Полный текст (488 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
سابعها: أن شأني ظريف، ومزاري خفيف، لا خبر ولا سديف، ولا عسل ولا رغيف، ولا قهر ولا صليف، إنما هو أنس يبذل، ونفسي في التقابض تعدل، ومذاكرة تهز دوحها، وتنشق روحها، أما القرى فقد كفى سيدنا الشيخ مؤونته الثقيلة، ولم يحوج لتشويش العقل واستخدام الفعيلة، فليت شعري ما الذي عارض هذه الأصول، ومنع السيد من الوصول، وما دليله في المحصول، اللهم إلا أن يقول عمل أهل المدينة ينافيها، فهذا ربما يقنع النفس ولا يكفيها، على أن جل البلد منحسم الأمل، لا يرى مذهب العمل، أو يقول إني مشغول، وفي حبالة المطالعة موغول، قلنا فهلا جعلنا مولانا من جملة أشغاله، ومنح العبيد بنزر من نواله، وهلا إذ لم يتفضل سيدنا بالقدوم، أذن لنا في زيارة مقامه المخدوم، ولم يعتمد عذراً يقتضيه الكرم، والمنصب المحترم، فلن تزل رعاك الله الأفاضل إلى التماس البر ذات اشتياق، والعرف بين الله والناس باق، والغيرة على المنصب مفروضة، والأعمال معروضة، والله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة. وكثيراً ما كنت أسأل عن زيارتكم لظنا فأجمل المفسر، وألم وغذا بناديهم حللت فإنهم=خرسٌ شقاقهم وإن لم تزأرِ
لله تونسك التي بوأتها ... كم أحرزت بعلاكمُ من مفخر
مني عليك تحيةٌ نفاحاتها ... تربي على مسكٍ يفوح وعنبر
ما غرَّدتْ قمريةٌ في دوحةٍ ... وبدا سنا ذاك الجبينِ الأزهر
وتلا محبُّكمُ المخلُ بحقكمْ ... اسمكعْ أبا اسحق قولي واعذرِ
فأجابه الشيخ ابراهيم الرياحي عن ذلك بقوله: [الكامل]
روحي فداك من الملمِّ المعتري ... ولوَ أنه يبتاع كنتُ المشتري
وأنا الذي بتخلُّفي أصبحتُ في ... ندم فيا ويلاه إن لم تغفر
يا خير من حسد العقودُ قريضه ... فتناثرت منها "صحاح الجوهر"
وأجلّ من ذان القريضُ لطبعه ... وبنثره سحرَ النهي إن ينثر
وأرق من ساري النسيم إذا انبرى ... لطفاً وأسوغ من زلال الكوثر
أعني الهمام ابنَ الفقيه محمَّداً ... شيخَ الهداة وقدوةَ المستبصر
ومن العلومُ بنقده وذكائه ... تزهو على الحور الحسان وتزدري
الدرسُ لا يهوى سوى تقريره ... وسواه لا تهوى مراقي المنبر
وإذا لثام الجهل غطَّى مشكلاً ... كشف اللثامَ عن الجبينِ المسفر
ببراعةٍ من دون نيل أقلّها ... حرب البسوس وهول يوم المحشر
يا عاذلي في حبه أقصر فما ... أنا عن هواه المستلذ بمقصر
ما كنت فيه مقلداً غير الهوى ... فأطل ملامك بعد ذا أو قصر
إن كنت تسمع ما سمعت فإنني ... من حسنه أبصرت ما لم تبصر
تسليك منه فكاهة فكأنها ... راح براحة أغيد متبختر
ليس الغريب بأنسه في غربة ... بل من برؤية وجهه لم يظفر
حيا معاهد أنسه برق الحيا ... وسقى "سلا"سوب الأغر الممطر
بلد به سطعت لوامع نوره ... فغدا بوجه ضاحك مستبشر
لا زال منه الغرب مشرق شمسه ... و"سلا" به أبهى وأبهج منظر
وعليه من محض الوداد تحية ... أذكى من المسك الفتيق وعنبر
ما قال ذو وجد بحبك داعياً ... روحي فداك من الملم المعتري
ومن متعلقات تعلق أعيان المغرب به وحسن العلاقة التي ثبتت له معهم بسبب تلك السفارة المسفرة عن غرر آدابه أنه في أول سنة إحدى وأربعين قدم الشيخ محمد عربي الدمناتيأحد كتبة الإنشاء بحاضرة فاس إلى حاضرة تونس مجتازاً لحج بيت الله الحرام غير أنه لم يلاق مراده من الشيخ إبراهيم الرياحي بتونس ولذلك كتب إليه مكتوب عتاب بناه على سبعة أسباب وهذا نصه: [الطويل]
ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم ... ضعفنا فلم نقدر على الوخدان
أتيناكم من بُعد أرض نزوركم ... وكم منزل بكر لنا وعوان
نسألكم هل من قرى لنزيلكم ... بملء جفون لا بملء جفان؟
стр. 72
السيد الذي لساني مرتهن حمده وجفاني مستودع سره سيدي إبراهيم الراحي بعد إهداء السلام وأداء ما يجب لكم من الإعظام فأقسم بمن فضلك على أبناء جنسك وجعل يومك في الفضل مربئاً عن أمسك ما من يوم إلا ولي فيه لعلاك ذكر وحمد وشكر وهم بلقائك وفكر لما شرفت به من خلالكم وبديع كمالكم وكنت أبقاك الله لاغتباطي بولائك وسروري بلقائك أود أن أطوي لك المرحلة وأجدد العهد بملقاتك المؤلمة ولم يكن همي مع فراغ البال وإسعاف الآمال ومساعدة الأيام والليال إذا الشمل جميع والزمن كله ربيع والدهر مطيع وسميع إلا زيارتكم وأن أرى الأفق الذي طلعت فيهأنجم الهداية وكانت إليه العودجة ومنه البداية فلما حم الواقع وحسنت منه المواقع حجبتم بروقكم ومنعتم عنه صبوحكم وغبوقكم [الوافر]
يريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبى الله إلا ما يشاء
وقد كنت على البعد ظمآناً لهذه الموارد فها أنا الآن في جواركم رائدفكيف أنصرف انصراف الظمآن شارف العذب الزلال فلم يشرب أو المحب نوى ساعة اللقاء فما أبان ولا أعرب وقد كنت زمن تجمعني وإياكم الحضرة السلطانية على معرفتك متهالكاً ونهج الإخاء سالكاً لما يلوح على محياك من سيماء المجد والحيا والشيم الدالة على العليا والمحبة رعاكم الله لا يتوقف على طول مشاهدة طرف ولا مباشرة حسن ولا ظرف وفضلكم يأبى أن يقابل هذه الحجة بصرف أو يبعد من إنكاره على حرف وهي وإن كانت دعوى فلها إسناد إلى قوله "الأرواح أجناد" وطالما قبض محبكم العنان وزجر البنان وأمل اللقاء وحوم وعرج على طالب الصبر ويمم ولم يجد إلا الصعيد فتيمم فأصدرت هذه متوسلة بوسيلة الحب الصحيح والتعريض إلى التصريح قائلة: زيارة سيدي الشيخ أبقاه الله محط الآمال وقبلة الوجوه وبلغه ما يؤمله من فضله ويرجوه تجب من وجوه.
أولها: أنك شيخ البلد ومفتي الفئة التي أنست برورها الأهل والولد.
[الطويل]
ولا عيب فيهم غير أن ضيوفهم ... تلام بنسيان الأحبة والوطن
ثانيها: كوني ضيفاً وممن لا يعد عند الاختبار زيفاً ولا تجر مؤانسته حيفاً فضلاً عن أن تشرع رمحاً أو تسل سيفاً.
ثالثها: رعاية الرحم بالصلة والتي هي لكل خير موصلة وقاعدة الفضل قد قررها الحق وأصلها والرحم كما علمتم تدعو لمن وصلها.
رابعها: أن الاهتزاز للضيف يقتضيه القدر السمي والخلق العلمي وفضل متواتر نقله عمن رضي دينه وعقله.
خامسها: أن اسمك الأسمى يقتضي الإكرام ووصفك كفيل بنيل المرام.
سادسها: البدء في هذا الغرض وإن كانت الواو لا ترتب إلا بالعرض هو المشاركة في محبة المولى المرحوم فلقد كنت منه كالولد البار كما كان له بكم غاية الاحتفال والاعتبار.
стр. 73
سابعها: أن شأني ظريف ومزاري خفيف لا خبز ولا سديف ولا عسل ولا رغيف ولا قهر ولا صليف إنما هو أنس يبذل ونفس في التقابض تعدل ومذاكرة تهز دوحها وتنشق روحها أما القرى فقد كفى سيدنا الشيخ مؤونته الثقيلة ولم يحوج لتشويش العقل واستخدام الفعيلة فليت شعري ما الذي عارض هذا الأصول ومنع السيد من الوصول وما دليله في المحصول اللهم إلا أن يقول عمل أهل المدينة ينافيها فهذا ربما يقنع النفس ولا يكفيها على أن جل البلد منحسم الأمل لا يرى مذهب العمل أو يقول إني مشغول وفي حبال المطالعة موغول قلنا فهلا جعلنا مولانا من جملة أشغاله ومنح العبيد بنزر من نواله وهلا إذا لم يتفضل سيدنا بالقدوم أذن لنا في زيارة مقامه المخدوم ولم يعتمد عذراً يقتضيه الكرم والمنصب المحترم فلم تزل -رعاك الله- الأفضل إلى التماس البر ذات اشتياق والعرف بين الله والناس باق والغيرة على المنصب مفروضة والأعمال معروضة والله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة وكثير ما كنت أسأل عن زيارتكم لنا فأجمل المفسر وألم بالكذب بما تيسر، وربما طرق من الاستحيا، واعتذر على ما بي من الإعيا، ولما ضاق مني العطن، وحان أوان الرجوع إلى الوطن، بثثت اعتقادي، ونفثت في عقد ودادي، فإن قضي اللقاء حصل الكمال، واستوفيت الآمال، وتظافرت النيات والأعمال، وارتفع من سوء القصد الإهمال، وحاجة نفس قضيت، وأحكام آمال ارتضيت، وإن اتصل الفراق فعين على القذاء أغضيت، ومناصل ما وصل انتصيت، وبكل حال فالثناء جميل، وإن لم يقض من برك تأميل، وشكري لشكر الخلق فيك تبع، وإن لم يقع في جوارك ري ولا شبع، ولا تؤاخذ فالقصور باد إذا تؤمل، والإغضاء أول ما أمل، فإنما هي فكرة أخمدت نارها الأيام، وغيرت آثارها من البنين سهام، وما ألممت به إنما هو دعابة تخف على أهل النبل، ومن يسلك من السفر أوضح سبل، والله يمتع بعد لقائك أمين، والسلام. متمم صفر عام ١٢٤١.
[الكامل]
إن العتاب صقالُ كل مودَّةٍ ... صديت ومغمدُ كل حقدٍ مصلت
وهو المسيحُ يميتُ كل مخيلةٍ ... حييتْ ويحيى كل ودٍّ ميّتِ
وقد أجابه الشيخ ابراهيم الرياحي عن ذلك بما نصه: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهو الله في السماء وفي الأرض، يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيئين وإمام المرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين، إلى يوم الدين".
[الطويل]
عجبت وهل ذا الدهر إلاّ عجائبٌ ... لمن قال ذا عتبٌ بحسن بيانِ
أتيناكمُ من بعد أرض نزوركم ... وكم منزلٍ بكر لنا وعوان
نسائلكم هل من قرى لنزيلكم ... بملء جفونٍ لا بملء جفان
أتاتوننا قصد الزيارة ثمَّ لا ... توافوننا من بعد نيل تلدان
وتغنون بالإرسالِ عن وصل حبَّكم ... وقد صار منك الوصلُ طوعَ بنان
لقد جلّ هذا الحب حتى كأنَّه ... سرابٌ تراءى لامعاً لعيان
وساءلتمُ ملءَ الجفونِ قراكمُ ... أشرتم إلى بخلٍ بملء أوان
بعيشك ما صد الجفونَ عن القرى ... وما احتجبت في لقياه للوخدان
وقد لاح لي في شرح ذاك ضمائر ... أنزِّهُ عن إعرابهن لساني
كتابك أيها السيد الذي بذَّ الأقران، وأذكر بإحسان بيانه بيان حسان، لعله مجرد إبراز لإبريز البلاغة، ومحض حسن تخيل ببنان البيان صاغه، وإهمال المراقبة لأمر العاقبة أساغه، تبغي بنفثاته البابلية قلب الحقائق العقلية والنقلية، وإلا فكيف يسوغ في معقول أو منقول، قرب الحبيب وما إليه وصول، والقناعة عن ملء الجفون برسول بعدما ادعيتم من معاناة البعد والبعد، ومكابدة الشوق الطويل المديد، وقد قال القرب "هذا ما لدي عتيد"، أو أن حبكم ملبني على غير أساس، أو لم يعذ من شر الجنة والناس، فابتلي عقده بالفسخ، وقبل التبليغ وقع النسخ، ثم إنك لم تأل جهداً في السباب، وأتيت من فنونه بالعجب العجاب، ورمت ترويجه على أولي الألباب، باسم الدعابة والعتاب، وهل تخفى الشمس ليس دونها حجاب. فكنتم كهادم محل سكناه، أو كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، ولو كان القلب مازال تستفزه البروق، وصهباء الشباب بمزاج السرور تروق، لجريت معك في هذا الميدان، خليع العذار طلق العنان، وأثبت متشابه كتابك بأتم بيان، ولكن.
[الطويل]
стр. 74
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله
"والله سبحانه يقابل جميعاً بالعفو، ويسامحنا فيما ارتكبناه من اللغو. والسلام" أ. هـ? أما رجوع الشيخ ابراهيم الرياحي من سفارته، فقد شاد له أعلى المفاخر في ذاته وإدارته. إذ حسن موقع حسن مساعيه لدى الأمير والمأمور، وعد ذلك من السعي المشكور، وأضاف الشيخ بذلك لنفسه مفاخر، عاد بها بحر حسن ذكره في أهل العلم زاخراً.
ولما عزل أستاذه الشيخ عمر المحجوب من خططه استدعاه الأمير حمودة باشا لخطة قضاء الحضرة وأكرهه عليها بعد شدة امتناعه، فقبل الخطة ووليها صبيحة يوم السبت منسلخ صفر الخير سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف وقبل التهنئة من الخاصة والعامة وقد سأله الشيخ حمد بن الخوجة القاضي الحنفي يومئذ عما أعده من الكتب للخطة فقال له: أعددت كتاب ابن رحال فعجب منه حيث أن ابن رحال له شرح على المختصر الخليلي، وهو يسأله عن كتب النوازل التي جرى العمل بما فيها بين القضاة بحاضرة تونس. لكن من الغد كشف الغيب على أن الشيخ خرج إلى زاوية تلميذه الشيخ محمد بن ملوكة خارج باب القرجاني فبات بها وأصبح مرتحلاً إلى زغوان ونزل بزاوية الشيخ سيدي علي عزوز ﵁ فراراً من الخطة. فلم يكن اعتماده إلا على ابن رحال وأقام بزغوان إلى ان أولى الأمير الشيخ اسماعيل التميمي قاضياً بالحضرة فعاد عند ذلك إلى الحاضرة وثبت على طريقته في بث العلم، وانتفع خلق كثير بما أقرأه من الكتب. وعند وفاة أستاذه الشيخ محمد الفاسي تقدم عوضه للتدريس بجامع يوسف صاحب الطابع مع مشيخة مدرسته، وأقام درسي تفسير القاضي البيضاوي وصححي البخاري، وحضرهما كثير من علماء تلامذته.
ولما قدم إلى حاضرة تونس الشيخ الطاهر بن عبد الصادق أحد تلامذة الشيخ أحمد التجاني سنة ثمان وثلاثين استصحب معه الشيخ ابراهيم الرياحي في رجوعه، فسافر صحبته إلى تماسين للاجتماع بالخليفة في الطريقة التجانية، الشيخ الحاج علي التماسيني ﵃ أجمعين.فزار في طريقه مدينة القيروان وقطع الصحراء، ووصل إلى تماسين، واجتمع بالخليفة وطلب منه مداواة أمراض النفس الباطنية فنال منه الدواء الناجع، والسر النافع، ورجع محصلاً على المراد، من حسن الإمداد، وخرج لحج بيت الله الحرام يوم السبت الثاني عشر من جمادى الثانية سنة إحدى وأربعين وامتحن في طريقه بفرقة من الإغريق اعترضوا المركب الذي ركبه الشيخ واستأسروا المركب وقادوه معهم فأخذ الشيخ يذكر "سيجعل الله بعد عسر يسرا"، "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" فتداركهم الله برحمة من عنده، ونجاهم بسبب ريح عاصف فرق ما بين المركبين، وحال بينهما الموج. وفي عشية الواقعة على الشيخ ظهر على أستاذه الشيخ البشير حال عظيم منع به الداخلين عليه وصرح في آخر أمره بالتأسف على ابن تربيته، حتى ظن الحاضرون وفاته وكادوا أن يياسوا من قدومه وانجلى الغيب عن الواقعة المذكورة ولما قضى نسكه رجع إلى حاضرة تونس ثاني عيد الفطر سنة اثنين وأربعين ومائتين وألف واتخذ العلماء مقدمه عيداً وهنأه تلميذه الوزير المؤرخ الشيخ أحمد بن أبي الضياف بقصيدة من مبادي شعره، وهي قوله: [الطويل]
قدمتَ وتفدى بالنفوس مع الأهلِ ... كما جاء درُّ الغيث في الزمنِ المحل
وإلا كما جاء المراد لطالب ... وإلاَّ كسيف الجدِّ في منهج الهزل
وإلاّ كما بانت وجوهُ بشائرٍ ... تخلِّصُ غرقي في بحارٍ من الوحلِ
وإلا كصبح الوصل أشرق نوره ... فأذهبَ ليلاً قد تبدي من العزل
بعدنا عن التشبيه جهلاً وإنما ... لرؤية ابراهيمَ فضلٌ على الكل
فكيف ودر العلم قد جاءَ بحرهُ ... وهل لمجيء البحر تبصرُ من مثل؟
ففي حادث اليام بعد أوانه ... فكيف أرى الأيام في غاية البخل
سرى ذكره كالنيِّرين معطراً ... وعمّ جميع النا طراً بلا مهل
وسار لبيت الله والعزُّ متبعٌ ... وشدد بالتقوى شديدَ ذرى النزل
فحصَّل من تلك البقاع مغانماً ... مفاتيح فتح لا ترام ولا تملي
وجاد على الأقطار من وبل علمه ... فأينع غصن العلم من ذلك الوبل
وقد شرف الأمحار أخمص رجله ... ولله من عز حوته من الرِّجلِ
стр. 75
وخلَّف من زهر الثناء مناسماً ... يفوح شذاها في رياضٍ من القول
وآب كما آب الزمان لأهله ... وقد زادَ بالأضعاف فضلاً على مفضل
فكان لنا عيدانِ عيدُ قدومه ... وعيدٌ لختم الصوم فأعجب لذا الشمل
فهذا إمام الدين أقبل غانماً ... ليهتز بالأفراح منْ كان ذا عقل
ولو نظرتْ عيناك يوم قدومه ... رأيتَ ثغورَ الأرض تبسمُ بالفعل
ألا أيها المولى الذي حسناته ... تزيد على الأمواج والقطر والرمل
هنيئاً لجند العلم أقبل نصرهُ ... وبشِّرْ جنودَ الجهل بالطعن والقتل
بقيت على رغمِ الحسودِ معظَّماً ... وطيبُ شذا علياك أحلى من الوصلِ
ولاقاك كل اليمن والخير حيثما ... قدمت وتفدى بالنفوس مع الأهل
ولما توفي أستاذه رئيس أهل الشورى من المفاتي المالكية الشيخ اسماعيل التميمي طلبه الأمير حسين باشا باي قدس الله روحه، فأحضره بباردو، وأراد أن يقلده الرئاسة المذكورة ابتداءً ليزين الخطة الشرعية بعلمه وعمله، فامتنع من ذلك كل الامتناع، إلى أن قامت عليه شهادة في تعين الخطة عليه، وذلك أن الأمير لما أعياه أمره، وجه لمراودته لسان دولته وكاتب سره، فخاطبه لسان الدولة الشيخ محمد الأصرم بقوله: إن الخطة متعينة عليك، فكيف يسوغ لك عدم قبولها، فقال له الشيخ: ومن يشهد معك بتعين الخطة علي؟ فشهد بذلك كاتب السر الشيخ أحمد بن أبي الضياف فقال الأمير: هل قبلت شهادتهما؟ فقال له: نعم، وعند ذلك قبل الخطة المذكورة، ولبس رادءها. وعند خروجه من مجلس الأمير ألقى على الأرض الكابة السوداء من أعلى كتفيه، لما فيها من الحرير. وكان ذلك أواخر جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف.
وتقدم بذلك على المفتي الثاني الشيخ محمد المحجوب، والمفتي الثالث الشيخ الشاذلي بن المؤدب، وقاضي الحضرة الشيخ محمد البحري، وقاضي باردو المولى الجد الشيخ محمد السنوسي. ولم يتغير واحد منهم لتقدمه ﵃ أجمعين.
وقد هنأه بالخطة المذكورة تلميذه الشيخ محمد بن سلامة بقوله: [الكامل]
يا سعد لمْ قد طال فيك الموعد ... ووثيق عهدك دائماً يتجددُ
كم علَّلتني منْ عهودك نسمةٌ ... إن صادفت مني الرجا يتوقَّد
عهدي بأن الدهر قد باع الكرى ... وله غداً ثمن المبيع الإثمد
كيف التخلص من خوادع مكره ... وبلوغك الآمال فيمن تسعد
بشرى بني هذا الزمان بمنةٍ ... شأن الزمان بمثلها لا ينجد
شتان بين صنيعه فيما نرى ... ووقوع أمرٍ مثلهُ مستبعد
ما كنت أحسب قبله حتى بدا ... أنَّ الجفون من الليالي ترقد
فكأنه غض الجفون بمهجة ... من بعد ما قال طال منه تسهُّد
فزهت من الإنصاف ورق ذوي العلا ... وصفا من الأكدار شربٌ يوردُ
ولقي البرية ما لقت من غرة ... من ذي الولاية أنعم لا تجحدُ
مذ قيل قد لبس الرئاسةَ فاضلٌ ... جيد العلوم بفضله متقلد
وازداد في معنى الفتاوى مذ غدت ... تاجاً على هام الجلالة يعقد
يكفي المناصبَ عزةً في نيلها ... أنْ كفؤها دنيا وديناً أوحدُ
أعني أبا اسحاق منْ بذلت له ... مهر المعارف عكس ما قد يعهد
فسواه يلفي في الولاية رفعة ... وبه الولاية عزها يتأكَّد
خطبته عذرا خطبة من نفسها ... علمت بأنه كفؤها المتفرد
فلها الهناء وقد غدا في افقها ... شمساً لها غضَّ الجفونَ الأرمدُ
وهبتْ إليه المكرماتُ طريفها ... وتليدها وقفاً عليه يؤبَّد
دنيا العلوم وعالم الدنيا ومن ... سندُ العلوم إليه وهو المسند
أضحى بسلك العلم وسطي عقده ... وبه بدا علمُ السلوك ينضَّدُ
معنى البيان معنى فقهه ... وأصوله ركن إليه مشيَّد
شيخ الطريقة والحقيقة والهدى ... بحرُ المعارف والمعالي المزبدُ
ما جال في حرب العويصة فكرهُ ... إلاّ به جيش العويص يبدد
أوِ ما تشرَّد نافرٌ إلا غدا ... وجميعهُ رهنٌ لديه مقيَّد
الفاضلُ النحرير من داعي الهدى ... برشاده إن جاز عني مرشد
فاسعدْ به يا دهر إنّك عبده ... وأشرف به يا سعدُ إنَّك سيد
стр. 76
واعلم بأنك يا كمال هلاله ... بدر اهتداء نزله لا يقعد
ما الفخر إلا ما اكتسبت وإنما ... درجُ المعالي بعدكم لا تصعد
خذوها كوجه الأفق وشّاه الدجى ... وبهامهِ عقدُ النجوم منضَّد
فإنما تلك السطور مجرَّةٌ ... وكأن ذاك النقطَ منها الفرقد
وإذا رفيعُ الشَّعرِ باهي شعرها ... فلها بمدحك مدحة لا توجد
فسواك يعلو بالقريض ثناؤهُ ... وبك القريض ثناؤه يتأيَّد
وإذا مددتَ لها اليمين تحيةً ... ورضيتها فهو المنى والمقصد
فابذل لها مهرَ القبول ودم لها ... فبقاك للموجود عيشٌ أرغد
وانحل أباها دعوة من نحوكم ... فبها على رغم الليالي يسعد
وقد قام بخطة رئاسة الفتوى، وزانها بالعلم والتقوى، وكتب في الفتاوى كتائب محفوظة بين اهل العلم، منها رسالة ألفها أواخر سنة خمس وستين في الإعذار، رفع فيها الستار، وكشف النقاب عن دقائق الأنظار. ولذلك قرظها شيخ الإسلام الشيخ محمد بيرم الثالث بقوله: [الكامل]
نسختْ بحكمة حكمها الأنظارُ ... رفعَ النزاع وحققَّ الإمعذار
وخزائن التحقيق مهما فتَّحتْ ... برزت لها من طيها الأنوار
ما كنت أحسب قبل ذوق زلالها ... أنّ النهي تبدو بها أقمار
حكم الضمير بأنَّ ناظم درِّها ... عدمتْ له الأشباه والأنظار
لو ساغ إخراج الضمير لنسخة ... من حكمه ظهرت بها الآثار
لكننا في غنية عن ذاك إذ ... مطلوبنا فازت به الأنصار
فهو الإمام وكل فحل دونه ... علم الهدى للناس منه فخار
وهو الكبير يود كل موفق ... ختمت بنور علومه الأعصار
وقرظها تلميذه المفتي الثالث يومئذ الشيخ محمد بيرم الرابع بقوله: [الكامل]
خضعت لعزَّةِ قدرها الأقدارُ ... وتضاءلت لسموها الأقمار
وبدت على هام العلا تاجاً له ... درر أجادت نظمها الأفكار
حسناء حسب ذوي النهي أن ينصتوا ... لحديثها الإذعان والإقرار
لكن وإن وصفت بكل فضيلة ... فوليها عدمتْ له الأنظار
هو ذلك العلمُ الذي ركب العلا ... وله على صهواتها استقرار
جبل العلوم وبحرها ومنارها ... وزعيمها وسحابها المدرار
يا من يجل عن المدائح قدره ... ولوَ أنَّها درر غلت ونضار
أبتِ العالي أن ترى ثانياً ... وتكفلت بمرادها الأقدار
فلذاك لحتَ وأنت مفرد أفقها ... ومنيرها الأعلى ولا إنكار
زال فكرك مبدياً لجواهرٍ ... في نيلها تتنافس الأحرار
ومن رسائله تحريره لمسألة إراقة خمر المسلم وتعقب الخلاف الذي وقع في تفضيل الحكم بالنظر لتطهيرها بالتخليل ونحوه مما استدركه الشيخ أبو مهدي عيسى الغبريني على الشيخ الشبيبي ﵃.
