← Тараджим

Тараджим · id 5440

مسامرات الظريف بحسن التعريف

محمد السنوسي

Полный текст (488 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

نور عين الزمان علماً وحلماً ... وتقى في جلالة واحترام حافظ السنة الزكية مبدٍ ... نورَ أسرارها بغير اكتتام عمدة الفقه غاية السؤل فيه ... وشفاء الصدور في الأحكام وتقاريره الرياض ولكن ... تثمر الدُّرَّ في يد الأفهام تتسامى درى المنابر منه ... ومحاريبها بخير إمام ليس إلا بذهنه تسمع الص ... م وتحيا بصائرُ الأغتام ليس إلاّ بذهنه تتجلَّى ... نكتُ العلم في دجى الأوهام ليس إلا بلفظه العذب تتلى ... سورُ الذكر في دياجي الظلام ليس إلا به اقتناء المزايا ... واقتباس الهدى وبرءُ السقام عالةً أصبح الأنام عليه ... طاعة النقض منه والإبرام خضعت عنده الرقاب بما قد ... طوقتها يداه بالإنعام منةٌ لا تزال تدري وتروى ... لولاة الطروس والأقلام لا ترى غير مهتدٍ بهداه ... أو محبَّ أو لائذ بذمام يا إماماً حواه بردُ المعالي ... وردا الفضل قبل عهد الفطام يا سميَّ الخليل يا وارث الرأفة ... والحلم من حلاه العظام قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والفضل والندى من مسام ففداء لشسع نعلبيك قوم ... ولدوا في العلى لغير تمام وهنيئاً لك المفاز يختم ... للبخاري حديث طه التهامي جاء بشرى لكم بإقبال فتح ... ووصول إلى قصيّ المرام ولنا منه والبرية طراً ... أي رحمى ونعمة واغتنام ولعمري ليست بأول نعمى ... كنت مولي ظهورها للأنام فجزاك الإله خير جزاء ... مشرق بدؤه بحسن الختام وابق يا بدر في سماء المعالي ... مستدام السنا مصون التمام والقصيدة الثانية من إنشاء الشاعر الماجد الفصيح الأكتب الشيخ محمد الباجي المسعودي، وهي قوله: [الكامل] وجه التهاني اليومَ أصبحَ مسفراً ... والكونُ أشرقَ والفضاءُ تعطرا والسعدُ حيا والمسَّرة أقبلت ... والأفق كلَّله السرورُ كما ترى وبتونسَ الإيناسُ أسفرَ صبحه ... واهتزَّ روض الصالحات ونوَّرا وبدا بإبراهيمَ برءُ همومنا ... شيخِ الشيوخ القطب مصباحِ الورى ركن الشريعة فخر ملة أحمدٍ ... صدر الثقاب الكمَّل الشمَّ الذُّرى علم الألى بثُّوا العلوم وخير من ... قدْ أمَّ محراباً ونوَّرَ منبرا يجلو دجى الإشكال ثاقب فهمه ... فتراه بعد اليأس أصبح نيرا ويجيلُ في النكت العويصة ذهنه ... فيشقُّ كوكبه العجاجَ الأكدرا ويبينُ أسراراً تكاد لحسنها ... حقاً تباع بها النفوس وتشترى أشهى على الأسماع من نيل المنى ... وألذُّ في الأجفان من سنة الكرى كم قد لبسنا من مصوغ عقودها ... درَّا نفيساً في الرقاب وجوهرا وكم اقتطفنا من أزاهرِ روضها ... حتى لبسنا العيش ثوباً أخضرا وبدرستك (الجعفيَّ) كم أوضحت من ... نكتٍ تدقُّ عن العيان فما ترى وسلكت منه مهامهاً وتنائفاً ... يضحى الخبيرُ لبعضها متحَّيرا وسريت ذا جدَّ لحل رموزه ... والآن حان بختمه حمدُ السُّرى فلك الهناءُ مقدماً ولنا بكم ... ولمن يخصُّك بالوداد وللورى وجزاك ربك خير ما جازى به ... وأطال عمرك كيف شئت وأكثرا وإليك من جهد المقلَّ محوكة ... من خاطر منع العنا أن يخطرا وقريحة خمدت ودهر غالني ... من غوله ما صد عن أن نبصرا بلغ الزّبى تياره فاسمح بما ... ينجي الغريق وكن أجلَّ من اشترى فإذا مددت ودودكم بادعائكم ... أعددت منه إلى المعاند عسكرا وبلغت آمالي لصدقِ طويتي ... فيكم، وعشتُ مملئاً لن أحذرا لا زلت في أفق السعادة نيراً ... تجلو بهمتك المهم الأكبرا والقصيدة الثالثة من إنشاء ولده العالم الأديب المدرس الشيخ علي الرياحي وهي قوله: [الطويل] تبلَّج في أفق الهدى طالع السعد ... كسي حللُ الإسعاد واليمن والرشدِ وفاح شذا مسك يفوق ختامه ... نسيم الصبا بالعطرِ أو فوحة الندَّ أو الروض إذ يزهو بحسن ابتسامة ... فيحيا بريحان الأزاهر والرند

стр. 422

وأسفرتِ الأيام عن وجه بشرها ... كما أسفر المحبوبُ عن وردة الخد ذكرتُ بذا عهد الصَّبا وغرامه ... وما قد رشفنا في الثغور من الشهَّد رعى الله تلك الغانيات ولا أرى ... سوى أنهنَّ الحورُ من جنةِ الخلد لهن جبينٌ كالصباح بياضه ... يلوح سناه تحت فاحمِ مسودَّ وحاجبهن السيفُ لكن إذا جنى ... فليس قصاص يلزمُ الحرَّ في العبد وقد نثر الخيلان من حبر عنبرٍ ... بديع جمال لك يكنْ خطّ بالأيدي لك الله ما أحلى التغزل في الهوى ... وأحسن منه مدحة العلمِ الفرد إمام أغر الوجه كالشمس في الضحى ... وكالزهرة الحسناء في دوحة المجد إمام إذا ما كنت في روض درسه ... رأيت نفيس الدرَّ ينظم في العقد إمام لوَ أن الله يهدي بنوره ... لكن جميعُ الناس من نوره مهدي ترى رأيه كالسيف في كل حادثٍ ... ورأى سواه لا يعيد ولا يبدي له رتبة لو حاول البدر نيلها ... لكانت عن الإدراك في حيَّز البعد غدا مثلاً بالحلم والعلم والتُّقى ... كمالك والبصريَّ كالأحنف السعدي ألا يا أبا إسحاق والفاضل الذي ... مزاياه قد جلَّت عن الحصر والعدَّ إليك من السحر الحلال قصيدةً ... تأنق في إتقان صنعتها جهدي خدمت بها يوم الختام لعلني ... أقابلُ بالرضوان منك وبالودَّ ودمت مناراً في الشريعة هادياً ... تبلَّغُ من كل المنى منتهى القصد وقرظ هاته القصيدة الداركة النحرير، وعلم الفتيا الشهير، المؤلف المشكور، الشريف الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، بقوله: [الطويل] أحنُّ وأصبو كلما هبَّ من نجد ... نسيم برياه يفوق شذا النَّدِ يمثل لي تلك الأباطح والربى ... وعهداً مضى يا حبذا ذاك من عهد فهاج لي الشوق الأثيل ولم اكن ... سلوت ولكن زاد وجداً على وجد سقى الغيث هاتيك الخيام وأهلها ... وإن أضمروا هجري ومرُّوا على الصَّدَّ لهمْ مني الحب الصدوق ومنهمُ ... على مرّ أيام النوى كاذبُ الوعد أيا حادياً يحدو المطيَّ مرنما ... ترفق إذا ما جئت حيَّ بني سعد بلغت المنى بلَّغ إلى غاية المنى ... تحية صبَّ في لهيب من الصد وناد إلى ليلى وقل صادق الهوى ... مقيم على ما تعهدين من الود زريه ولو بالطيف في سنة الكرى ... نعم ما الكرى يستام مقلة ذي سهد بكمتُ لساني يوم حمّ فراقها ... فلم يجر في مضمار مهل ولا عقد وأصممتُ سمعي بعد طيب حديثها ... وليس استماعي فير ذاك من الرشد فاسمعني بالقهر قول مبشَّرٍ ... تبلَّج في أفق العلا طالع السَّعد تطلَّبتُ ما تحت البشارة فانجلت ... لوامعُ درَّ في بهيَّ من العقد كؤوسٌ من الراح الحلال ياديرها ... على حانة الأسماع "نابغة الجعدي" تضوَّع منها المسك لمّا تضمنت ... أحاديث فخرٍ عمّ من غير ما حدَّ ختامٌ به الخضراء فازت وهكذا ... بفضل أبي إسحاق تسمو إلى الخلد فخار بني الدنيا وذخر ذوي التقى ... وأعلمِ من تحت السماء بلا جحد مآثره سارت سرى الشمس في الملا ... مفاخره من دونها منتهى العدّ له الله من ختم وددت لو أنني ... بذلت له ما كان عندي من جهد وإن فاتني ذاك الفخار فإنني ... علقت من العلياء بالجوهر الفرد أبا الحسن الأسنى إليك خريدةً ... من السحر إلا أنها خالص النقد خدمت بها علياك دامت بجودها ... وذلك عند الألمعي غايةُ القصد ولما ختم شرح السعد التفتازاني على تلخيص القزويني، هنأه أحد تلامذة الدرس، وهو شيخ الإسلام الشيخ محمد بيرم الرابع، بقوله: [الكامل] جسمي بأشواق المحبة صالِ ... متفرَّق الأعضاء والأوصالِ والنفسُ مني قد غدت مشتاقةً ... ترجو لذيذَ مودةٍ ووصال والوجد زاد لبارق قد بان من حي الحبة منتهى الآمال والدمع جاد بوابلٍ من مقلة ... ليست تحل بكثرة الإرسال يا عاذلي هوَّنْ عليَّ فإنني ... لا عذل ينفعني بكل مقال إني شغفتُ بحب ذات فواترٍ ... تعني بما تبدي عن الجريال

стр. 423

فالقد غصنُ البان غار لحسنه ... والوجه فيه بديع كل جمال رامت تضاهي حسنها شمسُ الضحى ... فتداركت ما قدج جرى في الحال تلك التي قد أشعلت نار الهوى ... بفؤاد صب للقا محتال وهي التي تركت ميتم حسنها ... في حبها متراكم الأهوال وسبتهُ نفساً ما لها ذنب سوى ... تأميلها لتآلف ووصال عجباً لها أتسوءه ولقد غدا ... متشبثاً بحواشي الأذيال أذيال إبراهيم من قد أعلنت ... بمديحه كل الورى بكمال ذاك الإمام العالم العلمُ الذي ... لم يأتنا دهر له بمثال فبه لتونس مفخرٌ ولنا به ... فخرٌ عظيم لا يقاس بحال وبمثله الأقطار تفخر إذ غدا ... يجبني لعزٍ صالحَ الأمال وله محال ترتجي مثلاً له ... قمر السما في العز والإجلال كشَّاف ما خفيتْ مسالك نيله ... مغني الأنام ومعدنُ الإفضال يلقى بثغر باسم كلَّ الورى ... وتحية تأتي بكلِ مقال إن رمت وصف مجالس لإمامنا ... غيث العلوم ومبلغ الآمال فأقول فيه وإنني لمقصر ... كالليث حف بمعظم الأشبال يا سيداً قد حلّ كل عويصة ... بذكائه وبذهنه السيال هذا الختام لقد أتاك مبشَّراً ... بدوام سعدٍ مشرقٍ متلالِ فلقد سررت بمجلس لقدومه ... ولقد شرفت به على الأمثال وأروم يا مولاي تجديد المنى ... تكسوه لي من حلةٍ الإفصال وإذا القضيةُ بّينُ إنتاجها ... فلتطوها في منتج الأشكال وإليك بكراً قد أتت لا تبتغي ... إلا الدعاءَ لنا بحسن الحال وبقيت ترقى أوجَ آفاق العلى ... متلبَّساً بالعز والإقبال وهناه ولده الخطيب المدرَّس الشيخ محمد الطيب الرياحي، بقوله: [الطويل] ألا حدَّثنْ عمن به القلب مولع ... كفى طرباً ذاك الحديثُ المسجَّعُ على ذاك حبَّست المسامع صبوة ... ولا لسواهم في فؤادي موضع لقد ظعنوا والقلبُ يزعم كتمهم ... ولي أدمعٌ كالنهر تجري وتدفع فلله يومٌ بان إشراق نوره ... ولله يومٌ فاض بالدمعِ مدمعُ وأمسى كئيبَ الصدر بالبعد موحشاً ... وبات على جمر الهوى يتضجَّع ويا نسمة سارت إلينا عشية ... مقلَّة عرف منهمُ يتضوعُ فبالله إلا ما حملت إليهمُ ... تحية مشتاق يذلُّ ويخضع لقد خلفوني في الوداد متيماً ... كئيباً سقيماً باكياً أتضرع أبيتُ وأفكاري تؤمّل شخصهم ... فأصبح لهافناً وما لي مرجع ومهما بدا ركب أبادرُ قائلاً: ... أحن إليهم بالفؤاد وأخضع فيا عاذلي دعني فإنّ مرمكم ... هراءٌ يبق للعذَّالِ عنديَ مطمع ففي مذهبي السلوان جاء محرماً ... فلم يبق للعذَّالِ عنديَ مطمع وهل تختفي شمسٌ وفي الكون نورها ... وهل يختفي برق وفي الجوّ يلمع وهل يختفي علم الهمام الذي غدا ... له موضع فوق الكواكب أرفعُ هو الأبُ عز الله أصلي أنا به ... فطوبى لأجدادٍ أقرُّا وفرَّعوا إمامٌ همامٌ فاضل متعفف ... شريف جليل للفواضلِ أجمع تقيٌّ نقيُّ زاهد ذو سياسة ... حليمٌ كريمٌ للمكارم منبع هو البحر في أيَّ العلوم أردتها ... حجاه إلى نيل الدقائق مسرع مشارق أنوار بطلعته انجلت ... وصار لها نور يضيء ويسطع وفي أبحر التدقيق حاز دقائقاً ... يضلُّ بها عقل سديد وألمع فيا خير ممدوحٍ، ولست مبالغاً=بل المرءُ باللذ قد تقفاه أجمع رعى الله طوداً جئته بمقالة ... وليس لها رد ولا فيك تمنع ألا كل سمع غيرك باطلٌ ... وكل مديح في سواك مضيع وهذا دليل بالسعادة ناطق ... وأنك تحت العرش تحظى وترفع وأفضل خير قد يكون غدا به ... كتابك مختوماً وأنت مشفع ولما ختم تدريس شرح المحلي على جمع الجوامع الأصولي هنأه بالختم المذكور أيضاً تلميذه شيخ الإسلام الشيخ محمد بيرم الرابع، بقوله: [الوافر] مديحك لا يحيط به النظامُ ... وجودك لا يقاومه الغمامُ وعلمك منهل للناس طرًّا ... ومجلسك الأعزُّ له احترام بك الآفاق قد زادت سروراً ... كأنك في فم الدنيا ابتسام

стр. 424

فأنت لأوج أفق الدهر بدر ... منير لا يفارقه التمام وأنت لعز هذا الدين تاج ... وأنتَ لنصره أبداً حسام وأنت لكل معضلةٍ ترجَّى ... وأنت لكل مشكلة غمام جمعت من المحاسن كلَّ وصف ... وكل الناس عن هذا نيام وآيات الفصاحة عنك تروى ... وفي كفَّ لكم منها زمام فلو قسٌّ وسبحانٌ جميعاً ... كذا أيضاً أو الفتح الإمام صغوا يوماً لمنطقكم لقالوا: ... يفوق الدرَّ حقاً ذا الكلام أبا إسحاق أنت فريدُ دهر ... وأنت لقطرك العلمُ الهمام هنيئاً يا إمام العصر يا من ... له فوق السما الأعلى مقام بختم قد شرحتَ به علوماً ... وسرَّتْ من ضخامته الأنام ختام قد جلا عنا ظلاماً ... وما أدراك ما هذا الختام وهاك خريدةَ الأفكار جاءت ... يصاحبها سرورٌ وابتسام تؤملَ حسن صفحٍ منك عما ... يقصر في مديحكمُ النظام ويطلب ربُّها منكم دعاء ... يقيه من الحوادث إذ الحمام ولا زالت لك العلياء داراً ... اردّد مدحكم فيها الحمام وهنأه بالختم المذكور ابنه الشيخ محمد الطيب الرياحي، بقوله: [الوافر] فؤاد لا يفيق من الغرامِ ... وجسم لا يبين من السقامِ وشوق ألَّف الأشجان حولي ... وفرَّقَ بين جفني والمنامِ ودمعٌ لا نفاد له، كأني ... أروم به مساجلة الغمامِ وصبرٌ حاول الأسواء حتى ... علاهأن فاستعاذت، بانهزام ألا لله نفس جشمتها ... مخامرةُ العلى همم سوامِ وفي كف الحضائر أسلمتها ... عزائم تنبري مثل السهام تقول أفيك للتقصير عذر ... وأنت ابن المفدَّى بالأنام أبي إسحاق فائدة الليالي ... وبهجتها وواسطة النظام همام أغربت فيه المعالي ... تقدّمه المعارفُ كالإمام أغر الوجه وضاح السجايا ... بريء العرض من عيب ودام ولو قسمت مكارمه البرايا ... فقدنا في الورى صنف اللئام إذا استبق الكرام مدى رهان ... بدا وهو المجلّى في الكرام أو اقتسموا على خطط المزايا ... يكون له المعلّى في السهام غدا المثلَ الشرود تقى وعلماً ... وحلماً في وقار واحترام تناسينا به ذكر ابن قيس ... ومعروفٍ ومالك الإمام تسامى للعلا طفلاً معنّى ... بكسب العلم لا كسب الحطام فأحرز في الكمالِ مقامَ صدق ... تضاءلَ دونه بدرُ التمام وأصبحَ منه هذا الدين يسمُو ... بعزَّ حمى تاجٍ فوقَ هام وسيفٍ بالهدى أمسى محلَّى ... وبالعرفان أضحى ذا اتسام بهمته تزول ذرى الرواسي ... وتنهلُّ الغمائمُ في انسجام عذيري من أعاديه إذا لم ... يهابوا سطوة اللَّيث المحامي ألمَّا يذعنوا لما تحدَّى ... يوازون الشوامخ بالإكام وراموا أن يدانوه فكانوا ... مكان المنسمين من السَّنام أمولى نعمتي وعماد مجدي ... ويا سندي ويا كلَّ المرام إليك عقود أمداح جلاها ... صناع الفكر في حسن انتظام خدمت بها مقامك يوم ختم ... يفوقُ عبيرهُ مسكَ الختام أدرتَ به علينا كأسَ علم ... دهاقاً جزجه سحرُ الكلام وحلَّيت النفوس بحلي فضلٍ ... به تزدان ما بين الأنام ألا إنّ "المحلَّي" لو رآه ... لأعجب من فوائدك الجسام ونال كتابه عنكم وأمسى ... يفاخر منك بالشيخ الهمام فملَّئت الهنا فيه وفيما ... يليه، وما يليه إلى القيام تسر بما تروح به الأعادي ... وتغدو في مساورة الحمام ودمت وأنمت في شرفٍ وأمن ... دوام الركن فينا والمقام وقرظ هاته القصيدة أخوه الشيخ علي الرياحي، بقوله: [الوافر] أهذا الفجرُ أم بدرُ التمام ... أم المشمسُ العديمة للغمامِ؟ أم الوجه المهلل من فتاة ... تراءت في محاسنها العظامِ؟ إذا ما أعرضت يوماً بصدَّ ... تجر العالمين إلى الحمام إذا ما أتحفتك بريق ثغر ... يخال الريق من رشف المدام تحاكي البان قدَّا إذ تبدت ... وتحكي السحرَ في لطف الكلام

стр. 425

لعمرك ما وجدت لها سلوَّا ... سوى جمع الجواهر من إمام سراج العلم والتقوى تناهت ... إليه المكرمات بلا اكتتام إذا ما فكرهُ أبدى مقالاً ... فإن القول ما قالت حذام إليك الفكر قد اهدى مديحاً ... يقابل بالقبول لدى الكرام ويرعى الله مجدك كل حين ... دوامَ الدّهرِ من غير انفصام وأجابه عن هذا التقريظ أخوه الممدوح الشيخ الطيب الرياحي، بقوله: [الوافر] أناطتْ إذ أماطت باللثامِ ... بأقمار الدُّجى سمةَ احتشام عقيلةُ فتنةِ الألباب أزرت ... بدائعها بأزهار الكمام أعيذ جمالها من كل شوب ... معاذ كمالها من كل ذام شهدت بأنّ منجبها عليٌّ ... عزيزُ المثل ما بين الأنام وكيف يكون مذموم المساعي ... فتى ينميه قطبُ رحى الكرام أدام الله طود علاه فينا ... وصانك يا هلالُ إلى التمام وقد كتب ﵁ في علم النحو حاشية على شرح الفاكهي لقطر ابن هشام، ترزي مباحثها بحسن الابتسام، في ثغور الأيام، وقد سلك فيها أغواراً دقيقة، وأبدع فيها تحقيقه، مع سهولة مأخذها الذي سهل به صعاب المسائل أي تسهيل، وأغنى بالتصريح فيها عن ارتكاب التأويل، فكان بها كشاف أسرار العربية، ورافع أستار المشكلات النحوية، تدل بما أودع فيها على ماله في العلوم من اليد الطولى، والغايات التي نال إليها وصولاً. وشرح أيضاً الخزرجية في علم العروض، شرحاً قام لذلك بالقدر المفروض، فكان شرحاً وجيزاً بسيطأن بجميع شروح الفن محيطأن مع سهولة تقرير، ولطافة تحرير. وأما نظمه لمتن ابن آجروم النحوي فهو وغن جمع جميع ما احتوى عليه الأصل من المسائل، وسهل حفظها لكل طالب وسائل، غير أنه فيما أظن من مبادئ نظامه، كما لا يخفى على مطالع كلامه، وإلا فإنه كان آية الله في حسن الإنشاء، يتصرف في النظم والنثر كيف يشأن قد أبدع الآداب، وسبق في حلبتها على الشعراء والكتاب، وشعره أدل دليل على قوة عارضته، التي توقف فرسان اليراعة دون الوصول إلى معارضته. وقد تحلت ترجمته هنا بعض ببعض ما له من البدائع، المزرية بالكواعب الروائع، التي أخصب بها ربع الأدب، وتجملت بخيرنها صفحات حدود الكتب، وحسبه ما خلده بجمع ولده في ديوان الخطب، الذي يبلغ البليغ به إلى غاية الأرب. وأما شعره الرائق، ونظامه الفائق، فأحسب أني أول من تصدى لجمعه في كتابي مجمع الدواوين التونسية، فأحصيت منه نحو خمسة كراريس تزري بالحلل السندسية، حوت نحو الألفين من أبياته الفاخرة، التي طمت بها تلك البحور الزاخرة، وهو مبلغ يصلح لأن ينفرد به ديوان شعره، الفائق في سعره، وفي ضمنه من محاضراته ما ترتاح له النفوس، ويقول مطالعه لا عطر بعد عروس. فمن محاضراته أنه اجتمع في بعض الليالي بشاعر بلد سليمان العالم الشيخ محمد ماضور الأندلسي في بيت صديقه الكاتب محمد المسعودي واتفق في مسامرة تلك الليلية أن أدار القهوة على ذلك الجمع، وسيم لطيف الصنع، وحين دخوله يحمل فناجينها بأنامله، وطلوعه عليهم ببدر أشرق فيه بكامله، أصاب شمعة المجلس الموقودة، فانحنت انحناء من يروم سجوده، إذ رأت منه شمعة الجيد التي لا تقط، ولا تطفأ قط، وأنشد الشيخ محمد ماضور في وصف الحال من لطائف المسامرات فقال: [الرمل] ليلةٌ قد عظمت بين الليالْ ... فهي في جيد المنى عقد الآلْ وأرتنا عجباً إذ جمعت ... بين شمس ثم بدر وهلالْ سعدت إذ أنزلتنا منزل المس ... عودي الشهم المفدى ذي الكمال وبإبرهيم أبدت منظراً ... هام فيه القلب إذ عز المثال فارتياحي بالرياحيَّ غدا ... وكذاك السعد بالمسعود (ي) طالْ ليلة جد بنا الأنسُ بها ... طرباً بين يمين وشمالْ وأديرت قهوة البنَّ على ... جمعنا يسعى بها بدرُ الكمال فانحنى الشمع منيباً ساجداً ... سجدة الشكر لهاتيك الخلال فهو والقهوة والفنجانُ في ... كفه يبدي غريباً في المثال قمراً قد عصرَ اللّيل على ... صفحةِ الفجرِ ف مَّتْ باحتفال مزج الحلوَ بمرَّ فكأنْ ... قد أرانا القرب والبعد المطال يا لها من ليلة قد جمعتْ ... كل أنسٍ وبهاءٍ وكمال

