في كتابه العبر.
стр. 484
والتحقيق أن عبيد الله بن الحبحاب لم يدخل إلى إفريقيا سنة (١١٤) بل دخلها سنة (١١٦) كما جاء في فتوح إفريقيا والأندلس لابن عبد الحكم من أن هشام بن عبد الملك كتب إلى عامله على مصر بأن يسير إلى إفريقيا وكان مسيره في سنة ست عشرة ومائة، وابن عبد الحكم من رجال القرن الثالث الهجري، وهو في تاريخه يعتمد السند الذي يعتمده رجال الحديث، فكان ما يأتي به مدعماً.
وسنده هنا عن رجلين هما يحيى بن بكير، والليث بن سعد.
أما يحيى بن بكير فالصواب في اسمه أنه يحيى بن أبي بكير، وذكره ابن يونس في تاريخه بأنه: يحيى بن ابي بكير النخعي أبو زكرياء الكوفي، قدم مصر وحدث بها ومات بها في ربيع الآخر سنة ثلاثين ومائتين (من تهذيب التهذيب ج?١١ ص١٩٠) .
وهو ليس من رجال الصحاح الستة لكن لم يكن في المجرحين فهو ممن يعتمد عليه في الرواية.
وأما الليث بن سعد فهو الإمام المصري أبو الحارث.
وعرف به ابن حبان في الثقاب بقوله: كان من سادات أهل زمانه فقهأن وورعأن وعلمأن وفضلأن وسخاء وعدداه في الرجال الثقاب العلماء قريب من مالك الإمام الكبير وقد ولد سنة (٩٤) وتوفي سنة (١٧٥) .
وقد أطال ترجمته في تهذيب التهذيب في الجزء الثامن من (ص٤٥٩) إلى (ص٤٦٥) .
وإذا نظرنا إلى ترجمته نراه معاصراً لعبيد الله بن الحبحاب والي إفريقيا ومؤسس جامع الزيتونة، فإذا ما حدثنا أنه سار إلى إفريقيا سنة (١١٦) وهو الرجل الثبت علمنا علم اليقين أن سنة مسيره هي (١١٦) وبالطبع أن يكون تأسيس الزيتونة تلك السنة ويؤكد صحة ذلك أن الليث بن سعد كان إمام مصر فهو أعلم بأحوالها من غيره.
ولا يمكن أن يغلط في مسير والي مصر إلى إفريقيا إذ كان ذهابه إليها وهو في سن الشباب إذ أنه كان سنة ذهاب ابن الحبحاب ستاً وعشرين سنة مع أنه كان من احفظ أهل زمانه وأثبتهم، فالرواية عنه في هذه القضية تفيد القطع.
وما ذكره ابن عبد الحكم اعتمده المؤرخ الثبت ابن عذاري المراكشي صاحب البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، وهو أحفل الكتب المؤرخة للمغرب والأندلس من القرن الألو الهجري حين وقع الفتح للمغرب إلى نصف القرن السابع.
اعتمده المذكور مبيناً أنه قدم إفريقيا في ربيع الآخر من سنة (١١٦) ونسب إليه كما ذكرنا بناء المسجد الجامع بتونس، وكذلك دار الصناعة والمسجد كما ذكره ابن عبد الحكم.
وعلى هذا الغرار سار ابن الأثير في تاريخه المسمى بالكامل فأتى بخبر مسيره إلى إفريقيا ضمن حوادث سنة (١١٦) : وفيها (أي سنة ١١٦) عزل هشام عبيد الله بن الحبحاب عن ولاية مصر واستعمله على إفريقيا فسار إليهأن وقيل بل ولي عبيد الله بن الحبحاب سنة سبع عشرة وسترد أخباره هناك، وهذا أصح.
(الكامل ج?٤ ص٢١٩) .