وله رسالة في تمكين من امتثل دفع بعض دين عليه وادعى في باقية لدى قاض مالكي من المطلوبية والتنقل بالنزلة إلى قاض حنفي.
ورسالة في إثبات حق الحضانة للحاضنة ولو التزم الولي بالنفقة من مال نفسه.
ورسالة أجاب بها الشيخ محمد المسعودي قاضي رأس الجبل عن مسألة من استدعي للحلف على المصحف فقال: ائتوني به وأنا أعفس عليه بساقي وأنه لا تلزمه الردة، حيث أن مراده أنه حالف على الحق.
ومسألة مجاعلة وكيل الخصام بأجر معين على إتمام النازلة، وبسط في المسألتين بسطاً شافياً.
ورسالة في المأجل المشترك.
وله أجوبة أسئلة كثيرة. منها: جواب في شفعة شريك ادعى شريكه وقوع القسمة.
وجواب في الفرق بين الحمار الأهلي والحمار الوحشي.
وجواب في سطح الجامع وبيان ما يخالف فيه الجامع وما له حكمه.
وجواب فيمن نسي تكبيرات العيد ولم يأت إلا بتكبيرة الإحرام.
وجواب أجاب به الأمير حسين باي في جواز معاوضة العقار بالدرهم وجواز تحويل أبواب المساجد لمراعاة مصلحة.
وله اجوبة مسائل وردت إليه من غدامس، ومسائل وردت إليه من نواحي سوف، ومسائل أجاب بها قاضي الحضرة الشيخ محمد بن سلامة، ومسائل أجاب بها كثيراً من قضاة المملكة وغيرها من أفراد السائلين بحيث أن مجموعها يعد من عزيز الفتاوي وهو ﵁ يميل في كتائبه للاختصار وتحرير ما به الحاجة في المسألة.
стр. 77
ولما شاعت فتنة الوهابي، ووردت رسالته إلى الحاضرة، كتب هو رسالة في الرد عليه حيث يقول بمنع زيارة الأولياء، وهدم المشاهد والزوايا، ة وتحريم ذبائحها إلى غير ذلك مما فتن به العباد. ولحسن هذه الرسالة في الرد عليه قرظها شيخ الإسلام البيرمي الثالث بقوله: [الكامل]
روض العلوم تدفقت أنهارهُ ... وتفتقت بعبيرها أزهارهُ
لرسالة فاقت على نظرائها ... ما فاق عن زهر السما أقماره
وانجاب عن وجه الصواب بما حوت ... من حسن تحقيقاتها أستاره
لم لا ومنشئها أبو اسحاق منْ ... بين الأفاضل لا يشق غباره
ذاك الذي قد جد في طلب العلا ... حتى علا بين الملا مقداره
فغذا وتحقيق العلوم شعاره ... وبدا وحل المشكلات دثاره
وبذاك تحريراته قد أنبأت ... والحبر من شهدت له آثاره
لازال في أوج المعالي راقياً ... ما انجاب عن ليل الشكوك نهاره
ولما وردت رسالة عالم مصر وصالحها الشيخ محمد النميلي التونسي الأصل التي سماها "الصوارم والأسنة" رد بها على الشيخ أحمد التجاني في بعض كتائبه في صفة الكلام من علم التوحيد انتصر الشيخ ابراهيم إلى أستاذه، وكتب رسالة في ذلك سماها "المبرد". لكن لما بلغت رسالة "المبرد" إلى الشيخ النميلي كتب في الرد عليها نحو خمسة وأربعين كراساً في علم الكلام. فير أنير لم أقف على كتابة واحد من الشيوخ الثلاثة في المسالة. وعهدي بأحد محققي شيوخنا ﵃ قرر لنا طرفاً من كلامهم في مدلول القرآن ومدلول صفة الكلام في درس العقائد النسفية. وغاية ما يمكن لي أن أقوله الآن في أمثالهم ﵃ أجمعين: إن كل واحد منهم إنما يتبع الحق، ويقصد تأييد مذهب أهل السنة على حسب ما يراه مما قامت عليه الأدلة عنده، سيما ومشرب الشيخ التجاني ﵁ باطني، على أن كل العلماء راد ومردود عليه إلا صاحب القبر الشريف ﵊.
وقد بلغني أن الشيخ ابراهيم لما خرج إلى حجته الأخيرة، واجتاز على مصر، أقام بها نحو خمسة عشر يوماً يطلب الاجتماع بالشيخ النميلي، كما هو شان أمثالهما ﵄ ولما اطلع شيخ الإسلام البيرمي الثالث على رسالة "المبرد" كتب عليها مقرظاً بقوله: [الطويل]
أزهر تبدي نافحاً من كمائمِ ... أمِ الدُّرُّ منظوماً بنحر النواعمِ
تيقنت لا هذا ولا ذا وإنما ... جواهرُ علم صاغها فكرُ عالم
وذاك أبو اسحاق من عز أن يرى ... ضريبٌ له في العرب أو في الأعاجم
إمام غدا التحقيقُ طوع ذكائه ... يعدُّ إلى ذاك الذكا من لوازم
وناهيك ما أبداه في هذه التي ... غدت في يمين للعلا فصَّ خاتم
أتت بالتي لا مثلها من عجيبة ... تقاصر عن إدراكها كل فاهم
وأبدت من التحقيق ما جاء ناسخاً ... لليلٍ عريقٍ في الجهالة فاحم
فلا زال يأتي من جواهرِ لفظه ... ببرهان قطع للتشكك حاسم
ينظِّم منه الدر تاجاً ويزدهي ... ويغشى محياه طلاقة باسم
وله رسالة "دفع اللجاج في نازلة ابن الحاج" ألفمها حين خالفه قاضي الحضرة الشيخ محمد البحري في الناوزلة، ومع ذلك فإن الأمير مصطفى باشا رفع الخلاف بين الشيخين وأذن بالعمل بما رأه الشيخ القاضي، وقرظ الرسالة المذكورة ولده الشيخ علي الرياحي بقوله: [الطويل]
قطعت لجاج الحيف ميلاً إلى الحقِّ ... فأصبح نور الشرع نتضح الطُّرقِ
وقمتَ فبيَّنتَ الصواب فأنكروا ... ومالوا إلى الأهواء في واضح الحق
أينكرُ ضوء البدر عند كماله ... ويجحدُ نور الشمس لو لاح بالأفق؟
فلا زلت في الدنيا مؤيَّد شرعنا ... وجوزيت يوم الفصل بالمقعد الصدق
بجاه رسول الله خيرةِ رسله ... عليه صلاة الله ما دمت في الخلق
وقد تفاقم الخلاف في النازلة بين الشيخين وكثر فيها القيل والقال واختلف فيها ميل الناس حتى أنشد فيها المولى الجد الشيخ محمد السنوسي قاضي باردو يومئذ من شعره قوله: [الوافر]
إذا اختلفتْ على البحر الرياحُ ... فلا يرجى لراكبه نجاحُ
وساء لمت توسط بين هذا ... وهذا من مهالكه صباحُ
فللغرق المآل إذا تدانى ... وفي استعلائه كسر يتاح
стр. 78
وكان الخيرُ في وسط يرجَّى ... وهذا في توسطه نياح
وقد حجبَ الخصومُ عن التلاقي ... فلا فصل يكون ولا اصطلاح
ولا المحجوب يسلمُ عند هذا ... فكان له من الفرقِ الفلاح
ولا جريُ الرياح لها سكون ... نرجَّاه فيرتفع الجناح
ولا هول البحور له خمود ... به يؤرجى لعابره رواح
وحيث إن الشيخ محمد البحري من تلامذة الشيخ ابراهيم لم يرض منه تلك المخالفة التي أفضت إلى هدم سياج الاحترام، سيما وقد انتصر عليه بالأمير حتى أفضى الحال بالشيخ إلى الاستعفاء من خطته غير أن الأمير لم يقبل استعفاءه، ومتكوبه الذي عرض به استعفاءه هذا نصه: "المنة لله الذي اصطفى، لنصر الدين وإعزاز الملك سيدنا مصطفى، ووصل به رحم الشريعة بعد القطيعة والجفا، فها هو في رفع قواعدها كالساعي بين المروة والصفا، لازالت موارد أعدائه في كدر وموارده في صفا.
أما بعد تقبيل يد القدر العلي، بشفاه الإجلال الصفي، والحب الوفي، فإن معظم قدركم لم يطلب الإقالة إلا لما عيل صبري، وضاق ذرعاً أمري، فإني منذ توليتها وأنا حزين الفؤاد حتى وهن العظم مني، واشتد ضعف الكبر في سني، وهذا القدر كاف، في تفضلكم علي بالإسعاف، كيف وقد انضم إلى ذلك ما لا صبر لأحد عليه وهو مواجهتنا على رؤوس الأشهاد، بإساءة الأدب في ذلك الناد، ممن كنا نلقَّمه ثدي التعليم، ويرعانا بعين الإجلال والتعظيم، ثم إنه لم يقنع بسنان لسانه، حتى شرع إلينا رمح بنانه، فهل بعد هذا التعدي من إذلال، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ فإذا تفضل علينا سيدنا دامت معاليه، وسعدت أيامه ولياليه، برفع اليد عن رضا منه، فقد اطلع في شأننا على الكنه، ومن علينا بالعتاق، وإن رضي بالأخرى وأنا كاره، فرضاه جنة الدنيا وحفت الجنة بالمكاره، والدعاء ببلوغ المرام، ختام الكلام والسلام".
وبعد أن انتهت النازلة على وفق مراد قاضي الحضرة الشيخ البحري طلب منه المسامحة حفظاً لحق المشيخة غير أن الشيخ ابراهيم لم يسمح له بالعفو، حتى أنه لما خرج للحج بالنيابة عن الأمير مصطفى باشا عرض شكايته به على الحضرة النبوية عليها من الله أفضل الصلاة وأزكى التحية، وقد ضمن تشكيه في القصيدة التي أنشدها في الروضة الشريفة وهي قوله: [الطويل]
إليك رسولَ الله جئت من البعدِ ... أبثك ما بالقلب من ألم الوقد
بغى وطغى مستكبراً متشبثاً ... بوهم يقود النفس للخطا المردي
وصار رقيباً مبغضاً متجسساً ... يقصر طولَ الليل في الرد والنقد
وعبدك يا خيرَ البرية غافل ... ظننت به خيراً لما مرَّ رمن ودِّ
ترفّع للدنيا بخفضيَ جاهداً ... معاناً بأنذال عرِّيين عن رشدِ
وبالغ في خفضي إلى أن غدا على ... لسان الورى يتلى جهاراً بلا جحد
ولم يرع أيّاماً يرانيَ شيخه ... ومرشده الهادي ومنعمه المهدي
ولا خاف لوماً في القطيعة لا ولا ... عقاباً من المولى على ناكث العهد
فهذا رسول الله إجمالُ مكرهٍ ... وتفصيلهُ يا سيِّدي ليس في جهدي
ألا يا رسولَ الله ضيفك سائلٌ ... وهل ضيفُ أصلِ الجودِ يكرمُ بالطرد؟
ألا يا رسول الله برِّدْ جوانحي ... بدائرة تسعى إليه بلا بعد
عليك صلاة الله ما لاح بارق ... وأزكى سلام دونه فوحة الند
وعلى كل حال فإن بلوغ النازلة بين الأساتذة وتلميذه إلى هذا الحد إنما كان بسعايه السعاة من الواشين، نسأل الله أن يرضيهما بأعلى عليين، بجاه خير المرسلين.
وقد كان خروج الشيخ ابراهيم للحجة المذكورة على نفقة الباشا السابق الذكر، ليودي عنه الفريضة صبيحة يوم السبت الثاني من شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف، ورجع يوم الأحد الثامن من شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وأسرع الأمير لرحمة ربه بعد يومين من قدومه، فكانت وفاته إثر مغفرة الذنب والبرء من كلومه. وبوفاة الأمير استحالت الحال على الشيخ القاضي المذكور، وأتاه محتوم الأجل بعد تسعة من الشهور، عامل الله جميعهم بالغفران، وأرضاهم في نعيم الجنان، بجاه سيد ولد عدنان.
стр. 79
يقال: إن المشير الأول أحمد باشا كان يقول: إنه لم يقتل والدي غير دعاء الشيخ ابراهيم، ولذلك كان يتحامى جانبه، ويجل مكانته، حتى إنه لما أراد أن يقدم خليطه العالم الشيخ محمد بن سلامة إلى خطة الفتيا لم يتجاسر على خطة الشيخ ابراهيم وأولاه مفتياً ثانياً فوق من عداه، وقد أحس الشيخ ابراهيم من ذلك حتى قال: شيئان لا يقعان في الدنيا؛ حفيدتي لا يتزوج بها ولد حفيز خوجة، وابن سلامة لا يقعد مقعدي.
وكانت حفيدته ابنه الشيخ الطيب أعطاها أبوها لأحد أبناء حفيز خوجة عن كره منه، فلم تمض مدة بعد مقاله ذلك، وإذا بالبنت توفيت قبل الزفاف.
وتقدم الشيخ محمد بن سلامة فتوفي قبله بسبعة وأربعين يوماً، قيل: إنه لما بلغه خبر وفاته قال: الآن طابت نفسي يعني للموت رحمة الله.
وقد تحيزه المشير المذكور سفيراً لدار الخلافة العثمانية على عهد المقدس السلطان محمود خان في طلب إعفاء الإمارة التونسية مما عينه عليها من الخراج السنوي الذي أرسل بطلبه، فسافر إلى الآستانة العلية صبيحة يوم السبت الثامن من ربيع الثاني سنة أربع وخمسين ومائتين ألف. واستصحب معه مكتوب المشير إلى الحضرة السلطانية، وهو من إنشاء كاتب سره الوزير المؤرخ الشيخ أحمد بن أبي الضياف. وهذا نصه: "اللهم بالثناء عليك، نتقرب إليك، يا فاتح أبواب القبول واقبال، ومانح المنح التي لا تمر شواردها على البال، لايقصد إلا وجهك بالنقاصد الزكية والأعمال، تنزهت في العظمة والجلال، ولم تول عبادك الإهمال، بمحض الرحمة والإفضال، فأقمت لهم خليفة تعرض عليه الأحوال، ويدفع عنهم بإعانتك الأرسال، ويسوسهم لصالحهم في الحال والمآل، صلى الله على سيدنا محمد خاتم الإرسال، والملجأ المنيع عند اشتداد الأزمة والأهوال، وعلى صحبه والآل، الذين ورثوه في الأقوال والأعمال، وسرت مكارمهم بهديه سري الأمثال.
ونستوهب منك عزاً لا يبلغ حده، ونصراً يمضي في الأعداء حده، لهذه الدولة العلية، والسلطنة العثمانية، والمملكة الخاقانية، التي ترفعت من الملة الحنيفية، وشيدت من معالمها بنياناً، وأقامت للحق قسطاساً وميزاناً، وورث ملوكها الأرض وهم الصالحون سلطاناً يتبع سلطاناً، حتى استنار الوجود بخليفة الوقت الموجود، وهو مولانا السلطان الأعظم محمود. اللهم أعنا على ما أوجبت له من فروض الطاعة، وتأدية الحق بجهد الاستطاعة، واحفظنا بعدله ورفقه من الإضاعة، واجعل الملك فيه وفي عقبه إلى قيام الساعة، وعطف قلبه لسماع هذه الضراعة، من إيالة تونس ومن بها من الجماعة، على لسان (أحمد) عبد خدمته، ورق نعمته، المقيم على طاعته فيها، والمجتني من ثمرتها ما يلزمها ويكفيها، وطاعة سلطانك فرض على أهل الأرض، وهي عند الله أنمى قرض، فإذا لم يعرض الحال لديك فعلى من العرض؟ وهذه عمالة تونس دار الجهاد، ومقر رعيتك والأجناد، ومرسى جواريك الأعلام، وموضع شعائر الإسلام، غريبة ببعدها عن استمطار أياديك الجسام، ومساحة أرضها مسير نحو الخمسة أيام.
стр. 80
شأن أهلها التمعش من الزيت والبر، والصوف والوبر، يعانون في تحصيلها ألم الحر والقر، هذا غالب ما يسد لهم الخلة، ويوجد غيره لكن على قلة، ومقدار زكاة ذلك لا محالة، بحسب اتساع العمالة، فما يفضل من خصبها فهو للقحط عدة، وبذلك دام عمرانها لهذه المدة، لا فضل من ذلك للترف، ولو في سبيل شرف، هذا معظم دخل القطر، إذا جادت السحب بالقطر. إذا جادت السحب بالقطر. ويلزمه ضرورة لإقامة عمرانه، وحماية أوطانه، وتأمين سكانه، وإصلاح مراسيه وبلدانه، حمادة وأجناد، في كل وجهة وبلاد. لتأمين الجبال والوهاد، وردع أهل الفساد، من العربان البواد، ويلزم العساكر الكسوة والإطعام، والمرتب على الدوام، ولابد لهذا العدد، من آلات وعدد، وقوام هذا المال، وهو السبب في عرض الحال، فإن الدخل على قدر الإنفاق، وذلك بشهادة الله غاية ما يطاق، ولو كلفنا الرعية بالمشاق، ونزعنا الرفق والإشفاق، يكون لهم ذريعة للنفاق، وسلماً للشقاق، وربما هرعوا للدولة العلية شيوخاً وولداناً، وكهولاً وشباناً، يسوقهم العجز ويقودهم الأمل، إلى من في طاعته النيات منا والعمل، فالسلطان ظل الله في أرضه يأوي إليه كل مظلوم، وهذا من الواضح المعلوم، وعبدك حسبه تأمين البلاد، وحفظها من طوارق الفساد، بما معه من الحماة والأجناد، سهرنا لإنامة أجفانها، وتعبنا لإراحة شيوخها وولدانها، واقتحمنا المخاوف لأمانها، وما تنتجه غلاتها تسد به خلاتها، وعلى هذه السيرة ولاتها، لايقتنون لأنفسهم مالاً، ولو بسطوا لذلك آمالاً، إلا ما يقتضيه الحال من العادات المألوفة، والمراسم المعروفة، يصدهم عن ذلك عدم اليسار، لا زهد الأبرار، والله المطلع على الأسرار.
وبما بلغنا من الإعلام، وبسط الكلام في هؤلاء الإسلام، يظهر للقائم بمصالح الأنام، أن لا قدرة لهذه الإيالة على أداء المال في كل عام، إذ المصروف في طاعة الله وطاعته، والله حسبنا في إهماله وإضاعته. هذه ضراعة رعيتك، المستمسكين بطاعتك، المستجيرين بحمايتك، المستنظرين لرحمتك وحنانتك، المرتجين لعنايتك وإعانتك، قمت بتبليغها بين يدي سلطنتك الخاقانية، وهمتك العثمانية، فتبليغها من الواجب في حقي، وهو ثمرة طاعتي وصدقي، والمأمول من تلك الهمة، النظر إلى بلادك بعين الرحمة، فإن هذا المال في خزائن الدولاة العلية عمرها الله لايزيد، وثقله على هذا القطر شديد، فارحم يا مولانا ضراعتنا، ولا تفرق بما لا نطيق جماعتنا، فإن الأمر جلل، وما قررناه من بعض الأسباب والعلل، وقد أعيتنا الحيل، فلم نجد إتمام الطلب إلا بتنقيص عمل، يفضي إلى نقص وخلل، أو تثقيل على الرعية يقطع الأمل، ويضعف بسبب ذلك هذا العمران، وتشتد الحاجة للاستمداد من مولانا السلطان، والله يجيرنا من حوادث الأزمان. وهذه العمالة وديعة تحت أقفاك، تلتجئ إلى همتك من إهمالك، وتنتشق من ريح عنايتك نفحة، وتترقب من محيا رضاك لمحة، هذه وسيلة من بعدت داره، ولم يجعل بيده اختياره، على لسان حاضرتك تونس، مع عمالها المونس، وصالح مصرها، وإمام عصرها، شيخ الجماعة ومفتيها، ومنفذ الشريعة وممضيها، الذي دانت له البلاد ببنيها، ونالت به الملة أقصى أمانيها، الساري ذكر تآليفه في جميع الأقطار والنواحي، الشيخ سيدي ابراهيم الرياحي، وجهته حالتنا وانتظرت، ومن سحائب رحمتك استمطرت، فإن العلماء ورثة الأنبياء، وأعلام الدنيا، وهداة الأمة، فعلى أيديهم تطلب الرحمة، وتدفع الخطوب المدلهمة، والدولة تأمرنا بإعزاز الدين وأهله، وتعظيم العلم ومحله.
اللهم أنت اعلم بنا منا، فلا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا، وارزقنا الرحمة من سلطاننا، وألهمه لإعانة أوطاننا، وأعنا على حوادث زماننا، إنك سميع قدير، وبالإجابة جدير، وكتب في أشرف الربيعين سنة ١٢٥٤ أربع وخمسين وألف ومائتين. أ. هـ?.