стр. 426

وأنشد الشيخ إبراهيم الرياحي في ذلك من شعره قوله: [الطويل] تلقيت من أخباركم كلَّ طرفة ... أنظَّمها في جيد أسمارنا عقدا وكنتُ بتشنيف المسامع أكتفي ... واكبر بشاراً بما قاله جهدا ولما نما شوقي وزاد تولهي ... سريت لكم ليلاً أبثكمُ وجدا وما كان لي هاد سوى نور حسنكم ... إليكم، فلم أعدم بقولكمُ رشدا وحيث إلى المسعود (ي) كان انتهاؤنا ... زجرت فكان الزجر يستنتج السعدا فبت وما ليلي سوى لمح بارق ... وإن طال من دهري تنفسه الصعدا ومن لطائفه أنه استجار به العدل الشيخ منصور الورغمي في لبس الملوسة حين ألزمها الأمير حسين باشا باي لكافة العدول على نظر الشيخ محمد بيرم الثالث وكان دميمأن فاستهجن لبسها وخاف أن يتعاطاه الناس بسببهأن فكتب الشيخ في ذلك إلى شيخ الإسلام البيرمي الثالث مستشفعاً بقوله: [الكامل] كبرت عليهم إنها لكبيرة ... منصوبة علما على التمييزِ فتفرقوا أيدي سبا في فضلها ... والخلف بين الناس غير عزيز فعلى فريق منهم هي مثلةٌ ... ولبعضهم زلفى إلى التبريز أما "بنو ورغمة" ففقيههم ... لهم يجر مذهبه على التجويز فلذاك رام حماك علماً أن من ... يأتيه في حرز هناك حريز فأجره من همزٍ ومن لمزٍ بها ... ما حالة المهموز والملموز لا زلتم كهفاً يلاذ بعزَّه ... فينال فوق القصد كل عزيز وقد أجابه عن ذلك شيخ الإسلام المذكور بقوله: يا أيها العلمُ الذي حسناته ... شرفتْ بطلعتها على الإبريز وجَّهت لي درراً يقرُّ بحسنها ... أهلُ الصياغة من أولي التبريز فعرفت مطلبهأن ونيل مرامها ... سهل يمين الله غير عزيز فعليه تأخير العمامة برهةً ... حتى يكون القولُ في التمييز ثم إن شيخ الإسلام المذكور اطلع المولى الجد الشيخ محمد السنوسي قاضي باردو يومئذ على الطلب والجواب، واستجلى منه في النازلة عين الصواب، فكتب إليه بقوله: [الكامل] قل للفقيه المستجاه بجاههِ ... في رفعِ نصب حقَّ للتمييز إنّ النحاة الَّنصب أوجبوا ... في بابه وأبوا من التجويز واستهجن الدؤلي لحناً ساقه ... نقلاً من الأمثال للتبريز وكذأن العموم إذا تخصص بعضه ... ضعت دلالته بنصَّ الجيز والظن فيمن يستجرك أنه ... منصور دمت تفوق كالإبريز واتفق أن شاع خبر فناء الخلق في هذا القرن ونسبه أهل الأهواء إلى العالم الرباني، الأستاذ المربي الشيخ أحمد التجاني ﵁ مع أن ذلك مما ينبو عنه مقام أدبه وسلوكه في الشريعة التي صينت من كل نقص، وكملها الله على يد خير خلقه بمحكم النص، وقد جاء في الآيات المتلوة في القرآن الذي أتم الله إبداعه، "وعنده علم الساعة" وهكذا الاعتقاد فيه وفي كل من ماثله لا يجري واحد منهم في جميع الأقوال والعمال، إلا على ما وردت به شريعة خاتم الإرسال، ولذلك لا يجوز لنا أن نأخذ مما ينقل عنهم غير ما جرى على سنن الشرع القويم، إذ ذلك دليل صحة نسبته إليهم في حالة الصحو بالنظر لمقامهم العظيم، فهم أحفظ الناس لسياج الشريعة التي جمعت ما كان ويكون، ولا يتمسك بسواها إلا الجاهلون، وعند شيوغ ذلك الخبر سنة ١٢٤١ كتب الشيخ محمد بيرم الرابع يسأله عن صحة ذلك بقوله: [الطويل] أيا من رقى أوج المعالي وقد غدت ... إليه مقاليدُ العلوم تسلَّمُ لقد ظهرت رؤيا لها نسبةٌ إلى ... إمام له بين الأنام تقدُّمُ همام على دست المعالي وقد علا ... مراتبهُ من موقع النجم أعظم ملخَّصها أن الأنام جميعهم ... لذا القرن تفنى دون ريبٍ وتعدم أهل هو مما صحّ عندك نقله ... عن الشيخ أم للمين فيه توسم؟ أجبنا رعاك الله عن كنه أمرها ... فأنت لها من غيرك اليوم أعلمُ لأنك ممن خاض لجَّةَ بحرها ... وأضحى بتحقيق لها يترنَّم بقيت لنا كهفاً وللحق ناصراً ... وللصعب من دأب البغاية تحسمُ ويطلب رب النظم حسن دعائكم ... ألا وهو الداعي "محمد بيرم" فأجابه الشيخ إبراهيم الرياحي مكذباً ذلك بقوله:

стр. 427

أيا من سبى الألباب لطف كلامه ... كما أنه في الأذكياء المقدَّم أتتني منْ سحر البيان قصيدةٌ ... وما هي عقدُ درذًَ منظمُ تسائل عما شاع في الناس ذكرهُ ... أهل لهُ أصلٌ في الثبوت مسلم؟ نعم هو ريبٌ دون مكين وما له ... ثبوتُ وأمرُ الشيخ أعلى وأعظم جزى الله خزياً مفتريه وذلةً ... ومأواه إن لم يعف عنه جهنم فهذا جواب للذي هو طالبٌ ... حقيقة هذا الأمر والله أعلم ويسأل إبراهيم من فضل ربه ... لك الأمن في الدارين وهم يسَّلم وكانت له معرفة بأسرار تليق بمثله من العلماء الأخيار، قدم غليه أحد الأفاضل وقد أضغطه غريمه، واشتكى إليه ما يلاقي من شر الأفتضاح، فأذن له بذكر اسم من أسماء الله تعالى في خلوة، وانه عند نهاية الذكر يجد مقدار دينه تحت بساطه، فوجده قطعاً غير مسكوكة، ولما أعلم الشيخ سأله عن كيفية ذكره، فوجد فيه خللاً وأذن له في تداركه، فتم له المراد، ونهاه عن العود لمثل ذلك. وأتته امرأة تشكو إصابة ولدها بالجنون، وتلظت لديه، فأسعفها ببطاقة تبلغها إلى ضريح الشيخ فتح الله العجمي، ولعلها تتضمن توسلات له، فعوفي ولدها بعد حين، وذلك من أدلة حسن اتصال علاقته بأولياء الله ﵃ أجمعين. وكانت له سانية في سفح جبل المنار تحت زاوية الشيخ الظريف ﵁ يسكنها مدة المصيف، فاتخذ منها مسكاً للزيارة ليلأن وقد نقل لي عن صهره أنه سمع له حديثاً عند الضريح، يدل على ما له من الود الصريح. أما وصلته مع العارف بالله العالم المربي الشيخ مصطفى بن عزوز النفطي أستاذ الطريقة الرحمانية، رضى الله عنه فكان يتجاذب معه أطراف الأسرار الربانية، وله فيه مدائح شعرية، ومكاتيب نثرية، وقفت على بعضهأن وهي تدل على كمال تعلقه بأهل الله في كل ما يرجوه، وغنما يعرف الفضل من الناس ذووه، ومن لطائفها أبيات جعلها في طالعة جواب له مؤرخ بسنة خمس وستين ومائتين وألف وهي قوله: [الكامل] جاء الكتاب من الحبيب مبشرَّاً ... بقدومه يا مرحباً يا مرحيا قد رد لي عهدَ المسرة مثل ما ... بقميص يوسفَ ردَّ ما قد أذهبا أهدي إليك تحيةً مسكيةً ... يا مصطفى يا منتقى يا مجتبى مستودعاً منك الدعاء وأنت في ... حالٍ تراها للإجابة أقربا ورأيت من مكاتبتهما كتاباً سرباً بخط الشيخ إبراهيم الرياحي يخاطب به الشيخ المذكور آثرت إثباته لما فيه من الإلماع بحال كل منهما وهذا نصه: الحمد لله والصلاة على من صلى عليه الرحمن. يا ليت سيدنا وحبيب الله ورسوله صرح لنا بما أشار به إلينا مرتين من قرب الأجل، المرة الأولى ونحن معك على البنك في محل الحكم والصلاة في دريبتنا من قولك لي: رأيتك كأنك مت ولم توجد وأن روحك كالذبابة، والمرة الثانية ما ذكرت لنا في جوابك المبرور من قولك: إن الجنة مشتاقة إليك، ولولا ما خفت أن يعثر على جوابي غيرك لكتبت لك كلاماً آخر فيا ليت سيدنا رضى اله عنك رحمتني بالتصريح بما تريد أن تصرح لي به، فلعل في ذلك تحريضاً على ترك المهلة، وبعثاً على التشمير لدار النقلة، أو غير ذلك مما يوجب الإعراض عن الفانية، والإقبال على الباقية، فإن المواعظ والنصائح إذا خرجت من أهلها كانت كالسهام لا تخطئ، هذا وما بشرتنا به من الحشر مع أولئك السادات أسأل الله أن لا يخيبنا ولا يدر كرمك فينا وإلا فالعبد الذليل لا تحدثه نفسه بما هو أدنى من ذلك، فضلاً عن الكون مع أولئك، بل الإنسان على نفسه بصيرة، وليست لنا طماعية في ذلك الشأن، إنما لنا طماعية في الغفران. وإذا كان خليل الرحمن يقول: "والذي اطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين" فأين جاء طمع مثلي، فإنا لله وغنما غليه راجعون، نعم سيدي وقد غمني غماً عظيماً إرسالك لي السبولة العطرية.

стр. 428

وقد كنت أخبرتك بأن التعويض عما أرسلت إليك من الأمور المكروهة غاية عندي حتى أستعزت من ذلك، وقصدت بذلك أن لا تهتم معي في مثل ذلك، فخالفتني في التعويض وإن وافقتني في تفضلك علي بالدعاء جزاك الله جزاء المحسنين، هذا ومما يغمني أيضاً ويثقل علي وصفك لي بأوصاف حميدة أكثرها ما في عبدك إلا ضدهأن فلو إنك إذا خاطبتني خاطبتني بما يناسب حالي لسررت بذلك، ولكنك رأيت كمالك في عبدك فنسبت ذلك إليه، كما إذا ارتسمت صورة جميلة في صفحة مرآة فلما رأى المرآة إنسان طهر له جمال المرآة وإنما الجمال للصورة التي انتقشت في المرآة، نعم سيدي ولا تنسني من دعائك، في وقت هجوم حالك، وطيب أجتناء الشهد من خمر وصالك، وسلم لنا على أولادك وتلامذتك وعامة المنتمين إلى شريف خدمتك وطريقك. من الودود ومن أولادنا الطيب وعلي وسائر من هو منا وإلينأن والحمد لله رب العالمين، من الفقير إلى ربه، المشفق من سوء كسبه، إبراهيم بن عبد القادر الرياحي". [ترجمة محمد الطيب الرياحي] وقد امتحن في آخر أمره بفقد ولده الأكبر الشيخ محمد الطيب، وكانت ولادته سنة ست وعشرين ومائتين وألف، فنشأ بين يدي والده وقرأ معقول العلوم ومنقولها عليه، وعلى شيخ الإسلام البيرمي الثالث وغيرهمأن وتقدم للتدريس في الرتبة الأولى بجامع الزيتونة عند وضع الترتيب الأحمدي أواخر شهر رمضان المعظم سنة ثمان وخمسين ومائتين وألف، وقد كتب في أثناء إقرائه حواشي على شرح المحلي لجمع الجوامع الأصولي، وحواشي على شرح الأشموني لأفية ابن مالك، تدل على رسوخ قدمه، واتقاد ذكائه، وتقدم غماماً وخطيباً بجامع أبي محمد الحفصي وخطب فيه بعض من إنشائه، وهو محقق، أديب، شاعر، ناثر، يقذف الشعر من أبحر اللطافة، وينتجب النثر من أزاهر الظرافة، كأنما أودع في إنشاءاته، محاسن أخلاقه وبدائع توشياته، وقد جمعت منه شذوراً في كتابي مجمع الدواوين، تدل على تقدمه في الآداب على الأندلسيين، وكان عالماً حيياً جميل السمت عالي الهمة ظريف المحيا لطيف المحاضرة، وقد عذبت منه في العلم جميع موارده، وعاد عليه فخر نشأته في رياض فضل والده، إلى أن أدركته المنية بين يدي والده في غرة ربيع الثاني سنة ست وستين ومائتين وألف بمرض الكوليرة العام، ودفنه والده بالبيت الذي على يسار الداخل لبيت الذكر من زاويته التي أسهها قرب حوانيت عاشور، وتلقى مصيبة فقده بغاية الصبر. أخبرني العالم المفتي الشيخ أحمد كريم أنه كان يحضر درس الموطأ على الشيخ بداره، فكان آخر عهده به في الدرس أنه لما أنهى القراءة وأراد التلامذة أن يقوموا أجلسهم وقال لولده المذكور وكان مدون الدرس هل رأيت شيئاً فيما يتعلق بالموت الفجائي؟ فقال له: رأيت أن رسول الله اصلى الله عليه وسلم استعاذ منه، فقال له الشيخ: قد اطلعت ولا أدري في أي كتاب على أنها ميتة حسنة وكررها وسكت، ثم نهض الجميع فلم تمض غير أيام قليلة وأصيب ولده المذكور بالمرض العام ومات، عليه رحمة الله. وقد كاتبه المشير أحمد باشا باي في التعزية به فأجابه بأوجز مكتوب قال فيه بعد المفاتحة. "أما بعد فقد وصلني كتابكم الكريم، المسلي عن النبأ العظيم، وقد أسلمنا طيب الولد إلى اله بقلب سليم، وقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، والسلام. ولم يستكمل الشيخ بعد ولده الستة الأشهر حتى طوته الليالي طي السجل وأتاه محتوم الجل، بعد أن تجاوز في العمر الثمانين سنة. وكان آدم بسمرة يعلوه أصفرار، رقيق البشرة، أحجب بقصر أبلج أشهل بضيق غاير، شم بانفراج، أسيلاً مأن قصير اللحية، يتخلل شبيه خيال من بقايا الشباب، ربعة لقصر، تلوح على وجههه سيماء الصالحين، قضى عمره في العلم والعمل لله رب العالمين. [وفاة الشيخ إبراهيم الرياحي] وتوفي بمرض الكوليرة العام يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة ست وستين ومائتين وألف، من الغد حضر مشهد جنازته الأمير والمأمور، وتبرك بتشييعه الجمهور، ودفن إلى جنب ولده السابق الذكر بالمقام المذكور، ضاعف الله لهما الأجور، وحباهما الفوز الكبر يوم البعث النشور. وكانت وفاته ﵁ من آخر العهد بالمرض العام وإلى ذلك أشار تلميذه ومجاوره في المدفن الشاعر الكتب الشيخ محمد الباجي المسعودي في رثائه بقوله: [الوافر]

стр. 429

أرى بحر الخطوب طما وأصمى ... وأصلى غالب الأكباد جمرا فلما استعظموه اغتال فرداً ... يقوم برزء كلَّهم ومرَّا أما في فقد إبراهيم خطب ... يعمَّ جميع أهل الأرض طرا [الشيخ علي الرياحي] وقد عظمت مصيبة فقده على سائر أهل الدين، وتلقاها ولده الثاني الشيخ أبو الحسن علي بالرجوع لله رب العالمين، وكان الولد المذكور أيضاً عالماً زكيأن أديباً بديع المحاضرة، محباً لأعالي الأمور، ينظم الشعر الرقيق، ويطلق من رياض إنشائه أطيب عبيق، ولد سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف، ونشأ في خدمة العلم بين يدي والده، وتقدم مدرساً بجامع الزيتونة في الرتبة الأولى بعد وفاة العالم الشريف الشيخ محمد بن عاشور في صفر الخير سنة خمس وستين، وتقدم خطيباً بجامع سيدي يحيى قرب دار ابن عسال، وتوفي قبل عصر يوم الجمعة الثالث عشر من المحرم الحرام سنة ثمان وستين ومائتين وألف ودفن بالركن الثاني من بيت مدفن والده فاجتمع بالبيت المذكور ثلاثتهم، ﵃ أجمعين. وقد أقيمت تلك الزاوية بالأحزاب والأوراد اليومية وشيد بناءها المشير الثاني محمد باشا باي لإقامة الأوراد التجانية، بذكر الله تعالى، ثم إن الوزير الأكبر خير الدين ثاني وزراء دولة المشير الثالث محمد الصادق باشا باي أراد إحياء صناعة النقش حديدة فآثر لذلك قبة الزاوية المذكورة، سيما وقد كانت إذ ذاك محتاجة إلى بعض تدارك فأتقن تشييدها بحضور بعض عملة نقش حديدة من المغرب، ونقشت قبة الزاوية نقشاً بلغ من الجودة والإتقان ما يحار فيه الناظر على مصروف الدولة، وعند إتمامها على الوجه الأبدع طلب مني ثالث أبناء الشيخ مقدم الطريقة التجانية بها يومئذ أن تؤرخ هذا الصنع فأجبته لذلك، وأرختها بقولي: [الكامل] لمقام إبراهيم فادخلْ آمنا ... تجلو به فضلاً عظيماً كامنا واخلع حجابك بالتجرّد للذي ... سوَّاك من طين وردَّك كائنا واخلص إليه من المناجاة الرجا ... وأركب بعزمك وابتهالك صافنا ومتى وصلت حمى الرياحي فخرتو ... نس فأنزلنه فلست تخشى الآحنا والبس به من تاج تجّضان حلى ... واحمد بأحمدها السري مواطنا وانهج له في الأرض خير طريقةً ... لله تلفه في القيامة ضامنا ورد الزلال بورده العذب الذي ... أروى وأجرى خالصاً لا آسنا واقنت لربك عاكفاً متبتلاً ... في خير زاوية لحفظ دعائنا واشكر مشيدَ بنائها ومعيدها ... فيها من النقش المجيد محاسنا ذاك المشير الصادق الباشا الذي ... لله دان فنال منهُ مآمنا وأقامَ خيرَ مآثرٍ له فضلها ... بين البرية قاطناً أو ظاعنا وأجلها هذا المحل وإنه ... لأعز كنز قد أعاد معادنا فبه انجلى أمنٌ ويمنٌ ظاهرٌ ... فاسأل إلهك في تلف ميامنا فهو الذي لمؤرخيه جوابه: ... لمقام إبراهيم فادخل آمنا الشيخ محمود محسن هو الشيخ أبو الثنا محمود بن علي بن احمد بن محسن بن أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشأن شيخ العلم والعمل ﵃ أجمعين، وهلم جرأن إلى استيفاء سلسة هؤلاء الأشراف بالوصول إلى جدهم سيد الأولين والآخرين، عليه وعلى آله أفضل صلاة المصلين، وأزكى سلام المسلمين، فيا لها من سلسة فاخرة، كانت مجمع بحور الفضائل الزاخرة، وقد توسل بجواهرها الثمينة كثير من أهل الشأن، ونظموها في عقود الجمان، وقد اختص منها آباء هذا الإمام إلى الوصول إلى سيد الأنام، الشاعر الأكتب الشيخ محمد التطاوني فقال: [الطويل] أما آن أن تستبدل الغيَّ بالرُّشد ... وتثني عنان الهزل منك إلى الجدَّ إلى م التواني والأماني شرابها ... سراب تبدّى فوق رابيةٍ صلد فبادر ولا ترج الأمور إلى غد ... فربَّ غدٍ يأتي بما ليس في العدَّ وسابق إلى سبل السعادة والهدى ... وشمَّرْ لإجراز العلى ذيلَ مشتدّض وكن واثقاً بالنجح في كل مبتغى ... مؤملهُ في فضل من جلَّ عن ندَّ ولا سيما إن رمته بشفاعة ... من آل نبي خصّ في الذكر بالحمدِ خصوصاً ذوي الإحسان من آل محسن ... كرام السجايا كم يد لهم عندي

стр. 430

إليك بهم يا ربّض قد جئت ضارعاً ... بحقّضهمُ لا تخجلنَّي من الطرد فمحمود الأرضى ووالده الرضا ... عليٌّ أبوه أحمدٌ نَّيرُ المجدِ ووالده المحمود وهو محمد ... سليلٌ لمحسن بن أحمد ذي الرفد وذا حسنٌ يدعى أبوه، وجدّه ... عليٌّ وفوز الابن بالأب والجد وب "الحسن" الأسمى أبيه ابن احمد ... سليل الذي لازلت فضله أستجدي أبي القاسم الميمون نجلِ محمدِ ... هو ابن قريش نجل عيس أخي الزهد وهو ابن عبد بالعبادة قد غدا ... مضافاً إلى الرحمن أكرم بذا العبد ومن خلف المدعو بابن علي الشَّ ... هير اقتبس نور الهداية والرشد ومن فرج المدعو بابن علي ال ... جليل التمسْ تفريج كربك عن حد وسل بأبيه القرم وهو محمد ... مرداك كي تحظى به دون ما ردَّ ولا تعدُ إسماعيل والده الذي ... أبوه يسمى جعفر الصادق الوعد وبالباقر الأتقى أبيه محمد ال ... همام الذي حاز السيادة في المهد وهو ابن زين العابدين علي ال ... إمام الزكي الأصل ذي السؤدد العدَّ سليل حسينٍ نجل فاطمة التي ... هي الزهرة الزهراءُ أمّ ذوي ودَّ أبوه علي وهو صنو نبيَّنا ... عليه صلاة الله تترى بلا حد بجدَّهمُ اللهم يا خالق الورى ... ويا ملجأ المضطر يا وجهةَ القصد أنلني رضاكم يوم لا شيء غيره ... يقربني زلفى إلى جنة الخلد ويا رب فاشهد أنني قد أحبُّهم ... لحبك إياهم وذا ما لهم عندي وأستنزلُ الرضوان منك عليهم ... لترضيهم عني وذا منتهى جهدي وصلَّ وسلَّمْ ثم بارك على الذي ... أتى رحمةً للعالمين بلا جحد فقد توارث صاحب الترجمة مفاخر عن أبيه وجده، فبلغ بها من الفضل غاية حده، وله في غمامة الجامع من سلسة سلف، أخرجه إليها إخراج الدر من الصدف. [الشيخ علي محسن] فقد كان المنعم والده الشيخ أبو الحسن (علي محسن) إماماً ثالثاً بجامع الزيتونة على عهد البكريين بفضله وحسن تلاوته، وكان معظماً عند الخاصة والعامة علماً وديانة، إلى أن توفي في السادس والعشرين من ذي العقدة الحرام سنة ١٢٠٩ تسع ومائتين وألف. وكانت ولادة صاحب الترجمة سنة ١١٩٣ ثلاث وتسعين ومائة وألف، فتربى في حجر عناية والده، وقرأ القرآن العظيم على الفاضل الشيخ حسن بن عمر، يروى أن مؤدبه المذكور انتهره في بعض الأيام لأجل القراءة، فلم يتحمل ذلك لعزة نفسه، وأخذته الغصة ولازمة البكاء من ذلك الوقت إلى أن رجع إلى داره عند الزوال، واستمر عليه ذلك في قيلولة ذلك اليوم، ولما نام مؤدبه في داره رأى رسول الله ﷺ في منامه واضعاً ولده المذكور في حجرة وهو يأمر مؤدبه باسترضائه، فقام من نومه فزعاً وخرج من حينه، واشترى فواكه مما يرضي الصبيان، وجاءه إلى داره فوجده باكيأن فانكب عليه واخذ يقبل يده ويعطيه الفواكه، ويسترضيه إلى أن سكن جزعه، وقص رؤياه على والده، ﵃ أجمعين. ثم بعد قراءته القرآن العظيم توجه إلى قراءة العلم الشريف فقرأ على ابني عمه الإمامين الشيخ حسن الشريف، وأخيه الشيخ محمد الشريف، والشيخ الطاهر ابن مسعود، وقرأ على غير هؤلاء، وتصدى للإشهاد فعد من ثقات العدول. ولما توفي شيخه الشيخ الطاهر بن مسعود خليفة الجامع وقدم الأمير محمود باي الشيخ "عمر بن المؤدب" للخلافة تقدم صاحب الترجمة للنيابة إماماً ثالثاً في ربيع الثاني سنة ١٢٣٤ أربع وثلاثين ومائتين وألف، وكان الإمام الأكبر يومئذ ابن عمه الشيخ حسن الشريف، فاستمر إماماً ثالثاً زينة لجامع الزيتونة، وأولاده شهادة الحرمين، وهي يومئذ من الخطط النبيهة الشأن، فقام بحقوقهأن ولازم المعاينة بنفسه، ولما علم الأمير بذلك أهدى إليه فرساً اعتناءً بشأنه، واستمر مباشراً للإشهاد والإمامة إلى أن توفي الخليفة المذكور، فقدم الأمير ولده "الشيخ الشاذلي" نائبأن وقدم صاحب الترجمة إلى الخلافة، كما هو مقتضى الاستحقاق، فتقدم خليفة لابن عمه الشيخ محمد الشريف سنة ١٢٣٩ تسع وثلاثين ومائتين وألف، فعمر الجامع بمواظبته وإقامة الصلوات في أول أوقاتها.

