Полный текст (488 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وخليفته اليوم في إمامة الجامع هو ابن عمه الشيخ أبو العباس احمد بن حمدة بن محمد الشريف إمام الجامع، ونائبه الإمام الثالث هو الشيخ أبو محمد حمودة بن محمد محسن إمام الجامع، وعلى عهده زيد في أيمة الجامع نائب ثان وهو الشيخ أبو عبد الله محمد بن الطاهر بن محمود محسن إمام الجامع، وإمام التراويح هو الشاب أبو عبد الله الشيخ محمد بن مصطفى بن محمود الشيخ عبد الرحمن بن محمود محسن، فخطط الجامع ولله الحمد اليوم بين آل الشريف ﵃ أجمعين، ولولا أشتراطي ذكر الأيمة لذكرت تفصيل حال هؤلاء السادات أبقى الله بركتهم أماناً لأهل الأرض، فبدر الإمام الأكبر اليوم محيطة به هالة من آل بيته، وقد تجمل به، والحالة هاته، صدر الجامع وابتهج، وافتخر المنبر بحسن خطبه التي ينتقيها، وبجمهورية صوته وتأثيره يلقيها، بحيث أنه اليوم أخطب الخطباء بالحاضرة فصاحة وجمهورية صوت وأداء وضبطاً، وهو إمام فاضل، متفنن، نحرير دراكة، سخي النفس، غزير الدموع، سهل الجانب، رضي العيش، قدوة، محبب إلى الناس، كريم الأخلاق مهاباً معظماً، عالي الهمة، مقبول الجاه، محترم، يكرمه الأمير والمأمور، ويعتقده الخاصة والجمهور، يحضر الجامع في كروسة من كراريس الأمير، أهداها له الوزير.
وقد نفع بجاهة كثيراً من المستجيرين به ﵁، وفي هذا العهد أتاه الثقة المسن علي عباس يطلب منه الدعاء، وقراءة الفاتحة، وأخبره أنه رأى رسول الله ﷺ في منامه ببيت به جمع عظيم، ولما دخل بيتهم رأى مجلس رسول الله ﷺ مرتفعاً وإلى جانبه الشيخ متكئاً ثم إن المصطفى مسح على جنبه ووعده بالشفاء فكان صدق الرؤيا حيث غن الشيخ يشكو في هاته المدة ذلك لجنب نفسه، وقد أمل الشفاء ببركتها ولا تخفى دلالة الرؤيا على قرب اتصاله بجده ﵊.
وحيث إن مفاخره عظمت بالاشتهار، وغطت على الشمس في رابعة النهار، وكان وجوده بين أظهرنا من بركات هاته الأعصار، التي نتمتع بها آناء الليل وأطراف النهار، تقربت لجده المصطفى ﵊ بقصيدة جليلة، اتخذها تاج المفاخر إكليله، صدرتها بذكر فضائل آل البيت، ووشحتها بذكر بعض مفاخره ومفاخر آبائه الكرام، إلى الوصول إلى خير الأنام وآبائه العظام، وسميتها "الجنة الدانية الاقتطاف، بمفاخر سلسلة السادة الأشراف".
وها أنا اجعلها خاتمة لهذا القسم تيمناً بفضل من ذكرتهم فيها، وهذا نصها: [البسيط]
إنَّ المودةَ في القربي هي الأملُ ... يجري بها ويفوق الأجرُ والعملُ
قرابةِ المصطفى آل بهم شرفتْ ... مفاخر بعلاها تضرب المثل
آل الرسولِ كفاهم وصلتهم ... به وقوله: آلي إذ هو الأمل
أوصى بهم حيث قال الله أشدكم ... في أهل بيتي ثلاثاً إذ به اتصلوا
دعا بسترهمُ إذ كان جلَّلهم ... وفي ملاءته دون الورى اشتملوا
وحائط البيت والأسكفَّة ابتدار ... مؤمنين كتأمين الألى عقلوا
فمن دروا حقهم في الفضل كان لهم ... به البراءة من نار بما عملوا
ومن أحبَّهم جاز الصراط به ... كالبرق لا يعتريه البطء والثَّقلُ
ومن يواليهمُ نالَ الأمان منَ ال ... عذاب يومَ ذوات الطفل تنذهل
هم الأمان وما داموا على قنن ال ... تبجيل لم يكتنفنا في الورى ضللُ
همْ عترةٌ طهَّر المولى منازلهم ... مذ أذهب الرجس عنهم عندما كملوا
همُ الهداة وبيت الوحي بيتهم ... لا يعتريه بحول الخالق الخللُ
بيتٌ على الدين قد قامت دعائمه ... ومن مناهله كل الورى نهلوا
بيتٌ قد انتاب جبريلُ منازله ... عن إذن ربّه والأملاك كم نزلوا
بيتٌ تخيَّره الرب الجليل إلى ال ... تنزيل والوحي منه ليس ينتقلُ
ما بعد جدهم المختار من رجلٍ ... يأتي فتتبعه الأملاك والرّسلُ
لهم سمات وآيات لهم تليت ... في الذَّكر لا يعتريها النسخُ والبدلُ
فمصدر الدين هم والدين حبُّهمُ ... وهمْ سراة الورى ما مثلهم رجلُ
لا يدخل القلب إيمانٌ وحبهم ... لله لم يك حتى يولج الجمل
قوم حياتهم في الأرض مرحمةٌ ... بجاههم لم يخب في الخلق مبتهلُ
стр. 107
بيضُ الوجوه لها بشرٌ تهلله ... يرى الغزالة ما إن مسها طفلُ
كريمةُ الحسن يستسقى الغمام بها ... وتشتفي من مرائيها لنا العلل
شم الأنوف ومأوى للضيوف، ومن ... يوفي بإجلالهم قد جاءه النَّفلُ
كواكبُ السَّعد لاحت في منازلهم ... إذ أقمروا في العلى والكل مكتمل
الله أكبرُ ما أسنى مقامهمُ ... فكم بهم فاز عند الله مضطئل
من ذا تمسك من أسبابهم فغدا ... بين الورى جيده من حليهم عطل
سلاسلٌ وفروع في البسيطة قد ... مدت فكانت بأصل الفضل تتصل
بيوتهم قد أبت إلاّ مفاخرهم ... حتى استطالت فلم يبلغ لها جبل
تسمو بفضل اقترابٍ من أعزَّ أبٍ ... لخير جدَّ وكلٌّ في العلى بزل
لكن أقربهم من جدهم نسباً ... لهم مزيةُ قربٍ ليس تنفصل
فالقربُ من سواهم محجوبٌ بقربهمُ ... والكل نجمهمُ في الفضل منصقل
فكلهمْ برسولُ الله متصلٌ ... يرتاب في فضلهم من قاده الزلل
وكل بيتٍ لهم يسمو بكل علا ... على سواه ولا تدنو له طول
تلك البيوت التي قد زاحمت شرفاً ... كواكب الأفق لما أهلها فضلوا
أشمُّها ما دنا من أفق جده إذ ... كان السَّوى لم يصل ما ملهم وصلوا
لذا بيوت بني الأشراف قد ظهرت ... شمَّاءَ من دونها قد كلَّت المقل
ما بين قرمٍ شريف قد سما شرفا ... يزاحم الشمس حيث الفضل يشتعل
ومن غدا علما لفظ الشريف له ... حقا له هامة النسرين ينتعل
آل الشريف ومن مثل الألى شرفوا ... بجدهم وبفضل ليس ينفصل
أل الشريف أسودٌ خيسِ تونسَ قد ... أمسى بهم في أمان ليس ينقهلُ
آل الشريف عقود قد سمت نسقاً ... وسطاهمُ الجوهرُ المكنون مكتمل
لهم كراماتُ أهل الفضل قد رويت ... وفي البسيطة قد سارت بها المثل
واليوم تاجهم القرم الهمامُ (أبو ... عبدِ الإله) الذي طابت به الحللُ
إمام جامعها المفتي بها وأخو ال ... ذكر الذي ليس عنه اليوم ينعزل
فكم له من مزايا غير قاصرة ... على الورى قد غدت في القطر تنهمل
وكم له دعوات قد أجيبَ لها ... من المهميمن إن ما قام يبتهل
يجاب مهما ابتغى من جده أملا ... جدَّا وهزلا كأن من لفظه الجزل
وهو الذي اليوم يستسقى الغمامُ به ... فيغتدي بعد طول الجدب يقتبل
نشاهد السَّحب من دعواه مرسلةٌ ... إنْ لم يكن وابل تأتي له الطللُ
أما كرامة برد النار من يده ... فالورد يشهد إن لم تشهد المقل
إذ مسّ ما عدَّ للتقطير منه على ... نارٍ فكانت كأن قد مسّها بللُ
وحين طال انتظار الطبخ اعلمهم ... فاستبدلوه فلم يعرض لهم مهلُ
وهكذا الفضل معهودٌ لوالده ... الصفوة المرتضى من بره العمل
أعني بذاك (أبا العباس أحمد) من ... له بكل جميل كاهلٌ عبل
أحيا الليالي بالذكر الحميد وبال ... شكر السديد وما غن رابه عذل
تبتُّلٌ وصلاةٌ عمَّرت بهما ... أكناف خلوته إذ كان ينعزل
وبالصلاة على الهادي له شغفٌ ... لا يعتريه على تكرارها مللُ
له "الدلائل" وردٌ كل باكرة ... خمس المرار وما عن ذاك ينفصل
وقد راى يلثمها وعندها يجد ال ... عبيق واللين لينا ما له مثل
ومرة يتوضا قد رآه فكا ... ن ذاك في يده المنديل يحتمل
حتى أتمّ منكراً عنه عوائده ... في نفسه وهو لا يدري بما يصل
وافاه في النوم خير الخلق يأمره ... بأنْ يرضيه كيما يمحق الزلل
وعندما جاءه أعفاه مشترطا ... كتما إذا لم يواري حين ينتقل
وفي استجابة ما يدعو به علمٌ ... علة القبول الذي أولى له الأزل
فإنه قد دعا يوماً على رجل ... عنه افترى فاغتدى بالموت ينتبل
وقد تبدت له في الكشف لائحة ... درى بها الناس ما قد حازه الرجل
فقبلَ موته من يومين أعلمهم ... فكان ما قال إذ قد جاءه الأجل
هذا ووالده الشيخ الهمام (أب ... عبد الإله) غدا بالفضل يكتمل
قد كان شهماً هماماً عالماً وله ... فخر النقابة سيفٌ دام ينصقل
стр. 108
بالجامعِ الأعظمِ المعمور كان يرى ... هو الخطيب الذي تعنو له القللُ
يرتل الذكر في محرابه، وإذا ... يعلو بمنبره الألبابُ تنذهل
كان المجابَ الدعا في غير حادثةٍ ... وأهل عصره من ذا الباب كم نقلوا
لذاك وافاه شيخٌ طالبٌ أملاً ... بدعوة منه عنها ليس ينعزل
وقال إن رسول الله أرشده ... لنجله ذاك وهو السيد الجلل
والمصطفى أمر القاضي ببرَّه في ... فصلِ القضا حيث ما في حكمه جدل
فجاءه يترضَّى وهو سامحه ... مبادراً لأداء الحق يمتثل
وذا أخو حسن المفتي الإمام ومن ... على تآليفه قد أجريَ العمل
أما أبوه وذا (عبد الكبير) فقد ... كانت له همة ما نالها الأول
نقابة السادة الأشراف قد بلغت ... به إلى حيث لا يدني له الرمل
قد كان في العلم بحراً زاخراً وبه ... توارث الناسُ علماً دام ينهمل
في مجلس العلم من بيت الأمير له ... مظاهرٌ فصلت من كشفها جملُ
له المعارف والآداب قد برعت ... ففاق منه وراق الغزلُ والغزلُ
وفضل والده المفضال (احمد) قد ... أضحى على علم كالنار تشتعل
وهو الذي شاقه إصلاح سكة مح ... راث بمطل الذي في صنعه مهل
فأفتكها وهي محماة وسار بها ... حتى جميع الورى من خلفه قفلوا
لكنها حين عادت للهيب فلم ... تمس بالنار إكراماً له يصل
فضل تملأه من آثار والده ... (محمد) الأوحد المرضي له العمل
وذا أبوه (أبو العباس أحمد) من ... له مناقب ما إن فوقها ظللُ
الحجة الحافظ المحيي لسنة خي ... ر الخلق لما جميع الناس قد ذهلوا
يروي الصَّحاحَ جميعاً عن دراية ذي ... علم وفهم ولم يعرف له كسلُ
وذا الولي "ابن خود" قال أنه قد ... نال القطابة وهو الآن مكتمل
ومن كراماته فتحٌ لباب سوي ... قةٍ بليلٍ وهذا الباب منقفل
إذ حال قفله بين ابنٍ ووالدةٍ ... كادت بفرقته في الليل تنخزل
وكان حج أمير الركب فاعترضت ... له اللصوص فحالت دونهم حول
رأوا على قومه سوراً فجاء له ... كبيرهم خاضعاً مذ حزبه جهلوا
وهو الذي امتحن الباشا كرامته ... حتى رآها كصبح ليس ينفصل
إذ رام أن يمنع الأشراف راتبهم ... أو يأخذوه من النيران إن وصلوا
لذاك ألقاه في قدر النحاس به ... محميُّ زيت على نار لها شعل
فجاء هذا النقيب المرتضى وغدا ... يعطي رواتب أشراف به دخلوا
يفضي بكفه للزيت الوقود فما ... يرى له أثر إلا بها بلل
وعندها أيقن الباشا بمفخرة ... وأنَّه عين أشرافٍ به فضلوا
فأوقف الوقف مختصاً بينهم ... ودام يكرمهم ما سارت الإبل
فذا النقيب الذي طابت مفاخره ... وسيب علمه بين الناس ينهمل
هذا الذي منه هذا الفرع طاب وكم ... طابت به من فروع ما له مثلُ
وهو الذي من بينه محسن فغدا ... جدَّا إلى المحسنين الشمّ إذ فضلوا
هذا أبو محسن هذا أبو حسن ... وذا به نسب الأشراف يتصل
لله در كرام كان أصلهمُ ... هذا الذي به فاق الحليُ والحللُ
هذا التقي ابن ذاك المرتضى (حسن) ... نجل الذكي (علي) الفاضل الجلل
نجل الرضا (حسن) ابن الفذ (احمد) ... نجل (القاسم) اللذ على مولاه يتكل
وهو الحكيمُ الذي شاعت فضائله ... وطَّبه منه كم قد زالت العللُ
نجل الإمام (أبي عبد الإله) وذا ... نجل (قريش) بن (عيس) ما لهم مثل
بهم سما (عابد الرحمن) والدهم ... نجل الرضا (خلف) السامي به الأمل
نجل (علي) وذا نجل الرضا (فرجس) ... وذلك ابن (علي) من به جملوا
نجل (محمد المكتوم) من ظهرت ... به مفاخر أبناء به اتصلوا
وذاك جد العبيديين مفخر من ... تملكوا وهو في المجد قد رفلوا
قد كان شيعته فازوا بكتمه مذ ... كانت ترى وبنو العباس تقتتل
فهو غمام جليل حيث قد مكرمت ... له أبوة (إسماعيل) مذ كملوا
أيمة كلهم طابت مناقبهم ... ما فيهم من يرى في بيتهم وغل
стр. 109
عنهم فسل كل تاريخ وسل كتباً ... تلق العلا عن ذراعهم ليس ينعزل
فانظر أخيرهم طابت اخوته ... للكاظم المرتضى من فخره مثل
(وجعفر الصادق) المشهور كان له ... أبٌ وقد طاب فيه العلم والعمل
ففي الحديث روى عنه الثقاب وقد ... كانت له منقباتٌ ليس تنفصل
فخرٌ حواه من المفضال والده ... (محمد الباقر) اللذ أمرهُ جلل
ذا باقر العلم من كانت له رتب ... في الدين منها جميع الأتقيا انتحلوا
ففي الحديث وفي القرآن كان له ... فضل تدك به الأهضابُوالقللُ
وهو الذي كان أوصى بالسلام له ... خير البرية والإسناد متصل
رسالة جابر قد كان حاملها ... له بخير حياة طولها عثلُ
أما أبوه علي فهو أصبح (زي ... ن العابدين) بفضل دام يكتمل
له عبادة إخلاص إذا حضرت ... صلاته عن جميع الكون ينذهل
فمرة كان لم يشعر بفلذته ... إذ خرّ في البئر لما كان يبتهل
وقال كنت أناجي من له عظمٌ ... ينسى البنين وغن في البئر قد نزلوا
وهو الذي قد تنحَّى الطائفون ... في موقف الحج وهو الموقف الجلل
حتى تجاهل من قد كان يعرفه ... وهو الذي له فخر ليس ينجهل
وهو الذي تعرف البطحاءُ وطأته ... والبيت يعرفه إذ تترع السبل
أليس ذلك نجل الأوحد العلم ال ... سبط (الحسين) الذي ما مثله رجل؟
أعزَّ درة أهلِ الأرض قاطبةً ... وغن يكن قاتلوه عنه قد جهلوا
سماه خير الورى عن إذن خالقه=وقال "إنه مني" أين من عقلوا؟
والله جل يحبُّ المخلصين له ... حبَّا كما قد أتى عمن له نقلوا
وهو الشهيد الذي في كربلاء له ... بانت مفاخرُ صبرٍ ليس يحتمل
نجل الإمام علي وابن (فاطمة) ال ... زهرا البتول التي آياتها مثل
تلك المطهرةُ الغرا التي كرمت ... أرومة واغتدت بالفخر تكتمل
تلك التي قرن الله رضاه بما ... ترضاه حيث سما منها له العمل
أحبَّها خيرُ خلقِ الله والدها ... لزهدها ولفضلِ ليس ينفصل
لها شمائل كمشيته الغرا ونور مح ... يَّاها وتلك من المختار تنتحل
هاتي التي أخذت مهراً شفاعتها ... في المذنبين إذا أرداهمُ الوحل
هاتي التي يوم تأتي الحورُ تكنفها ... سبعون ألفاً يروا من حولها ظلل
ويأمر الله من في الحشر أجمعهم ... بخفضِ أرؤسهم أو تغضض المقل
كيما تمر على ذاك الصراط ولا ... تراه إلا كبرق خطفه عجل
مفاخرٌ ما حواها غيرها فلها ... أقيم قسطاس فخر دام يعتدل
وهي التي حفظ الله بها عقب ال ... مختار في الأرض حتى دام ينتسل
بها بدا الحسنان في سماء على ... كلَّ كواكبه بالفضل تكتمل
بها قد امتد نسل الأشرفين إلى ... أقصى المشارق حيث الفضل يتصل
بها يباهي رسول الله حيث غدت ... بنوه منها بهم يبقى له عمل
ومن يكن خيرُ خلق الله والده ... له مراقي فلاح دونها القللُ
وهاته بنته أكرمْ بها وبمن ... اضحوا لها خير أبناء با فضلوا
شمس الكمال التي بانت مفاخرها ... غداة لاحت بنورٍ دام يشتعل
لاحت من المطلعِ الميمون والدها ... أفق العلا من به قد تمّت الرسل
(محمد) المصطفى المختار من نسب ... يسمو على الدر فخراً وهو منصقل
السيد العروة الوثقى الذي كرمت ... له السجايا بفضل ما له مثل
خيار من خير الله لهم كرماً ... بين البرية عنهم ليس ينتقل
الطاهر النسب المرضُّي منذ بدا ... في الرض آدم وهو الآن متصل
هذا الرسول الذي من نوره خلق الل ... هـ العوالم، يا فوز الألى عقلوا
هذا الرسول الذي من قبل آدم قد ... حاز الرسالة حيث الفضل مقتبل
هذا الرسول جميع المرسلين به ... قد بشَّروا مذ بدت من فوقهم حلل
هذا الرسول الذي بشرت كتب ... به من الله لما جاءت المللُ
هذا الرسول الذي قد أنذرت أممٌ ... به وقد أسلفتها الأعصر الأول
هذا الرسول الذي في الجاهلية والإ ... سلام بانت له الآيات تتَّصلُ
стр. 110
هذا الرسول الذي الإرهاص آذن من ... قدهاً تقدَّمه أن سوف يحتفل
هذا الرسول الذي أهل الكهانة قد ... تحققوه وما عن نجمه غفلوا
هذا الرسول الذي من معجزاته ما ... يتلى فلا يعتري قراءه المللُ
هذا الرسول الذي قد تابعته وحو ... ش والحجارة والأشجار والظُّللُ
قد عمَّم الله في الأكوان بعثته ... في الأرض أو في السما والكل ممتثل
فكان رحمةَ كل العالمين سوى ... قومٍ طغوا فغدا طغيانهم ضللُ
وكان اكرمَ خلق الله قاطبةً ... والكل من شرعه الجاري لنا نهلوا
وكان فخر بنيه الأشرفين وهم ... أمان كلَّ الورى في الأرض مذ نزلوا
يا فوز عقدٍ غدت تسمو جواهره ... بكل قرم شريف ساد من فضلوا
إذ أنَّ سلسة الأشراف فيه غدت ... لها انتساق بنظمٍ دام يكتمل
أسماؤهم نظمت فيه فكان له ... بهم أعز فخار ما له مثل
إن كان عدَّهمُ يحيى فإني قد ... أحييت من ذكرهم نظماً به اشتملوا
حرَّرتهم أيَّ تحرير سلكت به ... مشارعا طاب منها الشَّرب والعلل
أحصيتهم من تواريخٍ ومن كتبٍ ... وعن بني بيتهم لازال يحتفل
أتممت عدّهمُ بالمصطفى وبهِ ... سادت بنوه وآباء له أول
فإنَّ نوره معروف بأوجههم ... إذ كان في طاهر الأصلاب ينتقل
نورٌ بدا في محيّاهم، وكلُّهمُ ... في الجاهلية والإسلام معتدل
حتى أفاده (عبدُ الله) (آمنة) ... وقد رأته لدى الميلاد يشتعل
فقد رأت به ما قد ناء وانخفضت ... له النجومُ وعنه ارتدها الكلل
وقد تداعى له الإيوان وانخمدت ... نارٌ وغاضت جفافا دونه المسلُ
وقد أحاطت به الملاك تبصرهم ... مشمَّتين الذي في فضله رفلوا
واستبشر الكلُّ من ميلاد احمد إذ ... فازت به أمه فوز الألى كملوا
فليهنها ما رأت من يمن مولده ... وليهننا منه فضل دام ينسدل
أكرم بها وبعبد الله والده ... وما غدا لهما من فضله يصل
فخر لوالده أمسى وذاك نج ... ل (شيبة الحمد) من لله يبتهل
أجرى بزمزم نفعاً لا نظير له ... أجراه ماءً به يجري له العمل
لم لا وذاك (ابن عمر وهاشم) العلم ال ... رضى الذي عم نفعاً ربعه الخضل
نجل (المغيرة) ذا نجل (قصي) وذا ... نجل
حكيم كلاب) من به اعتدلوا
ذاك ابن (مرة) نجل الشيخ وأعظهم ... (كعب) ابن فخر (لؤي) الأكرم الجلل
نجل الرضا غالب ذا نجل جدهم ... قريش فهو الذي سادت به الأول
ذا نجل (مالك) بن (النضر) نجل (كن ... نة) الذي لقراه الأمة ارتحلوا
وأنه ابن (خزيمة) بن (مدركة) ... نجل الرضا (الياس) من قد ساد من فضلوا
من صلبه سمعوا صوت النبي وقد ... صارت إلى حرم تهدى به البزل
نجل الرضا (مضر) نجل (نزار) وذا ... نجل (معد) بن (عدنان) به كملوا
هم الألى قد غدوا آباء سيَّد منْ ... في الكون يجري لنا من فضله العسل
قد فاح من عدهم طيب يروق شذا ... ما فاز من نفحه بالجد منتضل
هم الأسود و (إسماعيل) جدهم ... ذاك الرسول الذي طابت به الملل
هذا الذبيح ابن (إبراهيم) رافع ما ... قد شاد بالحرم المحمي به الأمل
شاد القواعد للبيت العتيق وقد ... كان الخليل الذي ما شابه خلل
نجل النبيئين (شيب) نجل (آدم) من ... في الأرض قد بدئت من بعثه الرسل
صلّى عليهم جميعاً رّبنا وعلى ... آل وصحب بحفظ الدين قد وكلوا
فإنهم أصل خير الخلقِ أكرم من ... أبدى الصلاة عليه الكون والأزل
وذا أعزُّ عقود نظَّمتْ فغدت ... بأهل بيت رسول الله تكتمل