وابن الأثير هو أبو الحسن علي بن ابي المكارم محمد عز الدين الجزري المتوفى سنة (٦٣٠) ألف كتابه خلاصة لكتب التواريخ التي في مقدمتها تاريخ الطبري، وكتابه الكامل هذا له امتياز خاص، وهو أنه جمع فيه بين تواريخ المشرق والمغرب كما أشار إلى ذلك: (.. والشرقي منهم قد أدخل بذكر أخبار الغرب، والغربي قد أهمل أحوال الشرق فكان الطالب إذا أراد أن يطالع تاريخاً احتاج إلى مجلدات كثيرة وكتب متعددة مع ما فيها من الإخلال والإملال.
فلما رأيت الأمر كذلك شرعت في تأليف تاريخ جامع لأخبار ملوك الشرق، والغرب، وما بينهما ليكون تذكرة لي أراجعه خوف النسيان، وآتى فيه بالحوادث والكائنات من أول الزمان، متابعة يتلو بعضها بعضاً إلى وقتنا هذا) .
وقد انتهى ابن الأثير في تاريخه إلى حوادث سنة (٦٢٨) .
ووقف تاريخه عند ابتداء دخول سنة (٦٢٩) .
فهؤلاء العمد في التاريخ نواهم مطبقين على أن ابن الحبحاب كان دخوله إلى إفريقيا في سنة (١١٦) وبذلك لا يمكن ابتداء تأسيس مسجد تونس الجامع الذي سمي بالزيتونة إلا في تلك السنة.
٣ لماذا اختار ابن الحبحاب تونس لبناء مسجده؟ اعتاد المؤرخون أن يذكروا الحوادث دون أن يتعمقوا في الأسباب إلا في القليل النادر كما هنا يقتصرون على فقرة قصيرة، وهي أن ابن الحبحاب سار إلى تونس بأمر هشام بن عبد الملك في سنة (١١٦) وأسس مسجدها الجامع وبنى دار الصناعة بها.
стр. 485
ولا تنقع النفس بذلك متطلبة لماذا اختار هذه البلدة على غيرها؟ وما الداعي له لتأسيس هذا المسجد الجامع مع أن مقامه بالقيروان؟ والجواب نجده فيما ذكره مؤرخ الفتح الإفريقي عبد الرحمن بن عبد الحكم (- ٢٥٧) الذي هو أقدم من وصلت إلينا مؤلفاته دون بقية مؤرخي مصر الإسلامية، كذا الفتوح الإفريقية لاتصالها بتاريخ مصر.
وننقل ما ذكره ابن عبد الحكم في مسير ابن الحبحاب، ثم نستخرج منه الجواب المطلوب.
(كان قدوم عبيدة بن عبد الرحمن من إفريقيا سنة خمس عشرة ومائة.
وفيها أمر ابن قطن على الأندلس، وكان ما خرج فيه العبيد والإماء من الجواري المتخيرة سبعمائة جارية، وغير ذلك من الخصيان، والخيل، والدواب، والذهب والفضة، والآنية.
واستخلف على إفريقيا حين خرج عقبة بن قدامة التجيبي.
فقدم على هشام [بن عبد الملك] بهدياه واستعفاه فأعفاه.
وكتب (أي هشام بن عبد الملك) إلى عبد الله (ذكا) بن الحبحاب وهو عامله على مصر يأمره بالمسير إلى إفريقيا وولاه إياها وذلك في شهر ربيع الآخر من سنة ست عشر ومائة.
فقدم عبيد الله بن الحبحاب إفريقيا فأخرج المستنير من السجن وولاه تونس، واستعمل ابنه إسماعيل بن عبيد الله على السوس، واستخلف ابنه القاسم بن عبيد الله على مصر، واستعمل على الأندلس عقبة بن الحجاج، وعزل عبد الملك بن قطن، ويقال بل كان الوالي على الأندلس يومئذ عنبسة بن سحيم الكلبي فعزله ابن الحبحاب، وولي عقبة بن الحجاج) .