ولما بلغ الشيخ إلى دار الخلافة حصل له الاحتفال، ووقع تلقيه بالإجلال، وعظم لديه إكرام العلماء والأنجاد، وسره منظر البلاد، ولذلك أشد فيها قوله: [الكامل]
بلد الخلافة في الجمال فريدُ ... ولشأنه غرضٌ مداه بعيد
من ظن يحسنُ وصفه فكأمكما ... نحو الصعود إلى السماء يريد
стр. 81
وقد تلقته الحضرة السلطانية بالقبول، وأحظي منها باللقاء المأمول، ولما دخل الموكب السلطاني، افتتح حال دخوله يتلو قوله تعالى: (يوجد آية) الآية بحسن صوته الجهوري الذي يلين له الحجر الصلد. قيل إن جميع من حضر في ذلك الموكب انسكبت دموعهم، ولاقى من الحضرة السلطانية غاية التكريم، وأنشد بين يدي السلطان قصيدته المديحية التي أبدع إيجادها وهي قوله: [البسيط]
العزُّ بالله للسلطان "محمود" ... ابن السلطان محمود فمحمود
خليفة الله ما أعلاه من شبه ... بآدٍ ونبيّ الله داود
من آل عثمان سادات الملوك ومن ... جاؤوا كعقد من الياقوت منضود
سادوا الأنام وشادوا الدين وافتتحوا ... من كل ما فيه خير كلَّ مسدود
هم السلاطين ما ذرَّت وما غربتْ ... شمسٌ على مثلهم في نصر توحيد
وجاء سلطاننا المحمود بعدهمُ ... بكل رأي من الآراء مسعودِ
وربما جهل الإنسان مقصده ... فجاء فيه بقول غيرِ مقصود
لم يعطهِ اللهُ ملكاً في خليقته ... إلا لمعنى من الأغيار مفقود
دانت لدولته الأعناق خاضعة ... من كل ذي ولد منهم ومولود
تخشى السلاطين من بعدٍ موارده ... لما له من جلال غيرِ مجحود
وكل باشا وإن جلت مكانتهُ ... فليس غيرَ فتى في الرقِّ مصفود
أعزَّ دينَ الهدى إنْ يخشَ منقصة ... بكل قرم من الإسلام صنديد
وقوة من لدن رب العلا بهرت ... برّاً وبحراً بنظم غير معهود
العجمُ تشهدها والعربُ تعلمها ... شرقاً وغرباً من البيضان والسود
أنت المذلُّ لعبَّاد الصليب وإن ... لوى الزمان بإنجاز لموعود
لا يخلف اللهُ في نصرٍ مواعده ... لكنْ إلى اجل في العلم معدود
أنت المؤمَّل في كل المهمَّ فمنْ ... أتى لبابك قصداً غيرُ مطرود
وقد أتيتك من أقصى البلاد وفي ... ظني الجميلِ بلوغي منك مقصودي
دامت معاليك للإسلام مرحمة ... وللطغاة عذاباً غيرَ مردود
بحرمة المصطفى المهدي الإله له ... أزكى تحيته من غير تحديد
تعم أتباعه في الدين قاطبةً ... والخلفاءَ إلى السلطان محمود
وبعد ذلك عرض طلبته على الحضرة السلطانية بقصيدته الثانية التي صرح فيها بالغرض وهي قوله: [الطويل]
ركبتُ متونَ اللجّ وهي لها رجف ... وأوراحها بالسابحات لها عصفُ
ولي منه أهوالٌ يود رهينها ... وقد خشي الإغلاق لو جاءه الحتف
ولكنَّني ما زلت أمزج مرَّها ... بحلو رجاءٍ طاب منه ليَ الرشف
عسى مقلتي تحظى بأنور غرّة ... على غرة الرائي سناها له عطف
خليفةِ رب العالمين وظلَّه ... إذا اشتد بأسُ الدهر فهو له كهفُ
فإني صرفت الوجه نحو فنائه ... وأنزلت رحلي حيث يمتنع الصَّرفُ
إلى حضرة السلطان محمودٍ الذي ... ملوك الورى رقٌ لدولته صرف
أيا عزَّةَ الإسلام إن خاف ذلة ... ويا مفرغ الأملاك إن مسهم وجف
لك الأرض ملك والسماء مؤازر ... وعون إله العرش رمحك والسيف
فما ثم فوقَ الأرض من لم يكن له ... رجاءُ أياديك الجليلة والخوفُ
يرجيك مسكينٌ ويخشاك قاهر ... فللأول الجدوى وللآخر القصف
لك الحمد في كل البسيطة عابقٌ ... له مشرقُ الدنيا ومغربها أنف
بذكرك تهتزُّ المنابر بهجةً ... وباسمك أفواه الدعاء لها هتف
إذا ما دعوا بالنصر مدّت ضراعةً ... أكفُّ ونحو العرش مدَّ لها طرف
خصوصاً لدى البيت العتيق وروضةٍ ... لكون سحاب الجود منك لها وكف
فأخصب بعد الجهد والجد عيشهم ... ومن بحرك الطامي تأتي لها غرف
وكم لك يا مولاي من حسن خلّة ... توحَّدُ إن عدت وفي ضمنها ألفُ
تذكر أسلافنا كراماً تقدموا ... سلاطينَ جائتنا بأنبائها الصحف
بدولتهم جاء الكتاب منبهاً ... وفي الأنبيا عند الختام أتى الوصفُ
وإن فاتح الأرض سليمان جنده ... لهم أجناد الورى إرثها وقف
وفاتح إسلامبولَ جاء مديحه ... عن المصطفى رفعاً وليس به وقف
مضوا ومزيد اللّطف لم يمضِ حيثما ... سليلهم المحمود آثارهم يقفو
стр. 82
نعم يا أميرَ المسلمينَ وكهفهمْ ... إذا مسَّهمْ ضر فمنك له كشف
أتيتك ضيفاً مشتغيثاً وشأنكم ... إغاثة لهفان وأن يكرم الضيف
توالى علينا الضّعف من كل جانب ... وما زال ذاك الضعف يتبعه ضعف
فجئناك نبغي العفوَ واللّطفَ والرضا ... وهل من سواك العفو يطلب واللطف؟
فعشيةُ منْ ترضى عليه هنيئةٌ ... وكيف لعيشٍ دون عفوك أن يصفو؟
رضاك رضا المولى لأنك ظله ... وللظل من أوصاف صاحبه وصف
أدام لنا المولى إضاءة شمسه ... وليس لها يوماً غروب ولا كسف
بجاه نبي الله سيدنا الذي ... له خلقٌ يقضي عليه بأن يعفو
عليه صلاةُ الله ما ذر شارق ... وما حطّ بالأقلام في طرسها حرف
وللآل والأصحاب طيب تحية ... يفوح على الأتباع من نشرها عرف
وخاطب الصدر الأعظم بالدولة العلية يومئذ في طلبته بقوله: [الكامل]
الصدر الأعظم مقصد المتوسل ... وهو المؤمل في القضاء المنزلِ
ولذاك من أقصى البلاد أتيته ... للفوز منه ببرء داء معضل
يا ملجأ الصلحاء والعلماء ال? ... ?وزرا ومن في الناس ذو قدر كعلي
كالنَّد أو كالعطر أو المسك ما ... يحويه عرضك من ثناء أجمل
فبما حباك الله من خلق سرى ... كالراح في الأرواح لا في المفصل
وحباك من خلق كأن الشمس في ... شرفٍ ترى في وجهك المتهلِّل
اشفع لنا فيما دهى "ترشيش" من ... إلزامها غرم الخراج المثقل
الفقر يمنعها وما تخشاه من ... شر الحوادث في الزمان المقبل
أرجو لك البشرى بنيل شفاعةٍ ... تأتيك من عندِ الرسول الأفضل
دامت علاك لمن أحبك جنةً ... بنعيمها قلب الحواسد مصطلي
وقد حصل من الحضرة السلطانية على إسعافه بترك طلب الخراج، ومنحت شخصه عطية فاخرة وهي حقة مرصعة برفيع الألماس. واجتمع هنالك بعالم الملة، وشيخ الإسلام الشيخ أحمد عارف وتأكدت بينهمات المخالطة وتراسلا بمراسلات شعرية منها أن الشيخ ابراهيم كتب إليه مستعيراً كتاب "الجواهر" بقوله: [البسيط المخلع]
يا عارفٌ منه فاح عرفٌ ... في أنف أهل الوجود عاطرْ
لو لم تكن في العلوم بحراً ... لم نؤت من عندك الجواهر
فوف بالوعد مع رسولٍ ... أتاك أني بذاك شاكر
فكتب إليه الشيخ أحمد عارف يستدعيه إلى محله ليعطيه الكتاب المذكور بقوله:
يا من غدا نظمه الجواهرْ ... ونثرهُ للآلي ناثرْ
والعلم روض ذكا شذاه ... بنشر أنفاسك العواطر
لو لم أكن في قيود رسم ... لزرتكم روا الزواخر
فاسمح ولح يا سميرَ بدرٍ ... عليّ إني لذاك شاكر
لا تأبه يا محيط فضلٍ ... فالبحر يجري على الجواهر
وقد استجازه شيخ الإسلام المذكور فأجاز له إجازة شعرية وهي قوله: [الكامل]
حمداً لمكرمنا بأيّ عوارف ... شمخت عن الإحصا بأنف آنفِ
وصلاته وسلامه أبداً على ... مجلي الرجا بصوارم وعوارف
ولكل من والاه أغدقُ رحمةٍ ... ينهلُّ دائمها انهلال الواكف
هذا ولما ساقني القدر الذي ... ما في وقوع صروفه من صارف
نحو "القسطنطينيّة" البلد الذي ... لايستطاع جماله للواصف
نفحت لروحي نفحةٌ مسكيةٌ ... كانت مسكِّنةً لقلبي الواجف
وأنار لي منها ضياءٌ خاطفٌ ... خلتُ البيوتَ سماءَ ذاك الخاطف
فسألت ما هذا النسيمُ وذا الضيا ... قالوا ألمْ تسمع بأحمد عارف
ذاك الذي أخلاقه كالراح في ... لطف يلذُّ مذاقه للراشف
أوْ أنها "هارت" في سحر النهى ... إن لم نقل سر سرى من "آصف"
وإذا رأيتَ جبينه متهللاً ... فعلى بدور التّم لستَ بآسلف
وغذا سمعتَ علومه فاسمع إلى ... تلك البحور طمتْ فهل من غارف
قسماً بما يحويه من حسب ومن ... نسب وفضل لاحق أو سالف
لو أبصر النعمانُ بهجةَ حسنه ... لاهتز عطفاً كاهتزاز العاطف
هذا ومن عجبٍ رأيت سؤاله ... مني إجازته كشيخ عارف
كلا وإنّي والذي رفع العلا ... أحرى بأن أروي عليه صحائفي
لكنني لا أستطيع خلافه ... وعليه فيما شاء لست بخالف
стр. 83
فأقول إني قد أجزت له الذي ... قد صحّ لي من تالد أو طارف
موصى لإبراهيمَ منه بدعوة ... يرجو الرياح بها أمان الخائف
وكتب إليه شيخ الإسلام المذكور بقوله: [الطويل]
جزى الله أستاذي جزاءً مضاعفاً ... ومتعه في جنّة الخلد بالنَّظرْ
وبلغه من فضله ما يرومه ... بحرمة طه الهاشمي سيد البشر
أيا سيدي إن المحب مقتصر ... بما مسّه في الجسم من شدة الضرر
ويرجو بظهر الغيب صالح دعوة ... لعلّ بها مولاه يكشف ذا الكدر
وذكراك لي فضلاً على حسب وعدكم ... ولا سيما والوعد دينٌ كما اشتهر
وكان قدومه إلى حاضرة تونس من دار الخلافة العثمانية يوم السادس عشر من شهر رجب الأصب سنة أربع وخمسين ومائتين وألف، وقد خلف في تلك الديار، صيتاً ملأ الأقطار، وغطى على الشمس في رابعة النهار، فتليت آيات فضله بين المغرب والمشرق، وأضحى كوكب مجده بكل فخر يلمع ويشرق، وقد كتب إليه في هذا المقدم الميمون تلميذه الشيخ محمد بن سلامة بقصيدة أرسلها إليه ايام إقامته بحلق الوادي في الكرنتينة قبل نزوله إلى الحاضرة. وهي قوله: [الوافر]
كتابي ناب عن تقبيل كفٍ ... براحةِ رحبها نلتُ ارتياحي
إذا قبلتْ ومدَّتْ عن قبول ... وحيتني بأنفاسِ "الرياحي"
وأزهر كاشري منها شميم ... نوافحُ نشره طيبُ النفاح
فأنعش عرفه روض الأماني ... وأخصب مزنه مرعى بطاحي
وساق صباها لي نصراً لبيرا ... فأبرا للضنا مبرا الرماح
لبست به المآمن خير درع ... غداةَ السُّقمِ جاهر بالكفاح
باراهيمَ أبراني اعتلال ... وسالمني على خفض الجناح
إمامَ العالمين إليك عذري ... بدا برهانه مثلَ الصباح
إذا ما الوصل بالأحشاء فرض ... ووصل الصوم من صور المباح
فما يجزي التخلف من مراضٍ ... ملاقاة الكثير من الصحاح
ولولا السقم سرت إليك حبواً ... ولكن شرعنا رفع الجناح
فيهنيك القدوم بخير أمن ... ويمنٍ تم في عقد الصلاح
أتيتَ بما فيه فرح البرايا ... وصير جاشها رحب المراح
وساعد حزمك المقدورُ لمّا ... صفا منك الضمير صفا القراح
مسايرة التوكل أي عون ... بها ذو العزم يهي للنجاح
ومن عرف الإله فلا يبالي ... لدى العزم الصحيح بقول لاح
عرفتَ الله أكبرَ كلِّ شيء ... فأكبرك الملوك على سماح
علمتَ بما علمت فكان معنى ... أمورك كلها نيل الرَّباح
فروضُ العلم يثمر كل خير ... وتقوى الله عنوان الفلاح
بما قد نلتُ من عمل وعلمٍ ... أعنّي بالدعاء على الصلاح
وأمطرْ من رضاك مجاح جسمي ... ليزهو جدبة بعد الكلاح
إلى مولى جليل، من ذهن فاتر كليل، رهين أسقامه، في لياليه وأيامه، لكنه مغفور الزلل إن كان مقبول العذر في كل مكان يقبل الكفين، ويستنشق شذا تينك الراحتين، بعد السلام الذي هو تحية الإسلام، ممن في اسمك له خير فال، كما في لقبه لمقامك دوام حال، هذا المأمول، وعلى الله تعالى القبول، والسلام.
ولما توفي الإمام الشريف الثاني تحرى المشير أحمد باشا باي فيمن يقدمه للخطة المذكورة، فقدم ابراهيم اتلرياحي غمام أكبر بجامع الزيتونة أواخر جمادى الثانية سنة خمس وخمسين ومائتين وألف، وتقدم بذلك على خليفة الجامع الشريف محمود محسن ونائبه الإمام الثالث الشيخ الشاذلي بن المؤدب، ولم يتغير واحد لتقدمه عليهما، وبذلك جمع بين الإمامة الكبرى بجامع الزيتونة ورئاسة الفتوى، ولم تجتمعا لأحد قبله، وقد هنأه تلميذه الموثق الفرضي الأديب الشيخ الحاج محمد بن يونس فقال: [الطويل]
أدرْ ذكرَ نعمانٍ وذكرَ غرامه ... فعرف الصَّبا أهدى إلينا خزامهُ
وأرَّجَ أرجاء البطاح بنشره ... وسجّع في رند العقيق حمامهُ
وهز غصون البان في دوحة النقا ... وأثر في الزهر الوسيم ابتسامهُ
ولاح المنى والوصل والدهر مسعد ... يرنِّح للغصن القويم قوامهُ
تمتع بذا واشرب مياه كجنَّة ... تنزَّهْ فوجه البشر حطَّ لثامهُ
وسرب العلا والفضل آنس أهله ... على باب ابراهيم ألقى خيامه
стр. 84
حوى السبقَ ابراهيمُ في خطط العلا ... وأصبح للبيت العتيق إمامه
فوافاه في نور يزاد لنوره ... وشيد بالمعنى الزكي علامهُ
فما حقَّ ثوبُ الفضل إلا لأهله ... فإن مقام المرء حيث أقامهُ
وأنت أبا اسحق قطب رحائها ... علوت من الفضل العظيم سنامهُ
وأنت له أهل إذا جد جدُّها ... وطيب الثنا أهدى إليك زمامه
فضلت الألى سادوا بعلم ورفعة ... أرى كل ذي فضل سبقت إمامه
إذا جرّ فن النحو فقت "خليله" ... تنير له المعنى الذي قد أقامه
إذاى جرّ فن الفقه فقت "خليله" ... تبين فتواه وتجلى انبهامه
غمام علوم الدين طراً بأسرها ... همام بذكر الله حلَّى كلامه
إمان الهدى والعلم والفضل والتقى ... وللفضل والتوفيق شدّ حزامه
يفيد الورى علماً وهدياً بحكمه ... ويهدي الحجا نفعاً نفى ما أضامه
على منبر حياً وأحيا بوعظه ... فؤاداً به خطب وأحيا منامه
هناءً له أبقى الإله ثناءه ... وفي الجامع المعمور نال مرامه
وأضحى له التاريخ: يسطع نوره ... فيا فوز ابراهيم حاز مقامه
[ ... ١٢٥٥ ... ] وقد زان بعلمه وعلمه المحراب والمنبر، وأطلق من عبير مواعظه المسك الأذفر، فخطب من إنشائه خطباً بليغه يلين لها االصلد، وتنسكب الدموع لها عند السرد، غذ تنثر بحسن نظامها لآلئ الدموع، وتسخر الشرس بلطفها إلى أحسن الذكر المسموع، مع صدأة صوته الجهوري، وتأثير عمله في نفس كل سميدع سري، وتلاوة تقشعر لها الجلود خشية وليناً، وتنذهل الألباب وتحن لها الأرواح حنيناً، وقد أنشأ خطباً لعموم أسابيع الحول، وزاد عليها خطباً أخرى في أغراض كثيرة عرضت فأطنب فيها القول، وجميع ما له من الخطب، معدود عند البلغاء من نفائس النخب، بل إن خطبة قد اتخذها خواص خطباء البلاد التونسية للاستعمال، وقل من بلغ في الاستحصال على نفائسها إلى غاية الآمال، وقد كان العالم النبيه، علي بنيه، جمع منها ديواناً، حلاه بديباجة وأودعه نيفاً وعشرين خطبة برعت أفناناً، فكان من أنفس دواوين الخطب، التي يرغب فيها كل عارف بخبايا المواعظ ولطائف الأدب.
وهو أول إمام قرأ المولد الشريف بجامع الزيتونة يوم الثاني عشر من ربيع الأول باحتفال يحضره الأمير والعلماء ورجال الدولة بملابسهم الرسمية أمام المحراب، وألف لذلك مولداً لطيفاً، مازال محفوظاً عند علماء المملكة التونسية يتلى يوم المولد الشريف في جوامع حواضر المملكة لحسن إيجازه مع استيعابه لمهمات أخبار المولد الشريف وناهيك بما خلده بهذا الصنيع الجميل.
وقد كان قائماً على حدود الله مع نفوذ وتأييد إلهي لا تأخذه في الله لومة لائم حتى أنه يؤد شيئاً من المكوس التي وظفتها الدولة إذ ذاك على الراعي والرعية، يقوم الله في حقوقه ولا يخشى في ذلك أحداً.
خرج يوم المولد النبوي لقصد التوجه إلى جامع الزيتونة، فوجد عند بابه أرملة وأولادها عيلة رجل يسمى السعدي قد أقام في السجن في الكراكة مدة فضجوا بين يديه ضجة واحدة وتراموا عليه يسألونه بجاه الله ورسوله أن يشفع لهم في السجين المذكور عند المشير، فأجابهم لذلك، ولما أتم قراءة المولد، وأخذ المشير يحادثه عرض عليه شفاعته في السعدي، فقال له المشير: إنه مؤبد، ولم يستكمل كلمته حتى استعاذ الشيخ بالله، وقال التأبيد الله ونهض يكررها قبل إتمام الموكب، وقد بهت المشير من ذلك بمرأى ومسمع من جميع الحاضرين، وعند ذلك قام على إثره الوزير ولسان الدولة يعتذران عن صدور تلك المقالة من الوالي وأعلماه بأنه أصدر إذنه بتخلية سبيل السعدي.
стр. 85
أما اعتكافه على بث العلم في صدور الرجال، فقد بلغ منه إلى غاية الآمال، وانتفع يعلمه جميع علماء البلاد، حتى كان شيخ شيوخها في ذلك العصر، وأتى على أعالي الكتب ختماً بجامع الزيتونة وجامع صاحب الطابع وداره، إلى غير ذلك من الجهات التي كان يلازم التدريس فيها. وقد ختم صحيح البخاري بشرح القسطلاني بجامع يوسف صاحب الطابع، وكانت بداءته له عند تمام بناء الجامع سنة تسع وعشرين ومائتين وألف عند تقدمه لمشيخة مدرسته، وأقام على تدريسه أكثر من ثلاثين سنة إلى أن أتم ختمه بحضور ابنيته العالمين، ومن انضم إليهما من علماء تلامذته، وتبارى شعراء الدرس في مديحه في موكب الختام، وتناشدوا بدائع النظام، وقد وقفت على ديباجه من إنشاء طيب بنيه في هذا الختم الميمون، ولذلك رأيت أن أثبتها مع تلك القصائد التي ترزي بالدر المصون. ونصها: "حمداً لمن رفع مقام العلم وأهله، ووصل سبب انقطاعهم إليه بحبله، وأتم عليهم سابع النعمة بفضله، وصلاة وسلاماً دائمين متلازمين على فاتحة كتاب الوجود وأصله، وخاتمة أنبيائه ورسله، الجامع لخلال الكمال والمستولي على أمد خصله، وعلى آله وأصحابه الذين أكمل الله بهم دينه وجمع مفترق شمله.
وبعد، فلما كان ضحى يوم السبت العاشر من جمادى الثانية من عام واحد وستين ومائتين وألف، من الله بحضور مجلس ختم الجامع الصحيح للإمام البخاري بشرح الشيخ شهاب الدين القسطلاني، على أستاذنا علامة الزمان، ومنار الإيمان، شيخ الشيوخ، وبقية أهل الاجتهاد والرسوخ، الجامع بين الطريقة والحقيقة جمع أولي الصدق واليقين، ناصر الملة والدين، أبو اسحاق والدنا طيناً وديناً سيدنا ابراهيم الرياحي متع الله ببقائه، وأدام في أوج السعادة كمال ارتقائه. أ. هـ?.