وسطاه خيرُ الورى المختار تكنفه ... أصوله وفروعٌ ما لهم مثل
نظمتهمْ مخلصاً لله نظمهمُ ... كي يغتدي منه شملي الدهر يشتمل
نظمتهم خدمةً للآل محتسباً ... فيها فحسبي منها ما اغتدى يصل
نظمتهم أرتجي من حزم غيرتهم ... ما منه ينشط من قد ريء يعتقل
عناية منهم ان يشملوا عملي ... بها، فمني يفوز القول والعمل
وإن تكن لي فيهم ذمة فأنا ... أرجو بها الفوز مهما طاب لي أمل
стр. 111
أرجو بها مخلصي يوم العماد إذا ... ضاق العباد وقد أضناهم الوجل
وإنما ليَ في الدنيا بذكرهمُ ... تبتُّلُ حيثما تستعظم العلل
نرجو بسردهم ثم الدعاءِ بما ... أملتهُ أن نرى بالفوز نغتلل
إذ أن إكرامهم منه القبول لما ... ندعو به عندما لله نبتهل
فجاههم خيرُ جاهٍ يستجار به ... عند المهيمن لا يرضى له المهل
رب بجاههمُ كن لي وعذني من ... شر الشرور إذا ما أنفق الدغل
ربّ بجاههمُ خذ بيدي فأنا ... مستضعف وعليك اليوم نتَّكلُ
بجاههم وبجاه المصطفى وبجا ... هـ الأولياء نرتجي ما منه نكتمل
نؤمل الدين والدنيا وآخرة ... بها ننال مفازاً حين ننتقل
نرى السعادة في الدارين لي ولمن ... نرى مودَّته ما شابها خلل
لا سيما منهمُ من كان لي عضدا ... في النائبات بنصري الدهر محتفل
فأسبل إلهي عليه الحفظ ما طلعت ... شمس النهار التي نارت بها السبل
وأنعم علي بما أنت الجواد به ... نعمى بها الآن يأوي شمسيَ الحمل
وكنْ وليَّي وحسبي في الحوادث لا ... أخشى لها طارقاً يعرو به كسل
واضرب علي من اللطف الخفي فسا ... طيط المعاناة حتى يذهب الوجل
لطفاً وحفظاً يعم الأقرباء وأب ... نائي وأهلَ ودادي حيثما وصلوا
وجاز عنَّي آبائي وشيعتهم ... وكلَّ أشياخنا خيراً بما عملوا
وجد لنا بمنى التوفيق حيث نرى ... مسالك الرشد لا يعرو بها زلل
وامنن علي بفتح العارفين فذا ... ورد شهي غدا من دونه العسل
وارحم بفضلك ذلي إن ذنبي قد ... أضحى عظيماً وما أن قله جبل
فتب علي وجد بالعفو عني إذ ... أصبحت ذا خطأ منه أنا خجلُ
واغفر لنا ولكل المؤمنين على ... طول الدوام، فإن الفضل منهمل
واجمع قلوب جميع المسلمين على ... مصالح الدين والدنيا إذا اعتدلوا
وانصر جيوشهم بالرعب إنهم ... إن لم يكن لهم رعب قد انخذلوا
وأرشد لنا أمراء المؤمنين إلى ... خير العباد الذي تبقى به الدول
واقرن بكل صلاح ما يدبره ... مشيرُ تونس وهو الأحزم البطل
وكن مسدَّد أعمالِ الوزير وشد ... مفاخر القطر كي تسمو به الحلل
يا رب أنت رجائي في إجابتها ... بعاجلٍ لم يشبهُ الرد والمهل
وبالصلاة على الهادي وعترته ... مع السلام دعائي اليوم يكتمل
وقرظ هاته القصيدة العالم الأديب الشيخ محمد علي اليميني الهندي الوافد على تونس في ثاني ربيعي سنة ست وتسعين ومائتين وألف فقال: [البسيط]
طلا كلامك من سقيته ثملُ ... فقل أخمرك مما مزجه العسل؟
وأنت للحمد أهل يا محمّده ... فالفضل لولاك جيد شأنه العطلُ
لو كان للشعر ميدان، تجول به ... فرسان خيل فأنتَ الفارس البطل
فعش محمد واسلم واحي وابق ودم ... وقد أحاطت بك النعماءُ والجذلُ
ثم الصلاة على طه وعترته ... فكالسوام الورى لولاهمُ هملُ
وقرظها الشاب الوارد من مشرع النجابة أعذب موارده، المتواصل الفضل بجديه ووالده، الذي اشتهر بيته النبيه، وتجملت اليوم خطتا القضاء والفتيا بعمه وعم أبيه الشيخ محمد ابن العالم الشيخ الطيب النيفر بأبيات هي أول ما رأيت من شعره وعمره نحو العشرين سنة نرجو من الله أن يرينا هلاله مقمراً، وهي: [البسيط]
بمثل نظمك هذا يضرب المثل ... ويركب الصعب كي يرواه والذُّللُ
ويرتجى كل مرمى شطَّ مطلبه ... حتى لقد تركت من عزه الحيلُ
لئن غدا الشعر قد حالت مذاهبه ... بقصدكم قد تحلى جيده العطلُ
علمت أن امتداحَ الآل غاية أد ... نى ما يجازى به في طيه الأمل
وبئسما استبدل النحريرُ عارفة ... تدوم منها بنزر دونه الأجل
فما تريثتَ أن أبرزتَ غانيةً ... في مدحهم ولها الإبداع مشتمل
يمل كل قريض ما عداها فما ... يعرو مسامعنا إن أنشدت مللُ
كأنما في قبول نسقت فبها ... عن كل مثلٍ لها أهل النهى شغلوا
لازلت في همة فوقٍ السَّماك لها ... من فخركم ومعلى قدركم ظلل
ولا تزال ترينا خردا غليت ... لمثلها ما اهتدت من قبلكم أول
стр. 112
من كل عذراء لم تطمثْ يحللها ... بيان سحرك لحفا قدره جلل
تدير كأساً على أسماعنا فنرى ... كأننا من سلاف كلُّنا ثمل
وقرظها الأكتب النحرير الشاعر المؤرخ الشيخ محمد الباجي المسعودي رئيس كتبة القسم الثاني من الوزارة الكبرى المتوفى مساء الثاني عشر من شوال سنة سبع وتسعين ومائتين وألف عليه رحمة الله بما نصه: [الوافر]
نظامك أيها العلم السَّنوسي ... بفضلِ الآلِ تاجٌ للرؤوسِ
يفوقُ وحقكم عقد اللآلي ... ويعلقُ حين ينشد بالنفوس
فقد أبدعتَ إذ أودعت فيه ... مفاخر للفروع وللأسوس
وصرت وقيت حسانا وكعباً ... وهمَّامّا بذا العلق النفيس
جزاك الله احسن ما يجازى ... به من أذكر اللّذ قدْ تنوسي
سيدي الآوي من ظل البلاغة إلى وارفه، الملتحف بتلاد المجد وطارفه، الساحب على أقرانه ذيل مطارفه، سليل العلماء الأعلام، ومشايخ الإيمان والإسلام، نابغة الزمان، لا بني ذبيان، وحسان أهل البيت المشهود له بالإحسان، منشي الرائد التونسي، الشيخ سيدي محمد السنوسي، أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، وبعد سلام يناجيكم لفه وإحسانه، ويناجيكم بالمبرة والمسرة لسانه، فقد وصلني من بركم المترادف الألطاف، "الأجنة الدانية الاقتطاف، بمفاخر سلسلة السادة الأشراف"، فسرحت الطرف في رياضها فسعى وطاف، واقتطف من ثمراتها الدانية القطاف، فقال وأقسم بالآل، إنها احسن من عقد اللآل، لما حوته من مناقب السادة الذين هم أمان لأهل الأرض، كما قاله سيدنا محمد المشفع يوم العرض، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما أقيم من واجب حقهم الفرض، وهنيئاً لكم بما خطر من هذا المهيع الوحيد بالبال، ونظمه دراً نفيساً في جيد الأيام والليالي، وبقاء ذكركم به إلى بقية الأجيال، ومن علامات القبول والإقبال، ظهوره في أيام مولد سيدنا محمد سيد الإرسال، صلى الله عليه وعلى آله الذين اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً كما قال، ولو لك يكن شكر المنعم من الواجب ما أعلمت في تقريظه الرواجب، إذ حسنه واضح جلل، والشمس تكبر عن حلي وحلل، تقبل الله تعالى سعيكم، ووالي حفظكم ورعيكم، وآنس هذا القطر التونسي بكم وبمثلكم، وأحسن للجميع العقبي، وجعلنا منت أهل المودة في القربى، بمنه وفضله، حرره ودودكم محمد الباجي المسعودي في ١٠ ربيع الأنور سنة ١٢٩٦ ست وتسعين ومائتين وألف.
الملاحق
ملحق (١) مشيخة المدينة بتونس .
ملحق (٢) عهد الأمان.
ملحق (٣) ثورة علي بن غذاهم.
ملحق (٤) الكومسيون المالي.
ملحق (٥) المجلس الشوري.
ملحق (٦) تتمة للمقدمة تتضمن تاريخ تونس من ١٢٩٧ إلى ١٣٧٦ هـ?، ومن ١٨٧٩ إلى ١٩٥٧ م.
ملحق (٧) تاريخ تأسيس جامع الزيتونة.
ملحق (١)
مشيخة المدينة بتونس
المجلس البلدي لما تأسس في سنة ١٢٧٥ كان نظره مقتصراً على ما ضمه سور الحاضرة من المساكن والطرقات.
ثم نظمت الإدارة البلدية سنة (١٣٠٢) فاتسع نظرها وشمل العقارات البلدية، ولوائح إصلاح البناء، وإحداث الشوارع العامة والخاصة ومعاليم الطرقات، والأسواق، ومحلات التفسح، والدفن، والمواليد، ومصلحة الإطفاء، إلى غير ذلك مما هو من مهمات البلد.
وكانت البلدية خاضعة للوزير الأول، وهي الآن خاضعة لوزير الداخلية.
وهذه أسماء مشايخ المدينة في العهد الحسيني وعهدنا الحاضر عهد الاستقلال.
اسم الشيخ تاريخ ولايته الشيخ حميدة الغماد ١٢٠٧ الشيخ حمودة العصفوري ١٢٣٩ الشيخ محمد العصفوري ١٢٦٥ الشيخ الحاج عميرة ثابت ١٢٧١ الشيخ محمد الزهار ١٢٧٩ الشيخ إسماعيل معاوية ١٢٨١ الشيخ الحاج حميدة سيالة ١٢٨٤ الشيخ الشاذلي الدلاجي ١٢٨٥ أمير اللواء محمد الدلاجي ١٢٨٨ أمير اللواء محمد العصفوري ١٣٠٢ أمير الأمراء محمد الصادق غيلب ١٣٢٠ أمير اللواء مصطفى دنقزلي ١٣٣٠ أمير الأمراء خليل بوحاجب
١٣٣٣١٩١٥
أمير الأمراء الشاذلي العقبي
١٣٤٥١٩٢٦
أمير الأمراء علي السقاط
١٣٥١١٩٣٢
أمير الأمراء عبد الجليل الزاوش
١٣٥٣١٩٣٤
مصطفى صفر
١٣٥٤١٩٤٥
محمد سعد الله
١٣٦٠١٩٤١
العزيز الجلولي
١٣٦١١٩٤٢
الشاذلي حيدر
стр. 113
١٣٦٢١٩٤٣
أحمد الزاوش
١٣٧٦١٩٥٦
علي البلهوان
١٣٧٧١٩٦٧
أحمد الزواش ثانياً
١٣٧٨١٩٥٨
حسيب بن عمار
١٣٨٣١٩٦٣
فؤاد المبزغ
١٣٨٩،١٩٦٩
عز الدين العباسي
١٣٩٣١٩٧٣
حسن الممي
١٣٩٥١٩٧٥
صالح عويج
١٩٧٨
زكرياء بن مصطفى
١٩٨٠
وكانت رئاسة البلدية منفصلة عن مشيخة مدينة تونس حين تاسس المجلس البلدي.
وأول من تولى رئاسة المجلس البلدي الجنرال حسين ١٢٧٥ ١٨٥٨.
محمد قارة
١٢٨٢١٨٦٥
محمد العربي زروق
١٢٨٦١٨٦٩
حسونة المتالي
١٢٩٨١٨٨٠
حسونة الوزير
١٣٠٠١٨٨٢
محمد المبزع
١٣٠١١٨٨٣
وبقت كذلك منفصلة إلى أن تولى محمد العصفوري مشيخة المدينة فإنها جمعت له مع رئاسة بلدية تونس.
ثم استمر الحال على أن شيخ مدينة تونس هو رئيس بلديتها.
واللواء محمد العصفوري الذي جمع بين الأمرين تولى إثر الحوادث التي آلت إلى عزل الشاذلي الدلاجي.
ملحق (٢)
عهد الأمان
(١٢٧٤ ١٢٧٧ ١٢٨٠) عهد الأمان اجمل القول فيه المؤلف عكس الشيخ الوزير ابن أبي الضياف فإنه تحدث عن عهد الأمان وعن سببه الذي دعا الأمير إلى إعلانه، وقد بسط فيه القول اعتناء به، ومن عنايته بعهد الأمان انه سمى كتابه: (بإتحاف أهل الزمان، بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان) .
فهذه التسمية المعنون بها الكتاب تدل دلالة واضحة على ما للشيخ الوزير ابن أبي الضياف من عناية بعهد الأمان.
ومن المتأكد أن نذكر باختصار أسباب إصدار قانون عهد الأمان لن المؤلف هنا يذكر أنه أصدره تلقائياً حيث يقول: ولما مهد السبل أصدار عهد الأمان.
وجلية الأمر في إصداره هي قضية مقتل اليهودي المسمى باطو الذي كان يخدم على كرطون ينطقها أهل تونس بفتح الكاف والراء وضم الطاء الممدودة وهي الكريطة والمتعارف الآن كريطة للقائد نسيم رئيس اليهود بسبب شتمه لمسلم وسب دينه وكان اليهودي بحال سكر، وقد اعتاد ذلك.
وكان قتله من الباي تنفيذاً لحكم المجلس الشرعي الذي حكم بقتله بدون استتابة على مقتضى المذهب المالكي وحكم عليه بالإعدام رغم تدخل القنصلية الفرنسية في القضية.
وبعد مقتل اليهودي أتاه القنصل ليون روش وحذره من مغبة استبداده بالحكم فجعل مجلساً للجنايات بدون إحداث قانون لذلك.
فلم يرض عمله هذا اليهود بباريس فهاجوا وماجوا ورفعوا أصواتهم بالشكاية.
فأنتجت دعايتهم ضد الحكومة التونسية قدوم قطع من الأسطول الفرنسي والتهديد بقدوم قطع من الأسطول الإنكليزي الذي بمالطة، وهدد القنصل الإنكليزي بقدوم الأسطول العثماني.
فاضطر الباي تحت هذا التهديد إلى إعلان قواعد عهد الأمان وهي إحدى عشرة قاعدة وتلي هذا العهد بالسراية الكبرى بباردو.
وكان ذلك في ٢٠ من المحرم سنة (١٢٧٤) الموافق للتاسع من سبتمبر سنة (١٨٥٧) فهذا هو سبب إصدار عهد الأمان.
وذكر الوزير ابن أبي الضياف ما دار حول قانون عهد الأمان من (ص٢٣١ إلى ص٢٤٩ من ج?٤ من الإتحاف) .
المشير محمد الصادق باشا باي وعهد الأمان: أجمل المؤلف إتمام عهد الأمان في مدة المشير الثالث في فقرة من أقصر الفقر فيقول: (وأعمل الحزم في إنجاز مشروع أخيه بإتمام القوانين المبينة على عهد الأمان وجمع لها خاصة العلماء والأعيان فاستكملوا وضعها واجملوا صنعها) .
والموضوع طويل الذيل من أهم الأحداث بتونس كما ذكرنا سابقاً وقد تحدث عنه الشيخ الوزير ابن أبي الضياف.
بأن المشير الثالث محمد الصادق باي افتتح البيعة له بالإمارة بالتعهد بالتزام عهد الأمان ونصحه الوزير النصوح بأنه إذا لم يتعهد بذلك جر إليه غضب الدولة العلية وسائر الدول التي دعت إلى العمل بعهد الأمان.
وذكر نصه كما ذكره الشيخ محمد بيرم الخامس في صفوة الاعتبار ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم: تبارك من جعل الأمان أقوى أسباب العمران، والصلاة على سيدنا محمد وأله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
стр. 114
أما بعد فيقول العبد الفقير لربه المشير محمد الصادق باشا باي وفقه الله لما يرضاه، وأعانه على ما أولاه: أني أقبل البيعة من الأعيان الحاضرين على مقتضى ما وقع الالتزام به في العشرين من محرم سنة ١٢٧٤ أربع وسبعين ومائتين وألف من المرحوم المقدس أخينا المشير سيدي محمد بالفتح باشا باي، وهو عهد الأمان لسائر السكان على الأعراض والأموال والأبدان، وما حواه من القواعد اللوازم وأركان وحلفت وأحلف بالله وعهده وميثاقه على مقتضاه، وأن لا أخالفه ولا أتعداه.
وهذا الكلام صدر مني ونقله الناطق به عني وختمي وخطي فيه أقوى شاهد وأوضح إعلان، لكلمن حواه الديوان، ولسائر الرعية والسكان.
وعلى مقتضاه عليكم السمع والطاعة، ويد الله مع الجماعة.
حرر يوم السبت الخامس والعشرين من صفر سنة (١٢٧٦) .
افتتح بيعته بهذا العهد يوم السبت الخامس والعشرين من صفر سنة (١٢٧٦) حين اجتمع بالمجلس الشرعي ووجوه الحاضرة ورجال الدولة واعيان العسكر وخرج للبيعة في آل بيته وألقى عليهم نص العهد المذكور وبعد تلاوته بدأت البيعة، فبايعه أهل المجلس الشرعي، وهو قائم، ثم جلس وبايعه كل الحاضرين وهو جالس على كرسيه على اختلاف طبقاتهم.
الحرص على إتمام قانون عهد الأمان: تصفح المشير الثالث أعمال المجتمعين لتحرير فصول قانون عهد الأمان وترتيبه، وحرضهم على الإطلاع على قوانين الدول مع الحرص على عدم مخالفة الشريعة.
وقد انفصل العلماء عن المشاركة في التحرير المذكور، ولامهم في تاريخه الشيخ الوزير ابن أبي الضياف ملقياً عليهم تبعة عدم مشاركتهم في هذه المصلحة فقال: وليت شعري ما أعد العلماء من الجواب بين يدي الحكم العدل، العالم بخائنة العين وما تخفي الصدور عن تجنفهم وتباعدهم عن هذه المصلحة الضرورية متعللين بأنها لا تناسب خططهم الشرعية في العرف، والحال أن الشريعة جاءت لمصالح الدنيا والدين وأوقعوا بهذا التجنف وصمة في وجه البلاد ونفرة بينهم وبين أهلها (الإتحاف ج?٥ ص٣٨) .
إن حملة الشيخ الوزير ابن أبي الضياف حملة سببها بعض العلماء المتصدرين من بعض أهل المجلس الشرعي دون غيرهم، فهناك كثرة من العلماء شاركوا، ففي مجلس التحقيق شارك: الشيخ محمد الشاهد شيخ الجماعة فإنه كان من أكابر أئمة الدين.
والشيخ حميدة بن الخوجة الذي تولى مشيخة الإسلام وكان من نبغاء العلماء.
والشيخ محمد الستاري.
والشيخ محمد النيفر المفتي المالكي العلامة النحرير.
والشيخ حسونة عباس المفتي الحنفي.
وتركيب مجلس التحقيق كله من العلماء المذكورين، وغنما كان رئيسه من غيرهم وهو إسماعيل صاحب الطابع.
والسبب في ذلك أن رؤساء المجالس كان اختيارهم على قاعدة أن لا يكون من أهل البلاد لارتكاز الحكومة على غيرهم نظراً إلى أن الدولة ترتكز على صنائعها من المماليك والأصهار أما بقية الشعب وإن تقدموا علماً وتفكيراً فهم لا حظ لهم إلا إذا اضطر إليهم.
وكذلك الحال في مجلس الجنايات فإن تركيبه من العلماء ومنهم الشيخ صالح النيفر أحد أفذاذ العلماء كما يقوله الشيخ السنوسي في ترجمته.
والشيخ احمد كريم الذي تولى مشيخة الإسلام.
والشيخ محمد المازري ابن الشيخ محمد الطاهر بن مسعود.
والشيخ الجد محمد الطاهر ابن الشيخ العالم محمد النيفر القاضي العلامة النحرير أحد قضاة العدل الأفذاذ.
والشيخ محمد ابن الشيخ المفتي حسين البارودي.
والشيخ محمد الشريف أحد العلماء الوجهاء.
وكذلك انضم إلى المجلس الكبير من العلماء: الشيخ عمر بن الشيخ الذي تولى الإفتاء.
والشيخ سالم بوحاجب أحد نبغاء العلماء، وقد تولى رئاسة الإفتاء.
والشيخ الطاهر بن عاشور العلامة المؤلف والذي تولى القضاء والإفتاء.
والذي دعا الشيخ الوزير ابن أبي الضياف أن يحمل على العلماء ويقول: (ما اعد العلماء من الجواب بين يدي الحكم العدل العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور عن تجنفهم وتباعدهم عن هذه المصلحة الضرورية متعللين بأنها لا تناسب خططهم الشرعية في العرف، والحال أن الشريعة جاءت لمصالح الدنيا والدين وأوقعوا وصمة في وجه البلاد ونفرة بينهم وبين أهلها) هو امتناع الشيخ محمد بيرم الرابع شيخ الإسلام فإنه يحمله تبعة الامتناع وكذلك المشايخ: أحمد بن حسين باش مفتي المالكية.
стр. 115
ومحمد بن الخوجة المفتي الحنفي.
ومحمد البنا المفتي المالكي.
إن صاحب الإتحاف انتقد على شيخ الإسلام المذكور بأنه كان أسرع الحاضرين للإجابة مستنداً إلى الغضب الذي لا قدرة لنا على دفعه.
ثم قال: وهو المشار إليه في تعاريب مكاتيب الوزير وهو وزير الأمور الخارجية بفرنسا من الذين بمشورتهم لأمور غير صالحة، وأوقعوا له الاختبال في عقله كم مرة، (الإتحاف ج?٤ ص٢٣٩) .
وقد ذكر صاحب الإتحاف محاورة دارت بينه وبين شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع: فقلت له ان القوم لم يصرحوا بالغضب، ولا آذنوا بحرب وإنما نصحوا.
فقال (أي شيخ الإسلام المذكور) : نخشى الغضب من الدولة العلية وأصول التنظيمات لا تخالف ديننا (الإتحاف ج?٤ ص٢٣٩) .
ثم إنه بعد ذلك يشير إلى امتناع الإسلام: (تلكأ الشيخ محمد بيرم شيخ الإسلام عن الحضور لأمر يعلمه الله فقال له الباي: قد أفتيتنا بالقبول من أول الأمر وأن التنظيمات الخيرية لا تعارض ديننا فما بالك تمتنع من الحضور الآن وألزمه الحضور.
وتحدث صاحب الإتحاف عن شيخ الإسلام كيف قبل ما جاء من تفسير القاعدة الأولى من عهد الأمان وهي: تأكيد الأمان لسائر رعيتنا وسكان إيالتنا على الأديان والأسنة والألوان في أبدانهم المكرمة وأعراضهم المحترمة إلا بحق يوجبه نظر المجلس المجلس بالشورة ويرفعه إلينا ولنا النظر في الإمضاء أو التخفيف ما أمكن، أو الإذن بإعادة النظر.
فنقل عن شيخ الإسلام أنه قال: يمكن لي أن أخطب يوم الجمعة بشرح هذه القاعدة الأولى المذكورة.
وفي هذا الجو الذي أقبل فيه أهل المجلس الشرعي على تفسير القواعد الأصولية بعهد الأمان أمر الوزير المصلح خير الدين الفقهاء الحاضرين أن يكتب كل واحد منهم على قواعد عهد الأمان ما يراه ويدين الله به، فأجابوه لمطلبه لما رأوا من توقد فكرته، وكمال فطنته، فكتبوا وتقاربوا في المرمى على قوس واحدة.