стр. 431

ولما تنقل الشيخ الشاذلي المذكور إلى خطة الفتيا أبي المشي خلفه اعتماداً على خطة الإفتاء، وعظم الخلاف بين الخليفة ونائبه بسبب ذلك، فبلغ أمرهما إلى الأمير مصطفى باشأن فأرسل قاضيه وكاتب سره للمصالحة بينهما مع المحافظة على ترتيب الجامع في تقديم الخليفة على الإمام الثالث وحسنت العلاقة بينهمأن واستمرا على ذلك إلى أن توفي الإمام الأكبر الشريف فرأى المشير الأول احمد باشا تعين تقديم عالم العصر الشيخ إبراهيم الرياحي إلى إمامة الجامع، ولم يأنف من ذلك صاحب الترجمة لحسن إنصافه وعلمه بكمال رتبة الشيخ إبراهيم، بل إن ذلك لم يزدهما إلا تآلفأن وكثيراً ما يقدمه الشيخ إبراهيم على نفسه ويرغب مع ذلك نائبه الشيخ الشاذلي في صفر الخير سنة ١٢٦٣ ثلاث وستين تقدم الشيخ "محمد البنا" نائباً عن الخليفة المذكور، ثم لما توفي الشيخ إبراهيم الرياحي قدمه المشير الأول أحمد باشا إلى الإمامة الكبرى في التاسع والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة ست وستين ومائتين وألف وأولى خليفته الشيخ أبا عبد الله محمد البنأن وقدم للنيابة شيخ الختمة العالم المجود "الشيخ احمد القروي" بعد أن كان كثير النيابة عمن قبله عند عروض الأعذار، وكان في الثلاثة الأشهر المعظمة يجلس على الختمة لتجويد القرآن بعد صلاة الظهر، وبعد الفراغ يحضر مجلس الأيمة لرواية الشفأن وأقام الصبح والعشاءين مدة مديدة من قبل ولايته النيابة بإذن من الأمير. وقام هذا الإمام الشريف بخطة الإمامة الكبرى بجامع الزيتونة احسن قيام، وكان معتقداً للخاص والعام، فاضلاً كريمأن عزيز النفس، عالي الهمة، مهاباً معظمأن غيورأن أولاه المشير الثاني محمد باشا وكالة زاوية السيد أبي زمعة الصحابي بالقيروان، فحاسب من كان قبله وأنتخت المحاسبة نيفاً وسبعين ألفأن أستأذن فيها الأمير، فامتنع الأمير من التداخل فيها وفوض أمرها إليه يفعل بها ما شاء من أكلهأن والتصدق بهأن أو ما يظهر له، فبادر واشترى بجميعها زياتين بمرناق ودياراً بتونس، وأوقفها على الزاوية، ولما جمع المشير الثالث الزاوية على لسان الأمير، فأنكر ذلك وتغير له، وقال له: إنه إذا عزلني عن الزاوية المذكورة فإني (نخرج من البلد) وبمجرد بلوغ خبر ذلك للأمير أرسل إليه مع لسان الدولة يعلمه بان المحتسب المذكور أتاه من قبل نفسه لا بإذن، وأنه كيف يعزل شيخه الذي أخذ عنه الطريقة التجانية، وغنما يرجو رضاه، وعند ذلك سكن غضب الشيخ ودعا للأمير بخير، ومن الغد قدم إليه لسان الدولة المذكور بسبحة من عنبر وثلاثة آلاف ريال، وأمر في تمليكه هنشير الديوان قرب مرناق جلباً لخاطره، نال منه بذلك الدعاء الجميل، أدركته رضى الله عنه على هرمه لا يتخلف عن الرواية في الشهر الثلاثة مع ضعف بصره، وكان مع ذلك ينسخ صحيح البخاري بخط يده بأحرف كبيرة تساعده على القراءة، ويصلي الظهر والعصر، ويخطب في الجمعة والعيدين والناس يتبركون بأذياله إلى أن عجز، فصار إنما يحضر الجامع بحسب مقدرته، وهو الذي جعل لسائر أبواب بيت الصلاة مراتج من بلور وقاية من الريح والبرد فأحسن بذلك للمصلين والمدرسين. ومن ورعه نعمه الله انه لما ورد ماء زغوان إلى الحاضرة ومروا به على ميضاة الجامع بعد أن ادخل إلى بعض ميضاوات غيره من الجوامع امتنع الشيخ من إدخاله إلى ميضاة الجامع كما يذكر فيه من الشبهة نظراً لاستحقاق أهل البلد الذي فيه منبع الماء. وقد كان له ثلاثة أبناء وهم الشيخ (الطاهر) والشيخ (مصطفى) والشيخ (عبد الرحمن) توفي أولهم أولاً وتلقى الشيخ مصيبته بالصبر وتوفي ثانيهم ليلة الثلاثاء الثالث من ذي العقدة الحرام سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف، وصبر لذلك أيضاً غير أنهما خلفا له محمدين حفيدين له، ﵃ أجمعين. ثم توالى عليه الهرم والمرض واشتاق إلى لقاء الرحمن، فأدركته المنية وله من العمر سبع وثمانون سنة وتوفي عشية الجمعة السادس عشر من رمضان المعظم سنة أربع وثمانين ومائتين وألف وتبرك الأمير والمأمور بحضور جنازته وصلى عليه الشيخ (علي العفيف) أمام باب البهور بجامع الزيتونة بوصايته عليه رحمة الله وقد رثاه الأكتب الشيخ المختار شويخة بقوله: [البسيط] ورد المنايا على الأيام مورودُ ... وشربها المضّ بين الخلق مقصود

стр. 432

سّيان منْ عزَّ أو هانت معاقله ... لا يفتدى والدٌ منها ومولود تلك الليالي وغن جادت بما وعدت ... غطاؤها منك مسلوبٌ ومردود ألا لعاً للأماني فهي مرحبة ... ولا لعاً لليالي فهي تنكيد لا يفتدي امرأً ذا عزة أسفٌ ... إنّ المجد بريب الدهر مجدود لا تنقع الظامئ المصدور موجعة ... أو ينجع الفاقد المحزون مفقود أظلَّ ذا الوجد من ذا الخطب مغتبطاً ... في الحي يرتاد طلقاً وهو مردود سلِ المنايا لمن ولت عزائمها ... وسددت سهمها؟ لا كان تسديد بالفاضل المحسن الحمود قد نشبت ... أظفارها فتولت وهو منجود من الألى فرض الرحمن حبَّهمُ ... فودهم لأمان الأرض إقليد شمٌّ معاطسهم زهرٌ مكارمهم ... والكل يصحبهم عزٌّ وتمجيد فطب حديثاً وقل ما شئت من كرم ... فكل فضلٍ لأهل البيت مشهود قد كان غيثاً هطولاً في فضائله ... ترى مزاياه عقداً وهو منضود ثنيتين من بعد خمسين سمت حججاً ... يؤمُّ وهو على الإجلال موطود يسدد القول عن أغراض موعظة ... لانت لموقعها الصمُّ الجلاميدُ ففي المنابر نحبُ الآسفين وفي ... صدر المجالس تأويهٌ وتصعيدُ فلتغمضنَّ جفون المجد عن أسف ... فإنه في جفون الأرض مغمود سقى لمضجعه الأسنى وعادوه ... مأواك محسنُ في الفردوس محمود الشيخ محمد محسن هو الشيخ أبو عبد اله محمد بن عل يبن احمد بن محمد بن محسن بن احمد الشريف، إمام مسجد دار الباشأن وهم جرا إلى الوصول إلى أصل الوجود ﷺ ناهيك به من صفوة مشاربه، وعزت مآربه، حفيد غمام جامع الزيتونة، وقد كان والده سميه عظيم القدر جليلاً فاضلأن يغلب عليه الصلاح، تجاوز الثمانين سنة، ولاستدعاه المشير الثاني محمد باشا في مبدأ دولته وتبرك به واخذ بيده حين وصوله إليه وشيعه حين خروجه من عنده، ونال منه الدعاء الصالح وأكرمه بمال عظيم، ثم اشترى له داراً كانت جوار داره بما أرضى صاحبهأن وتوفي بعد دولة المشير المذكور، وأعقب فحلين من أولياء الله وهما: الشيخ أبو الحسن علي وأخوه صاحب الترجمة. الشيخ علي محسن أما الأول فقد ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف في فضل بيته وقرأ القرآن إلى أن وعاه حفظأن وقرأ العلم الشريف بجامع الزيتونة على الشيخ علي العفيف، والشيخ محمد النيفر الأكبر، ثم سلك طريق أهل الله، وأخذه الجذب وكان في حدود الخمس والخمسين بعد المائتين والألف يحضر جامع الزيتونة، وينكر على المصلين السعال، وربما ضرب من أخذه السعال، فأمسكه عمه إمام جامع الزيتونة الأكبر في الدار، وقيده يوم السبت وكانت والدته تخرج في الليل فتجده يدور في وسط الدار، أو انه يتوضأ حتى إذا جاء النهار أصبح في قيده. وفي ليلة الثلاثاء حضر لدار عمه ثلاثة أشخاص وقرعوا عليه الباب وطلبوا مقابلته في ذلك الوقت، فخرج إليهم فطلبوا من فك قيد ابن أخيه وأعلموه انه سيلازم الدار من يوم الجمعة القابل إلى أن يستكمل أربعاً وثلاثين سنة يكون فيها قطباً بأراضي السودان، ثم يخرج ويحسن سلوكه ويلازم جامع الزيتونة، وعند ذلك أرسل عمه في الحين بفك قيده، وكان الأمر كما ذكروأن فإنه لازم داره، التي قرب الجامع الحسيني، وتعاطى هدمها إلى أن خرج منها أهله، واستمر في هدم الديار المجاورة لهأن وكان كلما وصل إلى دار أرسل الأمير إلى صاحبها ودفع له ثمنها وتركها له، إلى أن عظم البراح الذي أقام فيه، وقد أدركته وهو غنما يظهر من السطوح أحياناً أو انه يخرج التراب من كوة فتحها إلى أن استكمل أمده، فخرج في أواخر عام تسعة وثمانين ولازم التردد بين داره والجامع.

стр. 433

ولما توفي ولي الله الشريف الشيخ سيدي محمد الصوردي يوم عاشوراء من المحرم الحرام عام تسعين ومائتين وألف، انتشر الشيخ بعد ذلك في الترداد على كثير من جهات البلاد، ثم لازم جامع الزيتونة مدة، واكثر جلوسه ومبيته فوق دانة سيدي منصور، وتارة يبيت بمقصورة سوق القماش، وهو على أكمل حالة الزهد في الدنيأن يلبس جبة من صوف ويتردى برداء، وعلى رأسه خرقة من الصوف وفي رجله بشمق، وتارة لا نعل في رجله، وهو مع ذلك من اعظم خلق الله هيبة وكمالأن مع غاية الأدب والتفاني في الله، وقد نقل عن بعض أهل الله انه ولي غوثاً بعد القطبانية، وكراماته رضى الله عنه كفلق الصبح، ولم يزل أمر سلوكه وصحوه في تقدم وازدياد إلى أن أدركته المنية عن حال صحة آخر ليلة الثلاثاء العاشر من ربيع الأول سنة ١٢٩٨ ثمان وتسعين ومائتين وألف، وتوفي على جرد حصير متوسداً حجارة، وحسبه بذلك فخراً لزهده ﵁ وأخرجت جنازته من دار حفيد عمه، وصلى عليه بجامع الزيتونة عند باب البهور، وحضر مشهد جنازته الأمير وآل بيته والوزراء وجميع العلماء وكافة الأهالي حتى أن جامع الزيتونة وجميع رحابه غصت بمن لم يعهد اجتماعهم لمن سواه، ودفن بزاويته قرب الجامع الحسيني، وقد رثيته فقلت: [الكامل] ما للمشارب صفوها لا يحسنُ ... هل فارق الدنيا عليَّ محسنُ إيهٍ لقد تاقت له الأخرى، لذا ... أخذته كي بكماله تتيمن علمت بأنه بضعة المختار ذو الأ ... سرار من قد طاب منه المعدنُ فهو الذي نادته حضرةُ قدس خا ... لقه إلى إدارك ما هو ممكن وسقاه من كأس التفاني فاحتسى ... صفو الشراب لأنَّ سكره يزمن فغدا نديماً في خدور صيانة ... ولغير من يهواه ما أن يسكن ورأى الجمال وشاهد الإجلال والإ ... قبال في قرب له مستوطن وحوى جلالاً من أجلَّ تعرّفٍ ... أبدا به فضلُ المعارف احسن لا يستفيق من الغرام ملازماً ... لتأدبٍ فيه يحار الأفطنُ يحيى الدياجي بالمناجاة التي ... أمسى بها في سره يتفنَّنُ ولذا تبدَّى معرضاً عن كل ما ... في هاته الدنيا وغن هو يحسن فالزهد فيها وصفه بين الورى ... ومتاعها أبدا عليه لهيَّنُ مع أنه ملك التصرف في القطا ... بة واغتدى بكمالها يتزين ورقى إلى غوثيةٍ يسمو بها ... في مجمعِ التصريف وهو الأمكن يجري الإله على يديه جميع ما ... في عالم الدنيا غدا يتكون والأولياء جميعهم من دونه ... وبذاك أنبا منهمُ منْ يعلن وله بذا شهدت كرامات بدت ... متكاثرات حصرها لا يمكن فخرٌ سما به من وراثة جده ... خير البرية شامه المستيقنُ فيه اقتدى بعلي أبيه وجده ... لكنه اعلاه سبقٌ أيمنُ ولكم لهم في بيتهم من سيد ... في الأولياء تراه وهو يلقَّن ولكمْ بفضلهمُ استجار ذوو الرجا ... لله في خطب فصار يهوَّن ولكم بهم في تونس الخضراء يس ... تقى الغمامُ وما تريَّثَ يدمن لله ما شرفٌ على شرفٍ سما ... شرفأن به الأشراف طرَّا تعلنُ فليتَّعظ بمماته من قد درى ... بمقامه العالي، ففقدهُ محزنُ وليعتبرْ أهل النهى بكمال من ... قد شيَّعوه متى دعاه الموطنُ ولئن يكن دفنوه في قبر سما ... بالفخر منه ففضله لا يدفن فليعقده المستمير منادياً ... له باسمه فله الإجابة ديدن وليستغث به من يناجي ربَّه ... وليستجر به من تصبهُ الأعينُ وليتخذه وسيلة لله في ... ما قد عرا فبه التوسل أعون وليتخذ ذو النسك عنده خلوة ... فيها يرى متبتلاً لا يفتن فهو الذي خلع الإله عليه من حلل الرضا خلعاً بها يتزين وهو الذي قد نال سابغ رحمة ... عند الإله بها غدا يتمكن والله مجَّدهُ فقلت مؤرخاً: ... في مجد رحمته عليَّ محسن

стр. 434

وأما أخوه صاحب الترجمة فقد ولد سنة ١٢٢٦ ست وعشرين ومائتين وألف، وحفظ القرآن العظيم حفظ تثبيت وجوده، وقرأ العلم الشريف على شيوخ كثيرين، منهم الشيخ أبو عبد الله محمد البنأن والشيخ محمد النيفر، ثم اشتغل بأحواله وتعاطى التجارة بسوق القماش وسوق العطارين الكبار مع ملازمته تلاوة القرآن ثم أنه تقدم لمشيخه أحزاب الأسبوع لجامع الزيتونة عند وفاة الشيخ الذي قبله وما توفي نائب الخليفة الإمام الثالث الشيخ أحمد القروي قدم المشير محمد الباشا صاحب الترجمة للنيابة غمامً ثالثأن وقدم الشيخ محمد بن سليمان إماماً للتراويح وشيخاً على الختمة، وكان خليفة الجامع يومئذ هو الشيخ محمد البنا والإمام الأكبر هو عم صاحب الترجمة الشيخ محمود محسن، فقام بالنيابة احسن قيام، في كثير من العوام، ثم عند وفاة خليفة عمه قدمه المشير الثالث محمد الصادق باشا باي خليفة لعمه في أواسط المحرم سنة ١٢٨٣ ثلاث وثمانين ومائتين وألف، وصادف ذلك هرم عمه وعجزه فقام متحملاً أعباء الخطة ولازم المحراب والمنير وقام بالخمس والجمعة إلى أن توفي عمه فقدمه المشير المذكور لخطة الإمامة الكبرى بجامع الزيتونة أواسط شهر رمضان المعظم سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف، ولما توفي إمام التراويح وشيخ الختمة الشيخ محمد بن سليمان تقدم عوضه ولده الشاب الشيخ حمودة محسن، فرآه أبوه متقدماً بمحراب جامع الزيتونة، ونال مسرة ذلك، وكان عليه رحمة الله مصاباً بذات الرئة، اشتد به المرض بعد حين، ولازم الفراش في مبادئ عام تسع وثمانين حتى منعه من الحضور لعمل المولد الشريف. وكان حسن الأخلاق حسن المحاضرة، تقياً بالله، لا تأخذه في الله لومة لائم، دخل في أعضاء المجلس الكبر مدة القوانين، فظهر منه النصح للأمة والدين، وهو معقد عند العموم تجله الخاصة والعامة، اخبرني خليطه أبو عبد الله محمد بروطه أنه في صفر الخير من عام وفاته مر على دار الشيخ علي محسن فرآه فقال له: هل تأتيني بأخي؟ فأجابه لذلك، وطلب من صاحب الترجمة الذهاب إلى أخيه، وكان يومئذ يجد ألم صدره، فأحضر له كروسة، وذهباً معاً إلى الشيخ، فلما رآه الشيخ قال له: أأنت أخي؟ فقال له: نعم، فقال له: وهل بقيت دارنا التي بها شجرة الحناء؟ فقال له: نعم، فقال له: أو إن الحناء الآن موجودة؟ فقال له: غن الشجرة قد ماتت، ثم سأله عن عمه فأخبره بوفاته، فسأل عمن تركه، فأخبره بأبنائه، فطلب إحضارهم فأحضروهم له في الحين، وبارك عليهم، وأمرهم بالرجوع من حيث أتوا ثم طلب من أخيه الإمام الكبر صاحب الترجمة أن يدخل معه إلى داخل رحابه، فدخل وأقام معه منفرداً هـ نحو الساعة، ثم خرج وصحبته قفتان مخاطتان إحداهما بالجوز والأخرى باللوز، ورجع إلى داره، وف يتلك الليلية ظهر عليه حال واختلاج واكثر التوسل لله مما لا طاقة له به، ولازم بيته على كماله وإجلاله والناس يتبركون بزيارته إلى أن توفي ثاني عشر ربيع الأول سنة تسع وثمانين ومائتين وألف وتبرك الناس بحضور جنازته، وأعقب في الجامع ولده، وكان مدفنه في تربة آبائه بالزلاج عليه رحمة الله آمين. الشيخ صالح النفير هو شيخنا أبو الفلاح صالح بن احمد بن قاسم بن محمد بن محمد بن أبي النور النيفر، قدم جده أبو النور إلى حاضرة تونس من بلد صفاقس، وكان مقدم آبائه إليها من مصر القاهرة في تجارة، وهم يلبسون العمامة الخضراء علامة على شرفهم، واخبرني بعض الشيوخ منهم انهم من ذرية الشيخ الرفاعي ﵁ وهو مولاي أحمد بن سليمان بن احمد بن سيلمان بن احمد بن إبراهيم بن أبي المعالي بن العباس الرحبي البطايحي الرفاعي شيخ الفقراء الأحمدية إليه كثير من الفقراء الحمدية، وروى الحديث عن سبط السلفي، وحدث وكانت وفاته ليلة الاثنين سادس ذي الحجة الحرام سنة إحدى وتسعين وستمائة، ودفن برواقه المعروف به بحارة الهلالية خارج باب زويلة من مصر. وأما آباء صاحب الترجمة الأربعة المذكورون فقد ولدوا بتونس، وتعاطوا صناعة الحرير والتجارة بسوق القوافي والعطارين، وساعدهم البخت فربحوا وأثروا مع ما فيهم من البذل والتصدق، وكلهم حج بيت اله الحرام.

стр. 435

وولد شيخنا المذكور سنة ١٢٣٦ ست وثلاثين ومائتين وألف، ونشأ نشأة صالحة وشد إلى التعلم عزائمه، ونتوجه لقراءة العلم الشريف بجامع الزيتونة، فقرأ على أخيه الأكبر الشيخ محمد النيفر المفتي المالكي كتب النحو من مباديها إلى أن أتى على ألفيبة ابن مالك، وقرأ عليه مصطلح الحديث ومختصر السعد، ونبذة من المطول، وتفسير القاضي البيضاوي، وقرا على الشيخ أبي عبد الله محمد بن سلامة المفتي المالكي شرح التاودي على نظم ابن عاصم بحواشيه، وشرح الشفا للقاضي عياض، وقرأ على المولى الجد الشيخ أبي عبد الله محمد السنوسي المختصر الخليلي، وقرأ على شيخ الإسلام أبي عبد الله محمد معاوية المطول، وقرأ على الشيخ أبي عبد الله محمد بن ملوكة رسالته المنطقية وغيرهأن وقرأ على غير هؤلاء من أعلام الشيوخ كالشيخ أبي أسحق إبراهيم الرياحي، وشيخ الإسلام الشيخ محمد بن الخوجة والشيخ أبي عبد الله محمد الخضار المفتي المالكي، والشيخ أبي عبد الله محمد البنأن وقد برع في المعقول والمنقول مع حسن العارضة وجلس للتدريس بجامع الزيتونة، وتقلب في خطط علمية رفيعة الشأن، فتقلد خطة التدريس من الرتبة الثانية في الثاني عشر من ربيع الأول سنة ١٢٦٥ خمس وستين، ثم في سابع جمادى الثانية من السنة الموالية لها ترقى إلى الرتبة الأولى، وأفاد الطالبين وختم كتباً مهمة ولما ختم مختصر السعد هنأه أحد تلامذة الدرس، وهو الموثق الفرضي المجود، المدرس الشيخ محمد البشير التواتي بقوله: [الطويل] أبدر تمامٍ حلّ في طالعه السعد ... أمِ البرقُ يبدو من نواحي بني سعدِ أم ارتفع الجلباب عن وجه بثنة ... فبانت ثنايا الدر في مجمع الشَّهد فآنستُ وجهاً أنه الشمس في الضحى ... وأن الحيا قد حاك ورداً على نجدِ وقد سدَّدتْ نحوي سهامَ لواحظٍ ... ليفعلنَ بي فعل المواضي من الهند فبتُّ ونار الشوق وسط حشاشتي ... ولم تذق العينان طمعاً من البرد زكم وعدت مقتولها بحياته ... فشاب ولم يظفر بمائسة القدَّ وإني قنوع في الوصال بنظرة ... إلى الغادة الحسنا مبرَّرة النَّهد فإن لامني العذال فالقصد صالحٌ ... لدى الناس مثل النار ليلاً على بند تقيٌّ نقيٌّ ناسكٌ متورع ... هو الفاضل المحمود في القرب والبعد إمام همام لوذعي وسيد ... من الشرفاء الطاهرين أولي النجد خلاصة أخيارٍ ومفتاحُ كنزهم ... وبحر محيط لا يغيض من الورد كمال لنا كشفٌ لكل ملمة ... خليل لطلاب العلوم أولي الرشد رياضُ علومٍ كأس عذبٍ رحيقها ... أساس مبانيها يصول كما الرعد كأنّه ليس في جيوش دروسه ... وفي معرك الألباب سيف بلا غمد إذا ما تصدّى للبيان رأيته ... يصوغُ المعاني في البديع بلا جحد وكم لهجت أنفاسه بجواهرٍ ... منظمةٍ كاللؤلؤ الدر في العقد يفوق الورى في كل أمر يسودهم ... وغن ذكروا مجداً تقدم في العد أيا ماجداً قد حاز كل فضيلةٍ ... ويا سيداً دامت له سبلُ الودَّ فدونك بنت الفكرِ قد تمّ حسنها ... أتتك تهنّي في ختامك للسعد