وأما القصائد التي أنشدت في ذلك الموكب فأولاها من إنشاء ولده العالم الخطيب الشيخ الطيب الرياحي. وهي قوله: [الخفيف]
غرَّةُ السعد أسفرتْ بابتسام ... وتجلَّى نجمُ الهدى في تسام
والزمانُ المسيءُ تاب وأبدى ... لبنيه طرائفَ الإكرام
نسخ اليسرُ عسره مثل ما قد ... نسخ الصبيحُ آية الإظلام
وانبرت للمدى أماني نفوس ... كن أسرى حوادث الأيام
منن لم يجلن في الفكر لولا ... بركات المولى الجليل الهمام
ذلك السيد الإمام المرجَّى ... بسنا وجهه انسجام الغمام
صدر أعيان زمرة المجد حقاً ... وإمام الأيمة الأعلام
مالك العصر عالم المصر بالقص ... ر وشيخ الشيوخ بين الأنام
حائز السبق في مدى الفضل حاو ... في اقتسام العلى معلَّى السهام
عضد الدين (سعده) (ناصر الم ... لة) بالحق (حجة الإسلام)
نور عين الزمان علماً وحلماً ... وتقى في جلالة واحترام
حافظ السنة الزكية مبدٍ ... نورَ أسرارها بغير اكتتام
عمدة الفقه غاية السؤل فيه ... وشفاء الصدور في الأحكام
وتقاريره الرياض ولكن ... تثمر الدُّرَّ في يد الأفهام
تتسامى درى المنابر منه ... ومحاريبها بخير إمام
ليس إلا بذهنه تسمع الص ... م وتحيا بصائرُ الأغتام
ليس إلاّ بذهنه تتجلَّى ... نكتُ العلم في دجى الأوهام
ليس إلا بلفظه العذب تتلى ... سورُ الذكر في دياجي الظلام
ليس إلا به اقتناء المزايا ... واقتباس الهدى وبرءُ السقام
عالةً أصبح الأنام عليه ... طاعة النقض منه والإبرام
خضعت عنده الرقاب بما قد ... طوقتها يداه بالإنعام
منةٌ لا تزال تدري وتروى ... لولاة الطروس والأقلام
لا ترى غير مهتدٍ بهداه ... أو محبَّ أو لائذ بذمام
يا إماماً حواه بردُ المعالي ... وردا الفضل قبل عهد الفطام
يا سميَّ الخليل يا وارث الرأفة ... والحلم من حلاه العظام
قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والفضل والندى من مسام
ففداء لشسع نعلبيك قوم ... ولدوا في العلى لغير تمام
وهنيئاً لك المفاز يختم ... للبخاري حديث طه التهامي
جاء بشرى لكم بإقبال فتح ... ووصول إلى قصيّ المرام
ولنا منه والبرية طراً ... أي رحمى ونعمة واغتنام
стр. 86
ولعمري ليست بأول نعمى ... كنت مولي ظهورها للأنام
فجزاك الإله خير جزاء ... مشرق بدؤه بحسن الختام
وابق يا بدر في سماء المعالي ... مستدام السنا مصون التمام
والقصيدة الثانية من إنشاء الشاعر الماجد الفصيح الأكتب الشيخ محمد الباجي المسعودي، وهي قوله: [الكامل]
وجه التهاني اليومَ أصبحَ مسفراً ... والكونُ أشرقَ والفضاءُ تعطرا
والسعدُ حيا والمسَّرة أقبلت ... والأفق كلَّله السرورُ كما ترى
وبتونسَ الإيناسُ أسفرَ صبحه ... واهتزَّ روض الصالحات ونوَّرا
وبدا بإبراهيمَ برءُ همومنا ... شيخِ الشيوخ القطب مصباحِ الورى
ركن الشريعة فخر ملة أحمدٍ ... صدر الثقاب الكمَّل الشمَّ الذُّرى
علم الألى بثُّوا العلوم وخير من ... قدْ أمَّ محراباً ونوَّرَ منبرا
يجلو دجى الإشكال ثاقب فهمه ... فتراه بعد اليأس أصبح نيرا
ويجيلُ في النكت العويصة ذهنه ... فيشقُّ كوكبه العجاجَ الأكدرا
ويبينُ أسراراً تكاد لحسنها ... حقاً تباع بها النفوس وتشترى
أشهى على الأسماع من نيل المنى ... وألذُّ في الأجفان من سنة الكرى
كم قد لبسنا من مصوغ عقودها ... درَّا نفيساً في الرقاب وجوهرا
وكم اقتطفنا من أزاهرِ روضها ... حتى لبسنا العيش ثوباً أخضرا
وبدرستك (الجعفيَّ) كم أوضحت من ... نكتٍ تدقُّ عن العيان فما ترى
وسلكت منه مهامهاً وتنائفاً ... يضحى الخبيرُ لبعضها متحَّيرا
وسريت ذا جدَّ لحل رموزه ... والآن حان بختمه حمدُ السُّرى
فلك الهناءُ مقدماً ولنا بكم ... ولمن يخصُّك بالوداد وللورى
وجزاك ربك خير ما جازى به ... وأطال عمرك كيف شئت وأكثرا
وإليك من جهد المقلَّ محوكة ... من خاطر منع العنا أن يخطرا
وقريحة خمدت ودهر غالني ... من غوله ما صد عن أن نبصرا
بلغ الزّبى تياره فاسمح بما ... ينجي الغريق وكن أجلَّ من اشترى
فإذا مددت ودودكم بادعائكم ... أعددت منه إلى المعاند عسكرا
وبلغت آمالي لصدقِ طويتي ... فيكم، وعشتُ مملئاً لن أحذرا
لا زلت في أفق السعادة نيراً ... تجلو بهمتك المهم الأكبرا
والقصيدة الثالثة من إنشاء ولده العالم الأديب المدرس الشيخ علي الرياحي وهي قوله: [الطويل]
تبلَّج في أفق الهدى طالع السعد ... كسي حللُ الإسعاد واليمن والرشدِ
وفاح شذا مسك يفوق ختامه ... نسيم الصبا بالعطرِ أو فوحة الندَّ
أو الروض إذ يزهو بحسن ابتسامة ... فيحيا بريحان الأزاهر والرند
وأسفرتِ الأيام عن وجه بشرها ... كما أسفر المحبوبُ عن وردة الخد
ذكرتُ بذا عهد الصَّبا وغرامه ... وما قد رشفنا في الثغور من الشهَّد
رعى الله تلك الغانيات ولا أرى ... سوى أنهنَّ الحورُ من جنةِ الخلد
لهن جبينٌ كالصباح بياضه ... يلوح سناه تحت فاحمِ مسودَّ
وحاجبهن السيفُ لكن إذا جنى ... فليس قصاص يلزمُ الحرَّ في العبد
وقد نثر الخيلان من حبر عنبرٍ ... بديع جمال لك يكنْ خطّ بالأيدي
لك الله ما أحلى التغزل في الهوى ... وأحسن منه مدحة العلمِ الفرد
إمام أغر الوجه كالشمس في الضحى ... وكالزهرة الحسناء في دوحة المجد
إمام إذا ما كنت في روض درسه ... رأيت نفيس الدرَّ ينظم في العقد
إمام لوَ أن الله يهدي بنوره ... لكن جميعُ الناس من نوره مهدي
ترى رأيه كالسيف في كل حادثٍ ... ورأى سواه لا يعيد ولا يبدي
له رتبة لو حاول البدر نيلها ... لكانت عن الإدراك في حيَّز البعد
غدا مثلاً بالحلم والعلم والتُّقى ... كمالك والبصريَّ كالأحنف السعدي
ألا يا أبا إسحاق والفاضل الذي ... مزاياه قد جلَّت عن الحصر والعدَّ
إليك من السحر الحلال قصيدةً ... تأنق في إتقان صنعتها جهدي
خدمت بها يوم الختام لعلني ... أقابلُ بالرضوان منك وبالودَّ
ودمت مناراً في الشريعة هادياً ... تبلَّغُ من كل المنى منتهى القصد
стр. 87
وقرظ هاته القصيدة الداركة النحرير، وعلم الفتيا الشهير، المؤلف المشكور، الشريف الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، بقوله: [الطويل]
أحنُّ وأصبو كلما هبَّ من نجد ... نسيم برياه يفوق شذا النَّدِ
يمثل لي تلك الأباطح والربى ... وعهداً مضى يا حبذا ذاك من عهد
فهاج لي الشوق الأثيل ولم اكن ... سلوت ولكن زاد وجداً على وجد
سقى الغيث هاتيك الخيام وأهلها ... وإن أضمروا هجري ومرُّوا على الصَّدَّ
لهمْ مني الحب الصدوق ومنهمُ ... على مرّ أيام النوى كاذبُ الوعد
أيا حادياً يحدو المطيَّ مرنما ... ترفق إذا ما جئت حيَّ بني سعد
بلغت المنى بلَّغ إلى غاية المنى ... تحية صبَّ في لهيب من الصد
وناد إلى ليلى وقل صادق الهوى ... مقيم على ما تعهدين من الود
زريه ولو بالطيف في سنة الكرى ... نعم ما الكرى يستام مقلة ذي سهد
بكمتُ لساني يوم حمّ فراقها ... فلم يجر في مضمار مهل ولا عقد
وأصممتُ سمعي بعد طيب حديثها ... وليس استماعي فير ذاك من الرشد
فاسمعني بالقهر قول مبشَّرٍ ... تبلَّج في أفق العلا طالع السَّعد
تطلَّبتُ ما تحت البشارة فانجلت ... لوامعُ درَّ في بهيَّ من العقد
كؤوسٌ من الراح الحلال ياديرها ... على حانة الأسماع "نابغة الجعدي"
تضوَّع منها المسك لمّا تضمنت ... أحاديث فخرٍ عمّ من غير ما حدَّ
ختامٌ به الخضراء فازت وهكذا ... بفضل أبي إسحاق تسمو إلى الخلد
فخار بني الدنيا وذخر ذوي التقى ... وأعلمِ من تحت السماء بلا جحد
مآثره سارت سرى الشمس في الملا ... مفاخره من دونها منتهى العدّ
له الله من ختم وددت لو أنني ... بذلت له ما كان عندي من جهد
وإن فاتني ذاك الفخار فإنني ... علقت من العلياء بالجوهر الفرد
أبا الحسن الأسنى إليك خريدةً ... من السحر إلا أنها خالص النقد
خدمت بها علياك دامت بجودها ... وذلك عند الألمعي غايةُ القصد
ولما ختم شرح السعد التفتازاني على تلخيص القزويني، هنأه أحد تلامذة الدرس، وهو شيخ الإسلام الشيخ محمد بيرم الرابع، بقوله: [الكامل]
جسمي بأشواق المحبة صالِ ... متفرَّق الأعضاء والأوصالِ
والنفسُ مني قد غدت مشتاقةً ... ترجو لذيذَ مودةٍ ووصال
والوجد زاد لبارق قد بان من حي الحبة منتهى الآمال
والدمع جاد بوابلٍ من مقلة ... ليست تحل بكثرة الإرسال
يا عاذلي هوَّنْ عليَّ فإنني ... لا عذل ينفعني بكل مقال
إني شغفتُ بحب ذات فواترٍ ... تعني بما تبدي عن الجريال
فالقد غصنُ البان غار لحسنه ... والوجه فيه بديع كل جمال
رامت تضاهي حسنها شمسُ الضحى ... فتداركت ما قدج جرى في الحال
تلك التي قد أشعلت نار الهوى ... بفؤاد صب للقا محتال
وهي التي تركت ميتم حسنها ... في حبها متراكم الأهوال
وسبتهُ نفساً ما لها ذنب سوى ... تأميلها لتآلف ووصال
عجباً لها أتسوءه ولقد غدا ... متشبثاً بحواشي الأذيال
أذيال إبراهيم من قد أعلنت ... بمديحه كل الورى بكمال
ذاك الإمام العالم العلمُ الذي ... لم يأتنا دهر له بمثال
فبه لتونس مفخرٌ ولنا به ... فخرٌ عظيم لا يقاس بحال
وبمثله الأقطار تفخر إذ غدا ... يجبني لعزٍ صالحَ الأمال
وله محال ترتجي مثلاً له ... قمر السما في العز والإجلال
كشَّاف ما خفيتْ مسالك نيله ... مغني الأنام ومعدنُ الإفضال
يلقى بثغر باسم كلَّ الورى ... وتحية تأتي بكلِ مقال
إن رمت وصف مجالس لإمامنا ... غيث العلوم ومبلغ الآمال
فأقول فيه وإنني لمقصر ... كالليث حف بمعظم الأشبال
يا سيداً قد حلّ كل عويصة ... بذكائه وبذهنه السيال
هذا الختام لقد أتاك مبشَّراً ... بدوام سعدٍ مشرقٍ متلالِ
فلقد سررت بمجلس لقدومه ... ولقد شرفت به على الأمثال
وأروم يا مولاي تجديد المنى ... تكسوه لي من حلةٍ الإفصال
стр. 88
وإذا القضيةُ بّينُ إنتاجها ... فلتطوها في منتج الأشكال
وإليك بكراً قد أتت لا تبتغي ... إلا الدعاءَ لنا بحسن الحال
وبقيت ترقى أوجَ آفاق العلى ... متلبَّساً بالعز والإقبال
وهناه ولده الخطيب المدرَّس الشيخ محمد الطيب الرياحي، بقوله: [الطويل]
ألا حدَّثنْ عمن به القلب مولع ... كفى طرباً ذاك الحديثُ المسجَّعُ
على ذاك حبَّست المسامع صبوة ... ولا لسواهم في فؤادي موضع
لقد ظعنوا والقلبُ يزعم كتمهم ... ولي أدمعٌ كالنهر تجري وتدفع
فلله يومٌ بان إشراق نوره ... ولله يومٌ فاض بالدمعِ مدمعُ
وأمسى كئيبَ الصدر بالبعد موحشاً ... وبات على جمر الهوى يتضجَّع
ويا نسمة سارت إلينا عشية ... مقلَّة عرف منهمُ يتضوعُ
فبالله إلا ما حملت إليهمُ ... تحية مشتاق يذلُّ ويخضع
لقد خلفوني في الوداد متيماً ... كئيباً سقيماً باكياً أتضرع
أبيتُ وأفكاري تؤمّل شخصهم ... فأصبح لهافناً وما لي مرجع
ومهما بدا ركب أبادرُ قائلاً: ... أحن إليهم بالفؤاد وأخضع
فيا عاذلي دعني فإنّ مرمكم ... هراءٌ يبق للعذَّالِ عنديَ مطمع
ففي مذهبي السلوان جاء محرماً ... فلم يبق للعذَّالِ عنديَ مطمع
وهل تختفي شمسٌ وفي الكون نورها ... وهل يختفي برق وفي الجوّ يلمع
وهل يختفي علم الهمام الذي غدا ... له موضع فوق الكواكب أرفعُ
هو الأبُ عز الله أصلي أنا به ... فطوبى لأجدادٍ أقرُّا وفرَّعوا
إمامٌ همامٌ فاضل متعفف ... شريف جليل للفواضلِ أجمع
تقيٌّ نقيُّ زاهد ذو سياسة ... حليمٌ كريمٌ للمكارم منبع
هو البحر في أيَّ العلوم أردتها ... حجاه إلى نيل الدقائق مسرع
مشارق أنوار بطلعته انجلت ... وصار لها نور يضيء ويسطع
وفي أبحر التدقيق حاز دقائقاً ... يضلُّ بها عقل سديد وألمع
فيا خير ممدوحٍ، ولست مبالغاً ... بل المرءُ باللذ قد تقفاه أجمع
رعى الله طوداً جئته بمقالة ... وليس لها رد ولا فيك تمنع
ألا كل سمع غيرك باطلٌ ... وكل مديح في سواك مضيع
وهذا دليل بالسعادة ناطق ... وأنك تحت العرش تحظى وترفع
وأفضل خير قد يكون غدا به ... كتابك مختوماً وأنت مشفع
ولما ختم تدريس شرح المحلي على جمع الجوامع الأصولي هنأه بالختم المذكور أيضاً تلميذه شيخ الإسلام الشيخ محمد بيرم الرابع، بقوله: [الوافر]
مديحك لا يحيط به النظامُ ... وجودك لا يقاومه الغمامُ
وعلمك منهل للناس طرًّا ... ومجلسك الأعزُّ له احترام
بك الآفاق قد زادت سروراً ... كأنك في فم الدنيا ابتسام
فأنت لأوج أفق الدهر بدر ... منير لا يفارقه التمام
وأنت لعز هذا الدين تاج ... وأنتَ لنصره أبداً حسام
وأنت لكل معضلةٍ ترجَّى ... وأنت لكل مشكلة غمام
جمعت من المحاسن كلَّ وصف ... وكل الناس عن هذا نيام
وآيات الفصاحة عنك تروى ... وفي كفَّ لكم منها زمام
فلو قسٌّ وسبحانٌ جميعاً ... كذا أيضاً أو الفتح الإمام
صغوا يوماً لمنطقكم لقالوا: ... يفوق الدرَّ حقاً ذا الكلام
أبا إسحاق أنت فريدُ دهر ... وأنت لقطرك العلمُ الهمام
هنيئاً يا إمام العصر يا من ... له فوق السما الأعلى مقام
بختم قد شرحتَ به علوماً ... وسرَّتْ من ضخامته الأنام
ختام قد جلا عنا ظلاماً ... وما أدراك ما هذا الختام
وهاك خريدةَ الأفكار جاءت ... يصاحبها سرورٌ وابتسام
تؤملَ حسن صفحٍ منك عما ... يقصر في مديحكمُ النظام
ويطلب ربُّها منكم دعاء ... يقيه من الحوادث إذ الحمام
ولا زالت لك العلياء داراً ... اردّد مدحكم فيها الحمام
وهنأه بالختم المذكور ابنه الشيخ محمد الطيب الرياحي، بقوله: [الوافر]
فؤاد لا يفيق من الغرامِ ... وجسم لا يبين من السقامِ
وشوق ألَّف الأشجان حولي ... وفرَّقَ بين جفني والمنامِ
ودمعٌ لا نفاد له، كأني ... أروم به مساجلة الغمامِ
стр. 89
وصبرٌ حاول الأسواء حتى ... علاها، فاستعاذت، بانهزام
ألا لله نفس جشمتها ... مخامرةُ العلى همم سوامِ
وفي كف الحضائر أسلمتها ... عزائم تنبري مثل السهام
تقول أفيك للتقصير عذر ... وأنت ابن المفدَّى بالأنام
أبي إسحاق فائدة الليالي ... وبهجتها وواسطة النظام
همام أغربت فيه المعالي ... تقدّمه المعارفُ كالإمام
أغر الوجه وضاح السجايا ... بريء العرض من عيب ودام
ولو قسمت مكارمه البرايا ... فقدنا في الورى صنف اللئام
إذا استبق الكرام مدى رهان ... بدا وهو المجلّى في الكرام
أو اقتسموا على خطط المزايا ... يكون له المعلّى في السهام
غدا المثلَ الشرود تقى وعلماً ... وحلماً في وقار واحترام
تناسينا به ذكر ابن قيس ... ومعروفٍ ومالك الإمام
تسامى للعلا طفلاً معنّى ... بكسب العلم لا كسب الحطام
فأحرز في الكمالِ مقامَ صدق ... تضاءلَ دونه بدرُ التمام
وأصبحَ منه هذا الدين يسمُو ... بعزَّ حمى تاجٍ فوقَ هام
وسيفٍ بالهدى أمسى محلَّى ... وبالعرفان أضحى ذا اتسام
بهمته تزول ذرى الرواسي ... وتنهلُّ الغمائمُ في انسجام
عذيري من أعاديه إذا لم ... يهابوا سطوة اللَّيث المحامي
ألمَّا يذعنوا لما تحدَّى ... يوازون الشوامخ بالإكام
وراموا أن يدانوه فكانوا ... مكان المنسمين من السَّنام
أمولى نعمتي وعماد مجدي ... ويا سندي ويا كلَّ المرام
إليك عقود أمداح جلاها ... صناع الفكر في حسن انتظام
خدمت بها مقامك يوم ختم ... يفوقُ عبيرهُ مسكَ الختام
أدرتَ به علينا كأسَ علم ... دهاقاً جزجه سحرُ الكلام
وحلَّيت النفوس بحلي فضلٍ ... به تزدان ما بين الأنام
ألا إنّ "المحلَّي" لو رآه ... لأعجب من فوائدك الجسام
ونال كتابه عنكم وأمسى ... يفاخر منك بالشيخ الهمام
فملَّئت الهنا فيه وفيما ... يليه، وما يليه إلى القيام
تسر بما تروح به الأعادي ... وتغدو في مساورة الحمام
ودمت وأنمت في شرفٍ وأمن ... دوام الركن فينا والمقام
وقرظ هاته القصيدة أخوه الشيخ علي الرياحي، بقوله: [الوافر]
أهذا الفجرُ أم بدرُ التمام ... أم المشمسُ العديمة للغمامِ؟
أم الوجه المهلل من فتاة ... تراءت في محاسنها العظامِ؟
إذا ما أعرضت يوماً بصدَّ ... تجر العالمين إلى الحمام
إذا ما أتحفتك بريق ثغر ... يخال الريق من رشف المدام
تحاكي البان قدَّا إذ تبدت ... وتحكي السحرَ في لطف الكلام
لعمرك ما وجدت لها سلوَّا ... سوى جمع الجواهر من إمام
سراج العلم والتقوى تناهت ... إليه المكرمات بلا اكتتام
إذا ما فكرهُ أبدى مقالاً ... فإن القول ما قالت حذام
إليك الفكر قد اهدى مديحاً ... يقابل بالقبول لدى الكرام
ويرعى الله مجدك كل حين ... دوامَ الدّهرِ من غير انفصام
وأجابه عن هذا التقريظ أخوه الممدوح الشيخ الطيب الرياحي، بقوله: [الوافر]
أناطتْ إذ أماطت باللثامِ ... بأقمار الدُّجى سمةَ احتشام
عقيلةُ فتنةِ الألباب أزرت ... بدائعها بأزهار الكمام
أعيذ جمالها من كل شوب ... معاذ كمالها من كل ذام
شهدت بأنّ منجبها عليٌّ ... عزيزُ المثل ما بين الأنام
وكيف يكون مذموم المساعي ... فتى ينميه قطبُ رحى الكرام
أدام الله طود علاه فينا ... وصانك يا هلالُ إلى التمام
وقد كتب ﵁ في علم النحو حاشية على شرح الفاكهي لقطر ابن هشام، ترزي مباحثها بحسن الابتسام، في ثغور الأيام، وقد سلك فيها أغواراً دقيقة، وأبدع فيها تحقيقه، مع سهولة مأخذها الذي سهل به صعاب المسائل أي تسهيل، وأغنى بالتصريح فيها عن ارتكاب التأويل، فكان بها كشاف أسرار العربية، ورافع أستار المشكلات النحوية، تدل بما أودع فيها على ماله في العلوم من اليد الطولى، والغايات التي نال إليها وصولاً.
стр. 90
وشرح أيضاً الخزرجية في علم العروض، شرحاً قام لذلك بالقدر المفروض، فكان شرحاً وجيزاً بسيطاً، بجميع شروح الفن محيطاً، مع سهولة تقرير، ولطافة تحرير.
وأما نظمه لمتن ابن آجروم النحوي فهو وغن جمع جميع ما احتوى عليه الأصل من المسائل، وسهل حفظها لكل طالب وسائل، غير أنه فيما أظن من مبادئ نظامه، كما لا يخفى على مطالع كلامه، وإلا فإنه كان آية الله في حسن الإنشاء، يتصرف في النظم والنثر كيف يشا، قد أبدع الآداب، وسبق في حلبتها على الشعراء والكتاب، وشعره أدل دليل على قوة عارضته، التي توقف فرسان اليراعة دون الوصول إلى معارضته.
وقد تحلت ترجمته هنا بعض ببعض ما له من البدائع، المزرية بالكواعب الروائع، التي أخصب بها ربع الأدب، وتجملت بخيرنها صفحات حدود الكتب، وحسبه ما خلده بجمع ولده في ديوان الخطب، الذي يبلغ البليغ به إلى غاية الأرب.
وأما شعره الرائق، ونظامه الفائق، فأحسب أني أول من تصدى لجمعه في كتابي مجمع الدواوين التونسية، فأحصيت منه نحو خمسة كراريس تزري بالحلل السندسية، حوت نحو الألفين من أبياته الفاخرة، التي طمت بها تلك البحور الزاخرة، وهو مبلغ يصلح لأن ينفرد به ديوان شعره، الفائق في سعره، وفي ضمنه من محاضراته ما ترتاح له النفوس، ويقول مطالعه لا عطر بعد عروس.