يطالعنا كلام ابن عبد الحكم بأمرين هامين أولهما أن ابن الحبحاب لما حل بإفريقيا وزع وظائفها على ذويه من أبناء وأخوة وكأنه يرمي من وراء ذلك إلى أن تكون له خالصة دون غيره لأنه إذا غرس فيها امتنعت طاعتها على غيره.
فقد استعمل ابنه إسماعيل بن عبيد الله على السوس.
وستخلف ابنه القاسم بن عبيد الله على مصر.
وستعمل المستنير على تونس بعد أن أخرجه من السجن، والمستنير هذا الظاهر فيه انه أخو عبيد الله بن الحبحاب كما يفيده كلام ابن عبد الحكم حين حديثه على عبيدة بن عبد الرحمن القيسي الذي تولى إفريقيا قبل الحبحاب.
وهذا ما ذكره في ذلك: حدثنا بن أبي بكير عن الليث قال: وولي عبيدة بن عبد الرحمن إفريقيا في المحرم سنة عشر ومائة (١١٠) .
فلما قدم عبيدة إفريقيا وجه المستنير بن الحبحاب غازياً إلى صقيلة فأصابتهم ريح فأغرقتهم ووقع المركب الذي كان فيه المستنير إلى ساحل أطرابلس.
فكتب عبيدة بن عبد الرحمن إلى عامله علىىأطرابلس يزيد بن مسلم الكندي يأمره أن يشده وثاقاً ويبعث معه ثقة فبعث به في وثاق فلما قدم على عبيدة جلده جلداً وجيعأن وطاف به القيروان على أتان ثم جعل يضربه في كل جمعة مرة حتى أبلغ إليه وذلك أن المستنير أقام بأرض الروم حتى نزل عليه الشتاء واشتدت أمواج البحر وعواصفه فلم يزل محبوساً عنده.
(فتوح إفريقا والأندلس ص٩٢) .
أفاد ابن عبد الحكم أن المستنير بن الحبحاب، فلعله أخو عبيد الله بن الحبحاب.
فالمستنير بن الحبحاب لما ولي ولاية تونس لا نرتاب في أنه اقترح على والي إفريقيا أن يبني بها مسجداً حين رأى مدينة تونس لا تقل عظمة عن القيروان لأنها المدينة الثانية بعد الولاية الإفريقية والمغربية والأندلسية وهي القيروان وكونها المدينة الثانية في العصور الأولى الإسلامية يشير إليه ما ذكره ابن الشماع في الأدلة البينة النورانية على مفاخر الدولة الحفصية.
وكان أبو جعفر المنصور العباسي إذا قدم عليه رسول صاحب القيروان يقول له: ما فعلت إحدى القيروان يعني مدينة تونس، تعظيماً لها.
وخص أبو جعفر المنصور تونس كونها كانت كثيرة الشغب على الولاة، وهو ما أشار إليه البكري في كتابه المسالك والممالك، فبعد أن مدح أهل تونس قال: ومع هذا الفضل الذي فيها هي مخصوصة بالقيام على الأمراء والخلاف للولاة خالفت نحو عشرين مرة (المسالك والممالك ص٤٠) .
فهذه الأهمية لهذه البلاد بعثت عبيد الله بن الحبحاب أن ينشئ مسجداً جامعاً بهأن فهو المسجد الثاني بعد مسجد عقبة بالقيروان وهو إن كان من حيث المساحة أقل من مسجد عقبة إلا انه كما قال ابن الشماع: وجامع تونس مليح الصنعة، حسن الوضع، مطل على البحر.
(الأدلة البينة النورانية ص١٧) .