стр. 436

وقد ولي مشيخة المدرسة المرادية في السابع عشر من ذي الحجة الحرام سنة ١٢٧١ إحدى وسبعين، وتقدم للإمامة والخطبة بجامع درب العسال في السابع من ربيع النور من السنة الموالية لهأن وتعاطى في مبدإ أمره المتجر، وكان حانوته بالعطارين الكبار يومئذ وجلس للإشهاد، وكان الولي الصالح الشيخ صالح المثلوثي كثير التردد عليه، فاتاه مرة إلى حانوته، وقال له: يا شيخ صالح هات دفترك واكتب إنك ستولى خطة كذا وخطو كذأن وذكر له عدة وظائف رفيعة يعز اجتماعهأن وكان المر كما ذكر الشيخ ﵁ فقد قدمه المشير الثالث لخطة القضاء بالحاضرة منتصف ربيع الأول سنة ١٢٧٧ سبع وسبعين ومائتين وألف، وتقدم في مجالس الجنايات عند وضعهأن ثم في غرة صفر الخير سنة ثمانين ترقى إلى خطة الفتيا ثم في شهر شوال استعفى من خطته في مجالس الجنايات، وخرج لحج بيت الله الحرام ثانياً غرة ذي القعدة الحرام سنة ١٢٨٠ ثمانين ومائتين وألف، فحج وزار ورجع إلى الحاضرة على خطة الإفتاء، وكان مفتياً سادسأن ولما توفي الشيخ محمد البنا صار مفتياً خامسأن ولما توفي الشيخ الطاهر بن عاشور صار مفتياً رابعأن ولما توفي الشيخ احمد بن حسين ترقى إلى رئاسة المجلس الشرعي، فولي خطة باش مفتي بتقدمه على المفتي الثاني يومئذ الشيخ الشاذلي بن صالح، والمفتي الثالث الشيخ علي العفيف، وكانت ولايته الخطة المذكورة تاسع شعبان الأكرم سنة ١٢٨٥ خمس وثمانين ومائتين وألف بعد أن تقلد وظيفة الحسبة والنظر على بيت المال أواخر ذي الحجة الحرام سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف. وقد كان فقيهاً عالمأن له حسن دراية، يضرب بها المثل، مع مزيد التحصيل في الفروع والأصول، وحسن الجاه الذي لم يشاركه فيه أحد يومئذ، وله ولع بالتصوف والأذكار، وحب الصالحين والزيادة لهم، ومواسة الغرباء أينما كانوأن وله حسن محاضرة لا تمل مع اقتدار كلي على إبراز الكلام في قوالب شتى. وقد قرأت عليه الكفاية شرح الرسالة للشيخ سيدي عبد الله بن أبي زيد القيرواني، وكانت قراءته لذلك قراءة تحقيق بعد صلاة الصبح، ولما ولي رئاسة الفتيا تأخر عن الدرس المذكور، وكانت تقاريره ومباحثه تسحر الألباب، وأذكر منها أنه لما كان يقري قول الشيخ "ومملا يجب اعتقاده أنه تعالى فوق عرشه، المجيد بذاته" وقد أورد الشارح الاستشكال على ظاهر العبارة بما هو مبسوط في محله من إشعاره بالجرمية والاستقرار بالذات نفسهأن فاستظهر رحمة الله أن الجملة مركبة من عقيدتين، وهما كونه تعالى فوق عرشه، وكونه تعالى مجيداً بذاته، بجيث يقرأ المجيد (بالرفع) خبراً ثانيأن لا بالجر على انه نعت للعرش، قال: وهذا الوجه أخذته من قراءة الوقف على ذي العرش في قوله تعالى: (يوجد آية) وهو وجه يزيدك حسناً كلما زدته نظرأن وهكذا كانت أختامه ودروسه كلها في غاية حسن التقرير والتحرير، وأدعيته لطيفة الإنشاء، يبدع في تحريرها كيف شاء، وقد كتب أختاماً كثيرة على أبواب مهمة من صحيح البخاري، وتصدى لشرح الموطأ فكتب عليها كتابة جليلة حين لازم إقراءها بجامع الزيتونة بلغ في الشرح المذكور إلى حيث بلغ في التدريس وتركه مسودة. وأما تدرجه في مراقي إمامة جامع الزيتونة فقد تقدم للنيابة إماماً ثالثاً في الرابع عشر من صفر الخير سنة ١٢٨٣ ثلاث وثمانين ومائتين وألف عند وفاة الخليفة الشيخ محمد البنأن وأقام المغرب والعشاء والصبح مدة، وكان كثيراً ما يعتكف الليالي العديدة بجامع الزيتونة لأداء صلاة العشاء والصبح، وقد استصحب في ليلة النصف من شعبان تلك السنة للمبيت معه الشيخ محمود قبادو، فارتجل قصيدته، هنالك التي يقول في مطلعها: [الطويل] إلى بيتك اللَّهمَ بالعزم أقبلنا ... حططنا به رحل الضيافة فاقبلنا

стр. 437

ولما توفي المحسني المحمودي قدمه المشير الثالث خليفة أواخر شهر رمضان المعظم سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف، وخطب بالخطب البليغة، وواظب على إقامة الصلوات في أوقاتهأن وقرأ المولد النبوي بالنيابة عن الإمام الأكبر قبيل وفاته إلى أن توفي إمام الجامع الشيخ محمد محسن فقدمه المشير الثالث إماماً أكبر بجامع الزيتونة في السادس عشر من ربيع الأول سنة ١٢٨٩ تسع وثمانين ومائتين وألف، فحظي من دهره بغاية المراد، غير أن الخطة أتته على حين بلغ به ضعف البدن إلى حده، فخطب أخرى ثم أقعده الضعف، ولما حضر المولد النبوي بعد ذلك طلب الأمير أن يقتنع منه بسرد أدعية لضعفه، فأرسل له الأمير يأذنه بأن يريح نفسه وأن خليفة الجامع الشيخ محمد الشريف يقوم مقامه، فأعاد على الأمير الطلب بأنه يحضر الموكب بنفسه ويسرد المولد عوضه أخوه الأصغر المفتي الشيخ محمد النيفر، فأعفاه الأمير من ذلك وأرسل إلى خليفته الشريف بإحضار المولد النبوي، ولم يحضر الإمام الأكبر صاحب الترجمة ذلك الموكب. وكان مع ذلك آية الله في الذكاء والتقلب في الأمور ومعرفة وضع الأشياء في مواضعهأن عالمأن لطيف الأخلاق، جميل المحاضرة، محصلاً أختامه يرغب الناس في حضورهأن لحسن ما ينتقيه ويحرره فيها من المسائل المهمة. وقد قربه الأمير، لعلمه وحسن أخلاقه، حتى كان ذا جاه رفيع غير أن الأجل عاجله وكدر الدنيا لم يترك مشاربه صافية، فتوالى عليه المرض واشتد به الضعف حتى لازم المنساة بعد الخمسين، ولم يزل المرض مصاحباً له، يضاجعه تارة وتارة يريحه، إلى أن لازمه أخيراً وأدركته المنية وعمره نحو خمس وخمسين سنة، فتوفى أواخر ذي القعدة الحرام سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف، وقد بر به ولده فبادر لدفنه يوم وفاته عشية لك اليوم وشهد العموم جنازته، عليه رحمة الله. وقد كتب في ترجمته حين وفاته كتابة نثرية في الرائد التونسي هذا نصها: في ضحوة يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام افتقد هذا القطر التونسي شيخ الإسلام المالكي والإمام الأعظم بجامع الزيتونة صاحب النسب الذي هو في بيت النبوءة عريق، والعرفان الوثيق، وهو الهمام الذي عبقت الأرجاء من الثناء عليه بمسك أذفر، أستاذنا أبو الفلاح الشيخ صالح النيفر، فهال خطب فقده على سائر الأمة وما هان، وأودع في أكباد الذين آمنوا أعظم الآلام والأحزان، إذ كان لمحاجر الشريعة نور، وملبسها من الفخر العز الموفور، فيا له من همام هم بإدراك المعالي فنالهأن وسبق في تلك الحلبة رجالهأن حتى عقدت عليه كل مكرمة سائر الخناصر، وباهت به مملكتنا سائر ممالك القياصر، فكسا أندية العلوم حلل المحاسن، وأجرى من انهار معارفه ماء غير آسن، درسه يسحر الألباب، وتقريره يزري بحسان فرائد الآداب، له في الأسلوب الحكيم الاقتدار على تقليد اللبات بالدر النظيم. أما حقائق الدقائق، وفائق الرقائق، فلا مطلع لشموسهأن غير رياض دروسه، ولا مورد لرحيقهأن غير شفاف كؤوسه، فكم أدار على أرواحنا مكن أعجب الأساليب راحأن فأودعها من ذلك نشوة وانشراحأن فهو كشاف المعاني، والمصباح الذي يستضيء بشهابه كل معاني، له اليد الطولى في المعقول والمنقول، وأحرز السبق في ميادين الفروع والأصول، قدمه في سائر العلوم راسخة، ومعرفته الوثيقة لسائر الزيوف ناسخة، إن تكلم في المجالس أبهت الناطق والصامت، وأضحى بلواتر الفصل الصالت، إذ حنكته الفصاحة، ودرى كيف يأسو للدهر جراحة، وسبر بمسبار الألمعية أغوار الحدثان وجابه يدها تجريبه جباه الزمان، فعلم بمواقع الأمور، وجرى فيها بالسعي المشكور.

стр. 438

أما معرفته بمدراك مذهب مالك بن أنس، فهي التي نصبت له المنصات فارتقاها وجلس، فقضى سنين قد انقضت كأنها سنات، وأتى فيها بالآيات البينات، أقام فيها قسطاساً لمنع الاعتساف، حيث تحلى ببدائع الأوصاف، وقام بأعباء الفتيا قياماً لم يعهد له مثيل، ورصع تاجها بمجده الأثيل، وأنار منبر تجرح الأفئدة والقلوب، ولا سيما حيث كانت من خطبه التي أبدع في تنظيمها على أفخر أسلوب، فإذا قام في منبره أو محرابه فيا فوز من وعى، فإنه يسمع الصم الدعأن فما ترى الحاضرين إلا وعيونهم تنهمر دمعأن إذ انصدعت قلوبهم من ذلك صدعأن وإذا روى عن جده خير البرية المصطفى، يلين له القلب الذي كالصفأن فكم هدى وأهدى، وأعاد من المزايا وأدى، إلى أن ألفت رئاسة الفتيا والإمامة أمرها لديه، وتوشيح كلتاهما بالانتماء إليه، بعد أن ولي الحسبة ووظائف وتنتهج بها تلك المناصب السنية. وزيادة على ذلك فقد تحلى بكمالات لا تحصى، ومزايا لا تستقصى، فهمته قد ضربت على السماك أطنابهأن ونصبت على الجوزاء قبابهأن حتى انتعل السهأن وغدا إليه في كل مكرمة المنتهى، مع ما هو عليه من شرف الأعراق، ودماثة الأخلاق، بشاشته تملأ قلب ملاقيه حبأن وتوليه من التردد ما يختاره بعدا وقربا. وكان كثير الميل إلى علم القوم، لا يختشى في ذلك من لوم، وله مزيد ولعٍ بمن بنتسب للشرف النبوي والصلاح، من أهل الخير والفلاح، فسلك في ذلك مسلك أستاذه شيخ الإسلام المالكي أبي إسحاق، وكرع من مناهل الطريقة التجانية أعذب الأذواق، حتى كان في خيسها ليثأن وانسجم بمعارفها غيثاً. ولذلك نبؤه راع القلوب وفتت الكباد، وعم بالإصابة سائر العباد، فيا له من خطب أصاب أفئدة كانت لمودة هذا الهمام منسوبة، ورماها من نباله بأسهم مقشوبة، حتى عم الأسف سائر الأهالي، ونثرها عليه من الدموع وطيب الثناء أحسن اللآلي، نسأل الله أن يعامله بالرضوان، ويجعله في جوار سيد ولد عدنان، فإنا لا نقدر على إيفاء حقه فيما ننثر وإن نظمناه، ولا يطيق أحد أن يبلغ في وصفه إلى ما يتمناه، ولذلك تربصت بنظم رثائية ريثما أجمع أشتات أن يبلغ في وصفه إلى ما يتمناه، ولذلك تربصت بنظم رثائية ريثما أجمع أشتات قريحة تقرحت برزئة الجليل، وصارت تنثر مع أدمعنا أمثال هذه الأقاويل، وقد انتهز الفرصة في ذلك العالم الماجد، المبرز ببراعته على سائر الأماجد، النحرير اليلمعي، والفهامة اللوذعي، فرع مشايخ الإسلام، الثلاثة الأعلام، المتطلعين غرراً في جباه الأيام، صديقنا الذي لم تزل طريقة والده وجده له منهوجه، الشيخ أبو عبد الله محمد بن الخوجة، أحد أعيان المدرسين بالجامع الأعظم لا زالت دوحة والده به في ابتهاج ونما كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهذا نصها: [الطويل] إلى الله من خطبٍ تداعت له رجفا ... رواسخ أحلامٍ وقد أحكمت رصفا تمطَّى به ليلٌ من الوجد حالكٌ ... يضل الكرى فيه فلا يعرف الطَّرفا صلى كلَّ قلب من لظاه بمضرم ... يزيد إذا ما الدمع برَّده ضعفا يحق له شقُّ القلوب إذا اغتدى ... يشقُ أخو الأحزان أثوابه لهفا إلى الله نشكوه عظيم ملمةٍ ... عسى فرجٌ يولي دجنتهُ كشفا ومنْ مارس الأيام هان به الأسى ... فكم روعت سرباً وكم رنقت صرفا وهل سالمت من عهد آدم واحداً ... فيأمن مرتاحٌ إلى ظلها الحتفا؟ ويا ليتها ترعى ذمام ذوي العلا ... فتبقيهم لكن أبي طبعها اللطفا وما ضر لو أبقت لنا الواحد الذي ... أعد به دين الهدى للورى كهفا وما ضر لو أبقت لنا الواحد الذي ... يمرُّ ولا يبدي الزمان له خلفا وما ضر لو أبقت لنا الواحد الذي ... يبيدُ به جيش الضلال إذا اصطفَّا قضى الله في قطب الرئاسة إن قضى ... فها أدمع الإسلام وأكفة وكفا فمن لنوادي الفضل بهجةُ صدرها ... وملبسها من فضل أقواله شنفا فمن للقضايا المعضلات يحلُّها ... بصارم فكر لا يفل ولا يحفى ليبكه ملهوفُ الجوانح غلَّةَّ ... إلى عذب فتيا كان منهلها الأصفى إذا أمَّةُ المرتادُ أبصرَ جنة ... بدائعها تدني لمن رامها قطفا ترحَّل فاقتاد القلوب وراءه ... ولا غرو إذ تقفو المعارف والظرفا

стр. 439

بني نبفرٍ صبراً فهذا سبيل من ... يعيش ولو قد عاش في دهره ألفا وما بيتكم في المجد إلا كعهده ... سنى عزّه إن شاء ربي لا يطفا على أنه قد فاز بالفضل والرضا ... وخلف ذكراً طاب ترديده عرفا وبلَّغ في الدنيا الذي شاء من علا ... ولم يرغم العداء من عزه أنفا فألبسها من عدله وعلومه ... ملابسَ قد زانت لها الصدر والعطفا عليه من الرحمن أزكى تحية ... تقر بها عيناه في جنة الزلفى وحقق فيه الله قول مؤرخ: ... إلى خير مأوى على صالح قد زفا وعندما أدرجت المرثية المذكورة في هذه الترجمة كتب إلي جناب منشئها الأخ العالم بقوله: [البسيط] بوَّأتني محض فضل نزل علياء ... والحبُّ يفضي لإسهاب وإطراء طما وادي لديكم فارتمت دررٌ ... من عذبه صعدت أنفاس أعداء أهديت أيَّ صنيعٍ لن يوفيهُ ... شكري ولو نشرته كلُّ أعضاء أودعته عند من يدري بقيمته ... برّ شكور فقل يا نجح أسداء أعرتني بعض أوصاف خصصت بها ... تفضلاً وغضضتم أي إعضاء شكراً لكم من أخ بر حبيت به ... أنزلته من فؤادي في السويداء إبريز من أمسوا أخواني وعمدتهم ... وسيد كم رقى أوجاً لعلياء فيا له من صديق قد ظفرت به=صينت صداقتنا عن كلّ أقذاء الشيخ محمد الشريف هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الكبير بن احمد بن محمد بن أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشأن وهكذا سلسلته المنتهية إلى شجرة المنتهى محمد خير خلق الله صلى عليه وعلى آله، فهو الإمام حفيد الإمام، مفخر آل البيت السادات الكرام. [ترجمة والده] أما والده فقد قرأ على عمه الشيخ حسن الشريف وعلى والده، وناب عنه في الإقراء بمدرسة حوانيت عاشور، وله مشاركة في الإقراء بمدرسة حوانيت عاشور، وله مشارمة في كثير من الفنون، وكان ذاكراً شاكراً محباً في الصلاة على رسول الله، له شغف بدلائل الخيرات، يحيى الليالي بالذكر والصلاة، كثير الرؤيا لجده هـ ﷺ منها مرة رأى نفسه في حجره ﷺ وهو يلثم يده الشريفة ويجد من لينها وريحها ما لم يعهد، وبقي أياماً وهو يقول: إنني الآن أجد طيب ريحهأن وكان مهاباً محترمأن جميع الناس يطلبون منه الدعاء وقد اتفق لبعض الناس أن افترى عليه في نازلة فدعا عليه فمات بقرب من ذلك، ولم يزل ملحوظاً بعين الإجلال، معدوداً في الصالحين من الرجال، إلى أن بلغ من العمر ستاً وأربعين سنة، وتوفي سنة ١٢٥١ إحدى وخمسين ومائتين وألف. وخلف والده صاحب الترجمة وكانت ولادته في العشرين من المحرم الحرام سنة ١٢٣٤ أربع وثلاثين ومائتين وألف، وتربى في حجر عناية أبيه، فقرأ القرآن العظيم، وتصدى لتعلم العلم الشريف بجامع الزيتونة، فقرأ على مشايخ الإسلام البيرمي والخوجي ومعاوية، وقرأ على الشيخ محمد النيفر الأكبر، والشيخ الشاذلي بن صالح، وغيرهم من علماء الجامع، وولي في درسي جامع الزيتونة بعد وفاة عمه. وحصل على إجازات كثيرة في الحديث، وقفت منها على سنده في صحيح البخاري: عن شيخ الإسلام محمد بن الخوجة عن المفتي المؤلف الشيخ حسن الشريف عن والده الشيخ عبد الكبير الشريف عن والده الشيخ أحمد الشريف عن الشيخ عبد الرحمن الكفيف عن الشيخ سعيد الشريف الطرابلسي عن القطب الشيخ أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشا عن الشيخ السراوي المصري عن الشيخ سالم السنهوري عن الشيخ نجم الدين الغيطي عن الشيخ زكرياء الأنصاري عن الشيخ أحمد بن حجر شارح الصحيح عن الشيخ التنوخي عن الشيخ أحمد الحجار عن الشيخ حسين بن المبارك عن الشيخ أبي الوقت الهروي عن الشيخ الدراوردي عن السرخسي عن الشيخ محمد بن موسى الفربري عن الحافظ الشيخ محمد بن إسماعيل البخاري ثن الجعفي رحمه الله تعالى ورضي الله عنه. ووقفت أيضاً على سنده المحمدي، وأجاز لي رواية المذكور بما له فيه من الأسانيد بعد أن رويت بين يديه نبذة منه ﵁ غير أنه لم يجلس للإقراء إلا قليلأن ولازم رواية الشفا والبخاري بمسجد سيدي أبي حديد واجتمعت الجموع لأختمه، وهو ممن يظهر نعمة الله عليه، في نفسه ومن ينتمي إليه وله مع ذلك دعاء مستجاب، وخاطر ليس بينه وبين الله حجاب.

стр. 440

جلس مرة في جبل المنار قرب الناظور من الجانب الشرقي، ومعه جملة من الأعيان، فمرت بهم في البحر فلوكة بها جمع من كفرة الصيادين للسمك فقال له أحد الحاضرين: إن كنت شريفاً فادع على هؤلاء ليغرقهم الله، فظهرت غيرته، ودعا عليهم بجاه جده، فلم تلبث الفلوكة أن انقلبنت بمن فيها في البحر، ومات جميعهم، وله من هذا الباب وقائع شتى. وكان المشير الأول يتمين برقيته ودعائه، وللمشير الثاني معه مودة واعتقاد، يتقرب به إلى رب العباد، عليه جرى المشير الثالث مع ما هو عليه من التعظيم عند الخاصة والعامة. وعند وفاة الشريف محمد ابن الوزير العربي زروق عن وكالة زاوية الشيخ سيدي أبي سعيد الباجي ﵁ قدمه المشير الثالث لها مع النظر على جبل المنار في ربيع الأول سنة أربع وثمانين. ثم لما توفي ابن عمه المحسني المحمودي قدمه المشير المذكور للنيابة إماماً ثالثاً بجامع الزيتونة في الثامن عشر من شهر رمضان المعظم سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف، ولازم الجامع للإمامة وواظب على رواية صحيح البخاري كل يوم ثم لما توفي ابن عمه المحسني المحمدي قدمه المشير الثالث خليفة في السادس عشر من ربيع الأول سنة ١٢٨٩ تسع وثمانين، واستولى عند ذلك الشيخ أبو الحسن على العفيف نائباً عنه. واستمر الخليفة المذكور قائماً بصلوات الجامع في أول الوقت، حاملاً أعباء الخطبة والإمامة مدة مرض الإمام الأكبر إلى أن توفي الإمام النيفري فقدمه المشير إماماً أكبر بجامع الزيتونة في التاسع والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف، وجعل خليفته الشيخ أبا الحسن علي العفيف، وقدم ابن عمه الشيخ أحمد بن حمدة الشريف إماماً ثالثأن فنهض الإمام الأكبر الشريف صاحب الترجمة للجامع، وشمر على ساعد الجد في تنظيمه والبحث عن أوقافه، وأجرى الأمور على أحسن وجه، وقام بالخطبة قياماً كلياً بحيث أنه يحضر رواية البخاري كل يوم الثلاثة الأشهر، وهو مقيم في جبل المنار في حر الصيف حتى تيسر له ختم رواية صحيح البخاري في ٢٦ شهر رمضان سنة ١٢٩٦ ست وتسعين، ومهما اتفق احتباس المطر وخرج للاستسقاء إلا ورجع باليل، وإن لم يصبها وابل فطل. [قراءة البخاري عند الأزمة] وهو أول من جمع الناس لختم البخاري في مجلس واحد للاستغاثة ودفع الكروب وذلك أواسط جمادى الولى سنة ١٢٩٨ ثمان وتسعين، فحضر بجامع الزيتونة عند باب الشفاء، واحضر نسخة من صحيح البخاري مجزأة عشرين جزءاً في غاية الضبط والصحة، وجمع معه تسعة عشر مدرساً من علماء جامع الزيتونة ليروي كل واحد جزءاً كاملاً في ذلك المجلس، فحضرنا هنالك قبل الزوال بأربع ساعات، واستمر بنا على رواية الصحيح المذكور إلى مضي ساعة من الزوال فتمت روايته في خمس ساعات من يوم الأحد الثامن عشر من جمادى الأولى سنة ١٢٩٨ ثمان وتسعين، وقد واظب الشيخ مدة على ذلك مع ذكر الاسم اللطيف وأدعية مدة استمرت إلى منتصف جمادى الثانية يحضر معه في كل يوم بعض المدرسين ويتلو بينهم في آخر المجلس استغاثات مناسبة للحال. وقد تقدم في أثناء تدرجه في مراقي الإمامة إلى خطة الإفتاء بمذهب مالك، فتقدم مفتياً سادسأن تاسع شعبان الأكرم سنة ١٢٨٥ خمس وثمانين ومائتين وألف ونقش على ختمه بيتين من نظمه وهما قوله: [الرجز] أدعوك ربي باسمك اللطيف ... ومن أتى بالشرع والتكليف امننْ برشدِ عبدك الضعيف ... محمدِ بن أحمد الشريف ولما توفي الشيخ محمود قابادو صار مفتياً خامسأن ولما توفي الشيخ صالح النبفر صار مفتياً رابعأن ولما توفي الشيخ علي العفيف صار مفتياً ثالثأن فهو اليوم إمام جامع الزيتونة والمفتي الثالث بالمجلس الشرعي، معتكف على القيام بوظيفته، ملازم لرواية صحيح البخاري في بيته، مع الاعتناء بتصحيحه وضبطه بشروحه، حتى ختمه مراراً كثيرة، كما ختم الشفاء كثيرأن وله مزيد تحر واعتناء بانتقاء بدائع الخطب وضبطها على الوجه الأتقن، وقد تقدم في الطريقة التجانية، ولقنها لكثير من المريدين، وقام بأورادها مع ما له من الأذكار، التي يلازمها بالليل والنهار، والتبتل للعزيز الجبار، على طريق الأخيار، من أصحاب الأسرار، ﵁.