فمن محاضراته أنه اجتمع في بعض الليالي بشاعر بلد سليمان العالم الشيخ محمد ماضور الأندلسي في بيت صديقه الكاتب محمد المسعودي واتفق في مسامرة تلك الليلية أن أدار القهوة على ذلك الجمع، وسيم لطيف الصنع، وحين دخوله يحمل فناجينها بأنامله، وطلوعه عليهم ببدر أشرق فيه بكامله، أصاب شمعة المجلس الموقودة، فانحنت انحناء من يروم سجوده، إذ رأت منه شمعة الجيد التي لا تقط، ولا تطفأ قط، وأنشد الشيخ محمد ماضور في وصف الحال من لطائف المسامرات فقال: [الرمل]
ليلةٌ قد عظمت بين الليالْ ... فهي في جيد المنى عقد الآلْ
وأرتنا عجباً إذ جمعت ... بين شمس ثم بدر وهلالْ
سعدت إذ أنزلتنا منزل المس ... عودي الشهم المفدى ذي الكمال
وبإبرهيم أبدت منظراً ... هام فيه القلب إذ عز المثال
فارتياحي بالرياحيَّ غدا ... وكذاك السعد بالمسعود (ي) طالْ
ليلة جد بنا الأنسُ بها ... طرباً بين يمين وشمالْ
وأديرت قهوة البنَّ على ... جمعنا يسعى بها بدرُ الكمال
فانحنى الشمع منيباً ساجداً ... سجدة الشكر لهاتيك الخلال
فهو والقهوة والفنجانُ في ... كفه يبدي غريباً في المثال
قمراً قد عصرَ اللّيل على ... صفحةِ الفجرِ ف مَّتْ باحتفال
مزج الحلوَ بمرَّ فكأنْ ... قد أرانا القرب والبعد المطال
يا لها من ليلة قد جمعتْ ... كل أنسٍ وبهاءٍ وكمال
وأنشد الشيخ إبراهيم الرياحي في ذلك من شعره قوله: [الطويل]
تلقيت من أخباركم كلَّ طرفة ... أنظَّمها في جيد أسمارنا عقدا
وكنتُ بتشنيف المسامع أكتفي ... واكبر بشاراً بما قاله جهدا
ولما نما شوقي وزاد تولهي ... سريت لكم ليلاً أبثكمُ وجدا
وما كان لي هاد سوى نور حسنكم ... إليكم، فلم أعدم بقولكمُ رشدا
وحيث إلى المسعود (ي) كان انتهاؤنا ... زجرت فكان الزجر يستنتج السعدا
فبت وما ليلي سوى لمح بارق ... وإن طال من دهري تنفسه الصعدا
ومن لطائفه أنه استجار به العدل الشيخ منصور الورغمي في لبس الملوسة حين ألزمها الأمير حسين باشا باي لكافة العدول على نظر الشيخ محمد بيرم الثالث وكان دميماً، فاستهجن لبسها وخاف أن يتعاطاه الناس بسببها، فكتب الشيخ في ذلك إلى شيخ الإسلام البيرمي الثالث مستشفعاً بقوله: [الكامل]
كبرت عليهم إنها لكبيرة ... منصوبة علما على التمييزِ
فتفرقوا أيدي سبا في فضلها ... والخلف بين الناس غير عزيز
فعلى فريق منهم هي مثلةٌ ... ولبعضهم زلفى إلى التبريز
أما "بنو ورغمة" ففقيههم ... لهم يجر مذهبه على التجويز
فلذاك رام حماك علماً أن من ... يأتيه في حرز هناك حريز
فأجره من همزٍ ومن لمزٍ بها ... ما حالة المهموز والملموز
لا زلتم كهفاً يلاذ بعزَّه ... فينال فوق القصد كل عزيز
стр. 91
وقد أجابه عن ذلك شيخ الإسلام المذكور بقوله:
يا أيها العلمُ الذي حسناته ... شرفتْ بطلعتها على الإبريز
وجَّهت لي درراً يقرُّ بحسنها ... أهلُ الصياغة من أولي التبريز
فعرفت مطلبها، ونيل مرامها ... سهل يمين الله غير عزيز
فعليه تأخير العمامة برهةً ... حتى يكون القولُ في التمييز
ثم إن شيخ الإسلام المذكور اطلع المولى الجد الشيخ محمد السنوسي قاضي باردو يومئذ على الطلب والجواب، واستجلى منه في النازلة عين الصواب، فكتب إليه بقوله: [الكامل]
قل للفقيه المستجاه بجاههِ ... في رفعِ نصب حقَّ للتمييز
إنّ النحاة الَّنصب أوجبوا ... في بابه وأبوا من التجويز
واستهجن الدؤلي لحناً ساقه ... نقلاً من الأمثال للتبريز
وكذا، العموم إذا تخصص بعضه ... ضعت دلالته بنصَّ الجيز
والظن فيمن يستجرك أنه ... منصور دمت تفوق كالإبريز
واتفق أن شاع خبر فناء الخلق في هذا القرن ونسبه أهل الأهواء إلى العالم الرباني، الأستاذ المربي الشيخ أحمد التجاني ﵁ مع أن ذلك مما ينبو عنه مقام أدبه وسلوكه في الشريعة التي صينت من كل نقص، وكملها الله على يد خير خلقه بمحكم النص، وقد جاء في الآيات المتلوة في القرآن الذي أتم الله إبداعه، "وعنده علم الساعة" وهكذا الاعتقاد فيه وفي كل من ماثله لا يجري واحد منهم في جميع الأقوال والعمال، إلا على ما وردت به شريعة خاتم الإرسال، ولذلك لا يجوز لنا أن نأخذ مما ينقل عنهم غير ما جرى على سنن الشرع القويم، إذ ذلك دليل صحة نسبته إليهم في حالة الصحو بالنظر لمقامهم العظيم، فهم أحفظ الناس لسياج الشريعة التي جمعت ما كان ويكون، ولا يتمسك بسواها إلا الجاهلون، وعند شيوغ ذلك الخبر سنة ١٢٤١ كتب الشيخ محمد بيرم الرابع يسأله عن صحة ذلك بقوله: [الطويل]
أيا من رقى أوج المعالي وقد غدت ... إليه مقاليدُ العلوم تسلَّمُ
لقد ظهرت رؤيا لها نسبةٌ إلى ... إمام له بين الأنام تقدُّمُ
همام على دست المعالي وقد علا ... مراتبهُ من موقع النجم أعظم
ملخَّصها أن الأنام جميعهم ... لذا القرن تفنى دون ريبٍ وتعدم
أهل هو مما صحّ عندك نقله ... عن الشيخ أم للمين فيه توسم؟
أجبنا رعاك الله عن كنه أمرها ... فأنت لها من غيرك اليوم أعلمُ
لأنك ممن خاض لجَّةَ بحرها ... وأضحى بتحقيق لها يترنَّم
بقيت لنا كهفاً وللحق ناصراً ... وللصعب من دأب البغاية تحسمُ
ويطلب رب النظم حسن دعائكم ... ألا وهو الداعي "محمد بيرم"
فأجابه الشيخ إبراهيم الرياحي مكذباً ذلك بقوله:
أيا من سبى الألباب لطف كلامه ... كما أنه في الأذكياء المقدَّم
أتتني منْ سحر البيان قصيدةٌ ... وما هي عقدُ درذًَ منظمُ
تسائل عما شاع في الناس ذكرهُ ... أهل لهُ أصلٌ في الثبوت مسلم؟
نعم هو ريبٌ دون مكين وما له ... ثبوتُ وأمرُ الشيخ أعلى وأعظم
جزى الله خزياً مفتريه وذلةً ... ومأواه إن لم يعف عنه جهنم
فهذا جواب للذي هو طالبٌ ... حقيقة هذا الأمر والله أعلم
ويسأل إبراهيم من فضل ربه ... لك الأمن في الدارين وهم يسَّلم
وكانت له معرفة بأسرار تليق بمثله من العلماء الأخيار، قدم غليه أحد الأفاضل وقد أضغطه غريمه، واشتكى إليه ما يلاقي من شر الأفتضاح، فأذن له بذكر اسم من أسماء الله تعالى في خلوة، وانه عند نهاية الذكر يجد مقدار دينه تحت بساطه، فوجده قطعاً غير مسكوكة، ولما أعلم الشيخ سأله عن كيفية ذكره، فوجد فيه خللاً وأذن له في تداركه، فتم له المراد، ونهاه عن العود لمثل ذلك.
وأتته امرأة تشكو إصابة ولدها بالجنون، وتلظت لديه، فأسعفها ببطاقة تبلغها إلى ضريح الشيخ فتح الله العجمي، ولعلها تتضمن توسلات له، فعوفي ولدها بعد حين، وذلك من أدلة حسن اتصال علاقته بأولياء الله ﵃ أجمعين.
وكانت له سانية في سفح جبل المنار تحت زاوية الشيخ الظريف ﵁ يسكنها مدة المصيف، فاتخذ منها مسكاً للزيارة ليلاً، وقد نقل لي عن صهره أنه سمع له حديثاً عند الضريح، يدل على ما له من الود الصريح.
стр. 92
أما وصلته مع العارف بالله العالم المربي الشيخ مصطفى بن عزوز النفطي أستاذ الطريقة الرحمانية، رضى الله عنه فكان يتجاذب معه أطراف الأسرار الربانية، وله فيه مدائح شعرية، ومكاتيب نثرية، وقفت على بعضها، وهي تدل على كمال تعلقه بأهل الله في كل ما يرجوه، وغنما يعرف الفضل من الناس ذووه، ومن لطائفها أبيات جعلها في طالعة جواب له مؤرخ بسنة خمس وستين ومائتين وألف وهي قوله: [الكامل]
جاء الكتاب من الحبيب مبشرَّاً ... بقدومه يا مرحباً يا مرحيا
قد رد لي عهدَ المسرة مثل ما ... بقميص يوسفَ ردَّ ما قد أذهبا
أهدي إليك تحيةً مسكيةً ... يا مصطفى يا منتقى يا مجتبى
مستودعاً منك الدعاء وأنت في ... حالٍ تراها للإجابة أقربا
ورأيت من مكاتبتهما كتاباً سرباً بخط الشيخ إبراهيم الرياحي يخاطب به الشيخ المذكور آثرت إثباته لما فيه من الإلماع بحال كل منهما وهذا نصه: الحمد لله والصلاة على من صلى عليه الرحمن.
يا ليت سيدنا وحبيب الله ورسوله صرح لنا بما أشار به إلينا مرتين من قرب الأجل، المرة الأولى ونحن معك على البنك في محل الحكم والصلاة في دريبتنا من قولك لي: رأيتك كأنك مت ولم توجد وأن روحك كالذبابة، والمرة الثانية ما ذكرت لنا في جوابك المبرور من قولك: إن الجنة مشتاقة إليك، ولولا ما خفت أن يعثر على جوابي غيرك لكتبت لك كلاماً آخر فيا ليت سيدنا رضى اله عنك رحمتني بالتصريح بما تريد أن تصرح لي به، فلعل في ذلك تحريضاً على ترك المهلة، وبعثاً على التشمير لدار النقلة، أو غير ذلك مما يوجب الإعراض عن الفانية، والإقبال على الباقية، فإن المواعظ والنصائح إذا خرجت من أهلها كانت كالسهام لا تخطئ، هذا وما بشرتنا به من الحشر مع أولئك السادات أسأل الله أن لا يخيبنا ولا يدر كرمك فينا وإلا فالعبد الذليل لا تحدثه نفسه بما هو أدنى من ذلك، فضلاً عن الكون مع أولئك، بل الإنسان على نفسه بصيرة، وليست لنا طماعية في ذلك الشأن، إنما لنا طماعية في الغفران.
وإذا كان خليل الرحمن يقول: "والذي اطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين" فأين جاء طمع مثلي، فإنا لله وغنما غليه راجعون، نعم سيدي وقد غمني غماً عظيماً إرسالك لي السبولة العطرية.
وقد كنت أخبرتك بأن التعويض عما أرسلت إليك من الأمور المكروهة غاية عندي حتى أستعزت من ذلك، وقصدت بذلك أن لا تهتم معي في مثل ذلك، فخالفتني في التعويض وإن وافقتني في تفضلك علي بالدعاء جزاك الله جزاء المحسنين، هذا ومما يغمني أيضاً ويثقل علي وصفك لي بأوصاف حميدة أكثرها ما في عبدك إلا ضدها، فلو إنك إذا خاطبتني خاطبتني بما يناسب حالي لسررت بذلك، ولكنك رأيت كمالك في عبدك فنسبت ذلك إليه، كما إذا ارتسمت صورة جميلة في صفحة مرآة فلما رأى المرآة إنسان طهر له جمال المرآة وإنما الجمال للصورة التي انتقشت في المرآة، نعم سيدي ولا تنسني من دعائك، في وقت هجوم حالك، وطيب أجتناء الشهد من خمر وصالك، وسلم لنا على أولادك وتلامذتك وعامة المنتمين إلى شريف خدمتك وطريقك.
من الودود ومن أولادنا الطيب وعلي وسائر من هو منا وإلينا، والحمد لله رب العالمين، من الفقير إلى ربه، المشفق من سوء كسبه، إبراهيم بن عبد القادر الرياحي".
[ترجمة محمد الطيب الرياحي]
стр. 93
وقد امتحن في آخر أمره بفقد ولده الأكبر الشيخ محمد الطيب، وكانت ولادته سنة ست وعشرين ومائتين وألف، فنشأ بين يدي والده وقرأ معقول العلوم ومنقولها عليه، وعلى شيخ الإسلام البيرمي الثالث وغيرهما، وتقدم للتدريس في الرتبة الأولى بجامع الزيتونة عند وضع الترتيب الأحمدي أواخر شهر رمضان المعظم سنة ثمان وخمسين ومائتين وألف، وقد كتب في أثناء إقرائه حواشي على شرح المحلي لجمع الجوامع الأصولي، وحواشي على شرح الأشموني لأفية ابن مالك، تدل على رسوخ قدمه، واتقاد ذكائه، وتقدم غماماً وخطيباً بجامع أبي محمد الحفصي وخطب فيه بعض من إنشائه، وهو محقق، أديب، شاعر، ناثر، يقذف الشعر من أبحر اللطافة، وينتجب النثر من أزاهر الظرافة، كأنما أودع في إنشاءاته، محاسن أخلاقه وبدائع توشياته، وقد جمعت منه شذوراً في كتابي مجمع الدواوين، تدل على تقدمه في الآداب على الأندلسيين، وكان عالماً حيياً جميل السمت عالي الهمة ظريف المحيا لطيف المحاضرة، وقد عذبت منه في العلم جميع موارده، وعاد عليه فخر نشأته في رياض فضل والده، إلى أن أدركته المنية بين يدي والده في غرة ربيع الثاني سنة ست وستين ومائتين وألف بمرض الكوليرة العام، ودفنه والده بالبيت الذي على يسار الداخل لبيت الذكر من زاويته التي أسهها قرب حوانيت عاشور، وتلقى مصيبة فقده بغاية الصبر.
أخبرني العالم المفتي الشيخ أحمد كريم أنه كان يحضر درس الموطأ على الشيخ بداره، فكان آخر عهده به في الدرس أنه لما أنهى القراءة وأراد التلامذة أن يقوموا أجلسهم وقال لولده المذكور وكان مدون الدرس هل رأيت شيئاً فيما يتعلق بالموت الفجائي؟ فقال له: رأيت أن رسول الله اصلى الله عليه وسلم استعاذ منه، فقال له الشيخ: قد اطلعت ولا أدري في أي كتاب على أنها ميتة حسنة وكررها وسكت، ثم نهض الجميع فلم تمض غير أيام قليلة وأصيب ولده المذكور بالمرض العام ومات، عليه رحمة الله.
وقد كاتبه المشير أحمد باشا باي في التعزية به فأجابه بأوجز مكتوب قال فيه بعد المفاتحة.
"أما بعد فقد وصلني كتابكم الكريم، المسلي عن النبأ العظيم، وقد أسلمنا طيب الولد إلى اله بقلب سليم، وقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، والسلام.
ولم يستكمل الشيخ بعد ولده الستة الأشهر حتى طوته الليالي طي السجل وأتاه محتوم الجل، بعد أن تجاوز في العمر الثمانين سنة.
وكان آدم بسمرة يعلوه أصفرار، رقيق البشرة، أحجب بقصر أبلج أشهل بضيق غاير، شم بانفراج، أسيلاً ما، قصير اللحية، يتخلل شبيه خيال من بقايا الشباب، ربعة لقصر، تلوح على وجههه سيماء الصالحين، قضى عمره في العلم والعمل لله رب العالمين.
[وفاة الشيخ إبراهيم الرياحي]
وتوفي بمرض الكوليرة العام يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة ست وستين ومائتين وألف، من الغد حضر مشهد جنازته الأمير والمأمور، وتبرك بتشييعه الجمهور، ودفن إلى جنب ولده السابق الذكر بالمقام المذكور، ضاعف الله لهما الأجور، وحباهما الفوز الكبر يوم البعث النشور.
وكانت وفاته ﵁ من آخر العهد بالمرض العام وإلى ذلك أشار تلميذه ومجاوره في المدفن الشاعر الكتب الشيخ محمد الباجي المسعودي في رثائه بقوله: [الوافر]
أرى بحر الخطوب طما وأصمى ... وأصلى غالب الأكباد جمرا
فلما استعظموه اغتال فرداً ... يقوم برزء كلَّهم ومرَّا
أما في فقد إبراهيم خطب ... يعمَّ جميع أهل الأرض طرا
[الشيخ علي الرياحي]
стр. 94
وقد عظمت مصيبة فقده على سائر أهل الدين، وتلقاها ولده الثاني الشيخ أبو الحسن علي بالرجوع لله رب العالمين، وكان الولد المذكور أيضاً عالماً زكياً، أديباً بديع المحاضرة، محباً لأعالي الأمور، ينظم الشعر الرقيق، ويطلق من رياض إنشائه أطيب عبيق، ولد سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف، ونشأ في خدمة العلم بين يدي والده، وتقدم مدرساً بجامع الزيتونة في الرتبة الأولى بعد وفاة العالم الشريف الشيخ محمد بن عاشور في صفر الخير سنة خمس وستين، وتقدم خطيباً بجامع سيدي يحيى قرب دار ابن عسال، وتوفي قبل عصر يوم الجمعة الثالث عشر من المحرم الحرام سنة ثمان وستين ومائتين وألف ودفن بالركن الثاني من بيت مدفن والده فاجتمع بالبيت المذكور ثلاثتهم، ﵃ أجمعين.
وقد أقيمت تلك الزاوية بالأحزاب والأوراد اليومية وشيد بناءها المشير الثاني محمد باشا باي لإقامة الأوراد التجانية، بذكر الله تعالى، ثم إن الوزير الأكبر خير الدين ثاني وزراء دولة المشير الثالث محمد الصادق باشا باي أراد إحياء صناعة النقش حديدة فآثر لذلك قبة الزاوية المذكورة، سيما وقد كانت إذ ذاك محتاجة إلى بعض تدارك فأتقن تشييدها بحضور بعض عملة نقش حديدة من المغرب، ونقشت قبة الزاوية نقشاً بلغ من الجودة والإتقان ما يحار فيه الناظر على مصروف الدولة، وعند إتمامها على الوجه الأبدع طلب مني ثالث أبناء الشيخ مقدم الطريقة التجانية بها يومئذ أن تؤرخ هذا الصنع فأجبته لذلك، وأرختها بقولي: [الكامل]
لمقام إبراهيم فادخلْ آمنا ... تجلو به فضلاً عظيماً كامنا
واخلع حجابك بالتجرّد للذي ... سوَّاك من طين وردَّك كائنا
واخلص إليه من المناجاة الرجا ... وأركب بعزمك وابتهالك صافنا
ومتى وصلت حمى الرياحي فخرتو ... نس فأنزلنه فلست تخشى الآحنا
والبس به من تاج تجّضان حلى ... واحمد بأحمدها السري مواطنا
وانهج له في الأرض خير طريقةً ... لله تلفه في القيامة ضامنا
ورد الزلال بورده العذب الذي ... أروى وأجرى خالصاً لا آسنا
واقنت لربك عاكفاً متبتلاً ... في خير زاوية لحفظ دعائنا
واشكر مشيدَ بنائها ومعيدها ... فيها من النقش المجيد محاسنا
ذاك المشير الصادق الباشا الذي ... لله دان فنال منهُ مآمنا
وأقامَ خيرَ مآثرٍ له فضلها ... بين البرية قاطناً أو ظاعنا
وأجلها هذا المحل وإنه ... لأعز كنز قد أعاد معادنا
فبه انجلى أمنٌ ويمنٌ ظاهرٌ ... فاسأل إلهك في تلف ميامنا
فهو الذي لمؤرخيه جوابه: ... لمقام إبراهيم فادخل آمنا
الشيخ محمود محسن
هو الشيخ أبو الثنا محمود بن علي بن احمد بن محسن بن أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشا، شيخ العلم والعمل ﵃ أجمعين، وهلم جرا، إلى استيفاء سلسة هؤلاء الأشراف بالوصول إلى جدهم سيد الأولين والآخرين، عليه وعلى آله أفضل صلاة المصلين، وأزكى سلام المسلمين، فيا لها من سلسة فاخرة، كانت مجمع بحور الفضائل الزاخرة، وقد توسل بجواهرها الثمينة كثير من أهل الشأن، ونظموها في عقود الجمان، وقد اختص منها آباء هذا الإمام إلى الوصول إلى سيد الأنام، الشاعر الأكتب الشيخ محمد التطاوني فقال: [الطويل]
أما آن أن تستبدل الغيَّ بالرُّشد ... وتثني عنان الهزل منك إلى الجدَّ
إلى م التواني والأماني شرابها ... سراب تبدّى فوق رابيةٍ صلد
فبادر ولا ترج الأمور إلى غد ... فربَّ غدٍ يأتي بما ليس في العدَّ
وسابق إلى سبل السعادة والهدى ... وشمَّرْ لإجراز العلى ذيلَ مشتدّض
وكن واثقاً بالنجح في كل مبتغى ... مؤملهُ في فضل من جلَّ عن ندَّ
ولا سيما إن رمته بشفاعة ... من آل نبي خصّ في الذكر بالحمدِ
خصوصاً ذوي الإحسان من آل محسن ... كرام السجايا كم يد لهم عندي
إليك بهم يا ربّض قد جئت ضارعاً ... بحقّضهمُ لا تخجلنَّي من الطرد
فمحمود الأرضى ووالده الرضا ... عليٌّ أبوه أحمدٌ نَّيرُ المجدِ
ووالده المحمود وهو محمد ... سليلٌ لمحسن بن أحمد ذي الرفد
وذا حسنٌ يدعى أبوه، وجدّه ... عليٌّ وفوز الابن بالأب والجد
стр. 95
وب "الحسن" الأسمى أبيه ابن احمد ... سليل الذي لازلت فضله أستجدي
أبي القاسم الميمون نجلِ محمدِ ... هو ابن قريش نجل عيس أخي الزهد
وهو ابن عبد بالعبادة قد غدا ... مضافاً إلى الرحمن أكرم بذا العبد
ومن خلف المدعو بابن علي الشَّ ... هير اقتبس نور الهداية والرشد
ومن فرج المدعو بابن علي ال ... جليل التمسْ تفريج كربك عن حد
وسل بأبيه القرم وهو محمد ... مرداك كي تحظى به دون ما ردَّ
ولا تعدُ إسماعيل والده الذي ... أبوه يسمى جعفر الصادق الوعد
وبالباقر الأتقى أبيه محمد ال ... همام الذي حاز السيادة في المهد
وهو ابن زين العابدين علي ال ... إمام الزكي الأصل ذي السؤدد العدَّ
سليل حسينٍ نجل فاطمة التي ... هي الزهرة الزهراءُ أمّ ذوي ودَّ
أبوه علي وهو صنو نبيَّنا ... عليه صلاة الله تترى بلا حد
بجدَّهمُ اللهم يا خالق الورى ... ويا ملجأ المضطر يا وجهةَ القصد
أنلني رضاكم يوم لا شيء غيره ... يقربني زلفى إلى جنة الخلد
ويا رب فاشهد أنني قد أحبُّهم ... لحبك إياهم وذا ما لهم عندي
وأستنزلُ الرضوان منك عليهم ... لترضيهم عني وذا منتهى جهدي
وصلَّ وسلَّمْ ثم بارك على الذي ... أتى رحمةً للعالمين بلا جحد
فقد توارث صاحب الترجمة مفاخر عن أبيه وجده، فبلغ بها من الفضل غاية حده، وله في غمامة الجامع من سلسة سلف، أخرجه إليها إخراج الدر من الصدف.
[الشيخ علي محسن]
فقد كان المنعم والده الشيخ أبو الحسن (علي محسن) إماماً ثالثاً بجامع الزيتونة على عهد البكريين بفضله وحسن تلاوته، وكان معظماً عند الخاصة والعامة علماً وديانة، إلى أن توفي في السادس والعشرين من ذي العقدة الحرام سنة ١٢٠٩ تسع ومائتين وألف.
وكانت ولادة صاحب الترجمة سنة ١١٩٣ ثلاث وتسعين ومائة وألف، فتربى في حجر عناية والده، وقرأ القرآن العظيم على الفاضل الشيخ حسن بن عمر، يروى أن مؤدبه المذكور انتهره في بعض الأيام لأجل القراءة، فلم يتحمل ذلك لعزة نفسه، وأخذته الغصة ولازمة البكاء من ذلك الوقت إلى أن رجع إلى داره عند الزوال، واستمر عليه ذلك في قيلولة ذلك اليوم، ولما نام مؤدبه في داره رأى رسول الله ﷺ في منامه واضعاً ولده المذكور في حجرة وهو يأمر مؤدبه باسترضائه، فقام من نومه فزعاً وخرج من حينه، واشترى فواكه مما يرضي الصبيان، وجاءه إلى داره فوجده باكياً، فانكب عليه واخذ يقبل يده ويعطيه الفواكه، ويسترضيه إلى أن سكن جزعه، وقص رؤياه على والده، ﵃ أجمعين.
ثم بعد قراءته القرآن العظيم توجه إلى قراءة العلم الشريف فقرأ على ابني عمه الإمامين الشيخ حسن الشريف، وأخيه الشيخ محمد الشريف، والشيخ الطاهر ابن مسعود، وقرأ على غير هؤلاء، وتصدى للإشهاد فعد من ثقات العدول.
ولما توفي شيخه الشيخ الطاهر بن مسعود خليفة الجامع وقدم الأمير محمود باي الشيخ "عمر بن المؤدب" للخلافة تقدم صاحب الترجمة للنيابة إماماً ثالثاً في ربيع الثاني سنة ١٢٣٤ أربع وثلاثين ومائتين وألف، وكان الإمام الأكبر يومئذ ابن عمه الشيخ حسن الشريف، فاستمر إماماً ثالثاً زينة لجامع الزيتونة، وأولاده شهادة الحرمين، وهي يومئذ من الخطط النبيهة الشأن، فقام بحقوقها، ولازم المعاينة بنفسه، ولما علم الأمير بذلك أهدى إليه فرساً اعتناءً بشأنه، واستمر مباشراً للإشهاد والإمامة إلى أن توفي الخليفة المذكور، فقدم الأمير ولده "الشيخ الشاذلي" نائباً، وقدم صاحب الترجمة إلى الخلافة، كما هو مقتضى الاستحقاق، فتقدم خليفة لابن عمه الشيخ محمد الشريف سنة ١٢٣٩ تسع وثلاثين ومائتين وألف، فعمر الجامع بمواظبته وإقامة الصلوات في أول أوقاتها.