стр. 486
وثاني الأمرين اتخاذها عاصمة إذ يتجمع من توجيه العناية إلى تونس سواء في اتخاذ مسجدها الجامع أو بناء قصبتهأن أو بناء دار الصناعة بها إلى غير سواء من العنايات البالغة بهذه المدينة مع أنها لم تكن عاصمة أن الرغبة كانت أكيدة في اتخاذ تونس عاصمة للبلاد الإفريقية لأنها تجمع بين الحصانة وبين كونها مرسى من اعظم المراسي مع ما اختصت به من كونها كثيرة الخيرات مدرارة البركات التي لا توجد في غيرها كما حدثنا عن ذلك البكري إذ يصفها بأنها أشرف مدائن إفريقيا وأطيبها ثمرة وأنفسها فاكهة (المسالك والممالك ص٤١) .
فرغبة ابن الحبحاب في اتخاذها عاصمة يبديها هذا النص عن ابن عبد الحكم.
واستمرت هذه الرغبة في رجال الدولة الأغلبية إذ انتقل إلى سكانها واتخاذها عاصمة لبلاد الإفريقية إبراهيم بن الأغلب في سنة (٢٨١) .
وبقي بها إلى أن انتقل إلى رقادة سنة (٢٨٣) ثم عاد إلى سكناها وإليها انتقل ابنه عبد الله بن إبراهيم وقتل بها.
وبها كانت بيعة ابنه وزيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم ولم يمكث بها.
وليست رغبة بني الأغلب مقصورة فيمن ذكر منهم بل كلهم قد اتخذوا بها القصور والبساتين ينتقلون إليها وقد جعلوها منتزهاً لهم كما أفاده البكري حين حديثه على تونس وابن أبي دينار في المونس.
وإنما اتخذها الأغالبة عاصمة ثانية أو العاصمة الأولى في فترات اقتداء بابن الحبحاب الذي كانت رغبته كذلك بدليل تأسيس مسجدها الجامع فإنه لا يبنى مثله في بلد صغير وغنما في بلد له اتساع لأن إحداث مثله لا يكون إلا في العواصم الكبرى وإنما اتخذها الأغالبة كذلك لما رأوا فيها من جديرة بأن تكون عاصمة، إنما حببهم في القيروان لم يجرؤوا على مخالفة عقبة بن نافع ولعل ابن الحبحاب كان يرمي إلى اتخاذها عاصمة لأنها تجمع بين الحصانة في البر، والمكانة البحرية بمرساها الفريد في الخليج التونسي.
فنظرة الأمراء إلى إفريقية مختلفة فعقبة بن نافع يرى أن الاستقرار بإفريقيا إنما يكون في مجمع الجند في مكان يبعد عن البحر ولهذا اتخذ القيروان عاصمة لهذا الصقع الإفريقي بينما أخذت فمرة المراء تختلف عن ذلك من حسان بن نعمان إلى ابن الحبحاب إلى الأغالبة في ترددهم بين سكانها وسكنى القيروان.
وغير الفواطم الاتجاه نحو تونس بإنشاء المهدية التي كانت على البحر فهم قد حققوا أن العاصمة تكون بحرية في عاصمتهم الجديدة.
ورجعت الرغبة في تونس عند افتكاك الموحدين لشواطئ إفريقيا من يد النورمان لأسباب بسطناها في بحث لنا في بيان الأسباب الداعية للموحدين لاتخاذ تونس عاصمة معرضين عن المهدية والقيروان.
ابن الحبحاب والفكرة الاتساعية
حل ابن الحبحاب بإفريقية فانتشرت رجاله من قرابته في كل مكان تحت نظره حتى مصر والأندلس فضلاً عن إفريقيا والمغرب، وأسند هذه الولايات إلى أبنائه وصنائعه وانضاف إلى ذلك انه ركز اهتمامه على تونس في إحداثاته بها.
ومن تلك الإحداثات دار الصناعة لإنشاء أسطول تونسي غزا به في البحر بإمرة حبيب بن أبي عبدة.