стр. 441

وخليفته اليوم في إمامة الجامع هو ابن عمه الشيخ أبو العباس احمد بن حمدة بن محمد الشريف إمام الجامع، ونائبه الإمام الثالث هو الشيخ أبو محمد حمودة بن محمد محسن إمام الجامع، وعلى عهده زيد في أيمة الجامع نائب ثان وهو الشيخ أبو عبد الله محمد بن الطاهر بن محمود محسن إمام الجامع، وإمام التراويح هو الشاب أبو عبد الله الشيخ محمد بن مصطفى بن محمود الشيخ عبد الرحمن بن محمود محسن، فخطط الجامع ولله الحمد اليوم بين آل الشريف ﵃ أجمعين، ولولا أشتراطي ذكر الأيمة لذكرت تفصيل حال هؤلاء السادات أبقى الله بركتهم أماناً لأهل الأرض، فبدر الإمام الأكبر اليوم محيطة به هالة من آل بيته، وقد تجمل به، والحالة هاته، صدر الجامع وابتهج، وافتخر المنبر بحسن خطبه التي ينتقيهأن وبجمهورية صوته وتأثيره يلقيهأن بحيث أنه اليوم أخطب الخطباء بالحاضرة فصاحة وجمهورية صوت وأداء وضبطأن وهو إمام فاضل، متفنن، نحرير دراكة، سخي النفس، غزير الدموع، سهل الجانب، رضي العيش، قدوة، محبب إلى الناس، كريم الأخلاق مهاباً معظمأن عالي الهمة، مقبول الجاه، محترم، يكرمه الأمير والمأمور، ويعتقده الخاصة والجمهور، يحضر الجامع في كروسة من كراريس الأمير، أهداها له الوزير. وقد نفع بجاهة كثيراً من المستجيرين به ﵁، وفي هذا العهد أتاه الثقة المسن علي عباس يطلب منه الدعاء، وقراءة الفاتحة، وأخبره أنه رأى رسول الله ﷺ في منامه ببيت به جمع عظيم، ولما دخل بيتهم رأى مجلس رسول الله ﷺ مرتفعاً وإلى جانبه الشيخ متكئاً ثم إن المصطفى مسح على جنبه ووعده بالشفاء فكان صدق الرؤيا حيث غن الشيخ يشكو في هاته المدة ذلك لجنب نفسه، وقد أمل الشفاء ببركتها ولا تخفى دلالة الرؤيا على قرب اتصاله بجده ﵊. وحيث إن مفاخره عظمت بالاشتهار، وغطت على الشمس في رابعة النهار، وكان وجوده بين أظهرنا من بركات هاته الأعصار، التي نتمتع بها آناء الليل وأطراف النهار، تقربت لجده المصطفى ﵊ بقصيدة جليلة، اتخذها تاج المفاخر إكليله، صدرتها بذكر فضائل آل البيت، ووشحتها بذكر بعض مفاخره ومفاخر آبائه الكرام، إلى الوصول إلى خير الأنام وآبائه العظام، وسميتها "الجنة الدانية الاقتطاف، بمفاخر سلسلة السادة الأشراف". وها أنا اجعلها خاتمة لهذا القسم تيمناً بفضل من ذكرتهم فيهأن وهذا نصها: [البسيط] إنَّ المودةَ في القربي هي الأملُ ... يجري بها ويفوق الأجرُ والعملُ قرابةِ المصطفى آل بهم شرفتْ ... مفاخر بعلاها تضرب المثل آل الرسولِ كفاهم وصلتهم ... به وقوله: آلي إذ هو الأمل أوصى بهم حيث قال الله أشدكم ... في أهل بيتي ثلاثاً إذ به اتصلوا دعا بسترهمُ إذ كان جلَّلهم ... وفي ملاءته دون الورى اشتملوا وحائط البيت والأسكفَّة ابتدار ... مؤمنين كتأمين الألى عقلوا فمن دروا حقهم في الفضل كان لهم ... به البراءة من نار بما عملوا ومن أحبَّهم جاز الصراط به ... كالبرق لا يعتريه البطء والثَّقلُ ومن يواليهمُ نالَ الأمان منَ ال ... عذاب يومَ ذوات الطفل تنذهل هم الأمان وما داموا على قنن ال ... تبجيل لم يكتنفنا في الورى ضللُ همْ عترةٌ طهَّر المولى منازلهم ... مذ أذهب الرجس عنهم عندما كملوا همُ الهداة وبيت الوحي بيتهم ... لا يعتريه بحول الخالق الخللُ بيتٌ على الدين قد قامت دعائمه ... ومن مناهله كل الورى نهلوا بيتٌ قد انتاب جبريلُ منازله ... عن إذن ربّه والأملاك كم نزلوا بيتٌ تخيَّره الرب الجليل إلى ال ... تنزيل والوحي منه ليس ينتقلُ ما بعد جدهم المختار من رجلٍ ... يأتي فتتبعه الأملاك والرّسلُ لهم سمات وآيات لهم تليت ... في الذَّكر لا يعتريها النسخُ والبدلُ فمصدر الدين هم والدين حبُّهمُ ... وهمْ سراة الورى ما مثلهم رجلُ لا يدخل القلب إيمانٌ وحبهم ... لله لم يك حتى يولج الجمل قوم حياتهم في الأرض مرحمةٌ ... بجاههم لم يخب في الخلق مبتهلُ

стр. 442

بيضُ الوجوه لها بشرٌ تهلله ... يرى الغزالة ما إن مسها طفلُ كريمةُ الحسن يستسقى الغمام بها ... وتشتفي من مرائيها لنا العلل شم الأنوف ومأوى للضيوف، ومن ... يوفي بإجلالهم قد جاءه النَّفلُ كواكبُ السَّعد لاحت في منازلهم ... إذ أقمروا في العلى والكل مكتمل الله أكبرُ ما أسنى مقامهمُ ... فكم بهم فاز عند الله مضطئل من ذا تمسك من أسبابهم فغدا ... بين الورى جيده من حليهم عطل سلاسلٌ وفروع في البسيطة قد ... مدت فكانت بأصل الفضل تتصل بيوتهم قد أبت إلاّ مفاخرهم ... حتى استطالت فلم يبلغ لها جبل تسمو بفضل اقترابٍ من أعزَّ أبٍ ... لخير جدَّ وكلٌّ في العلى بزل لكن أقربهم من جدهم نسباً ... لهم مزيةُ قربٍ ليس تنفصل فالقربُ من سواهم محجوبٌ بقربهمُ ... والكل نجمهمُ في الفضل منصقل فكلهمْ برسولُ الله متصلٌ=يرتاب في فضلهم من قاده الزلل وكل بيتٍ لهم يسمو بكل علا ... على سواه ولا تدنو له طول تلك البيوت التي قد زاحمت شرفاً ... كواكب الأفق لما أهلها فضلوا أشمُّها ما دنا من أفق جده إذ ... كان السَّوى لم يصل ما ملهم وصلوا لذا بيوت بني الأشراف قد ظهرت ... شمَّاءَ من دونها قد كلَّت المقل ما بين قرمٍ شريف قد سما شرفا ... يزاحم الشمس حيث الفضل يشتعل ومن غدا علما لفظ الشريف له ... حقا له هامة النسرين ينتعل آل الشريف ومن مثل الألى شرفوا ... بجدهم وبفضل ليس ينفصل أل الشريف أسودٌ خيسِ تونسَ قد ... أمسى بهم في أمان ليس ينقهلُ آل الشريف عقود قد سمت نسقاً ... وسطاهمُ الجوهرُ المكنون مكتمل لهم كراماتُ أهل الفضل قد رويت ... وفي البسيطة قد سارت بها المثل واليوم تاجهم القرم الهمامُ (أبو ... عبدِ الإله) الذي طابت به الحللُ إمام جامعها المفتي بها وأخو ال ... ذكر الذي ليس عنه اليوم ينعزل فكم له من مزايا غير قاصرة ... على الورى قد غدت في القطر تنهمل وكم له دعوات قد أجيبَ لها ... من المهميمن إن ما قام يبتهل يجاب مهما ابتغى من جده أملا ... جدَّا وهزلا كأن من لفظه الجزل وهو الذي اليوم يستسقى الغمامُ به ... فيغتدي بعد طول الجدب يقتبل نشاهد السَّحب من دعواه مرسلةٌ ... إنْ لم يكن وابل تأتي له الطللُ أما كرامة برد النار من يده ... فالورد يشهد إن لم تشهد المقل إذ مسّ ما عدَّ للتقطير منه على ... نارٍ فكانت كأن قد مسّها بللُ وحين طال انتظار الطبخ اعلمهم ... فاستبدلوه فلم يعرض لهم مهلُ وهكذا الفضل معهودٌ لوالده ... الصفوة المرتضى من بره العمل أعني بذاك (أبا العباس أحمد) من ... له بكل جميل كاهلٌ عبل أحيا الليالي بالذكر الحميد وبال ... شكر السديد وما غن رابه عذل تبتُّلٌ وصلاةٌ عمَّرت بهما ... أكناف خلوته إذ كان ينعزل وبالصلاة على الهادي له شغفٌ ... لا يعتريه على تكرارها مللُ له "الدلائل" وردٌ كل باكرة ... خمس المرار وما عن ذاك ينفصل وقد راى يلثمها وعندها يجد ال ... عبيق واللين لينا ما له مثل ومرة يتوضا قد رآه فكا ... ن ذاك في يده المنديل يحتمل حتى أتمّ منكراً عنه عوائده ... في نفسه وهو لا يدري بما يصل وافاه في النوم خير الخلق يأمره ... بأنْ يرضيه كيما يمحق الزلل وعندما جاءه أعفاه مشترطا ... كتما إذا لم يواري حين ينتقل وفي استجابة ما يدعو به علمٌ ... علة القبول الذي أولى له الأزل فإنه قد دعا يوماً على رجل ... عنه افترى فاغتدى بالموت ينتبل وقد تبدت له في الكشف لائحة ... درى بها الناس ما قد حازه الرجل فقبلَ موته من يومين أعلمهم ... فكان ما قال إذ قد جاءه الأجل هذا ووالده الشيخ الهمام (أب ... عبد الإله) غدا بالفضل يكتمل قد كان شهماً هماماً عالماً وله ... فخر النقابة سيفٌ دام ينصقل

стр. 443

بالجامعِ الأعظمِ المعمور كان يرى ... هو الخطيب الذي تعنو له القللُ يرتل الذكر في محرابه، وإذا ... يعلو بمنبره الألبابُ تنذهل كان المجابَ الدعا في غير حادثةٍ ... وأهل عصره من ذا الباب كم نقلوا لذاك وافاه شيخٌ طالبٌ أملاً ... بدعوة منه عنها ليس ينعزل وقال إن رسول الله أرشده ... لنجله ذاك وهو السيد الجلل والمصطفى أمر القاضي ببرَّه في ... فصلِ القضا حيث ما في حكمه جدل فجاءه يترضَّى وهو سامحه ... مبادراً لأداء الحق يمتثل وذا أخو حسن المفتي الإمام ومن ... على تآليفه قد أجريَ العمل أما أبوه وذا (عبد الكبير) فقد ... كانت له همة ما نالها الأول نقابة السادة الأشراف قد بلغت ... به إلى حيث لا يدني له الرمل قد كان في العلم بحراً زاخراً وبه ... توارث الناسُ علماً دام ينهمل في مجلس العلم من بيت الأمير له ... مظاهرٌ فصلت من كشفها جملُ له المعارف والآداب قد برعت ... ففاق منه وراق الغزلُ والغزلُ وفضل والده المفضال (احمد) قد ... أضحى على علم كالنار تشتعل وهو الذي شاقه إصلاح سكة مح ... راث بمطل الذي في صنعه مهل فأفتكها وهي محماة وسار بها ... حتى جميع الورى من خلفه قفلوا لكنها حين عادت للهيب فلم ... تمس بالنار إكراماً له يصل فضل تملأه من آثار والده ... (محمد) الأوحد المرضي له العمل وذا أبوه (أبو العباس أحمد) من ... له مناقب ما إن فوقها ظللُ الحجة الحافظ المحيي لسنة خي ... ر الخلق لما جميع الناس قد ذهلوا يروي الصَّحاحَ جميعاً عن دراية ذي ... علم وفهم ولم يعرف له كسلُ وذا الولي "ابن خود" قال أنه قد ... نال القطابة وهو الآن مكتمل ومن كراماته فتحٌ لباب سوي ... قةٍ بليلٍ وهذا الباب منقفل إذ حال قفله بين ابنٍ ووالدةٍ ... كادت بفرقته في الليل تنخزل وكان حج أمير الركب فاعترضت ... له اللصوص فحالت دونهم حول رأوا على قومه سوراً فجاء له ... كبيرهم خاضعاً مذ حزبه جهلوا وهو الذي امتحن الباشا كرامته ... حتى رآها كصبح ليس ينفصل إذ رام أن يمنع الأشراف راتبهم ... أو يأخذوه من النيران إن وصلوا لذاك ألقاه في قدر النحاس به ... محميُّ زيت على نار لها شعل فجاء هذا النقيب المرتضى وغدا ... يعطي رواتب أشراف به دخلوا يفضي بكفه للزيت الوقود فما ... يرى له أثر إلا بها بلل وعندها أيقن الباشا بمفخرة ... وأنَّه عين أشرافٍ به فضلوا فأوقف الوقف مختصاً بينهم ... ودام يكرمهم ما سارت الإبل فذا النقيب الذي طابت مفاخره ... وسيب علمه بين الناس ينهمل هذا الذي منه هذا الفرع طاب وكم ... طابت به من فروع ما له مثلُ وهو الذي من بينه محسن فغدا ... جدَّا إلى المحسنين الشمّ إذ فضلوا هذا أبو محسن هذا أبو حسن ... وذا به نسب الأشراف يتصل لله در كرام كان أصلهمُ ... هذا الذي به فاق الحليُ والحللُ هذا التقي ابن ذاك المرتضى (حسن) ... نجل الذكي (علي) الفاضل الجلل نجل الرضا (حسن) ابن الفذ (احمد) ... نجل (القاسم) اللذ على مولاه يتكل وهو الحكيمُ الذي شاعت فضائله ... وطَّبه منه كم قد زالت العللُ نجل الإمام (أبي عبد الإله) وذا ... نجل (قريش) بن (عيس) ما لهم مثل بهم سما (عابد الرحمن) والدهم ... نجل الرضا (خلف) السامي به الأمل نجل (علي) وذا نجل الرضا (فرجس) ... وذلك ابن (علي) من به جملوا نجل (محمد المكتوم) من ظهرت ... به مفاخر أبناء به اتصلوا وذاك جد العبيديين مفخر من ... تملكوا وهو في المجد قد رفلوا قد كان شيعته فازوا بكتمه مذ ... كانت ترى وبنو العباس تقتتل فهو غمام جليل حيث قد مكرمت ... له أبوة (إسماعيل) مذ كملوا أيمة كلهم طابت مناقبهم ... ما فيهم من يرى في بيتهم وغل

стр. 444

عنهم فسل كل تاريخ وسل كتباً ... تلق العلا عن ذراعهم ليس ينعزل فانظر أخيرهم طابت اخوته ... للكاظم المرتضى من فخره مثل (وجعفر الصادق) المشهور كان له ... أبٌ وقد طاب فيه العلم والعمل ففي الحديث روى عنه الثقاب وقد ... كانت له منقباتٌ ليس تنفصل فخرٌ حواه من المفضال والده ... (محمد الباقر) اللذ أمرهُ جلل ذا باقر العلم من كانت له رتب ... في الدين منها جميع الأتقيا انتحلوا ففي الحديث وفي القرآن كان له ... فضل تدك به الأهضابُوالقللُ وهو الذي كان أوصى بالسلام له ... خير البرية والإسناد متصل رسالة جابر قد كان حاملها ... له بخير حياة طولها عثلُ أما أبوه علي فهو أصبح (زي ... ن العابدين) بفضل دام يكتمل له عبادة إخلاص إذا حضرت ... صلاته عن جميع الكون ينذهل فمرة كان لم يشعر بفلذته ... إذ خرّ في البئر لما كان يبتهل وقال كنت أناجي من له عظمٌ ... ينسى البنين وغن في البئر قد نزلوا وهو الذي قد تنحَّى الطائفون ... في موقف الحج وهو الموقف الجلل حتى تجاهل من قد كان يعرفه ... وهو الذي له فخر ليس ينجهل وهو الذي تعرف البطحاءُ وطأته ... والبيت يعرفه إذ تترع السبل أليس ذلك نجل الأوحد العلم ال ... سبط (الحسين) الذي ما مثله رجل؟ أعزَّ درة أهلِ الأرض قاطبةً ... وغن يكن قاتلوه عنه قد جهلوا سماه خير الورى عن إذن خالقه=وقال "إنه مني" أين من عقلوا؟ والله جل يحبُّ المخلصين له ... حبَّا كما قد أتى عمن له نقلوا وهو الشهيد الذي في كربلاء له ... بانت مفاخرُ صبرٍ ليس يحتمل نجل الإمام علي وابن (فاطمة) ال ... زهرا البتول التي آياتها مثل تلك المطهرةُ الغرا التي كرمت ... أرومة واغتدت بالفخر تكتمل تلك التي قرن الله رضاه بما ... ترضاه حيث سما منها له العمل أحبَّها خيرُ خلقِ الله والدها ... لزهدها ولفضلِ ليس ينفصل لها شمائل كمشيته الغرا ونور مح ... يَّاها وتلك من المختار تنتحل هاتي التي أخذت مهراً شفاعتها ... في المذنبين إذا أرداهمُ الوحل هاتي التي يوم تأتي الحورُ تكنفها ... سبعون ألفاً يروا من حولها ظلل ويأمر الله من في الحشر أجمعهم ... بخفضِ أرؤسهم أو تغضض المقل كيما تمر على ذاك الصراط ولا ... تراه إلا كبرق خطفه عجل مفاخرٌ ما حواها غيرها فلها ... أقيم قسطاس فخر دام يعتدل وهي التي حفظ الله بها عقب ال ... مختار في الأرض حتى دام ينتسل بها بدا الحسنان في سماء على ... كلَّ كواكبه بالفضل تكتمل بها قد امتد نسل الأشرفين إلى ... أقصى المشارق حيث الفضل يتصل بها يباهي رسول الله حيث غدت ... بنوه منها بهم يبقى له عمل ومن يكن خيرُ خلق الله والده ... له مراقي فلاح دونها القللُ وهاته بنته أكرمْ بها وبمن ... اضحوا لها خير أبناء با فضلوا شمس الكمال التي بانت مفاخرها ... غداة لاحت بنورٍ دام يشتعل لاحت من المطلعِ الميمون والدها ... أفق العلا من به قد تمّت الرسل (محمد) المصطفى المختار من نسب ... يسمو على الدر فخراً وهو منصقل السيد العروة الوثقى الذي كرمت ... له السجايا بفضل ما له مثل خيار من خير الله لهم كرماً ... بين البرية عنهم ليس ينتقل الطاهر النسب المرضُّي منذ بدا ... في الرض آدم وهو الآن متصل هذا الرسول الذي من نوره خلق الل ... هـ العوالم، يا فوز الألى عقلوا هذا الرسول الذي من قبل آدم قد ... حاز الرسالة حيث الفضل مقتبل هذا الرسول جميع المرسلين به ... قد بشَّروا مذ بدت من فوقهم حلل هذا الرسول الذي بشرت كتب ... به من الله لما جاءت المللُ هذا الرسول الذي قد أنذرت أممٌ ... به وقد أسلفتها الأعصر الأول هذا الرسول الذي في الجاهلية والإ ... سلام بانت له الآيات تتَّصلُ

стр. 445

هذا الرسول الذي الإرهاص آذن من ... قدهاً تقدَّمه أن سوف يحتفل هذا الرسول الذي أهل الكهانة قد ... تحققوه وما عن نجمه غفلوا هذا الرسول الذي من معجزاته ما ... يتلى فلا يعتري قراءه المللُ هذا الرسول الذي قد تابعته وحو ... ش والحجارة والأشجار والظُّللُ قد عمَّم الله في الأكوان بعثته ... في الأرض أو في السما والكل ممتثل فكان رحمةَ كل العالمين سوى ... قومٍ طغوا فغدا طغيانهم ضللُ وكان اكرمَ خلق الله قاطبةً ... والكل من شرعه الجاري لنا نهلوا وكان فخر بنيه الأشرفين وهم ... أمان كلَّ الورى في الأرض مذ نزلوا يا فوز عقدٍ غدت تسمو جواهره ... بكل قرم شريف ساد من فضلوا إذ أنَّ سلسة الأشراف فيه غدت ... لها انتساق بنظمٍ دام يكتمل أسماؤهم نظمت فيه فكان له ... بهم أعز فخار ما له مثل إن كان عدَّهمُ يحيى فإني قد ... أحييت من ذكرهم نظماً به اشتملوا حرَّرتهم أيَّ تحرير سلكت به ... مشارعا طاب منها الشَّرب والعلل أحصيتهم من تواريخٍ ومن كتبٍ ... وعن بني بيتهم لازال يحتفل أتممت عدّهمُ بالمصطفى وبهِ ... سادت بنوه وآباء له أول فإنَّ نوره معروف بأوجههم ... إذ كان في طاهر الأصلاب ينتقل نورٌ بدا في محيّاهم، وكلُّهمُ ... في الجاهلية والإسلام معتدل حتى أفاده (عبدُ الله) (آمنة) ... وقد رأته لدى الميلاد يشتعل فقد رأت به ما قد ناء وانخفضت ... له النجومُ وعنه ارتدها الكلل وقد تداعى له الإيوان وانخمدت ... نارٌ وغاضت جفافا دونه المسلُ وقد أحاطت به الملاك تبصرهم ... مشمَّتين الذي في فضله رفلوا واستبشر الكلُّ من ميلاد احمد إذ ... فازت به أمه فوز الألى كملوا فليهنها ما رأت من يمن مولده ... وليهننا منه فضل دام ينسدل أكرم بها وبعبد الله والده ... وما غدا لهما من فضله يصل فخر لوالده أمسى وذاك نج ... ل (شيبة الحمد) من لله يبتهل أجرى بزمزم نفعاً لا نظير له ... أجراه ماءً به يجري له العمل لم لا وذاك (ابن عمر وهاشم) العلم ال ... رضى الذي عم نفعاً ربعه الخضل نجل (المغيرة) ذا نجل (قصي) وذا ... نجل حكيم كلاب) من به اعتدلوا ذاك ابن (مرة) نجل الشيخ وأعظهم ... (كعب) ابن فخر (لؤي) الأكرم الجلل نجل الرضا غالب ذا نجل جدهم ... قريش فهو الذي سادت به الأول ذا نجل (مالك) بن (النضر) نجل (كن ... نة) الذي لقراه الأمة ارتحلوا وأنه ابن (خزيمة) بن (مدركة) ... نجل الرضا (الياس) من قد ساد من فضلوا من صلبه سمعوا صوت النبي وقد ... صارت إلى حرم تهدى به البزل نجل الرضا (مضر) نجل (نزار) وذا ... نجل (معد) بن (عدنان) به كملوا هم الألى قد غدوا آباء سيَّد منْ ... في الكون يجري لنا من فضله العسل قد فاح من عدهم طيب يروق شذا ... ما فاز من نفحه بالجد منتضل هم الأسود و (إسماعيل) جدهم ... ذاك الرسول الذي طابت به الملل هذا الذبيح ابن (إبراهيم) رافع ما ... قد شاد بالحرم المحمي به الأمل شاد القواعد للبيت العتيق وقد ... كان الخليل الذي ما شابه خلل نجل النبيئين (شيب) نجل (آدم) من ... في الأرض قد بدئت من بعثه الرسل صلّى عليهم جميعاً رّبنا وعلى ... آل وصحب بحفظ الدين قد وكلوا فإنهم أصل خير الخلقِ أكرم من ... أبدى الصلاة عليه الكون والأزل وذا أعزُّ عقود نظَّمتْ فغدت ... بأهل بيت رسول الله تكتمل وسطاه خيرُ الورى المختار تكنفه ... أصوله وفروعٌ ما لهم مثل نظمتهمْ مخلصاً لله نظمهمُ ... كي يغتدي منه شملي الدهر يشتمل نظمتهم خدمةً للآل محتسباً ... فيها فحسبي منها ما اغتدى يصل نظمتهم أرتجي من حزم غيرتهم ... ما منه ينشط من قد ريء يعتقل عناية منهم ان يشملوا عملي ... بهأن فمني يفوز القول والعمل وإن تكن لي فيهم ذمة فأنا ... أرجو بها الفوز مهما طاب لي أمل

стр. 446

أرجو بها مخلصي يوم العماد إذا ... ضاق العباد وقد أضناهم الوجل وإنما ليَ في الدنيا بذكرهمُ ... تبتُّلُ حيثما تستعظم العلل نرجو بسردهم ثم الدعاءِ بما ... أملتهُ أن نرى بالفوز نغتلل إذ أن إكرامهم منه القبول لما ... ندعو به عندما لله نبتهل فجاههم خيرُ جاهٍ يستجار به ... عند المهيمن لا يرضى له المهل رب بجاههمُ كن لي وعذني من ... شر الشرور إذا ما أنفق الدغل ربّ بجاههمُ خذ بيدي فأنا ... مستضعف وعليك اليوم نتَّكلُ بجاههم وبجاه المصطفى وبجا ... هـ الأولياء نرتجي ما منه نكتمل نؤمل الدين والدنيا وآخرة ... بها ننال مفازاً حين ننتقل نرى السعادة في الدارين لي ولمن ... نرى مودَّته ما شابها خلل لا سيما منهمُ من كان لي عضدا ... في النائبات بنصري الدهر محتفل فأسبل إلهي عليه الحفظ ما طلعت ... شمس النهار التي نارت بها السبل وأنعم علي بما أنت الجواد به ... نعمى بها الآن يأوي شمسيَ الحمل وكنْ وليَّي وحسبي في الحوادث لا ... أخشى لها طارقاً يعرو به كسل واضرب علي من اللطف الخفي فسا ... طيط المعاناة حتى يذهب الوجل لطفاً وحفظاً يعم الأقرباء وأب ... نائي وأهلَ ودادي حيثما وصلوا وجاز عنَّي آبائي وشيعتهم ... وكلَّ أشياخنا خيراً بما عملوا وجد لنا بمنى التوفيق حيث نرى ... مسالك الرشد لا يعرو بها زلل وامنن علي بفتح العارفين فذا ... ورد شهي غدا من دونه العسل وارحم بفضلك ذلي إن ذنبي قد ... أضحى عظيماً وما أن قله جبل فتب علي وجد بالعفو عني إذ ... أصبحت ذا خطأ منه أنا خجلُ واغفر لنا ولكل المؤمنين على ... طول الدوام، فإن الفضل منهمل واجمع قلوب جميع المسلمين على ... مصالح الدين والدنيا إذا اعتدلوا وانصر جيوشهم بالرعب إنهم ... إن لم يكن لهم رعب قد انخذلوا وأرشد لنا أمراء المؤمنين إلى ... خير العباد الذي تبقى به الدول واقرن بكل صلاح ما يدبره ... مشيرُ تونس وهو الأحزم البطل وكن مسدَّد أعمالِ الوزير وشد ... مفاخر القطر كي تسمو به الحلل يا رب أنت رجائي في إجابتها ... بعاجلٍ لم يشبهُ الرد والمهل وبالصلاة على الهادي وعترته ... مع السلام دعائي اليوم يكتمل وقرظ هاته القصيدة العالم الأديب الشيخ محمد علي اليميني الهندي الوافد على تونس في ثاني ربيعي سنة ست وتسعين ومائتين وألف فقال: [البسيط] طلا كلامك من سقيته ثملُ ... فقل أخمرك مما مزجه العسل؟ وأنت للحمد أهل يا محمّده ... فالفضل لولاك جيد شأنه العطلُ لو كان للشعر ميدان، تجول به ... فرسان خيل فأنتَ الفارس البطل فعش محمد واسلم واحي وابق ودم ... وقد أحاطت بك النعماءُ والجذلُ ثم الصلاة على طه وعترته ... فكالسوام الورى لولاهمُ هملُ وقرظها الشاب الوارد من مشرع النجابة أعذب موارده، المتواصل الفضل بجديه ووالده، الذي اشتهر بيته النبيه، وتجملت اليوم خطتا القضاء والفتيا بعمه وعم أبيه الشيخ محمد ابن العالم الشيخ الطيب النيفر بأبيات هي أول ما رأيت من شعره وعمره نحو العشرين سنة نرجو من الله أن يرينا هلاله مقمرأن وهي: [البسيط] بمثل نظمك هذا يضرب المثل ... ويركب الصعب كي يرواه والذُّللُ ويرتجى كل مرمى شطَّ مطلبه ... حتى لقد تركت من عزه الحيلُ لئن غدا الشعر قد حالت مذاهبه ... بقصدكم قد تحلى جيده العطلُ علمت أن امتداحَ الآل غاية أد ... نى ما يجازى به في طيه الأمل وبئسما استبدل النحريرُ عارفة ... تدوم منها بنزر دونه الأجل فما تريثتَ أن أبرزتَ غانيةً ... في مدحهم ولها الإبداع مشتمل يمل كل قريض ما عداها فما ... يعرو مسامعنا إن أنشدت مللُ كأنما في قبول نسقت فبها ... عن كل مثلٍ لها أهل النهى شغلوا لازلت في همة فوقٍ السَّماك لها ... من فخركم ومعلى قدركم ظلل ولا تزال ترينا خردا غليت ... لمثلها ما اهتدت من قبلكم أول