стр. 96
ولما تنقل الشيخ الشاذلي المذكور إلى خطة الفتيا أبي المشي خلفه اعتماداً على خطة الإفتاء، وعظم الخلاف بين الخليفة ونائبه بسبب ذلك، فبلغ أمرهما إلى الأمير مصطفى باشا، فأرسل قاضيه وكاتب سره للمصالحة بينهما مع المحافظة على ترتيب الجامع في تقديم الخليفة على الإمام الثالث وحسنت العلاقة بينهما، واستمرا على ذلك إلى أن توفي الإمام الأكبر الشريف فرأى المشير الأول احمد باشا تعين تقديم عالم العصر الشيخ إبراهيم الرياحي إلى إمامة الجامع، ولم يأنف من ذلك صاحب الترجمة لحسن إنصافه وعلمه بكمال رتبة الشيخ إبراهيم، بل إن ذلك لم يزدهما إلا تآلفاً، وكثيراً ما يقدمه الشيخ إبراهيم على نفسه ويرغب مع ذلك نائبه الشيخ الشاذلي في صفر الخير سنة ١٢٦٣ ثلاث وستين تقدم الشيخ "محمد البنا" نائباً عن الخليفة المذكور، ثم لما توفي الشيخ إبراهيم الرياحي قدمه المشير الأول أحمد باشا إلى الإمامة الكبرى في التاسع والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة ست وستين ومائتين وألف وأولى خليفته الشيخ أبا عبد الله محمد البنا، وقدم للنيابة شيخ الختمة العالم المجود "الشيخ احمد القروي" بعد أن كان كثير النيابة عمن قبله عند عروض الأعذار، وكان في الثلاثة الأشهر المعظمة يجلس على الختمة لتجويد القرآن بعد صلاة الظهر، وبعد الفراغ يحضر مجلس الأيمة لرواية الشفا، وأقام الصبح والعشاءين مدة مديدة من قبل ولايته النيابة بإذن من الأمير.
وقام هذا الإمام الشريف بخطة الإمامة الكبرى بجامع الزيتونة احسن قيام، وكان معتقداً للخاص والعام، فاضلاً كريماً، عزيز النفس، عالي الهمة، مهاباً معظماً، غيوراً، أولاه المشير الثاني محمد باشا وكالة زاوية السيد أبي زمعة الصحابي بالقيروان، فحاسب من كان قبله وأنتخت المحاسبة نيفاً وسبعين ألفاً، أستأذن فيها الأمير، فامتنع الأمير من التداخل فيها وفوض أمرها إليه يفعل بها ما شاء من أكلها، والتصدق بها، أو ما يظهر له، فبادر واشترى بجميعها زياتين بمرناق ودياراً بتونس، وأوقفها على الزاوية، ولما جمع المشير الثالث الزاوية على لسان الأمير، فأنكر ذلك وتغير له، وقال له: إنه إذا عزلني عن الزاوية المذكورة فإني (نخرج من البلد) وبمجرد بلوغ خبر ذلك للأمير أرسل إليه مع لسان الدولة يعلمه بان المحتسب المذكور أتاه من قبل نفسه لا بإذن، وأنه كيف يعزل شيخه الذي أخذ عنه الطريقة التجانية، وغنما يرجو رضاه، وعند ذلك سكن غضب الشيخ ودعا للأمير بخير، ومن الغد قدم إليه لسان الدولة المذكور بسبحة من عنبر وثلاثة آلاف ريال، وأمر في تمليكه هنشير الديوان قرب مرناق جلباً لخاطره، نال منه بذلك الدعاء الجميل، أدركته رضى الله عنه على هرمه لا يتخلف عن الرواية في الشهر الثلاثة مع ضعف بصره، وكان مع ذلك ينسخ صحيح البخاري بخط يده بأحرف كبيرة تساعده على القراءة، ويصلي الظهر والعصر، ويخطب في الجمعة والعيدين والناس يتبركون بأذياله إلى أن عجز، فصار إنما يحضر الجامع بحسب مقدرته، وهو الذي جعل لسائر أبواب بيت الصلاة مراتج من بلور وقاية من الريح والبرد فأحسن بذلك للمصلين والمدرسين.
ومن ورعه نعمه الله انه لما ورد ماء زغوان إلى الحاضرة ومروا به على ميضاة الجامع بعد أن ادخل إلى بعض ميضاوات غيره من الجوامع امتنع الشيخ من إدخاله إلى ميضاة الجامع كما يذكر فيه من الشبهة نظراً لاستحقاق أهل البلد الذي فيه منبع الماء.
وقد كان له ثلاثة أبناء وهم الشيخ (الطاهر) والشيخ (مصطفى) والشيخ (عبد الرحمن) توفي أولهم أولاً وتلقى الشيخ مصيبته بالصبر وتوفي ثانيهم ليلة الثلاثاء الثالث من ذي العقدة الحرام سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف، وصبر لذلك أيضاً غير أنهما خلفا له محمدين حفيدين له، ﵃ أجمعين.
ثم توالى عليه الهرم والمرض واشتاق إلى لقاء الرحمن، فأدركته المنية وله من العمر سبع وثمانون سنة وتوفي عشية الجمعة السادس عشر من رمضان المعظم سنة أربع وثمانين ومائتين وألف وتبرك الأمير والمأمور بحضور جنازته وصلى عليه الشيخ (علي العفيف) أمام باب البهور بجامع الزيتونة بوصايته عليه رحمة الله وقد رثاه الأكتب الشيخ المختار شويخة بقوله: [البسيط]
ورد المنايا على الأيام مورودُ ... وشربها المضّ بين الخلق مقصود
стр. 97
سّيان منْ عزَّ أو هانت معاقله ... لا يفتدى والدٌ منها ومولود
تلك الليالي وغن جادت بما وعدت ...
غطاؤها منك مسلوبٌ ومردود
ألا لعاً للأماني فهي مرحبة ... ولا لعاً لليالي فهي تنكيد
لا يفتدي امرأً ذا عزة أسفٌ ... إنّ المجد بريب الدهر مجدود
لا تنقع الظامئ المصدور موجعة ... أو ينجع الفاقد المحزون مفقود
أظلَّ ذا الوجد من ذا الخطب مغتبطاً ... في الحي يرتاد طلقاً وهو مردود
سلِ المنايا لمن ولت عزائمها ... وسددت سهمها؟ لا كان تسديد
بالفاضل المحسن الحمود قد نشبت ... أظفارها فتولت وهو منجود
من الألى فرض الرحمن حبَّهمُ ... فودهم لأمان الأرض إقليد
شمٌّ معاطسهم زهرٌ مكارمهم ... والكل يصحبهم عزٌّ وتمجيد
فطب حديثاً وقل ما شئت من كرم ... فكل فضلٍ لأهل البيت مشهود
قد كان غيثاً هطولاً في فضائله ... ترى مزاياه عقداً وهو منضود
ثنيتين من بعد خمسين سمت حججاً ... يؤمُّ وهو على الإجلال موطود
يسدد القول عن أغراض موعظة ... لانت لموقعها الصمُّ الجلاميدُ
ففي المنابر نحبُ الآسفين وفي ... صدر المجالس تأويهٌ وتصعيدُ
فلتغمضنَّ جفون المجد عن أسف ... فإنه في جفون الأرض مغمود
سقى لمضجعه الأسنى وعادوه ... مأواك محسنُ في الفردوس محمود
الشيخ محمد محسن
هو الشيخ أبو عبد اله محمد بن عل يبن احمد بن محمد بن محسن بن احمد الشريف، إمام مسجد دار الباشا، وهم جرا إلى الوصول إلى أصل الوجود ﷺ ناهيك به من صفوة مشاربه، وعزت مآربه، حفيد غمام جامع الزيتونة، وقد كان والده سميه عظيم القدر جليلاً فاضلاً، يغلب عليه الصلاح، تجاوز الثمانين سنة، ولاستدعاه المشير الثاني محمد باشا في مبدأ دولته وتبرك به واخذ بيده حين وصوله إليه وشيعه حين خروجه من عنده، ونال منه الدعاء الصالح وأكرمه بمال عظيم، ثم اشترى له داراً كانت جوار داره بما أرضى صاحبها، وتوفي بعد دولة المشير المذكور، وأعقب فحلين من أولياء الله وهما: الشيخ أبو الحسن علي وأخوه صاحب الترجمة.
الشيخ علي محسن
أما الأول فقد ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف في فضل بيته وقرأ القرآن إلى أن وعاه حفظاً، وقرأ العلم الشريف بجامع الزيتونة على الشيخ علي العفيف، والشيخ محمد النيفر الأكبر، ثم سلك طريق أهل الله، وأخذه الجذب وكان في حدود الخمس والخمسين بعد المائتين والألف يحضر جامع الزيتونة، وينكر على المصلين السعال، وربما ضرب من أخذه السعال، فأمسكه عمه إمام جامع الزيتونة الأكبر في الدار، وقيده يوم السبت وكانت والدته تخرج في الليل فتجده يدور في وسط الدار، أو انه يتوضأ حتى إذا جاء النهار أصبح في قيده.
وفي ليلة الثلاثاء حضر لدار عمه ثلاثة أشخاص وقرعوا عليه الباب وطلبوا مقابلته في ذلك الوقت، فخرج إليهم فطلبوا من فك قيد ابن أخيه وأعلموه انه سيلازم الدار من يوم الجمعة القابل إلى أن يستكمل أربعاً وثلاثين سنة يكون فيها قطباً بأراضي السودان، ثم يخرج ويحسن سلوكه ويلازم جامع الزيتونة، وعند ذلك أرسل عمه في الحين بفك قيده، وكان الأمر كما ذكروا، فإنه لازم داره، التي قرب الجامع الحسيني، وتعاطى هدمها إلى أن خرج منها أهله، واستمر في هدم الديار المجاورة لها، وكان كلما وصل إلى دار أرسل الأمير إلى صاحبها ودفع له ثمنها وتركها له، إلى أن عظم البراح الذي أقام فيه، وقد أدركته وهو غنما يظهر من السطوح أحياناً أو انه يخرج التراب من كوة فتحها إلى أن استكمل أمده، فخرج في أواخر عام تسعة وثمانين ولازم التردد بين داره والجامع.
стр. 98
ولما توفي ولي الله الشريف الشيخ سيدي محمد الصوردي يوم عاشوراء من المحرم الحرام عام تسعين ومائتين وألف، انتشر الشيخ بعد ذلك في الترداد على كثير من جهات البلاد، ثم لازم جامع الزيتونة مدة، واكثر جلوسه ومبيته فوق دانة سيدي منصور، وتارة يبيت بمقصورة سوق القماش، وهو على أكمل حالة الزهد في الدنيا، يلبس جبة من صوف ويتردى برداء، وعلى رأسه خرقة من الصوف وفي رجله بشمق، وتارة لا نعل في رجله، وهو مع ذلك من اعظم خلق الله هيبة وكمالاً، مع غاية الأدب والتفاني في الله، وقد نقل عن بعض أهل الله انه ولي غوثاً بعد القطبانية، وكراماته رضى الله عنه كفلق الصبح، ولم يزل أمر سلوكه وصحوه في تقدم وازدياد إلى أن أدركته المنية عن حال صحة آخر ليلة الثلاثاء العاشر من ربيع الأول سنة ١٢٩٨ ثمان وتسعين ومائتين وألف، وتوفي على جرد حصير متوسداً حجارة، وحسبه بذلك فخراً لزهده ﵁ وأخرجت جنازته من دار حفيد عمه، وصلى عليه بجامع الزيتونة عند باب البهور، وحضر مشهد جنازته الأمير وآل بيته والوزراء وجميع العلماء وكافة الأهالي حتى أن جامع الزيتونة وجميع رحابه غصت بمن لم يعهد اجتماعهم لمن سواه، ودفن بزاويته قرب الجامع الحسيني، وقد رثيته فقلت: [الكامل]
ما للمشارب صفوها لا يحسنُ ... هل فارق الدنيا عليَّ محسنُ
إيهٍ لقد تاقت له الأخرى، لذا ... أخذته كي بكماله تتيمن
علمت بأنه بضعة المختار ذو الأ ... سرار من قد طاب منه المعدنُ
فهو الذي نادته حضرةُ قدس خا ... لقه إلى إدارك ما هو ممكن
وسقاه من كأس التفاني فاحتسى ... صفو الشراب لأنَّ سكره يزمن
فغدا نديماً في خدور صيانة ... ولغير من يهواه ما أن يسكن
ورأى الجمال وشاهد الإجلال والإ ... قبال في قرب له مستوطن
وحوى جلالاً من أجلَّ تعرّفٍ ... أبدا به فضلُ المعارف احسن
لا يستفيق من الغرام ملازماً ... لتأدبٍ فيه يحار الأفطنُ
يحيى الدياجي بالمناجاة التي ... أمسى بها في سره يتفنَّنُ
ولذا تبدَّى معرضاً عن كل ما ... في هاته الدنيا وغن هو يحسن
فالزهد فيها وصفه بين الورى ... ومتاعها أبدا عليه لهيَّنُ
مع أنه ملك التصرف في القطا ... بة واغتدى بكمالها يتزين
ورقى إلى غوثيةٍ يسمو بها ... في مجمعِ التصريف وهو الأمكن
يجري الإله على يديه جميع ما ... في عالم الدنيا غدا يتكون
والأولياء جميعهم من دونه ... وبذاك أنبا منهمُ منْ يعلن
وله بذا شهدت كرامات بدت ... متكاثرات حصرها لا يمكن
فخرٌ سما به من وراثة جده ... خير البرية شامه المستيقنُ
فيه اقتدى بعلي أبيه وجده ... لكنه اعلاه سبقٌ أيمنُ
ولكم لهم في بيتهم من سيد ... في الأولياء تراه وهو يلقَّن
ولكمْ بفضلهمُ استجار ذوو الرجا ... لله في خطب فصار يهوَّن
ولكم بهم في تونس الخضراء يس ... تقى الغمامُ وما تريَّثَ يدمن
لله ما شرفٌ على شرفٍ سما ... شرفاً، به الأشراف طرَّا تعلنُ
فليتَّعظ بمماته من قد درى ... بمقامه العالي، ففقدهُ محزنُ
وليعتبرْ أهل النهى بكمال من ... قد شيَّعوه متى دعاه الموطنُ
ولئن يكن دفنوه في قبر سما ... بالفخر منه ففضله لا يدفن
فليعقده المستمير منادياً ... له باسمه فله الإجابة ديدن
وليستغث به من يناجي ربَّه ... وليستجر به من تصبهُ الأعينُ
وليتخذه وسيلة لله في ... ما قد عرا فبه التوسل أعون
وليتخذ ذو النسك عنده خلوة ... فيها يرى متبتلاً لا يفتن
فهو الذي خلع الإله عليه من حلل الرضا خلعاً بها يتزين
وهو الذي قد نال سابغ رحمة ... عند الإله بها غدا يتمكن
والله مجَّدهُ فقلت مؤرخاً: ... في مجد رحمته عليَّ محسن
стр. 99
وأما أخوه صاحب الترجمة فقد ولد سنة ١٢٢٦ ست وعشرين ومائتين وألف، وحفظ القرآن العظيم حفظ تثبيت وجوده، وقرأ العلم الشريف على شيوخ كثيرين، منهم الشيخ أبو عبد الله محمد البنا، والشيخ محمد النيفر، ثم اشتغل بأحواله وتعاطى التجارة بسوق القماش وسوق العطارين الكبار مع ملازمته تلاوة القرآن ثم أنه تقدم لمشيخه أحزاب الأسبوع لجامع الزيتونة عند وفاة الشيخ الذي قبله وما توفي نائب الخليفة الإمام الثالث الشيخ أحمد القروي قدم المشير محمد الباشا صاحب الترجمة للنيابة غمامً ثالثاً، وقدم الشيخ محمد بن سليمان إماماً للتراويح وشيخاً على الختمة، وكان خليفة الجامع يومئذ هو الشيخ محمد البنا والإمام الأكبر هو عم صاحب الترجمة الشيخ محمود محسن، فقام بالنيابة احسن قيام، في كثير من العوام، ثم عند وفاة خليفة عمه قدمه المشير الثالث محمد الصادق باشا باي خليفة لعمه في أواسط المحرم سنة ١٢٨٣ ثلاث وثمانين ومائتين وألف، وصادف ذلك هرم عمه وعجزه فقام متحملاً أعباء الخطة ولازم المحراب والمنير وقام بالخمس والجمعة إلى أن توفي عمه فقدمه المشير المذكور لخطة الإمامة الكبرى بجامع الزيتونة أواسط شهر رمضان المعظم سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف، ولما توفي إمام التراويح وشيخ الختمة الشيخ محمد بن سليمان تقدم عوضه ولده الشاب الشيخ حمودة محسن، فرآه أبوه متقدماً بمحراب جامع الزيتونة، ونال مسرة ذلك، وكان عليه رحمة الله مصاباً بذات الرئة، اشتد به المرض بعد حين، ولازم الفراش في مبادئ عام تسع وثمانين حتى منعه من الحضور لعمل المولد الشريف.
وكان حسن الأخلاق حسن المحاضرة، تقياً بالله، لا تأخذه في الله لومة لائم، دخل في أعضاء المجلس الكبر مدة القوانين، فظهر منه النصح للأمة والدين، وهو معقد عند العموم تجله الخاصة والعامة، اخبرني خليطه أبو عبد الله محمد بروطه أنه في صفر الخير من عام وفاته مر على دار الشيخ علي محسن فرآه فقال له: هل تأتيني بأخي؟ فأجابه لذلك، وطلب من صاحب الترجمة الذهاب إلى أخيه، وكان يومئذ يجد ألم صدره، فأحضر له كروسة، وذهباً معاً إلى الشيخ، فلما رآه الشيخ قال له: أأنت أخي؟ فقال له: نعم، فقال له: وهل بقيت دارنا التي بها شجرة الحناء؟ فقال له: نعم، فقال له: أو إن الحناء الآن موجودة؟ فقال له: غن الشجرة قد ماتت، ثم سأله عن عمه فأخبره بوفاته، فسأل عمن تركه، فأخبره بأبنائه، فطلب إحضارهم فأحضروهم له في الحين، وبارك عليهم، وأمرهم بالرجوع من حيث أتوا ثم طلب من أخيه الإمام الكبر صاحب الترجمة أن يدخل معه إلى داخل رحابه، فدخل وأقام معه منفرداً هـ نحو الساعة، ثم خرج وصحبته قفتان مخاطتان إحداهما بالجوز والأخرى باللوز، ورجع إلى داره، وف يتلك الليلية ظهر عليه حال واختلاج واكثر التوسل لله مما لا طاقة له به، ولازم بيته على كماله وإجلاله والناس يتبركون بزيارته إلى أن توفي ثاني عشر ربيع الأول سنة تسع وثمانين ومائتين وألف وتبرك الناس بحضور جنازته، وأعقب في الجامع ولده، وكان مدفنه في تربة آبائه بالزلاج عليه رحمة الله آمين.
الشيخ صالح النفير
هو شيخنا أبو الفلاح صالح بن احمد بن قاسم بن محمد بن محمد بن أبي النور النيفر، قدم جده أبو النور إلى حاضرة تونس من بلد صفاقس، وكان مقدم آبائه إليها من مصر القاهرة في تجارة، وهم يلبسون العمامة الخضراء علامة على شرفهم، واخبرني بعض الشيوخ منهم انهم من ذرية الشيخ الرفاعي ﵁ وهو مولاي أحمد بن سليمان بن احمد بن سيلمان بن احمد بن إبراهيم بن أبي المعالي بن العباس الرحبي البطايحي الرفاعي شيخ الفقراء الأحمدية إليه كثير من الفقراء الحمدية، وروى الحديث عن سبط السلفي، وحدث وكانت وفاته ليلة الاثنين سادس ذي الحجة الحرام سنة إحدى وتسعين وستمائة، ودفن برواقه المعروف به بحارة الهلالية خارج باب زويلة من مصر.
وأما آباء صاحب الترجمة الأربعة المذكورون فقد ولدوا بتونس، وتعاطوا صناعة الحرير والتجارة بسوق القوافي والعطارين، وساعدهم البخت فربحوا وأثروا مع ما فيهم من البذل والتصدق، وكلهم حج بيت اله الحرام.
стр. 100
وولد شيخنا المذكور سنة ١٢٣٦ ست وثلاثين ومائتين وألف، ونشأ نشأة صالحة وشد إلى التعلم عزائمه، ونتوجه لقراءة العلم الشريف بجامع الزيتونة، فقرأ على أخيه الأكبر الشيخ محمد النيفر المفتي المالكي كتب النحو من مباديها إلى أن أتى على ألفيبة ابن مالك، وقرأ عليه مصطلح الحديث ومختصر السعد، ونبذة من المطول، وتفسير القاضي البيضاوي، وقرا على الشيخ أبي عبد الله محمد بن سلامة المفتي المالكي شرح التاودي على نظم ابن عاصم بحواشيه، وشرح الشفا للقاضي عياض، وقرأ على المولى الجد الشيخ أبي عبد الله محمد السنوسي المختصر الخليلي، وقرأ على شيخ الإسلام أبي عبد الله محمد معاوية المطول، وقرأ على الشيخ أبي عبد الله محمد بن ملوكة رسالته المنطقية وغيرها، وقرأ على غير هؤلاء من أعلام الشيوخ كالشيخ أبي أسحق إبراهيم الرياحي، وشيخ الإسلام الشيخ محمد بن الخوجة والشيخ أبي عبد الله محمد الخضار المفتي المالكي، والشيخ أبي عبد الله محمد البنا، وقد برع في المعقول والمنقول مع حسن العارضة وجلس للتدريس بجامع الزيتونة، وتقلب في خطط علمية رفيعة الشأن، فتقلد خطة التدريس من الرتبة الثانية في الثاني عشر من ربيع الأول سنة ١٢٦٥ خمس وستين، ثم في سابع جمادى الثانية من السنة الموالية لها ترقى إلى الرتبة الأولى، وأفاد الطالبين وختم كتباً مهمة ولما ختم مختصر السعد هنأه أحد تلامذة الدرس، وهو الموثق الفرضي المجود، المدرس الشيخ محمد البشير التواتي بقوله: [الطويل]
أبدر تمامٍ حلّ في طالعه السعد ... أمِ البرقُ يبدو من نواحي بني سعدِ
أم ارتفع الجلباب عن وجه بثنة ... فبانت ثنايا الدر في مجمع الشَّهد
فآنستُ وجهاً أنه الشمس في الضحى ... وأن الحيا قد حاك ورداً على نجدِ
وقد سدَّدتْ نحوي سهامَ لواحظٍ ... ليفعلنَ بي فعل المواضي من الهند
فبتُّ ونار الشوق وسط حشاشتي ... ولم تذق العينان طمعاً من البرد
زكم وعدت مقتولها بحياته ... فشاب ولم يظفر بمائسة القدَّ
وإني قنوع في الوصال بنظرة ... إلى الغادة الحسنا مبرَّرة النَّهد
فإن لامني العذال فالقصد صالحٌ ... لدى الناس مثل النار ليلاً على بند
تقيٌّ نقيٌّ ناسكٌ متورع ... هو الفاضل المحمود في القرب والبعد
إمام همام لوذعي وسيد ... من الشرفاء الطاهرين أولي النجد
خلاصة أخيارٍ ومفتاحُ كنزهم ... وبحر محيط لا يغيض من الورد
كمال لنا كشفٌ لكل ملمة ... خليل لطلاب العلوم أولي الرشد
رياضُ علومٍ كأس عذبٍ رحيقها ... أساس مبانيها يصول كما الرعد
كأنّه ليس في جيوش دروسه ... وفي معرك الألباب سيف بلا غمد
إذا ما تصدّى للبيان رأيته ... يصوغُ المعاني في البديع بلا جحد
وكم لهجت أنفاسه بجواهرٍ ... منظمةٍ كاللؤلؤ الدر في العقد
يفوق الورى في كل أمر يسودهم ... وغن ذكروا مجداً تقدم في العد
أيا ماجداً قد حاز كل فضيلةٍ ... ويا سيداً دامت له سبلُ الودَّ
فدونك بنت الفكرِ قد تمّ حسنها ... أتتك تهنّي في ختامك للسعد
стр. 101
وقد ولي مشيخة المدرسة المرادية في السابع عشر من ذي الحجة الحرام سنة ١٢٧١ إحدى وسبعين، وتقدم للإمامة والخطبة بجامع درب العسال في السابع من ربيع النور من السنة الموالية لها، وتعاطى في مبدإ أمره المتجر، وكان حانوته بالعطارين الكبار يومئذ وجلس للإشهاد، وكان الولي الصالح الشيخ صالح المثلوثي كثير التردد عليه، فاتاه مرة إلى حانوته، وقال له: يا شيخ صالح هات دفترك واكتب إنك ستولى خطة كذا وخطو كذا، وذكر له عدة وظائف رفيعة يعز اجتماعها، وكان المر كما ذكر الشيخ ﵁ فقد قدمه المشير الثالث لخطة القضاء بالحاضرة منتصف ربيع الأول سنة ١٢٧٧ سبع وسبعين ومائتين وألف، وتقدم في مجالس الجنايات عند وضعها، ثم في غرة صفر الخير سنة ثمانين ترقى إلى خطة الفتيا ثم في شهر شوال استعفى من خطته في مجالس الجنايات، وخرج لحج بيت الله الحرام ثانياً غرة ذي القعدة الحرام سنة ١٢٨٠ ثمانين ومائتين وألف، فحج وزار ورجع إلى الحاضرة على خطة الإفتاء، وكان مفتياً سادساً، ولما توفي الشيخ محمد البنا صار مفتياً خامساً، ولما توفي الشيخ الطاهر بن عاشور صار مفتياً رابعاً، ولما توفي الشيخ احمد بن حسين ترقى إلى رئاسة المجلس الشرعي، فولي خطة باش مفتي بتقدمه على المفتي الثاني يومئذ الشيخ الشاذلي بن صالح، والمفتي الثالث الشيخ علي العفيف، وكانت ولايته الخطة المذكورة تاسع شعبان الأكرم سنة ١٢٨٥ خمس وثمانين ومائتين وألف بعد أن تقلد وظيفة الحسبة والنظر على بيت المال أواخر ذي الحجة الحرام سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف.