واتجهت سياسته إلى سيادة العنصر العربي سيادة مطلقة حتى اعتبر البربر مسلمهم وكافرهم سواء وأنهم فيء مع أن الولاة قبله كانوا يخمسون من لم يجب إلى الإسلام وأما من أجاب إليه فهو بالإسلام قد أندمج في العائلة الإسلامية.
ومسلكه السياسي نحو البربر أوغر الصدور عليه وأدى إلى ثورة كبرى لم تعهد من قبل وكان اتجاهه هذا يقصد من ورائه إيجاد ملك عربي ممتد الأطراف يقوده هو وأهل بيته لكن إهانة البربر أدت إلى عزله حيث لم يقدر على إخماد تلك الثورة.
ونتائج تلك السياسة جعلت المسلمين في المغرب منقسمين إلى عنصرين كلما خمدت فتنتهما دهراً لسبب السياسة الحازمة عادت إلى الظهور من جديد مما تسبب في فتن عدة جرت إلى كوارث ومحن قعدت بالإسلام وأوقفت تقدمه، ثم جرت إلى ضياع الأندلس مع أشياء أخرى.
٤ هل كان يسمى مسجد تونس بجامع الزيتونة: نجد قصة طريفة في سبب تسمية هذا المسجد بجامع الزيتونة ذكرها الوزير السراج وهي: وأخبرني بعض إخواني عن سيدي سعيد الشريف رحمة الله تعالى (-١١١٣) أنه حدثهم أن نوحاً ﵇ لما كان في السفينة على الطوفان وقفت به يوماً وسط البحر فأوحى الله إليه أن تلك بقعة يقال لها: جامع الزيتونة.
стр. 487
فلما دخلها الصحابة وحدوا الرهبان في صومعتها لأن صومعة الجامع قديمة كانت للرهبان..
وكان قبلة الصومعة محل محصن بالحجارة والشوك فسأل الصحابة أولئك الرهبان عن سبب ذلك، فقالوا لهم إنا كل ليلة من ذلك المحل نوراً ساطعاً لعنان السماء فرضعنا ذلك صوناً له من الكلاب أن يقذروا في ذلك المحل واتفق أن كان ذلك المحل هو المحراب، (الحلل ج?١ ص٥٥٨ ط٢) .
هذا ما جاء في الحلل السندسية في الأخبار التونسية وهو لا يتصل بشيء من الحقيقة التاريخية حيث جعل تسمية هذا المسجد الجامع منذ الطوفان مع أن تسميته بجامع اليزتونة غير متعارفة في القرون الولى بل المعروف أنه مسجد تونس، ثم إن تلك القصة لا تتصل بالحقيقة بل هي من نسج الخيال.
ثم إنها كلها عليها أثواب الوضع ونشك في نقلها عن الشيخ سعيد الشريف فإنه كان محدثاً راوية والرواة من أهل الحديث لا ينقلون شيئاً إلا مسنداً وسعيد الشريف هذا توفي سنة (١١١٣) كما في إتحاف أهل الزمان لا في سنة (١١١٢) كما في شجرة النور الذكية.
وإذا تتبعنا كتب التاريخ ثبت لدينا أن هذا المسجد لا يسمى بجامع الزيتونة وإنما يعرف (بمسجد جامع تونس) .
ذكر أبو العرب في الجزء السابع الذي خصه بذكر علماء تونس في ترجمة زيد بن بشر فقد روى حين وصفه بأنه أكرم الناس ما يؤيد كرامة نفسه: لقد حدثني سليمان بن سالم وغيره أنه انصرف ليلة من جامع تونس فانقطع شسع نعله فوثب إليه رجل حائك من حانوته أعطاه شسعاً فأصلح نعله وكان رجل معه يحمل قنديلاً فقال لحامل القنديل: قرب القنديل إلي فقربه منه فنظر إلى وجه الحائك ليعرفه فيكافئه، فكان كلما مر إلى المسجد ومعه الجماعة مال إلى الحائك، فيسلم عليه، ويسأله عن حاله شكراً للشسع الذي أعطاه.