стр. 447

من كل عذراء لم تطمثْ يحللها ... بيان سحرك لحفا قدره جلل تدير كأساً على أسماعنا فنرى ... كأننا من سلاف كلُّنا ثمل وقرظها الأكتب النحرير الشاعر المؤرخ الشيخ محمد الباجي المسعودي رئيس كتبة القسم الثاني من الوزارة الكبرى المتوفى مساء الثاني عشر من شوال سنة سبع وتسعين ومائتين وألف عليه رحمة الله بما نصه: [الوافر] نظامك أيها العلم السَّنوسي ... بفضلِ الآلِ تاجٌ للرؤوسِ يفوقُ وحقكم عقد اللآلي ... ويعلقُ حين ينشد بالنفوس فقد أبدعتَ إذ أودعت فيه ... مفاخر للفروع وللأسوس وصرت وقيت حسانا وكعباً ... وهمَّامّا بذا العلق النفيس جزاك الله احسن ما يجازى ... به من أذكر اللّذ قدْ تنوسي سيدي الآوي من ظل البلاغة إلى وارفه، الملتحف بتلاد المجد وطارفه، الساحب على أقرانه ذيل مطارفه، سليل العلماء الأعلام، ومشايخ الإيمان والإسلام، نابغة الزمان، لا بني ذبيان، وحسان أهل البيت المشهود له بالإحسان، منشي الرائد التونسي، الشيخ سيدي محمد السنوسي، أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، وبعد سلام يناجيكم ل فه وإحسانه، ويناجيكم بالمبرة والمسرة لسانه، فقد وصلني من بركم المترادف الألطاف، "الأجنة الدانية الاقتطاف، بمفاخر سلسلة السادة الأشراف"، فسرحت الطرف في رياضها فسعى وطاف، واقتطف من ثمراتها الدانية القطاف، فقال وأقسم بالآل، إنها احسن من عقد اللآل، لما حوته من مناقب السادة الذين هم أمان لأهل الأرض، كما قاله سيدنا محمد المشفع يوم العرض، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما أقيم من واجب حقهم الفرض، وهنيئاً لكم بما خطر من هذا المهيع الوحيد بالبال، ونظمه دراً نفيساً في جيد الأيام والليالي، وبقاء ذكركم به إلى بقية الأجيال، ومن علامات القبول والإقبال، ظهوره في أيام مولد سيدنا محمد سيد الإرسال، صلى الله عليه وعلى آله الذين اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً كما قال، ولو لك يكن شكر المنعم من الواجب ما أعلمت في تقريظه الرواجب، إذ حسنه واضح جلل، والشمس تكبر عن حلي وحلل، تقبل الله تعالى سعيكم، ووالي حفظكم ورعيكم، وآنس هذا القطر التونسي بكم وبمثلكم، وأحسن للجميع العقبي، وجعلنا منت أهل المودة في القربى، بمنه وفضله، حرره ودودكم محمد الباجي المسعودي في ١٠ ربيع الأنور سنة ١٢٩٦ ست وتسعين ومائتين وألف. الملاحق ملحق (١) مشيخة المدينة بتونس . ملحق (٢) عهد الأمان. ملحق (٣) ثورة علي بن غذاهم. ملحق (٤) الكومسيون المالي. ملحق (٥) المجلس الشوري. ملحق (٦) تتمة للمقدمة تتضمن تاريخ تونس من ١٢٩٧ إلى ١٣٧٦ هـ?، ومن ١٨٧٩ إلى ١٩٥٧ م. ملحق (٧) تاريخ تأسيس جامع الزيتونة. ملحق (١) مشيخة المدينة بتونس المجلس البلدي لما تأسس في سنة ١٢٧٥ كان نظره مقتصراً على ما ضمه سور الحاضرة من المساكن والطرقات. ثم نظمت الإدارة البلدية سنة (١٣٠٢) فاتسع نظرها وشمل العقارات البلدية، ولوائح إصلاح البناء، وإحداث الشوارع العامة والخاصة ومعاليم الطرقات، والأسواق، ومحلات التفسح، والدفن، والمواليد، ومصلحة الإطفاء، إلى غير ذلك مما هو من مهمات البلد. وكانت البلدية خاضعة للوزير الأول، وهي الآن خاضعة لوزير الداخلية. وهذه أسماء مشايخ المدينة في العهد الحسيني وعهدنا الحاضر عهد الاستقلال. اسم الشيخ تاريخ ولايته الشيخ حميدة الغماد ١٢٠٧ الشيخ حمودة العصفوري ١٢٣٩ الشيخ محمد العصفوري ١٢٦٥ الشيخ الحاج عميرة ثابت ١٢٧١ الشيخ محمد الزهار ١٢٧٩ الشيخ إسماعيل معاوية ١٢٨١ الشيخ الحاج حميدة سيالة ١٢٨٤ الشيخ الشاذلي الدلاجي ١٢٨٥ أمير اللواء محمد الدلاجي ١٢٨٨ أمير اللواء محمد العصفوري ١٣٠٢ أمير الأمراء محمد الصادق غيلب ١٣٢٠ أمير اللواء مصطفى دنقزلي ١٣٣٠ أمير الأمراء خليل بوحاجب ١٣٣٣١٩١٥ أمير الأمراء الشاذلي العقبي ١٣٤٥١٩٢٦ أمير الأمراء علي السقاط ١٣٥١١٩٣٢ أمير الأمراء عبد الجليل الزاوش ١٣٥٣١٩٣٤ مصطفى صفر ١٣٥٤١٩٤٥ محمد سعد الله ١٣٦٠١٩٤١ العزيز الجلولي ١٣٦١١٩٤٢ الشاذلي حيدر

стр. 448

١٣٦٢١٩٤٣ أحمد الزاوش ١٣٧٦١٩٥٦ علي البلهوان ١٣٧٧١٩٦٧ أحمد الزواش ثانياً ١٣٧٨١٩٥٨ حسيب بن عمار ١٣٨٣١٩٦٣ فؤاد المبزغ ١٣٨٩،١٩٦٩ عز الدين العباسي ١٣٩٣١٩٧٣ حسن الممي ١٣٩٥١٩٧٥ صالح عويج ١٩٧٨ زكرياء بن مصطفى ١٩٨٠ وكانت رئاسة البلدية منفصلة عن مشيخة مدينة تونس حين تاسس المجلس البلدي. وأول من تولى رئاسة المجلس البلدي الجنرال حسين ١٢٧٥ ١٨٥٨. محمد قارة ١٢٨٢١٨٦٥ محمد العربي زروق ١٢٨٦١٨٦٩ حسونة المتالي ١٢٩٨١٨٨٠ حسونة الوزير ١٣٠٠١٨٨٢ محمد المبزع ١٣٠١١٨٨٣ وبقت كذلك منفصلة إلى أن تولى محمد العصفوري مشيخة المدينة فإنها جمعت له مع رئاسة بلدية تونس. ثم استمر الحال على أن شيخ مدينة تونس هو رئيس بلديتها. واللواء محمد العصفوري الذي جمع بين الأمرين تولى إثر الحوادث التي آلت إلى عزل الشاذلي الدلاجي. ملحق (٢) عهد الأمان (١٢٧٤ ١٢٧٧ ١٢٨٠) عهد الأمان اجمل القول فيه المؤلف عكس الشيخ الوزير ابن أبي الضياف فإنه تحدث عن عهد الأمان وعن سببه الذي دعا الأمير إلى إعلانه، وقد بسط فيه القول اعتناء به، ومن عنايته بعهد الأمان انه سمى كتابه: (بإتحاف أهل الزمان، بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان) . فهذه التسمية المعنون بها الكتاب تدل دلالة واضحة على ما للشيخ الوزير ابن أبي الضياف من عناية بعهد الأمان. ومن المتأكد أن نذكر باختصار أسباب إصدار قانون عهد الأمان لن المؤلف هنا يذكر أنه أصدره تلقائياً حيث يقول: ولما مهد السبل أصدار عهد الأمان. وجلية الأمر في إصداره هي قضية مقتل اليهودي المسمى باطو الذي كان يخدم على كرطون ينطقها أهل تونس بفتح الكاف والراء وضم الطاء الممدودة وهي الكريطة والمتعارف الآن كريطة للقائد نسيم رئيس اليهود بسبب شتمه لمسلم وسب دينه وكان اليهودي بحال سكر، وقد اعتاد ذلك. وكان قتله من الباي تنفيذاً لحكم المجلس الشرعي الذي حكم بقتله بدون استتابة على مقتضى المذهب المالكي وحكم عليه بالإعدام رغم تدخل القنصلية الفرنسية في القضية. وبعد مقتل اليهودي أتاه القنصل ليون روش وحذره من مغبة استبداده بالحكم فجعل مجلساً للجنايات بدون إحداث قانون لذلك. فلم يرض عمله هذا اليهود بباريس فهاجوا وماجوا ورفعوا أصواتهم بالشكاية. فأنتجت دعايتهم ضد الحكومة التونسية قدوم قطع من الأسطول الفرنسي والتهديد بقدوم قطع من الأسطول الإنكليزي الذي بمالطة، وهدد القنصل الإنكليزي بقدوم الأسطول العثماني. فاضطر الباي تحت هذا التهديد إلى إعلان قواعد عهد الأمان وهي إحدى عشرة قاعدة وتلي هذا العهد بالسراية الكبرى بباردو. وكان ذلك في ٢٠ من المحرم سنة (١٢٧٤) الموافق للتاسع من سبتمبر سنة (١٨٥٧) فهذا هو سبب إصدار عهد الأمان. وذكر الوزير ابن أبي الضياف ما دار حول قانون عهد الأمان من (ص٢٣١ إلى ص٢٤٩ من ج?٤ من الإتحاف) . المشير محمد الصادق باشا باي وعهد الأمان: أجمل المؤلف إتمام عهد الأمان في مدة المشير الثالث في فقرة من أقصر الفقر فيقول: (وأعمل الحزم في إنجاز مشروع أخيه بإتمام القوانين المبينة على عهد الأمان وجمع لها خاصة العلماء والأعيان فاستكملوا وضعها واجملوا صنعها) . والموضوع طويل الذيل من أهم الأحداث بتونس كما ذكرنا سابقاً وقد تحدث عنه الشيخ الوزير ابن أبي الضياف. بأن المشير الثالث محمد الصادق باي افتتح البيعة له بالإمارة بالتعهد بالتزام عهد الأمان ونصحه الوزير النصوح بأنه إذا لم يتعهد بذلك جر إليه غضب الدولة العلية وسائر الدول التي دعت إلى العمل بعهد الأمان. وذكر نصه كما ذكره الشيخ محمد بيرم الخامس في صفوة الاعتبار ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم: تبارك من جعل الأمان أقوى أسباب العمران، والصلاة على سيدنا محمد وأله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

стр. 449

أما بعد فيقول العبد الفقير لربه المشير محمد الصادق باشا باي وفقه الله لما يرضاه، وأعانه على ما أولاه: أني أقبل البيعة من الأعيان الحاضرين على مقتضى ما وقع الالتزام به في العشرين من محرم سنة ١٢٧٤ أربع وسبعين ومائتين وألف من المرحوم المقدس أخينا المشير سيدي محمد بالفتح باشا باي، وهو عهد الأمان لسائر السكان على الأعراض والأموال والأبدان، وما حواه من القواعد اللوازم وأركان وحلفت وأحلف بالله وعهده وميثاقه على مقتضاه، وأن لا أخالفه ولا أتعداه. وهذا الكلام صدر مني ونقله الناطق به عني وختمي وخطي فيه أقوى شاهد وأوضح إعلان، لكلمن حواه الديوان، ولسائر الرعية والسكان. وعلى مقتضاه عليكم السمع والطاعة، ويد الله مع الجماعة. حرر يوم السبت الخامس والعشرين من صفر سنة (١٢٧٦) . افتتح بيعته بهذا العهد يوم السبت الخامس والعشرين من صفر سنة (١٢٧٦) حين اجتمع بالمجلس الشرعي ووجوه الحاضرة ورجال الدولة واعيان العسكر وخرج للبيعة في آل بيته وألقى عليهم نص العهد المذكور وبعد تلاوته بدأت البيعة، فبايعه أهل المجلس الشرعي، وهو قائم، ثم جلس وبايعه كل الحاضرين وهو جالس على كرسيه على اختلاف طبقاتهم. الحرص على إتمام قانون عهد الأمان: تصفح المشير الثالث أعمال المجتمعين لتحرير فصول قانون عهد الأمان وترتيبه، وحرضهم على الإطلاع على قوانين الدول مع الحرص على عدم مخالفة الشريعة. وقد انفصل العلماء عن المشاركة في التحرير المذكور، ولامهم في تاريخه الشيخ الوزير ابن أبي الضياف ملقياً عليهم تبعة عدم مشاركتهم في هذه المصلحة فقال: وليت شعري ما أعد العلماء من الجواب بين يدي الحكم العدل، العالم بخائنة العين وما تخفي الصدور عن تجنفهم وتباعدهم عن هذه المصلحة الضرورية متعللين بأنها لا تناسب خططهم الشرعية في العرف، والحال أن الشريعة جاءت لمصالح الدنيا والدين وأوقعوا بهذا التجنف وصمة في وجه البلاد ونفرة بينهم وبين أهلها (الإتحاف ج?٥ ص٣٨) . إن حملة الشيخ الوزير ابن أبي الضياف حملة سببها بعض العلماء المتصدرين من بعض أهل المجلس الشرعي دون غيرهم، فهناك كثرة من العلماء شاركوأن ففي مجلس التحقيق شارك: الشيخ محمد الشاهد شيخ الجماعة فإنه كان من أكابر أئمة الدين. والشيخ حميدة بن الخوجة الذي تولى مشيخة الإسلام وكان من نبغاء العلماء. والشيخ محمد الستاري. والشيخ محمد النيفر المفتي المالكي العلامة النحرير. والشيخ حسونة عباس المفتي الحنفي. وتركيب مجلس التحقيق كله من العلماء المذكورين، وغنما كان رئيسه من غيرهم وهو إسماعيل صاحب الطابع. والسبب في ذلك أن رؤساء المجالس كان اختيارهم على قاعدة أن لا يكون من أهل البلاد لارتكاز الحكومة على غيرهم نظراً إلى أن الدولة ترتكز على صنائعها من المماليك والأصهار أما بقية الشعب وإن تقدموا علماً وتفكيراً فهم لا حظ لهم إلا إذا اضطر إليهم. وكذلك الحال في مجلس الجنايات فإن تركيبه من العلماء ومنهم الشيخ صالح النيفر أحد أفذاذ العلماء كما يقوله الشيخ السنوسي في ترجمته. والشيخ احمد كريم الذي تولى مشيخة الإسلام. والشيخ محمد المازري ابن الشيخ محمد الطاهر بن مسعود. والشيخ الجد محمد الطاهر ابن الشيخ العالم محمد النيفر القاضي العلامة النحرير أحد قضاة العدل الأفذاذ. والشيخ محمد ابن الشيخ المفتي حسين البارودي. والشيخ محمد الشريف أحد العلماء الوجهاء. وكذلك انضم إلى المجلس الكبير من العلماء: الشيخ عمر بن الشيخ الذي تولى الإفتاء. والشيخ سالم بوحاجب أحد نبغاء العلماء، وقد تولى رئاسة الإفتاء. والشيخ الطاهر بن عاشور العلامة المؤلف والذي تولى القضاء والإفتاء. والذي دعا الشيخ الوزير ابن أبي الضياف أن يحمل على العلماء ويقول: (ما اعد العلماء من الجواب بين يدي الحكم العدل العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور عن تجنفهم وتباعدهم عن هذه المصلحة الضرورية متعللين بأنها لا تناسب خططهم الشرعية في العرف، والحال أن الشريعة جاءت لمصالح الدنيا والدين وأوقعوا وصمة في وجه البلاد ونفرة بينهم وبين أهلها) هو امتناع الشيخ محمد بيرم الرابع شيخ الإسلام فإنه يحمله تبعة الامتناع وكذلك المشايخ: أحمد بن حسين باش مفتي المالكية.

стр. 450

ومحمد بن الخوجة المفتي الحنفي. ومحمد البنا المفتي المالكي. إن صاحب الإتحاف انتقد على شيخ الإسلام المذكور بأنه كان أسرع الحاضرين للإجابة مستنداً إلى الغضب الذي لا قدرة لنا على دفعه. ثم قال: وهو المشار إليه في تعاريب مكاتيب الوزير وهو وزير الأمور الخارجية بفرنسا من الذين بمشورتهم لأمور غير صالحة، وأوقعوا له الاختبال في عقله كم مرة، (الإتحاف ج?٤ ص٢٣٩) . وقد ذكر صاحب الإتحاف محاورة دارت بينه وبين شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع: فقلت له ان القوم لم يصرحوا بالغضب، ولا آذنوا بحرب وإنما نصحوا. فقال (أي شيخ الإسلام المذكور) : نخشى الغضب من الدولة العلية وأصول التنظيمات لا تخالف ديننا (الإتحاف ج?٤ ص٢٣٩) . ثم إنه بعد ذلك يشير إلى امتناع الإسلام: (تلكأ الشيخ محمد بيرم شيخ الإسلام عن الحضور لأمر يعلمه الله فقال له الباي: قد أفتيتنا بالقبول من أول الأمر وأن التنظيمات الخيرية لا تعارض ديننا فما بالك تمتنع من الحضور الآن وألزمه الحضور. وتحدث صاحب الإتحاف عن شيخ الإسلام كيف قبل ما جاء من تفسير القاعدة الأولى من عهد الأمان وهي: تأكيد الأمان لسائر رعيتنا وسكان إيالتنا على الأديان والأسنة والألوان في أبدانهم المكرمة وأعراضهم المحترمة إلا بحق يوجبه نظر المجلس المجلس بالشورة ويرفعه إلينا ولنا النظر في الإمضاء أو التخفيف ما أمكن، أو الإذن بإعادة النظر. فنقل عن شيخ الإسلام أنه قال: يمكن لي أن أخطب يوم الجمعة بشرح هذه القاعدة الأولى المذكورة. وفي هذا الجو الذي أقبل فيه أهل المجلس الشرعي على تفسير القواعد الأصولية بعهد الأمان أمر الوزير المصلح خير الدين الفقهاء الحاضرين أن يكتب كل واحد منهم على قواعد عهد الأمان ما يراه ويدين الله به، فأجابوه لمطلبه لما رأوا من توقد فكرته، وكمال فطنته، فكتبوا وتقاربوا في المرمى على قوس واحدة. وجلى شيخ الإسلام فيما كتبه بشهادتهم ولولا الإطالة لنقلنا ذلك. ? استقالة الفقهاء من مجلس شرح قواعد عهد الأمان بعد مشاركة أولئك الفقهاء الأربعة طلبوا الاستعفاء متعللين بأن مناصبهم الشرعية وما عليهم من مهمات يجب القيام بها لا يمكن الجمع بينها وبين علمهم في المجلس المذكور. وآخذهم صاحب الإتحاف في قصرهم أنفسهم على وظائفهم الشرعية. وكان الظن بهم تقديم هذه الطاعة المتعدية على غيرها من الطاعات القاصرة. وتعللوا بأن منصبهم الشرعي لا يناسبه مباشرة الأمور السياسية إلى غير ذلك من المعاذير التي لو لم نرها ما نقلناها. وقبل الباي عذرهم، وأرواحهم من تعب الحضور، ولسان حال المسلمين بهذه الإيالة المسكينة يقول: وما يجب اعتقاده أن الله الذي دينه النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم، ومن أوامره الواجبة على عباده تغيير المنكر ولو بالقلب، ومن شريعته المسحة ارتكاب أخف الضررين عند العجز عن السلامة منهما إلى غير ذلك من تيسير هذه الشريعة الصالحة لكل زمان، يسألهم عن ذلك يوم تبلى السرائر، ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم) . لعل له عذراً وأنت تلوم حمل الشيخ الوزير احمد بن أبي الضياف العلماء كلهم مغبة عدم المشاركة في تحرير شرح قواعد عهد الأمان مع أن الممتنعين قلة وهم الأربعة: الشيخ محمد بيرم الرابع. والشيخ احمد بن حسين. والشيخ محمد بن الخوجة. والشيخ محمد البنا. أما الكثرة من العلماء فقد شاركت لما قامت المجالس المنبثقة عن تطبيق عهد الأمان بالأخص الشيخين وهما: محمد الشاهد. وصالح النيفر. كما أن شيخ الإسلام الرابع كان من أعضاء مجلس الباي الذي جعله لخاصة نفسه للنظر فيما يحرره مجلس شرح قواعد عهد الأمان. فالعلماء لم ينفضوا أيديهم من هذا المجلس، وإنما امتنع بعضهم من مجلس خاص وهو المجلس الذي يرأسه الوزير مصطفى خزنه دار. ومن القريب جداً أن امتناع الإسلام محمد بيرم الرابع كان من أجل انه لم يوافق على أن يكون مرؤوساً للوزير مصطفى خزنة دار لأن الوضع كان في تونس أن شيخ الإسلام يقدم على الوزراء، وكذلك بقية أهل المجلس الشرعي. ويدل على تقديم أهل المجلس على سائر رجال الدولة أن المكتوب الذي عين فيه الباي رجال المجلس المذكور قدم أعضاء المجلس الشرعي. وهذا نصه:

стр. 451

أمرنا هذا للعلماء الأعلام الفقهاء الأعيان، الجلة الفضلاء من أهل مجلسنا العلي: شيخ الإسلام سي محمد بيرم. والشيخ سي احمد بن حسين باش مفتي المالكية. والشيخ سي محمد بن الخوجة المفتي الحنفي. والشيخ سي محمد البنا المفتي المالكي. والوزراء الأعيان النصحاء الأركان أولي الرفعة والشان. أبننا الأعز ووزير العمالة مصطفى خزنه دار. ووزير الحرب أمير الأمراء ابننا مصطفى باش آغة. ووزير البحر ابننا خير الدين. والوزير الأحظى أمير الأمراء ابننا إسماعيل صاحب الطابع. والأحظى أمير الأمراء ابننا محمد بالفتح أمير الأعراض. وكاتب سرنا أمير اللواء محبنا الشيخ سي محمد بن أبي الضياف، حرس الله جميعهم واحسن صنيعهم. وإننا أمرناهم بالاجتماع في دارنا بالقصبة يومين في كل أسبوع، وهما الأربعاء والخميس للتفاوض في شرح الفصول المسطرة في عهد الأمان. وكل واحد يتكلم بما يدين الله به على مقتضى آداب البحث في الأدلة وإيضاحهأن ولا يخجل من لا تنهض حجته فالحق أحق بالاتباع. وأمرناهم قبل ذلك بقراءة ما رتبه الدولة العلية العثمانية وغيرها من الدول ليجروا التراتيب على ما يصلح بلادنا بعد استفتاء من ذكر من العلماء فيما تتوقفون فيه من الأمور وترفعوا إلينا عمل كل اجتماع لننظره ونمضي ما عليه أكثر رأي الجماعة. ولا يلزم الفقهاء المذكورين الحضور إلا يوم الأربعاء لاشتغالهم يوم الخميس بالمجلس الشرعي بدار الشريعة والله تعالى ولي إعانتهم وتوفيقهم على هذه المصلحة التي يعم نفعها بحول الله، والسلام. وكتب في ١٦ أشرف الربيعين. فلما رأى أهل المجلس الشرعي تقدم الوزراء عليهم أنفوا من الجلوس في مجلس يترأسه الوزراء المماليك. وزاد الطين بلة أن هناك عداوة بين وزير العمالة صاحب النفوذ الوزير خزنه دار وبين شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع وعداوته شبيهة بعداوة الوزير المذكور مع إسماعيل السني صاحب الطابع فوجود شيخ الإسلام في مجلس يترأسه من يتربص به الدوائر دعاه إلى أن يستعفي هو وبقية أهل المجلس الشرعي المالكية والحنفية. وحسناً صنع شيخ الإسلام فإنه لو بقي معه في ذلك المجلس لاشتدت العداوة بينهما ولأفضت إلى ما أفضت إليه عاقبة الوزير إسماعيل السني الذي سعى أولاً إلى إصدار أمر الباي بإقامته الإقامة الجبرية، ثم سعى في قتله في بضع دقائق مع أمير المراء رشيد وزير الحرب. فشيخ الإسلام يخشى عاقبة كعاقبة هذين الرجلين السني والرشيد. فالعلماء المستعفون من المجلس المكلف بإرساء قواعد عهد الأمان على علم لبعد أنظارهم بأن العهد الممنوح غنما هو منح اضطراري أدت إليه حادثة قتل اليهودي المتجرئ على الإسلام بشتم دين أحد المسلمين. فالباي الأمير والكثير من حاشيته هو أهم في عدم وجود عهد الأمان، ولذلك لما وقعت ثورة علي بن غذاهم ارتكز عليها وزير العمالة وأبطل العمل بعهد الأمان، فهم على بينة من الأمر بأن العمل به كان تحت ضغط الدول الأجنبية. ومن أعذار الاستعفاء: أن تشكيل المجلس للنظر في إرساء قواعد عهد الأمان كان تشكيلاً غير متناسق فيما بين أعضائه إذ منهم الفقهاء الذين لهم مرانة سياسية مثل شيخ الإسلام بيرم الرابع الذي له اتصال بالأمراء واطلاع على خبايا نفوسهم فقد كانت له مصاهرة مع الباي المشير الثاني. ومنهم فقهاء تطبعوا بطبيعة الفقهاء في التزام النصوص الفقهية مثل شيخ الإسلام المالكي أحمد بن حسين الذي هو من العلماء الفقهاء الممتلئين فقهاً ولهم محافظة شديدة على النصوص الفقهية. وعى هذا الغرار المفتي الحنفي الشيخ محمد بن الخوجة فإنه من فقهاء الحنفية. وأما المفتي المالكي فهو من أهل الورع الشديد والبعد عن رجال السياسة حتى أن الأمير المشير الثالث لما أراد إعانته على بناء داره امتنع من اخذ أي شيء مع الفقه البارع وهو الشيخ محمد البنا. فهؤلاء الفقهاء كان انسحابهم من مجلس الإرساء عن روية وعن معنى خاص أدركوا به أن عملهم سوف لا يثمر لأن الاتجاه الحكومي من قبل الوزارة مراميه بدأت تظهر حين تلك الاجتماعات وهو ما جعلهم بعد أن انظموا إليه استعفوا منه.