وجلى شيخ الإسلام فيما كتبه بشهادتهم ولولا الإطالة لنقلنا ذلك.
? استقالة الفقهاء من مجلس شرح قواعد عهد الأمان
بعد مشاركة أولئك الفقهاء الأربعة طلبوا الاستعفاء متعللين بأن مناصبهم الشرعية وما عليهم من مهمات يجب القيام بها لا يمكن الجمع بينها وبين علمهم في المجلس المذكور.
وآخذهم صاحب الإتحاف في قصرهم أنفسهم على وظائفهم الشرعية.
وكان الظن بهم تقديم هذه الطاعة المتعدية على غيرها من الطاعات القاصرة.
وتعللوا بأن منصبهم الشرعي لا يناسبه مباشرة الأمور السياسية إلى غير ذلك من المعاذير التي لو لم نرها ما نقلناها.
وقبل الباي عذرهم، وأرواحهم من تعب الحضور، ولسان حال المسلمين بهذه الإيالة المسكينة يقول: وما يجب اعتقاده أن الله الذي دينه النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم، ومن أوامره الواجبة على عباده تغيير المنكر ولو بالقلب، ومن شريعته المسحة ارتكاب أخف الضررين عند العجز عن السلامة منهما إلى غير ذلك من تيسير هذه الشريعة الصالحة لكل زمان، يسألهم عن ذلك يوم تبلى السرائر، ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم) .
لعل له عذراً وأنت تلوم
حمل الشيخ الوزير احمد بن أبي الضياف العلماء كلهم مغبة عدم المشاركة في تحرير شرح قواعد عهد الأمان مع أن الممتنعين قلة وهم الأربعة: الشيخ محمد بيرم الرابع.
والشيخ احمد بن حسين.
والشيخ محمد بن الخوجة.
والشيخ محمد البنا.
أما الكثرة من العلماء فقد شاركت لما قامت المجالس المنبثقة عن تطبيق عهد الأمان بالأخص الشيخين وهما: محمد الشاهد.
وصالح النيفر.
كما أن شيخ الإسلام الرابع كان من أعضاء مجلس الباي الذي جعله لخاصة نفسه للنظر فيما يحرره مجلس شرح قواعد عهد الأمان.
فالعلماء لم ينفضوا أيديهم من هذا المجلس، وإنما امتنع بعضهم من مجلس خاص وهو المجلس الذي يرأسه الوزير مصطفى خزنه دار.
ومن القريب جداً أن امتناع الإسلام محمد بيرم الرابع كان من أجل انه لم يوافق على أن يكون مرؤوساً للوزير مصطفى خزنة دار لأن الوضع كان في تونس أن شيخ الإسلام يقدم على الوزراء، وكذلك بقية أهل المجلس الشرعي.
ويدل على تقديم أهل المجلس على سائر رجال الدولة أن المكتوب الذي عين فيه الباي رجال المجلس المذكور قدم أعضاء المجلس الشرعي.
وهذا نصه:
стр. 116
أمرنا هذا للعلماء الأعلام الفقهاء الأعيان، الجلة الفضلاء من أهل مجلسنا العلي: شيخ الإسلام سي محمد بيرم.
والشيخ سي احمد بن حسين باش مفتي المالكية.
والشيخ سي محمد بن الخوجة المفتي الحنفي.
والشيخ سي محمد البنا المفتي المالكي.
والوزراء الأعيان النصحاء الأركان أولي الرفعة والشان.
أبننا الأعز ووزير العمالة مصطفى خزنه دار.
ووزير الحرب أمير الأمراء ابننا مصطفى باش آغة.
ووزير البحر ابننا خير الدين.
والوزير الأحظى أمير الأمراء ابننا إسماعيل صاحب الطابع.
والأحظى أمير الأمراء ابننا محمد بالفتح أمير الأعراض.
وكاتب سرنا أمير اللواء محبنا الشيخ سي محمد بن أبي الضياف، حرس الله جميعهم واحسن صنيعهم.
وإننا أمرناهم بالاجتماع في دارنا بالقصبة يومين في كل أسبوع، وهما الأربعاء والخميس للتفاوض في شرح الفصول المسطرة في عهد الأمان.
وكل واحد يتكلم بما يدين الله به على مقتضى آداب البحث في الأدلة وإيضاحها، ولا يخجل من لا تنهض حجته فالحق أحق بالاتباع.
وأمرناهم قبل ذلك بقراءة ما رتبه الدولة العلية العثمانية وغيرها من الدول ليجروا التراتيب على ما يصلح بلادنا بعد استفتاء من ذكر من العلماء فيما تتوقفون فيه من الأمور وترفعوا إلينا عمل كل اجتماع لننظره ونمضي ما عليه أكثر رأي الجماعة.
ولا يلزم الفقهاء المذكورين الحضور إلا يوم الأربعاء لاشتغالهم يوم الخميس بالمجلس الشرعي بدار الشريعة والله تعالى ولي إعانتهم وتوفيقهم على هذه المصلحة التي يعم نفعها بحول الله، والسلام.
وكتب في ١٦ أشرف الربيعين.
فلما رأى أهل المجلس الشرعي تقدم الوزراء عليهم أنفوا من الجلوس في مجلس يترأسه الوزراء المماليك.
وزاد الطين بلة أن هناك عداوة بين وزير العمالة صاحب النفوذ الوزير خزنه دار وبين شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع وعداوته شبيهة بعداوة الوزير المذكور مع إسماعيل السني صاحب الطابع فوجود شيخ الإسلام في مجلس يترأسه من يتربص به الدوائر دعاه إلى أن يستعفي هو وبقية أهل المجلس الشرعي المالكية والحنفية.
وحسناً صنع شيخ الإسلام فإنه لو بقي معه في ذلك المجلس لاشتدت العداوة بينهما ولأفضت إلى ما أفضت إليه عاقبة الوزير إسماعيل السني الذي سعى أولاً إلى إصدار أمر الباي بإقامته الإقامة الجبرية، ثم سعى في قتله في بضع دقائق مع أمير المراء رشيد وزير الحرب.
فشيخ الإسلام يخشى عاقبة كعاقبة هذين الرجلين السني والرشيد.
فالعلماء المستعفون من المجلس المكلف بإرساء قواعد عهد الأمان على علم لبعد أنظارهم بأن العهد الممنوح غنما هو منح اضطراري أدت إليه حادثة قتل اليهودي المتجرئ على الإسلام بشتم دين أحد المسلمين.
فالباي الأمير والكثير من حاشيته هو أهم في عدم وجود عهد الأمان، ولذلك لما وقعت ثورة علي بن غذاهم ارتكز عليها وزير العمالة وأبطل العمل بعهد الأمان، فهم على بينة من الأمر بأن العمل به كان تحت ضغط الدول الأجنبية.
ومن أعذار الاستعفاء: أن تشكيل المجلس للنظر في إرساء قواعد عهد الأمان كان تشكيلاً غير متناسق فيما بين أعضائه إذ منهم الفقهاء الذين لهم مرانة سياسية مثل شيخ الإسلام بيرم الرابع الذي له اتصال بالأمراء واطلاع على خبايا نفوسهم فقد كانت له مصاهرة مع الباي المشير الثاني.
ومنهم فقهاء تطبعوا بطبيعة الفقهاء في التزام النصوص الفقهية مثل شيخ الإسلام المالكي أحمد بن حسين الذي هو من العلماء الفقهاء الممتلئين فقهاً ولهم محافظة شديدة على النصوص الفقهية.
وعى هذا الغرار المفتي الحنفي الشيخ محمد بن الخوجة فإنه من فقهاء الحنفية.
وأما المفتي المالكي فهو من أهل الورع الشديد والبعد عن رجال السياسة حتى أن الأمير المشير الثالث لما أراد إعانته على بناء داره امتنع من اخذ أي شيء مع الفقه البارع وهو الشيخ محمد البنا.
فهؤلاء الفقهاء كان انسحابهم من مجلس الإرساء عن روية وعن معنى خاص أدركوا به أن عملهم سوف لا يثمر لأن الاتجاه الحكومي من قبل الوزارة مراميه بدأت تظهر حين تلك الاجتماعات وهو ما جعلهم بعد أن انظموا إليه استعفوا منه.
стр. 117
ثم إن الأفكار كانت غير متقاربة بل متباعدة غاية البعد لأن التشكيلة من حيث الفقهاء كما ذكرنا قابلتها تشكيلة أخرى بعيدة عنها كل البعد، وهي تشكيلة سياسية متبصرة في بعض رجالها وهو الوزير خير الدين وتشكيلة أخرى نظرها في السياسة نظر مبني على معرفة قاصرة غير متمكنة من الدين كما أنها غير متمكنة من السياسة التي ظهرت في العالم الحديث.
فالفقهاء موقفهم حرج لأنهم أمام نظريات ليست من صميم الإسلام فلهذا نزعوا أيديهم من المجلس المذكور، فلو أنهم لا يريدون خدمة المصلحة العامة لما دخلوا أول مرة وغنما بدا لهم ما كانوا متخوفين منه.
بدت لي هذه النظرية بأنها هي الداعي الأصلي للانسحاب ثم وجدت ما يؤيدها من قبل الشيخ بيرم الخامس في كتابه صفوة الاعتبار حيث ذكر: ثم عقد الوالي مجلساً رئيسه الوزير مصطفى وزير العمالة وأعضاؤه: مصطفى آغة وزير الحرب.
وخير الدين وزير البحر.
والوزير إسماعيل السني.
والوزير محمد.
وكاتب أسرار الوالي أمد بن أبي الضياف.
وأذنهم باستخراج أحكام سياسة تدور عليها أعمال الحكومة واستخراج أحكام فرعية في الحقوق الشخصية يجري بها الحكم في القطر.
وأذن أن يكون شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع أحد أعضائه فامتنع من الحضور دون مشاركة من العلماء الحنفية والمالكية.
واستقر الرأي على إضافة: الشيخ محمد بن الخوجة المفتي الحنفي.
والشيخ احمد بن حسين رئيس الفتوى في المذهب المالكي.
والشيخ محمد البنا المفتي المالكي.
وهؤلاء الأعلام الأربعة هم أكبر علماء العصر إذ ذاك.
فحضروا أولاً ثم امتنعوا بأن كتب كل واحد منهم شرحاً منفرداً على الإحدى عشرة قاعدة المار ذكرها أبدوا فيها الأحكام الشرعية المطابقة لتلك القواعد، واقتصروا على ذلك متعللين بأن الذي بدا لهم من مغزى الجماعة هو الميل البحت للسياسة الساذجة من غير التفات إلى محاذاة الشرع بل ربما عرض ما يصادم القواطع.
وحيث كان عمل المجلس على ما يستقر عليه الرأي الغالب لم يأمنوا أن يسند إلى المجلس ما يخالف الشرع، ويحمل على عاتقهم، وهو الذي تبين لكل من الفريقين فيما بعد ولدت الليالي من أن الصواب في غير مسلكه على ما يتحرر إن شاء الله تعالى في الخاتمة.
حملة في غير موضعها: تبين بما ذكرنا وما نقلنا أن حملة الشيخ الوزير ابن أبي الضياف في غير موضعها.
أما أولاً فلما ذكرنا من أنها مقصورة على بعض أهل العلم وهم قدماء أعضاء المجلس الشرعي وأما غيرهم فانضموا إلى هذا المجلس، بل كان بعض المجلس متركباً منهم دون غيرهم غلا في رئيسه كما أسلفنا.
وأما ثانياً فإن انسحابهم من المجلس الشارح لقواعد عهد الأمان يرجع إلى انهم بدا لهم أن الأغلبية ترمي إلى جعل فصول للحكم في بعضها ما لا يمت إلى الشريعة السمحة.
فاستغلال سماحة الشرع المنيف لا تؤدي إلى تحلل من نصوصه القطعية حتى يكون الحكم بغير ما أنزل الله.
فهم لا يريدون أن يتحملوا تبعة ذلك فلذلك اكتفى رئيسهم شيخ الإسلام بأن يكون في مجلس الأمير هو الغربال لما يقنن من فصول.
عالم الأدباء وقانون عهد الأمان
لو كان العلماء متبرئين من عهد الأمان مغلبين للمصلحة القاصرة على المصلحة العامة أما أنشد العلامة الشريف محمود قابادو قصيدته الشهيرة في عهد الأمان منوهاً به، ومعرفاً بأنه من صميم الدين التي يقول في طالعها:
العدل عهدُ خلافة الإنسانِ ... ومداد ظل الأمن والعمران
وتمدُّنُ البشر اقتضى إيلافهم ... فتعاضدوا من دائن ومدان
وتطامحُ الخلطاء لاستبدادهم ... بالقتل داعيهم إلى العدوان
فتقرُّر السلطان ضربةُ لازب ... لنظامهم بالعدل والإحسان
افتتح عالم الأدباء الشيخ قابادو قصيدته هذه بهذه الأبيات الأربعة منبهاً على ما ذكر ابن خلدون في مقدمته من أن الإنسان مدني بالطبع، واشتباك المصالح مؤد إلى اعتداء البعض على البعض فلا بد من سلطة تمنع المعتدين وتكف ضراوة الضارين فهي مقدمة لرأيه في عهد الأمان.
وأشار فيها إلى أن السلطان ليس قوة قاهرة بل هو سلطة رحمة وإحسان.
فما أتى به ابن خلدون في مقدمته في الباب الأول من الكتاب الأول في العمران البشري أتى به أديب العلماء بلا منازع العلامة الشريف محمود قابادو في تلك الأبيات النزرة.
стр. 118
وهذا ما يدل على أن الفقهاء من التونسين كانوا على جانب عظيم من علم الاجتماع متأثرين بسلفهم العلامة المؤرخ عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن خلدون (-٨٠٨) فكلهم من فبضه يغترف، ومن مناهله يرتشف، فعلماء تونس الفقهاء كانت معرفتهم الاجتماعية تؤهلهم للنظر البعيد وللتفقه في الدين التفقه الصحيح، فما يرميهم به الرامون غنما هو لمرض في النفوس وحسد كامن في القلوب.
وقصيدته هذه أتى بها المعروف في ديوان محمود قابادو الذي اعتنى بجمعه وطبعه سنتي (١٢٩٤ و١٢٩٥ هـ? (.
وقد ضمنها الكثير من إنشاء المجالس لعهد الأمان ومن أبدعها قوله:
قانون عدل صادق عال سمت ... أساسه رجبا على آسان
١٢٧٧ ونقل عيونها الشيخ الوزير ابن أبي الضياف في كتابه إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان في الجزء الخامس صفحة ٤٦.
ومن نصيحته الشيخ قابادو لأهل المجلس قوله مخاطباً أعضاء المجالس:
هذي رئاستكم وعزة مجدكم ... نيطت بكمْ يا معشر الأعيانِ
وإلى أمانتكم وحسن وفائكم ... وكلتْ وغيرتكم على الأوطان
ولتعلموا أن الوفي لنفسه ... يوفي ومن ينكث عليها جاني
والله ليس مغيراً إنعامه ... حتى يغيره ذوو الكفران
وتيقنوا أن الذي غلب الهوى ... والنفس يغلب كل ذي سلطان
هذا وإن الصادقية دولة ... خصت بتأييد من الرحمان
لما رأت مصباحَ شرعِ محمد ... بترعب الهواء ذا خفقان
جعلت له القانون يشبه زجاجة ... لتقيه هب عواصف الطغيان
فتدارسوه لما علمتم بينكم ... عودا على بدء بغير توان
والله يشملنا ويشمل جمعكم ... بالعون والتوفيق والغفران
وبعد أن ذكر الشيخ الوزير صاحب الإتحاف أبياتاً من هذه القصيدة عليها بقوله: وهذه الغانية على طولها أقصر من ليالي الوصال، وأعذب ما سمع من المقال، لو لم يأت بعدها ما ينافيها، والحر عبد إذا طمع والعبد حر إذا قنع، ومن اعظم الذنوب تحسين العيوب، "والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون" الشعراء ١٢٤ ١٢٥.
يقصد الشيخ الوزير الذي أتى بعد قصيدة الشيخ قابادو في مدح عهد الأمان قصيدته التي هنأ فيها المشير الثالث حين اخمد ثورة علي بن غذاهم.
وهي التي يقول في مطلعها:
سما للعلا يقظانُ عين حديدها ... فهيهات بعد اليوم تعدى حدودها
أضلّ عقاب الحزم أرجاءها كما ... أضل عقاب البأس فيمن يكيدها
ويقول فيها:
فيا ويحها من عصبةٍ قد تهافتت ... على نار بغي ما سواها وقودها
ولا شك انه يقصد قوله فيها:
وإن فداء الكل بالبعض سنةٌ ... تواتر من شرعٍ وطبعٍ شهودها
وقد كان جلد البعض زجراً وأهدرت ... نفوس بجلد الزجر فاد جليدها
أليس من التعزيز وهو مناهجٌ ... تناط إلى رأي الإمام حدودها
وقدماً قضى سحنون في الدين ضارباً ... مراراً قضى نحبَ المدين عديدها
وأما عقاب المال فهو موسعٌ ... إذا عودت منه بشيء يعيدها
بحيث إذا لم تمتهن باستلابه ... رأت شوكة السلطان فلَّت حدودها
على انه قد كان حط من الجبا ... وإعوازُ بيت المالِ ممَّا يعيدها
فهذه الأبيات فيها تبرير من الشيخ قابادو لأفعال الأمير في التعذيب والمطالب المالية المجحفة التي وضعت على رجال الثورة.
والشيخ قابادو لا أظن أن الحامل له الطمع كما يقال الشيخ الوزير وإنما حمله على ذلك أن هذه الثورة لو تمت لأتت على الأخضر واليابس والبلاد في حال ضنك تشتكي العجز.
فنظرته البسيطة هي التي أدته إلى أن يبرر تلك الفعال، ولو نظر نظرة عميقة مثل نظرة الشيخ الوزير لما برر تلك العمال.
ثم إن تلك الثورة تسبب فيها سوء الإدارة والإسراف المالي المجحف المؤدي إلى نضوب الخزانة المالية مع التصرف الذي لم يكن على قاعدة ومع جولان الأيدي في أموال الحكومة.
وعلى كل فالشيخ قابادو يشيد بعهد الأمان، وإنما يرى أن الفوضى مؤدية إلى الانهيار فموقفه ليس موقف طمع لأنه كان الناس بالزهاد فحياته حياة الذين لا يعتنون بالمال.
وشاركه في الإشادة بعهد الأمان علامة أديب شاعر وهو الشيخ أحمد كريم الذي تولى الإفتاء وكان من مشايخ الإسلام.
стр. 119
وأشار الشيخ احمد كريم إلى أن الشرع نادى بما جاء به عهد الأمان في قوله:
تيقَّن أن العدلَ أبقى لملكه ... فأضحى لطرق الجور ينسفها نسفاً
أمولاي قد عاهدت عهداً مؤمناً ... فأوفيت في عهد الأمان ومن أوفى؟
وأمّنت أهلَ القطر من كل ضائر ... ولولا وجوب الحتف أمتنا الحتفا
جعلت أساس العدل فيهم أمانهم ... على العرض والأبدان والمال مستوفى
وسويت في الحكام بين جليلهم ... وبين ذليل كان في الحق يستخفى
وألزمت أحكاماً هي الفيصل التي ... توافقنا شرعاً ونعتادها عرفا
وتبارى الأدباء في اليوم الذي اجتمعت الهيآت لقراءته بدار المملكة حين طلبوا من الباي أن يحضر لديهم وذلك أواخر جمادى الثانية سنة ١٢٧٧.
وفي ذلك اليوم انشد القصيدان المتقدم ذكر البعض منهما وهو دليل واضح على أن الهيئة العلمية عبرت عن سرورها وإكبارها لتطبيق عهد الأمان، فتونس رجالها المثقفون بالثقافة الإسلامية لم يحجموا عن مساندة القانون، فما يرميهم به الرامون هو من قبيل إلصاق تهم هم براء منها.
ومع انهم نصروه هم مقصرون في الاستفادة من هذا القانون، وتقصيرهم يبدو في كونهم لم يقوموا بواجبهم نحو بقية الأمة في تفهيمهم محاسن القانون، وأن الدين يدعوهم لإرساء قواعد العدل في غير مبالين بما ينالهم.
لكنهم لم تبرح في نفوسهم هيبة المراء أصحاب النفوذ المطلق فلذلك قصروا وأحجموا.
ملحق (٣)
ثورة علي بن غذاهم
حط الشيخ السنوسي من ثورة علي بن غذاهم، ونعته بنعوت تدلي إلى الحضيض وتحشره في جملة الأدنياء الحثالة، ووصفه بأنه دعي والدعي المتهم في نسبه أو الذي يدعي إلى غير أبيه.
ووصفه بأنه جلف، والجلف الرجل الجافي والظالم، ففي نظره أن ثورة ابن غذاهم ظلم صراح، ووصفه بأنه رئيس البغاة.
ويختم تسجيله لحادثة الثورة التونسية برضاه عما وقع لأهلها فيقول: ولما تم القبض على زعماء البغاة الأشقياء جالت يد أنصار الدولة على أعضاء الثورة، ومن تشيع إليهم وهز عصا الشقاق، ونال كل واحد منهم ما ناله من القتل، وضربت تلك المغارم على الأعراض وجربة، وصفاقس وعموم بلدان الساحل عدا أهل سوسة والقلعة الكبرى لتقدم طاعتهم.
فعنده هذه المظالم المتنوعة من القتل والضرب والسجن في أشد السجون وضرب المغارم على أكثرية أهل البلاد ومعنى ضرب المغارم افتكاك أموال الناس بالقهر هي الجزاء الوفاق.
فالأمة أصبحت بسبب هذه المظالم المتراكمة لكل ما يملكه الإنسان من روحه وعرضه وماله أمة ميتة، وكل ما أصابها لم يثر في نفسه شعور الإنسانية حتى يرثي لهذا الشعب الرازح تحت السيف والسياط والسجن والتفقير ولنتبين الحق من غيره تأتي بما كتبه الشيخ محمد بيرم الخامس في صفوة الاعتبار.
وإنما أتينا بما كتبه لنزيل من الأذهان من أن للشيخ السنوسي له اتصال بالحقيقة بل هو بعيد عن الحقيقة، فالشيخ بيرم الخامس عاش تلك الأحداث فكتابته كتابة مطلع خبير.
جاء في صفوة الاعتبار.
(وخلا الجو لخزاندار أي لما استعفى الوزير خير الدين ومن معه وأخذت السيرة في طور آخر جديد ورام يضاعف أداء الجباية على الأهالي ويصيرها اثنين وسبعين ريالاً على الرأس عوضاً عن الستة والثلاثين ريالاً التي أسسها محمد باشا، وطلب المجلس الكبر أي طلب خزاندار بواسطة الأمير من المجلس الأكبر ذلك فامتنع أعضاؤه واستبد هو أي خزندار، بإمضائها مع تحديز العقلاء له فلم يلتفت إليهم مع أن الأهالي في ثورة من أثر سيرة محمد باشا تقويهم على الدفاع عن أنفسهم مع ما أستأنسوا به من تلك السيرة وسماعهم بان العدل والإنصاف قد شملهم بالقانون وأن لهم الكلام على حقوقهم فامتنعوا قاطبة وأرادوا غصبهم على ذلك، فثار القطر كله ثورة واحدة لم تعهد من قبل على غاية من الرياضة والأمن بحيث لم يتعرضوا بالأذية لأحد مع أمن السبل، وكثرة الفادي والرائح، وضبط كل جهة ببعض أهلها لردع السفهاء وحفظ الراحة والمن وكان متولي أكبر الجهة الغربية والملتف عليه أكبر قبائل الأعراب رجلاً يسمى علي بن غذاهم وذلك سنة (١٢٨٠) .
وما زالت هذه الثورة تسمى ثورة غذاهم، وكاتب الجهات:
стр. 120
بأنا إخوان ومطلبنا واحد، وليس المراد منه الإفساد، فالواجب حفظ الأمن والراحة، وتأمين السبيل، ولا نتعرض لأحد بشيء سوى أتباع الحكومة فإذا أرادوا غصبنا على الظلم ندافع عن أنفسنا وأنذرت القبائل عمالهم الذين كانوا بين أظهرهم فمن أراد منهم التوجه إلى الحاضرة أوصلوه بأمان ومن أراد الإقامة منكفئاً عن التداخل في أمرهم أبقوه بأمان.