وقد كان فقيهاً عالماً، له حسن دراية، يضرب بها المثل، مع مزيد التحصيل في الفروع والأصول، وحسن الجاه الذي لم يشاركه فيه أحد يومئذ، وله ولع بالتصوف والأذكار، وحب الصالحين والزيادة لهم، ومواسة الغرباء أينما كانوا، وله حسن محاضرة لا تمل مع اقتدار كلي على إبراز الكلام في قوالب شتى.
وقد قرأت عليه الكفاية شرح الرسالة للشيخ سيدي عبد الله بن أبي زيد القيرواني، وكانت قراءته لذلك قراءة تحقيق بعد صلاة الصبح، ولما ولي رئاسة الفتيا تأخر عن الدرس المذكور، وكانت تقاريره ومباحثه تسحر الألباب، وأذكر منها أنه لما كان يقري قول الشيخ "ومملا يجب اعتقاده أنه تعالى فوق عرشه، المجيد بذاته" وقد أورد الشارح الاستشكال على ظاهر العبارة بما هو مبسوط في محله من إشعاره بالجرمية والاستقرار بالذات نفسها، فاستظهر رحمة الله أن الجملة مركبة من عقيدتين، وهما كونه تعالى فوق عرشه، وكونه تعالى مجيداً بذاته، بجيث يقرأ المجيد (بالرفع) خبراً ثانياً، لا بالجر على انه نعت للعرش، قال: وهذا الوجه أخذته من قراءة الوقف على ذي العرش في قوله تعالى: (يوجد آية) وهو وجه يزيدك حسناً كلما زدته نظراً، وهكذا كانت أختامه ودروسه كلها في غاية حسن التقرير والتحرير، وأدعيته لطيفة الإنشاء، يبدع في تحريرها كيف شاء، وقد كتب أختاماً كثيرة على أبواب مهمة من صحيح البخاري، وتصدى لشرح الموطأ فكتب عليها كتابة جليلة حين لازم إقراءها بجامع الزيتونة بلغ في الشرح المذكور إلى حيث بلغ في التدريس وتركه مسودة.
وأما تدرجه في مراقي إمامة جامع الزيتونة فقد تقدم للنيابة إماماً ثالثاً في الرابع عشر من صفر الخير سنة ١٢٨٣ ثلاث وثمانين ومائتين وألف عند وفاة الخليفة الشيخ محمد البنا، وأقام المغرب والعشاء والصبح مدة، وكان كثيراً ما يعتكف الليالي العديدة بجامع الزيتونة لأداء صلاة العشاء والصبح، وقد استصحب في ليلة النصف من شعبان تلك السنة للمبيت معه الشيخ محمود قبادو، فارتجل قصيدته، هنالك التي يقول في مطلعها: [الطويل]
إلى بيتك اللَّهمَ بالعزم أقبلنا ... حططنا به رحل الضيافة فاقبلنا
стр. 102
ولما توفي المحسني المحمودي قدمه المشير الثالث خليفة أواخر شهر رمضان المعظم سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف، وخطب بالخطب البليغة، وواظب على إقامة الصلوات في أوقاتها، وقرأ المولد النبوي بالنيابة عن الإمام الأكبر قبيل وفاته إلى أن توفي إمام الجامع الشيخ محمد محسن فقدمه المشير الثالث إماماً أكبر بجامع الزيتونة في السادس عشر من ربيع الأول سنة ١٢٨٩ تسع وثمانين ومائتين وألف، فحظي من دهره بغاية المراد، غير أن الخطة أتته على حين بلغ به ضعف البدن إلى حده، فخطب أخرى ثم أقعده الضعف، ولما حضر المولد النبوي بعد ذلك طلب الأمير أن يقتنع منه بسرد أدعية لضعفه، فأرسل له الأمير يأذنه بأن يريح نفسه وأن خليفة الجامع الشيخ محمد الشريف يقوم مقامه، فأعاد على الأمير الطلب بأنه يحضر الموكب بنفسه ويسرد المولد عوضه أخوه الأصغر المفتي الشيخ محمد النيفر، فأعفاه الأمير من ذلك وأرسل إلى خليفته الشريف بإحضار المولد النبوي، ولم يحضر الإمام الأكبر صاحب الترجمة ذلك الموكب.
وكان مع ذلك آية الله في الذكاء والتقلب في الأمور ومعرفة وضع الأشياء في مواضعها، عالماً، لطيف الأخلاق، جميل المحاضرة، محصلاً أختامه يرغب الناس في حضورها، لحسن ما ينتقيه ويحرره فيها من المسائل المهمة.
وقد قربه الأمير، لعلمه وحسن أخلاقه، حتى كان ذا جاه رفيع غير أن الأجل عاجله وكدر الدنيا لم يترك مشاربه صافية، فتوالى عليه المرض واشتد به الضعف حتى لازم المنساة بعد الخمسين، ولم يزل المرض مصاحباً له، يضاجعه تارة وتارة يريحه، إلى أن لازمه أخيراً وأدركته المنية وعمره نحو خمس وخمسين سنة، فتوفى أواخر ذي القعدة الحرام سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف، وقد بر به ولده فبادر لدفنه يوم وفاته عشية لك اليوم وشهد العموم جنازته، عليه رحمة الله.
وقد كتب في ترجمته حين وفاته كتابة نثرية في الرائد التونسي هذا نصها: في ضحوة يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام افتقد هذا القطر التونسي شيخ الإسلام المالكي والإمام الأعظم بجامع الزيتونة صاحب النسب الذي هو في بيت النبوءة عريق، والعرفان الوثيق، وهو الهمام الذي عبقت الأرجاء من الثناء عليه بمسك أذفر، أستاذنا أبو الفلاح الشيخ صالح النيفر، فهال خطب فقده على سائر الأمة وما هان، وأودع في أكباد الذين آمنوا أعظم الآلام والأحزان، إذ كان لمحاجر الشريعة نور، وملبسها من الفخر العز الموفور، فيا له من همام هم بإدراك المعالي فنالها، وسبق في تلك الحلبة رجالها، حتى عقدت عليه كل مكرمة سائر الخناصر، وباهت به مملكتنا سائر ممالك القياصر، فكسا أندية العلوم حلل المحاسن، وأجرى من انهار معارفه ماء غير آسن، درسه يسحر الألباب، وتقريره يزري بحسان فرائد الآداب، له في الأسلوب الحكيم الاقتدار على تقليد اللبات بالدر النظيم.
أما حقائق الدقائق، وفائق الرقائق، فلا مطلع لشموسها، غير رياض دروسه، ولا مورد لرحيقها، غير شفاف كؤوسه، فكم أدار على أرواحنا مكن أعجب الأساليب راحا، فأودعها من ذلك نشوة وانشراحا، فهو كشاف المعاني، والمصباح الذي يستضيء بشهابه كل معاني، له اليد الطولى في المعقول والمنقول، وأحرز السبق في ميادين الفروع والأصول، قدمه في سائر العلوم راسخة، ومعرفته الوثيقة لسائر الزيوف ناسخة، إن تكلم في المجالس أبهت الناطق والصامت، وأضحى بلواتر الفصل الصالت، إذ حنكته الفصاحة، ودرى كيف يأسو للدهر جراحة، وسبر بمسبار الألمعية أغوار الحدثان وجابه يدها تجريبه جباه الزمان، فعلم بمواقع الأمور، وجرى فيها بالسعي المشكور.
стр. 103
أما معرفته بمدراك مذهب مالك بن أنس، فهي التي نصبت له المنصات فارتقاها وجلس، فقضى سنين قد انقضت كأنها سنات، وأتى فيها بالآيات البينات، أقام فيها قسطاساً لمنع الاعتساف، حيث تحلى ببدائع الأوصاف، وقام بأعباء الفتيا قياماً لم يعهد له مثيل، ورصع تاجها بمجده الأثيل، وأنار منبر تجرح الأفئدة والقلوب، ولا سيما حيث كانت من خطبه التي أبدع في تنظيمها على أفخر أسلوب، فإذا قام في منبره أو محرابه فيا فوز من وعى، فإنه يسمع الصم الدعا، فما ترى الحاضرين إلا وعيونهم تنهمر دمعاً، إذ انصدعت قلوبهم من ذلك صدعا، وإذا روى عن جده خير البرية المصطفى، يلين له القلب الذي كالصفا، فكم هدى وأهدى، وأعاد من المزايا وأدى، إلى أن ألفت رئاسة الفتيا والإمامة أمرها لديه، وتوشيح كلتاهما بالانتماء إليه، بعد أن ولي الحسبة ووظائف وتنتهج بها تلك المناصب السنية.
وزيادة على ذلك فقد تحلى بكمالات لا تحصى، ومزايا لا تستقصى، فهمته قد ضربت على السماك أطنابها، ونصبت على الجوزاء قبابها، حتى انتعل السها، وغدا إليه في كل مكرمة المنتهى، مع ما هو عليه من شرف الأعراق، ودماثة الأخلاق، بشاشته تملأ قلب ملاقيه حباً، وتوليه من التردد ما يختاره بعدا وقربا.
وكان كثير الميل إلى علم القوم، لا يختشى في ذلك من لوم، وله مزيد ولعٍ بمن بنتسب للشرف النبوي والصلاح، من أهل الخير والفلاح، فسلك في ذلك مسلك أستاذه شيخ الإسلام المالكي أبي إسحاق، وكرع من مناهل الطريقة التجانية أعذب الأذواق، حتى كان في خيسها ليثاً، وانسجم بمعارفها غيثاً.
ولذلك نبؤه راع القلوب وفتت الكباد، وعم بالإصابة سائر العباد، فيا له من خطب أصاب أفئدة كانت لمودة هذا الهمام منسوبة، ورماها من نباله بأسهم مقشوبة، حتى عم الأسف سائر الأهالي، ونثرها عليه من الدموع وطيب الثناء أحسن اللآلي، نسأل الله أن يعامله بالرضوان، ويجعله في جوار سيد ولد عدنان، فإنا لا نقدر على إيفاء حقه فيما ننثر وإن نظمناه، ولا يطيق أحد أن يبلغ في وصفه إلى ما يتمناه، ولذلك تربصت بنظم رثائية ريثما أجمع أشتات أن يبلغ في وصفه إلى ما يتمناه، ولذلك تربصت بنظم رثائية ريثما أجمع أشتات قريحة تقرحت برزئة الجليل، وصارت تنثر مع أدمعنا أمثال هذه الأقاويل، وقد انتهز الفرصة في ذلك العالم الماجد، المبرز ببراعته على سائر الأماجد، النحرير اليلمعي، والفهامة اللوذعي، فرع مشايخ الإسلام، الثلاثة الأعلام، المتطلعين غرراً في جباه الأيام، صديقنا الذي لم تزل طريقة والده وجده له منهوجه، الشيخ أبو عبد الله محمد بن الخوجة، أحد أعيان المدرسين بالجامع الأعظم لا زالت دوحة والده به في ابتهاج ونما كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهذا نصها: [الطويل]
إلى الله من خطبٍ تداعت له رجفا ... رواسخ أحلامٍ وقد أحكمت رصفا
تمطَّى به ليلٌ من الوجد حالكٌ ... يضل الكرى فيه فلا يعرف الطَّرفا
صلى كلَّ قلب من لظاه بمضرم ... يزيد إذا ما الدمع برَّده ضعفا
يحق له شقُّ القلوب إذا اغتدى ... يشقُ أخو الأحزان أثوابه لهفا
إلى الله نشكوه عظيم ملمةٍ ... عسى فرجٌ يولي دجنتهُ كشفا
ومنْ مارس الأيام هان به الأسى ... فكم روعت سرباً وكم رنقت صرفا
وهل سالمت من عهد آدم واحداً ... فيأمن مرتاحٌ إلى ظلها الحتفا؟
ويا ليتها ترعى ذمام ذوي العلا ... فتبقيهم لكن أبي طبعها اللطفا
وما ضر لو أبقت لنا الواحد الذي ... أعد به دين الهدى للورى كهفا
وما ضر لو أبقت لنا الواحد الذي ... يمرُّ ولا يبدي الزمان له خلفا
وما ضر لو أبقت لنا الواحد الذي ... يبيدُ به جيش الضلال إذا اصطفَّا
قضى الله في قطب الرئاسة إن قضى ... فها أدمع الإسلام وأكفة وكفا
فمن لنوادي الفضل بهجةُ صدرها ... وملبسها من فضل أقواله شنفا
فمن للقضايا المعضلات يحلُّها ... بصارم فكر لا يفل ولا يحفى
ليبكه ملهوفُ الجوانح غلَّةَّ ... إلى عذب فتيا كان منهلها الأصفى
إذا أمَّةُ المرتادُ أبصرَ جنة ... بدائعها تدني لمن رامها قطفا
ترحَّل فاقتاد القلوب وراءه ... ولا غرو إذ تقفو المعارف والظرفا
стр. 104
بني نبفرٍ صبراً فهذا سبيل من ... يعيش ولو قد عاش في دهره ألفا
وما بيتكم في المجد إلا كعهده ... سنى عزّه إن شاء ربي لا يطفا
على أنه قد فاز بالفضل والرضا ... وخلف ذكراً طاب ترديده عرفا
وبلَّغ في الدنيا الذي شاء من علا ... ولم يرغم العداء من عزه أنفا
فألبسها من عدله وعلومه ... ملابسَ قد زانت لها الصدر والعطفا
عليه من الرحمن أزكى تحية ... تقر بها عيناه في جنة الزلفى
وحقق فيه الله قول مؤرخ: ... إلى خير مأوى على صالح قد زفا
وعندما أدرجت المرثية المذكورة في هذه الترجمة كتب إلي جناب منشئها الأخ العالم بقوله: [البسيط]
بوَّأتني محض فضل نزل علياء ... والحبُّ يفضي لإسهاب وإطراء
طما وادي لديكم فارتمت دررٌ ... من عذبه صعدت أنفاس أعداء
أهديت أيَّ صنيعٍ لن يوفيهُ ... شكري ولو نشرته كلُّ أعضاء
أودعته عند من يدري بقيمته ... برّ شكور فقل يا نجح أسداء
أعرتني بعض أوصاف خصصت بها ... تفضلاً وغضضتم أي إعضاء
شكراً لكم من أخ بر حبيت به ... أنزلته من فؤادي في السويداء
إبريز من أمسوا أخواني وعمدتهم ... وسيد كم رقى أوجاً لعلياء
فيا له من صديق قد ظفرت به=صينت صداقتنا عن كلّ أقذاء
الشيخ محمد الشريف
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الكبير بن احمد بن محمد بن أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشا، وهكذا سلسلته المنتهية إلى شجرة المنتهى محمد خير خلق الله صلى عليه وعلى آله، فهو الإمام حفيد الإمام، مفخر آل البيت السادات الكرام.
[ترجمة والده]
أما والده فقد قرأ على عمه الشيخ حسن الشريف وعلى والده، وناب عنه في الإقراء بمدرسة حوانيت عاشور، وله مشاركة في الإقراء بمدرسة حوانيت عاشور، وله مشارمة في كثير من الفنون، وكان ذاكراً شاكراً محباً في الصلاة على رسول الله، له شغف بدلائل الخيرات، يحيى الليالي بالذكر والصلاة، كثير الرؤيا لجده هـ ﷺ منها مرة رأى نفسه في حجره ﷺ وهو يلثم يده الشريفة ويجد من لينها وريحها ما لم يعهد، وبقي أياماً وهو يقول: إنني الآن أجد طيب ريحها، وكان مهاباً محترماً، جميع الناس يطلبون منه الدعاء وقد اتفق لبعض الناس أن افترى عليه في نازلة فدعا عليه فمات بقرب من ذلك، ولم يزل ملحوظاً بعين الإجلال، معدوداً في الصالحين من الرجال، إلى أن بلغ من العمر ستاً وأربعين سنة، وتوفي سنة ١٢٥١ إحدى وخمسين ومائتين وألف.
وخلف والده صاحب الترجمة وكانت ولادته في العشرين من المحرم الحرام سنة ١٢٣٤ أربع وثلاثين ومائتين وألف، وتربى في حجر عناية أبيه، فقرأ القرآن العظيم، وتصدى لتعلم العلم الشريف بجامع الزيتونة، فقرأ على مشايخ الإسلام البيرمي والخوجي ومعاوية، وقرأ على الشيخ محمد النيفر الأكبر، والشيخ الشاذلي بن صالح، وغيرهم من علماء الجامع، وولي في درسي جامع الزيتونة بعد وفاة عمه.
وحصل على إجازات كثيرة في الحديث، وقفت منها على سنده في صحيح البخاري: عن شيخ الإسلام محمد بن الخوجة عن المفتي المؤلف الشيخ حسن الشريف عن والده الشيخ عبد الكبير الشريف عن والده الشيخ أحمد الشريف عن الشيخ عبد الرحمن الكفيف عن الشيخ سعيد الشريف الطرابلسي عن القطب الشيخ أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشا عن الشيخ السراوي المصري عن الشيخ سالم السنهوري عن الشيخ نجم الدين الغيطي عن الشيخ زكرياء الأنصاري عن الشيخ أحمد بن حجر شارح الصحيح عن الشيخ التنوخي عن الشيخ أحمد الحجار عن الشيخ حسين بن المبارك عن الشيخ أبي الوقت الهروي عن الشيخ الدراوردي عن السرخسي عن الشيخ محمد بن موسى الفربري عن الحافظ الشيخ محمد بن إسماعيل البخاري ثن الجعفي رحمه الله تعالى ورضي الله عنه.
ووقفت أيضاً على سنده المحمدي، وأجاز لي رواية المذكور بما له فيه من الأسانيد بعد أن رويت بين يديه نبذة منه ﵁ غير أنه لم يجلس للإقراء إلا قليلاً، ولازم رواية الشفا والبخاري بمسجد سيدي أبي حديد واجتمعت الجموع لأختمه، وهو ممن يظهر نعمة الله عليه، في نفسه ومن ينتمي إليه وله مع ذلك دعاء مستجاب، وخاطر ليس بينه وبين الله حجاب.
стр. 105
جلس مرة في جبل المنار قرب الناظور من الجانب الشرقي، ومعه جملة من الأعيان، فمرت بهم في البحر فلوكة بها جمع من كفرة الصيادين للسمك فقال له أحد الحاضرين: إن كنت شريفاً فادع على هؤلاء ليغرقهم الله، فظهرت غيرته، ودعا عليهم بجاه جده، فلم تلبث الفلوكة أن انقلبنت بمن فيها في البحر، ومات جميعهم، وله من هذا الباب وقائع شتى.
وكان المشير الأول يتمين برقيته ودعائه، وللمشير الثاني معه مودة واعتقاد، يتقرب به إلى رب العباد، عليه جرى المشير الثالث مع ما هو عليه من التعظيم عند الخاصة والعامة.
وعند وفاة الشريف محمد ابن الوزير العربي زروق عن وكالة زاوية الشيخ سيدي أبي سعيد الباجي ﵁ قدمه المشير الثالث لها مع النظر على جبل المنار في ربيع الأول سنة أربع وثمانين.
ثم لما توفي ابن عمه المحسني المحمودي قدمه المشير المذكور للنيابة إماماً ثالثاً بجامع الزيتونة في الثامن عشر من شهر رمضان المعظم سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف، ولازم الجامع للإمامة وواظب على رواية صحيح البخاري كل يوم ثم لما توفي ابن عمه المحسني المحمدي قدمه المشير الثالث خليفة في السادس عشر من ربيع الأول سنة ١٢٨٩ تسع وثمانين، واستولى عند ذلك الشيخ أبو الحسن على العفيف نائباً عنه.
واستمر الخليفة المذكور قائماً بصلوات الجامع في أول الوقت، حاملاً أعباء الخطبة والإمامة مدة مرض الإمام الأكبر إلى أن توفي الإمام النيفري فقدمه المشير إماماً أكبر بجامع الزيتونة في التاسع والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف، وجعل خليفته الشيخ أبا الحسن علي العفيف، وقدم ابن عمه الشيخ أحمد بن حمدة الشريف إماماً ثالثاً، فنهض الإمام الأكبر الشريف صاحب الترجمة للجامع، وشمر على ساعد الجد في تنظيمه والبحث عن أوقافه، وأجرى الأمور على أحسن وجه، وقام بالخطبة قياماً كلياً بحيث أنه يحضر رواية البخاري كل يوم الثلاثة الأشهر، وهو مقيم في جبل المنار في حر الصيف حتى تيسر له ختم رواية صحيح البخاري في ٢٦ شهر رمضان سنة ١٢٩٦ ست وتسعين، ومهما اتفق احتباس المطر وخرج للاستسقاء إلا ورجع باليل، وإن لم يصبها وابل فطل.
[قراءة البخاري عند الأزمة]
وهو أول من جمع الناس لختم البخاري في مجلس واحد للاستغاثة ودفع الكروب وذلك أواسط جمادى الولى سنة ١٢٩٨ ثمان وتسعين، فحضر بجامع الزيتونة عند باب الشفاء، واحضر نسخة من صحيح البخاري مجزأة عشرين جزءاً في غاية الضبط والصحة، وجمع معه تسعة عشر مدرساً من علماء جامع الزيتونة ليروي كل واحد جزءاً كاملاً في ذلك المجلس، فحضرنا هنالك قبل الزوال بأربع ساعات، واستمر بنا على رواية الصحيح المذكور إلى مضي ساعة من الزوال فتمت روايته في خمس ساعات من يوم الأحد الثامن عشر من جمادى الأولى سنة ١٢٩٨ ثمان وتسعين، وقد واظب الشيخ مدة على ذلك مع ذكر الاسم اللطيف وأدعية مدة استمرت إلى منتصف جمادى الثانية يحضر معه في كل يوم بعض المدرسين ويتلو بينهم في آخر المجلس استغاثات مناسبة للحال.
وقد تقدم في أثناء تدرجه في مراقي الإمامة إلى خطة الإفتاء بمذهب مالك، فتقدم مفتياً سادساً، تاسع شعبان الأكرم سنة ١٢٨٥ خمس وثمانين ومائتين وألف ونقش على ختمه بيتين من نظمه وهما قوله: [الرجز]
أدعوك ربي باسمك اللطيف ... ومن أتى بالشرع والتكليف
امننْ برشدِ عبدك الضعيف ... محمدِ بن أحمد الشريف
ولما توفي الشيخ محمود قابادو صار مفتياً خامساً، ولما توفي الشيخ صالح النبفر صار مفتياً رابعاً، ولما توفي الشيخ علي العفيف صار مفتياً ثالثاً، فهو اليوم إمام جامع الزيتونة والمفتي الثالث بالمجلس الشرعي، معتكف على القيام بوظيفته، ملازم لرواية صحيح البخاري في بيته، مع الاعتناء بتصحيحه وضبطه بشروحه، حتى ختمه مراراً كثيرة، كما ختم الشفاء كثيراً، وله مزيد تحر واعتناء بانتقاء بدائع الخطب وضبطها على الوجه الأتقن، وقد تقدم في الطريقة التجانية، ولقنها لكثير من المريدين، وقام بأورادها مع ما له من الأذكار، التي يلازمها بالليل والنهار، والتبتل للعزيز الجبار، على طريق الأخيار، من أصحاب الأسرار، ﵁.