стр. 452

ثم إن الأفكار كانت غير متقاربة بل متباعدة غاية البعد لأن التشكيلة من حيث الفقهاء كما ذكرنا قابلتها تشكيلة أخرى بعيدة عنها كل البعد، وهي تشكيلة سياسية متبصرة في بعض رجالها وهو الوزير خير الدين وتشكيلة أخرى نظرها في السياسة نظر مبني على معرفة قاصرة غير متمكنة من الدين كما أنها غير متمكنة من السياسة التي ظهرت في العالم الحديث. فالفقهاء موقفهم حرج لأنهم أمام نظريات ليست من صميم الإسلام فلهذا نزعوا أيديهم من المجلس المذكور، فلو أنهم لا يريدون خدمة المصلحة العامة لما دخلوا أول مرة وغنما بدا لهم ما كانوا متخوفين منه. بدت لي هذه النظرية بأنها هي الداعي الأصلي للانسحاب ثم وجدت ما يؤيدها من قبل الشيخ بيرم الخامس في كتابه صفوة الاعتبار حيث ذكر: ثم عقد الوالي مجلساً رئيسه الوزير مصطفى وزير العمالة وأعضاؤه: مصطفى آغة وزير الحرب. وخير الدين وزير البحر. والوزير إسماعيل السني. والوزير محمد. وكاتب أسرار الوالي أمد بن أبي الضياف. وأذنهم باستخراج أحكام سياسة تدور عليها أعمال الحكومة واستخراج أحكام فرعية في الحقوق الشخصية يجري بها الحكم في القطر. وأذن أن يكون شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع أحد أعضائه فامتنع من الحضور دون مشاركة من العلماء الحنفية والمالكية. واستقر الرأي على إضافة: الشيخ محمد بن الخوجة المفتي الحنفي. والشيخ احمد بن حسين رئيس الفتوى في المذهب المالكي. والشيخ محمد البنا المفتي المالكي. وهؤلاء الأعلام الأربعة هم أكبر علماء العصر إذ ذاك. فحضروا أولاً ثم امتنعوا بأن كتب كل واحد منهم شرحاً منفرداً على الإحدى عشرة قاعدة المار ذكرها أبدوا فيها الأحكام الشرعية المطابقة لتلك القواعد، واقتصروا على ذلك متعللين بأن الذي بدا لهم من مغزى الجماعة هو الميل البحت للسياسة الساذجة من غير التفات إلى محاذاة الشرع بل ربما عرض ما يصادم القواطع. وحيث كان عمل المجلس على ما يستقر عليه الرأي الغالب لم يأمنوا أن يسند إلى المجلس ما يخالف الشرع، ويحمل على عاتقهم، وهو الذي تبين لكل من الفريقين فيما بعد ولدت الليالي من أن الصواب في غير مسلكه على ما يتحرر إن شاء الله تعالى في الخاتمة. حملة في غير موضعها: تبين بما ذكرنا وما نقلنا أن حملة الشيخ الوزير ابن أبي الضياف في غير موضعها. أما أولاً فلما ذكرنا من أنها مقصورة على بعض أهل العلم وهم قدماء أعضاء المجلس الشرعي وأما غيرهم فانضموا إلى هذا المجلس، بل كان بعض المجلس متركباً منهم دون غيرهم غلا في رئيسه كما أسلفنا. وأما ثانياً فإن انسحابهم من المجلس الشارح لقواعد عهد الأمان يرجع إلى انهم بدا لهم أن الأغلبية ترمي إلى جعل فصول للحكم في بعضها ما لا يمت إلى الشريعة السمحة. فاستغلال سماحة الشرع المنيف لا تؤدي إلى تحلل من نصوصه القطعية حتى يكون الحكم بغير ما أنزل الله. فهم لا يريدون أن يتحملوا تبعة ذلك فلذلك اكتفى رئيسهم شيخ الإسلام بأن يكون في مجلس الأمير هو الغربال لما يقنن من فصول. عالم الأدباء وقانون عهد الأمان لو كان العلماء متبرئين من عهد الأمان مغلبين للمصلحة القاصرة على المصلحة العامة أما أنشد العلامة الشريف محمود قابادو قصيدته الشهيرة في عهد الأمان منوهاً به، ومعرفاً بأنه من صميم الدين التي يقول في طالعها: العدل عهدُ خلافة الإنسانِ ... ومداد ظل الأمن والعمران وتمدُّنُ البشر اقتضى إيلافهم ... فتعاضدوا من دائن ومدان وتطامحُ الخلطاء لاستبدادهم ... بالقتل داعيهم إلى العدوان فتقرُّر السلطان ضربةُ لازب ... لنظامهم بالعدل والإحسان افتتح عالم الأدباء الشيخ قابادو قصيدته هذه بهذه الأبيات الأربعة منبهاً على ما ذكر ابن خلدون في مقدمته من أن الإنسان مدني بالطبع، واشتباك المصالح مؤد إلى اعتداء البعض على البعض فلا بد من سلطة تمنع المعتدين وتكف ضراوة الضارين فهي مقدمة لرأيه في عهد الأمان. وأشار فيها إلى أن السلطان ليس قوة قاهرة بل هو سلطة رحمة وإحسان. فما أتى به ابن خلدون في مقدمته في الباب الأول من الكتاب الأول في العمران البشري أتى به أديب العلماء بلا منازع العلامة الشريف محمود قابادو في تلك الأبيات النزرة.

стр. 453

وهذا ما يدل على أن الفقهاء من التونسين كانوا على جانب عظيم من علم الاجتماع متأثرين بسلفهم العلامة المؤرخ عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن خلدون (-٨٠٨) فكلهم من فبضه يغترف، ومن مناهله يرتشف، فعلماء تونس الفقهاء كانت معرفتهم الاجتماعية تؤهلهم للنظر البعيد وللتفقه في الدين التفقه الصحيح، فما يرميهم به الرامون غنما هو لمرض في النفوس وحسد كامن في القلوب. وقصيدته هذه أتى بها المعروف في ديوان محمود قابادو الذي اعتنى بجمعه وطبعه سنتي (١٢٩٤ و١٢٩٥ هـ?) . وقد ضمنها الكثير من إنشاء المجالس لعهد الأمان ومن أبدعها قوله: قانون عدل صادق عال سمت ... أساسه رجبا على آسان ١٢٧٧ ونقل عيونها الشيخ الوزير ابن أبي الضياف في كتابه إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان في الجزء الخامس صفحة ٤٦. ومن نصيحته الشيخ قابادو لأهل المجلس قوله مخاطباً أعضاء المجالس: هذي رئاستكم وعزة مجدكم ... نيطت بكمْ يا معشر الأعيانِ وإلى أمانتكم وحسن وفائكم ... وكلتْ وغيرتكم على الأوطان ولتعلموا أن الوفي لنفسه ... يوفي ومن ينكث عليها جاني والله ليس مغيراً إنعامه ... حتى يغيره ذوو الكفران وتيقنوا أن الذي غلب الهوى ... والنفس يغلب كل ذي سلطان هذا وإن الصادقية دولة ... خصت بتأييد من الرحمان لما رأت مصباحَ شرعِ محمد ... بترعب الهواء ذا خفقان جعلت له القانون يشبه زجاجة ... لتقيه هب عواصف الطغيان فتدارسوه لما علمتم بينكم ... عودا على بدء بغير توان والله يشملنا ويشمل جمعكم ... بالعون والتوفيق والغفران وبعد أن ذكر الشيخ الوزير صاحب الإتحاف أبياتاً من هذه القصيدة عليها بقوله: وهذه الغانية على طولها أقصر من ليالي الوصال، وأعذب ما سمع من المقال، لو لم يأت بعدها ما ينافيهأن والحر عبد إذا طمع والعبد حر إذا قنع، ومن اعظم الذنوب تحسين العيوب، "والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون" الشعراء ١٢٤ ١٢٥. يقصد الشيخ الوزير الذي أتى بعد قصيدة الشيخ قابادو في مدح عهد الأمان قصيدته التي هنأ فيها المشير الثالث حين اخمد ثورة علي بن غذاهم. وهي التي يقول في مطلعها: سما للعلا يقظانُ عين حديدها ... فهيهات بعد اليوم تعدى حدودها أضلّ عقاب الحزم أرجاءها كما ... أضل عقاب البأس فيمن يكيدها ويقول فيها: فيا ويحها من عصبةٍ قد تهافتت ... على نار بغي ما سواها وقودها ولا شك انه يقصد قوله فيها: وإن فداء الكل بالبعض سنةٌ ... تواتر من شرعٍ وطبعٍ شهودها وقد كان جلد البعض زجراً وأهدرت ... نفوس بجلد الزجر فاد جليدها أليس من التعزيز وهو مناهجٌ ... تناط إلى رأي الإمام حدودها وقدماً قضى سحنون في الدين ضارباً ... مراراً قضى نحبَ المدين عديدها وأما عقاب المال فهو موسعٌ ... إذا عودت منه بشيء يعيدها بحيث إذا لم تمتهن باستلابه ... رأت شوكة السلطان فلَّت حدودها على انه قد كان حط من الجبا ... وإعوازُ بيت المالِ ممَّا يعيدها فهذه الأبيات فيها تبرير من الشيخ قابادو لأفعال الأمير في التعذيب والمطالب المالية المجحفة التي وضعت على رجال الثورة. والشيخ قابادو لا أظن أن الحامل له الطمع كما يقال الشيخ الوزير وإنما حمله على ذلك أن هذه الثورة لو تمت لأتت على الأخضر واليابس والبلاد في حال ضنك تشتكي العجز. فنظرته البسيطة هي التي أدته إلى أن يبرر تلك الفعال، ولو نظر نظرة عميقة مثل نظرة الشيخ الوزير لما برر تلك العمال. ثم إن تلك الثورة تسبب فيها سوء الإدارة والإسراف المالي المجحف المؤدي إلى نضوب الخزانة المالية مع التصرف الذي لم يكن على قاعدة ومع جولان الأيدي في أموال الحكومة. وعلى كل فالشيخ قابادو يشيد بعهد الأمان، وإنما يرى أن الفوضى مؤدية إلى الانهيار فموقفه ليس موقف طمع لأنه كان الناس بالزهاد فحياته حياة الذين لا يعتنون بالمال. وشاركه في الإشادة بعهد الأمان علامة أديب شاعر وهو الشيخ أحمد كريم الذي تولى الإفتاء وكان من مشايخ الإسلام.

стр. 454

وأشار الشيخ احمد كريم إلى أن الشرع نادى بما جاء به عهد الأمان في قوله: تيقَّن أن العدلَ أبقى لملكه ... فأضحى لطرق الجور ينسفها نسفاً أمولاي قد عاهدت عهداً مؤمناً ... فأوفيت في عهد الأمان ومن أوفى؟ وأمّنت أهلَ القطر من كل ضائر ... ولولا وجوب الحتف أمتنا الحتفا جعلت أساس العدل فيهم أمانهم ... على العرض والأبدان والمال مستوفى وسويت في الحكام بين جليلهم ... وبين ذليل كان في الحق يستخفى وألزمت أحكاماً هي الفيصل التي ... توافقنا شرعاً ونعتادها عرفا وتبارى الأدباء في اليوم الذي اجتمعت الهيآت لقراءته بدار المملكة حين طلبوا من الباي أن يحضر لديهم وذلك أواخر جمادى الثانية سنة ١٢٧٧. وفي ذلك اليوم انشد القصيدان المتقدم ذكر البعض منهما وهو دليل واضح على أن الهيئة العلمية عبرت عن سرورها وإكبارها لتطبيق عهد الأمان، فتونس رجالها المثقفون بالثقافة الإسلامية لم يحجموا عن مساندة القانون، فما يرميهم به الرامون هو من قبيل إلصاق تهم هم براء منها. ومع انهم نصروه هم مقصرون في الاستفادة من هذا القانون، وتقصيرهم يبدو في كونهم لم يقوموا بواجبهم نحو بقية الأمة في تفهيمهم محاسن القانون، وأن الدين يدعوهم لإرساء قواعد العدل في غير مبالين بما ينالهم. لكنهم لم تبرح في نفوسهم هيبة المراء أصحاب النفوذ المطلق فلذلك قصروا وأحجموا. ملحق (٣) ثورة علي بن غذاهم حط الشيخ السنوسي من ثورة علي بن غذاهم، ونعته بنعوت تدلي إلى الحضيض وتحشره في جملة الأدنياء الحثالة، ووصفه بأنه دعي والدعي المتهم في نسبه أو الذي يدعي إلى غير أبيه. ووصفه بأنه جلف، والجلف الرجل الجافي والظالم، ففي نظره أن ثورة ابن غذاهم ظلم صراح، ووصفه بأنه رئيس البغاة. ويختم تسجيله لحادثة الثورة التونسية برضاه عما وقع لأهلها فيقول: ولما تم القبض على زعماء البغاة الأشقياء جالت يد أنصار الدولة على أعضاء الثورة، ومن تشيع إليهم وهز عصا الشقاق، ونال كل واحد منهم ما ناله من القتل، وضربت تلك المغارم على الأعراض وجربة، وصفاقس وعموم بلدان الساحل عدا أهل سوسة والقلعة الكبرى لتقدم طاعتهم. فعنده هذه المظالم المتنوعة من القتل والضرب والسجن في أشد السجون وضرب المغارم على أكثرية أهل البلاد ومعنى ضرب المغارم افتكاك أموال الناس بالقهر هي الجزاء الوفاق. فالأمة أصبحت بسبب هذه المظالم المتراكمة لكل ما يملكه الإنسان من روحه وعرضه وماله أمة ميتة، وكل ما أصابها لم يثر في نفسه شعور الإنسانية حتى يرثي لهذا الشعب الرازح تحت السيف والسياط والسجن والتفقير ولنتبين الحق من غيره تأتي بما كتبه الشيخ محمد بيرم الخامس في صفوة الاعتبار. وإنما أتينا بما كتبه لنزيل من الأذهان من أن للشيخ السنوسي له اتصال بالحقيقة بل هو بعيد عن الحقيقة، فالشيخ بيرم الخامس عاش تلك الأحداث فكتابته كتابة مطلع خبير. جاء في صفوة الاعتبار. (وخلا الجو لخزاندار أي لما استعفى الوزير خير الدين ومن معه وأخذت السيرة في طور آخر جديد ورام يضاعف أداء الجباية على الأهالي ويصيرها اثنين وسبعين ريالاً على الرأس عوضاً عن الستة والثلاثين ريالاً التي أسسها محمد باشأن وطلب المجلس الكبر أي طلب خزاندار بواسطة الأمير من المجلس الأكبر ذلك فامتنع أعضاؤه واستبد هو أي خزندار، بإمضائها مع تحديز العقلاء له فلم يلتفت إليهم مع أن الأهالي في ثورة من أثر سيرة محمد باشا تقويهم على الدفاع عن أنفسهم مع ما أستأنسوا به من تلك السيرة وسماعهم بان العدل والإنصاف قد شملهم بالقانون وأن لهم الكلام على حقوقهم فامتنعوا قاطبة وأرادوا غصبهم على ذلك، فثار القطر كله ثورة واحدة لم تعهد من قبل على غاية من الرياضة والأمن بحيث لم يتعرضوا بالأذية لأحد مع أمن السبل، وكثرة الفادي والرائح، وضبط كل جهة ببعض أهلها لردع السفهاء وحفظ الراحة والمن وكان متولي أكبر الجهة الغربية والملتف عليه أكبر قبائل الأعراب رجلاً يسمى علي بن غذاهم وذلك سنة (١٢٨٠) . وما زالت هذه الثورة تسمى ثورة غذاهم، وكاتب الجهات:

стр. 455

بأنا إخوان ومطلبنا واحد، وليس المراد منه الإفساد، فالواجب حفظ الأمن والراحة، وتأمين السبيل، ولا نتعرض لأحد بشيء سوى أتباع الحكومة فإذا أرادوا غصبنا على الظلم ندافع عن أنفسنا وأنذرت القبائل عمالهم الذين كانوا بين أظهرهم فمن أراد منهم التوجه إلى الحاضرة أوصلوه بأمان ومن أراد الإقامة منكفئاً عن التداخل في أمرهم أبقوه بأمان. ولما توجه أمير الأمراء فرحات إلى الكاف لإجبار قبائل ماجر على ذلك الأداء تعرضوا له وقتلوه فشدد النكير علي بن غذاهم وقال لهم: أصل اتفاقنا تعرضوا وقتلوه فشدد النكير عليهم علي بن غذاهم وقال لهم: أصل اتفاقنا هو الدفاع عن أنفسنا وما ضركم الرجل إلا إذا حاربكم فدافعوا عن أنفسكم. وكاتب المذكور رئيس الفتيا الشيخ أحمد بن حسين وطلب منه التوسط في الصلح مع الحكومة. وحاصل مطالب الجميع إبطال الأداء الجديد وعزل الوزير مصطفى خزندار ومحاسبته. فامتنع الوالي يعبر صاحب صفوة الاعتبار عن الأمير بالوالي لنه يرى أن تونس ولاية عثمانية فلا يحق له أن يلقب بالأمير بل بالوالي، أولاً من جميع مطالبهم واشتد الكرب على الحكومة حتى لم يبق أمر الوالي نافذاً إلا في الحاضرة ونحو اثني عشر ميلاً حولهأن واشتد الخوف في الحاضرة) . وقد فصل الشيخ الوزير ابن أبي الضياف هذه الثورة تفصيلاً مدققاً واتى بأسبابها وكيف ابتدأت وهو ما أحمله غاية الإجمال صاحب صفوة الاعتبار. وافتتح الشيخ وزير كلامه على هذه الثورة بمقدمة دقق فيها الأسباب من فداحة الافتراض الذي تسبب فيه جلب ماء زغوان إلى الحاضرة تونس مما أدى إلى أن تكون فائدة الدين أكثر من ثلث دخل المملكة التونسية حينذاك وهو اكثر من أربعة ملايين من الفرنكات لأن دخل المملكة وقتها لا يصل إلى خمسة عشر مليوناً من الريالات. وإثقال كاهل الميزان بمصاريف الدولة فإن مرتب الملك وحده مليون ومائتا ألف إلى غير ذلك من المصاريف الباهظة. فلما عجز الميزان عن تحمل تلك المصاريف الباهظة كاتب الأمير أعضاء المجلس الأكبر فامتنعوا بلطف كما قال الوزير الشيخ ابن أبي الضياف ودارت مباحثات مجلس الأمير الخاص، وكان رجاله على رأيين. منهم من يميل إلى الرفق بالرعية ومنهم من زين للأمير الزيادة في الضريبة الموضوعة على الدافعين إلى أن أفضت النوبة إلى أحدهم وهم ممن يشار إليه في مجلس الأمير الخاص فأشار برأي كان سبب اندلاع الثورة. وهو أنا مال الإعانة يزداد عليه مثله ويكون عاماً في سائر بلدان المملكة من غير استثناء. فقبل الأمير أن هذا الرأي وكتب إلى أعضاء المجلس الأكبر للموافقة فاعتذروا بأنهم لا رأي لهم في النازلة. وبعد امتناع أعضاء المجلس استبد الأمير برأيه وصدرت به المناشير إلى عمال العمال. وهي مناشير كانت لقطع الطاعة والعافية والعمران كالمناشير كما قال الشيخ الوزير. ورغم النصائح حتى من الأجانب تمادى الأمير في فرض الزيادة في الضريبة. اندلعت الثورة بتقرر الزيادة في الداء. ويؤكد كلام صاحب صفوة الاعتبار الشيخ محمد بيرم الخامس المتقدم ذكره الشيخ الوزير ابن أبي الضياف. "ولما التف عليه إغمار العامة في الجهة الغربية، أي على علي بن غذاهم، أبرم العقد معهم. على أن القصد بهذا الاجتماع هو الاستعفاء من هذا الأداء الثقيل الذي لا قدرة عليه. وإذا عصبنا عليه بالقتال تكون يدنا في المدافعة عن النفس والمال والحريم يداً واحدة. ولا يتعرض منا أحد لنهب أموال الناس بالحرابة ومن تعرض تكون يدنا عليه أحدة لن كلامنا مع الدولة، وإخواننا المسلمين يعذروننا. فإذا تعرضنا لأخذ أموال الناس صرنا حرباً على الله تعالى وعلى السلطان ولا يعذرنا أحد بل تتوفر الدواعي على قتالنا والله معهم". أجمل صاحب الإتحاف مبادئ ثورة ابن غذاهم في أنها محصورة في الامتناع من دفع الضريبة المضاعفة. تحقيق حول ثورة ابن غذاهم وما دار حولها إن هذه الثورة مقصورة على غرب البلاد بقيادة علي بن محمد بن غذاهم وإنما هي عامة شملت البلاد كلها فعلاوة على غربها هناك عمل سوسة، وعمل القيروان، وعمل صفاقس، وعمل الأعراض. لكنها كانت في هذه العمال غير مسيرة مثل ما هي في ناحية ابن غذاهم بل هي مقودة بقيادة فوضوية.