ولما توجه أمير الأمراء فرحات إلى الكاف لإجبار قبائل ماجر على ذلك الأداء تعرضوا له وقتلوه فشدد النكير علي بن غذاهم وقال لهم: أصل اتفاقنا تعرضوا وقتلوه فشدد النكير عليهم علي بن غذاهم وقال لهم: أصل اتفاقنا هو الدفاع عن أنفسنا وما ضركم الرجل إلا إذا حاربكم فدافعوا عن أنفسكم.
وكاتب المذكور رئيس الفتيا الشيخ أحمد بن حسين وطلب منه التوسط في الصلح مع الحكومة.
وحاصل مطالب الجميع إبطال الأداء الجديد وعزل الوزير مصطفى خزندار ومحاسبته.
فامتنع الوالي يعبر صاحب صفوة الاعتبار عن الأمير بالوالي لنه يرى أن تونس ولاية عثمانية فلا يحق له أن يلقب بالأمير بل بالوالي، أولاً من جميع مطالبهم واشتد الكرب على الحكومة حتى لم يبق أمر الوالي نافذاً إلا في الحاضرة ونحو اثني عشر ميلاً حولها، واشتد الخوف في الحاضرة) .
وقد فصل الشيخ الوزير ابن أبي الضياف هذه الثورة تفصيلاً مدققاً واتى بأسبابها وكيف ابتدأت وهو ما أحمله غاية الإجمال صاحب صفوة الاعتبار.
وافتتح الشيخ وزير كلامه على هذه الثورة بمقدمة دقق فيها الأسباب من فداحة الافتراض الذي تسبب فيه جلب ماء زغوان إلى الحاضرة تونس مما أدى إلى أن تكون فائدة الدين أكثر من ثلث دخل المملكة التونسية حينذاك وهو اكثر من أربعة ملايين من الفرنكات لأن دخل المملكة وقتها لا يصل إلى خمسة عشر مليوناً من الريالات.
وإثقال كاهل الميزان بمصاريف الدولة فإن مرتب الملك وحده مليون ومائتا ألف إلى غير ذلك من المصاريف الباهظة.
فلما عجز الميزان عن تحمل تلك المصاريف الباهظة كاتب الأمير أعضاء المجلس الأكبر فامتنعوا بلطف كما قال الوزير الشيخ ابن أبي الضياف ودارت مباحثات مجلس الأمير الخاص، وكان رجاله على رأيين.
منهم من يميل إلى الرفق بالرعية ومنهم من زين للأمير الزيادة في الضريبة الموضوعة على الدافعين إلى أن أفضت النوبة إلى أحدهم وهم ممن يشار إليه في مجلس الأمير الخاص فأشار برأي كان سبب اندلاع الثورة.
وهو أنا مال الإعانة يزداد عليه مثله ويكون عاماً في سائر بلدان المملكة من غير استثناء.
فقبل الأمير أن هذا الرأي وكتب إلى أعضاء المجلس الأكبر للموافقة فاعتذروا بأنهم لا رأي لهم في النازلة.
وبعد امتناع أعضاء المجلس استبد الأمير برأيه وصدرت به المناشير إلى عمال العمال.
وهي مناشير كانت لقطع الطاعة والعافية والعمران كالمناشير كما قال الشيخ الوزير.
ورغم النصائح حتى من الأجانب تمادى الأمير في فرض الزيادة في الضريبة.
اندلعت الثورة بتقرر الزيادة في الداء.
ويؤكد كلام صاحب صفوة الاعتبار الشيخ محمد بيرم الخامس المتقدم ذكره الشيخ الوزير ابن أبي الضياف.
"ولما التف عليه إغمار العامة في الجهة الغربية، أي على علي بن غذاهم، أبرم العقد معهم.
على أن القصد بهذا الاجتماع هو الاستعفاء من هذا الأداء الثقيل الذي لا قدرة عليه.
وإذا عصبنا عليه بالقتال تكون يدنا في المدافعة عن النفس والمال والحريم يداً واحدة.
ولا يتعرض منا أحد لنهب أموال الناس بالحرابة ومن تعرض تكون يدنا عليه أحدة لن كلامنا مع الدولة، وإخواننا المسلمين يعذروننا.
فإذا تعرضنا لأخذ أموال الناس صرنا حرباً على الله تعالى وعلى السلطان ولا يعذرنا أحد بل تتوفر الدواعي على قتالنا والله معهم".
أجمل صاحب الإتحاف مبادئ ثورة ابن غذاهم في أنها محصورة في الامتناع من دفع الضريبة المضاعفة.
تحقيق حول ثورة ابن غذاهم وما دار حولها
إن هذه الثورة مقصورة على غرب البلاد بقيادة علي بن محمد بن غذاهم وإنما هي عامة شملت البلاد كلها فعلاوة على غربها هناك عمل سوسة، وعمل القيروان، وعمل صفاقس، وعمل الأعراض.
لكنها كانت في هذه العمال غير مسيرة مثل ما هي في ناحية ابن غذاهم بل هي مقودة بقيادة فوضوية.
стр. 121
ولولا تداخل بعض أهل العلم والصلاح لانتهى أمر الدولة الحسينية لا أمر الدولة الصادقية مع ما انضم إلى ذلك من دهاء بعض الوزراء وبعض رجال الحكومة حينذاك فإنهم أنقذوا الدولة من الانهيار.
وتحقيق النظر في هذه الثورة العارمة يحتاج إلى كتاب خاص، وإنما نقتصر في هذا الملحق على بيان مواقف ثلاثة من المؤرخين التونسيين وهم: الشيخ السنوسي في مسامرات الظريف.
والشيخ محمد بيرم الخامس في صفوة الاعتبار.
والشيخ الوزير ابن أبي الضياف.
إن موقف الأول من هذه الثورة موقف تزلف وتدل على الحط من أحد رجالها وهو علي بن محمد بن غذاهم حيث وصفه بما انتقدناه عليه.
فهو لم ينظر لها نظرة تاريخية، بل نظر إليها بغير منظار المؤرخ النزيه ولولا أن الواقف على كتابه الذي أخرجته للطبع يغتر بكرمه ما كنت أتوسع في الكلام على هذه الثورة.
وثاني المؤرخين الثلاثة هو الشيخ محمد بيرم الخامس قد كانت له إحن في نفسه على الوزير مصطفى خزنه دار حيث أدمج في أسباب الثورة أنها ترمي إلى المطالبة بعزل خزنه دار.
(وحاصل مطالب الجميع إبطال الداء الجديد وعزل الوزير مصطفى خزنه دار ومحاسبته، فامتنع الوالي أولاً من جميع مطالبهم فاشتد الكرب على الحكومة) .
وأكد هذا بما نسبه إلى الوزير خزنه دار.
ومن وقتئذ أيدي العدوان على الأهالي بسلب الأموال، والقتل والضرب بالسياط المؤدي إلى القتل لأن الوزير اشتد حنقه عليهم حتى انه دخل عليه أحد الأعيان يوماً وهو يقول: طلبوا دمي أرضى إلا بدمائهم، طلبوا مالي فلا أرضى إلا بأموالهم.
لعل مراده بطلب دمه هو طلب عزله، وقد اعتادوا في بعض الوزراء السابقين قتلهم فظن أن العزل يؤدي للقتل وإلا فنفس قتله لم يطلبه أحد.
أما المال فنعم فقد طلبوا حسابه.
أدمج صاحبة صفوة الاعتبار عزل الوزير مصطفى خزنه دار في مطالب الثورة مع أنه لم يأت بدليل يدل على ذلك إلا ما أخبره به أحد الأعيان الذي قال له إنهم طلبوا دمي أرضى إلا بدمائهم.
وثالث المؤرخين وهو أولهم في كتابة التاريخ التونسي وأقعدهم في كتبته الشيخ الوزير ابن أبي الضياف وهو أشد المؤرخين تحرياً في كتابة التاريخ فتاريخه مدعم بالوثائق التاريخية التي توقفك على عين الحقيقة.
وعين الحقيقة في هذه الثورة العارمة أنها مقصورة على طلب إلغاء الأداء الجديد دون التعرض لعزل مصطفى خزنه دار.
وقد وضح هذا صاحب الإتحاف أتم توضيح فيما كتبه قبل صاحب صفوة الاعتبار.
فبين أن قنصل فرنسا شارل دوبوفال (Charles de Beauval) اغتنم هذه الفرصة للتداخل في أمر الولاية وأحكامها فأتى إلى البي يوم الجمعة ٢٣ من ذي القعدة (٢٩ أفريل ١٨٦٤) ومع أمير الأسطول الفرنسي والقائم مقام (كنبنو) الذي كان من معلمي الجند التونسي وتخلى عن ذلك.
وحين دخولهم على الأمير وجدوا معه مصطفى خزنه دار فطلبوا منه إخراجه فتشدد الباي في ذلك.
وابتدأت المحاورة بين الأمير والوفد الفرنسي الذي طلب إبطال عهد الأمان فبين له الأمير انه أعطى عهده على إتمام عهد الأمان وأن أخاه هو الذي أعطى ذلك.
ثم طلب الوفد تبديل المأمورين في الخدم السياسية فأجاب الباي بأن ذلك غير ممكن في وقت هذه الثورة لأن ذلك يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
وطال الجدال بين الأمير ومحدثيه من الفرنسيين في شأن تبديل الوزراء وفي طالعتهم مصطفى خزنه دار.
وفي هذا المجلس أساء القائم مقام (كنبنو) إساءة لا تحتمل حتى أن القنصل الفرنسي أسكته ولما بلغ الأمر مبلغه من الإهانة مرض الأمير.
ثم إن الأمير جمع رجال الدولة من وزراء وغيرهم وأخبرهم انه لا يتنازل في شان تبديل الوزراء فقال وزير مصطفى خزنه دار أنا أسلم وأصر على تسليمه الوزير خير الدين وهو مصطفى خزنه دار نفسه.
لكن تغلب الرأي الذاهب إلى عدم الرضوخ إلى مطلب القنصل الفرنسي لأن فيه تدخلاً في الشؤون التونسية وذلك مفض إلى أن تصبح تونس محكومة من طرف القنصل الفرنسي.
ولم يكتف التدخل الفرنسي بعزل الوزراء بما أرادوه من إرغام الأمير عليه فأضيف إلى ذلك مكاتيب مرسلة إلى العروش التونسية ومن نماذجها ما نقتطفه من بعضها.
стр. 122
(يا أيها العروش أعلموا أن الدولة أرسلت لكم مشايخ الطريقة وذكروا لكم أن الفرنسيس غادرون بكم ومرادنا اخذ بلادكم ونحن بالعكس من ذلك وإنما مرادنا إصلاح أحوالكم ورفع المظالم عنكم وإجراء الحق على كل أحد ولكن سوف ترون ما يحل لكم من أولئك الناس وتقفون على كلامنا لأن المشايخ توسطوا بينكم وبين الدولة وباعوا ضمائرهم بثمن قليل.
وما دام الوزراء الموجودون في باردو فإنكم لا تتخلصون من الضرائب أي التي أثقلت كاهلكم والتي ثرتم من أجلها.
وما داموا لا أمان ينالكم لا في أبدانكم وزلا في أرزاقكم.
وستقفون على أحقية كلامنا، وعما قريب يظهر لكم من هو على الصواب) .
وهذا المكتوب نقلناه مع تحرير جزئي لإرجاعه عربياً سليماً نوعاً ما.
ويقول صاحب الإتحاف: وهذا المكتوب لا تاريخ فيه، ولا إمضاء، ولا طبع خاتم.
ومنه نسخ عديدة بيد بعض العربان، وخطه مغربي جميل يشبه خط بعض الأعيان من تجار الفرنسيس تعلم الخط العربي بتونس وبرع فيه، وكان هذا المكتوب إنذاراً بما وقع بعد ذلك من الشدائد والأهوال.
يتهم الشيخ الوزير ابن أبي الضياف القنصلية الفرنسية بذلك مستنداً على أن الخط فرنسي فلا بد أن مصدره منها.
ويؤيد هذا الرأي أن إنشاءه إنشاء قريب من العامية فهو محرر من بعض الفرنسيين الذين درسوا اللغة العربية ولم يتمكنوا منها فتغلب عليهم العامية إذ لا بفرقون بين الفصيح والعامي.
وكما كاتب الفرنسيون العروش كتبوا إلى زعيم الثورة في المنطقة الغربية علي بن غذاهم.
ونقتطف منه نقطاً على أن الفرنسيين بتونس مرماهم استغلال ثورة علي بن غذاهم.
جاء في طالعة الكتاب.
إلى الأعز الأكمل العالم الأمثل علي بن محمد بن غذاهم أكرمه الله آمين.
ثم فيه تذكير بثلاث رسائل أرسلوها إليه فلن تقع الإجابة من ابن غذاهم.
وفي الرسالة اتهام تركيا بأنها أرسلت بجيش لقتال العروش فوقع رده من قبل الفرنسيين دفاعاً عن المظلومين.
وختمت هذه الرسالة بهذه الفقرة: (ورأس سلطان فرنسا إذا بقي الخزنه دار في بلادكم يهلككم على بكرة أبيكم) .
وهذه مرسلة على حسب ما جاء فيها من القنصل العام لفرنسا، ومن الأميرال والكرونيل الفرنسي أي الذي كان بتونس معلماً للجيش التونسي.
إن الدلائل القاطعة تشهد إلى أن المطالبة بعزل الوزير إنما هي مطالبة فرنسية ترمي إلى التدخل السافر في سياسة تونس.
واستدل صاحب الإتحاف بأن الثورة لم تقم من أجل عزل الوزير بما جاء من المكاتيب من رئيس المتحزبين علي بن غذاهم إلى الشيخ أحمد بن حسين رئيس المفتين في استشارته في القدوم إلى تونس للمفاهمة مع الأمير من أجل دفع الشدة وما دار في شان ذلك القدوم.
يستنتج صاحب الإتحاف ما يلي: (فانظر إلى هذه المكاتيب من رئيس المتحزبين إلى الشيخ الذي اعتمده واسطة، والحادثة في عنفوان شبابها والسيوف مصلتة، وقدور الحرب في سائر الجهات تغلي، هل عرج فيها على عزل وزير، أو كره قانون، أو مجالس، أو ما يومئ إلى البغي، أو غير ذلك مما دار في برزخ هذه الإيالة دوران الرياح.
ولم ينط مطلبه إلا بالتخفيف، وهو من قواعد عهد الأمان التي عليها مدار القانون) .
كيف خمدت الثورة
لم تكن الثورة ثورة قاصرة على جهة من الجهات، وإنما هي عامة إلا في العاصمة فقط، مع أن الجند لم يقم فيها بل امتنع من إخمادها مع أنها لم تصنع شيئاً، وآلت في آخر أمرها إلى الفشل وتتبع بعض المثيرين أمرها حتى نالهم الانتقام من احمد زروق.
ويتضح من أمرها أن إخمادها يعود إلى سبب قوي غير الجند.
والسبب القوي في إخمادها هو أن الشيوخ لم يكونوا راضين عن الثورة بل كانوا مهدئين للعامة من الانسياق في الفتنة وإضرام نارها.
وأبلى البلاء الحسن في إخماد هذه الفتنة التي أرادت فرنسا استغلالها لوضع يدها على تونس الشيخ الصالح مصطفى بن عزوز (١٢٨٢) وهو الذي بث الطريقة الرحمانية في العروش الغربية.
стр. 123
وإلى موقفه الذي حسم به الفتنة أشار صاحب الإتحاف ونحن ننقله ليتضح للعيان أن العلماء الصلحاء كانت لهم يد لا تنسى في الإبقاء على رمق الدولة فلولاهم لذهب العلم الإسلامي بتشتت عقد الأمة لأن الفتنة لا تأتي إلا بشر وبيل، وعسى أن يعرف المتحاملون على أهل العلم الإسلامي والصلاح انهم مخطئون في إساءة ظنهم بالعلماء وتحميلهم وزراً هم برآء منه.
وإلى هذا الموقف المشرف أشار المذمور: (ولم يزل الحال في اضطراب وشدة إلى أن قدم من الجريد بركة القطر المشار إليه بالبنان، المتدرج في مقامات العرفان، الولي السالك المحب لعباد الله، شيخ الطريقة الرحمانية أو النخبة مصطفى بن عزوز واجتمع بعلي بن غذاهم ووجوه جموعه وقد مسهم الملل بعد أن اخذ لهم الأمان من الباي واستوثق منه بالعهود والإيمان وقرأ للباي قوله تعالى: (يوجد آية) (٩١) النحل.
ثم قال الشيخ مصفى بن عزوز لجماعة علي بن غذاهم، لا جواب لكم عند الله على إراقة دماء المسلمين وقد أعطاكم الباي الأمان على يد أمير المحلة وخفف عنكم اكثر مما يظن، إلى غير ذلك مما تفضل به عليكم خشية إراقة الدماء,.
وقال لعلي بن غذاهم: (أنت لست بقائم تطلب ملكاً، وزعمت انك جامع عصابة شاكية لكف عادية جهالها، وقد زال السبب فلا بد يزول المسبب وقد عطلتم الناس على السعي في ابتغاء رزقهم) .
فانتدب ابن غذاهم وتأخر.
فأتاه فرج بن دحر وقال له أي لعلي بن غذاهم: نحن في ربط واحد ما كان ينبغي لك أن تحله وحدك ولنا مع سيدي مصطفى بن عزوز موقف بين يدي الله.
وعلى كل حال فقد حاق بنا الغدر، وسترى أنت من معك عاقبة ما فرحتم به من الأمان إلى غير ذلك وفي بعض القلوب عيون.
وحضر مع الشيخ مصطفى بن عزوز أعيان من تلاميذه وغيرهم كأبي العباس أحمد ابن الشيخ الولي عبد الملك الحمادي وأبي عبد الله محمد الصالح، والشيخ المسن الحاج مبارك صاحب الزاوية بتالة، وسيأتي له خبر، وحضر لذلك الشيخ البركة أبو العباس أحمد بن عبد الوارث وكفى الله المؤمنين القتال على يد هذا الشيخ ومن معه من هؤلاء الفضلاء جزاهم الله جزاء من أتعب نفسه في إصلاح ذات البين وحقن دماء المسلمين فالأعمال منوطة بالظاهر، والله يتولى السرائر، والمرء مجزي بعمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وأسقط الباي ما أجحف من الإعانة بل صيرها عشر ريالات فقط وأسقط من العشر، وترك الأداء على ما يباع في غير الأسواق وأجابهم إلى مطالب أخرى الله أعلم هل طلبوها، أو قيلت أو تقولت عليهم فسمعوها، أضربنا عن ذكرها لمنافاتها قضايا العقول، وكل ما نافاها يعد نقله مجازفة وقد تقدم ذلك وإلى الله تصير الأمور) .
(الإتحاف ج?٥ ص١٦٨ وص١٦٩) .
وكما للشيخ مصطفى بن عزوز موقف كذلك كان للشيخ العلامة رئيس الإفتاء أحمد بن حسين في العمل بالمكاتبة على أثناء رأي ابن غذاهم عن القدوم إلى تونس لنه لو قدم لاشتعلت الفتنة في العاصمة فإنه ثنى عزمه عن ذلك، وبه بقيت العاصمة بعيدة عن الفتنة.
ويظهر أن موقف أهل العلم في تونس كان في صالح هذه البلاد، وإبقائها محافظة على كيانها دون إدخال ما يؤول بها إلى فتن تموج موج البحر.
والمواقف الرصينة هي التي حافظت على هذا الجامع جامع الزيتونة نبراساً يشع بالعلوم الدينية وهادياً للتي هي أقوم.
? الاتزان التاريخي
يعبر كلام صاحب الإتحاف في هذه الثورة التونسية العارمة بأن الشيخ الوزير ابن أبي الضياف يحمل على السياسة التونسية في مواقف كثيرة ويحملها وزراً ثقيلاً، ويظهر المصلح من غيره في مواقف عديدة.
ومع مواقفه لا يرى أن في ثورة علي بن غذاهم إنقاذاً للموقف لذلك شكر وأطنب في مدح الشيخ البركة الصالح المصطفى بن عزوز حيث حقن دماء المسلمين وكفى الله بتداخله المؤمنين القتال.
وحقاً رأى لأن رأس الثورة لم تكن له المؤهلات التي تؤهله لتسلم دولة لأنه كما عرفه صاحب الإتحاف ذو معرفة جزئية.
ومع انه حمد فعل العاملين لحقن دماء المسلمين انتقد الشدة التي عومل بها الكثير بعد إخماد اللهيب.
ودعا غلى الرفق الذي لا يقتضي الحال غيره حتى لا يلتجئ المظلومون إلى الاحتماء برعايا الدولة الوافدين على المملكة.
стр. 124
فالواقع يدعو إلى الرفق لا إلى ضده كما وقع لأكثر أهل المملكة بعد خمود لهيب الفتنة من الشدة والعسف والانتقام، وسلب النعمة غلى غير ذلك مما نفر القلوب المرضى.
ولله در القائل: [الكامل]
أحذر منافرة القلوب فإنها ... ورجوعها للود أمر يعسر
إن القلوب إذا تنافر ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبر
وقد تنبأ لدولة الأمير الصادق بالاضمحلال واستكانت الإيالة المسكينة ولسان حالها يقول: (للباطل جولة ثم يضمحل) .
ملحق (٤)
الكومسيون المالي
الكومسيون المالي اجمل الحديث عنه صاحب المسامرات مع انه أحدث لإنقاذ البلاد من الإفلاس لأن الحال بلغت أقصى التدلي مما يعقبه الإفلاس للدولة.
وقد تحدث عنه حديث عارف به الشيخ بيرم الخامس مبيناً أن الوزير خير الدين حين رئاسته للكومسيون بدأت تظهر إصلاحاته وتمكن من الإصلاح بسبب أنه لم يقبل رئاسة الكومسيون إلا بعد أن اشترط شروطاً.
فإنه لما شددت الجانب في طلب أموالهم وأنشئ الكومسيون المالي باتفاق الدول دعاه الوالي إلى رئاسته فامتنع وبعد إلحاح ورد وبعد توثقة من الوزير مصطفى خزندار قبل رئاسة الكومسيون المالي.
ويثبت الشيخ بيرم الخامس أنه منذ سنة ١٢٨٦ كل ما هو من التصرفات هو للوزير خير الدين وشرح كيف أن الوزير خير الدين أدار كفة الكومسيون المالي.
(وذلك أن الوزير مصطفى خزندار عطل أموره مما أدي إلى تشكي قناصل الدول الممثلة في الكومسيون المالي وهي فرنسا وإيطاليا وإنكلترا فراجع الوزير خير الدين الوالي وطلب منه الإعانة على المهمة الشاقة التي أنيطت به فأمضى الوالي مطلب الكومسيون ولأجل إعطاء الكومسيون المالي نفوذاً يحفظ حقوق الحكومة مع أن الكومسيون المالي يتصل برغبته، وذلك في توظيف رئيس الكومسيون بوظيفة وزير للوالي في رتبة الوزير، الكبر، وتنقل خدمة الكومسيون إلى الوزارة ويكون مصدر جميع الأعمال واحداً) .
وقد بسط القول في ذلك في (ج?٢ ص٥٣ من صفوة الاعتبار) .
وكذلك تعرض له صاحب الإتحاف في (ج?٦ من ص١١٩ وما بعدها من إتحاف أهل الزمان) فذكر نص قانون الكومسيون المالي، وهو في أثني عشر فصلاً.
وكان ختمه بسراية الوادي في ٢٦ من ربيع الأول سنة ١٢٨٦ (٦ جويلية سنة ١٨٦٩) .
وأتبع ذكر القانون بالأوامر الصادرة في تعيين رئيسه وتعيين أعضائه.
وحديث ابن أبي الضايف عن الكومسيون كان مقتضياً لنه كما ذكر بقلمه أدركه الضعف.
? إبطال الكومسيون
تناولت الإدارة الفرنسية بعد الحماية أشياء متعددة بالنسخ، منها إبطال الكومسيون المالي.
وجاء إبطاله في العدد ٤٩ من جريدة الرائد الرسمي المؤرخ في ١٣ ذي الحجة سنة ١٣٠١.
افتتح هذا الأمر بمخاطبة الوزير الأكبر محمد العزيز بوعتور بأن الأمير أمر بما يأتي: الفصل الأول: أبطلنا بعد اليوم ١٢ من أكتوبر الإفرنجي سنة ١٨٨٤ مسيحية الكومسيون المالي الذي أحدث بالأمر العلي المؤرخ في ٢٦ ربيع الأنور سنة ١٢٨٦ الموافق ليوم ٥ جويلية من يولية الإفرنجي سنة ١٨٦٩.