(طبقات علماء إفريقيا لأبي العرب التميمي ص٢٥٦ ط باريس وص٢٢٦ ط تونس) .
وما جاء في طبقات أبي العرب جاء مثله عن محمد بن حارث في ضمن الطبقات التي لأبي العرب عند ترجمة أبي العرب ليحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري الذي دخل تونس.
قال محمد بن حارث كنت في جامع مدينة تونس مع بعض العلماء من أهلها فقال لي: "هذا الباب وأشار إلى باب مغلق لا يفتح هو باب يحيى بن سعيد وكان يدخل منه إذا كان بها" (طبقات علماء إفريقيا لأبي العرب ج?١ ص٢٦) .
وإذا التفتنا إلى البكري أبي عبيد عبد الله الأندلس لا يذكر إلا أن ابن الحبحاب بنى الجامع بتونس قارناً لبنائه ببناء دار الصناعة.
ولما وصف بناءه قال: وجامع تونس رفيع البناء مطل على البحر ينظر الجالس فيه إلى جميع جواريه (المسالك ص٣٧ وص٤٠) .
وكذلك لم يسمه ابن عذاري المراكشي في كتابه البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب إذ يقول: وهو أي عبيد الله بن الحبحاب الذي بنى المسجد الجامع، ودار الصناعة بتونس (ج?١ ص٥١) .
وابن عذاري المراكشي من رجال القرن السابع (-٦٩٥) وكان ينقل عن الرقيق الذي كان حياً سنة (٣٨٨) .
والرقيق من أهل إفريقية قيرواني عليم بأماكن تونس وتواريخها فلو كان الجامع يسمى بجامع الزيتونة لذكر أنه جامع الزيتونة.
وإذا التفتنا إلى كتب المناقب القديمة التأليف لقدماء الصلحاء بتونس نجد كتاب أبي الطاهر الفارسي حين ذكر مسجد تونس لا يذكره إلا باسم جامع تونس دون جامع الزيتونة، فإنه حين تحدث على ما أحدثه الشيخ أبو محمد محرز بن خلف الصديقي المتوفى سنة (-٤١٣) يقول: قال أبو الطاهر: وأعظم شيء أذكره من كراماته الدالة على فضله وولايته أن القرآن كل يوم يقرأ على قبره، ويختم كل جمعة منذ توفي إلى الآن ثماني عشرة سنة، لا ينقطع يوماً لعلة من العلل، لا في صيف ولا في شتاء ولا في شدة ولا في رخاء ولا غير ذلك، وهو دائم إلى الآن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومن استنباطه ﵁ بمقصورة الجامع الأعظم بتونس حزب السبع لا ينقطع في كل يوم إلى آخر الدهر.
وكان تأليف أبي الطاهر الفارسي في سنة ثلاثين وأربعمائة بعد وفاة الشيخ محرز بن خلف رحمه الله تعالى بسبعة عشر عاماً.
стр. 488
وهذه المناقب ليست كالكثير من كتب المناقب التي تكون لغتها سقيمة ثم تكتب في جوانب لا تفيد الكثير من حياة صاحبها بل هي لغة سامية صحيحة التركيب والتعبير مع كونها معرفة بالمترجم له وهو الشيخ محرز بن خلف وذاكرة من مناقبه ما يدل على علمه وأخلاقه وإخلاصه وتأثيره على مخاطبيه، وهي خالية من المبالغات التي يعتني بها أصحاب كتب المناقب فلا تجد فيها شيئاً من ذلك.
تسمية المساجد
لم يسم مسجد تونس باسم جامع الزيتونة لأن المتعارف في تسمية المساجد أن تكون إما باسم البلد كما يقال مسجد الكوفة أو مسجد البصرة أو باسم مؤسسه كمسجد عقبة بالقيروان، وغنما لما تعددت المساجد في البلد الواحد اضطروا إلى تسميتها باسم خاص بسبب اتساع العمران وانتشار السكان لأجل التفرقة بين المساجد.