стр. 456

ولولا تداخل بعض أهل العلم والصلاح لانتهى أمر الدولة الحسينية لا أمر الدولة الصادقية مع ما انضم إلى ذلك من دهاء بعض الوزراء وبعض رجال الحكومة حينذاك فإنهم أنقذوا الدولة من الانهيار. وتحقيق النظر في هذه الثورة العارمة يحتاج إلى كتاب خاص، وإنما نقتصر في هذا الملحق على بيان مواقف ثلاثة من المؤرخين التونسيين وهم: الشيخ السنوسي في مسامرات الظريف. والشيخ محمد بيرم الخامس في صفوة الاعتبار. والشيخ الوزير ابن أبي الضياف. إن موقف الأول من هذه الثورة موقف تزلف وتدل على الحط من أحد رجالها وهو علي بن محمد بن غذاهم حيث وصفه بما انتقدناه عليه. فهو لم ينظر لها نظرة تاريخية، بل نظر إليها بغير منظار المؤرخ النزيه ولولا أن الواقف على كتابه الذي أخرجته للطبع يغتر بكرمه ما كنت أتوسع في الكلام على هذه الثورة. وثاني المؤرخين الثلاثة هو الشيخ محمد بيرم الخامس قد كانت له إحن في نفسه على الوزير مصطفى خزنه دار حيث أدمج في أسباب الثورة أنها ترمي إلى المطالبة بعزل خزنه دار. (وحاصل مطالب الجميع إبطال الداء الجديد وعزل الوزير مصطفى خزنه دار ومحاسبته، فامتنع الوالي أولاً من جميع مطالبهم فاشتد الكرب على الحكومة) . وأكد هذا بما نسبه إلى الوزير خزنه دار. ومن وقتئذ أيدي العدوان على الأهالي بسلب الأموال، والقتل والضرب بالسياط المؤدي إلى القتل لأن الوزير اشتد حنقه عليهم حتى انه دخل عليه أحد الأعيان يوماً وهو يقول: طلبوا دمي أرضى إلا بدمائهم، طلبوا مالي فلا أرضى إلا بأموالهم. لعل مراده بطلب دمه هو طلب عزله، وقد اعتادوا في بعض الوزراء السابقين قتلهم فظن أن العزل يؤدي للقتل وإلا فنفس قتله لم يطلبه أحد. أما المال فنعم فقد طلبوا حسابه. أدمج صاحبة صفوة الاعتبار عزل الوزير مصطفى خزنه دار في مطالب الثورة مع أنه لم يأت بدليل يدل على ذلك إلا ما أخبره به أحد الأعيان الذي قال له إنهم طلبوا دمي أرضى إلا بدمائهم. وثالث المؤرخين وهو أولهم في كتابة التاريخ التونسي وأقعدهم في كتبته الشيخ الوزير ابن أبي الضياف وهو أشد المؤرخين تحرياً في كتابة التاريخ فتاريخه مدعم بالوثائق التاريخية التي توقفك على عين الحقيقة. وعين الحقيقة في هذه الثورة العارمة أنها مقصورة على طلب إلغاء الأداء الجديد دون التعرض لعزل مصطفى خزنه دار. وقد وضح هذا صاحب الإتحاف أتم توضيح فيما كتبه قبل صاحب صفوة الاعتبار. فبين أن قنصل فرنسا شارل دوبوفال (Charles de Beauval) اغتنم هذه الفرصة للتداخل في أمر الولاية وأحكامها فأتى إلى البي يوم الجمعة ٢٣ من ذي القعدة (٢٩ أفريل ١٨٦٤) ومع أمير الأسطول الفرنسي والقائم مقام (كنبنو) الذي كان من معلمي الجند التونسي وتخلى عن ذلك. وحين دخولهم على الأمير وجدوا معه مصطفى خزنه دار فطلبوا منه إخراجه فتشدد الباي في ذلك. وابتدأت المحاورة بين الأمير والوفد الفرنسي الذي طلب إبطال عهد الأمان فبين له الأمير انه أعطى عهده على إتمام عهد الأمان وأن أخاه هو الذي أعطى ذلك. ثم طلب الوفد تبديل المأمورين في الخدم السياسية فأجاب الباي بأن ذلك غير ممكن في وقت هذه الثورة لأن ذلك يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. وطال الجدال بين الأمير ومحدثيه من الفرنسيين في شأن تبديل الوزراء وفي طالعتهم مصطفى خزنه دار. وفي هذا المجلس أساء القائم مقام (كنبنو) إساءة لا تحتمل حتى أن القنصل الفرنسي أسكته ولما بلغ الأمر مبلغه من الإهانة مرض الأمير. ثم إن الأمير جمع رجال الدولة من وزراء وغيرهم وأخبرهم انه لا يتنازل في شان تبديل الوزراء فقال وزير مصطفى خزنه دار أنا أسلم وأصر على تسليمه الوزير خير الدين وهو مصطفى خزنه دار نفسه. لكن تغلب الرأي الذاهب إلى عدم الرضوخ إلى مطلب القنصل الفرنسي لأن فيه تدخلاً في الشؤون التونسية وذلك مفض إلى أن تصبح تونس محكومة من طرف القنصل الفرنسي. ولم يكتف التدخل الفرنسي بعزل الوزراء بما أرادوه من إرغام الأمير عليه فأضيف إلى ذلك مكاتيب مرسلة إلى العروش التونسية ومن نماذجها ما نقتطفه من بعضها.

стр. 457

(يا أيها العروش أعلموا أن الدولة أرسلت لكم مشايخ الطريقة وذكروا لكم أن الفرنسيس غادرون بكم ومرادنا اخذ بلادكم ونحن بالعكس من ذلك وإنما مرادنا إصلاح أحوالكم ورفع المظالم عنكم وإجراء الحق على كل أحد ولكن سوف ترون ما يحل لكم من أولئك الناس وتقفون على كلامنا لأن المشايخ توسطوا بينكم وبين الدولة وباعوا ضمائرهم بثمن قليل. وما دام الوزراء الموجودون في باردو فإنكم لا تتخلصون من الضرائب أي التي أثقلت كاهلكم والتي ثرتم من أجلها. وما داموا لا أمان ينالكم لا في أبدانكم وزلا في أرزاقكم. وستقفون على أحقية كلامنأن وعما قريب يظهر لكم من هو على الصواب) . وهذا المكتوب نقلناه مع تحرير جزئي لإرجاعه عربياً سليماً نوعاً ما. ويقول صاحب الإتحاف: وهذا المكتوب لا تاريخ فيه، ولا إمضاء، ولا طبع خاتم. ومنه نسخ عديدة بيد بعض العربان، وخطه مغربي جميل يشبه خط بعض الأعيان من تجار الفرنسيس تعلم الخط العربي بتونس وبرع فيه، وكان هذا المكتوب إنذاراً بما وقع بعد ذلك من الشدائد والأهوال. يتهم الشيخ الوزير ابن أبي الضياف القنصلية الفرنسية بذلك مستنداً على أن الخط فرنسي فلا بد أن مصدره منها. ويؤيد هذا الرأي أن إنشاءه إنشاء قريب من العامية فهو محرر من بعض الفرنسيين الذين درسوا اللغة العربية ولم يتمكنوا منها فتغلب عليهم العامية إذ لا بفرقون بين الفصيح والعامي. وكما كاتب الفرنسيون العروش كتبوا إلى زعيم الثورة في المنطقة الغربية علي بن غذاهم. ونقتطف منه نقطاً على أن الفرنسيين بتونس مرماهم استغلال ثورة علي بن غذاهم. جاء في طالعة الكتاب. إلى الأعز الأكمل العالم الأمثل علي بن محمد بن غذاهم أكرمه الله آمين. ثم فيه تذكير بثلاث رسائل أرسلوها إليه فلن تقع الإجابة من ابن غذاهم. وفي الرسالة اتهام تركيا بأنها أرسلت بجيش لقتال العروش فوقع رده من قبل الفرنسيين دفاعاً عن المظلومين. وختمت هذه الرسالة بهذه الفقرة: (ورأس سلطان فرنسا إذا بقي الخزنه دار في بلادكم يهلككم على بكرة أبيكم) . وهذه مرسلة على حسب ما جاء فيها من القنصل العام لفرنسأن ومن الأميرال والكرونيل الفرنسي أي الذي كان بتونس معلماً للجيش التونسي. إن الدلائل القاطعة تشهد إلى أن المطالبة بعزل الوزير إنما هي مطالبة فرنسية ترمي إلى التدخل السافر في سياسة تونس. واستدل صاحب الإتحاف بأن الثورة لم تقم من أجل عزل الوزير بما جاء من المكاتيب من رئيس المتحزبين علي بن غذاهم إلى الشيخ أحمد بن حسين رئيس المفتين في استشارته في القدوم إلى تونس للمفاهمة مع الأمير من أجل دفع الشدة وما دار في شان ذلك القدوم. يستنتج صاحب الإتحاف ما يلي: (فانظر إلى هذه المكاتيب من رئيس المتحزبين إلى الشيخ الذي اعتمده واسطة، والحادثة في عنفوان شبابها والسيوف مصلتة، وقدور الحرب في سائر الجهات تغلي، هل عرج فيها على عزل وزير، أو كره قانون، أو مجالس، أو ما يومئ إلى البغي، أو غير ذلك مما دار في برزخ هذه الإيالة دوران الرياح. ولم ينط مطلبه إلا بالتخفيف، وهو من قواعد عهد الأمان التي عليها مدار القانون) . كيف خمدت الثورة لم تكن الثورة ثورة قاصرة على جهة من الجهات، وإنما هي عامة إلا في العاصمة فقط، مع أن الجند لم يقم فيها بل امتنع من إخمادها مع أنها لم تصنع شيئأن وآلت في آخر أمرها إلى الفشل وتتبع بعض المثيرين أمرها حتى نالهم الانتقام من احمد زروق. ويتضح من أمرها أن إخمادها يعود إلى سبب قوي غير الجند. والسبب القوي في إخمادها هو أن الشيوخ لم يكونوا راضين عن الثورة بل كانوا مهدئين للعامة من الانسياق في الفتنة وإضرام نارها. وأبلى البلاء الحسن في إخماد هذه الفتنة التي أرادت فرنسا استغلالها لوضع يدها على تونس الشيخ الصالح مصطفى بن عزوز (١٢٨٢) وهو الذي بث الطريقة الرحمانية في العروش الغربية.

стр. 458

وإلى موقفه الذي حسم به الفتنة أشار صاحب الإتحاف ونحن ننقله ليتضح للعيان أن العلماء الصلحاء كانت لهم يد لا تنسى في الإبقاء على رمق الدولة فلولاهم لذهب العلم الإسلامي بتشتت عقد الأمة لأن الفتنة لا تأتي إلا بشر وبيل، وعسى أن يعرف المتحاملون على أهل العلم الإسلامي والصلاح انهم مخطئون في إساءة ظنهم بالعلماء وتحميلهم وزراً هم برآء منه. وإلى هذا الموقف المشرف أشار المذمور: (ولم يزل الحال في اضطراب وشدة إلى أن قدم من الجريد بركة القطر المشار إليه بالبنان، المتدرج في مقامات العرفان، الولي السالك المحب لعباد الله، شيخ الطريقة الرحمانية أو النخبة مصطفى بن عزوز واجتمع بعلي بن غذاهم ووجوه جموعه وقد مسهم الملل بعد أن اخذ لهم الأمان من الباي واستوثق منه بالعهود والإيمان وقرأ للباي قوله تعالى: (يوجد آية) (٩١) النحل. ثم قال الشيخ مصفى بن عزوز لجماعة علي بن غذاهم، لا جواب لكم عند الله على إراقة دماء المسلمين وقد أعطاكم الباي الأمان على يد أمير المحلة وخفف عنكم اكثر مما يظن، إلى غير ذلك مما تفضل به عليكم خشية إراقة الدماء,. وقال لعلي بن غذاهم: (أنت لست بقائم تطلب ملكأن وزعمت انك جامع عصابة شاكية لكف عادية جهاله أن وقد زال السبب فلا بد يزول المسبب وقد عطلتم الناس على السعي في ابتغاء رزقهم) . فانتدب ابن غذاهم وتأخر. فأتاه فرج بن دحر وقال له أي لعلي بن غذاهم: نحن في ربط واحد ما كان ينبغي لك أن تحله وحدك ولنا مع سيدي مصطفى بن عزوز موقف بين يدي الله. وعلى كل حال فقد حاق بنا الغدر، وسترى أنت من معك عاقبة ما فرحتم به من الأمان إلى غير ذلك وفي بعض القلوب عيون. وحضر مع الشيخ مصطفى بن عزوز أعيان من تلاميذه وغيرهم كأبي العباس أحمد ابن الشيخ الولي عبد الملك الحمادي وأبي عبد الله محمد الصالح، والشيخ المسن الحاج مبارك صاحب الزاوية بتالة، وسيأتي له خبر، وحضر لذلك الشيخ البركة أبو العباس أحمد بن عبد الوارث وكفى الله المؤمنين القتال على يد هذا الشيخ ومن معه من هؤلاء الفضلاء جزاهم الله جزاء من أتعب نفسه في إصلاح ذات البين وحقن دماء المسلمين فالأعمال منوطة بالظاهر، والله يتولى السرائر، والمرء مجزي بعمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وأسقط الباي ما أجحف من الإعانة بل صيرها عشر ريالات فقط وأسقط من العشر، وترك الأداء على ما يباع في غير الأسواق وأجابهم إلى مطالب أخرى الله أعلم هل طلبوهأن أو قيلت أو تقولت عليهم فسمعوهأن أضربنا عن ذكرها لمنافاتها قضايا العقول، وكل ما نافاها يعد نقله مجازفة وقد تقدم ذلك وإلى الله تصير الأمور) . (الإتحاف ج?٥ ص١٦٨ وص١٦٩) . وكما للشيخ مصطفى بن عزوز موقف كذلك كان للشيخ العلامة رئيس الإفتاء أحمد بن حسين في العمل بالمكاتبة على أثناء رأي ابن غذاهم عن القدوم إلى تونس لنه لو قدم لاشتعلت الفتنة في العاصمة فإنه ثنى عزمه عن ذلك، وبه بقيت العاصمة بعيدة عن الفتنة. ويظهر أن موقف أهل العلم في تونس كان في صالح هذه البلاد، وإبقائها محافظة على كيانها دون إدخال ما يؤول بها إلى فتن تموج موج البحر. والمواقف الرصينة هي التي حافظت على هذا الجامع جامع الزيتونة نبراساً يشع بالعلوم الدينية وهادياً للتي هي أقوم. ? الاتزان التاريخي يعبر كلام صاحب الإتحاف في هذه الثورة التونسية العارمة بأن الشيخ الوزير ابن أبي الضياف يحمل على السياسة التونسية في مواقف كثيرة ويحملها وزراً ثقيلأن ويظهر المصلح من غيره في مواقف عديدة. ومع مواقفه لا يرى أن في ثورة علي بن غذاهم إنقاذاً للموقف لذلك شكر وأطنب في مدح الشيخ البركة الصالح المصطفى بن عزوز حيث حقن دماء المسلمين وكفى الله بتداخله المؤمنين القتال. وحقاً رأى لأن رأس الثورة لم تكن له المؤهلات التي تؤهله لتسلم دولة لأنه كما عرفه صاحب الإتحاف ذو معرفة جزئية. ومع انه حمد فعل العاملين لحقن دماء المسلمين انتقد الشدة التي عومل بها الكثير بعد إخماد اللهيب. ودعا غلى الرفق الذي لا يقتضي الحال غيره حتى لا يلتجئ المظلومون إلى الاحتماء برعايا الدولة الوافدين على المملكة.

стр. 459

فالواقع يدعو إلى الرفق لا إلى ضده كما وقع لأكثر أهل المملكة بعد خمود لهيب الفتنة من الشدة والعسف والانتقام، وسلب النعمة غلى غير ذلك مما نفر القلوب المرضى. ولله در القائل: [الكامل] أحذر منافرة القلوب فإنها ... ورجوعها للود أمر يعسر إن القلوب إذا تنافر ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبر وقد تنبأ لدولة الأمير الصادق بالاضمحلال واستكانت الإيالة المسكينة ولسان حالها يقول: (للباطل جولة ثم يضمحل) %. ملحق (٤) الكومسيون المالي الكومسيون المالي اجمل الحديث عنه صاحب المسامرات مع انه أحدث لإنقاذ البلاد من الإفلاس لأن الحال بلغت أقصى التدلي مما يعقبه الإفلاس للدولة. وقد تحدث عنه حديث عارف به الشيخ بيرم الخامس مبيناً أن الوزير خير الدين حين رئاسته للكومسيون بدأت تظهر إصلاحاته وتمكن من الإصلاح بسبب أنه لم يقبل رئاسة الكومسيون إلا بعد أن اشترط شروطاً. فإنه لما شددت الجانب في طلب أموالهم وأنشئ الكومسيون المالي باتفاق الدول دعاه الوالي إلى رئاسته فامتنع وبعد إلحاح ورد وبعد توثقة من الوزير مصطفى خزندار قبل رئاسة الكومسيون المالي. ويثبت الشيخ بيرم الخامس أنه منذ سنة ١٢٨٦ كل ما هو من التصرفات هو للوزير خير الدين وشرح كيف أن الوزير خير الدين أدار كفة الكومسيون المالي. (وذلك أن الوزير مصطفى خزندار عطل أموره مما أدي إلى تشكي قناصل الدول الممثلة في الكومسيون المالي وهي فرنسا وإيطاليا وإنكلترا فراجع الوزير خير الدين الوالي وطلب منه الإعانة على المهمة الشاقة التي أنيطت به فأمضى الوالي مطلب الكومسيون ولأجل إعطاء الكومسيون المالي نفوذاً يحفظ حقوق الحكومة مع أن الكومسيون المالي يتصل برغبته، وذلك في توظيف رئيس الكومسيون بوظيفة وزير للوالي في رتبة الوزير، الكبر، وتنقل خدمة الكومسيون إلى الوزارة ويكون مصدر جميع الأعمال واحداً) . وقد بسط القول في ذلك في (ج?٢ ص٥٣ من صفوة الاعتبار) . وكذلك تعرض له صاحب الإتحاف في (ج?٦ من ص١١٩ وما بعدها من إتحاف أهل الزمان) فذكر نص قانون الكومسيون المالي، وهو في أثني عشر فصلاً. وكان ختمه بسراية الوادي في ٢٦ من ربيع الأول سنة ١٢٨٦ (٦ جويلية سنة ١٨٦٩) . وأتبع ذكر القانون بالأوامر الصادرة في تعيين رئيسه وتعيين أعضائه. وحديث ابن أبي الضايف عن الكومسيون كان مقتضياً لنه كما ذكر بقلمه أدركه الضعف. ? إبطال الكومسيون تناولت الإدارة الفرنسية بعد الحماية أشياء متعددة بالنسخ، منها إبطال الكومسيون المالي. وجاء إبطاله في العدد ٤٩ من جريدة الرائد الرسمي المؤرخ في ١٣ ذي الحجة سنة ١٣٠١. افتتح هذا الأمر بمخاطبة الوزير الأكبر محمد العزيز بوعتور بأن الأمير أمر بما يأتي: الفصل الأول: أبطلنا بعد اليوم ١٢ من أكتوبر الإفرنجي سنة ١٨٨٤ مسيحية الكومسيون المالي الذي أحدث بالأمر العلي المؤرخ في ٢٦ ربيع الأنور سنة ١٢٨٦ الموافق ليوم ٥ جويلية من يولية الإفرنجي سنة ١٨٦٩. وكذلك مجلس المداخيل المعطاة للدين الواقع ترتيبه عملاً بالتأويل المنعقد في ٢٣ مارس سنة ١٨٧٠ ما عدا ما يتضمنه الفصل الرابع الآتي: وبموجب ذلك على مجلس الإدارة المذكورة أن يسلم خدمته يوم ١٢ من أكتوبر المذكور مساء لإدارة القمارق ولإدارة الإداءات المختلفة ولقابض الدولة العام بالحاضرة وبالجهات الأخرى التي له فيها نواب. وبناءً على ذلك فإن الموجود تحت يد المجلس المذكور من المبالغ دون كاغد التانبر، ومن الرهونات التي دفعها نوابه، واللزامة تدفع لقابض الدولة العام محلات بلدان العمالة الأخرى إن كانت المبالغ والرهونات المذكورة من علائق البلدان الأخرى. وأما الكاغد التانبر الموجود بالحاضرة فإنه يدفع لقابض عموم الأداءات المختلفة وأن كان بغير الحاضرة فإنه يدفع لنواب الكمرك عند تسليم المبالغ والرهونات المتقدم ذكرها لهم. ويشتمل هذا الإبطال على ثلاثة عشر فصلاً من أهمها الفصل الخامس: إدارة المال تتولى استخلاص جميع مداخيل المملكة كما أن جميع المشارعات التي يقتضيها الحال يباشرها مدير المال بدولتنا أو من ينوبه فيها.

стр. 460

وإنما وقع في هذا الفصل أن إدارة المال تتولى استخلاص جميع مداخيل المملكة لأن الميزانية التونسية كانت منقسمة بين الدولة وبين الكومسيون المالي. ومن أهم فصوله الفصل الثامن: ولاية مدير المال تصدر منا مباشرة بمقتضى طلب سفير دولة فرنسا المقيم بحاضرتنا. وتصدر أوامر أيضاً بطلب من مدير المال لدولتنا في ولاية كل من كاهية مدير المال ومدير الداءات المختلفة، والكمارك ورؤساء الأقسام والكتابة بإدارة المال، وكذلك منفقدو الإدارة المذكورة والخدمات المالية وقابض الدولة العام، والمترجم الأول بإدارة المال، وقابض عموم الأداءات المختلفة وقابض عموم الكمارك ووكيل أملاك الدولة والمكلف بالغابة وناظر دار السكة ووكيل الرابطة. والفصل التاسع: أعطى هذا الفصل الصلاحية لمدير المال في بقية المستخدمين. والأمر الصادر بإبطال الكومسيون المالي انتزع كل الاختصاصات المالية من أيدي التونسيين وجعلها في يد مدير المال الفرنسي. وقد أصبحت هذه الإدارة بعد برهة غدارة فرنسية تتصرف في حظوظ البلاد المالية. ملحق (٥) المجلس الشوري المجلس الشوري المتحدث عنه بالمدح وإطناب الشكر من المؤلف حتى عده من اعظم مآثر هذا الأمير الفائز بالسبق على سائر الأمجاد قلب فيه المؤلف الحقيقة رأساً على عقب. وكان من حقه أن يأتي بالقبضة على وجهها الصحيح، فإن لهذا المجلس قضية تعد من أهم القضايا التونسية أبلى فيها أهل المجلس الشرعي وبالأخص القاضي المالكي البلاء السن. وتفصيل هذه القضية حسبما ذكره المطلع عليها الشيخ محمد بيرم الخامس ونصه: "ومنها أن أحد الأغنياء من الأهالي توظف في الحكومة المسمى بمحمد عريف توفي ﵀ عن غير ولد وكانت له بنات من ابنه فأوقف كسبه عليهن وعلى من يتزايد له، وبعد وفاته وضعت زوجه حملها فكان ولداً ذكراً ثم توفي في إثر ذلك. وقد كان القاضي، وهو القاضي الجد محمد الطاهر النيفر الذي تولى القضاء من سنة ١٢٩٠ إلى سنة ١٣١١ جعل وصياً على البنات وحفظ الوقف والمنقول، فطلب التابع أن ينقل حكم النازلة من الشريعة إلى الوزارة على خلاف الديانة والعادة من تحكيم الشرع في المواريث والأوقاف. وأرسل الوزير وهو مصطفى بن إسماعيل مكتوباً بأن يسلم رسوم الوقف إلى كاتبين أحدهما من خواص الوزير والثاني من الوزارة مع الوعد في المكتوب بأن الوزارة بعد الإطلاع على الحجج ترجعها وكان المتسلم لها أبا الزوجة وهو وكيلها مع أحد الكاتبين. فطال الزمن أي زمن تسلم الرسوم من الوزارة فلم ترجعها حسب الوعد، وأبلغ الوصي إلى القاضي التخوف على الرسوم إذ شاع أنها سيقع فيها تغيير فأرسل إلى أبي الزوجة وإلى الكاتب اللذين اسلما الرسوم بطلب إرجاع الرسوم فأبيا فأحضرهما فامتنعأن فسجن أبا الزوجة حيث إنه المتسلم وأخبر بأن الرسوم بعلو في داخل المحكمة الشرعية هو محل اشتغال الكاتب المذكور حيث كان من شهود الأوقاف وذلك العلو هو مكان اجتماعهم فبعد أن ألح القاضي على الكاتب وامتناعه أمر بأن يمنع من دخول العلو خشية إخراج الرسوم منه وبقي القاضي بمحل حكمه على الهيبة الشرعية حسبما سبق التعريف بذلك من كون أهل الشرع بتونس لهم من التعظيم والتوقير قريباً مما كان عليه الحال في الأعصر المعظمة للديانة وشعائرها. فما كان غير بعيد إلا وعلي بالزي المذكور قام فضرب باب العلو برجله وكسر قفله وأمر الكاتب بالصعود وإخراج الرسوم، وأخرج المسجون وأمره بالذهاب حيث شاء، وقدم على القاضي وباشره بما لا يناسب ذكره، وفشا الخبر وعظم الأمر عند العلماء والعامة إلى درجة لم تعهد، فأبطلت الدروس من الجامع الأعظم، وأغلقت دار الشريعة وكثر اللغط وسرى إلى خارج الحاضرة. وأبلغ أمر النازلة إلى الوزير ابن إسماعيل فأراد أن يهون النازلة بمنع تابعه من القدوم إلى تونس وأرسل معلماً إلى القاضي بأنه سجنه فلم يلتفت لذلك العلماء وتقدم الشيخ احمد بن الخوجة شيخ الإسلام وجمع العلماء مراراً واظهر أشد الانتصار للشرع وكتب جميع المجلس الشرعي مكتوباً وأرسلوه إلى الوالي قصداً بلا واسطة الوزير على خلاف المعتاد وقدم به رسولهم على الوالي في مجلس الشريعة لأن رئيسهم تقرب إليه الوزير سراً فانحط حرصه وتوجهت أطماع البعض إلى المسابقة لإرضاء الوزير فأجابوه بنعم.
следующие страницы →