وكذلك مجلس المداخيل المعطاة للدين الواقع ترتيبه عملاً بالتأويل المنعقد في ٢٣ مارس سنة ١٨٧٠ ما عدا ما يتضمنه الفصل الرابع الآتي: وبموجب ذلك على مجلس الإدارة المذكورة أن يسلم خدمته يوم ١٢ من أكتوبر المذكور مساء لإدارة القمارق ولإدارة الإداءات المختلفة ولقابض الدولة العام بالحاضرة وبالجهات الأخرى التي له فيها نواب.
وبناءً على ذلك فإن الموجود تحت يد المجلس المذكور من المبالغ دون كاغد التانبر، ومن الرهونات التي دفعها نوابه، واللزامة تدفع لقابض الدولة العام محلات بلدان العمالة الأخرى إن كانت المبالغ والرهونات المذكورة من علائق البلدان الأخرى.
وأما الكاغد التانبر الموجود بالحاضرة فإنه يدفع لقابض عموم الأداءات المختلفة وأن كان بغير الحاضرة فإنه يدفع لنواب الكمرك عند تسليم المبالغ والرهونات المتقدم ذكرها لهم.
ويشتمل هذا الإبطال على ثلاثة عشر فصلاً من أهمها الفصل الخامس: إدارة المال تتولى استخلاص جميع مداخيل المملكة كما أن جميع المشارعات التي يقتضيها الحال يباشرها مدير المال بدولتنا أو من ينوبه فيها.
стр. 125
وإنما وقع في هذا الفصل أن إدارة المال تتولى استخلاص جميع مداخيل المملكة لأن الميزانية التونسية كانت منقسمة بين الدولة وبين الكومسيون المالي.
ومن أهم فصوله الفصل الثامن: ولاية مدير المال تصدر منا مباشرة بمقتضى طلب سفير دولة فرنسا المقيم بحاضرتنا.
وتصدر أوامر أيضاً بطلب من مدير المال لدولتنا في ولاية كل من كاهية مدير المال ومدير الداءات المختلفة، والكمارك ورؤساء الأقسام والكتابة بإدارة المال، وكذلك منفقدو الإدارة المذكورة والخدمات المالية وقابض الدولة العام، والمترجم الأول بإدارة المال، وقابض عموم الأداءات المختلفة وقابض عموم الكمارك ووكيل أملاك الدولة والمكلف بالغابة وناظر دار السكة ووكيل الرابطة.
والفصل التاسع: أعطى هذا الفصل الصلاحية لمدير المال في بقية المستخدمين.
والأمر الصادر بإبطال الكومسيون المالي انتزع كل الاختصاصات المالية من أيدي التونسيين وجعلها في يد مدير المال الفرنسي.
وقد أصبحت هذه الإدارة بعد برهة غدارة فرنسية تتصرف في حظوظ البلاد المالية.
ملحق (٥)
المجلس الشوري
المجلس الشوري المتحدث عنه بالمدح وإطناب الشكر من المؤلف حتى عده من اعظم مآثر هذا الأمير الفائز بالسبق على سائر الأمجاد قلب فيه المؤلف الحقيقة رأساً على عقب.
وكان من حقه أن يأتي بالقبضة على وجهها الصحيح، فإن لهذا المجلس قضية تعد من أهم القضايا التونسية أبلى فيها أهل المجلس الشرعي وبالأخص القاضي المالكي البلاء السن.
وتفصيل هذه القضية حسبما ذكره المطلع عليها الشيخ محمد بيرم الخامس ونصه: "ومنها أن أحد الأغنياء من الأهالي توظف في الحكومة المسمى بمحمد عريف توفي ﵀ عن غير ولد وكانت له بنات من ابنه فأوقف كسبه عليهن وعلى من يتزايد له، وبعد وفاته وضعت زوجه حملها فكان ولداً ذكراً ثم توفي في إثر ذلك.
وقد كان القاضي، وهو القاضي الجد محمد الطاهر النيفر الذي تولى القضاء من سنة ١٢٩٠ إلى سنة ١٣١١ جعل وصياً على البنات وحفظ الوقف والمنقول، فطلب التابع أن ينقل حكم النازلة من الشريعة إلى الوزارة على خلاف الديانة والعادة من تحكيم الشرع في المواريث والأوقاف.
وأرسل الوزير وهو مصطفى بن إسماعيل مكتوباً بأن يسلم رسوم الوقف إلى كاتبين أحدهما من خواص الوزير والثاني من الوزارة مع الوعد في المكتوب بأن الوزارة بعد الإطلاع على الحجج ترجعها وكان المتسلم لها أبا الزوجة وهو وكيلها مع أحد الكاتبين.
فطال الزمن أي زمن تسلم الرسوم من الوزارة فلم ترجعها حسب الوعد، وأبلغ الوصي إلى القاضي التخوف على الرسوم إذ شاع أنها سيقع فيها تغيير فأرسل إلى أبي الزوجة وإلى الكاتب اللذين اسلما الرسوم بطلب إرجاع الرسوم فأبيا فأحضرهما فامتنعا، فسجن أبا الزوجة حيث إنه المتسلم وأخبر بأن الرسوم بعلو في داخل المحكمة الشرعية هو محل اشتغال الكاتب المذكور حيث كان من شهود الأوقاف وذلك العلو هو مكان اجتماعهم فبعد أن ألح القاضي على الكاتب وامتناعه أمر بأن يمنع من دخول العلو خشية إخراج الرسوم منه وبقي القاضي بمحل حكمه على الهيبة الشرعية حسبما سبق التعريف بذلك من كون أهل الشرع بتونس لهم من التعظيم والتوقير قريباً مما كان عليه الحال في الأعصر المعظمة للديانة وشعائرها.
فما كان غير بعيد إلا وعلي بالزي المذكور قام فضرب باب العلو برجله وكسر قفله وأمر الكاتب بالصعود وإخراج الرسوم، وأخرج المسجون وأمره بالذهاب حيث شاء، وقدم على القاضي وباشره بما لا يناسب ذكره، وفشا الخبر وعظم الأمر عند العلماء والعامة إلى درجة لم تعهد، فأبطلت الدروس من الجامع الأعظم، وأغلقت دار الشريعة وكثر اللغط وسرى إلى خارج الحاضرة.
وأبلغ أمر النازلة إلى الوزير ابن إسماعيل فأراد أن يهون النازلة بمنع تابعه من القدوم إلى تونس وأرسل معلماً إلى القاضي بأنه سجنه فلم يلتفت لذلك العلماء وتقدم الشيخ احمد بن الخوجة شيخ الإسلام وجمع العلماء مراراً واظهر أشد الانتصار للشرع وكتب جميع المجلس الشرعي مكتوباً وأرسلوه إلى الوالي قصداً بلا واسطة الوزير على خلاف المعتاد وقدم به رسولهم على الوالي في مجلس الشريعة لأن رئيسهم تقرب إليه الوزير سراً فانحط حرصه وتوجهت أطماع البعض إلى المسابقة لإرضاء الوزير فأجابوه بنعم.
стр. 126
ثم جمع الوالي وزراءه وأعلمهم متأسفاً من مطلب أهل الشريعة بأنه يريد أن يجعل مجلساً مركباً منهم أي من الوزراء ورؤساء الإدارة دون غيرهم من الأهالي للنظر في المصالح وجريان السياسة، فأجابوه بأن ما يظهر له حسن فهو حسن.
وكان هذا الجمع من الوزراء والمستشارين مشتملاً على جميعهم حتى أن الوزير حسيناً كان إذ ذاك قدم من إيطاليا لمصالح في مأموريته فصادف الواقعة، وكان ممن وافق الوالي على رأيه في جعل المحتسب والمحتسب عليه واحداً خلافاً للمعقول، ولما يعلم من طبعه من لزوم الاحتساب الحقيقي على تصرف المأمورين بثقاب من الأهالي إلى غير ذلك من أوجه العدل ومع هاته الموافقة فلم يسلم من القدح.
ثم إن الوالي أرسل لأهل الشريعة يعلمهم بأنه أشأ مجلساً مؤلفاً من عشرة أعضاء تحت رئاسة الوزير ابن إسماعيل، وأعضاؤه: الوزراء والمستشارون وبعض رؤساء الإدارة ولما بلغ لأهل الشريعة ذلك قالوا ليس قصدنا المتوظفين لنهم دائماً تحت الأمر، ولا خبرة لهم بما في أطراف القطر، وإنما المراد أن يكون المجلس من الموظفين والعلماء وأعيان من البلاد والعربان، ولا أقل أن يكون عددهم ثلاثين عضواً وأنهم لا يقصدون إلا مصلحة البلاد لأنهم ليس لهم غرض إلا هناء القطر وهناء الوالي، وقيل غن قنصل فرنسا صرح بأنه لا يعترف بالمجلس وانه أراد الوالي الاستعانة بعساكره لردع الطالبين فهو حاضر له حيث إن طريقة الوزير هي التي تبلغه إلى قصده كما ذكرناه في محله، ثم لما بلغ الوالي جواب العلماء أرسل إليهم بأنه يزيد اثنين من رؤساء الموظفين وان هذا المجلس ينظر فيما يقتضيه الحال من الكيفية ويجري العمل به، وكان في أثناء بلا مستند، فرضي عمدتهم بذلك، وكان سبباً في تمكن الفيض على الأجنبي بلا مستند، فرضي عمدتهم بذلك، وكان سبباً في تمكن الفيض على من زيد حيث انتهى رضا المقترحين عند ذلك وصرح الوالي بما يشف عن ذلك والله المطلع على السرائر، ثم جعل هذا المجلس في نفس الأمر إذ اجتمع يعرض عليه ما يريد الوزير والأغلب أن يكون المعروض هو بعض النوازل التي تعرض بقلة ولما كان أغلب الأعضاء يسايرون الوزير لم يظهر لوجوده من أثر غذ لا يتداخل في نصب ولا في عزل ولا سيرة عامل أو رشا، وشاهد ذلك الخارج فإنه لم يمض عليه شهران حتى وردت الرسل على شيخ الإسلام بأن يتشفع في الجاني على الشرع فلم يوافق جهرة بل أظهر زيادة الامتناع ثم سودت سراً بطاقة إلى المنفي ليكتب على نمطها مكتوباً لأهل المجلس الشرعي ولما ورد مكتوبه على نحوها إلى الوالي مستشفعين بعد أن امتنع بعضهم وقيل عندما سمع بذلك ليت شعري ما هو وجه كتبهم مع علمهم بالحقائق".
ومنها أنه شرع الوزير إثر ما تقدم في بناء دار شيخ الإسلام المذكور بتونس وكذلك داره بجيل المنار وكثر تردد تابعه الجاني المذكور عليه حتى نشأ عنه قيل وقال (صفوة الاعتبار ج?٢ من ص١١٠ إلى ص١١٣) .
ومن الذين امتنعوا الشيخ القاضي المالكي حتى هدد بالإعدام كما جاء في بعض المذكرات لأحد أتباع الوزير مصطفى بن إسماعيل.
وهذه الحركة التي قام بها المجلس الشرعي هي أول حركة نبعت من الزيتونة لإصلاح الوضع ولإقامة نظام برلماني تتمثل فيه الأمة أتم تمثيل، فهي حركة القصد منها إعادة نظام عهد الأمان الذي ألغي بسبب ثورة علي بن غذاهم، وقوى النفوس أن الوزير خير الدين الوزير المصلح كان صدراً أعظم فوجده في صدارة الدولة العثمانية كان في حسبانهم أنه يؤيد حركتهم النابعة من رجال الشرع.
والباعث ليس اعتداء على القاضي المالكي الشيخ محمد الطاهر النيفر لما أراد إجراء الحق وإنما كانت النفوس ملأى بالحنق من أجل تصرفات الوزير مصطفى بن إسماعيل تلك التصرفات الشاذة التي ذكر الكثير منها صاحب صفوة الاعتبار، فرجال المجلس الشرعي أرادوا أن يعبروا عن رغبة الأمة في إنهاء الأعمال التعسفية التي قام بها الوزير مصطفى بن إسماعيل وأتباعه.
ولولا ألاعيب هذا الوزير بالاغراءات التي أنساق البعض القليل من رجال المجلس الشرعي إليها لكان لهذه الحركة أثرها في إنقاذ الأمة التونسية.
وما المجلس الشوري الذي نوه به صاحب مسامرات الظريف إلا ذر للرماد في العيون.
والعجب من الوزير حسين مستشار المعارف كيف وافق على هذا المجلس حتى كان أحد أعضائه فانتقاد صاحب صفوة الاعتبار عليه انتقاد وجيه.
стр. 127
ملحق (٦)
تتمة للمقدمة
تتضمن تاريخ تونس (من ١٢٩٧ إلى ١٣٧٦ هـ?) (من ١٨٧٩ إلى ١٩٥٧ م) أنهى المؤلف كتابة القسم السياسي من تاريخه المسامرات بفاتحة سنة ١٢٩٧ وهي التي قدم فيها وفد من أعيان التونسيين إلى المشير الثالث محمد الصادق ووزيره مصطفة بن إسماعيل مصحفين مرصعين.
وهذا الوفد مدسوس إليه في تقديم ذلك لإظهار رضا الأمة بوزارة مصطفى ابن إسماعيل تلك الوزارة التي عاثت في البلاد فساداً، خصوصاً بعد الحادثة الشهيرة وهي التي أثارها القاضي المالكي المرحوم محمد الطاهر بن محمد النيفر بسبب تجزؤ علالة بالزي أحد اتباع الوزير المذكور على المحكمة الشرعية.
وهذه القضية طواها المؤلف مع أنها سابقة حدثت في سنة (١٢٩٦) .
وقد بسطنا الكلام على هذا المجلس الذي أطنب المؤلف في مدحه (المتحدث عنه في الملحق الخامس) مع انه لم يرض أهل المجلس الشرعي إذ طالبوا بمجلس يضم نخبة تمثل الأمة.
إن وزارة مصطفى بن إسماعيل كانت من الأسباب المعجلة للحماية الفرنسية لأن الوزير المذكور ليست له الكفاءة المؤهلة للوزارة إذ هو خلو من التعليم حتى من التعليم الجزئي مع ما فيه من تكالب على المال ثم إن بطانته كانت بطانة سوء منهومة على المال بالأوجه غير المشروعة.
وزاد في تعكير الجو أن هناك دولتين كانتا تسعيان لاحتلال تونس أو تقوية النفوذ فيها لإحداهما دون الأخرى التي تزاحمها.
ونتج عن ذلك إعلان الحماية الفرنسية على تونس في (١٤ جمادى الأولى ١٢٩٨) وفي (١٤ ماي ١٨٨١) .
وقد أرخ هذه الفترة الشيخ محمد بيرم الخامس مذيلاً بها كتابه صفوة الاعتبار وهذا لم يطبع بما ننشره كما جاء منقولاً عنه: الحمد لله تعالى: هذا الذيل الذي نبه عليه الشيخ بيرم في الباب الثاني من كتابه صفوة الاعتبار عند الكلام على سياسة تونس الداخلية والخارجية، قال:
ذيل في تسلط فرنسا على تونس
قد مر في المطلب الثامن من أحوال الإدارة الداخلية في تونس حالة وزارة وزيرها مصطفى بن إسماعيل وتصرفاته وما وقع في نازلة صانسي الفرنساوي التي كانت سبباً في خوف هذا الوزير من القنصل وروم أن تبدله دولته.
وتقدم أيضاً ما هي مقاصد فرنسا في تونس وأنها تروم نيل الدرجة العليا فيها ولما رأت سيرة الوزير المذكور لم تأمن وقوع ارتباكات مغايرة لما كانت راضية بالبقاء عليه وخشيت ضياع الفرصة من سهولة التوصل على يد ذلك الوزير إلى ما لم يمكن التوصل به على يد غيره من ذوي العرض والعقل.
فلذلك بينما كانت مساع جارية في إبدال القنصل وإذا بالسعاية إليه قد غيرت مشربه حتى طمع في ولاية العهد بأن يتولى هو الإمارة بعد سيده الوالي الحالي الصداق باشا إذا أتم إدخال تونس طوعاً تحت فرنسا، فراكن حينئذ قنصلها وأحكم معه المودة، وصارت بطانة الوزير تأتي إليه معلمة بجميع أسرار الحكومة وسائر تصرفاتها.
وأضمر ابن إسماعيل الشر لمن كان أوعز إليه بأن يتشكى من القنصل إلى دولته ثم تفطن بذلك التواطؤ السري ونصحه بأنه لا ينتج له شيئاً وعلى فرض الوفاء له بالوعد فإنه لا يلبث أن يناله ما نال الوزير العلقمي في انقراض دولة بني العباس من بغداد.
واتفق ذلك الوزير مع القنصل على شروط إدخال تونس تحت فرنسا، غير أن الوالي لم يساعف على لائحة تلك الشروط التي قدمت إليه سراً بواسطة الوزير، وخشي من الدول ومن الأهالي في البغي منه على الدولة العثمانية وفي تغيير حالة السياسة.
стр. 128
وجعل الوالي يسوف العقد من وقت إلى آخر وجعل الوزير يسعى في إحداث وجه لتداخل فرنسا وإنقاذها أمرها، فأكثر من الرسل السرية غلى الآستانة متطلباً أن يدعى هو إليها رسمياً أو يرسل بعض الأسطول العثماني إلى مرسى تونس مع إظهار زيادة التشيع إلى الدولة العثمانية حتى لا يتفطن إلى مساعيه الباطنية، فلم يساعف من السلطان في مطلبه غذ لم يكن له من داع، كما انه لم تفد في الدولة العثمانية الإيقاظات غلى دسائسه وعزمه حتى تسعى في سعة لدفع الغوائل المتوقعة إذ من المعلوم أن التدخل السياسي هو كالمرض المزمن الذي لا ينجح فيه العلاج غلا تدريجياً عند أول حدوثه سيما إذا كانت الدولة المعالجة محتاجة غلى استمالة غيرها من الدول القوية غلى معاضدتها على قرنها القوي، ومع ذلك أيضاً قد عكر الوزير ابن إسماعيل حالة الخلطة مع إيطاليا لعلها تعلن على تونس الحرب ومنح للفرنساويين منحاً لم يطلبوها مما يزيد في نفوذهم والشحناء معهم كما تقدم ذكره في المطلب الثامن من أحوال تونس، ولما لم تنجح جميع تلم المساعي التي كان يمكن لفرنسا الاستناد إليها في وضع حمايتها على تونس أحدثوا أقاويل في إهمال حقوق الفرنساويين، وأظهر الوزير المذكور الاستخفاف بقنصل فرنسا، ومال عنه كل الميل ظاهراً، ورام أن يظهر التعطيل في إجراء المنح التي أنالها إلى الفرنسيين بأوجه من الاعتذارات، حتى أغرت رعايا فرنسا بتونس على أن تكتب تقريراً للتشكي من ضياع حقوقهم وطلب دولتهم للانتصاف لهم، فلم يرع الأمم إلا أن فرنسا جلبت بخيلها ورجلها على حدود تونس معلنة بأن قصدها غنما هو حفظ حقوقها من جهة الحدود وغيرها واستندت في عملها لما تضمنته لائحة وزير خارجيتها إلى سفرائه.
وهذا نص تعريبها: "باريس في ٩ ماي ١٨٨١ أيها السيد أتشرف بأن نرسل لكم جملة رسائل في شأن تونس ونريد أن نحقق لكم المقصود إجمالاً ونخبركم عن سبب إرسال العساكر الآن وعن النتيجة التي نرجو إتمامها فكم من مرة قد عرفت الدولة الجمهورية بدواعيها ومقاصدها وأنتم تتذكرون ذلك خصوصاً ما صرح به السيد رئيس الوزراء في المجلس العام وهو لا يمكن أن يكون فيه أدنى شك من جده وصدقه ومع هذا فإني أريد زيادة إيضاح لكم لينفعكم لدى الدولة التي أنتم عندها فنقول إن سياسة فرنسا في تونس ليس لها إلا مقصد واحد وهو المقصد الذي يكفي لوضوح موضوع سيرتها منذ خمسين سنة نحو المملكة هو الواجب علينا لحفظ راحة مستعمرتنا العظمى الجزائرية فمن سنة ١٨٣٠ لم تأت دولة من الدول المتابعة وتركت هذه المهمة العظيمة وإنا لنعمل الواجب علينا لحفظ مستعمراتنا الإفريقية التي لا يوجد أحد من أروبا انكر علينا ذلك فيها لحفظها من جار عدو كثير الأراجيف وقد كانت القبائل التونسية مخوفين ومحاربين حتى فيما بينهم، وقد فاق على الجميع قبائل وشتاتة والفراشيش وخمير ولا تعرف كمية المحاربين ولا كمية قوتهم، فلذلك التزمنا الآن أن نرسل من العساكر عشرين ألفاً وهذا مما يدل على قوتهم أي الأعداء المتحصنين في بلاد منيعة تقريباً وكان الداعي الأول لإرسال العساكر هو قهر قبائل حدودنا الشرقية ولكن لا فائدة في تقرير الأمن والراحة وأعداؤنا ما زالوا يهددوننا ونحن لا نخاف من الهجوم الكبير لباي تونس إذ كان منه وحده لكن النظر القليل في العواقب ألزمنا التحري من اتحاد الباي مع غيره، وهذه التشويشات يمكن أن يأتي لها وقت وتقلقنا كثيراً في الجزائر وتصل حتى لفرنسا، فيلزمنا بناء على ما ذكر أن يكون لنا عند الباي محبة كبيرة واتفاق قلبي ويلزمنا جار يعوضنا المحبة التي لنا عليه ولا يسمع التشويشات الخارجية لضررنا وأستحقار قوتنا الراسخة.
стр. 129
وقد وضحنا من نحو أربعين سنة بأنه يلزمنا لمحافظة فرنسا الجزائرية أن نحصل في المملكة على قاعدة راسخة ونحن نحترم بالتدقيق منافع الأجانب وهم يقدرون أن يتوسعوا بثبات مع فوائدنا، والدول يتحققون أن مقاصدنا من جهتهم لا تتغير وإلى هاته المدة الأخيرة اتحادنا مع دولة الباي المفخم مستمر إلا ما يحدث أحياناً من الاختلاف في دفع تعويضات لقبائلنا المضرورين ثم في الحين يرجع الاتحاد ويزداد ثبوتاً بعد هذه الاختلافات الصغيرة إلا هاته المدة الأخيرة يرجع الاتحاد ويزداد ثبوتاً بعد هذه الاختلافات الصغيرة إلا هاته المدة الخيرة فنه بأسباب يصعب الإطلاع عليها مذ تغير ميل الدولة التونسية علينا دفعة واحدة وكانت غذ ذاك الحرب ساكنة ثم ما زالت تزداد إلى أن وضحت وتقوت ومبناها ضد كل الامتيازات التي حصلت للفرنساويين في تونس مع شدة الإدارة الردية إلى أن وصلت إلى هذه الحال.
وهذا هو السبب الثاني لإرسال العساكر الذي كنا نود التجنب منه ولكن بسبب السيرة الردية التي طالما صبرنا عليها التزمنا بما هو واقع ولو أننا بها ضمنا للباي في المطالب الحقانية لأننا نعترف بتونس كمملكة مستقلة.
وأما الحالة في الخلطة مع الباب العالي فهي مخالطة محبة وميل طبيعي وبودنا أن لو كنا رأينا منزلة تونس في نظرة أخرى غير التي هي عليها الآن، ولكن قد بان ما يجب علينا مما ذكرناه سابقاً، وإننا نقدر أن نسبتهم من الباب إذا كان باي تونس هو والياً من قبلهم فلماذا لم يمنعوا سيرته التي فعلها نحو فرنسا منذ عامين ولماذا لم يفتشوا ليمنع التحير الذي نحن مجتهدون في حصره أن ينتهي بشروط تؤمن حدودنا من الهرج المستمر والتشويش المغري لبارود إما من غيره أو من نفسه فهذان هما المقصدان لإرسال العساكر.