стр. 106
وخليفته اليوم في إمامة الجامع هو ابن عمه الشيخ أبو العباس احمد بن حمدة بن محمد الشريف إمام الجامع، ونائبه الإمام الثالث هو الشيخ أبو محمد حمودة بن محمد محسن إمام الجامع، وعلى عهده زيد في أيمة الجامع نائب ثان وهو الشيخ أبو عبد الله محمد بن الطاهر بن محمود محسن إمام الجامع، وإمام التراويح هو الشاب أبو عبد الله الشيخ محمد بن مصطفى بن محمود الشيخ عبد الرحمن بن محمود محسن، فخطط الجامع ولله الحمد اليوم بين آل الشريف ﵃ أجمعين، ولولا أشتراطي ذكر الأيمة لذكرت تفصيل حال هؤلاء السادات أبقى الله بركتهم أماناً لأهل الأرض، فبدر الإمام الأكبر اليوم محيطة به هالة من آل بيته، وقد تجمل به، والحالة هاته، صدر الجامع وابتهج، وافتخر المنبر بحسن خطبه التي ينتقيها، وبجمهورية صوته وتأثيره يلقيها، بحيث أنه اليوم أخطب الخطباء بالحاضرة فصاحة وجمهورية صوت وأداء وضبطاً، وهو إمام فاضل، متفنن، نحرير دراكة، سخي النفس، غزير الدموع، سهل الجانب، رضي العيش، قدوة، محبب إلى الناس، كريم الأخلاق مهاباً معظماً، عالي الهمة، مقبول الجاه، محترم، يكرمه الأمير والمأمور، ويعتقده الخاصة والجمهور، يحضر الجامع في كروسة من كراريس الأمير، أهداها له الوزير.
وقد نفع بجاهة كثيراً من المستجيرين به ﵁، وفي هذا العهد أتاه الثقة المسن علي عباس يطلب منه الدعاء، وقراءة الفاتحة، وأخبره أنه رأى رسول الله ﷺ في منامه ببيت به جمع عظيم، ولما دخل بيتهم رأى مجلس رسول الله ﷺ مرتفعاً وإلى جانبه الشيخ متكئاً ثم إن المصطفى مسح على جنبه ووعده بالشفاء فكان صدق الرؤيا حيث غن الشيخ يشكو في هاته المدة ذلك لجنب نفسه، وقد أمل الشفاء ببركتها ولا تخفى دلالة الرؤيا على قرب اتصاله بجده ﵊.
وحيث إن مفاخره عظمت بالاشتهار، وغطت على الشمس في رابعة النهار، وكان وجوده بين أظهرنا من بركات هاته الأعصار، التي نتمتع بها آناء الليل وأطراف النهار، تقربت لجده المصطفى ﵊ بقصيدة جليلة، اتخذها تاج المفاخر إكليله، صدرتها بذكر فضائل آل البيت، ووشحتها بذكر بعض مفاخره ومفاخر آبائه الكرام، إلى الوصول إلى خير الأنام وآبائه العظام، وسميتها "الجنة الدانية الاقتطاف، بمفاخر سلسلة السادة الأشراف".
وها أنا اجعلها خاتمة لهذا القسم تيمناً بفضل من ذكرتهم فيها، وهذا نصها: [البسيط]
إنَّ المودةَ في القربي هي الأملُ ... يجري بها ويفوق الأجرُ والعملُ
قرابةِ المصطفى آل بهم شرفتْ ... مفاخر بعلاها تضرب المثل
آل الرسولِ كفاهم وصلتهم ... به وقوله: آلي إذ هو الأمل
أوصى بهم حيث قال الله أشدكم ... في أهل بيتي ثلاثاً إذ به اتصلوا
دعا بسترهمُ إذ كان جلَّلهم ... وفي ملاءته دون الورى اشتملوا
وحائط البيت والأسكفَّة ابتدار ... مؤمنين كتأمين الألى عقلوا
فمن دروا حقهم في الفضل كان لهم ... به البراءة من نار بما عملوا
ومن أحبَّهم جاز الصراط به ... كالبرق لا يعتريه البطء والثَّقلُ
ومن يواليهمُ نالَ الأمان منَ ال ... عذاب يومَ ذوات الطفل تنذهل
هم الأمان وما داموا على قنن ال ... تبجيل لم يكتنفنا في الورى ضللُ
همْ عترةٌ طهَّر المولى منازلهم ... مذ أذهب الرجس عنهم عندما كملوا
همُ الهداة وبيت الوحي بيتهم ... لا يعتريه بحول الخالق الخللُ
بيتٌ على الدين قد قامت دعائمه ... ومن مناهله كل الورى نهلوا
بيتٌ قد انتاب جبريلُ منازله ... عن إذن ربّه والأملاك كم نزلوا
بيتٌ تخيَّره الرب الجليل إلى ال ... تنزيل والوحي منه ليس ينتقلُ
ما بعد جدهم المختار من رجلٍ ... يأتي فتتبعه الأملاك والرّسلُ
لهم سمات وآيات لهم تليت ... في الذَّكر لا يعتريها النسخُ والبدلُ
فمصدر الدين هم والدين حبُّهمُ ... وهمْ سراة الورى ما مثلهم رجلُ
لا يدخل القلب إيمانٌ وحبهم ... لله لم يك حتى يولج الجمل
قوم حياتهم في الأرض مرحمةٌ ... بجاههم لم يخب في الخلق مبتهلُ
стр. 107
بيضُ الوجوه لها بشرٌ تهلله ... يرى الغزالة ما إن مسها طفلُ
كريمةُ الحسن يستسقى الغمام بها ... وتشتفي من مرائيها لنا العلل
شم الأنوف ومأوى للضيوف، ومن ... يوفي بإجلالهم قد جاءه النَّفلُ
كواكبُ السَّعد لاحت في منازلهم ... إذ أقمروا في العلى والكل مكتمل
الله أكبرُ ما أسنى مقامهمُ ... فكم بهم فاز عند الله مضطئل
من ذا تمسك من أسبابهم فغدا ... بين الورى جيده من حليهم عطل
سلاسلٌ وفروع في البسيطة قد ... مدت فكانت بأصل الفضل تتصل
بيوتهم قد أبت إلاّ مفاخرهم ... حتى استطالت فلم يبلغ لها جبل
تسمو بفضل اقترابٍ من أعزَّ أبٍ ... لخير جدَّ وكلٌّ في العلى بزل
لكن أقربهم من جدهم نسباً ... لهم مزيةُ قربٍ ليس تنفصل
فالقربُ من سواهم محجوبٌ بقربهمُ ... والكل نجمهمُ في الفضل منصقل
فكلهمْ برسولُ الله متصلٌ ... يرتاب في فضلهم من قاده الزلل
وكل بيتٍ لهم يسمو بكل علا ... على سواه ولا تدنو له طول
تلك البيوت التي قد زاحمت شرفاً ... كواكب الأفق لما أهلها فضلوا
أشمُّها ما دنا من أفق جده إذ ... كان السَّوى لم يصل ما ملهم وصلوا
لذا بيوت بني الأشراف قد ظهرت ... شمَّاءَ من دونها قد كلَّت المقل
ما بين قرمٍ شريف قد سما شرفا ... يزاحم الشمس حيث الفضل يشتعل
ومن غدا علما لفظ الشريف له ... حقا له هامة النسرين ينتعل
آل الشريف ومن مثل الألى شرفوا ... بجدهم وبفضل ليس ينفصل
أل الشريف أسودٌ خيسِ تونسَ قد ... أمسى بهم في أمان ليس ينقهلُ
آل الشريف عقود قد سمت نسقاً ... وسطاهمُ الجوهرُ المكنون مكتمل
لهم كراماتُ أهل الفضل قد رويت ... وفي البسيطة قد سارت بها المثل
واليوم تاجهم القرم الهمامُ (أبو ... عبدِ الإله) الذي طابت به الحللُ
إمام جامعها المفتي بها وأخو ال ... ذكر الذي ليس عنه اليوم ينعزل
فكم له من مزايا غير قاصرة ... على الورى قد غدت في القطر تنهمل
وكم له دعوات قد أجيبَ لها ... من المهميمن إن ما قام يبتهل
يجاب مهما ابتغى من جده أملا ... جدَّا وهزلا كأن من لفظه الجزل
وهو الذي اليوم يستسقى الغمامُ به ... فيغتدي بعد طول الجدب يقتبل
نشاهد السَّحب من دعواه مرسلةٌ ... إنْ لم يكن وابل تأتي له الطللُ
أما كرامة برد النار من يده ... فالورد يشهد إن لم تشهد المقل
إذ مسّ ما عدَّ للتقطير منه على ... نارٍ فكانت كأن قد مسّها بللُ
وحين طال انتظار الطبخ اعلمهم ... فاستبدلوه فلم يعرض لهم مهلُ
وهكذا الفضل معهودٌ لوالده ... الصفوة المرتضى من بره العمل
أعني بذاك (أبا العباس أحمد) من ... له بكل جميل كاهلٌ عبل
أحيا الليالي بالذكر الحميد وبال ... شكر السديد وما غن رابه عذل
تبتُّلٌ وصلاةٌ عمَّرت بهما ... أكناف خلوته إذ كان ينعزل
وبالصلاة على الهادي له شغفٌ ... لا يعتريه على تكرارها مللُ
له "الدلائل" وردٌ كل باكرة ... خمس المرار وما عن ذاك ينفصل
وقد راى يلثمها وعندها يجد ال ... عبيق واللين لينا ما له مثل
ومرة يتوضا قد رآه فكا ... ن ذاك في يده المنديل يحتمل
حتى أتمّ منكراً عنه عوائده ... في نفسه وهو لا يدري بما يصل
وافاه في النوم خير الخلق يأمره ... بأنْ يرضيه كيما يمحق الزلل
وعندما جاءه أعفاه مشترطا ... كتما إذا لم يواري حين ينتقل
وفي استجابة ما يدعو به علمٌ ... علة القبول الذي أولى له الأزل
فإنه قد دعا يوماً على رجل ... عنه افترى فاغتدى بالموت ينتبل
وقد تبدت له في الكشف لائحة ... درى بها الناس ما قد حازه الرجل
فقبلَ موته من يومين أعلمهم ... فكان ما قال إذ قد جاءه الأجل
هذا ووالده الشيخ الهمام (أب ... عبد الإله) غدا بالفضل يكتمل
قد كان شهماً هماماً عالماً وله ... فخر النقابة سيفٌ دام ينصقل
стр. 108
بالجامعِ الأعظمِ المعمور كان يرى ... هو الخطيب الذي تعنو له القللُ
يرتل الذكر في محرابه، وإذا ... يعلو بمنبره الألبابُ تنذهل
كان المجابَ الدعا في غير حادثةٍ ... وأهل عصره من ذا الباب كم نقلوا
لذاك وافاه شيخٌ طالبٌ أملاً ... بدعوة منه عنها ليس ينعزل
وقال إن رسول الله أرشده ... لنجله ذاك وهو السيد الجلل
والمصطفى أمر القاضي ببرَّه في ... فصلِ القضا حيث ما في حكمه جدل
فجاءه يترضَّى وهو سامحه ... مبادراً لأداء الحق يمتثل
وذا أخو حسن المفتي الإمام ومن ... على تآليفه قد أجريَ العمل
أما أبوه وذا (عبد الكبير) فقد ... كانت له همة ما نالها الأول
نقابة السادة الأشراف قد بلغت ... به إلى حيث لا يدني له الرمل
قد كان في العلم بحراً زاخراً وبه ... توارث الناسُ علماً دام ينهمل
في مجلس العلم من بيت الأمير له ... مظاهرٌ فصلت من كشفها جملُ
له المعارف والآداب قد برعت ... ففاق منه وراق الغزلُ والغزلُ
وفضل والده المفضال (احمد) قد ... أضحى على علم كالنار تشتعل
وهو الذي شاقه إصلاح سكة مح ... راث بمطل الذي في صنعه مهل
فأفتكها وهي محماة وسار بها ... حتى جميع الورى من خلفه قفلوا
لكنها حين عادت للهيب فلم ... تمس بالنار إكراماً له يصل
فضل تملأه من آثار والده ... (محمد) الأوحد المرضي له العمل
وذا أبوه (أبو العباس أحمد) من ... له مناقب ما إن فوقها ظللُ
الحجة الحافظ المحيي لسنة خي ... ر الخلق لما جميع الناس قد ذهلوا
يروي الصَّحاحَ جميعاً عن دراية ذي ... علم وفهم ولم يعرف له كسلُ
وذا الولي "ابن خود" قال أنه قد ... نال القطابة وهو الآن مكتمل
ومن كراماته فتحٌ لباب سوي ... قةٍ بليلٍ وهذا الباب منقفل
إذ حال قفله بين ابنٍ ووالدةٍ ... كادت بفرقته في الليل تنخزل
وكان حج أمير الركب فاعترضت ... له اللصوص فحالت دونهم حول
رأوا على قومه سوراً فجاء له ... كبيرهم خاضعاً مذ حزبه جهلوا
وهو الذي امتحن الباشا كرامته ... حتى رآها كصبح ليس ينفصل
إذ رام أن يمنع الأشراف راتبهم ... أو يأخذوه من النيران إن وصلوا
لذاك ألقاه في قدر النحاس به ... محميُّ زيت على نار لها شعل
فجاء هذا النقيب المرتضى وغدا ... يعطي رواتب أشراف به دخلوا
يفضي بكفه للزيت الوقود فما ... يرى له أثر إلا بها بلل
وعندها أيقن الباشا بمفخرة ... وأنَّه عين أشرافٍ به فضلوا
فأوقف الوقف مختصاً بينهم ... ودام يكرمهم ما سارت الإبل
فذا النقيب الذي طابت مفاخره ... وسيب علمه بين الناس ينهمل
هذا الذي منه هذا الفرع طاب وكم ... طابت به من فروع ما له مثلُ
وهو الذي من بينه محسن فغدا ... جدَّا إلى المحسنين الشمّ إذ فضلوا
هذا أبو محسن هذا أبو حسن ... وذا به نسب الأشراف يتصل
لله در كرام كان أصلهمُ ... هذا الذي به فاق الحليُ والحللُ
هذا التقي ابن ذاك المرتضى (حسن) ... نجل الذكي (علي) الفاضل الجلل
نجل الرضا (حسن) ابن الفذ (احمد) ... نجل (القاسم) اللذ على مولاه يتكل
وهو الحكيمُ الذي شاعت فضائله ... وطَّبه منه كم قد زالت العللُ
نجل الإمام (أبي عبد الإله) وذا ... نجل (قريش) بن (عيس) ما لهم مثل
بهم سما (عابد الرحمن) والدهم ... نجل الرضا (خلف) السامي به الأمل
نجل (علي) وذا نجل الرضا (فرجس) ... وذلك ابن (علي) من به جملوا
نجل (محمد المكتوم) من ظهرت ... به مفاخر أبناء به اتصلوا
وذاك جد العبيديين مفخر من ... تملكوا وهو في المجد قد رفلوا
قد كان شيعته فازوا بكتمه مذ ... كانت ترى وبنو العباس تقتتل
فهو غمام جليل حيث قد مكرمت ... له أبوة (إسماعيل) مذ كملوا
أيمة كلهم طابت مناقبهم ... ما فيهم من يرى في بيتهم وغل
стр. 109
عنهم فسل كل تاريخ وسل كتباً ... تلق العلا عن ذراعهم ليس ينعزل
فانظر أخيرهم طابت اخوته ... للكاظم المرتضى من فخره مثل
(وجعفر الصادق) المشهور كان له ... أبٌ وقد طاب فيه العلم والعمل
ففي الحديث روى عنه الثقاب وقد ... كانت له منقباتٌ ليس تنفصل
فخرٌ حواه من المفضال والده ... (محمد الباقر) اللذ أمرهُ جلل
ذا باقر العلم من كانت له رتب ... في الدين منها جميع الأتقيا انتحلوا
ففي الحديث وفي القرآن كان له ... فضل تدك به الأهضابُوالقللُ
وهو الذي كان أوصى بالسلام له ... خير البرية والإسناد متصل
رسالة جابر قد كان حاملها ... له بخير حياة طولها عثلُ
أما أبوه علي فهو أصبح (زي ... ن العابدين) بفضل دام يكتمل
له عبادة إخلاص إذا حضرت ... صلاته عن جميع الكون ينذهل
فمرة كان لم يشعر بفلذته ... إذ خرّ في البئر لما كان يبتهل
وقال كنت أناجي من له عظمٌ ... ينسى البنين وغن في البئر قد نزلوا
وهو الذي قد تنحَّى الطائفون ... في موقف الحج وهو الموقف الجلل
حتى تجاهل من قد كان يعرفه ... وهو الذي له فخر ليس ينجهل
وهو الذي تعرف البطحاءُ وطأته ... والبيت يعرفه إذ تترع السبل
أليس ذلك نجل الأوحد العلم ال ... سبط (الحسين) الذي ما مثله رجل؟
أعزَّ درة أهلِ الأرض قاطبةً ... وغن يكن قاتلوه عنه قد جهلوا
سماه خير الورى عن إذن خالقه=وقال "إنه مني" أين من عقلوا؟
والله جل يحبُّ المخلصين له ... حبَّا كما قد أتى عمن له نقلوا
وهو الشهيد الذي في كربلاء له ... بانت مفاخرُ صبرٍ ليس يحتمل
نجل الإمام علي وابن (فاطمة) ال ... زهرا البتول التي آياتها مثل
تلك المطهرةُ الغرا التي كرمت ... أرومة واغتدت بالفخر تكتمل
تلك التي قرن الله رضاه بما ... ترضاه حيث سما منها له العمل
أحبَّها خيرُ خلقِ الله والدها ... لزهدها ولفضلِ ليس ينفصل
لها شمائل كمشيته الغرا ونور مح ... يَّاها وتلك من المختار تنتحل
هاتي التي أخذت مهراً شفاعتها ... في المذنبين إذا أرداهمُ الوحل
هاتي التي يوم تأتي الحورُ تكنفها ... سبعون ألفاً يروا من حولها ظلل
ويأمر الله من في الحشر أجمعهم ... بخفضِ أرؤسهم أو تغضض المقل
كيما تمر على ذاك الصراط ولا ... تراه إلا كبرق خطفه عجل
مفاخرٌ ما حواها غيرها فلها ... أقيم قسطاس فخر دام يعتدل
وهي التي حفظ الله بها عقب ال ... مختار في الأرض حتى دام ينتسل
بها بدا الحسنان في سماء على ... كلَّ كواكبه بالفضل تكتمل
بها قد امتد نسل الأشرفين إلى ... أقصى المشارق حيث الفضل يتصل
بها يباهي رسول الله حيث غدت ... بنوه منها بهم يبقى له عمل
ومن يكن خيرُ خلق الله والده ... له مراقي فلاح دونها القللُ
وهاته بنته أكرمْ بها وبمن ... اضحوا لها خير أبناء با فضلوا
شمس الكمال التي بانت مفاخرها ... غداة لاحت بنورٍ دام يشتعل
لاحت من المطلعِ الميمون والدها ... أفق العلا من به قد تمّت الرسل
(محمد) المصطفى المختار من نسب ... يسمو على الدر فخراً وهو منصقل
السيد العروة الوثقى الذي كرمت ... له السجايا بفضل ما له مثل
خيار من خير الله لهم كرماً ... بين البرية عنهم ليس ينتقل
الطاهر النسب المرضُّي منذ بدا ... في الرض آدم وهو الآن متصل
هذا الرسول الذي من نوره خلق الل ... هـ العوالم، يا فوز الألى عقلوا
هذا الرسول الذي من قبل آدم قد ... حاز الرسالة حيث الفضل مقتبل
هذا الرسول جميع المرسلين به ... قد بشَّروا مذ بدت من فوقهم حلل
هذا الرسول الذي بشرت كتب ... به من الله لما جاءت المللُ
هذا الرسول الذي قد أنذرت أممٌ ... به وقد أسلفتها الأعصر الأول
هذا الرسول الذي في الجاهلية والإ ... سلام بانت له الآيات تتَّصلُ
стр. 110
هذا الرسول الذي الإرهاص آذن من ... قدهاً تقدَّمه أن سوف يحتفل
هذا الرسول الذي أهل الكهانة قد ... تحققوه وما عن نجمه غفلوا
هذا الرسول الذي من معجزاته ما ... يتلى فلا يعتري قراءه المللُ
هذا الرسول الذي قد تابعته وحو ... ش والحجارة والأشجار والظُّللُ
قد عمَّم الله في الأكوان بعثته ... في الأرض أو في السما والكل ممتثل
فكان رحمةَ كل العالمين سوى ... قومٍ طغوا فغدا طغيانهم ضللُ
وكان اكرمَ خلق الله قاطبةً ... والكل من شرعه الجاري لنا نهلوا
وكان فخر بنيه الأشرفين وهم ... أمان كلَّ الورى في الأرض مذ نزلوا
يا فوز عقدٍ غدت تسمو جواهره ... بكل قرم شريف ساد من فضلوا
إذ أنَّ سلسة الأشراف فيه غدت ... لها انتساق بنظمٍ دام يكتمل
أسماؤهم نظمت فيه فكان له ... بهم أعز فخار ما له مثل
إن كان عدَّهمُ يحيى فإني قد ... أحييت من ذكرهم نظماً به اشتملوا
حرَّرتهم أيَّ تحرير سلكت به ... مشارعا طاب منها الشَّرب والعلل
أحصيتهم من تواريخٍ ومن كتبٍ ... وعن بني بيتهم لازال يحتفل
أتممت عدّهمُ بالمصطفى وبهِ ... سادت بنوه وآباء له أول
فإنَّ نوره معروف بأوجههم ... إذ كان في طاهر الأصلاب ينتقل
نورٌ بدا في محيّاهم، وكلُّهمُ ... في الجاهلية والإسلام معتدل
حتى أفاده (عبدُ الله) (آمنة) ... وقد رأته لدى الميلاد يشتعل
فقد رأت به ما قد ناء وانخفضت ... له النجومُ وعنه ارتدها الكلل
وقد تداعى له الإيوان وانخمدت ... نارٌ وغاضت جفافا دونه المسلُ
وقد أحاطت به الملاك تبصرهم ... مشمَّتين الذي في فضله رفلوا
واستبشر الكلُّ من ميلاد احمد إذ ... فازت به أمه فوز الألى كملوا
فليهنها ما رأت من يمن مولده ... وليهننا منه فضل دام ينسدل
أكرم بها وبعبد الله والده ... وما غدا لهما من فضله يصل
فخر لوالده أمسى وذاك نج ... ل (شيبة الحمد) من لله يبتهل
أجرى بزمزم نفعاً لا نظير له ... أجراه ماءً به يجري له العمل
لم لا وذاك (ابن عمر وهاشم) العلم ال ... رضى الذي عم نفعاً ربعه الخضل
نجل (المغيرة) ذا نجل (قصي) وذا ... نجل
حكيم كلاب) من به اعتدلوا
ذاك ابن (مرة) نجل الشيخ وأعظهم ... (كعب) ابن فخر (لؤي) الأكرم الجلل
نجل الرضا غالب ذا نجل جدهم ... قريش فهو الذي سادت به الأول
ذا نجل (مالك) بن (النضر) نجل (كن ... نة) الذي لقراه الأمة ارتحلوا
وأنه ابن (خزيمة) بن (مدركة) ... نجل الرضا (الياس) من قد ساد من فضلوا
من صلبه سمعوا صوت النبي وقد ... صارت إلى حرم تهدى به البزل
نجل الرضا (مضر) نجل (نزار) وذا ... نجل (معد) بن (عدنان) به كملوا
هم الألى قد غدوا آباء سيَّد منْ ... في الكون يجري لنا من فضله العسل
قد فاح من عدهم طيب يروق شذا ... ما فاز من نفحه بالجد منتضل
هم الأسود و (إسماعيل) جدهم ... ذاك الرسول الذي طابت به الملل
هذا الذبيح ابن (إبراهيم) رافع ما ... قد شاد بالحرم المحمي به الأمل
شاد القواعد للبيت العتيق وقد ... كان الخليل الذي ما شابه خلل
نجل النبيئين (شيب) نجل (آدم) من ... في الأرض قد بدئت من بعثه الرسل
صلّى عليهم جميعاً رّبنا وعلى ... آل وصحب بحفظ الدين قد وكلوا
فإنهم أصل خير الخلقِ أكرم من ... أبدى الصلاة عليه الكون والأزل
وذا أعزُّ عقود نظَّمتْ فغدت ... بأهل بيت رسول الله تكتمل
وسطاه خيرُ الورى المختار تكنفه ... أصوله وفروعٌ ما لهم مثل
نظمتهمْ مخلصاً لله نظمهمُ ... كي يغتدي منه شملي الدهر يشتمل
نظمتهم خدمةً للآل محتسباً ... فيها فحسبي منها ما اغتدى يصل
نظمتهم أرتجي من حزم غيرتهم ... ما منه ينشط من قد ريء يعتقل
عناية منهم ان يشملوا عملي ... بها، فمني يفوز القول والعمل
وإن تكن لي فيهم ذمة فأنا ... أرجو بها الفوز مهما طاب لي أمل
следующие страницы →