وهو القريب في مسجد تونس فإنه لما كان منفرداً أطلقوا عليه المسجد الجامع بتونس فحين أحدث مسجد القصبة الذي تم بناؤه سنة (٦٣٣) وكان يعرف بمسجد قصبة تونس أو مسجد الموحدين سمي حينذاك بجامع الزيتونة.
التسمية ب?"جامع الزيتونة": ولم يشتهر جامع الزيتونة بهذا الاسم في القرون الولى وقصارى ما وقفنا عليه انه اشتهر بأنه جامع الزيتونة في أوائل العصر الحفصي وهو القرن السابع وفي طالعة ما وقفنا عليه (صلة السمط وصلة المرط) لابن الشباط التوزري فإنه يذكره باسم جامع الزيتونة ويعلل التسمية بما ننقله: وسمعت من يقول: إن المسلمين وجدوا بها أي تونس زيتونة، وأرى أنها التي يضاف إليها الجامع، فيقال: (جامع الزيتونة) .
فلما رأوا تلك الزيتونة قالوا: أو قال بعضهم لبعض: إن هذه الزيتونة تونس، فسميت المدينة بذلك (صلة السمط ج?٣ الورقة ١١٢ وجهاً) .
وجاءت تسمية جامع تونس بجامع الزيتونة في رحلة العبدري وكان ذلك سنة (٦٨٨) حين تكلم على الحنايا المجلوب عليها الماء إلى تونس.
وأما الساقية المجلوبة من ناحية زغوان فقد استأثر بها قصر السلطان وجنانه إلا رشحاً يسيراً سرب إلى ساقية جامع الزيتونة يرتشف منها في أنابيب من رصاص، ويستقي منها الغرباء ومن ليس في داره ماء ويكثر عليها ازدحام (رحلة العبدري ص٤٠) .
ومن هذا التاريخ وهو القرن السابع إلى عصرنا الحاضر يذكر المسجد الجامع بتونس باسم جامع الزيتونة فلا تكاد تقف على تاريخ لتونس إلا تجده ذكوراً بذلك.
ومن تلك التواريخ تاريخ ابن القنفذ القسنطيني في كتابه الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية المتوفى سنة (٨٠٩) على التحقيق، في مواضع من كتابه منها ما جاء حين حديثه على السقاية المستنصرية.
وفي هذه السنة سنة (٦٤٨) بنيت السقاية بشرقي جامع الزيتونة (ص١١٧) .
وذكره باسم جامع الزيتونة عندما تحدث على وفاة أحد أئمته: وفي شهر ربيع الأول الشريف المبارك من عام أحد وسبعمائة (٧٠١) توفي الشيخ الفقيه الخطيب الصالح أبو مروان عبد الملك بن الغرغار خطيب جامع الزيتونة (الفارسية ص١٥٣) .
واستمر على تسمية المسجد الجامع بتونس بجامع الزيتونة غير واحد منهم ابن الشماع أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد الهنتاتي وكان حياً سنة (٨٦١) .
فقد ذكر السقاية التي أحدثها المستنصر بالله الحفصي وبين أنها بشرقي جامع الزيتونة.
واستمرت التسمية على انه جامع الزيتونة فلا يعرف بغير ذلك سواء في التواريخ أو في غيرها.
والقريب في وجه هذه التسمية أنه ربما يكون راجعاً إلى أن البلاد التونسية اشتهرت بزياتينها فتبرك الناس بتسمية مسجدهم بمسجد الزيتونة.
أو أنه عرف بجامع الزيتونة في القرن السابع بدون أن يعرف وجه للتسمية يستند لشيء ثابت معروف ولذلك التمس ابن الشباط في وجه التسمية ما تقدم.