ولا نخفي إذا ما نقول أن لنا في أوربا الرضا العام في جميع الجهات عدا الجهات التي بها النظر الفارغ المطمس للعقول وهذه هي أيها السيد التي خيمت حول الباب وحول تونس ومن كلا الطرفين فنحن مشمولون بالمحبة وجميع ما نرجو من الباي هو أن لا يكون عدواً لنا ولو أن المملكة تنظر لفوائدها تقدر أن تحصل من اتحادها معنا فوائد لا تحصى وأكثر مما نحصله نحن منها ونقدر أن نأتي لها بكل خير من العمكران الحاصلعندنا، ففي سنة ١٨٤٧ فعلنا فيها البريد وفي سنة ١٨٥٩ وسنة ١٨٦٢ فعلنا التلغراف وفي سنة ١٨٧٨ فعلنا الشمنديفير الذي طوله ٥٠ من حدود الجزائر إلى تونس وفس هذا الزمان نفعل لها شمنديفيرين جديدين أحدهما يربط تونس ببنزرت من جهة الشمال وطوله عشرون فرسخاً والآخر يربط تونس بسوسة من جهة الجنوب وسنبتدئ عن قريب في عمل مرسى في تونس نفسها لتدخل المركب من الشط ومن حلق الوادي إلى ذات القاعدة.
ودين تونس وغن كان رأس ماله مشتركاً بين فرنساوي وإنكليزي وطلياني لكنه إذ اعتبرت نفسه النسبة يوجد ثلاثة أخماسه لفرنسا.
وإن الحنايا الجميلة (لا دريان) التي تأتي بالمياه العذبة إلى تونس قد أصلحها أحد المهندسين الفرنساويين.
ولما ترجع الخلطة الطيبة فإنا لا نزال نفعل أشياء حسنة ومنارات على الشطوط وطرقاً داخلية توصل بين البلدان العامرة الناجحة ونسقي الأرض بالترع الكبيرة في البلاد التي بها انهر كثيرة ولكن هاته البلاد أهلها ليسوا معتنين بتلك الأنهر وكذلك الغابات، وكذلك نعمل على استخراج المقاطع الموجودة بها كل نوع من المعادن، وكذلك ترتيب الفلاحة في الأراضي الحسنة التي للأجانب في المملكة والتي للأهالي أيضاً، وكذلك استعمال المياه المعدنية التي اكتشفها الرومانيون واستعملوها وبالجملة إن مملكة تونس خصبة، وغنى قرطاجنة القديمة يدل على ذلك.
стр. 130
وتحت الحماية الفرنساوية يمكن أن تزال جميع الحجب عن المنافع الطبيعية في هاته البلاد وتنتشر بقوة، وبشدة الترتيب الجديد نقدر أن نزيد أشياء أخرى وهي أنه إذا كان الباي يعتمد علينا في الترتيب الداخلي في المملكة فإنا نفعل تعديلاً لازماً قاراً، وهذا الخير الذي يسهل علينا عمله منه ترتيب كيفية قبض المدخول وترتيب المخروج وترتيب دفاتر الحساب على مقتضى ما نستعمله نحن في ماليتنا ومنه أيضاً خير عظيم وهو ترتيب العدلية على الأصول التي فعلتها الدول في ترتيب العدلية في مصر، وفائدة هذه التراتيب لا ترجع لفرنسا وحدها بل إن المملكة يرجع لها النفع وكذلك لجميع الدول المتمدنة التي نحن منها ومن غير فتح ولا حرب.
بل إن المملكة يرجع لها النفع وكذلك لجميع الدول المتمدنة التي نحن منها ومن غير فتح ولا حرب.
فلا شيء يمنعنا من عملنا في تونس مثل الذي فعلناه في جزايرنا والذي فعلته إنكلترا في الهند إذا نحن جعلنا باي تونس متكفلاً بمطالبنا الحقانية فهو دليل على ما نحسبه دائماً من أن تونس مملكة مستقلة من غير أن نراعي بعض آثار للتبعية بالاسم فقط لبعض أسياد قد تركوها منذ عدة قرون وقد تظهر تلك التبعية نادراً، وإن تحسب المدة التي هي فيها مستقلة لكانت اكثر من مدة التبعية ففي سنة ١٥٣٤ أخذها المشهور بباربورس خير الدين أربع أو خمس مرات بانتصاره على الإسبنيول وفي العام الذي بعده أخذها شارل كان وكذلك في سنة ١٥٥٣، ثم أخذها داي الجزائر سنة ١٥٧٠ ثم أخذها دون جوان النمساوي سنة ١٥٧٣ ثم في طول القرن السابع كانت تحت ظلم الإنكشارية من غير حكم ورؤساؤها الموسومون بالديات كانوا إذ ذاك أربعين فقسموها تقريباً كالمماليك الذين قسموا مصر.
ثم في سنة ١٧٠٥ كان أحدهم المسمى بحسين بن علي الذي أصله كريكي أو كرسكي صار مسلماً وكان هو أحذقهم فعرف كيف يشدهم وقتل جميعهم واشتهر بالباي، وبعصبيات العساكر أقام العائلة الحسينية ومن ذلك الوقت لم تزل الإمارة فيهم على هيئة السيادة الإسلامية والآن ٢٠٠ سنة تقريباً وهم مستقلون والرابطة الحقيقية بينهم وبين الباب العالي هي رابطة دينية وهم يعترفون بالخليفة إلا انهم ليسوا تحت السلطان.
ومما يوضح هذا انهم لا يدفعون له أداء إلا انه عند ولاية كل باي يرسل هدية غنية تعظيماً لرئيس الديانة القاطن بالقسطنطينية وفي باقي مدة الولاية فلا مسألة سياسية يمكن أن تذكر غير هاته التحية الودادية فليس لأمير المؤمنين حق آخر على الباي تونس.
والمملكة تعقد شروطاً كمملكة مستقلة مع الدول الأجانب وتعقد معهم اتفاقيات ويكون لها قوة وذلك برضا الباي فقط وعلى هذا النمط وقعت معاهدة مع فرنسا في سنة ١٧٤٢ وكذلك في العام الثالث والعام العاشر في سنة ١٩٢٤ وهكذا صارت المعاهدة المهمة في ٨ أوت ١٨٣٠ التي تمنع تملك العبيد والتلصص في البحر، ولا يلزم التكلم على المعاهدات الباقية كالتي في حق صيد المرجان وأن الباب لا يحكم على الولاية إلا حكماً وقتياً وهو راض باستقلالها.
ومما يؤيد هذا أنه في القرن الثامن عشر لم يقبل تشكي دول أوربا من التلصص البحري والسعي البربري وليس له حكم عليهم وهو ليس مولاهم وهو لم يضمن السرقات التي جعلوها مخلة بتجارة البحر المتوسط وأن دول أوربا عملوا الحرب عشرين مرة مع المملكة من غير عقد الحرب مع تركيا، وفي سنة ١٩١٨ كانت معاهدة إكس لاشبيل قد حكمت على تونس بمنع التلصص البحري من غير أن تطلب من الباب التداخل على أنه متسيد على تونس وفي سنة ١٨٣٣ فمملكتا سردينيا ونابولي عملا مع تونس من غير عمله مع الباب لأنهم يرون مثل ما نرى أن تونس مستقلة.
стр. 131
ثم إن علاقة تونس مع فرنسا من وقت اخذ هاته الجزائر على النحو السابق من غير واسطة تركيا ولما قد إلينا احمد باي في سنة ١٨٤٣ أقتبل بكل ما يلزم من التعظيم للملوك والباب العالي لم يتوجع إذ ذاك من عملنا التعظيم الملوكي المذكور وكذلك جميع أوربا لم تلك على ذلك لأن رأيي موافق لرأي اللورد آبردين الذي يقول في تسجيله ضد أخذنا الجزائر المكتتب بتاريخ ٢٣ مارس ١٨٣١ إن الدول الأروباوية من مدة طويلة يفعلون المعاهدات مع الدول البربرية مثل الدول المستقلة وخصوصاً تونس فإنها لا تحسب نفسها غلا حرة، والدليل الواضح الحقي الذي لا ينكره أحد هو عمل القوانين في تونس المسماة (بويود لدي) حلف عليها الباي الموجود بتونس محمد الصادق لما جلس على الكرسي في ٢٣ أيلول سنة ١٨٥٩ مثل ما حلف أسلافه فإن قانوناً واحداً منها وهو المسمى بالقانون النظامي للملكة تونس قد احتوى على مائة وأربع عشرة مادة وانتشر بالعربي والفرنساوي في تونس وفي بونه ولم يصرح فيه ولو بكلمة واحدة تقول السلطان.
ومما لا يقدر أن يشك أحد معه في الاستقلال الباي ما نشر في الصحيفة الرابعة من المقدمة في ذلك القانون ونصه أن المتوظفين الكبار التونسيين اختاروه بكلمة واحدة ليكون رئيس الدولة على مقتضى قانون الوراثة المعروف في المملكة وفي ذلك القانون فصول تامة شرحت الحقوق الواجبات للملك وحالة الأمراء من العائلة الحسينية وحقوق وواجبات الرعايا وكيفية خدمة الوزراء وترتيب خدمتهم والمجلس الكبير بالمملكة والمداخيل والحساب ولا شك أن من يطلع عليها يقدر أن يجد ذلك البيان غريباً إذا أراد أن يقيس على رأينا الأروباوي ومع هذا فهو دليل واضح على استقلال مملكة تونس وأنها ليست تحت دولة أجنبية.
وجميع المعاهدات التي بين الدول الأروباوية ومملكة تونس منذ مدة الثلاثة قرون الأخيرة لم تقل أبداً إلا مملكة تونس، ملك تونس، ومنها خمس عشرة أو عشرون معاهدة أمضيت بفرنسا فيها ذلك القول، وفي سنة ١٨٦٨ المعاهدة التي وقعت مع إيطاليا مذكورة فيها الللكة تونس، وتونس أيضاً لم تسم نفسها في قانونها النظامي إلا اسم الذي أطلقته عليها جميع الدنيا وهي أرادت أن توضح المزية التي لها بالاستقلال والقدرة الموافقة له، فبناء على ما سبق من الأدلة القطعية والمتعددة فالباب العالي لا يقدر أن يتعجب من إنكار فرنسا لسيادته على تونس مهما طلب هو ذلك حتى إلى الآن ونحن نقر بأن الباب شدد في طلبه منذ خمسين سنة، وفي سنة ١٨٣٥ أدخل تحت سيادته طرابلس بعدها ضبط التحيير الهائل هناك وأراد أن يعمم سيادته على تونس إلا أن قوة فرنسا المضادة له منعه من مقصده وبعد عشر سنين أي في سنة ١٨٤٥ أتى (مابيخجي) السلطان إلى تونس ومعه فرمان ليقلد الباي منصب الولاية إلا انه لم يقبل منه، ثم مضت عشرون سنة من غير تجربة جديدة، ولكن في أواخر سنة ١٨٦٤ رجعت التخمينات القديمة وإنما هاته المرة كانت المملكة بنفسها هي التي طلبت التقليد ولكن هذا كان من الغريب إذ وقع من الأمير الذي هو حتى لذلك الوقت بعينه وهو يظهر المدافعة عن استقلاله وهذا إنما كان من الإشارات القوية التي خوفت الباي من حالته أمام الباب فأرسل لذلك أمير الأمراء خير الدين إلى القسطنطينية ليعرض ويأتي بالفرمان.
стр. 132
وهاته المرة أيضاً فرنسا عارضت في ذلك وعوضاً عن الفرمان السلطاني فالباي ومستشاره التزموا بالرضا بمكتوب وزيري متضمن لما في الفرمان، ثم اغتنموا الفرصة وقت مصيبتنا في سنة ١٨٧١ وتمموا ما كانوا ممنوعين منه سواء كان في مدة الوي فليب الذي كان غالباً أسطوله يمنع الأسطول التركي من القدوم إلى تونس أو في مدة الإمبراطور الذي لم يقلل من العزم المشار غليه، وفرمان ١٥ تشرين أول سنة ١٨٧١ الذي اتخذوه تحت ظل مصيبتنا اشتهر في ١٧ تشرين ثاني في باردو وأعلن به خير الدين باسم السلطان وقبله الباي الذي كان طلبه له مع شيء من الغضب، وفرنسا على حال سجلت بقوة، وحسب الفرمان باطلاً أو كأنه لم يقع ومن مدة عشر سنين لم تبطل شيئاً من عملها عندما يقتضي الحال ومع نجاح الباب هو بنفسه له شك في إجراء حق فرمانه بتاريخ سنة ١٨٧١ الذي ضرب استقلال مملكة تونس المتقادم وهذا الفرمان انتشر قليلاً إلا أنه عند الغالب لا يعرف ما عدا بعض الدول التي لها فوائد في ترتيب الفرمان المذكور أن تكون تونس جزءاً تحت الباب مع أن حكم باي تونس باق كما كان يعرف منذ مائتي سنة غير أن باي تونس صار والياً أي والياً عاماً على إيالة تونس وعلى موجب فالوراثة في الحقيقة لم تكن مستمرة في العائلة الحسينية خلافاً لما ذكره الفرمان بل الوالي يعزل بإرادة السلطان ومن الممكن أن يعرف الباي ضرره وضرر ملكه وحريته وحياته التي هي غلطته الكبيرة حسبما أشاروا عليه بها، ومحمد الصادق ليس له خوف من جهة فرنسا ولو مع عمل من الشر معها ومع هذا فهي ليست بضده لا لذريته ولا لذاته ولا لدولته وأما من جهة الباب فهو بالعكس وله الخوف الكبير منه لنه يمكن أن يبدله بحسب الحال".
انتهت لائحة وزير فرنسا وإذا تأملها المتبصر وتدبر معانيها يجدها مخالفة للواقع في كثير من الأمور سيما بعض الأحوال التاريخية كما تبين من مقابلة كلامه بما ذكرناه في تاريخ تونس وسياستها وصلتها مع الدولة مع المكتيب الرسمية التي نلقاها حرفياً حتى من متوظفي فرنسا، ويؤكد ذلك ما تراه في لوائح الباب العالي الآتي بيانها فإن الحال لما بلغت إلى درجة هجوم العسكر على الحدود تظاهر والي تونس بأن أرسل إذ ذاك إلى الباب العالي مكاتيب في التشكي من فعل فرنسا وأرسل إلى نواب الدول تسجيلاً على ذلك أيضاً ولما تحقق الباب العالي الأحوال الرسمية أرسل عدة لوائح إلى سفرائه مستنجداً بالدول لمحافظتهم على معاهدة باريس التي أشرنا إليها سابقاً وعلى معاهدة برلين، ومما يفصح عن مقاصد الباب وحقوقه اللائحة التي أرسلها وزير الخارجية بالدولة العثمانية إلى سفراء الدولة ونص تعريبها:
اللائحة العثمانية
стр. 133
"القسطنطينية في ١٠ ماي سنة ١٨٨١ إن إعلاماتي المختلفة عرفت فطانتكم الوقائع التي صارت في المسألة التونسية وقد نسبت بهجوم بعض القبائل البدويين جهة الجزائر وهذا الهجوم الحكام التونسيون أعلنوا بأنهم حاضرون ليضبطوه من غير تراخ فالدولة الفرنساوية حكمت بأنه يلزمها إرسال عدد وافر من العساكر الذين استولوا على جزء كبير من الولاية ولم يبعدوا عن المركز إلا بعض فراسخ، فمن غير التفات إلى ما كنا أكدنا به على حضرة الباشا ل] اخذ التدابير اللازمة لتمهد الراحة في المواضع الثائرة فدولة الجمهورية لا تريد أن تنظر للمخاطبة الاقترانية بتونس مع السلطنة العثمانية التي هي محسوبة جزءاً مهماً للسلطة المذكورة وأظهرت بأنها لا تقبل قولنا للاتفاق الودادي معها لقطع الاختلاف الذي وقع وترتيب حقوق الباب العالي مع منافع فرنسا في ذلك المحل وترتيب الأشياء الموجودة من زمن قديم ولا نقدر أن نزيد في إيضاحها كما يلزم وهي سيادة السلطان التي ليس فيها اختلاف على هاته الولاية وهي سيادة لا تنكرها ولا ولاية عموماً وهذا الحق بقي إلى الآن صحياً ولم ينقطع من زمن فتحها وهو إذ ذاك سنة ١٥٣٤ بخير الدين باشا وفي سنة ١٥٧٤ وتقليج علي باشا وسنان باشا وكانت الدولة العلية أرسلت إلى تلك المواضع قوة عظيمة براً وبحراً ومن زمن ذلك الفتح فالتأسيسات التي فعلها الباب العالي هي أن جميع ولاة تونس يتوارثون الولاية من ذرية الوالي الأول المسمى من السلطان ويتقلدون غلى الآن المنصب منه وفرمانات الولاية تبقى في خزانة الديوان وكذلك جميع المكتيب التي تأتي منهم لبا العالي فإنها تارة تكون في شان مخالطتهم مع الدول الأورباوية وتارة تكون في شأن أحوالهم الداخلية والتي لهاته المدة الأخيرة فإن الباب العالي من استحفاظه على حقوقه زيادة على كونه يسمي الوالي العام فإنه يرسل من القسطنطينية إلى تونس قاضياً وباش كاتب الولاية ولم يمكن إلا من ترحم الدولة العلية أن منحت الوالي أن يسمي هو بنفسه هذين المتوظفين وأيضاً فاتباعاً للمذهب وخصوصية سيادة السلطان فإن الخطب يذكر فيها اسم جلالته ويضرب على السكة أيضاً، وفي وقت الحرب ترسل تونس الإعانة إلى التخت وعلى حسب العادة القديمة يأتي إلى القسطنطينية دائماً أناس رسميون ليقدموا تعظيمات الوالي وخضوعه لأعتاب السلطنة وليقبلوا أيضاً الأذن اللازم من الباب العالي لأمور عظيمة في الولاية ثم إن الباشا الموجود الآن والأهالي التونسيين طلبوا زيادة في التفضل وأعطى ذلك لحضرته السامية بالفرمان المؤرخ في ١٨٧١ وتعرف به جميع الدول، والآن قد استغاث الوالي بجهد سيده الحقي ليعينه على الحالة الرديئة التي وقعت فيها تونس الآن، وهاته الأشياء التحقيقية لا ينكرها أحد فل تريدون أن تعرفوا الآن تقريرها بالتاريخ وبالمكاتبات الرسمية هو سهل لكن نقتصر على المهم منها لئلا يطول الكلام في هذا التلغراف ففي المعاهدات القديمة التي بين تركيا وفرنسا تعدد ألقاب الحضرة السلطانية ويكون منها لقب سلطان تونس) فانظر مثلاُ) معاهدة ١٠ صفر سنة ١٠٨٤ هـ? سنة ١٦٦٨ م وفي هذه المعاهدات أيضاً يوجد بأن كل المعاهدات التي بين الدولتين تجري أيضاً في تونس وفي نصف القرن السابع عشر أي في ١٤ صفر سنة ١١٦٦ أرسل السلطان فرماناً للباي والحاكم الكبير بالولاية في رضا الباب العالي بأن قنصل فرنسا يجمع خدمات قناصل الدول الذين لم يكن لهم ذاك نواب القسطنطينية كالبرتغال وكتالوني وإسبانيا وفينسيا وفرنسا وغيرهم، والقنصل وكالته هي حماية السفن تحت الراية الفرنساوية في المراسي المشهورة بالولاية والفرمان يمنع تداخل الإنكليز والهولانديز وغيرهم من التداخل في خدمة نائب فرنسا وذلك سند منع التعدي بين الباب العالي والنمسا المؤرخ في ٩ رمضان سنة ١١٩٧ هـ? المتقرر بمعاهدة ستوفا في ١٢ ربيع الآخر سنة ١٢٩٥ فإنه يأذن حكام الجزائر وتونس وطرابلس الغرب بأن يحملوا باسم السلطان السفن التجارية لسلطنة الرومان الفخيمة وأيضاً فإن الاتفاق الذي تقدم هذا السند وتمم في ١٥ شوال سنة ١١٦١ هـ? بالإذن من السلطان وكان هذا الاتفاق وقع بين الحكام المذكورين والسلطنة المذكورة فغن الوالي العام بتونس وهو غذ ذاك في رتبة بكلربيك ونال اسم علي باشا يذكر في مقدمة كل مكتوب ممضى عليه منه هاته الكلمات بعينها وهي (مولانا
стр. 134
السلطان الغازي محمود) وعلى ذكر واقعات ذاك الزمان أستطرد لكم الإذن الصادر من الباب الغالي في ١٥ ربيع الأول سنة ١٢٤٥ هـ? سنة ١٨٢٧ م لحكام الجزائر وتونس وطرابلس الغرب فإنه يأمرهم أن لا يتداخلوا في الخلاف الواقع بين سلطنة النمسا ومملكة المغرب، وكذلك الإذن الصادر من القسطنطينية لوالي تونس في ١٤ صفر سنة ١٢٤٧ هـ? سنة ١٨٣٠ م فإنه يأمر بترتيب العسكر النظامي بالولاية على نمط الترتيب العسكري النظامي العثماني، وأيضاً قد أتى مكتوب معين بالطاعة من الباشا التونسي لجلالة السلطان في سنة ١٨٦٠ وذلك الباشا هو الذي سماه السلطان والياً عاماً، وقد اشتهر هذا المكتوب في جميع صحف أوربا من غير أن يعارض ولا من جهة واحدة ونزيدكم شيئاً آخر وهو انه في سنة ١٨٦٣ في واقعة القرض التونسي الذي وقع في باريس من غير رضا الباب العالي كان مسيو دواراون دولويس وزير خارجية الإمبراطور نابليون الثالث قد أعلن رأيه بنا، على شكايات الدولة العثمانية وقال إنه يلزم غما الباشا بتونس أو الصراف الذي يريد عقد القرض معه أن يطلب رضا الباب العالي ليصبح هذا القرض للمدافعة عن حقوق الباب العالي فغن الوزير الفرنساوي أرسل يقول هذا الكلام والحق الذي للدول الممضين على معاهدة برلين وإنا لمحققون بأن فكر الدول محيط بدلائل كثيرة في الواجبات العمومية التي يقتضيها المؤتمر المحترم وانهم يريدون أن يفصلوا بالعدل قولنا الذي قدمناه وأنهم يتحفظون على حقوق الباب العالي الأخرى المحفوظة بالمعاهدة المذكورة ويصلحون الحال بين الدولتين المتممة للسلطة العثمانية والمرغوب من جنابكم أن تتكلم مع وزير الخارجية في مضمون هذا التلغراف وتشرح له ما تراه نافعاً ولكم الإذن بأن تعطوا نسخة من هذا لجناب الوزير إذا طلبكم (الإمضاء مصطفى عاصم) .
стр. 135
ومن تأمل هذه اللائحة مع ما قررناه في سياسة تونس الخارجية ومقاصد فرنسا فيها لا يشك في أن فرنسا لم تكن تنازع قط في أن تونس من ممالك الدولة العثمانية، وإنما غاية دعواها هو أن تلك الإيالة لها امتيازات جارية تحافظ هي عليها لجل منافعها ويصدق ذلك تصريح وزير فرنسا دواروان دولويس في مجمع فيينا إثر حرب القريم لما سأل الوزير الروسي عن تعيين الممالك العثمانية للجهل ببعضها ومثل بتونس وأنه يتراءى فيها نزاع فأجابه الوزير الفرنساوي بأن لاشك ولا نزاع في كون تونس من الممالك الغعثمانية وإن كانت لها امتيازات تخصها وكذلك المعاهدات المعقودة بين فرنسا وتونس حتى التي وقعت بعد الاستيلاء على الجزائر بمدة طويلة يصرح فيها بأن سائر المعاهدات المعقودة مع الدولة العثمانية تكون مرعية الإجراء في تونس ولا يعزب عن عاقل أن ذلك التصريح لاتحاد تونس بالممالك العثمانية، ومع هذا كله لم يفد استصراخ الدول لأن فرنسا لم تعلن بعملها إلا بعد أن لمست أفكار الدول الكبيرة فوجدتهم غير معارضين لها لأن دولة إنكلترا متولي زمامها حزب الإطلاق الذي لا يرى نفع دولته في المحافظة على الدولة العثمانية بعد أن طال تجريبهم لها في الحث على الجريان على مقتضى نصائحهم ولكنهم لم يروا العمل دونك ما نشر في الكتاب الأزرق من المخاطبات التي وقعت من الحضرة السلطانية ورئيس وزرائها ومع سفير إنكلترا في الآستانة حسبما أهبر بها وزيره بعدة تلغرافات تنبئ بما تقدم فمنها تلغراف من مسيو غوشين (سفير إنكلترا) إلى وزير خارجيتها بتاريخ ١٩ نيسان سنة ١٨٨١ هاته ترجمته إني وجدت جلالته (أي السلطان) مشغول الفكر بهذه الأفعال وبناء على ما عندي من الإذن أعلنت له بأن الدولة الإنكليزية تريد بقاء الحالة الموجودة بتونس والنائب الإنكليزي له الإذن ليرشد الباي إذا استشاره بأن يعين فرنسا في تقرير راحة الحدود وغني أرجو أن جلالته يشير على الباي أيضاً بذلك فالسلطان سكت بعض دقائق ثم ظهر على وجهه الغضب وقال إنه فهم من كلامي أن الدولة البريطانية تريد إبقاء الحالة على ما هي عليه في تونس ولها نفع في ذلك وفهم أيضاً أنا أشرنا على محمد الصادق بأن يعين العساكر الفرنساوية فنبهت عظمته بأن قلت إن الدولة الإنكليزية تنتفع بإبقاء الحالة الموجودة ولكنها تظهر تمني ذلك فقط على هذه الكيفية ونحن نتأسف كثيراً من فتح مسألة جديدة في الشرق، وإنا لا نفتكر أنه توجد فوائد خصوصية لإنكلترا مربوطة بأي كيفية كانت في أحوال تونس، فعند هذا أجاب السلطان بأنه لم ير كيف يجمع بين رجائنا في إبقاء حالة تونس على ما هي عليه ومع ذلك نشير على الباي بأن يعين العساكر الفرنساوية فهذان الشيئان لا يتوافقان لنه على رأيه يكون دخول العساكر الفرنساوية إلى تونس ناقضاً للحالة الموجودة.
стр. 136
وفي تلغراف آخر من مسيو غوشن أيضاً يقول فيه إن المحادثة التي وقعت بيني وبين باش وكيل كان يطلب فيها صحبة إنكلترا وقال إن الدولة الإنكليزية تقدر أن تعمل مع الدولة العثمانية المعروف وأن الباب العثماني يكون ممنوناً إذا كانت إنكلترا تريد أن تفعل معه ذلك، فقلت له إن ما كنت قلته لكم قد وقع، والذي كنت تقوله دائماً هو انه يأتي زمن تكون فيه تركيا متذكرة بأن صحبة إنكلترا لها لازمة وقد تكلم على الحاجة الأكيدة الآن وتلكم أيضاً على مودة إنكلترا فتبعته وقلت له ما هو دليل المودة الذي أظهرته تركيا لإنكلترا منذ بعض سنين وفي أي وقت اتبعتم إشارتنا، وفي أي وقت قبلت استشارتنا النافعة للسلطة التركية نعم إن الترك قد علموا غاية جهدهم ليتركوا المودة التي في رأي العموم في إنكلترا ورجوعها الآن ليس بسهل فحضرته العلية أجابت بان جميع الأشياء واستمر في طلب الإعانة وأنا شرحت له بأن نازلة تونس مثل النوازل الأخرى الشرقية ولا تقدر إنكلترا على إتمامها وحدها ومع هذا فليس لنا فائدة خصوصية وسياستنا متمسكة بالموافقة الأروباوية ولا دولة تريد قيام عسر جديد قبل أن تتم الإعسار القديمة وكل دولة تكون حازمة إذا كانت تفتش كل واسطة لحصر النازلة التونسية في حدود ضيقة لأقل ما يمكن لئلا تقوم نازلة تدخل فيها الدول برأي مختلف فجنابه يقدر أن يفهم من جملة كلامي بأن ليس لي إذن لتقرر الرجاء بأن تكون الدول العظام الأروباوية يظهرون أنفسهم مختلفين على نازلة مخلبطة بين الباب العثماني وتونس والطلب الخصوصي من إنكلترا ليس بموافق لحالة الباب العثماني منذ بعض سنين مع الدولة المشار إليها.
فهذا الخطاب كاف في بيان الحال مع إنكلترا وهي وإن أظهر بعض أهل الشورى التنديد على سياستها وطلب المحافظة على تونس وإبقائها للدولة العثمانية وبين ما نشا لإنكلترا من المضرة عند استيلاء فرنسا على مرسى ابن زرت وعلى قربها من خليج السويس ورجحان كفتها في البحر الأبيض لكنه لم ينفذ كلامه حيث كان حزب المحافظين الذي هو مغلوب حينئذ واحتجت عليه الوزارة بأن حزبه الذي فتح الباب لفرنسا فإن اللورد ملسبري الذي كان وزير الخارجية عند عقد مؤتمر برلين كما باحثه وزير فرنسا على استيلاء إنكلترا على قبرص أجابه بأنه لا يعارض فرنسا إذا أرادت الاستيلاء على تونس.
فإذا يكون استناد فرنسا على وعد إنكلترا وقد غفل المستند لذلك عن كون الوعد من ملسبري كان في سياق أن ترضى بذلك الدولة العثمانية صاحبة الملك مع الرضا العام لا اغتيالاً ومع ذلك فلإنكلترا مقاصد على تونس مخفية في مصر فرأت أن مساعدة فرنسا على تونس تلائمها في مقصدها هي في مصر عند الحاجة إذا ساعدتها فرنسا ولهذا لم تعترف بالمعاهدة الجددية مع تونس رسمياً حتى أن وزير فرنسا الأول أعلن في مجلس النواب بأن إنكلترا وافقت على معاهدة وزير فرنسا الأول أعلن في مجلس النواب بأن إنكلترا وافقت على معاهدة مايه استناداً منها لما دار بينهم من الكلام فيها فأعلن وزير خارجية إنكلترا حالاً بتكذيب ذلك الإدعاء وما ذاك إلا تحفظاً على ما يريد لدولته حتى إذا لم تساعفه فرنسا في مصر وآل بينهم الأمر إلى المشاحنة الحقيقية كان لإنكلترا وجه في نقض ما حل بتونس.
وأما دولة الروسي فلا إشكال أنه يسرها كل ما يضعف الدولة العثمانية ولا فائدة لها في مشاحنة فرنسا وذلك كان جوابها يمثل محصول جواب سابقتها.
стр. 137
وأما دولة ألمانيا خصوصاً بأن الأولى للدولة العثمانية الإضراب هن هاته النازلة وأنها هي لا تتعرض لفرنسا بشيء والباعث لها على ذلك وجوه (أولها) إظهار عدم التجافي عن فرنسا التي لها عليها حقد أخذ الثأر (وثانيها) جذب أعداء ومضادين لفرنسا كالدولة العثمانية وإيطاليا حتى إذا أعلنت الحرب يوماً ما بين ألمانيا تجد ألمانيا الظهير على قوتها بما لذلك من الباعث الذاتي (وثالثها) أشغال فرنسا بفتوحات جديدة في أراض فسيحة وخلق كثير في أفريقيا ربما طال اشتغالها بهم حتى يبرد لهيب اخذ الثأر (ورابعها) إضعاف قوة فرنسا وقت الحرب إذ الأمم الذين تريد التسلط عليهم وإن لم يكونوا كفؤا لمحاربة فرنسا لخلوهم عن آلات الحرب والاستعداد لها لكنهم لما كانوا مسلمين واهل نجدة وشجاعة ومثافنة للحرب لا يلبثون دائماً أن يحدثوا عليها ثورات سيما إذا علموا بوقوع حرب بينها وبين أجنبي فتضطر فرنسا في وقت الحرب إلى أن تبقى قسماً عظيماً من جيشها محافظاً على ذلك المستعمر وذلك يفيد ألمانيا بنقصان قوة جيش خصمها في حربها (وخامساً) تمهيد السبيل إليها فيما تريد التعارض به بينها وبين النمسا لأن ألمانيا ليس لها مرسى على البحر الأبيض، وقد بقي من جنس الألمان تحت النمسا عدة ملايين حول الجهات التي قرب مرسى ترست فلو أخذت ألمانيا ذلك الباقي من الألمان مع تلك المرسى يكون ذلك غاية أمانيها ولكن ذلك لا يحصل إلا بحرب مع النمسا وقهرها أو بمعارضة ذلك لها بشيء يرضيها من ممالك الدولة العثمانية مثل أخذها ولايات مقدونيا ومرسى سلانيك الموازي ذلك لمت يؤخذ منها حسبما أشيع مراراً ولذلك كانت ألمانيا أول من بادر لأمر نائبها بتونس باتباع سياسة فرنسا فيها، وتبعتها على ذلك أيضاً النمسا لأنها ليست لها سياسة تخصها في تونس وهي لها مع ألمانيا عقد محالفة اتحاد على الذب والإقدام، ثم إنها لما مطامح في جهة بحر الجزر لتتمكن فيه بمواقع مهمة لكي تسلم في مرسي ترست إلى ألمانيا حليفتها حيث لم يكن لها مرسى في البحر الأبيض كما تقدم ذكره فلا تعارضها فرنسا عند العمل.
وأما إيطاليا فإنها تجرعت من لك الغصص وطوت على الضغائن التي لا تزال ولكنها لما كانت غير كفء بانفرادها لمعارضة فرنسا، واتحادها مع الدولة العثمانية أيضاً لا يجدي لاحتياج كل إلى المال مع ما فيه الدولة العثمانية من الحالة الداخلية والخارجية التي أعقبتها الحرب الأخيرة، فلم يسعها إلا السكوت وتحمل عرق القربة مع عظم الضغينة في عموم الأهالي والدولة إذ هي حريصة على إبقاء ما كان في تونس وكانت عند ملاحظتها مبادي الشر عرضت بالسعي السياسي مع الدولة العلية فلم يكن من المقدر قبول الانتباه لما أراده حتى أنكر الوزير العثماني على المأمور الطلياني التكلم معه في تونس وقال له إنها تابعة لنا دخل فيها لحد وعند هجوم فرنسا صار يتملق إلى ذلك المأمور لكي يمد إيطاليا اليد فقالت له مصداق المثل "الصيف ضيعت اللبن".
стр. 138
وبما تمهد عبرت عساكر فرنسا حدود تونس معلنة بأنها تريد تأديب قبيلة خمير من أعراب الجبال الشمالية عند حدود الجزائر ولم يتعرض لها أحد بالمصادمة لن حكومة تونس قد تقدمت حالتها الباطنية من التوافق مع فرنسا ومع ذلك فليس عندها تحت السلاح ألفا عسكري ولا اقتدار لها على معارضة فرنسا بالقوة واستندت ظاهراً إلى أمر الدولة العلية بارتكابها سبيل الملاينة واظهر الوزير التونسي إذ ذاك التزام العمل برأي مجلس الشوري حيث فات الإبان مع أن جميع ما يتفاوض فيه يقرره لتابعه علي بالزي ليلاً وهو يقرره إلى نائب فرنسا فكلما غزل المجلس غزلاً نقصه من هو بالمرصاد منهم حتى تعجبوا من اطلاعه على جميع احوالهم، وتمكنت عساكر فرنسا من بلد الكاف وباجة وبنزرت، وفي أثناء تلك المدة كانت الحكومة التونسية لا تزال تسجل وتتشكى وأنها مستعدة لتربية قبائلها الذين هم في نفس الأمر غنما اتخذوا وسيلة فقط، ومع ذلك فقد أوعز الوزير بواسطة تابعه المشار إليه إلى نائب فرنسا بأن لا واسطة مفيدة في الدخول تحت فرنسا إلا قدوم شرذمة من العساكر إلى قصر الوالي والإحاطة به إذ النسوة لما ترى ذلك تصعق بالخوف فيضطر الوالي إلى الإمضاء على الشروط ويجد العذر عند الأهالي، ومع ذلك أرسل خبراً بالسلك الكهربائي إلى الباب العالي يقول أنه قد علم أن فرنسا تطلب عقد شروط ولا يعلم ما هي فماذا يفعل فأجيب من الباب بأن يحيل كلما يطلب منه الباب العالي ولا يمضي شيئاً وقبل ذلك أشاع أصحاب الأخبار أن في عزم الدولة إرسال خير الدين باشا إلى تونس معتمداً في حسم النازلة لمعرفته بأحوالها وسياسة الأهالي والأجانب ولكن يكون عوناً على إبقاء الحالة المعروفة فأرسل الوالي تلغرافاً إلى الباب العالي يطلب أن يكون المرسل غير المشار إليه وتعجب كل غافل عن المقاصد الخفية من ذلك الطلب إذ تلك الحالة لا تدع مجالاً للشخصيات سيما وقد سبقت من خير الدين إلى الوالي المشار إليه المجاملة وعدم الأكتراث بما فعل معه عند حلوله بالأستانة وترقيه فيها، لكن المطلع على الباطن زاده ذلك تيقناً في التواطؤ على تلك الأعمال لأن وجود مثل خير الدين في تونس لا يروج عليه ما يروج على غيره ممن لم يثافن طبائع الشقين، ومع مجاراة الباب العالي وتقليله لمواقع النزاع قدر الإمكان لتأمين الوالي حيث أظهر الميل إلى الدولة فإنه أي الوالي أسرع إلى إمضاء الشروط مع فرنسا والحال أن مداد الحبر من الباب العالي ينهاه عن الإمضاء لم يجف ولم يجبر الباب بعد ذلك بشيء حتى سأله عما شاع من إمضائه فأجابه بأنه مكره عليه وكل ما ورد بعد ذلك من الباب سلمه غلى نائب فرنسا مدعياً أن الشروط قاضية بلك (وهذا نص تعريب المعاهدة) : إن دولة جمهورية فرنسا ودولة باي تونس أرادوا أن يقطعوا بالمرة التحيير المخرب الذي وقع قريباً في حدود الدولتين وفي شطوط تونس، وأرادوا أن يرابطوا مخالطتهم القديمة التي هي مخالطة مودة وجوار حسن، فاعتمدوا على ذلك وعقدوا معاهدة في نفع الجهتين المهمتين فعلى موجب ذلك رئيس الجمهورية الفرنساوية سمى وكيله مسيو الجنرال برياد الذي يتفق مع حضرة الباي السامية على الشروط الآتية: أولاً: المعاهدات الصلحية والودادية والتجارية وغيرها الموجودة الآن بين الجمهورية الفرنساوية وحضرة الباي يتحتم تقريرها واستمرارها.
ثانياً: ليسهل لدولة الجمهورية إتمام الطرق للتوصل إلى المقصود الذي يعني الجهتين العظيمتين بحضرة الباي ترضى بأن الحكم العسكري الفرنساوي يضع العساكر في المواضع التي يراها لازمة لتقرر وترجع الراحة والأمان في الحدود والشطوط وخروج العساكر يكون عندما يتوافق الحكم العسكري الفرنساوي والتونسي على أن الدولة التونسية تقدر على إقرار الراحة.
ثالثاً: دولة الجمهورية تتعهد لحضرة الباي بان يستند عليها دائماً وهي تدافع عن جميع ما يتخوف منه لضرر ما في نفسه أو في عائلته أو فيما يحير دولته.
رابعاً: دولة الجمهورية الفرنساوية في إجراء المعاهدات الموجودة الآن بين دولة تونس والدول المختلفة الأروباوية.
خامساً: دولة الجمهورية الفرنساوية تحضر نحو حضرة الباي وزيراً مقيماً لينظر في إجراء هاته وهو يكون واسطة فيما يتعلق بالدولة الفرنساوية وذوي المر والنهي التونسيين وفي كل الأمور المشتركة بين المملكتين.
стр. 139
سادساً: أن النواب السياسيين والقناصل الفرنساويين في الممالك الخارجية يتوكلون ليحموا أشغال تونس وأشغال رعيتها في مقابلة هذا فحضرة الباي تتعهد بأن لا تعقد معاهدة عمومية من غير أن تعلم بها دولة الجمهورية ومن غير أن يحصل على موافقتها من قبل.
سابعاً: دولة الجمهورية الفرنساوية ودولة حضرة الباي أبقوا لأنفسهم الحق في أن يؤسسوا ترتيباً في المالية التونسية ليمكن لهما دفع ما يلزم الدين التونسي العام وهذا الترتيب يضمن في حقوق أصحاب الدين التونسي.
ثامناً: إن غرامة الحرب يغضب عليها القبائل العصاة بالحدود والشطوط وتفعل دولة الجمهورية مع حضرة الباي فيما شروطاً على كميتها وكيفية دفعها ودولة حضرة الباي تضمن في ذلك.
تاسعاً: للمدافعة على منع إدخال السلاح والالات الحربية للملكة الجزائرية الفرنساوية فدولة باي تونس تتعهد بأن تمنع دخول الأشياء المشار لها من جزيرة جربة ومرسى قابس وسائر المراسي الجنوبية في المملكة.
عاشراً: إن هاته المعاهدة توضع لدى رضا الدولة الجمهورية الفرنساوية وترجع في أقرب وقت ممكن لحضرة الباي السامية.
حرر في ١٢ ماي ١٨٨١ بالقصر السعيد الإمضاء محمد الصادق باي والجنرال برياد.
والذي يؤكد صدق التواطؤ من قبل أن الوالي طلب ظاهراً من نواب فرنسا وهما أمير العساكر والقنصل أن يمهلاه مدة للتأمل من حالة الشروط فأجابه القنصل بأنه لا داعي إلى ذلك حيث أن الشروط عند وزيرك من مدة وتأملتها أنت وهو لم يبق إلا لإمضاء ويؤيده أيضاً أن رئيس المجلس البلدي السيد محمد العربي زروق أحد أعضاء مجلس الشورى أصر على عدم الموافقة على إمضاء الشروط وألح على الوالي بذلك عند جمعه للمجلس وأمير عسكر فرنسا منتظر لانبرامها ونصحه بأن ما يخشى منه بعدم الإمضاء سيقع لا محالة بعيد الإمضاء فالتمسك بالبراءة الأصلية أسلم وأشرف وعورض بأنه قد علم أن الوالي إذا لم يصحح يولي الفرنسيس عوضه أخاه الثالث (محمد الطيب باي) لأنهم أكدوا أن له اتفاقاً مع الفرنسيس فأجابه بأن جميع الأهالي لا تطيع الوجه المذكور وعلى فرض قهرهم يكون الوالي على شرفه وربما اضطرت الدول إلى التداخل بوجه يحسن الحال، فلم يلتفت لكلامه وعزل إثر ذلك من جميع وظائفه وجعلت عليه مراقبة في داره وحجر عليه مخالطة الناس وتحقق مزيد الإضرار به إلى أن احتمى بقنصلية إنكلترا وسافر عن وطنه وأقام بالأستانة.
стр. 140
ويشهد صراحة للتواطؤ ما صرح به البارون بيانك الفرنساوي في تشرين الأول سنة ١٨٨١ بما وقع في هاته المسألة وأنه كانت أرسلته دولته حيث كان أحد مأموري الوزارة الخارجية لاستقراء أمر تونس وذلك في كانون الثاني سنة ١٨٨١ وأن الوالي أجاب إذ ذاك فرنسا بأنه يقبل الشروط إذا كان الواسطة فيها هو فرديناند لسبس لأنه كان يؤمل بواسطة المذكور الحصول على شروط أوفق له وأن الشروط إذ ذاك كانت غير التي قررت الآن ومع ذلك كله لم تعلم الدولة العلية بشيء وبه يعلم صدق الكلام في إضمار الوزير التونسي الشر للبلاد ولي بالخصوص أعمال النائب لفرنسا عند إمضاء المعاهدة أن طلب من الوالي نفي علي بالزي حالاً لكي لا يبيح بما وقع من الأسرار التي أطلع عليها فنفي إلى حصن قابس ثم توجه الوزير ابن إسماعيل إلى باريس في سفينة فرنساوية حربية شاكراً لإنعام فرنسا بتلك المعاهدة ومعلناً لها بأنه يصدق في خدمتها أزيد مما كان يبذله سابقاً كذا في عبارته الرسمية عند ملاقاته رئيس الجمهورية المنشورة في الصحيفة الرسمية فقلدته فرنسا بأكبر نيشان لها مع الشريط الأكبر ورجع إلى تونس ولم يلبث بضع أشهر حتى ورد المر على الوالي من وزير فرنسا بعزل وزيره ابن إسماعيل لأن نائب فرنسا بتونس توجه غلى باريس وتفاوض مع دولته فيما يسلكونه في تونس حيث غن الأعراب والجهات الجنوبية أعلنوا بأن الوالي لما بغى على الدولة العثمانية بدخوله تحت حماية فرنسا فهم لا يطيعونه لنهم بايعوا أمير المؤمنين سلطان الدولة العثمانية قديماً وحديثاً فلا يحل لهم الخروج عليه، وهرب على الوالي جميع عساكره فاضطرت فرنسا لتعبية الجيوش لتطويع الأعراب، وكان من جملة التدبير عزل ذلك الوزير الذي توقعوا منه أن يفعل معهم مثل ما فعل مع البلد الذي وصل فيها إلى تلك الدرجة وتحقق الوزير ما ضرب من المثل بوزارة العلقمي وغن كان هذا أي ابن إسماعيل قد امتاز بجميع خزائن أمراء تونس حتى كان آخر ما بقي للوالي من مفاخر الجواهر عقد لؤلؤ منظم سبحة بها مائة حبة مع حلية زمرد محاط بها الياقوت الأبي، فأعطاهما إليه عند سفره لباريس بعد العزل المذكور ورام بسفره إرضاء فرنسا عليه وإرجاعه إلى الوزارة وبقيت البلاد إلى الآن في حيرة واضطراب ودخلت العساكر الفرنساوية إلى قصبة الحاضرة وإلى منازل العساكر في المدينة وأمام قنصلية فرنسا وسكن رئيس العساكر الفرنساوية بدار المملكة في بطحاء القصبة وصارت الحكومة لا تتصرف في شيء إلا بأمر الوزير الفرنساوي سواء كان في الداخلية أو في الخارجية، وتفاقم الضرر بولايات غير الأهل في الوظائف بوسائل غير مرضية، وعظم الكرب على القبائل والبلدان بما حصل فيها من العساكر الذين أقاموا بالقيروان وسوسة وهدموا صفاقس وخرجوا من قابس بعد دخولها وعادوا غليها، ونسأل الله تعالى أن يتداركنا بألطافه وبحسن العاقبة.
стр. 141
ومما ينبغي التنبه إليه هنا أن الأحوال السياسية التي أشرنا إليها مع الدول سيما مقاصد ألمانيا لا يمكن أن تخفى على أمة عاقلة مثل الفرنساويين فكيف مع ذلك أقدموا على تبوؤ تونس مع كون الفائدة التي تحصل لهم منها لا توازي ما ذكر سيما إذا كان المعاهدة مع تونس التي ذكرناها تجري حقيقة على ظاهرها فالجواب أم كثيراً من عقلاء الفرنسيين قد نددوا على دولتهم وما زالوا في الاعتراض عليها لكنها بعد الوقوع في الأمر المتسبب عن تهور ممن بيدهم مقاليد السياسة حتى اتهمهم مضادوهم من نفس الفرنسيين بان لهم في ذلك أرباحاً ذاتية من التجارة في الرقاع الدولية وموهوا على العامة بالانتصار لحفظ ناموس فرنسا، فبعد ذلك صعب على الدولة إهمال سعيها ما خسرته من الأموال المتجاوزة مائة مليون ومن الرجال الذين ماتوا بالحرب مع الأعراب والأمراض المتجاوزين خمسة وثلاثين ألفاً فرأت فرنسا التحفظ على ما وقع مع السعي في حسن السلوك الذي يخفف أو يدفع عنها الغوائل المنتظرة ثم وراء ذلك أمر مهم جداً لفرنسا وهو طمعها في إحداث مملكة عظيمة في إفريقيا مثل ما للإنكليز في الهند فتريد أن تمتد من الجزائر إلى ما جاورها شيئاً فشيئاً إلى أن تصل إلى دواخل إفريقيا والسودان وتصل بين شاطئ إفريقيا الغربي في سانيغال والشرقي في الجزائر وتونس حتى رسمت جمعية فرنساوية رسماً لخط الحديد في ذلك ولو يتم هذا يكون لفرنسا شان عظيم غير أن القياس على الهند الإنكليزي هو قياس مع الفارق لا من جهة سياسة الفرنساويين في مستعمراتهم من حيث قلبها إلى عوائد الفرنسيين وإناطتها الإدارة في الكليات والجزئيات بباريس ولا من حيث أخلاق الأمم المستوطنين بإفريقيا والمتسوطنين بالهند، وغن شئت الوقوف على برهان ذلك فانظر ما حررناه في أحوال الجزائر وفي أحوال الهند وفي سياسة كل من الدولتين تتبين لك حقيقة الحال وبما ذكرناه هنا يندفع الاعتراض على ما ذكرناه في سياسة تونس الخارجية من كون فرنسا لا تريد الاستيلاء عليها مع كون أعمالها ناقضت ذلك وشرح الدفع يؤول إلى أن الحامل لدولة فرنسا على مخالفة ما سبق من مقاصدها في تونس شيئان أحدهما سياسي ظاهري والآخر خصوصي باطني، فالباطني هو المشار إليه بما وقع من التهمة في نفع الأفراد الذي يأتي له مزيد شرح في مبحث الأحكام، والظاهري هو أن الدول قد تغيرت أفكارهم بالنسبة لمحافظة الدولة العثمانية منذ عقد معاهدة برلين فدلت أعمالهم على أن من ناسبه شيء منها وكانت له قدرة على حوزه بادر إليه وغض عنه النظر بقيتهم إذا كان المحوز أكثر مناسبة بالحائز وقد علمت مقاصد فرنسا ف يتونس ورأت أن إيطاليا لها من المقاصد والمناسبات ما يزاحمها ثم رأت سيرة ابن إسماعيل وانه غير أمين فلا يبعد أن يفعل مع إيطاليا أو غيرها من الدول ما فعل معها لخوف أو طمع مع تيسر إجراء الأمور بواسطته فانتهزت الفرصة خوفاً على درجة نفوذها فبادرت قبل أن تبادر إيطاليا، ومن المعلوم أن السياسة تدور مع الأحوال الحاضرة ولله عاقبة الأمور".
إلى هنا انتهى الذيل الذي كتبه صاحب الصفوة.
ما بعد الحماية
لم يحدث في المدة التي أعقبت الحماية حوادث ذات أهمية لقصر المدة التي ما بين الاحتلال وانتقال موقع الحماية إلى الدار الآخرة.
ومن المتوقع أن معاهدة المرسى كانت مهيأة لأن يوقعها موقع معاهدة باردو وغنما عاجلته المنية أو هي مخبأة لمن يأتي بعده.
عاش المشير الثالث محمد الصادق باي بعد إعلان الحماية إلى سنة ١٢٩٩.
وهذا ما جاء في الرائد الرسمي إخباراً بوفاته في العدد (٥٠) المؤرخ يوم الأربعاء ٢٠ ذي الحجة ١٢٩٩.
قسم غير رسمي
في السبت الفارط ١٦ ذي الحجة (١٢٩٩) فجع القطر التونسي وتزعزعت أركانه بفقد غرة جبينه، وصادقه وأمينه، المولى الجميل الذكر المشير محمد الصادق باشا باي هطلت عليه سحائب الرحمة والرضوان، وأسكنه فسيح الجنان، وقد أسفت السكان على اختلافهم من فقده وأفول بدره، برد الله ثراه وأولاده من نعيم الجنة ما أولاه.
وجاء في نفس العدد المذكور: (هذا ولما بلغ نعيه مسامع ضو الشجرة الحسينية الثابتة الأصل المباركة المولى المعظم الأرفع سيدنا علي باشا باي أقبل للجلوس علة الدست الحسيني وقبول المبايعة الخاصة حيث كان ولي عهد المقدس.
стр. 142
وعندما وصل جنابه إلى سراية المرحوم انعقد موكب خاص حسب العادة المألوفة فيما بين الآل الحسيني مؤلف من جنابه أيده الله والوزير الأكبر، وبقية الوزراء الفخام، والمجلس الشرعي وبايعه الحاضرون.
وقد حضره الهمام الأفخم مسيو كامبون وزير الدولة للجمهورية الفرنسية المقيم بحاضرة تونس وتلا خطاباً بالنيابة عن دولته المحترمة وتأتي ترجمته) .
ولما لهذا الخطاب من أهمية توضح مرامي فرنسا في ابتلاع النفوذ التونسي بعنوان إجراء الإصلاحات التي خطوتها الأولى معاهدة المرسى ننشره توضيحاً لخطى الحماية الفرنسية التي أرادت ذوبان الذاتية التونسية خطوة خطوة، ولولا لطف الله تعالى بالحصول على الاستقلال لاضمحلت الأمة التونسية.
ونصه: قد جئت أنا (أي كامبون) في حق الجمهورية الفرنسوية الحبيبة الحامية للملكة التونسية نشارك حضرتكم في الحزن الذي أصابكم في أعز أوديكم كذا.
ونغتنم فرصة ولايتكم لنحقق احترام وصادقتي لحضرتكم.
ونعرف حضرتكم باليقين أنها تقدر أن تستند على فرنسا كذلك.
والدولة الفرنساوية تعتمد على العلامة المشهورة التي برهنت بها حضرتكم عند الموافقة بجوار عساكرنا.
وإحساس هذه الثقة التامة الموجودة ما بين الدولتين في بعضهم بعضاً يعجل، وهذا عندي محقق، إجراء الإصلاحات اللازمة للغاية.
وما عطل حضرة محمد الصادق على شروعها إلا حضور أجله.
وبحول الله يعود لهذه البلاد غناها وثروتها السابقة.
هذا هو الدعاء الذي ينفتح به ملك حضرتكم، وهذا هو المرغوب الذي دائماً نعين حضرتكم لاتصاله فيما يخصني، وأنا جاعل نصب عيني فائدة العامة من دون التفات إلى اختلاف الجناس لهذه الأمة التي منذ اليوم ترأسها حضرتكم والتي فرنسا تحامي عليها.
وأجاب الأمير علي باي على هذا الخطاب بما لفظه.
نستكثر خير الدولة الفخيمة الجمهورية كثيراً على ما نتحققه من وثيق صداقتها، وخير جنابكم الذي نتحقق جميل وساطته.
وبجانب هذا الخطاب نجد فقرة أحدهم بهامش نسخة من النزهة الخيرية توضح كيف أن المتولي الأول في عهد الحماية لم يتقدم للإمارة إلا بعد أن توثق منه المقيم العام بأنه ملزم بتوقيع المعاهدة التي تعتزم عقدها فرنسا.
وهذا نص ما كتبه بعضهم في النزهة الخيرية لسنة ١٢٩٩ تعليقاً على اسم الباي: توفي سيدنا محمد الصادق باشا ليلة السبت السادس عشر من ذي الحجة الموافق للسادس من أكتوبر سنة (١٢٩٩) على أن عمره تسعون سنة والصواب أن عمره سبعون سنة كاملين كذا) .
وفي صبيحة السبت توجه كامبون وزير فرنسا المقيم بالحاضرة، والسيد محمد الوزير الأكبر، والشيخ العزيز بوعتور باش كاتب إلى سانية علي باي بالمرسى وعزوه في أخيه، وطلبوا منه القدوم معهم إلى باردو، فقدم مع كامبون وأولاده عوض أخيه على شرطها عليه، وقبلها منه وتركا في السراية منفردين ما يقرب من أربع ساعات منفردين للمفاوضة لقبول البيعة من الحاضرين.
ثم قبل الزوال بنصف خرج مصاحباً لكامبون عن يمينه وأجلسه على الكرسي وقبل البيعة قرأها إلياس بالنيابة عنه قبل جلوسه.
هذا التعليق لم يذكر كاتبه اسمه والظاهر انه من المتصلين بالحكومة ومن خواص الصادق باي، وتعليقه هذا يشرح لنا كيف جلس علي باي على دست الإمارة وأنه لم يجلس إلا بعد توثق كامبون من انه لا يمانع فيما يملى عليه في المستقبل.
الأمير علي باي
١٢٩٩ ١٣٢٠ افتتح عهده باستقالة الوزير محمد بفتح الميم خزنة دار واستقالته مبنية على ما رآه من مرامي فرنسا لابتلاع الذاتية التونسية.
فبعد أسبوع من جلوس هذا الأمير قدم الوزير المذكور استقالته.
جاء في الرائد التونسي عدد ٤١ سنة ٢٤ بتاريخ يوم الأربعاء ٢٧ من ذي الحجة (١٢٩٩) ونوفيمبر (١٨٨٢) تحت عنوان: استعفاء جناب الوزير الأكبر سيدي محمد وبعد الإشادة بأعمال هذا الوزير جاء خبر تولي خلفه: وفي يوم السبت الفارط دعا مولانا جناب أمير الأمراء الشيخ سيدي محمد العزيز بوعتور فقلده الوزارة الكبرى.
وكانت فاتحة الأعمال معاهدة المرسى في أواخر جمادى الثانية من سنة ١٣٠٠ وفي ٨ ماي من سنة ١٨٨٣.
стр. 143
خولت هذه المعاهدة حق الحماية للدولة الفرنسية بفصلها الأول الناص على أن الغرض هو إتمام الحماية لذلك يتكفل الباي بإدخال الإصلاحات الإدارية والعدلية التي ترى حكومة فرنسا الفائدة في إدخالها.
لذلك كانت الحكومة التونسية بالباي والوزير الأكبر آلة تنفيذ لما تراه الحكومة الفرنسية من تقييد للحكومة التونسية بعنوان الإصلاحات.
ولم تمض إلا مدة وجيزة على معاهدة باردو حتى استصدرت الحكومة الفرنسية أمراً من الباي في إنشاء الكتابة العامة كما في منتخبات الرائد التونسي المبدوءة من ١٢٩٩ إلى ١٣٠٠ ويوافق التاريخ المذكور لإصدار أمر الكتابة العامة ٤ فيفيري سنة (١٨٨٣) ومن ذلك الحين والسلطة التونسية في ذوبان والسلطة الفرنسية في تركيز وتثبيت إلى أن جاءت الخطوة الحاسمة بالاستقلال.
وهذا الباي من أطول الملوك الحسينيين عمراً إذ عمره (٨٧) سنة فقد ولد سنة (١٢٣٣) وتوفي سنة (١٣٢٠) .
ابنه الأمير محمد الهادي باي
١٣٢٠ ١٣٢٤ كان فيه انكماش عن فرنسا مما أدى إلى نفار بينه وبين بعض رجال دولته.
وقد أراد هذا الأمير الأخذ بيد العلوم الإسلامية فحضر بعض أختام الحديث سنة ولايته، واعتنى بطبع بعضها وهي التي ختم بها سنة (١٣٢٠) .
الأمير محمد الناصر باي
١٣٢٤ ١٣٤٠ عاش هذا فترة من التاريخ التونسي تعد من فتراته الانتقالية سواء بالنسبة لتونس خاصة أو بالنسبة للعالم.
أما بالنسبة للعالم فقد نشبت الحرب العالمية الأولى في سنة (١٩١٤ ١٩١٨) التي شاركت فيها أكثرية من دول العالم وانقسم المتحاربون فيها إلى قسمين الحلفاء ودول الوسط تتزعمهم ألمانيا.
ونتج عن هذه الحرب وود دول عربية، وبدأ العالم العربي يعتمد على نفسه دون الاتكال على الخلافة التي انتهى أمرها (١٢٢٤ م) .
كما أن مبادئ ولسن الرئيس (٢٧) الربعة عشر التي أعلنها في سنة (١٩١٨) م والتي منها تقرير المصير حركت مشاعر الحرية.
وأما بالنسبة لتونس فإن هناك نهضة نشأت من عوامل مختلفة منها: التحاك بالغرب.
والنهضة العربية التي أيقظتها الأحداث فأرادت مسايرة ركب الحضارة.
وسقوط الخلافة الذي بعث هزة في تونس حيث أدرك التونسيون أنه لا اعتماد للشعوب إلا على نفسها.
والتأثر بالحركات الوطنية في الخارج.
الحركة التونسية في الخارج التي ابتدأها الشيخ إسماعيل الصفائحي (١٣٣٧) والشيخ صالح الشريف (١٣٣٨) ، ومحمد باش حانبة (١٣٣٦) .
ومن الأحداث في مدة هذا الأمير بدء الحركة السياسية فقد تأسس الحزب الحر الدستوري اختفاء ثم إعلاناً.
ومن بواكير أعماله وفد الأربعين الذي أعلنت فيه المطالب التونسية وأم هذا الوفد الأمير محمد الناصري باي.
وتلكم عن وفد الربعين الزعيم التونسي الجزائري احمد توفيق المدني في مذكراته حياة كفاح فقال ما ملخصه: لم يكن من المنطق السليم أن يذهب الوفد التونسي إلى باريس لعرض رغائب تونس دون أن يقع عمل مشابه لذلك لعرض القضية على سمو باي تونس وإشراكه في المسؤولية.
وتركب الوفد من مجموعة تمثل كافة طبقات الشعب التونسي.
ثم يقول: وأسندت رئاسته لعالم من أكرم العلماء ومدرس من أفضل المدرسين هو الشيخ الإمام محمد الصادق النيفر الذي أشهد أنه أبلى البلاء الحسن وناضل النضال المجيد.. في سبيل القضية التونسية.
وأعلن وفد الأربعين المطالب التونسية في ٢ شوال سنة ١٣٣٨ وفي ١٩ جوان سنة ١٩٢٩.
وسافر في شهر جوان من السنة المذكورة الوفد الأول الدستوري الممثل للجنة التنفيذية.
فتشكلت الحركة بشكل حركة منظمة منبعثة للعمل في الداخل والخارج، وقد نبهت المستعمر أن الشعب التونسي ليس بالشعب النائم، إذ أخذ ينقض عنه ما تراكم من تلك القرون المظلمة فأصبح يحسب له حسابه.
الأمير محمد الحبيب باي
١٣٤٠ ١٣٤٧ من أهم الأحداث في مدته أنه بادر إلى التوقيع على الإصلاحات التي قدمها له المقيم فيما يخص تعويض المجلس الشوري بمجلس يسمى المجلس الأكبر.
والفرق بين المجلسين غير كبير فمجلس الشورى كان يتركب من قسمين فرنسي وأهلي هكذا كانوا يعبرون عن القسم التونسي.
وبتركب القسم الفرنسي للمجلس الشوري من (٣٦) عضواً.
والقسم التونسي المعبر عنه بالأهلي من (١٦) عضواً يعينون كل أربع سنوات.
стр. 144
وانظر أسماء الأعضاء التونسييين في السنة الحادية عشرة من الرزنامة التونسية ص١٤٢.
وأما المجلس الأكبر فأعضاؤه الفرنسيون (٤٤) والتونسيون (١٨) .
وجاء تفصيل تركيب المجلس التونسي المسمى بالأهلي في السنة الأولى للتقويم التونسي ص (٤٧) ومكان التوقيع على هذه الإصلاحات في ١٣ جويلية سنة (١٩٢٢) .
وثارت حول هذه الإصلاحات ضجة كبرى بسبب النظرة إليها، وبسبب دخول بعض الوطينن في انتخابات هذا المجلس.
واسم هذا المجلس (مجلس المملكة التونسية الأكبر) .
الأمير احمد باي
١٣٤٧ ١٣٦١ في طالعة ما حدث في مدته تأسيس الديوان السياسي الذي كان الطريق إلى الاستقلال التام .
وابتدأت الحركة التي نتج عنها تأسيس الديوان السياسي وهي ناتجة عن حدثين هامين فيهما طعن للإسلام وطعن للوطن.
الحادث الأول المؤتمر الأفخارستي بعاصمة تونس في سنة (١٣٤٨) (١٩٣٠) الذي تبرأ من المشاركة فيه شيخ الإسلام الحنفي ورئيس المفتين المالكي.
والحادث الثاني هو ذكرى الاحتلال لتونس الذي لم يتم.
وفي سنة (١٩٣٢) أسس الأستاذ الحبيب بورقيبة جريدة (العمل التونسي) .
وتبلورت الحركة الوطنية بتأسيس الديوان السياسي (١٣٥٢) وفي مارس (١٩٣٤) .
الأمير المنصف باي
١٣٦١ ١٣٦٢ هو أول أمير خلع حياً من الأمراء الحسينيين خلعته السلطة الفرنسية إثر دخول الحلفاء إلى تونس، ونفي إلى الخارج.
ويمتاز هذا الأمير بأنه تزعم الحركة الوطنية في مدة إمارته.
وتوفي في منفاه في (بو) سنة (١٣٦٧) (١٩٤٨) .
الأمير محمد الأمين باي
١٣٦٢ ١٣٧٦ جرى في عهده كثير من الأحداث حيث إن الشعب التونسي كان شعباً ناضجاً فمن أهم هذه الأحداث.
نهضة الزيتونة
فقد تقدمت الزيتونة التي أصبحت تتمتع بمثل ما تتمتع بع بقية المؤسسات التعليمية لأنها كان منظوراً إليها بعين غير العين التي ينظر بها إلى المؤسسات المضطلعة بمهمة تعليمة كبرى.
الاستقلال الداخلي
وقامت في أيامه الثورة التونسية بالمقاومة المسلحة.
وبعد جهاد محكم نالت تونس استقلالها الداخلي إذ أعلن منداس فرانس رئيس الحكومة الفرنسية استقلال تونس الداخلي، في ٣٠ ذي القعدة سنة (١٣٧٣) وفي ٣١ جويلية (١٩٥٤) .
وأعقب إعلان الاستقلال الداخلي تكوين وزارة تفاوضية لإرساء الاستقلال الداخلي ونجم عن ذلك الحركة اليوسفية لمقاومة الوضع الجديد، ولكنها لم تعمر طويلاً.
الاستقلال التام
وأعلن الاستقلال التام في ٧ شعبان (١٣٧٥) و٢٠ مارس (١٩٥٦) .
افتتاح المجلس التأسيسي
وفي ٢٦ شعبان ١٣٧٥ وفي ٨ أفريل ١٩٥٦ اجتمع المجلس التأسيسي لسن دستور البلاد التونسية.
وهو أول مجلس شعبي في البلاد التونسية، وكان يوم افتتاحه يوماً مشهوداً.
وانتخب الرئيس الحبيب بورقيبة رئيساً له.
وكان من مبادراته أنه أعلن في أول فصوله الأولى أن تونس دينها الإسلام ولغتها العربية.
ولكون المجلس التأسيسي أول مجلس انتخابي في هذه الديار اعتنت بذلك الصحافة اعتناء زائداً.
من ذلك أن جريدة الزيتونة استجوبت عدداً من المرشحين لإبداء آرائهم في هذا الحدث العظيم في تاريخ تونس، وفيما سيقدمه هذا المجلس.
وكان من المستجوبين المحقق لهذا الكتاب محمد الشاذلي النيفر، وقد ركز في إجابته على أن يكون الدستور التونسي كما يأتي.
(لا مناص من أن يكون الدستور التونسي متماشياً مع مقتضيات الزمن كما انه يربط قافلتنا بالعالم الإسلامي والعالم العربي، ورائده الإسلام) .
الزيتونة عدد ٨ من السلسلة الجديدة.
أول وزارة العهد الاستقلالي
تشكلت أول وزارة في عهد الاستقلال برئاسة الرئيس الحبيب بورقيبة وهي أول وزارة تضم ستة عشر وزيراً.
وكان وكيل رئيس الحكومة الأستاذ الباهي الأدغم.
وكان ذلك (في ٤ رمضان ١٣٧٥) و (١٥ أفريل ١٩٥٦) .
وتم على يدها في أوائل عهدها تركيز الذاتية التونسية في الديبلوماسية، والمن والجيش، والاقتصاد والمالية، مما طوى لها مراحل في أمد قصير، ولولا تلك الخطوات الجزيئة لما تم ذلك فإن الوزارة الاستقلالية استثمرت بعض المواقف فتوسعت في فهم وثيقة الاستقلال، وبذلك انقلب الوضع رأساً على عقب بالنسبة للدولة الحامية فانفلت زمام المر من يدها.
стр. 145
وأصبت تونس بعد تلك الجرأة السياسية البرعة لا يقيدها قيد في استقلالها على حسب إرادتها لا إرادة الحامية السابقة وهي فرنسا.
إعلان الجمهورية
أرادت تونس استكمال نظامها السياسي المختار علاوة على حريتها التي نالتها بجهادها المتواصل.
ولم يحدث يوم إعلان الجمهورية ما يصاحب عادة الانتقال من نظام إلى نظام منم سفك دماء، وهزات شعبية، إذ جرى إعلان الجمهورية في رحاب مجلس منتخب أعلن بالإجماع الجمهورية وإلغاء الملكية.
وعبر الكثير من الأعضاء في الجلسة التي أعلنت الجمهورية عن آرائهم في الجمهورية يوم الخميس ٢٦ ذي الحجة ١٣٧٦ وفي ٢٥ جويلية ١٩٥٦.
وقد ساهم كاتبه في الجلسة التاريخية فعلان الجمهورية بكلمة لخصتها كتابة الأخبار والإرشاد في كتابها الأول: ثقف نفسك في السياسة بما يلي:
فحوى كلمة الشيخ محمد الشاذلي النيفر
(لقد جعل الإسلام الكلمة للشعب في اختيار من يرتضيه لحراسة مصالحه، والذود عنها، ولهذا جعل الخلافة شورى، فقد كان المسلمون أحراراً في اختيار خليفتهم.
وقد ربى الإسلام المسلمين على أن يفهموا أن الشورى جزء لا يتجزأ من الحكومة وجزء لا ينفصم من الأمة، حتى أنه قرر مبدأ الشورى في حق من عصمه الله تعالى، وهو سيدنا محمد ﷺ .
وإن هذه الأمة حين أخذت طريقها السوي وأنقذت نفسها من استعمار غاشم قد أرادت لنفسها نظاماً يضمن لها أن تكون أمة في مصاف الأمم الناهضة بحق وجدارة.
فحين نختار اليوم النظام الجمهوري لا نرمي من وراء ذلك الاختيار إلى أية غاية إلا أن نكيف الدولة ونينيها بناء لا يتسرب إليه الخلل على تعاقب الأيام) .
وفي تلك الجلسة التاريخية أصدر المجلس القومي التأسيسي برئاسة جلولي فارس رئيس المجلس القومي التأسيسي القرار التالي المتضمن لإعلان الجمهورية وانتخاب رئيس لها وهو فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة.
بسم الله الرحمن الرحيم
نحن نواب الأمة التونسية أعضاء المجلس القومي التأسيسي بمقتضى ما لنا من نفوذ كامل مستمد من الشعب.
وتدعيماً لأركان استقلال الدولة وسيادة الشعب.
وسيراً في طريق النظام الديمقراطي الذي هو وجه المجلس في تسيطر الدستور.
نتخذ باسم الشعب القرار التالي النافذ المفعول حالاً: أولاً: نلغي النظام الملكي إلغاء تاماً.
ثانياً: نعلن أن تونس دولة جمهورية.
ثالثاُ: نكلف رئيس الحكومة السيد الحبيب بورقيبة بمهام رئاسة الدولة على حالها الحاضر ريثما يدخل الدستور في حيز التطبيق ونطلق عليه لقب رئيس الجمهورية التونسية.
رابعاً: نكلف الحكومة بتنفيذ هذا القرار وباتخاذ التدابير اللازمة لصيانة النظام الجمهوري كما نكلف كلاً من رئيس المجلس والأمين العام لمكتب المجلس والحكومة بإبلاغ هذا القرار إلى الخاص والعام.
أصدرناه في قصر المجلس بباردو يوم الخميس في ٢٦ ذي الحجة سنة ١٣٧٦ وفي ٢٥ جويلية سنة ١٩٥٧ على الساعة السادسة مساءً.
جلولي فارس رئيس المجلس التأسيسي ختمت الملكية بتونس في آخر سنة ١٣٧٦ وانتقلت البلاد إلى العهد الجمهوري برئاسة فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة رئيسها الحالي أجرى الله على يديه الخير موفقاً لما فيه رضاه بنهضة إسلامية لهذه البلاد مركز الإشعاع الإسلامي.
الوزارة التونسية
رأت البلاد التونسية تقلبات متعددة في أطوار مختلفة فبعد أن كانت عضواً في الخلافة الإسلامية سواء في الطور الأموي، أو الطور العباسي استقلت استقلالً داخلياً من الخلافة العباسية، إلى أن انفصلت عن الخلافة وأصبحت دولة تناوي الدولة العباسية وفي ذلك الطور كان هيكل الدولة مكتملاً بكل رجال الدولة.
وجاءت صنهاجة بنظامها، وكذلك الدولة الحفصية إلى أن رزحت تونس تحت الحماية الإسبانية، ثم جاءت الدولة العثمانية فأصبحت البلاد التونسية ولاية عثمانية ففقدت المقومات التي للدولة، ومنها الوزراء.
ثم أخذت تونس تسترجع سيادتها في البوتقة العثمانية إلى أن تكونت الدولة التونسية بالإمارة والوزارة والمعروف أن الوزارة المتصلة بالعهد الحاضر ابتدأت في إمارة الأمير علي بن حسين باي الذي تولى الإمارة من سنة (١١٧٢) إلى سنة (١١٩٦) .
следующие страницы →